Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

المجلد الثالث عشر
فتح الباري - كتاب الفتن
مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1 - المجلد الثالث عشر
2 - كِتَاب الْفِتَنِ
قوله "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الفتن" في رواية كريمة والأصيلي تأخير البسملة. والفتن جمع فتنة، قال الراغب: أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار ويطلق على العذاب كقوله: {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} ، وعلى ما يحصل عند العذاب كقوله تعالى :{ أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} ، وعلى الاختبار كقوله: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} ، وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا، قال تعالى :{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} ومنه قوله: "وإن كادوا ليفتنونك" أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحي إليك. وقال أيضا الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات: فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} وقوله: "إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات" وقوله: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} وقوله: "بأيكم المفتون" كقوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ} وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك.
1 - باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}
وَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَذِّرُ مِنْ الْفِتَنِ
7049 - حدثنا علي بن عبد الله حدثنا بشر بن السري حدثنا نافع بن عمر عن بن أبي مليكة قال قالت أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أنا على حوضي نتظر من يرد علي فيؤخذ بناس من دوني فأقول أمتي فيقول لا تدري مشوا على القهقري قال بن أبي مليكة اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن"
7049 - حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن أبي وائل قال قال عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم "أنا فرطكم على الحوض فليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني فأقول أي رب أصحابي يقول لا تدري ما أحدثوا بعدك"
7050, 7051 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ

(13/3)


أَبِي عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلًا فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فِيهِ قَالَ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي"أبي عياش وأنا أحدثهم هذا فقال هكذا سمعت سهلا فقلت نعم قال وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه قال إنهم مني فيقال إنك لا تدري ما بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي"
قوله: "باب ما جاء في قول الله تعالى :{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} قلت: ورد فيه ما أخرجه أحمد والبزار من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: "قلنا للزبير - يعني في قصة الجمل - يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل - يعني عثمان - بالمدينة ثم جئتم تطلبون بدمه - يعني بالبصرة - فقال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت " وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري قال: "قال الزبير: لقد خوفنا بهذه الآية ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ظننا أنا خصصنا بها " وأخرجه النسائي من هذا الوجه نحوه وله طرق أخرى عن الزبير عند الطبري وغيره. وأخرج الطبري من طريق السدي قال: نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل، وعند ابن أبي شيبة نحوه: وعند الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب " ولهذا الأثر شاهد من حديث عدي بن عميرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة " أخرجه أحمد بسند حسن وهو عند أبي داود من حديث العرس بن عميرة وهو أخو عدي، وله شواهد من حديث حذيفة وجرير وغيرهما عند أحمد وغيره. قوله: "وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر" بالتشديد "من الفتن" يشير إلى ما تضمنه حديث الباب من الوعيد على التبديل والإحداث، فإن الفتن غالبا إنما تنشأ عن ذلك، ثم ذكر حديث أسماء بنت أبي بكر مرفوعا: "أنا على حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس ذات الشمال " الحديث وحديث عبد الله بن مسعود رفعه: "أنا فرطكم على الحوض فليرفعن إلي أقوام " الحديث، وحديث سهل بن سعد بمعناه، ومعه حديث أبي سعيد وفي جميعها " إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " لفظ ابن مسعود والآخرين بمعناه، وقد تقدمت في ذكر الحوض آخر كتاب الرقاق وتقدم شرحها في " باب الحشر " قبل ذلك في كتاب الرقاق أيضا، وقوله في حديث أسماء " حدثنا بشر بن السري " هو بكسر الموحدة وسكون المعجمة وأبوه بفتح المهملة وكسر الراء بعدها ياء ثقيلة، وبشر بصري سكن مكة وكان صاحب مواعظ فلقب الأفوه، وهو ثقة عند الجميع إلا أنه كان تكلم في شيء يتعلق برؤية الله في الآخرة فقام عليه الحميدي فاعتذر وتنصل فتكلم فيه بعضهم حتى قال ابن معين رأيته بمكة يدعو على من ينسبه لرأي جهم. وقال ابن عدي: له أفراد وغرائب. قلت: وليس له في البخاري سوى هذا الموضع، وقد وضح أنه متابعة وقوله في حديث سهل " من ورده شرب " وقع في رواية الكشميهني: "يشرب " وقوله: "لم يظمأ " قيل هو كناية عن أنه يدخل الجنة لأنه صفة من يدخلها، وفي حديث أبي سعيد " إنك لا تدري ما بدلوا " وقع في رواية الكشميهني: "ما أحدثوا " وحاصل ما حمل عليه حال المذكورين أنهم إن كانوا ممن ارتد عن الإسلام فلا إشكال في تبرى النبي صلى الله عليه وسلم منهم وإبعادهم، وإن كانوا ممن لم يرتد لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن أو بدعة من اعتقاد القلب فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعا لأمر الله فيهم حتى يعاقبهم على جنايتهم،

(13/4)


ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لأهل الكبائر من أمته فيخرجون عند إخراج الموحدين من النار والله أعلم.

(13/5)


2- باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ
7052 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ
7053 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ الْجَعْدِ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً
[الحديث 7053 – طرفاه في: 7054, 7143]
7054 - حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن الجعد أبي عثمان حدثني أبو رجاء العطاردي قال "سمعت بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية"
7055 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ"
7056 – "فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ"
[الحديث 7056 – طرفاه في: 7200]
7057 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَعْمَلْتَ فُلاَنًا وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي قَالَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أمورا تنكرونها" هذا اللفظ بعض المتن المذكور في ثاني أحاديث الباب وهي ستة أحاديث" الأول قوله: "وقال عبد الله بن زيد إلخ" هو طرف من حديث وصله المصنف في غزوة

(13/5)


حنين من كتاب المغازي وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال للأنصار " إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " وتقدم شرحه هناك. قوله: "حدثنا زيد بن وهب" للأعمش فيه شيخ آخر أخرجه الطبراني في الأوسط من رواية يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة مثل رواية زيد بن وهب. قوله: "عبد الله" هو ابن مسعود وصرح به في رواية الثوري عن الأعمش في علامات النبوة. قوله: "إنكم سترون بعدي أثرة" في رواية الثوري " أثرة " وتقدم ضبط الأثرة وشرحها في شرح الحديث الذي قبله، وحاصلها الاختصاص بحظ دنيوي. قوله: "وأمورا تنكرونها" يعني من أمور الدين، وسقطت الواو من بعض الروايات فهذا بدل من أثرة، وفي حديث أبي هريرة الماضي في ذكر بني إسرائيل عن منصور هنا زيادة في أوله قال: "كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي قام بعده نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فيكثرون " الحديث وفيه معنى ما في حديث ابن مسعود. قوله: "قالوا فما تأمرنا" أي أن نفعل إذا وقع ذلك. قوله: "أدوا إليهم" أي إلى الأمراء "حقهم" أي الذي وجب لهم المطالبة به وقبضه سواء كان يختص بهم أو يعم. ووقع في رواية الثوري " تؤدون الحق الذي عليكم " أي بذل المال الواجب في الزكاة والنفس في الخروج إلى الجهاد عند التعيين ونحو ذلك. قوله: "وسلوا الله حقكم" في رواية الثوري " وتسألون الله الذي لكم " أي بأن يلهمهم إنصافكم أو يبدلكم خيرا منهم، وهذا ظاهره العموم في المخاطبين، ونقل ابن التين عن الداودي أنه خاص بالأنصار وكأنه أخذه من حديث عبد الله بن زيد الذي قبله، ولا يلزم من مخاطبة الأنصار بذلك أن يختص بهم فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين ويختص ببعض المهاجرين دون بعض، فالمستأثر من يلي الأمر ومن عداه هو الذي يستأثر عليه، ولما كان الأمر يختص بقريش ولا حظ للأنصار فيه خوطب الأنصار بأنكم ستلقون أثرة، وخوطب الجميع بالنسبة لمن يلي الأمر، فقد ورد ما يدل على التعميم، ففي حديث يزيد بن سلمة الجعفي عند الطبراني أنه قال: "يا رسول الله إن كان علينا أمراء يأخذون بالحق الذي علينا ويمنعونا الحق الذي لنا أنقاتلهم؟ قال: لا، عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم " وأخرج مسلم من حديث أم سلمة مرفوعا: "سيكون أمراء فيعرفون وينكرون، فمن كره برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا " ومن حديث عوف بن مالك رفعه في حديث في هذا المعنى " قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا الصلاة " وفي رواية له " بالسيف " وزاد: "وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة " وفي حديث عمر في مسنده للإسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال: "أتاني جبريل فقال: إن أمتك مفتتنة من بعدك، فقلت: من أين؟ قال: من قبل أمرائهم وقرائهم، بمنع الأمراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون، ويتبع القراء هؤلاء الأمراء فيفتنون. قلت: فكيف يسلم من سلم منهم؟ قال بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه" . حديث ابن عباس من وجهين في الثاني التصريح بالتحديث والسماع في موضعي العنعنة في الأول. قوله: "عبد الوارث" هو ابن سعيد، والجعد هو أبو عثمان المذكور في السند الثاني، وأبو رجاء هو العطاردي واسمه عمران. قوله: "من كره من أميره شيئا فليصبر" زاد في الرواية الثانية " عليه". قوله: "فإنه من خرج من السلطان" أي من طاعة السلطان، ووقع عند مسلم: "فإنه ليس أحد من الناس يخرج من السلطان " وفي الرواية الثانية " من فارق الجماعة " وقوله: "شبرا " بكسر المعجمة

(13/6)


وسكون الموحدة وهي كناية عن معصية السلطان ومحاربته، قال ابن أبي جمرة: المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكني عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق. قوله: "مات ميتة جاهلية" في الرواية الأخرى " فمات إلا مات ميتة جاهلية " وفي رواية لمسلم: "فميتته ميتة " جاهلية " وعنده في حديث ابن عمر رفعه: "من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " قال الكرماني: الاستثناء هنا بمعنى الاستفهام الإنكاري أي ما فارق الجماعة أحد إلا جرى له كذا، أو حذفت " ما " فهي مقدرة، أو " إلا " زائدة أو عاطفة على رأي الكوفيين، والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا، ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وإن لم يكن هو جاهليا، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير وظاهره غير مراد، ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه قوله في الحديث الآخر " من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه " أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان ومصححا من حديث الحارث بن الحارث الأشعري في أثناء حديث طويل، وأخرجه البزار والطبراني في " الأوسط " من حديث ابن عباس وفي سنده خليد بن دعلج وفيه مقال. وقال: "من رأسه " بدل " عنقه " قال ابن بطال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث الذي بعده. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "عن عمرو" هو ابن الحارث وعند مسلم: "حدثنا عمرو بن الحارث". قوله: "عن بكير" هو ابن عبد الله بن الأشج، وعند مسلم: "حدثني بكير". قوله: "عن بسر" بضم الموحدة وسكون المهملة، ووقع في بعض النسخ بكسر أوله وسكون المعجمة وهو تصحيف، وجنادة بضم الجيم وتخفيف النون، ووقع عند الإسماعيلي من طريق عثمان بن صالح " حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو أن بكيرا حدثه أن بسر بن سعيد حدثه أن جنادة حدثه". قوله: "دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا: أصلحك الله حدث بحديث" في رواية مسلم: "حدثنا " وقولهم " أصلحك الله " يحتمل أنه أراد الدعاء له بالصلاح في جسمه ليعافى من مرضه أو أعم من ذلك، وهي كلمة اعتادوها عند افتتاح الطلب. قوله: "دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه" ليلة العقبة كما تقدم إيضاحه في أوائل كتاب الإيمان أول الصحيح. قوله: "فقال فيما أخذ علينا" أي اشترط علينا. قوله: "أن بايعنا" بفتح العين "على السمع والطاعة" أي له "في منشطنا" بفتح الميم والمعجمة وسكون النون بينهما "ومكرهنا" أي في حالة نشاطنا وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به. ونقل ابن التين عن الداودي أن المراد الأشياء التي يكرهونها، قال ابن التين: والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج ليطابق قوله منشطنا. قلت: ويؤيده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن عبادة عند أحمد " في النشاط والكسل". قوله: "وعسرنا ويسرنا" في رواية إسماعيل بن عبيد " وعلى النفقة في العسر واليسر " وزاد: "وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". قوله: "وأثرة علينا" بفتح الهمزة والمثلثة وقد تقدم

(13/7)


موضع ضبطها في أول الباب، والمراد أن طواعيتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقهم. قوله: "وأن لا ننازع الأمر أهله" أي الملك والإمارة، زاد أحمد من طريق عمير بن هانئ عن جنادة " وإن رأيت أن لك - أي وإن اعتقدت أن لك - في الأمر حقا فلا تعمل بذلك الظن بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة، زاد في رواية حبان أبي النضر عن جنادة عند ابن حبان وأحمد " وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك " وزاد في رواية الوليد بن عبادة عن أبيه " وأن نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم " وسيأتي في كتاب الأحكام. قوله: "إلا أن تروا كفرا بواحا" بموحدة ومهملة " قال الخطابي: معنى قوله بواحا يريد ظاهرا باديا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره " وأنكر ثابت في الدلائل بواحا وقال: إنما يجوز بوحا بسكون الواو وبؤاحا بضم أوله ثم همزة ممدودة. وقال الخطابي: من رواه بالراء فهو قريب من هذا المعنى، وأصل البراح الأرض القفراء التي لا أنيس فيها ولا بناء، وقيل البراح البيان يقال برح الخفاء إذا ظهر. وقال النووي: هو في معظم النسخ من مسلم بالواو وفي بعضها بالراء. قلت: ووقع عند الطبراني من رواية أحمد بن صالح عن ابن وهب في هذا الحديث كفرا صراحا، بصاد مهملة مضمومة ثم راء، ووقع في رواية حبان أبي النضر المذكورة " إلا أن يكون معصية لله بواحا " وعند أحمد من طريق عمير بن هانئ عن جنادة " ما لم يأمروك بإثم بواحا " وفي رواية إسماعيل بن عبيد عند أحمد والطبراني والحاكم من روايته عن أبيه عن عبادة " سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله " وعند أبي بكر بن أبي شيبة من طريق أزهر بن عبد الله عن عبادة رفعه: "سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون فليس لأولئك عليكم طاعة". قوله: "عندكم من الله فيه برهان" أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل، قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام؛ فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم انتهى. وقال غيره: المراد بالإثم هنا المعصية والكفر، فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر، والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادرا والله أعلم. ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر. وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورا بعد أن كان عدلا فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه. حديث أنس عن أسيد بن حضير ذكره مختصرا، وقد تقدم بتمامه مشروحا في مناقب الأنصار، والسر في جوابه عن طلب الولاية بقوله: "سترون بعدي أثرة " إرادة نفي ظنه أنه آثر الذي ولاه عليه؛ فبين له أن ذلك لا يقع في زمانه، وأنه لم يخصه بذلك لذاته بل لعموم مصلحة المسلمين، وأن الاستئثار للحظ الدنيوي إنما يقع بعده، وأمرهم عند وقوع ذلك بالصبر.

(13/8)


3 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلاَكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ أُغَيْلِمَةٍ سُفَهَاءَ
7058 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جَدِّي قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَمَعَنَا مَرْوَانُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ مَرْوَانُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ بَنِي فُلاَنٍ وَبَنِي فُلاَنٍ لَفَعَلْتُ فَكُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي إِلَى بَنِي مَرْوَانَ حِينَ مُلِّكُوا بِالشَّأْمِ فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا قَالَ لَنَا عَسَى هَؤُلاَءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ قُلْنَا أَنْتَ أَعْلَمُ
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء" زاد في بعض النسخ لأبي ذر " من قريش " ولم يقع لأكثرهم، وقد ذكره في الباب من حديث أبي هريرة بدون قوله: "سفهاء " وذكر ابن بطال أن علي بن معبد أخرجه يعني في كتاب الطاعة والمعصية من رواية سماك عن أبي هريرة بلفظ: "على رءوس غلمة سفهاء من قريش". قلت: وهو عند أحمد والنسائي من رواية سماك عن أبي ظالم عن أبي هريرة " إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش " هذا لفظ أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن سماك عن عبد الله بن ظالم، وتابعه أبو عوانة عن سماك عند النسائي، ورواه أحمد أيضا عن زيد بن الحباب عن سفيان لكن قال: "مالك " بدل " عبد الله " ولفظه: "سمعت أبا هريرة يقول لمروان " أخبرني حبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم قال: فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش. وكذا أخرجه من طريق شعبة عن سماك، ولم يقف عليه الكرماني فقال: لم يقع في الحديث الذي أورده بلفظ: "سفهاء " فلعله بوب به ليستدركه ولم يتفق له، أو أشار إلى أنه ثبت في الجملة لكنه ليس على شرطه. قلت: الثاني هو المعتمد وقد أكثر البخاري من هذا. قوله في الترجمة "أغيلمة" تصغير غلمة جمع غلام وواحد الجمع المصغر غليم بالتشديد يقال للصبي حين يولد إلى أن يحتلم غلام وتصغيره غليم وجمعه غلمان وغلمة وأغيلمة ولم يقولوا أغلمة مع كونه القياس كأنهم استغنوا عنه بغلمة، وأغرب الداودي فيما نقله عنه ابن التين فضبط أغيلمة بفتح الهمزة وكسر الغين المعجمة، وقد يطلق على الرجل المستحكم القوة غلام تشبيها له بالغلام في قوته. وقال ابن الأثير المراد بالأغيلمة هنا الصبيان ولذلك صغرهم. قلت: وقد يطلق الصبي والغليم بالتصغير على الضعيف العقل والتدبير والدين ولو كان محتلما وهو المراد هنا، فإن الخلفاء من بني أمية لم يكن فيهم من استخلف وهو دون البلوغ وكذلك من أمروه على الأعمال، إلا أن يكون المراد بالأغيلمة أولاد بعض من استخلف فوقع الفساد بسببهم فنسب إليهم، والأولى الحمل على أعم من ذلك. قوله: "حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو" زاد في علامات النبوة عن أحمد بن محمد المكي " حدثنا عمرو بن يحيى الأموي". قوله: "أخبرني جدي" هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، وقد نسب يحيى في رواية عبد الصمد بن عبد الوارث عن عمرو بن يحيى إلى جد جده الأعلى فوقع في روايته: "حدثنا عمرو بن يحيى ابن العاص سمعت جدي سعيد بن العاص " فنسب سعيدا أيضا إلى والد جد جده، وأبوه عمرو بن سعيد هو المعروف بالأشدق قتله عبد الملك بن مروان لما خرج عليه بدمشق بعد السبعين. قوله: "كنت جالسا مع أبي هريرة" كان ذلك زمن معاوية. قوله: "ومعنا مروان" هو ابن الحكم بن أبي العاص بن

(13/9)


أمية الذي ولي الخلافة بعد ذلك، وكان يلي لمعاوية إمرة المدينة تارة وسعيد بن العاص - والد عمرو - يليها لمعاوية تارة. قوله: "سمعت الصادق المصدوق" تقدم بيانه في كتاب القدر والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقع في رواية عبد الصمد المذكور أن أبا هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفي رواية له أخرى " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "هلكة أمتي" في رواية المكي " هلاك أمتي " وهو المطابق لما في " الترجمة". وفي رواية عبد الصمد " هلاك هذه الأمة " والمراد بالأمة هنا أهل ذلك العصر ومن قاربهم لا جميع الأمة إلى يوم القيامة. قوله: "على يدي غلمة" كذا للأكثر بالتثنية، وللسرخسي والكشميهني: "أيدي " بصيغة الجمع، قال ابن بطال: جاء المراد بالهلاك مبينا في حديث آخر لأبي هريرة أخرجه علي بن معبد وابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "أعوذ بالله من إمارة الصبيان، قالوا وما إمارة الصبيان؟ قال: إن أطعتموهم هلكتم - أي في دينكم - وإن عصيتموهم أهلكوكم " أي في دنياكم بإزهاق النفس أو بإذهاب المال أو بهما. وفي رواية ابن أبي شيبة: "أن أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان " وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين وهو كذلك فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها وبقي إلى سنة أربع وستين فمات ثم ولي ولده معاوية ومات بعد أشهر، وهذه الرواية تخصص رواية أبي زرعة عن أبي هريرة الماضية في علامات النبوة بلفظ: "يهلك الناس هذا الحي من قريش " وإن المراد بعض قريش وهم الأحداث منهم لا كلهم، والمراد أنهم يهلكون ناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله فتفسد أحوال الناس ويكثر الخبط بتوالي الفتن، وقد وقع الأمر كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وأما قوله: "لو أن الناس اعتزلوهم " محذوف الجواب وتقديره: لكان أولى بهم، والمراد باعتزالهم أن لا يداخلوهم ولا يقاتلوا معهم ويفروا بدينهم من الفتن، ويحتمل أن يكون " لو " للتمني فلا يحتاج إلى تقدير جواب. ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك قال ابن وهب عن مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا، وقد صنع ذلك جماعة من السلف. قوله: "فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة" في رواية عبد الصمد " لعنة الله عليهم من أغيلمة " وهذه الرواية تفسر المراد بقوله في رواية المكي " فقال مروان غلمة " كذا اقتصر على هذه الكلمة فدلت رواية الباب أنها مختصرة من قوله لعنة الله عليهم غلمة فكان التقدير غلمة عليهم لعنة الله أو ملعونون أو نحو ذلك، ولم يرد التعجب ولا الاستثبات. قوله: "فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت" في رواية الإسماعيلي: "من بني فلان وبني فلان لقلت " وكأن أبا هريرة كان يعرف أسماءهم وكان ذلك من الجواب الذي لم يحدث به، وتقدمت الإشارة إليه في كتاب العلم، وتقدم هناك قوله: "لو حدثت به لقطعتم هذا البلعوم". قوله: "فكنت أخرج مع جدي" قائل ذلك عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو وجده سعيد بن عمرو " وكان مع أبيه لما غلب على الشام، ثم لما قتل تحول سعيد بن عمرو إلى الكوفة فسكنها إلى أن مات. قوله: "حين ملكوا الشام" أي وغيرها لما ولوا الخلافة، وإنما خصت الشام بالذكر لأنها كانت مساكنهم من عهد معاوية. قوله: "فإذا رآهم غلمانا أحداثا" هذا يقوي الاحتمال الماضي وأن المراد أولاد من استخلف منهم، وأما تردده في أيهم المراد بحديث أبي هريرة فمن جهة كون أبي هريرة لم يفصح بأسمائهم، والذي يظهر أن المذكورين من جملتهم، وأن أولهم يزيد كما دل عليه قول أبي هريرة رأس الستين وإمارة الصبيان فإن يزيد كان غالبا ينتزع الشيوخ من إمارة البلدان الكبار ويوليها الأصاغر من أقاربه، وقوله: "قلنا أنت

(13/10)


أعلم " القائل له ذلك أولاده وأتباعه ممن سمع منه ذلك، وهذا مشعر بأن هذا القول صدر منه في أواخر دولة بني مروان بحيث يمكن عمرو بن يحيى أن يسمع منه ذلك. وقد ذكر ابن عساكر أن سعيد بن عمرو هذا بقي إلى أن وفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك وذلك قبيل الثلاثين ومائة، ووقع في رواية الإسماعيلي أن بين تحديث عمرو بن يحيى بذلك وسماعه له من جده سبعين سنة، قال ابن بطال: وفي هذا الحديث أيضا حجة لما تقدم من ترك القيام على السلطان ولو جار، لأنه صلى الله عليه وسلم أعلم أبا هريرة بأسماء هؤلاء وأسماء آبائهم ولم يأمرهم بالخروج عليهم مع إخباره أن هلاك الأمة على أيديهم لكون الخروج أشد في الهلاك وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم، فاختار أخف المفسدتين وأيسر الأمرين. "تنبيه": يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع أن الظاهر أنهم من ولده فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشد في الحجة عليهم لعلهم يتعظون، وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد أخرجها الطبراني وغيره غالبها فيه مقال وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك

(13/11)


4 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ
7059 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ "عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَنَّهَا قَالَتْ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّوْمِ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَعَقَدَ سُفْيَانُ تِسْعِينَ أَوْ مِائَةً قِيلَ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ"
7060 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ح و حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ "عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى قَالُوا لاَ قَالَ فَإِنِّي لاَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ الْقَطْر"ِ
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ويل للعرب من شر قد اقترب" إنما خص العرب بالذكر لأنهم أو من دخل في الإسلام، وللإنذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم. حديث زينب بنت جحش وهو مطابق للترجمة، ومالك بن إسماعيل شيخه فيه وهو أبو غسان النهدي، وكأنه اختار تخريج هذا الحديث عنه لتصريحه في روايته بسماع سفيان بن عيينة له من الزهري. قوله: "عن عروة" هو ابن الزبير. قوله: "عن زينب بنت أم سلمة" في رواية شعيب عن الزهري " حدثني عروة أن زينب بنت أبي سلمة حدثته". قوله: "عن أم حبيبة" في رواية شعيب " أن أم حبيبة بنت أبي سفيان حدثتها " هكذا قال بعض أصحاب سفيان بن عيينة منهم مالك بن إسماعيل هذا ومنهم عمرو بن محمد الناقد عند مسلم ومنهم سعيد بن منصور في السنن له ومنهم قتيبة وهارون بن عبد الله عند الإسماعيلي والقعنبي عند أبي نعيم، وكذا قال مسدد في مسنده، قلت وهكذا تقدم في أحاديث الأنبياء من رواية عقيل وفي علامات النبوة من رواية شعيب ويأتي في أواخر كتاب الفتن من رواية

(13/11)


محمد بن أبي عتيق كلهم عن الزهري ليس في السند حبيبة زاد جماعة من أصحاب ابن عيينة عنه ذكر حبيبة فقالوا عن زينب بنت أم سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة، هكذا أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وسعيد بن عمرو الأشعثي وزهير بن حرب ومحمد بن يحيى بن أبي عمر أربعتهم عن سفيان عن الزهري، قال مسلم: زادوا فيه حبيبة، وهكذا أخرجه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد كلهم عن سفيان، قال الترمذي: جود سفيان هذا الحديث هكذا رواه الحميدي وعلي ابن المديني وغير واحد من الحفاظ عن سفيان بن عيينة، قال الحميدي قال سفيان: حفظت عن الزهري في هذا الحديث أربع نسوة زينب بنت أم سلمة عن حبيبة وهما ربيبتا النبي صلى الله عليه وسلم عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش وهما زوجا النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق الحميدي فقال في روايته عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة. وقال في آخره: قال الحميدي: قال سفيان " أحفظ في هذا الحديث عن الزهري أربع نسوة قد رأين النبي صلى الله عليه وسلم ثنتين من أزواجه أم حبيبة وزينب بنت جحش وثنتين ربيبتاه زينب بنت أم سلمة وحبيبة بنت أم حبيبة أبوها عبيد الله بن جحش مات بأرض الحبشة". انتهى كلامه. وأخرجه أبو نعيم أيضا من رواية إبراهيم بن بشار الرمادي ونصر بن علي الجهضمي، وأخرجه النسائي عن عبيد الله بن سعيد وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة والإسماعيلي من رواية الأسود بن عامر كلهم عن ابن عيينة بزيادة حبيبة في السند، وساق الإسماعيلي عن هارون بن عبد الله قال قال لي الأسود بن عامر: كيف يحفظ هذا عن ابن عيينة؟ فذكره له بنقص حبيبة فقال: "لكنه حدثنا عن الزهري عن عروة عن أربع نسوة كلهن قد أدركن النبي صلى الله عليه وسلم بعضهن عن بعض " قال الدار قطني أظن سفيان كان تارة يذكرها وتارة يسقطها. قلت ورواه شريح بن يونس عن سفيان فأسقط حبيبة وزينب بنت جحش أخرجه ابن حبان، ومثله لأبي عوانة عن الليث عن الزهري ومن رواية سليمان بن كثير عن الزهري وصرح فيه بالأخبار، وسأذكر شرح المتن في آخر كتاب الفتن إن شاء الله تعالى، وحبيبة بنت عبيد الله بالتصغير ابن جحش هذه ذكرها موسى ابن عقبة فيمن هاجر إلى الحبشة فتنصر عبيد الله بن جحش ومات هناك وثبتت أم حبيبة على الإسلام فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وجهزها إليه النجاشي، وحكى ابن سعد أن حبيبة إنما ولدت بأرض الحبشة فعلى هذا تكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صغيرة فهي نظير التي روت عنها في أن كلا منهما ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم وفي أن كلا منهما من صغار الصحابة، وزينب بنت جحش هي عمة حبيبة المذكورة فروت حبيبة عن أمها عن عمتها وكانت وفاة زينب قبل وفاة أم حبيبة، وزعم بعض الشراح أن رواية مسلم بذكر حبيبة تؤذن بانقطاع طريق البخاري، قلت وهو كلام من لم يطلع على طريق شعيب التي نبهت عليها، وقد جمع الحافظ عبد الغني ابن سعيد الأزدي جزءا في الأحاديث المسلسلة بأربعة من الصحابة وجملة ما فيه أربعة أحاديث، وجمع ذلك بعده الحافظ عبد القادر الرهاوي ثم الحافظ يوسف بن خليل فزاد عليه قدرها وزاد واحدا خماسيا فصارت تسعة أحاديث وأصحها حديث الباب، ثم حديث عمر في العمالة وسيأتي في كتاب الأحكام. حديث أسامة بن زيد، قوله: "عن الزهري" في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان ابن عيينة " حدثنا الزهري " وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم من طريقه. قوله: "عن عروة عن أسامة بن زيد" في رواية الحميدي وابن أبي عمر في مسنده عن ابن عيينة عن الزهري " أخبرني عروة أنه سمع أسامة بن زيد " وقوله: "حدثنا محمود " هو ابن غيلان. قوله: "أشرف النبي صلى الله عليه وسلم" عند الإسماعيلي في رواية معمر " أوفى " وهو بمعنى أشرف أي اطلع من علو.
قوله: "على

(13/12)


أطم" بضمتين هو الحصن وقد تقدم بيانه في آخر الحج. قوله: "من آطام المدينة" تقدم في علامات النبوة عن أبي نعيم بهذا السند بلفظ: "على أطم من الآطام " فاقتضى ذلك أن اللفظ الذي ساقه هنا لفظ معمر. قوله: "هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا" وهذه الزيادة أيضا لمعمر، ولم أرها في شيء من الطرق عن ابن عيينة. قوله: "فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم" في رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان " إني لأرى مواقع الفتن " والمراد بالمواقع مواضع السقوط، والخلال النواحي، قال الطيبي: تقع مفعول ثان ويحتمل أن يكون حالا وهو أقرب، والرؤية بمعنى النظر أي كشف لي فأبصرت ذلك عيانا. قوله: "كوقع القطر" في رواية المستملي والكشميهني: "المطر " وفي رواية علامات النبوة " كمواقع القطر " وقد تقدم الكلام على هذه الرواية في آخر الحج، وإنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله عنه كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولد عنه. ثم أن قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه ثم عليه بتوليته لهم، وأول ما نشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق فلا منافاة بين حديث الباب وبين الحديث الآتي أن الفتنة من قبل المشرق، وحسن التشبيه بالمطر لإرادة التعميم لأنه إذا وقع في أرض معينة عمها ولو في بعض جهاتها، قال ابن بطال: أنذر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زينب بقرب قيام الساعة كي يتوبوا قبل أن تهجم عليهم، وقد ثبت أن خروج يأجوج ومأجوج قرب قيام الساعة فإذا فتح من ردمهم ذاك القدر في زمنه صلى الله عليه وسلم لم يزل الفتح يتسع على مر الأوقات، وقد جاء في حديث أبي هريرة رفعه: "ويل للعرب من شر قد اقترب، موتوا إن استطعتم " قال: وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها حيث جعل الموت خيرا من مباشرتها، وأخبر في حديث أسامة بوقوع الفتن خلال البيوت ليتأهبوا لها فلا يخوضوا فيها ويسألوا الله الصبر والنجاة من شرها.

(13/13)


5 - بَاب ظُهُورِ الْفِتَنِ
7061 - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّمَ هُوَ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ"
وَقَالَ شُعَيْبٌ وَيُونُسُ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
7062, 7063 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالاَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لاَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ"
[الحديث 7062 – طرفه في: 7066والحديث 7064, 7065]
7064 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ قَالَ "جَلَسَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو مُوسَى

(13/13)


فَتَحَدَّثَا فَقَالَ أَبُو مُوسَى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ"
7065 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ "إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ أَبُو مُوسَى سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ وَالْهَرْجُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْقَتْلُ"
7066 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - وَأَحْسِبُهُ رَفَعَهُ – قَالَ: بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّامُ الْهَرْجِ: يَزُولُ فِيهَا الْعِلْمُ, وَيَظْهَرُ فِيهَا الْجَهْلُ قَالَ أَبُو مُوسَى: وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ"
7067 - وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ الأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ تَعْلَمُ الأَيَّامَ الَّتِي ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْهَرْجِ.. نَحْوَهُ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكْهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ"
حديث أبي هريرة، قوله: "حدثنا عياش" بتحتانية ثقيلة ومعجمة، وشيخه عبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى السامي بالمهملة البصري، وسعيد هو ابن المسيب ونسبه أبو بكر بن أبي شيبة في روايته له عن عبد الأعلى المذكور أخرجه ابن ماجه، وكذا عند الإسماعيلي من رواية عبد الأعلى وعبد الواحد وعبد المجيد بن أبي رواد كلهم عن معمر، وهو عند مسلم عن أبي بكر لكن لم يسق لفظه. قوله: "يتقارب الزمان" كذا للأكثر. وفي رواية السرخسي " الزمن " وهي لغة فيه. قوله: "وينقص العلم" كذا للأكثر. وفي رواية المستملي والسرخسي " العمل"، ومثله في رواية شعيب عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عند مسلم، وعنده من رواية يونس عن الزهري في هذه الطريق " ويقبض العلم " ووقع مثله في رواية الأعرج عن أبي هريرة سيأتي في أواخر كتاب الفتن وهي تؤيد رواية من رواه بلفظ: "وينقص العمل " ويؤيده أيضا الحديث الذي بعده بلفظ: "ينزل الجهل ويرفع العلم". قوله: "ويكثر الهرج، قالوا يا رسول الله أيما هو" بفتح الهمزة وتشديد الياء الأخيرة بعدها ميم خفيفة وأصله أي شيء هو، ووقعت للأكثر بغير ألف بعد الميم، وضبطه بعضهم بتخفيف الياء كما قالوا إيش؟ في موضع أي شيء. وفي رواية الإسماعيلي: "وما هو؟ " وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: "قالوا يا رسول الله وما الهرج؟ " وهذه رواية أكثر أصحاب الزهري. وفي رواية عنبسة بن خالد عن يونس عند أبي داود " قيل يا رسول الله إيش هو؟ قال: القتل القتل " وفي رواية للطبراني عن ابن مسعود " القتل والكذب". قوله: "قال القتل القتل" صريح في أن تفسير الهرج مرفوع، ولا يعارض ذلك مجيئه في غير هذه الرواية موقوفا ولا كونه بلسان الحبشة، وقد تقدم في كتاب العلم من طريق سالم بن عبد الله بن عمر " سمعت أبا هريرة " فذكر نحو حديث الباب دون قوله: "يتقارب

(13/14)


الزمان " ودون قوله: "ويلقى الشح " وزاد فيه: "ويظهر الجهل " وقال في آخره: "قيل يا رسول الله وما الهرج؟ فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل " فيجمع بأنه جمع بين الإشارة والنطق فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض كما وقع لهم في الأمور المذكورة، وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه أحمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد " أن رجلا قال له: يا أبا سليمان اتق الله، فإن الفتن ظهرت، فقال: أما وابن الخطاب حي فلا، إنما تكون بعده، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانا لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، فتلك الأيام التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة أيام الهرج". قوله: "وقال يونس" يعني ابن يزيد "وشعيب" يعني ابن أبي حمزة والليث وابن أخي الزهري عن الزهري عن حميد يعني ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة، يعني أن هؤلاء الأربعة خالفوا معمرا في قوله: "عن الزهري عن سعيد " فجعلوا شيخ الزهري حميدا لا سعيدا، وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب، وكأنه رأى أن ذلك لا يقدح، لأن الزهري صاحب حديث فيكون الحديث عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك إطراده في كل من اختلف عليه في شيخه إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ، ولولا ذلك لكانت رواية يونس ومن تابعه أرجح، وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته، فأما رواية يونس فوصلها مسلم كما ذكرت من طريق ابن وهب عنه ولفظه: "ويقبض العلم " وقدم " وتظهر الفتن " على " ويلقى الشح " وقال: "قالوا وما الهرج؟ قال: القتل " ولم يكرر لفظ القتل. ومثله له من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: "لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج " فذكره مقتصرا عليه، وأخرجه أبو داود من رواية عنبسة ابن خالد عن يونس بن يزيد بلفظ: "وينقص العلم " وأما رواية شعيب فوصلها المصنف في كتاب الأدب عن أبي اليمان عنه وقال في روايته: "يتقارب الزمان وينقص العمل " وفي رواية الكشميهني: "العلم " والباقي مثل لفظ معمر. وقال في روايتي يونس وشعيب عن الزهري " حدثني حميد بن عبد الرحمن " وأما رواية الليث فوصلها الطبراني في " الأوسط " من رواية عبد الله بن صالح عنه به مثل رواية ابن وهب، وأما رواية ابن أخي الزهري فوصلها الطبراني أيضا في " الأوسط " من طريق صدقة بن خالد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن ابن أخي الزهري واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم وقال في روايته: "سمعت أبا هريرة " ولفظه مثل لفظ ابن وهب إلا أنه قال: "قلنا وما الهرج يا رسول الله؟ " وأخرجه مسلم من رواية عبد الرحمن بن يعقوب وهمام بن منبه وأبي يونس مولى أبي هريرة ثلاثتهم عن أبي هريرة قال بمثل حديث حميد بن عبد الرحمن غير أنهم لم يذكروا " ويلقى الشح". قلت: وساق أحمد لفظ همام وأوله " يقبض العلم ويقترب الزمن " وقد جاء عن أبي هريرة من طريق أخرى زيادة في الأمور المذكورة، فأخرج الطبراني في " الأوسط " من طريق سعيد بن جبير عنه رفعه: "لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الأمين ويؤتمن الخائن وتهلك الوعول وتظهر التحوت، قالوا يا رسول الله وما التحوت والوعول؟ قال الوعول وجوه الناس وأشرافهم والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس ليس يعلم بهم " وله من طريق أبي علقمة " سمعت أبا هريرة يقول إن من أشراط الساعة " تحوه وزاد كذلك " أنبأنا عبد الله بن مسعود سمعته من حبي؟ قال نعم، قلنا وما التحوت؟ قال: فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة قلنا وما الوعول قال أهل البيوت الصالحة " قال ابن بطال: ليس في هذا الحديث ما يحتاج إلى تفسير غير قوله

(13/15)


يتقارب الزمان ومعناه والله أعلم تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله، وقد جاء في الحديث لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا فإذا تساووا هلكوا يعني لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف من الله يلجأ إليهم عند الشدائد ويستشفى بآرائهم ويتبرك بدعائهم ويؤخذ بتقويمهم وآثارهم. وقال الطحاوي: قد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصة والرضا بالجهل، وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم لأن درج العلم تتفاوت قال تعالى:{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} وإنما يتساوون إذا كانوا جهالا، وكأنه يريد غلبة الجهل وكثرته بحيث يفقد العلم بفقد العلماء قال ابن بطال: وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عيانا فقد نقص العلم وظهر الجهل وألقي الشح في القلوب وعمت الفتن وكثر القتل قلت: الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى مما يقابله إلا النادر، وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم فلا يبقى إلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن ماجه بسند قوي عن حذيفة قال: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ويسري على الكتاب في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية " الحديث وسأذكر مزيدا لذلك في أواخر كتاب الفتن، وعند الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: "ولينزعن القرآن من بين أظهركم يسري عليه ليلا فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء " وسنده صحيح لكنه موقوف وسيأتي بيان معارضه ظاهرا في كتاب الأحكام والجمع بينهما، وكذا القول في باقي الصفات، والواقع أن الصفات المذكورة وجدت مباديها من عهد الصحابة ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام الساعة استحكام ذلك كما قررته، وقد مضى من الوقت الذي قال فيه ابن بطال ما قال نحو ثلاثمائة وخمسين سنة والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد لكن يقل بعضها في بعض ويكثر بعضها في بعض، وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها، وإلى ذلك الإشارة بقوله في حديث الباب الذي بعده " لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه " ثم نقل ابن بطال عن الخطابي في معنى تقارب الزمان المذكور في الحديث الآخر يعني الذي أخرجه الترمذي من حديث أنس وأحمد من حديث أبي هريرة مرفوعا: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة " قال الخطابي هو من استلذاذ العيش، يريد والله أعلم أنه يقع عند خروج المهدي ووقوع الأمنة في الأرض وغلبة العدل فيها فيستلذ العيش عند ذلك وتستقصر مدته، وما زال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت ويستطيلون مدة المكروه وإن قصرت، وتعقبه الكرماني بأنه لا يناسب أخواته من ظهور الفتن وكثرة الهرج وغيرهما. وأقول: إنما احتاج الخطابي إلى تأويله بما ذكر لأنه لم يقع النقص في زمانه، وإلا فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا فإنا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا وإن لم يكن هناك عيش مستلذ، والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان وذلك من علامات قرب الساعة. وقال بعضهم: معنى تقارب الزمان استواء الليل والنهار، قلت وهذا مما قالوه في قوله: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب " كما تقدم بيانه فيما مضى. ونقل ابن التين عن الداودي أن معنى حديث الباب أن ساعات النهار تقصر قرب قيام الساعة ويقرب النهار من

(13/16)


الليل انتهى، وتخصيصه ذلك بالنهار لا معنى له بل المراد نزع البركة من الزمان ليله ونهاره كما تقدم. قال النووي تبعا لعياض وغيره: المراد بقصره عدم البركة فيه وأن اليوم مثلا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة، قالوا وهذا أظهر وأكثر فائدة وأوفق لبقية الأحاديث، وقد قيل في تفسير قوله: "يتقارب الزمان " قصر الأعمار بالنسبة إلى كل طبقة فالطبقة الأخيرة أقصر أعمارا من الطبقة التي قبلها، وقيل تقارب أحوالهم في الشر والفساد والجهل، وهذا اختيار الطحاوي، واحتج بأن الناس لا يتساوون في العلم والفهم، فالذي جنح إليه لا يناسب ما ذكر معه، إلا أن نقول إن الواو لا ترتب فيكون ظهور الفتن أولا ينشأ عنها الهرج " ثم يخرج المهدي فيحصل الأمن". قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان قصره على ما وقع في حديث: "لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر " وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيا ويحتمل أن يكون معنويا، أما الحسي فلم يظهر بعد ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المعنوي فله مدة منذ ظهر يعرف ذلك أهل العلم الديني ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك ويشكون ذلك ولا يدرون العلة فيه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأقوات ففيها من الحرام المحض ومن الشبه ما لا يخفى حتى إن كثيرا من الناس لا يتوقف في شيء ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي، والواقع أن البركة في الزمان وفي الرزق وفي النبت إنما يكون من طريق قوة الإيمان واتباع الأمر واجتناب النهي، والشاهد لذلك قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} انتهى ملخصا. وقال البيضاوي: يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان تسارع الدول إلى الانقضاء والقرون إلى الانقراض فيتقارب زمانهم وتتدانى أيامهم، وأما قول ابن بطال إن بقية الحديث لا تحتاج إلى تفسير فليس كما قال، فقد اختلف أيضا في المراد بقوله: "ينقص العلم " فقيل المراد نقص علم كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلا، وقيل نقص العلم بموت أهله فكلما مات عالم في بلد ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلد، وأما نقص العمل فيحتمل أن يكون بالنسبة لكل فرد فرد، فإن العامل إذا دهمته الخطوب ألهته عن أوراده وعبادته، ويحتمل أن يراد به ظهور الخيانة في الأمانات والصناعات. قال ابن أبي جمرة: نقص العمل الحسي ينشأ عن نقص الدين ضرورة، وأما المعنوي فبحسب ما يدخل من الخلل بسبب سوء المطعم وقلة المساعد على العمل، والنفس ميالة إلى الراحة وتحن إلى جنسها، ولكثرة شياطين الإنس الذين هم أضر من شياطين الجن. وأما قبض العلم فسيأتي بسط القول فيه في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى. وأما قوله: "ويلقى الشح " فالمراد إلقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه فيترك التعليم والفتوى، ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير، وليس المراد وجود أصل الشح لأنه لم يزل موجودا. والمحفوظ في الروايات " يلقى " بضم أوله من الرباعي. وقال الحميدي لم تضبط الرواة هذا الحرف، ويحتمل أن يكون بفتح اللام وتشديد القاف أي يتلقى ويتعلم ويتواصى به كما في قوله: {وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} قال: والرواية بسكون اللام مخففا تفسد المعنى لأن الإلقاء بمعنى الترك ولو ترك لم يكن موجودا وكان مدحا والحديث ينبئ بالذم. قلت: وليس المراد بالإلقاء هنا أن الناس يلقونه، وإنما المراد أنه يلقى إليهم أي يوقع في قلوبهم ومنه {أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} قال الحميدي

(13/17)


ولو قيل بالفاء مع التخفيف لم يستقم لأنه لم يزل موجودا. قلت: لو ثبتت الرواية بالفاء لكان مستقيما، والمعنى أنه يوجد كثيرا مستفيضا عند كل أحد كما تقدمت الإشارة إليه. وقال القرطبي في التذكرة: يجوز أن يكون " يلقى " بتخفيف اللام والفاء أي يترك لأجل كثرة المال وإفاضته حتى يهم ذا المال من يقبل صدقته فلا يجد، ولا يجوز أن يكون بمعنى يوجد لأنه ما زال موجودا، كذا جزم به، وقد تقدم ما يرد عليه، وأما قوله: "وتظهر الفتن " فالمراد كثرتها واشتهارها وعدم التكاتم بها والله المستعان. قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون إلقاء الشح عاما في الأشخاص، والمحذور من ذلك ما يترتب عليه مفسدة، والشحيح شرعا هو من يمنع ما وجب عليه وإمساك ذلك ممحق للمال مذهب لبركته، ويؤيده " ما نقص مال من صدقة " فإن أهل المعرفة فهموا منه أن المال الذي يخرج منه الحق الشرعي لا يلحقه آفة ولا عاهة بل يحصل له النماء، ومن ثم سميت الزكاة لأن المال ينمو بها ويحصل فيه البركة انتهى ملخصا. قال: وأما ظهور الفتن فالمراد بها ما يؤثر في أمر الدين، وأما كثرة القتل فالمراد بها ما لا يكون على وجه الحق كإقامة الحد والقصاص. قوله: "حدثنا مسدد حدثنا عبيد الله بن موسى" كذا وقع عند أبي ذر عن شيوخه في نسخة معتمدة وسقط في غيرها. وقال عياض: ثبت للقابسي عن أبي زيد المروزي وسقط مسدد للباقين وهو الصواب. قلت: وعليه اقتصر أصحاب الأطراف. قوله: "كنت مع عبد الله" هو ابن مسعود، وأبو موسى هو الأشعري. قوله: "فقالا" يظهر من الروايتين اللتين بعدها أن الذي تلفظ بذلك هو أبو موسى لقوله في روايته: "فقال أبو موسى " فذكره، ولا يعارض ذلك الرواية الثالثة من طريق واصل عن أبي وائل عن عبد الله وأحسبه رفعه قال: "بين يدي الساعة " فذكره لاحتمال أن يكون أبو وائل سمعه من عبد الله أيضا لدخوله في قوله في رواية الأعمش " قالا " وقد اتفق أكثر الرواة عن الأعمش على أنه عن عبد الله وأبي موسى معا، ورواه أبو معاوية عن الأعمش فقال: "عن أبي موسى " ولم يذكر عبد الله أخرجه مسلم، وأشار ابن أبي خيثمة إلى ترجيح قول الجماعة وأما رواية عاصم المعلقة التي ختم بها الباب فلولا أنه دون الأعمش وواصل في الحفظ لكانت روايته هي المعتمدة لأنه جعل لكل من أبي موسى وعبد الله لفظ متن غير الآخر، لكن يحتمل أن يكون المتن الآخر كان عند عبد الله ابن مسعود مع المتن الأول. قوله: "ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم" معناه أن العلم يرتفع بموت العلماء فكلما مات عالم ينقص العلم بالنسبة إلى فقد حامله، وينشأ عن ذلك الجهل بما كان ذلك العالم ينفرد به عن بقية العلماء. قوله: "إن بين يدي الساعة لأياما" في رواية الكشميهني بحذف اللام. قوله: "ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل" كذا في هاتين الروايتين، وزاد في الرواية الثالثة وهي رواية جرير ابن عبد الحميد عن الأعمش " والهرج بلسان الحبشة القتل " ونسب التفسير في رواية واصل لأبي موسى، وأصل الهرج في اللغة العربية الاختلاط يقال هرج الناس اختلطوا واختلفوا وهرج القوم في الحديث إذا كثروا وخلطوا، وأخطأ من قال نسبة تفسير الهرج بالقتل للسان الحبشة وهم من بعض الرواة وإلا فهي عربية صحيحة، ووجه الخطأ أنها لا تستعمل في اللغة العربية بمعنى القتل إلا على طريق المجاز لكون الاختلاط مع الاختلاف يفضي كثيرا إلى القتل وكثيرا ما يسمى الشيء باسم ما يؤول إليه، واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحبش، وكيف يدعى على مثل أبي موسى الأشعري الوهم في تفسير لفظة لغوية بل الصواب معه، واستعمال العرب الهرج بمعنى القتل لا يمنع كونها لغة الحبشة وإن ورد استعمالها في الاختلاط والاختلاف كحديث معقل بن يسار رفعه: "العبادة في

(13/18)


الهرج كهجرة إلى " أخرجه مسلم، وذكر صاحب المحكم للهرج معاني أخرى ومجموعها تسعة: شدة القتل وكثرة القتل والاختلاط والفتنة في آخر الزمان وكثرة النكاح وكثرة الكذب وكثرة النوم وما يرى في النوم غير منضبط وعدم الإتقان للشيء. وقال الجوهري: أصل الهرج الكثرة في الشيء يعني حتى لا يتميز. قوله في رواية واصل "وأحسبه رفعه" زاد في رواية القواريري عن غندر " إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "أخرجه الإسماعيلي وكذا أخرجه أحمد عن غندر، ومحمد شيخ البخاري فيه لم ينسب عند الأكثر، ونسبه أبو ذر في روايته محمد بن بشار. قوله: "وقال أبو عوانة عن عاصم" هو ابن أبي النجود القارئ المشهور، ووجدت لأبي عوانة عن عاصم في المعنى سندا آخر أخرجه ابن أبي خيثمة عن عفان وأبي الوليد جميعا عن أبي عوانة عن عاصم عن شقيق عن عروة بن قيس عن خالد بن الوليد فذكر قصة فيها " فأولئك الأيام التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة أيام الهرج " وذكر فيه أن " الفتنة تدهش حتى ينظر الشخص هل يجد مكانا لم ينزل به فلا يجد " وقد وافقه على حديث ابن مسعود الأخير زائدة أخرجه الطبراني من طريقه عن عاصم عن شقيق عن عبد الله " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء " الحديث. قوله: "أنه قال لعبد الله" يعني ابن مسعود "تعلم الأيام التي ذكر - إلى قوله - نحوه" يريد نحو الحديث المذكور " بين يدي الساعة أيام الهرج " وقد رواه الطبراني من طريق زائدة عن عاصم مقتصرا على حديث ابن مسعود المرفوع دون القصة، ووقع عند أحمد وابن ماجه من رواية الحسن البصري عن أسيد بن المتشمس عن أبي موسى في المرفوع زيادة " قال رجل يا رسول الله إنا نقتل في العام الواحد من المشركين كذا وكذا فقال: ليس بقتلكم المشركين، ولكن بقتل بعضكم بعضا " الحديث. قوله: "وقال ابن مسعود" هو بالسند المذكور. قوله: "من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء" قال ابن بطال: هذا وإن كان لفظه لفظ العموم فالمراد به الخصوص، ومعناه أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس بدليل قوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة " فدل هذا الخبر أن الساعة تقوم أيضا على قوم فضلاء. قلت: ولا يتعين ما قال، فقد جاء ما يؤيد العموم المذكور كقوله في حديث ابن مسعود أيضا رفعه: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس " أخرجه مسلم، ولمسلم أيضا من حديث أبي هريرة رفعه: "إن الله يبعث ريحا من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحدا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته " وله في آخر حديث النواس بن سمعان الطويل في قصة الدجال وعيسى ويأجوج ومأجوج " إذ بعث الله ريحا طيبة فتقبض روح كل مؤمن ومسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة " وقد اختلفوا في المراد بقوله: "يتهارجون " فقيل يتسافدون وقيل يتثاورون، والذي يظهر أنه هنا بمعنى يتقاتلون أو لأعم من ذلك؛ ويؤيد حمله على التقاتل حديث الباب، ولمسلم أيضا: "لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله " وهو عند أحمد بلفظ: "على أحد يقول لا إله إلا الله " والجمع بينه وبين حديث: "لا تزال طائفة " حمل الغاية في حديث: "لا تزال طائفة " على وقت هبوب الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم فلا يبقى إلا الشرار فتهجم الساعة عليهم بغتة كما سيأتي بيانه بعد قليل.

(13/19)


6 - باب لاَ يَأْتِي زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ
7068 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا

(13/19)


إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ الْحَجَّاجِ فَقَالَ اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
7069 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ و حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةِ "أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْخَزَائِنِ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْفِتَنِ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ لِكَيْ يُصَلِّينَ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ"
قوله: "باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه" كذا ترجم بالحديث الأول. قوله: "سفيان" هو الثوري و "الزبير بن عدي" بفتح العين بعدها دال وهو كوفي همداني بسكون الميم ولي قضاء الري ويكنى أبا عدي، وهو من صغار التابعين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وقد يلتبس به راو قريب من طبقته وهو الزبير بن عربي بفتح العين والراء بعدها موحدة مكسورة وهو اسم بلفظ النسب بصري يكنى أبا سلمة: وليس له في البخاري سوى حديث واحد تقدم في الحج من روايته عن ابن عمر وتقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك هناك من كلام الترمذي. قوله: "أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون" فيه التفات ووقع في رواية الكشميهني: "فشكوا " وهو على الجادة ووقع في رواية ابن أبي مريم عن الفريابي شيخ البخاري فيه عند أبي نعيم " نشكو " بنون بدل الفاء. وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عند الإسماعيلي: "شكونا إلى أنس ما نلقى من الحجاج". قوله: "من الحجاج" أي ابن يوسف الثقفي الأمير المشهور، والمراد شكواهم ما يلقون من ظلمه لهم وتعديه، وقد ذكر الزبير في " الموفقيات " من طريق مجالد عن الشعبي قال: "كان عمر فمن بعده إذا أخذوا العاصي أقاموه للناس ونزعوا عمامته، فلما كان زياد ضرب في الجنايات بالسياط، ثم زاد مصعب بن الزبير حلق اللحية، فلما كان بشر بن مروان سمر كف الجاني بمسمار، فلما قدم الحجاج قال: هذا كله لعب، فقتل بالسيف". قوله: "فقال اصبروا" زاد عبد الرحمن بن مهدي في روايته: "اصبروا عليه". قوله: "فإنه لا يأتي عليكم زمان" في رواية عبد الرحمن بن مهدي " لا يأتيكم عام " وبهذا اللفظ أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود نحو هذا الحديث موقوفا عليه قال: "ليس عام إلا والذي بعده شر منه " وله عنه بسند صحيح قال: "أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة". قوله: "إلا والذي بعده" كذا لأبي ذر، وسقطت الواو للباقين وثبتت لابن مهدي. قوله: "أشر منه" كذا لأبي ذر والنسفي، وللباقين بحذف الألف، وعلى الأول شرح ابن التين فقال: كذا وقع " أشر " بوزن أفعل، وقد قال في الصحاح فلان شر من فلان ولا يقال أشر إلا في لغة رديئة. ووقع في رواية محمد بن القاسم الأسدي عن الثوري ومالك بن مغول ومسعر وأبي سنان الشيباني أربعتهم عن الزبير بن عدي بلفظ: "لا يأتي على الناس زمان إلا شر من الزمان الذي كان قبله، سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخرجه الإسماعيلي، وكذا أخرجه ابن منده من طريق مالك بن مغول بلفظ: "إلا وهو شر من الذي قبله"

(13/20)


وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير: من رواية مسلم بن إبراهيم عن شعبة عن الزبير بن عدي وقال: تفرد به مسلم عن شعبة. قوله: "حتى تلقوا ربكم" أي حتى تموتوا، وقد ثبت في صحيح مسلم في حديث آخر " واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". قوله: "سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم" في رواية أبي نعيم " سمعت ذلك " قال ابن بطال: هذا الخبر من أعلام النبوة لإخباره صلى الله عليه وسلم بفساد الأحوال، وذلك من الغيب الذي لا يعلم بالرأي وإنما يعلم بالوحي انتهى. وقد استشكل هذا الإطلاق مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخبر الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز، بل لو قيل أن الشر اضمحل في زمانه لما كان بعيدا فضلا عن أن يكون شرا من الزمن الذي قبله وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب، فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج فقال: لا بد للناس من تنفيس. وأجاب بعضهم أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده لقوله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني " وهو في الصحيحين، وقوله: "أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون " أخرجه مسلم. ثم وجدت عن عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع، فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال: "سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالا يفيده ولكن لا يأتي عليكم يوم وإلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فعند ذلك يهلكون " ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود إلى قوله: "شر منه " قال: "فأصابتنا سنة خصب فقال ليس ذلك أعني إنما أعني ذهاب العلماء " ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: "لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله أما إني لا أعني أميرا خيرا من أمير ولا عاما خيرا من عام ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا، ويجيء قوم يفتون برأيهم " وفي لفظ عنه من هذا الوجه " وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه " وأخرج الدارمي الأول من طريق الشعبي بلفظ: "لست أعني عاما أخصب من عام " والباقي مثله وزاد: "وخياركم " قبل قوله: "وفقهاؤكم " واستشكلوا أيضا زمان عيسى بن مريم بعد زمان الدجال، وأجاب الكرماني بأن المراد الزمان الذي يكون بعد عيسى؟ أو المراد جنس الزمان الذي فيه الأمراء، وإلا فمعلوم من الدين بالضرورة أن زمان النبي المعصوم لا شر فيه. قلت: ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده ويكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشر من زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال، وأما زمن عيسى عليه السلام فله حكم مستأنف والله أعلم. ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك فيختص بهم، فأما من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور، لكن الصحابي فهم التعميم فلذلك أجاب من شكا إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر، وهم أو جلهم من التابعين. واستدل ابن حبان في صحيحه بأن حديث أنس ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي وأنه يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، ثم وجدت عن ابن مسعود ما يصلح أن يفسر به الحديث وهو ما أخرجه الدارمي بسند حسن عن عبد الله قال: "لا

(13/21)


يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لست أعني عاما". قوله: "وحدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس وأخوه هو أبو بكر عبد الحميد، ومحمد ابن أبي عتيق هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الله بن أبي بكر نسب لجده، هكذا عطف هذا الإسناد النازل على الذي قبله وهو أعلى منه بدرجتين لأنه أورد الأول مجردا في آخر كتاب الأدب بتمامه، فلما أورده هنا عنه أردفه بالسند الآخر وساقه على لفظ السند الثاني، وابن شهاب شيخ ابن أبي عتيق هو الزهري شيخ شعيب. قوله:"هند بنت الحارث الفراسية" بكسر الفاء بعدها راء وسين مهملة نسبة إلى بني فراس بطن من كنانة وهم إخوة قريش، وكانت هند زوج معبد بن المقداد وقد قيل إن لها صحبة، وتقدم شيء من ذلك في كتاب العلم. قوله: "استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فزعا" بنصب ليلة، وفزعا بكسر الزاي على الحال، ووقع في رواية سفيان بن عيينة عن معمر كما مضى في العلم " استيقظ ذات ليلة " وتقدم هناك الكلام على لفظ ذات ورواية هذا الباب تؤيد أنها زائدة. وفي رواية هشام بن يوسف عن معمر في قيام الليل مثل الباب لكن بحذف فزعا وفي رواية شعيب بحذفهما. قوله: "يقول سبحان الله" في رواية سفيان " فقال سبحان الله " وفي رواية ابن المبارك عن معمر في اللباس " استيقظ من الليل وهو يقول لا إله إلا الله". قوله: "ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل الليلة من الفتن" في رواية غير الكشميهني: "وماذا أنزل " بضم الهمزة وفي رواية سفيان " ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا فتح من الخزائن " وفي رواية شعيب " ماذا أنزل من الخزائن وماذا أنزل من الفتن " وفي رواية ابن المبارك مثله لكن بتقديم وتأخير وقال: "من الفتنة " بالإفراد، وقد تقدم الكلام على المراد بالخزائن وما ذكر معها في كتاب العلم: و " ما " استفهامية فيها معنى التعجب. قوله: "من يوقظ صواحب الحجرات" كذا للأكثر. وفي رواية سفيان " أيقظوا " بصيغة الأمر مفتوح الأول مكسور الثالث، وصواحب بالنصب على المفعولية، وجوز الكرماني إيقظوا بكسر أوله وفتح ثالثه وصواحب منادي ودلت رواية أيقظوا على أن المراد بقوله من يوقظ التحريض على إيقاظهن. قوله: "يريد أزواجه لكي يصلين" في رواية شعيب " حتى يصلين " وخلت سائر الروايات من هذه الزيادة. قوله: "رب كاسية في الدنيا" في رواية سفيان فرب بزيادة فاء في أوله. وفي رواية ابن المبارك " يا رب كاسية " بزيادة حرف النداء في أوله. وفي رواية هشام " كم من كاسية الدنيا عارية يوم القيامة " وهو يؤيد ما ذهب إليه ابن مالك من أن رب أكثر ما ترد للتكثير فإنه قال أكثر النحويين إنها للتقليل وأن معنى مما يصدر بها المضي، والصحيح أن معناها في الغالب التكثير وهو مقتضى كلام سيبويه فإنه قال في " باب كم " واعلم أن كم في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه رب، لأن المعنى واحد إلا أن كم اسم ورب غير اسم انتهى، ولا خلاف أن معنى كم الخبرية التكثير ولم يقع في كتابه ما يعارض ذلك فصح أن مذهبه ما ذكرت وحديث الباب شاهد لذلك، فليس مراده أن ذلك قليل بل المتصف بذلك من النساء كثير " ولذلك لو جعلت كم موضع رب لحسن انتهى، وقد وقعت كذلك في نفس هذا الحديث كما بينته، ومما وردت فيه للتكثير قول حسان:
رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم
وقول عدي:
رب مأمول وراج أملا ... قد ثناه الدهر عن ذاك الأمل

(13/22)


قال: والصحيح أيضا أن الذي يصدر برب لا يلزم كونه ماضي المعنى بل يجوز مضيه وحضوره واستقباله، وقد اجتمع في الحديث الحضور والاستقبال، وشواهد الماضي كثيرة انتهى ملخصا. وأما تصدير رب بحرف النداء في رواية ابن المبارك فقيل المنادى فيه محذوف والتقدير يا سامعين. قوله: "عارية في الآخرة" قال عياض الأكثر بالخفض على الوصف للمجرور برب. وقال غيره: الأولى الرفع على إضمار مبتدأ والجملة في موضع النعت أي هي عارية والفعل الذي يتعلق به رب محذوف. وقال السهيلي: الأحسن الخفض على النعت لأن رب حرف جر يلزم صدر الكلام وهذا رأي سيبويه؛ وعند الكسائي هو اسم مبتدأ والمرفوع خبره، وإليه كان يذهب بعض شيوخنا انتهى. واختلف في المراد بقوله: "كاسية وعارية " على أوجه أحدها كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغني عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا، ثانيها كاسية بالثياب لكنها شفافة لا تستر عورتها فتعاقب في الآخرة بالعرى جزاء على ذلك، ثالثها كاسية من نعم الله عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب، رابعها كاسية جسدها لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو صدرها فتصير عارية فتعاقب في الآخرة، خامسها كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح عارية في الآخرة من العمل فلا ينفعها صلاح زوجها كما قال تعالى :{فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} ذكر هذا الأخير الطيبي ورجحه لمناسبة المقام، واللفظة وإن وردت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكن العبرة بعموم اللفظ، وقد سبق لنحوه الداودي فقال: "كاسية للشرف في الدنيا لكونها أهل التشريف وعارية يوم القيامة قال: ويحتمل أن يراد عارية في النار. قال ابن بطال: في هذا الحديث أن الفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال بأن يتنافس فيه فيقع القتال بسببه وأن يبخل به فيمنع الحق أو يبطر صاحبه فيسرف، فأراد صلى الله عليه وسلم تحذير أزواجه من ذلك كله وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك وأراد بقوله: "من يوقظ " بعض خدمه كما قال يوم الخندق " من يأتيني بخبر القوم " وأراد أصحابه، لكن هناك عرف الذي انتدب كما تقدم وهنا لم يذكر، وفي الحديث الندب إلى الدعاء، والتضرع عند نزول الفتنة ولا سيما في الليل لرجاء وقت الإجابة لتكشف أو يسلم الداعي ومن دعا له وبالله التوفيق.

(13/23)


7 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا
7070 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا"
7071 - حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من حمل علينا السلاح فليس منا"
7072 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ "سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ"
7073 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قُلْتُ لِعَمْرٍو يَا أَبَا مُحَمَّدٍ "سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ

(13/23)


يَقُولُ مَرَّ رَجُلٌ بِسِهَامٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا قَالَ نَعَمْ
7074 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ "عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ بِأَسْهُمٍ قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا لاَ يَخْدِشُ مُسْلِمًا"
7075 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا أَوْ قَالَ فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ"
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من حمل علينا السلاح فليس منا" ذكره من حديث ابن عمر ومن حديث أبي موسى وأورد معهما في الباب ثلاثة أحاديث أخرى. قوله: "من حمل علينا السلاح" في حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم: "من سل علينا السيف " ومعنى الحديث حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حق لما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم، وكأنه كني بالحمل عن المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة. قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يراد بالحمل ما يضاد الوضع ويكون كناية عن القتال به، ويحتمل أن يراد بالحمل حمله لإرادة القتال به لقرينة قوله: "علينا " ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به، وعلى كل حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه. قلت: جاء الحديث بلفظ: "من شهر علينا السلاح " أخرجه البزار من حديث أبي بكرة، ومن حديث سمرة، ومن حديث عمرو بن عوف، وفي سند كل منها لين لكنها يعضد بعضها بعضا وعند أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: "من رمانا بالنبل فليس منا " وهو عند الطبراني في " الأوسط " بلفظ: "الليل " بدل النبل وعند البزار من حديث بريدة مثله. قوله: "فليس منا" أي ليس على طريقتنا، أو ليس متبعا لطريقتنا، لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله ونظيره " من غشنا فليس منا وليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب " وهذا في حق من لا يستحل ذلك، فأما من يستحله فإنه يكفر باستحلال المحرم بشرطه لا مجرد حمل السلاح، والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر، وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره فيقول: معناه ليس على طريقتنا، ويرى أن الإمساك عن تأويله أولى لما ذكرناه، والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحق فيحمل على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالما. قوله: "حدثنا محمد أخبرنا عبد الرزاق" كذا في الأصول التي وقفت عليها وكذا ذكر أبو علي الجياني أنه وقع هنا. وفي العتق " حدثنا محمد - غير منسوب - عن عبد الرزاق " وأن الحاكم جزم بأنه محمد بن يحيى الذهلي إلى آخر كلامه ويحتمل أن يكون محمد هنا هو ابن رافع فإن مسلما أخرج هذا الحديث عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من مسند إسحاق بن راهويه ثم قال: أخرجه البخاري عن إسحاق، ولم أر ذلك لغير أبي نعيم، ويدل على وهمه أن في رواية إسحاق عن عبد الرزاق " حدثنا معمر " والذي في البخاري " عن معمر". قوله: "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح" كذا فيه بإثبات الياء وهو نفي بمعنى النهي، ووقع لبعضهم " لا يشر " بغير ياء وهو بلفظ النهي وكلاهما جائز. قوله: "فإنه

(13/24)


لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده" بالغين المعجمة قال الخليل في العين نزغ الشيطان بين القوم نزغا حمل بعضهم على بعض بالفساد ومنه "من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي" وفي رواية الكشميهني بالعين المهملة ومعناه قلع، ونزع بالسهم رمى به، والمراد أنه يغري بينهم حتى يضرب أحدهما الآخر بسلاحه فيحقق الشيطان ضربته له وقال ابن التين: معنى ينزعه يقلعه من يده فيصيب به الآخر أو يشد يده فيصيبه. وقال النووي: ضبطناه ونقله عياض عن جميع روايات مسلم بالعين المهملة ومعناه يرمي به في يده ويحقق ضربته، ومن رواه بالمعجمة فهو من الإغراء أي له تحقيق الضربة. قوله: "فيقع في حفرة من النار" هو كناية عن وقوعه في المعصية التي تفضي به إلى دخول النار، قال ابن بطال: معناه أن أنفذ عليه الوعيد، وفي الحديث النهي عما يفضي إلى المحذور وإن لم يكن المحذور محققا سواء كان ذلك في جد أو هزل، وقد وقع في حديث أبي هريرة عند ابن أبي شيبة وغيره مرفوعا، من رواية ضمرة ابن ربيعة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه " الملائكة تلعن أحدكم إذا أشار إلى الآخر بحديدة وإن كان أخاه لأبيه وأمه " وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن أبي هريرة موقوفا من رواية أيوب عن ابن سيرين عنه. وأخرج الترمذي أصله موقوفا من رواية خالد الحذاء عن ابن سيرين بلفظ: "من أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة " وقال حسن صحيح غريب، وكذا صححه أبو حاتم من هذا الوجه وقال في طريق ضمرة: منمر. وأخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعاطى السيف مسلولا " ولأحمد والبزار من وجه آخر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "مر بقوم في مجلس يسلون سيفا يتعاطونه بينهم غير مغمود فقال: ألم أزجر عن هذا؟ إذا سل أحدكم السيف فليغمده ثم ليعطه أخاه " ولأحمد والطبراني بسند جيد عن أبي بكرة نحوه وزاد: "لعن الله من فعل هذا، إذا سل أحدكم سيفه فأراد أن يناوله أخاه فليغمده ثم يناوله إياه " قال ابن العربي: إذا استحق الذي يشير بالحديدة اللعن فكيف الذي يصيب بها؟ وإنما يستحق اللعن إذا كانت إشارته تهديدا سواء كان جادا أم لاعبا كما تقدم، وإنما أوخذ اللاعب لما أدخله على أخيه من الروع، ولا يخفى أن إثم الهازل دون إثم الجاد وإنما نهي عن تعاطي السيف مسلولا لما يخاف من الغفلة عند التناول فيسقط فيؤدي. قوله: "قلت لعمرو" يعني ابن دينار، وقد صرح به في رواية مسلم، وعمرو بن دينار هو القائل " نعم " جوابا لقول سفيان له " أسمعت جابرا " وقد تقدم البحث في ذلك في أوائل المساجد من كتاب الصلاة. قوله: "بأسهم" هو جمع قلة يدل على أن المراد بقوله في الطريق الأولى " بسهام " أنها سهام قليلة، وقد وقع في رواية لمسلم أن المار المذكور كان يتصدق بها. قوله: "قد بدا" في رواية غير الكشميهني: "أبدي " والنصول بضمتين جمع نصل بفتح النون وسكون المهملة ويجمع على نصال بكسر أوله كما في الرواية الأولى، والنصل حديدة السهم. قوله: "فأمره أن يأخذ بنصولها" يفسر قوله في الرواية الأخرى " أمسك بنصالها". قوله: "لا يخدش مسلما" بمعجمتين هو تعلل للأمر بالإمساك على النصال، والخدش أول الجراح. حديث أبي موسى، وهو بإسناد " من حمل علينا السلاح". قوله: "إذا مر أحدكم إلخ" فيه أن الحكم عام في جميع المكلفين، بخلاف حديث جابر فإنه واقعة حال لا تستلزم التعميم. وقوله: "فليقبض بكفه " أي على النصال، وليس المراد خصوص ذلك، بل يحرص على أن لا يصيب مسلما بوجه من الوجوه كما دل عليه التعليل بقوله: "أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء " وقوله: "أن يصيب بها " بفتح أن والتقدير كراهية، ووقع في رواية مسلم: "لئلا يصيب

(13/25)


بها " وهو يؤيد مذهب الكوفيين في تقدير المحذوف في مثله، وزاد مسلم في آخر الحديث: "سددنا بعضنا إلى وجوه بعض " وهي بالسين المهملة أي قومناها إلى وجوههم، وهي كناية عما وقع من قتال بعضهم بعضا في تلك الحروب الواقعة في الجمل وصفين، وفي هذين الحديثين تحريم قتال المسلم وقتله وتغليظ الأمر فيه، وتحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى أذيته بكل وجه، وفيه حجة للقول بسد الذرائع".

(13/26)


8 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا إلخ" ترجم بلفظ ثالث أحاديث الباب.
7076 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"
7077 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ "ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"
7078 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ هُوَ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ أَلاَ تَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ فَكَانَ كَذَلِكَ قَالَ لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ حُرِّقَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ أَشْرِفُوا عَلَى أَبِي بَكْرَةَ فَقَالُوا هَذَا أَبُو بَكْرَةَ يَرَاكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا بَهَشْتُ بِقَصَبَةٍ
7079 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَرْتَدُّوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"
7080 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ "عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ اسْتَنْصِتْ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"

(13/26)


قوله "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا الخ" ترجم بلفظ ثالث أحاديث الباب, وفيه خمسة أحاديث: الحديث الأول, قوله: "حدثنا عمر بن حفص" هو ابن غياث، وشقيق هو أبو وائل، والسند كله كوفيون. قوله: "سباب" بكسر المهملة وموحدتين وتخفيف مصدر يقال سبه يسبه سبا وسبابا، وهذا المتن قد تقدم في كتاب الإيمان أول الكتاب من وجه آخر عن أبي وائل، وفيه بيان الاختلاف في رفعه ووقفه، وتقدم توجيه إطلاق الكفر على قتال المؤمن وأن أقوى ما قيل في ذلك أنه أطلق عليه مبالغة في التحذير من ذلك لينزجر السامع عن الإقدام عليه، أو أنه على سبيل التشبيه لأن ذلك فعل الكافر، كما ذكروا نظيره في الحديث الذي بعده. وورد لهذا الحديث سبب أخرجه البغوي والطبراني من طريق أبي خالد الوالبي عن عمرو بن النعمان بن مقرن المزني قال: "انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجلس من مجالس الأنصار ورجل من الأنصار كان عرف بالبذاء ومشاتمة الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " زاد البغوي في روايته: "فقال ذلك الرجل: والله لا أساب رجلا". قوله: "واقد بن محمد" أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر. قوله: "لا ترجعون بعدي" كذا لأبي ذر بصيغة الخبر وللباقين " لا ترجعوا " بصيغة النهي وهو المعروف. قوله: "كفارا" تقدم بيان المراد به في أوائل كتاب الديات، وجملة الأقوال فيه ثمانية، ثم وقفت على تاسع وهو أن المراد ستر الحق والكفر لغة الستر، لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه. وعاشر وهو أن الفعل المذكور يفضي إلى الكفر، لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصي جره شؤم ذلك إلى أشد منها فيخشى أن لا يختم له بخاتمة الإسلام. ومنهم من جعله من لبس السلاح يقول كفر فوق درعه إذا لبس فوقها ثوبا. وقال الداودي: معناه لا تفعلوا بالمؤمنين ما تفعلون بالكفار، ولا تفعلوا بهم ما لا يحل وأنتم ترونه حراما. قلت: وهو داخل في المعاني المتقدمة. واستشكل بعض الشراح غالب هذه الأجوبة بأن راوي الخبر وهو أبو بكرة فهم خلاف ذلك، والجواب أن فهمه ذلك إنما يعرف من توقفه عن القتال واحتجاجه بهذا الحديث، فيحتمل أن يكون توقفه بطريق الاحتياط لما يحتمله ظاهر اللفظ، ولا يلزم أن يكون يعتقد حقيقة كفر من باشر ذلك، ويؤيده أنه لم يمتنع من الصلاة خلفهم ولا امتثال أوامرهم ولا غير ذلك مما يدل على أنه يعتقد فيهم حقيقته. والله المستعان. قوله: "يضرب بعضكم رقاب بعض" بجزم يضرب على أنه جواب النهي، وبرفعه على الاستئناف، أو يجعل حالا. فعلى الأول يقوي الحمل على الكفر الحقيقي ويحتاج إلى التأويل بالمستحل مثلا، وعلى الثاني لا يكون متعلقا بما قبله، ويحتمل أن يكون متعلقا وجوابه ما تقدم. قوله: "يحيى" هو ابن سعيد القطان والسند كله بصريون. قوله: "ابن سيرين" هو محمد. قوله: "وعن رجل آخر" هو حميد بن عبد الرحمن الحميري كما وقع مصرحا به في " باب الخطبة أيام منى " من كتاب الحج، وقد تقدم شرح الخطبة المذكورة في كتاب الحج، وقوله: "أبشاركم " بموحدة ومعجمة جمع بشرة وهو ظاهر جلد الإنسان، وأما البشر الذي هو الإنسان فلا يثنى ولا يجمع، وأجازه بعضهم لقوله تعالى:{فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ}" وقوله: "فإنه " الهاء ضمير الشأن، وقوله: "رب مبلغ " بفتح اللام الثقيلة و " يبلغه " بكسرها، وقوله: "من هو " في رواية الكشميهني: "لمن هو". قوله: "أوعى له" زاد في رواية الحج " منه". قوله: "فكان كذلك" هذه جملة موقوفة من كلام محمد بن سيرين تخللت بين الجمل المرفوعة كما وقع التنبيه عليه واضحا في، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، من كتاب العلم. قوله: "قال لا ترجعوا" هو بالسند

(13/27)


المذكور من رواية محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة، وقد قال البزار بعد تخريجه بطوله لا نعلم من رواه بهذا اللفظ إلا قرة عن محمد بن سيرين. قوله: "فلما كان يوم حرق ابن الحضرمي" في رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن يحيى القطان عند الإسماعيلي: "قال فلما كان " وفاعل قال هو عبد الرحمن بن أبي بكرة، وحرق بضم أوله على البناء للمجهول، ووقع في خط الدمياطي: الصواب أحرق، وتبعه بعض الشراح، وليس الآخر بخطأ بل جزم أهل اللغة باللغتين أحرقه وحرقه والتشديد للتكثير، والتقدير هنا يوم حرق ابن الحضرمي ومن معه، وابن الحضرمي فيما ذكره العسكري اسمه عبد الله بن عمرو بن الحضرمي وأبوه عمرو هو أول من قتل من المشركين يوم بدر، وعلى هذا فلعبد الله رؤية، وقد ذكره بعضهم في الصحابة، ففي الاستيعاب: قال الواقدي ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي عن عمر وعند المدائني أنه عبد الله بن عامر الحضرمي وهو ابن عمرو المذكور، والعلاء ابن الحضرمي الصحابي المشهور عمه، واسم الحضرمي عبد الله بن عماد وكان حالف بني أمية في الجاهلية، وأم ابن الحضرمي المذكور أرنب بنت كريز بن ربيعة وهي عمة عبد الله بن عامر بن كريز الذي كان أمير البصرة في زمن عثمان. قوله: "حين حرقه جارية" بجيم وتحتانية "ابن قدامة" أي ابن مالك بن زهير بن الحصين التميمي السعدي، وكان السبب في ذلك ما ذكره العسكري في الصحابة كان جارية يلقب محرقا لأنه أحرق ابن الحضرمي بالبصرة، وكان معاوية وجه ابن الحضرمي إلى البصرة ليستنفرهم على قتال علي، فوجه على جارية بن قدامة فحصره، فتحصن منه ابن الحضرمي في دار فأحرقها جارية عليه. وذكر الطبري في حوادث سنة ثمان وثلاثين من طريق أبي الحسن المدائني، وكذا أخرجه عمر بن شبة في " أخبار البصرة " أن عبد الله بن عباس خرج من البصرة وكان عاملها لعلي واستخلف زياد بن سمية على البصرة، فأرسل معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرمي ليأخذ له البصرة، فنزل في بني تميم، وانضمت إليه العثمانية، فكتب زياد إلى علي يستنجده، فأرسل إليه أعين ابن ضبيعة المجاشعي فقتل غيلة، فبعث علي بعده جارية بن قدامة فحصر ابن الحضرمي في الدار التي نزل فيها ثم أحرق الدار عليه وعلى من معه وكانوا سبعين رجلا أو أربعين، وأنشد في ذلك أشعارا، فهذا هو المعتمد، وأما ما حكاه ابن بطال عن المهلب أن ابن الحضرمي رجل امتنع من الطاعة، فأخرج إليه جارية بن قدامة فصلبه على جذع ثم ألقى النار في الجذع الذي صلب عليه، فما أدري ما مستنده فيه، وكأنه قاله بالظن، والذي ذكره الطبري هو الذي ذكره أهل العلم بالأخبار، وكان الأحنف يدعو جارية عما إعظاما له، قاله الطبري ومات جارية في خلافة يزيد بن معاوية قاله ابن حبان، ويقال إنه جويرية بن قدامة الذي روى قصة قتل عمر كما تقدم. قوله: "قال أشرفوا على أبي بكرة" أي اطلعوا من مكان مرتفع فرأوه، زاد البزار عن يحيى بن حكيم عن القطان " وهو في حائط له". قوله: "فقالوا هذا أبو بكرة يراك" قال المهلب: لما فعل جارية بابن الحضرمي ما فعل أمر جارية بعضهم أن يشرفوا على أبي بكرة ليختبر إن كان محاربا أو في الطاعة، وكان قد قال له خيثمة: هذا أبو بكرة يراك وما صنعت بابن الحضرمي فربما أنكر عليك بسلاح أو بكلام. فلما سمع أبو بكرة ذلك وهو في علية له قال: لو دخلوا علي داري ما رفعت عليهم قصبة، لأني لا أرى قتال المسلمين فكيف أن أقاتلهم بسلاح. قلت: ومقتضى ما ذكره أهل العلم بالأخبار كالمدائني أن ابن عباس كان استنفر أهل البصرة بأمر علي ليعاودوا محاربة معاوية بعد الفراغ من أمر التحكيم، ثم وقع أمر الخوارج فسار ابن عباس إلى علي فشهد معه النهروان، فأرسل بعض عبد القيس في غيبته إلى معاوية يخبره أن بالبصرة جماعة من

(13/28)


العثمانية، ويسأله توجيه رجل يطلب بدم عثمان، فوجه ابن الحضرمي، فكان من أمره ما كان، فالذي يظهر أن جارية بن قدامة بعد أن غلب وحرق ابن الحضرمي ومن معه استنفر الناس بأمر علي، فكان من رأي أبي بكرة ترك القتال في الفتنة كرأي جماعة من الصحابة، فدل بعض الناس على أبي بكرة ليلزموه الخروج إلى القتال فأجابهم بما قال. قوله: "قال عبد الرحمن" هو ابن أبي بكرة الراوي، وهو موصول بالسند المذكور. قوله: "فحدثتني أمي" هي هالة بنت غليظ العجلية، ذكر ذلك خليفة بن خياط في تاريخه، وتبعه أبو أحمد الحاكم وجماعة؛ وسمى ابن سعد أمه هولة والله أعلم. وذكر البخاري في تاريخه وابن سعد أن عبد الرحمن كان أول مولود ولد بالبصرة بعد أن بنيت، وأرخها ابن زيد سنة أربع عشرة وذلك في أوائل خلافة عمر رضي الله عنه. قوله: "لو دخلوا علي" بتشديد الياء. قوله: "ما بهشت" بكسر الهاء وسكون المعجمة، وللكشميهني بفتح الهاء وهما لغتان، والمعنى ما دافعتهم يقال بهش بعض القوم إلى بعض إذا تراموا للقتال، فكأنه قال ما مددت يدي إلى قصبة ولا تناولتها لأدافع بها عني. وقال ابن التين " ما قمت إليهم بقصبة " يقال بهش له إذا ارتاح له وخف إليه، وقيل معناه ما رميت وقيل معناه ما تحركت. وقال صاحب النهاية: المراد ما أقبلت إليهم مسرعا أدفعهم عني ولا بقصبة، ويقال لمن نظر إلى شيء فأعجبه واشتهاه أو أسرع إلى تناوله: بهش إلى كذا، ويستعمل أيضا في الخير والشر، يقال بهش إلى معروف فلان في الخير وبهش إلى فلان تعرض له بالشر، ويقال بهش القوم بعضهم إلى بعض إذا ابتدروا في القتال وهذا الذي قاله أبو بكرة يوافق ما وقع عند أحمد من حديث ابن مسعود ذكر الفتنة " قلت يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: كف يدك ولسانك وادخل دارك، قلت يا رسول الله أرأيت إن دخل رجل علي داري؟ قال: فادخل بيتك. قال قلت: أفرأيت إن دخل علي بيتي قال فادخل مسجدك - وقبض بيمينه على الكوع - وقل ربي الله حتى تموت على ذلك " وعند الطبراني من حديث جندب " ادخلوا بيوتكم وأخملوا ذكركم قال: أرأيت إن دخل على أحدنا بيته قال: ليمسك بيده وليكن عبد الله المقتول لا القاتل " ولأحمد وأبي يعلى من حديث خرشة ابن الحر " فمن أتت عليه فليمش بسيفه إلى صفاة فليضربه بها حتى ينكسر ثم ليضطجع لها حتى تنجلي " وفي حديث أبي بكرة عند مسلم: "قال رجل يا رسول الله أرأيت أن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين فجاء سهم أو ضربني رجل بسيف؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك " الحديث، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. قوله: "محمد بن فضيل عن أبيه" هو ابن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي. قوله: "لا ترتدوا" تقدم في الحج من وجه آخر عن فضيل بلفظ: "لا ترجعوا " وساقه هناك أتم. حديث جرير وهو ابن عبد الله البجلي. قوله: "لا ترجعوا" كذا للأكثر. وفي رواية الكشميهني لا ترجعن بعد العين المهملة المضمومة نون ثقيلة وأصله لا ترجعون، وقد تقدم في العلم وفي أواخر المغازي وفي الديات بلفظ: "لا ترجعوا " وليس لأبي زرعة بن عمرو ابن جرير عن جده في البخاري إلا هذا الحديث، وعلي بن مدرك الراوي عنه نخعي كوفي متفق على توثيقه، ولا أعرف له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد في المواضع المذكورة.

(13/29)


9 - باب تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ
7081 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ

(13/29)


أَبِي هُرَيْرَةَ ح قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ"
7082 - حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ستكون فتن القاعد فيها خير والقائم خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي, من تشرف لها تستشرفه فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به"
قوله: "باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم" كذا ترجم ببعض الحديث، وأورده من رواية سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سلمة وهو عمه، ومن رواية ابن شهاب عن سعيد بن المسيب كلاهما عن أبي هريرة، ومن رواية شعيب عن ابن شهاب الزهري " أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن " وكأنه صحح أن لابن شهاب فيه شيخين. ولفظ الحديثين سواء إلا ما سأبينه، وقد أخرجه في علامات النبوة عن عبد العزيز الأويسي عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عنهما جميعا، وكذا أخرجه مسلم من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه، ولم يسق البخاري لفظ سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة وساقه مسلم من طريق أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد وفي أوله " تكون فتنة النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القائم". قوله: "ستكون فتن" في رواية المستملي: "فتنة " بالإفراد. قوله: "القاعد فيها خير من القائم" زاد الإسماعيلي من طريق الحسن بن إسماعيل الكلبي عن إبراهيم بن سعد بسنده فيه في أوله " النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القاعد"، والحسن بن إسماعيل المذكور وثقه النسائي وهو من شيوخه، ثم وجدت هذه الزيادة عند مسلم أيضا من رواية أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد، وكان أخرجه أولا من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه كرواية محمد بن عبيد الله شيخ البخاري فيه، فكأن إبراهيم بن سعد كان يذكره تاما وناقصا، ووقع في رواية خرشة بن الحر عند أحمد وأبي يعلى مثل هذه الزيادة، وقد وجدت لهذه الزيادة شاهدا من حديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود بلفظ: "النائم فيها خير من المضطجع " وهو المراد باليقظان في الرواية المذكورة لأنه قابله بالقاعد. قوله: "والماشي فيها خير من الساعي" في حديث ابن مسعود " والماشي فيها خير من الراكب والراكب فيها خير من المجري قتلاها كلها في النار" . قوله: "خير من الساعي" في حديث أبي بكرة عند مسلم: "من الساعي إليها " وزاد: "ألا فإذا نزلت فمن كانت له إبل فليلحق بإبله " الحديث قال بعض الشراح في قوله: "والقاعد فيها خير من القائم " أي القاعد في زمانها عنها قال: والمراد بالقائم الذي لا يستشرفها وبالماشي من يمشي في أسبابه لأمر سواها، فربما يقع بسبب مشيه في أمر يكرهه وحكى ابن التين عن الداودي أن الظاهر أن المراد من يكون مباشرا لها في الأحوال كلها، يعني أن بعضهم في ذلك أشد من بعض، فأعلاهم في ذلك الساعي فيها بحيث يكون سببا لإثارتها، ثم من يكون قائما بأسبابها وهو الماشي، ثم من يكون مباشرا لها وهو القائم، ثم من يكون مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد، ثم من يكون مجتنبا لها ولا يباشر ولا ينظر وهو المضطجع اليقظان، ثم من لا يقع منه شيء من ذلك ولكنه راض وهو النائم، والمراد

(13/30)


بالأفضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شرا ممن فوقه على التفصيل المذكور. قوله: "من تشرف لها" بفتح المثناة والمعجمة وتشديد الراء أي تطلع لها بأن يتصدى ويتعرض لها ولا يعرض عنها، وضبط أيضا من الشرف ومن الإشراف. قوله: "تستشرفه" أي تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك، يقال استشرفت الشيء علوته وأشرفت عليه، يريد من انتصب لها انتصبت له ومن أعرض عنها أعرضت عنه، وحاصله أن من طلع فيها بشخصه قابلته بشرها، ويحتمل أن يكون المراد من خاطر فيها بنفسه أهلكته، ونحوه قول القائل من غالبها غلبته. قوله: "فمن وجد فيها" في رواية الكشميهني: "منها". قوله: "ملجأ" أي يلتجئ إليه من شرها. قوله: "أو معاذا" بفتح الميم وبالعين المهملة وبالذال المعجمة هو بمعنى الملجأ، قال ابن التين ورويناه بالضم يعني معاذا، قوله: "فليعذبه" أي ليعتزل فيه ليسلم من شر الفتنة وفي رواية سعد بن إبراهيم " فليستعذ " ووقع تفسيره عند مسلم في حديث أبي بكرة ولفظه: "فإذا نزلت فمن كان له إبل فليلحق بإبله - وذكر الغنم والأرض - قال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج إن استطاع". وفيه التحذير من الفتنة والحث على اجتناب الدخول فيها وأن شرها يكون بحسب التعلق بها، والمراد بالفتنة ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل. قال الطبري: اختلف السلف فحمل ذلك بعضهم على العموم وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقا كسعد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة في آخرين، وتمسكوا بالظواهر المذكورة وغيرها، ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفة بلزوم البيوت. وقالت طائفة بل بالتحول عن بلد الفتن أصلا. ثم اختلفوا فمنهم من قال: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال: بل يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله وهو معذور إن قتل أو قتل. وقال آخرون: إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت من الواجب عليها ونصبت الحرب وجب قتالها، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ ونصر المصيب، وهذا قول الجمهور، وفصل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب، وغيره على ذلك وهو قول الأوزاعي، قال الطبري: والصواب أن يقال إن الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها. وذهب آخرون إلى أن الأحاديث وردت في حق ناس مخصوصين، وأن النهي مخصوص بمن خوطب بذلك. وقيل إن أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان حيث يحصل التحقق أن المقاتلة إنما هي في طلب الملك. وقد وقع في حديث ابن مسعود الذي أشرت إليه " قلت يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال أيام الهرج قلت ومتى؟ قال حين لا يأمن الرجل جليسه".

(13/31)


10 - بَاب إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا
7083 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ "خَرَجْتُ بِسِلاَحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلاَهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ قِيلَ فَهَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَيُّوبَ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَنَا

(13/31)


أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ فَقَالاَ إِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ الْحَسَنُ عَنْ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا وَقَالَ مُؤَمَّلٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ الأَحْنَفِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَقَالَ غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ
قوله باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما قوله: "حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب" وهو الحجبي بفتح المهملة والجيم. قوله: "حماد" هو ابن زيد وقد نسبه في أثناء الحديث. قوله: "عن رجل لم يسمه" هو عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة وكان سيئ الضبط، هكذا جزم المزي في التهذيب بأنه المبهم في هذا الموضع، وجوز غيره كمغلطاي أن يكون هو هشام بن حسان وفيه بعد. قوله: "عن الحسن" هو البصري "قال خرجت بسلاحي ليالي الفتنة" كذا وقع في هذه الرواية، وسقط الأحنف بين الحسن وأبي بكرة كما سيأتي، والمراد بالفتنة الحرب التي وقعت بين علي ومن معه وعائشة ومن معها، وقوله: "خرجت بسلاحي " في رواية عمر بن شبة عن خالد بن خداش عن حماد بن زيد عن أيوب ويونس عن الحسن " عن الأحنف قال: التحفت علي بسيفي لآتى عليا فأنصره ": وقوله: "فاستقبلني أبو بكرة " في رواية مسلم الآتي التنبيه عليها " فلقيني أبو بكرة". قوله: "أين تريد" زاد مسلم في روايته: "يا أحنف". قوله: "نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية مسلم: "أريد نصر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يعني عليا " قال فقال لي: يا أحنف ارجع". قوله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية مسلم: "فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "فكلاهما من أهل النار" في رواية الكشميهني في النار " وفي رواية مسلم فالقاتل والمقتول في النار". قوله: "قيل فهذا القاتل" القائل هو أبو بكرة وقع مبينا في رواية مسلم، لكن شك فقال: "فقلت أو قيل " ووقع في رواية أيوب عند عبد الرزاق " قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول " وقوله: "هذا القاتل " مبتدأ وخبره محذوف، أي هذا القاتل يستحق النار، وقوله: "فما بال المقتول " أي فما ذنبه. قوله: "إنه أراد قتل صاحبه" تقدم في الإيمان بلفظ: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه". قوله: "قال حماد بن زيد" هو موصول بالسند المذكور. قوله: "فقالا إنما روى هذا الحديث الحسن عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة" يعني أن عمرو بن عبيد أخطأ في حذف الأحنف بين الحسن وأبي بكرة، لكن وافقه قتادة أخرجه النسائي من وجهين عنه عن الحسن عن أبي بكرة، إلا أنه اقتصر على الحديث دون القصة، فكأن الحسن كان يرسله عن أبي بكرة فإذا ذكر القصة أسنده، وقد رواه سليمان التيمي عن الحسن عن أبي موسى أخرجه النسائي أيضا، وتعقب بعض الشراح قول البزار لا يعرف الحديث بهذا اللفظ إلا عن أبي بكرة وهو ظاهر، ولكن لعل البزار يرى أن رواية التيمي شاذة لأن المحفوظ عن الحسن رواية من قال عنه عن الأحنف عن أبي بكرة. قوله: "حدثنا سليمان حدثنا حماد بهذا" سليمان هو ابن حرب والظاهر أن قوله: "بهذا " إشارة إلى موافقة الرواية التي ذكرها حماد بن زيد عن أيوب ويونس بن عبيد، وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعا عن أحمد بن عبدة الضبي عن حماد بن زيد عن أيوب ويونس بن عبيد والمعلى بن زياد

(13/32)


ثلاثتهم عن الحسن البصري عن الأحنف ابن قيس فساق الحديث دون القصة، وأخرجه أبو داود عن أبي كامل الجحدري " حدثنا حماد " فذكر القصة باختصار يسير. قوله: "وقال مؤمل" بواو مهموزة وزن محمد وهو ابن إسماعيل أبو عبد الرحمن البصري نزيل مكة، أدركه البخاري ولم يلقه لأنه مات سنة ست ومائتين وذلك قبل أن يرحل البخاري، ولم يخرج عنه إلا تعليقا، وهو صدوق كثير الخطأ قاله أبو حاتم الرازي، وقد وصل هذه الطريق الإسماعيلي من طريق أبي موسى محمد بن المثنى " حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا أحمد بن زيد عن أيوب يونس هو ابن عبيد وهشام عن الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة " فذكر الحديث دون القصة، ووصله أيضا من طريق يزيد بن سنان " حدثنا مؤمل حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب ويونس والمعلى بن زياد قالوا حدثنا الحسن " فذكره، وأخرجه أحمد عن مؤمل عن حماد عن الأربعة، فكأن البخاري أشار إلى هذه الطريق. قوله: "ورواه معمر عن أيوب". قلت: وصله مسلم وأبو داود والنسائي والإسماعيلي من طريق عبد الرزاق عنه فلم يسق مسلم لفظه ولا أبو داود، وساقه النسائي والإسماعيلي فقال: "عن أيوب عن الحسن عن الأحنف ابن قيس عن أبي بكرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذكر الحديث دون القصة، وفي هذا السند لطيفة وهو أن رجاله كلهم بصريون، وفيهم ثلاثة عن التابعين في نسق أولهم أيوب، قال الدار قطني بعد أن ذكر الاختلاف في سنده: والصحيح حديث أيوب من حديث حماد بن زيد ومعمر عنه. قوله: "ورواه بكار بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي بكرة". قلت: عبد العزيز هو ابن عبد الله بن أبي بكرة، وقد وقع منسوبا عند ابن ماجه، ومنهم من نسبه إلى جده فقال عبد العزيز بن أبي بكرة، وليس له ولا لولده بكار في البخاري إلا هذا الحديث، وهذه الطريق وصلها الطبراني من طريق خالد بن خداش بكسر المعجمة والدال المهملة وآخره شين معجمة قال: "حدثنا بكار بن عبد العزيز " بالسند المذكور ولفظه: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن فتنة كائنة، القاتل والمقتول في النار، إن المقتول قد أراد قتل القاتل". قوله: "وقال غندر حدثنا شعبة عن منصور" هو ابن المعتمر "عن ربعي" بكسر الراء وسكون الموحدة وهو اسم بلفظ النسب واسم أبيه حراش بكسر المهملة وآخره شين معجمة تابعي مشهور، وقد وصله الإمام أحمد قال: "حدثنا محمد بن جعفر " وهو غندر بهذا السند مرفوعا ولفظه: "إذا التقى المسلمان حمل أحدهما على صاحبه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتله وقعا فيها جميعا " وهكذا أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة ومن طريقه أبو عوانة في صحيحه. قوله: "ولم يرفعه سفيان" يعني الثوري "عن منصور" يعني بالسند المذكور، وقد وصله النسائي من رواية يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري بالسند المذكور إلى أبي بكرة قال: "إذا حمل الرجلان المسلمان السلاح أحدهما على الآخر فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما الآخر فهما في النار " وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب الإيمان أوائل الصحيح، قال العلماء معنى كونهما في النار أنهما يستحقان ذلك ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلا، وقيل هو محمول على من استحل ذلك، ولا حجة فيه للخوارج ومن قال من المعتزلة بأن أهل المعاصي مخلدون في النار لأنه لا يلزم من قوله فهما في النار استمرار بقائهما فيها. واحتج به من لم ير القتال في الفتنة وهم كل من ترك القتال مع علي في حروبه كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة وغيرهم وقالوا: يجب الكف حتى لو أراد أحد قتله لم يدفعه عن نفسه. ومنهم من قال لا يدخل في الفتنة فإن أراد أحد قتله دفع عن نفسه، وذهب

(13/33)


جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضعف عن القتال أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق، واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وأن المصيب يؤجر أجرين كما سيأتي بيانه في كتاب الأحكام، وحمل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث على من قاتل بغير تأويل سائغ بل بمجرد طلب الملك، ولا يرد على ذلك منع أبي بكرة الأحنف من القتال مع علي لأن ذلك وقع عن اجتهاد من أبي بكرة أداه إلى الامتناع والمنع احتياطا لنفسه ولمن نصحه وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى. قال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد ولا أبطل باطل، ولوجد أهل الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المحرمات من أخذ الأموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء انتهى. وقد أخرج البزار في حديث: "القاتل والمقتول في النار " زيادة تبين المراد وهي " إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار " ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ: "لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار " قال القرطبي فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهل من طلب الدنيا أو اتباع هوى فهو الذي أريد بقوله: "القاتل والمقتول في النار". قلت: ومن ثم كان الذين توقفوا عن القتال في الجمل وصفين أقل عددا من الذين قاتلوا، وكلهم متأول مأجور إن شاء الله، بخلاف من جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا كما سيأتي عن أبي برزة الأسلمي والله أعلم. ومما يؤيد ما تقدم ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رفعه: "من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية " واستدل بقوله: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه " من ذهب إلى المؤاخذة بالعزم وإن لم يقع الفعل، وأجاب من لم يقل بذلك أن في هذا فعلا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال، ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة، فالقاتل يعذب على القتال والقتل، والمقتول يعذب على القتال فقط فلم يقع التعذيب على العزم المجرد، وقد تقدم البحث في هذه المسألة في كتاب الرقاق عند الكلام على قوله: "من هم بحسنة ومن هم بسيئة " وقالوا في قوله تعالى:{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" اختيار باب الافتعال في الشر لأنه يشعر بأنه لا بد فيه من المعالجة، بخلاف الخير فإنه يثاب عليه بالنية المجردة، ويؤيده حديث: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا " والحاصل أن المراتب ثلاث: الهم المجرد وهو يثاب عليه ولا يؤاخذ به، واقتران الفعل بالهم أو بالعزم ولا نزاع في المؤاخذة به، والعزم وهو أقوى من الهم وفيه النزاع. "تنبيه": ورد في اعتزال الأحنف القتال في وقعة الجمل سبب آخر، فأخرج الطبري بسند صحيح عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان قال: "قلت له أرأيت اعتزال الأحنف ما كان؟ قال: سمعت الأحنف قال: حججنا فإذا الناس مجتمعون في وسط المسجد - يعني النبوي - وفيهم علي والزبير وطلحة وسعد إذ جاء عثمان " فذكر قصة مناشدته لهم في ذكر مناقبه، قال الأحنف: فلقيت طلحة والزبير فقلت: إني لا أرى هذا الرجل - يعني عثمان - إلا مقتولا، فمن تأمراني به؟ قالا: علي، فقدمنا مكة فلقيت عائشة وقد

(13/34)


بلغنا قتل عثمان فقلت لها: من تأمريني به؟ قالت: علي، قال فرجعنا إلى المدينة فبايعت عليا ورجعت إلى البصرة فبينما نحن كذلك إذ أتاني آت فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير نزلوا بجانب الخريبة يستنصرون بك، فأتيت عائشة فذكرتها بما قالت لي، ثم أتيت طلحة والزبير فذكرتهما " فذكر القصة وفيها " قال فقلت والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أقاتل رجلا أمرتموني ببيعته، فاعتزل القتال مع الفريقين. ويمكن الجمع بأنه هم بالترك ثم بدا له في القتال مع علي ثم ثبطه عن ذلك أبو بكرة، أو هم بالقتال مع علي فثبطه أبو بكرة، وصادف مراسلة عائشة له فرجح عنده الترك. وأخرج الطبري أيضا من طريق قتادة قال: نزل علي بالزاوية فأرسل إليه الأحنف: إن شئت أتيتك وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إليه: كف من قدرت على كفه.

(13/35)


11 - باب كَيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَة ؟
7084 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ
قول "باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة" ؟ كان تامة، والمعنى ما الذي يفعل المسلم في حال الاختلاف من قبل ألا يقع الإجماع على خليفة. قوله: "حدثنا ابن جابر" هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر كما صرح به مسلم في روايته عن محمد بن المثنى شيخ البخاري فيه. قوله: "حدثني بسر" بضم الموحدة وسكون المهملة "ابن عبيد الله" بالتصغير تابعي صغير، والسند كله شاميون إلا شيخ البخاري والصحابي. قوله: "مخافة أن يدركني" في رواية نصر بن عاصم عن حذيفة عند ابن أبي شيبة: "وعرفت أن الخير لن يسبقني". قوله: "في جاهلية وشر" يشير إلى ما كان من قبل الإسلام من الكفر وقتل بعضهم بعضا ونهب بعضهم بعضا وإتيان الفواحش. قوله: "فجاءنا الله بهذا الخير" يعني الإيمان والأمن وصلاح الحال واجتناب الفواحش، زاد مسلم في رواية أبي الأسود عن حذيفة " فنحن فيه: "قوله: "فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم" في رواية نصر بن عاصم " فتنة وفي رواية سبيع بن خالد عن حذيفة عند ابن أبي شيبة: "فما العصمة منه؟ قال السيف قال فهل بعد السيف من تقية؟ قال نعم هدنة " والمراد بالشر ما يقع من

(13/35)


الفتن من بعد قتل عثمان وهلم جرا أو ما يترتب على ذلك من عقوبات الآخرة. قوله: "قال: نعم، وفيه دخن" بالمهملة ثم المعجمة المفتوحتين بعدها نون وهو الحقد، وقيل الدغل، وقيل فساد في القلب، ومعنى الثلاثة متقارب. يشير إلى أن الخير الذي يجيء بعد الشر لا يكون خيرا خالصا بل فيه كدر. وقيل المراد بالدخن الدخان ويشير بذلك إلى كدر الحال، وقيل الدخن كل أمر مكروه. وقال أبو عبيد يفسر المراد بهذا الحديث، الحديث الآخر " لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه " وأصله أن يكون في لون الدابة كدورة فكأن المعنى أن قلوبهم لا يصفو بعضها لبعض. قوله: "قوم يهدون" بفتح أوله "بغير هديي" بباء الإضافة بعد الياء للأكثر وبياء واحدة مع التنوين للكشميهني. وفي رواية أبي الأسود " يكون بعدي أئمة يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي". قوله: "تعرف منهم وتنكر" يعني من أعمالهم، وفي حديث أم سلمة عند مسلم: "فمن أنكر برئ ومن كره سلم". قوله: "دعاة" بضم الدال المهملة جمع داع أي إلى غير الحق. قوله: "على أبواب جهنم" أطلق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم، كما يقال لمن أمر بفعل محرم: وقف على شفير جهنم. قوله: "هم من جلدتنا" أي من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا، وفيه إشارة إلى أنهم من العرب. وقال الداودي: أي من بني آدم. وقال القابسي: معناه أنهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن محالفون، وجلدة الشيء ظاهره، وهي في الأصل غشاء البدن، قيل ويؤيد إرادة العرب أن السمرة غالبة عليهم واللون إنما يظهر في الجلد، ووقع في رواية أبي الأسود " فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس " وقوله: "جثمان " بضم الجيم وسكون المثلثة هو الجسد ويطلق على الشخص، قال عياض: المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت بعد عثمان، والمراد بالخير الذي بعده ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز، والمراد بالذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده، فكان فيهم من يتمسك بالسنة والعدل وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور قلت: والذي يظهر أن المراد بالشر الأول ما أشار إليه من الفتن الأولى، وبالخير ما وقع من الاجتماع مع علي ومعاوية وبالدخن ما كان في زمنهما من بعض الأمراء كزياد بالعراق وخلاف من خالف عليه من الخوارج، وبالدعاة على أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "الزم جماعة المسلمين وإمامهم " يعني ولو جار ويوضح ذلك رواية أبي الأسود " ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك " وكان مثل ذلك كثيرا في إمارة الحجاج ونحوه. قوله: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" بكسر الهمزة أي أميرهم زاد في رواية أبي الأسود " تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك " وكذا في رواية خالد بن سبيع عند الطبراني " فإن رأيت خليفة فالزمه وإن ضرب ظهرك، فإن لم يكن خليفة فالهرب". قوله: "ولو أن تعض" بفتح العين المهملة وتشديد الضاد المعجمة أي ولو كان الاعتزال بالعض فلا تعدل عنه. وتعض بالنصب للجميع، وضبطه الأشيري بالرفع، وتعقب بأن جوازه متوقف على أن يكون " أن " التي تقدمته مخففة من الثقيلة وهنا لا يجوز ذلك لأنها لا تلي " لو " نبه عليه صاحب المغني. وفي رواية عبد الرحمن ابن قرط عن حذيفة عند ابن ماجه: "فلأن تموت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم " والجذل بكسر الجيم وسكون المعجمة بعدها لام عود ينص لتحتك به الإبل، وقوله: "وأنت على ذلك أي العض"، وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا. قال البيضاوي: المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان يعض الحجارة من شدة الألم، أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر

(13/36)


" عضوا عليها بالنواجذ " ويؤيد الأول قوله في الحديث الآخر " فإن مت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم " وقال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم " دعاة على أبواب جهنم " ولم يقل فيهم " تعرف وتنكر " كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة. قال الطبري: اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة، فقال قوم: هو للوجوب والجماعة السواد الأعظم، ثم ساق عن محمد بن سيرين عن أبي مسعود أنه وصى من سأله لما قتل عثمان " عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة". وقال قوم: المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم. وقال قوم: المراد بهم أهل العلم لأن الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين. قال الطبري: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها، ويؤيده رواية عبد الرحمن بن قرط المتقدم ذكرها، قال ابن أبي جمرة: في الحديث حكمة الله في عباده كيف أقام كلا منهم فيما شاء؛ فحبب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير ليعلموا بها ويبلغوها غيرهم، وحبب لحذيفة السؤال عن الشر ليجتنبه ويكون سببا في دفعه عمن أراد الله له النجاة، وفيه سعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بوجوه الحكم كلها حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه، ويؤخذ منه أن كل من حبب إليه شيء فإنه يفوق فيه غيره، ومن ثم كان حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره حتى خص بمعرفة أسماء المنافقين وبكثير من الأمور الآتية، ويؤخذ منه أن من أدب التعليم أن يعلم التلميذ من أنواع العلوم ما يراه مائلا إليه من العلوم المباحة، فإنه أجدر أن يسرع إلى تفهمه والقيام به وأن كل شيء يهدي إلى طريق الخير يسمى خيرا وكذا بالعكس. ويؤخذ منه ذم من جعل للدين أصلا خلاف الكتب والسنة وجعلهما فرعا لذلك الأصل الذي ابتدعوه، وفيه وجوب رد الباطل وكل ما خالف الهدي النبوي ولو قاله من قاله من رفيع أو وضيع.

(13/37)


12 - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ
7085 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ قَالَ "أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}
قوله: "باب من كره أن يكثر" بالتشديد "سواد الفتن والظلم" أي أهلهما، والمراد بالسواد وهو بفتح المهملة وتخفيف الواو الأشخاص، وقد جاء عن ابن مسعود مرفوعا: "من كثر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم

(13/37)


كان شريك من عمل به " أخرجه أبو يعلى، وفيه قصة لابن مسعود، وله شاهد عن أبي ذر في الزهد لابن المبارك غير مرفوع. قوله: "حدثنا حيوة" بفتح المهملة والواو بينهما ياء آخر الحروف ساكنة. قوله: "وغيره" كأنه يريد ابن لهيعة، فإنه رواه عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن أيضا، وقد رواه عنه أيضا الليث، لكن أخرج البخاري هذا الحديث في تفسير سوره النساء عن عبد الله بن يزيد شيخه فيه هنا بسنده هذا وقال بعده " رواه الليث عن أبي الأسود " وقد رويناه موصولا في " معجم الطبراني الأوسط " من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث " حدثني الليث عن أبي الأسود عن عكرمة " فذكر الحديث دون القصة، قال الطبراني: لم يروه عن أبي الأسود إلا الليث وابن لهيعة. قلت: ووهم في هذا الحصر لوجود رواية حيوة المذكورة، وقد أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن المقبري عن حيوة وحده به، وقد ذكرت من وصل رواية ابن لهيعة في تفسير سورة النساء مع شرح الحديث. وقوله: "فيأتي السهم فيرمى به" قيل هو من القلب والتقدير فيرمى بالسهم فيأتي. قلت: ويحتمل أن تكون الفاء الثانية زائدة، وثبت كذلك لأبي ذر في سورة النساء " فيأتي السهم يرمي به". و قوله: "أو يضربه" معطوف على " فيأتي " لا على " فيصيب " أي يقتل إما بالسهم. وإما بالسيف، وفيه تخطئة من يقيم بين أهل المعصية باختياره لا لقصد صحيح من إنكار عليهم مثلا أو رجاء إنقاذ مسلم من هلكة، وأن القادر على التحول عنهم لا يعذر كما وقع للذين كانوا أسلموا ومنعهم المشركون من أهلهم من الهجرة ثم كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين فحصلت لهم المؤاخذة بذلك، فرأى عكرمة أن من خرج في جيش يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل ولا نوى ذلك؛ ويتأيد ذلك في عكسه بحديث: "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم " كما مضى ذكره في كتاب الرقاق.

(13/38)


13 - باب إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنْ النَّاسِ
7086 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ "حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ حَدَّثَنَا أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلًا أَمِينًا وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَلاَ أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمُ وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلاَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا"
قوله: "باب إذا بقي" أي المسلم "في حثالة من الناس" أي ماذا يصنع؟ والحثالة بضم المهملة وتخفيف المثلثة وتقدم تفسيرها في أوائل كتاب الرقاق، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الطبري وصححه ابن حبان من طريق

(13/38)


العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا، وشبك بين أصابعه. قال: فما تأمرني؟ قال: عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم " قال ابن بطال: أشار البخاري إلى هذا الحديث ولم يخرجه لأن العلاء ليس من شرطه فأدخل معناه في حديث حذيفة. قلت: يجتمع معه في قلة الأمانة وعدم الوفاء بالعهد وشدة الاختلاف، وفي كل منهما زيادة ليست في الآخر، وقد ورد عن ابن عمر مثل حديث أبي هريرة أخرجه حنبل بن إسحاق في كتاب الفتن من طريق عاصم بن محمد عن أخيه واقد وتقدم في أبواب المساجد من كتاب الصلاة من طريق واقد وهو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، سمعت أبي يقول قال عبد الله بن عمر " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله بن عمرو كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس " إلى هنا انتهى ما في البخاري وبقيته عند حنبل مثل حديث أبي هريرة سواء وزاد: "قال: فكيف تأمرني يا رسول الله؟ قال: تأخذ بما تعرف وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك وتدع عوامهم " وأخرجه أبو يعلى من هذا الوجه. وأخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو نفسه من طرق بعضها صحيح الإسناد وفيه: "قالوا كيف بنا يا رسول الله؟ قال: تأخذون ما تعرفون " فذكر مثله بصيغة الجمع في جميع ذلك، وأخرجه الطبراني وابن عدي من طريق عبد الحميد بن جعفر بن الحكم عن أبيه عن علباء بكسر المهملة وسكون اللام بعدها موحدة ومد رفعه: "لا تقوم الساعة إلا على حثالة الناس " الحديث، وللطبراني من حديث سهل ابن سعد قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس فيه عمرو بن العاص وابناه فقال: "فذكر مثله وزاد: "وإياكم والتلون في دين الله ". قوله: "حدثنا محمد بن كثير" تقدم بهذا السند في كتاب الرقاق في " باب رفع الأمانة " وإن الجذر الأصل وتفتح جيمه وتكسر. قوله: "ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة" كذا في هذه الرواية بإعادة ثم، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السنن، والمراد بالسنن ما يتلقونه عن النبي صلى الله عليه وسلم واجبا كان أو مندوبا. قوله: "وحدثنا عن رفعها" هذا هو الحديث الثاني الذي ذكر حذيفة أنه ينتظره وهو رفع الأمانة أصلا حتى لا يبقى من يوصف بالأمانة إلا النادر، ولا يعكر على ذلك ما ذكره في آخر الحديث مما يدل على قلة من ينسب للأمانة فإن ذلك بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله: "ما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا " هم من أهل العصر الأخير الذي أدركه والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل، وأما الذي ينتظره فإنه حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا النادر. قوله: "فيظل أثرها" أي يصير وأصل " ظل " ما عمل بالنهار ثم أطلق على كل وقت، وهي هنا على بابها لأنه ذكر الحالة التي تكون بعد النوم وهي غالبا تقع عند الصبح، والمعنى أن الأمانة تذهب حتى لا يبقى منها إلا الأثر الموصوف في الحديث. قوله: "مثل أثر الوكت" بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مثناة، تقدم تفسيره في الرقاق وأنه سواد في اللون، وكذا المجل وهو بفتح الميم وسكون الجيم أثر العمل في اليد. قوله: "فنفط" بكسر الفاء بعد النون المفتوحة أي صار منتفطا وهو المنتبر بنون ثم مثناة ثم موحدة يقال انتبر الجرح وانتفط إذا ورم وامتلأ ماء وحاصل الخبر أنه أنذر برفع الأمانة وأن الموصوف بالأمانة يسلبها حتى يصير خائنا بعد أن كان أمينا، وهذا إنما يقع على ما هو شاهد لمن خالط أهل الخيانة فإنه يصير خائنا لأن القرين يقتدي بقرينه. قوله: "ولقد أتى علي زمان إلخ" يشير إلى أن حال الأمانة أخذ في النقص من ذلك الزمان، وكانت وفاة حذيفة في أول سنة ست وثلاثين بعد

(13/39)


قتل عثمان بقليل، فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير فأشار إليه، قال ابن التين: الأمانة كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف. وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقيل هي الطاعة، وقيل التكاليف، وقيل العهد الذي أخذه الله على العباد. وهذا الاختلاف وقع في تفسير الأمانة المذكورة في الآية "إنا عرضنا الأمانة" وقال صاحب التحرير: الأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة المذكورة في الآية وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت في القلب قام بأداء ما أمر به واجتنب ما نهي عنه. وقال ابن العربي: المراد بالأمانة في حديث حذيفة الإيمان، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها أن الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان، حتى إذا تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان، وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبهه بالأثر في ظاهر البدن، وكني عن ضعف الإيمان بالنوم، وضرب مثلا لزهوق الإيمان عن القلب حالا بزهوق الحجر عن الرجل حتى يقع بالأرض. قوله: "ولا أبالي أيكم بايعت" تقدم في الرقاق أن مراده المبايعة في السلع ونحوها، لا المبايعة بالخلافة ولا الإمارة. وقد اشتد إنكار أبي عبيد وغيره على من حمل المبايعة هنا على الخلافة وهو واضح، ووقع في عبارته أن حذيفة كان لا يرضى بأحد بعد عمر يعني في الخلافة وهي مبالغة، وإلا فقد كان عثمان ولاه على المدائن وقد قتل عثمان وهو عليها، وبايع لعلي وحرض على المبايعة له والقيام فيه نصره، ومات في أوائل خلافته كما مضى في " باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما " والمراد أنه لوثوقه بوجود الأمانة في الناس أولا كان يقدم على مبايعة من اتفق من غير بحث عن حاله، فلما بدا التغير في الناس وظهرت الخيانة صار لا يبايع إلا من يعرف حاله، ثم أجاب عن إيراد مقدر كأن قائلا قال له: لم تزل الخيانة موجودة لأن الوقت الذي أشرت إليه كان أهل الكفر فيه موجودين وهم أهل الخيانة، فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك لكنه كان يثق بالمؤمن لذاته وبالكافر لوجود ساعيه وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كل عمل قل أو جل إلا المسلم، فكان واثقا بإنصافه وتخليص حقه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير الذي أشار إليه فإنه صار لا يبايع إلا أفرادا من الناس يثق بهم. وقال ابن العربي: قال حذيفة هذا القول لما تغيرت الأحوال التي كان يعرفها على عهد النبوة والخليفتين فأشار إلى ذلك بالمبايعة، وكني عن الإيمان بالأمانة وعما يخالف أحكامه بالخيانة، والله أعلم.

(13/40)


14- باب التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ
7087 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ "عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ يَا ابْنَ الأَكْوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ قَالَ لاَ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ إِلَى الرَّبَذَةِ وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلاَدًا فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ"
7088 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ "عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ"

(13/40)


قوله: "باب التعرب في الفتنة" بالعين المهملة والراء الثقيلة أي السكنى مع الأعراب بفتح الألف، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر منها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته أعرابيا، وكان إذ ذاك محرما إلا إن أذن له الشارع في ذلك، وقيده بالفتنة إشارة إلى ما ورد من الإذن في ذلك عند حلول الفتن كما في ثاني حديثي الباب، وقيل بمنعه في زمن الفتنة لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق، ولكن نظر السلف اختلف في ذلك: فمنهم من آثر السلامة واعتزل الفتن كسعد ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة، ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور. ووقع في رواة كريمة: "التعزب " بالزاي وبينهما عموم وخصوص. وقال صاحب المطالع: وجدته بخطي في البخاري بالزاي وأخشى أن يكون وهما، فإن صح فمعناه البعد والاعتزال. قوله: "حدثنا حاتم" بمهملة ثم مثناة هو ابن إسماعيل الكوفي نزيل المدينة، ويزيد بن أبي عبيد في رواية القعنبي عن حاتم " أنبأنا يزيد بن أبي عبيد " أخرجها أبو نعيم. قوله: "عن سلمة بن الأكوع أنه دخل على الحجاج" هو ابن يوسف الثقفي الأمير المشهور، وكان ذلك لما ولى الحجاج إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزبير فسار من مكة إلى المدينة وذلك في سنة أربع وسبعين. قوله: "ارتددت على عقبيك" كأنه أشار إلى ما جاء من الحديث في ذلك كما تقدم عند عد الكبائر في كتاب الحدود، فإن من جملة ما ذكر في ذلك " من رجع بعد هجرته أعرابيا " وأخرج النسائي من حديث ابن مسعود رفعه: "لعن الله آكل الربا وموكله " الحديث وفيه: "والمرتد بعد هجرته أعرابيا " قال ابن الأثير في النهاية: كان من رجع بعد هجرته إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد. وقال غيره: كان ذلك من جفاء الحجاج حيث خاطب هذا الصحابي الجليل بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره، ويقال إنه أراد قتله فبين الجهة التي يريد أن يجعله مستحقا للقتل بها. وقد أخرج الطبراني من حديث جابر بن سمرة رفعه: "لعن الله من بدا بعد هجرته " إلا في الفتنة فإن البدو خير من المقام في الفتنة. قوله: "قال لا" أي لم أسكن البادية رجوعا عن هجرتي "ولكن" بالتشديد والتخفيف. قوله: "أذن لي في البدو" وفي رواية حماد بن مسعدة عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداوة فأذن له أخرجه الإسماعيلي، وفي لفظ له " استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم: "وقد وقع لسلمة في ذلك قصة أخرى مع غير الحجاج، فأخرج أحمد من طريق سعيد بن إياس بن سلمة أن أباه حدثه قال: "قدم سلمة المدينة فلقيه بريدة بن الخصيب فقال: ارتددت عن هجرتك، فقال: معاذ الله، إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: ابدوا يا أسلم - أي القبيلة المشهورة التي منها سلمة وأبو برزة وبريدة المذكور - قالوا: إنا نخاف أن يقدح ذلك في هجرتنا، قال: أنتم مهاجرون حيث كنتم " وله شاهد من رواية عمرو بن عبد الرحمن بن جرهد قال: "سمعت رجلا يقول لجابر: من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنس بن مالك وسلمة بن الأكوع، فقال رجل: أما سلمة فقد ارتد عن هجرته، فقال: لا تقل ذلك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأسلم: ابدوا، قالوا إنا نخاف أن نرتد بعد هجرتنا، قال: أنتم مهاجرون حيث كنتم " وسند كل منهما حسن. قوله: "وعن يزيد بن أبي عبيد" هو موصول بالسند المذكور. قوله: "لما قتل عثمان بن عفان خرج سلمة إلى الربذة" بفتح الراء والموحدة بعدها معجمة موضع بالبادية بين مكة والمدينة. ويستفاد من هذه الرواية مدة سكنى سلمة البادية وهي نحو الأربعين سنة، لأن قتل عثمان كان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وموت سلمة سنة أربع وسبعين على الصحيح. قوله: "فلم يزل بها" في رواية الكشميهني: "هناك " "حتى قبل أن يموت بليال" كذا فيه بحذف " كان " بعد قوله: "حتى

(13/41)


" وقبل قوله: "قبل " وهي مقدرة وهو استعمال صحيح. قوله: "نزل المدينة" في رواية المستملي والسرخسي " فنزل " بزيادة فاء، وهذا يشعر بأن سلمة لم يمت بالبادية كما جزم به يحيى بن عبد الوهاب بن منده في الجزء الذي جمعه في آخر من مات من الصحابة بل مات بالمدينة كما تقتضيه رواية يزيد بن أبي عبيد هذه وبذلك جزم أبو عبد الله بن منده في " معرفة الصحابة " وفي الحديث أيضا رد على من أرخ وفاة سلمة سنة أربع وستين فإن ذلك كان في آخر خلافة يزيد بن معاوية ولم يكن الحجاج يومئذ أميرا ولا ذا أمر ولا نهي، وكذا فيه رد على الهيثم بن عدي حيث زعم أنه مات في آخر خلافة معاوية وهو أشد غلطا من الأول إن أراد معاوية بن أبي سفيان وإن أراد معاوية بن يزيد بن معاوية فهو عين القول الذي قبله، وقد مشى الكرماني على ظاهره فقال: مات سنة ستين وهي السنة التي مات فيها معاوية بن أبي سفيان، كذا جزم به والصواب خلافه، وقد اعترض الذهبي على من زعم أنه عاش ثمانين سنة ومات سنة أربع وسبعين لأنه يلزم منه أن يكون له في الحديبية اثنتا عشرة سنة وهو باطل لأنه ثبت أنه قاتل يومئذ وبايع. قلت: وهو اعتراض متجه لكن ينبغي أن ينصرف إلى سنة وفاته لا إلى مبلغ عمره فلا يلزم منه رجحان قول من قال مات سنة أربع وستين فإن حديث جابر يدل على أنه تأخر عنها لقوله لم يبق من الصحابة إلا أنس وسلمة، وذلك لائق بسنة أربع وسبعين فقد عاش جابر بن عبد الله بعد ذلك إلى سنة سبع وسبعين على الصحيح وقيل مات في التي بعدها وقيل قبل ذلك ثم ذكر حديث أبي سعيد " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم " الحديث وفي آخره: "يفر بدينه من الفتن " وقد تقدم بعض شرحه في " باب العزلة " من كتاب الرقاق، وأشار إلى حمل صنيع سلمة على ذلك لكونه لما قتل عثمان ووقعت الفتن اعتزل عنها وسكن الربذة وتأهل بها ولم يلابس شيئا من تلك الحروب، والحق حمل عمل كل أحد من الصحابة المذكورين على السداد فمن لابس القتال اتضح له الدليل لثبوت الأمر بقتال الفئة الباغية وكانت له قدرة على ذلك، ومن قعد لم يتضح له أي الفئتين هي الباغية وإذا لم يكن له قدرة على القتال. وقد وقع لخزيمة بن ثابت أنه كان مع علي وكان مع ذلك لا يقاتل فلما قتل عمار قاتل حينئذ وحدث بحديث: "يقتل عمارا الفئة الباغية " أخرجه أحمد وغيره، وقوله: "يوشك " هو بكسر الشين المعجمة أي يسرع وزنه ومعناه، ويجوز يوشك بفتح الشين. وقال الجوهري هي لغة رديئة، وقوله: "أن يكون خير مال المسلم: "يجوز في خير الرفع والنصب فإن كان غنم بالرفع فالنصب وإلا فالرفع وتقدم بيان ذلك في كتاب الإيمان أول الكتاب، والأشهر في الرواية غنم بالرفع، وقد جوز بعضهم رفع خير مع ذلك على أن يقدر في يكون ضمير الشأن وغنم وخير مبتدأ وخبر ولا يخفى تكلفه، وقوله: "شعف الجبال " بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء جمع شعفة كأكم وأكمة رءوس الجبال والمرعى فيها والماء ولا سيما وفي بلاد الحجاز أيسر من غيرها، ووقع عند بعض رواة الموطأ بضم أوله وفتح ثانيه وبالموحدة بدل الفاء جمع شعبة وهي ما انفرج بين جبلين ولم يختلفوا في أن الشين معجمة، ووقع لغير مالك كالأول لكن السين مهملة وسبق بيان ذلك في أواخر علامات النبوة، وقد وقع في حديث أبي هريرة عند مسلم نحو هذا الحديث ولفظه: "ورجل في رأس شعبة من هذه الشعاب".
قوله: "يفر بدينه من الفتن" قال الكرماني هذه الجملة حالية وذو الحال الضمير المستتر في يتبع أو المسلم إذا جوزنا الحال من المضاف إليه فقد وجد شرطه وهو شده الملابسة وكأنه جزء منه، واتحاد الخير بالمال واضح، ويجوز أن تكون استئنافية وهو واضح انتهى.
والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، وقد اختلف السلف في

(13/42)


أصل العزلة فقال الجمهور الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك. وقال قوم العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين، وقد مضى طرف من ذلك في " باب العزلة " من كتاب الرقاق وقال النووي المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى. وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين ومنهم من يترجح ليس الكلام فيه بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه إما عينا وإما كفاية بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها كما قال الله تعالى :{واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ويؤيد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد أيضا: "خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره " وقد تقدم في " باب العزلة " من كتاب الرقاق حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه آنفا فإن أوله عند مسلم: "خير معاشر الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله " الحديث وفيه: "ورجل في غنيمة " الحديث وكأنه ورد في أي الكسب أطيب، فإن أخذ على عمومه دل على فضيلة العزلة لمن لا يتأتى له الجهاد في سبيل الله إلا أن يكون قيد بزمان وقوع الفتن والله أعلم.

(13/43)


15 - باب التَّعَوُّذِ مِنْ الْفِتَنِ
7089 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ, فَصَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ بَيَّنْتُ لَكُمْ, فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لاَفٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي, فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ إِذَا لاَحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ أَبِي فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا. وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ, فَقال: النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ, إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ" قال: فَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}
7090 - وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. بِهَذَا وَقَالَ "كُلُّ رَجُلٍ لاَفًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي, وَقَالَ: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ, أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَوْأَى الْفِتَنِ"

(13/43)


7091 - وقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَمُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ "أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا وَقَالَ: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ"
قوله: "باب التعوذ من الفتن" قال ابن بطال: في مشروعية ذلك الرد على من قال: اسألوا الله الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين، وزعم أنه ورد في حديث وهو لا يثبت رفعه بل الصحيح خلافه. قلت: أخرجه أبو نعيم من حديث علي بلفظ: "لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان فإنها تبير المنافقين " وفي سنده ضعيف ومجهول، وقد تقدم في الدعوات عدة تراجم للتعوذ من عدة أشياء منها الاستعاذة من فتنة الغنى والاستعاذة من فتنة الفقر والاستعاذة من أرذل العمر ومن فتنة الدنيا ومن فتنة النار وغير ذلك، قال العلماء: أراد صلى الله عليه وسلم مشروعية ذلك لأمته. قوله: "هشام" هو الدستوائي. قوله: "عن أنس" في رواية سليمان التيمي عن قتادة أن أنسا حدثهم. قوله: "أحفوه" أي ألحوا عليه في السؤال، وعند الإسماعيلي في رواية من هذا الوجه " ألحفوه أو أحفوه بالمسألة". قوله: "ذات يوم المنبر" في رواية الكشميهني: "ذات يوم على المنبر". قوله: "فإذا كل رجل رأسه في ثوبه" في رواية الكشميهني: "لاف رأسه في ثوبه " وتقدم في تفسير المائدة من وجه آخر " لهم خنين " وهو بالمعجمة أي من البكاء. قوله: "فأنشأ رجل" أي بدأ الكلام. وفي رواية الإسماعيلي: "فقام رجل " وفي لفظ له " فأتى رجل". قوله: "كان إذا لاحى" بفتح المهملة من الملاحاة وهي المماراة والمجادلة. قوله: "أبوك حذافة" في رواية معتمر " سمعت أبي عن قتادة " عند الإسماعيلي، واسم الرجل خارجة. قلت: والمعروف أن السائل عبد الله أخو خارجة، وتقدم في تفسير المائدة من قال أنه قيس بن حذافة، وعند أحمد من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه: "لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به " فقال عبد الله بن حذافة: من أبي يا رسول الله؟ قال: حذافة بن قيس، فرجع إلى أمه فقالت له: ما حملك على الذي صنعت؟ فقد كنا في جاهلية، فقال: إني كنت لأحب أن أعلم من هو أبي من كان من الناس. قوله: "ثم أنشأ عمر" كذا وقع في هذه الرواية، وتقدم في تفسير سورة المائدة من طريق أخرى أتم من هذا، وعند الإسماعيلي من طريق معتمر المذكور من الزيادة " فأرم " براء مفتوحة ثم ميم ثقيلة " وخشوا أن يكونوا بين يدي أمر عظيم، قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فلا أرى كل رجل إلا قد دس رأسه في ثوبه يبكي، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سلوني " فذكر الحديث. وعند أحمد عن أبي عامر العقدي عن هشام بعد قوله أبوك حذافة " فقال رجل: يا رسول الله في الجنة إنا أو في النار؟ قال: في النار " وسيأتي ذلك في كتاب الاعتصام من رواية الزهري عن أنس. قوله: "من سوء الفتن" بضم السين المهملة بعدها واو ثم همزة، وللكشميهني: "شر " بفتح المعجمة وتشديد الراء. قوله: "صورت الجنة والنار" في رواية الكشميهني: "صورت لي". قوله: "دون الحائط" أي بينه وبين الحائط، وزاد في رواية الزهري عن أنس " فلم أر كاليوم في الخير والشر " وسيأتي بيانه في كتاب الاعتصام. قوله: "قال قتادة: يذكر هذا الحديث عند هذه الآية "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"" هو بضم أول يذكر وفتح الكاف، ووقع في رواية الكشميهني: "فكان قتادة يذكر " بفتح أوله وضم الكاف وهي أوجه، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي. قوله: "وقال عباس" هو بموحدة ومهملة وهو ابن الوليد و "النرسي" بفتح النون ثم سين مهملة، ومضى في علامات النبوة له حديث

(13/44)


وفي أواخر المغازي في " باب بعث معاذ وأبي موسى إلى اليمين " آخر، ومن جاء بهذه الصورة فيما عدا هذه المواضع الثلاثة في البخاري فهو عياش بن الوليد الرقام بمثناة تحتانية وآخره معجمة، ويزيد شيخه هو ابن زريع، وسعيد هو ابن أبي عروبة، وقد وصله أبو نعيم في " المستخرج " من رواية محمد ابن عبد الله بن رسته بضم الراء وسكون المهملة بعدها مثناة مفتوحة قال: "حدثنا عباس بن الوليد به " وذلك يؤيد كونه بالمهملة لأن الذي بالشين المعجمة ليس فيه الألف واللام. قوله: "بهذا" أي بهذا الحديث الماضي، ثم بين أن فيه زيادة قوله: "لافا " فدل على أن زيادتها في الأول وهم من الكشميهني. قوله: "وقال عائذا إلخ" بين أن في رواية سعيد بالشك في سوء وسوأي. قوله: "عائذا بالله" وهكذا وقع بالنصب وهو على الحال أي أقول ذلك عائذا أو على المصدر أي عياذا، وجاء في رواية أخرى بالرفع أي أنا عائذ. قوله: "وقال لي خليفة" هو ابن خياط العصفري، وأكثر ما يخرج عنه البخاري يقع بهذه الصيغة لا يقول حدثنا ولا أخبرنا، وكأنه أخذ ذلك عنه في المذاكرة. وقوله سعيد هو ابن أبي عروبة ومعتمر هو ابن سليمان التيمي. قوله: "عن أبيه" يعني عن أبي معتمر، وذكر هذه الطريق الأخرى لقوله في آخره: "من شر الفتن " بالشين المعجمة والراء، وقد تقدم التنبيه على المواضع التي ذكر فيها هذا الحديث في تفسير المائدة وأن بقية شرحه يأتي في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى.

(13/45)


16 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ
7092 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ "أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ الْفِتْنَةُ هَا هُنَا الْفِتْنَةُ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ أَوْ قَالَ قَرْنُ الشَّمْسِ"
7093 - حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن نافع "عن بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل المشرق يقول "ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان"
7094 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ"
7095 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا قَالَ فَبَادَرَنَا إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ وَ {قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ"

(13/45)


قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الفتنة من قبل المشرق" أي من جهته، ذكر فيه ثلاثة أحاديث: الأول ذكره من وجهين، وقد ذكرت في شرح حديث أسامة في أوائل كتاب الفتن وجه الجمع بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرى الفتن خلال بيوتكم " وكان خطابه ذلك لأهل المدينة. قوله: "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام إلى جنب المنبر" في رواية عبد الرزاق عن معمر عند الترمذي " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على المنبر " وفي رواية شعيب عن الزهري كما تقدم في مناقب قريش بسنده " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر " وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري عند مسلم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو مستقبل المشرق". قوله: "الفتنة هاهنا، الفتنة هاهنا" كذا فيه مرتين. وفي رواية يونس " ها إن الفتنة هاهنا أعادها ثلاث مرات". قوله: "من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال قرن الشمس" كذا هنا بالشك. وفي رواية عبد الرزاق " هاهنا أرض الفتن وأشار إلى المشرق يعني حيث يطلع قرن الشيطان " وفي رواية شعيب " ألا إن الفتنة هاهنا يشير إلى المشرق حيث يطلع قرن الشيطان " وفي رواية يونس مثل معمر لكن لم يقل " أو قال قرن الشمس " بل قال: "يعني المشرق " ولمسلم من رواية عكرمة بن عمار عن سالم " سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده نحو المشرق ويقول: ها إن الفتنة هاهنا ثلاثا حيث يطلع قرن الشيطان " وله من طريق حنظلة عن سالم مثله لكن قال: "إن الفتنة هاهنا ثلاثا " وله من طريق فضيل بن غزوان " سمعت سالم بن عبد الله ابن عمر يقول: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم الكبيرة، سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الفتنة تجيء من هاهنا، وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان " كذا فيه بالتثنية، وله في صفة إبليس من طريق مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مثل سياق حنظلة سواء، وله نحوه من رواية سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار أخرجه في الطلاق ثم ساق هنا من رواية الليث عن نافع عن ابن عمر مثل رواية يونس إلا أنه قال: "ألا إن الفتنة هاهنا " ولم يكرر، وكذا لمسلم، وأورده الإسماعيلي من رواية أحمد بن يونس عن الليث فكررها مرتين. قوله: "عن ابن عون" هو عبد الله "عن نافع عن ابن عمر قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لنا في شامنا الحديث" كذا أورده عن علي بن عبد الله عن أزهر السمان وأخرجه الترمذي عن بشر بن آدم بن بنت أزهر حدثني جدي أزهر بهذا السند " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ومثله للإسماعيلي من رواية أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أزهر، وأخرجه من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عون عن أبيه كذلك، وقد تقدم من وجه آخر عن ابن عون في الاستسقاء موقوفا وذكرت هناك الاختلاف فيه. قوله: " قالوا يا رسول الله: وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان" وقع في رواية الترمذي والدورقي بعد قوله وفي نجدنا " قال اللهم بارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا قال وفي نجدنا؟ قال: هناك " فذكره لكن شك هل قال بها أو منها. وقال يخرج بدل يطلع، وقد وقع في رواية الحسين بن الحسن في الاستسقاء مثله في الإعادة مرتين. وفي رواية ولد ابن عون " فلما كان الثالثة أو الرابعة قالوا يا رسول الله وفي نجدنا؟ قال بها الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان " قال المهلب: إنما ترك صلى الله عليه وسلم الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن وأما قوله: "قرن الشمس " فقال الداودي: للشمس قرن حقيقة ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال، وهذا أوجه، وقيل إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له قيل ويحتمل أن يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه.
وقال الخطابي: القرن الأمة من الناس يحدثون بعد

(13/46)


فناء آخرين، وقرن الحية أن بضرب المثل فيما لا يحمد من الأمور. وقال غيره كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الفتنة تكون من تلك الناحية فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة. وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة انتهى وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي أن نجدا من ناحية العراق فإنه توهم أن نجدا موضع مخصوص، وليس كذلك بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض غورا. قوله: "حدثنا إسحاق الواسطي" هو ابن شاهين، وخالد هو ابن عبد الله، وبيان بموحدة ثم تحتانية خفيفة هو ابن عمرو، ووبرة بفتح الواو والموحدة عند الجميع وبه جزم ابن عبد البر. وقال عياض ضبطناه في مسلم بسكون الموحدة. قوله: "أن يحدثنا حديثا حسنا" أي حسن اللفظ يشتمل على ذكر الترجمة والرخصة، فشغله الرجل فصده عن إعادته حتى عدل إلى التحدث عن الفتنة. قوله: "فقام إليه رجل" تقدم في الأنفال أن اسمه حكيم، أخرجه البيهقي من رواية زهير بن معاوية عن بيان " أن وبرة حدثه " فذكره، وفيه: "فمررنا برجل يقال له حكيم". قوله: "يا أبا عبد الرحمن" هي كنية عبد الله بن عمر. قوله: "حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول" يريد أن يحتج بالآية على مشروعية القتال في الفتنة وأن فيها الرد على من ترك ذلك كابن عمر، وقوله: "ثكلتك أمك " ظاهره الدعاء وقد يرد مورد الزجر كما هنا، وحاصل جواب ابن عمر له أن الضمير في قوله تعالى :{وَقَاتِلُوهُمْ} للكفار، فأمر المؤمنين بقتال الكافرين حتى لا يبقى أحد يفتن عن دين الإسلام ويرتد إلى الكفر، ووقع نحو هذا السؤال من نافع بن الأزرق وجماعة لعمران ابن حصين فأجابهم بنحو جواب ابن عمر أخرجه ابن ماجه، وقد تقدم في سورة الأنفال من رواية زهير بن معاوية عن بيان بزيادة " فقال: "بدل قوله: "وكان الدخول في دينهم فتنة، فكان الرجل يفتن عن دينه إما يقتلونه وإما يوثقونه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة " أي لم يبق فتنة أي من أحد من الكفار لأحد من المؤمنين. ثم ذكر سؤاله عن علي وعثمان وجواب ابن عمر. وقوله هنا " وليس كقتالكم على الملك " أي في طلب الملك، يشير إلى ما وقع بين مروان ثم عبد الملك ابنه وبين ابن الزبير وما أشبه ذلك، وكان رأي ابن عمر ترك القتال في الفتنة ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة، وقيل الفتنة مختصة بما إذا وقع القتال بسبب التغالب في طلب الملك، وأما إذا علمت الباغية فلا تسمى فتنة وتجب مقاتلتها حتى ترجع إلى الطاعة؛ وهذا قول الجمهور.

(13/47)


17 - باب الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً ... تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا ... وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ ... َمكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ

(13/47)


7096 -حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ "سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ إِذْ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ ؟ قَالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا قَالَ عُمَرُ: أَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ قَالَ عُمَرُ: إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا قُلْتُ: أَجَلْ قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ قَالَ: نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنْ الْبَابُ فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنْ الْبَابُ قَالَ عُمَرُ"
7097 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ فَلَمَّا دَخَلَ الْحَائِطَ جَلَسْتُ عَلَى بَابِهِ وَقُلْتُ: لاَكُونَنَّ الْيَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَأْمُرْنِي فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَضَى حَاجَتَهُ وَجَلَسَ عَلَى قُفِّ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلاَهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَوَقَفَ فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ قَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ فَجَاءَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلاَهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَاءَ عُمَرُ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَجَاءَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ فَدَلاَهُمَا فِي الْبِئْرِ فَامْتَلاَ الْقُفُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَهَا بَلاَءٌ يُصِيبُهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلِسًا فَتَحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُمْ عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ دَلاَهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أَخًا لِي وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمْ اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ"
7098 - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ قِيلَ لِأُسَامَةَ أَلاَ تُكَلِّمُ هَذَا قَالَ قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنْتَ خَيْرٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يُجَاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاهُ فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلاَنُ أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ أَفْعَلُهُ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ"

(13/48)


قوله: "باب الفتنة التي تموج كموج البحر" كأنه يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عاصم ابن ضمرة عن علي قال: "وضع الله في هذه الأمة خمس فتن " فذكر الأربعة ثم فتنة تموج كموج البحر وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم أي لا عقول لهم، ويؤيده حديث أبي موسى " تذهب عقول أكثر ذلك الزمان " وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن حذيفة قال: "لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك؛ إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل" . قوله: "وقال ابن عيينة" هو سفيان، وقد وصله البخاري في التاريخ الصغير عن عبد الله بن محمد المسندي " حدثنا سفيان بن عيينة". قوله: "عن خلف بن حوشب" بمهملة ثم معجمة ثم موحدة بوزن جعفر، وخلف كان من أهل الكوفة روى عن جماعة من كبار التابعين وأدرك بعض الصحابة لكن لم أجد له رواية عن صحابي، وكان عابدا. وثقه العجلي. وقال النسائي لا بأس به، وأثنى عليه ابن عيينة والربيع بن أبي راشد، وروى عنه أيضا شعبة، وليس له في البخاري إلا هذا الموضع. قوله: "كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن" أي عند نزولها. قوله: "قال امرؤ القيس" كذا وقع عند أبي ذر في نسخة، والمحفوظ أن الأبيات المذكورة لعمرو ابن معد يكرب الزبيدي كما جزم به أبو العباس المبرد في الكامل، وكذا رويناه في " كتاب الغرر من الأخبار " لأبي بكر خمد بن خلف القاضي المعروف بوكيع قال: "حدثنا معدان بن علي حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا سفيان بن عيينة عن خلف بن حوشب قال قال عمرو بن معد يكرب " وبذلك جزم السهيلي في " الروض " ووقع لنا موصولا من وجه آخر وفيه زيادة رويناه في " فوائد الميمون بن حمزة المصري " عن الطحاوي فيما زاده في السنن التي رواها عن المزني عن الشافعي فقال: "حدثنا المزني حدثنا الحميدي عن سفيان عن خلف بن حوشب قال قال عيسى بن مريم للحواريين كما ترك لكم الملوك الحكمة فاتركوا لهم الدنيا " وكان خلف يقول ينبغي للناس أن يتعلموا هذه الأبيات في الفتنة. قوله: "الحرب أول ما تكون فتية" بفتح الفاء وكسر المثناة وتشديد التحتانية أي شابة، حكى ابن التين عن سيبويه الحرب مؤنثة وعن المبرد قد تذكر وأنشد له شاهدا قال: وبعضهم يرفع " أول وفتية " لأنه مثل، ومن نصب أول قال إنه الخبر، ومنهم من قدره الحرب أول ما تكون أحوالها إذا كانت فتية، ومنهم من أعرب أول حالا " وقال غيره يجوز فيه أربعة أوجه رفع أول ونصب فتية وعكسه ورفعهما جميعا ونصبهما فمن رفع أول ونصب فتية فتقديره الحرب أول أحوالها إذا كانت فتية فالحرب مبتدأ وأول مبتدأ ثان وفتية حال سدت مسد الخبر والجملة خبر الحرب، ومن عكس فتقديره الحرب في أول أحوالها فتية فالحرب مبتدأ وفتية خبرها وأول منصوب على الظرف، ومن رفعهما فالتقدير الحرب أول أحوالها فأول مبتدأ ثان أو بدل من الحرب وفتية خبر، ومن نصبهما جعل أول ظرفا وفتية حالا والتقدير الحرب في أول أحوالها إذا كانت فتية وتسعى خبر عنها، أي الحرب في حال ما هي فتية أي في وقت وقوعها يفر من لم يجربها حتى يدخل فيها فتهلكه. قوله: "بزينتها" كذا فيه من الزينة، ورواه سيبويه ببزتها بموحدة وزاي مشددة والبزة اللباس الجيد. قوله: "إذا اشتعلت" بشين معجمة وعين مهملة كناية عن هيجانها، ويجوز في " إذا " أن تكون ظرفية وأن تكون شرطية والجواب ولت، وقوله: "وشب ضرامها " هو بضم الشين المعجمة ثم موحدة تقول شبت الحرب إذا اتقدت وضرامها بكسر الضاد المعجمة أي اشتعالها. قوله: "ذات حليل" بحاء مهملة والمعنى أنها صارت لا يرغب أحد في تزويجها، ومنهم من قاله بالخاء المعجمة. قوله: "شمطاء" بالنصب هو وصف العجوز، والشمط بالشين المعجمة اختلاط الشعر الأبيض بالشعر الأسود. وقال الداودي، هو كناية عن كثرة الشيب.

(13/49)


وقوله: "ينكر لونها " أي يبدل حسنها بقبح. ووقع في رواية الحميدي " شمطاء جزت رأسها " بدل قوله: "ينكر لونها " وكذلك أنشده السهيلي في الروض. وقوله: "مكروهة للشم والتقبيل " يصف فاها بالبخر مبالغة في التنفير منها، والمراد بالتمثل بهذه الأبيات استحضار ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة، فإنهم يتذكرون بإنشادها ذلك فيصدهم عن الدخول فيها حتى لا يغتروا بظاهر أمرها أولا. ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها حديث حذيفة. قوله: "حدثنا شقيق" هو أبو وائل بن سلمة الأسدي، وقد تقدم في الزكاة من طريق جرير عن الأعمش عن أبي وائل. قوله: "سمعت حذيفة يقول: بينا نحن جلوس عند عمر" تقدم شرحه مستوفى في علامات النبوة، وسياقه هناك أتم. وخالف أبو حمزة السكري أصحاب الأعمش فقال: "عن أبي وائل عن مسروق قال: قال عمر " وقوله هنا " ليس عن هذا أسألك " وقع في رواية ربعي بن حراش عن حذيفة عند الطبراني " لم أسأل عن فتنة الخاصة " وقوله: "ولكن التي تموج كموج البحر، فقال: ليس عليك منها بأس " في رواية الكشميهني: "عليكم " بصيغة الجمع، ووقع في رواية ربعي، فقال حذيفة " سمعته يقول: يأتيكم بعدي فتن كموج البحر يدفع بعضها بعضا " فيؤخذ منه جهة التشبيه بالموج وأنه ليس المراد به الكثرة فقط، وزاد في رواية ربعي " فرفع عمر يده فقال: اللهم لا تدركني، فقال حذيفة: لا تخف " وقوله: "إذا لا يغلق أبدا؟ قلت: أجل " في رواية ربعي " قال حذيفة كسرا ثم لا يغلق إلى يوم القيامة". قوله: "كما يعلم أن دون غد ليلة" أي علمه علما ضروريا مثل هذا " قال ابن بطال: إنما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الإخبار بالفتنة الكبرى إلى الإخبار بالفتنة الخاصة لئلا يغم ويشتغل باله، ومن ثم قال له " إن بينك وبينها بابا مغلقا " ولم يقل له أنت الباب وهو يعلم أنه الباب فعرض له بما فهمه ولم يصرح وذلك من حسن أدبه. وقول عمر " إذا كسر لم يغلق " أخذه من جهة أن الكسر لا يكون إلا غلبة والغلبة لا تقع إلا في الفتنة، وعلم من الخبر النبوي أن بأس الأمة بينهم واقع، وأن الهرج لا يزال إلى يوم القيامة كما وقع في حديث شداد رفعه: "إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة". قلت: أخرجه الطبري وصححه ابن حبان. وأخرج الخطيب في " الرواة عن مالك " أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي فوجدها تبكي فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي - لكعب الأحبار - يقول: إنك باب من أبواب جهنم، فقال عمر: ما شاء الله. ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه فقال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة. فقال: ما هذا، مرة في الجنة ومرة في النار؟ فقال: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مت اقتحموا. قوله: "فأمرنا مسروقا" احتج به من قال إن الأمر لا يشترط فيه العلو ولا الاستعلاء. قوله: "عن شريك بن عبد الله" هو بن أبي نمر. ولم يخرج البخاري عن شريك بن عبد الله النخعي القاضي شيئا. قوله: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته" تقدم اسم الحائط المذكور مع شرح الحديث في مناقب أبي بكر، وقوله هنا " لأكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرني " قال الداودي في الرواية الأخرى " أمرني بحفظ الباب: "وهو اختلاف ليس المحفوظ إلا أحدهما، وتعقب بإمكان الجمع بأنه فعل ذلك ابتداء من قبل نفسه فلما استأذن أولا لأبي بكر وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له ويبشره بالجنة وافق ذلك اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لحفظ الباب عليه لكونه كان في حال خلوة وقد كشف عن ساقه ودلى رجليه فأمره بحفظ الباب، فصادف أمره ما كان أبو موسى ألزم نفسه به قبل الأمر. ويحتمل أن يكون أطلق الأمر على التقرير

(13/50)


وقد مضى شيء من هذا في مناقب أبي بكر. وقوله هنا " وجلس على قف البئر " في رواية غير الكشميهني: "في " بدل " على " والقف ما ارتفع من متن البئر. وقال الداودي: ما حول البئر. قلت: والمراد هنا مكان يبنى حول البئر للجلوس، والقف أيضا الشيء اليابس، وفي أودية المدينة واد يقال له القف وليس مرادا هنا. وقوله: "فدخل فجاء عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم: "في رواية الكشميهني: "فجلس " بدل " فجاء " وقوله: "فامتلأ القف " في رواية الكشميهني: "وامتلأ " بالواو، والمراد من تخريجه هنا الإشارة إلى أن قوله في حق عثمان " بلاء يصيبه " هو ما وقع له من القتل الذي نشأت عنه الفتن الواقعة بين الصحابة في الجمل ثم في صفين وما بعد ذلك. قال ابن بطال: إنما خص عثمان بذكر البلاء مع أن عمر قتل أيضا لكون عمر لم يمتحن بمثل ما امتحن عثمان من تسلط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم مع تنصله من ذلك واعتذاره عن كل ما أوردوه عليه ثم هجومهم عليه داره وهتكهم ستر أهله، وكل ذلك زيادة على قتله. قلت: وحاصله أن المراد بالبلاء الذي خص به الأمور الزائدة على القتل وهو كذلك. قوله: "قال فتأولت ذلك قبورهم" في رواية الكشميهني: "فأولت " قال الداودي: كان سعيد ابن المسيب لجودته في عبارة الرؤيا يستعمل التعبير فيما يشبهها. قلت: ويؤخذ منه أن التمثيل لا يستلزم التسوية، فإن المراد بقوله: "اجتمعوا " مطلق الاجتماع لا خصوص كون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله كما كانوا على البئر، وكذا عثمان انفرد قبره عنهم ولم يستلزم أن يكون مقابلهم. قوله: "عن سليمان" هو الأعمش. وفي رواية أحمد عن محمد بن جعفر، عن شعبة عن سليمان ومنصور وكذا للإسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن بشر بن خالد شيخ البخاري فيه لكنه ساقه على لفظ سليمان وقال في آخره: "قال شعبة وحدثني منصور عن أبي وائل عن أسامة " نحوا منه إلا أنه زاد فيه: "فتندلق أقتاب بطنه". قوله: "قيل لأسامة: ألا تكلم هذا؟" كذا هنا بإبهام القائل وإبهام المشار إليه، وتقدم في صفة النار من بدء الخلق من طريق سفيان بن عيينة عن الأعمش بلفظ: "لو أتيت فلانا فكلمته " وجزاء الشرط محذوف والتقدير لكان صوابا، ويحتمل أن تكون " لو " للتمني ووقع اسم المشار إليه عند مسلم من رواية أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن أسامة " قيل له ألا تدخل على عثمان فتكلمه " ولأحمد عن يعلى بن عبيد عن الأعمش " ألا تكلم عثمان". قوله: "قد كلمته ما دون أن أفتح بابا" أي كلمته فيما أشرتم إليه، لكن على سبيل المصلحة والأدب في السر بغير أن يكون في كلامي ما يثير فتنة أو نحوها. وما موصوفة ويجوز أن تكون موصولة. قوله: "أكون أول من يفتحه" في رواية الكشميهني: "فتحه " بصيغة الفعل الماضي وكذا في رواية الإسماعيلي؛ وفي رواية سفيان " قال إنكم لترون - أي تظنون - أني لا أكلمه إلا أسمعتكم " أي إلا بحضوركم، وسقطت الألف من بعض النسخ فصار بلفظ المصدر أي إلا وقت حضوركم حيث تسمعون وهي رواية يعلى بن عبيد المذكورة، وقوله في رواية سفيان " إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه " عند مسلم مثله لكن قال بعد قوله إلا أسمعتكم " والله لقد كلمته فيما بيني وبينه دون أن أفتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه " يعني لا أكلمه إلا مع مراعاة المصلحة بكلام لا يهيج به فتنة. قوله: "وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميرا على رجلين أنت خير" في رواية الكشميهني: "إيت خيرا " بصيغة فعل الأمر من الإيتاء ونصب خيرا على المفعولية، والأول أولى فقد وقع في رواية سفيان " ولا أقول لأمير إن كان على أميرا " هو بكسر همزة إن ويجوز فتحها وقوله: "كان على - بالتشديد - أميرا أنه خير الناس " وفي

(13/51)


رواية أبي معاوية عند مسلم: "يكون على أميرا " وفي رواية يعلى " وإن كان على أميرا". قوله: "بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يجاء برجل" في رواية سفيان " بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: وما سمعته يقول؟ قال سمعته يقول: يجاء بالرجل " وفي رواية عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عند أحمد " يجاء بالرجل الذي كان يطاع في معاصي الله فيقذف في النار". قوله: "فيطحن فيها كطحن الحمار" في رواية الكشميهني: "كما يطحن الحمار " كذا رأيت في نسخة معتمدة " فيطحن " بضم أوله على البناء للمجهول، وفي أخرى بفتح أوله وهو أوجه، فقد تقدم في رواية سفيان وأبي معاوية " فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار " وفي رواية عاصم " يستدير فيها كما يستدير الحمار " وكذا في رواية أبي معاوية. والإقتاب جمع قتب بكسر القاف وسكون المثناة بعدها موحدة هي الأمعاء، واندلاقها خروجها بسرعة يقال اندلق السيف من غمده إذا خرج من غير أن يسله أحد، وهذا يشعر بأن هذه الزيادة كانت أيضا عند الأعمش فلم يسمعها شعبة منه وسمع معناها من منصور كما تقدم. قوله: "فيطيف به أهل النار" أي يجتمعون حوله، يقال أطاف به القوم إذا حلقوا حوله حلقة وإن لم يدوروا، وطافوا إذا داروا حوله، وبهذا التقرير يظهر خطأ من قال إنهما بمعنى واحد. وفي رواية سفيان وأبي معاوية " فيجتمع عليه أهل النار " وفي رواية عاصم " فيأتي عليه أهل طاعته من الناس". قوله: "فيقولون أي فلان" في رواية سفيان وأبي معاوية " فيقولون يا فلان " وزاد: "ما شأنك " وفي رواية عاصم " أي قل، أين ما كنت تأمرنا به "؟. قوله: "ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى" في رواية سفيان " أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا "؟ قوله: "إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله وأنهى عن المنكر وأفعله" في رواية سفيان " آمركم وأنهاكم " وله ولأبي معاوية " وآتيه ولا آتيه " وفي رواية يعلى " بل كنت آمر " وفي رواية عاصم " وإني كنت آمركم بأمر وأخالفكم إلى غيره: "قال المهلب: أرادوا من أسامة أن يكلم عثمان وكان من خاصته وممن يخف عليه في شأن الوليد بن عقبة لأنه كان ظهر عليه ريح نبيذ وشهر أمره وكان أخا عثمان لأمه وكان يستعمله، فقال أسامة: قد كلمته سرا دون أن أفتح بابا، أي باب الإنكار على الأئمة علانية خشية أن تفترق الكلمة. ثم عرفهم أنه لا يداهن أحدا ولو كان أميرا بل ينصح له في السر جهده، وذكر لهم قصة الرجل الذي يطرح في النار لكونه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله ليتبرأ مما ظنوا به من سكوته عن عثمان في أخيه انتهى ملخصا. وجزمه بأن مراد من سأل أسامة الكلام مع عثمان أن يكلمه في شأن الوليد ما عرفت مستنده فيه، وسياق مسلم من طريق جرير عن الأعمش يدفعه، ولفظه عن أبي وائل " كنا عند أسامة بن زيد فقال له رجل: ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلمه فيما يصنع " قال وساق الحديث بمثله، وجزم الكرماني بأن المراد أن يكلمه فيما أنكره الناس على عثمان من تولية أقاربه وغير ذلك مما اشتهر، وقوله إن السبب في تحديث أسامة بذلك ليتبرأ مما ظنوه به ليس بواضح، بل الذي يظهر أن أسامة كان يخشى على من ولى ولاية ولو صغرت أنه لا بد له من أن يأمر الرعية بالمعروف وينهاهم عن المنكر ثم لا يأمن من أن يقع منه تقصير، فكان أسامة يرى أنه لا يتأمر على أحد، وإلى ذلك أشار بقوله: "لا أقول للأمير إنه خير الناس " أي بل غايته أن ينجو كفافا. وقال عياض: مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سرا فذلك أجدر بالقبول. وقوله: "لا أقول لأحد يكون على أميرا إنه خير الناس " فيه ذم مداهنة الأمراء في الحق وإظهار ما يبطن خلافه كالمتملق بالباطل، فأشار أسامة إلى المداراة المحمودة والمداهنة المذمومة، وضابط المداراة أن

(13/52)


لا يكون فيها قدح في الدين، والمداهنة المذمومة أن يكون فيها تزيين القبيح وتصويب الباطل ونحو ذلك. وقال الطبري: اختلف السلف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة يجب مطلقا واحتجوا بحديث طارق بن شهاب رفعه: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " وبعموم قوله: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده " الحديث. وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر، لكن شرطه أن لا يلحق المنكر بلاء لا قبل له به من قتل ونحوه. وقال آخرون: ينكر بقلبه لحديث أم سلمة مرفوعا: "يستعمل عليكم أمراء بعدي، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع " الحديث قال: والصواب اعتبار الشرط المذكور ويدل عليه حديث: "لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه " ثم فسره بأن يتعرض من البلاء لما لا يطيق انتهى ملخصا. وقال غيره: يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه منه ضررا ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية، لأنه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ولا سيما إن كان مطاعا، وأما إثمه الخاص به فقد يغفره الله له وقد يؤاخذه به، وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأولى فجيد وإلا فيستلزم سد باب الأمر إذا لم يكن هناك غيره. ثم قال الطبري: فإن قيل كيف صار المأمورون بالمعروف في حديث أسامة المذكور في النار؟ والجواب أنهم لم يمتثلوا ما أمروا به فعذبوا بمعصيتهم وعذب أميرهم بكونه كان يفعل ما ينهاهم عنه، وفي الحديث تعظيم الأمراء والأدب معهم وتبليغهم ما يقول الناس فيهم ليكفوا ويأخذوا حذرهم بلطف وحسن تأدية بحيث يبلغ المقصود من غير أذية للغير.

(13/53)


18 - باب
7099 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى قَالَ لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً"
7100 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الأَسَدِيُّ قَالَ لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقَدِمَا عَلَيْنَا الْكُوفَةَ فَصَعِدَا الْمِنْبَرَ فَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فِي أَعْلاَهُ وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنْ الْحَسَنِ فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ وَ وَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ابْتَلاَكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ" ؟
7101 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَامَ عَمَّارٌ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَذَكَرَ عَائِشَةَ وَذَكَرَ مَسِيرَهَا وَقَالَ إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابْتُلِيتُمْ"
7102, 7103, 7104 - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ "دَخَلَ أَبُو مُوسَى وَأَبُو مَسْعُودٍ عَلَى عَمَّارٍ حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِيٌّ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ فَقَالاَ:

(13/53)


مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ فَقَالَ عَمَّارٌ: مَا رَأَيْتُ مِنْكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الأَمْرِ وَكَسَاهُمَا حُلَّةً حُلَّةً ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْمَسْجِدِ"
[الحديث 7102 – طرفه في: 7106]
[الحديث 7103 – طرفه في: 7105]
[الحديث 7104 – طرفه في: 7107]
7105, 7106, 7107 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَعَمَّارٍ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلاَّ لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ فِيهِ غَيْرَكَ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ اسْتِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَبَا مَسْعُودٍ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلاَ مِنْ صَاحِبِكَ هَذَا شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتُمَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِي هَذَا الأَمْرِ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ - وَكَانَ مُوسِرًا - يَا غُلاَمُ هَاتِ حُلَّتَيْنِ, فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالأُخْرَى عَمَّارًا وَقَالَ: رُوحَا فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ"
قوله: "عوف" هو الأعرابي، والحسن هو البصري، والسند كله بصريون، وقد تقدم القول في سماع الحسن من أبي بكرة في كتاب الصلح، وقد تابع عوفا حميد الطويل عن الحسن أخرجه البزار وقال: رواه عن الحسن جماعة وأحسنها إسنادا رواية حميد. قوله: "لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل" في رواية حميد " عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقد جمع عمر بن شبة في " كتاب أخبار البصرة " قصة الجمل مطولة، وها أنا ألخصها وأقتصر على ما أورده بسند صحيح أو حسن وأبين ما عداه، فأخرج من طريق عطية بن سفيان الثقفي عن أبيه قال: لما كان الغد من قتل عثمان أقبلت مع علي فدخل المسجد فإذا جماعة علي وطلحة فخرج أبو جهم ابن حذيفة فقال: يا على ألا ترى؟ فلم يتكلم، ودخل بيته فأتى بثريد فأكل ثم قال: يقتل ابن عمي ونغلب على ملكه؟ فخرج إلى بيت المال ففتحه، فلما تسامع الناس تركوا طلحة. ومن طريق مغيرة عن إبراهيم عن علقمة قال: قال الأشتر رأيت طلحة والزبير بايعا عليا طائعين غير مكرهين. ومن طريق أبي نضرة قال: كان طلحة يقول إنه بايع وهو مكره. ومن طريق داود بن أبي هند عن الشعبي قال: لما قتل عثمان أتى الناس عليا وهو في سوق المدينة فقالوا له ابسط يدك نبايعك، فقال: حتى يتشاور الناس. فقال بعضهم: لئن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم لم يؤمن الاختلاف وفساد الأمة: فأخذ الأشتر بيده فبايعوه. ومن طريق ابن شهاب قال: لما قتل عثمان وكان على خلا بينهم، فلما خشي أنهم يبايعون طلحة دعا الناس إلى بيعته فلم يعدلوا به طلحة ولا غيره، ثم أرسل إلى طلحة والزبير فبايعاه. ومن طريق ابن شهاب أن طلحة والزبير استأذنا عليا في العمرة، ثم خرجا إلى مكة فلقيا عائشة فاتفقوا على الطلب بدم عثمان حتى يقتلوا قتلته. ومن طريق عوف الأعرابي قال: استعمل عثمان يعلى بن أمية على صنعاء

(13/54)


وكان عظيم الشأن عنده، فلما قتل عثمان وكان يعلى قدم حاجا فأعان طلحة والزبير بأربعمائة ألف، وحمل سبعين رجلا من قريش، واشترى لعائشة جملا يقال له عسكر بثمانين دينارا. ومن طريق عاصم بن كليب عن أبيه قال قال علي: أتدرون بمن بليت؟ أطوع الناس في الناس عائشة، وأشد الناس الزبير، وأدهى الناس طلحة، وأيسر الناس يعلى بن أمية. ومن طريق ابن أبي ليلى قال: خرج علي في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ومن طريق محمد بن علي بن أبي طالب قال: سار علي من المدينة ومعه تسعمائة راكب فنزل بذي قار. ومن طريق قيس بن أبي حازم قال: لما أقبلت عائشة فنزلت بعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب - بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها همزة ثم موحدة - قالت ما أظنني إلا راجعة، فقال لها بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم، فقالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم: كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب. وأخرج هذا أحمد وأبو يعلى والبزار وصححه ابن حبان والحاكم وسنده على شرط الصحيح. وعند أحمد: فقال لها الزبير، تقدمين فذكره. ومن طريق عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه: أيتكن صاحبة الجمل الأدبب - بهمزة مفتوحة ودال ساكنة ثم موحدتين الأولى مفتوحة - تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة وتنجو من بعدما كادت. وهذا رواه البزار ورجاله ثقات. وأخرج البزار من طريق زيد بن وهب قال: بينا نحن حول حذيفة إذ قال: كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيكم فرقتين يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف؟ قلنا: يا أبا عبد الله فكيف نصنع إذا أدركنا ذلك؟ قال: انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى أمر علي بن أبي طالب فإنها على الهدى. وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس قال: بلغ أصحاب علي حين ساروا معه أن أهل البصرة اجتمعوا بطلحة والزبير فشق عليهم ووقع في قلوبهم، فقال علي: والذي لا إله غيره لنظهرن على أهل البصرة ولنقتلن طلحة والزبير الحديث، وفي سنده إسماعيل بن عمرو البجلي وفيه ضعف. وأخرج الطبراني من طريق محمد بن قيس قال: ذكر لعائشة يوم الجمل قالت: والناس يقولون يوم الجمل؟ قالوا: نعم. قالت: وددت أني جلست كما جلس غيري فكان أحب إلي من أن أكون ولدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة كلهم مثل عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام. وفي سنده أبو معشر نجيح المدني وفيه ضعف. وأخرج إسحاق بن راهويه من طريق سالم المرادي سمعت الحسن يقول: لما قدم على البصرة في أمر طلحة وأصحابه قام قيس بن عباد وعبد الله بن الكواء فقالا له: أخبرنا عن مسيرك هذا فذكر حديثا طويلا في مبايعته أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم ذكر طلحة والزبير فقال: بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة، ولو أن رجلا ممن بايع أبا بكر خالفه لقاتلناه. وكذلك عمر. وأخرج أحمد والبزار بسند حسن من حديث أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: لا ولكن إذا كان ذلك فأرددها إلى مأمنها. وأخرج إسحاق من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد السلام رجل من حيه قال: خلا علي بالزبير يوم الجمل فقال: أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأنت لاوي يدي: لتقاتلنه وأنت ظالم له ثم لينصرن عليك؟ قال: قد سمعت، لا جرم لا أقاتلك. وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمر ابن هجنع - بفتح الهاء والجيم وتشديد النون بعدها مهملة - عن أبي بكرة وقيل له: ما منعك أن تقاتل مع أهل البصرة يوم الجمل؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج قوم هلكى لا يفلحون قائدهم امرأة في الجنة . فكأن أبا بكرة

(13/55)


أشار إلى هذا الحديث فامتنع من القتال معهم، ثم استصوب رأيه في ذلك الترك لما رأى غلبة علي. وقد أخرج الترمذي والنسائي الحديث المذكور من طريق حميد الطويل عن الحسن البصري عن أبي بكرة بلفظ: "عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذكر الحديث قال: "فلما قدمت عائشة ذكرت ذلك فعصمني الله " وأخرج عمر بن شبة من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن أن عائشة أرسلت إلى أبي بكرة فقال: إنك لأم، وإن حقك لعظيم، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لن يفلح قوم تملكهم امرأة. قوله: "لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارسا" قال ابن مالك: كذا وقع مصروفا والصواب عدم صرفه. وقال الكرماني هو يطلق على الفرس وعلى بلادهم، فعلى الأول يصرف إلا أن يراد القبيلة، وعلى الثاني يجوز الأمران كسائر البلاد انتهى. وقد جوز بعض أهل اللغة صرف الأسماء كلها. قوله: "ملكوا ابنة كسرى" في رواية حميد " لما هلك كسرى قال النبي صلى الله عليه وسلم: من استخلفوا؟ قالوا: ابنته". قوله: "لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة" بالنصب على المفعولية. وفي رواية حميد " ولي أمرهم امرأة " بالرفع على أنها الفاعل، وكسرى المذكور هو شيرويه بن أبرويز بن هرمز، واسم ابنته المذكورة بوران. وقد تقدم في آخر المغازي في " باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى " شرح ذلك. وقوله: "ولوا أمرهم امرأة " زاد الإسماعيلي من طريق النضر بن شميل عن عوف في آخره: "قال أبو بكرة: فعرفت أن أصحاب الجمل لن يفلحوا " ونقل ابن بطال عن المهلب أن ظاهر حديث أبي بكرة يوهم توهين رأى عائشة فيما فعلت. وليس كذلك لأن المعروف من مذهب أبي بكرة أنه كان على رأي عائشة في طلب الإصلاح بين الناس، ولم يكن قصدهم القتال، لكن لما انتشبت الحرب لم يكن لمن معها بد من المقاتلة، ولم يرجع أبو بكرة عن رأي عائشة وإنما تفرس بأنهم يغلبون لما رأى الذين مع عائشة تحت أمرها لما سمع في أمر فارس، قال: ويدل لذلك أن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكرت هي ومن معها على منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم، وكان على ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك، وخشي من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم فأنشبوا الحرب بينهم إلى أن كان ما كان. فلما انتصر علي عليهم حمد أبو بكرة رأيه في ترك القتال معهم وإن كان رأيه كان موافقا لرأي عائشة في الطلب بدم عثمان. انتهى كلامه، وفي بعضه نظر يظهر مما ذكرته ومما سأذكره. وتقدم قريبا في " باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما " من حديث الأحنف أنه كان خرج لينصر عليا فلقيه أبو بكرة فنهاه عن القتال، وتقدم قبله بباب من قول أبي بكرة لما حرق ابن الحضرمي ما يدل على أنه كان لا يرى القتال في مثل ذلك أصلا فليس هو على رأي عائشة ولا على رأي علي في جواز القتال بين المسلمين أصلا، وإنما كان رأيه الكف وفاقا لسعد ابن أبي وقاص ومحمد ابن مسلمة وعبد الله بن عمر وغيرهم، ولهذا لم يشهد صفين مع معاوية ولا علي. قال ابن التين: احتج بحديث أبي بكرة من قال لا يجوز أن تولى المرأة القضاء وهو قول الجمهور، وخالف ابن جرير الطبري فقال يجوز أن تقضي فيما تقبل شهادتها فيه، وأطلق بعض المالكية الجواز. وقال ابن التين أيضا: كلام أبي بكرة يدل على أنه لولا عائشة لكان مع طلحة والزبير لأنه لو تبين له خطؤهما لكان مع علي. وكذا قال وأغفل قسما ثالثا وهو أنه كان يرى الكف عن القتال في الفتنة كما تقدم تقريره، وهذا هو المعتمد، ولا يلزم من كونه ترك القتال مع أهل بلده للحديث المذكور أن لا يكون مانعه من القتال سبب آخر وهو ما تقدم من نهيه الأحنف عن القتال واحتجاجه بحديث: "إذا

(13/56)


التقى المسلمان بسيفيهما " كما تقدم قريبا. حديث عمار في حق عائشة أخرجه من وجهين مطولا ومختصرا. قوله: "حدثنا عبد الله بن محمد" هو الجعفي المسندي، وأبو حصين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم، وأبو مريم المذكور أسدي كوفي هو وجميع رواة الإسناد إلا شيخه وشيخ البخاري، وقد وثق أبا مريم المذكور العجلي والدار قطني، وما له في البخاري إلا هذا الحديث. قوله: "لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة" ذكر عمر بن شبة بسند جيد أنهم توجهوا من مكة بعد أن أهلت السنة، وذكر بسند له آخر أن الوقعة بينهم كانت في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وذكر من رواية المدائني عن العلاء أبي محمد عن أبيه قال: جاء رجل إلى علي وهو بالزاوية فقال: علام تقاتل هؤلاء؟ قال: على الحق، قال: فإنهم يقولون إنهم على الحق، قال: أقاتلهم على الخروج من الجماعة ونكث البيعة. وأخرج الطبري من طريق عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه قال: رأيت في زمن عثمان أن رجلا أميرا مرض وعند رأسه امرأة والناس يريدونه فلو نهتهم المرأة لانتهوا ولكنها لم تفعل فقتلوه. ثم غزوت تلك السنة فبلغنا قتل عثمان، فلما رجعنا من غزاتنا وانتهينا إلى البصرة قيل لنا: هذا طلحة والزبير وعائشة فتعجب الناس وسألوهم عن سبب مسيرهم فذكروا أنهم خرجوا غضبا لعثمان وتوبة مما صنعوا من خذلانه. وقالت عائشة: غضبنا لكم على عثمان في ثلاث إمارة الفتى وضرب السوط والعصا فما أنصفناه إن لم نغضب له في ثلاث: حرمة الدم والشهر والبلد. قال فسرت أنا ورجلان من قومي إلى علي وسلمنا عليه وسألناه فقال: عدا الناس على هذا الرجل فقتلوه وأنا معتزل عنهم ثم ولوني ولولا الخشية على الدين لم أجبهم، ثم استأذنني الزبير وطلحة في العمرة فأخذت عليهما العهود وأذنت لهما فعرضا أم المؤمنين لما لا يصلح لها فبلغني أمرهم فخشيت أن ينفتق في الإسلام فتق فأتبعتهم، فقال أصحابه: والله ما نريد قتالهم إلا أن يقاتلوا، وما خرجنا إلا للإصلاح. فذكر القصة وفيها أن أول ما وقعت الحرب أن صبيان العسكرين تسابوا ثم تراموا ثم تبعهم العبيد ثم السفهاء فنشبت الحرب، وكانوا خندقوا على البصرة فقتل قوم وجرح آخرون، وغلب أصحاب علي ونادى مناديه: لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا جريحا ولا تدخلوا دار أحد، ثم جمع الناس وبايعهم واستعمل ابن عباس على البصرة ورجع إلى الكوفة. وأخرج ابن أبي شيبة بسند جيد عن عبد الرحمن بن أبزى قال: انتهى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج فقال: يا أم المؤمنين أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان فقلت ما تأمريني، فقلت ألزم عليا؟ فسكتت. فقال: اعقروا الجمل فعقروه، فنزلت أنا وأخوها محمد فاحتملنا هودجها فوضعناه بين يدي علي، فأمر بها فأدخلت بيتا. وأخرج أيضا بسند صحيح عن زيد بن وهب قال فكف على يده حتى بدءوه بالقتال فقاتلهم بعد الظهر فما غربت الشمس وحول الجمل أحد، فقال علي: لا تتمموا جريحا ولا تقتلوا مدبرا ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو أمن. وأخرج الشافعي من رواية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: دخلت على مروان بن الحكم فقال: ما رأيت أحدا أكرم غلبة من أبيك - يعني عليا - ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل فنادى مناديه: لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح. وأخرج الطبري وابن أبي شيبة وإسحاق من طريق عمرو بن جاوان عن الأحنف قال: حججت سنة قتل عثمان فدخلت المدينة فذكر كلام عثمان في تذكيرهم بمناقبه، وقد تقدم في " باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما " ثم ذكر اعتزاله الطائفتين قال: ثم التقوا فكان أول قتيل طلحة ورجع الزبير فقتل. وأخرج الطبري بسند صحيح عن علقمة قال قلت للأشتر: قد كنت كارها لقتل عثمان فكيف قاتلت يوم الجمل؟ قال: إن هؤلاء بايعوا عليا ثم

(13/57)


نكثوا عهده، وكان الزبير هو الذي حرك عائشة على الخروج فدعوت الله أن يكفينيه، فلقيني كفه بكفه فما رضيت لشدة ساعدي أن قمت في الركاب فضربته على رأسه ضربة فصرعته، فذكر القصة في أنهما سلما. قوله: "بعث على عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة" ذكر عمر بن شبة والطبري سبب ذلك بسندهما إلى ابن أبي ليلى قال: كان علي أقر أبا موسى على إمرة الكوفة، فلما خرج من المدينة أرسل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إليه أن أنهض من قبلك من المسلمين وكن من أعواني على الحق، فاستشار أبو موسى السائب بن مالك الأشعري فقال: اتبع ما أمرك به، قال: إني لا أرى ذلك، وأخذ في تخذيل الناس عن النهوض، فكتب هاشم إلى علي بذلك وبعث بكتابه مع عقل بن خليفة الطائي، فبعث على عمار ابن ياسر والحسن بن علي يستنفران الناس، وأمر قرظة بن كعب على الكوفة، فلما قرأ كتابه على أبي موسى اعتزل ودخل الحسن وعمار المسجد. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب قال: أقبل طلحة والزبير حتى نزلا البصرة فقبضا على عامل علي عليها ابن حنيف، وأقبل علي حتى نزل بذي قار، فأرسل عبد الله بن عباس إلى الكوفة فأبطؤوا عليه، فأرسل إليهم عمارا فخرجوا إليه. قوله: "فصعد المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه فسمعت عمارا يقول" زاد الإسماعيلي من وجه آخر عن أبي بكر بن عياش " صعد عمار المنبر فحض الناس في الخروج إلى قتال عائشة " وفي رواية إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم بالسند المذكور " فقال عمار: إن أمير المؤمنين بعثنا إليكم لنستنفركم، فإن أمنا قد سارت إلى البصرة " وعند عمر بن شبة عن حبان ابن بشر عن يحيى بن آدم في حديث الباب: "فكان عمار يخطب والحسن ساكت " ووقع في رواية ابن أبي ليلى في القصة المذكورة " فقال الحسن: إن عليا يقول إني أذكر الله رجلا رعى لله حقا إلا نفر، فإن كنت مظلوما أعانني وإن كنت ظالما أخذلني، والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني ثم نكثا، ولم أستأثر بمال ولا بدلت حكما " قال فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل. قوله: "إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة؛ ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي" في رواية إسحاق " ليعلم أنطيعه أم إياها " وفي رواية الإسماعيلي من طريق أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش بعد قوله قد سارت إلى البصرة " ووالله إني لأقول لكم هذا ووالله إنها لزوجة نبيكم " زاد عمر بن شبة في روايته: "وأن أمير المؤمنين بعثنا إليكم وهو بذي قار " ووقع عند ابن أبي شيبة من طريق شمر بن عطية عن عبد الله بن زياد قال: "قال عمار إن أمنا سارت مسيرها هذا، وإنها والله زوج محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها " ومراد عمار بذلك أن الصواب في تلك القصة كان مع علي وأن عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن الإسلام ولا أن تكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. فكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحريه قول الحق. وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن أبي يزيد المديني قال: "قال عمار بن ياسر لعائشة لما فرغوا من الجمل: ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليكم " يشير إلى قوله تعالى:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} فقالت: أبو اليقظان؟ قال: نعم. قالت: والله إنك ما علمت لقوال بالحق. قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك. وقوله: "ليعلم إياه تطيعون أم هي " قال بعض الشراح: الضمير في إياه لعلي، والمناسب أن يقال أم إياها لا هي، وأجاب الكرماني بأن الضمائر يقوم بعضها مقام بعض انتهى وهو على بعض الآراء. وقد وقع في رواية إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى بن آدم بسند حديث الباب: "ولكن الله ابتلانا بها ليعلم أنطيعه أم إياها " فظهر أن ذلك من تصرف الرواة

(13/58)


وأما قوله إن الضمير في إياه لعلي فالظاهر خلافه، وأنه لله تعالى، والمراد إظهار المعلوم كما في نظائره. قوله: "عن ابن أبي غنية" بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد التحتانية هو عبد الملك بن حميد، ماله في البخاري إلا هذا الحديث، وصرح بذلك أبو زرعة الدمشقي في روايته عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في مستخرجه، والحكم هو ابن عيينة، والسند كله كوفيون. قوله: "قام عمار على منبر الكوفة" هذا طرف من الحديث الذي قبله، وأراد البخاري بإيراده تقوية حديث أبي مريم لكونه مما انفرد به عنه أبو حصين، وقله رواه أيضا عن الحكم شعبة أخرجه الإسماعيلي وزاد في أوله قال: "لما بعث على عمارا والحسن إلى الكوفة يستنفرهم خطب عمار " فذكره قال ابن هبيرة: في هذا الحديث أن عمارا كان صادق اللهجة وكان لا تستخفه الخصومة إلى أن ينتقص خصمه، فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب انتهى. وفيه جواز ارتفاع ذي الأمر فوق من هو أسن منه وأعظم سابقة في الإسلام وفضلا، لأن الحسن ولد أمير المؤمنين فكان حينئذ هو الأمير على من أرسلهم علي وعمار من جملتهم، فصعد الحسن أعلى المنبر فكان فوق عمار وإن كان في عمار من الفضل ما يقتضي رجحانه فضلا عن مساواته. ويحتمل أن يكون عمار فعل ذلك تواضعا مع الحسن وإكراما له من أجل جده صلى الله عليه وسلم وفعله الحسن مطاوعة له لا تكبرا عليه. حديث أبي موسى وأبي مسعود وعمار بن ياسر فيما يتعلق بوقعة الجمل أخرجه من طريقين. قوله: "أخبرني عمرو" هو ابن مرة، وصرح به في رواية أحمد بن حنبل عن محمد بن جعفر وكذا الإسماعيلي في روايته من طريق عبد الله بن المبارك كلاهما عن شعبة. قوله: "حيث بعثه على إلى أهل الكوفة يستنفرهم" في رواية الكشميهني: "حين " بدل " حيث " وفي رواية الإسماعيلي: "يستنفر أهل الكوفة إلى أهل البصرة". قوله: "ما رأيناك أتيت أمرا أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت" زاد في الرواية الثانية أن الذي تولى خطاب عمار ذلك هو أبو مسعود وهو عقبة بن عمرو الأنصاري، وكان يومئذ يلي لعلي بالكوفة كما كان أبو موسى يلي لعثمان. قوله: "وكساهما حلة" في رواية الإسماعيلي: "فكساهما حلة حلة " وبين في الرواية التي تلي هذه أن فاعل كسا هو أبو مسعود، وهو في هذه الرواية محتمل فيحمل على ذلك. قوله: "ثم راحوا إلى المسجد" في رواية الإسماعيلي: "ثم خرجوا إلى الصلاة يوم الجمعة " وفي رواية محمد ابن جعفر " فقام أبو مسعود فبعث إلى كل واحد منهما حلة " قال ابن بطال: فيما دار بينهم دلالة على أن كلا من الطائفتين كان مجتهدا ويرى أن الصواب معه قال: وكان أبو مسعود موسرا جوادا، وكان اجتماعهم عند أبي مسعود في يوم الجمعة فكسا عمارا حلة ليشهد بها الجمعة لأنه كان في ثياب السفر وهيئة الحرب، فكره أن يشهد الجمعة في تلك الثياب وكره أن يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى فكسا أبا موسى أيضا. وقوله: "أعيب " بالعين المهملة والموحدة أفعل تفضيل من العيب، وجعل كل منهم الإبطاء والإسراع عيبا بالنسبة لما يعتقده، فعمار لما في الإبطاء من مخالفة الإمام وترك امتثال "فقاتلوا التي تبغي" والآخران لما ظهر لهما من ترك مباشرة القتال في الفتنة، وكان أبو مسعود على رأي أبي موسى في الكف عن القتال تمسكا بالأحاديث الواردة في ذلك وما في حمل السلاح على المسلم من الوعيد، وكان عمار على رأي علي في قتال الباغين والناكثين والتمسك بقوله تعالى :{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} وحمل الوعيد الوارد في القتال على من كان متعديا على صاحبه. "تنبيه": وقع في رواية النسفي وكذا الإسماعيلي قبل سياق سند ابن أبي غنية " باب " بغير ترجمة، وسقط للباقين وهو الصواب لأن فيه الحديث الذي قبله، وإن كان فيه زيادة في القصة.

(13/59)


19 - باب إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا
7108 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ "أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ"
قوله: "باب إذا أنزل الله بقوم عذابا" حذف الجواب اكتفاء بما وقع في الحديث. قوله: "عبد الله بن عثمان" هو عبدان، وعبد الله شيخه هو ابن المبارك، ويونس هو ابن يزيد. قوله: "إذا أنزل الله بقوم عذابا" أي عقوبة لهم على سيئ أعمالهم. قوله: "أصاب العذاب من كان فيهم" في رواية أبي النعمان عن ابن المبارك " أصاب به من بين أظهرهم " أخرجه الإسماعيلي، والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم. قوله: "ثم بعثوا على أعمالهم" أي بعث كل واحد منهم على حسب عمله إن كان صالحا فعقباه صالحة وإلا فسيئة، فيكون ذلك العذاب طهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين. وفي صحيح ابن حبان عن عائشة مرفوعا: "إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم " وأخرجه البيهقي في " الشعب " وله من طريق الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عنها مرفوعا: "إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأسه فيهم، قيل: يا رسول الله وفيهم أهل طاعته؟ قال: نعم، ثم يبعثون إلى رحمة الله تعالى " قال ابن بطال: هذا الحديث يبين حديث زينب بنت جحش حيث قالت: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث " فيكون إهلاك الجميع عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي. قلت: الذي يناسب كلامه الأخير حديث أبي بكر الصديق " سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب " أخرجه الأربعة وصححه ابن حبان، وأما حديث ابن عمر في الباب وحديث زينب بنت جحش فمتناسبان، وقد أخرجه مسلم عقبه، ويجمعهما أن الهلاك يعم الطائع مع العاصي، وزاد حديث ابن عمر أن الطائع عند البعث يجازي بعمله، ومثله حديث عائشة مرفوعا: "العجب أن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فقلنا: يا رسول الله إن الطريق قد تجمع الناس، قال: نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم " أخرجه مسلم. وله من حديث أم سلمة نحوه ولفظه: "فقلت يا رسول الله فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته " وله من حديث جابر رفعه: "يبعث كل عبد على ما مات عليه " وقال الداودي: معنى حديث ابن عمر أن الأمم التي تعذب على الكفر يكون بينهم أهل أسواقهم ومن ليس منهم فيصاب جميعهم بآجالهم ثم يبعثون على أعمالهم، ويقال إذا أراد الله عذاب أمة أعقم نساءهم خمس عشرة سنة قبل أن يصابوا لئلا يصاب الولدان الذين لم يجر عليهم القلم انتهى. وهذا ليس له أصل وعموم حديث عائشة يرده، وقد شوهدت السفينة ملأى من الرجال والنساء والأطفال تغرق فيهلكون جميعا، ومثله الدار الكبيرة تحرق، والرفقة الكثيرة تخرج عليها قطاع الطريق فيهلكون جميعا أو أكثرهم، والبلد من بلاد المسلمين يهجمها الكفار فيبذلون السيف في أهلها، وقد وقع ذلك من الخوارج قديما ثم من القرامطة ثم من الططر أخيرا والله المستعان. قال القاضي عياض: أورد مسلم حديث جابر " يبعث كل عبد على ما مات عليه " تعقب حديث جابر أيضا رفعه

(13/60)


"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " يشير إلى أنه مفسر له، ثم أعقبه بحديث: "ثم بعثوا على أعمالهم " مشيرا إلى أنه وإن كان مفسرا لما قبله لكنه ليس مقصورا عليه بل هو عام فيه وفي غيره، ويؤيده الحديث الذي ذكره بعده " ثم يبعثهم الله على نياتهم " انتهى ملخصا. والحاصل أنه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب بل يجازي كل أحد بعمله على حسب نيته. وجنح ابن أبي جمرة إلى أن الذين يقع لهم ذلك إنما يقع بسبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقا لا يرسل الله عليهم العذاب بل يدفع بهم العذاب، ويؤيده قوله تعالى:{وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون" وقوله تعالى:{وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ويدل على تعميم العذاب لمن لم ينه عن المنكر وإن لم يتعطاه قوله تعالى :{فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم فإن أعان أو رضي فهو منهم، ويؤيده أمره صلى الله عليه وسلم بالإسراع في الخروج من ديار ثمود. وأما بعثهم على أعمالهم فحكم عدل لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها في الآخرة، وأما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيرا لما قدموه من عمل سيئ، فكان العذاب المرسل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله. وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي، فكيف بمن داهن، فكيف بمن رضي، فكيف بمن عاون؟ نسأل الله السلامة. قلت: ومقتضى كلامه أن أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة، وإلى ذلك جنح القرطبي في " التذكرة " وما قدمناه قريبا أشبه بظاهر الحديث. وإلى نحوه مال القاضي ابن العربي، وسيأتي ذلك في الكلام على حديث زينب بنت جحش " أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث " في آخر كتاب الفتن.

(13/61)


20 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ
وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
7109 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ أَبُو مُوسَى وَلَقِيتُهُ بِالْكُوفَةِ وَجَاءَ إِلَى ابْنِ شُبْرُمَةَ فَقَالَ أَدْخِلْنِي عَلَى عِيسَى فَأَعِظَهُ فَكَأَنَّ ابْنَ شُبْرُمَةَ خَافَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ "لَمَّا سَارَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكَتَائِبِ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ أَرَى كَتِيبَةً لاَ تُوَلِّي حَتَّى تُدْبِرَ أُخْرَاهَا قَالَ مُعَاوِيَةُ مَنْ لِذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ أَنَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: نَلْقَاهُ فَنَقُولُ لَهُ: الصُّلْحَ قَالَ الْحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ جَاءَ الْحَسَنُ, فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ, وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ"
7110 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عَمْرٌو أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ حَرْمَلَةَ مَوْلَى أُسَامَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ عَمْرٌو قَدْ رَأَيْتُ حَرْمَلَةَ قَالَ أَرْسَلَنِي أُسَامَةُ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ إِنَّهُ سَيَسْأَلُكَ الْآنَ فَيَقُولُ:

(13/61)


مَا خَلَّفَ صَاحِبَكَ فَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ لَوْ كُنْتَ فِي شِدْقِ الأَسَدِ لاَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِيهِ وَلَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ أَرَهُ فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا فَذَهَبْتُ إِلَى حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَابْنِ جَعْفَرٍ فَأَوْقَرُوا لِي رَاحِلَتِي
قوله: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي: إن ابني هذا لسيد" في رواية المروزي والكشميهني: "سيد " بغير لام وكذا لهم في مثل هذه الترجمة في كتاب الصلح وبحذف إن وساق المتن هناك بلفظ: "إن ابني هذا سيد " وساقه هنا بحذفها فأشار في كل من الموضعين إلى ما وقع في الآخر، وقد أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد عن سفيان بتمامه، ثم نقل عن علي بن عبد الله ما يتعلق بسماع الحسن من أبي بكرة وساقه هنا عن علي بن عبد الله فلم يذكر ذلك ولم أر في شيء من طرق المتن " لسيد " باللام كما وقع في هذه الترجمة، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية سبعة أنفس عن سفيان بن عيينة وبين اختلاف ألفاظهم وذكر في الباب الحديث المذكور وحديثا لأسامة بن زيد. قوله: "حدثنا إسرائيل أبو موسى" هي كنية إسرائيل واسم أبيه موسى فهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه فيؤمن فيه من التصحيف، وهو بصري كان يسافر في التجارة إلى الهند وأقام بها مدة. قوله: "ولقيته بالكوفة" قائل ذلك هو سفيان بن عيينة والجملة حالية. قوله: "وجاء إلى ابن شبرمة" هو عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور ومات في خلافته سنة أربع وأربعين ومائة وكان صارما عفيفا ثقة فقيها. قوله: "فقال أدخلني على عيسى فأعظه" بفتح الهمزة وكسر العين المهملة وفتح الظاء المشالة من الوعظ، وعيسى هو ابن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ابن أخي المنصور وكان أميرا على الكوفة إذ ذاك. قوله: "فكأن" بالتشديد "ابن شبرمة خاف عليه" أي على إسرائيل "فلم يفعل" أي فلم يدخله على عيسى بن موسى، ولعل سبب خوفه عليه أنه كان صادعا بالحق فخشي أنه لا يتلطف بعيسى فيبطش به لما عنده من غرة الشباب وغرة الملك، قال ابن بطال: دل ذلك من صنيع ابن شبرمة على أن من خاف على نفسه سقط عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت وفاة عيسى المذكور في خلافة المهدي سنة ثمان وستين ومائة. قوله: "قال حدثنا الحسن" يعني البصري والقائل " حدثنا " هو إسرائيل المذكور، قال البزار في مسنده بعد أن أخرج هذا الحديث عن خلف بن خليفة عن سفيان بن عيينة: لا نعلم رواه عن إسرائيل غير سفيان، وتعقبه مغلطاي بأن البخاري أخرجه في علامات النبوة من طريق حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى وهو إسرائيل هذا، وهو تعقب جيد ولكن لم أر فيه القصة وإنما أخرج فيه الحديث المرفوع فقط. قوله: "لما سار الحسن بن علي إلى معاوية بالكتائب" في رواية عبد الله بن محمد عن سفيان في كتاب الصلح " استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال " والكتائب بمثناة وآخره موحدة جمع كتيبة بوزن عظيمة وهي طائفة من الجيش تجتمع وهي فعيلة بمعنى مفعولة لأن أمير الجيش إذا رتبهم وجعل كل طائفة على حدة كتبهم في ديوانه كذلك، ذكر ذلك ابن التين عن الداودي، ومنه قيل: مكتب بني فلان، قال وقوله: "أمثال الجبال " أي لا يرى لها طرف لكثرتها كما لا يرى من قابل الجبل طرفه، ويحتمل أن يريد شدة البأس. وأشار الحسن البصري بهذه القصة إلى ما اتفق بعد قتل علي رضي الله عنه، وكان علي لما انقضى أمر التحكيم ورجع إلى الكوفة تجهز لقتال أهل الشام مرة بعد أخرى فشغله أمر الخوارج بالنهروان كما تقدم وذلك في سنة ثمان وثلاثين، ثم تجهز في سنة تسع وثلاثين فلم يتهيأ ذلك لافتراق آراء أهل العراق عليه، ثم وقع الجد منه في ذلك في سنة أربعين فأخرج

(13/62)


إسحاق من طريق عبد العزيز بن سياه بكسر المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف قال: لما خرج الخوارج قام علي فقال: أتسيرون إلى الشام أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم؟ قالوا: بل نرجع إليهم، فذكر قصة الخوارج قال فرجع علي إلى الكوفة، فلما قتل واستخلف الحسن وصالح معاوية كسب إلى قيس بن سعد بذلك فرجع عن قتال معاوية. وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس ابن يزيد عن الزهري قال: جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت، فقتل علي فبايعوا الحسن بن علي بالخلافة، وكان لا يحب القتال ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه، فعرف أن قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح فنزعه وأمر عبد الله بن عباس فاشترط لنفسه كما اشترط الحسن. وأخرج الطبري والطبراني من طريق إسماعيل بن راشد قال: بعث الحسن قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفا - يعني من الأربعين - فسار قيس إلى جهة الشام. وكان معاوية لما بلغه قتل علي خرج في عساكر من الشام، وخرج الحسن بن علي حتى نزل المدائن، فوصل معاوية إلى مسكن وقال ابن بطال: ذكر أهل العلم بالأخبار أن عليا لما قتل سار معاوية يريد العراق وسار الحسن يريد الشام فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه فنادى: يا معاوية إني اخترت ما عند الله، فإن يكن هذا الأمر لك فلا ينبغي لي أن أنازعك فيه وإن يكن لي فقد تركته لك فكبر أصحاب معاوية. وقال المغيرة عند ذلك: أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ابني هذا سيد " الحديث وقال في آخره: فجزاك الله عن المسلمين خيرا انتهى وفي صحة هذا نظر من أوجه: الأول أن المحفوظ أن معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح كما في حديث الباب الثاني أن الحسن ومعاوية لم يتلاقيا بالعسكرين حتى يمكن أن يتخاطبا وإنما تراسلا، فيحمل قوله: "فنادى يا معاوية " على المراسلة، ويجمع بأن الحسن راسل معاوية بذلك سرا فراسله معاوية جهرا، والمحفوظ أن كلام الحسن الأخير إنما وقع بعد الصلح والاجتماع كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في " الدلائل " من طريقه ومن طريق غيره بسندهما إلى الشعبي قال: لما صالح الحسن بن علي معاوية؛ قال له معاوية قم فتكلم، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن أكيس الكيس التقى وإن أعجز العجز الفجور، ألا وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به مني، أو حق لي تركته لإرادة إصلاح المسلمين وحقن دمائهم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. ثم استغفر ونزل. وأخرج يعقوب بن سفيان ومن طريقه أيضا البيهقي في " الدلائل " من طريق الزهري فذكر القصة وفيها: فخطب معاوية ثم قال: قم يا حسن فكلم الناس، فتشهد ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول. وذكر بقية الحديث. والثالث أن الحديث لأبي بكرة لا للمغيرة، لكن الجمع ممكن بأن يكون المغيرة حدث به عندما سمع مراسلة الحسن بالصلح وحدث به أبو بكرة بعد ذلك، وقد روى أصل الحديث جابر أورده الطبراني والبيهقي في " الدلائل " من فوائد يحيى بن معين بسند صحيح إلى جابر، وأورده الضياء في " الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين " وعجبت للحاكم في عدم استدراكه مع شدة حرصه على مثله، قال ابن بطال: سلم الحسن لمعاوية الأمر وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة نبيه، ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس فسميت سنة الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب. وبايع معاوية كل من كان معتزلا للقتال كابن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد ابن مسلمة، وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل، وانصرف إلى المدينة، وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة والبصرة عبد

(13/63)


الله بن عامر ورجع إلى دمشق. قوله: "قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كتيبة لا تولى" بالشديد أي لا تدبر. قوله: "حتى تدبر أخراها" أي التي تقابلها، ونسبها إليها لتشاركهما في المحاربة، وهذا على أن يدبر من أدبر رباعيا، ويحتمل أن يكون من دبر يدبر بفتح أوله وضم الموحدة أي يقوم مقامها يقال دبرته إذا بقيت بعده، وتقدم في رواية عبد الله بن محمد في الصلح " إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها " وهي أبين، قال عياض: هي الصواب، ومقتضاه أن الأخرى خطأ وليس كذلك بل توجيهها ما تقدم. وقال الكرماني: يحتمل أيضا أن تراد الكتيبة الأخيرة التي هي من جملة تلك الكتائب، أي لا ينهزمون بأن ترجع الأخرى أولى. قوله: "قال معاوية من لذراري المسلمين" أي من يكفلهم إذا قتل آباؤهم؟ زاد في الصلح " فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين - يعني معاوية -: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم " يشير إلى أن رجال العسكرين معظم من في الإقليمين فإذا قتلوا ضاع أمر الناس وفسد حال أهلهم بعدهم وذراريهم، والمراد بقوله: "ضيعتهم " الأطفال والضعفاء سموا باسم ما يؤول إليه أمرهم لأنهم إذا تركوا ضاعوا لعدم استقلالهم بأمر المعاش. وفي رواية الحميدي عن سفيان في هذه القصة " من لي بأمورهم، من لي بدمائهم، من لي بنسائهم " وأما قوله هنا في جواب قول معاوية " من لذراري المسلمين؟ فقال: أنا " فظاهره يوهم أن المجيب بذلك هو عمرو بن العاص، ولم أر في طرق الخبر ما يدل على ذلك، فإن كانت محفوظة فلعلها كانت " فقال أني " بتشديد النون المفتوحة قالها عمرو على سبيل الاستبعاد. وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في بعث ذات السلاسل " فذكر أخبارا كثيرة من التاريخ إلى أن قال: "وكان قيس بن سعد ابن عبادة على مقدمة الحسن بن علي، فأرسل إليه معاوية سجلا قد ختم في أسفله فقال: اكتب فيه ما تريد فهو لك، فقال له عمرو بن العاص: بل نقاتله، فقال معاوية - وكان خير الرجلين -: على رسلك يا أبا عبد الله، لا تخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتل عددهم من أهل الشام، فما خير الحياة بعد ذلك؟ وإني والله لا أقاتل حتى لا أجد من القتال بدا. قوله: "فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: نلقاه فنقول له الصلح" أي تشير عليه بالصلح، وهذا ظاهره أنهما بدا بذلك، والذي تقدم في كتاب الصلح أن معاوية هو الذي بعثهما، فيمكن الجمع بأنهما عرضا أنفسهما فوافقهما ولفظه هناك " فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس " أي ابن عبد مناف بن قصي " عبد الرحمن بن سمرة " زاد الحميدي في مسنده عن سفيان بن حبيب بن عبد شمس " قال سفيان وكانت له صحبة " قلت: وهو راوي حديث: "لا تسأل الإمارة " وسيأتي شيء من خبره في كتاب الأحكام. وعبد الله بن عامر بن كريز بكاف وراء ثم زاي مصغر زاد الحميدي " ابن حبيب بن عبد شمس " وقد مضى له ذكر في كتاب الحج وغيره، وهو الذي ولاه معاوية البصرة بعد الصلح، وبنو حبيب ابن عبد شمس بنو عم بني أمية بن عبد شمس، ومعاوية هو ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية "فقال معاوية: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه" أي ما شاء من المال "وقولا له" أي في حقن دماء المسلمين بالصلح "واطلبا إليه" أي اطلبا منه خلعه نفسه من الخلافة وتسليم الأمر لمعاوية وابذلا له في مقابلة ذلك ما شاء "قال فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به، فصالحه" قال ابن بطال: هذا يدل على أن معاوية كان هو الراغب في

(13/64)


الصلح وأنه عرض على الحسن المال ورغبه فيه وحثه على رفع السيف وذكره ما وعده به جده صلى الله عليه وسلم من سيادته في الإصلاح به، فقال له الحسن: إنا بنو عبد المطلب أصبنا من هذا المال، أي إنا جبلنا على الكرم والتوسعة على أتباعنا من الأهل والموالى وكنا نتمكن من ذلك بالخلافة حتى صار ذلك لنا عادة وقوله إن هذه الأمة أي العسكرين الشامي والعراقي " قد عاثت " بالمثلثة أي قتل بعضها بعضا فلا يكفون عن ذلك إلا بالصفح عما مضى منهم والتألف بالمال. وأراد الحسن بذلك كله تسكين الفتنة وتفرقة المال على من لا يرضيه إلا المال، فوافقاه على ما شرط من جميع ذلك والتزما له من المال في كل عام والثياب والأقوات ما يحتاج إليه لكل من ذكر. وقوله: "من لي بهذا " أي من يضمن لي الوفاء من معاوية؟ فقالا: نحن نضمن لأن معاوية كان فوض لهما ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: "أصبنا من هذا المال " أي فرقنا منه في حياة علي وبعده ما رأينا في ذلك صلاحا فنبه على ذلك خشية أن يرجع عليه بما تصرف فيه. وفي رواية إسماعيل ابن راشد عند الطبري " فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة بن حبيب " كذا قال عبد الله وكذا وقع عند الطبراني، والذي في الصحيح أصح، ولعل عبد الله كان مع أخيه عبد الرحمن، قال فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها. ومن طريق عوانة بن الحكم نحوه وزاد وكان الحسن صالح معاوية على أن يجعل له ما في بيت مال الكوفة وأن يكون له خراج دار أبجرد، وذكر محمد بن قدامة في " كتاب الخوارج " بسند قوي إلى أبي بصرة أنه سمع الحسن بن علي يقول في خطبته عند معاوية إني اشترطت على معاوية لنفسي الخلافة بعده. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح إلى الزهري قال: كاتب الحسن بن علي معاوية واشترط لنفسه فوصلت الصحيفة لمعاوية وقد أرسل إلى الحسن يسأله الصلح ومع الرسول صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه أن اشترط ما شئت فهو لك، فاشترط الحسن أضعاف ما كان سأل أولا، فلما التقيا وبايعه الحسن سأله أن يعطيه ما اشترط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله فتمسك معاوية إلا ما كان الحسن سأله أولا، واحتج بأنه أجاب سؤاله أول ما وقف عليه فاختلفا في ذلك فلم ينفذ للحسن من الشرطين شيء. وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق عبد الله بن شوذب قال: لما قتل علي سار الحسن بن علي في أهل العراق ومعاوية في أهل الشام فالتقوا، فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده فكان أصحاب الحسن يقولون له يا عار المؤمنين فيقول العار خير من النار. قوله: "قال الحسن" هو البصري وهو موصول بالسند المتقدم ووقع في رجال البخاري لأبي الوليد الباجي في ترجمة الحسن بن علي بن أبي طالب ما نصه " أخرج البخاري قول الحسن سمعت أبا بكرة " فتأوله الدار قطني وغيره على أنه الحسن بن علي لأن الحسن البصري عندهم لم يسمع من أبي بكرة، وحمله ابن المديني والبخاري على أنه الحسن البصري، قال الباجي: وعندي أن الحسن الذي قال: "سمعت هذا من أبي بكرة " إنما هو الحسن بن علي انتهى، وهو عجيب منه فإن البخاري قد أخرج متن هذا الحديث في علامات النبوة مجردا عن القصة من طريق حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى - وهو إسرائيل بن موسى - عن الحسن عن أبي بكرة، وأخرجه البيهقي في " الدلائل " من رواية مبارك بن فضالة ومن رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عن أبي بكرة وزاد في آخره: "قال الحسن: فلما ولى ما أهريق في سببه محجمة دم " فالحسن القائل هو البصري، والذي ولى هو الحسن بن علي، وليس للحسن بن علي في هذا رواية، وهؤلاء الثلاثة - إسرائيل ابن موسى ومبارك بن فضالة وعلي بن زيد - لم يدرك واحد منهم الحسن بن علي، وقد صرح إسرائيل بقوله: "سمعت الحسن " وذلك

(13/65)


فيما أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن الصلت بن مسعود عن سفيان ابن عيينة عن أبي موسى وهو إسرائيل " سمعت الحسن سمعت أبا بكرة " وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح، والصلت من شيوخ مسلم، وقد استشعر ابن التين خطأ الباجي فقال: قال الداودي الحسن مع قربه من النبي صلى الله عليه وسلم بحيث توفى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع سنين لا يشك في سماعه منه وله مع ذلك صحبة. قال ابن التين: الذي في البخاري إنما أراد سماع الحسن بن أبي الحسن البصري من أبي بكرة. قلت: ولعل الداودي إنما أراد رد توهم من يتوهم أنه الحسن بن علي فدفعه بما ذكر وهو ظاهر وإنما قال ابن المديني ذلك لأن الحسن كان يرسل كثيرا عمن لم يلقهم بصيغة " عن " فخشي أن تكون روايته عن أبي بكرة مرسلة فلما جاءت هذه الرواية مصرحة بسماعه من أبي بكرة ثبت عنده أنه سمعه منه، ولم أر ما نقله الباجي عن الدار قطني من أن الحسن هنا هو ابن علي في شيء من تصانيفه، وإنما قال في " التتبع لما في الصحيحين ": أخرج البخاري أحاديث عن الحسن عن أبي بكرة، والحسن إنما روى عن الأحنف عن أبي بكرة، وهذا يقتضي أنه عنده لم يسمع من أبي بكرة، لكن لم أر من صرح بذلك ممن تكلم في مراسيل الحسن كابن المديني وأبي حاتم وأحمد والبزار وغيرهم، نعم كلام ابن المديني يشعر بأنهم كانوا يحملونه على الإرسال حتى وقع هذا التصريح. قوله: "بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب جاء الحسن فقال" وقع في رواية علي بن زيد عن الحسن في " الدلائل " للبيهقي " يخطب أصحابه يوما إذ جاء الحسن بن علي فصعد إليه المنبر " وفي رواية عبد الله ابن محمد المذكورة " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: "ومثله في رواية ابن أبي عمر عن سفيان لكن قال: "وهو يلتفت إلى الناس مرة وإليه أخرى". قوله: "ابني هذا سيد" في رواية عبد الله بن محمد " إن ابني هذا سيد " وفي رواية مبارك بن فضالة " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضم الحسن بن علي إليه وقال: إن ابني هذا سيد " وفي رواية علي ابن زيد " فضمه إليه وقال: ألا إن ابني هذا سيد". قوله: "ولعل الله أن يصلح به" كذا استعمل " لعل " استعمال عسى لاشتراكهما في الرجاء، والأشهر في خبر " لعل " بغير " أن " كقوله تعالى :{لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ} قوله: "بين فئتين من المسلمين" زاد عبد الله بن محمد في روايته: "عظيمتين " وكذا في رواية مبارك ابن فضالة وفي رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عند البيهقي. وأخرج من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن كالأول لكنه قال: "وإني لأرجو أن يصلح الله به " وجزم في حديث جابر ولفظه عند الطبراني والبيهقي " قال للحسن: إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين " قال البزار: روى هذا الحديث عن أبي بكرة وعن جابر، وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسنادا، وحديث جابر غريب. وقال الدار قطني: اختلف على الحسن فقيل عنه عن أم سلمة، وقيل عن ابن عيينة عن أيوب عن الحسن، وكل منهما وهم. ورواه داود بن أبي هند وعوف الأعرابي عن الحسن مرسلا. وفي هذه القصة من الفوائد علم من أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة. وفيها رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون عليا ومن معه ومعاوية ومن معه بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين، ومن ثم كان سفيان ابن عيينة يقول عقب هذا الحديث: قوله: "من المسلمين " يعجبنا جدا أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه عن الحميدي وسعيد بن منصور عنه. وفيه فضيلة الإصلاح بين الناس ولا سيما في حقن دماء المسلمين، ودلالة على رأفة معاوية بالرعية، وشفقته على المسلمين، وقوة نظره في تدبير الملك،

(13/66)


ونظره في العواقب. وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل لأن الحسن ومعاوية ولى كل منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة وهما بدريان قاله ابن التين. وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحا للمسلمين والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شرائطه بأن يكون المنزول له أولى من النازل وأن يكون المبذول من مال الباذل. فإن كان في ولاية عامة وكان المبذول من بيت المال اشترط أن تكون المصلحة في ذلك عامة، أشار إلى ذلك ابن بطال قال: يشترط أن يكون لكل من الباذل والمبذول له سبب في الولاية يستند إليه، وعقد من الأمور يعول عليه. وفيه أن السيادة لا تختص بالأفضل بل هو الرئيس على القوم والجمع سادة، وهو مشتق من السؤدد وقيل من السواد لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس أي الأشخاص الكثيرة وقال المهلب الحديث دال على أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس، لكونه علق السيادة بالإصلاح. وفيه إطلاق الابن علي ابن البنت، وقد انعقد الإجماع على أن امرأة الجد والد الأم محرمة على ابن بنته، وأن امرأة ابن البنت محرمة على جده، وإن اختلفوا في التوارث. واستدل به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي وإن كان علي أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق، وهو قول سعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسائر من اعتزل تلك الحروب. وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي لامتثال قوله تعالى :{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} الآية ففيها الأمر بقتال الفئة الباغية، وقد ثبت أن من قاتل عليا كانوا بغاة، وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على أنه لا يذم واحد من هؤلاء بل يقولون اجتهدوا فأخطؤوا، وذهب طائفة قليلة من أهل السنة - وهو قول كثير من المعتزلة - إلى أن كلا من الطائفتين مصيب، وطائفة إلى أن المصيب طائفة لا بعينها. قوله: "سفيان" هو ابن عيينة. قوله: "قال قال عمرو" هو ابن دينار. قوله: "أخبرني محمد بن علي" أي ابن الحسن بن علي وهو أبو جعفر الباقر. وفي رواية محمد بن عباد عند الإسماعيلي عن سفيان " عن عمرو عن أبي جعفر". قوله: "أن حرملة قال" في رواية محمد بن عباد " أن حرملة مولى أسامة أخبره " وحرملة هذا في الأصل مولى أسامة بن زيد، وكان يلازم زيد بن ثابت حتى صار يقال له مولى زيد بن ثابت، وقيل هما اثنان. وفي هذا السند ثلاثة من التابعين في نسق: عمرو وأبو جعفر وحرملة. قوله: "أن عمرو" ابن دينار "قال قد رأيت حرملة" فيه إشارة إلى أن عمرا كان يمكنه الأخذ عن حرملة لكنه لم يسمع منه هذا. قوله: "أرسلني أسامة" أي من المدينة "إلى علي" أي بالكوفة، لم يذكر مضمون الرسالة ولكن دل مضمون قوله: "فلم يعطني شيئا " على أنه كان أرسله يسأل عليا شيئا من المال. قوله: "وقال إنه سيسألك الآن فيقول: ما خلف صاحبك إلخ" هذا هيأه أسامة اعتذارا عن تخلفه عن علي لعلمه أن عليا كان ينكر على من تخلف عنه ولا سيما مثل أسامة الذي هو من أهل البيت، فاعتذر بأنه لم يتخلف ضنا منه بنفسه عن علي ولا كراهة له، وأنه لو كان في أشد الأماكن هو لا لأحب أن يكون معه فيه ويواسيه بنفسه، ولكنه إنما تخلف لأجل كراهيته في قتل المسلمين، وهذا معنى قوله: "ولكن هذا أمر لم أره". قوله: "لو كنت في شدق الأسد" بكسر المعجمة ويجوز فتحها وسكون الدال المهملة بعدها قاف أي جانب فمه من داخل، ولكل فم شدقان إليهما ينتهي شق الفم وعند مؤخرهما ينتهي الحنك الأعلى والأسفل، ورجل أشدق واسع الشدقين، ويتشدق في كلامه إذا فتح فمه وأكثر القول فيه واتسع فيه، وهو كناية عن الموافقة حتى في حالة الموت، لأن الذي

(13/67)


يفترسه الأسد بحيث يجعله في شدقه في عداد من هلك، ومع ذلك فقال: لو وصلت إلى هذا المقام لأحببت أن أكون معك فيه مواسيا لك بنفسي. ومن المناسبات اللطيفة تمثيل أسامة بشيء يتعلق بالأسد. ووقع في " تنقيح الزركشي " أن القاضي - يعني عياضا - ضبط الشدق بالذال المعجمة قال: وكلام الجوهري يقتضي أنه بالدال المهملة. وقال لي بعض من لقيته من الأئمة: إنه غلط على القاضي، قلت: وليس كذلك فإنه ذكره في " المشارق " في الكلام على حديث سمرة الطويل في الذي يشرشر شدقه فإنه ضبط الشدق بالذال المعجمة، وتبعه ابن قرقول في " المطالع". نعم هو غلط فقد ضبط في جميع كتب اللغة بالدال المهملة والله أعلم. قال ابن بطال: أرسل أسامة إلى علي يعتذر عن تخلفه عنه في حروبه، ويعلمه أنه من أحب الناس إليه، وأنه يحب مشاركته في السراء والضراء، إلا أنه لا يرى قتال المسلم، قال: والسبب في ذلك أنه لما قتل ذلك الرجل - يعني الماضي ذكره في " باب ومن أحياها " في أوائل الديات ولامه النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك، آلى على نفسه أن لا يقاتل مسلما. فذلك سبب تخلفه عن علي في الجمل وصفين انتهى ملخصا. وقال ابن التين: إنما منع عليا أن يعطى رسول أسامة شيئا لأنه لعله سأله شيئا من مال الله فلم ير أن يعطيه لتخلفه عن القتال معه، وأعطاه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر لأنهم كانوا يرونه واحدا منهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلسه على فخذه ويجلس الحسن على الفخذ الآخر ويقول: "اللهم إني أحبهما " كما تقدم في مناقبه. قوله: "فلم يعطني شيئا" هذه الفاء هي الفصيحة والتقدير فذهبت إلى علي فبلغته ذلك فلم يعطني شيئا. ووقع في رواية ابن أبي عمر عن سفيان عند الإسماعيلي: "فجئت بها - أي المقالة - فأخبرته فلم يعطني شيئا". قوله: "فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر فأوقروا لي راحلتي" أي حملوا لي على راحلتي ما أطاقت حمله، ولم يعين في هذه الرواية جنس ما أعطوه ولا نوعه، والراحلة التي صلحت للركوب من الإبل ذكرا كان أو أنثى، وأكثر ما يطلق الوقر وهو بالكسر على ما يحمل البغل والحمار، وأما حمل البعير فيقال له الوسق، وابن جعفر هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وصرح بذلك في رواية محمد بن عباد وابن أبي عمر المذكورة، وكأنهم لما علموا أن عليا لم يعطه شيئا عوضوه من أموالهم من ثياب ونحوها قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها.

(13/68)


21 - باب إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلاَفِهِ
7111 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ "لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ وَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلاَ بَايَعَ فِي هَذَا الأَمْرِ إِلاَّ كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ"
7112 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ عَوْفٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ "لَمَّا كَانَ ابْنُ زِيَادٍ وَمَرْوَانُ بِالشَّأْمِ وَوَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ

(13/68)


حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ عُلِّيَّةٍ لَهُ مِنْ قَصَبٍ فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فَأَنْشَأَ أَبِي يَسْتَطْعِمُهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ يَا أَبَا بَرْزَةَ أَلاَ تَرَى مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ فَأَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ إِنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كُنْتُمْ عَلَى الْحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنْ الذِّلَّةِ وَالْقِلَّةِ وَالضَّلاَلَةِ وَإِنَّ اللَّهَ أَنْقَذَكُمْ بِالإِسْلاَمِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّأْمِ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلاَّ عَلَى الدُّنْيَا وَإِنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُونَ إِلاَّ عَلَى الدُّنْيَا وَإِنْ ذَاكَ الَّذِي بِمَكَّةَ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلاَّ عَلَى الدُّنْيَا"
[الحديث 7112 – طرفه في: 7271]
7113 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ وَالْيَوْمَ يَجْهَرُونَ"
7114 - حَدَّثَنَا خَلاَدٌ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الإِيمَانِ"
قوله: "باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه" ذكر فيه حديث ابن عمر " ينصب لكل غادر لواء " وفيه قصة لابن عمر في بيعة يزيد بن معاوية، وحديث أبي برزة في إنكاره على الذين يقاتلون على الملك من أجل الدنيا، وحديث حذيفة في المنافقين، ومطابقة الأخير للترجمة ظاهرة، ومطابقة الأول لها من جهة أن في القول في الغيبة بخلاف ما في الحضور نوع غدر، وسيأتي في كتاب الأحكام ترجمة ما يكره من ثناء السلطان فإذا خرج قال غير ذلك، وذكر فيه قول ابن عمر لمن سأله عن القول عند الأمراء بخلاف ما يقال بعد الخروج عنهم: كنا نعده نفاقا، وقد وقع في بعض طرقه أن الأمير المسئول عنه يزيد بن معاوية كما سيأتي في الأحكام، ومطابقة الثاني من جهة أن الذين عابوا أبو برزة كانوا يظهرون أنهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدين ونصر الحق وكانوا في الباطن إنما يقاتلون لأجل الدنيا. ووقع لابن بطال هنا شيء فيه نظر فقال: وأما قول أبي برزة فوجه موافقته للترجمة أن هذا القول لم يقله أبو برزة عند مروان حين بايعه بل بايع مروان واتبعه ثم سخط ذلك لما بعد عنه، ولعله أراد منه أن يترك ما نوزع فيه طلبا لما عند الله في الآخرة ولا يقاتل عليه كما فعل عثمان يعني من عدم المقاتلة لا من ترك الخلافة فلم يقاتل من نازعه بل ترك ذلك، وكما فعل الحسن بن علي حين ترك قتال معاوية حين نازعه الخلافة، فسخط أبو برزة على مروان تمسكه بالخلافة والقتال عليها فقال لأبي المنهال وابنه بخلاف ما قال لمروان حين بايع له. قلت: ودعواه أن أبا برزة بايع مروان ليس بصحيح، فإن أبا برزة كان مقيما بالبصرة ومروان إنما طلب الخلافة بالشام، وذلك أن يزيد بن معاوية لما مات دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعوه بالخلافة فأطاعه أهل الحرمين ومصر والعراق وما وراءها، وبايع له الضحاك بن قيس الفهري بالشام كلها إلا الأردن ومن بها من بني أمية ومن كان على هواهم، حتى هم مروان أن يرحل إلى ابن الزبير ويبايعه فمنعوه وبايعوا له بالخلافة، وحارب الضحاك بن قيس

(13/69)


فهزمه وغلب على الشام، ثم توجه إلى مصر فغلب عليها، ثم مات في سنته فبايعوا بعده ابنه عبد الملك وقد أخرج ذلك الطبري واضحا. وأخرج الطبراني بعضه من رواية عروة بن الزبير وفيه أن معاوية بن يزيد بن معاوية لما مات دعا مروان لنفسه فأجابه أهل فلسطين وأهل حمص فقاتله الضحاك بن قيس بمرج راهط فقتل الضحاك ثم مات مروان وقام عبد الملك، فذكر قصة الحجاج في قتاله عبد الله بن الزبير وقتله ثم قال ابن بطال: وأما يمينه يعني أبا برزة على الذي بمكة يعني ابن الزبير فإنه لما وثب بمكة بعد أن دخل فيما دخل فيه المسلمون جعل أبو برزة ذلك نكثا منه وحرصا على الدنيا وهو أي أبو برزة في هذه - أي قصة ابن الزبير - أقوى رأيا منه في الأولى أي قصة مروان قال: وكذلك القراء بالبصرة: لأن أبا برزة كان لا يرى قتال المسلمين أصلا، فكان يرى لصاحب الحق أن يترك حقه لمن نازعه فيه ليؤجر على ذلك ويمدح بالإيثار على نفسه لئلا يكون سببا لسفك الدماء انتهى ملخصا ومقتضى كلامه أن مروان لما ولى الخلافة بايعه الناس أجمعون، ثم نكث ابن الزبير بيعته ودعا إلى نفسه، وأنكر عليه أبو برزة قتاله على الخلافة بعد أن دخل في طاعته وبايعه، وليس كذلك والذي ذكرته هو الذي توارد عليه أهل الأخبار بالأسانيد الجيدة، وابن الزبير لم يبايع لمروان قط بل مروان هم أن يبايع لابن الزبير ثم ترك ذلك ودعا إلى نفسه. قوله: "لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية" في رواية أبي العباس السراج في تاريخ عن أحمد بن منيع وزياد بن أيوب عن عفان عن صخر بن جويرية عن نافع " لما انتزى أهل المدينة مع عبد الله بن الزبير وخلعوا يزيد بن معاوية جمع عبد الله بن عمر بنيه " ووقع عند الإسماعيلي من طريق مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد في أوله من الزيادة عن نافع " أن معاوية أراد ابن عمر على أن يبايع ليزيد فأبى وقال لا أبايع لأميرين، فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم فأخذها، فدس إليه رجلا فقال له ما يمنعك أن تبايع؟ فقال: إن ذاك لذاك - يعني عطاء ذلك المال لأجل وقوع المبايعة - إن ديني عندي إذا لرخيص، فلما مات معاوية كتب ابن عمر إلى يزيد ببيعته، فلما خلع أهل المدينة " فذكره. قلت: وكان السبب فيه ما ذكره الطبري مسندا أن يزيد ابن معاوية كان أمر على المدينة ابن عمه عثمان بن محمد بن أبي سفيان، فأوفد إلى يزيد جماعة من أهل المدينة منهم عبد الله بن غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص المخزومي في آخرين فأكرمهم وأجازهم، فرجعوا فأظهروا عيبه ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك، ثم وثبوا على عثمان فأخرجوه، وخلعوا يزيد ابن معاوية، فبلغ ذلك يزيد فجهز إليهم جيشا مع مسلم بن عقبة المري وأمره أن يدعوهم ثلاثا فإن رجعوا وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت فأبحها للجيش ثلاثا ثم أكفف عنهم. فتوجه إليهم فوصل في ذي الحجة سنة ثلاثين فحاربوه، وكان الأمير على الأنصار عبد الله بن حنظلة وعلى قريش عبد الله بن مطيع وعلى غيرهم من القبائل معقل بن يسار الأشجعي، وكانوا اتخذوا خندقا، فلما وقعت الوقعة انهزم أهل المدينة، فقتل ابن حنظلة، وفر ابن مطيع، وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا، فقتل جماعة صبرا، منهم معقل بن سنان ومحمد بن أبي الجهم ابن حذيفة ويزيد بن عبد الله بن زمعة وبايع الباقين على أنهم خول ليزيد. وأخرج أبو بكر بن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء: سمعت أشياخ أهل المدينة يتحدثون أن معاوية لما احتضر دعا يزيد فقال له " إن لك من أهل المدينة يوما، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته " فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة فأكرمهم وأجازهم، فرجع فحرض الناس على يزيد وعابه ودعاهم إلى خلع يزيد، فأجابوه. فبلغ يزيد فجهز إليهم مسلم بن عقبة، فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة،

(13/70)


فهابهم أهل الشام وكرهوا قتالهم، فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير، وذلك أن بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب الخندق، فترك أهل المدينة القتال ودخلوا المدينة خوفا على أهلهم، فكانت الهزيمة، وقتل من قتل وبايع مسلم الناس على أنهم خول ليزيد يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم بما شاء. وأخرج الطبراني من طريق محمد بن سعيد بن رمانة أن معاوية لما حضره الموت قال ليزيد قد وطأت لك البلاد ومهدت لك الناس ولست أخاف عليك إلا أهل الحجاز، فإن رابك منهم ريب فوجه إليهم مسلم بن عقبة فإني قد جربته وعرفت نصيحته، قال فلما كان من خلافهم عليه ما كان دعاه فوجهه فأباحها ثلاثا. ثم دعاهم إلى بيعة يزيد وأنهم أعبد له قن في طاعة الله ومعصيته. ومن رواية عروة بن الزبير قال: لما مات معاوية أظهر عبد الله بن الزبير الخلاف على يزيد بن معاوية، فوجه يزيد مسلم ابن عقبة في جيش أهل الشام وأمره أن يبدأ بقتال أهل المدينة ثم يسير إلى ابن الزبير بمكة، قال فدخل مسلم ابن عقبة المدينة وبها بقايا من الصحابة فأسرف في القتل، ثم سار إلى مكة فمات في بعض الطريق. وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن ابن عباس قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنه "ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها" يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة. قال يعقوب: وكانت وقعة الحرة في ذي القعدة سنة ثلاث وستين. قوله: "حشمه" بفتح المهملة ثم المعجمة، قال ابن التين: الحشمة العصبة والمراد هنا خدمه ومن يغضب له. وفي رواية صخر بن جويرية عن نافع عند أحمد " لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال: أما بعد". قوله: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة" زاد في رواية مؤمل " بقدر غدرته " وزاد في رواية صخر " فقال هذه غدرة فلان " أي علامة غدرته؛ والمراد بذلك شهرته وأن يفتضح بذلك على رءوس الأشهاد، وفيه تعظيم الغدر سواء كان من قبل الآمر أو المأمور وهذا القدر هو المرفوع من هذه القصة وقد تقدم معناه في " باب إثم الغادر للبر والفاجر " في أواخر كتاب الجزية والموادعة قبيل بدء الخلق. قوله: "على بيع الله ورسوله" أي على شرط ما أمر الله ورسوله به من بيعة الإمام، وذلك أن من بايع أميرا فقد أعطاه الطاعة وأخذ منه العطية فكان شبيه من باع سلعة وأخذ ثمنها، وقيل إن أصله أن العرب كانت إذا تبايعت تصافقت بالأكف عند العقد، وكذا كانوا يفعلون إذا تحالفوا، فسمو معاهدة الولاة والتماسك فيه بالأيدي بيعة. ووقع في رواية مؤمل وصخر " على بيعة الله " وقد أخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه: "من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر". قوله: "ولا غدر أعظم" في رواية صخر بن جويرية عن نافع المذكور " وإن من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ثم ينكث بيعته". قوله: "ثم ينصب له القتال" بفتح أوله. وفي رواية مؤمل " نصب له يقاتله". قوله: "خلعه" في رواية مؤمل " خلع يزيد " وزاد: "أو خف في هذا الأمر " وفي رواية صخر ابن جويرية " فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسعى في هذا الأمر". قوله: "ولا تابع في هذا الأمر" كذا للأكثر بمثناة فوقانية ثم موحدة، وللكشميهني بموحدة ثم تحتانية. قوله: "إلا كانت الفيصل بيني وبينه" أي القاطعة وهي فيعل من فصل الشيء إذا قطعه. وفي رواية مؤمل " فيكون الفيصل فيما بيني وبينه " وفي رواية صخر بن جويرية " فيكون صيلما بيني وبينه " والصيلم بمهملة مفتوحة وياء آخر الحروف ثم لام مفتوحة القطيعة. وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة والمنع من الخروج عليه ولو

(13/71)


جار في حكمه وأنه لا ينخلع بالفسق، وقد وقع في نسخة شعيب ابن أبي حمزة عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصة الرجل الذي سأله عن قول الله تعالى:َ {وإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} الآية أن ابن عمر قال: "ما وجدت في نفسي في شيء من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمر الله " زاد يعقوب بن سفيان في تاريخه من وجه آخر عن الزهري " قال حمزة فقلنا له: ومن ترى الفئة الباغية؟ قال: ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم - يعني بني أمية - فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم". قوله: "أبو شهاب" هو عبد ربه بن نافع وعوف هو الأعرابي، والسند كله بصريون إلا ابن يونس، وأبو المنهال هو سيار بن سلامة. قوله: "لما كان ابن زياد ومروان بالشام وثب ابن الزبير بمكة ووثب القراء بالبصرة" ظاهره أن وثوب ابن الزبير وقع بعد قيام ابن زياد ومروان بالشام، وليس كذلك، وإنما وقع في الكلام حذف، وتحريره ما وقع عند الإسماعيلي من طريق يزيد بن زريع عن عوف قال: "حدثنا أبو المنهال قال: لما كان زمن أخرج ابن زياد يعني من البصرة وثب مروان بالشام ووثب ابن الزبير بمكة ووثب الذين يدعون القراء بالبصرة غم أبي غما شديدا " وكذا أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق عبد الله بن المبارك عن عوف ولفظه: "وثب مروان بالشام حيث وثب " والباقي مثله، ويصحح ما وقع في رواية أبي شهاب بأن تزاد واو قبل قوله: "وثب ابن الزبير " فإن ابن زياد لما أخرج من البصرة توجه إلى الشام فقام مع مروان، وقد ذكر الطبري بأسانيده ما ملخصه: أن عبيد الله بن زياد كان أميرا بالبصرة ليزيد بن معاوية، وأنه لما بلغته وفاته خطب لأهل البصرة وذكر ما وقع من الاختلاف بالشام، فرضى أهل البصرة أن يستمر أميرا عليهم حتى يجتمع الناس على خليفة فمكث على ذلك قليلا، ثم قام سلمة بن ذؤيب بن عبد الله اليربوعي يدعو إلى ابن الزبير فبايعه جماعة، فبلغ ذلك ابن زياد وأراد منهم كف سلمة عن ذلك فلم يجيبوه، فلما خشي على نفسه القتل استجار بالحارث ابن قيس بن سفيان فأردفه ليلا إلى أن أتى به مسعود بن عمرو بن عدي الأزدي فأجاره، ثم وقع بين أهل البصرة اختلاف فأمروا عليهم عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الملقب ببه بموحدتين الثانية ثقيلة وأمه هند بنت أبي سفيان، ووقعت الحرب وقام مسعود بأمر عبيد الله بن زياد فقتل مسعود وهو على المنبر في شوال سنة أربع وستين، فبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فهرب، فتبعوه وانتبهوا ما وجدوا له، وكان مسعود رتب معه مائة نفس يحرسونه فقدموا به الشام قبل أن يبرموا أمرهم فوجدوا مروان قد هم أن يرحل إلى ابن الزبير ليبايعه ويستأمن لبني أمية، فثنى رأيه عن ذلك، وجمع من كان يهوى بني أمية وتوجهوا إلى دمشق وقد بايع الضحاك بن قيس بها لابن الزبير، وكذا النعمان بن بشير بحمص، وكذا ناتل بنون ومثناة ابن قيس بفلسطين، ولم يبق على رأي الأمويين إلا حسان بن بحدل بموحدة ومهملة وزن جعفر وهو خال يزيد ابن معاوية وهو بالأردن فيمن أطاعه، فكانت الوقعة بين مروان ومن معه وبين الضحاك بن قيس بمرج راهط، فقتل الضحاك وتفرق جمعه وبايعوا حينئذ مروان بالخلافة في ذي القعدة منها. وقال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه: حدثنا أبو مسهر عبد الأعلى قال: بويع لمروان بن الحكم، بايع له أهل الأردن وطائفة من أهل دمشق، وسائر الناس زبيريون، ثم اقتتل مروان وشعبة بن الزبير بمرج راهط فغلب مروان وصارت له الشام ومصر، وكانت مدته تسعة أشهر فهلك بدمشق وعهد لعبد الملك.
وقال خليفة بن خياط في تاريخه: حدثنا الوليد بن هشام عن أبيه عن

(13/72)


جده وأبو اليقظان وغيرهما قالوا: قدم ابن الزياد الشام وقد بايعوا ابن الزبير ما خلا هل الجابية، ثم ساروا إلى مرج راهط فذكر نحوه، وهذا يدفع ما تقدم عن ابن بطال أن ابن الزبير بايع مروان ثم نكث. قوله: "ووثب القراء بالبصرة" يريد الخوارج، وكانوا قد ثاروا بالبصرة بعد خروج ابن زياد ورئيسهم نافع بن الأزرق، ثم خرجوا إلى الأهواز، وقد استوفى خبرهم الطبري وغيره، ويقال إنه أراد الذين بايعوا على قتال من قتل الحسين وساروا مع سليمان بن صرد وغيره من البصرة إلى جهة الشام فلقيهم عبيد الله بن زياد في جيش الشام من قبل مروان فقتلوا بعين الوردة، وقد قص قصتهم الطبري وغيره.
قوله: "فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي" في رواية يزيد بن زريع " فقال لي أبي وكان يثنى عليه خيرا انطلق بنا إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي برزة الأسلمي، فانطلقت معه حتى دخلنا عليه " وفي رواية عبد الله بن المبارك عن عوف " فقال أبي انطلق بنا لا أبالك إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي برزة " وعند يعقوب بن سفيان عن سكين بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي المنهال قال: "دخلت مع أبي على أبي برزة الأسلمي، وإن في أذني يومئذ لقرطين وإني لغلام. قوله: "في ظل علية له من قصب" زاد في رواية يزيد بن زريع " في يوم حار شديد الحر " والعلية بضم المهملة وبكسرها وكسر اللام وتشديد التحتانية هي الغرفة وجمعها علالي، والأصل عليوة فأبدلت الواو ياء وأدغمت. وفي رواية ابن المبارك " في ظل علولة". قوله: "يستطعمه الحديث" في رواية الكشميهني: "بالحديث: "أي يستفتح الحديث ويطلب منه التحديث. قوله: "إني احتسبت عند الله" في رواية الكشميهني: "أحتسب " وكذا في رواية يزيد بن زريع ومعناه أنه يطلب بسخطه على الطوائف المذكورين من الله الأجر على ذلك لأن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان. قوله: "ساخطا" في رواية سكين " لائما". قوله: "إنكم يا معشر العرب" في رواية ابن المبارك " العريب". قوله: "كنتم على الحال الذي علمتم" في رواية يزيد بن زريع " على الحال التي كنتم عليها في جاهليتكم " قوله: "وإن الله قد أنقذكم بالإسلام وبمحمد عليه الصلاة والسلام" في رواية يزيد بن زريع " وإن الله نعشكم " بفتح النون والمهملة ثم معجمة، وسيأتي في أوائل الاعتصام من رواية معتمر بن سليمان عن عوف أن أبا المنهال حدثه أنه سمع أبا برزة قال: "إن الله يغنيكم " قال أبو عبد الله هو البخاري: وقع هنا " يغنيكم " يعني بضم أوله وسكون المعجمة بعدها نون مكسورة ثم تحتانية ساكنة قال وإنما هو " نعشكم " ينظر في أصل الاعتصام، كذا وقع عند المستملي، ووقع عند ابن السكن " نعشكم " على الصواب، ومعنى نعشكم رفعكم وزنه ومعناه، وقيل عضدكم وقواكم. قوله: "إن ذاك الذي بالشام" زاد يزيد بن زريع " يعني مروان " وفي رواية سكين " عبد الملك ابن مروان " والأول أولى. قوله: "وإن هؤلاء الذين بين أظهركم" في رواية يزيد بن زريع وابن المبارك نحوه " إن الذين حولكم الذين تزعمون أنهم قراؤكم " وفي رواية سكين وذكر نافع بن الأزرق وزاد في آخره: "فقال أبي: فما تأمرني إذا؟ فإني لا أراك تركت أحدا، قال لا أرى خير الناس اليوم إلا عصابة خماص البطون من أموال الناس خفاف الظهور من دمائهم " وفي رواية سكين " إن أحب الناس إلى لهذه العصابة الخمصة بطونهم من أموال الناس الخفيفة ظهورهم من دمائهم " وهذا يدل على أن أبا برزة كان يرى الانعزال في الفتنة وترك الدخول في كل شيء من قتال المسلمين ولا سيما إذا كان ذلك في طلب الملك. وفيه استشارة أهل العلم والدين عند نزول الفتن وبذل العالم النصيحة لمن يستشيره، وفيه الاكتفاء في إنكار المنكر بالقول ولو في غيبة من ينكر عليه ليتعظ من يسمعه فيحذر من

(13/73)


الوقوع فيه. قوله: "وإن ذاك الذي بمكة" زاد يزيد بن زريع " يعني ابن الزبير". قوله: "عن واصل الأحدب" هو ابن حيان بمهملة ثم تحتانية ثقيلة أسدي كوفي يقال له بياع السابري بمهملة وموحدة من طبقة الأعمش ولكنه قديم الموت. قوله: "إن المنافقين اليوم شر منهم" في رواية إبراهيم بن الحسين عن آدم شيخ البخاري فيه: "إن المنافقين اليوم شر منهم " أخرجه أبو نعيم. قوله: "على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال الكرماني: هو متعلق بمقدر نحو الناس، إذ لا يجوز أن يقال إنه متعلق بالضمير القائم مقام المنافقين لأن الضمير لا يعمل. قال ابن بطال: إنما كانوا شرا ممن قبلهم لأن الماضين كانوا يسرون قولهم فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم، وأما الآخرون فصاروا يجهرون بالخروج على الأئمة ويوقعون الشر بين الفرق فيتعدى ضررهم لغيرهم. قال: ومطابقته للترجمة من جهة أن جهرهم بالنفاق وشهر السلاح على الناس هو القول بخلاف ما بذلوه من الطاعة حين بايعوا أولا من خرجوا عليه آخرا انتهى. وقال ابن التين: أراد أنهم أظهروا من الشر ما لم يظهر أولئك، غير أنهم لم يصرحوا بالكفر، وإنما هو النفث يلقونه بأفواههم فكانوا يعرفون به. كذا قال، ويشهد لما قال ابن بطال ما أخرجه البزار من طريق عاصم عن أبي وائل " قلت لحذيفة: النفاق اليوم شر أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فضرب بيده على جبهته وقال: أوه، هو اليوم ظاهر، إنهم كانوا يستخفون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "عن أبي الشعثاء" هو بفتح المعجمة وسكون المهملة بعدها مثلثة واسمه سليم ابن أسود المحاربي. قوله: "عن حذيفة" لم أر لأبي الشعثاء عن حذيفة في الكتب الستة إلا هذا الحديث، ولم أره إلا معنعنا، وكأنه تسمح فيه لأنه بمعنى حديث زيد بن وهب عن حذيفة وهو المذكور قبله، أو ثبت عنده لقيه حذيفة في غير هذا. قوله: "إنما كان النفاق" أي موجودا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية يحيى بن آدم عن مسعر عند الإسماعيلي: "كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان" كذا للأكثر. وفي رواية: "فإنما هو الكفر أو الإيمان " وكذا حكى الحميدي في جمعه أنهما روايتان، وأخرجه الإسماعيلي من طرق عن مسعر " فإنما هو اليوم الكفر بعد الإيمان " قال وزاد محمد بن بشر في روايته عن مسعر " فضحك عبد الله قال حبيب فقلت لأبي الشعثاء: مم ضحك عبد الله؟ قال: لا أدري". قلت: لعله عرف مراده فتبسم تعجبا من حفظه أو فهمه، قال ابن التين: كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، وأما من جاء بعدهم فإنه ولد في الإسلام وعلى فطرته فمن كفر منهم فهو مرتد، ولذلك اختلفت أحكام المنافقين والمرتدين انتهى. والذي يظهر أن حذيفة لم يرد نفي الوقوع وإنما أراد نفي اتفاق الحكم، لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك ممكن في كل عصر، وإنما اختلف الحكم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده فمن أظهر شيئا فإنه يؤاخذ به ولا يترك لمصلحة التألف لعدم الاحتياج إلى ذلك، وقيل غرضه أن الخروج عن طاعة الإمام جاهلية ولا جاهلية في الإسلام، أو تفريق للجماعة فهو بخلاف قول الله تعالى :{ولا تفرقوا} ، وكل ذلك غير مستور فهو كالكفر بعد الإيمان.

(13/74)


22 - باب لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ
7115 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(13/74)


قَالَ: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ"
قوله: "باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور" بضم أوله وفتح ثالثه على البناء للمجهول بغين معجمة ثم موحدة ثم مهملة، قال ابن التين: غبطه بالفتح يغبطه بالكسر غبطا وغبطة بالسكون، والغبطة تمني مثل حال المغبوط مع بقاء حاله. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أويس. قوله: "عن أبي الزناد" وافق مالكا شعيب بن أبي حمزة عنه كما سيأتي بعد بابين في أثناء حديث. قوله: "حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه" أي كنت ميتا. قال ابن بطال: تغبط أهل القبور وتمني الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر انتهى. وليس هذا عاما في حق كل أحد وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه، ويؤيده ما أخرجه في رواية أبي حازم عن أبي هريرة عند مسلم: "لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء " وذكر الرجل فيه للغالب وإلا فالمرأة يتصور فيها ذلك، والسبب في ذلك ما ذكر في رواية أبي حازم أنه " يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده " وبهذا جزم القرطبي، وذكره عياض احتمالا، وأغرب بعض شراح " المصابيح " فقال: المراد بالدين هنا العبادة، والمعنى أنه يتمرغ على القبر ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرغ فيها من عادته وإنما الحامل عليه البلاء، وتعقبه الطيبي بأن حمل الدين على حقيقته أولى، أي ليس التمني والتمرغ لأمر أصابه من جهة الدين بل من جهة الدنيا. وقال ابن عبد البر. ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت، وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال، وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا. وقد ذكره عياض احتمالا أيضا وقال غيره: ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت معارضة، لأن النهي صريح وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق للإخبار عما سيقع. قلت: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: "وليس به الدين إنما هو البلاء " فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودا، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف. قال النووي لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب وعيسى الغفاري وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. ثم قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة كما أخرج مسلم من حديث معقل بن يسار رفعه: "العبادة في الهرج كهجرة إلى " ويؤخذ من قوله: "حتى يمر الرجل بقبر الرجل " أن التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر، وليس ذلك مرادا بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمني لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمني أو يخف عند مشاهدة القبر والمقبور فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه، فإذا تمادى على ذلك دل على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر وتذكر ما فيه من الأهوال عن استمراره على تمني الموت. وقد أخرج الحاكم من طريق

(13/75)


أبي سلمة قال: "عدت أبا هريرة فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر. وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول: ليتني مكانه " وفي كتاب الفتن من رواية عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: "يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل فيهز رأسه فيقول: يا ليتني مكان هذا، قلت: يا أبا ذر إن ذلك لمن أمر عظيم، قال: أجل"

(13/76)


23 - باب تَغْيِيرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوْثَانُ
7116 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ: وَذُو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
7117 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ"
قوله: "باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان" ذكر فيه حديثين: قوله: "عن الزهري" في إحدى روايتي الإسماعيلي: "حدثني الزهري". قوله: "حتى تضطرب" أي يضرب بعضها بعضا. قوله: "أليات" بفتح الهمزة واللام جمع ألية بالفتح أيضا مثل جفنة وجفنات، والألية العجيزة وجمعها أعجاز. قوله: "على ذي الخلصة" في رواية معمر عن الزهري عند مسلم: "حول ذي الخلصة". قوله: "وذو الخلصة طاغية دوس" أي صنمهم، وقوله: "التي كانوا يعبدون " كذا فيه بحذف المفعول. ووقع في رواية معمر " وكان صنما تعبدها دوس". قوله: "في الجاهلية" زاد معمر " بتبالة " وتبالة بفتح المثناة وتخفيف الموحدة وبعد الألف لام ثم هاء تأنيث قرية بين الطائف واليمن بينهما ستة أيام، وهي التي يضرب بها المثل فيقال: "أهون من تبالة على الحجاج " وذلك أنها أول شيء وليه، فلما قرب منها سأل من معه عنها فقال: هي وراء تلك الأكمة. فرجع فقال: لا خير في بلد يسترها أكمة، وكلام صاحب " المطالع " يقتضي أنهما موضعان: وأن المراد في الحديث غير تبالة الحجاج، وكلام ياقوت يقتضي أنها هي ولذلك لم يذكرها في " المشترك " وعند ابن حبان من هذا الوجه: قال معمر إن عليه الآن بيتا مبنيا مغلقا، وقد تقدم ضبط ذي الخلصة في أواخر المغازي وبيان الاختلاف في أنه واحد أو اثنان. قال ابن التين: فيه الإخبار بأن نساء دوس يركبن الدواب من البلدان إلى الصنم المذكور، فهو المراد باضطراب ألياتهن. قلت: ويحتمل أن يكون المراد أنهن يتزاحمن بحيث تضرب عجيزة بعضهن الأخرى عند الطواف حول الصنم المذكور. وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: "لا تقوم الساعة حتى تدافع مناكب نساء بني عامر على ذي الخلصة " وابن عدي من رواية أبي معشر عن سعيد عن أبي هريرة رفعه: "لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى " قال ابن بطال: هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء، لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف

(13/76)


ويعود غريبا كما بدأ. ثم ذكر حديث: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق " الحديث قال: فتبين في هذا الحديث تخصيص الأخبار الأخرى، وأن الطائفة التي تبقى على الحق تكون ببيت المقدس إلى أن تقوم الساعة. قال فبهذا تأتلف الأخبار. قلت: ليس فيما احتج به تصريح إلى بقاء أولئك إلى قيام الساعة، وإنما فيه: "حتى يأتي أمر الله " فيحتمل أن يكون المراد بأمر الله ما ذكر من قبض من بقي من المؤمنين، وظواهر الأخبار تقتضي أن الموصوفين بكونهم ببيت المقدس أن آخرهم من كان مع عيسى عليه السلام، ثم إذا بعث الله الريح الطيبة فقبضت روح كل مؤمن لم يبق إلا شرار الناس. وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود رفعه: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس " وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وسائر الآيات العظام، وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة، وهو عند أحمد وفي مرسل أبي العالية " الآيات كلها في ستة أشهر " وعن أبي هريرة في " ثمانية أشهر " وقد أورد مسلم عقب حديث أبي هريرة من حديث عائشة ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك ولفظه: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى " وفيه: "يبعث الله ريحا طيبة فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم " وعنده في حديث عبد الله بن عمرو رفعه: "يخرج الدجال في أمتي " الحديث وفيه: "فيبعث الله عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبة من خير أو إيمان إلا قبضته " وفيه: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم ينفخ في الصور " فظهر بذلك أن المراد بأمر الله في حديث: "لا تزال طائفة " وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة ولا يتخلف عنها إلا شيئا يسيرا، ويؤيده حديث عمران بن حصين رفعه: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال " أخرجه أبو داود والحاكم، ويؤخذ منه صحة ما تأولته، فإن الذين يقاتلون الدجال يكونون بعد قتله مع عيسى، ثم يرسل عليهم الريح الطيبة فلا يبقى بعدهم إلا الشرار كما تقدم. ووجدت في هذا مناظرة لعقبة بن عامر ومحمد بن مسلمة، فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شماسة أن عبد الله بن عمرو قال: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية، فقال عقبة بن عامر: عبد الله أعلم ما يقول، وأما أنا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك " فقال عبد الله " أجل، ويبعث الله ريحا ريحها ريح المسك ومسها مس الحرير فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة " فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة " حتى تأتيهم الساعة " ساعتهم هم وهي وقت موتهم بهبوب الريح والله أعلم. وقد تقدم بيان شيء من هذا في أواخر الرقاق عند الكلام على حديث طلوع الشمس من المغرب. قوله: "حدثنا عبد العزيز بن عبد الله" هو الأويسي، وسليمان هو ابن بلال، وثور هو ابن زيد، وأبو الغيث هو سالم، والسند كله مدنيون. قوله: "حتى يخرج رجل من قحطان" تقدم شرحه في أوائل مناقب قريش، قال القرطبي في التذكرة: قوله: "يسوق الناس بعصاه " كناية عن غلبته عليهم وانقيادهم له، ولم يرد نفس العصا، لكن في ذكرها إشارة إلى خشونته عليهم وعسفه بهم، قال: وقد قيل إنه يسوقهم بعصاه حقيقة كما تساق الإبل والماشية لشدة عنفه وعدوانه، قال: ولعله

(13/77)


جهجاه المذكور في الحديث الآخر واصل الجهجاه الصياح وهي صفة تناسب ذكر العصا. قلت: ويرد هذا الاحتمال إطلاق كونه من قحطان فظاهره أنه من الأحرار، وتقييده في جهجاه بأنه من الموالي ما تقدم أنه يكون بعد المهدي وعلى سيرته وأنه ليس دونه. ثم وجدت في كتاب " التيجان لابن هشام " ما يعرف منه - إن ثبت - اسم القحطاني وسيرته وزمانه، فذكر أن عمران بن عامر كان ملكا متوجا وكان كاهنا معمرا وأنه قال لأخيه عمرو بن عامر المعروف بمزيقيا لما حضرته الوفاة: إن بلادكم ستخرب، وإن لله في أهل اليمن سخطتين ورحمتين: فالسخطة الأولى هدم سد مأرب وتخرب البلاد بسببه، والثانية غلبة الحبشة على أرض اليمن. والرحمة الأولى بعثة نبي من تهامة اسمه محمد يرسل بالرحمة ويغلب أهل الشرك، والثانية إذا خرب بيت الله يبعث الله رجلا يقال له شعيب بن صالح فيهلك من خربه ويخرجهم حتى لا يكون بالدنيا إيمان إلا بأرض اليمن انتهى. وقد تقدم في الحج أن البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج، وتقدم الجمع بينه وبين حديث: " لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت وأن الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة " فينتظم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني فأهلكهم، وأن المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل اليمن بعدها، ويمكن أن يكون هذا مما يفسر به قوله: "الإيمان يمان " أي يتأخر الإيمان بها بعد فقده من جميع الأرض. وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا، وسيأتي في أواخر الأحكام في الكلام على حديث جابر بن سمرة في الخلفاء الاثني عشر شيء يتعلق بالقحطاني. وقال الإسماعيلي هنا: ليس هذا الحديث من ترجمة الباب في شيء. وذكر ابن بطال أن المهلب أجاب بأن وجهه أن القحطاني إذا قام وليس من بيت النبوة ولا من قريش الذين جعل الله فيهم الخلافة فهو من أكبر تغير الزمان وتبديل الأحكام بأن يطاع في الدين من ليس أهلا لذلك انتهى. وحاصله أنه مطابق لصدر الترجمة وهو تغير الزمان، وتغيره أعم من أن يكون فيما يرجع إلى الفسق أو الكفر، وغايته أن ينتهي إلى الكفر، فقصة القحطاني مطابقة للتغير بالفسق مثلا، وقصة ذي الخلصة للتغير بالكفر، واستدل بقصه القحطاني عن أن الخلافة يجوز أن تكون في غير قريش، وأجاب ابن العربي بأنه إنذار بما يكون من الشر في آخر الزمان من تسور العامة على منازل الاستقامة، فليس فيه حجة لأنه لا يدل على المدعي، ولا يعارض ما ثبت من أن الأئمة من قريش انتهى. وسيأتي بسط القول في ذلك في " باب الأمراء من قريش " أول كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى.

(13/78)


24 - باب خُرُوجِ النَّارِ
وَقَالَ أَنَسٌ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ
7118 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى"
7119 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَدِّهِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ

(13/78)


عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا قَالَ عُقْبَةُ وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ" إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ "يَحْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ"
قوله: "وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" وتقدم في أواخر " باب الهجرة " في قصة إسلام عبد الله بن سلام موصولا من طريق حميد عن أنس ولفظه: "وأما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب " ووصله في أحاديث الأنبياء من وجه آخر عن حميد بلفظ: "نار تحشر الناس " والمراد بالأشراط العلامات التي يعقبها قيام الساعة، وتقدم في " باب الحشر " من كتاب الرقاق صفة حشر النار لهم. قوله: "عن الزهري قال سعيد بن المسيب" في رواية أبي نعيم في المستخرج " عن سعيد بن المسيب". قوله: "حتى تخرج نار من أرض الحجاز" قال القرطبي في " التذكرة ": قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر. وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى. وقال النووي: تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام. وقال أبو شامة في " ذيل الروضتين ": وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما في الصحيحين، فذكر هذا الحديث، قال: فأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب، فمن الكتب. فذكر نحو ما تقدم، ومن ذلك أن في بعض الكتب: ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة في شرقي المدينة نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد. وفي كتاب آخر: انبجست الأرض من الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد المدينة وهي برأي العين من المدينة، وسال منها واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربع أميال يجري على وجه الأرض ويخرج منه مهاد وجبال صغار. وفي كتاب آخر: ظهر ضوؤها إلى أن رأوها من مكة، قال ولا أقدر أصف عظمها، ولها دوى. قال أبو شامة: ونظم الناس في هذا أشعارا، ودام أمرها أشهرا، ثم خمدت. والذي ظهر لي أن النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره، وأما النار التي تحشر الناس فنار أخرى. وقد وقع في بعض بلاد الحجاز في الجاهلية نحو هذه النار التي ظهرت بنواحي المدينة في زمن خالد بن سنان العبسي، فقام في أمرها حتى أخمدها ومات بعد ذلك في قصة له ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى في " كتاب الجماجم " وأوردها الحاكم في " المستدرك " من طريق يعلى ابن مهدي عن أبي عوانة عن أبي يونس عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلا من بني عبس يقال له خالد ابن سنان قال

(13/79)


لقومه إني أطفي عنكم نار الحدثان فذكر القصة وفيها فانطلق وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها حرة أشجع فذكر القصة في دخوله الشق والنار كأنها جبل سقر " فضربها بعصاه حتى أدخلها وخرج " وقد أوردت لهذه القصة طرفا من ترجمته في كتابي في الصحابة. قوله: "تضيء أعناق الإبل ببصرى" قال ابن التين: يعني من آخرها يبلغ ضوؤها إلى الإبل التي تكون ببصرى وهي من أرض الشام " وأضاء يجيء لازما ومتعديا، يقال أضاءت النار وأضاءت النار غيرها " وبصرى بضم الموحدة وسكون المهملة مقصور بلد بالشام وهي حوران. وقال أبو البقاء: أعناق بالنصب على أن تضيء متعد والفاعل النار أي تجعل على أعناق الإبل ضوءا، قال: ولو روى بالرفع لكان متجها أي تضيء أعناق الإبل به كما جاء في حديث آخر " أضاءت له قصور الشام " وقد وردت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب يرفعه: "لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار تضيء له أعناق الإبل ببصرى " وعمر ذكره ابن حبان في الثقات ولينه ابن عدي والدار قطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت في المائة السابعة. وأخرج أيضا الطبراني في آخر حديث حذيفة بن أسيد الذي مضى التنبيه عليه " وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان أو ركوبة تضيء منها أعناق الإبل ببصرى" . قلت: وركوبة ثنية صعبة المرتقى في طريق المدينة إلى الشام مر بها النبي في غزوة تبوك ذكره البكري، ورومان لم يذكره البكري ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة، فجمع في هذا الحديث بين النارين وأن إحداهما تقع قبل قيام الساعة مع جملة الأمور التي أخبر بها الصادق صلى الله عليه وسلم؛ والأخرى هي التي يعقبها قيام الساعة بغير تخلل شيء آخر، وتقدم الثانية على الأولى في الذكر لا يضر والله أعلم. قوله: "حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي" هو أبو سعيد الأشج مشهور بكنيته وصفته وهو من الطبقة الوسطى الثالثة من شيوخ البخاري وعاش بعد البخاري سنة واحدة، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري. قوله: "عن خبيب بن عبد الرحمن" بمعجمة وموحدتين مصغر وهو ابن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف الأنصاري. قوله: "عن جده حفص بن عاصم" أي ابن عمر بن الخطاب، والضمير لعبيد الله بن عمر لا لشيخه. قوله: "يوشك" بكسر المعجمة أي يقرب. قوله: "أن يحسر" بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه والحاء والسين مهملتان أي ينكشف. قوله: "الفرات" أي النهر المشهور وهو بالتاء المجرورة على المشهور ويقال يجوز أنه يكتب بالهاء كالتابوت والتابوه والعنكبوت والعنكبوه أفاده الكمال بن العديم في تاريخه نقلا عن إبراهيم بن أحمد بن الليث. قوله: "فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا" هذا يشعر بأن الأخذ منه ممكن، وعلى هذا فيجوز أن يكون دنانير ويجوز أن يكون قطعا ويجوز أن يكون تبرا. قوله: "قال عقبة" هو ابن خالد، وهو موصول بالسند المذكور، وقد أخرجه هو والذي قبله الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان وأبي القاسم البغوي والفضل بن عبد الله المخلدي ثلاثتهم عن أبي سعيد الأشج عن الشيخين. قوله: "وحدثنا عبيد الله" هو ابن عمر المذكور. قوله: "قال حدثنا أبو الزناد" يعني أن لعبيد الله في هذا الحديث إسنادين. قوله: "يحسر جبل من ذهب" يعني أن الروايتين اتفقتا إلا في قوله كنز فقال الأعرج جبل، وقد ساق أبو نعيم في المستخرج الحديثين بسند واحد من رواية بكر بن أحمد بن مقبل عن أبي سعيد الأشج وفرقهما ولفظهما واحد إلا لفظ كنز وجبل، وتسميته كنزا باعتبار حاله قبل أن ينكشف، وتسميته جبلا للإشارة إلى كثرته، ويؤيده

(13/80)


ما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا " قال ابن التين: إنما نهى عن الأخذ منه لأنه للمسلمين فلا يؤخذ إلا بحقه، قال: ومن أخذه وكثر المال ندم لأخذه ما لا ينفعه، وإذا ظهر جبل من ذهب كسد الذهب ولم يرد. قلت: وليس الذي قاله ببين، والذي يظهر أن النهي عن أخذه لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه وقوله: "وإذا ظهر جبل من ذهب إلخ " في مقام المنع، وإنما يتم ما زعم من الكساد أن لو اقتسمه الناس بينهم بالسوية ووسعهم كلهم فاستغنوا أجمعين فحينئذ تبطل الرغبة فيه، وأما إذا حواه قوم دون قوم فحرص من لم يحصل له منه شيء باق على حاله، ويحتمل أن تكون الحكمة في النهي عن الأخذ منه لكونه يقع في آخر الزمان عند الحشر الواقع في الدنيا وعند عدم الظهور أو قلته فلا ينتفع بما أخذ منه ولعل هذا هو السر في إدخال البخاري له في ترجمة خروج النار. ثم ظهر لي رجحان الاحتمال الأول لأن مسلما أخرج هذا الحديث أيضا من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ: "يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتل عليه الناس، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو " وأخرج مسلما أيضا عن أبي بن كعب قال: "لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يوشك أن يحسر الفرات عن جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله، قال فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون " فبطل ما تخيله ابن التين، وتوجه التعقب عليه ووضح أن السبب في النهي عن الأخذ منه ما يترتب على طلب الأخذ منه من الاقتتال فضلا عن الأخذ ولا مانع أن يكون ذلك عند خروج النار للمحشر، لكن ليس ذلك السبب في النهي عن الأخذ منه. وقد أخرج ابن ماجه عن ثوبان رفعه قال: "يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة " فذكر الحديث في المهدي فهذا إن كان المراد بالكنز فيه الكنز الذي في حديث الباب دل على أنه إنما يقع عند ظهور المهدي وذلك قبل نزول عيسى وقبل خروج النار جزما والله أعلم. "تنبيه": وقع عند أحمد وابن ماجه من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثل حديث الباب إلى قوله: "من ذهب فيقتتل عليه الناس فيقتل من كل عشرة تسعة " وهي رواية شاذة، والمحفوظ ما تقدم من عند مسلم وشاهده من حديث أبي بن كعب " من كل مائة تسعة وتسعون " ويمكن الجمع باختلاف تقسيم الناس إلى قسمين.

(13/81)


25 – باب
7120 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا مَعْبَدٌ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا فَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا" قَالَ مُسَدَّدٌ حَارِثَةُ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
7121 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ

(13/81)


الزَّلاَزِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لاَ أَرَبَ لِي بِهِ وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ يَعْنِي آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلاَ يَتَبَايَعَانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلاَ يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلاَ يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُهَا"
قوله "باب" كذا للجميع بغير ترجمة, لكن سقط من شرح بن بطال وذكر أحاديثه في الباب الذي قبله وعلى الأول فهو كالفصل من الذي قبله وتعلقه به من جهة الاحتمال الذي تقدم وهو ان ذلك يقع في الزمان الذي يستغني فيه الناس عن المال اما لاشتغال كل منهم بنفسه ثم طروق الفتنة فلا يلوي على الأهل فضلا عن المال وذلك في زمن الدجال واما بحصول الأمن المفرط والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره وذلك في زمن المهدي ونصف بن مريم واما ثم خروج النار التي تسوقهم الى المحشر فيعز حينئذ الظهر وتباع الحديقة بالبعير الواحد ولا يلتفت أحد حينئذ الى ما يثقله من المال بل يقصد نجاة نفسه من يقدر عليه من ولده واهله وهذا أظهر الاحتمالات وهو المناسب لصنيع البخاري والعلم ثم الله تعالى وذكر بن بطال من طريق عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن بن عمر عن كعب الأحبار قال تخرج نار تحشر الناس فإذا سمعتم بها فأخرجوا الى الشام قال وفي حديث أبي سريحة بمهملات وزن عظيمة واسمه حذيفة بن أسد بفتح أوله ان آخر الآيات المؤذنة بقيام الساعة خروج النار قلت ولفظه ثم مسلم في بعض الإشارة يتحقق النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر فقال ما تذاكرون قالوا نذكر الساعة قال انها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن فتطرد الناس الى محشرهم قلت وهذا في الظاهر يعارض حديث أنس المشار اليه في أول الباب فان فيه ان أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق الى المغرب وفي هذا انها آخر الأشراط ويجمع بينهما بأن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلا بل يقع بانتهائها النفخ في الصور بخلاف ما ذكر معها فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنياقوله: "حدثنا مسدد حدثنا يحيى" هو ابن سعيد القطان عن شعبة، ولمسدد فيه شيخ آخر أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق يوسف بن يعقوب القاضي عن مسدد " حدثنا بشر بن المفضل حدثنا شعبة". قوله: "حدثنا معبد" يعني ابن خالد، تقدم في الزكاة عن آدم " حدثنا شعبة حدثنا معبد بن خالد". قوله: "حارثة بن وهب" أي الخزاعي. قوله: "تصدقوا فسيأتي على الناس زمان" تقدم الكلام على ألفاظه في أوائل الزكاة وقوله قال مسدد هو شيخه في هذا الحديث. قوله: "يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها" يحتمل

(13/82)


أن يكون ذلك وقع كما ذكر في خلافة عمر بن عبد العزيز فلا يكون من أشراط الساعة، وهو نظير ما وقع في حديث عدي بن حاتم الذي تقدم في علامات النبوة وفيه: "ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه ذهبا يلتمس من يقبله فلا يجد " وأخرج يعقوب ابن سفيان في تاريخه من طريق عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بسند جيد قال: "لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيهم فلا يجد فيرجع به، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس". قلت: وهذا بخلاف حديث أبي هريرة الذي بعده كما سيأتي البحث فيه، وقد تقدم في ترجمة عيسى عليه السلام من أحاديث الأنبياء حديث: "ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم - وفيه - ويفيض المال " وفي رواية أخرى " حتى لا يقبله أحد " فيحتمل أن يكون المراد، والأول أرجح لأن الذي رواه عدي ثلاثة أشياء أمن الطرق، والاستيلاء على كنوز كسرى، وفقد من يقبل الصدقة من الفقراء. فذكر عدي أن الأولين وقعا وشاهدهما وأن الثالث سيقع فكان كذلك لكن بعد موت عدي في زمن عمر بن عبد العزيز، وسببه بسط عمر العدل وإيصال الحقوق لأهلها حتى استغنوا وأما فيض المال الذي يقع في زمن عيسى عليه السلام فسببه كثرة المال وقلة الناس واستشعارهم بقيام الساعة، وبيان ذلك في حديث أبي هريرة الذي بعده. قوله: "حارثة" يعني ابن وهب صحابي هذا الحديث. قوله: "أخو عبيد الله بن عمر" بالتصغير. قوله: "لأمه" هي أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعة بن أصرم الخزاعية ذكرها ابن سعد قال: وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر. قلت: وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الشروط في آخر " باب الشروط في الجهاد " وقد أخرج الطبراني من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق حدثنا حارثة بن وهب الخزاعي وكانت أمه تحت عمر فولدت له عبيد الله بن عمر قال: "صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يعني في حجة الوداع الحديث، وأصله عند مسلم وأبي داود من رواية زهير، وتقدم للبخاري من طريق شعبة عن أبي إسحاق بدون الزيادة. قوله: "عن عبد الرحمن" هو الأعرج، ووقع في رواية الطبراني لهذه النسخة " عن الأعرج " وكذا تقدم في الاستسقاء بعض هذا الحديث بهذا الإسناد وفيه: "عن عبد الرحمن الأعرج". قوله: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان" الحديث: "وحتى يبعث دجالون " الحديث: "وحتى يقبض العلم إلخ " هكذا ساق هذه الأشراط السبعة مساق الحديث الواحد هنا، وأورده البيهقي في البعث من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبيه فقال في كل واحد منها " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم قال: أخرج البخاري هذه الأحاديث السبعة عن أبي اليمان عن شعيب. قلت، فسماها سبعة مع أن في بعضها أكثر من واحد كقوله: "حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج " فإذا فصلت زادت على العشرة، وقد أفرد البخاري من هذه النسخة حديث قبض العلم فساقه كالذي هنا في كتاب الاستسقاء ثم قال: "وحتى يكثر فيكم المال فيفيض " اقتصر على هذا القدر منه، ثم ساقه في كتاب الزكاة بتمامه، وذكر في علامات النبوة بهذا السند حديث: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر " الحديث وفيه أشياء غير ذلك من هذا النمط، وهذه المذكورات وأمثالها مما أخبر صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع بعد قبل أن تقوم الساعة، لكنه على أقسام: أحدها ما وقع على وفق ما قال، والثاني ما وقعت مباديه ولم يستحكم، والثالث ما لم يقع منه شيء ولكنه سيقع، فالنمط الأول تقدم معظمه في علامات النبوة، وقد استوفى البيهقي في " الدلائل " ما ورد من ذلك بالأسانيد المقبولة، والمذكور منه هنا اقتتال

(13/83)


الفئتين العظيمتين وظهور الفتن وكثرة الهرج وتطاول الناس في البنيان وتمنى بعض الناس الموت وقتال الترك وتمنى رؤيته صلى الله عليه وسلم ومما ورد منه حديث المقبري عن أبي هريرة أيضا: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها " الحديث وسيأتي في الاعتصام، وله شواهد، ومن النمط الثاني تقارب الزمان وكثرة الزلازل وخروج الدجالين الكذابين، وقد تقدمت الإشارة في شرح حديث أبي موسى في أوائل كتاب الفتن إلى ما ورد في معنى تقارب الزمان، ووقع في حديث أبي موسى عند الطبراني " يتقارب الزمان وتنقص السنون والثمرات " وتقدم في " باب ظهور الفتن". " ويلقى الشح " ومنها حديث ابن مسعود " لا تقوم الساعة حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة " أخرجه مسلم، وحديث حذيفة بن أسيد الذي نبهت عليه آنفا لا ينافي أن قبل الساعة يقع عشر آيات فذكر منها " وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب " أخرجه مسلم، وذكر منها الدخان وقد اختلف فيه وتقدم ذلك في حديث ابن مسعود في سورة الدخان، وقد أخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث صحارى بضم الصاد وتخفيف الحاء المهملتين حديث: "لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من العرب " الحديث، وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا على ما وجد كان يكون أعظم منه مكانا أو قدرا وحديث ابن مسعود " لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها " أخرجه الطبراني، وفي لفظ: "رذالها " وأخرج البزار عن أبي بكرة نحوه، وعند الترمذي من حديث أبي هريرة " وكان زعيم القوم أرذلهم وساد القبيلة فاسقهم " وقد تقدم في كتاب العلم حديث أبي هريرة " إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " وحديث ابن مسعود " لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا، والمطر قيظا، وتفيض الأيام فيضا " أخرجه الطبراني. وعن أم الضراب مثله وزاد: "ويجترئ الصغير على الكبير واللئيم على الكريم ويخرب عمران الدنيا ويعمر خرابها " ومن النمط الثالث طلوع الشمس من مغربها؛ وقد تقدم من طرق أخرى عن أبي هريرة، وفي بدء الخلق من حديث أبي ذر وحديث: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر " الحديث أخرجه مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة، وقد تقدم في علامات النبوة من رواية أبي زرعة عن أبي هريرة، واتفقا عليه من حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر، ومضى شرحه في علامات النبوة وأن ذلك يقع قبل الدجال كما ورد في حديث سمرة عند الطبراني، وحديث أنس " أن أمام الدجال سنون خداعات يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن ويتكلم فيها الرويبضة " الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار وسنده جيد، ومثله لابن ماجه من حديث أبي هريرة وفيه: "قيل وما الرويبضة؟ قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة " وحديث سمرة " لا تقوم الساعة حتى تروا أمورا عظاما لم تحدثوا بها أنفسكم " وفي لفظ: "يتفاقم شأنها في أنفسكم وتسألون هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا " الحديث وفيه: "وحتى تروا الجبال تزول عن أماكنها " أخرجه أحمد والطبراني في حديث طويل وأصله عند الترمذي دون المقصود منه هنا، وحديث عبد الله بن عمرو " لا تقوم الساعة حتى يتسافد في الطريق تسافد الحمر " أخرجه البزار والطبراني وصححه ابن حبان والحاكم، ولأبي يعلى عن أبي هريرة " لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ من يقول لو واريناها وراء هذا الحائط " وللطبراني في " الأوسط " من حديث أبي ذر نحوه وفيه: "يقول أمثلهم لو اعتزلتم الطريق " وفي حديث أبي أمامة

(13/84)


عند الطبراني قوله: "وحتى تمر المرأة بالقوم فيقوم إليها أحدهم فيرفع بذيلها كما يرفع ذنب النعجة فيقول بعضهم ألا واريتها وراء الحائط، فهو يومئذ فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم " وحديث حذيفة ابن اليمان عند ابن ماجه: "يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ويقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها " وحديث أنس " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله " أخرجه أحمد بسند قوي، وهو عند مسلم بلفظ: "الله الله " وله من حديث ابن مسعود " لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس " ولأحمد مثله من حديث علباء السلمي بكسر العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة خفيفة ومد بلفظ: "حثالة " بدل " شرار " وقد تقدمت شواهده في " باب إذا بقي حثالة من الناس " وللطبراني من وجه آخر عنه " لا تقوم الساعة على مؤمن " ولأحمد بسند جيد عن عبد الله بن عمر " لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى عجاج لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا " وللطيالسي عن أبي هريرة " لا تقوم الساعة حتى يرجع ناس من أمتي إلى الأوثان يعبدونها من دون الله " وقد تقدم حديثه في ذكر ذي الخلصة قريبا، ولابن ماجه من حديث حذيفة " ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها " ولمسلم وأحمد من حديث ثوبان " ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان " ولمسلم أيضا عن عائشة " لا تذهب الأيام والليالي حتى تعبد اللات والعزى من دون الله " الحديث وفيه: "ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى بها كل مؤمن في قلبه مثقال حبة من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم " وفي حديث حذيفة بن أسيد شاهده وفيه أن ذلك بعد موت عيسى بن مريم " قال البيهقي وغيره: الأشراط منها صغار وقد مضى أكثرها ومنها كبار ستأتي. قلت: وهي التي تضمنها حديث حذيفة بن أسيد عند مسلم وهي الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها كالحامل المتم ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج والريح التي تهب بعد موت عيسى فتقبض أرواح المؤمنين " وقد استشكلوا على ذلك حديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله " فإن ظاهر الأول أنه لا يبقى أحد من المؤمنين فضلا عن القائم بالحق، وظاهر الثاني البقاء، ويمكن أن يكون المراد بقوله: "أمر الله " هبوب تلك الريح فيكون الظهور قبل هبوبها، فبهذا الجمع يزول الإشكال بتوفيق الله تعالى، فأما بعد هبوبها فلا يبقى إلا الشرار وليس فيهم مؤمن فعليهم تقوم الساعة، وعلى هذا فآخر الآيات المؤذنة بقيام الساعة هبوب تلك الريح، وسأذكر في آخر الباب قول عيسى عليه السلام " إن الساعة حينئذ تكون كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تضع". "فصل" وأما قوله: "حتى تقتتل فئتان " الحديث تقدم في كتاب الرقاق أن المراد بالفئتين على ومن معه ومعاوية ومن معه، ويؤخذ من تسميتهم مسلمين ومن قوله دعوتهما واحدة الرد على الخوارج ومن تبعهم في تكفيرهم كلا من الطائفتين، ودل حديث: "تقتل عمارا الفئة الباغية " على أن عليا كان المصيب في تلك الحرب لأن أصحاب معاوية قتلوه، وقد أخرج البزار بسند جيد عن زيد بن وهب قال: "كنا عند حذيفة فقال: كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ قالوا. فما تأمرنا؟ قال: انظروا الفرقة التي تدعو إلى أمر علي فالزموها فإنها على الحق " وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الزهري قال: "لما بلغ معاوية غلبة علي على أهل الجمل دعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه أهل الشام فسار إليه علي

(13/85)


فالتقيا بصفين"، وقد ذكر يحيى بن سليمان الجعفي أحد شيوخ البخاري في " كتاب صفين " في تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: أنت تنازع عليا في الخلافة أو أنت مثله؟ قال: لا، وإني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه؟ فأتوا عليا فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان، فأتوه فكلموه فقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إلى، فامتنع معاوية فسار علي في الجيوش من العراق حتى نزل بصفين، وسار معاوية حتى نزل هناك وذلك في ذي الحجة سنة ست وثلاثين، فتراسلوا فلم يتم لهم أمر، فوقع القتال إلى أن قتل من الفريقين فيما ذكر ابن أبي خيثمة في تاريخه نحو سبعين ألفا، وقيل كانوا أكثر من ذلك، ويقال كان بينهم أكثر من سبعين زحفا، وقد تقدم في تفسير سورة الفتح ما زادها أحمد وغيره في حديث سهل بن حنيف المذكور هناك من قصة التحكيم بصفين وتشبيه سهل بن حنيف ما وقع لهم بها بما وقع يوم الحديبية. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي الرضا سمعت عمارا يوم صفين يقول: من سره أن يكتنفه الحور العين فليتقدم بين الصفين محتسبا. ومن طريق زياد بن الحارث: كنت إلى جنب عمار فقال رجل: كفر أهل الشام، فقال عمار: لا تقولوا ذلك نبينا واحد، ولكنهم قوم حادوا عن الحق فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا. وذكر ابن سعد أن عثمان لما قتل وبويع علي أشار ابن عباس عليه أن يقر معاوية على الشام حتى يأخذ له البيعة ثم يفعل فيه ما شاء، فامتنع. فبلغ ذلك معاوية فقال: والله لا ألى له شيئا أبدا. فلما فرغ علي من أهل الجمل أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس فامتنع، فأرسل أبا مسلم كما تقدم فلم ينتظم الأمر، وسار علي في الجنود إلى جهة معاوية فالتقيا بصفين في العشر الأول من المحرم وأول ما اقتتلوا في غرة صفر، فلما كاد أهل الشام أن يغلبوا رفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن العاص ودعوا إلى ما فيها، فآل الأمر إلى الحكمين فجرى ما جرى من اختلافهما واستبداد معاوية بملك الشام واشتغال علي بالخوارج وعند أحمد من طريق حبيب بن أبي ثابت: أتيت أبا وائل فقال: كنا بصفين، فلما استحر القتل بأهل الشام قال عمرو لمعاوية أرسل إلى علي المصحف فادعه إلى كتاب الله فإنه لا يأبى عليك، فجاء به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون" فقال علي نعم أنا أولى بذلك، فقال القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج: يا أمير المؤمنين ما ننظر بهؤلاء القوم، ألا نمشي عليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا؟ فقال سهل بن حنيف يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فقد رأيتنا يوم الحديبية، فذكر قصة الصلح مع المشركين، وقد تقدم بيان ذلك من هذا الوجه عن سهل بن حنيف، وقد أشرت إلى قصة التحكيم في " باب قتل الخوارج والملحدين " من كتاب استتابة المرتدين. وقد أخرج ابن عساكر في ترجمة معاوية من طريق ابن منده ثم من طريق أبي القاسم ابن أخي أبي زرعة الرازي قال: جاء رجل إلى عمي فقال له إني أبغض معاوية، قال له لم؟ قال لأنه قاتل عليا بغير حق؛ فقال له أبو زرعة: رب معاوية رب رحيم وخصم معاوية خصم كريم فما دخولك بينهما؟ قوله: "وحتى يبعث دجالون" جمع دجال، وسيأتي تفسيره في الباب الذي بعده، والمراد ببعثهم إظهارهم، لا البعث بمعنى الرسالة. ويستفاد منه أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وأن جميع الأمور بتقديره. قوله: "قريب من ثلاثين" وقع في بعض الأحاديث بالجزم، وفي بعضها بزيادة على ذلك وفي بعضها بتحرير ذلك، فأما الجزم ففي حديث ثوبان " وأنه سيكون في أمتي كذابون

(13/86)


ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي " أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان وهو طرف من حديث أخرجه مسلم ولم يسق جميعه، ولأحمد وأبي يعلى من حديث عبد الله بن عمرو " بين يدي الساعة ثلاثون دجالا كذابا " وفي حديث علي عند أحمد ونحوه وفي حديث ابن مسعود عند الطبراني نحوه وفي حديث سمرة المصدر أوله بالكسوف وفيه: "ولا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال " أخرجه أحمد والطبراني، وأصله عند الترمذي وصححه، وفي حديث ابن الزبير " إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا منهم الأسود العنسي صاحب صنعاء وصاحب اليمامة يعني مسيلمة. قلت: وخرج في زمن أبي بكر طليحة بالتصغير ابن خويلد وادعى النبوة ثم تاب ورجع إلى الإسلام، وتنبأت أيضا سجاح ثم تزوجها مسيلمة ثم رجعت بعده، وأما الزيادة ففي لفظ لأحمد وأبي يعلى في حديث عبد الله بن عمرو ثلاثون كذابون أو أكثر قلت: ما آيتهم؟ قال: يأتونكم بسنة لم تكونوا عليها يغيرون بها سنتكم، فإذا رأيتموهم فاجتنبوهم " وفي رواية عبد الله بن عمرو عند الطبراني " لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابا " وسندها ضعيف، وعند أبي يعلى من حديث أنس نحوه وسنده ضعيف أيضا، وهو محمول إن ثبت على المبالغة في الكثرة لا على التحديد، وأما التحرير ففيما أخرجه أحمد عن حذيفة بسند جيد " سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي " وهذا يدل على أن رواية الثلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر، ويؤيده قوله في حديث الباب: "قريب من ثلاثين". قوله: "كلهم يزعم أنه رسول الله" ظاهر في أن كلا منهم يدعي النبوة، وهذا هو السر في قوله في آخر الحديث الماضي " وإني خاتم النبيين " ويحتمل أن يكون الذين يدعون النبوة منهم ما ذكر من الثلاثين أو نحوها وأن من زاد على العدد المذكور يكون كذابا فقط لكن يدعو إلى الضلالة كغلاة الرافضة والباطنية وأهل الوحدة والحلولية وسائر الفرق الدعاة إلى ما يعلم بالضرورة أنه خلاف ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أن في حديث علي عند أحمد " فقال علي لعبد الله بن الكواء: وإنك لمنهم " وابن الكواء لم يدع النبوة وإنما كان يغلو في الرفض. قوله: "وحتى يقبض العلم" تقدم في كتاب العلم ويأتي أيضا في " كتاب الأحكام". قوله: "وتكثر الزلازل" قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها، وقد وقع في حديث سلمة بن نفيل عند أحمد " وبين يدي الساعة سنوات الزلازل " وله عن أبي سعيد " تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة" . قوله: "ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج" تقدم البحث في ذلك قريبا. قوله: "وحتى يكثر فيكم المال فيفيض" تقدم شرحه في كتاب الزكاة والتقييد بقوله: "فيكم " يشعر بأنه محمول على زمن الصحابة فيكون إشارة إلى ما وقع من الفتوح واقتسامهم أموال الفرس والروم ويكون قوله: "فيفيض حتى يهم رب المال " إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز فقد تقدم أنه وقع في زمنه أن الرجل كان يعرض ماله للصدقة فلا يجد من يقبل صدقته: ويكون قوله: "وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به " إشارة إلى ما سيقع في زمن عيسى بن مريم. فيكون في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال: الأولى إلى كثرة المال فقط وقد كان ذلك في زمن الصحابة ومن ثم قيل فيه: "يكثر فيكم " وقد وقع في حديث عوف بن مالك الذي مضى في " كتاب الجزية " ذكر علامة أخرى مباينة لعلامة الحالة الثانية في حديث عوف بن مالك رفعه: "اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، وموتان ثم استفاضة المال حتى يعطي الرجل منه مائة دينار فيظل ساخطا " الحديث. وقد أشرت إلى شيء من هذا عند

(13/87)


شرحه الحالة الثانية الإشارة إلى فيضه من الكثرة بحيث أن يحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره، وكان ذلك في آخر عصر الصحابة وأول عصر من بعدهم ومن ثم قيل " يهم رب المال " وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز. الحالة الثالثة فيه الإشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء لكل أحد حتى يهتم صاحب المال بكونه لا يجد من يقبل صدقته ويزداد بأنه يعرضه على غيره ولو كان ممن لا يستحق الصدقة فيأبى أخذه فيقول لا حاجة لي فيه: وهذا في زمن عيسى عليه السلام. ويحتمل أن يكون هذا الأخير خروج النار واشتغال الناس بأمر الحشر فلا يلتفت أحد حينئذ إلى المال بل يقصد أن يتخفف ما استطاع. قوله: "وحتى يتطاول الناس في البنيان" تقدم في كتاب الإيمان من وجه آخر عن أبي هريرة في سؤال جبريل عن الإيمان قوله في أشراط الساعة ويتطاول الناس في البنيان، وهي من العلامات التي وقعت عن قرب في زمن النبوة، ومعنى التطاول في البنيان أن كلا ممن كان يبني بيتا يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد المباهاة به في الزينة والزخرفة أو أعم من ذلك، وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد. قوله: "وحتى يمر الرجل بقبر الرجل" تقدم شرحه قبل ببابين. قوله: "وحتى تطلع الشمس من مغربها" تقدم شرحه في آخر كتاب الرقاق: وذكرت هناك ما أبداه البيهقي ثم القرطبي احتمالا أن الزمن الذي لا ينفع نفسا إيمانها يحتمل أن يكون وقت طلوع الشمس من المغرب، ثم إذا تمادت الأيام وبعد العهد بتلك الآية عاد نفع الإيمان والتوبة، وذكرت من جزم بهذا الاحتمال وبينت أوجه الرد عليه. ثم وقفت على حديث لعبد الله بن عمرو ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب وفيه: "فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل " الآية، أخرجه الطبراني والحاكم، وهو نص في موضع النزاع وبالله التوفيق. قوله: "ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه" وقع عند مسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد ويتبايعان الثوب فلا يتبايعانه حتى تقوم وللبيهقي في البعث من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة " ولتقومن الساعة على رجلين قد نشرا بينهما ثوبا يتبايعانه فلا يتبايعانه ولا يطويانه " ونسبة الثوب إليهما في الرواية الأولى باعتبار الحقيقة في أحدهما والمجاز في الآخر لأن أحدهما مالك والآخر مستام، وقوله في الرواية الأخرى " يتبايعانه " أي يتساومان فيه مالكه والذي يريد شراءه فلا يتم بينهما ذلك من بغتة قيام الساعة فلا يتبايعانه ولا يطويانه، وعند عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رفعه: "إن الساعة تقوم على الرجلين وهما ينشران الثوب فما يطويانه " ووقع في حديث عقبة بن عامر عند الحاكم لهذه القصة وما بعدها مقدمة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناديا أيها الناس - ثلاثا يقول في الثالثة - أتى أمر الله. قال: والذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب بينهما فما يطويانه " الحديث. قوله: "ولتقومن الساعة وهو" أي الرجل. قوله: "يليط حوضه" بفتح أوله من الثلاثي وبضمه من الرباعي والمعنى يصلحه بالطين والمدر فيسد شقوقه ليملأه ويسقى منه دوابه يقال لاط الحوض يليطه إذ أصلحه بالمدر ونحوه، ومنه قيل اللائط لمن يفعل الفاحشة، وجاء في مضارعه يلوط تفرقة بينه وبين الحوض. وحكى القزاز في الحوض أيضا يلوط، والأصل في اللوط اللصوق ومنه " كان عمر يليط أهل الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام " كذا قال، والذي يتبادر أن فاعل الفاحشة نسب إلى قوم لوط والله أعلم. ووقع في حديث عقبة بن عامر المذكور " وإن الرجل ليمدر حوضه فما يسقى منه شيئا " وفي حديث عبد الله بن عمرو عند الحاكم

(13/88)


وأصله في مسلم: "ثم ينفخ في الصور فيكون أول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق " ففي هذا بيان السبب في كونه لا يسقى من حوضه شيئا، ووقع عند مسلم: "والرجل يليط في حوضه فما يصدر - أي يفرغ أو ينفصل عنه - حتى تقوم" . قوله: "فلا يسقى فيه" أي تقوم القيامة من قبل أن يستقى منه. قوله: "ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته" بالضم أي لقمته إلى فيه "فلا يطعمها" أي تقوم الساعة من قبل أن يضع لقمته في فيه، أو من قبل أن يمضغها، أو من قبل أن يبتلعها. وقد أخرجه البيهقي في البعث من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة رفعه: "تقوم الساعة على رجل أكلته في فيه يلوكها فلا يسيغها ولا يلفظها " وهذا يؤيد الاحتمال الأخير وتقدم في أواخر " كتاب الرقاق " في " باب طلوع الشمس من مغربها " بسند حديث الباب طرف منه وهو من قوله: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها " وذكر بعده " ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما " وبعده " ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه " وبعده " ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه " وبعده " ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته " فزاد واحدة وهي الحلب، وما أدري لم حذفها هنا مع أنه أورد الحديث هنا بتمامه إلا هذه الجملة وقد أوردها الطبراني في جملة الحديث على التفصيل الذي ذكرته في أول الكلام على هذا الحديث، ثم وجدتها ثابتة في الأصل في رواية كريمة والأصيلي وسقطت لأبي ذر والقابسي، وقد أخرجه البيهقي من رواية بشر بن شعيب عن أبيه بلفظ: "بلبن لقحته من تحتها لا يطعمه " وأخرج معه الثلاثة الأخرى. واللقحة بكسر اللام وسكون القاف بعدها مهملة الناقة ذات الدر، وهي إذا نتجت لقوح شهرين أو ثلاثة ثم لبون، وهذا كله إشارة إلى أن القيامة تقوم بغتة وأسرعها رفع اللقمة إلى الفم. وقد أخرج مسلم منه في آخر " كتاب الفتن " هذه الأمور الأربعة إلا رفع اللقمة من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بسنده هذا ولفظه: "تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم، والرجلان يتبايعان الثوب، والرجل يليط في حوضه " وقد ذكرت لفظه فيهما. وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو ما يعرف منه المراد من التمثيل بصاحب الحوض ولفظه: "ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى، وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق " أخرجه مسلم. وأخرج ابن ماجه وأحمد وصححه الحاكم عن ابن مسعود قال: "لما كان ليلة أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم لقي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا الساعة فبدؤوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم، فرد الحديث إلى عيسى فقال: قد عهد إلي فيما دون وجبتها، فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله " فذكر خروج الدجال، قال: فأنزل إليه فأقتله ثم ذكر خروج يأجوج ومأجوج ثم دعاءه بموتهم ثم بإرسال المطر فيلقى جيفهم في البحر ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم، فعهد إلي إذا كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلا كان أو نهارا.

(13/89)


26 - باب ذِكْرِ الدَّجَّالِ
7122 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي قَيْسٌ قَالَ "قَالَ لِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَا: سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مَا سَأَلْتُهُ, وَإِنَّهُ قَالَ لِي مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ قُلْتُ: لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ قَالَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ"

(13/89)


7123 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ "عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أُرَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ"
7124 - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: يَجِيءُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَنْزِلَ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ, ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ"
7125 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَلَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ"
7126 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ قَالَ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرَةَ "سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا"
7127 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إِنِّي لاَنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ, وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ, إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ"
7128 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ - أَوْ يُهَرَاقُ - رَأْسُهُ مَاءً: قُلْتُ مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ, ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ, أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ"
7129 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ "أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ فِي صَلاَتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ"
7130 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ "عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(13/90)


قَالَ فِي الدَّجَّالِ: إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا, فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ وَمَاؤُهُ نَارٌ" قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
7131 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلاَّ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ, أَلاَ إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ, وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ: كَافِرٌ" فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[الحديث 7131 – طرفه في: 7408]
قوله: "باب ذكر الدجال" هو فعال بفتح أوله والتشديد من الدجل وهو التغطية، وسمي الكذاب دجالا لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال دجل البعير بالقطران إذا غطاه والإناء بالذهب إذا طلاه. وقال ثعلب: الدجال المموه سيف مدجل إذا طلى. وقال ابن دريد. سمي دجالا لأنه يغطي الحق بالكذب، وقيل لضربه نواحي الأرض، يقال دجل مخففا ومشددا إذا فعل ذلك، وقيل بل قيل ذلك لأنه يغطي الأرض فرجع إلى الأول. وقال القرطبي في " التذكرة ": اختلف في تسميته دجالا على عشرة أقوال. ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله وهل هو ابن صياد أو غيره، وعلى الثاني فهل كان موجودا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا، ومتى يخرج، وما سبب خروجه، ومن أين يخرج، وما صفته، وما الذي يدعيه، وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه، ومتى يهلك ومن يقتله؟ فأما الأول فيأتي بيانه في " كتاب الاعتصام " في شرح حديث جابر أنه كان يحلف أن ابن صياد هو الدجال، وأما الثاني فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودا في العهد النبوي وأنه محبوس في بعض الجزائر، وسيأتي بيان ذلك عند شرح حديث جابر أيضا. وأما الثالث ففي حديث النواس عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية. وأما سبب خروجه فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها. وأما من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزما. ثم جاء في رواية أنه يخرج من خراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر، وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان أخرجها مسلم. وأما صفته فمذكورة في أحاديث الباب. وأما الذي يدعيه فإنه يخرج أولا فيدعي الإيمان والصلاح ثم يدعي النبوة ثم يدعي الإلهية كما أخرج الطبراني من طريق سليمان بن شهاب قال: "نزل علي عبد الله بن المعتمر وكان صحابيا فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الدجال ليس به خفاء، يجيء من قبل المشرق فيدعو إلى الدين فيتبع ويظهر، فلا يزال حتى يقدم الكوفة فيظهر الدين ويعمل به فيتبع ويحث على ذلك، ثم يدعي أنه نبي فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه، فيمكث بعد ذلك فيقول: أنا الله، فتغشى عينه وتقطع أذنه ويكتب بين عينيه كافر فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان " وسنده ضعيف. "تنبيه": اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر وعظم الفتنة به وتحذير الأنبياء منه والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة، وأجيب بأجوبة أحدها أنه ذكر في قوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا} فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رفعه: "ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسا

(13/91)


إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها " الثاني قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى بن مريم في قوله تعالى :{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} وفي قوله تعالى :{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} وصح أنه الذي قتل الدجال فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى؛ لكن الدجال مسيح الضلالة وعيسى مسيح الهدى. الثالث أنه ترك ذكره احتقارا، وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال والذي قبله، وتعقب بأن السؤال باق وهو ما الحكمة في ترك التنصيص عليه؟ وأجاب شيخنا الإمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى وانقضى أمره وأما من لم يجيء بعد فلم يذكر منهم أحدا انتهى. وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج. وقد وقع في تفسير البغوي أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى :{لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس } وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض. وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي صلى الله عليه وسلم ببيانه والعلم عند الله تعالى. وأما ما يظهر على يده من الخوارق فسيذكر هنا. وأما متى يهلك ومن يقتله؟ فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس فينزل عيسى فيقتله أخرجه مسلم أيضا. وسأذكر لفظه. وفي حديث هشام بن عامر " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال " أخرجه الحاكم. وعند الحاكم من طريق قتادة عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه أنه " يخرج - يعني الدجال - في نقص من الدنيا وخفة من الدين وسوء ذات بين، فيرد كل منهل وتطوى له الأرض " الحديث. وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن من طريق كعب الأحبار قال: يتوجه الدجال فينزل عند باب دمشق الشرقي. ثم يلتمس فلا يقدر عليه؛ ثم يرى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يطلب فلا يدري أين توجه، ثم يظهر بالمشرق فيعطى الخلافة، ثم يظهر السحر، ثم يدعي النبوة فتتفرق الناس عنه، فيأتي النهر فيأمره أن يسيل إليه فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس ويأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحا، ويأمر الريح أن تثير سحابا من البحر فتمطر الأرض ويخوض البحر في يوم ثلاث خوضات فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر فتبلغ قعره فيخرج من الحيتان ما يريد. وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان ابن عطية أحد ثقات التابعين من الحلية بسند حسن صحيح إليه قال: لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة، وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون مرفوعا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب. وذكر المصنف في الباب أحد عشر حديثا: قوله: "يحيى" هو القطان " وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم". قوله: "قال لي المغيرة بن شعبة" عند مسلم من رواية إبراهيم بن حميد عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم " عن المغيرة بن شعبة". قوله: "ما سأل أحد النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال ما سألته" في رواية مسلم: "أكثر مما سألته". قوله: "وأنه قال لي ما يضرك منه" في رواية مسلم قال: "وما ينصبك منه " بنون وصاد مهملة ثم موحدة من النصب بمعنى التعب، ومثله عنده من رواية يزيد بن هارون عن إسماعيل وزاد: "فقال لي أي بني وما ينصبك منه " وعنده من طريق هشيم عن إسماعيل " وما سؤالك عنه، أي وما سبب سؤالك عنه " وقال أبو نعيم في المستخرج: معنى قوله ما ينصبك أي ما الذي يغمك منه من الغم حتى يهولك أمره قلت وهو تفسير باللازم وإلا فالنصب التعب وزنه ومعناه

(13/92)


ويطلق على المرض فيه تعبا. قال ابن دريد: يقال نصبه المرض وأنصبه، وهو تغير الحال من تعب أو وجع. قوله: "قلت لأنهم يقولون" هو متعلق بمحذوف تقديره الخشية منه مثلا في رواية المستملي أنهم يقولون وهي رواية مسلم والضمير في أنهم للناس أو لأهل الكتاب. قوله: "جبل خبز" بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة بعدها زاي والمراد أن معه من الخبز قدر الجبل، وأطلق الخبز وأراد به أصله وهو القمح مثلا، زاد في رواية هشيم عند مسلم "معه جبال من خبز ولحم ونهر من ماء " وفي رواية إبراهيم بن حميد " إن معه الطعام والأنهار " وفي رواية يزيد بن هارون " أن معه الطعام والشراب".قوله: "ونهر ماء" بسكون الهاء وبفتحها. قوله: "قال بل هو أهون على الله من ذلك" سقط لفظ: "بل " من رواية مسلم. وقال عياض: معناه هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانا ويرتاب الذين في قلوبهم مرض فهو مثل قول الذي يقتله ما كنت أشد بصيرة مني فيك، لا أن قوله: "هو أهون على الله من ذلك " أنه ليس شيء من ذلك معه، بل المراد أهون من أن يجعل شيئا من ذلك آية على صدقه، ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره يقرأها من قرأ ومن لا يقرأ زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه. قلت: الحامل على هذا التأويل أنه ورد في حديث آخر مرفوع " ومعه جبل من خبز ونهر من ماء " أخرجه أحمد والبيهقي في البعث من طريق جنادة بن أبي أمية عن مجاهد قال: "انطلقنا إلى رجل من الأنصار فقلنا حدثنا بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال ولا تحدثنا عن غيره: "فذكر حديثا فيه: "تمطر الأرض ولا ينبت الشجر، ومعه جنة ونار فناره جنة وجنته نار ومعه جبل خبز " الحديث بطوله ورجاله ثقات، ولأحمد من وجه آخر عن جنادة عن رجل من الأنصار " معه جبال الخبز وأنهار الماء " ولأحمد من حديث جابر " معه جبال من خبز والناس في جهد إلا من تبعه، ومعه نهران " الحديث، فدل ما ثبت من ذلك على أن قوله: "هو أهون على الله من ذلك " ليس المراد به ظاهره وأنه لا يجعل على يديه شيئا من ذلك، بل هو على التأويل المذكور، وسيأتي في الحديث الثامن أن معه جنة ونارا، وغفل القاضي ابن العربي فقال في الكلام على حديث المغيرة عند مسلم لما قال له لن يضرك قال: إن معه ماء ونارا. قلت: ولم أر ذلك في حديث المغيرة. قال ابن العربي: أخذ بظاهر قوله: "هو أهون على الله من ذلك " من رد من المبتدعة الأحاديث الثابتة أن معه جنة ونارا وغير ذلك قال: وكيف يرد بحديث محتمل ما ثبت في غيره من الأحاديث الصحيحة: فلعل الذي جاء في حديث المغيرة جاء قبل أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم أمره ويحتمل أن يكون قوله: "هو أهون " أي لا يجعل له ذلك حقيقة وإنما هو تخييل وتشبيه على الأبصار فيثبت المؤمن ويزل الكافر، ومال ابن حبان في صحيحه إلى الآخر فقال: هذا لا يضاد خبر أبي مسعود، بل معناه أنه أهون على الله من أن يكون نهر ماء يجري، فإن الذي معه يرى أنه ماء وليس بماء. الحديث الثاني, قوله: "حدثنا سعد بن حفص" بسكون العين، وفي بعض النسخ بكسرها وزيادة ياء وهو تحريف. قوله: "شيبان" هو ابن عبد الرحمن نسبه عباس الدوري عن سعد بن حفص شيخ البخاري فيه أخرجه الإسماعيلي، ويحيى هو ابن أبي كثير. قوله: "يجيء الدجال حتى ينزل في ناحية المدينة" في حديث أبي سعيد الآتي بعد باب " ينزل بعض السباخ التي في المدينة: وفي رواية حماد بن سلمة عن إسحاق عن أنس " فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه فيخرج إليه كل منافق ومنافقة " والجرف بضم الجيم والراء بعدها فاء مكان بطريق المدينة من جهة الشام على ميل وقيل على ثلاثة أميال، والمراد بالرواق الفسطاط. ولابن ماجه من حديث أبي أمامة " نزل عند الطريق

(13/93)


الأحمر عند منقطع السبخة". قوله: "ترجف ثلاث رجفات" في رواية الدوري " فترجف " وهي أوجه؛ وقد تقدم في آخر كتاب الحج من طريق الأوزاعي عن إسحاق أتم من هذا وفيه: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة " وتقدم شرحه هناك، والجمع بين قوله: "ترجف ثلاث رجفات " وبين قوله في الحديث الذي يلي هذا " لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال " وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد والحاكم رفعه: "يجيء الدجال فيصعد أحدا فيتطلع فينظر إلى المدينة فيقول لأصحابه: ألا ترون إلى هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد. ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب من نقابها ملكا مصلتا سيفه، فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه. ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه فتخلص المدينة، فذلك يوم الخلاص " وفي حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الذي تقدمت الإشارة إليه أول الباب: "وتطوى له الأرض طي فروة الكبش حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها ويمنع داخلها، ثم يأتي إيليا فيحاصر عصابة من المسلمين " وحاصل ما وقع به الجمع أن الرعب المنفي هو الخوف والفزع حتى لا يحصل لأحد فيها بسبب نزوله قربها شيء منه، أو هو عبارة عن غايته وهو غلبته عليها، والمراد بالرجفة الأرفاق وهو إشاعة مجيئه وأنه لا طاقة لأحد به، فيسارع حينئذ إليه من كان يتصف بالنفاق أو الفسق، فيظهر حينئذ تمام أنها تنفى خبثها. قوله: "حدثنا عبد العزيز بن عبد الله إلخ" ثبت هذا للمستملي وحده هنا وسقط لسائرهم، وقد مضى في آخر كتاب الحج سندا ومتنا. وإبراهيم بن سعد أي ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وسعد هو الذي روى عنه محمد بن بشر في السند الثاني. قوله: "لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال" تقدم ضبط المسيح في باب الدعاء قبل السلام من كتاب الصلاة وهو قبيل كتاب الجمعة، وتقدم فيه أيضا أن من قاله بالخاء المعجمة صحف، والقول في سبب تسميته المسيح بما يغني عن إعادته هنا. وحكى شيخنا مجد الدين الشيرازي صاحب القاموس في اللغة أنه اجتمع له من الأقوال في سبب تسمية الدجال المسيح خمسون قولا، وبالغ القاضي ابن العربي فقال: ضل قوم فرووه المسيخ بالخاء المعجمة، وشدد بعضهم السين ليفرقوا بينه وبين المسيح عيسى بن مريم بزعمهم، وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بقوله في الدجال " مسيح الضلالة " فدل على أن عيسى مسيح الهدى، فأراد هؤلاء تعظيم عيسى فحرفوا الحديث. قوله: "لها يومئذ سبعة أبواب" قال عياض: هذا يؤيد أن المراد بالأنقاب في حديث أبي هريرة يعني ثاني أحاديث الباب الذي يليه الأبواب وفوهات الطريق. قوله: "على كل باب ملكان" كذا في رواية إبراهيم بن سعد. وفي رواية محمد بن بشر " لكل باب ملكان " وأخرجه الحاكم من رواية الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عياض بن مسافع عن أبي بكرة قال: "أكثر الناس في شأن مسيلمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كذاب من ثلاثين كذابا قبل الدجال، وأنه ليس بلد إلا يدخله رعب الدجال إلا المدينة، على كل نقب من أنقابها ملكان يذبان عنها رعب المسيح"الحديث الرابع, قوله: "حدثنا وهيب" بالتصغير وأيوب هو السختياني. قوله: "عن ابن عمر أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم" القائل " أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "هو البخاري، وقد سقط قوله: "أراه إلخ " للمستملي ولأبي زيد المروزي وأبي أحمد الجرجاني فصارت صورته موقوفا، وبذلك جزم الإسماعيلي فقال بعد أن أورده من رواية أحمد بن منصور الرمادي عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري بسنده إلى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رواه البخاري عن موسى فلم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أبو نعيم في المستخرج عن الطبراني عن أحمد بن داود المكي عن موسى

(13/94)


وصرح برفعه أيضا، واقتصر المزي على ما وقع في رواية السرخسي وغيره بلفظ: "أراه " والحديث في الأصل مرفوع فقد أخرجه مسلم من رواية حماد بن زيد عن أيوب فقال فيه: "عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وقد تقدم في أحاديث الأنبياء في ترجمة عيسى بن مريم من طريق موسى بن عقبة عن نافع قال: "قال عبد الله هو ابن عمر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الناس المسيح الدجال " فذكر هذا الحديث وسياقه هناك أتم. قوله: "أعور العين اليمنى" في رواية غير أبي ذر " أعور عين اليمنى " بغير ألف ولام، ومثله في رواية الطبراني، وقد تقدم في ترجمة عيسى بلفظه: "أعور عينه اليمنى " وتقدم توجيهه والبحث في إعرابه. قوله: "كأنها عنبة طافية" يأتي الكلام عليه في الحديث السادس، هكذا وقع في هذا الموضع عند الجميع لم يذكر الموصوف بذلك، ومثله في رواية الإسماعيلي لكن قال في آخره: "يعني الدجال " ووقع في رواية الطبراني في أوله " الدجال أعور عين اليمنى". قوله: "وقال ابن إسحاق" هو محمد صاحب المغازي. قوله: "عن صالح بن إبراهيم" أي ابن عبد الرحمن بن عوف وهو أخو سعد بن إبراهيم. قوله: "عن أبيه قال قدمت البصرة" أراد بهذا التعليق ثبوت لقاء إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف لأبي بكرة لأن إبراهيم مدني وقد تستنكر روايته عن أبي بكرة لأنه نزل البصرة من عهد عمر إلى أن مات. قوله: "فقال لي أبو بكرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بهذا" هذا التعليق وصله الطبراني في " الأوسط " من رواية محمد بن مسلمة الحراني عن محمد بن إسحاق بهذا السند وبقيته بعد قوله: "فلقيت أبا بكرة ": فقال أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل قرية يدخلها فزع الدجال إلا المدينة يأتيها ليدخلها فيجد على بابها ملكا مصلتا بالسيف فيرده عنها " قال الطبراني: لم يروه عن صالح إلا ابن إسحاق. قلت: وصالح المذكور ثقة مقل أخرجا له في الصحيحين حديثا واحدا غير هذا، وقوله: "بهذا " يريد أصل الحديث، وإلا فبين لفظ صالح بن إبراهيم ولفظ سعد بن إبراهيم مغايرات تظهر من سياقهما. قوله: "حدثنا عبد العزيز بن عبد الله" هو الأويسي، وإبراهيم هو ابن سعد، وصالح هو ابن كيسان، وابن شهاب هو الزهري. قوله: "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال" هكذا أورده هنا، وطوله في كتاب الجهاد من طريق معمر عن الزهري بهذا السند وأوله " أن عمر انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط قبل ابن صياد " القصة بطولها وفيه: "خبأت لك خبيا " وفيه: "فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنقه " ثم ذكر بعده قال ابن عمر: "انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد " فذكر القصة الأخرى وفيها " وهو مضطجع في قطيفة " وفيها " لو تركته بين " ثم ذكر بعده " قال ابن عمر ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس " الحديث، فجمع هذه الأحاديث الثلاثة في أواخر " كتاب الجهاد " في " باب كيف يعرض الإسلام على الصبي " وكذا صنع في " كتاب الأدب " أورده فيه من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، واقتصر في أواخر " كتاب الجنائز " على الأولين ولم يذكر الثالث أورده فيه من طريق يونس بن يزيد عن الزهري وكذا صنع في الشهادات أورده فيه من طريق شعيب وقد شرحتهما هناك، وأورده مسلم من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بسنده في هذا الباب بتمامه مشتملا على الأحاديث الثلاثة. قوله: "وما من نبي إلا وقد أنذره قومه" زاد في رواية معمر " لقد أنذره نوح قومه " وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح عند أبي داود والترمذي وحسنه " لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر قومه الدجال " وعند أحمد " لقد أنذره نوح أمته والنبيون من بعده " أخرجه من وجه آخر عن ابن عمر، وقد استشكل إنذار نوح قومه بالدجال مع أن الأحاديث قد

(13/95)


ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت، وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء فيحكم بالشريعة المحمدية، والجواب أنه كان وقت خروجه أخفى على نوح ومن بعده فكأنهم أنذروا به ولم يذكر لهم وقت خروجه فحذروا قومهم من فتنته، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرقه: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه " فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه وعلاماته، فكان يجوز أن يخرج في حياته صلى الله عليه وسلم ثم بين له بعد ذلك حاله ووقت خروجه فأخبر به، فبذلك تجتمع الأخبار. وقال ابن العربي إنذار الأنبياء قومهم بأمر الدجال تحذير من الفتن وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد، وكذلك تقريب النبي صلى الله عليه وسلم له زيادة في التحذير، وأشار مع ذلك إلى أنهم إذا كانوا على الإيمان ثابتين دفعوا الشبه باليقين. قوله: "ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه" قيل إن السر في اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالتنبيه المذكور، مع أنه أوضح الأدلة في تكذيب الدجال أن الدجال إنما يخرج في أمته دون غيرها ممن تقدم من الأمم، ودل الخبر على أن علم كونه يختص خروجه بهذه الأمة كأن طوى عن غير هذه الأمة كما طوى عن الجميع علم وقت قيام الساعة. قوله: "أنه أعور وإن الله ليس بأعور" إنما اقتصر على ذلك مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة لكون العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقلية، فإذا ادعى الربوبية وهو ناقص الخلقة والإله يتعالى عن النقص علم أنه كاذب، وزاد مسلم في رواية يونس والترمذي في رواية معمر: قال الزهري فأخبرني عمرو بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ للناس وهو يحذرهم " تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت " وعند ابن ماجه نحو هذه الزيادة من حديث أبي أمامة، وعند البزار من حديث عبادة بن الصامت، وفيه تنبيه على أن دعواه الربوبية كذب لأن رؤية الله تعالى مقيدة بالموت والدجال يدعي أنه الله ويراه الناس مع ذلك، وفي هذا الحديث رد على من يزعم أنه يرى الله تعالى في اليقظة تعالى الله عن ذلك ولا يرد على ذلك رؤية النبي صلى الله عليه وسلم له ليلة الإسراء لأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم فأعطاه الله تعالى في الدنيا القوة التي ينعم بها على المؤمنين في الآخرة. قوله: "عن عقيل" بالضم هو ابن خالد. قوله: "بينا أنا نائم أطوف بالكعبة" زاد في ذكر عيسى من أحاديث الأنبياء عن أحمد بن محمد المكي عن إبراهيم بن سعد بهذا السند إلى ابن عمر قال: "لا والله ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعيسى أحمر، ولكن قال بينما " الحديث وزاد في رواية شعيب عن ابن شهاب " رأيتني " قبل قوله: "أطوف " وهو بضم المثناة، وتقدم في التعبير من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر " أراني الليلة عند الكعبة " وهو بفتح الهمزة وكل ذلك يقتضي أنها رؤيا منام، والذي نفاه ابن عمر في هذه الرواية جاء عنه إثباته في رواية مجاهد عنه قال: "رأيت عيسى وموسى وإبراهيم فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى " فذكر الحديث وتقدم القول في ذلك في ترجمته مستوفى وأن الصواب أن مجاهدا إنما روى هذا عن ابن عباس. قوله: "فإذا رجل آدم" بالمد، في رواية مالك " رأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال " بضم الهمزة وسكون الدال. قوله: "سبط الشعر" بفتح المهملة وكسر الموحدة وسكونها أيضا. قوله: "ينطف" بكسر الطاء المهملة "أو يهراق" كذا بالشك، ولم يشك في رواية شعيب، وزاد في رواية مالك " له لمة " بكسر اللام وتشديد الميم " كأحسن ما أنت راء من اللمم " وفي رواية موسى بن عقبة عن نافع " تضرب به لمته بين منكبيه رجل الشعر يقطر رأسه ماء". قوله: "قد رجلها" بتشديد الجيم "يقطر ماء" ووقع في رواية شعيب " بين رجلين " وفي رواية مالك " متكئا على عواتق رجلين يطوف

(13/96)


بالبيت " وفي حديث ابن عباس " ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس " زاد في حديث أبي هريرة بنحوه " كأنما خرج من ديماس " يعني الحمام. وفي رواية حنظلة عن سالم عن ابن عمر " يسكب رأسه أو يقطر " وفي حديث جابر عند مسلم: " فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود". قوله: "قلت من هذا؟ قالوا: ابن مريم" في رواية مالك " فسألت من هذا؟ فقيل: المسيح ابن مريم " وفي رواية حنظلة " فقالوا عيسى بن مريم". قوله: "ثم ذهبت ألتفت فإذا رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين" زاد في رواية مالك " جعد قطط أعور " وزاد شعيب " أعور العين اليمنى " وقد تقدم القول فيه أول الباب. وفي رواية حنظلة " ورأيت وراءه رجلا أحمر جعد الرأس أعور العين اليمنى " ففي هذه الطرق أنه أحمر ووقع في حديث عبد الله بن مغفل عند الطبراني أنه آدم جعد، فيمكن أن تكون أدمته صافية، ولا ينافي أن يوصف مع ذلك بالحمرة لأن كثيرا من الأدم قد تحمر وجنته. ووقع في حديث سمرة عند الطبراني وصححه ابن حبان والحاكم " ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي يحيى شيخ من الأنصار " انتهى. وهو بكسر المثناة الفوقانية ضبطه ابن ماكولا عن جعفر المستغفري ولا يعرف إلا من هذا الحديث. قوله: "كأن عينه عنبة طافية" بياء غير مهموزة أي بارزة، ولبعضهم بالهمز أي ذهب ضوؤها، قال القاضي عياض: رويناه عن الأكثر بغير همز، وهو الذي صححه الجمهور وجزم به الأخفش ومعناه أنها ناتئة نتوء حبة العنب من بين أخواتها، قال وضبطه بعض الشيوخ بالهمز وأنكره بعضهم ولا وجه لإنكاره، فقد جاء في آخر أنه ممسوح العين مطموسة وليست جحراء ولا ناتئة، وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها، وهو يصحح رواية الهمز. قلت: الحديث المذكور عند أبي داود يوافقه حديث عبادة بن الصامت ولفظه: " رجل قصير أفحج " بفاء ساكنة ثم مهملة مفتوحة ثم جيم من الفحج وهو تباعد ما بين الساقين أو الفخذين، وقيل تدانى صدور القدمين مع تباعد العقبين، وقيل هو الذي في رجله اعوجاج، وفي الحديث المذكور " جعد أعور مطموس العين ليست بناتئة " بنون ومثناة " ولا جحراء " بفتح الجيم وسكون المهملة ممدود أي عميقة، وبتقديم الحاء أي ليست متصلبة، وفي حديث عبد الله بن مغفل " ممسوح العين " وفي حديث سمرة مثله وكلاهما عند الطبراني ولكن في حديثهما " أعور العين اليسرى " ومثله لمسلم من حديث حذيفة، وهذا بخلاف قوله في حديث الباب: "أعور العين اليمنى " وقد اتفقا عليه من حديث ابن عمر فيكون أرجح، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر لكن جمع بينهما القاضي عياض فقال: تصحح الروايتان معا بأن تكون المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز أي التي ذهب ضوؤها وهي العين اليمنى كما في حديث ابن عمر، وتكون الجاحظة التي كأنها كوكب وكأنها نخاعة في حائط هي الطافية بلا همز وهي العين اليسرى كما جاء في الرواية الأخرى، وعلى هذا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معا فكل واحدة منهما عوراء أي معيبة، فإن الأعور من كل شيء المعيب، وكلا عيني الدجال معيبة فإحداهما معيبة بذهاب ضوئها حتى ذهب إدراكها، والأخرى بنتوئها انتهى. قال النووي: هو في نهاية الحسن. وقال القرطبي في " المفهم ": حاصل كلام القاضي أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها والأخرى بأصل خلقها معيبة، لكن يبعد هذا التأويل أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وصفت به الأخرى من العور فتأمله. وأجاب صاحبه القرطبي في التذكرة بأن الذي تأوله القاضي صحيح، فإن المطموسة وهي التي ليست ناتئة ولا جحراء هي التي فقدت الإدراك، والأخرى وصفت بأن

(13/97)


عليها ظفرة غليظة وهي جلدة تغشى العين وإذا لم تقطع عميت العين، وعلى هذا فالعور فيهما لأن الظفرة مع غلظها تمنع الإدراك أيضا، فيكون الدجال أعمى أو قريبا منه إلا أنه جاء ذكر الظفرة في العين اليمنى في حديث سفينة وجاء في العين الشمال في حديث سمرة فالله أعلم. قلت: وهذا هو الذي أشار إليه شيخه بقوله إن كل واحدة منهما جاء وصفها بمثل ما وصفت الأخرى ثم قال في " التذكرة " يحتمل أن تكون كل واحدة منهما عليها ظفرة فإن في حديث حذيفة أنه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة قال: وإذا كانت الممسوحة عليها ظفرة فالتي ليست كذلك أولى، قال: وقد فسرت الظفرة بأنها لحمة كالعلقة. قلت: وقع في حديث أبي سعيد عند أحمد " وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخاعة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري " فوصف عينيه معا، ووقع عند أبي يعلى من هذا الوجه " أعور ذو حدقة جاحظة لا تخفى كأنها كوكب دري " ولعلها أبين لأن المراد بوصفها بالكوكب شدة اتقادها، وهذا بخلاف وصفها بالطمس ووقع في حديث أبي بن كعب عند أحمد والطبراني " إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء " وهو يوافق وصفها بالكوكب، ووقع في حديث سفينة عند أحمد والطبراني " أعور عينه اليسرى بعينه اليمنى ظفرة غليظة " والذي يتحصل من مجموع الأخبار أن الصواب في طافية أنه بغير همز فإنها قيدت في رواية الباب بأنها اليمنى " وصرح في حديث عبد الله بن مغفل وسمرة وأبي بكرة بأن عينه اليسرى ممسوحة والطافية هي البارزة وهي غير الممسوحة، والعجب ممن يجوز رواية الهمز في " طافية " وعدمه مع تضاد المعنى في حديث واحد فلو كان ذلك في حديثين لسهل الأمر، وأما الظفرة فجائز أن تكون في كلا عينيه لأنه لا يضاد الطمس ولا النتوء، وتكون التي ذهب ضوؤها هي المطموسة والمعيبة مع بقاء ضوئها هي البارزة، وتشبيهها بالنخاعة في الحائط لمجصص في غاية البلاغة، وأما تشبيهها بالزجاجة الخضراء وبالكوكب الدري فلا ينافي ذلك فإن كثيرا ممن يحدث له في عينه النتوء يبقى معه الإدراك فيكون الدجال من هذا القبيل والله أعلم. قال ابن العربي: في اختلاف صفات الدجال بما ذكر من النقص بيان أنه لا يدفع النقص عن نفسه كيف كان، وأنه محكوم عليه في نفسه. وقال البيضاوي: الظفرة لحمة تنبت عند الماق، وقيل جلدة تخرج في العين من الجانب الذي يلي الأنف، ولا يمنع أن تكون في العين السالمة بحيث لا توارى الحدقة بأسرها بل تكون على حدتها. قوله: "هذا الدجال" في رواية شعيب " قلت من هذا؟ قالوا " وكذا في رواية حنظلة. وفي رواية مالك " فقيل المسيح الدجال " ولم أقف على اسم القائل معينا. قوله: "أقرب الناس به شبها ابن قطن" زاد في رواية شعيب " وابن قطن رجل من بني المصطلق من خزاعة " وفي رواية حنظلة " أشبه من رأيت به ابن قطن " وزاد أحمد بن محمد المكي في روايته: "قال الزهري هلك في الجاهلية " وقدمت هناك سياق نسبه إلى خزاعة من فوائد الدمياطي، وسأذكر اسمه في آخر الباب مع بقية صفته إن شاء الله تعالى، واستشكل كون الدجال يطوف بالبيت وكونه يتلو عيسى بن مريم، وقد ثبت أنه إذا رآه يذوب، وأجابوا عن ذلك بأن الرؤيا المذكورة كانت في المنام، ورؤيا الأنبياء وإن كانت وحيا لكن فيها ما يقبل التعبير. وقال عياض: لا إشكال في طواف عيسى بالبيت، وأما الدجال فلم يقع في رواية مالك أنه طاف وهي أثبت ممن روى طوافه. وتعقب بأن الترجيح مع إمكان الجمع مردود، لأن سكوت مالك عن نافع عن ذكر الطواف لا يرد رواية الزهري عن سالم، وسواء ثبت أنه طاف أم لم يطف فرؤيته إياه بمكة مشكلة مع ثبوت أنه لا يدخل مكة ولا المدينة، وقد انفصل عنه القاضي عياض بأن منعه من دخولها إنما هو عند خروجه في آخر

(13/98)


الزمان. قلت: ويؤيده ما دار بين أبي سعيد وبين ابن صياد فيما أخرجه مسلم وأن ابن صياد قال له ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا يدخل مكة ولا المدينة وقد خرجت من المدينة أريد مكة، فتأوله من جزم بأن ابن صياد هو الدجال، على أن المنع إنما هو حيث يخرج، وكذا الجواب عن مشيه وراء عيسى عليه السلام. حديث عائشة " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال " وهو مختصر من حديث تقدم بتمامه في " باب الدعاء قبل السلام " وهو قبيل كتاب الجمعة أورده من طريق شعيب عن الزهري بهذا السند مطولا ثم قال: "وعن الزهري " فذكر هذا الحديث هنا. قوله: "أخبرني أبي" هو عثمان بن جبلة بفتح الجيم والموحدة ابن أبي رواد بفتح الراء وتشديد الواو. قوله: "عن عبد الملك" هو ابن عمير، ونسب عند مسلم في رواية محمد بن جعفر عن شعبة فقال: "عن عبد الملك بن عمير". قوله: "ربعي" بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة اسم بلفظ النسب، وهو ابن حراش بمهملة وآخره معجمة، وحذيفة هو ابن اليمان. قوله: "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الدجال إن معه" كذا ذكره شعبة مختصرا، وتقدم في أول ذكر بني إسرائيل من طريق أبي عوانة عن عبد الملك عن ربعي قال: "قال عقبة بن عمرو لحذيفة ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعته يقول إن مع الدجال إذا خرج " وكذا لمسلم من طريق شعيب بن صفوان عن عبد الملك. قوله: "إن معه ماء ونارا" عند مسلم من طريق نعيم بن أبي نعيم بن أبي هند عن ربعي " اجتمع حذيفة وأبو مسعود فقال حذيفة لأنا بما مع الدجال أعلم منه " وفي رواية أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأنا أعلم بما مع الدجال منه معه نهران يجريان أحدهما رأي العين ماء أبيض والآخر رأي العين نار تأجج " وفي رواية شعيب بن صفوان " فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارا فماء بارد " الحديث، وفي حديث سفينة عند أحمد والطبراني " معه واديان أحدهما جنة والآخر نار، فناره جنة وجنته نار " وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه: " وإن من فتنته أن معه جنة ونارا فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه بردا وسلاما". قوله: "فناره ماء بارد وماؤه نار" زاد محمد بن جعفر في روايته: "فلا تهلكوا " وفي رواية أبي مالك " فإن أدركه أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب " وفي رواية شعيب ابن صفوان " فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارا فإنه ماء عذب طيب " وكذا في رواية أبي عوانة وفي حديث أبي سلمة عن أبي هريرة " وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار " أخرجه أحمد، وهذا كله يرجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي، فإما أن يكون الدجال ساحرا فيخيل الشيء بصورة عكسه، وإما أن يجعل الله باطن الجنة التي يسخرها الدجال نارا وباطن النار جنة، وهذا الراجح. وإما أن يكون ذلك كناية عن النعمة والرحمة بالجنة وعن المحنة والنقمة بالنار، فمن أطاعه فأنعم عليه بجنته يؤول أمره إلى دخول نار الآخرة وبالعكس، ويحتمل أن يكون ذلك من جملة المحنة والفتنة فيرى الناظر إلى ذلك من دهشته النار فيظنها جنة وبالعكس. قوله: "عن قتادة عن أنس" يأتي في التوحيد عن حفص بن عمر عن شعبة أنبأنا قتادة سمعت أنسا. قوله: "ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب" في رواية حفص " ما بعث الله من نبي " وقد تقدم بيانه في الحديث الخامس. قوله: "ألا إنه أعور" بتخفيف اللام وهي حرف تنبيه. قوله: "وإن ربكم ليس بأعور" تقدم بيان الحكمة فيه في الحديث الخامس بما فيه مقنع. قوله: "وإن بين عينيه مكتوب كافر" كذا

(13/99)


للأكثر والجمهور " مكتوبا " ولا إشكال فيه لأنه إما اسم إن وإما حال، وتوجيه الأول أنه حذف اسم إن والجملة بعده مبتدأ وخبر في موضع خبر إن والاسم المحذوف إما ضمير الشأن أو يعود على الدجال، ويجوز أن يكون كافر مبتدأ والخبر بين عينيه، وعند مسلم من رواية محمد ابن جعفر عن شعبة " مكتوب بين عينيه ك ف ر " ومن طريق هشام عن قتادة حدثني أنس بلفظ: "الدجال مكتوب بين عينيه ك ف ر " أي كافر، ومن طريق شعيب بن الحبحاب عن أنس " مكتوب بين عينيه كافر ثم تهاجها ك ف ر يقرؤه كل مسلم: "وفي رواية عمر بن ثابت عن بعض الصحابة " يقرؤه كل من كره عمله " أخرجه الترمذي، وهذا أخص من الذي قبله. وفي حديث أبي بكرة عند أحمد " يقرؤه الأمي والكاتب " ونحوه في حديث معاذ عند البزار. وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه: "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب " ولأحمد عن جابر " مكتوب بين عينيه كافر " مهجاة ومثله عند الطبراني من حديث أسماء بنت عميس، قال ابن العربي: في قوله ك ف ر إشارة إلى أن فعل وفاعل من الكفر إنما يكتب بغير ألف وكذا هو في رسم المصحف وإن كان أهل الخط أثبتوا في فاعل ألفا فذاك لزيادة البيان، وقوله: "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب " إخبار بالحقيقة " وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بغير بصره وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة كما يرى المؤمن الأدلة بعين بصيرته ولا يراها الكافر فيخلق الله للمؤمن الإدراك دون تعلم لأن ذلك الزمان تنخرق فيه العادات في ذلك " ويحتمل قوله يقرؤه من كره عمله أن يراد به المؤمنون عموما ويحتمل أن يختص ببعضهم ممن قوي إيمانه. وقال النووي: الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال فيظهر الله المؤمن عليها ويخفيها على من أراد شقاوته. وحكى عياض خلافا وأن بعضهم قال: "هي مجاز عن سمة الحدوث عليه " وهو مذهب ضعيف، ولا يلزم من قوله: "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب " أن لا تكون الكتابة حقيقة بل يقدر الله على غير الكاتب علم الإدراك فيقرأ ذلك وإن لم يكن سبق له معرفة الكتابة، وكأن السر اللطيف في أن الكاتب وغير الكاتب يقرأ ذلك لمناسبة أن كونه أعور يدركه كل من رآه فالله أعلم. الحديث العاشر والحادي عشر، قوله: "فيه أبو هريرة وابن عباس" أي يدخل في الباب حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس، فيحتمل أن يريد أصل الباب فيتناول كلامه كل شيء ورد مما يتعلق بالدجال من حديث المذكورين، ويحتمل أن يريد خصوص الحديث الذي قبله وهو أن كل نبي أنذر قومه الدجال وهو أقرب، فمما ورد عن أبي هريرة في ذلك ما تقدم في ترجمة نوح من أحاديث الأنبياء من رواية يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة " قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه تمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه " وأخرج البزار بسند جيد عن أبي هريرة " سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق يقول: يخرج مسيح الضلالة فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الأرض في أربعين يوما، فيلقى المؤمنون منه شدة شديدة " الحديث، ومما ورد في ذلك من حديث ابن عباس ما تقدم أيضا في الملائكة من طريق أبي العالية عن ابن عباس في ذكر صفة موسى عليه السلام وفيه: "وذكر أنه رأى الدجال " ووقع عند أحمد والطبراني من طريق أخرى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الدجال " أعور هجان - بكسر أوله وتخفيف الجيم أي أبيض أزهر - كأن رأسه أصلة أشبه الناس بعبد العزى بن قطن، فأما هلك الهلك فإن ربكم ليس بأعور " وفي لفظ للطبراني " ضخم فيلماني

(13/100)


- بفتح الفاء وسكون التحتانية وفتح اللام وبعد الألف نون - أي عظيم الجثة كأن رأسه أغصان شجرة " يريد أن شعر رأسه كثير متفرق قائم " أشبه الناس بعبد العزى بن قطن رجل من خزاعة " وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم والترمذي وابن ماجه: "شاب قطط عينه قائمة " ولابن ماجه: "كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن " وعند البزار من حديث الغلتان بن عاصم " أجلي الجبهة عريض النحر ممسوح العين اليسرى كأنه عبد العزى بن قطن " وقد تقدم في ترجمة عيسى سياق نسب عبد العزى بن قطن، ووقع في حديث أبي هريرة عند أحمد نحوه لكن قال: "كأنه قطن بن عبد العزى " وزاد: "فقال يا رسول الله هل يضرني شبهه؟ قال: لا؛ أنت مؤمن وهو كافر " وهذه الزيادة ضعيفة فإن في سنده المسعودي وقد اختلط والمحفوظ أنه عبد العزى بن قطن وأنه هلك في الجاهلية كما قال الزهري، والذي قال: "هل يضرني شبهه " هو أكتم بن أبي الجون، وإنما قاله في حق عمرو بن لحي كما أخرجه أحمد والحاكم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه: "عرضت على النار فرأيت فيها عمرو بن لحي " الحديث وفيه: "وأشبه من رأيت به أكتم بن أبي الجون. فقال أكتم: يا رسول الله أيضرني شبهه؟ قال: لا؛ إنك مسلم وهو كافر " فأما الدجال فشبهه بعبد العزى بن قطن وشبه عينه الممسوحة بعين أبي يحيى الأنصاري كما تقدم والله أعلم، وفي حديث حذيفة عند مسلم: "جفال الشعر " وهو بضم الجيم وتخفيف الفاء أي كثيرة

(13/101)


27 - باب لاَ يَدْخُلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ
7132 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْ الدَّجَّالِ فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَنَّهُ قَالَ يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَهُ فَيَقُولُ الدَّجَّالُ أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ فَيَقُولُونَ لاَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ
7133 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلاَئِكَةٌ لاَ يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلاَ الدَّجَّالُ
7134 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمَدِينَةُ يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ فَيَجِدُ الْمَلاَئِكَةَ يَحْرُسُونَهَا فَلاَ يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ قَالَ وَلاَ الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
قوله: "باب لا يدخل الدجال المدينة" أي المدينة النبوية، ذكر فيه ثلاثة أحاديث: الأول قوله: "حدثنا النبي

(13/101)


صلى الله عليه وسلم يوما حديثا طويلا عن الدجال " كذا ورد من هذا الوجه مبهما وقد ورد من غير هذا الوجه عن أبي سعيد ما لعله يؤخذ منه ما لم يذكر كما في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد أنه يهودي وأنه لا يولد له وأنه لا يدخل المدينة ولا مكة أخرجه مسلم. وفي رواية عطية عن ابن أبي سعيد رفعه في صفة عين الدجال كما تقدم وفيه: "ومعه مثل الجنة والنار، وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى، كلما خرجا من قرية دخل أوائله " أخرجه أبو يعلى والبزار وهو عند أحمد بن منيع مطول وسنده ضعيف. وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد رفعه في صفة عين الدجال أيضا وفيه: "معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة الخضراء يجري فيها الماء وصورة النار سوداء تدخن". قوله: "يأتي الدجال" أي إلى ظاهر المدينة. قوله: "فينزل بعض السباخ" بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبخة بفتحتين وهي الأرض الرملة التي لا تنبت لملوحتها، وهذه الصفة خارج المدينة من غير جهة الحرة. قوله: "التي تلي المدينة" أي من قبل الشام. قوله: "فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خيار الناس" في رواية صالح عن ابن شهاب عند مسلم: "أو من خير الناس " وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد عند مسلم: "فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فيلقاه مسالح الدجال فيقولون أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول ما بربنا خفاء، فينطلقون به إلى الدجال بعد أن يريدوا قتله، فإذا رآه قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفي رواية عطية " فيدخل القرى كلها غير مكة والمدينة حرمتا عليه، والمؤمنون متفرقون في الأرض، فيجمعهم الله فيقول رجل منهم: والله لأنطلقن فلأنظرن هذا الذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيمنعه أصحابه خشية أن يفتتن به، فيأتي حتى إذا أتى أدنى مسلحة من مسالحه أخذوه فسألوه ما شأنه فيقول: أريد الدجال الكذاب " فيكتبون إليه بذلك فيقول أرسلوا به إلي، فلما رآه عرفه. قوله: "فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه" في رواية عطية " أنت الدجال الكذاب الذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وزاد: "فيقول له الدجال لتطيعني فيما آمرك به أو لأشقنك شقتين، فينادي: يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب". قوله: "فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا" في رواية عطية " ثم يقول الدجال لأوليائه " وهذا يوضح أن الذي يجيبه بذلك أتباعه، ويرد قول من قال: إن المؤمنين يقولون له ذلك تقية، أو مرادهم لا نشك أي في كفرك وبطلان قولك. قوله: "فيقتله ثم يحييه" في رواية أبي الوداك " فيأمر به الدجال فيشبح فيشبع ظهره وبطنه ضربا " فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب، فيؤمر به فيوشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول: قم، فيستوي قائما " وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم: " فيدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك " وفي رواية عطية " فيأمر به فيمد برجليه ثم يأمر بحديدة فتوضع على عجب ذنبه ثم يشقه شقتين، ثم قال الدجال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت لكم هذا، ألستم تعلمون أني ربكم؟ فيقولون: نعم، فيأخذ عصا فضرب أحد شقيه فاستوى قائما فلما رأى ذلك أولياؤه صدقوه وأحبوه وأيقنوا بذلك أنه ربهم " وعطية ضعيف. قال ابن العربي هذا اختلاف عظيم يعني في قتله بالسيف وبالميشار، قال فيجمع بأنهما رجلان يقتل كلا منهما قتلة غير قتلة الآخر، كذا قال، والأصل عدم التعدد، ورواية الميشار تفسر رواية الضرب بالسيف، فلعل السيف كان فيه فلول فصار كالميشار وأراد المبالغة في تعذيبه بالقتلة المذكورة، ويكون قوله: "فضربه بالسيف " مفسرا لقوله إنه نشره وقوله

(13/102)


"فيقطعه جزلتين " إشارة إلى آخر أمره لما ينتهي نشره. قال ابن العربي: وقد وقع في قصة الذي قتله الخضر أنه وضع يده في رأسه فاقتلعه، وفي أخرى فأضجعه بالسكين فذبحه، فلم يكن بد من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى لكون القصة واحدة. قلت: وقد تقدم في تفسير الكهف بيان التوفيق بين الروايتين أيضا بحمد الله تعالى. قال الخطابي: فإن قيل كيف يجوز أن يجري الله الآية على يد الكافر؟ فإن إحياء الموتى آية عظيمة من آيات الأنبياء فكيف ينالها الدجال وهو كذاب مفتر يدعي الربوبية؟ فالجواب أنه على سبيل الفتنة للعباد إذ كان عندهم ما يدل على أنه مبطل غير محق في دعواه وهو أنه أعور مكتوب على جبهته كافر يقرؤه كل مسلم، فدعواه داحضة مع وسم الكفر ونقص الذات والقدر، إذ لو كان إلها لأزال ذلك عن وجهه، وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة فلا يشتبهان وقال الطبري: لا يجوز أن تعطى أعلام الرسل لأهل الكذب والإفك في الحالة التي لا سبيل لمن عاين ما أتى به فيها إلا الفصل بين المحق منهم والمبطل، فأما إذا كان لمن عاين ذلك السبيل إلى علم الصادق من الكاذب فمن ظهر ذلك على يده فلا ينكر إعطاء الله ذلك للكذابين، فهذا بيان الذي أعطيه الدجال من ذلك فتنة لمن شاهده ومحنة لمن عاينه انتهى. وفي الدجال مع ذلك دلالة بينة لمن عقل على كذبه. لأنه ذو أجزاء مؤلفة، وتأثير الصنعة فيه ظاهر مع ظهور الآفة به من عور عينيه، فإذا دعا الناس إلى أنه ربهم فأسوأ حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنه لم يكن ليسوي خلق غيره ويعدله ويحسنه ولا يدفع النقص عن نفسه، فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنه خالق السماء والأرض صور نفسك وعدلها وأزل عنها العاهة، فإن زعمت أن الرب لا يحدث في نفسه شيئا فأزل ما هو مكتوب بين عينيك. وقال المهلب: ليس في اقتدار الدجال على إحياء المقتول المذكور ما يخالف ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "هو أهون على الله من ذلك " أي من أن يمكن من المعجزات تمكينا صحيحا، فإن اقتداره على قتل الرجل ثم إحيائه لم يستمر له فيه ولا في غيره ولا استضر به المقتول إلا ساعة تألمه بالقتل مع حصول ثواب ذلك له، وقد لا يكون وجد للقتل ألما لقدرة الله تعالى على دفع ذلك عنه. وقال ابن العربي: الذي يظهر على يدي الدجال من الآيات من إنزال المطر والخصب على من يصدقه والجدب على من يكذبه واتباع كنوز الأرض له وما معه من جنة ونار ومياه تجري كل ذلك محنة من الله واختبار ليهلك المرتاب وينجو المتيقن، وذلك كله أمر مخوف، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " لا فتنة أعظم من فتنة الدجال " وكان يستعيذ منها في صلاته تشريعا لأمته، وأما قوله في الحديث الآخر عند مسلم: "غير الدجال أخوف لي عليكم " فإنما قال ذلك للصحابة لأن الذي خافه عليهم أقرب إليهم من الدجال فالقريب المتيقن وقوعه لمن يخاف عليه يشتد الخوف منه على البعيد المظنون وقوعه به ولو كان أشد. قوله: "فيقول والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم" في رواية أبي الوداك " ما ازددت فيك إلا بصيرة " ثم يقول: "يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس " وفي رواية عطية " فيقول له الدجال أما تؤمن بي؟ فيقول: أنا الآن أشد بصيرة فيك مني. ثم نادى في الناس: يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب، من أطاعه فهو في النار، ومن عصاه فهو في الجنة " ونقل ابن التين عن الداودي أن الرجل إذا قال ذلك للدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، كذا قال، والمعروف أن ذلك إنما يحصل للدجال إذا رأى عيسى بن مريم. قوله: "فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه" في رواية أبي الوداك " فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلا " وفي رواية عطية " فقال له الدجال: لتطيعني أو لأذبحنك، فقال: والله لا أطيعك أبدا، فأمر به فاضجع فلا يقدر

(13/103)


عليه ولا يتسلط عليه مرة واحدة " زاد في رواية عطية " فأخذ يديه ورجليه فألقى في النار وهي غبراء ذات دخان " وفي رواية أبي الوداك " فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنه قذفه إلى النار وإنما ألقي في الجنة " زاد في رواية عطية " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الرجل أقرب أمتي مني وأرفعهم درجة " وفي رواية أبي الوداك " هذا أعظم شهادة عند رب العالمين " ووقع عند أبي يعلى وعبد بن حميد من رواية حجاج بن أرطأة عن عطية أنه " يذبح ثلاث مرات ثم يعود ليذبحه الرابعة فيضرب الله على حلقه بصفيحة نحاس فلا يستطيع ذبحه " والأول هو الصواب. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو رفعه في ذكر الدجال " يدعو برجل لا يسلطه الله إلا عليه " فذكر نحو رواية أبي الوداك وفي آخره: "فيهوى إليه بسيفه فلا يستطيعه فيقول: أخروه عني " وقد وقع في حديث عبد الله بن معتمر ثم يدعو برجل فيما يرون فيؤمر به فيقتل ثم يقطع أعضاءه كل عضو على حدة فيفرق بينها حتى يراه الناس ثم يجمعها ثم يضرب بعصاه فإذا هو قائم فيقول: أنا الله الذي أميت وأحيي، قال وذلك كله سحر سحر أعين الناس ليس يعمل من ذلك شيئا، وهو سند ضعيف جدا. وفي رواية أبي يعلى من الزيادة " قال أبو سعيد كنا نرى ذلك الرجل عمر بن الخطاب لما نعلم من قوته وجلده " ووقع في صحيح مسلم عقب رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة " قال أبو إسحاق: يقال إن هذا الرجل هو الخضر " كذا أطلق فظن القرطبي أن أبا إسحاق المذكور هو السبيعي أحد الثقات من التابعين ولم يصب في ظنه فإن السند المذكور لم يجر لأبي إسحاق فيه ذكر، وإنما أبو إسحاق الذي قال ذلك هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد راوي صحيح مسلم عنه كما جزم به عياض والنووي وغيرهما وقد ذكر ذلك القرطبي في تذكرته أيضا قبل، فكأن قوله في الموضع الثاني السبيعي سبق قلم، ولعل مستنده في ذلك ما قاله معمر في جامعه بعد ذكر هذا الحديث: "قال معمر بلغني أن الذي يقتل الدجال الخضر " وكذا أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرزاق عن معمر قال: "كانوا يرون أنه الخضر " وقال ابن العربي سمعت من يقول: إن الذي يقتله الدجال هو الخضر، وهذه دعوى لا برهان لها. قلت: وقد تمسك من قاله بما أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي عبيدة بن الجراح رفعه في ذكر الدجال " لعله أن يدركه بعض من رآني أو سمع كلامي " الحديث. ويعكر عليه قوله في رواية لمسلم تقدم التنبيه عليها " شاب ممتلئ شبابا " ويمكن أن يجاب بأن من جملة خصائص الخضر أن لا يزال شابا، ويحتاج إلى دليل. حديث نعيم عن أبي هريرة " على أنقاب المدينة ملائكة " تقدم شرحه في فضائل المدينة أواخر " كتاب الحج " وتقدم هناك من حديث أنس " ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة " وكذا وقع في حديث جابر " يسيح في الأرض أربعين يوما يرد كل بلدة غير هاتين البلدتين مكة والمدينة حرمهما الله تعالى عليه يوم من أيامه كالسنة ويوم كالشهر ويوم كالجمعة وبقية أيامه كأيامكم هذه " أخرجه الطبراني وهو عند أحمد بنحوه بسند جيد ولفظه: "تطوى له الأرض في أربعين يوما إلا ما كان من طيبة " الحديث وأصله عند مسلم من حديث النواس بن سمعان بلفظ: "قلنا يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما " فذكره وزاد: "قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كالسنة يكفينا فيه صلاة يوم، قال: لا أقدروا له قدره .قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح " وله عن عبد الله بن عمرو " يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما " الحديث، والجزم بأنها أربعون يوما مقدم على هذا الترديد، فقد أخرجه الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "يخرج - يعني

(13/104)


الدجال - فيمكث في الأرض أربعين صباحا يرد فيها كل منهل إلا الكعبة والمدينة وبيت المقدس " الحديث ووقع في حديث سمرة المشار إليه قبل " يظهر على الأرض كلها إلا الحرمين وبيت المقدس فيحصر المؤمنين فيه ثم يهلكه الله " وفي حديث جنادة بن أبي أمية " أتينا رجلا من الأنصار من الصحابة قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنذركم المسيح " الحديث وفيه: "يمكث في الأرض أربعين صباحا، يبلغ سلطانه كل منهل، لا يأتي أربعة مساجد الكعبة ومسجد الرسول ومسجد الأقصى والطور " أخرجه أحمد ورجاله ثقات.
حديث أنس، قوله: "يأتيها الدجال" أي المدينة "فيجد الملائكة يحرسونها" في حديث محجن بن الأدرع عند أحمد والحاكم في ذكر المدينة " ولا يدخلها الدجال إن شاء الله كلما أراد دخولها تلقاه بكل نقب من أنقابها ملك مصلت سيفه يمنعه عنها " وعند الحاكم من طريق أبي عبد الله القراظ سمعت سعد بن مالك وأبا هريرة يقولان " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لأهل المدينة " الحديث وفيه: "إلا أن الملائكة مشتبكة بالملائكة، على كل نقب من أنقابها ملكان يحرسانها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال " قال ابن العربي: يجمع بين هذا وبين قوله: "على كل نقب ملكان " أن سيف أحدهما مسلول والآخر بخلافه.
قوله: "فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله" قيل هذا الاستثناء محتمل للتعليق ومحتمل للتبرك وهو أولى، وقيل إنه يتعلق بالطاعون فقط وفيه نظر، وحديث محجن بن الأدرع المذكور آنفا يؤيد أنه لكل منهما.
وقال القاضي عياض: في هذه الأحاديث حجة لأهل السنة في صحة وجود الدجال وأنه شخص معين يبتلي الله به العباد ويقدره على أشياء كإحياء الميت الذي يقتله وظهور الخصب والأنهار والجنة والنار واتباع كنوز الأرض له وأمره السماء فتمطر والأرض فتنبت وكل ذلك بمشيئة الله، ثم يعجزه الله فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ثم يبطل أمره ويقتله عيسى بن مريم وقد خالف في ذلك بعض الخوارج والمعتزلة والجهمية فأنكروا وجوده وردوا الأحاديث الصحيحة، وذهب طوائف منهم كالجبائي إلى أنه صحيح الوجود لكن كل الذي معه مخاريق وخيالات لا حقيقة لها، وألجأهم إلى ذلك أنه لو كان ما معه بطريق الحقيقة لم يوثق بمعجزات الأنبياء، وهو غلط منهم لأنه لم يدع النبوة فتكون الخوارق تدل على صدقه، وإنما ادعى الإلهية وصورة حاله تكذبه لعجزه ونقصه فلا يغتر به إلا رعاع الناس إما لشدة الحاجة والفاقة وإما تقية وخوفا من أذاه وشره مع سرعة مروره في الأرض فلا يمكث حتى يتأمل الضعفاء حاله، فمن صدقه في تلك الحال لم يلزم منه بطلان معجزات الأنبياء، ولهذا يقول له الذي يحييه بعد أن يقتله " ما ازددت فيك إلا بصيرة". قلت: ولا يعكر على ذلك ما ورد في حديث أبي أمامة عند ابن ماجه أنه " يبدأ فيقول أنا نبي، ثم يثنى فيقول أنا ربكم " فإنه يحمل على أنه، إنما يظهر الخوارق بعد قوله الثاني. ووقع في حديث أبي أمامة المذكور " وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول نعم، فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه يقولان له: يا بني اتبعه فإنه ربك، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، ويمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر والأرض أن تنبت فتمطر وتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظم وأمدة خواصر وأدرة ضروعا".

(13/105)


28 - باب يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ

(13/105)


7135 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ح و حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ
7136 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُفْتَحُ الرَّدْمُ رَدْمُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَعَقَدَ وُهَيْبٌ تِسْعِينَ
قوله: "باب يأجوج ومأجوج" تقدم شيء من خبرهم في ترجمة ذي القرنين من أحاديث الأنبياء وأنهم من بني آدم ثم بني يافث بن نوح. وبه جزم وهب وغيره، وقيل إنهم من الترك قاله الضحاك، وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الديلم وعن كعب: هم من ولد آدم من غير حواء وذلك أن آدم نام فاحتلم فامتزجت نطفته بالتراب فخلق منها يأجوج ومأجوج، ورد بأن النبي لا يحتلم، وأجيب عنه بأن المنفى أن يرى في المنام أنه يجامع فيحتمل أن يكون دفق الماء فقط وهو جائز كما يجوز أن يبول، والأول المعتمد، وإلا فأين كانوا حين الطوفان ويأجوج ومأجوج بغير همز لأكثر القراء، وقرأ عاصم بالهمزة الساكنة فيهما وهي لغة بني أسد، وقرأ العجاج وولده رؤبة أأجوج بهمزة بدل الياء وهما اسمان أعجميان عند الأكثر منعا من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل بل عربيان، واختلف في اشتقاقهما فقيل من أجيج النار وهو التهابها، وقيل من الأجة بالتشديد وهي الاختلاط أو شدة الحر وقيل من الأج وهو سرعة العدو، وقيل من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، ووزنهما يفعول ومفعول وهو ظاهر قراءة عاصم وكذا الباقين إن كانت الألف مسهلة من الهمزة، فقيل فاعول من يج مج، وقيل مأجوج من ماج إذا اضطرب، ووزنه أيضا مفعول قاله أبو حاتم، قال والأصل موجوج، وجميع ما ذكر من الاشتقاق مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق وقول من جعله من ماج إذا اضطرب قوله تعالى :{وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} وذلك حين يخرجون من السد، وجاء في صفتهم ما أخرجه ابن عدي وابن أبي حاتم والطبراني في " الأوسط " وابن مردويه من حديث حذيفة رفعه قال: "يأجوج أمة ومأجوج أمة كل أمة أربعمائة ألف لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح " وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار عن محمد بن إسحاق عن الأعمش، والعطار ضعيف جدا، ومحمد بن إسحاق قال ابن عدي ليس هو صاحب المغازي بل هو العكاشي، قال والحديث موضوع. وقال ابن أبي حاتم منكر، قلت: لكن لبعضه شاهد صحيح أخرجه ابن حبان من حديث ابن مسعود رفعه: "إن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم لصلبه ألفا من الذرية " وللنسائي من رواية عمرو ابن أوس عن أبيه رفعه: "إن يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاءوا ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا " وأخرج الحاكم وابن مردويه من طريق عبد الله بن عمرو " أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم،

(13/106)


ووراءهم ثلاث أمم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا " وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عبد الله بن سلام مثله. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو قال: "الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزء سائر الناس " ومن طريق شريح بن عبيد عن كعب قال: هم ثلاثة أصناف صنف أجسادهم كالأرز بفتح الهمزة وسكون الراء ثم زاي هو شجر كبار جدا، وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى. ووقع نحو هذا في حديث حذيفة. وأخرج أيضا هو والحاكم من طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس يأجوج ومأجوج شبرا شبرا وشبرين شبرين وأطولهم ثلاثة أشبار وهم من ولد آدم ومن طريق أبي هريرة رفعه: "ولد لنوح سام وحام ويافث، فولد لسام العرب وفارس والروم، وولد لحام القبط والبربر والسودان، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالية " وفي سنده ضعف. ومن رواية سعيد بن بشير عن قتادة قال: يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة، بني ذو القرنين السد على إحدى وعشرين " وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الأتراك فبقوا دون السد " وأخرج ابن مردويه من طريق السدي قال: الترك سرية من سرايا يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فبنى السد فبقوا خارجا. ووقع في " فتاوى الشيخ محيي الدين " يأجوج ومأجوج من أولاد آدم لا من حواء عند جماهير العلماء فيكون إخواننا لأب كذا قال ولم نر هذا عن أحد من السلف إلا عن كعب الأحبار، ويرده الحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح ونوح من ذرية حواء قطعا. قوله: "وحدثنا إسماعيل" هو ابن أويس عبد الله الأصبحي، وأخوه هو أبو بكر عبد الحميد، وسليمان هو ابن بلال. ومحمد بن أبي عتيق نسب لجده وهو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكرة، وهذا السند كله مدنيون، وهو أنزل من الذي قبله بدرجتين، ويقال إنه أطول سندا في البخاري فإنه تساعى، وغفل الزركشي فقال: فيه أربع نسوة صحابيات، وليس كما قال، بل فيه ثلاثة كما قدمت إيضاحه في أوائل الفتن في " باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ويل للعرب " وذكرت هناك الاختلاف على سفيان بن عيينة في زيادة حبيبة بنت أم حبيبة في الإسناد. قوله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما فزعا" بفتح الفاء وكسر الزاي، في رواية ابن عيينة " استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من النوم محمرا وجهه يقول: "فيجمع على أنه دخل عليها بعد أن استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فزعا، وكانت حمرة وجهه من ذلك الفزع، وجمع بينهما في رواية سليمان ابن كثير عن الزهري عند أبي عوانة فقال: "فزعا محمرا وجهه". قوله: "ويل للعرب من شر قد اقترب" خص العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم، والمراد بالشر ما وقع بعده من قتل عثمان، ثم توالت الفتن حتى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة كما وقع في الحديث الآخر " يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها " وأن المخاطب بذلك العرب، قال القرطبي: ويحتمل أن يكون المراد بالشر ما أشار إليه في حديث أم سلمة " ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا أنزل من الخزائن " فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده فكثرت الأموال في أيديهم فوقع التنافس الذي جر الفتن، وكذلك التنافس على الإمرة، فإن معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم حتى أفضى ذلك أن قتله، وترتب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمر. قوله: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج" المراد بالردم السد الذي بناه ذو القرنين، وقد قدمت صفته في ترجمته من أحاديث الأنبياء. قوله: "مثل هذه وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها" أي جعلهما مثل الحلقة، وقد تقدم في رواية سفيان ابن عيينة " وعقد سفيان تسعين أو مائة " وفي رواية

(13/107)


سليمان بن كثير عن الزهري عند أبي عوانة وابن مردويه مثل هذه " وعقد تسعين " ولم يعين الذي عقد أيضا. وفي رواية مسلم عن عمرو الناقد عن ابن عيينة " وعقد سفيان عشرة " ولابن حبان من طريق شريح بن يونس عن سفيان " وحلق بيده عشرة " ولم يعين أن الذي حلق هو سفيان، وأخرجه من طريق يونس عن الزهري بدون ذكر العقد، وكذا تقدم في علامات النبوة من رواية شعيب وفي ترجمة ذي القرنين من طريق عقيل، وسيأتي في الحديث الذي بعده " وعقد وهيب تسعين " وهو عند مسلم أيضا، قال عياض وغيره: هذه الروايات متفقة إلا قوله عشرة.قلت: وكذا الشك في المائة لأن صفاتها عند أهل المعرفة بعقد الحساب مختلفة وإن اتفقت في أنها تشبه الحلقة، فعقد العشرة أن يجعل طرف السبابة اليمنى في باطن طي عقدة الإبهام العليا وعقد التسعين أن يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها ويضمها ضما محكما بحيث تنطوي عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطوقة. ونقل ابن التين عن الداودي أن صورته أن يجعل السبابة في وسط الإبهام، ورده ابن التين بما تقدم فإنه المعروف وعقد المائة مثل عقد التسعين لكن بالخنصر اليسرى، فعلى هذا فالتسعون والمائة متقاربان، ولذلك وقع فيهما الشك. وأما العشرة فمغايرة لهما. قال القاضي عياض: لعل حديث أبي هريرة متقدم فزاد الفتح بعده القدر المذكور في حديث زينب. قلت: وفيه نظر لأنه لو كان الوصف المذكور من أصل الرواية لاتجه، ولكن الاختلاف فيه من الرواة عن سفيان ابن عيينة ورواية من روى عنه تسعين أو مائة أتقن وأكثر من رواية من روى عشرة، وإذا اتحد مخرج الحديث ولا سيما في أواخر الإسناد بعد الحمل على التعدد جدا. قال ابن العربي: في الإشارة المذكورة دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم عقد الحساب حتى أشار بذلك لمن يعرفه وليس في ذلك ما يعارض قوله في الحديث الآخر " أنا أمة لا نحسب ولا نكتب " فإن هذا إنما جاء لبيان صورة معينة خاصة. قلت: والأولى أن يقال المراد بنفي الحساب ما يتعاناه أهل صناعته من الجمع والفذلكة والضرب ونحو ذلك، ومن ثم قال: "ولا نكتب " وأما عقد الحساب فإنه اصطلاح للعرب تواضعوه بينهم ليستغنوا به عن التلفظ، وكان أكثر استعمالهم له عند المساومة في البيع فيضع أحدهما يده في يد الآخر فيفهمان المراد من غير تلفظ لقصد ستر ذلك عن غيرهما ممن يحضرهما، فشبه صلى الله عليه وسلم قدر ما فتح من السد بصفة معروفة عندهم، وقد أكثر الشعراء التشبيه بهذه العقود ومن ظريف ما وقفت عليه من النظم في ذلك قول بعض الأدباء: -
رب برغوث ليلة بت منه ... وفؤادي في قبضة التسعين
أسرته يد الثلاثين حتى ... ذاق طعم الحمام في السبعين
وعقد الثلاثين أن يضم طرف الإبهام إلى طرف السبابة مثل من يمسك شيئا لطيفا كالإبرة وكذلك البرغوث. وعقد السبعين أن يجعل طرف ظفر الإبهام بين عقدتي السبابة من باطنها ويلوى طرف السبابة عليها مثل ناقد الدينار عند النقد، وقد جاء في خبر مرفوع " إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم " وهو فيما أخرجه الترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وصححاه من طريق قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة رفعه في السد " يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدا فيعيده الله كأشد ما كان، حتى إذا بلغ مدتهم وأراد الله أن يبعثهم قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله واستثنى، قال فيرجعون فيجدونه كهيئته

(13/108)


حين تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس " الحديث. قلت: أخرجه الترمذي والحاكم من رواية أبي عوانة وعبد بن حميد من رواية حماد بن سلمة وابن حبان من رواية سليمان التيمي كلهم عن قتادة ورجاله رجال الصحيح إلا أن قتادة مدلس، وقد رواه بعضهم عنه فأدخل بينهما واسطة أخرجه ابن مردويه، لكن وقع التصريح في رواية سليمان التيمي عن قتادة بأن أبا رافع حدثه وهو في صحيح ابن حبان، وأخرجه ابن ماجه من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: "حدث أبو رافع " وله طريق آخر عن أبي هريرة أخرجه عبد بن حميد من طريق عاصم عن أبي صالح عنه لكنه موقوف " قال ابن العربي: في هذا الحديث ثلاث آيات: الأولى أن الله منعهم أن يوالوا الحفر ليلا ونهارا، الثانية منعهم أن يحاولوا الرقي على السد بسلم أو آلة فلم يلهمهم ذلك ولا علمهم إياه ويحتمل أن تكون أرضهم لا خشب فيها ولا آلات تصلح لذلك. قلت: وهو مردود، فإن في خبرهم عند وهب في المبتدأ أن لهم أشجارا وزروعا وغير ذلك من الآلات فالأول أولى. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق ابن عمرو بن أوس عن جده رفعه: "أن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا وشجر يلقحون ما شاءوا " الحديث. الثالثة أنه صدهم عن أن يقولوا إن شاء الله حتى يجيء الوقت المحدود. قلت: وفيه أن فيهم أهل صناعة وأهل ولاية وسلاطة ورعية تطيع من فوقها، وأن فيهم من يعرف الله ويقر بقدرته ومشيئته، ويحتمل أن تكون تلك الكلمة تجري على لسان ذلك الوالي من غير أن يعرف معناها فيحصل المقصود ببركتها. وقد أخرج عبد بن حميد من طريق كعب الأحبار نحو حديث أبي هريرة وقال فيه: "فإذا بلغ الأمر ألقى على بعض ألسنتهم نأتي إن شاء الله غدا فنفرغ منه " وأخرج ابن مردويه من حديث حذيفة نحو حديث أبي هريرة وفيه: "فيصبحون وهو أقوى منه بالأمس حتى يسلم رجل منهم حين يريد الله أن يبلغ أمره فيقول المؤمن غدا نفتحه إن شاء الله، فيصبحون ثم يغدون عليه فيفتح " الحديث وسنده ضعيف جدا. قوله: "قالت زينب بنت جحش" هذا يخصص رواية سليمان بن كثير بلفظ: "قالوا أنهلك " ويعين أن اللافظ بهذا السؤال هي زينب بنت جحش راوية الحديث. قوله: "أنهلك" بكسر اللام في رواية يزيد بن الأصم عن ميمونة عن زينب بنت جحش في نحو هذا الحديث: "فرج الليلة من ردم يأجوج ومأجوج فرجة، قلت: يا رسول الله أيعذبنا الله وفينا الصالحون؟". وله: "وفينا الصالحون" كأنها أخذت ذلك من قوله تعالى :{وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} قوله: "قال: نعم إذا كثر الخبث" بفتح المعجمة والموحدة ثم مثلثة، فسروه بالزنا وبأولاد الزنا وبالفسوق والفجور، وهو أولى لأنه قابله بالصلاح. قال ابن العربي: فيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غير عليه لكن حيث لا يجدي ذلك ويصر الشرير على عمله السيء؛ ويفشو ذلك ويكثر حتى يعم الفساد فيهلك حينئذ القليل والكثير، ثم يحشر كل أحد على نيته. وكأنها فهمت من فتح القدر المذكور من الردم أن الأمر إن تمادى على ذلك اتسع الخرق بحيث يخرجون، وكان عندها علم أن في خروجهم على الناس إهلاكا عاما لهم وقد ورد في حالهم عند خروجهم ما أخرجه مسلم من حديث النواس ابن سمعان بعد ذكر الدجال وقتله على يد عيسى قال: "ثم يأتيه قوم قد عصمهم الله من الدجال فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر عيسى نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس

(13/109)


الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار، فيرغب عيسى نبي الله وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم النغف - بفتح النون والغين المعجمة ثم فاء - في رقابهم فيصبحون فرسى، بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مهملة مقصور كموت نفس واحدة؛ ثم يهبط عيسى نبي الله وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون تحتها، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن ومسلم، فيبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة" . قلت: والزلفة بفتح الزاي واللام وقيل بتسكينها وقيل بالقاف هي المرآة بكسر الميم، وقيل المصنع الذي يتخذ لجمع الماء، والمراد أن الماء يعم جميع الأرض فينظفها حتى تصير بحيث يرى الرائي وجهه فيها. وفي رواية لمسلم أيضا: "فيقولون لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيردها الله عليهم مخضوبة دما " وأخرج الحاكم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة نحوه في قصة يأجوج ومأجوج وسنده صحيح، وعند عبد بن حميد من حديث عبد الله بن عمرو " فلا يمرون بشيء إلا أهلكوه " ومن حديث أبي سعيد رفعه: "يفتح يأجوج ومأجوج فيعمون الأرض، وتنحاز منهم المسلمون فيظهرون على أهل الأرض؛ فيقول قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم فيهز آخر حربته إلى السماء فترجع مخضبة بالدم، فيقولون قد قتلنا أهل السماء، فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم دواب كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم فيموتون موت الجراد يركب بعضهم بعضا" . قوله: "وهيب" هو ابن خالد، وابن طاوس هو عبد الله. قوله: "يفتح الردم" كذا هنا، وتقدم في ترجمة ذي القرنين عن مسلم بن إبراهيم عن وهيب " فتح " بضم الفاء وكسر المثناة وهي رواية أحمد عن عفان عن وهيب. قوله: "مثل هذه وعقد وهيب تسعين" أخرجه أبو عوانة من طريق أحمد بن إسحاق الحضرمي عن وهيب فقال فيه: "وعقد تسعين " ولم يعين الذي عقد فأوهم أنه مرفوع، وقد تبين من رواية عفان ومن وافقه أن الذي عقد تسعين هو وهيب؛ وهو موافق لما تقدم في حديث أم حبيبة من رواية شريح بن يونس عند ابن حبان، وسبق الكلام على ذلك مفصلا، وقد جاء عن أبي هريرة مثل أول حديث أم حبيبة لكن فيه زيادة رواها الأعمش عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال الأعمش لا أراه إلا قد رفعه: "ويل للعرب من شر قد اقترب، أفلح من كف يده " قال أحمد: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا الأعمش بهذا، قال ووقفه أبو معاوية يعني عن الأعمش بهذا السند عن أبي هريرة.
"خاتمة": اشتمل " كتاب الفتن " من الأحاديث المرفوعة على مائة حديث وحديث، الموصول منها سبعة وثمانون والباقية معلقات ومتابعات، المكرر منها فيه وفيما مضى ثمانون والخالص إحدى وعشرون وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن مسعود " شر الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء " وحديث أنس " لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه " وحديث عمار وابن مسعود في قصة الجمل، وحديث أبي برزة في الإنكار على من يقاتل للدنيا، وحديث حذيفة في المنافقين، وحديثه في النفاق، وحديث أنس في المدينة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم خمسة عشر أثرا، والله أعلم.

(13/110)