Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

فتح الباري - كتاب الأحكام
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
93 - كِتَاب الأَحْكَامِ
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الأحكام" كذا للجميع، وسقط لفظ: "باب " بعده لغير أبي ذر والأحكام جمع حكم، والمراد بيان آدابه وشروطه، وكذا الحاكم ويتناول لفظ الحاكم الخليفة والقاضي، فذكر ما يتعلق بكل منهما. والحكم الشرعي عند الأصوليين خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ومادة الحكم من الإحكام وهو الإتقان للشيء ومنعه من العيب.
1 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}
7137 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي
7138 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قوله: "باب قول الله تعالى :{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} في هذا إشارة من المصنف إلى ترجيح القول الصائر إلى أن الآية نزلت في طاعة الأمراء، خلافا لمن قال نزلت في العلماء، وقد رجح ذلك أيضا الطبري، وتقدم في تفسيرها في سورة النساء بسط القول في ذلك. وقال ابن عيينة: سألت زيد بن أسلم عنها ولم يكن بالمدينة أحد يفسر القرآن بعد محمد بن كعب مثله فقال: اقرأ ما قبلها تعرف، فقرأت "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها؛ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" الآية فقال: هذه في الولاة، والنكتة في إعادة العامل في الرسول دون أولي الأمر مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة، فكأن التقدير أطيعوا الله فيما نص عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن وما ينصه عليكم من السنة. أو المعنى أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن. ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية لما قال له: أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} فقال له: أليس قد نزعت عنكم - يعني الطاعة - إذا خالفتم الحق بقوله: " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ " قال الطيبي:

(13/111)


أعاد الفعل في قوله: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة؛ ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته. ثم بين ذلك بقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} كأنه قيل فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله. وذكر فيه حديثين: قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك. ويونس هو ابن يزيد. قوله: "من أطاعني فقد أطاع الله" هذه الجملة منتزعة من قوله تعالى :{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} وَمَنْ أي لأني لا آمر إلا بما أمر الله به، فمن فعل ما آمره به فإنما أطاع من أمرني أن آمره، ويحتمل أن يكون المعنى لأن الله أمر بطاعتي فمن أطاعني فقد أطاع أمر الله له بطاعتي، وفي المعصية كذلك. والطاعة هي الإتيان بالمأمور به والانتهاء عن المنهي عنه، والعصيان بخلافه. قوله: "ومن أطاع أميري فقد أطاعني" في رواية همام والأعرج وغيرهما عند مسلم: " ومن أطاع الأمير " ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد، فإن كل من يأمر بحق وكان عادلا فهو أمير الشارع لأنه تولى بأمره وبشريعته، ويؤيده توحيد الجواب في الأمرين وهو قوله: "فقد أطاعني " أي عمل بما شرعته، وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر أنه المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث. وأما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ووقع في رواية همام أيضا: "ومن يطع الأمير فقد أطاعني " بصيغة المضارعة، وكذا " ومن يعص الأمير فقد عصاني " وهو أدخل في إرادة تعميم من خوطب ومن جاء من بعد ذلك. قال ابن التين: قيل كانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال هذا القول يحثهم على طاعة من يؤمرهم عليهم والانقياد لهم إذا بعثهم في السرايا وإذا ولاهم البلاد فلا يخرجوا عليهم لئلا تفترق الكلمة. قلت: هي عبارة الشافعي في " الأم " ذكره في سبب نزولها، وعجبت لبعض شيوخنا الشراح من الشافعية كيف قنع بنسبة هذا الكلام إلى ابن التين معبرا عنه بصيغة " قيل " وابن التين إنما أخذه من كلام الخطابي، ووقع عند أحمد وأبي يعلى والطبراني من حديث ابن عمر " قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال: ألستم تعلمون أن من أطاعني فقد أطاع الله وإن من طاعة الله طاعتي قالوا: بلى نشهد، قال فإن من طاعتي أن تطيعوا أمراءكم " وفي لفظ: "أئمتكم". وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمور وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية كما تقدم في أوائل الفتن، والحكمة في الأمر بطاعتهم المحافظة على اتفاق الكلمة لما في الافتراق من الفساد. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم" كذا وقع هنا وكذا في العتق من طريق يحيى القطان عن عبيد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر كذلك، ووقع عند الطبراني من طريق محمد بن إبراهيم بن دينار عن عبيد الله ابن عمر بهذا فقال عن ابن عمر أن أبا لبابة بن عبد المنذر أخبره فذكر حديث النهي عن قتل الجنان التي في البيوت وقال: "كلكم راع " الحديث، هكذا أورده في مسند أبي لبابة، ولكن تقدم في العتق أيضا من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذكر حديث الباب، فدل على أن قوله: "وقال: "معطوف على ابن عمر لا على أبي لبابة، وثبت أنه من مسند ابن عمر لا من مرسله. قوله: "ألا كلكم راع" كذا فيه، و " ألا " بتخفيف اللام حرف افتتاح، وسقطت من رواية نافع وسالم عن ابن عمر، والراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه. قوله: "فالإمام الذي على الناس". أي الإمام الأعظم، ووقع في رواية عبيد الله بن عمر الماضية في العتق " فالأمير " بدل الإمام " وكذا في رواية موسى بن عقبة في النكاح، ولم يقل " الذي على الناس".

(13/112)


قوله: "راع وهو مسئول عن رعيته" في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في الجمعة " الإمام راع ومسئول عن رعيته " وكذا في الجميع بحذف " وهو " وهي مقدرة، وثبتت في الاستقراض. قوله: "والرجل راع على أهل بيته" في رواية سالم " في أهل بيته". قوله: "والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده" في رواية عبيد الله بن عمر " على بيت بعلها " وفي رواية سالم " في بيت زوجها " ومثله لموسى لكن قال: "علي". قوله: "وعبد الرجل راع على مال سيده" في رواية سالم " والخادم راع في مال سيده " وفي رواية عبيد الله " والعبد " بدل الخادم، وزاد سالم في روايته: "وحسبت أنه قال: "وفي رواية الاستقراض " سمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال: والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته " قال الخطابي: اشتركوا أي الإمام والرجل ومن ذكر في التسمية أي في الوصف بالراعي ومعانيهم مختلفة، فرعاية الإمام الأعظم حياطة الشريعة بإقامة الحدود والعدل في الحكم، ورعاية الرجل أهله سياسته لأمرهم وإيصالهم حقوقهم، ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك، ورعاية الخادم حفظ ما تحت يده والقيام بما يجب عليه من خدمته. قوله: "ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" في رواية أيوب في النكاح مثله. وفي رواية سالم في الجمعة " وكلكم " وفي الاستقراض " فكلكم " ومثله في رواية نافع. قال الطيبي في هذا الحديث أن الراعي ليس مطلوبا لذاته وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه وهو تمثيل ليس في الباب ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه، فإنه أجمل أولا ثم فصل وأتى بحرف التنبيه مكررا، قال والفاء في قوله: "ألا فكلكم " جواب شرط محذوف، وختم ما يشبه الفذلكة إشارة إلى استيفاء التفصيل. وقال غيره دخل في هذا العموم المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم ولا ولد فإنه يصدق عليه أنه راع على جوارحه حتى يعمل المأمورات ويجتنب المنهيات فعلا ونطقا واعتقادا فجوارحه وقواه وحواسه رعيته، ولا يلزم من الاتصاف بكونه راعيا أن لا يكون مرعيا باعتبار آخر. وجاء في حديث أنس مثل حديث ابن عمر فزاد في آخره: "فأعدوا للمسألة جوابا، قالوا: وما جوابها؟ قال: أعمال البر " أخرجه ابن عدي والطبراني في " الأوسط " وسنده حسن، وله من حديث أبي هريرة " ما من راع إلا يسأل يوم القيامة أقام أمر الله أم أضاعه " ولابن عدي بسند صحيح عن أنس " إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ ذلك أو ضيعه " واستدل به على أن المكلف يؤاخذ بالتقصير في أمر من هو في حكمه، وترجم له في النكاح " باب قوا أنفسكم وأهليكم نارا " وعلى أن للعبد أن يتصرف في مال سيده بإذنه وكذا المرأة والولد، وترجم لكراهة التطاول على الرقيق وتقدم توجيهه هناك وفي هذا الحديث بيان كذب الخبر الذي افتراه بعض المتعصبين لبني أمية قرأت في " كتاب القضاء " لأبي علي الكرابيسي أنبأنا الشافعي عن عمه هو محمد بن علي قال دخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فسأله عن حديث: "إن الله إذا استرعى عبدا الخلافة كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات " فقال له: هذا كذب، ثم تلا: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض - إلى قوله :{- بما نسوا يوم الحساب} فقال الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا.

(13/113)


2 - باب الأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ
7139 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ

(13/113)


"بَلَغَ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ عِنْدَهُ فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ فَغَضِبَ فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلاَ تُوثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلاَّ كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ" تَابَعَهُ نُعَيْمٌ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ
7140 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اثْنَانِ
قوله: "باب" بالتنوين "الأمراء من قريش" كذا للأكثر. وفي رواية نقلها عياض عن ابن أبي صفرة " الأمر بسكون الميم - أمر قريش " قال وهو تصحيف. قلت: ووقع في نسخة لأبي ذر عن الكشميهني مثل ما نقل عن ابن أبي صفرة والأول هو المعروف، ولفظ الترجمة لفظ حديث أخرجه يعقوب بن سفيان وأبو يعلى والطبراني من طريق سكين بن عبد العزيز حدثنا سيار بن سلامة أبو المنهال قال: "دخلت مع أبي على أبي برزة الأسلمي " فذكر الحديث الذي أوله " إني أصبحت ساخطا على أحياء قريش " وفيه: "أن ذاك الذي بالشام إن يقاتل إلا على الدنيا " وفي آخره: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الأمراء من قريش " الحديث، وقد تقدم التنبيه عليه في الفتن في " باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه " وفي لفظ للطبراني " الأئمة " بدل " الأمراء " وله شاهد من حديث على رفعه: "ألا إن الأمراء من قريش ما أقاموا ثلاثا " الحديث أخرجه الطبراني وأخرجه الطيالسي والبزار والمصنف في التاريخ من طريق سعد بن إبراهيم عن أنس بلفظ: "الأئمة من قريش ما إذا حكموا فعدلوا " الحديث، وأخرجه النسائي والبخاري أيضا في التاريخ وأبو يعلى من طريق بكير الجزري عن أنس؛ وله طرق متعددة عن أنس منها للطبراني من رواية قتادة عن أنس بلفظ: "إن الملك من قريش " الحديث. وأخرج أحمد هذا اللفظ مقتصرا عليه من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي بكر الصديق بلفظ: "الأئمة من قريش " ورجاله رجال الصحيح، لكن في سنده انقطاع، وأخرجه الطبراني والحاكم من حديث علي بهذا اللفظ الأخير ولما لم يكن شيء منها على شرط المصنف في الصحيح اقتصر على الترجمة، وأورد الذي صح على شرطه مما يؤدي معناه في الجملة. وذكر فيه حديثين؛ قوله: "كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث" قال صالح جزرة الحافظ: لم يقل أحد في روايته عن الزهري عن محمد بن جبير، إلا ما وقع في رواية نعيم بن حماد عن عبد الله بن المبارك " يعني التي ذكرها البخاري عقب هذا " قال صالح: ولا أصل له من حديث ابن المبارك، وكانت عادة الزهري إذا لم يسمع الحديث يقول: كان فلان يحدث وتعقبه البيهقي بما أخرجه من طريق يعقوب بن سفيان عن حجاج بن أبي منيع الرصافي عن جده عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، وأخرجه الحسن بن رشيق في فوائده من طريق عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل عن الزهري عن محمد بن جبير. قوله: "أنه بلغ معاوية" لم أقف على اسم الذي بلغه ذلك. قوله: "وهم عنده" أي محمد بن جبير ومن كان وفد معه على معاوية بالشام حينئذ، وكأن ذلك كان لما بويع بالخلافة عندما سلم له

(13/114)


الحسن بن علي، فأرسل أهل المدينة جماعة منهم إليه ليبايعوه. قوله: "في وفد من قريش" لم أقف على أسمائهم؛ قال ابن التين: وفد فلان على الأمير أي ورد رسولا، والوفد بالسكون جمع وافد كصحب وصاحب. قلت: ورويناه في " فوائد أبي يعلى الموصلي " قال: حدثنا يحيى بن معين حدثنا أبو اليمان عن شعيب فقال فيه عن محمد بن جبير أيضا، وكذا هو في مسند الشاميين للطبراني من رواية بشر بن شعيب عن أبيه. قوله: "أن عبد الله بن عمرو" أي ابن العاص. قوله: "أنه يكون ملك من قحطان" لم أقف على لفظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في ذلك وهل هو مرفوع أو موقوف، وقد مضى في الفتن قريبا من حديث أبي هريرة مرفوعا: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه " أورده في باب " تغيير الزمان حتى تعبد الأوثان " وفي ذلك إشارة إلى أن ملك القحطاني يقع في آخر الزمان عند قبض أهل الإيمان ورجوع كثير ممن يبقى بعدهم إلى عباده الأوثان وهم المعبر عنهم بشرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة كما تقدم تقريره هناك، وذكرت له هناك شاهدا من حديث ابن عمر، فإن كان حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا موافقا لحديث أبي هريرة فلا معنى لإنكاره أصلا، وإن كان لم يرفعه وكان فيه قدر زائد يشعر بأن خروج القحطاني يكون في أوائل الإسلام فمعاوية معذور في إنكار ذلك عليه، وقد ذكرت نبذة من أخبار القحطاني في شرح حديث أبي هريرة في الفتن. وقال ابن بطال: سبب إنكار معاوية أنه حمل حديث عبد الله بن عمرو على ظاهره، وقد يكون معناه أن قحطانيا يخرج في ناحية من النواحي فلا يعارض حديث معاوية، والمراد بالأمر في حديث معاوية الخلافة كذا قال، ونقل عن المهلب أنه يجوز أن يكون ملك يغلب على الناس من غير أن يكون خليفة، وإنما أنكر معاوية خشية أن يظن أحد أن الخلافة تجوز في غير قريش، فلما خطب بذلك دل على أن الحكم عندهم كذلك إذ لم ينقل أن أحدا منهم أنكر عليه. قلت: ولا يلزم من عدم إنكارهم صحة إنكار معاوية ما ذكره عبد الله بن عمرو، فقد قال ابن التين الذي أنكره معاوية في حديثه ما يقويه لقوله: "ما أقاموا الدين " فربما كان فيهم من لا يقيمه فيتسلط القحطاني عليه وهو كلام مستقيم. قوله: "فإنه بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر" أي تنقل "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" في هذا الكلام أن معاوية كان يراعي خاطر عمرو بن العاص، فما آثر أن ينص على تسمية ولده بل نسب ذلك إلى رجال بطريق الإبهام، ومراده بذلك عبد الله بن عمرو ومن وقع منه التحديث بما يضاهي ذلك، وقوله: "ليست في كتاب الله " أي القرآن، وهو كذلك فليس فيه تنصيص على أن شخصا بعينه أو بوصفه يتولى الملك في هذه الأمة المحمدية، وقوله: "لا يؤثر " فيه تقوية، لأن عبد الله ابن عمرو لم يرفع الحديث المذكور إذ لو رفعه لم يتم نفي معاوية أن ذلك لا يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل أبا هريرة لم يحدث بالحديث المذكور حينئذ فإنه كان يتوقى مثل ذلك كثيرا، وإنما يقع منه التحديث به في حالة دون حالة وحيث يأمن الإنكار عليه ويحتمل أن يكون مراد معاوية غير عبد الله بن عمرو فلا يكون ذلك نصا على أن عبد الله بن عمرو لم يرفعه. قوله: "وأولئك جهالكم" أي الذين يتحدثون بأمور من أمور الغيب لا يستندون فيها إلى الكتاب ولا السنة. قوله: "فإياكم والأماني" بالتشديد ويجوز التخفيف. قوله: "التي تضل أهلها" بضم أول " تضل " من الرباعي و " أهلها " بالنصب على المفعولية وروى بفتح أول تضل ورفع أهلها " والأماني " جمع أمنية راجع إلى التمني، وسيأتي تفسيره في آخر " كتاب الأحكام " ومناسبة ذكر ذلك تحذير من يسمع من القحطانيين من التمسك بالخبر المذكور فتحدثه نفسه أن يكون هو القحطاني، وقد تكون له

(13/115)


قوة وعشيرة فيطمع في الملك ويستند إلى هذا الحديث فيضل لمخالفته الحكم الشرعي في أن الأئمة من قريش. قوله: "فإني سمعت" لما أنكر وحذر أراد أن يبين مستنده في ذلك. قوله: "إن هذا الأمر في قريش" قد ذكرت شواهد هذا المتن في الباب الذي قبله. قوله: "لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه" أي لا ينازعهم أحد في الأمر إلا كان مقهورا في الدنيا معذبا في الآخرة. قوله: "ما أقاموا الدين" أي مدة إقامتهم أمور الدين، قيل يحتمل أن يكون مفهومه فإذا لم يقيموه لا يسمع لهم، وقيل يحتمل أن لا يقام عليهم وإن كان لا يجوز إبقاؤهم على ذلك ذكرهما ابن التين، ثم قال: "وقد أجمعوا أنه أي الخليفة إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنه يقام عليه واختلفوا إذا غصب الأموال وسفك الدماء وانتهك هل يقام عليه أو لا " انتهى. وما ادعاه من الإجماع على القيام فيما إذا دعا الخليفة إلى البدعة مردود، إلا أن حمل على بدعة تؤدي إلى صريح الكفر، وإلا فقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك، ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة فأبطل المحنة وأمر بإظهار السنة؟ وما نقله من الاحتمال في قوله: "ما أقاموا الدين " خلاف ما تدل عليه الأخبار الواردة في ذلك الدالة على العمل بمفهومه أو أنهم إذا لم يقيموا الدين يخرج الأمر عنهم. وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق نظير ما وقع في حديث معاوية ذكره محمد بن إسحاق في " الكتاب الكبير " فذكر قصة سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر وفيها " فقال أبو بكر: وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره " وقد جاءت الأحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء: الأول وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به كما في الأحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال: "الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثا: ما حكموا فعدلوا " الحديث وفيه: "فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله " وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم. الثاني وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذيتهم، فعند أحمد وأبي يعلى من حديث ابن مسعود رفعه: "يا معشر قريش إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب " ورجاله ثقات، إلا أنه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عم أبيه عبد الله بن مسعود ولم يدركه، هذه رواية صالح بن كيسان عن عبيد الله، وخالفه حبيب بن أبي ثابت فرواه عن القاسم بن محمد بن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي مسعود الأنصاري ولفظه: "لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته " الحديث أخرجه أحمد وفي سماع عبيد الله من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة وفاته وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء ولفظه: "قال لقريش: أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم على الحق، إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة " وليس في هذا أيضا تصريح بخروج الأمر عنه وإن كان فيه إشعار به. الثالث الإذن في القيام عليهم وقتالهم والإيذان بخروج الأمر عنهم كما أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه: "استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء " ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعا لأن راويه سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان.
وله شاهد في الطبراني من حديث النعمان بن بشير بمعناه.
وأخرج أحمد من حديث ذي مخبر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة بعدهما راء وهو ابن أخي النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم وصيره في قريش وسيعود إليهم " وسنده جيد وهو شاهد قوي

(13/116)


لحديث القحطاني، فإن حمير يرجع نسبها إلى قحطان، وبه يقوى أن مفهوم حديث معاوية ما أقاموا الدين أنهم إذا لم يقيموا الدين خرج الأمر عنهم، ويؤخذ من بقية الأحاديث أن خروجه عنهم إنما يقع بعد إيقاع ما هددوا به من اللعن أولا وهو الموجب للخذلان وفساد التدبير، وقد وقع ذلك في صدر الدولة العباسية، ثم التهديد بتسليط من يؤذيهم عليهم، ووجد ذلك في غلبة مواليهم بحيث صاروا معهم كالصبي المحجور عليه يقتنع بلذاته ويباشر الأمور غيره، ثم اشتد الخطب فغلب عليهم الديلم فضايقوهم في كل شيء حتى لم يبق للخليفة إلا الخطبة، واقتسم المتغلبون الممالك في جميع الأقاليم، ثم طرأ عليهم طائفة بعد طائفة حتى انتزع الأمر منهم في جميع الأقطار ولم يبق للخليفة إلا مجرد الاسم في بعض الأمصار. قوله: "تابعه نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن محمد بن جبير" يعني عن معاوية به، وقد رويناه موصولا في معجم الطبراني الكبير والأوسط قال حدثنا بكر بن سهل حدثنا نعيم بن حماد فذكره مثل رواية شعيب، إلا أنه قال بعد قوله فغضب " فقال سمعت " ولم يذكر ما قبل قوله سمعت. وقال في روايته: "كب على وجهه " بضم الكاف مبنيا لما لم يسم فاعله، قال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن معمر إلا ابن المبارك تفرد به نعيم وكذا أخرجه الذهلي في " الزهريات " عن نعيم وقال: "كبه الله". قوله: "عاصم بن محمد" أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر. قوله: "قال ابن عمر" هو جد الراوي عنه. قوله: "لا يزال هذا الأمر في قريش" أي الخلافة، يعني لا يزال الذي يليها قرشيا. قوله: "ما بقي منهم اثنان" قال ابن هبيرة: يحتمل أن يكون على ظاهره وأنهم لا يبقى منهم في آخر الزمان إلا اثنان أمير ومؤمر عليه والناس لهم تبع. قلت: في رواية مسلم عن شيخ البخاري في هذا الحديث: "ما بقي من الناس اثنان " وفي رواية الإسماعيلي: "ما بقي في الناس اثنان وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى " وليس المراد حقيقة العدد، وإنما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش ويحتمل أن يحمل المطلق على المقيد في الحديث الأول ويكون التقدير لا يزال هذا الأمر، أي لا يسمى بالخليفة إلا من يكون من قريش إلا أن يسمى به أحد من غيرهم غلبة وقهرا وإما أن يكون المراد بلفظ الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر ويحتمل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض، فإن بالبلاد اليمنية وهي النجود منها طائفة من ذرية الحسن بن علي لم تزل مملكة تلك البلاد معهم من أواخر المائة الثالثة، وأما من بالحجاز من ذرية الحسن بن علي وهم أمراء مكة وأمراء ينبع ومن ذرية الحسين بن علي وهم أمراء المدينة فإنهم وإن كانوا من صميم قريش لكنهم تحت حكم غيرهم من ملوك الديار المصرية، فبقى الأمر في قريش بقطر من الأقطار في الجملة، وكبير أولئك أي أهل اليمن يقال له الإمام، ولا يتولى الإمامة فيهم إلا من يكون عالما متحريا للعدل. وقال الكرماني: لم يخل الزمان عن وجود خليفة من قريش إذ في المغرب خليفة منهم على ما قيل وكذا في مصر. قلت: الذي في مصر لا شك في كونه قرشيا لأنه من ذرية العباس، والذي في صعدة وغيرها من اليمن لا شك في كونه قرشيا لأنه من ذرية الحسين ابن علي، وأما الذي في المغرب فهو حفصي من ذرية أبي حفص صاحب ابن تومرت وقد انتسبوا إلى عمر بن الخطاب وهو قرشي. ولحديث ابن عمر شاهد من حديث ابن عباس أخرجه البزار بلفظ: "لا يزال هذا الدين واصبا ما بقي من قريش عشرون رجلا " وقال النووي: حكم حديث ابن عمر مستمر إلى يوم القيامة ما بقي من الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله صلى الله عليه وسلم فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك، ومن تغلب على الملك بطريق الشركة لا ينكر أن الخلافة في قريش وإنما يدعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم انتهى. وقد

(13/117)


أورد عليه أن الخوارج في زمن بني أمية تسموا بالخلافة واحدا بعد واحد ولم يكونوا من قريش، وكذلك ادعى الخلافة بنو عبيد وخطب لهم بمصر والشام والحجاز ولبعضهم بالعراق أيضا وأزيل الخلافة ببغداد قدر سنة، وكانت مدة بني عبيد بمصر سوى ما تقدم لهم بالمغرب تزيد على مائتي سنة، وادعى الخلافة عبد المؤمن صاحب ابن تومرت وليس بقرشي وكذلك كل من جاء بعده بالمغرب إلى اليوم، والجواب عنه أما عن بني عبيد فإنهم كانوا يقولون إنهم من ذرية الحسين بن علي ولم يبايعوه إلا على هذا الوصف، والذين أثبتوا نسبتهم ليسوا بدون من نفاه، وأما سائر من ذكر ومن لم يذكر فهم من المتغلبين وحكمهم حكم البغاة فلا عبرة بهم وقال القرطبي: هذا الحديث خبر عن المشروعية أي لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشي مهما وجد منهم أحد، وكأنه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر، وقد ورد الأمر بذلك في حديث جبير بن مطم رفعه: "قدموا قريشا ولا تقدموها " أخرجه البيهقي، وعند الطبراني من حديث عبد الله بن حنطب ومن حديث عبد الله بن السائب مثله، وفي نسخة أبي اليمان عن شعيب عن أبي هريرة عن أبي، بكر بن سليمان بن أبي حثمة مرسلا أنه بلغه مثله، وأخرجه الشافعي من وجه آخر عن ابن شهاب أنه بلغه مثله، وفي الباب حديث أبي هريرة رفعه: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن " أخرجاه في الصحيحين من رواية المغيرة بن عبد الرحمن، ومسلم أيضا من رواية سفيان بن عيينة كلاهما عن الأعرج عن أبي هريرة، وتقدم في مناقب قريش، وأخرجه مسلم أيضا من رواية همام عن أبي هريرة ولأحمد من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة مثله لكن قال: "في هذا الأمر " وشاهده عند مسلم عن جابر كالأول، وعند الطبراني من حديث سهل بن سعد، وعند أحمد وابن أبي شيبة من حديث معاوية، وعند البزار من حديث علي. وأخرج أحمد من طريق عبد الله بن أبي الهزيل قال: "لما قدم معاوية الكوفة قال رجل من بكر بن وائل: لئن لم تنته قريش لنجعلن هذا الأمر في جمهور من جماهير العرب غيرهم، فقال عمرو بن العاص: كذبت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قريش قادة الناس " قال ابن المنير: وجه الدلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قريش بالذكر فإنه يكون مفهوم لقب ولا حجة فيه عند المحققين، وإنما الحجة وقوع المبتدأ معرفا باللام الجنسية لأن المبتدأ بالحقيقة هاهنا هو الأمر الواقع صفة لهذا وهذا لا يوصف إلا بالجنس، فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريش، فيصير كأنه قال: لا أمر إلا في قريش، وهو كقوله: "الشفعة فيما لم يقسم " والحديث وإن كان بلفظ الخبر فهو بمعنى الأمر كأنه قال ائتموا بقريش خاصة، وبقية طرق الحديث تؤيد ذلك، ويؤخذ منه أن الصحابة اتفقوا على إفادة المفهوم للحصر خلافا لمن أنكر ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيا، وقيد ذلك طوائف ببعض قريش فقالت طائفة لا يجوز إلا من ولد علي وهذا قول الشيعة ثم اختلفوا اختلافا شديدا في تعيين بعض ذرية علي. وقالت طائفة يختص بولد العباس وهو قول أبي مسلم الخراساني وأتباعه. ونقل ابن حزم أن طائفة قالت: لا يجوز إلا في ولد جعفر بن أبي طالب وقالت أخرى في ولد عبد المطلب، وعن بعضهم لا يجوز إلا في بني أمية، وعن بعضهم لا يجوز إلا في ولد عمر، قال ابن حزم ولا حجة لأحد من هؤلاء الفرق. وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة: يجوز أن يكون الإمام غير قرشي، وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسنة سواء كان عربيا أم عجميا، وبالغ ضرار ابن عمرو فقال: تولية غير القرشي أولى لأنه يكون أقل عشيرة فإذا عصى كان أمكن لخلعه. وقال أبو بكر ابن الطيب: لم يعرج المسلمون على

(13/118)


هذا القول بعد ثبوت حديث: "الأئمة من قريش " وعمل المسلمون به قرنا بعد قرن وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الاختلاف. قلت: قد عمل بقول ضرار من قبل أن يوجد من قام بالخلافة من الخوارج على بني أمية كقطري بفتح القاف والطاء المهملة ودامت فتنتهم حتى أبادهم المهلب بن أبي صفرة أكثر من عشرين سنة، وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج ممن قام على الحجاج كابن الأشعث، ثم تسمى بالخلافة من قام في قطر من الأقطار في وقت ما فتسمى بالخلافة وليس من قريش كبني عباد وغيرهم بالأندلس كعبد المؤمن وذريته ببلاد المغرب كلها، وهؤلاء ضاهوا الخوارج في هذا ولم يقولوا بأقوالهم ولا تمذهبوا بآرائهم بل كانوا من أهل السنة داعين إليها. وقال عياض: اشتراط كون الإمام قرشيا مذهب العلماء كافة وقد عدوها في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار، قال: ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة لما فيه من مخالفة المسلمين. قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: "إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته " فذكر الحديث وفيه: "فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل " الحديث ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش، فيحتمل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيا أو تغير اجتهاد عمر في ذلك والله أعلم، وأما ما احتج به من لم يعين الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء، بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته والله أعلم واستدل بحديث ابن عمر على عدم وقوع ما فرضه الفقهاء من الشافعية وغيرهم أنه إذا لم يوجد قرشي يستخلف كناني فإن لم يوجد فمن بني إسماعيل فإن لم يوجد منهم أحد مستجمع الشرائط فعجمي وفي وجه جرهمي وإلا فمن ولد إسحاق، قالوا: وإنما فرض الفقهاء ذلك على عادتهم في ذكر ما يمكن أن يقع عقلا وإن كان لا يقع عادة أو شرعا. قلت والذي حمل قائل هذا القول عليه أنه فهم منه الخبر المحض وخبر الصادق لا يتخلف، وأما من حمله على الأمر فلا يحتاج إلى هذا التأويل، واستدل بقوله: "قدموا قريشا ولا تقدموها " وبغيره من أحاديث الباب على رجحان مذهب الشافعي لورود الأمر بتقديم القرشي على من ليس قرشيا. قال عياض: ولا حجة فيها لأن المراد بالأئمة في هذه الأحاديث الخلفاء، وإلا فقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم سالما مولى أبي حذيفة في إمامة الصلاة ووراءه جماعة من قريش، وقدم زيد بن حارثة وابنه أسامة ابن زيد ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص في التأمير في كثير من البعوث والسرايا ومعهم جماعة من قريش. وتعقبه النووي وغيره بأن في الأحاديث ما يدل على أن للقرشي مزية على غيره، فيصح الاستدلال به لترجيح الشافعي على غيره، وليس مراد المستدل به أن الفضل لا يكون إلا للقرشي بل المراد أن كونه قرشيا من أسباب الفضل والتقدم كما أن من أسباب الفضل والتقدم الورع والفقه والقراءة والسن وغيرها، فالمستويان في جميع الخصال إذا اختص أحدهما بخصلة منها دون صاحبه ترجح عليه فيصح الاستدلال على تقديم الشافعي على من ساواه في العلم والدين من غير قريش لأن الشافعي قرشي، وعجب قول القرطبي في " المفهم " بعد أن ذكر ما ذكره عياض: أن المستدل بهذه الأحاديث على ترجيح الشافعي صحبته غفلة قارنها من صميم التقليد طيشه، كذا قال ولعل الذي أصابته الغفلة من لم يفهم مراد المستدل والعلم عند الله تعالى.

(13/119)


3 - باب أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}
7141 - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ "عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ, وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا"
قوله: "باب أجر من قضى بالحكمة" سقط لفظ: "أجر " من رواية أبي زيد المروزي، وعلى تقدير ثبوتها فليس في الباب ما يدل عليه فيمكن أن يؤخذ من لازم الإذن في تغبيط من قضى بالحكمة، فإنه يقتضي ثبوت الفضل فيه، وما ثبت فيه الفضل ترتب عليه الأجر والعلم عند الله. قوله: "لقوله تعالى :{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وجه الاستدلال بالآية لما ترجم به أن منطوق الحديث دل على أن من قضى بالحكمة كان محمودا حتى أنه لا حرج على من تمنى أن يكون له مثل الذي له من ذلك ليحصل له مثل ما يحصل له من الأجر وحسن الذكر، ومفهومه يدل على أن من لم يفعل ذلك فهو على العكس من فاعله، وقد صرحت الآية بأنه فاسق، واستدلال المصنف بها يدل على أنه يرجح قول من قال إنها عامة في أهل الكتاب وفي المسلمين، وحكى ابن التين عن الداودي أن البخاري اقتصر على هذه الآية دون ما قبلها عملا بقول من قال إن الآيتين قبلها نزلتا في اليهود والنصارى، وتعقبه ابن التين بأنه لا قائل بذلك، قال: ونسق الآية لا يقتضي ما قال، قلت: وما نفاه ثابت عن بعض التابعين في تفسير الطبري وغيره؛ ويظهر أن يقال إن الآيات وإن كان سببها أهل الكتاب لكن عمومها يتناول غيرهم، لكن لما تقرر من قواعد الشريعة أن مرتكب المعصية لا يسمى كافرا ولا يسمى أيضا ظالما لأن الظلم قد فسر بالشرك، بقيت الصفة الثالثة، فمن ثم اقتصر عليها. وقال إسماعيل القاضي في " أحكام القرآن " بعد أن حكى الخلاف في ذلك: ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا واخترع حكما يخالف به حكم الله وجعله دينا يعمل به فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور حاكما كان أو غيره. وقال ابن بطال: مفهوم الآية أن من حكم بما أنزل الله استحق جزيل الأجر، ودل الحديث على جواز منافسته فاقتضى أن ذلك من أشرف الأعمال وأجل ما يتقرب به إلى الله، ويؤيده حديث عبد الله بن أبي أوفي رفعه: "الله مع القاضي ما لم يجر " الحديث أخرجه ابن المنذر. قلت: وأخرجه أيضا ابن ماجه والترمذي واستغربه، وصححه ابن حبان والحاكم. قوله: "حدثنا شهاب بن عباد" هو ابن عمر العبدي، وإبراهيم بن حميد هو الرؤاسي بضم الراء وتخفيف الهمزة ثم مهملة، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم، وعبد الله هو ابن مسعود، والسند كله كوفيون. قوله: "لا حسد إلا في اثنتين" رجل بالجر ويجوز الرفع على الاستئناف والنصب بإضمار أعني. قوله: "على هلكته" بفتحات أي على إهلاكه أي إنفاقه "في الحق" قوله: "وآخر آتاه الله حكمة" في رواية ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد الماضية في كتاب العلم " ورجل آتاه الله الحكمة " وقد مضى شرحه مستوفى هناك وأن المراد بالحكمة القرآن في حديث ابن عمر، أو أعم من ذلك، وضابطها ما منع الجهل وزجر عن القبح. قال ابن المنير: المراد بالحسد هنا الغبطة، وليس المراد بالنفي

(13/120)


حقيقته وإلا لزم الخلف، لأن الناس حسدوا في غير هاتين الخصلتين وغبطوا من فيه سواهما فليس هو خبرا، وإنما المراد به الحكم ومعناه حصر المرتبة العليا من الغبطة في هاتين الخصلتين فكأنه قال هما آكد القربات التي يغبط بها، وليس المراد نفي أصل الغبطة مما سواهما فيكون من مجاز التخصيص، أي لا غبطة كاملة التأكيد لتأكيد أجر متعلقها إلا الغبطة بهاتين الخصلتين. وقال الكرماني: الخصلتان المذكورتان هنا غبطة لا حسد؛ لكن قد يطلق أحدهما على الآخر، أو المعنى لا حسد إلا فيهما، وما فيهما ليس بحسد فلا حسد فهو كما قيل في قوله تعالى :{لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} وفي الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه وقوي على أعمال الحق ووجد له أعوانا لما فيه من الأمر بالمعروف ونصر المظلوم وأداء الحق لمستحقه وكف يد الظالم والإصلاح بين الناس وكل ذلك من القربات، ولذلك تولاه الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين، ومن ثم اتفقوا على أنه من فروض الكفاية، لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فقد أخرج البيهقي بسند قوي: أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولى عمر القضاء، وبسند آخر قوي أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء، وكتب عمر إلى عماله: استعملوا صالحيكم على القضاء وأكفوهم. وبسند آخر لين أن معاوية سأل أبا الدرداء وكان يقضي بدمشق، من لهذا الأمر بعدك، قال فضالة بن عبيد: وهؤلاء من أكابر الصحابة وفضلائهم. وإنما فر منه من فر خشية العجز عنه وعند عدم المعين عليه. وقد يتعارض أمر حيث يقع تولية من يشتد به الفساد إذا ا امتنع المصلح والله المستعان. وهذا حيث يكون هناك غيره، ومن ثم كان السلف يمتنعون منه ويفرون إذا طلبوا له. واختلفوا هل يستحب لمن استجمع شرائطه وقوى عليه أو لا؟ والثاني قول الأكثر لما فيه من الخطر والغرر، ولما ورد فيه من التشديد. وقال بعضهم: إن كان من أهل العلم وكان خاملا بحيث لا يحمل عنه العلم أو كان محتاجا وللقاضي رزق من جهة ليست بحرام استحب له ليرجع إليه في الحكم بالحق وينتفع بعلمه، وإن كان مشهورا فالأولى له الإقبال على العلم والفتوى، وأما إن لم يكن في البلد من يقوم مقامه فإنه يتعين عليه لكونه من فروض الكفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه. وعن أحمد: لا يأثم لأنه لا يجب عليه إذا أضر به نفع غيره ولا سيما من لا يمكنه عمل الحق لانتشار الظلم.

(13/121)


4 - باب السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْإِمَامِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً
7142 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ
7143 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ الْجَعْدِ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَكَرِهَهُ فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً
7144 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ

(13/121)


سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ
7145 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا نَارًا فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَارًا مِنْ النَّارِ أَفَنَدْخُلُهَا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتْ النَّارُ وَسَكَنَ غَضَبُهُ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ
قوله: "باب السمع والطاعة لإمام ما لم تكن معصية" إنما قيده بالإمام وإن كان في أحاديث الباب الأمر بالطاعة لكل أمير ولو لم يكن إماما لأن محل الأمر بطاعة الأمير أن يكون مؤمرا من قبل الإمام. وذكر فيه الأربعة أحاديث: الأول قوله: "عن أبي التياح" بمثناه مفتوحة وتحتانية مشددة وآخره مهملة وهو يزيد بن حميد الضبعي، وتقدم في الصلاة من وجه آخر التصريح بقول شعبة " حدثني أبو التياح". قوله: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل" بضم المثناة على البناء للمجهول أي جعل عاملا بأن أمر إمارة عامة على البلد مثلا أو ولى فيها ولاية خاصة كالإمامة في الصلاة أو جباية الخراج أو مباشرة الحرب، فقد كان في زمن الخلفاء الراشدين من يجتمع له الأمور الثلاثة ومن يختص ببعضها. قوله: "حبشي" بفتح المهملة والموحدة بعدها معجمة منسوب إلى الحبشة، ومضى في الصلاة في " باب إمامة العبد " عن محمد بن بشار عن يحيى القطان بلفظ: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل حبشي " وفيه بعد باب من رواية غندر عن شعبة بلفظ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأبي ذر " اسمع وأطع ولو لحبشي " وقد أخرج مسلم من طريق غندر عن شعبة بإسناد آخر إلى أبي ذر أنه انتهى إلى الربذة فإذا عبد يؤمهم فذهب يتأخر لأجل أبي ذر فقال أبو ذر " أوصاني خليلي " فذكر نحوه. وظهرت بهذه الرواية الحكمة في تخصيص أبي ذر بالأمر في هذه الرواية، وقد جاء في حديث آخر الأمر بذلك عموما؛ ولمسلم أيضا من حديث أم الحصين " اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله". قوله: "كان رأسه زبيبة" واحدة الزبيب المأكول المعروف الكائن من العنب إذا جف، وإنما شبه رأس الحبشي بالزبيبة لتجمعها ولكون شعره أسود، وهو تمثيل في الحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتداد بها، وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في " كتاب الصلاة " ونقل ابن بطال عن المهلب قال: قوله: "اسمعوا وأطيعوا " لا يوجب أن يكون المستعمل للعبد إلا إمام قرشي، لما تقدم أن الإمامة لا تكون إلا في قريش، وأجمعت الأمة على أنها لا تكون في العبيد. قلت: ويحتمل أن يسمى عبدا باعتبار ما كان قبل العتق، وهذا كله إنما هو فيما يكون بطريق الاختيار، وأما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة فإن طاعته تجب إخمادا للفتنة ما لم يأمر بمعصية كما تقدم تقريره، وقيل المراد أن الإمام الأعظم إذا استعمل العبد الحبشي على إمارة بلد مثلا وجبت طاعته، وليس فيه أن العبد الحبشي يكون هو الإمام الأعظم. وقال الخطابي: قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود، يعني وهذا من ذاك أطلق العبد الحبشي مبالغة في الأمر بالطاعة وإن كان لا يتصور شرعا أن

(13/122)


يلي ذلك. قوله: "حماد" هو ابن زيد، والجعد هو أبو عثمان، وأبو رجاء هو العطاردي، وتقدم الكلام على هذا السند في أوائل الفتن. قوله: "يرويه" هو في معنى قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم كذلك في أوائل الفتن من طريق عبد الوارث عن الجعد وتقدمت مباحثه هناك. قوله: "عن عبيد الله" هو ابن عمر العمري، وعبد الله صحابيه هو ابن عمر. قوله: "فيما أحب وكره" في رواية أبي ذر " فيما أحب أو كره". قوله: "ما لم يؤمر بمعصية" هذا يقيد ما أطلق في الحديثين الماضيين من الأمر بالسمع والطاعة ولو لحبشي، ومن الصبر على ما يقع من الأمير مما يكره، والوعيد على مفارقة الجماعة. قوله: "فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" أي لا يجب ذلك بل يحرم على من كان قادرا على الامتناع، وفي حديث معاذ عند أحمد " لا طاعة لمن لم يطع الله " وعنده وعند البزار في حديث عمران بن حطين والحكم ابن عمرو الغفاري " لا طاعة في معصية الله " وسنده قوي، وفي حدث عبادة بن الصامت عند أحمد والطبراني " لا طاعة لمن عصى الله تعالى " وقد تقدم البحث في هذا الكلام على حديث عبادة في الأمر بالسمع والطاعة " إلا أن تروا كفرا بواحا " بما يغني عن إعادته وهو في " كتاب الفتن " وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعا " فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض. الحدث الرابع. قوله: "عن أبي عبد الرحمن" هو السلمي، وعلي هو ابن أبي طالب. قوله: "وأمر عليهم رجلا من الأنصار" تقدم البحث فيه والجواب عمن غلط راويه في " كتاب المغازي". قوله: "فأوقدوا نارا" كذا وقع، وتقدم بيانه في المغازي والأحكام أن أميرهم غضب منهم فقال أوقدوا نارا، وقوله: "قد عزمت عليكم لما " بالتخفيف وجاء بالتشديد والتثقيل إنها بمعنى " إلا " وقوله: "خمدت " بالمعجمة وفتح الميم وضبط في بعض الروايات بكسر الميم لا يعرف في اللغة قاله ابن التين. قال: ومعنى خمدت سكن لهبها وإن لم يطفأ جمرها فإن طفئ قيل همدت. وقوله: "لو دخلوها ما خرجوا منها " قال الداودي: يريد تلك النار لأنهم يموتون بتحريقها فلا يخرجون منها أحياء، قال: وليس المراد بالنار نار جهنم ولا أنهم مخلدون فيها لأنه قد ثبت في حديث الشفاعة " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان " قال: وهذا من المعاريض التي فيها مندوحة، يريد أنه سيق مساق الزجر والتخويف ليفهم السامع أن من فعل ذلك خلد في النار، وليس ذلك مرادا وإنما أريد به الزجر والتخويف، وقد تقدم له توجيهات في " كتاب المغازي " وكذا قوله: "إنما الطاعة في المعروف " وتقدم شرحه مستوفى في " باب سرية عبد الله بن حذافة " من " كتاب المغازي " وتقدم شيء منه أيضا في تفسير سورة النساء في قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وقد قيل إنه لم يقصد دخولهم النار حقيقة وإنما أشار لهم بذلك إلى أن طاعة الأمير واجبة ومن ترك الواجب دخل النار، فإذا شق عليكم دخول هذه النار فكيف بالنار الكبرى، وكأن قصده أنه لو رأى منهم الجد في ولوجها لمنعهم.

(13/123)


5 - باب مَنْ لَمْ يَسْأَلْ الإِمَارَةَ أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا
7146 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الْحَسَنِ "عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ: لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لاَ تَسْأَلْ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا

(13/123)


عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ

(13/124)


6 - باب مَنْ سَأَلَ الإِمَارَةَ وُكِلَ إِلَيْهَا
7147 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لاَ تَسْأَلْ الإِمَارَةَ فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ
قوله: "باب من لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها" ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن سمرة " لا تسأل الإمارة " ثم قال بعده " باب من سأل الإمارة وكل إليها " وذكر الحديث المذكور، وقد تقدم الكلام على سنده في " كتاب كفارة الأيمان " حديث عبد الرحمن بن سمرة " لا تسأل الإمارة " ثم قال بعده " باب من سأل الإمارة وكل إليها " وذكر الحديث المذكور، وقد تقدم الكلام على سنده في " كتاب كفارة الأيمان " وعلى قوله: "وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر " وأما قوله: "لا تسأل الإمارة " فهو الذي في أكثر طرق الحديث، ووقع في رواية يونس بن عبيد عن الحسن لفظ: "لا يتمنين " بصيغة النهي عن التمني مؤكدا بالنون الثقيلة، والنهي عن التمني أبلغ من النهي عن الطلب. قوله: "عن مسألة" أي سؤال. قوله: "وكلت إليها" بضم الواو وكسر الكاف مخففا ومشددا وسكون اللام، ومعنى المخفف أي صرف إليها ومن وكل نفسه هلك، ومنه في الدعاء " ولا تكلني إلى نفسي " ووكل أمره إلى فلان صرفه إليه؛ ووكله بالتشديد استحفظه، ومعنى الحديث أن من طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها من أجل حرصه، ويستفاد منه أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه فيدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك وأن من حرص على ذلك لا يعان، ويعارضه في الظاهر ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رفعه: "من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار " والجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا ولى " أو يحمل الطلب هنا على القصد وهناك على التولية " وقد تقدم من حديث أبي موسى " إنا لا نولي من حرص " ولذلك عبر في مقابله بالإعانة، فإن من لم يكن له من الله عون على عمله لا يكون فيه كفاية لذلك العمل فلا ينبغي أن يجاب سؤاله، ومن المعلوم أن ولاية لا تخلو من المشقة، فمن لم يكن له من الله إعانة تورط فيما دخل فيه وخسر دنياه وعقباه، فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلا، بل إذا كان كافيا وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالإعانة، ولا يخفي ما في ذلك من الفضل. قال المهلب: جاء تفسير الإعانة عليها في حديث بلال بن مرداس عن خيثمة عن أنس رفعه: "من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده " أخرجه ابن المنذر. قلت: وكذا أخرجه الترمذي من طريق أبي عوانة عن عبد الأعلى الثعلبي، وأخرجه هو وأبو داود وابن ماجه من طريق أبي عوانة ومن طريق إسرائيل عن عبد الأعلى فأسقط خيثمة من السند، قال الترمذي. ورواية أبي عوانة أصح. وقال في رواية أبي عوانة حديث حسن غريب، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل وصححه، وتعقب بأن ابن معين لين خيثمة وضعف عبد الأعلى، وكذا

(13/124)


قال الجمهور في عبد الأعلى: ليس بقوي. قال المهلب: وفي معنى الإكراه عليه أن يدعي إليه فلا يرى نفسه أهلا لذلك هيبة له وخوفا من الوقوع في المحذور فإنه يعان عليه إذا دخل فيه، ويسدد؛ والأصل فيه أن من تواضع لله رفعه الله. وقال ابن التين: هو محمول على الغالب، وإلا فقد قال يوسف: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} وقال سليمان { وهب لي ملكا} قال: ويحتمل أن يكون في غير الأنبياء.

(13/125)


7 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْحِرْصِ عَلَى الإِمَارَةِ
7148 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ
7149 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلاَنِ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ فَقَالَ إِنَّا لاَ نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلاَ مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ
قوله: "باب ما يكره من الحرص على الإمارة" أي على تحصيلها، ووجه الكراهة مأخوذ مما سبق في الباب الذي قبله. قوله: "عن سعيد المقبري عن أبي هريرة" هكذا رواه ابن أبي ذئب مرفوعا، وأدخل عبد الحميد ابن جعفر بين سعيد وأبي هريرة رجلا ولم يرفعه، وابن أبي ذئب أتقن من عبد الحميد وأعرف بحديث المقبري منه فروايته هي المعتمدة، وعقبه البخاري بطريق عبد الحميد إشارة منه إلى إمكان تصحيح القولين فلعله كان عند سعيد عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفا على ما رواه عنه عبد الحميد؛ وكان عنده عن أبي هريرة بغير واسطة مرفوعا، إذ وجدت عند كل من الراويين عن سعيد زيادة؛ ورواية الوقف لا تعارض رواية الرفع لأن الراوي قد ينشط فيسند وقد لا ينشط فيقف. قوله: "إنكم ستحرصون" بكسر الراء ويجوز فتحها، ووقع في رواية شبابة عن ابن أبي ذئب " ستعرضون " بالعين وأشار إلى أنها خطأ. قوله: "على الإمارة" دخل فيه الإمارة العظمى وهي الخلافة، والصغرى وهي الولاية على بعض البلاد، وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بالشيء قبل وقوعه فوقع كما أخبر. قوله: "وستكون ندامة. يوم القيامة" أي لمن لم يعمل فيها بما ينبغي، وزاد رواية شبابة " وحسرة " ويوضح ذلك ما أخرجه البزار والطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك بلفظ: "أولها ملامة؛ وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل " وفي الطبراني الأوسط من رواية شريك عن عبد الله ابن عيسى عن أبي صالح عن أبي هريرة قال شريك: لا أدري رفعه أم لا " قال: "" الإمارة أولها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة " وله شاهد من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ: "أولها ملامة وثانيها ندامة " أخرجه الطبراني وعند الطبراني من حديث زيد بن ثابت رفعه: "نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقها وحلها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير

(13/125)


حقها تكون عليه حسرة يوم القيامة " وهذا يقيد ما أطلق في الذي قبله، ويقيده أيضا ما أخرج مسلم عن أبي ذر قال: "قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها " قال النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية ولا سيما لمن كان فيه ضعف. وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، وأما من كان أهلا وعدل فيها فأجره عظيم كما تظاهرت به الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها والله أعلم. قوله: "فنعم المرضعة وبئست الفاطمة" قال الدوادي: نعم المرضعة أي الدنيا، وبئست الفاطمة أي بعد الموت، لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك، فهو كالذي يفطم قبل أن يستغنى فيكون في ذلك هلاكه. وقال غيره: نعم المرضعة لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها، وبئست الفاطمة عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها التبعات في الآخرة. "تنبيه": ألحقت التاء في " بئست " دون نعم، والحكم فيهما إذا كان فاعلهما مؤنثا جواز الإلحاق وتركه، فوقع التفنن في هذا الحديث بحسب ذلك " وقال الطيبي: إنما لم يلحقها بنعم لأن المرضعة مستعارة للإمارة وتأنيثها غير حقيقي فترك إلحاق التاء بها وإلحاقها بئس نظرا إلى كون الإمارة حينئذ داهية دهياء. قال: وإنما أتي بالتاء في الفاطمة والمرضعة إشارة إلى تصوير تينك الحالتين المتجددتين في الإرضاع والفطام. قوله: "وقال محمد بن بشار" هو بندار، ووقع مستخرج أبي نعيم أن البخاري قال: "حدثنا محمد ابن بشار " وعبد الله بن حمرن هو بصري صدوق وقد قال ابن حبان في الثقات: يخطئ وماله في الصحيح إلا هذا الموضع. وعبد الحميد بن جعفر هو المدني لم يخرج له البخاري إلا تعليقا، وعمر بن الحكم أي ابن ثوبان مدني ثقة أخرج له البخاري في غير هذا الموضع تعليقا، كما تقدم في الصيام. قوله: "عن أبي هريرة" أي موقوفا عليه. قوله في حديث أبي موسى "ولا من حرص عليه" بفتح المهملة والراء، وقد تقدم مطولا من وجه آخر عن أبي بردة عن أبي موسى في استتابة المرتدين وذكرت شرحه هناك. وفي الحديث أن الذي يناله المتولي عن النعماء والسراء دون ما يناله من البأساء والضراء، إما بالعزل في الدنيا فيصير خاملا وإما بالمؤاخذة في الآخرة وذلك أشد، نسأل الله العفو. قال القاضي البيضاوي: فلا ينبغي لعاقل أن يفرح بلذة يعقبها حسرات، قال المهلب: الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد في الأرض بذلك ووجه الندم أنه قد يقتل أو يعزل أو يموت فيندم على الدخول فيها لأنه يطالب بالتبعات التي ارتكبها وقد فاته ما حرص عليه بمفارقته، قال: ويستثنى من ذلك من تعين عليه كأن يموت الوالي ولا يوجد بعده من يقوم بالأمر غيره، وإذا لم يدخل في ذلك يحصل الفساد بضياع الأحوال. قلت: وهذا لا يخالف ما فرض في الحديث الذي قبله من الحصول بالطلب أو بغير طلب بل في التعبير بالحرص إشارة إلى أن من قام بالأمر عند خشية الضياع يكون كمن أعطى بغير سؤال لفقد الحرص غالبا عمن هذا شأنه. وقد يغتفر الحرص في حق من تعين عليه لكونه يصير واجبا عليه، وتولية القضاء على الإمام فرض عين وعلى القاضي فرض كفاية إذا كان هناك غيره.

(13/126)


8 - باب مَنْ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً فَلَمْ يَنْصَحْ
7150 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ

(13/126)


فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلاَّ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ
7151 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ قَالَ زَائِدَةُ ذَكَرَهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ أَتَيْنَا مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ نَعُودُهُ فَدَخَلَ عَلَيْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
قوله: "باب من استرعى" بضم المثناة على البناء للمجهول. قوله: "رعية فلم ينصح" أي لها. قوله: "أبو الأشهب" هو جعفر بن حبان بمهملة وتحتانية ثقيلة. قوله: "عن الحسن" هو البصري. وفي رواية الإسماعيلي من طريق شيبان عن أبي الأشهب " حدثنا الحسن". قوله: "أن عبيد الله بن زياد" يعني أم البصرة في زمن معاوية وولده يزيد، ووقع في رواية هشام المذكورة بعد هذه ما يدل على أن الحسن حضر ذلك من عبيد الله بن زياد عند معقل. قوله: "عاد معقل بن يسار" بتحتانية ثم مهملة خفيفة هو المزني الصحابي المشهور. قوله: "في مرضه الذي مات فيه" كانت وفاة معقل بالبصرة فيما ذكره البخاري في الأوسط ما بين الستين إلى السبعين وذلك في خلافة يزيد بن معاوية. قوله: "فقال له معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم" زاد مسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي الأشهب " لو علمت أن لي حياة ما حدثتك". قوله: "يسترعيه الله" في نسخة الصغاني " استرعاه". قوله: "فلم يحطها" بفتح أوله وضم الحاء وسكون الطاء المهملتين أي يكلؤها أو يصنها وزنه ومعناه والاسم الحياطة يقال حاطه إذا استولى عليه وأحاط به مثله. قوله: "بنصحه" كذا للأكثر بهاء الضمير. وفي رواية المستملي: "بالنصيحة " ووقع لمسلم في رواية شيبان " يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته". قوله: "لم يجد" في نسخة الصغاني " إلا لم يجد " بزيادة إلا "رائحة الجنة" زاد في رواية الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل " وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاما " ووقع رواية مسلم: "إلا حرم الله عليه الجنة " وله مثله من طريق يونس بن عبيد عن الحسن. قال الكرماني مفهوم الحديث أنه يجدها، وهو عكس المقصود، والجواب أن " إلا " مقدرة أي إلا لم يجد، والخبر محذوف والتقدير ما من عبد فعل كذا إلا حرم الله عليه الجنة ولم يجد رائحة الجنة استئناف كالمفسر له، أو ليست ما للنفي، وجازت زيادة من للتأكيد في الإثبات عند بعض النحاة، وقد ثبت " إلا " في بعض النسخ. قلت: لم يقع الجمع بين اللفظين المتوعد بهما في طريق واحدة، فقوله: "لم يجد رائحة الجنة " وقع في رواية أبي الأشهب، وقوله: "حرم الله عليه الجنة " وقع في رواية هشام، فكأنه أراد أن الأصل في الحديث الجمع بين اللفظين فحفظ بعض ما لم يحفظ بعض وهو محتمل، لكن الظاهر أنه لفظ واحد تصرفت فيه الرواة. وزاد مسلم في آخره قال: "ألا كنت حدثتني هذا قبل اليوم؟ قال: لم أكن لأحدثك " قيل سبب ذلك هو ما وصفه به الحسن البصري من سفك الدماء، ووقع في رواية الإسماعيلي من الوجه الذي أخرجه مسلم: "لولا أني ميت ما حدثتك " فكأنه كان يخشى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يكف بذلك بعض شره عن المسلمين، وإلى ذلك وقعت الإشارة في رواية لمسلم من طريق أبي المليح " أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار " فقال له معقل: "لولا أني في الموت ما حدثتك " وقد أخرج

(13/127)


الطبراني في الكبير من وجه آخر عن الحسن قال: "لما قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرا أمره علينا معاوية غلاما سفيها يسفك الدماء سفكا شديدا وفينا عبد الله بن مغفل المزني، فدخل عليه ذات يوم فقال له: انته عما أراك تصنع، فقال له: وما أنت وذاك؟ قال ثم خرج إلى المسجد فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رءوس الناس؟ فقال إنه كان عندي علم فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رءوس الناس، ثم قام فما لبث أن مرض مرضه الذي توفي فيه فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده " فذكر نحو حديث الباب، فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين. قوله: "قال زائدة ذكره هشام" هو بحذف قال الثانية والتقدير: قال الحسين الجعفي قال زائدة ذكره أي الحديث الذي سيأتي هشام وهو ابن حسان، ووقع في رواية مسلم عن القاسم بن زكريا عن الحسين الجعفي بالعنعنة في جميع السند، وحاصل الروايتين أنه أثبت الغش في إحداهما، ونفى النصيحة في الأخرى فكأنه لا واسطة بينهما، ويحصل ذلك بظلمه لهم بأخذ أموالهم أو سفك دمائهم أو انتهاك أعراضهم وحبس حقوقهم وترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم وبإهمال إقامة الحدود فيهم وردع المفسدين منهم وترك حمايتهم ونحو ذلك. قوله: "فقال له معقل أحدثك حديثا" قد ذكرت زيادة أبي المليح عند مسلم. قوله: "ما من وال يلي رعية من المسلمين إلخ" وقع في رواية أبي المليح " ما من أمير " بدل " وال " وقال فيه: "ثم لا يجد له " بجيم ودال مشددة من الجد بالكسر ضد الهزل. وقال فيه: "إلا لم يدخل معهم الجنة " وللطبراني في الأوسط " فلم يعدل فيهم إلا كبه الله على وجهه في النار " قال ابن التين: يلي جاء على غير القياس لأن ماضيه ولي بالكسر ومستقبله يولى بالفتح وهو مثل ورث يرث. وقال ابن بطال: هذا وعيد شديد على أئمة الجور فمن ضيع من استرعاه الله أو خانهم أو ظلمهم فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد " يوم القيامة " فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة ومعنى " حرم الله عليه الجنة " أي أنفذ الله عليه الوعيد ولم يرض عنه المظلومين. ونقل ابن التين عن الداودي نحوه قال: ويحتمل أن يكون هذا في حق الكافر لأن المؤمن لا بد له من نصيحة. قلت: وهو احتمال بعيد جدا، والتعليل مردود، فالكافر أيضا قد يكون ناصحا فيما تولاه ولا يمنعه ذلك الكفر. وقال غيره: يحمل على المستحل، والأولى أنه محمول على غير المستحل وإنما أريد به الزجر والتغليظ، وقد وقع في رواية لمسلم بلفظ: "لم يدخل معهم الجنة " وهو يؤيد أن المراد أنه لا يدخل الجنة وقت دون وقت: وقال الطيبي: الفاء في قوله: "فلم يحطها " وفي قوله: "فيموت " مثل اللام في قوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} وقوله وهو غاش " قيد للفعل مقصود بالذكر يريد أن الله إنما ولاه على عباده ليديم لهم النصيحة لا ليغشهم حتى يموت على ذلك، فلما قلب القضية استحق أن يعاقب.

(13/128)


9 - باب مَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ
7452 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهُوَ يُوصِيهِمْ فَقَالُوا هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقْ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالُوا أَوْصِنَا فَقَالَ إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ

(13/128)


مِنْ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَأْكُلَ إِلاَّ طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَنْ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُنْدَبٌ قَالَ نَعَمْ جُنْدَبٌ
قوله: "باب من شاق شق الله عليه" في رواية النسفي " من شق " بغير ألف، والمعنى من أدخل على الناس المشقة أدخل الله عليه المشقة فهو من الجزاء بجنس العمل. قوله: "خالد" هو ابن عبد الله الطحان. قوله: "عن الجريري" بضم الجيم هو سعيد بن إياس، ولم يخرج البخاري للعباس الجريري شيئا وهو من هذه الطبقة، وخالد الطحان معدود فيمن سمع من سعيد الجريري قبل الاختلاط، وكانت وفاة الجريري سنة أربع وأربعين ومائة واختلط قبل موته بثلاث سنين. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جيد. قلت: وخالد قد أدرك أيوب فإن أيوب لما مات كان خالد المذكور ابن إحدى وعشرين سنة. قوله: "عن طريف" بالطاء المهملة وزن عظيم. قوله: "أبي تميمة" بالمثناة وزن عظيمة، هو ابن مجالد بضم الميم وتخفيف الجيم الهجيمي بالجيم مصغر نسبة إلى بني الهجيم بطن من تيمم وكان مولاهم، وهو بصري ماله في البخاري عن أحد من الصحابة إلا هذا الحديث، وله حديث آخر تقدم في الأدب من روايته عن أبي عثمان النهدي. قوله: "شهدت صفوان" هو ابن محرز بن زياد التابعي الثقة المشهور من أهل البصرة. قوله: "وجندبا" هو ابن عب الله البجلي الصحابي المشهور وكان من أهل الكوفة ثم تحول إلى البصرة قاله الكلاباذي. قوله: "وأصحابه" أي أصحاب صفوان. قوله: "وهو" أي جندب "يوصيهم" ذكره المزي في الأطراف بلفظ: "شهدت صفوان وأصحابه وجندبا يوصيهم " ووقع في صحيح مسلم من طريق خالد بن عبد الله بن محرز عن عمه صفوان بن محرز أن جندب بن عبد الله بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة ابن الزبير فقال: اجمع لي نفرا من إخواني حتى أحدثهم، فذكر القصة في تحديثه لهم بقصة الذي حمل على رجل فقال لا إله إلا الله فقتله، وأظن أن القصتين واحدة، ويجمعهما أنه حذرهم من التعرض لقتل المسلم، وزمن فتنة ابن الزبير كانت عقب موت يزيد ابن معاوية. ووقع عند الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم عن صفوان بن محرز عن جندب بن عبد الله أنه مر بقوم فقال: ائتني بنفر من قراء القرآن وليكونوا شيوخا، قال فأتيته بنافع بن الأزرق وأبي بلال مرداس ونفر معهما ستة أو ثمانية فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الحديث. قلت: وأخرجه أيضا من طريق الأعمش عن أبي تميمة أنه انطلق مع جندب إلى البصرة فقال: هل كنت تدارس أحدا القرآن؟ قلت: نعم، قال فائتني بهم، قال فأتيته بنافع وأبي بلال مرداس ونجدة وصالح بن مشرح فأنشأ يحدث. قلت: وهؤلاء الأربعة من رءوس الخوارج الذين خرجوا إلى مكة لنصر ابن الزبير لما جهز إليه يزيد ابن معاوية الجيوش فشهدوا معه الحصار الأول، فلما جاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية سألوا ابن الزبير عن قوله في عثمان فأثنى عليه فغضبوا وفارقوه، فحجوا. وخرج نجدة باليمامة فغلب عليها وعلى بعض بلاد الحجاز، وخرج نافع بن الأزرق بالعراق فدامت فتنته مدة. وأما أبو بلال مرداس فكان خرج على عبيد الله ابن زياد قبل ذلك فقتله. قوله: "من سمع سمع الله به يوم القيامة" قلت تقدم هذا المتن من حديث جندب من وجه آخر مع شرحه في " باب الرياء والسمعة " من " كتاب الرقاق " وفيه: "ومن رايا " ولم يقع فيه مقصود هذا الباب. قوله: "ومن شاق شق

(13/129)


الله عليه" كذا للكشميهني، وللسرخسي والمستملي: "ومن يشاقق يشقق الله عليه " بصيغة المضارعة وبفك القاف في الموضعين. وفي رواية الطبراني عن أحمد بن زهير التستري عن إسحاق ابن شاهين شيخ البخاري فيه: "ومن يشاقق يشق الله عليه". قوله: "فقالوا: أوصنا، فقال: إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه" يعني بعد الموت، وصرح به في رواية صفوان بن محرز عن جندب ولفظه: "واعلموا أن أول ما ينتن من أحدكم إذا مات بطنه". قوله: "فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل" في رواية صفوان " فلا يدخل بطنه إلا طيبا " هكذا وقع هذا الحديث من هذا الوجه موقوفا، وكذا أخرجه الطبراني من طريق قتادة عن الحسن - هو البصري - عن جندب موقوفا، وأخرجه من طريق صفوان بن محرز وسياقه يحتمل الرفع والوقف فإنه صدر بقوله: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سمع " الحديث: "واعلموا أن أول ما ينتن " وينتن بنون ومثناة وضم أوله من الرباعي وماضيه أنتن ونتن والنتن الرائحة الكريهة. قوله: "ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة بملء كف" في رواية الكشميهني: "يحول " وبلفظ: "ملء " بغير موحدة، ووقع في رواية كريمة والأصيلي: "كفه". قوله: "من دم هراقه" أي صبه "فليفعل" قال ابن التين: وقع في روايتنا " أهراقه " وهو بفتح الهمزة وكسرها. قلت: هي لمن عدا أبا ذر، كذا وقع هذا المتن أيضا موقوفا، وكذا أخرجه الطبراني من طريق صفوان بن محرز ومن طريق قتادة عن الحسن عن جندب موقوفا، وزاد الحسن بعد قوله يهريقه " كأنما يذبح دجاجة، كلما تقدم لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه " ووقع مرفوعا عند الطبراني أيضا من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب ولفظه: "تعلمون أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحولن بين أحدكم وبين الجنة وهو يراها ملء كف دم من مسلم أهراقه بغير حله " وهذا لو لم يرد مصرحا برفعه لكان في حكم المرفوع لأنه لا يقال بالرأي، وهو وعيد شديد لقتل المسلم بغير حق. قال الكرماني: في معنى قوله: "ملء كف من دم " هو عبارة عن مقدار دم إنسان واحد، كذا قال ومن أين هذا الحصر؟ والمتبادر أن ذكر ملء الكف كالمثال وإلا فلو كان دون ذلك لكان الحكم كذلك. وعند الطبراني من حديث الأعمش عن أبي تميمة " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحولن بين أحدكم وبين الجنة " فذكر نحو رواية الجريري وزاد في آخره: "قال فبكى القوم، فقال جندب: لم أر كاليوم قط قوما أحق بالنجاة من هؤلاء إن كانوا صادقين " قلت: ولعل هذا هو السر في تصديره كلامه بحديث: "من سمع " وكأنه تفرس فيهم ذلك، ولهذا قال: "إن كانوا صادقين " ولقد صدقت فراسته فإنهم لما خرجوا بذلوا السيف في المسلمين وقتلوا الرجال والأطفال وعظم البلاء بهم، كما تقدمت إليه الإشارة في " كتاب المحاربين " قال ابن بطال: المشاقة في اللغة مشتقة من الشقاق وهو الخلاف، ومنه قوله تعالى :{ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى} والمراد بالحديث النهي عن القول القبيح في المؤمنين وكشف مساويهم وعيوبهم وترك مخالفة سبيل المؤمنين ولزوم جماعتهم والنهي عن إدخال المشقة عليهم والإضرار بهم، قال صاحب العين: شق الأمر عليك مشقة أضر بك انتهى وظاهره أنه جعل المشقة والمشاقة بمعنى واحد، وليس كذلك فقد جوز الخطابي في هذا أن تكون المشقة من الإضرار فيحمل الناس على ما يشق عليهم، وأن تكون من الشقاق وهو الخلاف ومفارقة الجماعة وهو أن يكون في شق أي ناحية عن الجماعة، ورجح الداودي الثاني، ومن الأول قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه " أخرجه مسلم، ووقع لغير أبي ذر في آخر هذا الحديث. قلت: لأبي عبد الله من يقول سمعت رسول الله

(13/130)


صلى الله عليه وسلم جندب؟ قال: نعم جندب انتهى. وأبو عبد الله المذكور هو المصنف، والسائل له الفربري، وقد خلت رواية النسفي عن ذلك. وقد سيق من الطرق التي أوردتها ما يصرح بأن جندبا هو القائل، وليس فيمن سمى في هذه القصة أحد من الصحابة غيره.

(13/131)


10 - باب الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فِي الطَّرِيقِ
وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِي الطَّرِيقِ وَقَضَى الشَّعْبِيُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ
7153 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا أَعْدَدْتَ لَهَا فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ وَلاَ صَلاَةٍ وَلاَ صَدَقَةٍ وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ
قوله: "باب القضاء والفتيا في الطريق" كذا سوى بينهما، والأثران المذكوران في الترجمة صريحان فيما يتعلق بالقضاء، والحديث المرفوع يؤخذ منه جواز الفتيا فيلحق به الحكم. قوله: "وقضى يحيى بن يعمر" بفتح الميم هو التابعي الجليل المشهور، وكان من أهل البصرة فانتقل إلى مرو بأمر الحجاج فولى قضاء مرو لقتيبة بن مسلم، وكان من أهل الفصاحة والورع، قال الحاكم: قضى في أكثر مدن خراسان، وكان إذا تحول إلى بلد استخلف في التي انتقل منها. قوله: "في الطريق" وصله محمد بن سعد في الطبقات عن شبابة عن موسى بن يسار قال: رأيت يحيى ابن يعمر على القضاء بمرو فربما رأيته يقضي في السوق وفي الطريق، وربما جاءه الخصمان وهو على حمار فيقضي بينهما. وأخرج البخاري في التاريخ من طريق حميد بن أبي حكيم أنه رأى يحيى بن يعمر يقضي في الطريق. قوله: "وقضى الشعبي على باب داره" قال ابن سعد في الطبقات أخبرنا أبو نعيم حدثنا أبو إسرائيل رأيت الشعبي يقضي عند باب الفيل بالكوفة. وأخرج الكرابيسي في القضاء من وجه آخر عن الشعبي أن عليا قضى في السوق. وأخرج من طريق القاسم بن عبد الرحمن أنه مر على قوم وهو على راحلته فتظلموا من كرى لهم فنزل فقضى بينهم ثم ركب فمضى إلى منزله. حديث سالم بن أبي الجعد عن أنس في الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة، وقد تقدم من وجه آخر عن سالم في " كتاب الأدب " مشروحا، وقوله هنا " فلقينا رجل عند سدة المسجد " السدة بضم السين وتشديد الدال المهملتين هي باب الدار " وقيل لإسماعيل بن عبد الرحمن: السدي " لأنه كان يبيع المقانع عند سدة مسجد الكوفة وهي ما يبقى من الطاق المسدود، وقيل هي المظلة على الباب: "لوقاية المطر والشمس " وقيل هي الباب نفسه وقيل عتبته وقيل الساحة أمام الباب. وقوله: "ما أعددت لها " كذا لأبي، ذر، ولغيره: "عددت " وهو بالتشديد مثل {جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} أي هيأه، وقوله: "استكان " أي خضع وهو استفعل من السكون الدال على الخضوع. قال ابن التين: لعل سبب سؤال الرجل عن الساعة إشفاقا مما يكون فيها، ولو سأل استعجالا لدخل في قوله تعالى :{يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا} وقوله: "كبير عمل " بالموحدة للأكثر وبالمثلثة لبعضهم؛ قال ابن بطال: في حديث أنس جواز سكوت العالم عن جواب السائل والمستفتي إذا كانت المسألة لا تعرف، أو كانت

(13/131)


مما لا حاجة بالناس إليها، أو كانت مما يخشى منها الفتنة. أو سوء التأويل. ونقل عن المهلب الفتيا في الطريق وعلى الدابة، ونحو ذلك من التواضع، فإن كانت لضعيف فهو محمود وإن كانت لرجل من أهل الدنيا أو لمن يخشى لسانه فهو مكروه. قلت: والمثال الثاني ليس بجيد فقد يترتب على المسئول من ذلك ضرر فيجيب ليأمن شره فيكون هذه الحالة محمودا قال: واختلف في القضاء سائرا أو ماشيا فقال أشهب: لا بأس به إذا لم يشغله عن الفهم. وقال سحنون: لا ينبغي. وقال ابن حبيب: لا بأس بما كان يسيرا، وأما الابتداء بالنظر ونحوه فلا. قال ابن بطال: وهو حسن. وقول أشهب أشبه بالدليل. وقال ابن التين: لا يجوز الحكم في الطريق فيما يكون غامضا كذا أطلق والأشبه التفصيل. وقال ابن المنير: لا تصح حجة من منع الكلام في العلم في الطريق، وأما الحكاية التي تحكى عن مالك في تعزيره الحاكم الذي سأله في الطريق ثم حدثه فكان يقول: وددت لو زادني سياطا وزادني تحديثا، فلا يصح. ثم قال: ويحتمل أن يفرق بين حالة النبي صلى الله عليه وسلم وحالة غيره، فإن غيره في مظنة أن يتشاغل بلغو الطرقات وقد تقدم في " كتاب العلم " ترجمة الفتيا على الدابة، ووقع في حديث جابر الطويل في حجة الوداع عند مسلم: "وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته ليراه الناس وليشرف لهم ليسألوه " والأحاديث في سؤال الصحابة وهو سائر ماشيا وراكبا كثيرة.

(13/132)


11 - بَاب مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ
7154 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ تَعْرِفِينَ فُلاَنَةَ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهَا وَهِيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي فَقَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي قَالَ فَجَاوَزَهَا وَمَضَى فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ فَقَالَ مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ مَا عَرَفْتُهُ قَالَ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ
قوله "باب ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن له بواب"ذكر فيه حديث أنس في قصة المرأة التي جاءت تعتذر عن قولها " إليك عني " لما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم - ووجدها تبكي عند قبر - بالصبر، ففي الحديث: "فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابا". قوله: "إن الصبر عند أول صدمة" في رواية الكشميهني هنا " إن الصبر عند الصدمة الأولى " وقد تقدم شرحه مستوفى في " باب زيارة القبور " من " كتاب الجنائز " وأن المرأة لم تسم، وأن المقبور كان ولدها ولم يسم أيضا، وأن الذي ذكر لها أن الذي خاطبها هو النبي صلى الله عليه وسلم هو الفضل بن العباس. ووقع هنا أن أنس بن مالك قال لامرأة من أهله: هل تعرفين فلانة، يعني صاحبة هذه القصة، ولم أعرف اسم المرأة التي من أهل أنس أيضا، وقولها " إليك عني " أي كف نفسك ودعني، وقولها " فإنك خلو " بكسر المعجمة وسكون اللام أي خال من همي قال المهلب: لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بواب راتب، يعني فلا يرد ما تقدم في المناقب من حديث أبي موسى أنه كان بوابا للنبي صلى الله عليه وسلم لما جلس على القف، قال: فالجمع بينهما أنه إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد لشيء من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطال الحاجة إليه. وقال الطبري: دل حديث عمر حين استأذن له الأسود

(13/132)


- يعني في قصة حلفه صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل على نسائه شهرا كما تقدم في النكاح - أنه صلى الله عليه وسلم كان في وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا، ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه ولم يحتج إلى قوله: "يا رباح استأذن لي". قلت: ويحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلما أذن له اطمأن وتبسط في القول كما تقدم بيانه. وقال الكرماني ملخصا لما تقدم: معني قوله: "لم يجد عليه بوابا " أنه لم يكن له بواب راتب، أو في حجرته التي كانت مسكنا له، أو لم يكن البواب بتعيينه بل باشرا ذلك بأنفسهما، يعني أبا موسى ورباحا. قلت: الأول كاف، وفي الثاني نظر لأنه إذا انتفى في الحجرة مع كونها مظنة الخلوة فانتفاؤه في غيرها أولى، وإن أراد إثبات البواب في الحجرة دون غيرها كان بخلاف حديث الباب، فإن المرأة إنما جاءت إليه وهو في منزل سكنه فلم تجد عليه بوابا، وفي الثالث أيضا نظر لأنه على تقدير أنهما فعلا ذلك من قبل أنفسهما بغير أمره لكن تقريره لهما على ذلك يفيد مشروعيته، فيمكن أن يؤخذ منه الجواز مطلقا، ويمكن أن يقيد بالحاجة وهو الأولى وقد اختلف في مشروعية الحجاب للحكام فقال الشافعي وجماعة: ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبا، وذهب آخرون إلى جوازه، وحمل الأول على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم. وقال آخرون: بل يستحب ذلك حينئذ ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل ويدفع الشرير، ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي أحدثه بعض القضاة من شدة الحجاب وإدخال بطائق الخصوم لم يكن من فعل السلف انتهى. فأما اتخاذ الحاجب فقد ثبت في قصة عمر في منازعة العباس وعلى أنه كان له حاجب يقال له يرفا ومضى ذلك في فرض الخمس واضحا. ومنهم من قيد جوازه بغير وقت جلوسه للناس لفصل الأحكام. ومنهم من عمم الجواز كما مضى. وأما البطائق فقال ابن التين: إن كان مراده البطائق التي فيها الإخبار بما جرى فصحيح، يعني أنه حادث قال: وأما البطائق التي تكتب للسبق ليبدأ بالنظر خصومة من سبق فهو من العدل في الحكم. وقال غيره: وظيفة البواب أو الحاجب أن يطالع الحاكم بحال من حضر ولا سيما من الأعيان " لاحتمال أن يجيء مخاصما والحاكم يظن أنه جاء زائرا فيعطيه حقه من الإكرام الذي لا يجوز لمن يجيء مخاصما " وإيصال الخبر للحاكم بذلك إما بالمشافهة وإما بالمكاتبة ويكره دوام الاحتجاب وقد يحرم فقد أخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن أبي مريم الأسدي أنه قال لمعاوية " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ولاه الله من أمر الناس شيئا فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة " وفي هذا الحديث وعيد شديد لمن كان حاكما بين الناس فاحتجب عنهم لغير عذر، لما في ذلك من تأخير إيصال الحقوق أو تضييعها. واتفق العلماء على أنه يستحب تقديم الأسبق فالأسبق والمسافر على المقيم ولا سيما إن خشي فوات الرفقة، وأن من اتخذ بوابا أو حاجبا أن يتخذه ثقة عفيفا أمينا عارفا حسن الأخلاق غارفا بمقادير الناس.

(13/133)


12 - باب الْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالْقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ الإِمَامِ الَّذِي فَوْقَهُ
7155 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الذُّهْلِيُّ حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِة مِنْ الأَمِيرِ"

(13/133)


7156 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ الْقَطَّانُ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَأَتْبَعَهُ بِمُعَاذٍ
7157 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ فَأَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَقَالَ مَا لِهَذَا قَالَ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ قَالَ لاَ أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: "باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه" أي الذي ولاه من غير احتياج إلى استئذانه في خصوص ذلك. قوله: "حدثنا محمد بن خالد" قال الحاكم والكلاباذي: أخرج البخاري عن محمد بن يحيى الذهلي فلم يصرح به وإنما يقول: "حدثنا محمد " وتارة " محمد بن عبد الله " فينسبه لجده وتارة " حدثنا محمد بن خالد " فكأنه نسبه إلى جد أبيه لأنه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس. قلت: ويؤيده أنه وقع منسوبا في حديث آخر أخرجه عند الأكثر في الطب " عن محمد بن خالد حدثنا محمد بن وهب بن عطية " فوقع في رواية الأصيلي: "حدثنا محمد بن خالد الذهلي " وكذا هو في نسخة الصغاني. وأخرج ابن الجارود الحديث المذكور عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن وهب المذكور. وقال خلف في " الأطراف ": هو محمد بن خالد بن جبلة الرافقي، وتعقبه ابن عساكر فقال: عندي أنه الذهلي. وقال المزي في " التهذيب ": قول خلف إنه الرافقي ليس بشيء. قلت: قد ذكر أبو أحمد بن عدي في شيوخ البخاري محمد بن خالد ابن جبلة، لكن عرفه بروايته عنه عن عبيد الله بن موسى، والحديث الذي أشار إليه وقع في التوحيد لكن قال فيه: "حدثنا محمد بن خالد " فقط ولم ينسبه لجده جبلة، وهو بفتح الجيم والموحدة. ولا لبلده الرافقة وهي بفاء ثم قاف. وقد ذكر الدار قطني أيضا في شيوخ البخاري محمد بن خالد الرافقي. وأخرج النسائي عنه فنسبه لجده فقال أخبرنا محمد بن جبلة فقال المزي في ترجمته هو محمد بن خالد بن جبلة الرافقي وقد أخرج البخاري عن محمد بن خالد عن محمد بن موسى بن أعين حديثا فقال المزي في " التهذيب ": قيل هو الرافقي، وقيل هو الذهلي وهو أشبه وسقط محمد بن خالد من هذا السند من أطراف أبي مسعود فقال: "خ" في الأحكام عن محمد بن عبد الله الأنصاري نفسه عن أبيه، قال المزي في " الأطراف ": كذا قال أبو مسعود، يعني والصواب ما وقع في جميع النسخ أن بين البخاري وبين الأنصاري في هذا الحديث واسطة وهو محمد بن خالد المذكور، وبه جزم خلف في " الأطراف " أيضا كما تقدم والله أعلم. قلت: ويؤيد كونه عن الذهلي أن الترمذي أخرجه في المناقب عن محمد بن يحيى وهو الذهلي به.قوله: "حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري" هكذا للأكثر. وفي رواية أبي زيد المروزي " حدثنا الأنصاري محمد " فقدم النسبة على الاسم ولم يسم أباه. قوله: "حدثني أبي" في رواية أبي زيد " حدثنا " وهو عبد الله بن المثني بن عبد الله بن أنس، وثمامة شيخه هو عم أبيه وقد أخرج البخاري عن الأنصاري بلا واسطة عدة أحاديث في الزكاة والقصاص وغيرهما، وروي عنه بواسطة في عدة في الاستسقاء وفي بدء الخلق وفي شهود الملائكة بدرا وغيرها. قوله: "إن قيس بن سعد" زاد في رواية المروزي " ابن عبادة " وهو الأنصاري الخزرجي الذي كان

(13/134)


والده رئيس الخزرج. وصنيع الترمذي يوهم أنه قيس بن سعد بن معاذ، فإنه أخرج حديث الباب في مناقب سعد بن معاذ فلا يغتر بذلك. قوله: "كان يكون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم" قال الكرماني: فائدة تكرار لفظ الكون إرادة بيان الدوام والاستمرار انتهى. وقد وقع في رواية الترمذي وابن حبان والإسماعيلي وأبي نعيم وغيرهم من طرق عن الأنصاري بلفظ: "كان قيس بن سعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم: "فظهر أن ذلك من تصرف الرواة. قوله: "بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير" زاد الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن مرزوق عن الأنصاري " لما ينفذ من أموره " وهذه الزيادة مدرجة من كلام الأنصاري، بين ذلك الترمذي، فإنه أخرج الحديث عن محمد بن مرزوق إلى قوله: "الأمير " ثم قال: "قال الأنصاري لما يلي من أموره " وقد خلت سائر الروايات عنها، وقد ترجم ابن حبان لهذا الحديث: "احتراز المصطفى من المشركين في مجلسه إذا دخلوا عليه " وهذا يدل على أنه فهم من الحديث أن ذلك وقع لقيس بن سعد على سبيل الوظيفة الراتبة، وهو الذي فهمه الأنصاري راوي الحديث؛ لكن يعكر عليه ما زاده الإسماعيلي فقال حدثنا الهيثم بن خلف عن محمد بن المثني عن الأنصاري حدثني أبي عن ثمامة. قال الأنصاري: ولا أعلمه إلا عن أنس قال: "لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم كان قيس بن سعد في مقدمته بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، فكلم سعد النبي صلى الله عليه وسلم في قيس أن يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك " ثم أخرجه الإسماعيلي عن أبي يعلى ومحمد بن أبي سويد جميعا عن محمد بن المثني عن الأنصاري بمثل لفظ محمد بن مرزوق بدون الزيادة التي في آخره، قال: ولم يشك في كونه عن أنس. قلت: وكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق بشر بن آدم ابن بنت السمان عن الأنصاري لكن لم ينفرد الهيثم ولا شيخه محمد بن المثني بالزيادة المذكورة، فقد أخرجه ابن منده في " المعرفة " عن محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو حاتم الرازي عن الأنصاري بطوله، فكأن القدر المحقق وصله من الحديث هو الذي اقتصر عليه البخاري، وأكثر من أخرج الحديث، وأما الزيادة فكان الأنصاري يتردد في وصلها، وعلى تقدير ثبوتها فلم يقع ذلك لقيس بن سعد إلا في تلك المرة ولم يستمر مع ذلك فيها. والشرطة بضم المعجمة والراء والنسبة إليها شرطي بضمتين وقد تفتح الراء فيهما هم أعوان الأمير، والمراد بصاحب الشرطة كبيرهم، فقيل سموا بذلك لأنهم رذالة الجند، ومنه في حديث الزكاة " ولا الشرط اللئيمة " أي رديء المال، وقيل لأنهم الأشداء الأقوياء من الجند، منه في حديث الملاحم " وتشترط شرطة للموت " أي متعاقدون على أن لا يفروا ولو ماتوا. قال الأزهري: شرط كل شيء خياره ومنه الشرط لأنهم نخبة الجند. وقيل هم أول طائفة تتقدم الجيش وتشهد الوقعة، وقيل سموا شرطا لأن لهم علامات يعرفون بها من هيئة وملبس وهو اختيار الأصمعي، وقيل لأنهم أعدوا أنفسهم لذلك يقال أشرط فلان نفسه لأمر كذا إذا أعدها قاله أبو عبيد، وقيل مأخوذ من الشريط وهو الحبل المبرم لما فيه من الشدة. وقد استشكلت مطابقة الحديث للترجمة فأشار الكرماني إلى أنها تؤخذ من قوله: "دون الحاكم " لأن معناه عند، وهذا جيد إن ساعدته اللغة، وعلى هذا فكأن قيسا كان من وظيفته أن يفعل ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بأمره سواء كان خاصا أم عاما. قال الكرماني: ويحتمل أن تكون " دون " بمعنى " غير " قال: وهو الذي يحتمله الحديث الثاني لا غير. قلت: فيلزم أن يكون استعمل في الترجمة " دون " في معنيين. وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدت بعده، لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودا في العهد النبوي عند أحد من العمال " وإنما حدث في دولة بني أمية فأراد أنس تقريب

(13/135)


حال قيس بن سعد عند السامعين فشبهه بما يعهدونه". قوله: "عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه وأتبعه بمعاذ" هذه قطعة من حديث طويل تقدم في استتابة المرتدين بهذا السند وأوله " أقبلت ومعي رجلان من الأشعريين " الحديث، وفيه بعد قوله لا نستعمل على عملنا من أراده " ولكن اذهب أنت يا أبا موسى، ثم أتبعه معاذ بن جبل " وفيه قصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد، وهي التي اقتصر عليها هنا بعد هذا. قوله: "محبوب" بمهملة وموحدتين ابن الحسن بن هلال، بصري واسمه محمد ومحبوب لقب له وهو به أشهر، وهو مختلف الاحتجاج به، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وهو في حكم المتابعة لأنه تقدم في استتابة المرتدين من وجه آخر عن حميد بن هلال. قوله: "حدثنا خالد" هو الحذاء. قوله: "أن رجلا أسلم. ثم تهود" قد تقدم شرحه هناك مستوفى. قوله: "لا أجلس حتى أقتله قضاء الله ورسوله" قد تقدم هناك " فأمر به فقتل " وبذلك يتم مراد الترجمة والرد على من زعم أن الحدود لا يقيمها عمال البلاد إلا بعد مشاورة الإمام الذي ولاهم. قال ابن بطال: اختلف العلماء في هذا الباب فذهب الكوفيون إلى أن القاضي حكمه حكم الوكيل لا يطلق يده إلا فيما أذن له فيه، وحكمه عند غيرهم حكم الوصي له التصرف في كل شيء ويطلق يده على النظر في جميع الأشياء إلا ما استثنى. ونقل الطحاوي عنهم أن الحدود لا يقيمها إلا أمراء الأمصار ولا يقيمها عامل السواد ولا نحوه. ونقل ابن القاسم " لا تقام الحدود في المياه بل تجلب إلى الأمصار، ولا يقام القصاص في القتل في مصر كلها إلا بالفسطاط، يعني لكونها منزل متولي مصر " قال: أو يكتب إلى والي الفسطاط بذلك أي يستأذنه. وقال أشهب: بل من فوض له الوالي ذلك من عمال المياه جاز له أن يفعله. وعن الشافعي نحوه. قال ابن بطال: والحجة في الجواز حديث معاذ فإنه قتل المرتد دون أن يرفع أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم

(13/136)


13 - باب هَلْ يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ يُفْتِي وَهُوَ غَضْبَانُ ؟
7158 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ بِأَنْ لاَ تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ
7159 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ لاَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ
7160 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْكَرْمَانِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ,

(13/136)


فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا
قوله: "باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان" في رواية الكشميهني: "الحاكم " ذكر فيه ثلاث أحاديث قوله: "كتب أبو بكرة" يعني والد عبد الرحمن الراوي المذكور. قوله: "إلى ابنه" كذا وقع هنا غير مسمى، ووقع في أطراف المزي " إلى ابنه عبيد الله " وقد سمى في رواية مسلم ولكن بغير هذا اللفظ أخرجه من طريق أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن قال: "كتب أبي وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرة " ووقع في العمدة " كتب أبي وكتبت له إلى ابنه عبيد الله وقد سمى إلخ " وهو موافق لسياق مسلم إلا أنه زاد لفظ: "ابنه " قيل معناه كتب أبو بكرة بنفسه مرة وأمر ولده عبد الرحمن أن يكتب لأخيه فكتب له مرة أخرى. قلت: ولا يتعين ذلك، بل الذي يظهر أن قوله: "كتب أبي " أي أمر بالكتابة، وقوله: "وكتبت له " أي باشرت الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التعدد، ويؤيده قوله في المتن المكتوب " إني سمعت " فإن هذه العبارة لأبي بكرة لا لابنه عبد الرحمن، فإنه لا صحبة له وهو أول مولود ولد بالبصرة كما تقدم في الكلام على قول أبي بكرة " لو دخلوا على ما بهشت لهم بقصبة". قوله: "وكان بسجستان" في رواية مسلم: "وهو قاض بسجستان " وهي جملة حالية وسجستان بكسر المهملة والجيم على الصحيح بعدهما مثناة ساكنة وهي إلى جهة الهند بينها وبين كرمان مائة فرسخ منها أربعون فرسخا مفازة ليس فيها ماء وينسب إليها سجستاني وسجزتي بزاي بدل السين الثانية والتاء وهو على غير قياس، وسجستان لا تصرف للعلمية والعجمة أو زيادة الألف والنون، قال ابن سعد في الطبقات: كان زياد في ولايته على العراق قرب أولاد أخيه لأمه أبي بكرة وشرفهم وأقطعهم وولى عبيد الله بن أبي بكر سجستان، قال ومات أبو بكرة في ولاية زياد. قوله: "أن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان" في رواية مسلم: "أن لا تحكم". قوله: "لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان" في رواية مسلم: "لا يحكم أحد " والباقي سواء. وفي رواية الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير بسنده " لا يقضي القاضي أو لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان " ولم يذكر القصة. والحكم بفتحتين هو الحاكم، وقد يطلق على القيم بما يسند إليه. قال المهلب: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار. وقال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه قال: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر، وهو قياس مظنة على مظنة، وكأن الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره. وقد أخرج البيهقي بسند ضيف عن أبي سعيد رفعه: "لا يقض القاضي إلا وهو شبعان ريان " وقول الشيخ " وهو قياس مظنة على مظنة " صحيح، وهو استنباط معنى دل عليه النص فإنه لما نهى عن الحكم حالة الغضب فهم منه أن الحكم لا يكون إلا في حالة استقامة الفكر، فكانت علة النهي المعنى المشترك وهو تغير الفكر، والوصف بالغضب يسمى علة بمعنى أنه مشتمل عليه فألحق به ما في معناه كالجائع " قال الشافعي

(13/137)


في " الأم ": أكره للحاكم أن يحكم وهو جائع أو تعب أو مشغول القلب فإن ذلك يغير القلب". "فرع": لو خالف فحكم في حال الغضب صح إن صادف الحق مع الكراهة، هذا قول الجمهور، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم قضى للزبير بشراج الحرة بعد أن أغضبه خصم الزبير، لكن لا حجة فيه لرفع الكراهة عن غيره لعصمته صلى الله عليه وسلم فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضا. قال النووي في حديث اللقطة: "فيه جواز الفتوى في حال الغضب " وكذلك الحكم وينفذ ولكنه مع الكراهة في حقنا ولا يكره في حقه صلى الله عليه وسلم لأنه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف على غيره، وأبعد من قال: يحمل على أنه تكلم في الحكم قبل وصوله في الغضب إلى تغير الفكر، ويؤخذ من الإطلاق أنه لا فرق بين مراتب الغضب ولا أسبابه، وكذا أطلقه الجمهور، وفصل إمام الحرمين والبغوي فقيدا الكراهة بما إذا كان الغضب لغير الله، واستغرب الروياني هذا التفصيل واستبعده غيره لمخالفته لظواهر الحديث وللمعنى الذي لأجله نهى عن الحكم حال الغضب. وقال بعض الحنابلة لا ينفذ الحكم في حالة الغضب لثبوت النهي عنه والنهي يقضي الفساد " وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر وإلا فهو محل الخلاف، وهو تفصيل معتبر " وقال ابن المنير: أدخل البخاري حدث أبي بكرة الدال على المنع ثم حديث أبي مسعود الدال على الجواز تنبيها منه على طريق الجمع بأن يجعل الجواز خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لوجود العصمة في حقه والأمن من التعدي، أو أن غضبه إنما كان للحق فمن كان في مثل حاله جاز وإلا منع، وهو كما قيل في شهادة العدو إن كانت دنيوية ردت وإن كانت دينية لم ترد قاله ابن دقيق العبد وغيره. وفي الحديث أن الكتابة بالحديث كالسماع من الشيخ في وجوب العمل، وأما في الرواية فمنع منها قوم إذا تجردت عن الإجازة، والمشهور الجواز. نعم الصحيح عند الأداء أن لا يطلق الإخبار بل يقول كتب إلى أو كاتبني أو أخبرني في كتابه، وفيه ذكر الحكم مع دليله في التعليم، ويجيء مثله في الفتوى. وفيه شفقة الأب على ولده وإعلامه بما ينفعه وتحذيره من الوقوع فيما ينكر. وفيه نشر العلم للعمل به والاقتداء وإن لم يسأل العالم عنه. قوله: "عبد الله" هو ابن المبارك. قوله: "جاء رجل" تقدم في " باب تخفيف الإمام " من أبواب الإمامة أنه لم يسم، ووهم من قال إنه حزم بن كعب وإن المراد هنا بفلان هو معاذ بن جبل، وتقدم شرح الحديث هناك مستوفى، وتقدم القول في الغضب في " باب الغضب في الموعظة " من " كتاب العلم". قوله: "يونس" هو ابن يزيد الأيلي. قوله: "فتغيظ فيه" وفي رواية الكشميهني: "عليه " والضمير في قوله: "فيه: "يعود للفعل المذكور وهو الطلاق الموصوف، وفي " عليه " للفاعل وهو ابن عمر، وقد تقدم الحديث مشروحا في " كتاب الطلاق"

(13/138)


14 - باب مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَخَفْ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ
كَمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِهِنْدٍ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا
7161 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ

(13/138)


يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ ثُمَّ قَالَتْ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قَالَ لَهَا لاَ حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ
قوله: "باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة" أشار إلى قول أبي حنيفة ومن وافقه. أن للقاضي أن يحكم بعلمه في حقوق الناس وليس له أن يقضي بعلمه في حقوق الله كالحدود لأنها مبنية على المسامحة، وله في حقوق الناس تفصيل، قال: إن كان ما علمه قبل ولايته لم يحكم لأنه بمنزلة ما سمعه من الشهود وهو غير حاكم، بخلاف ما علمه في ولايته. وأما قوله: "إذا لم يخف الظنون والتهمة " فقيد به قول من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه لأن الذين منعوا ذلك مطلقا اعتلوا بأنه غير معصوم فيجوز أن تلحقه التهمة إذا قضى بعلمه أن يكون حكم لصديقه على عدوه فحسمت المادة فجعل المصنف محل الجواز ما إذا لم يخف الحاكم الظنون والتهمة، وأشار إلى أنه يلزم من المنع من أجل حسم المادة أن يسمع مثلا رجلا طلق امرأته طلاقا بائنا. ثم رفعته إليه فأنكر فإذا حلفه فحلف لزم أن يديمه على فرج حرام فيفسق به فلم يكن له بد من أن لا يقبل قوله ويحكم عليه بعلمه، فإن خشي التهمة فله أن يدفعه ويقيم شهادته عليه عند حاكم آخر، وسيأتي مزيد لذلك في " باب الشهادة تكون عند الحاكم " وقال الكرابيسي: الذي عندي أن شرط جواز الحكم بالعلم أن يكون الحاكم مشهورا بالصلاح والعفاف والصدق ولم يعرف بكبير زلة ولم يؤخذ عليه خربة بحديث تكون أسباب التقى فيه موجودة وأسباب التهم فيه مفقودة فهذا الذي يجوز له أن يحكم بعلمه مطلقا. قلت: وكأن البخاري أخذ ذلك عنه فإنه من مشايخه. قوله: "كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لهند. خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" هذا اللفظ وصله المؤلف في النفقات من طريق هشام بن عروة عن أبيه، وقد ساق القصة في هذا الباب بغير هذا اللفظ من طريق الزهري عن عروة وقوله: "وذلك إذا كان أمرا مشهورا " هذا تفسير قول من قال يقضي بعلمه مطلقا، ويحتمل أن يكون المراد بالمشهور الشيء المأمور بأخذه. قوله: "ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلخ" تقدم في السيرة النبوية في المناقب والكلام عليه، وتقدم شرح ما تضمنه الحديث المذكور في " كتاب النفقات " وفيه بيان استدلال من استدل به على جواز حكم الحاكم بعلمه ورد قول المستدل به على الحكم على الغائب. قال ابن بطال: احتج من أجاز للقاضي أن يحكم بعلمه بحديث الباب فإنه صلى الله عليه وسلم قضى لها بوجوب النفقة لها ولولدها لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان ولم يلتمس على ذلك بينة، ومن حيث النظر أن علمه أقوى من الشهادة لأنه يتيقن ما علمه، والشهادة قد تكون كذبا، وحجة من منع قوله حديث أم سلمة " إنما أقضي له بما أسمع " ولم يقل بما أعلم. وقال للحضرمي " شاهداك أو يمينه " وفيه: "وليس لك إلا ذلك " ولما يخشى من قضاة السوء أن يحكم أحدهم بما شاء ويحيل على علمه احتج من منع مطلقا بالتهمة، واحتج من فصل بأن الذي علمه الحاكم قبل القضاء كان على طريق الشهادة فلو حكم به لحكم بشهادة نفسه فصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره، وأيضا فيكون كالحاكم يشاهد واحد، وقد تقدم له تعليل آخر وأما في حال القضاء ففي حديث أم سلمة " فإنما أقضي له على نحو ما أسمع " ولم يفرق بين سماعه من شاهد أو مدع، وسيأتي تفصيل المذاهب في الحكم بالعلم في " باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء"

(13/139)


وقال ابن المنير: لم يتعرض ابن بطال المقصود الباب، وذلك أن البخاري احتج لجواز الحكم بالعلم بقصة هند، فكان ينبغي للشارح أن يتعقب ذلك بأن لا دليل فيه لأنه خرج مخرج الفتيا وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة إنهاء المستفتي، فكأنه قال: إن ثبت أنه يمنعك حقك جاز لك استيفاؤه مع الإمكان. قال: وقد أجاب بعضهم بأن الأغلب من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الحكم والإلزام، فيجب تنزيل لفظه: "عليه " لكن يرد عليه أنه صلى الله عليه وسلم ما ذكر في قصة هند أنه يعلم صدقها، بل ظاهر الأمر أنه لم يسمع هذه القصة إلا منها فكيف يصح الاستدلال به على حكم الحاكم بعلمه؟. قلت: وما ادعى نفيه بعيد، فإنه لو لم يعلم صدقها لم يأمرها بالأخذ؛ واطلاعه على صدقها ممكن بالوحي دون من سواه فلا بد من سبق علم، ويؤيد اطلاعه على حالها من قبل أن تذكر ما ذكرت من المصاهرة، ولأنه قبل قولها إنها زوجة أبي سفيان بغير بينة واكتفي فيه بالعلم، ولأنه لو كانت فتيا لقال مثلا تأخذ، فلما أتي بصيغة الأمر بقوله: "خذي " دل على الحكم، وسيأتي لهذا مزيد في " باب القضاء على الغائب " ثم قال ابن المنير أيضا: لو كان حكما لاستدعى معرفة المحكوم به، والواقع أن المحكوم به غير معين، كذا قال والله أعلم.

(13/140)


15 - باب الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِ
وَكِتَابِ الْحَاكِمِ إِلَى عَامِلِهِ وَالْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ كِتَابُ الْحَاكِمِ جَائِزٌ إِلاَّ فِي الْحُدُودِ ثُمَّ قَالَ إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ بِزَعْمِهِ وَإِنَّمَا صَارَ مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ وَاحِدٌ وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِهِ فِي الْجَارُودِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي سِنٍّ كُسِرَتْ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي جَائِزٌ إِذَا عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْقَاضِي وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ شَهِدْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِيَ الْبَصْرَةِ وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْحَسَنَ وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ وَبِلاَلَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيَّ وَعَامِرَ بْنَ عَبِيدَةَ وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ يُجِيزُونَ كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ فَإِنْ قَالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ إِنَّهُ زُورٌ قِيلَ لَهُ اذْهَبْ فَالْتَمِسْ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحْرِزٍ جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لِي عِنْدَ فُلاَنٍ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ وَجِئْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَجَازَهُ وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَأَبُو قِلاَبَةَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا لِأَنَّهُ لاَ يَدْرِي لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ وَإِلاَ فَلاَ تَشْهَدْ

(13/140)


7162 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قَالُوا: إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلاَّ مَخْتُومًا, فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"
قوله: "باب الشهادة على الخط المختوم" كذا للأكثر بمعجمة ثم مثناة. وفي رواية الكشميهني: "المحكوم " بمهملة ثم كاف أي المحكوم به، وسقطت هذه اللفظة لابن بطال، ومراده هل تصح الشهادة على الخط أي بأنه خط فلان، وقيد بالمختوم لأنه أقرب إلى عدم التزوير على الخط. قوله: "وما يجوز من ذلك وما يضيق عليه" يريد أن القول بذلك لا يكون على التعميم إثباتا ونفيا، بل لا يمنع ذلك مطلقا فتضيع الحقوق، ولا يعمل بذلك مطلقا فلا يؤمن فيه التزوير فيكون جائزا بشروط. قوله: "وكتاب الحاكم إلى عامله والقاضي إلى القاضي" يشير إلى الرد على من أجاز الشهادة على الخط ولم يجزها في " كتاب القاضي " و " كتاب الحاكم " وسيأتي بيان من قاله والبحث معه فيه. قوله: "وقال بعض الناس: كتاب الحاكم جائز إلا في الحدود؛ ثم قال: إن كان القتل خطأ فهو جائز لأن هذا مال بزعمه، وإنما صار ما لا بعد أن ثبت القتل" قال ابن بطال: حجة البخاري على من قال ذلك من الحنفية واضحة لأنه إذا لم يجز الكتاب بالقتل فلا فرق بين الخطأ والعمد في أول الأمر، وإنما يصير مالا بعد الثبوت عند الحاكم، والعمد أيضا ربما آل إلى المال فاقتضى النظر التسوية. قوله: "وقد كتب عمر إلى عامله في الحدود" في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني: "في الجارود " بجيم خفيفة وبعد الألف راء مضمومة وهو ابن المعلى ويقال ابن عمرو بن المعلي العبدي، ويقال كان اسمه بشرا والجارود لقبه، وكان الجارود المذكور قد أسلم وصحب ثم رجع إلى البحرين فكان بها، وله قصة مع قدامة بن مظعون عامل عمر على البحرين أخرجها عبد الرزاق من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال استعمل عمر قدامة ابن مظعون فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر فقال إن قدامة شرب فسكر فكتب عمر إلى قدامة في ذلك، فذكر القصة بطولها في قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة عليه، وفي احتجاج قدامة بآية المائدة وفي رد عمر عليه وجلده الحد وسندها صحيح، وقد تقدم في آخر الحدود، ونزول الجارود البصرة بعد ذلك واستشهد في خلافة عمر سنة عشرين. قوله: "وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت" وصله أبو بكر الخلال في " كتاب القصاص والديات من طريق عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق عن أبيه قال: "كتب إلى عمر بن عبد العزيز كتابا أجاز فيه شهادة رجل على سن كسرت". قوله: "وقال إبراهيم: كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم" وصله ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عبيدة عن إبراهيم. قوله: "وكان الشعبي يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي" وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عيسى ابن أبي عزة قال: "كان عامر يعني الشعبي يجيز الكتاب المختوم يجيئه من القاضي " وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن الشعبي قال: "لا يشهد ولو عرف الكتاب والخاتم حتى يذكر " ويجمع بينهما بأن الأول إذا كان من القاضي إلى القاضي والثاني، في حق الشاهد. قوله: "ويروي عن ابن عمر نحوه" قلت: لم يقع لي هذا الأثر عن ابن عمر إلى الآن. قوله: "وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي" هو المعروف بالضال بضاد معجمة ولام ثقيلة، سمى بذلك لأنه ضل في طريق مكة، قاله عبد الغني بن سعيد المصري، ووثقه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي، ومات سنة ثمانين ومائة، وكان معمرا

(13/141)


أدرك أبا رجاء العطاردي، وقد وصل أثره هذا وكيع في مصنفه عنه. قوله: "شهدت" أي حضرت "عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة" هو الليثي تابعي ثقة، وكان يزيد ابن هبيرة ولاه قضاء البصرة لما ولى إمارتها من قبل يزيد بن عبد الملك بن مروان، ذكر ذلك عمر بن شبة في أخبار البصرة وقال: إنه مات وهو على القضاء، وأرخه ابن حبان في الثقات سنة مائة فوهم، وذكر ابن سعد أنه كان قاضيا قبل الحسن ومات في خلافة عمر بن عبد العزيز، والصواب بعد الحسن، وقول عمر بن شبة هو المعتمد وأن ابن هبيرة هو الذي ولاه ومات على القضاء بعد ذلك بعد المائة بسنتين أو ثلاث، ويقال بل عاش إلى خلافة هشام بن عبد الملك فعزله خالد بن عبد الله القسري وولى ثمامة بن عبد الله بن أنس. قوله: "وإياس بن معاوية" بكسر الهمزة وتخفيف التحتانية هو المزني المعروف بالذكاء وكان قد ولى قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز ولاه عدي بن أرطاة عامل عمر عليها بعد امتناعه منه، وله في ذلك أخبار، منها ما ذكره الكرابيسي في " أدب القضاء " قال: حدثنا عبيد الله بن عائشة حدثنا عبد الله بن عمر القيسي قال: قالوا لإياس لما امتنع من الولاية يا أبا واثلة اختر لنا، قال: لا أتقلد ذلك، قيل له لو وجدت رجلا ترضاه أكنت تشير به؟ قال: نعم، قيل وترضى له أن يلي إذا كان رضا؟ قال: نعم، قيل له فإنك خيار، رضا، فلم يزالوا به حتى ولى. قلت: ثم وقع بينهما فركب إياس إلى عمر بن عبد العزيز، فبادر عدي فولى الحسن البصري القضاء، فكتب عمر ينكر على عدي ما ذكره عنه إياس ويوفق صنعه في تولية الحسن القضاء، ذكر ذلك عمر بن شبة، ومات إياس سنة اثنتين وعشرين ومائة، وهو ثقة عند الجميع. قوله: "والحسن" هو ابن أبي الحسن البصري الإمام المشهور، وكان ولى قضاء البصرة مدة لطيفة ولاه عدي أميرها لما ذكرنا، ومات الحسن سنة عشر ومائة. قوله: "وثمامة بن عبد الله بن أنس" هو الراوي المشهور، وكان تابعيا ثقة، ناب في القضاء بالبصرة عن أبي بردة، ثم ولى قضاء البصرة أيضا في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك ولاه خالد القسري سنة ست ومائة وعزله سنة عشر وقيل سنة تسع، وولى بلال بن أبي بردة، ومات ثمامة بعد ذلك. قوله: "وبلال بن أبي بردة" أي ابن أبي موسى الأشعري، وكان صديق خالد بن عبد الله القسري فولاه قضاء البصرة لما ولى إمرتها من قبل هشام بن عبد الملك، وضم إليه الشرطة، فكان أميرا قاضيا، ولم يزل قاضيا إلى أن قتله يوسف بن عمر الثقفي. لما ولى الإمرة بعد خالد، وعذب خالدا وعماله ومنهم بلال، وذلك في سنة عشرين ومائة، ويقال إنه مات في حبس يوسف، وقد أخرج له الترمذي حديثا واحدا، ولم يكن محمودا في أحكامه، ويقال إنه كان يقول أن الرجلين ليختصمان إلي فأجد أحدهما أخف على قلبي فاقضي له، ذكر ذلك أبو العباس المبرد في الكامل. قوله: "وعبد الله بن بريدة الأسلمي" هو التابعي المشهور، وكان ولى قضاء مرو بعد أخيه سليمان سنة خمس عشرة ومائة إلى أن مات وهو على قضائها سنة خمس عشرة ومائة، وذلك في ولاية أسد بن عبد الله القسري على خراسان وهو أخو خالد القسري، وحديث عبد الله بن بريدة بن الخصيب هذا في الكتب الستة. قوله: "وعامر بن عبدة" هو بفتح الموحدة وقيل بسكونها ذكره ابن ماكولا بالوجهين، وقيل فيه أيضا عبيدة بكسر الموحدة وزيادة ياء، وجميع من في البخاري بالسكون إلا بجالة بن عبدة المقدم ذكره في " كتاب الجزية " فإنه بالتحريك، وعامر هو البجلي أبو إياس الكوفي ووثقه ابن معين وغيره، وهو من قدماء التابعين له رواية عن ابن مسعود، وروي عنه المسيب بن رافع وأبو إسحاق، وحديثه عند النسائي، وكان ولي القضاء بالكوفة مرة وعمر. قوله: "وعباد بن منصور" أي الناجي

(13/142)


بالنون والجيم يكني أبا سلمة بصري، قال أبو داود: ولي قضاء البصرة خمس مرات " وذكر عمر بن شبة أنه أول ما ولى سنة سبع وعشرين ولاه يزيد بن عمر بن هبيرة " فلما غزل وولى مسلم بن قتيبة عزله وولى معاوية بن عمرو، ثم استعفى فأعفاه مسلم، وأعاد عباد بن منصور، وكان عباد يرمي بالقدر ويدلس فضعفوه بسبب ذلك، ويقال إنه تغير، وحديثه في السنن الأربعة، وعلق له البخاري شيئا، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائة. قوله: "يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود إلخ" يعني قوله: "فالتمس المخرج " وهو بفتح الميم وسكون المعجمة وآخره جيم أطلب الخروج من عهدة ذلك إما بالقدح في البينة بما يقبل فتبطل الشهادة، وإما بما يدل على البراءة من المشهود به. قوله: "وأول من سأل علي " كتاب القاضي " البينة ابن أبي ليلى" هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة وإمامها، وليها في زمن يوسف بن عمر الثقفي في خلافة الوليد بن يزيد ومات سنة ثمان وأربعين ومائة وهو صدوق، اتفقوا على ضعف حديثه من قبل سوء حفظه. وقال الساجي: كان يمدح في قضائه، فإما في الحديث فليس بحجة. وقال أحمد: فقه ابن أبي ليلى أحب إلي من حديثه، وحديثه في السنن الأربعة، وأغفل المزي أن يعلم له في " التهذيب " علامة تعليق البخاري، كما أغفل أن يترجم لسوار بن عبد الله المذكور بعده أصلا مع أنه أعلم لكل من ذكره معاوية بن عبد الكريم هنا ممن لم يخرج له شيئا موصولا. قوله: "وسوار بن عبد الله" بفتح المهملة وتشديد الواو وهو العنبري نسبة إلى بني العنبر من بني تميم، قال ابن حبان في الثقات: كان فقيها: ولاه المنصور قضاء البصرة سنة ثمان وثلاثين ومائة فبقى على قضائها إلى أن مات في ذي القعدة سنة ست وخمسين، وحفيده سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله ولي قضاء الرصافة ببغداد والجانب الشرقي، وحديثه في السنن الثلاثة، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين. قوله: "وقال لنا أبو نعيم" هو الفضل بن دكين. قوله: "حدثنا عبيد الله" بالتصغير "ابن محرز" بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء بعدها زاي هو كوفي، ما رأيت له راويا غير أبي نعيم، وما له في البخاري سوى هذا الأثر، ولم يزد المزي في ترجمته على ما تضمنه هذا الأثر. قوله: "جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضي البصرة" أي ابن مالك التابعي المشهور، وكان ولي قضاء البصرة في ولاية الحكم بن أيوب الثقفي، وهو ثقة حديثه في الكتب الستة. وقال ابن حبان في الثقات: مات بعد أخيه النضر بالبصرة، وكانت وفاة النضر قبل وفاة الحسن البصري سنة ثمان أو تسع ومائة. قوله: "فجئت به القاسم بن عبد الرحمن" أي ابن عبد الله بن مسعود المسعودي يكنى أبا عبد الرحمن. وقال العجلي: ثقة وكان على قضاء الكوفة زمن عمر بن عبد العزيز، " وكان لا يأخذ على القضاء أجرا، وكان ثقة صالحا " وهو تابعي. قال ابن المديني: لم يلق من الصحابة إلا جابر بن سمرة، ويقال إنه مات سنة ست عشرة ومائة. قوله: "فأجازه" بجيم وزاي أي أمضاه وعمل به. "تنبيه": وقع في المغني لابن قدامة: يشترط في قول أئمة الفتوى أن يشهد " بكتاب القاضي إلى القاضي " شاهدان عدلان ولا تكفي معرفة خط القاضي وختمه، وحكى عن الحسن وسوار والحسن العنبري أنهم قالوا: إذا كان يعرف خطه وختمه قبله، وهو قول أبي ثور. قلت: وهو خلاف ما نقله البخاري عن سوار أنه أول من سأل البينة، وينضم إلى من ذكرهم ابن قدامة سائر من ذكرهم البخاري من قضاة الأمصار من التابعين فمن بعدهم. قوله: "وكره الحسن" هو البصري، وأبو قلابة هو الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء.
قوله: "أن يشهد" بفتح أوله والفاعل محذوف أي الشاهد.
قوله: "على وصية حتى يعلم ما فيها" أما أثر الحسن فوصله الدارمي من رواية هشام بن حسان

(13/143)


عنه قال: لا تشهد على وصية حتى تقرأ عليك، ولا تشهد على من لا تعرف، وأخرجه سعيد بن منصور من طريق يونس بن عبيد عن الحسن نحوه. وأما أثر أبي قلابة فوصله ابن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان جميعا من طريق حماد بن زيد عن أيوب قال: قال أبو قلابة في الرجل يقول اشهدوا على ما في هذه الصحيفة، قال: لا حتى يعلم ما فيها زاد يعقوب وقال: لعل فيها جورا. وفي هذه الزيادة بيان السبب في المنع المذكور. وقد وافق الداودي من المالكية هذا القول فقال: هذا هو الصواب أنه لا يشهد على وصية حتى يعرف ما فيها. وتعقبه ابن التين بأنها إذا كان فيها جور لم يمنع التحمل، لأن الحاكم قادر على رده إذا أوجب حكم الشرع رده، وما عداه يعمل به فليس خشية الجور فيها مانعا من التحمل، وإنما المانع الجهل بما يشهد به. قال: ووجه الجور أن كثيرا من الناس يرغب في إخفاء أمره لاحتمال أن لا يموت فيحتاط بالإشهاد ويكون حاله مستمرا على الإخفاء. قوله: "وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل خيبر إلخ" هذا طرف من حديث سهل بن أبي حثمة في قصة حويصة ومحيصة وقتل عبد الله بن سهل بخيبر؛ وقد تقدم شرحه مستوفى في الديات في " باب القسامة " ويأتي بهذا اللفظ في " باب كتابة الحاكم إلى عماله " بعد أحد وعشرين بابا. قوله: "وقال الزهري في الشهادة على المرأة من الستر" أي من ورائه. قوله: "إن عرفتها فاشهد" وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق جعفر بن برقان عن الزهري بنحوه، ومقتضاه أنه لا يشترط أن يراها حالة الإشهاد بل يكفي أن يعرفها بأي طريق فرض، وفي ذلك خلاف أشير إليه في " كتاب الشهادات". قوله: "لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم" كان ذلك في سنة ست كما تقدم بيانه في شرح حديث أبي سفيان الطويل المذكور في بدء الوحي. قوله: "قالوا إنهم لا يقرءون كتابا إلا مختوما" لم أعرف اسم القائل بعينه. قوله: "فاتخذ خاتما إلخ" تقدم شرحه مستوفى في أواخر اللباس، وجملة ما تضمنته هذه الترجمة بآثارها ثلاثة أحكام: الشهادة على الخط، " وكتاب القاضي إلى القاضي " والشهادة على الإقرار بما في الكتاب. وظاهر صنيع البخاري جواز جميع ذلك، فأما الحكم الأول فقال ابن بطال: اتفق العلماء على أن الشهادة لا تجوز للشاهد إذا رأى خطه إلا إذا تذكر تلك الشهادة، فإن كان لا يحفظها فلا يشهد، فإنه من شاء انتقش خاتما ومن شاء كتب كتابا، وقد فعل مثله في أيام عثمان في قصة مذكورة في سبب قتله، وقد قال الله تعالى :{إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} وأجاز مالك الشهادة على الخط، ونقل ابن شعبان عن ابن وهب أنه قال: لا آخذ بقول مالك في ذلك. وقال الطحاوي: خالف مالكا جميع الفقهاء في ذلك وعدوا قوله في ذلك شذوذا، لأن الخط قد يشبه الخط، وليست شهادة على قول منه ولا معاينة. وقال محمد بن الحارث: الشهادة على الخط خطأ، فقد قال مالك في رجل قال: سمعت فلانا يقول رأيت فلانا قتل فلانا أو طلق امرأته أو قذف: لا يشهد على شهادته إلا أن أشهده. قال: فالخط أبعد من هذا وأضعف، قال: والشهادة على الخط في الحقيقة استشهاد الموتى.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لا يقضي في دهرنا بالشهادة على الخط، لأن الناس قد أحدثوا ضروبا من الفجور. وقد قال مالك: يحدث للناس أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور. وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم القاضي ثم رأى مالك أن ذلك لا يجوز فهذه أقوال الجماعة من أئمة المالكية توافق الجمهور. وقال أبو علي الكرابيسي في " كتاب أدب القضاء " له أجاز الشهادة على الخط قوم لا نظر لهم، فإن الكتاب يشبهون الخط بالخط حتى يشكل ذلك على أعلمهم انتهى، وإذا كان هذا في ذلك العصر فكيف بمن جاء بعدهم وهم أكثر مسارعة إلى الشر ممن مضى وأدق نظرا فيه

(13/144)


وأكثر هجوما عليه، وأما الحكم الثاني فقال ابن بطال: اختلفوا في " كتب القضاة " فذهب الجمهور إلى الجواز، واستثنى الحنفية الحدود، وهو قول الشافعي، والذي احتج به البخاري على الحنفية قوي لأنه لم يصر مالا إلا بعد ثبوت القتل قال: وما ذكره عن القضاة من التابعين من إجازة ذلك حجتهم فيه ظاهرة من الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى الملوك ولم ينقل أنه أشهد أحدا على كتابه. قال: ثم أجمع فقهاء الأمصار على ما ذهب إليه سوار وابن أبي ليلى من اشتراط الشهود لما دخل الناس من الفساد فاحتيط للدماء والأموال. وقد روى عبد الله بن نافع عن مالك قال: كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتيم حتى أن القاضي ليكتب للرجل الكتاب، فما يزيد على ختمه فيعمل به. حتى اتهموا فصار لا يقبل إلا بشاهدين. وأما الحكم الثالث فقال ابن بطال: اختلفوا إذا أشهد القاضي شاهدين على ما كتبه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه، فقال مالك: يجوز ذلك. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز لقوله تعالى :{وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} قال: وحجة مالك أن الحاكم إذا أقر أنه كتابه فالغرض من الشهادة عليه أن يعلم القاضي المكتوب إليه أن هذا " كتاب القاضي " إليه، وقد يثبت عند القاضي من أمور الناس ما لا يجب أن يعلمه كل أحد كالوصية إذا ذكر الموصي ما فرط فيه مثلا. قال: وقد أجاز مالك أيضا أن يشهدا على الوصية المختومة وعلى الكتاب المطوي، ويقولان للحاكم نشهد على إقراره بما في هذا الكتاب، والحجة في ذلك كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عماله من غير أن يقرأها على من حملها؛ وهي مشتملة على الأحكام والسنن. وقال الطحاوي: يستفاد من حديث أنس أن الكتاب إذا لم يكن مختوما فالحجة بما فيه قائمة لكونه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إليهم، وإنما اتخذ الخاتم لقولهم إنهم لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختوما، فدل على أن " كتاب القاضي " حجة مختوما كان أو غير مختوم. واختلف في الحكم بالخط المجرد كأن يرى القاضي خطه بالحكم فيطلب منه المحكوم له العمل به، فالأكثر ليس له أن يحكم حتى يتذكر الواقعة كما في الشاهد وهو قول الشافعي؛ وقيل: إن كان المكتوب في حرز الحاكم أو الشاهد منذ حكم فيه أو تحمل إلى أن طلب منه الحكم أو الشهادة جاز ولو لم يتذكر وإلا فلا، وقيل: إذا تيقن أنه خطه ساغ له الحكم والشهادة وإن لم يتذكر، والأوسط أعدل المذاهب وهو قول أبي يوسف ومحمد ورواية عن أحمد رجحها كثير من أتباعه، والأول قول مالك ورواية عن أحمد. قال ابن المنير: لم يتعرض الشارح لمقصود الباب لأن البخاري استدل على الخط بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الروم ولقائل أن يقول: إن مضمون " الكتاب " دعاؤهم إلى الإسلام وذلك أمر قد اشتهر لثبوت المعجزة والقطع بصدقه فيما دعا إليه، فلم يلزمهم بمجرد الخط فإنه عند القائل به إنما يفيد ظنا والإسلام لا يكتفي فيه بالظن إجماعا فدل على أن العلم حصل بمضمون الخط مقرونا بالتواتر السابق على الكتاب، فكان الكتاب كالتذكرة والتوكيد في الإنذار، مع أن حامل الكتاب قد يحتمل أن يكون اطلع على ما فيه وأمر بتبليغه. والحق أن العمدة على أمره المعلوم مع قرائن الحال المصاحبة لحامل الكتاب، ومسألة الشهادة على الخط مفروضة في الاكتفاء بمجرد الخط، قال: والفرق بين الشهادة على الخط وبين " كتاب القاضي إلى القاضي " في أن القائل بالأول أقل من القائل بالثاني تطرق الاحتمال في الأول وندوره في الثاني لبعد احتمال التزوير على القاضي ولا سيما حيث تمكن المراجعة، ولذلك شاع العمل به فيما بين القضاة ونوابهم والله أعلم.

(13/145)


16 - باب مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضَاءَ ؟

(13/145)


وَقَالَ الْحَسَنُ أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لاَ يَتَّبِعُوا الْهَوَى وَلاَ يَخْشَوْا النَّاسَ وَلاَ يَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ثُمَّ قَرَأَ {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ, إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} . وَقَرَأَ {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا, وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} بِمَا اسْتُحْفِظُوا: اسْتُوْدِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَقَرَأَ {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ, فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ وَلَوْلاَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِي مِنْهُنَّ خَصْلَةً كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ: أَنْ يَكُونَ فَهِمًا, حَلِيمًا, عَفِيفًا, صَلِيبًا, عَالِمًا, سَئُولًا عَنْ الْعِلْمِ
قوله: "باب متى يستوجب الرجل القضاء" ؟ أي متى يستحق أن يكون قاضيا. قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في " كتاب آداب القضاء " له: لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه، قارئا لكتاب الله، عالما بأكثر أحكامه، عالما بسنن رسول الله حافظا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالما بالوفاق والخلاف وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب فإن لم يجد فالسنن فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به؛ ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة لهم مع فضل وورع، ويكون حافظا للسانه وبطنه وفوجه، فهما بكلام الخصوم، ثم لا بد أن يكون عاقلا مائلا عن الهوى ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم. وقال المهلب: لا يكفي في استحباب القضاء أن يرى نفسه أهلا لذلك بل أن يراه الناس أهلا لذلك. وقال ابن حبيب عن مالك " لا بد أن يكون القاضي عالما عاقلا". قال ابن حبيب فإن لم يكن علم فعقل وورع، لأنه بالورع يقف وبالعقل يسأل، وهو إذا طلب العلم وجده وإذا طلب العقل لم يجده. قال ابن العربي: واتفقوا على أنه لا يشترط أن يكون غنيا، والأصل قوله تعالى :{وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} الآية. قال: والقاضي لا يكون في حكم الشرع إلا غنيا لأن غناه في بيت المال فإذا منع من بيت المال واحتاج كان تولية من يكون غنيا أولى من تولية من يكون فقيرا، لأنه يصير في مظنة من يتعرض لتناول ما لا يجوز تناوله قلت: وهذا قاله بالنسبة إلى الزمان الذي كان فيه ولم يدرك زمانه هذا الذي صار من يطلب القضاء فيه يصرح بأن سبب طلبه الاحتياج إلى ما يقوم بأوده، مع العلم بأنه لا يحصل له شيء من بيت المال. واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عن

(13/146)


الحنفية، واستثنوا الحدود، وأطلق ابن جرير، وحجة الجمهور الحديث الصحيح " ما أفلح قوم ولوا أمورهم امرأة " وقد تقدم؛ ولأن القاضي يحتاج إلى كمال الرأي ورأي المرأة ناقص ولا سيما في محافل الرجال. قوله: "وقال الحسن" هو البصري. قوله: "أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس" ولا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ثم قرأ: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ - إلى - يَوْمَ الْحِسَابِ} وقرأ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ - إلى قوله - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قلت: فأراد من آية {يَا دَاوُدُ} قوله: {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وأراد من آية المائدة بقية ما ذكر وأطلق على هذه المناهي أمرا إشارة إلى أن النهي عن الشيء أمر بضده، ففي النهي عن الهوى أمر بالحكم بالحق، وفي النهي عن خشية الناس أمر بخشية الله، ومن لازم خشية الله الحكم بالحق، وفي النهي عن بيع آياته الأمر باتباع ما دلت عليه، وإنما وصف الثمن بالقلة إشارة إلى أنه وصف لازم له بالنسبة للعوض فإنه أغلى من جميع ما حوته الدنيا. قوله: "بما استحفظوا: استودعوا من كتاب الله الآية" ثبت هذا للمستملي، وهو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله تعالى :{مَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} أي بما استودعوا، استحفظته كذا استودعته إياه. قوله: "وقرأ" أي الحسن البصري المذكور " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى آخرها " رويناه موصلا في " حلية الأولياء لأبي نعيم " من رواية محمد بن إبراهيم الحافظ المعروف بمربع بموحدة ومهملة وزن محمد، قال حدثنا سعيد هو ابن سليمان الواسطي حدثنا أبو العوام هو عمران القطان عن قتادة عن الحسن وهو ابن أبي الحسن البصري فذكره، ومعنى أخذ الله على الحكام عهد إليهم. قوله: "فحمد سليمان ولم يلم داود، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين" يعني داود وسليمان، وقوله: "لرأيت " في رواية الكشميهني: "لرويت أن القضاة هلكوا " يعني لما تضمنته الآيتان الماضيتان أن من لم يحكم بما أنزل الله كافر، فدخل في عمومه العامد والمخطئ، وكذا قوله تعالى :{إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} يشمل العامد والمخطئ، فاستدل بالآية الأخرى في قصة الحرث أن الوعيد خاص بالعامد، فأشار إلى ذلك بقوله: "فإنه أثنى على هذا بعلمه " أي بسب علمه أي معرفته وفهمه وجه الحكم والحكم به، وعذر بفتح الذال المعجمة هذا باجتهاده. وروينا بعضه في تفسير ابن أبي حاتم وفي المجالسة لأبي بكر الدينوري وفي أمالي الصولي جميعا يزيد بعضهم على بعض من طريق حماد بن سلمة عن حميد الطويل قال: دخلنا مع الحسن على إياس ابن معاوية حين استقضى قال فبكى إياس وقال: يا أبا سعيد - يعني الحسن البصري المذكور يقولون: القضاة ثلاثة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال مع الهوى فهو في النار؛ ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة فقال الحسن: إن فيما قص الله عليك من نبأ سليمان ما يرد على من قال هذا وقرأ: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ - إلى قوله – شَاهِدِينَ} قال: فحمد سليمان لصوابه ولم يذم داود لخطئه. ثم قال: إن الله أخذ على الحكام عهدا بأن لا يشتروا به ثمنا ولا يتبعوا فيه الهوى ولا يخشوا فيه أحدا، ثم تلا: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} إلى آخر الآية. قلت: والحديث الذي أشار إليه إياس أخرجه أصحاب السنن من حديث بريدة، ولكن عندهم الثالث قضى بغير علم، وقد جمعت طرقه في جزء مفرد، وليس في شيء منها أنه اجتهد فأخطأ، وسيأتي حكم من اجتهد فأخطأ بعد أبواب، واستدل بهذه القصة على أن للنبي أن يجتهد في الأحكام ولا ينتظر نزول الوحي، لأن داود عليه السلام على ما ورد اجتهد في المسألة المذكورة قطعا، لأنه لو كان قضى فيها بالوحي ما خص الله سليمان بفهمها دونه. وقد اختلف من أجاز للنبي أن يجتهد هل يجوز عليه الخطأ في اجتهاده؟ فاستدل من أجاز

(13/147)


ذلك بهذه القصة. وقد اتفق الفريقان على أنه لو أخطأ في اجتهاده لم يقر على الخطأ " وأجاب من منع الاجتهاد أنه ليس في الآية دليل على أن داود اجتهد ولا أخطأ، وإنما ظاهرها أن الواقعة اتفقت فعرضت على داود وسليمان فقضى فيها سليمان لأن الله فهمه حكمها، ولم يقض فيها داود بشيء، ويرد على من تمسك بذلك بما ذكره أهل النقل في صورة هذه الواقعة. وقد تضمن أثر الحسن المذكور أنهما جميعا حكما. وقد تعقب ابن المنير قول الحسن البصري، ولم يذم داود بأن فيه نقصا لحق، داود، وذلك أن الله تعالى قد قال: {وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} فجمعهما في الحكم والعلم، وميز سليمان بالفهم، وهو علم خاص زاد على العام بفصل الخصومة. قال: والأصح في الواقعة أن داود أصاب الحكم وسليمان أرشد إلى الصلح، ولا يخلو قوله تعالى :{وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} أن يكون عاما أو في واقعة الحرث فقط " وعلى التقديرين يكون أثنى على داود فيها بالحكم والعلم فلا يكون من قبيل عذر المجتهد إذا أخطأ، لأن الخطأ ليس حكما ولا علما وإنما هو ظن غير مصيب " وإن كان في غير الواقعة فلا يكون تعالى أخبر في هذه الواقعة بخصوصها عن داود بإصابة ولا خطأ، وغايته أنه أخبر بتفهيم سليمان ومفهومه لقب والاحتجاج به ضعيف فلا يقال فهمها سليمان دون داود، وإنما خص سليمان بالتفهيم لصغر سنه فيستغرب ما يأتي به. قلت: ومن تأمل ما نقل في القصة ظهر له أن الاختلاف بين الحكمين كان في الأولوية لا في العمد والخطأ، ويكون معنى قول الحسن " حمد سليمان " أي لموافقته الطري الأرجح " ولم يذم داود " لاقتصاره على الطريق، الراجح وقد وقع لعمر رضي الله عنه قريب مما وقع لسليمان، وذلك أن بعض الصحابة مات وخلف مالا له نماء وديونا، فأراد أصحاب الديون بيع المال في وفاء الدين لهم فاسترضاهم عمر بأن يؤخروا التقاضي حتى يقبضوا ديونهم من النماء ويتوفر لأيتام المتوفي أصل المال؛ فاستحسن ذلك من نظره. ولو أن الخصوم امتنعوا لما منعهم من البيع. وعلى هذا التفصيل يمكن تنزيل قصة أصحاب الحرث والغنم والله أعلم. وتقدم في أحاديث الأنبياء شرح القصة التي وقعت لداود وسليمان في المرأتين اللتين أخذ الذئب ابن إحداهما واختلاف حكم داود وسليمان في ذلك، وتوجيه حكم داود بما يقرب مما ذكر هنا في هذه القصة ووقعت لهما قصة ثالثة في التفرقة بين الشهود في قصة المرأة التي اتهمت بأنها تحمل على نفسها فشهد عليها أربعة بذلك، فأمر داود برجمها، فعمد سليمان وهو غلام فصور مثل قصتها بين الغلمان ثم فرق بين الشهود وامتحنهم فتخالفوا فدرأ عنها، ووقعت لهما رابعة في قصة المرأة التي صب في دبرها ماء البيض وهي نائمة، وقيل إنها زنت فأمر داود برجمها، فقال سليمان: يشوي ذلك الماء فإن اجتمع فهو بيض، وإلا فهو مني، فشوى فاجتمع. وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن مسروق قال: كان حرثهم عنبا نفشت فيه الغنم أي رعت ليلا، فقضى داود بالغنم لهم، فمروا على سليمان فأخبروه الخبر فقال سليمان: لا، ولكن أقضي بينهم أن يأخذوا الغنم فيكون لهم لبنها وصوفها ومنفعتها ويقوم هؤلاء على حرثهم، حتى إذا عاد كان ردوا عليهم غنمهم. وأخرجه الطبري من وجه آخر لين فقال: فيه عن مسروق عن ابن مسعود وأخرجه ابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن ابن مسعود وسنده حسن، وعن معمر عن قتادة: قضى داود أن يأخذوا الغنم، ففهمها الله سليمان فقال: خذوا الغنم فلكم ما خرج من رسلها وأولادها وصوفها إلى الحول. وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: أعطاهم داود رقاب الغنم بالحرث، فحكم سليمان بجزة الغنم وألبانها لأهل الحرث وعليهم رعايتها ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون كهيئة يوم أكل، ثم يدفع لأهله ويأخذون غنمهم. وأخرج الطبري القصة من طريق علي بن

(13/148)


زيد عن خليفة عن ابن عباس نحوه، ومن طريق قتادة قال: ذكر لنا فذكر نحوه. ومن طريق العوفي عن عطية عن ابن عباس ولكن قال فيها: قال سليمان إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وصوفها حتى يستوفي ثمن حرثه، فقال داود: قد أصبت وأخرج ابن مردويه من طريق الحسن عن الأحنف بن قيس نحو الأول. قال ابن التين: قيل علم سليمان أن قيمة ما أفسدت الغنم مثل ما يصير إليهم من لبنها وصوفها. وقال أيضا: ورد في قصة ناقة البراء التي أفسدت في حائط أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وإن الذي أفسدت المواشي بالليل ضمانه على أهلها أي ضمان قيمته، هذا خلاف شرع سليمان قال: فلو تراضيا بالدفع " عن قيمة ما أفسدت فالمشهور أنه لا يجوز حتى يعرفا القيمة " قلت: ورواية العوفي إن كانت محفوظة ترفع الإشكال، وإلا فالجواب ما نقل ابن التين أولا، ولا يكون بين الشرعين مخالفة. قوله: "وقال مزاحم" بضم الميم وتخفيف الزاي وبعد الألف حاء مهملة "ابن زفر" بزاي وفاء وزن عمر. هو الكوفي، ويقال مزاحم بن أبي مزاحم ثقة أخرج له مسلم. قوله: "قال لنا عمر بن عبد العزيز" أي الخليفة المشهور العادل. قوله: "خمس إذا أخطأ القاضي منهن خصلة" بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء، كذا لأبي ذر عن غير الكشميهني، وله عنه " خصلة " بفتح أوله وسكون الصاد المهملة، وكذا في رواية الباقين وهما بمعنى. قوله: "وصمة" بفتح الواو وسكون الصاد المهملة أي عيبا. قوله: "أن يكون" تفسير لحال القاضي المذكور. قوله: "فهما" بفتح الفاء وكسر الهاء وهو من صيغ المبالغة، ويجوز تسكين الهاء أيضا، ووقع في رواية المستملي: "فقيها " والأول أولى لأن خصلة الفقه داخلة في خصلة العلم وهي مذكورة بعد. قوله: "حليما" أي يغضي على من يؤذيه ولا يبادر إلى الانتقام ولا ينافي ذلك قوله بعد ذلك " صليبا " لأن الأول في حق نفسه والثاني في حق غيره. قوله: "عفيفا" أي يعف عن الحرام فإنه إذ كان عالما ولم يكن عفيفا كان ضرره أشد من ضرر الجاهل. قوله: "صليبا" بصاد مهملة وباء موحدة من الصلابة بوزن عظيم، أي قويا شديدا يقف عند الحق ولا يميل مع الهوى، ويستخلص حق المحق من المبطل ولا يجابيه. قوله: "عالما سئولا عن العلم" هي خصلة واحدة أي يكون مع ما يستحضره من العلم مذاكرا له غيره، لاحتمال أن يظهر له ما هو أقوى مما عنده. وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور في السنن عن عباد بن عباد ومحمد بن سعد في الطبقات عن عفان كلاهما قال: "حدثنا مزاحم بن زفر قال قدمنا على عمر بن عبد العزيز في خلافته وفد من أهل الكوفة، فسألنا عن بلادنا وقاضينا وأمره. وقال: خمس إذا أخطأ " ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر بن عبد العزيز بلفظ آخر أخرجه أيضا محمد بن سعد في الطبقات عن محمد ابن عبد الله الأسدي هو أحمد الزبيري عن سفيان هو الثوري عن يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز قال: لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا حتى يكون فيه خمس خصال: "عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الرأي، لا يبالي، بملامة الناس " وجاء في استحباب الاستشارة آثار جياد. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الشعبي قال: من سره أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر، فإنه كان يستشير.

(13/149)


17 - باب رِزْقِ الْحُكَّامِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا
وَقَالَتْ عَائِشَةُ يَأْكُلُ الْوَصِيُّ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ

(13/149)


ق7163 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ "أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلاَفَتِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِيَ مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ كَرِهْتَهَا فَقُلْتُ بَلَى فَقَالَ عُمَرُ فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ قُلْتُ إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا وَأَنَا بِخَيْرٍ وَأُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ عُمَرُ لاَ تَفْعَلْ فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي, فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ فَخُذْهُ وَإِلاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ
7164 - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَالاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ
قوله: "باب رزق الحاكم والعاملين عليها" هو من إضافة المصدر إلى المفعول، والرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين وقال المطرزي: الرزق ما يخرجه الإمام شهر للمرتزقة من بيت المال، والعطاء ما يخرجه عام ويحتمل أن يكون قوله: "والعاملين عليها " عطفا على الحاكم أي ورزق العاملين عليها أي على الحكومات، ويحتمل أن يكون أورد الجملة على الحكاية يريد الاستدلال على جواز أخذ الرزق بآية الصدقات وهم من جملة المستحقين لها لعطفهم على الفقراء والمساكين بعد قوله: {إنما الصدقات} قال الطبري: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك ولم يحرموه مع ذلك. وقال أبو علي الكرابيسي: لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار لا أعلم بينهما اختلافا، وقد كره ذلك قوم منهم مسروق ولا أعلم أحدا منهم حرمه. وقال المهلب: وجه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب لقوله تعالى لنبيه {قل لا أسألكم عليه أجرا} فأرادوا أن يجري الأمر فيه على الأصل الذي وضعه الله لنبيه، ولئلا يدخل فيه من لا يستحقه فيتحيل على أموال الناس. وقال غيره: أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائزا إجماعا، ومن تركه إنما تركه تورعا، وأما إذا كانت هناك شبهة فالأولى الترك جزما، ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختلف إذا كان الغالب حراما: وأما من غير بيت المال ففي جواز الأخذ من المتحاكمين خلاف، ومن أجازه شرط فيه شروطا لا بد منها، وقد جر القول بالجواز إلى إلغاء الشروط، وفشا ذلك في هذه الأعصار بحيث تعذر إزالة ذلك والله المستعان. قوله: "وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرا" هو شريح بن الحارث بن قيس النخعي الكوفي قاضي الكوفة، ولاه عمر ثم قضى لمن بعده بالكوفة دهرا طويلا،

(13/150)


وله مع علي أخبار في ذلك. وهو ثقة مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام ويقال إن له صحبة، مات قبل الثمانين وقد جاوز المائة. وهذا الأثر وصله عبد الرزاق وسعيد ابن منصور من طريق مجالد عن الشعبي بلفظ: "كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجرا، وكان شريح يأخذ". قوله: "وقالت عائشة يأكل الوصي بقدر عمالته" قلت: وصله ابن أبي شيبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله تعالى:َ {مَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قالت أنزل الله ذلك في والي مال اليتيم يقوم عليه بما يصلحه إن كان محتاجا أن يأكل منه. قوله: "وأكل أبو بكر وعمر" أما أثر أبي بكر فوصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: "لما استخلف أبو بكر قال: قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وقد شغلت بأمر المسلمين " الحديث وفيه قصة عمر وقد أسنده البخاري في البيوع من هذا الوجه، وبقيته " فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه: "وفيه: "أن عمر لما ولى أكل هو وأهله من المال، واحترف في مال نفسه". وأما أثر عمر فوصله ابن أبي شيبة وابن سعد من طريق حارثة بن مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء بعدها موحدة قال: قال عمر " إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف " وسنده صحيح. وأخرج الكرابيسي بسند صحيح عن الأحنف قال: "كنا بباب عمر - فذكر قصة وفيها - فقال عمر: أنا أخبركم بما أستحل: ما أحج عليه وأعتمر، وحلتي الشتاء والقيظ، وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم " ورخص الشافعي وأكثر أهل العلم، وعن أحمد: لا يعجبني، وإن كان فبقدر عمله مثل ولي اليتيم، واتفقوا على أنه لا يجوز الاستئجار عليه. قوله: "ابن أخت نمر" بفتح النون وكسر الميم بعدها راء، هو الصحابي المشهور، تقدم ذكره مرارا من أقربها في الحدود، وأدرك من زمان النبي صلى الله عليه وسلم ست سنين وحفظ عنه، وهو من أواخر الصحابة موتا، وآخر من مات منهم بالمدينة، وقيل محمود بن الربيع، وقيل محمود بن لبيد. قوله: "إن حويطب بن عبد العزى" أي ابن أبي قيس بن عبد شمس القرشي العامري، كان من أعيان قريش. وأسلم في الفتح، وكان حميد الإسلام، وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وخمسين من الهجرة وهو ابن مائة وعشرين سنة؛ وهو ممن أطلق عليه أنه عاش ستين في الجاهلية وستين في الإسلام تجوزا، ولا يتم ذلك تحقيقا لأنه إن أريد بزمان الإسلام أول البعثة فيكون عاش فيها سبعا وستين، أو الهجرة فيكون عاش فيه أربعا وخمسين، أو زمن إسلامه هو فيكون ستا وأربعين، والأول أقرب إلى الإطلاق على طريقة جبر الكسر تارة وإلغائه أخرى. قوله: "أن عبد الله بن السعدي" هو عبد الله بن وقدان بن عبد شمس، ويقال اسم أبيه عمر ووقدان جده " ويقال قدامة بدل وقدان، وعبد شمس هو ابن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر " وهو أيضا من بني عامر بن لؤي من قريش، وإنما قيل له ابن السعدي لأن أباه كان مسترضعا في بني سعد " ومات عبد الله بالمدينة سنة سبع وخمسين بعد حويطب الراوي عنه بثلاث سنين، ويقال بل مات في خلافة عمر والأول أقوى " وليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد ووقع عند مسلم في رواية الليث عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد عن ابن الساعدي، وخالفه عمرو بن الحارث عن بكير فقال: "عن ابن السعدي " وهو المحفوظ. "تنبيه": أخرج مسلم أيضا هذا الحديث من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري عن السائب بن يزيد عن عبد الله بن السعدي عن عمر، فلم يسق لفظه بل أحال على سياق رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وسقط من السند حويطب بن عبد

(13/151)


العزى بين السائب وابن السعدي، ووهم المزي في " الأطراف " تبعا لخلف فأثبت حويطب بن عبد العزى في السند في رواية مسلم، وزعم أنه وقع في روايته: "ابن الساعدي " بزيادة ألف " وليس ذلك في شيء من نسخ صحيح مسلم لا إثبات حويطب ولا الألف في الساعدي " وقد نبه على سقوط حويطب من سند مسلم أبو علي الجياني والمازري وعياض وغيرهم، ولكنه ثابت في رواية عمرو ابن الحارث في غير كتاب مسلم أخرجه أبو نعيم في المستخرج، ووقع عند ابن خزيمة من طريق سلامة عن عقيل عن ابن شهاب " حدثني السائب أن حويطبا أخبره أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخبره " فذكره، وهو وهم من سلامة قاله الرهاوي. قوله: "أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أحدث" بضم أوله وفتح المهملة وتشديد الدال. قوله: "أنك تلي من أعمال الناس" أي الولايات من إمرة أو قضاء، ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم: "استعملني عمر على الصدقة " فعين الولاية. قوله: "العمالة" بضم المهملة وتخفيف الميم أي أجرة العمل، وأما العمالة بفتح العين فهي نفس العمل. قوله: "ما تريد إلى ذلك" أي ما غاية قصدك بهذا الرد. وقد فسره بقوله: "وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين". قوله: "فقلت: أن لي أفراسا" بفاء ومهملة جمع فرس. قوله: "وأعبدا" للأكثر بضم الموحدة، وللكشميهني بمثناة بدل الموحدة جمع عتيد وهو المال المدخر، وقد تقدم تفسيره في " كتاب الزكاة". ووقع عند ابن حبان في صحيحه من طريق قبيصة بن ذؤيب أن عمر أعطى ابن السعدي ألف دينار، فذكر بقية الحديث نحو الذي هنا، ورويناه الجزء الثالث من " فوائد أبي بكر النيسابوري " الزيادات من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن السعدي قال: "قدمت على عمر فأرسل إلي ألف دينار، فرددتها وقلت أنا عنها غني " فذكره أيضا بنحوه، واستفيد منه قدر العمالة المذكورة. قوله: "فإني كنت أردت الذي أردت" بالفتح على الخطاب. قوله: "يعطيني العطاء" أي المال الذي يقسمه الإمام في المصالح، ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم: "فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عملي فقلت مثل قولك". قوله: "فأقول أعطه أفقر إليه مني" في رواية سالم " فأقول يا رسول الله " والباقي سواء. قال الكرماني: جاز الفصل بين أفعل التفضيل وبين كلمة " من " لأن الفاصل ليس أجنبيا بل هو ألصق به من الصلة لأنه يحتاج إليه بحسب جوهر اللفظ، والصلة محتاج إليها بحسب الصيغة. قوله: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذه فتموله وتصدق به" في رواية سالم بن عبد الله " أو تصدق به " بلفظ: "أو " بدل الواو، وهو أمر إرشاد على الصحيح. قال ابن بطال: أشار صلى الله عليه وسلم على عمر بالأفضل، لأنه وإن كان مأجورا بإيثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه فإن أخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدل على عظيم فضل الصدقة بعد التمول لما في النفوس من الشح على المال. قوله: "غير مشرف" بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الراء بعدها فاء أي متطلع إليه، يقال أشرف الشيء علاه، وقد تقدم بيانه في " كتاب الزكاة " في " باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة". قوله: "ولا سائل" أي طالب، قال النووي: فيه النهي عن السؤال، وقد اتفق العلماء على النهي عنه لغير الضرورة، واختلف في مسألة القادر على الكسب والأصح التحريم، وقيل يباح بثلاث شروط: أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد شرط من هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق. قوله: "فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك" أي إن لم يجيء إليك فلا تطلبه بل اتركه وليس المراد منعه من الإيثار، بل لأن أخذه ثم مباشرته الصدقة بنفسه أعظم لأجره كما تقدم. قال النووي: هذا الحديث منقبة

(13/152)


لعمر وبيان فضله وزهده وإيثاره. قلت: وكذا لابن السعد فقد طابق فعله فعل عمر سواء، وفي سند الزهري عن السائب أربعة من الصحابة في نسق السائب وحويطب وابن السعدي وعمر، وقد أشرت إلى ذلك في الباب المذكور من " كتاب الزكاة " وذكرت أن مسلما أخرجه من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري، وأوهم كلام المزي في " الأطراف " أن رواية شعيب وعمرو بن الحارث متفقتان، وليس كذلك فإن حويطب بن عبد العزى سقط من رواية عمرو بن الحارث عند مسلم، وقد وقعت المقارضة لمسلم والبخاري في هذين الحديثين الرباعيين، فأورد مسلم الرباعي الذي في سنده أربع نسوة بتمام الأربع، وأورده البخاري بنقصان واحدة تقدم في أوائل " كتاب الفتن " وأورد البخاري الرباعي الذي في سنده أربعة رجال بتمام الأربعة، وأورده مسلم بنقصان رجل، وهذا من لطائف ما اتفق. وقد وافق شعيبا على زيادة حويطب في السند الزبيدي عند النسائي وسفيان بن عيينة عنده ومعمر عند الحميدي في مسنده ثلاثتهم عن الزهري، وقد جزم النسائي وأبو علي بن السكن بأن السائب لم يسمعه من ابن السعدي، قال النووي: روينا عن الحافظ عبد القادر الرهاوي في كتابه الرباعيات أن الزبيدي وشعيب بن حمزة وعقيل بن خالد ويونس بن يزيد وعمرو ابن الحارث رووه عن الزهري بذكر حويطب، ثم ذكر طوقهم بأسانيد مطولة. قال: ورواه النعمان بن راشد عن الزهري فأسقط ذكر حويطب، واختلف على معمر فرواه ابن المبارك عنه كالنعمان، ورواه سفيان بن عيينة وموسى بن أعين عنه كالجماعة، ورواه عبد الرزاق عن معمر فأسقط اثنين جعله عن السائب عن عمر، قال: والصحيح الأول. قلت: ومقتضاه أن يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وهما منه أو من شيخه، وإلا فذكره ثابت من رواية غيره كما تقدم والله أعلم. وقد نظم بعضهم السند المذكور في بيتين فقال:
وفي العمالة إسناد بأربعة ... من الصحابة فيه عنهم ظهرا
السائب بن زيد عن حويطب ... عبد الله حدثه بذلك عن عمرا
قوله: "وعن الزهري قال حدثني سالم" هو موصول بالسند المذكور أولا إلى الزهري، وقد أخرج النسائي عن عمرو بن منصور عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه الحديثين المذكورين بالسندين المذكورين إلى عمر، وأما مسلم فإنه لما أخرجه من طريق يونس عن ابن شهاب ساقه على رواية سالم عن أبيه ثم عقبه برواية ابن شهاب عن السائب بن يزيد فقال مثل ذلك، وليس بين السياقين تفاوت إلا في قصة ابن السعدي عن عمر فلم يسقها مسلم وإلا ما بينته، وزاد سالم " فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه " قلت: وهذا بعمومه ظاهر في أنه كان لا يرد ما فيه شبهة، وقد ثبت أنه كان يقبل هدايا المختار بن أبي عبيد الثقفي وهو أخو صفية زوج ابن عمر بنت أبي عبيد، وكان المختار غلب على الكوفة وطرد عمال عبد الله ابن الزبير وأقام أميرا عليها مدة في غير طاعة خليفة وتصرف فيما يتحصل منها من المال على ما يراه، ومع ذلك فكان ابن عمر يقبل هداياه وكان مستنده أن له حقا في بيت المال فلا يضره على أي كيفية وصل إليه، أو كان يرى أن التبعة في ذلك على الآخذ الأول، أو أن للمعطى المذكور مالا آخر في الجملة وحقا ما في المال المذكور، فلما لم يتميز وأعطاه له عن طيب نفس دخل في عموم قوله: "ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه " فرأى أنه لا يستثني من ذلك إلا ما علمه

(13/153)


حراما محضا قال الطبري: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة وشبههم، لإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالة على عمله، وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء، واحتج أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها، وحكى الطبري عن العلماء هل الأمر في قوله في هذا الحديث: "خذه وتموله " للوجوب أو للندب، ثالثها إن كانت العطية من السلطان فهي حرام أو مكروهة أو مباحة، وإن كانت من غيره فمستحبة. قال النووي: والصحيح أنه إن غلب الحرام حرمت، وكذا إن كان مع عدم الاستحقاق وإن لم يغلب الحرام وكان الآخذ مستحقا فيباح، وقيل يندب في عطية السلطان دون غيره والله أعلم. وقال ابن المنذر: وحديث ابن السعدي حجة في جواز أرزاق القضاة من وجوهها. وقال ابن بطال: في الحديث أن أخذ ما جاء من المال عن غير سؤال أفضل من تركه لأنه يقع في إضاعة المال، وقد ثبت النهي عن ذلك. وتعقبه ابن المنير بأنه ليس من الإضاعة في شيء لأن الإضاعة التبذير بغير وجه صحيح، وأما الترك توفيرا على المعطى تنزيها عن الدنيا وتحرجا أن لا يكون قائما بالوظيفة على وجهها فليس من الإضاعة. ثم قال: والوجه في تعليل الأفضلية أن الآخذ أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك، لأنه إن لم يأخذ كان عند نفسه متطوعا بالعمل فقد لا يجد جد من أخذ ركونا إلى أنه غير ملتزم بخلاف الذي يأخذ فإنه يكون مستشعرا بأن العمل واجب عليه فيجد جد فيها وقال ابن التين: وفي هذا الحديث كراهة أخذ الرزق على القضاء مع الاستغناء وأن المال طيبا، كذا قال: قال وفيه جواز الصدقة بما لم يقبض إذا كان للمتصدق واجبا، ولكن قوله: "خذه فتموله وتصدق به " يدل على أن التصدق به إنما يكون بعد القبض، لأن المال إذا ملكه الإنسان وتصدق به طيبة به نفسه كان أفضل من تصدقه به قبل قبضه، لأن الذي يحصل بيده هو أحرص عليه مما لم يدخل في يده، فإن استوت عند أحد الحالان فمرتبته أعلى، ولذلك أمره بأخذه وبين له جواز تموله إن أحب أو التصدق به، قال: وذهب بعض الصوفية إلى أن المال إذا جاء بغير سؤال فلم يقبله فإن الراد له يعاقب بحرمان العطاء. وقال القرطبي في " المفهم " فيه ذم التطلع إلى ما في أيدي الأغنياء والتشوف إلى فضوله وأخذه منهم، وهي حالة مذمومة تدل على شدة الرغبة في الدنيا والركون إلى التوسع فيها، فنهى الشارع عن الأخذ على هذه الصورة المذمومة قمعا للنفس ومخالفة لها في هواها انتهى. وتقدمت سائر مباحثه وفوائده في الباب المذكور من " كتاب الزكاة " ولله الحمد.

(13/154)


18 - باب مَنْ قَضَى وَلاَعَنَ فِي الْمَسْجِدِ وَلاَعَنَ عُمَرُ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَضَى شُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَكَانَ الْحَسَنُ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى يَقْضِيَانِ فِي الرَّحَبَةِ خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِدِ
7165 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ شَهِدْتُ الْمُتَلاَعِنَيْنِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا"
7166 - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَهْلٍ أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ

(13/154)


أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَلاَعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ
قوله: "باب من قضى ولاعن في المسجد" الظرف يتعلق بالأمرين فهو من تنازع الفعلين، ويحتمل أن يتعلق بقضى لدخول " لاعن " فيه فإنه من عطف الخاص على العام، ومعنى قوله: "ولاعن " حكم بإيقاع التلاعن بين الزوجين فهو مجاز، ولا يشترط أن يباشر تلقينهما ذلك بنفسه. قوله: "ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم" هذا أبلغ في التمسك به على جواز اللعان في المسجد، وإنما خص عمر المنبر لأنه كان يرى التحليف عند المنبر أبلغ في التغليظ وورد في التحليف عنده حديث جابر " لا يحلف عند منبري " الحديث، ويؤخذ منه التغليظ في الأيمان بالمكان، وقاسوا عليه الزمان، وإنما كان كذلك مع أن المحلوف به عظيم لأن للمعظم الذي يشاهده الحالف تأثيرا في التوقي عن الكذب. قوله: "وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر" في رواية الكشميهني: "على المنبر " وهذا طرف من أثر مضى في " كتاب الشهادات " وذكرت هناك من وصله، وهو في الموطأ ولفظه: "على المنبر " كما في رواية الكشميهني. قوله: "وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد" أما أثر شريح فوصله ابن أبي شيبة ومحمد بن سعد من طريق إسماعيل بن أبي خالد قال: "رأيت شريحا يقضي في المسجد وعليه برنس خز " وقال عبد الرزاق " أنبأنا معمر عن الحكم بن عتيبة أنه رأى شريحا يقضي في المسجد". وأما أثر الشعبي فوصله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في " جامع سفيان " من طريق عبد الله بن شبرمة " رأيت الشعبي جلد يهوديا في قرية في المسجد " وكذا أخرجه عبد الرزاق عن سفيان. وأما أثر يحيى بن يعمر فوصله ابن أبي شيبة من رواية عبد الرحمن بن قيس قال: "رأيت يحيى بن يعمر يقضي في المسجد " وأخرج الكرابيسي في " أدب القضاء " من طريق أبي الزناد قال: "كان سعد بن إبراهيم وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابنه ومحمد بن صفوان ومحمد بن مصعب بن شرحبيل يقضون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وذكر ذلك جماعة آخرون. قوله: "وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجا من المسجد" الرحبة بفتح الراء والحاء المهملة بعدها موحدة هي بناء يكون أمام باب المسجد غير منفصل عنه، هذه رحبة المسجد، ووقع فيها الاختلاف، والراجح أن لها حكم المسجد فيصح فيها الاعتكاف وكل ما يشترط له المسجد، فإن كانت الرحبة منفصلة فليس لها حكم المسجد. وأما الرحبة بسكون الحاء فهي مدينة مشهورة. والذي يظهر من مجموع هذه الآثار أن المراد بالرحبة هنا الرحبة المنسوبة للمسجد، فقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق المثنى ابن سعيد قال: "رأيت الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في المسجد " وأخرج الكرابيسي في " أدب القضاء " من وجه آخر أن الحسن وزرارة وإياس بن معاوية كانوا إذا دخلوا المسجد للقضاء صلوا ركعتين قبل أن يجلسوا. ثم ذكر حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين مختصرا من طريقين. رواية سفيان وهو ابن عيينة قال: قال الزهري " عن سهل بن سعد " فذكره مختصرا ولفظه: "شهدت المتلاعنين وأنا ابن خمس عشرة سنة فرق بينهما " وقد أخرجه في كتاب اللعان مطولا وتقدمت فوائده هناك: رواية ابن جريج أخبرني ابن شهاب وهو الزهري فذكره مختصرا أيضا ولفظه: "أن رجلا من الأنصار جاء " فذكره إلى قوله: "أيقتله فتلاعنا في المسجد " وقد تقدم مطولا وشرحه هناك أيضا. قال ابن بطال: استحب القضاء في المسجد طائفة. وقال مالك

(13/155)


هو الأمر القديم، لأنه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف، وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس لإمكان الاحتجاب قال: وبه قال أحمد وإسحاق: وكرهت ذلك طائفة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقضي في المسجد فإنه يأتيك الحائض والمشرك. وقال الشافعي: أحب إلي أن يقضى في غير المسجد لذلك. وقال الكرابيسي: كره بعضهم الحكم في المسجد من أجل أنه قد يكون الحكم بين مسلم ومشرك فيدخل المشرك المسجد، قال ودخول المشرك المسجد مكروه، ولكن الحكم بينهم لم يزل من صنيع السلف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره. ثم ساق في ذلك آثارا كثيرة. قال ابن بطال: وحديث سهل بن سعد حجة للجواز، وإن كان الأولى صيانة المسجد. وقد قال مالك: كان من مضى يجلسون في رحاب المسجد إما في موضع الجنائز وإما في رحبة دار مروان، قال: وإني لأستحب ذلك في الأمصار ليصل إليه اليهودي والنصراني والحائض والضعيف، وهو أقرب إلى التواضع وقال ابن المنير لرحبة المسجد حكم المسجد إلا إن كانت منفصلة عنه والذي يظهر أنها كانت منفصلة عنه، ويمكن أن يكون جلوس القاضي في الرحبة المتصلة وقيام الخصوم خارجا عنها أو في الرحبة المتصلة، وكأن التابعي المذكور يرى أن الرحبة لا تعطى حكم المسجد ولو اتصلت بالمسجد، وهو خلاف مشهور، فقد وقع للشافعية في حكم رحبة المسجد اختلاف في التعريف مع اتفاقهم على صحة صلاة من في الرحبة المتصلة بالمسجد بصلاة من في المسجد قال: والفرق بين الحريم والرحبة أن لكل مسجد حريما وليس لكل مسجد رحبة، فالمسجد الذي يكون أمامه قطعة من البقعة هي الرحبة وهي التي لها حكم المسجد. والحريم هو الذي يحيط بهذه الرحبة وبالمسجد، وإن كان سور المسجد محيطا بجميع البقعة فهو مسجد بلا رحبة ولكن له حريم كالدور انتهى ملخصا. وسكت عما إذا بنى صاحب المسجد قطعة منفصلة عن المسجد هل هي رحبة تعطى حكم المسجد؟ وعما إذا كان في الحائط القبلي من المسجد رحاب بحيث لا تصح صلاة من صلى فيها خلف إمام المسجد هل تعطى حكم المسجد، والذي يظهر أن كلا منهما يعطى حكم المسجد فتصح الصلاة في الأولى ويصح الاعتكاف في الثانية، وقد يفرق حكم الرحبة من المسجد في جواز اللغط ونحوه فيها بخلاف المسجد مع إعطائها حكم المسجد في الصلاة فيها، فقد أخرج مالك في الموطأ من طريق سالم بن عبد الله بن عمر قال: "بنى عمر إلى جانب المسجد رحبة فسماها البطحاء فكان يقول: من أراد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة".

(13/156)


19 - باب مَنْ حَكَمَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حَدٍّ أَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيُقَامَ
وَقَالَ عُمَرُ أَخْرِجَاهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ
7167 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعًا قَالَ أَبِكَ جُنُونٌ قَالَ لاَ قَالَ اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ بِالْمُصَلَّى رَوَاهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجْمِ

(13/156)


قوله: "باب من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حد أمر أن يخرج من المسجد فيقام" كأنه يشير بهذه الترجمة إلى من خص جواز الحكم في المسجد بما إذا لم يكن هناك شيء يتأذى به من في المسجد أو يقع به للمسجد نقص كالتلويث. قوله: "وقال عمر أخرجاه من المسجد وضربه، ويذكر عن على نحوه" أما أثر عمر فوصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق كلاهما من طريق طارق بن شهاب قال: "أتي عمر بن الخطاب برجل في حد فقال: أخرجاه من المسجد ثم اضرباه " وسنده على شرط الشيخين، وأما أثر علي فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن معقل - وهو بمهملة ساكنة وقاف مكسورة - أن رجلا جاء إلى عمر فساره فقال: يا قنبر أخرجه من المسجد فأقم عليه الحد، وفي سنده من فيه مقال. ثم ذكر حديث أبي هريرة في قصة الذي أقر " أنه زنى فأعرض عنه وفيه أبك جنون؟ قال: لا. قال: اذهبوا به فارجموه " وهذا القدر هو المراد في الترجمة ولكنه لا يسلم من خدش لأن الرجم يحتاج إلى قدر زائد من حفر وغيره مما لا يلائم المسجد فلا يلزم من تركه فيه ترك إقامة غيره من الحدود، وقد تقدم شرحه في " باب رجم المحصن " من " كتاب الحدود". قوله: "رواه يونس ومعمر وابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر" يريد أنهم خالفوا عقيلا في الصحابي، فإنه جعل أصل الحديث من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، وقول ابن شهاب " أخبرني من سمع جابر بن عبد الله: كنت فيمن رجمه بالمصلى " وهؤلاء جعلوا الحديث كله عن جابر، ورواية معمر وصلها المؤلف في الحدود، وكذلك رواية يونس، وأما رواية ابن جريج فوصلها وتقدمت الإشارة إليها هناك أيضا حيث قال عقب رواية معمر " لم يقل يونس وابن جريج فصلى عليه " وتقدم شرحه مستوفى هناك ولله الحمد. قال ابن بطال: ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في المسجد الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق، وأجازه الشعبي وابن أبي ليلى. وقال مالك: لا بأس بالضرب بالسياط اليسيرة، فإذا كثرت الحدود فليكن ذلك خارج المسجد. قال ابن بطال: وقول من نزه المسجد عن ذلك أولى. وفي الباب حديثان ضعيفان في النهي عن إقامة الحدود في المساجد انتهى. والمشهور فيه حديث مكحول عن أبي الدرداء وواثلة وأبي أمامة مرفوعا: "جنبوا مساجدكم صبيانكم " الحديث، وفيه: "وإقامة حدودكم " أخرجه البيهقي في الخلافيات، وأصله في ابن ماجه من حديث واثلة فقط وليس فيه ذكر الحدود وسنده ضعيف، ولابن ماجه من حديث ابن عمر رفعه: "خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقا " الحديث وفيه: "ولا يضرب فيه حد " وسنده ضعيف أيضا. وقال ابن المنير: من كره إدخال الميت المسجد للصلاة عليه خشية أن يخرج منه شيء أولى بأن يقول لا يقام الحد في المسجد، إذ لا يؤمن خروج الدم من المجلود، وينبغي أن يكون في القتل أولى بالمنع.

(13/157)


20 - باب مَوْعِظَةِ الإِمَامِ لِلْخُصُومِ
7169 - حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار

(13/157)


قوله: "باب موعظة الإمام الخصوم" ذكر فيه حديث أم سلمة " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " وسيأتي شرحه بعد سبعة أبواب، ومناسبته للترجمة ظاهرة وبالله التوفيق.

(13/158)


21 - باب الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي وِلاَيَتِهِ الْقَضَاءَ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْخَصْمِ
وَقَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَسَأَلَهُ إِنْسَانٌ الشَّهَادَةَ فَقَالَ ائْتِ الأَمِيرَ حَتَّى أَشْهَدَ لَكَ وَقَالَ عِكْرِمَةُ قَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ وَأَنْتَ أَمِيرٌ فَقَالَ شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ عُمَرُ لَوْلاَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِي وَأَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزِّنَا أَرْبَعًا فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْهَدَ مَنْ حَضَرَهُ وَقَالَ حَمَّادٌ إِذَا أَقَرَّ مَرَّةً عِنْدَ الْحَاكِمِ رُجِمَ وَقَالَ الْحَكَمُ أَرْبَعًا
7170 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ حُنَيْنٍ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ لِأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي فَجَلَسْتُ ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ سِلاَحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي قَالَ فَأَرْضِهِ مِنْهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ كَلاَ لاَ يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ اللَّيْثِ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ وَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ الْحَاكِمُ لاَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ شَهِدَ بِذَلِكَ فِي وِلاَيَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا وَلَوْ أَقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ لِآخَرَ بِحَقٍّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لاَ يَقْضِي عَلَيْهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَتَّى يَدْعُوَ بِشَاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُمَا إِقْرَارَهُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَا سَمِعَ أَوْ رَآهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ قَضَى بِهِ وَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقْضِ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بَلْ يَقْضِي بِهِ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ وَإِنَّمَا يُرَادُ مِنْ الشَّهَادَةِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ فَعِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنْ الشَّهَادَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الأَمْوَالِ وَلاَ يَقْضِي فِي غَيْرِهَا وَقَالَ الْقَاسِمُ لاَ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُمْضِيَ قَضَاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ أَكْثَرُ مِنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ وَلَكِنَّ فِيهِ تَعَرُّضًا لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَإِيقَاعًا لَهُمْ فِي الظُّنُونِ وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّنَّ فَقَالَ إِنَّمَا هَذِهِ صَفِيَّةُ
7171 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَلَمَّا رَجَعَتْ انْطَلَقَ مَعَهَا فَمَرَّ بِهِ رَجُلاَنِ مِنْ الأَنْصَارِ فَدَعَاهُمَا

(13/158)


فَقَالَ إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ قَالاَ سُبْحَانَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ رَوَاهُ شُعَيْبٌ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ يَعْنِي ابْنَ حُسَيْنٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: "باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء أو قبل ذلك للخصم" أي هل يقضي له على خصمه بعلمه ذلك أو يشهد له عند حاكم آخر؟ هكذا أورد الترجمة مستفهما بغير جزم لقوة الخلاف في المسألة " وإن كان آخر كلامه يقتضي اختيار أن لا يحكم بعلمه فيها". قوله: "وقال شريح القاضي" هو ابن الحارث الماضي ذكره قريبا. قوله: "وسأله إنسان الشهادة فقال: ائت الأمير حتى أشهد لك" وصله سفيان الثوري في جامعه عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي قال: "أشهد رجل شريحا جاء فخاصم إليه فقال: ائت الأمير وأنا أشهد لك " وأخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن شبرمة قال: قلت للشعبي: يا أبا عمرو أرأيت رجلين استشهدا على شهادة فمات أحدهما واستقضى الآخر، فقال: أتى شريح فيها وأنا جالس فقال: "ائت الأمير وأنا أشهد لك". قوله: "وقال عكرمة قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلا على حد إلخ" وصله الثوري أيضا عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة به، ووقع في الأصل " لو رأيت - بالفتح - وأنت أمير " وفي الجواب فقال: "شهادتك " ووقع في الجامع بلفظ: "أرأيت - بالفتح - لو رأيت بالضم - رجلا سرق أو زنا، قال: أرى شهادتك " وقال: "أصبت " بدل قوله: "صدقت " وأخرجه ابن أبي شيبة عن شريك عن عبد الكريم بلفظ: أرأيت لو كنت القاضي أو الوالي وأبصرت إنسانا على حد أكنت تقيمه عليه؟ قال: لا، حتى يشهد معي غيري، قال أصبت لو قلت غير ذلك لم تجد وهو بضم المثناة وكسر الجيم وسكون الدال من الإجادة. قلت: وقد جاء عن أبي بكر الصديق نحو هذا وسأذكره بعد، وهذا السند منقطع بين عكرمة ومن ذكره عنه لأنه لم يدرك عبد الرحمن فضلا عن عمر، وهذا من المواضع التي ينبه عليها من يغتر بتعميم قولهم إن التعليق الجازم صحيح، فيجب تقييد ذلك بأن يزاد إلى من علق عنه ويبقى النظر فيما فوق ذلك. قوله: "وقال عمر: لولا أن يقول الناس زاد عمر في " كتاب الله " لكتبت آية الرجم بيدي" هذا طرف من حديث آخر أخرجه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر كما تقدم التنبيه عليه في " باب الاعتراف بالزنا " في شرح حديثه الطويل في قصة الرجم الذي هو طرف من قصة بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، قال المهلب: استشهد البخاري لقول عبد الرحمن بن عوف المذكور قبله بقول عمر هذا أنه كانت عنده شهادة في آية الرجم أنها من القرآن فلم يلحقها بنص المصحف بشهادته وحده، وأفصح في العلة في ذلك بقوله: لولا أن يقال زاد عمر في " كتاب الله " فأشار إلى أن ذلك من قطع الذرائع لئلا تجد حكام السوء سبيلا إلى أن يدعوا العلم لمن أحبوا له الحكم بشيء. قوله: "وأقر ماعز عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا أربعا فأمر برجمه، ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أشهد من حضره" هذا طرف من الحديث الذي ذكر قبل بباب، وقد تقدم موصولا من حديث أبي هريرة وحكاية الخلاف على أبي سلمة في اسم صحابيه. قوله: "وقال حماد" هو ابن أبي سليمان فقيه الكوفة. قوله: "إذا أقر مرة عند الحاكم رجم" وقال الحكم، هو ابن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغر وهو فقيه الكوفة أيضا. قوله: "أربعا" أي لا يرجم حتى يصر أربع مرات كما في حديث ماعز، وقد وصله ابن أبي شيبة من طريق شعبة قال: "سألت حمادا

(13/159)


عن الرجل يقر بالزنا كم يرد؟ قال: مرة. قال: وسألت الحكم فقال: أربع مرات " وقد تقدم البحث في ذلك في شرح قصة ماعز في أبواب الرجم. ثم ذكر حديث أبي قتادة في قصة سلب القتيل الذي قتله في غزوة حنين، وقد تقدم شرحه مستوفى هناك وقوله هنا " قال فأرضه منه " هي رواية الأكثر، وعند الكشمهيني " مني " وقوله: "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه إلي " في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني: "فعلم " بفتح المهملة وكسر اللام بدل " فقام " وكذا لأكثر رواة الفربري، وكذا أخرجه أبو نعيم من رواية الحسن بن سفيان عن قتيبة، وهو المحفوظ في رواية قتيبة هذه، ومن ثم عقبها البخاري بقوله: "وقال لي عبيد الله عن الليث: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه إلي " ووقع في رواية كريمة: "فأمر " بفتح الهمزة والميم بعدها راء، وعبد الله المذكور هو ابن صالح أبو صالح وهو كاتب الليث والبخاري يعتمده في الشواهد، ولو كانت رواية قتيبة بلفظ: "فقام " لم يكن لذكر رواية عبد الله بن صالح معنى. قال المهلب: قوله في رواية قتيبة " فعلم النبي صلى الله عليه وسلم: "يعني علم أن أبا قتادة هو قاتل القتيل المذكور، قال وهي وهم قال: والصحيح فيه رواية عبد الله بن صالح بلفظ: "فقام " قال وقد رد بعض الناس الحجة المذكورة فقال: ليس في إقرار ماعز عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا حكمه بالرجم دون أن يشهد من حضره ولا في إعطائه السلب لأبي قتادة حجة للقضاء بالعلم لأن ماعزا إنما كان إقراره عند النبي صلى الله عليه وسلم بحضرة الصحابة، إذ معلوم أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يقعد وحده فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهدهم على إقراره لسماعهم منه ذلك، وكذلك قصة أبي قتادة انتهى. وقال ابن المنير: لا حجة في قصة أبي قتادة، لأن معنى قوله: "فعلم النبي صلى الله عليه وسلم: "علم بإقرار الخصم فحكم عليه، فهي حجة للمذهب، يعني الصائر إلى جواز القضاء بالعلم فيما يقع في مجلس الحكم. وقال غيره: ظاهر أول القصة يخالف آخرها، لأنه شرط البينة بالقتل على استحقاق السلب ثم دفع السلب لأبي قتادة بغير بينة وأجاب الكرماني بأن الخصم اعترف، يعني فقام مقام البينة، وبأن المال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي منه من شاء ويمنع من شاء. قلت: والأول أولى، والبينة لا تنحصر في الشهادة، بل كل ما كشف الحق يسمى بينة. قوله: "وقال أهل الحجاز: الحاكم لا يقضي بعلمه، شهد بذلك في ولايته أو قبلها" هو قول مالك، قال أبو علي الكرابيسي: لا يقضي القاضي بما علم لوجود التهمة، إذ لا يؤمن على التقى أن يتطرق إليه التهمة قال: وأظنه ذهب إلى ما رواه ابن شهاب عن زبيد بن الصلت " أن أبا بكر الصديق قال: لوجدت رجلا على حد ما أقمته عليه حتى يكون معي غيري " ثم ساقه بسند صحيح عن ابن شهاب قال: ولا أحسب مالكا ذهب عليه هذا الحديث، فإن كان كذلك فقد قلد أكثر هذه الأمة فضلا وعلما. قلت: ويحتمل أن يكون ذهب إلى الأثر المقدم ذكره عن عمر وعبد الرحمن بن عوف، قال: ويلزم من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه مطلقا أنه لو عمد إلى رجل مستور لم يعهد منه فجور قط أن يرجمه ويدعي أنه رآه يزني، أو يفرق بينه وبين زوجته ويزعم أنه سمعه يطلقها، أو بينه وبين أمته ويزعم أنه سمعه يعتقها، فإن هذا الباب لو فتح لوجد كل قاض السبيل إلى قتل عدوه وتفسيقه والتفريق بينه وبين من يحب، ومن ثم قال الشافعي: لولا قضاة السوء لقلت إن للحاكم أن يحكم بعلمه انتهى. وإذا كان هذا في الزمان الأول فما الظن بالمتأخر، فيتعين حسم مادة تجويز القضاء بالعلم في هذه الأزمان المتأخرة لكثرة من يتولى الحكم ممن لا يؤمن على ذلك، والله أعلم. قوله: "ولو أقر خصم عنده لآخر بحق في مجلس القضاء فإنه لا يقضي عليه في قول بعضهم حتى يدعو بشاهدين فيحضرهما إقراره" قال ابن التين: ما ذكر عن عمر وعبد الرحمن هو قول مالك وأكثر أصحابه. وقال بعض أصحابه: يحكم بما علمه فيما

(13/160)


أقر به أحد الخصمين عنده في مجلس الحكم. وقال ابن القاسم: وأشهب لا يقضي بما يقع عنده في مجلس الحكم إلا إذا شهد به عنده. وقال ابن المنير: مذهب مالك أن من حكم بعلمه يقضي على المشهور، إلا إن كان علمه حادثا بعد الشروع في المحاكمة فقولان، وأما ما أقر به عنده في مجلس الحكم فيحكم ما لم ينكر الخصم بعد إقراره وقبل الحكم عليه فإن ابن القاسم قال: لا يحكم عليه حينئذ ويكون شاهدا. وقال ابن الماجشون: يحكم بعلمه. وفي المذهب تفاريع طويلة في ذلك. ثم قال ابن المنير: وقول من قال لا بد أن يشهد عليه في المجلس شاهدان يؤول إلى الحكم بالإقرار لأنه لا يخلوا أن يؤديا أو لا؛ إن أديا فلا بد من الأعذار، فإن أعذر احتيج إلى الإثبات وتسلسلت القضية، وإن لم يحتج رجع إلى الحكم بالإقرار، وإن لم يؤديا كالعدم. وأجاب غيره أن فائدة ذلك ردع الخصم عن الإنكار، لأنه إذا عرف أن هناك من يشهد امتنع من الإنكار خشية التعزير، بخلاف ما إذا أمن ذلك. قوله: "وقال بعض أهل العراق: ما سمع أو رآه في مجلس القضاء قضى به وما كان في غيره لم يقض إلا بشاهدين يحضرهما إقراره" بضم أوله من الرباعي. قلت: وهذا قول أبي حنيفة ومن تبعه، ويوافقهم مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكية. قال ابن التين: وجرى به العمل، ويوافقه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن سيرين قال: "اعترف رجل عند شريح بأمر ثم أنكره فقضى عليه باعترافه، فقال: أتقضي علي بغير بينة " فقال شهد عليك ابن أخت خالتك، يعني نفسه. قوله: "وقال آخرون منهم: بل يقضي به لأنه مؤتمن" بفتح الميم اسم مفعول، وإنما يراد بالشهادة معرفة الحق، فعلمه أكبر من الشهادة وهو قول أبي يوسف ومن تبعه ووافقهم الشافعي. قال أبو علي الكرابيسي قال الشافعي بمصر فيما بلغني عنه: إن كان القاضي عدلا لا يحكم بعلمه في حد ولا قصاص إلا ما أقر به بين يديه ويحكم بعلمه في كل الحقوق مما علمه قبل أن يلي القضاء أو بعدما ولي، فقيد ذلك بكون القاضي عدلا إشارة إلى أنه ربما ولي القضاء من ليس بعدل بطريق التغلب. قوله: "وقال بعضهم" يعني أهل العراق "يقضي بعلمه في الأموال ولا يقضي غيرها" هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف فيما نقله الكرابيسي عنه إذا رأى الحاكم رجلا يزني مثلا لم يقض بعلمه حتى تكون بينة تشهد بذلك عنده، وهي رواية عن أحمد، قال أبو حنيفة: القياس أنه بحكم في ذلك كله بعلمه، ولكن أدع القياس وأستحسن أن لا يقضي في ذلك بعلمه. "تنبيه": اتفقوا على أنه يقضي في قبول الشاهد ورده بما يعلمه منه من تجريح أو تزكية. ومحصل الآراء في هذه المسألة سبعة، ثالثها في زمن قضائه خاصة، رابعها في مجلس حكمه، خامسها في الأموال دون غيرها، سادسها مثله وفي القذف أيضا وهو عن بعض المالكية، سابعها في كل شيء إلا في الحدود وهذا هو الراجح عند الشافعية. وقال ابن العربي: لا يقضي الحاكم بعلمه، والأصل فيه عندنا الإجماع على أنه لا يحكم بعلمه في الحدود، ثم أحدث بعض الشافعية قولا مخرجا أنه يجوز فيها أيضا حين رأوا أنها لازمة لهم، كذا قال فجرى على عادته في التهويل والإقدام على نقل الإجماع مع شهرة الاختلاف. قوله: "وقال القاسم: لا ينبغي للحاكم أن يقضي قضاء بعلمه" في رواية الكشمهيني يمضي. قوله: "دون علم غيره" أي إذا كان وحده عالما به لا غيره. قوله: "ولكن" بالتشديد وفي نسخة بالتخفيف وتعرض بالرفع. قوله: "وإيقاعا" عطف على تعرضا أو نصب على أنه مفعول معه والعامل فيه متعلق الظرف، والقاسم المذكور كنت أظنه أنه ابن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة لأنه إذا أطلق في الفروع الفقهية انصرف الذهن إليه، لكن رأيت في رواية عن أبي ذر أنه القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وهو الذي

(13/161)


تقدم ذكره قريبا في " باب الشهادة على الخط " فإن كان كذلك فقد خالف أصحابه الكوفيين ووافق أهل المدينة في هذا الحكم والله أعلم. قوله: " وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم الظن فقال: إنما هذه صفية" هو طرف من الحديث الذي وصله بعد، وقوله في الطريق الموصولة عن علي بن الحسين أي ابن علي بن أبي طالب وهو الملقب بزين العابدين. قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتته صفية بنت حيي" هذا صورته مرسل، ومن ثم عقبه البخاري بقوله: "رواه شعيب وابن مسافر وابن أبي عتيق وإسحاق بن يحيى عن الزهري عن علي - أي ابن الحسين - عن صفية " يعني فوصلوه، فتحمل رواية إبراهيم بن سعد على أن علي بن حسين تلقاه عن صفية، وقد تقدم مثل ذلك في رواية سفيان عن الزهري مع شرح حديث صفية مستوفى في " كتاب الاعتكاف " فإنه ساقه هناك تاما وأورده هنا مختصرا. ورواية شعيب وهو ابن أبي حمزة وصلها المصنف في الاعتكاف أيضا وفي " كتاب الأدب " ورواية ابن مسافر وهو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي وصلها أيضا في الصوم وفي فرض الخمس، ورواية ابن أبي عتيق وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وصلها المصنف في الاعتكاف وأوردها في الأدب أيضا مقرونة برواية شعيب ورواية إسحاق بن يحيى وصلها الذهلي في " الزهريات " ورواه عن الزهري أيضا معمر فاختلف عليه في وصله وإرساله تقدم موصولا في صفة إبليس من رواية عبد الرزاق عنه ومرسلا في فرض الخمس من رواية هشام بن يوسف عن معمر وأوردها النسائي موصولة من رواية موسى بن أعين عن معمر ومرسلة من رواية ابن المبارك عنه ووصله أيضا عن الزهري عثمان ابن عمر بن موسى التيمي عند ابن ماجه وأبي عوانة في صحيحه، وعبد الرحمن بن إسحاق عند أبي عوانة أيضا، وهشيم عند سعيد بن منصور وآخرون. ووجه الاستدلال بحديث صفية لمن منع الحكم بالعلم أنه صلى الله عليه وسلم كره أن يقع في قلب الأنصاريين من وسوسة الشيطان شيء، فمراعاة نفي التهمة عنه مع عصمته تقتضي مراعاة نفي التهمة عمن هو دونه، وقد تقدم في " باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه " بيان حجة من أجاز ومن منع بما يعني عن إعادته هنا.

(13/162)


22 - باب أَمْرِ الْوَالِي إِذَا وَجَّهَ أَمِيرَيْنِ إِلَى مَوْضِعٍ أَنْ يَتَطَاوَعَا وَلاَ يَتَعَاصَيَا
7172 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا الْعَقَدِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبِي وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى إِنَّهُ يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا الْبِتْعُ فَقَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَقَالَ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَوَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله: "باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا" بمهملتين وياء تحتانية ولبعضهم بمعجمتين وموحدة. ذكر فيه حديث أبي بردة " بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبي يعني أبا موسى ومعاذ بن جبل " وقد تقدم الكلام عليه في " كتاب الديات " وقبل ذلك في أواخر المغازي. قوله: "بشرا" تقدم شرحه في المغازي. قوله: "وتطاوعا" أي توافقا في الحكم ولا تختلفا لأن ذلك يؤدي إلى اختلاف أتباعكما، فيفضي إلى العداوة ثم المحاربة، والمرجع في الاختلاف إلى ما جاء في " الكتاب والسنة " كما قال تعالى :{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله

(13/162)


والرسول} وسيأتي مزيد بيان لذلك في " كتاب الاعتصام " إن شاء الله تعالى. قوله: "وقال النضر وأبو داود ويزيد بن هارون ووكيع عن شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده" يعني موصولا، ورواية النضر وأبي داود ووكيع تقدم الكلام عليها في أواخر المغازي في " باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن " ورواية يزيد بن هارون وصلها أبو عوانة في صحيحه والبيهقي، قال ابن بطال وغيره: في الحديث الحض على الاتفاق لما فيه من ثبات المحبة والألفة والتعاون على الحق، وفيه جواز نصب قاضيين في بلد واحد فيقعد كل منهما في ناحية وقال ابن العربي: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشركهما فيما ولاهما، فكان ذلك أصلا في تولية اثنين قاضيين مشتركين في الولاية كذا جزم به؛ قال: وفيه نظر لأن محل ذلك فيما إذا نفذ حكم كل منهما فيه، لكن قال ابن المنير: يحتمل أن يكون ولاهما ليشتركا في الحكم في كل واقعة، ويحتمل أن يستقل كل منهما بما يحكم به، ويحتمل أن يكون لكل منهما عمل يخصه والله أعلم كيف كان. وقال ابن التين: الظاهر اشتراكهما، لكن جاء في غير هذه الرواية أنه أقر كلا منهما على مخلاف، والمخلاف الكورة، وكان اليمين مخلافين. قلت: وهذا هو المعتمد، والرواية التي أشار إليها تقدمت في غزوة حنين باللفظ المذكور، وتقدم في المغازي أن كلا منهما كان إذا سار في عمله زار رفيقه، وكان عمل معاذ النجود وما تعالى من بلاد اليمن، وعمل أبي موسى التهائم وما انخفض منها، فعلى هذا فأمره صلى الله عليه وسلم لهما بأن يتطاوعا ولا يتخالفا محمول على ما إذا اتفقت قضية يحتاج الأمر فيها إلى اجتماعهما، وإلى ذلك أشار في الترجمة، ولا يلزم من قوله: "تطاوعا ولا تختلفا " أن يكونا شريكين كما استدل به ابن العربي. وقال أيضا: فإذا اجتمعا فإن اتفقا في الحكم وإلا تباحثا حتى يتفقا على الصواب وإلا رفعا الأمر لمن فوقهما. وفي الحديث الأمر بالتيسير في الأمور والرفق بالرعية وتحبيب الإيمان إليهم وترك الشدة لئلا تنفر قلوبهم ولا سيما فيمن كان قريب العهد بالإسلام أو قارب حد التكليف من الأطفال ليتمكن الإيمان من قلبه ويتمرن عليه، وكذلك الإنسان في تدريب نفسه على العمل إذا صدقت إرادته لا يشدد عليها بل يأخذها بالتدريج والتيسير حتى إذا أنست بحالة داومت عليها نقلها لحال آخر وزاد عليها أكثر من الأولى حتى يصل إلى قدر احتمالها ولا يكلفها بما لعلها تعجز عنه. وفيه مشروعية الزيارة وإكرام الزائر وأفضلية معاذ في الفقه على أبي موسى، وقد جاء " أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل " أخرجه الترمذي وغيره من حديث أنس.

(13/163)


23 - باب إِجَابَةِ الْحَاكِمِ الدَّعْوَةَ وَقَدْ أَجَابَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَبْدًا لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
7173 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فُكُّوا الْعَانِيَ وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ
قوله: "باب إجابة الحاكم الدعوة" الأصل فيه عموم الخبر ورود الوعيد في الترك من قوله ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله وقد تقدم شرحه في أواخر النكاح. وقال العلماء لا يجيب الحاكم دعوة شخص بعينه دون غيره من الرعية لما في ذلك من كسر قلب من لم يجبه، إلا أن كان له عذر في ترك الإجابة كرؤية المنكر الذي لا يجاب إلى إزالته، فلو كثرت بحيث تشغله عن الحكم الذي تعين عليه ساغ له أن لا يجيب. قوله: "وقد أجاب عثمان بن عفان عبدا للمغيرة بن شعبة" لم أقف على اسم العبد المذكور، والأثر رويناه موصولا في " فوائد أبي محمد

(13/163)


ابن صاعد " وفي " زوائد البر والصلة لابن المبارك " بسند صحيح إلى أبي عثمان النهدي " إن عثمان بن عفان أجاب عبدا للمغيرة بن شعبة دعاه وهو صائم فقال: أردت أن أجيب الداعي وأدعو بالبركة" حديث أبي موسى "فكوا العاني" بمهملة ثم نون هو الأسير " وأجيبوا الداعي " وهو طرف من حديث تقدم في الوليمة وغيرها بأتم من هذا. قال ابن بطال: عن مالك، لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة خاصة، ثم إن شاء أكل وإن شاء ترك، والترك أحب إلينا لأنه أنزه، إلا أن يكون لأخ في الله أو خالص قرابة أو مودة. وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم انتهى. وقد تقدم تفصيل أحكام إجابة الدعوة في الوليمة وغيرها بما يعني عن إعادته.

(13/164)


24 - باب هَدَايَا الْعُمَّالِ
7174 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسْدٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الأُتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سُفْيَانُ أَيْضًا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي فَهَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاَثًا قَالَ سُفْيَانُ قَصَّهُ عَلَيْنَا الزُّهْرِيُّ وَزَادَ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعَ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنِي وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَإِنَّهُ سَمِعَهُ مَعِي وَلَمْ يَقُلْ الزُّهْرِيُّ سَمِعَ أُذُنِي خُوَارٌ صَوْتٌ وَالْجُؤَارُ مِنْ تَجْأَرُونَ كَصَوْتِ الْبَقَرَةِ
قوله: "باب هدايا العمال" هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وأبو عوانة من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن عروة عن أبي حميد رفعه: "هدايا العمال غلول " وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن يحيى وهو من رواية إسماعيل عن الحجازيين وهي ضعيفة ويقال إنه اختصره من حديث الباب كما تقدم بيان ذلك في الهبة، وأورد فيه قصة ابن اللتبية وقد تقدم بعض شرحها في الهبة وفي الزكاة وفي ترك الحيل وفي الجمعة، وتقدم شيء مما يتعلق بالغلول في " كتاب الجهاد". قوله: "سفيان" هو ابن عيينة. قوله: "عن الزهري" قد ذكر في آخره ما يدل على أن سفيان سمعه من الزهري وهو قوله: "قال سفيان قصه علينا الزهري " ووقع في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان " حدثنا الزهري " وأخرجه أبو نعيم من طريقه، وعند الإسماعيلي من طريق محمد بن منصور عن سفيان قال قصه علينا الزهري وحفظناه. قوله: "أنه سمع عروة" في رواية شعيب عن الزهري في الأيمان والنذور: أخبرني عروة. قوله: "استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من بني أسد" بفتح الهمزة وسكون السين المهملة، كذا وقع هنا وهو يوهم أنه بفتح السين نسبة إلى بني أسد بن خزيمة القبيلة المشهورة أو إلى بني أسد بن عبد العزى بطن من قريش. وليس كذلك وإنما قلت إنه يوهمه لأن الأزدي تلازمه الألف واللام في الاستعمال أسماء وأنسابا، بخلاف بني أسد فبعير ألف ولام في الاسم، ووقع

(13/164)


في رواية الأصيلي هنا " من بني الأسد " بزيادة الألف واللام ولا إشكال فيها مع سكون السين، وقد وقع في الهبة عن عبد الله بن محمد الجعفي عن سفيان " استعمل رجلا من الأزد " وكذا قال أحمد والحميدي في مسنديهما عن سفيان ومثله لمسلم عن أبي بكر ابن أبي شيبة وغيره عن سفيان، وفي نسخة بالسين المهملة بدل الزاي، ثم وجدت ما يزيل الإشكال إن ثبت، وذلك أن أصحاب الأنساب ذكروا أن في الأزد بطنا يقال لهم بنو أسد بالتحريك ينسبون إلى أسد ابن شريك بالمعجمة مصغرا ابن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، وبنو فهم بطن شهير من الأزد فيحتمل أن ابن الأتبية كان منهم فيصح أن يقال فيه الأزدي بسكون الزاي والأسدي بسكون السين وبفتحها من بني أسد بفتح السين ومن بني الأزد أو الأسد بالسكون فيهما لا غير، وذكروا ممن ينسب كذلك مسددا شيخ البخاري. قوله: "يقال له ابن الأتبية" كذا في رواية أبي ذر بفتح الهمزة والمثناة وكسر الموحدة، وفي الهامش باللام بدل الهمزة، كذلك ووقع كالأول لسائرهم وكذا تقدم في الهبة. وفي رواية مسلم باللام المفتوحة ثم المثناة الساكنة وبعضهم يفتحها، وقد اختلف على هشام بن عروة عن أبيه أيضا أنه باللام أو بالهمزة كما سيأتي قريبا في " باب محاسبة الإمام عماله " بالهمزة، ووقع لمسلم باللام. وقال عياض: ضبطه الأصيلي بخطه في هذا الباب بضم اللام وسكون المثناة، وكذا قيده ابن السكن، قال: وهو الصواب، وكذا قال ابن السمعاني ابن اللتبية بضم اللام وفتح المثناة ويقال بالهمز بدل اللام، وقد تقدم أن اسمه عبد الله واللتبية أمه لم نقف على تسميتها. قوله: "على صدقة" وقع في الهبة " على الصدقة " وكذا لمسلم، وتقدم في الزكاة تعيين من استعمل عليهم. قوله: "فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي" في رواية معمر عن الزهري عند مسلم: "فجاء بالمال فدفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي " وفي رواية هشام الآتية قريبا " فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاسبه قال: هذا الذي لكم، وهذه هدية أهديت لي " وفي رواية أبي الزناد عن عروة عند مسلم: "فجاء بسواد كثير " وهو بفتح المهملة وتخفيف الواو " فجعل يقول هذا لكم وهذا أهدي لي " وأوله عند أبي عوانة " بعث مصدقا إلى اليمن " فذكره. والمراد بالسواد الأشياء الكثيرة والأشخاص البارزة من حيوان وغيره، ولفظ السواد يطلق على كل شخص ولأبي نعيم في المستخرج من هذا الوجه " فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من يتوفى منه " وهذا يدل على أن قوله في الرواية المذكورة " فلما جاء حاسبه " أي أمر من يحاسبه ويقبض منه. وفي رواية أبي نعيم أيضا: "فجعل يقول هذا لكم وهذا لي " حتى ميزه " قال يقولون من أين هذا لك؟ قال: أهدي لي، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما أعطاهم". قوله: "فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر" زاد في رواية هشام قبل ذلك " فقال ألا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا؟ ثم قام فخطب". قوله: "قال سفيان: أيضا فصعد المنبر" يريد أن سفيان كان تارة يقول: "قام " وتارة " صعد " ووقع في رواية شعيب " ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم عشية بعد الصلاة " وفي رواية معمر عند مسلم: "ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا " وفي رواية أبي الزناد عند أبي نعيم " فصعد المنبر وهو مغضب". قوله: "ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول" في رواية الكشميهني: "يقول: "بحذف الفاء. وفي رواية شعيب " فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول: "ووقع في رواية هشام بن عروة " فإني أستعمل الرجل منكم على أمور مما ولاني الله". قوله: "هذا لك وهذا لي" في رواية عبد الله بن محمد " هذا لكم وهذا أهدي لي " وفي رواية هشام " فيقول هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت لي " وقد تقدم ما في رواية أبي الزناد من الزيادة.
قوله: "فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدي له أم لا" ؟ في

(13/165)


رواية هشام " حتى تأتيه هديته إن كان صادقا". قوله: "والذي نفسي بيده" تقدم شرحه في أوائل " كتاب الأيمان والنذور". قوله: "لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة" يعني لا يأتي بشيء يحوزه لنفسه، ووقع في رواية عبد الله ابن محمد " لا يأخذ أحد منها شيئا " وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: "لا ينال أحد منكم منها شيئا " وفي رواية أبي الزناد عند أبي عوانة " لا يغل منه شيئا إلا جاء به " وكذا وقع في رواية شعيب عند المصنف وفي رواية معمر عند الإسماعيلي كلاهما بلفظ: "لا يغل " بضم الغين المعجمة من الغلول وأصله الخيانة في الغنيمة، ثم استعمل في كل خيانة. قوله: "يحمله على رقبته" في رواية أبي بكر " على عنقه " وفي رواية هشام " لا يأخذ أحدكم منها شيئا " قال هشام " بغير حقه " ولم يقع قوله: "قال هشام " عند مسلم في رواية أبي أسامة المذكورة، وأورده من رواية ابن نمير عن هشام بدون قوله: "بغير حقه " وهذا مشعر بإدراجها. قوله: "إن كان" أي الذي غله "بعيرا له رغاء" بضم الراء وتخفيف المعجمة مع المد هو صوت البعير. قوله: "خوار" يأتي ضبطه. قوله: "أو شاة تيعر" بفتح المثناة الفوقانية وسكون التحتانية بعدها مهملة مفتوحة ويجوز كسرها، ووقع عند ابن التين " أو شاة لها يعار " ويقال: "يعار " قال وقال القزاز: هو يعار بغير شك يعني بفتح التحتانية وتخفيف المهملة وهو صوت الشاة الشديد " قال: واليعار ليس بشيء كذا فيه وكذا لم أره هنا في شيء من نسخ الصحيح. وقال غيره: اليعار بضم أوله صوت المعز، يعرت العنز تيعر بالكسر وبالفتح يعارا إذا صاحت. قوله: "ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه" وفي رواية عبد الله بن محمد " عفرة إبطه " بالإفراد، ولأن ذر " عفر " بفتح أوله ولبعضهم بفتح الفاء أيضا بلا هاء، وكالأول في رواية شعيب بلفظ: "حتى إنا لننظر إلى " والعفرة بضم المهملة وسكون الفاء تقدم شرحها في " كتاب الصلاة " وحاصله أن العفر بياض ليس بالناصع. قوله: "ألا" بالتخفيف "هل بلغت" بالتشديد "ثلاثا" أي أعادها ثلاث مرات. وفي رواية عبد الله بن محمد في الهبة " اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت ثلاثا " وفي رواية مسلم: "قال اللهم هل بلغت مرتين " ومثله لأبي داود ولم يقل " مرتين " وصرح في رواية الحميدي بالثالثة " اللهم بلغت " والمراد بلغت حكم الله إليكم امتثالا لقوله تعالى له "بلغ" وإشارة إلى ما يقع في القيامة من سؤال الأمم هل بلغهم أنبياؤهم ما أرسلوا به إليهم. قوله: "وزاد هشام" هو من مقول سفيان وليس تعليقا من البخاري، وقد وقع في رواية الحميدي عن سفيان " حدثنا الزهري وهشام بن عروة قالا حدثنا عروة بن الزبير " وساقه عنهما مساقا واحدا وقال في آخره: "قال سفيان: زاد فيه هشام". قوله: "سمع أذني" بفتح السين المهملة وكسر الميم وأذني بالإفراد بقرينة قوله: "وأبصرته عيني " قال عياض: بسكون الصاد المهملة والميم وفتح الراء والعين للأكثر وحكى عن سيبويه قال العرب تقول سمع أذني زيدا بضم العين، قال عياض والذي في ترك الحيل وجهه النصب على المصدر لأنه لم يذكر المفعول وقد تقدم القول في ذلك في ترك الحيل ووقع عند مسلم في رواية أبي أسامة " بصر وسمع " بالسكون فيهما والتثنية في أذني وعيني، وعنده في رواية ابن نمير بصر عيناي وسمع أذناي. وفي رواية ابن جريج عن هشام عند أبي عوانة " بصر عينا أبي حميد وسمع أذناه". قلت: وهذا يتعين أن يكون بضم الصاد وكسر الميم وفي رواية مسلم من طريق أبي الزناد عن عروة قلت لأبي حميد أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال من فيه إلى أذني، قال النووي: معناه إنني أعلمه علما يقينا لا أشك في علمي به. قوله: "وسلوا زيد بن ثابت فإنه سمعه معي" في رواية الحميدي " فإنه كان حاضرا معي " وفي رواية الإسماعيلي

(13/166)


من طريق معمر عن هشام " يشهد على ما أقول زيد بن ثابت يحك منكبه منكبي، رأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي رأيت وشهد مثل الذي شهدت " وقد ذكرت في الأيمان والنذور أني لم أجده من حديث زيد بن ثابت. قوله: "ولم يقل الزهري سمع أذني" هو مقول سفيان أيضا. قوله: "خوار صوت، والجؤار من تجأرون كصوت البقرة" هكذا وقع هنا وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني والأول بضم الخاء المعجمة يفسر قوله في حديث أبي حميد " بقرة لها خوار " وهو في الرواية بالخاء المعجمة ولبعضهم بالجيم، وأشار إلى ما في سورة طه {عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ} وهو صوت العجل، ويستعمل في غير البقر من الحيوان. وأما قوله: "والجؤار " فهو بضم الجيم وواو مهموزة ويجوز تسهيلها، وأشار بقوله: "يجأرون " إلى ما في سورة قد أفلح {بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} قال أبو عبيدة: أي يرفعون أصواتهم كما يجأر الثور. والحاصل أنه بالجيم وبالخاء المعجمة بمعنى، إلا أنه بالخاء للبقر وغيرها من الحيوان وبالجيم للبقر والناس قال الله تعالى {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} وفي قصة موسى " له جؤار إلى الله بالتلبية " أي صوت عال، وهو عند مسلم من طريق داود بن أبي هند عن أبي العالية عن ابن عباس، وقيل أصله في البقر واستعمل في الناس، ولعل المصنف أشار أيضا إلى قراءة الأعمش، عجلا جسدا له جؤار بالجيم، وفي الحديث من الفوائد أن الإمام يخطب في الأمور المهمة، واستعمال " أما بعد " في الخطبة كما تقدم في الجمعة، ومشروعية محاسبة المؤتمن، وقد تقدم البحث فيه في الزكاة، ومنع العمال من قبول الهدية ممن له عليه حكم وتقدم تفصيل ذلك في ترك الحيل، ومحل ذلك إذا لم يأذن له الإمام في ذلك، لما أخرجه الترمذي من رواية قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: لا تصيبن شيئا بغير إذني فإنه غلول " وقال المهلب: فيه أنها إذا أخذت تجعل في بيت المال ولا يختص العام منها إلا بما أذن له فيه الإمام، وهو مبني على أن ابن اللتبية أخذ منه ما ذكر أنه أهدى له وهو ظاهر السياق، ولا سيما في رواية معمر قبل، ولكن لم أر ذلك صريحا. ونحوه قول ابن قدامة في " المغني " لما ذكر الرشوة: وعليه ردها لصاحبها ويحتمل أن تجعل في بيت المال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن اللتبية برد الهدية التي أهديت له لمن أهداها. وقال ابن بطال: يلحق بهدية العامل الهدية لمن له دين ممن عليه الدين، ولكن له أن يحاسب بذلك من دينه. وفيه إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ. وقال ابن المنير: يؤخذ من قوله: "هلا جلس في بيت أبيه وأمه " جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك، كذا قال، ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يزد على العادة. وفيه أن من رأى متأولا أخطأ في تأويل يضر من أخذ به أن يشهر القول للناس ويبين خطأه ليحذر من الاغترار به. وفيه جواز توبيخ المخطئ، واستعمال المفضول في الإمارة والإمامة والأمانة مع وجود من هو أفضل منه وفيه استشهاد الراوي والناقل بقول من يوافقه ليكون أوقع في نفس السامع وأبلغ في طمأنينته والله أعلم.

(13/167)


25 - باب اسْتِقْضَاءِ الْمَوَالِي وَاسْتِعْمَالِهِمْ
7175 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ قَالَ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو سَلَمَةَ وَزَيْدٌ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ"

(13/167)


قوله: "باب استقضاء الموالي" أي توليتهم القضاء "واستعمالها" أي على إمرة البلاد حربا أو خراجا أو صلاة. قوله: "كان سالم مولى أبي حذيفة" تقدم التعريف به في الرضاع. قوله: "يؤم المهاجرين الأولين" أي الذين سبقوا بالهجرة إلى المدينة. قوله: "فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة" أي ابن عبد الأسد المخزومي زوج أم سلمة أم المؤمنين قبل النبي صلى الله عليه وسلم وزيد أي ابن حارثة وعامر بن ربيعة أي العنزي بفتح المهملة والنون بعدها زاي وهو مولى عمر، وقد تقدم في " كتاب الصلاة " في أبواب الإمامة من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضع بقباء قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا، فأفاد سبب تقديمه للإمامة. وقد تقدم شرحه مستوفى هناك في " باب إمامة المولى " والجواب عن استشكال عد أبي بكر الصديق فيهم لأنه إنما هاجر صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقع في حديث ابن عمر أن ذلك كان قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت جواب البيهقي بأنه يحتمل أن يكون سالم استمر يؤمهم بعد أن تحول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ونزل بدار أبي أيوب قبل بناء مسجده بها، فيحتمل أن يقال فكان أبو بكر يصلي خلفه إذا جاء إلى قباء. وقد تقدم في " باب الهجرة إلى المدينة " من حديث البراء بن عازب " أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس، ثم قدم بلال وسعد وعمار، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين " وذكرت هناك أن ابن إسحاق سمى منهم ثلاثة عشر نفسا وأن البقية يحتمل أن يكونوا من الذين ذكرهم ابن جريج، وذكرت هناك الاختلاف فيمن قدم مهاجرا من المسلمين وأن الراجح أنه أبو سلمة بن عبد الأسد، فعلى هذا لا يدخل أبو بكر ولا أبو سلمة في العشرين المذكورين، وقد تقدم أيضا في أول الهجرة أن ابن إسحاق ذكر أن عامر بن ربيعة أول من هاجر ولا ينافي ذلك حديث الباب لأنه كان يأتم بسالم بعد أن هاجر سالم. ومناسبة الحديث للترجمة من جهة تقديم سالم وهو مولى على من ذكر من الأحرار في إمامة الصلاة، ومن كان رضا في أمر الدين فهو رضا في أمور الدنيا، فيجوز أن يولي القضاء والإمرة على الحرب وعلى جباية الخراج، وأما الإمامة العظمى فمن شروط صحتها أن يكون الإمام قرشيا، وقد مضى البحث في ذلك في أول " كتاب الأحكام " ويدخل في هذا ما أخرجه مسلم من طريق أبي الطفيل أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر استعمله على مكة فقال: من استعملت عليهم؟ فقال: ابن أبزى يعني ابن عبد الرحمن، قال: استعملت عليهم مولى! قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال عمر: إن نبيكم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين".

(13/168)


26 - باب الْعُرَفَاءِ لِلنَّاسِ
7176, 7177 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "حِينَ أَذِنَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي عِتْقِ سَبْيِ هَوَازِنَ إِنِّي لاَ أَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا

(13/168)


قوله: "باب العرفاء للناس" بالمهملة والفاء جمع عريف بوزن عظيم، وهو القائم بأمر طائفة من الناس من عرفت بالضم وبالفتح على القوم أعرف بالضم فأنا عارف وعريف، أي وليت أمر سياستهم وحفظ أمورهم، وسمي بذلك لكونه يتعرف أمورهم حتى يعرف بها من فوقه عند الاحتياج. وقيل العريف دون المنكب وهو دون الأمير. قوله: "إسماعيل بن إبراهيم" هو ابن عقبة، والسند كله مدنيون. قوله: "قال ابن شهاب" في رواية محمد بن فليح عن موسى بن عقبة " قال لي ابن شهاب " أخرجها أبو نعيم. قوله: "حين أذن لهم المسلمون في عتق سبي هوازن" في رواية النسائي من طريق محمد بن فليح " حتى أذن له " بالأفراد وكذا للإسماعيلي وأبي نعيم، ووجه الأول أن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه أو من أقامه في ذلك. وهذه القطعة مقتطعة من قصة السبي الذي غنمه المسلمون في وقعة حنين " ونسبوا إلى هوازن لأنهم كانوا رأس تلك الوقعة " وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك وتفصيل الأمر فيه في وقعة حنين، وأخرجها هناك مطولة من رواية عقيل عن ابن شهاب وفيه: "وإني رأيت أني أرد إليهم سبيهم فمن أحب أن يطيب بذلك فليفعل، وفيه فقال الناس قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال إنا لا ندري إلخ". قوله: "من أذن فيكم" في رواية الكشميهني: "منكم " وكذا للنسائي والإسماعيلي. قوله: "فأخبروه أن الناس فد طيبوا وأذنوا" تقدم في غزوة حنين ما يؤخذ منه أن نسبة الإذن وغيره إليهم حقيقة: ولكن سبب ذلك مختلف فالأغلب الأكثر طابت أنفسهم أن يردوا السبي لأهله بغير عوض، وبعضهم رده بشرط التعويض، ومعنى " طيبوا " وهو بالتشديد حملوا أنفسهم على ترك السبايا حتى طابت بذلك، يقال طيبت نفسي بكذا إذا حملتها على السماح به من غير إكراه فطابت بذلك، ويقال طيبت بنفس فلان إذا كلمته بكلام يوافقه، وقيل هو من قولهم طاب الشيء إذا صار حلالا، وإنما عداه بالتضعيف، ويؤيده قوله: "فمن أحب أن يطيب ذلك " أي يجعله حلالا، وقولهم " طيبنا " فيحمل عليه قول العرفاء أنهم طيبوا. قال ابن بطال: في الحديث مشروعية إقامة العرفاء لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه، قال: والأمر والنهي إذا توجه إلى الجميع يقع التوكل فيه من بعضهم فربما وقع التفريط، فإذا أقام على كل قوم عريفا لم يسع كل أحد إلا القيام بما أمر به. وقال ابن المنير في الحاشية يستفاد منه جواز الحكم بالإقرار بغير إشهاد، فإن العرفاء ما أشهدوا على كل فرد فرد شاهدين بالرضا، وإنما أقر الناس عندهم وهم نواب للإمام فاعتبر ذلك وفيه أن الحاكم يرفع حكمه إلى حاكم آخر مشافهة فينفذه إذا كان كل منهما في محل ولايته. قلت: وقع في سير الواقدي أن أبارهم الغفاري كان يطوف على القبائل حتى جمع العرفاء واجتمع الأمناء على قول واحد. وفيه أن الخبر الوارد في ذم العرفاء لا يمنح إقامة العرفاء لأنه محمول - إن ثبت - على أن الغالب على العرفاء الاستطالة ومجاوزة الحد وترك الإنصاف المفضي إلى الوقوع في المعصية، والحديث المذكور أخرجه أبو داود من طريق المقدام بن معد يكرب رفعه: "العرافة حق، ولا بد للناس من عريف، والعرفاء في النار " ولأحمد وصححه ابن خزيمة من طريق عباد بن أبي علي عن أبي حازم عن أبي هريرة رفعه: "ويل للأمراء، ويل للعرفاء " قال الطيبي: قوله: "والعرفاء في النار " ظاهر أقيم مقام الضمير يشعر بأن العرافة على خطر، ومن باشرها غير آمن من الوقوع في المحذور المفضي إلى العذاب، فهو كقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} فينبغي للعاقل أن يكون على حذر منها لئلا يتورط فيما يؤديه إلى النار. قلت: ويؤيد هذا التأويل الحديث الآخر حيث توعد الأمراء بما توعد به العرفاء،

(13/169)


فدل على أن المراد بذلك الإشارة إلى أن كل من يدخل في ذلك لا يسلم وأن الكل على خطر، والاستثناء مقدر في الجميع. وأما قوله: "العرافة حق " فالمراد به أصل نصبهم، فإن المصلحة تقتضيه لما يحتاج إليه الأمير من المعاونة على ما يتعاطاه بنفسه، ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد النبوي كما دل عليه حديث الباب.

(13/170)


27 - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ ثَنَاءِ السُّلْطَانِ وَإِذَا خَرَجَ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ
7178 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أُنَاسٌ لِابْنِ عُمَرَ إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلاَفَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ قَالَ كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا
7179 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ
قوله: "ما يكره من ثناء السلطان" الإضافة فيه للمفعول أي من الثناء على السلطان بحضرته، بقرينة قوله: "وإذا خرج - أي من عنده - قال غير ذلك " ووقع عند ابن بطال " من الثناء على السلطان " وكذا عند أبي نعيم عن أبي أحمد الجرجاني عن الفربري، وقد تقدم معنى هذه الترجمة في أواخر " كتاب الفتن". " إذا قال عند قوم شيئا، ثم خرج فقال بخلافه " وهذه أخص من تلك. قوله: "قال أناس لابن عمر" قلت سمي منهم عروة بن الزبير ومجاهد وأبو إسحاق الشيباني، ووقع عند الحسن بن سفيان من طريق معاذ عن عاصم عن أبيه " دخل رجل على ابن عمر " أخرجه أبو نعيم من طريقه. قوله: "إنا ندخل على سلطاننا" في رواية الطيالسي عن عاصم " سلاطيننا " بصيغة الجمع. قوله: "فيقول لهم" أي نثني عليهم، في رواية الطيالسي فنتكلم بين أيديهم بشيء ووقع عند ابن أبي شيبة من طريق أبي الشعثاء قال دخل قوم على ابن عمر فوقعوا في يزيد بن معاوية فقال: "أتقولون هذا في وجوههم؟ قالوا بل نمدحهم ونثني عليهم " وفي رواية عروة بن الزبير عند الحارث بن أبي أسامة والبيهقي قال: "أتيت ابن عمر فقلت إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون في شيء نعلم أن الحق غيره فنصدقهم، فقال: كنا نعد هذا نفاقا، فلا أدري كيف هو عندكم " لفظ البيهقي في رواية الحارث " يا أبا عبد الرحمن إنا ندخل على الإمام يقضي بالقضاء نراه جورا فنقول تقبل الله، فقال: إنا نحن معاشر محمد " فذكر نحوه. وفي " كتاب الإيمان لعبد الرحمن بن عمر الأصبهاني بسنده عن عريب الهمداني " قلت لابن عمر " فذكر نحوه وعريب بمهملة وموحدة وزن عظيم، وللخرائطي في " المساوي " من طريق الشعبي " قلت لابن عمر: إنا ندخل على أمرائنا فنمدحهم، فإذا خرجنا قلنا لهم خلاف ذلك فقال كنا نعد هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاقا " وفي مسند مسدد من رواية يزيد بن أبي زياد عن مجاهد " أن رجلا قدم على ابن عمر فقال له: كيف أنتم وأبو أنيس الضحاك بن قيس قال: إذا لقيناه قلنا له ما يحب، وإذا ولينا عنه قلنا له غير ذلك، قال: ذاك ما كنا نعده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفاق " وفي الأوسط للطبراني من طريق الشيباني يعني أبا إسحاق وسليمان بن فيروز الكوفي. قوله: "كنا نعدها" بضم العين من العد هكذا اختصره أبو ذر، وله عن الكشميهني: "نعد هذا " وعند غير أبي ذر مثله وزادوا " نفاقا " وعند ابن بطال " ذلك " بدل " هذا ومثله للإسماعيلي من طريق يزيد بن هارون عن عاصم بن محمد " وعنده " من النفاق " وزاد: قال عاصم: فسمعني

(13/170)


أخي - يعني عمر - أحدث بهذا الحديث: "فقال: قال أبي قال ابن عمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وكذا أخرجه الطيالسي في مسنده عن عاصم بن محمد إلى قوله: "نفاقا " قال عاصم: فحدثني أخي عن أبي أن ابن عمر قال: "كنا نعده نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ووقع في " الأطراف للمزي " ما نصه " خ في الأحكام عن أبي نعيم عن عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه به " قال ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم وقال في آخره: "فحدثت به أخي عمر فقال: إن أباك كان يزيد فيه: في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قوله: "وقال معاذ إلى آخره: لم يذكره أبو مسعود، فيحتمل أن يكون نقله من كتاب خلف، ولم أره في شيء من الروايات التي وقعت لنا عن الفربري ولا غيره عن البخاري وقد قال الإسماعيلي: عقب الزيادة المذكورة ليس في حديث البخاري " على عهد رسول الله". قوله: "عن يزيد بن أبي حبيب" هو المصري من صغار التابعين. قوله: "عن عراك" بكسر العين المهملة وتخفيف الراء وآخره كاف هو ابن مالك الغفاري المدني، فالسند دائر بين مصري ومدني. قوله: "إن شر الناس ذو الوجهين" تقدم في " باب ما قيل في ذي الوجهين " من " كتاب الأدب " من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: "من شر الناس " وتقدم شرحه وسائر فوائده هناك. وتعرض ابن بطال هنا لذكر ما يعارض ظاهره من قوله صلى الله عليه وسلم للذي استأذن عليه " بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له القول " وتكلم على الجمع بينهما، وحاصله أنه حيث ذمه كان لقصد التعريف بحاله وحيث تلقاه بالبشر كان لتأليفه أو لاتقاء شره، فما قصد بالحالتين إلا نفع المسلمين. ويؤيده أنه لم يصفه في حال لقائه بأنه فاضل ولا صالح، وقد تقدم الكلام عليه أيضا في " باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا " من " كتاب الأدب " وتقدم فيه أيضا بيان ما يجوز من الاغتياب في " باب آخر بعد ذلك".

(13/171)


28 - باب الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ
7180- حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن هندا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح فأحتاج أن آخذ من ماله قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف "
قوله: "القضاء على الغائب" أي في حقوق الآدميين دون حقوق الله بالاتفاق، حتى لو قامت البينة على غائب بسرقة مثلا، حكم بالمال دون القطع، قال ابن بطال: أجاز مالك والليث والشافعي وأبو عبيد وجماعة الحكم على الغائب، واستثنى ابن القاسم عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج كالأرض والعقار إلا إن طالت غيبته أو انقطع خبره، وأنكر ابن الماجشون صحة ذلك عن مالك وقال: "العمل بالمدينة على الحكم على الغائب مطلقا حتى لو غاب بعد أن توجه عليه الحكم قضي عليه " وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة: "لا يقضي على الغائب مطلقا. وأما من هرب أو استتر بعد إقامة البينة فينادي القاضي عليه ثلاثا فإن جاء وإلا أنفذ الحكم عليه " وقال ابن قدامة: أجازه أيضا ابن شبرمة والأوزاعي وإسحاق وهو أحد الروايتين عن أحمد، ومنعه أيضا الشعبي والثوري وهي الرواية الأخرى عن أحمد قال: "واستثنى أبو حنيفة من له وكيل مثلا، فيجوز الحكم عليه بعد الدعوى على وكيله " واحتج من منع بحديث على رفعه: "لا تقضي لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر " وهو حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وبحديث: "الأمر بالمساواة بين الخصمين، وبأنه لو حضر لم تسمع بينة المدعي حتى يسأل

(13/171)


المدعى عليه فإذا غاب فلا تسمع، وبأنه لو جاز الحكم مع غيبته لم يكن الحضور واجبا عليه " وأجاب من أجاز: بأن ذلك كله لا يمنع الحكم على الغائب لأن حجته إذا حضر قائمة فتسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدى إلى نقض الحكم السابق، وحديث على محمول على الحاضرين. وقال ابن العربي: حديث علي، إنما هو مع إمكان السماع فأما مع تعذره بمغيب فلا يمنع الحكم، كما لو تعذر بإغماء أو جنون أو حجر أو صغر، وقد عمل الحنفية بذلك في الشفعة والحكم على من عنده للغائب مال أن يدفع منه " نفقة زوج الغائب". ثم ذكر المصنف حديث عائشة في قصة هند، وقد احتج بها الشافعي وجماعة لجواز القضاء على الغائب، وتعقب بأن أبا سفيان كان حاضرا في البلد، وتقدم بيان ذلك مستوفى في " كتاب النفقات " مع شرح الحديث المذكور ولله الحمد. وذكر ابن التين فيه من الفوائد غير ما تقدم " خروج المرأة في حوائجها، وإن صوتها ليس بعورة". قلت: وفي كل منهما نظر، وأما الأول فلأنه جاء أن هندا كانت جاءت للبيعة فوقع ذكر النفقة تبعا. وأما الثاني فحال الضرورة مستثنى وإنما النزاع حيث لا ضرورة.

(13/172)


29 - باب مَنْ قُضِيَ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ فَلاَ يَأْخُذْهُ
فَإِنَّ قَضَاءَ الْحَاكِمِ لاَ يُحِلُّ حَرَامًا وَلاَ يُحَرِّمُ حَلاَلًا
7181 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا
7182 - حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن بن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت "كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن بن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال بن أخي قد كان عهد إلي فيه فقام إليه عبد بن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فتساوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد يا رسول الله بن أخي كان عهد إلي فيه وقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد بن زمعة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم قال لسودة بنت زمعة احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله تعالى قوله: "باب" بالتنوين " من قضى له " بضم أوله " بحق أخيه " أي خصمه فهي أخوة بالمعنى الأعم وهو الجنس لأن المسلم والذمي والمعاهد والمرتد في هذا الحكم سواء، فهو مطرد في الأخ من النسب ومن الرضاع وفي الدين وغير ذلك، ويحتمل أن يكون تخصيص الأخوة بالذكر من باب التهييج، وإنما عبر بقوله بحق أخيه مراعاة للفظ الخبر ولذلك قال: "فلا يأخذه " لأنه بقية الخبر، وهذا اللفظ وقع في رواية هشام بن عروة عن أبيه، وقد تقدم في ترك الحيل من طريق الثوري عنه"
قوله "باب" بالتنوين من قضي له بضم أوله بحق أخيه أي خصمه فهي أخوة بالمعنى الأعم وهو

(13/172)


الجنس لأن المسلم والذمي والمعاهد والمرتد في هذا الحكم سواء فهو مطرد في الأخ من النسب ومن الرضاع وفي الدين وغير ذلك ويحتمل ان يكون تخصيص الأخوة بالذكر من باب التهييج وانما عبر بقوله بحق أخيه مراعاة للفظ الخبر ولذلك قال فلا يأخذه لأنه بقية الخبر وهذا اللفظ وقع في رواية هشام بن عروة عن أبيه وقد تقدم في ترك الحيل من طريق الثوري عنه قوله: "فإن قضاء الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا" هذا الكلام أخذه من قول الشافعي فإنه لما ذكر هذا الحديث قال: "فيه دلالة على أن الأمة، إنما كلفوا القضاء على الظاهر " وفيه: "أن قضاء القاضي لا يحرم حلالا ولا يحل حراما". قوله: "عن صالح" هو ابن كيسان وصرح به في رواية الإسماعيلي. قوله: "سمع خصومة" في رواية شعيب عن الزهري " سمع جلبة خصام " والجلبة بفتح الجيم واللام: اختلاط الأصوات، ووقع في رواية يونس عند مسلم: "جلبة خصم " بفتح الخاء وسكون الصاد، وهو اسم مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمثنى مذكرا ومؤنثا ويجوز جمعه وتثنيته كما في رواية الباب: "خصوم " وكما في قوله تعالى :{هذان خصمان} ولمسلم من طريق معمر عن هشام " لجبة " بتقديم اللام على الجيم، وهي لغة فيها فأما الخصوم فلم أقف على تعيينهم ووقع التصريح بأنهما كانا اثنين في رواية عبد الله بن رافع عن أم سلمة عند أبي داود ولفظه: "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان يختصمان " وأما الخصومة فبين في رواية عبد الله بن رافع أنها كانت " في مواريث لهما " وفي لفظ عنده " في مواريث وأشياء قد درست". قوله: "بباب حجرته" في رواية شعيب ويونس عند مسلم: "عند بابه " والحجرة المذكورة هي منزل أم سلمة ووقع عند مسلم في رواية معمر " بباب أم سلمة". قوله: "إنما أنا بشر" البشر الخلق يطلق على الجماعة والواحد، بمعنى أنه منهم والمراد أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختص بها في ذاته وصفاته، والحصر هنا مجازي لأنه يختص بالعلم الباطن ويسمى " قصر قلب " لأن أتى به ردا على من زعم أن من كان رسولا فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه المظلوم. قوله: "وأنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض" في رواية سفيان الثوري " في ترك الحيل، وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " ومثله لمسلم من طريق أبي معاوية وتقدم البحث في المراد بقوله ألحن في ترك الحيل. قوله: "فأحسب أنه صادق" هذا يؤذن أن في الكلام حذفا تقديره " وهو في الباطن كاذب " وفي رواية معمر " فأظنه صادقا". قوله: "فأقضي له بذلك" في رواية أبي داود من طريق الثوري " فأقضى له عليه على نحو مما أسمع " ومثله في رواية أبي معاوية وفي رواية عبد الله بن رافع " إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه". قوله: "فمن قضيت له بحق مسلم" في رواية مالك ومعمر " فمن قضيت له بشيء من حق أخيه " وفي رواية الثوري " فمن قضيت له من أخيه شيئا " وكأنه ضمن قضيت معنى " أعطيت " ووقع عند أبي داود عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه: "فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه " وفي رواية عبد الله بن رافع عند الطحاوي والدار قطني " فمن قضيت له بقضية أراها يقطع بها قطعة ظلما فإنما يقطع له بها قطعة من نار إسطاما يأتي بها في عنقه يوم القيامة " والإسطام بكسر الهمزة وسكون المهملة والطاء المهملة " قطعة " فكأنها للتأكيد. قوله: "فإنما هي" الضمير للحالة أو القصة. قوله: "قطعة من النار" أي " الذي قضيت له به " بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه فهو عليه حرام يئول به إلى النار، وقوله قطعة من النار، تمثيل يفهم منه شدة التعذيب على من يتعاطاه فهو من مجاز التشبيه كقوله تعالى {إنما يأكلون في بطونهم نارا} . قوله: "فيأخذها أو ليتركها" في رواية يونس " فليحملها

(13/173)


أو ليذرها " وفي رواية مالك عن هشام " فلا يأخذه " فإنما أقطع له " قطعة من النار " قال الدار قطني: هشام وإن كان ثقة لكن الزهري أحفظ منه، وحكاه الدار قطني عن شيخه أبي بكر النيسابوري. قلت: ورواية الزهري ترجع إلى رواية هشام فإن الأمر فيه للتهديد لا لحقيقة التخيير، بل هو كقوله. {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} قال ابن التين: هو خطاب للمقضي له، ومعناه: أنه أعلم من نفسه، هل هو محق أو مبطل؟ فإن كان محقا فليأخذ، وإن كان مبطلا فليترك، فإن الحكم لا ينقل الأصل عما كان عليه. "تنبيه": زاد عبد الله بن رافع في آخر الحديث: "فبكى الرجلان. وقال كل منهما حقي لك فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم أما إذا فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم تحاللا " وفي هذا الحديث من الفوائد إثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئا هو في الباطل حرام عليه وفيه: "أن من ادعى مالا ولم يكن له بينة، فحلف المدعى عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف، أنه لا يبرأ في الباطن، وأن المدعي لو أقام بينة بعد ذلك تنافي دعواه سمعت وبطل الحكم " وفيه: "أن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقا في الظاهر ويحكم له به أنه لا يحل له تناوله في الباطن ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم " وفيه: "أن المجتهد قد يخطئ فيرد به على من زعم أن كل مجتهد مصيب " وفيه: "أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم بل يؤجر " كما سيأتي وفيه: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء وخالف في ذلك قوم " وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم، وفيه: "أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به ويكون في الباطن بخلاف ذلك لكن مثل ذلك لو وقع لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم لثبوت عصمته " واحتج من منع مطلقا بأنه لو جاز وقوع الخطأ في حكمه للزم أمر المكلفين بالخطأ لثبوت الأمر باتباعه في جميع أحكامه، حتى قال تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} الآية: وبأن الإجماع معصوم من الخطأ، فالرسول أولى بذلك لعلو رتبته والجواب عن الأول: "أن الأمر إذا استلزم إيقاع الخطأ لا محذور فيه، لأنه موجود في حق المقلدين فإنهم مأمورون باتباع المفتي والحاكم ولو جاز عليه الخطأ " والجواب عن الثاني: "أن الملازمة مردودة فإن الإجماع إذا فرض وجوده دل على أن مستندهم ما جاء عن الرسول، فرجع الاتباع إلى الرسول لا إلى نفس الإجماع " والحديث حجة لمن أثبت " أنه قد يحكم بالشيء في الظاهر، ويكون الأمر في الباطن بخلافه " ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم منه محال عقلا ولا نقلا، وأجاب من منعه بأن الحديث يتعلق بالحكومات الواقعة في فصل الخصومات المبنية على الإقرار أو البينة، ولا مانع من وقوع ذلك فيها، ومع ذلك فلا يقر على الخطأ، وإنما الممتنعة أن يقع فيه الخطأ " أن يخبر عن أمر بأن الحكم الشرعي فيه كذا ويكون ذلك ناشئا عن اجتهاده " فإنه لا يكون إلا حقا، لقوله تعالى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} الآية. وأجيب بأن ذلك يستلزم الحكم الشرعي فيعود الإشكال كما كان، ومن حجج من أجاز ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم " فيحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين - ولو كان في نفس الأمر يعتقد خلاف ذلك - والحكمة في ذلك مع أنه كان يمكن اطلاعه بالوحي على كل حكومة أنه لما كان مشرعا، كان يحكم بما شرع للمكلفين ويعتمده الحكام بعده، ومن ثم قال: "إنما أنا بشر " أي " في الحكم بمثل ما كلفوا به " وإلى هذه النكتة أشار المصنف بإيراده حديث عائشة في قصة ابن وليدة زمعة حيث حكم صلى الله عليه وسلم بالولد لعبد بن زمعة وألحقه بزمعة، ثم لما رأى شبهة بعتبة أمر سودة أن

(13/174)


تحتجب منه احتياطا، ومثله قوله في قصة المتلاعنين لما وضعت التي لو عنت ولدا يشبه الذي رميت به " لولا الإيمان لكان لي ولها شأن " فأشار البخاري إلى أنه صلى الله عليه وسلم حكم في ابن وليدة زمعة بالظاهر، ولو كان في نفس الأمر ليس من زمعة ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد، ولا هو من موارد الاختلاف في ذلك، وسبقه إلى ذلك الشافعي فإنه لما تكلم على حديث الباب قال: "وفيه أن الحكم بين الناس يقع على ما يسمع من الخصمين بما لفظوا به وإن كان يمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك، وأنه لا يقضي على أحد بغير ما لفظ به " فمن فعل ذلك فقد خالف كتاب الله وسنة نبيه قال: "ومثل هذا قضاؤه لعبد بن زمعة بابن الوليدة، فلما رأى الشبه بينا بعتبة قال احتجبي منه يا سودة انتهى. ولعل السر في قوله {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ} امتثال قول الله تعالى {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} أي في إجراء الأحكام على الظاهر الذي يستوي فيه جميع المكلفين، فأمر أن يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا به، ليتم الاقتداء به وتطيب نفوس العباد للانقياد إلى الأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن، والحاصل أن هنا مقامين أحدهما " طريق الحكم " وهو الذي كلف المجتهد بالتبصر فيه، وبه يتعلق الخطأ والصواب. وفيه البحث، والآخر " ما يبطنه الخصم ولا يطلع عليه إلا الله ومن شاء من رسله " فلم يقع التكليف به. قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الحكم بتمليك مال أو إزالة ملك أو إثبات نكاح أو فرقة أو نحو ذلك، إن كان في الباطن كما هو في الظاهر نفذ على ما حكم به، وإن كان في الباطن على خلاف ما استند إليه الحاكم من الشهادة أو غيرها لم يكن الحكم موجبا للتمليك ولا الإزالة ولا النكاح ولا الطلاق ولا غيرها، وهو قول الجمهور، ومعهم أبو يوسف، وذهب آخرون إلى أن الحكم إن كان في مال، وكان الأمر في الباطن بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظاهر، لم يكن ذلك موجبا لحله للمحكوم له وإن كان في نكاح أو طلاق فإنه ينفذ باطنا وظاهرا، وحملوا حديث الباب على ما ورد فيه وهو المال واحتجوا لما عداه بقصة المتلاعنين فإنه صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين مع احتمال أن يكون الرجل قد صدق فيما رماها به، قال: فيؤخذ من هذا أن " كل قضاء ليس فيه تمليك مال أنه على الظاهر ولو كان الباطن بخلافه " وأن حكم الحاكم يحدث في ذلك التحريم والتحليل بخلاف الأموال، وتعقب بأن الفرقة في اللعان إنما وقعت عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب، وهو أصل برأسه فلا يقاس عليه، وأجاب غيره من الحنفية بأن ظاهر الحديث يدل على أن ذلك مخصوص بما يتعلق بسماع كلام الخصم حيث لا بينة هناك ولا يمين، وليس النزاع فيه وإنما النزاع في الحكم المرتب على الشهادة وبأن " من " في قوله فمن قضيت له شرطية - وهي لا تستلزم الوقوع - فيكون من فرض ما لم يقع وهو جائز فيما تعلق به غرض وهو هنا محتمل لأن يكون للتهديد والزجر عن الإقدام على أخذ أموال الناس باللسن والإبلاغ في الخصومة، وهو وإن جاز أن يستلزم عدم نفوذ الحكم باطنا في العقود والفسوخ لكنه لم يسق لذلك فلا يكون فيه حجة لمن منع وبأن الاحتجاج به يستلزم أنه صلى الله عليه وسلم يقر على الخطأ لأنه لا يكون ما قضى به " قطعة من النار " إلا إذا استمر الخطأ، وإلا فمتى فرض أنه يطلع عليه فإنه يجب أن يبطل ذلك الحكم ويرد الحق لمستحقه، وظاهر الحديث يخالف ذلك، فإما أن يسقط الاحتجاج به ويؤول على ما تقدم، وإما أن يستلزم استمرار التقرير على الخطأ وهو باطل، والجواب عن الأول: أنه خلاف الظاهر، وكذا الثاني، والجواب عن الثالث: أن الخطأ الذي لا يقر عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاده فيما لم يوح إليه فيه، وليس النزاع فيه وإنما النزاع في الحكم الصادر منه بناء على شهادة زور أو يمين فاجرة فلا يسمى خطأ للاتفاق على وجوب العمل

(13/175)


بالشهادة وبالإيمان، وإلا لكان الكثير من الأحكام يسمى خطأ وليس كذلك، كما تقدمت الإشارة إليه في حديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " وحديث: "إني لم أؤمر بالتنقيب عن قلوب الناس " وعلى هذا فالحجة من الحديث ظاهرة في شمول الخبر: الأموال والعقود والفسوخ والله أعلم. ومن ثم قال الشافعي " إنه لا فرق في دعوى حل الزوجة لمن أقام بتزويجها بشاهدي زور وهو يعلم بكذبهما، وبين من ادعى على حر أنه في ملكه " وأقام بذلك شاهدي زور، وهو يعلم حريته، فإذا حكم له الحاكم بأنه ملكه لم يحل له أن يسترقه بالإجماع قال النووي: والقول بأن حكم الحاكم يحل ظاهرا وباطنا مخالف لهذا الحديث الصحيح، وللإجماع السابق على قائلة ولقاعدة أجمع العلماء عليها ووافقهم القائل المذكور، وهو " أن الإبضاع أولى بالاحتياط من الأموال " وقال ابن العربي: إن كان حاكما نفذ على المحكوم له أو عليه " وإن كان مفتيا لم يحل، فإن كان المفتى له مجتهدا يرى بخلاف ما أفتاه به لم يجز، وإلا جاز " والله أعلم. قال: ويستفاد من قوله: "وتوخيا الحق جواز الإبراء من المجهول، لأن التوخي لا يكون في المعلوم " وقال القرطبي: شنعوا على من قال ذلك قديما وحديثا لمخالفة الحديث الصحيح؛ " ولأن فيه صيانة المال وابتذال الفروج، وهي أحق أن يحتاط لها وتصان " واحتج بعض الحنفية بما جاء عن علي " أن رجلا خطب امرأة فأبت فادعى أنه تزوجها وأقام شاهدين، فقالت المرأة أنهما شهدا بالزور، فزوجني أنت منه فقد رضيت، فقال: شهداك زوجاك، وأمضى عليها النكاح " وتعقب بأنه لم يثبت عن علي، واحتج المذكور من حيث النظر بأن الحاكم قضى بحجة شرعية فيما له ولاية الإنشاء فيه فجعل الإنشاء تحرزا عن الحرام، والحديث صريح في المال وليس النزاع فيه، فإن القاضي لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو، ويملك إنشاء العقود والفسوخ، فإنه يملك بيع أمة زيد مثلا من عمرو حال خوف الهلاك للحفظ وحال الغيبة، ويملك إنشاء النكاح على الصغيرة، والفرقة على العينين، فيجعل الحكم إنشاء احترازا عن الحكم، ولأنه لو لم ينفذ باطنا فلو حكم بالطلاق لبقيت حلالا للزوج الأول باطنا وللثاني ظاهرا، فلو ابتلى الثاني مثل ما ابتلى الأول حلت للثالث، وهكذا فتحل لجمع متعدد في زمن واحد، ولا يخفى فحشة بخلاف ما إذا قلنا بنفاذه باطنا فإنها لا تحل إلا لواحد، انتهى وتعقب بأن الجمهور إنما قالوا في هذا: تحرم على الثاني مثلا إذا علم أن الحكم ترتب على شهادة الزور، فإذا اعتمد الحكم وتعمد الدخول بها فقد ارتكب محرما كما لو كان الحكم بالمال فأكله، ولو ابتلى الثاني كان حكم الثالث كذلك والفحش إنما لزم من الإقدام على تعاطي المحرم، فكان كما لو زنوا ظاهرا واحدا بعد واحد. وقال ابن السمعاني: شرط صحة الحكم وجود الحجة وإصابة المحل، وإذا كانت البينة في نفس الأمر شهود زور لم تحصل الحجة، لأن حجة الحكم هي البينة العادلة فإن حقيقة الشهادة إظهار الحق؛ وحقيقة الحكم إنفاذ ذلك، وإن كان الشهود كذبة لم تكن شهادتهم حقا، قال: "فإن احتجوا بأن القاضي حكم بحجة شرعية أمر الله بها وهي البينة العادلة في علمه ولم يكلف بالإطلاع على صدقهم في باطن الأمر، فإذا حكم بشهادتهم فقد امتثل ما آمر به فلو قلنا لا ينفذ في باطن الأمر للزم إبطال ما وجب بالشرع لأن صيانة الحكم عن الأبطال مطلوبة فهو بمنزلة القاضي في مسألة اجتهادية على مجتهد لا يعتقد ذلك فإنه يجيب عليه قبول ذلك وإن كان لا يعتقده صيانة للحكم " وأجاب ابن السمعاني. بأن هذه الحجة للنفوذ ولهذا لا يأثم القاضي وليس من ضرورة وجوب القضاء نفوذ القضاء حقيقة في باطن الأمر، وإنما يجب صيانة القضاء عن الإبطال إذا

(13/176)


صادف حجة صحيحة والله أعلم. فرع: لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له به الحاكم، هل يحل له أخذ ما حكم له به أو لا؟ كمن مات ابن ابنه وترك أخا شقيقا فرفعه لقاض يرى في الجد رأى أبي بكر الصديق، فحكم له بجميع الإرث دون الشقيق، وكان الجد المذكور يرى رأي الجمهور، نقل ابن المنذر عن الأكثر أنه " يجب على الجد أن يشارك الأخ الشقيق " عملا بمعتقده والخلاف في المسألة مشهور، واستدل بالحديث لمن قال: "إن الحاكم لا يحكم بعلمه " بدليل الحصر في قوله: "إنما أقضي له بما أسمع " وقد تقدم البحث فيه قبل، وفيه: إن التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطل في صورة الحق وعكسه مذموم، فإن المراد بقوله: "أبلغ " أي أكثر بلاغة " ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذم وإنما يذم من ذلك ما يتوصل به إلى الباطل في صورة الحق، فالبلاغة إذن لا تذم لذاتها وإنما تذم بحسب التعلق الذي يمدح بسببه وهي في حد ذاتها ممدوحة، وهذا كما يذم صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الإعجاب، وتحقير غيره ممن لم يصل إلى درجته ولا سيما إن كان الغير من أهل الصلاح فإن البلاغة إنما تذم من هذه الحيثية بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجية عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها بل كل فتنة توصل إلى المطلوب محمودة في حد ذاتها وقد تذم أو تمدح بحسب متعلقها، واختلف في تعريف البلاغة فقيل: أن يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، وقيل: إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ، وقيل: الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار، وقيل: قليل لا يبهم وكثير لا يسأم؛ وقيل: إجمال اللفظ واتساع المعنى، وقيل: تقليل اللفظ وتكثير المعنى، وقيل: حسن الإيجاز مع إصابة المعنى، وقيل: سهولة اللفظ مع البديهة، وقيل: لمحة دالة أو كلمة تكشف عن البغية، وقيل: الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطأ، وقيل: النطق في موضعه والسكوت في موضعه، وقيل معرفة الفصل والوصل، وقيل: الكلام الدال أوله على آخره وعكسه. وهذا كله عن المتقدمين، وعرف أهل المعاني والبيان البلاغة: بأنها " مطابقة الكلام لمقتضى الحال والفصاحة " وهي خلوه عن التعقيد. وقالوا المراد بالمطابقة: ما يحتاج إليه المتكلم بحسب تفاوت المقامات، كالتأكيد وحذفه، والحذف وعدمه، أو الإيجاز والإسهاب ونحو ذلك، والله أعلم. وفيه الرد على من حكم بما يقع في خاطره من غير استناد إلى أمر خارجي من بينة ونحوها، واحتج بأن الشاهد المتصل به أقوى من المنفصل عنه ووجه الرد عليه كونه صلى الله عليه وسلم أعلى في ذلك من غيره مطلقا، ومع ذلك فقد دل حديثه هذا على أنه إنما يحكم بالظاهر في الأمور العامة فلو كان المدعي صحيحا لكان الرسول أحق بذلك، فإنه أعلم إنه تجري الأحكام على ظاهرها، ولو كان يمكن أن الله يطلعه على غيب كل قضية، وسبب ذلك أن تشريع الأحكام واقع على يده فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتمدوا ذلك. نعم: لو شهدت البينة مثلا بخلاف ما يعلمه علما حسيا بمشاهدة أو سماع، يقينيا أو ظنيا راجحا لم يجز له أن يحكم بما قامت به البينة، ونقل بعضهم الاتفاق وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم، كما تقدم في " باب الشهادة " تكون عند الحاكم في ولايته القضاء، وفي الحديث أيضا: موعظة الإمام الخصوم ليعتمدوا الحق والعمل بالنظر الراجح وبناء الحكم عليه وهو أمر إجماعي للحام والمفتي، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(13/177)


30 - باب الْحُكْمِ فِي الْبِئْرِ وَنَحْوِهَا
7183 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي

(13/177)


وَائِلٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحْلِفُ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ إِلاَّ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الْآيَةَ فَجَاءَ الأَشْعَثُ وَعَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُهُمْ فَقَالَ فِيَّ نَزَلَتْ وَفِي رَجُلٍ خَاصَمْتُهُ فِي بِئْرٍ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ قُلْتُ لاَ قَالَ فَلْيَحْلِفْ قُلْتُ إِذًا يَحْلِفُ فَنَزَلَتْ {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه} الْآيَةَ"
قول "باب الحكم في البئر ونحوها" ذكر فيه حديث عبد الله - وهو ابن مسعود - في نزول قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} وفيه قول الأشعث " في نزلت، وفي رجل خاصمته في بئر، وقد تقدم شرحه مستوفى في " كتاب الأيمان والنذور" قال ابن بطال: هذا الحديث حجة في أن حكم الحاكم في الظاهر لا يحل الحرام ولا يبيح المحظور، لأنه صلى الله عليه وسلم حذر أمته عقوبة من اقتطع من حق أخيه شيئا بيمين فاجرة، والآية المذكورة من أشد وعيد جاء في القرآن، فيؤخذ من ذلك أن من تحيل على أخيه وتوصل إلى شيء من حقه بالباطل فإنه لا يحل له لشدة الإثم فيه، قال ابن المنير: وجه دخول هذه الترجمة في القصة مع أنه لا فرق بين البئر والدار والعبد حتى ترجم على البئر وحدها، أنه أراد الرد على من زعم أن الماء لا يملك، فحقق بالترجمة أنه يملك لوقوع الحكم بين المتخاصمين فيها، انتهى. وفيه نظر من وجهين أحدهما: أنه لم يقتصر في الترجمة على البئر بل قال ونحوها، والثاني: لو اقتصر لم يكن فيه حجة على من منع بيع الماء لأنه يجوز بيع البئر ولا يدخل الماء، وليس في الخبر تصريح بالماء فكيف يصح الرد.

(13/178)


31 - باب الْقَضَاءُ فِي قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ سَوَاءٌ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ الْقَضَاءُ فِي قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ سَوَاءٌ
7185 - حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة قالت "سمع النبي صلى الله عليه وسلم جلبة خصام ثم بابه فخرج عليهم فقال إنما أن بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضا أن يكون أبلغ من بعض أقضي له بذلك وأحسب أنه صادق فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها"
قوله: "باب" بالتنوين "القضاء في قليل المال وكثيره سواء" قال ابن المنير: كأنه خشي غائلة لتخصيص في الترجمة التي قبل هذه " فترجم بأن القضاء عام في كل شيء: قل أو جل " ثم ذكر فيه حديث أم سلمة المذكور قبل بباب، لقوله فيه فمن قضيت له بحق مسلم وهو يتناول القليل والكثير، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال: "إن للقاضي أن يستنيب بعض من يريد في بعض الأمور دون بعض، بحسب قوة معرفته ونفاذ كلمته في ذلك " وهو منقول عن بعض المالكية، أو على من قال: "لا يجب اليمين إلا في قدر معين من المال، ولا تجب في الشيء

(13/178)


التافه أو على من كان من القضاة لا يتعاطى الحكم في الشيء التافه، بل إذا رفع إليه رده إلى نائبه مثلا " قاله ابن المنير، قال: وهو نوع من الكبر، والأول أليق بمراد البخاري. قوله: "وقال ابن عيينة" هو سفيان الهلالي "عن ابن شبرمة" هو عبد الله الضبي "القضاء في قليل المال وكثيره سواء" ولم يقع لي هذا الأثر موصولا.

(13/179)


32 - باب بَيْعِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَضِيَاعَهُمْ
وَقَدْ بَاعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَبَّرًا مِنْ نُعَيْمِ بْنِ النَّحَّامِ
7186 - حدثنا بن نمير حدثنا محمد بن بشر حدثنا إسماعيل حدثنا سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال بلغ النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره فباعه بثمانمائة درهم ثم أرسل بثمنه إليه"
قوله: "باب بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم" قال ابن المنير: "أضاف البيع إلى الإمام ليشير إلى أن ذلك يقع في مال السفيه أو في وفاء دين الغائب أو من يمتنع أو غير ذلك " ليتحقق أن للإمام التصرف في عقود الأموال في الجملة. قوله: "وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم مدبرا من نعيم بن النحام" قال ابن المنير: ذكر في الترجمة الضياع ولم يذكر إلا بيع العبد، فكأنه أشار إلى قياس العقار على الحيوان ثم أسند حديث جابر قال: "بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره، فباعه بثمانمائة درهم ثم أرسل بثمنه إليه " وقد مضى شرحه في " كتاب العتق " ووقع هنا للكشميهني: "عن دين " بفتح الدال وسكون التحتانية بعدها نون، بدل قوله: "عن دبر " بضم الدال والموحدة بعدها راء، والثاني هو المعروف والمشهور في الروايات كلها والأول تصحيف، قال المهلب: إنما يبيع الإمام على الناس أموالهم إذا رأى منهم سفها في أموالهم، وأما من ليس بسفيه فلا يباع عليه شيء من ماله إلا في حق يكون عليه، يعني إذا امتنع من أداء الحق وهو كما قال: لكن قصة بيع المدبر ترد على هذا الحصر وقد أجاب عنها " بأن صاحب المدبر لم يكن له مال غيره، فلما رآه أنفق جميع ماله، وأنه تعرض بذلك للتهلكة نقض عليه فعله ولو كان لم ينفق جميع ماله لم ينقض فعله " كما قال للذي كان يخدع في البيوع " قل لا خلابة " لأنه لم يفوت على نفسه جميع ماله انتهى. فكأنه كان في حكم السفيه: "فلذلك باع عليه ماله " والله أعلم.

(13/179)


33 - باب مَنْ لَمْ يَكْتَرِثْ بِطَعْنِ مَنْ لاَ يَعْلَمُ فِي الأُمَرَاءِ حَدِيثًا
7187 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَطُعِنَ فِي إِمَارَتِهِ وَقَالَ إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمْرَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ"
قوله: "باب من لم يكترث بطعن من لا يعلم في الأمراء حديثا" أي " لم يلتفت " وزنه ومعناه وهو افتعال من

(13/179)


34 - باب الأَلَدِّ الْخَصِمِ وَهُوَ الدَّائِمُ فِي الْخُصُومَةِ لُدًّا: عُوجًا. الد: أعوج
7188 - حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن بن جريج سمعت بن أبي مليكة يحدث عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"
قوله: "باب الألد الخصم" بفتح المعجمة وكسر الصاد المهملة، وقد تقدم بيان المراد به في " كتاب المظالم " وفي تفسير سورة البقرة، وقوله: "وهو الدائم في الخصومة " من تفسير المصنف، ويحتمل أن يكون المراد " الشديد الخصومة " فإن الخصم من صيغ المبالغة فيحتمل الشدة ويحتمل الكثرة، وقوله: "لدا " عوجا، وقع في رواية الكشميهني: "ألد " أعوج وهو يرد على ابن المنير حيث صحف هذه اللفظة فقال: قوله: "إدا " عوجا، لا أعلم لهذا في هذه الترجمة وجها إلا إن كان أراد أن " الألد " مشتق من اللدد، وهو الاعوجاج والانحراف عن الحق، وأصله من " اللديد " وهو جانب الوادي ويطلق على جانب الفم، ومنه " اللدود " وهو صب الدواء منحرفا عن وسط الفم إلى جانبه، فأراد أن يبين أن العوج يستعمل في المعاني كما يستعمل في الأعيان فمن استعماله في المعاني " اللدود والإد " وهو قوله تعالى {لقد جئتم شيئا إدا " أي شيئا منحرفا عن الصواب ومعوجا عن سمة الاعتدال. قلت: ولم أرها في شيء من نسخ البخاري هنا إلا باللام، وقد تقدم في تفسير سورة مريم نقله عن ابن عباس أنه قال: "إدا

(13/180)


عظيما " وعن مجاهد أنه قال: "لدا عوجا " وذكرت هناك من وصلهما، ووجدت في تفسير عبد بن حميد من طريق معمر عن قتادة في قوله تعالى {قَوْماً لُدّاً} قال جدلا بالباطل، ومن طريق سليمان التيمي عن قتادة قال: "الجدل: الخصم " ومن طريق مجاهد قال: "لا يستقيمون " وهذا نحو قوله: "عوجا " وأسند ابن أبي حاتم من طريق إسماعيل ابن أبي خالد عن أبي صالح في قوله: "وتنذر به قوما لدا " قال: "عوجا عن الحق " وهو بضم العين وسكون الواو وفيه تقوية لما وقع في نسخ الصحيح " واللد " بضم اللام وتشديد الدال، جمع ألد وقد أسند ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال: "اللد: الخصم " وكأنه تفسير باللازم لأن من اعوج عن الحق كان كأنه لم يسمع وعن محمد بن كعب قال: "الألد: الكذاب " وكأنه أراد أن من يكثر المخاصمة يقع في الكذب كثيرا، وتفسير " الألد بالأعوج " على ما وقع عند الكشميهني يحمل على انحرافه عن الحق وتفسير " الألد بالشديد الخصومة " لأنه كلما أخذ عليه جانب من الحجة أخذ في آخر أو لأعماله لديديه، وهما جانبا فمه في المخاصمة. وقال أبو عبيدة في " كتاب المجاز " في قوله {قوما لدا} واحدهم ألد " وهو الذي يدعي الباطل ولا يقبل الحق " وذكر حديث عائشة في " الألد " وقد سبق شرحه وقوله: "أبغض الرجال " إلخ قال الكرماني " الأبغض هو الكافر " فمعنى الحديث: "أبغض الرجال الكفار " الكافر: المعاند أو بعض الرجال الخاصمين. قلت: والثاني هو المعتمد وهو أعم من أن يكون كافرا أو مسلما، فإن كان كافرا فأفعل التفضيل في حقه على حقيقتها في العموم، وإن كان مسلما فسبب البغض أن كثرة المخاصمة تفضي غالبا إلى ما يذم صاحبه أو يخص في حق المسلمين بمن خاصم في باطل ويشهد للأول حديث: "كفي بك إثما أن لا تزال مخاصما " أخرجه الطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف وورد الترغيب في ترك الخاصمة، فعند أبي داود من طريق سليمان بن حبيب عن أبي أمامة رفعه: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا " وله شاهد عند الطبراني من حديث معاذ بن جبل " والربض " بفتح البراء والموحدة بعدها ضاد معجمة " الأسفل".

(13/181)


35 - باب إِذَا قَضَى الْحَاكِمُ بِجَوْرٍ أَوْ خِلاَفِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهُوَ رَدٌّ
7189 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدًا ح و حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا فَقَالُوا صَبَأْنَا صَبَأْنَا فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَأَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لاَ أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلاَ يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَرَّتَيْنِ
قوله: "باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد" أى مردود. قوله: "حدثنا محمود" هو ابن غيلان، وقوله: "وحدثني أبو عبد الله نعيم بن حماد " كذا لأبي ذر عن ابن عمر، ولغيره قال أبو عبد الله وهو المصنف " حدثني نعيم " وساق غير أبي ذر أيضا السند إلى قوله عن ابن عمر بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالدا ووقع في رواية

(13/181)


عبد الرزاق بسنده إلى سالم - وهو ابن عبد الله بن عمر - عن أبيه، وقد تقدم شرح هذا الحديث في المغازي في " باب بعث خالد إلى بني جذيمة " والغرض منه قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " يعني من قتله الذين قالوا: صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول، فإن فيه إشارة إلى تصويب فعل ابن عمر ومن تبعه في تركهم متابعة خالد على قتل من أمرهم بقتلهم من المذكورين به وقال الخطابي: الحكمة في تبرئه صلى الله عليه وسلم من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدا أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله ا هـ ملخصا. وقال ابن بطال: الإثم وإن كان ساقطا عن المجتهد في الحكم إذا تبين أنه بخلاف جماعة أهل العلم، لكن الضمان لازم للمخطئ عند الأكثر مع الاختلاف، هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أم بيت المال، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في " كتاب الديات " والذي يظهر: أن التبرأ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة، فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود.

(13/182)


36 - باب الإِمَامِ يَأْتِي قَوْمًا فَيُصْلِحُ بَيْنَهُمْ
7190 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرٍو فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَتَاهُمْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ فَأَذَّنَ بِلاَلٌ وَأَقَامَ وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلاَةِ فَشَقَّ النَّاسَ حَتَّى قَامَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ قَالَ وَصَفَّحَ الْقَوْمُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ لَمْ يَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْرُغَ فَلَمَّا رَأَى التَّصْفِيحَ لاَ يُمْسَكُ عَلَيْهِ الْتَفَتَ فَرَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ أَنْ امْضِهْ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ هُنَيَّةً يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَشَى الْقَهْقَرَى فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ لاَ تَكُونَ مَضَيْتَ قَالَ لَمْ يَكُنْ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لِلْقَوْمِ إِذَا رَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحْ النِّسَاءُ قوله: "باب الإمام يأتي قوما فيصلح بينهم" في رواية الكشمهيني " ليصلح " باللام بدل الفاء. قوله: "كان قتال بين بني عمرو" في رواية مالك عن أبي حازم الماضية في أبواب الإمامة " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم " وقد تقدم شرحه مستوفى هناك وذكره هناك بلفظ: "فليصفق والتصفيق " ووقع هنا بلفظ: "فليصفح والتصفيح " وهما بمعنى وقوله في هذه الطريق " فلما حضرت صلاة العصر فأذن وأقام " قال الكرماني جواب الفاء في قوله: "فلما " محذوف سواء كانت لما شرطية أو ظرفية والتقدير " جاء المؤذن " قلت: إنما اختصره البخاري وقد أخرجه أبو داود عن عمرو بن عوف عن حماد فقال فيه بعد قوله: "ثم أتاهم ليصلح بينهم فقال لبلال إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت العصر أذن بلال ثم أقام " فذكره، وقوله: "أن أمضه " فعل أمر بالمضي والهاء للسكت، وقوله: "هكذا " أي إشارة إليه بالمكث في مكانه،

(13/182)


وقوله: "يحمد الله " في رواية الكشميهني: "فحمد الله " بالفاء بدل التحتانية وفي قوله: "لم يكن لابن أبي قحافة " هضم لنفسه وتواضع حيث لم يقل لي ولا لأبي بكر وعادة العرب إذا عظمت الرجل ذكرته باسمه وكنيته أو لقبه، وفي غير ذلك تنسبه إلى أبيه ولا تسميه، قال ابن المنير: فقه الترجمة التنبيه على جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم ولا يعد ذلك تصحيفا في الحكم، وعلى جواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخصوم للفصل بينهم إما عند عظم الخطب وإما ليكشف ما لا يحاط به إلا بالمعاينة، ولا يعد ذلك تخصيصا ولا تمييزا ولا وهنا. "تنبيه": وقع في نسخة الصغاني في آخر هذا الحديث قال أبو عبد الله لم يقل هذا الحرف " يا بلال فمر أبا بكر " غير حماد.

(13/183)


37 - باب يُسْتَحَبُّ لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَاقِلًا
7191 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو ثَابِتٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمَرُ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَإِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ قَالَ زَيْدٌ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُرَاجَعَتِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَيَا فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَالرِّقَاعِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ فَوَجَدْتُ فِي آخِرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا وَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ اللِّخَافُ يَعْنِي الْخَزَفَ
قوله: "باب يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا" أي كاتب الحكم وغيره، ذكر فيه حديث زيد ابن ثابت في قصته مع أبي بكر وعمر في جمع القرآن، وقد تقدم شرحه مستوفى في فضائل القرآن. حديث زيد ابن ثابت في قصته مع أبي بكر وعمر في جمع القرآن، وقد تقدم شرحه مستوفى في فضائل القرآن، والغرض منه قول أبي بكر لزيد " إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك " وقوله في آخره قال: "محمد بن عبيد الله " بالصغير وهو شيخ البخاري الذي روى عنه هذا الحديث فسر " اللخاف " التي ذكرت في هذا الحديث، وهي بكسر اللام وتخفيف الخاء المعجمة بالخزف، وهي بفتح الخاء المعجمة والزاي بعدها فاء، وقد تقدم بيان الاختلاف في تفسيرها هناك، وحكى ابن بطال عن المهلب في هذا الحديث: "أن العقل أصل الخلال المحمودة " لأنه لم يصف زيدا بأكثر من العقل وجعله سببا لائتمانه ورفع التهمة عنه. قلت: وليس كما قال فإن أبا بكر ذكر عقب الوصف المذكور " وقد كنت تكتب الوحي

(13/183)


لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمن ثم اكتفى بوصفه " بالعقل " لأنه لو لم تثبت أمانته وكفايته وعقله لما استكتبه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي وإنما وصفه " بالعقل وعدم الاتهام " دون ما عداهما إشارة إلى استمرار ذلك له، وإلا فمجرد قوله: "لا نتهمك " مع قوله: "عاقل"، لا يكفي في ثبوت الكفاية والأمانة فكم من بارع في العقل والمعرفة وجدت منه الخيانة قال وفيه: "اتخاذ الكاتب للسلطان والقاضي " وأن من سبق له علم بأمر يكون أولى به من غيره إذا وقع، وعند البيهقي بسند حسن عن عبد الله بن الزبير " أن النبي صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن الأرقم، فكان يكتب له إلى الملوك فبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب ويختم ولا يقرؤه، ثم استكتب زيد بن ثابت فكان يكتب الوحي ويكتب إلى الملوك، وكان إذا غابا كتب جعفر بن أبي طالب وكتب له أيضا أحيانا جماعة من الصحابة " ومن طريق عياض الأشعري عن أبي موسى " أنه استكتب نصرانيا فانتهره عمر " وقرأ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} الآية. فقال أبو موسى " والله ما توليته وإنما كان يكتب " فقال: "أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأتمنهم إذ خونهم الله، ولا تعزهم بعد أن ذلهم الله".

(13/184)


38 - باب كِتَابِ الْحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ وَالْقَاضِي إِلَى أُمَنَائِهِ
7191 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي لَيْلَى ح حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأُخْبِرَ مُحَيِّصَةُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ أَوْ عَيْنٍ فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ قَالُوا مَا قَتَلْنَاهُ وَاللَّهِ ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ وَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ فَذَهَبَ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِمُحَيِّصَةَ كَبِّرْ كَبِّرْ يُرِيدُ السِّنَّ فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ بِهِ فَكُتِبَ مَا قَتَلْنَاهُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ قَالُوا لاَ قَالَ أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ قَالُوا لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ الدَّارَ قَالَ سَهْلٌ فَرَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ
قول "باب " كتاب الحاكم " إلى عماله" بضم العين وتشديد الميم جمع عامل، وهو الوالي على بلد مثلا لجمع خراجها أو زكواتها أو الصلاة بأهلها أو التأمير على جهاد عدوها". قوله: "والقاضي إلى أمنائه" أي الذين يقيمهم في ضبط أمور الناس ذكر فيه حديث سهل بن أبي حثمة في قصة عبد الله بن سهل وقتله بخيبر وقيام حويصة ومن معه في ذلك حديث سهل بن أبي حثمة في قصة عبد الله بن سهل وقتله بخيبر وقيام حويصة ومن معه في ذلك، والغرض منه قوله فيه: "فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم - أي إلى أهل خيبر - به " أي بالخبر الذي نقل إليه، وقد تقدم بيانه مع شرح الحديث في " باب القسامة " وقوله هنا " فكتب " ما قتلناه، في

(13/184)


رواية الكشميهني: "فكتبوا " بصيغة الجمع وهو أولى ووجه الكرماني الأول بأن المراد به " الحي المسمى باليهود " قال وفيه تكلف. قلت: وأقرب منه أن يراد " الكاتب عنهم " لأن الذي يباشر الكتابة إنما هو واحد فالتقدير " فكتب كاتبهم " قال ابن المنير: ليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى نائبه ولا إلى أمينه وإنما كتب إلى الخصوم أنفسهم لكن يؤخذ من مشروعية مكانته الخصوم والبناء على ذلك جواز مكاتبة النواب والكتاب في حق غيرهم بطريق الأولى.

(13/185)


39 - باب هَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ رَجُلًا وَحْدَهُ لِلنَّظَرِ فِي الأُمُورِ؟
7193, 7194 - حدثنا آدم حدثنا بن أبي ذئب حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا جاء أعرابي فقال "يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله فقام خصمه فقال صدق فاقض بيننا بكتاب الله فقال الأعرابي إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فقالوا لي على ابنك الرجم ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة ثم سألت أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأقضين بينكما بكتاب الله أما الوليدة والغنم فرد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام وأما أنت يا أنيس لرجل فاغد على امرأة هذا فارجمها فغدا عليها أنيس فرجمها باب ترجمة الحكام وهل يجوز ترجمان واحد وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه وقال عمر وعنده علي وعبد الرحمن وعثمان ماذا تقول هذه قال عبد الرحمن بن حاطب فقلت تخبرك بصاحبها الذي صنع بها وقال أبو جمرة كنت أترجم بين بن عباس وبين الناس وقال بعض الناس لا بد للحاكم من مترجمين "
قوله: "باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلا وحده للنظر في الأمور" كذا للأكثر وفي رواية المستملي والكشميهني: "ينظر " وكذا عند أبي نعيم ذكر فيه حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في " قصة العسيف " وقد مضى شرحه مستوفي والغرض منه قوله عليه الصلاة والسلام " واغد يا أنيس على امرأة هذا " وقد تقدم الاختلاف في أن أنيسا كان حاكما أو مستخبرا، والحكمة في إيراده الترجمة بصيغة الاستفهام الإشارة إلى خلاف محمد ابن الحسن فإنه قال: "لا يجوز للقاضي أن يقول أقر عندي فلان بكذا لشيء يقضي به عليه من قتل أو مال أو عتق أو طلاق، حتى يشهد معه على ذلك غيره: "وادعى أن مثل هذا الحكم الذي في حديث الباب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. قال: "وينبغي أن يكون في مجلس القاضي أبدا عدلان يسمعان من يقر ويشهدان على ذلك فينفذ الحكم بشهادتهما " نقله ابن بطال وقال المهلب: فيه حجة لمالك في جواز إنفاذ الحاكم رجلا واحدا في الأعذار، وفي أن يتخذ واحدا يثق به يكشف عن حال الشهود في السر، كما يجوز قبول الفرد فيما طريقه الخبر لا الشهادة، قال: وقد استدل به قوم في جواز تنفيذ الحكم دون إعذار إلى المحكوم عليه؛ قال: وهذا ليس بشيء، لأن الإعذار يشترط فيما كان الحكم فيه بالبينة، لا ما كان بالإقرار كما في هذه القصة، لقوله: "فإن اعترفت " قلت: وقد تقدم شيء من مسألة الإعذار عند شرح هذا الحديث.

(13/185)


40 - باب تَرْجَمَةِ الْحُكَّامِ وَهَلْ يَجُوزُ تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ
7195 - وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ

(13/185)


41 - باب مُحَاسَبَةِ الإِمَامِ عُمَّالَهُ
7197 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ ابْنَ الأُتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ فَلَمَّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَاسَبَهُ قَالَ هَذَا الَّذِي لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَهَلاَ جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَبَيْتِ أُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ النَّاسَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلاَنِي اللَّهُ فَيَأْتِي أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي فَهَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَبَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَوَاللَّهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ هِشَامٌ بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلاَّ جَاءَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ فَلاَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَعِيرٍ لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٍ تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ ؟
قوله: "باب محاسبة الإمام عماله" ذكر فيه حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية، وقد مضى شرحه مستوفى في " باب هدايا العمال " حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية، وقد مضى شرحه وقوله حدثنا محمد حدثنا عبدة " محمد " هو ابن سلام، " وعبدة " هو ابن سليمان، وقوله: "فهلا " في رواية غير الكشميهني في الموضعين " ألا " بفتح الهمزة وهما بمعنى؛ والمقصود هنا قوله: "فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاسبه " أي على ما قبض وصرف

(13/189)


42 - باب بِطَانَةِ الإِمَامِ وَأَهْلِ مَشُورَتِهِ الْبِطَانَةُ الدُّخَلاَءُ
7198 - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ بِهَذَا وَعَنْ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَمُوسَى عَنْ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ

(13/189)


43 - باب كَيْفَ يُبَايِعُ الإِمَامُ النَّاسَ
7199 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ "
7200 – "وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ"
7201 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ فَأَجَابُوا:

(13/192)


نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
7202 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ
7203 - حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا عبد الله بن دينار قال "شهدت بن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك قال كتب إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت وإن بني قد أقروا بمثل ذلك"
[الحديث 7203 – طرفاه في: 7205, 7272]
7204 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا سيار عن الشعبي عن جرير بن عبد الله قال "بايعت النبي صلى الله عليه وسلم والطاعة فلقنني فيما استطعت والنصح لكل مسلم"
7205 - حدثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن سفيان قال حدثني عبد الله بن دينار قال "لما بايع الناس عبد الملك كتب إليه عبد الله بن عمر إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت وإن بني قد أقروا بذلك"
7206 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ "قُلْتُ لِسَلَمَةَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ عَلَى الْمَوْتِ"
7207 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلاَهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمْ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ فَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنْ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ وَلاَ يَطَأُ عَقِبَهُ وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي حَتَّى إِذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ قَالَ الْمِسْوَرُ طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنْ اللَّيْلِ فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَقَالَ أَرَاكَ نَائِمًا فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ فَشَاوَرَهُمَا ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ ادْعُ لِي عَلِيًّا فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ عَلَى طَمَعٍ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي عُثْمَانَ فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا

(13/193)


الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ يَا عَلِيُّ إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ فَلاَ تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ وَالْمُسْلِمُونَ
قوله: "باب كيف يبايع الإمام الناس" المراد بالكيفية: الصيغ القولية لا الفعلية، بدليل ما ذكره فيه من الأحاديث الستة " وهي البيعة على السمع والطاعة وعلى الهجرة وعلى الجهاد وعلى الصبر وعلى عدم الفرار ولو وقع الموت وعلى بيعة النساء وعلى الإسلام " وكل ذلك وقع عند البيعة بينهم فيه بالقول. حديث عبادة بن الصامت " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة " الحديث وقد تقدم شرحه في أوائل " كتاب الفتن " مستوفى. حديث أنس والمراد منه قوله: "نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا". وقد تقدم بأتم مما هنا مشروحا في " غزوة الخندق " من " كتاب المغازي". حديث ابن عمر في البيعة على السمع والطاعة وفيه يقول لنا " فيما استطعتم " ووقع في رواية المستملي والسرخسي " فيما استطعت " بالإفراد، والأول هو الذي في الموطأ وهو يقيد ما أطلق في الحديثين قبله وكذلك حديث جرير وهو الرابع، وسيار في السند بفتح المهملة وتشديد التحتانية هو ابن وردان، وأما حديث ابن عمر فذكر له طريقا قبل حديث جرير وآخر بعده وفيهما معا " أقر بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت " وهو منتزع من حديثه الأول، فالثلاثة في حكم حديث واحد، وقوله في رواية مسدد عن يحيى هو القطان، أن ابن عمر قال: "إني أقر " إلخ بين في رواية عمرو بن علي أنه كتب بذلك إلى عبد الملك ومن ثم قال في آخره: "وإن بنى قد أقروا بمثل ذلك " فهو إخبار من ابن عمر عن بنيه بأنه سبق منهم الإقرار المذكور بحضرته؛ كتب به ابن عمر إلى عبد الملك وقوله: "قد أقروا بمثل ذلك " زاد الإسماعيلي من طريق بندار عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن سفيان في آخره: "والسلام " وقوله في الرواية الثانية كتب إليه عبد الله بن عمر إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين " إني أقر بالسمع والطاعة " إلخ، ووقع في رواية الإسماعيلي من وجه آخر عن سفيان بلفظ: "رأيت ابن عمر يكتب، وكان إذا كتب يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فإني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك " وقال في آخره أيضا: "والسلام " قال الكرماني: قال أولا " إليه " وثانيا " إلى عبد الملك " ثم بالعكس وليس تكرارا، والثاني هو المكتوب لا المكتوب إليه أي كتب. هذا وهو إلى عبد الملك، وتقديره " من ابن عمر إلى عبد الملك " وقوله: "حيث اجتمع الناس على عبد الملك " يريد ابن مروان بن الحكم، والمراد بالاجتماع اجتماع الكلمة وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان كل منهما يدعى له بالخلافة، وهما عبد الملك بن مروان وعبد الله ابن الزبير، فأما ابن الزبير فكان أقام بمكة وعاذ بالبيت بعد موت معاوية، وامتنع من المبايعة ليزيد بن معاوية، فجهز إليه يزيد الجيوش مرة بعد أخرى فمات يزيد وجيوشه محاصرون ابن الزبير، ولم يكن ابن الزبير ادعى الخلافة حتى

(13/194)


مات يزيد في ربيع الأول سنة أربع وستين، فبايعه الناس بالخلافة بالحجاز، وبايع أهل الآفاق لمعاوية بن يزيد بن معاوية فلم يعش إلا نحو أربعين يوما ومات، فبايع معظم الآفاق لعبد الله بن الزبير وانتظم له ملك الحجاز واليمن ومصر والعراق والمشرق كله وجميع بلاد الشام حتى دمشق، ولم يتخلف عن بيعته إلا جميع بني أمية ومن يهوى هواهم وكانوا بفلسطين، فاجتمعوا على مروان بن الحكم فبايعوه بالخلافة، وخرج بمن أطاعه إلى جهة دمشق والضحاك بن قيس قد بايع فيها لابن الزبير، فاقتتلوا " بمرج راهط " فقتل الضحاك وذلك في ذي الحجة منها وغلب مروان على الشام، ثم لما انتظم له ملك الشام كله توجه إلى مصر فحاصر بها عبد الرحمن بن جحدر عامل ابن الزبير حتى غلب عليها في ربيع الآخر سنة خمس وستين ثم مات في سنته، فكانت مدة ملكه ستة أشهر؛ وعهد إلى ابنه عبد الملك بن مروان فقام مقامه وكمل له ملك الشام ومصر والمغرب، ولابن الزبير ملك الحجاز والعراق والمشرق إلا أن المختار بن أبي عبيد غلب على الكوفة، وكان يدعو إلى المهدى من أهل البيت فأقام على ذلك نحو السنتين، ثم سار إليه مصعب بن الزبير أمير البصرة لأخيه فحاصره حتى قتل في شهر رمضان سنة سبع وستين، وانتظم أمر العراق كله لابن الزبير فدام ذلك إلى سنة إحدى وسبعين، فسار عبد الملك إلى مصعب فقاتله حتى قتله في جمادى الآخرة منها وملك العراق كله، ولم يبق مع ابن الزبير إلا الحجاز واليمن فقط، فجهز إليه عبد الملك الحجاج فحاصره في سنة اثنتين وسبعين إلى أن قتل عبد الله بن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان عبد الله بن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك كما كان امتنع أن يبايع لعلي أو معاوية، ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي واجتمع عليه الناس، وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه، ثم امتنع من المبايعة لأحد حال الاختلاف إلى أن قتل ابن الزبير وانتظم الملك كله لعبد الملك فبايع له حينئذ، فهذا معنى قوله: "لما اجتمع الناس على عبد الملك " وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق سعيد بن حرب العبدي قال: "بعثوا إلى ابن عمر لما بويع ابن الزبير فمد يده وهي ترعد فقال: والله ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة، ولا أمنعها من جماعة " ثم لم يلبث ابن عمر أن توفى في تلك السنة بمكة، وكان عبد الملك وصى الحجاج أن يقتدى به في مناسك الحج كما تقدم في " كتاب الحج " فدس الحجاج عليه الحربة المسمومة، كما تقدم بيان ذلك في " كتاب العيدين " فكان ذلك سبب موته رضي الله عنه. حديث سلمة " في المبايعة على الموت " ذكره مختصرا وقد تقدم بتمامه في " كتاب الجهاد " في باب البيعة على الحرب أن لا يفروا. قوله: "حدثنا جويرية" بالجيم مصغر جارية هو ابن أسماء الضبعي وهو عم عبد الله بن محمد بن أسماء الراوي عنه. قوله: "أن الرهط الذين ولاهم عمر" أي عينهم فجعل الخلافة شورى بينهم أي ولاهم التشاور فيمن يعقد له الخلافة منهم، وقد تقدم بيان ذلك مفصلا في " مناقب عثمان " في الحديث الطويل الذي أورده من طريق عمرو بن ميمون الأودي أحد كبار التابعين في ذكر قتل عمر، وقولهم لعمر - لما طعنه أبو لؤلؤة - استخلف فقال: "ما أحد أحق بهذا الأمر من هؤلاء الرهط فسمى: عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن " وفيه: "فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط " وأورده الدار قطني في " غرائب مالك " من طريق سعيد بن عامر عن جويرية مطولا وأوله عنده " لما طعن عمر قيل له: استخلف قال، وقد رأيت من حرصهم ما رأيت - إلى أن قال - هذا الأمر بين ستة رهط من قريش، فذكرهم وبدأ بعثمان ثم قال: وعلي وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص، وانتظروا أخاكم

(13/195)


طلحة ثلاثا، فإن قدم فيهم فهو شريكهم في الأمر. وقال: إن الناس لن يعدوكم أيها الثلاثة، فإن كنت يا عثمان في شيء من أمر الناس فاتق الله، ولا تحملن بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت يا علي فاتق الله ولا تحملن بني هاشم على رقاب الناس، وإن كنت يا عبد الرحمن فاتق الله ولا تحملن أقاربك على رقاب الناس، قال: ويتبع الأقل الأكثر، ومن تأمر من غير أن يؤمر فاقتلوه " قال الدار قطني: أغرب سعيد بن عامر عن جويرية بهذه الألفاظ، وقد رواه عبد الله ابن محمد بن أسماء عن عمه فلم يذكرها، يشير إلى رواية البخاري، قال وتابع عبد الله بن محمد إبراهيم ابن طهمان وسعيد بن الزبير وحبيب ثلاثتهم عن مالك. قلت: وساق الثلاثة لكن رواية حبيب مختصرة والآخرين موافقتان لرواية عبد الله بن محمد بن أسماء، وقد أخرج ابن سعد بسند صحيح من طريق الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: دخل الرهط على عمر قبل أن ينزل به، فسمى الستة. فذكر قصة، إلى أن قال: "فإنما الأمر إلى ستة: إلى عبد الرحمن وعثمان وعلي والزبير وطلحة وسعد " وكان طلحة غائبا في أمواله بالسراة، وهو بفتح المهملة وراء خفيفة، بلاد معروفة بين الحجاز والشام، فبدأ في هذه بعبد الرحمن قبل الجميع وبعثمان قبل علي، فدل على أنه في السياق الأول لم يقصد الترتيب. قوله: "فقال لهم عبد الرحمن إلخ" تقدم بيان ذلك في " مناقب عثمان " بأتم من سياقه وفيه ما يدل على حضور طلحة، وأن سعدا جعل أمره إلى عبد الرحمن، والزبير إلى علي، وطلحة إلى عثمان وفيه قول عبد الرحمن أيكم يبرأ من هذا الأمر ويكون له الاختيار فيمن بقي، فاتفقوا عليه فتروى بعد ذلك في عثمان أو علي، وقوله: "أنافسكم " بالنون والفاء المهملة أي أنازعكم فيه، إذ ليس لي في الاستقلال في الخلافة رغبة، وقوله: "عن هذا الأمر " أي من جهته ولأجله. وفي رواية الكشميهني: "علي " بدل " عن " وهي أوجه. قوله: "فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم" يعني أمر الاختيار منهم. قوله: "فمال الناس" في رواية سعيد بن عامر فانثال الناس، وهي بنون ومثلثة أي قصدوه كلهم شيئا بعد شيء وأصل " النثل " الصب يقال: "نثل كنانته " أي صب ما فيها من السهام. قوله: "ولا يطأ عقبه" بفتح العين وكسر القاف بعدها موحدة أي " يمشي خلفه " وهي كناية عن الأعراض. قوله: "ومال الناس على عبد الرحمن" أعادها لبيان سبب الميل وهو قوله: "يشاورونه تلك الليالي " زاد الزبيدي في روايته عن الزهري " يشاورونه ويناجونه تلك الليالي، لا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحدا". قوله: "بعد هجع" بفتح الهاء وسكون الجيم بعدها عين مهملة أي " بعد طائفة من الليل " يقال: لقيته بعد هجع من الليل كما تقول بعد هجعة والهجع والهجعة والهجيع والهجوع بمعنى، وقد أخرجه البخاري في " التاريخ الصغير " من طريق يونس عن الزهري بلفظ: "بعد هجيع " بوزن عظيم. قوله: "فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث" كذا للأكثر وللمستملي: "الليلة " ويؤيد الأول قوله في رواية سعيد بن عامر " والله ما حملت فيها غمضا منذ ثلاث " وفي رواية إبراهيم بن طهمان عند الإسماعيلي: "في هذه الليالي " وقوله: "بكثير نوم " بالمثلثة وبالموحدة أيضا، وهو مشعر بأنه لم يستوعب الليل سهرا بل نام لكن يسيرا منه " والاكتحال " كناية عن دخول النوم جفن العين كما يدخلها الكحل ووقع في رواية يونس " ما ذاقت عيناي كثير النوم". قوله: "فادع الزبير وسعدا، فدعوتهما له فشاورهما" في رواية المستملي: "فسارهما " بمهملة وتشديد الراء، ولم أر في هذه الرواية لطلحة ذكرا فلعله كان شاوره قبلهما. قوله: "حتى إبهار الليل" بالموحدة ساكنة وتشديد الراء ومعناه " انتصف " وبهرة كل شيء وسطه، وقيل معظمه وقد تقدم القول فيه في " كتاب الصلاة " زاد سعيد بن عامر في روايته: "فجعل يناجيه ترتفع أصواتهما أحيانا فلا يخفى علي

(13/196)


شيء مما يقولان ويخفيان أحيانا". قوله: "ثم قام علي من عنده وهو على طمع" أي أن يوليه، وقوله: "وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا " قال ابن هبيرة: أظنه أشار إلى الدعاية التي كانت في علي أو نحوها، ولا يجوز أن يحمل على أن عبد الرحمن خاف من علي على نفسه. قلت: والذي يظهر لي أنه خاف إن بايع لغيره أن لا يطاوعه، وإلى ذلك الإشارة بقوله فيما بعد " فلا تجعل على نفسك سبيلا " ووقع في رواية سعيد بن عامر " فأصبحنا وما أراه يبايع إلا لعلي " يعني مما ظهر له من قرائن تقديمه. قوله: "ثم قال ادع لي عثمان" ظاهر في أنه تكلم مع علي في تلك الليلة قبل عثمان، ووقع في رواية سعيد ابن عامر عكس ذلك، وأنه قال له أولا " اذهب فادع عثمان " وفيه: "فخلابه " وفيه: "لا أفهم من قولهما شيئا " فإما أن تكون إحدى الروايتين وهما، وإما أن يكون ذلك تكرر منه في تلك الليلة فمرة بدا بهذه ومرة بدأ بهذا. قوله: "وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر" أي قدموا إلى مكة فحجوا مع عمر ورافقوه إلى المدينة، وهم معاوية أمير الشام، وعمير بن سعيد أمير حمص، والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة، وأبو موسى الأشعري أمير البصرة، وعمرو بن العاص أمير مصر. قوله: "فلما اجتمعوا تشهد عمد الرحمن" وفي رواية إبراهيم بن طهمان " جلس عبد الرحمن على المنبر " وفي رواية سعيد بن عامر " فلما صلى صهيب بالناس صلاة الصبح، جاء عبد الرحمن يتخطى حتى صعد المنبر، فجاءه رسول سعد يقول لعبد الرحمن: ارفع رأسك وانظر لأمة محمد وبايع لنفسك". قوله: "أما بعد" زاد سعيد بن عامر " فأعلن عبد الرحمن فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال أما بعد، يا علي إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان " أي لا يجعلون له مساويا بل يرجحونه. قوله: "فلا تجعلن على نفسك سبيلا" أي من الملامة إذا لم توافق الجماعة، وهذا ظاهر في أن عبد الرحمن لم يتردد عند البيعة في عثمان، لكن قد تقدم في رواية عمرو بن ميمون التصريح بأنه " بدأ بعلي فأخذ بيده فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت، والله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه وبايع له علي " وطريق الجمع بينهما أن عمرو بن ميمون حفظ ما لم يحفظه الآخر ويحتمل أن يكون الآخر حفظه لكن طوى بعض الرواة ذكره ويحتمل أن يكون ذلك وقع في الليل لما تكلم معهما واحد بعد واحد، فأخذ على كل منهما العهد والميثاق، فلما أصبح عرض على علي فلم يوافقه على بعض الشروط، وعرض على عثمان فقبل، ويؤيده رواية عاصم بن بهدلة عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرحمن ابن عوف كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا فقال: "ما ذنبي بدأت بعلي فقلت له أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر، فقال فيما استطعت. وعرضتها على عثمان فقبل " أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن سفيان بن وكيع عن أبي بكر بن عياش عنه، وسفيان بن وكيع ضعيف. وقد أخرج أحمد من طريق زائدة عن عاصم عن أبي وائل قال: قال الوليد بن عقبة لعبد الرحمن بن عوف: مالك جفوت أمير المؤمنين يعني عثمان فذكر قصة وفيها قول عثمان، وأما قوله: سيرة عمر فإني لا أطيقها ولا هو، وفي هذا إشارة إلى أنه بايعه على أن يسير سيرة عمر فعاتبه على تركها ويمكن أن يأخذ من هذا ضعف رواية سفيان ابن وكيع إذ لو كان استخلف بشرط أن يسير بسيرة عمر لم يكن ما أجاب به عذرا في الترك، قال ابن التين وإنما قال لعلي ذلك دون من سواه، لأن غيره لم يكن يطمع في الخلافة مع وجوده ووجود عثمان، وسكوت من حضر من أهل الشورى والمهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد دليل على تصديقهم عبد الرحمن فيما قال وعلى الرضا بعثمان. قلت: وقد أخرج بن أبي

(13/197)


شيبة من طريق حارثة بن مضرب قال: "حججت في خلافة عمر فلم أرهم يشكون أن الخيفة بعده عثمان " وأخرج يعقوب بن شبة في مسنده من طريق صحيح إلى حذيفة قال: قال لي عمر من ترى قومك يؤمرون بعدي. قال. قلت: قد نظر الناس إلى عثمان وشهروه لها. وأخرج البغوي في معجمه وخيثمة في " فضائل الصحابة " بسند صحيح عن حارثة بن مضرب، حججت مع عمر فكان الحادي يحدو أن الأمير بعده عثمان بن عفان. قوله: "فقال" أي " عبد الرحمن " مخاطبا لعثمان "أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن" في الكلام حذف تقديره فقال: نعم، فبايعه عبد الرحمن. وأخرج الذهلي في " الزهريات " وابن عساكر في " ترجمة عثمان " من طريقه ثم من رواية عمران بن عبد العزيز عن محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري عن الزهري عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبيه قال: "كنت أعلم الناس بأمر الشورى لأني كنت رسول عبد الرحمن بن عوف " فذكر القصة وفي آخره. فقال: هل أنت يا علي مبايعي إن وليتك هذا الأمر على سنة الله وسنة رسوله وسنة الماضين قبل؟ قال: لا، ولكن على طاقتي، فأعادها ثلاثا. فقال عثمان: أنا يا أبا محمد أبايعك على ذلك، قالها ثلاثا فقام عبد الرحمن واعتم ولبس السيف فدخل المسجد ثم رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم أشار إلى عثمان فبايعه " فعرفت إن خالي أشكل عليه أمرهما فأعطاه أحدهما وثيقة ومنعه الآخر إياها، واستدل بهذه القصة الأخيرة على جواز تقليد المجتهد، وإن عثمان وعبد الرحمن كانا يريان ذلك بخلاف علي، وأجاب من منعه وهم الجمهور بأن المراد بالسيرة ما يتعلق بالعدل ونحوه لا التقليد في الأحكام الشرعية. وإذا فرعنا على جواز تجزئ الاجتهاد احتمل أن يراد بالاقتداء بهما فيما لم يظهر للتابع فيه الاجتهاد فيعمل بقولهما للضرورة، قال الطبري: لم يكن في أهل الإسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم والمعرفة بالسياسة ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم، فإن قيل كان بعض هؤلاء الستة أفضل من بعض وكان رأى عمر أن الأحق بالخلافة أرضاهم دينا، وأنه لا تصح ولاية المفضول مع وجود الفاضل، فالجواب أنه لو صرح بالأفضل منهم لكان قد نص على استخلافه، وهو قصد أن لا يتقلد العهدة في ذلك؛ فجعلها في ستة متقاربين في الفضل، لأنه يتحقق أنهم لا يجتمعون على تولية المفضول، ولا يألون المسلمين نصحا في النظر والشورى، وأن المفضول منهم لا يتقدم على الفاضل، ولا يتكلم في منزلة وغيره أحق بها منه، وعلم رضا الأمة بمن رضى به الستة. ويؤخذ منه بطلان قول الرافضة وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن الإمامة في أشخاص بأعيانهم، إذ لو كان كذلك لما أطاعوا عمر في جعلها شورى، ولقال قائل منهم ما وجه التشاور في أمر كفيناه ببيان الله لنا على لسان رسول، ففي رضا الجميع بما أمرهم به دليل على أن الذي كان عندهم من العهد في الإمامة أوصاف من وجدت فيه استحقها، وإدراكها يقع بالاجتهاد، وفيه أن الجماعة الموثوق بديانتهم إذا عقدوا عقد الخلافة لشخص بعد التشاور والاجتهاد لم يكن لغيرهم أن يحل ذلك العقد، إذ لو كان العقد لا يصح إلا باجتماع الجميع، لقال قائل لا معنى لتخصيص هؤلاء الستة، فلما لم يعترض منهم معترض بل رضوا وبايعوا، دل ذلك على صحة ما قلناه، انتهى ملخصا من كتاب ابن بطال، ويتحصل منه جواب من ظن أنه يلزم منه أن عمر كان يرى جواز ولاية المفضول مع وجود الفاضل، والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد، أنه كان لا يراعى الأفضل في الدين فقط بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها، فلأجل هذا استخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم،

(13/198)


كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة، وفيه أن الشركاء في الشيء إذا وقع بينهم التنازع في أمر من الأمور يسندون أمرهم إلى واحد ليختار لهم بعد أن يخرج نفسه من ذلك الأمر، وفيه أن من أسند إليه ذلك يبذل وسعه في الاختيار، ويهجر أهله وليله اهتماما بما هو فيه حتى يكمله. وقال ابن المنير: في الحديث دليل على أن الوكيل المفوض له أن يوكل وإن لم ينص له على ذلك، لأن الخمسة أسندوا الأمر لعبد الرحمن وأفردوه به فاستقل مع أن عمر لم ينص لهم على الانفراد، قال: وفيه تقوية لقول الشافعي في المسألة الفلانية قولان، أي انحصر الحق عندي فيهما، وأنا في مهلة النظر في التعيين، وفيه أن إحداث قول زائد على ما أجمع عليه لا يجوز، وهو كإحداث سابع في أهل الشورى، قال وفي تأخير عبد الرحمن مؤامرة عثمان عن مؤامرة علي سياسة حسنة، منتزعة من تأخير يوسف تفتيش رجل أخيه في قصة الصاع، إبعادا للتهمة وتغطية للحدس، لأنه رأى أن لا ينكشف اختياره لعثمان قبل وقوع البيعة.

(13/199)


44 - باب مَنْ بَايَعَ مَرَّتَيْنِ
7208 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ "عَنْ سَلَمَةَ قَالَ بَايَعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقَالَ لِي يَا سَلَمَةُ أَلاَ تُبَايِعُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْتُ فِي الأَوَّلِ قَالَ وَفِي الثَّانِي"
قوله: "باب من بايع مرتين" أي في حالة واحدة. قوله: "عن سلمة" تقدم في " باب البيعة " في الحرب من " كتاب الجهاد " من رواية المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بأتم من هذا السياق وفيه بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ثم عدلت إلى ظل شجرة فلما خف الناس قال: "يا ابن الأكوع ألا تبايع". قوله: "قد بايعت في الأول قال وفي الثاني" والمراد بذلك الوقت. وفي رواية الكشميهني: "في الأولى " بالتأنيث قال: "وفي الثانية " والمراد الساعة أو الطائفة، ووقع في رواية مكي " فقلت قد بايعت يا رسول الله، قال: وأيضا فبايعته الثانية وزاد فقلت له: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ، قال: على الموت " وقد تقدم البحث في ذلك هناك. وقال المهلب فيما ذكره ابن بطال أراد أن يؤكد بيعة سلمة لعلمه بشجاعته وعنائه في الإسلام وشهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة. قلت: ويحتمل أن يكون سلمة لما بادر إلى المبايعة ثم قعد قريبا، واستمر الناس يبايعون إلى أن خفوا، أراد صلى الله عليه وسلم منه أن يبايع للتوالي المبايعة معه ولا يقع فيها تخلل، لأن العادة في مبدأ كل أمر أن يكثر من يباشره فيتوالى، فإذا تناهى قد يقع بين من يجيء آخرا تخلل، ولا يلزم من ذلك اختصاص سلمة بما ذكر والواقع أن الذي أشار إليه ابن بطال من حال سلمة في الشجاعة وغيرها لم يكن ظهر بعد، لأنه إنما وقع منه بعد ذلك في " غزوة ذي قرد " حيث استعاد السرح الذي كان المشركون أغاروا عليه فاستلب ثيابهم، وكان آخر أمره أن أسهم له النبي صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل، فالأولى أن يقال تفرس فيه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فبايعه مرتين، وأشار بذلك إلى أنه سيقوم في الحرب مقام رجلين فكان كذلك. وقال ابن المنير: يستفاد من هذا الحديث أن إعادة لفظ العقد في النكاح وغيره ليس فسخا للعقد الأول خلافا لمن زعم ذلك من الشافعية. قلت: الصحيح عندهم أنه لا يكون فسخا كما قال الجمهور.

(13/199)


45 - باب بَيْعَةِ الأَعْرَابِ
7209 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَأَصَابَهُ وَعْكٌ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى فَخَرَجَ
قوله: "باب بيعة الأعراب" أي مبايعتهم على الإسلام والجهاد. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا" قوله: "أن أعرابيا" تقدم التنبيه على اسمه في " فضل المدينة أواخر الحج". قوله: "على الإسلام" ظاهر في أن طلبه الإقالة كان فيما يتعلق بنفس الإسلام، ويحتمل أن يكون في شيء من عوارضه كالهجرة، وكانت في ذلك الوقت واجبة، ووقع الوعيد على من رجع أعرابيا بعد هجرته، كما تقدم التنبيه عليه قريبا " والوعك " بفتح الواو وسكون المهملة وقد تفتح بعدها كاف الحمى وقيل ألمها وقيل أرعادها. وقال الأصمعي: أصله شدة الحر، فأطلق على حر الحمى وشدتها. قوله: "أقلني بيعتي فأبى" تقدم في " فضل المدينة " من رواية الثوري عن ابن المنكدر أنه أعاد ذلك ثلاثا وكذا سيأتي بعد باب. قوله: "فخرج" أي من المدينة راجعا إلى البدو. قوله: "المدينة كالكير إلخ" ذكر عبد الغني بن سعيد في " كتاب الأسباب " له عند ذكر حديث المدينة " تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد " أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في هذه القصة وفيه نظر، والأشبه أنه قاله " في قصة الذين رجعوا عن القتال معه يوم أحد " كما تقدم بيان ذلك في غزوة أحد من " كتاب المغازي". قوله: "تنفي" بفتح أوله "خبثها" بمعجمة وموحدة مفتوحتين. قوله: "وتنصع" تقدم ضبطه في فضل المدينة وبيان الاختلاف فيه، قال ابن التين: إنما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من إقالته لأنه لا يعين على معصية، لأن البيعة في أول الأمر كانت على أن لا يخرج من المدينة إلا بإذن فخروجه عصيان. قال: وكانت الهجرة إلى المدينة فرضا قبل فتح مكة على كل من أسلم ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاة، لقوله تعالى :{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} فلما فتحت مكة قال صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح " ففي هذا إشعار بأن مبايعة الأعرابي المذكور كانت قبل الفتح. وقال ابن المنير: ظاهر الحديث ذم من خرج من المدينة وهو مشكل فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة وسكنوا غيرها من البلاد، وكذا من بعدهم من الفضلاء. والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهة فيها ورغبة عنها، كما فعل الأعرابي المذكور وأما المشار إليهم فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم وفتح بلاد الشرك والمرابطة في الثغور وجهاد الأعداء وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة وفضل سكناها، وسيأتي شيء من هذا في " كتاب الاعتصام " إن شاء الله تعالى.

(13/200)


46 - باب بَيْعَةِ الصَّغِيرِ
7210 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هو صغير، فمسحَ رأسه ودعا له كان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله".

(13/200)


قوله: "باب بيعة الصغير" أي هل تشرع أو لا؟ قال ابن المنير: الترجمة موهمة، والحديث يزيل إيهامها، فهو دال على عدم انعقاد بيعة الصغير ذكر فيه حديث عبد الله بن هشام التيمي، وهو طرف من حديث تقدم بكماله في " كتاب الشركة " من رواية عبد الله بن وهب عن سعيد بن أبي أيوب، وفيه فقالت يا رسول الله بايعه، فقال: "هو صغير فمسح رأسه ودعا له". فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هُوَ صَغِيرٌ فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ وَكَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ" قوله: "وكان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله" هو عبد الله بن هشام المذكور، وهذا الأثر الموقوف صحيح بالسند المذكور إلى عبد الله، وقد تقدم الحكم المذكور في " باب الأضحية عن المسافر والنساء " والنقل عمن قال: "لا يجزئ أضحية الرجل عن نفسه وعن أهل بيته " وإنما ذكره البخاري مع أن من عادته أنه يحذف الموقوفات غالبا، لأن المتن قصير، وفيه إشارة إلى أن عبد الله بن هشام عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم زمانا ببركة دعائه له وقد تقدم ما يتعلق به من ذلك في " كتاب الدعوات".

(13/201)


47 - باب مَنْ بَايَعَ ثُمَّ اسْتَقَالَ الْبَيْعَةَ
7211 - حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله "أن أعرابيا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فأتى الأعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أقلني بيعتي فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءه فقال أقلني بيعتي فأبى ثم جاءه فقال أقلني بيعتي فأبى فخرج الأعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها"
قوله: "باب من بايع ثم استقال البيعة" ذكر فيه حديث جابر في قصة الأعرابي، وقد تقدم شرحه قبل بباب

(13/201)


48 - باب مَنْ بَايَعَ رَجُلًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِلدُّنْيَا
7212 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَاهُ إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلاَ لَمْ يَفِ لَهُ وَرَجُلٌ يُبَايِعُ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ فَأَخَذَهَا وَلَمْ يُعْطَ بِهَا
قوله: "باب من بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا" أي ولا يقصد طاعة الله في مبايعة من يستحق الإمامة.
قوله: "عن أبي حمزة" بالمهملة والزاي هو محمد بن ميمون السكري. قوله: "عن أبي صالح" في رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش " سمعت أبا صالح يقول سمعت أبا هريرة كما تقدم في " كتاب الشرب". قوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة" زاد جرير عن الأعمش " ولا ينظر إليهم " وسقط من روايته: "يوم القيامة " وقد مر في الشهادات وفي رواية عبد الواحد " لا ينظر الله إليهم يوم القيامة " وسقط من روايته ولا يكلمهم وثبت الجميع لأبي معاوية عن الأعمش عند مسلم على وفق الآية التي في آل عمران. وقال: في آخر الحديث. ثم قرأ هذه الآية " {إِنَّ الَّذِينَ

(13/201)


49 - باب بَيْعَةِ النِّسَاءِ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
7213 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ح وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسٍ تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ تَسْرِقُوا وَلاَ تَزْنُوا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ
7214 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلاَمِ بِهَذِهِ الْآيَةِ { لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا } قَالَتْ وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ إِلاَّ امْرَأَةً يَمْلِكُهَا
7215 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ بَايَعْنَا النَّبِيَّ

(13/203)


صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْنَا { أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} وَنَهَانَا عَنْ النِّيَاحَةِ فَقَبَضَتْ امْرَأَةٌ مِنَّا يَدَهَا فَقَالَتْ فُلاَنَةُ أَسْعَدَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَذَهَبَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ فَمَا وَفَتْ امْرَأَةٌ إِلاَّ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ الْعَلاَءِ وَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةُ مُعَاذٍ أَوْ ابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ
قوله: "باب بيعة النساء" ذكر فيه الله أربعة أحاديث، الأول: قوله: "رواه ابن عباس" كأنه يريد ما تقدم في العيدين من طريق الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس شهدت الفطر فذكر الحديث وفيه خرج النبي صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه حين يجلس بيده، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء معه بلال فقال: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} الآية ثم قال حين فرغ منها " أنتن على ذلك " وقد تقدم فوائده هناك في تفسير الممتحنة. حديث عبادة ابن الصامت في مبايعتهم النبي صلى الله عليه وسلم على مثل ما في هذه الآية، وقد تقدم الكلام عليه في " كتاب الأيمان " أوائل الكتاب ووقع في بعض، طرقه عن عبادة قال: "أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني " الحديث أخرجه مسلم من طريق الأشعث الصنعاني عن عبادة وإلى هذه الطريق أشار في هذه الترجمة قال ابن المنير أدخل حديث عبادة في ترجمة بيعة النساء لأنها وردت في القرآن في حق النساء فعرفت بهن، ثم استعملت في الرجال. حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية {لا يشركن بالله شيئا} كذا أورده مختصرا وقد أخرجه البزار من طريق عبد الرزاق بسند حديث الباب إلى عائشة قالت. " جاءت فاطمة بنت عتبة - أي ابن ربيع بن عبد شمس أخت هند بنت عقبة - تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عليها أن لا تزني، فوضعت يدها على رأسها حياء، فقالت لها عائشة: بايعي أيتها المرأة، فوالله ما بايعناه إلا على هذا قالت: فنعم إذا " وقد تقدمت فوائد هذا الحديث في تفسير سورة الممتحنة وفي أول هذا الحديث هناك زيادة غير الزيادة التي ذكرتها هنا من عند البزار. قوله: "قالت وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها" هذا القدر أفرده النسائي فأخرجه عن محمد بن يحيى عن عبد الرزاق بسند حديث الباب بلفظ لكن ما مس وقال: يد امرأة قط، وكذا أفرده مالك عن الزهري بلفظ، ما مس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط، إلا أن يأخذ عليها فإذا أخذ عليها فأعطته قال: اذهبي فقد بايعتك أخرجه مسلم قال النووي: هذا الاستثناء منقطع وتقدير الكلام ما مس يد امرأة قط ولكن يأخذ عليها البيعة. ثم يقول لها اذهبي إلخ. قال: وهذا التقدير مصرح به في الرواية الأخرى فلا بد منه انتهى. وقد ذكرت في تفسير الممتحنة من خالف ظاهر ما قالت عائشة، من اقتصاره في مبايعته صلى الله عليه وسلم النساء على الكلام؛ وما ورد أنه بايعهن بحائل أن بواسطة بما يغني عن إعادته، ويعكر على ما جزم به من التقدير، وقد يؤخذ من قول أم عطية في الحديث الذي بعده فقبضت امرأة يدها، أن بيعة النساء كانت أيضا بالأيدي فتخالف ما نقل عن عائشة من هذا الحصر، وأجيب بما ذكر من الحائل، ويحتمل أنهن كن يشرن بأيديهن عند المبايعة بلا مماسة، وقد أخرج إسحاق بن راهويه بسند حسن عن أسماء بنت يزيد مرفوعا إني لا أصافح النساء وفي الحديث أن كلام الأجنبية مباح سماعه وأن صوتها ليس بعورة، ومنع لمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة لذلك. قوله: "عن أيوب" هو السختياني و "حفصة" هي بنت سيرين أخت محمد والسند كله بصريون، وتقدم

(13/204)


شرح حديث أم عطية هذا في " كتاب الجنائز " مستوفى، وفيه تسمية النسوة المذكورات في هذا الحديث، وتقدم ما يتعلق بالكلام على قولها أسعدتني في تفسير سورة الممتحنة.

(13/205)


50 - باب مَنْ نَكَثَ بَيْعَةً
وَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} قوله: "باب من نكث بيعة" في رواية الكشميهني: "بيعته " بزيادة الضمير. قوله: "وقال الله تعالى" في رواية غير أبي ذر " وقوله تعالى". قوله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} الآية" ساق في رواية أبي ذر إلى قوله: "فإنما ينكث على نفسه " ثم قال إلى قوله {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً عظيما} وساق في رواية كريمة الآية كلها
7216 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَايِعْنِي عَلَى الإِسْلاَمِ فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ ثُمَّ جَاءَ الْغَدَ مَحْمُومًا فَقَالَ أَقِلْنِي فَأَبَى فَلَمَّا وَلَّى قَالَ الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا
حديث جابر في قصة الأعرابي وقد تقدمت الإشارة إليه قريبا في " باب بيعة الأعرابي " وورد في الوعيد على نكث البيعة حديث ابن عمر " لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله. ثم ينصب له القتال " وقد تقدم في أواخر " كتاب الفتن " وجاء نحوه عنه مرفوعا بلفظ: "من أعطى بيعة ثم نكثها لقي الله وليست معه يمينه " أخرجه الطبراني بسند جيد وفيه حديث أبي هريرة رفعه: "الصلاة كفارة إلا من ثلاث: الشرك بالله ونكث الصفقة " الحديث. وفيه تفسير نكث الصفقة " أن تعطي رجلا بيعتك ثم تقاتله " أخرجه أحمد.

(13/205)


51 - باب الِاسْتِخْلاَفِ
7217 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَارَأْسَاهْ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَاثُكْلِيَاهْ وَاللَّهِ إِنِّي لاَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلَلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ لَقَدْ هَمَمْتُ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ فَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلْتُ يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ
7218 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قِيلَ لِعُمَرَ أَلاَ تَسْتَخْلِفُ قَالَ إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ رَاغِبٌ رَاهِبٌ وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا

(13/205)


52 - باب إِخْرَاجِ الْخُصُومِ وَأَهْلِ الرِّيَبِ مِنْ الْبُيُوتِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ نَاحَتْ
7224 - حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء" قال محمد بن يوسف قال يونس قال محمد بن سليمان قال أبو عبد الله. مرماة: بين ظلف الشاة من اللحم مثل منساة وميضاة, الميم مخفوضة
قوله: "باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة، وقد أخرج عمر أخت أبي بكر حين ناحت" تقدمت هذه الترجمة والأثر المعلق فيها والحديث في " كتاب الأشخاص " وقال فيه: "المعاصي " بدل " أهل الريب " وساق الحديث من وجه آخر عن أبي هريرة وتقدم شرحه مستوفى في أوائل باب " صلاة الجماعة " وقوله في

(13/215)


آخر الباب قال محمد بن يوسف. قال يونس، قال محمد بن سليمان، قال أبو عبد الله " مرماة ما بين ظلف الشاة من اللحم " مثل منساة وميضاة الميم مخفوضة وقد تقدم شرح " المرماتين " هناك ومحمد بن يوسف هذا هو الفربري راوي " الصحيح " عن البخاري، ويونس هو ابن(1)0 ومحمد بن سليمان هو أبو أحمد الفارسي راوي " التاريخ الكبير " عن البخاري، وقد نزل الفربري في هذا التفسير درجتين، فإنه أدخل بينه وبين شيخه البخاري رجلين، أحدهما عن الآخر وثبت هذا التفسير في رواية أبي ذر عن المستملي وحده وقوله: "مثل منساة وميضاة " أما منساة بالوزن الذي ذكره بغير همز فهي قراءة أبي عمرو ونافع في قوله تعالى: {تأكل منسأته} . وقال الشاعر:
إذا دببت على المنساة من هرم ... فقد تباعد عنك اللهو والغز
أنشده أبو عبيدة ثم قال: وبعضهم يهمزها فيقول: منسأته. قلت: وهي قواءة الباقين بهمزة مفتوحة إلا ابن ذكوان فسكن الهمزة، وفيها قراآت أخر في الشواذ، والمنساة: العصا اسم آلة من أنسا الشيء إذا أخره، وقوله الميم مخفوضة أي في كل المنساة والميضاة، وفي " الميضاة " اللغات المذكورة.

(13/216)


53 - باب هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُجْرِمِينَ وَأَهْلَ الْمَعْصِيَةِ مِنْ الْكَلاَمِ مَعَهُ وَالزِّيَارَةِ وَنَحْوِهِ
قوله: "باب هل للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة ونحوه" في رواية أبي أحمد الجرجاني " المحبوس " بدل المجرمين، وكذا ذكر ابن التين والإسماعيلي وهو أوجه لأن المحبوس قد لا يتحقق عصيانه والأول يكون من عطف العام على الخاص، وهو المطابق لحديث الباب ظاهرا وذكر فيه طرفا من حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن تبوك وتوبته وقد تقدم شرحها مستوفى في أواخر " كتاب المغازي " بحمد الله تعالى.
ـــــــ
(1)هكذا بياض بالأصل

(13/216)