Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الإيمان
الكتاب إما مأخوذ من الكتب بمعنى الجمع أو الكتابة والمعنى هذا مجموع أو مكتوب في الأحاديث الواردة في الإيمان وإنما عنون به مع ذكره الإسلام أيضا لأنهما بمعنى واحد في الشرع وعلى اعتبار المعنى اللغوي من الفرق يكون فيه إشارة إلى أنه الأصل وعليه مدار الفصل وقدمه لزيادة شرفه في الفضل ولكونه شرطا لصحة العبادات المتقدمة على المعاملات وهو التصديق الذي معه أمن وطمأنينة لغة وفي الشرع تصديق القلب بما جاء من عند الرب فكأن المؤمن يجعل به نفسه آمنة من العذاب في الدارين أو من التكذيب والمخالفة وهو إفعال من الأمن يقال أمنت وآمنت غيري ثم يقال أمنه إذا صدقه وقيل معنى أمنت صرت ذا أمن ثم نقل إلى التصديق ويعدى باللام نحو وما أنت بمؤمن لنا وقال فرعون يوسف قال ءامنتم له طه وقد يضمن معنى اعترف فيعدى بالباء نحو يؤمنون بالغيب البقرة واختلف العلماء فيه على أقوال أولها عليه الأكثرون والأشعري والمحققون أنه مجرد تصديق النبي عليه الصلاة والسلام فيما علم مجيئه به بالضرورة تفصيلا في الأمور التفصيلية وإجمالا في الإجمالية تصديقا جازما ولو لغير دليل حتى يدخل إيمان المقلد فهو صحيح على الأصح وما نقل عن الأشعري من عدم صحته رد بأنه كذب عليه والحاصل أن من اعتقد أركان الدين من التوحيد والنبوة ونحو الصلاة فإن جوز ورود شبهة تفسد اعتقاده فهو كافر وإن لم يجوز ذلك فهو مؤمن لكنه فاسق بتركه النظر وهذا مذهب الأئمة الأربعة والأكثرين لأنه عليه الصلاة والسلام قبل الإيمان من غير تفحص عن الأدلة العقلية كذا ذكره ابن جر لكن في كونه فاسقا بتركه النظر نظر ظاهر فتدبر ثم فهم من قيد مجرد التصديق أنه لا يعتبر معه أعمال الجوارح ومن الضرورة أن ما ليس كذلك ككونه تعالى عالما بذاته أو بالعلم الذي هو صفة زائدة على الذات أو مرئيا لا يكفر منكره إجماعا ومن الجزم أن التصديق الظني لا يكفي في حصول مسمى الإيمان وثانيها أنه عمل القلب واللسان معا فقيل


الإقرار شرط لإجراء الأحكام لا لصحة الإيمان فيما بين العبد وربه قال حافظ الدين النسفي وهذا
هو المروي عن أبي حنيفة وإليه ذهب أبو منصور الماتريدي والأشعري في أصح الروايتين عنه وقيل هو ركن لكنه غير أصلي بل زائد ومن ثم يسقط عند الإكراه والعجز ولهذا من صدق ومات فجأة على الفوز فإنه مؤمن إجماعا قال بعضهم والأول مذهب المتكلمين والثاني مذهب الفقهاء والحق أنه ركن عند المطالبة به وشرط لإجراء الأحكام عند عدم المطالبة ويدل عليه قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت الآية القصص حيث أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب والله أعلم بالمطالب وبهذا يلتئم القولان والخلافان لفظيان وأما ما نقل عن الغزالي من أن الامتناع عن النطق كالمعاصي التي تجامع الإيمان فهو بظاهره خلاف الإجماع فيحمل على الامتناع عند عدم المطالبة غاية ما في الباب أنه جعل الإقرار من الواجبات لا شرطا ولا شطرا وثالثها أنه فعل القلب واللسان مع سائر الأركان ونقل عن أصحاب الحديث ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وعن المعتزلة والخوارج لكن المعتزلة على أن صاحب الكبيرة بين الإيمان والكفر بمعنى أنه لا يقال له مؤمن ولا كافر بل يقال له فاسق مخلد في النار والخوارج على أنه كافر وأهل السنة على أنه مؤمن فاسق داخل تحت المشيئة لقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشار النساء قالوا لا تظهر المغايرة بين قول أصحاب الحديث وبين سائر أهل السنة لأن امتثال الأوامر واجتناب الزواجر من كمال الإيمان اتفاقا لا من ماهيته فالنزاع لفظي لا على حقيقته وكذلك اختلافهم في نقصان الإيمان وزيادته وكذا اقتران الإيمان بالمشيئة وكذا الاختلاف في أن الإيمان مخلوق أو غير مخلوق وكذا التفضيل بين الملك والبشر ومحل بسط هذا المرام كتب الكلام
الفصل الأول


عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال بينما نحن عند رسول الله ذات يوم إذ طلع علينا رجل أصله بين فأشبعت الفتحة فقيل بينا وزيدت ما فقيل بينما وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى الجملة الاسمية تارة وإلى الفعلية أخرى ويكون العامل معنى المفاجأة في إذ فمعنى الحديث وقت حضورنا في مجلس رسول الله فاجأنا وقت طلوع ذلك الرجل فبينا ظرف لهذا المقدر وإذ مفعول به بمعنى الوقت كما قال صاحب
الكشاف في قوله تعالى وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون الزمر أي وقت ذكر الذين من دونه فوجئوا وقت الاستبشار فنحن مبتدأ وعند ظرف مكان وذات يوم ظرف لقوله عند باعتبار أن فيه معنى الاستقرار أي بين أوقات نحن حاضرون عنده فنحن مخبر عنه بجملة ظرفية والمجموع صفة المضاف إليه المحذوف وزيادة ذات لدفع توهم التجوز بأن يراد باليوم مطلق الزمان لا النهار كما في قولك رأيت ذات زيد وقيل ذات مقحم وقيل بمعنى الساعة وقيل بين يضاف إلى متعدد لفظا كقولك جلست بين القوم أو معنى كقولك جئت بين العشاءين وإذا قصد إضافته إلى جملة يزاد ألف أو ما عوضا عن الأوقات التي تقتضيها بين وقيل فائدة المزيدتين إنما هي التهيؤ لدخول الجملتين ويجوز دخول إذ في جوابه كما في الحديث الصحيح ويجوز تركه كما في الشعر الفصيح وبينا نحن نرقبه أتانا وجاء في طريق بينما نحن عند رسول الله في آخر عمره والحكمة في تأخير مجيئه إلى ما بعد إنزال جميع الأحكام تقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة في مجلس واحد لتغبط وتضبط وقيل مجيئه كان في السنة العاشرة قبيل حجة الوداع وسبب الحديث ما في مسلم أنه قال سلوني فهابوا أن يسألوه فجاءه جبريل ووقع في رواية ابن منده بينا رسول الله يخطب أي يعظ إذ جاء رجل وفي رواية للبخاري كان رسول الله يوما بارزا للناس وفي أخرى لأبي داود كان عليه الصلاة والسلام يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل فطلبنا إلى رسول الله أن يجعل


لنا مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه قال فبنينا له دكانا أي دكة من طين يجلس عليه وكنا نجلس بجنبه واستنبط منه القرطبي أنه يسن للعالم الجلوس بمحل مرتفع مختص به إذا احتاج إليه للتعظيم ونحوه ثم الطلوع بمعنى الظهور من كمال النور مستعار من طلعت الشمس وفيه إيماء إلى كمال عظمته وعلو مرتبته والتنوين في رجل للتعظيم ويحتمل التنكير لأن الراوي حين روايته وإن كان عارفا بأنه جبريل لكنه حكى الحال الماضية كما يعلم من قوله لا يعرفه منا أحد وفيه دليل على أن الملك له أن يقتدر بقدرة الله تعالى على التشكل بما شاء قال الله تعالى فتمثل لها بشرا سويا مريم والحكمة في اختيار شكل البشر الإستئناس لأن الجنسية علة الضم فالمعنى رجل في الصورة إذ هو جبريل كما عبر به في رواية وما وقع في رواية النسائي من أن جبريل نزل في صورة دحية الكلبي معلول بأنه وهم من راويه لقول


عمر الآتي ولا يعرفه منا أحد نعم كان غالبا يتمثل بصورة دحية لكمال جماله شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر بإضافة شديد إلى ما بعده إضافة لفظية مفيدة للتخفيف فقط صفة رجل واللام في الموضعين عوض عن المضاف إليه العائد إلى الرجل أي شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره وفي نسخة بالتنوين في الصفتين المشبهتين ورفع ما بعدهما على الفاعلية وفيه استحباب البياض والنظافة في الثياب وأن زمان طلب العلم أوان الشباب لقوته على تحمل أعبائه وقدرته على تعمل أدائه وقدم البياض على السواد لأنه خير الألوان ومحيط بالأبدان ولئلا يفتتح بغتة بلون متوحش وجمع الثياب دون الشعر إشعارا بأن جميعها كذلك وفي رواية ابن حبان شديد سواد اللحية وبها يتبين محل الشعر المذكور في الحديث المشهور والشعر بفتحتين أفصح من سكون الثاني ويضم معه مراعاة للسجع في قوله لا يرى عليه أثر السفر روي بصيغة المجهول الغائب رفع الأثر وهو رواية الأكثر والأشهر وروي بصيغة المتكلم المعلوم ونصب الأثر والجملة حال من رجل أو صفة له والمراد بالآثار ظهور التعب والتغير والغبار والسفر مأخوذ من السفر وهو الكشف لأنه يكشف أحوال الرجال وأخلاقهم عند مباشرة الأعمال ولا يعرفه عطف على ما قبله منا أي من الحاضرين في المجلس قدم للإهتمام على قوله أحد وقال أبو الفضائل علي بن عبدالله بن أحمد المصري المشتهر بزين العرب في شرحه للمصابيح أي من الصحابة وإلا فالرسول قد عرفه وقال السيد جمال الدين قد جاء صريحا في بعض الروايات أن النبي لم يعرفه حتى غاب جبريل كما أفاده الشيخ ابن حجر العسقلاني في شرحه للبخاري والمعنى تعجبنا من كيفية إتيانه وترددنا في أنه من الملك أو من الجن إذ لو كان بشرا من المدينة لعرفناه أو كان غريبا لكان عليه أثر السفر فإن قيل كيف علم عمر أنه لم يعرفه أحد منهم أجيب بأنه يحتمل أنه استند في ذلك إلى ظنه أو إلى صريح قول الحاضرين والثاني أولى فقد جاء كذلك في رواية


عثمان بن غياث فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا ما نعرف هذا كذا قاله الشيخ ابن حجر العسقلاني حتى جلس غاية لمحذوف دل عليه طلع أوله لأنه بمعنى أتى أي أقبل واستأذن وفي مسند الإمام الأعظم عن حماد عن علقمة عن ابن مسعود قال جاء جبريل إلى النبي في صورة شاب عليه ثياب بياض فقال السلام عليك يا رسول الله فقال رسول الله وعليك السلام فقال يا رسول الله أدنو فقال أدن فالتقدير دنا حتى جلس متوجها أي مائلا إلى النبي والجلوس والقعود مترادفان وما ذكره التوربشتي وغيره أن القعود استعماله مع القيام والجلوس مع الإضطجاع محمول على أنه الأصل أو الغالب وفي رواية حتى برك بين يدي النبي كما يجلس أحدنا للصلاة وقول زين العرب أي جلس إلى جانبه أو معه لا يلائمه قوله


فأسند ركبتيه إلى ركبتيه أي ركبتي رسول الله لأن الجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع والأدب وإيصال الركبة بالركبة أبلغ في الإصغاء وأتم في حصول حضور القلب وأكمل في الإستئناس وألزم لمسارعة الجواب ولأن الجلوس على هذه الهيئة يدل على شدة حاجة السائل وإذا عرف المسؤول حاجته وحرصه اعتنى وبادر إليه ووضع كفيه أي كفي الرجل على فخذيه بفتح فكسر وفي القاموس الفخذ ككتف ما بين الساق والورك مؤنث كالفخذ ويكسر أي فخذي الرجل وهو المناسب لهيئة المتعلم بين يدي المعلم أو على فخذي النبي كما في رواية النسائي وغيره ثم وضع يديه على ركبتي النبي على ما بينه الشيخ ابن حجر العسقلاني وهو الملائم للتقرب لديه والإصغاء إليه وقصر النظر عليه وقال يا محمد قيل ناداه باسمه إذ الحرمة تختص بالأمة في زمانه أو مطلقا وهو ملك معلم ويؤيده قوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا النور إذ الخطاب للآدميين فلا يشمل الملائكة إلا بدليل أو قصد به المعنى الوصفي دون المعنى العلمي ولم أر من ذكره وأما ما ورد في الصحاح من نداء بعض الصحابة باسمه فذاك قبل التحريم وقيل آثره زيادة في التعمية إذ كانوا يعتقدون أنه لا يناديه به إلا العربي الجلف ويحتمل أن يكون هذا قبل تحريم ندائه باسمه قيل ولم يسلم مبالغة في التعمية أو بيانا أنه غير واجب أو سلم ولم ينقله الراوي وهو الصحيح لما سبق من رواية الإمام ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ومن ذكره مقدم على من سكت عنه لأن معه زيادة علم نعم في رواية قال السلام عليك يا محمد والجمع بأنه جمع بين اللفظين فقال السلام عليك يا محمد السلام عليك يا رسول الله ووقع عند القرطبي أنه قال السلام عليكم يا محمد وأخذ منه أنه يسن للداخل أن يعم بالسلام ثم يخص من شاء بالكلام قال شيخ الإسلام في فتح الباري والذي وقفت عليه في الرواية إنما فيه الإفراد وهو السلام عليك يا محمد أقول وعلى تقدير ثبوته الظاهر من إيراد الجمع


إرادة التعظيم لا قصد التعميم فكأن القرطبي جعله نظيرا لقوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء الطلاق في كون الخطاب خاصا والحكم عاما أخبرني أي أعلمني وصيغة الأمر للإستدعاء لما تقرر أن الرسول أفضل من الملائكة العلوية عن الإسلام وهو لغة الإنقياد مطلقا وشرعا الإنقياد الظاهر بشرط انقياد الباطن المعبر عنه بالإيمان لقوله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم الحجرات واللام فيه للحقيقة الشرعية ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة الإسلامية ثم أعلم أن السؤال عن الإسلام وجوابه مقدم على الإيمان وجوابه في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وجامع الأصول ورياض الصالحين وشرح السنة بخلاف المصابيح فإنه قدم فيه


الإيمان والتصديق وإن كان مقدما لأنه أساس قاعدة الإسلام لكن المقام يقتضي تقديم الإسلام لأنه دليل على التصديق وما جاء جبريل عليه السلام إلا لتعليم الشريعة وهو عليه الصلاة والسلام كان يحكم بالظاهر على مقتضى الحكم التدريجية فيبدأ بما هو الأهم ويترقى من الأدنى إلى الأعلى فيكون الإسلام مقدما على الإيمان والإيمان على الإخلاص المعبر عنه بالإحسان وجاء في رواية للبخاري بتأخير الإسلام عن الإيمان لكن عن أبي هريرة لا عن عمر ففي إيراد الحديث بهذا اللفظ اعتراض فعلي من صاحب المشكاة على البغوي في المصابيح وفي رواية بتوسط الإحسان بينهما فقيل إشارة إلى أن محله القلب فذكر في القلب والأظهر أن وجه التوسط أن له تعلقا بكل من الطرفين وقال جماعة من المحققين إن هذا التقديم والتأخير من الرواة لأن القضية واحدة فكان الواقع أمرا واحدا عبر الرواة عنه بأساليب مختلفة قال الإسلام أعاده ووضعه موضع ضميره إرادة لوضوحه أن تشهد أي أيها المخاطب خطابا عاما ولم يقل تعلم لأن الشهادة أبلغ في الإنكشاف من مطلق العلم ومن ثم لم يكف أعلم عن أشهد في أداء الشهادة وأن مصدرية والتقدير الإسلام شهادة أن وهي مخففة من المثقلة أي أنه والضمير للشأن لا إله لا هي النافية للجنس على سبيل التنصيص على نفي كل فرد من أفراده إلا الله قيل خبر لا والحق أنه محذوف والأحسن فيه لا إله معبود بالحق في الوجود إلا الله ولكون الجلالة اسما للذات المستجمع لكمال الصفات وعلما للمعبود بالحق قيل لو بدل بالرحمن لا يصح به التوحيد المطلق ثم قيل التوحيد هو الحكم بوحدانية الشيء والعلم بها وإصطلاحا إثبات ذات الله بوحدانيته منعوتا بالتنزه عما يشابهه اعتقادا فقولا وعملا فيقينا وعرفانا فمشاهدة وعيانا فثبوتا ودواما قال الغزالي للتوحيد لبان وقشران كاللوز فالقشرة العليا القول باللسان المجرد والثانية الإعتقاد بالقلب جازما واللب أن ينكشف بنورالله سر التوحيد بأن يرى


الأشياء الكثيرة صادرة عن فاعل واحد ويعرف سلسلة الأسباب مرتبطة بمسبباتها ولب اللب أن لا يرى في الوجود إلا واحدا ويستغرق في الواحد الحق غير ملتفت إلى غيره وأن محمدا رسول الله إيماء إلى النبوة وهما أصلان متلازمان في إقامة الدين ضرورة توقف الإسلام على الشهادتين وظاهر الحديث يؤيد من قال الإقرار شرط لإجراء الأحكام عليه وفي رواية البخاري أن تعبد الله أي توحده ولا تشرك به شيئا أي من الأشياء أو الإشراك قال المحققون مجرد التوحيد هو الإحتجاب بالجمع عن التفصيل وهو محض الجبر المؤدي إلى الإباحة ومجرد إسناد القول والفعل إلى الرسول وسائر الخلق احتجاب بالتفصيل عن الجمع الذي هو صرف القدرة المؤدي إلى التعطيل أو الثنوية والجمع بينهما هو الحق المحض قال في العوارف الجمع اتصال لا يشاهد


صاحبه إلا الحق فمن شاهد غيره فما ثم جمع والتفرقة شهود لما شاهد بالمباينة فقوله آمنا بالله جمع وما أنزل إلينا البقرة تفرقة ا ه وكذا قوله إياك نعبد تفرقة وإياك نستعين الفاتحة جمع والأول رد على الجبرية والثاني حط على القدرية وقال الجنيد القرب بالوجد جمع وغيبته في البشرية تفرقة وكل جمع بلا تفرقة زندقة وكل تفرقة بلا جمع تعطيل وحسبنا الله ونعم الوكيل وتقيم أي وأن تقيم الصلاة أي المعهودة شرعا وفي رواية لمسلم المكتوبة تنبيها على أن النافلة وإن كانت من الإسلام لكنها ليست من أركانه يعني بأن تؤديها وتحفظ شروطها وتعدل أركانها وتداوم عليها ولذا لم يقل وتصلي وتؤتي الزكاة أي وأن تعطيها وفيه إشارة إلى أنه لا بد فيها من التمليك وهي مأخوذة من زكى بمعنى طهر ونما وهو اسم للقدر المخرج من النصاب لأنه يظهر المخرج أو المخرج عنه ويزيد البركة وفي رواية للبخاري ومسلم تقييدها بالمفروضة والظاهر أنها للتأكيد وتصوم بالنصب رمضان أي في شهره وفيه جواز ذكره بلا كراهة من غير ذكر شهر وهو المعتمد وهو من رمض إذا احترق من الرمضاء فأضيف إليه الشهر وسمى به لإرتماضهم من حر الجوع أو من حرارة الزمان الذي وقع فيه أو لأنه تحترق به الذنوب وتنمحي به العيوب أو لأنه تزول معه حرارة الشهوات والصوم لغة الإمساك وشرعا إمساك مخصوص بوصف مخصوص وتحج البيت أي الحرام فأل فيه للعهد أو هو اسم جنس غلب على الكعبة علما واللام فيه جزء كما في النجم والحج لغة القصد أو تكراره مطلقا أو إلى معظم وشرعا قصد بيت الله في وقت معين بشرائط مخصوصة إن استطعت إليه أي إلى البيت أو إلى الحج أي إن أمكن لك الوصول إليه بأن وجدت زادا وراحلة كما في حديث صححه غير واحد سبيلا تمييز عن نسبة الإستطاعة فأخر عن الجار ليكون أوقع وهي الطريق الذي فيه سهولة وتستعمل في كل ما يتوصل به إلى شيء وتنكيره للعموم إذ النكرة في الإثبات قد تفيد العموم كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى


علمت نفس لكنه مجاز وتقديم إليه عليه للإختصاص أي سبيلا ما على أي وجه كان قريبا أو بعيدا ونحوهما بشرط اختصاص انتهائه إليه لا إلى غيره وقيل سبيلا مفعول بمعنى موصل أو مبلغ قال الشافعي إنه بالمال وأوجب الإستنابة على الزمن الغني وقال مالك إنه بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق وقال أبو حنيفة إنه بمجموع الأمرين ثم الإستطاعة هي القدرة من طاع لك إذا سهل يطلق على سلامة الأسباب وصحة الآلات وهي قد تتقدم على الفعل وعلى غرض في الحيوان يفعل به الأفعال الإختيارية ولا يكون إلا مع الفعل وهي كما فسرت استطاعة خاصة بالمعنى الأول فلا يرد ما قيل إن الإستطاعة التي بها يتمكن المكلف من فعل العبادة مشروطة في الكل فكيف خص الحج بها قال الطيبي فإن قلت كيف خص الحج بالإستطاعة دون سائر الأركان الإسلامية مع أن


الإستطاعة التي بها يتمكن المكلفون من فعل الطاعة مشروطة في الكل أجيب بأن المعنى بهذه الإستطاعة الزاد والراحلة وكان طائفة لا يعدونها منها ويثقلون على الحاج فنهوا عن ذلك أو علم الله تعالى أن ناسا في آخر الزمان يفعلون ذلك فصرح تسهيلا على العباد ومع ذلك ترى كثيرا من الناس لا يرفعون لهذا النص الجلي رأسا ويلقون أنفسهم بأيديهم إلى التهلكة أقول ولعل في هذا حكمة وهي أن تكون حجة على الأغنياء التاركين للحج رأسا مع أن الله تعالى أعطاهم مالا وأثاثا وإيراد الأفعال المضارعية لإفادة الإستمرار التجددي لكل من الأركان الإسلامية ففي التوحيد المطلوب الإستمرار الدائم مدة الحياة وفي الصلاة دونه ثم في الصوم والزكاة دونها وقدم الصوم لتعلقه بجميع المكلفين وأخر ما وجب في العمرة مرة وفي فتح الباري فإن قيل السؤال عام لأنه سئل عن ماهية الإسلام والجواب خاص بقوله أن تعبد وتشهد وكذا قال في الإيمان أن تؤمن وفي الإحسان أن تعبد فالجواب أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر وأن والفعل لأن أن والفعل يدل على الإستقبال والمصدر لا يدل على الزمان على أن في رواية قال شهادة أن لا إله إلا الله ا ه وقيل الأولى في الجواب أن يقال القصد التعليم وهو إنما يتعلق بالأمور المستقبلة فلذلك عدل عن المصدر المناسب للسؤال إلى ما يدل على الإستقبال ويسنح بالبال والله أعلم بحقيقة الحال أن العدول عن المصدر المفيد للعلم إلى المضارع المقتضي للعمل إيماء إلى أنه لا يكفي مجرد المعرفة من غير أن يخرج من القوة إلى الفعل وبنحو هذا العدول يعلم بلوغ بلاغته إلى أعلى الغايات وأعلى النهايات ووقع في رواية حذف الحج وفي أخرى حذف الصوم وفي أخرى الإقتصار على الشهادتين وفي أخرى على الصلاة والزكاة ولا تخالف لأن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره ذهولا أو نسيانا كذا قيل أو يقال لكل وجهة فحذف الحج لأن وجوبه نادر وفي العمر مرة وحذف الصوم اكتفاء بذكر الصلاة فإن كلا منهما


عبادة بدنية والإقتصار على الشهادتين لأنهما أساس الإسلام وعلى الصلاة والزكاة لأنهما عمدة العبادة البدنية والمالية والمقصود ظاهر الطاعة والإنقياد والعبادة لا استيفاء أفرادها وإن كانت الخمسة هي معظم أركانها فالمراد بذكر بعضها مثلا هو التنبيه على بقيتها ولذا ورد في رواية وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء فيحمل الإختلاف اللفظي على التحديث المعنوي ثم أعلم أن لكل من تلك الأركان ظاهرا تبين أحكامه في الكتب الفقهية وباطنا من حقائق وأسرار ذكرها أرباب القلوب الأمناء لأسرار الغيوب فنحن نذكر نبذة منها أما التوحيد فهو ظهور فناء الخلق بتشعشع أنوار الحق وله مراتب كما ذكره ذوو المناقب


الأولى التوحيد النظري إن علم بالإستدلال أو التقليدي إن اعتقد بمجرد تصديق المخبر الصادق وسلم القلب من الشبهة والحيرة والريب وهو أن يعتقد أن الله متفرد بوصف الألوهية متوحد باستحقاق العبودية به يحقن الدماء والأموال ويتخلص من الشرك الجلي في الأحوال الثانية التوحيد العلمي وهو أن يصير العبد بخروجه من غشاوة صفاته وخلاصه من سجن ظلمات ذاته وانسلاخه عن لباس الإختيار حيران في أنوار عظمة الجبار ولهان تحت سبحات سطوات الأنوار فيعرف أن الموجد المحقق والمؤثر المطلق هو الله تعالى وأن كل ذات فرع من نور ذاته وكل صفة من علم وقدرة وإرادة وسمع وبصر عكس من أنوار صفاته وأثر من آثار أفعاله ومنشؤه نور المراقبة وهو دون المرتبة الحالية لكن مزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون وعند ذلك ينفى من الظلمة الوجودية ويرتفع بعض من الشرك الخفي الثالثة التوحيد الحالي وهو أن يصير التوحيد وصفا لازما لذات الموحد بتلاشي ظلمات رسوم وجود الغير إلا قليلا في غلبة إشراق أنوار التوحيد واستتار نور حاله في نور علم التوحيد كاستتار نور الكواكب في نور الشمس فلما استنار الصبح أدرج ضوءه نور الكواكب واستغراقه في مشاهدة جمال وجود الواحد بحيث لا يظهر عند شهوده إلا ذات الواحد ويرى التوحيد صفة الواحد لا صفته بل لا يرى ذلك قال الجنيد التوحيد معنى يضمحل فيه الرسوم ويندرج فيه العلوم ويكون الله كما لم يزل الرابعة التوحيد الإلهي وهو أن الله تعالى كان في الأزل موصوفا بالواحدانية في الذات والأحدية في الصفات كان ولم يكن معه شيء والآن كما كان كل شيء هالك إلا وجهه القصص ولم يقل يهلك لأن عزة وحدانيته لم تدع لغيره وجودا وفي هذا المعنى أنشد العارف الأنصاري لنفسه شعرا ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد وأما الصلاة فقد قيل كان لرسول الله معراجان معراج في عالم


الحس من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم إلى عالم الملكوت ومحل الملأ الأعلى ومعراج في عالم الأرواح من الشهادة إلى الغيب ومن الغيب إلى غيب الغيب فلما أراد أن يرجع قال الرب تبارك وتعالى المسافر إذا عاد إلى وطنه أتحف أصحابه وإن تحفة أمتك الصلاة الجامعة بين المعراجين الجسماني بالآداب والأفعال والروحاني بالأذكار والأحوال ولهذا ورد الصلاة معراج المؤمن وأما الصوم فصوم الشريعة منافعه أكثر من أن تحصى ولو لم يكن إلا التشبه بالملأ الأعلى لكفى به فضلا وصوم الطريقة فهو الإمساك عن الأكوان والإفطار بمشاهدة الرحمن


صمت عن غيره فلما تجلى كان لي شاغل عن الإفطار وأما الزكاة فهي إشارة إلى تزكية أحوال الظاهر والباطن بترك الأموال وصرفها إلى أسباب الوصول إلى الأحوال وتخلية القلب عن الأغيار وتخلية الروح لظهور تجليات الأنوار وأما الحج فهو إشارة إلى وجوب زيارة بيت الجليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السفر وأركانه وهي الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات والتجرد عن المألوفات والتوجه إلى الله تعالى بصفاء الطويات والوقوف بعرفات المعرفة والعكوف على عتبة جبل الرحمة والطواف بالخروج عن الأطوار السبعية بالأطواف السبعية حول كعبة الربوبية والسعي بين صفا الصفات ومروة المروات والحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية وقس عليه سائر المناسك ولله در القائل الناسك يا من إلى وجهه حجي ومعتمري إن حج قوم إلى ترب وأحجار لبيك لبيك من قرب ومن بعد سرا بسر وإضمارا بإضمار قال صدقت دفعا لتوهم أن السائل ما عده من الصواب وحملا للسامعين على حفظ الجواب فعجبنا له أي للسائل يسأله ويصدقه التعجب حالة للقلب تعرض عند الجهل بسبب الشيء فوجه التعجب أن السؤال يقتضي الجهل غالبا بالمسؤول عنه والتصديق يقتضي علم السائل به لأن صدقت إنما يقال إذا عرف السائل أن المسؤول طابق ما عنده جملة وتفصيلا وهذا خلاف عادة السائل ومما يزيد التجعب أن ما أجابه لا يعرف إلا من جهته وليس هذا الرجل ممن عرف بلقائه فضلا عن سماعه منه وفي رواية لما سمعنا قول الرجل صدقت أنكرناه وفي رواية أخرى أنظروا هو يسأله ويصدقه كأنه أعلم منه وفي أخرى ما رأينا رجلا مثل هذا كأنه يعلم رسول الله يقول له صدقت صدقت قيل هو من صنيع الشيخ إذا امتحن المعيد عند حضور الطلبة ليزيدوا طمأنينة وثقة في أنه يعيد الدرس ويلقي المسألة من الشيخ بلا زيادة ونقصان وفيه نسخة من قوله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى النجم قال فأخبرني عن


الإيمان وفي رواية ما الإيمان واستشكلت بأن ما للسؤال عن الماهية فالجواب غير مطابق ورد بأنه عليه الصلاة والسلام علم منه أنه إنما سأل عن متعلقات الإيمان لأنها الأحق بالتعليم ولأن التصديق في ضمنها والأظهر أنه لا فرق بين الروايتين والمطابقة حاصلة في الجهتين لأن الإيمان في قال أن تؤمن أريد به المعنى اللغوي وقيل المعنى الشرعي حتى لا يكون تفسير الشيء بنفسه ولا يكون الدور في تعريفه وقول الطيبي أي تعترف ولذا عدي بالباء فيه أن الإعتراف من أجزاء الإسلام فالتحقيق أن الإيمان هنا بمعنى التصديق وهو يتعدى بالباء ففي


القاموس آمن به إيمانا أي صدقه نعم لو ضمن معنى الإعتراف لكان حسنا ويكون التقدير أن تصدق معترفا أو تعترف مصدقا فيفيد كون الإقرار شطرا أو شرطا قيل والحديث يدل على مغايرة العمل للإيمان فإنه أجاب عن الإسلام ثم عن الإيمان وجعله تصديقا بالله أي بتوحيد ذاته وتفريد صفاته وبوجوب وجوده وبثبوت كرمه وجوده وسائر صفات كماله من مقتضيات جلاله وجماله قيل الصفة إما حقيقية لا يتوقف تصورها على شيء كالحياة أو إضافية يتوقف على ذلك كالوجوب والقدم أو وجودية وهي صفات الإكرام أو سلبية وهي صفات الجلال وتنحصر الوجودية في ثمانية نظمها الشاعر في قوله حياة وعلم قدرة وإرادة كلام وإبصار وسمع مع البقا قال ابن الصلاح هذا الحديث بيان أصل الإيمان وهو التصديق والإسلام وهو الإنقياد وحكم الإسلام يثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليهما الأعمال المذكورة لأنها أظهر شعائره ثم قيل الإيمان قد يطلق على الإسلام كما في حديث عبد قيس واسم الإسلام يتناول أصل الإيمان وهو التصديق والطاعات فإن كل ذلك استسلام فعلم أنهما يجتمعان ويفترقان وإن كل مؤمن مسلم من غير عكس وهذا التحقيق موافق لمذهب جماهير العلماء ا ه والمشهور أنهما مترادفان في الشرع نقله ابن عبد البر عن الأكثرين لأن انقياد الظاهر لا ينفع بدون انقياد الباطن وكذا العكس والحق أن الخلاف لفظي لأن مبنى الأول على الحكم الدنيوي ومدار الثاني على الأمر الأخروي أو الأول بناؤه على اللغة والثاني مداره على الشريعة وصنف في المسألة إمامان كبيران وأكثرا من الأدلة على أنهما متغايران أو مترادفان وتكافآ في ذلك وقيل التحقيق أنهما مختلفان باعتبار المفهوم متحدان في الما صدق والله أعلم ثم التصديق إذعان النفس وقبولها بما يجب قبوله وهو تقليدي وتحقيقي والتحقيقي إما استدلالي أو ذوقي والذوقي إما كشفي واقف على حد العلم أو الغيب أو غيبي غير واقف عليه والغيبي إما مشاهدة أو شهود والأول هو الإعتقاد الجازم


المطابق الممتنع الزوال والثاني الإعتقاد الجازم الثابت بالبرهان والثالث الممتنع الزوال الثابت بالوجدان والثلاثة مراتب الإيمان بالغيب والأخيران علم اليقين والرابع هو المشاهدة الروحانية مع بقاء الأثنينية ويسمى عين اليقين والخامس هو الشهود الحقاني عند تجلي الوحدة الذاتية وزوال الأثنينية ويسمى حق اليقين هذا وإن للإيمان وجودا غيبيا ووجودا لفظيا أما الأول فهو ما أشار إليه الشيخ الكبير أبو عبد الله الشيرازي في معتقده من أنه نور يقذف في القلب من نور الذات ومعناه أن أصله نور يقذفه الحق من ملكوته إلى قلوب عباده فيباشر أسرارهم وهو


متصل بالحضرة ثابت في قلوبهم فإذا انكشف جمال الحق له ازداد ذلك النور فيتقوى إلى أن ينبسط وينشرح الصدر ويطلع العبد على حقائق الأشياء ويتجلى له الغيب وغيب الغيب ويظهر له صدق الأنبياء وينبعث من قلبه داعية الاتباع فينضاف إلى نور معرفته أنوار الأعمال والأخلاق نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء وذلك القذف والكشف يتعلق بمراد الله في أحايين نسيم الصفات لا يقدر على كسبه نعم شرائطه مكتسبة وأما الوجود الذهني فملاحظة ذلك النور ومطالعته بالتصديق وأما الوجود اللفظي فهو الشهادتان وكما أن إيمان العوام هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان فإيمان الخواص عزوب النفس من الدنيا وسلوكه طريق العقبى وشهود القلب مع المولى وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله وإنابة الخلق إلى الفناء في الله وإخلاص السر للبقاء بالله ذوقنا الله وملائكته جمع ملأك وأصله مألك بتقديم الهمزة من الألوكة وهي الرسالة قدمت اللام على الهمزة وحذفت الهمزة بعد نقل حركتها إلى ما قبلها فصار ملك ولما جمعت ردت الهمزة وقيل قلبت ألفا وقدمت اللام وجمع على فعائل كشمأل وشمائل ثم تركت همزة المفرد لكثرة الإستعمال وألقيت حركتها إلى اللام والتاء لتأنيث الجمع أو مزيدة لتأكيد معناه أطلقت بالغلبة على الجواهر العلوية النورانية المبرأة عن الكدورات الجسمانية وهي وسائط بين الله وبين أنبيائه وخاصة أصفيائه وقال بعضهم هي أجسام لطيفة نورانية مقتدرة على تشكلات مختلفة يجوز عليهم الصعود والنزول والتسبيح لهم بمنزلة النفس منا فمشقة التكليف منتفية والمعنى نعتقد بوجودهم تفصيلا فيما علم اسمه منهم ضرورة كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وإجمالا في غيرهم وأنهم عباد مكرمون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وأن منهم كراما كاتبين وحملة العرش المقربين وأن لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع وأنهم منزهون عن


وصف الأنوثة والذكورة وأما كون الرسل أفضل منهم أو هم فلا يجب اعتقاد أحدهما فإن المسألة ظنية فإن قلت ما الموجب لدخول الإيمان بها في مفهوم الإيمان الصحيح مع أن المقصود بالذات معرفة المبدأ والمعاد فأجيب بأن الناس ينقسم إلى فطن يرى المعقول كالمحسوس ويدرك الغائب كالمشاهد وهم الأنبياء وإلى من الغالب عليهم متابعة الحس ومتابعة الوهم فقط وهم أكثر الخلائق فلا بد لهم من معلم يدعوهم إلى الحق ويذودهم عن الزيغ المطلق ويكشف لهم المغيبات ويحل عن عقولهم الشبهات وما هو إلا النبي المبعوث لهذا الأمر وهو وإن كان مشتعل القريحة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار يحتاج إلى نور يظهر له الغائب وهو الوحي والكتاب ولذلك سمي القرآن نورا ولا بد له من حامل وموصل وهو الملك المتوسط وإليه الإشارة بقوله إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا الجن فالمراد لا يصير مؤمنا إلا إذا تعلم من النبي ما يحققه بإرشاد الكتاب الواصل إليه بتوسط الملك أن له


إلها واجب الوجود فائض الجود إلى غير ذلك مما يثبت بالشرع وكتبه أي ونعتقد بوجود كتبه المنزلة على رسله تفصيلا فيما علم يقينا كالقرآن والتوراة والزبور والإنجيل وإجمالا فيما عداه وأنها منسوخة بالقرآن وأنه لا يجوز عليه نسخ ولا تحريف إلى قيام الساعة لقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون الحجر وأما كون كلام الله تعالى غير مخلوق ففيه اختلاف بين المعتزلة وأهل السنة قيل الكتب المنزلة مائة وأربعة كتب منها عشر صحائف نزلت على آدم وخمسون على شيث وثلاثون على إدريس وعشرة على إبراهيم والأربعة السابقة وأفضلها القرآن ورسله بأن تعرف أنهم بلغوا ما أنزل الله إليهم وأنهم معصومون وتؤمن بوجودهم فيمن علم بنص أو تواتر تفصيلا وفي غيرهم إجمالا وهذا الحديث يدل على ترادف الرسول والنبي فإنه كما يجب الإيمان بالرسل يجب بالأنبياء وعن الإمام أحمد عن أبي أمامة قال أبو ذر قلت يا رسول الله كم وفاء عدة الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا ا ه وهو ظاهر في التغاير وعليه الجمهور في الفرق بينهما بأن النبي إنسان بعثه الله ولو لم يؤمر بالتبليغ والرسول من أمر به فكل رسول نبي ولا عكس فلعل وجه التخصيص أن الرسول هو المقصود بالذات في الإيمان من حيث إنه مبلغ وأن الإيمان بالأنبياء إنما يعرف من جهة تبليغ الرسل فإنه لا تبليغ للأنبياء والله أعلم وهذا لا ينافي حديث أحمد قوله تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك غافر لأن المنفي هو التفصيل والثابت هو الإجمال أو النفي مقيد بالوحي الجلي والثبوت متحقق بالوحي الخفي فإن قلت ما فائدة ذكر ما بعد الرسل وما قبلهم مع أن الإيمان بهم المستلزم للإيمان بجميع ما جاؤا به يستلزم الإيمان بجميع ذلك قلت التنبيه على الترتيب الواقع فإن الله تعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول لمعرفة المبدأ والمعاد وإن الخير والشر


يجريان على العباد بمقتضى ما قدره وقضاه وأراده ولهذا قدم الملائكة لا لكونهم أفضل من الرسل لأنه مختلف ولا من الكتب إذ لم يقل به أحد وهذا الترتيب مما يقتضيه حكمة عالم التكليف والوسائط وإلا فمقام لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل معلوم لنبينا إذ فيه إشارة إلى تمكينه في وقت كشوف المشاهدة واستغراقه في بحر الوحدة حيث لا يبقى فيه أثر البشرية والكونين وهذا محل استقامته في مشهد التمكين الذي أخبر الله عنه بقوله فكان قاب قوسين أو أدنى النجم وليس هناك مقام جبريل وجميع الكروبيين ولا مقام الصفي والخليل ومن دونهم من الأنبياء وكان أكثر أوقاته كذلك لكن يرده الله إلى تأديب أمته في بعض الأوقات ليجري عليهم أحكام التلوين ولا يذوب في أنوار كبرياء الأزل واليوم الآخر أي يوم القيامة لأنه آخر أيام الدنيا وهو الأحسن ليشمل أحوال البرزخ فإنه


آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ولأنه مقدمته أو لأنه أخر عنه الحساب والجزاء وقيل هو الأبد الدائم الذي لا ينقطع لتأخره عن الأوقات المحدودة وذلك بأن تؤمن بوجوده وبما فيه من البعث الجسماني والحساب والجنة والنار وغير ذلك مما جاءت به النصوص وفي رواية البخاري والبعث الآخر فهو تأكيد كأمس الذاهب أو لإفادة تعدده فإن الأول هو الإخراج من العدم إلى الوجود أو من بطون الأمهات إلى الدنيا والثاني البعث من بطون القبور إلى محل الحشر والنشور وفي أخرى له وبلقائه وتؤمن بالبعث فاللقاء الإنتقال إلى دار الجزاء والبعث بعث الموتى من قبورهم وما بعده من حساب وميزان وجنة ونار وقد صرح بهذه الأربعة في رواية وقيل اللقاء الحساب وقيل رؤية الله تعالى وقيل المراد بالبعث بعثة الأنبياء وتؤمن أي وأن تؤمن بالقدر بفتح الدال ويسكن ما قدره الله وقضاه وإعادة العامل إما لبعد العهد كقول الشاعر لقد علم الحي اليماني أنني إذا قلت أما بعد إني خطيبها أو لشرف قدره وتعاظم أمره وقع فيه الإهتمام لأنه محار الأفهام ومزال الأقدام وقد علم عليه الصلاة والسلام أن الأمة سيخوضون فيه وبعضهم يتقونه فاهتم بشأنه ثم قرره بالإبدال بقوله خيره وشره أي نفعه وضره وزيد في رواية وحلوه ومره فإن البدل توضيح مع التوكيد المفيد للتعميم لتكرير العامل وعندي أن إعادة العامل هنا أفادت أن هذا المؤمن به دون ما سبق فإن من أنكر شيئا مما تقدم كفر بخلاف من أنكر هذا فإنه لا يخرجه عن دائرة الإسلام فيكون بمنزلة التذييل والتكميل وأما قول ابن الملك خيره وشره بدل بعض فغير ظاهر إلا أن يقال باعتبار كل من المعطوف والمعطوف عليه والأظهر أنه بدل الكل والرابطة بعد العطف والمعنى تعتقد أن الله قدر الخير والشر قبل خلق الخلائق وأن جميع الكائنات متعلق بقضاء الله مرتبط بقدره قال تعالى قل كل من عند الله النساء وهو مريد لها لقوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره


للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء الأنعام فالطاعات يحبها ويرضاها بخلاف الكفر والمعاصي قال تعالى ولا يرضى لعباده الكفر الزمر والإرادة لا تستلزم الرضا ثم القضاء هو الحكم بنظام جميع الموجودات على ترتيب خاص في أم الكتاب أولا ثم في اللوح المحفوظ ثانيا على سبيل الإجمال والقدر تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها وهو تفصيل قضائه السابق بإيجادها في المواد الجزئية المسماة بلوح المحو والإثبات كما يسمى الكتاب بلوح القضاء واللوح المحفوظ بلوح القدر في وجه هذا تحقيق كلام القاضي ولما


كان الإيمان بالقدر مستلزما للإيمان بالقضاء لم يتعرض له وذكر الراغب أن القدر هو التقدير والقضاء هو التفصيل فهو أخص ومثل هذا بأن القدر ما أعد للبس والقضاء بمنزلة اللبس ويؤيده ما ذكره الحكيم الترمذي إنه كان في البدء علم ثم ذكر ثم مشيئة ثم تدبير ثم مقادير ثم إثبات في اللوح ثم إرادة ثم قضاء فإذا قال كن فكان على الهيئة التي علم فذكر ثم شاء فدبر ثم قدر ثم أثبت ثم قضى فعلم منه أنه ما من شيء من حيث استقام في العلم الأزلي إلى أن استقام في اللوح ثم استبان إلا يتعلق به أمور من الله تعالى قال بعض العارفين إن القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب ووضع التلميذ الصبغ عليها متبعا لرسم الأستاذ هو الكسب والإختيار وهو في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر ولكنه متردد بينهما هذا والقدرية فسروا القضاء بعلمه بنظام الموجودات وأنكروا تأثير قدرة الله تعالى في أفعال المخلوقات ومعتقد أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله تعالى مرادة له ومع ذلك هي مكتسبة للعباد لأن لهم نوع اختيار في كسبها وإن رجع ذلك في الحقيقة إلى إرادته تعالى وخلقه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون وهذا أوسط المذاهب وأعدلها وأوفقها للنصوص والحق والصواب خلافا للجبرية القائلين بأن العباد مجبورون على أفعالهم إذ يلزمهم أن لا تكليف ومن اعترف منهم بهذا اللازم فهو كافر بخلاف من زعم أن سلب قدرة العبد من أصلها إنما هو تعظيم لقدرة الله تعالى عن أن يشركه فيها أحد بوجه فإنه مبتدع وخلافا للقدرية النافين للقدر وهم المعتزلة القائلون بأن العبد يخلق أفعال نفسه وأن قدرة الله تعالى لا تؤثر فيها وأن إرادته لا تتعلق بها لإستقلال قدرة العبد بالإيجاد والتأثير في أفعاله إذ يلزمهم أن له تعالى شركاء في ملكه سبحانه فمن اعتقد حقيقة الشركة قصدا فقد كفر أو


تنزيه الله تعالى عن الفعل القبيح فهو مبتدع روي أنه كتب الحسن البصري إلى الحسن بن علي رضي الله عنهم يسأله عن القضاء والقدر فكتب إليه الحسن بن علي من لم يؤمن بقضاء الله وقدره وخيره وشره فقد كفر ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر وأن الله تعالى لا يطاع استكراها ولا يعصى بغلبة لأنه تعالى مالك لما ملكهم وقادر على ما أقدرهم فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا وإن عملوا بالمعصية فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك ولو جبر الله الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب ولو جبرهم على المعصية لأسقط عنهم العقاب ولو أهملهم كان ذلك عجزا في القدر ولكن له فيهم المشيئة التي غيبها عنهم فإن عملوا بالطاعة فله المنة عليهم وإن عملوا


بالمعصية فله الحجة عليهم والسلام فهذه رسالة يظهر عليها أنوار مشكاة النبوة والرسالة ثم أعلم أن الإيمان بالقدر يستلزم العلم بتوحيد ذات الحق لأن إتيان المقدورات وأحكامها على ما هو حقها في أزمنة وأمكنة مخصوصة تدل على توحد الحكم بتقديرها المقتضي لتوحد المقدر والعلم بصفاته كسعة علمه ورحمته على العالمين وآثار قدرته وحكمته للمخلوقين ونفوذ قضائه فيهم والعلم بكمال صنعه وأفعاله وأن الحوادث مستندة إلى الأسباب الإلهية فيعلم أن الحذر لا يقطع القدر ولا ينازع أحدا في طلب شيء من اللذات ولا يأنس بها إذا وجدها ولا يغضب بسبب فوت شيء من المطالب ولا بوقوع شيء من المهارب قال الله تعالى لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم آل عمران وورد في الحديث ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك فيكون مستسلما للحق فيما أراده من القضاء المطلق وحسن الخلق مع سائر الخلق قال بعض العارفين إن الله قدر وجود مخلوقاته لمظاهر تجلي أسمائه وصفاته فلكل منها مقدار مقدر لمظاهر تجلي ما علمه الله له من الأسماء والصفات مما يليق به وهو مستعد له وبذلك يسبح له كما قال وإن من شيء إلا يسبح بحمده الإسراء ولكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والتحميد تنزيها لصانعه وحمدا له على ما أولاه من مظهريتها للصفات الجمالية والجلالية فالأشياء كلها مقادير لأسماء الله تعالى وصفاته دون ذاته فإنه لا يسعها إلا قلب المؤمن لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن ولذا قيل قلب المؤمن عرش الله وقال أبو يزيد قدس سره لو وقع العالم ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قيل أي المعهود ذهنا في الآيات القرآنية من قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى يونس وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان الرحمن وأحسنوا إن الله يحب المحسنين المائدة والأظهر أن المراد به في الآيات ما اشتمل على الإيمان والإسلام وغيرهما من


الأعمال والأخلاق والأحوال والمراد في الحديث المعنى الأخص فقيل أراد به الإخلاص فإنه شرط في صحة الإيمان والإسلام معا لأن من تلفظ بالكلمة وجاء بالعمل من غير نية إلا لخلاص لم يكن إيمانه صحيحا قاله في النهاية فكأن المخلص في الطاعة يوصل الفعل الحسن إلى نفسه والمرائي يبطل عمل نفسه والإخلاص تصفية العمل من طلب عوض وغرض عرص ورؤية رياء والأظهر أن المراد به إحسان العمل وهو إحكامه وإتقانه وهو يشمل الإخلاص وما فوقه من مرتبة الحضور مع الله تعالى ونفي الشعور عما سواه ويدل عليه الجواب قال أن تعبد الله أي توحده وتطيعه في أوامره وزواجره وفي رواية أن تخشى الله ومآلهما واحد لأن العبادة أثر الخشية وهي منتجة للعبادة وهي الطاعة مع الخضوع والمذلة قال


الراغب العبادة فعل اختياري مناف للشهوات البدنية تصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى طاعة للشريعة وقال بعض المحققين وهي الغاية القصوى من إبداع الخلق وإرساله الرسل وكلما ازداد العبد معرفة ازداد عبودية ولذا خص الأنبياء وأولو العزم بخصائص في العبادة ولا ينفك العبد عنها ما دام حيا بل في البرزخ عليه عبودية أخرى لما سأله الملكان عن ربه ودينه ونبيه وفي القيامة يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود وإذا دخل الجنة كانت عبوديته سبحانك اللهم مقرونا بأنفاسه وفي كلام الصوفية إن العبادة حفظ الحدود والوفاء بالعهود وقطع العلائق والشركاء عن شرك والفناء عن مشاهدتك في مشاهدة الحق وله ثلاث مراتب لأنه إما أن يعبده رهبة من العقاب ورغبة في الثواب وهو المسمى بالعبادة وهذه لمن له علم اليقين أو يعبده تشرفا بعبادته وقبول تكاليفه وتسمى بالعبودية وهذه لمن له عين اليقين أو يعبده لكونه إلها وكونه عبدا والإلهية توجب العبودية وتسمى بالعبودة وهذه لمن له حق اليقين والشرك رؤية ضر أو نفع مما سواه وإثبات وجود غير الله ذاتا أو صفة أو فعلا كأنك تراه مفعول مطلق أي عبادة شبيهة بعبادتك حين تراه أو حال من الفاعل أي حال كونك مشبها بمن ينظر إلى الله خوفا منه وحياء وخضوعا وخشوعا وأدبا وصفاء ووفاء وهذا من جوامع الكلم فإن العبد إذا قام بين يدي مولاه لم يترك شيئا مما قدر عليه من إحسان العمل ولا يلتفت إلى ما سواه وهذا المعنى موجود في عبادة العبد مع عدم رؤيته فينبغي أن يعمل بمقتضاه إذ لا يخفى أن من يرى من يعمل له العمل يعمل له أحسن ما يمكن عمله ولا شك أن ذلك التحسين لرؤية المعمول له العامل حتى لو كان العامل يعلم أن المعمول له ينظر إليه من حيث لا يراه يجتهد في إحسانه العمل أيضا ولذا قال فإن لم تكن تراه أي تعامله معاملة من تراه فإنه يراك أي فعامل معاملة من يراك أو فأحسن في عملك فإنه يراك وفي رواية فإن لم تره أي بأن غفلت عن


تلك المشاهدة المحصلة لغاية الكمال فلا تغفل عما يجعل لك أصل الكمال فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله بل استمر على إحسان العبادة مهما أمكن فإنه يراك أي دائما فاستحضر ذلك لتستحيي منه حتى لا تغفل عن مراقبته ولا تقصر في إحسان طاعته وحاصل الكلام فإن لم تكن تراه مثل الرؤية المعنوية فلا تغفل فإنه يراك فالفاء دليل الجواب وتعليل الجزاء لأن ما بعدها لا يصلح للجواب لأن رؤية الله للعبد حاصلة سواء رآه العبد أم لا بل الجواب محذوف استغناء عنه بالمذكور لإنه لازمه وقيل التقدير فكن بحيث إنه يراك وهو موهم قال السيد جمال الدين وليس معناه فإن لم تكن تعبد الله كأنك تراه فأعبده كأنه يراك كما ظن فإنه خطأ بين ا ه وأراد به الرد على الطيبي وبيانه أن رؤية الله تعالى لنا متحققة دائما حالة العبادة وغيرها فالتعبير بكأنه يراك خطأ والصواب فإنه يراك ووهم بعضهم أيضا فقال بعد قوله كأنك تراه أي كأنك تراه ويراك فحذف الثاني لدلالة الأول عليه وهو غلط قبيح لما تقدم فالصواب أن يقال وهو يراك


وحاصل جميع الأقوال الحث على الإخلاص في الأعمال ومراقبة العبد ربه في جميع الأحوال قال بعض العارفين الأول إشارة إلى مقام المكاشفة ومعناه إخلاص العبودية ورؤية الغير بنعت إدراك القلب عيان جلال ذات الحق وفنائه عن الرسوم فيه والثاني إلى مقام المراقبة في الإجلال وحصول الحياء من العلم بإطلاع ذي الجلال قيل المعنى فإن لم تكن بأن تكون فانيا تراه باقيا فإنه يراك في كل حال من غير نقصان وزوال وما قيل من أنه لا يساعده الرسم بالألف فمدفوع بحمله على لغة أو على إشباع حركة أو على حذف مبتدأ وهو أنت وجاز حذف الفاء من الجملة الإسمية الواقعة موقع الجزاء والمعنى أن تعبد الله في حال شعورك بوجودك لقوله تعالى وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين الحجر أي الموت بإجماع المفسرين فإذا فنيت ومت موتا حقيقيا تراه رؤية حقيقية وترتفع العبادات التكليفية و التكلفية وإذا مت موتا مجازيا ودخلت في حال الفناء وبقيت في مقام البقاء تراه رؤية مشاهدة غيبية تسقط عنك ثقل العبادات البدنية أو نفس الأعمال الظاهرية عند غلبات الجذبات الباطنية وقوله فإنه يراك متعلق بالكلام السابق وإن كان له تعلق ما أيضا باللاحق وإنما أطنبت في المقام لتخطئة بعض الشراح في ذلك الكلام ولا ينافيه ما ورد في بعض الروايات فإنك أن لا تراه فإنه يراك وفي بعضها فإن لم تره فإنه يراك فإن القائل بما تقدم ما ادعى المراد من الحديث المؤدي بالعبارة بل ذكر معنى يؤخذ من فحوى الكلام بطريق الإشارة قيل وفي قوله كأنك تراه دليل لما هو الحق من أن رؤية الله تعالى في الدنيا لا تقع لحديث مسلم واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا قال الإمام مالك لأن البصر في الدنيا خلف للفناء فلم يقدر على رؤية الباقي بخلافه في الآخرة فإنه لما خلق للبقاء الأبدي قوي وقدر على نظر الباقي سبحانه فرؤيته ليلة الإسراء بعين رأسه على القول به إما على أنه مستثنى وإما لكونه في الملكوت الأعلى الذي لا يصدق عليه


الدنيا ونزاع المعتزلة معروف في هذه المسألة هذا وقد جاء في كثير من الروايات أن جبريل هنا أيضا قال صدقت ولعل بعض الرواة لم يذكره نسيانا أو اختصارا أو اعتمادا على المذكور وفي بعض روايات صحيح مسلم وشرح السنة مسطور وقيل إنما لم يقل ههنا صدقت لأن الإحسان هو الإخلاص وهو سر من أسرار الله تعالى لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل كما جاء في الحديث المسلسل الرباني الإخلاص سر من أسراري أودعته قلب من أحببت من عبادي ا ه وما ذكر أولا هو الأولى قال فأخبرني عن الساعة أي عن وقت قيامها لما في رواية متى الساعة لا وجودها لأنه مقطوع به وقيل لأنه علم من قوله السابق واليوم الآخر وهي جزء من أجزاء الزمان عبر بها عنها وإن طال زمنها اعتبارا بأول زمانها فإنها تقع بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها أو تفاؤلا كالمفازة للمهلكة أ و لأنها عند الله كساعة عند الخلق كذا في الكشاف والساعة لغة مقدار غير معين من الزمان وعرفا جزء من أربعة وعشرين جزأ من


أوقات الليل والنهار قيل والساعة كما تطلق على القيامة وهي الساعة الكبرى تطلق على موت أهل القرن الواحد وهي الساعة الوسطى كما في قوله عليه الصلاة والسلام حين سألوه عن الساعة فأشار إلى أصغرهم إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم إذ المراد انقضاء عصرهم ولذا أضاف إليهم وعلى الموت وهي الساعة الصغرى وورد من مات فقد قامت قيامته قال ما المسؤول عنها أي عن وقتها قيل حق الظاهر أن يقول ما المسؤول عنه ليرجع الضمير إلى اللام أجيب بأنه كما يقال سألت عن زيد المسألة يقال سألته عنها وهو الإستعمال الأكثر فالضمير المرفوع راجع إلى اللام والمجرور إلى الساعة وما نافية أي ليس الذي سئل عنها بأعلم من السائل نفي أن يكون صالحا لأن يسأل عنه في أمر الساعة لأنها من مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو وقد قال تعالى أكاد أخفيها طه قيل أي عن ذاتي مبالغة على سبيل الكناية لما عرف أن المسؤول عنه يجب في الجملة أن يكون أعلم من السائل فلا يقال لا يلزم من نفي الأعلمية نفي أصل العلم عنها مع أنهما متساويان في انتفاء العلم بذلك ومساق الكلام يقتضي أن يقول لست أعلم بعلم الساعة منك لكنه عدل ليفيد العموم لأن المعنى كل سائل ومسؤول سيان في ذلك وفي رواية فنكس فلم يجبه ثم أعاد فلم يجبه شيئا ثم رفع رأسه وقال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل والباء مزيدة لتأكيد النفي قيل وما أفهمه من أنهما مستويان في العلم به غير مراد فإنهما مستويان في نفي العلم به أو في العلم بأن الله استأثر به فتعين أن المراد استواؤهما في القدر الذي يعلمانه منه وهو نفس وجودها وهذا وقع بين عيسى وجبريل أيضا إلا أن عيسى كان سائلا وجبريل مسؤولا فانتفض بأجنحته فقال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل رواه الحميدي عن سفيان عن مالك بن مغول عن إسماعيل بن رجاء عن الشعبي فإن قلت فلم سأل جبريل عن الساعة مع علمه بأنه لا يعلمها إلا هو وما التوفيق بين الآية وبين ما اشتهر


عن العرفاء من الأخبار الغيبية كما قال الشيخ الكبير أبو عبدالله في معتقده ونعتقد أن العبد ينقل في الأحوال حتى يصير إلى نعت الروحانية فيعلم الغيب وتطوى له الأرض ويمشي على الماء ويغيب عن الأبصار فالجواب أما عن الأول فلتنبيههم بذلك على أنه ليس له الجواب عما لا علم له به ولا الإستنكاف من قول لا أدري الذي هو نصف العلم كما نبههم بما له الجواب عنه مما قد سلف بحسن السؤال الذي هو نصف العلم فتم العلم بذلك وأما عن الثاني فلأن للغيب مبادي ولواحق فمباديه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل وأما اللواحق فهو ما أظهره الله على بعض أحبائه لوحة علمه وخرج ذلك عن الغيب المطلق وصار غيبا إضافيا وذلك إذا تنور الروح القدسية وازداد نوريتها وإشراقها بالإعراض عن ظلمة عالم الحس وتحلية مرآة القلب عن صدأ الطبيعة


والمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية حتى يقوى النور وينبسط في فضاء قلبه فتنعكس فيه النقوش المرتسمة في اللوح المحفوظ ويطلع على المغيبات ويتصرف في أجسام العالم السفلي بل يتجلى حينئذ الفياض الأقدس بمعرفته التي هي أشرف العطايا فكيف بغيرها قال فأخبرني عن أماراتها بفتح الهمزة جمع أمارة أي علامة وفي رواية عن أشراطها وهو جمع شرط بالفتح بمعنى العلامة والمراد شيء من علاماتها الدالة على قربها ولذا قيل أي مقدماتها وقيل صغار أمورها وفي رواية وسأخبرك وفي أخرى وسأحدثك عن أشراطها وجمع بأنه ابتدأه بقوله وسأخبرك فقال السائل فأخبرني ويدل عليه ما في رواية ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها قال أجل وفي رواية فحدثني قال أن تلد الأمة ربتها أي من جملة علاماتها أ و إحدى أماراتها ولادة الأمة مالكها ومولاها وقيل التقدير علاماتها ولادة الأمة ورؤية الجفاة فاحتاج إلى أن يقول أخبر عن الجمع باثنين لأنهما أقله كما يدل عليه جمع وتأنيثها في هذه الرواية وإن ذكر في روايات أخر باعتبار التسمية ليشمل الذكور والإناث أو فرارا من شركة لفظ رب العباد وإن جوز إطلاقه على غيره تعالى بالإضافة دون التعريف لأنه من ألفاظ الجاهلية أو أراد البنت فيعرف الابن بالأولى والإضافة إما لأجل أنه سبب عتقها أو لأنه ولدربها أو مولاها بعد الأب وفسر هذا القول كثير من الناس بأن السبي يكثر بعد اتساع رقعة الإسلام فيستولد الناس إماءهم فيكون الولد كالسيد لأمه لأن ملكها راجع إليه في التقدير وذلك إشارة إلى قوة الدين واستيلاء المسلمين وهي من الأمارات لأن بلوغ الغاية منذر بالتراجع والإنحطاط المؤذن بقيام الساعة أو إلى أن الأعزة تصير أذلة لأن الأم مربية للولد مدبرة أمره فإذا صار الولد ربها سيما إذا كان بنتا ينقلب الأمر كما أن القرينة الثانية على عكس ذلك وهي أن الأذلة ينقلبون أعزة ملوك الأرض فيتلاءم المعطوفان وهذا إخبار بتغير الزمان وانقلاب


أحوال الناس بحيث لا يشاهد قبله ويؤيده ما ورد من حديث أنه إذا ضيعت الأمانة ووسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة وقيل سمي ولدها سيدها لأن له ولاءها بإرثه له عن أبيه إذا مات أو أنه كسيدها لصيرورة مال أبيه إليه غالبا فتصير أمه كأنها أمته وقيل معناه أن الإماء تلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وأيد بأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبا من وطء الإماء ويتنافسون في الحرائر ثم انعكس الأمر سيما من أثناء دولة بني العباس ويقرب منه القول بأن السبي إذا كثر قد يسبي الولد صغيرا ثم يعتق ويصير رئيسا بل ملكا ثم يسبي أمه فيشتريها عالما


أو جاهلا بها ثم يستخدمها وقد يطؤها أو يعتقها ويتزوجها وقيل معناه فساد الأحوال بكثرة بيع أمهات الأولاد فتردد في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها أو يطأها وهو لا يعلم ويؤيده رواية بعلها وإن فسر بسيدها وقيل معناه الإشارة إلى كثرة عقوق الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الخدمة وغيرها وخص بولد الأمة لأن العقوق فيه أغلب وعبر في رواية البخاري بإذا بدل أن المفتوحة إشارة إلى تحقق الوقوع ولذلك قالوا يقال إذا قامت القيامة ولا يقال إن بالكسر لأنه كفر لإشعاره بالشك قال ابن حجر وفي جزمهم بأن ذلك كفر نظر ويتعين حمله على من عرف هذا المعنى واعتقده وإلا فكثيرا ما يستعمل إن موضع إذا وبالعكس لأغراض بينت في علم المعاني وأن ترى خطاب عام ليدل على بلوغ الخطب في العلم مبلغا لا يختص به رؤية راء الحفاة بضم الحاء جمع الحافي وهو من لا نعل له العراة جمع العاري وهو صادق على من يكون بعض بدنه مكشوفا مما يحسن وينبغي أن يكون ملبوسا العالة جمع عائل وهو الفقير من عال يعيل إذا افتقر أو من عال يعول إذا افتقر وكثر عياله رعاء الشاء بكسر الراء والمد جمع راع كتاجر وتجار والشاء جمع شاة والأظهر أنه اسم جنس وفي رواية الإبل البهم بضم الباء أي السود وهو بجر الميم ورفعها وصفا للرعاة جمع بهيم فيكون كناية عن جهلهم وأنه لا يعرف لهم أصل من أبهم الأمر إذا لم يعرف حقيقته وقال القرطبي الأولى حمله على سواد اللون لأن الأدمة غالب ألوان العرب أو للإبل جمع بهماء إذ السود شرها عندهم وخيرها عندهم الحمر ومن ثم ورد خير من حمر النعم وفي رواية البهم بفتح الباء ولا وجه له مع ذكر الإبل بل مع حذفه الذي هو رواية مسلم إذ هو جمع بهمة وهي صغار الضأن والمعز ورجحت هذه على تلك لأن رعاء الغنم أضعف أهل البادية بخلاف رعاء الإبل فإنهم أهل فخر وخيلاء يتطاولون في البنيان أي يتفاضلون في ارتفاعه وكثرته ويتفاخرون في حسنه وزينته وهو مفعول ثان إن


جعلت الرؤية فعل البصيرة أو حال أن جعلتها فعل الباصرة ومعناه إن أهل البادية وأشباههم من أهل الفاقة تبسط لهم الدنيا ملكا أو ملكا فيتوطنون البلاد ويبنون القصور المرتفعة ويتباهون فيها فهو إشارة إلى تغلب الأراذل وتذلل الأشراف وتولي الرياسة من لا يستحقها أو تعاطي السياسة من لا يستحسنها كما أن قوله أن تلد الأمة ربتها إشارة إلى عكس ذلك وقيل كلاهما إشارة إلى اتساع دين الإسلام فيتناسب المتعاطفان في الكلام ولعل تخصيصهما لجلالة خطبهما ونباهة شأنهما وقرب وقوعهما ويحتمل أن تكون الأولى إيماء إلى كثرة الظلم والفسق والجهل وبلوغها مبالغ العليا والثانية إلى غلبة محبة الدنيا ونسيان منازل العقبى ويقال تطاول الرجل إذا تكبر فلا يرد ما ذكره ابن حجر من قوله التفاعل فيه بين أفراد العراة الموصوفين بما ذكر


لا بينهم وبين غيرهم ممن كان عزيزا فذل خلافا لمن وهم فيه وقال المعنى أن أهل البادية العارين عن القيام بالديانة يسكنون البلاد ويتخذون القصور الرفيعة ويتكبرون على العباد والزهاد وحاصل الكلام أن انقلاب الدنيا من النظام يؤذن بأن لا يناسب فيها المقام فلا عيش إلا عيش الآخرة عند العقلاء الكرام كما أنشدت الملكة حرقة بنت النعمان لما سبيت وأحضرت عند سعد بن أبي وقاص فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها تقلب تارات بنا وتصرف فهنيئا لمن جعل الدنيا كساعة واشتغل فيها بالطاعة قياما بأمر الحبيب فإن كل ما هو آت قريب قال تعالى إقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون الأنبياء قال أي عمر ثم انطلق أي السائل فلبثت أي أنا وفي رواية فلبث أي هو مليا بفتح الميم وتشديد الياء من الملاوة إذا المهموز بمعنى الغنى أي زمانا أو مكثا طويلا وبينته رواية أبي داود والنسائي والترمذي قال عمر فلبثت ثلاثا وفي رواية للترمذي فلقيني النبي بعد ثلاث وفي أخرى فلبثت ليالي فلقيني النبي بعد ثلاث وفي أخرى لابن حبان بعد ثالثة وفي أخرى لابن منده بعد ثلاثة أيام وفي ورود هذه الروايات رد على من وهم أن رواية ثلاثا مصحفة من رواية مليا والمعنى أني لم أستخبر منه عليه الصلاة والسلام مهابة وفي شرح مسلم وهذا مخالف لرواية أبي هريرة من أنه عليه الصلاة والسلام ذكره في المجلس اللهم إلا أن يقال إن عمر لم يحضر في الحال بل قام فأخبر الصحابة ثم أخبر عمر بعد ثلاثة أيام ثم قال لي يا عمر أتدري أي أتعلم وفي العدول نكتة لا تخفى من السائل أي ما يقال في جواب هذا السؤال قلت الله ورسوله أعلم لأن الأمارات السابقة والتعجب أوقعهم في التردد أهو بشر أم ملك وهذا القدر يكفي في الشركة على أن اسم التفضيل كثيرا يراد به أصل الفعل من غير شركة قال فإنه جبريل أي إذا فوضتم العلم


إلى الله ورسوله فإنه جبريل على تأويل الإخبار أي تفويضكم ذلك سبب للإخبار به وقرينة المحذوف قوله الله ورسوله أعلم فالفاء فصيحة لأنها تفصح عن شرط محذوف وأكد الكلام لأن السائل طالب متردد وفي رواية ردوه فأخذوا ليردوه فما رأوا شيئا قال القاضي وجبريل ملك متوسط بين الله ورسله ومن خواص الملك أن يتمثل للبشر فيراه جسما ا ه قيل والسر في التوسط أن المكالمة تقتضي مناسبة بين المتخاطبين فاقتضت الحكمة توسط جبريل ليتلقف


الوحي بوجهه الذي في عالم القدرة من الله سبحانه تلقفا روحانيا أو من اللوح ويلقيه بوجهه الذي في عالم الحكمة إلى النبي فربما ينزل الملك إلى صورة البشر وربما يرتقي النبي إلى رتبة الملكية ويتعرى عن الكسوة البشرية فيرد الوحي على القلب في لبسة الجلال وأبهة الكبرياء والكمال ويأخذ بمجامعه فإذا سري عنه وجد المنزل ملقى في الروع كما في المسموع وهذا معنى قوله أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ثم جبريل بكسر الجيم وفتحها مع كسر الراء بعدها ياء وبفتحها وهمزة مكسورة مع ياء وتركها أربع لغات متواترات والأول أشهر وأكثر أتاكم استئناف بيان أو خبر لجبريل على أنه ضمير الشأن يعلمكم دينكم جملة حالية من الضمير المرفوع في أتاكم أي عازما تعليمكم فهو حال مقدرة لأنه لم يكن وقت الإتيان معلما أو مفعول له بتقدير اللام كما في رواية والمراد تثبيتهم على علمهم وتقريره بطريق السؤال والجواب ليتمكن غاية التمكن في نفوسهم لأن المحصول بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب وإسناد التعليم إليه مجاز لأنه السبب وأضاف الدين إليهم لأنهم المختصون بالدين القيم دون سائر الناس أو الخطاب مخصوص بالصحابة خصوصا أو عموما فإن سائر الناس يأخذون دينهم منهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين وفيه إيماء إلى أن الإيمان والإسلام والإحسان يسمى دينا فقوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام آل عمران المراد به الكامل وكذا قوله عز وجل ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه آل عمران وفي رواية أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا وفي أخرى والذي بعث محمدا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم وإنه لجبريل وفي أخرى ثم ولى فلما لم ير طريقه قال النبي سبحان الله هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم خذوا عنه فوالذي نفسي بيده ما شبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى رواه مسلم أي عن عمر ورواه


البخاري في كتاب الزكاة مع تغيير كذا قاله بعض شراح الأربعين وقال ابن حجر ولم يخرجه البخاري عن عمر لاختلاف فيه على بعض رواته وقال السيد جمال الدين وقد رواه البزاز في مسنده من طريق أنس بن مالك وأبو عوانة الإسفراييني في صحيحه من طريق جرير بن عبد الله البجلي والنسائي في سننه من طريق أبي ذر الغفاري وأحمد بن حنبل في مسنده من طريق ابن عباس وكل واحد من الطرق مشتمل على فوائد غزيرة وفرائد كثيرة لم توجد في طريق عمرو أبي هريرة وهذا حديث جليل سمي حديث جبريل وأم الأحاديث وأم الجوامع لأنه متضمن للشريعة والطريقة والحقيقة بيانا إجماليا على الوجه الأتم الذي علم تفاصيلها من السنن النبوية والشرائع المصطفوية على صاحبها ألوف التحية كما أن فاتحة الكتاب تسمى أم القرآن وأم الكتاب لاشتمالها على المعاني القرآنية والحكم الفرقانية بالدلالات الإجمالية فحديث إنما الأعمال


بالنيات بمنزلة البسملة وهذا الحديث بمنزلة الفاتحة المصدرة بالحمدلة وهذا وجه وجيه وتنبيه نبيه لاختيارهما في صدر الكتاب ومفتتح الأبواب ورواه أبو هريرة أي هذا الحديث أيضا مع اختلاف أي بين بعض ألفاظهما وفيه أي في مروي أبي هريرة ردوا علي الرجل فأخذوا يرادونه فلم يروا شيئا فأخبرهم أنه جبريل ذكره ابن حجر وتقدم الجمع عن النووي مع أن كون هذا الإخبار في المجلس غير صريح فلا ينافي ما تقدم من إعلام عمر بعد ثلاثة أيام في الصحيح وفيه أيضا وإذا رأيت الحفاة العراة الصم أي عن قبول الحق البكم أي عن النطق بالصدق جعلوا لبلادتهم وحماقتهم وعدم تمييزهم كأنه أصيبت مشاعرهم مع كونها سليمة تدرك ما ينتفعون به ملوك الأرض منصوب على أنه مفعول ثان لرأيت أو على أنه حال والمراد بأولئك أهل البادية لما في رواية قال ما الحفاة العراة قال العريب مصغر العرب في خمس هو في موضع النصب على الحال أي تراهم ملوك الأرض متفكرين في خمس كلمات إذ من شأن الملوك الجهال التفكر في أشياء لا تعنيهم ولا تغنيهم أو متعلق بأعلم أي ما المسؤول عنها بأعلم من السائل في علم خمس فإن العلم بها مختص به تعالى وفيه إشارة ظاهرة إلى إبطال الكهانة والتنجيم ونحوهما من كل ما فيه تسور على علم شيء كلي أو جزئي من هذه الخمس وإرشاد للأمة وتحذير لهم عن إتيان من يدعي علم الغيب لقوله تعالى قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله النمل فإن قلت قد أخبر الأنبياء والأولياء بشيء كثير من ذلك فكيف الحصر قلت الحصر باعتبار كلياتها دون جزئياتها قال تعالى فلا يظهر على غيبة أحدا إلا من ارتضى من رسول الجن بناء على اتصال الإستثناء الذي هو الأصل وأخرج أحمد عن ابن مسعود أوتي نبيكم علم كل شيء سوى هذه الخمس وأخرجه عن ابن عمر بنحوه مرفوعا وقال القرطبي من ادعى علم شيء منها غير مستند إليه عليه الصلاة والسلام كان كاذبا في دعواه قال وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره


إذا كان
عن أمر عادي وليس ذلك بعلم وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجعل وإعطائها في ذلك ا ه ويؤيده ما أخرجه حميد بن زنجويه أن بعض الصحابة ذكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهور ه فأنكر عليه فقال إنما الغيب خمس وتلا هذه الآية وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم ا ه وما ذكره بعض الأولياء من باب الكرامة بإخبار بعض الجزئيات من مضمون كليات الآية فلعله بطريق المكاشفة أو الإلهام أو المنام التي هي ظنيات لا تسمى علوما يقينيات وقيل الجار متعلق بمقدر أي ذكر الله ذلك في خمس أو تجد علم ذلك في خمس وقيل في بمعنى مع وقيل بمعنى من أي من جملة خمس وقيل هو مرفوع المحل على الخبرية أي الساعة ثابتة أو معدودة في خمس ويؤيده رواية هي في خمس من الغيب أي علم وقت الساعة مندرج في جملة خمس كلمات لا يعلمهن إلا الله كما أفاده تقديم عنده في الآية الآتية إذ الظرف خبر مقدم لإفادة الحصر لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر وعطف ينزل وما بعده بتقدير أن المصدرية على الساعة وجملة وما تدري المقصود منهما إثبات ذلك المنفي عن الغير فيهما لله تعالى وهذا كله إنما يحتاج إليه إن لم يفسر الخمس بمفاتيح الغيب في قوله تعالى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الأنعام وأما إذا فسرت بها فالحصر جلي لا يحتاج إلى الإستدلال عليه وأعلم أن الجواب تضمن زيادة على السؤال اهتماما بذلك وإرشادا للأمة لما يترتب على ذلك من المصلحة الكثيرة الفوائد العظيمة العوائد ثم قرأ أي النبي إن الله عنده علم الساعة أي آية تلك الخمس بكمالها كما دل عليه السياق بيانا لها ويحتمل أن يكون فاعل قرأ أبو هريرة فتكون الآية استشهادا ومصداقا للحديث وينزل الغيث قرىء بالتشديد والتخفيف أي وهو ينزل المطر الذي يغيث الناس في أمكنته وأزمنته لا يعلمها إلا هو الآية من قول أحد الرواة بالنصب على تقدير أعني أو يعني أو اقرأ أو قرأ أو على أنه بدل مما قبله وبالرفع أي


الآية معلومة مشهورة إذا قرأها وقيل بالجر والتقدير قرأ أو اقرأ إلى الآية أي آخرها وفي رواية لمسلم إلى خبير وأخرى للبخاري إلى الأرحام والأولى أولى لأن فيها زيادة ثقة وإفادة والروايتان تدلان على أن لفظة الآية ليست من قول المصنف كما ظن بعضهم وتمامها ويعلم ما في الأرحام أي وهو يعلم تفصيل ما في أرحام الإناث من ذكر أو أنثى وواحد ومتعدد وكامل وناقص ومؤمن وكافر وطويل وقصير وغير ذلك قال الله تعالى الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام أي تنقص وما تزداد أي من مدة الحمل والجثة والعدد وكل شيء عنده بمقدار الرعد أي بقدر وحد لا يتجاوزه وعدل عن العلم في قوله وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت لقمان لأن الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه مختصا بها ولم يقع منه على علم كان عدم إطلاعها على غير ذلك من باب أولى والمراد بالنفس ذات النفس أو ذات الروح


وبهذين المعنيين لا يجوز إطلاق النفس على الله تعالى ولذا قيل بالمشاكلة في قوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك المائدة وأما إذا أريد بها الذات المطلق فيصح إطلاقه على الله تعالى كما ورد سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك إن الله عليم أي بهذه الأشياء من جزئياتها وكلياتها خصوصا وبغيرها عموما خبير أي بباطنها كما أنه عالم بظاهرها أو معناه يخبر ببعضها من جزئياتها لبعض عباده المخصوصين وقد أخبر في مواضع كتابه أن علم الساعة مما استأثر الله تعالى به وفي رواية ثم أدبر فقال ردوه فلم يروا شيئا متفق عليه أي اتفق الشيخان على مروي أبي هريرة الذي فيه هذه الزيادة لكن استدركه ميرك وقال إلا أن البخاري لم يقل الصم البكم ملوك الأرض بل قال في كتاب الإيمان وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان وفي كتاب التفسير وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذلك من أشراطها وأخرجه أبو داود والنسائي بمعناه وعن أي وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير وأول مشاهدة الخندق على الصحيح وكان من أهل الورع والعلم والزهد قال جابر ما من أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها ما خلا عمر وابنه عبد الله وقال نافع ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد ولد قبل الوحي بسنة ومات سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر وكان أوصى أن يدفن في الحل فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين وكان الحجاج قد أمر رجلا فسم زج رمحه وزاحمه في الطريق ووضع الزج في ظهر قدمه وذلك أن الحجاج خطب يوما وأخر الصلاة فقال ابن عمر أن الشمس لا تنتظرك فقال له الحجاج لقد هممت أن أضرب الذي في عينك قال لا تفعل فإنك سفيه مسلط وقيل إنه أخفى قوله ذلك عن الحجاج ولم يسمعه وكان يتقدمه في المواقف بعرفة وغيرها إلى المواضع التي كان النبي وقف فيها وكان ذلك يعز على الحجاج والحاصل أنه كان يخاف عليه أن يدعي


الخلافة فحصل له الشهادة وله أربع وثمانون
سنة روى عنه خلق كثير قال قال رسول الله بني الإسلام هو اسم للشريعة دون الإيمان وقد يطلق على الإذعان بالقلب والإستسلام بجميع القوى والجوارح في كل الأحوال وهو الذي أمر به إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال له ربه أسلم وهذا أخص من الأول والمراد به الإسلام الكامل لأن حقيقته مبنية على الشهادتين فقط وإنما اقتصر على بيان أركانه مع إيماء إلى بقية شعب إيمانه فلا يتوجه ما قيل إنما يصح الحديث على مذهب الشافعي وغيره من أن الإسلام عبارة عن مجموع الثلاث على خمس أي خمس دعائم كما في رواية أو خصال أو قواعد وفي رواية لمسلم بالتاء أي خمسة أشياء أو أركان أو أصول وإنما جاز هنا لحذف المعدود شبهت حالة الإسلام مع أركانه الخمس على وجه الدوام بحال خباء أقيم على خمسة أعمدة وقطبها الذي تدور عليه الأركان هي الشهادة الناشئة عن صميم القلب الشاهد عليه لفظ الشهادة المشبهة بالعمود الوسط للخيمة وبقية شعب الإيمان بمنزلة الأوتاد للخباء قال الحسن رضي الله عنه في مجمع شهود جنازة للفرزدق ما أعددت لهذا المقام فقال شهادة أن لا إله إلا الله منذ كذا سنة فقال الحسن هذا العمود فأين الأطناب وهو تمثيل شبه الإسلام بخيمة عمودها كلمة التوحيد والأطناب الأعمال الصالحة شهادة أن لا إله إلا الله بالجر وهو الأشهر على أنه عطف بيان أو بدل من خمس بدل كل وهو مجموع المجرورات المتعاطفة من كل ويصح أن يكون بدل بعض مع ملاحظة الربط قبل العطف لعدم الرابط وبالنصب على تقدير أعني وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو هي أو أحداها أو على أنه مبتدأ خبره محذوف أي منها شهادة أن لا إله إلا الله وأن مخففة ولا نافية للجنس وإله اسمها ركب معها تركيب خمسة عشر ففتحته فتحة بناء لا إعراب خلافا للزجاج حيث زعم أنه نصب بها لفظا وخبرها محذوف اتفاقا تقديره موجود إن أريد بالإله المعبود بحق وإلا فتقديره معبود بحق وإلا حرف


استثناء وقيل بمعنى غير وهي مع ما بعدها صفة إله وخبره محذوف وجوز نصب الجلالة نعتا لإله على أن إلا بمعنى غير وقيل على الإستثناء والله مرفوع على البدلية من ضمير الخبر المستتر فيه وقيل بدل من اسم لا باعتبار محله قبلها وقيل على أنه خبر لا وأن محمدا عبده أي الكامل ورسوله أي المكمل ولتلازم الشهادتين شرعا جعلتا خصلة واحدة واقتصر في رواية على إحدى الشهادتين اكتفاء أو نسيانا قيل وأخذ من جمعهما كذلك في أكثر الروايات أنه لا بد في صحة الإسلام من الإتيان بهما على التوالي والترتيب وإقام الصلاة أي المفروضة وحذفت تاء الإقامة المعوضة عن عين الفعل المحذوفة عند الإضافة لطول العبارة هذا هو التحقيق على ما قاله الزجاج وقيل هما مصدران


وإيتاء الزكاة أي إعطائها وتمليكها لمصارفها والمراد بها الصدقة المكتوبة والحج بفتح الحاء وكسرها مصدران وفي رواية وحج البيت أي قصده لأداء النسك فاللام عوض عن المضاف إليه وقيل اللام للعهد الذهني والواو لمطلق الجمع فلا يرد أن الصوم فرض قبل الزكاة وهي قبل الحج ولعل النكتة في التقديم الذكري هي الإشارة إلى أن العبادة إما بدنية فقط أو مالية فقط أو مركبة منهما أو إيماء إلى أن الطاعة المثلثة إما يومية أو سنوية أو عمرية ولم يذكر الإستطاعة لشهرتها أو لاعتبارها في كل طاعة وصوم رمضان أي أيامه بشرائط وأركان معلومة قيل فيه حذف شهر وفيه أن رمضان اسم للشهر وقوله تعالى شهر رمضان البقرة إضافته بيانية وقد ورد في بعض الروايات تقديمه على الحج وكلاهما صحيح لما تقدم ولذا قدم البخاري كتاب الحج على الصوم والجمهور أخروه عن جميع العبادات لكون وجوبه يتعلق بآخر العمر قال النووي ذكر البخاري هذا الحديث في مفتتح كتاب الإيمان ليبين أن الإسلام يطلق على الأفعال وأن الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنى واحد وقال ابن حجر وجه ذكر الأربعة الأخيرة مع الشهادتين وإن توقف الدخول في الإسلام عليهما فقط التنبيه على تعظيم شأنها وأنها أظهر شعائر الإسلام إذ بها يتم الإستسلام وبترك بعضها ينحل قيد الإنقياد وإن لم يؤد إلى كفر حيث لا إنكار إجماعا إلا ما جاء عن أحمد وغيره في ترك الصلاة فإنه لدليل خاص كقوله عليه الصلاة والسلام من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ولم يذكر الجهاد لأنه فرض كفاية إلا في بعض الأحوال والكلام في فروض العين التي هي أعظم شعائر الإسلام ولهذا زيدفي آخره في رواية وأن الجهاد من العمل الحسن قيل وجه الحصر في تلك الخمسة أن العبادة إما فعل أو ترك الثاني الصوم والأول إما لساني وهو الشهادتان أو بدني وهو الصلاة أو مالي وهو الزكاة أو مالي وبدني وهو الحج وقدمت الشهادتان لأنهما الأصل ثم الصلاة لأنها العماد الأعظم ومن ثم جاء في


حديث وعمودها الصلاة وفي حديث الصلاة عماد الدين وقال تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر العنكبوت ولذا سميت أم العبادات كما سميت الخمر أم الخبائث ثم الزكاة لأنها قرينتها في مواضع من القرآن وللمناسبة البدنية والمالية في القرآن ثم الحج لكونه مجمعا للعبادتين ومحلا للمشقتين ولأن تاركه من غير عذر على مدرجة خاتمة السوء كما يدل عليه الحديث الذي اختلف في ضعفه وصحته من استطاع الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ويدل على أصالة الحديث قوله تعالى ومن كفر فإن الله غني عن العالمين آل عمران حيث وضع من كفر موضع من لم يحج مع إفادة مبالغة التهديد في قوله عن العالمين حيث عدل


عن عنه وأما تأخيره عن الصوم كما في رواية صحيحة فرعاية للترتيب فإن الصوم فرض في السنة الثانية والحج فرض سنة خمس أو ست أو ثمان أو تسع متفق عليه ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي أيضا والأحاديث الثلاثة المتقدمة من جملة الأحاديث الأربعينية النووية وعن أبي هريرة رضي الله عنه تصغير هرة قال المؤلف قد اختلف الناس في اسم أبي هريرة ونسبه اختلافا كثيرا وأشهر ما قيل فيه أنه كان في الجاهلية عبد شمس أو عبد عمرو وفي الإسلام عبد الله أو عبد الرحمن وهو دوسي قال الحاكم أبو أحمد أصح شيء عندنا في اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر وغلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم له أسلم عام خيبر وشهدها مع النبي ثم لزمه وواظب عليه راغبا في العلم راضيا بشبع بطنه وكان يدور معه حيثما دار وكان من أحفظ الصحابة قال البخاري روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل ما بين صحابي وتابعي فمنهم ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس قيل سبب تلقيبه بذلك ما رواه ابن عبد البر عنه أنه قال كنت أحمل يوما هرة في كمي فرآني رسول الله فقال ما هذه فقلت هرة فقال يا أبا هريرة وفي رواية ابن إسحاق وجدت هرة وحملتها في كمي فقيل لي ما هذه فقلت هرة فقيل لي أنت أبو هريرة ورجح بعضهم الأول وقيل وكان يلعب بها وهو صغير وقيل كان يحسن إليها وقيل المكني له بذلك والده ثم جر هريرة هو الأصل وصوبه جماعة لأنه جزء علم واختار آخرون منع صرفه كما هو الشائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم لأن الكل صار كالكلمة الواحدة واعترض بأنه يلزم عليه رعاية الأصل والحال معا في كلمة واحدة بل في لفظة لأن أبا هريرة إذا وقعت فاعلا مثلا فإنها تعرب إعراب المضاف إليه نظرا للحال ونظيره خفي وأجيب بأن الممتنع رعايتهما من جهة واحدة لا من جهتين كما هنا وكان الحامل عليه الخفة واشتهار الكنية حتى نسي الاسم الأصلي بحيث اختلف فيه اختلافا كثيرا حتى قال النووي اسمه عبد الرحمن بن


صخر على الأصح من خمسة وثلاثين قولا وبلغ ما رواه خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وستين والصحيح أنه توفي بالمدينة سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين ودفن بالبقيع وما قيل إن قبره بقرب عسفان لا أصل له كما ذكره السخاوي وغيره قال قال رسول الله الإيمان أي ثمراته وفروعه فأطلق الإيمان وهو التصديق والإقرار عليها مجازا لأنها من حقوقه ولوازمه بضع وسبعون وفي رواية بضعة والباء مكسورة فيهما وقد تفتح وهي القطعة ثم استعملا في العدد لما بين الثلاثة والعشرة وفي القاموس هو ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس أو ما بين الواحد إلى الأربعة أو من أربع إلى تسع أو هو سبع ا ه ويؤيده أنه جاء في بعض الروايات سبع وسبعون والذي في الأصل هو رواية مسلم جرى عليها أبو داود والترمذي والنسائي ورواية البخاري بضع وستون ورجحت بأنها المتيقن وصوب القاضي عياض الأولى بأنها التي في سائر الأحاديث ورجحها جماعة منهم النووي بأن فيها زيادة ثقات واعترضه الكرماني بأن زيادة الثقة أن يزاد لفظ في الرواية وإنما هذا من اختلاف الروايتين مع عدم تناف بينهما في المعنى إذ ذكر الأقل لا ينفي الأكثر وأنه أخبر أولا بالستين ثم أعلم بزيادة فأخبر بها ويجاب بأن هذا متضمن للزيادة كما اعترف به الكرماني فصح ما قاله النووي والأظهر والله أعلم أن المراد به التكثير لا التحديد ويحمل الاختلاف على تعدد القضية ولو من جهة راو واحد وقوله شعبة هي في الأصل غصن الشجر وفرع كل أصل وأريد بها هنا الخصلة الحميدة أي الإيمان ذو خصال متعددة وفي رواية صحيحة بضع وسبعون بابا وفي أخرى أربع وستون بابا أي نوعا من خصال الكمال وفي أخرى ثلاث وثلاثون شريعة من وافى الله بشريعة منها دخل الجنة وروى ابن شاهين أن لله تعالى مائة خلق من أتى بخلق منها دخل الجنة وفسرت بنحو الحياء والرحمة والسخاء والتسامح وغيرها من أخلاقه تعالى المذكورة في أسمائه الحسنى وصفاته العليا فأفضلها الفاء


تفصيلية أو تفريعية وقيل إنها جزائية يقال لها الفصيحة أي إذا كان الإيمان ذا شعب فأفضلها قول لا إله إلا الله أي هذا الذكر فوضع القول موضعه ويؤيده ما ورد بلفظ أفضل الذكر لا إله إلا الله لا موضع الشهادة لأنها من أصله لا من شعبه والتصديق القلبي خارج عنها بالإجماع كذا قيل وهو مبني على جعل الإقرار شطر الإيمان وأما على القول بأنه شرط فلا مانع من أن يكون المراد بالقول الشهادة لإنهائه عن التوحيد المتعين على كل مكلف الذي لا يصح غيره إلا بعد صحته فهو الأصل الذي يبنى


عليه سائر الشعب أو لتضمنه شرعا معنى التوحيد الذي هو التصديق والتزامه عرفا سائر العبادات على التحقيق ويجوز أن يكون المراد أنه أفضلها من وجه وهو أنه يوجب عصمة الدم والمال لا أنه أفضل من كل الوجوه وإلا يلزم أن يكون أفضل من الصوم والصلاة وليس كذلك ويجوز أن يقصد الزيادة المطلقة لا على ما أضيف إليه أي المشهور من بينها بالفضل في الأديان قول لا إله إلا الله وأدناها أي أقربها منزلة وأدونها مقدارا ومرتبة بمعنى أقربها تناولا وأسهلها تواصلا من الدنو بمعنى القرب فهو ضد فلان بعيد المنزلة أي رفيعها ومن ثم رواه ابن ماجة مكان أفضلها بلفظ فأرفعها وفي رواية فأقصاها أو من الدناءة أي أقلها فائدة لأنها دفع أدنى ضرر إماطة الأذى أي إزالته وهو مصدر بمعنى المؤذي أو مبالغة أو اسم لما يؤذى به كشوكة أو حجر أو قذر قال الحسن البصري في تفسير الأبرار هم الذين لا يؤذون الذر ولا يرضون الضر وفي رواية إماطة العظم أي مثلا عن الطريق وفي طريق أهل التحقيق أريد بالأذى النفس التي هي منبع الأذى لصاحبها وغيره فالشعبة الأولى من العبادات القولية والثانية من الطاعات الفعلية أو الأولى فعلية والثانية تركية أو الأولى من المعاملة مع الحق والثانية من المجاملة مع الخلق أو الأولى من التعظيم لأمر الله والثانية من الشفقة على خلق الله أو الأولى من القيام بحق الله والثانية من القيام بحق العباد فمن قام بهما صدقا كان من الصالحين حقا والحياء بالمد شعبة أي عظيمة من الإيمان أي من شعبه والمراد به الحياء الإيماني وهو خلق يمنع الشخص من الفعل القبيح بسبب الإيمان كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس لا النفساني الذي خلقه الله في النفوس وهو تغير وانكسار يعتري المرء من خوف ما يلام ويعاب عليه وإنما أفرد من سائر الشعب لأنه الداعي إلى الكل فإن الحي يخاف فضيحة الدنيا وفظاعة العقبى فينزجر عن المناهي ويرتدع عن الملاهي ولذا قيل حقيقة الحياء أن


مولاك لا يراك حيث نهاك وهذا مقام الإحسان المسمى بالمشاهدة الناشىء عن حال المحاسبة والمراقبة فهذا الحديث الجليل مجمل حديث جبريل فأفضلها مشير إلى الإيمان وأدناها مشعر إلى الإسلام والحياء موم إلى الإحسان ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا لنستحي من الله حق الحياء يا رسول الله والحمد لله قال ليس ذلك ولكن الإستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى ويذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى فمن يعمل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء رواه الترمذي وصح الحياء خير كله قال ابن حبان تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على البضع والسبعين شيئا كثيرا فرجعت إلى السنة فعددت كل طاعة عدها رسول الله من الإيمان فإذا


هي تنقص فضممت ما في الكتاب والسنة فإذا هي سبع وسبعون فعلمت أنه المراد قال السيوطي قد تكلف جماعة عدها بطريق الإجتهاد يعني البيضاوي والكرماني وغيرهما وأقربهم عدا ابن حبان حيث ذكر كل خصلة سميت في الكتاب أو السنة إيمانا وقد تبعه شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر في شرح البخاري وتبعناهما وذلك الإيمان بالله وصفاته وحدوث ما دونه وبملائكته وكتبه ورسله والقدر وباليوم الآخر ومحبة الله والحب في الله والبغض فيه ومحبة النبي واعتقاد تعظيمه وفيه الصلاة عليه وإتباع سنته والإخلاص وفيه ترك الرياء والنفاق والتوبة والخوف والرجاء والشكر والوفاء والصبر والرضا بالقضاء والحياء والتوكل والرحمة والتواضع وفيه توقير الكبير ورحمة الصغير وترك الكبر والعجب وترك الحسد والحقد وترك الغضب والنطق بالتوحيد وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه والدعاء والذكر وفيه الاستغفار واجتناب اللغو والتطهر حسا وحكما وفيه اجتناب النجاسات وستر العورة والصلاة فرضا ونفلا والزكاة كذلك وفك الرقاب والجود وفيه الإطعام والضيافة والصيام فرضا ونفلا والإعتكاف والتماس ليلة القدر والحج والعمرة والطواف والفرار بالدين وفيه الهجرة والوفاء بالنذر والتحري في الإيمان وأداء الكفارات والتعفف بالنكاح والقيام بحقوق العيال وبر الوالدين وتربية الأولاد وصلة الرحم وطاعة السادة والرفق بالعبيد والقيام بالإمرة مع العدل ومتابعة الجماعة وطاعة أولي الأمر والإصلاح بين الناس وفيه قتال الخوارج والبغاة والمعاونة على البر وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والجهاد وفيه المرابطة وأداء الأمانة ومنها الخمس والقرض مع وفائه وإكرام الجار وحسن المعاملة وفيه جمع المال من حله وإنفاق المال في حقه وفيه ترك التبذير والسرف ورد السلام وتشميت العاطس وكف الضرر عن الناس واجتناب اللهو وإماطة الأذى عن الطريق ا ه ما ذكره السيوطي في كتابه النقاية وأدلتها مذكورة في شرحها


إتمام الدراية وتجيء في هذا الكتاب متفرقة ولكن ذكرتها لك مجملة لتتأمل فيها مفصلة فما رأيت نفسك متصفة بها فاشكر الله على ذلك وما رأيت على خلافها فاطلب من الله التوفيق على تحصيل ما هنالك لأن من وجدت فيه هذه الشعب فهو مؤمن كامل ومن نقص منه بعضها فهو مؤمن ناقص وأغرب النووي حيث قال الحديث نص في إطلاق اسم الإيمان الشرعي على الأعمال وتعقبه ابن حجر وقال تمسك به القائلون بأن الإيمان فعل جميع الطاعات والقائلون بأنه مركب من الإقرار والتصديق والعمل وليس كما زعموا لأن الكلام في شعب الإيمان لا في ذاته إذ التقدير شعب الإيمان حتى يصح الإخبار عنه بسبعون شعبة إذ يرجع حاصله في الحقيقة إلى أن شعب الإيمان كذا وشعب الشيء غيره ا ه وفي الحديث تشبيه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشعب كما أن في القرآن تشبيه الكلمة الدالة على حقيقة الإيمان بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء أي أصلها ثابت في القلب وفرعها أي شعبها مرفوعة في السماء متفق عليه قال ميرك وفيه نظر لأن قوله بضع وسبعون شعبة من أفراد مسلم


وفي البخاري بضع وستون شعبة وكذا قوله فأفضلها إلى قوله عن الطريق من أفراد مسلم فلا يكون متفقا عليه ورواه الأربعة أيضا إلا أن الترمذي أسقط قوله والحياء شعبة من الإيمان ا ه وذكر العيني أن قوله بضع وسبعون من طريق أبي ذر الهروي وقال السيوطي بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة رواه البخاري هكذا على الشك من حديث أبي هريرة ورواه أصحاب السنن الثلاثة بلفظ بضع وسبعون بلا شك وأبو عوانة في صحيحه بلفظ ست وسبعون أو سبع وسبعون والترمذي بلفظ أربع وستون ا ه فيؤول كلام المصنف بأن أصله من روايتهما دون زيادة فأفضلها الخ وعن عبد الله بن عمرو وكتب بالواو ليتميز عن عمر ومن ثمة لم يكتب حالة النصب لتميزه عنه بالألف وهو ابن العاص القرشي رضي الله عنهما أسلم قبل أبيه وتوفي بمكة أو الطائف أو مصر سنة خمس وستين أو ثلاث وسبعين وبينه وبين أبيه في السن إحدى عشرة سنة كما جزم به بعضهم قيل وهذا من خواصه كذا ذكره ابن حجر وقال المصنف كان أبوه أكبر منه بثلاث عشر سنة وقيل باثنتي عشر سنة وكان غزير العلم كثير الاجتهاد في العبادة عمي آخر عمره وكان أكثر حديثا من أبي هريرة لأنه كان يكتب لكن ما روي عنه وهو سبعمائة حديث قليل بالنسبة لما روي عن أبي هريرة قال المصنف كان ممن قرأ الكتب واستأذن النبي في أن يكتب حديثه فأذن له قال قال رسول الله المسلم أي الكامل لما تقدم من معنى الإسلام أو المسلم الحقيقي المتصف بمعناه اللغوي من سلم المسلمون أي والمسلمات إما تغليبا وإما تبعا ويلحق بهم أهل الذمة حكما وفي رواية ابن حبان من سلم الناس من لسانه أي بالشتم واللعن والغيبة والبهتان والنميمة والسعي إلى السلطان وغير ذلك حتى قيل أول بدعة ظهرت قول الناس الطريق الطريق ويده بالضرب والقتل والهدم والدفع والكتابة بالباطل ونحوها وخصا لأن أكثر الأذى بهما أو أريد بهما مثلا وقدم اللسان لأن الإيذاء به أكثر وأسهل ولأنه أشد نكاية كما قال جراحات السنان لها


التئام ولا يلتام ما جرح اللسان ولأنه يعم الأحياء والأموات وابتلي به الخاص والعام خصوصا في هذه الأيام وعبر به دون القول ليشمل إخراجه استهزاء بغيره وقيل كنى باليد عن سائر الجوارح لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها إذ بها البطش والقطع والوصل والمنع والأخذ فقيل في كل عمل هذا مما عملته أيديهم وإن لم يكن وقوعه بها وفيه أن الأيدي واليدين توضعان موضع الأنفس
والنفس لأن أكثر الأفعال يزاول بهما ولا يعرف استعمال اليد المفردة بهذا المعنى ثم الحد والتعزير وتأديب الأطفال والدفع لنحو الصيال ونحوها فهي استصلاح وطلب للسلامة أو مستثنى شرعا أو لا يطلق عليه الأذى عرفا والمهاجر أي الكامل أو حقيقة لشموله أنواع الهجرة لأن فضله على الدوام من هجر أي ترك ما نهى الله عنه أي في الكتاب أو السنة وفي رواية ما حرم الله عليه وأريد بالمفاعلة المبالغة حيث لم تصح المغالبة هذا لفظ البخاري ورواه أبو داود والنسائي ولمسلم أي في صحيحه بعضه فإنه أخرج شطره الأول عن جابر مرفوعا بلفظه وبمعناه عن عبد الله بن عمرو قال إن رجلا سأل النبي وفي نسخة رسول الله أي المسلمين أي أي أفراد هذا الجنس أو أي قسمي هذا النوع خير أي أفضل وأكمل قال من سلم المسلمون من لسانه ويده ورواه البخاري بلفظ أي الإسلام أفضل قال من سلم الخ أي إسلام من سلم وقيل لكون أي لا تدخل إلا على متعدد كان فيه حذف تقديره أي أصحاب الإسلام وقيل أي خصال الإسلام وقيل الإسلام بمعنى المسلم كعدل بمعنى عادل مبالغة وفرق بين خير وأفضل مع أن كلاهما أفعل تفضيل بأن الأول من الكيفية إذ هو النفع في مقابلة الشر والمضرة والثاني من الكمية إذ هو كثرة الثواب في مقابلة القلة وفي الروايتين جميعا دلالة على أن المسلم في الرواية السابقة المراد بها الكامل ومن ثم قال الخطابي إن هذا على حد قولهم الناس العرب أي هم أفضل الناس فههنا المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الحق أداء حقوق الخلق


والإقتصار على الثاني أما لأن الأول مفهوم بالطريق الأولى أو لأن تركه أقرب إلى العفو أو لأن الثاني يتعلق به الحقان فخص للإهتمام والإعتناء به ولحصول السلامة الدنيوية والأخروية بوجوده أو إشارة إلى أن علامة الإسلام هي السلامة من إيذاء الخلائق كما أن الكذب والخيانة وخلف الوعد علامة المنافق وعن أنس رضي الله عنه أي ابن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري بنون مفتوحة قبل جيم مشددة خادم رسول الله عشر سنين بعد ما قدم رسول الله المدينة


وهو ابن عشر سنين وقالت أمه يا رسول الله خويدمك ادع الله له فقال اللهم بارك في ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه فقال لقد دفنت من صلبي مائة إلا اثنين وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين ولقد بقيت حتى سئمت الحياة وأنا أرجو الرابعة أي المغفرة قيل عمر مائة سنة وزيادة وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة ثلاث وتسعين انتقل إلى البصرة في خلافة عمر ليفقه الناس روى عنه خلق كثير وكنيته أبو حمزة وهي اسم بقلة حريفية ومنه حديث أنس كناني رسول الله ببقلة كنت أجتنيها قال قال رسول الله لا يؤمن أحدكم وفي رواية الرجل وفي أخرى أحد وهي أشمل منهما والأولى أخص أي إيمانا كاملا حتى أكون بالنصب بأن مضمرة وحتى جارة أحب إليه أفعل التفضيل بمعنى المفعول وللتوسع في الظرف قدم الجار على معمول أفعل وهو قوله من والده أي أبيه وخص عن الأم لأنه أشرف فمحبته أعظم أو المراد به ما يشملهما وهو ذو ولد وولده أي الذكر والأنثى وقدم الوالد لأنه أشرف وأسبق في الوجود وتقديم الولد في رواية النسائي لأن محبته أكثر وخصا لأنهما أعز من غيرهما غالبا وأبدلا في رواية بالمال والأهل تعميما لكل ما تحبه النفس فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل وكأنه قال حتى أكون أحب إليه من جميع أعزته ومن ثم أكد ذلك تأكيدا واستغراقا بقوله والناس أجمعين عطفا للعام على الخاص ثم النفس داخلة في هذا العموم لغة وإن كانت خارجة عرفا لما سيأتي في الحديث الآتي الموافق لقوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم الأحزاب وقوله تعالى قل إن كان آباؤكم الآية التوبة وليس المراد الحب الطبيعي لأنه لا يدخل تحت الإختيار ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها بل المراد الحب العقلي الذي يوجب إيثار ما يقتضي العقل رجحانه ويستدعي اختياره وإن كان على خلاف الهوى كحب المريض الدواء فإنه يميل إليه باختياره ويتناوله بمقتضى عقله لما علم وظن أن صلاحه فيه وإن نفر عنه طبعه مثلا لو أمره بقتل أبويه وأولاده


الكافرين أو بأن يقاتل الكفار حتى يكون شهيدا لأحب أن يختار ذلك لعلمه أن السلامة في امتثال أمره أو المراد الحب الايماني الناشيىء عن الإجلال والتوقير والإحسان والرحمة وهو إيثار جميع أغراض المحبوب على جميع أغراض غيره حتى القريب والنفس ولما كان جامعا لموجبات المحبة من حسن الصورة والسيرة وكمال الفضل والإحسان ما لم يبلغه غيره استحق أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه فضلا عن غيره سيما وهو الرسول من عند المحبوب الحقيقي الهادي إليه والدال عليه والمكرم لديه قال القاضي ومن محبته نصر سنته والذب عن شريعته وتمني إدراكه في حياته ليبذل نفسه وماله دونه ا ه وممن ارتقى إلى غاية هذه المرتبة ونهاية هذه المزية سيدنا عمر رضي الله عنه فإنه لما سمع هذا الحديث أخبر بالصدق حتى وصل ببركة صدقه إلى كمال ذلك فقال بمقتضى الأمر الطبيعي لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا والذي نفسي


بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر فإنك الآن والله أحب إلي من نفسي فقال الآن يا عمر تم إيمانك رواه البخاري وهو يحتمل احتمالين أحدهما أنه فهم أولا أن المراد به الحب الطبيعي ثم علم أن المراد الحب الإيماني والعقلي فأظهر بما أضمر وثانيهما أنه أوصله الله تعالى إلى مقام الأتم ببركة توجهه عليه الصلاة والسلام فطبع في قلبه حبه حتى صار كأنه حياته ولبه ولهذا قيل فهذه المحبة منه رضي الله عنه ليست اعتقاد الأعظمية فحسب لأنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا بل أمر يترتب على ذلك به يفنى المتحلي به عن حظ نفسه وتصير خالية عن غير محبوبه قال القرطبي وكل من صح إيمانه به عليه الصلاة والسلام لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة وإن استغرق بالشهوات وحجب بالغفلات في أكثر الأوقات بدليل أنا نرى أكثرهم إذا ذكر اشتاق إلى رؤيته وآثرها على أهله وماله وولده ووالده وأوقع نفسه في المهالك والمخاوف مع وجدانه من نفسه الطمأنينة بذلك وجدانا لا تردد فيه وشاهد ذلك في الخارج إيثار كثيرين لزيارة قبره الشريف ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر لما وقر في قلوبهم من محبته غير أن قلوبهم لما توالت غفلاتها وكثرت شهواتها كانت في أكثر أوقاتها مشتغلة بلهوها ذاهلة عما ينفعها ومع ذلك هم في بركة ذلك النوع من المحبة فيرجى لهم كل خير إن شاء الله تعالى ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم لأنه ثمرة المعرفة وهم بقدره ومنزلته أعلم وقال النووي في الحديث تلميح إلى صفة النفس المطمئنة والأمارة فمن رجح جانب نفسه المطمئنة كان حبه عليه الصلاة والسلام راجحا ومن رجح جانب نفسه الأمارة كان بالعكس ا ه واللوامة حالة بينهما مترتبة عليهما ولذا لم يذكرها معهما متفق عليه ورواه أحمد والنسائي وابن ماجة قال النووي مذهب أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدا دخل الجنة قطعا على كل حال فإن كان سالما عن المعاصي كالصغير والمجنون


الذي اتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث بعد توبته والموفق الذي ما لم بمعصية قط فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلا لكنهم يردونها على الخلاف في الورود والصحيح أن المراد به المرور على الصراط وهو جسر منصوب على ظهر جهنم نعوذ بالله منها وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة وإن شاء عذبه بالقدر الذي يريده سبحانه ثم يدخل الجنة فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل كما لا يدخل الجنة من مات على الكفر ولو عمل ما عمل من أعمال البر وهذا هو المذهب الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به بحيث حصل العلم القطعي فإن خالفه ظاهر حديث وجب تأويله جمعا بين الأدلة


وعنه أي عن أنس قال قال رسول الله ثلاث من كن فيه مبتدأ والشرطية خبر وجاز مع أنه نكرة لأن التقدير خصال ثلاث قال ابن مالك مثال الإبتداء بنكرة هي وصف قول العرب ضعيف عاذ بحرملة أي إنسان ضعيف التجأ إلى ضعيف والحرملة شجرة ضعيفة أو ثلاث خصال والتنوين عوض عن المضاف إليه على ما قاله ابن حجر وفيه أنه لم يعرف هذا في غير كل وبعض أو تنوينه للتعظيم فساغ الإبتداء به ويجوز أن تكون الشرطية صفة لثلاث ويكون الخبر من كان والمعنى ثلاث من وجدن واجتمعن فيه وجد أي أدرك وصادف وذاق بهن أي بسبب وجودهن في نفسه حلاوة الإيمان أي لذته ورغبته زاد النسائي وطعمه وأوثرت الحلاوة لأنها أظهر اللذات الحسية وقد ورد إن حلاوة الإيمان إذا دخلت قلبا لا تخرج منه أبدا ففيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة له وقيل معنى حلاوة الإيمان استلذاذا الطاعات وإيثارها على جميع الشهوات والمستلذات وتحمل المشاق في مرضاة الله ورسوله وتجرع المرارات في المصيبات والرضا بالقضاء في جميع الحالات وفيه تلميح إلى الصحيح الذي يدرك الطعوم على ما هي عليه والمريض الصفراوي الذي بضده إذ يجد طعم العسل من نقص ذوقه بقدر نقص صحته فالقلب السليم من أمراض الغفلة والهوى يذوق طعمه ويتلذذ منه ويتنعم به كما يذوق الفم طعم العسل وغيره من لذيذ الأطعمة ويتنعم بها بل تلك اللذة الإيمانية أعلى فإن في جنبها يترك لذات الدنيا بل جميع نعيم الأخرى من كان لا بد من تقدير مضاف قبله لأنه على الوجه الأول أما بدل أو بيان أو خبر لمبتدأ محذوف هو هي أو هن أو إحداها وعلى الثاني خبر أي محبة من كان الله ورسوله أحب إليه بالنصب على أنه خبر وإفراده لأنه وصل بمن والمراد الحب الإختياري المذكور مما سواهما يعم ذوي العقول وغيرهم من المال والجاه وسائر الشهوات والمرادات وقد جمع النبي بين الله ونفسه بلفظ الضمير في ما سواهما مع نهيه عنه قائلا ومن عصاهما فقد غوى لأنه قد يجوز له ما لا يجوز لغيره ولذا


قال عليه الصلاة والسلام في خطبة النكاح من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ووجه التخصيص أنه لا يتطرق إليه إيهام التسوية بخلاف غيره لو جمع وإليه مال ابن عبد السلام ولذا قيل العمل بخبر المنع أولى لأن الخبر الآخر يحتمل الخصوص ولأنه قول والثاني فعل وقيل تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة فإنها وحدها ضائعة لاغية وإليه الإشارة بقوله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببك


الله آل عمران والأمر بالإفراد هنالك للإشعار بأن كلا من العصيانين مستقل باستلزام الغواية فإن العطف يفيد تكرير العامل واستقلاله بالحكم فهو في قوة التكرار فكأنه قال من عصى الله فقد غوى ومن عصى رسوله فقد غوى لا يقال عصيان أحدهما عصيان للآخر فلا يتصور الإنفراد لأنا نقول كذلك لكن المراد تفظيع المعصية بأنه لو فرض وجودها من رسوله وحده لكانت مستقلة بالإغواء فكيف وهي لا توجد إلا منهما وهو معنى دقيق في غاية التحقيق وفيه إيماء لطيف وإنهاء شريف إلى أن المحبة مادة الاجتماع على وجه الكمال بحيث إنه لا يحتمل المغايرة ولذا قيل أنا من أهوى ومن أهوى أنا والمخالفة موجبة للإفتراق ولذا قال هذا فراق بيني وبينك الكهف ولتلك المحبة علامات من أظهرها ما أشار إليه يحيى بن معاذ الرازي بقوله حقيقة المحبة أن لا تزيد بالعطاء ولا تنقص بالجفاء ولا يتم هذا إلا لصديق جذبته أزمة العناية حتى أوقفته على عتبة الولاية وأحلته في رياض الشهود المطلق فرأى أن محبوبه هو الحق وما سواه باطل محقق ومن أحب أي وثانيتهما محبة من أحب عبدا أي موسوما بالعبودية لله حرا كان أو مملوكا لا يحبه أي لشيء إلا الله والإستثناء مفرغ أي لا يحبه لغرض وعرض وعوض ولا يشوب محبته حظ دنيوي ولا أمر بشري بل محبته تكون خالصة لله تعالى فيكون متصفا بالحب في الله وداخلا في المتحابين لله والجملة حال من الفاعل أو المفعول أو منهما ومن يكره أي وثالثتهما كراهة من يكره أن يعود أي يرجع أو يتحول في الكفر وقيل أن يصير بدليل تعديته بفي على حد أو لتعودن في ملتنا الأعراف فيشمل من لم يسبق له كفر أيضا ولا ينافيه قوله بعد أن أنقذه الله منه أي أخلصه ونجاه من الكفر لأن أنقذ بمعنى حفظ بالعصمة ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمر بهذا الوصف على الدوام أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان أو لا يشمله ولكنه مفهوم من طريق المساواة بل الأولى وفيه إيماء إلى قوله تعالى الله


ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور البقرة أي بهدايته وتوفيقه فهو يعم الإبتداء والإنتهاء كما يكره أن يلقى في النار أي وكراهة من يكره الصيرورة في الكفر مثل كراهة الرمي والطرح في النار وفي رواية البخاري حتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه وفي أخرى لهما من كان يكره أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إليه يهوديا أو نصرانيا وفي رواية النسائي وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئا يعني أن


الوقوع في نار الدنيا أولى بالإيثار من العود في الكفر وفيه إيماء إلى قول السادة الصوفية الحجاب أشد العذاب ثم اعلم أن الخصلتين الأوليين من أبواب التحلي بالفواضل والفضائل والخصلة الأخيرة من أنواع التخلي من الرذائل ففيها تحثيث وتحريض وترغيب وتحريص على تحصيل بقية الشمائل وإيماء إلى أن المذكورات أمهات لغير المسطورات متفق عليه ورواه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة بلفط ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار كذا في الجامع الصغير للسيوطي وعن العباس بن عبد المطلب أي عم النبي وكان أسن من النبي بسنتين ومن لطافة فهمه ومتانة علمه أنه لما سئل أنت أكبر أم النبي قال هو أكبر وأنا أسن وأمه أول امرأة كست الكعبة الحرير والديباج وأصناف الكسوة وذلك أن العباس ضل وهو صبي فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام فوجدته ففعلت ذلك وكان العباس رئيسا في الجاهلية وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية أما السقاية فهي معروفة بسقاية الحاج وأما العمارة فإنه كان يحمل قريشا على عمارته وبالخير وترك السباب فيه وقول الهجر قال مجاهد عتق العباس عند موته سبعين مملوكا ولد قبل سنة الفيل ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين ودفن بالبقيع وكان أسلم قديما وكتم إسلامه وخرج مع المشركين يوم بدر مكرها فقال النبي من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مكرها فأسره أبو اليسر كعب بن عمر ففادى نفسه ورجع إلى مكة ثم أقبل إلى المدينة مهاجرا وروى عنه جماعة قال قال رسول الله ذاق طعم الإيمان أي نال وأدرك وأصاب ووجد حلاوته ولذته وأصل الذوق وجود أدنى طعم في الفم والمراد به الذوق المعنوي وأغرب ابن حجر حيث قال ذوقا حسيا أو معنويا من رضي أي قنع نفسه وطاب قلبه وانشرح صدره


واكتفى بالله ربا أي مالكا وسيدا ومتصرفا ونصبه على التمييز وكذا أخواته وبالإسلام أي الشامل للإيمان دينا عطف عام على خاص وبمحمد والظاهر أنه ملحق وليس لفظ النبوة رسولا عطف خاص على عام والمقصود من الرضا الإنقياد الباطني والظاهري والكمال أن يكون صابرا على بلائه وشاكرا على نعمائه وراضيا بقدره وقضائه ومنعه
وإعطائه وأن يعمل بجميع شرائع الإسلام بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر وأن يتبع الحبيب حق متابعته في سنته وآدابه وأخلاقه ومعاشرته والزهد في الدنيا والتوجه الكلي إلى العقبى رواه مسلم وكذا أحمد والترمذي وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر مرفوعا ألظوا ألسنتكم قول لا إله إلا الله محمد رسول الله وأن الله ربنا والإسلام ديننا ومحمدا نبينا فإنكم تسئلون عنها في قبوركم قال السيوطي في سنده عثمان بن مطر وعن أبي هريرة رضي الله عنه مر ذكره قال قال رسول الله والذي أي والله الذي نفس محمد أي روحه وذاته وصفاته وحالاته وإرادته وحركاته وسكناته بيده أي كائنة بنعمته وحاصلة بقدرته وثابتة بإرادته ووجه استعارة اليد للقدرة أن أكثر ما يظهر سلطانها في أيدينا وهي من المتشابهات ومذهب السلف فيها تفويض علمه إلى الله تعالى مع التنزيه عن ظاهره وهو أسلم حذرا من أن يعين له غير مراد له تعالى ويؤيده وقف الجمهور على الجلالة في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله آل عمران وعدوه وقفا لازما وهو ما في وصله إيهام معنى فاسد ومن ثم قال أبو حنيفة رحمه الله تأويل اليد بالقدرة يؤدي إلى تعطيل ما أثبته تعالى لنفسه وإنما الذي ينبغي الإيمان بما ذكره الله تعالى من ذلك ونحوه على ما أراده ولا يشتغل بتأويله فنقول له يد على ما أراده لا كيد المخلوقين ومذهب الخلف فيها تأويله بما يليق بجلال الله تعالى وتنزيهه عن الجسم والجهة ولوازمها بناء على أن الوقف على الراسخون في العلم وكان ابن عباس يقول أنا أعلم تأويله وأنا من الراسخين في العلم


قيل وهذا أعلم وأحكم أي يحتاج إلى مزيد علم وحكمة حتى يطابق التأويل سياق ذلك النص وليس المعنى أن مذهب الخلف أكثر علما فالمذهبان متفقان على التنزيه وإنما الخلاف في أن الأولى ماذا أهو التفويض أم التأويل ويمكن حمل الخلاف على اختلاف الزمان فكان التفويض في زمان السلف أولى لسلامة صدورهم وعدم ظهور البدع في زمانهم والتأويل في زمان الخلف أولى لكثرة العوام وأخذهم بما يتبادر إلى الأفهام وغلو المبتدعة بين الأنام والله أعلم بالمرام ثم هو قسم جوابه لا يسمع بي وكان الأصل أن يقول والذي نفسي لكنه جرد من نفسه النفيسة من اسمه محمد وهو هو ليكون أبلغ وأوقع في النفس ثم التفت من الغيبة إلى التكلم تنزيلا من مقام الجمع إلى التفرقة ومن الكون مع الحق إلى الإشتغال بدعوة الخلق والإنتقال من خزانة الكمال إلى منصة التكميل قال العارف السهروردي الجمع


اتصال لا يشاهد صاحبه إلا الحق فمتى شاهد غيره فما ثم جمع فقوله آمنا بالله جمع وما أنزل إلينا المائدة تفرقة وقال الجنيدي قدس الله سره ويسمى سيد الطائفة لأنه لم ينطق قط بما لا يطابق الكتاب والسنة القرب بالوجد جمع وغيبته في البشرية تفرقة وكل جمع بلا تفرقة زندقة وكل تفرقة بلا جمع تعطيل ثم قيل الباء زائدة أو بمعنى من والأظهر أنها لتأكيد التعدية كما في قوله تعالى ما سمعنا بهذا المؤمنون أو ضمن معنى الأخبار أي ما يسمع مخبرا ببعثي وحاصل المعنى لا يعلم رسالتي أحد أي ممن هو موجود أو سيوجد من هذه الأمة أي أمة الدعوة ومن تبعيضية وقيل بيانية يهودي ولا نصراني صفتان لأحد وحكم المعطلة وعبدة الأوثان وثان يعلم بالطريق الأولى أو بدلان عنه بدل البعض من الكل وخصا لأن كفرهما أقبح وعلى كل لا زائدة لتأكيد الحكم ثم يموت فيه إشارة إلى أنه ولو تراخى إيمانه ووقع قبل الغرغرة نفعه ولم يؤمن بالذي أرسلت به أي من الدين المرضي والجملة حال أو عطف إلا كان أي في علم الله أو بمعنى يكون وتعبيره بالمضي لتحقق وقوعه وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال من أصحاب النار أي ملازميها بالخلود فيها وأما الذي سمع وآمن فحكمه على العكس وأما الذي لم يسمع ولم يؤمن فهو خارج عن هذا الوعيد ثم اعلم أن لا في لا يسمع بمعنى ليس وثم يموت عطف على يسمع المثبت ولم يؤمن عطف على يموت أو حال من فاعله وليس لنفي هذا المجموع وتقديره ليس أحد يسمع بي ثم يموت ولم يؤمن أو غير مؤمن كائنا من أصحاب شيء إلا من أصحاب النار رواه مسلم وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينة ورسول الله بخيبر ولاه عمر بن الخطاب البصرة سنة عشرين فافتتح أبو موسى الأهواز ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان ثم عزل عنها فانتقل إلى الكوفة فأقام بها وكان واليا على أهل الكوفة إلى أن قتل عثمان ثم انتقل أبو موسى إلى مكة بعد التحكيم فلم


يزل بها إلى أن مات سنة اثنين وخمسين قال قال رسول الله ثلاثة أي أشخاص ثلاثة مبتدأ خبره لهم أجران أي لكل
واحد أجران عظيمان مختصان به لا مشاركة لغيره فيهما رجل بدل من المبتدأ بدل بعض والعطف بعد الربط أو بدل كل والربط بعد العطف أو خبر مبتدأ محذوف أي أحدهم أو مبتدأ موصوف محذوف الخبر أي منهم أو هو خبر المبتدأ ولهم أجران صفته والمرأة في حكم الرجل من أهل الكتاب آمن بنبيه خبر بعد خبر واختلف الشراح أن المراد هو النصراني أو اليهودي أيضا وإلى الأول جنح صاحب الأزهار وأيده بالدلائل العقلية والنقلية ومال غيره إلى الثاني وأيده بمؤيدات نقلية والخلاف مبني على أن النصرانية هل هي ناسخة لليهودية أم لا وعلى كل فمن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمنا بنبيه فإن قلت يؤيد إرادة الإنجيل وحده رواية البخاري فإذا آمن بعيسى ثم آمن بي فله أجران قلت لا يؤيده لأن النص على عيسى إنما هو لحكمة هي بعد بقاء مؤمن بموسى دون عيسى مع صحة إيمانه بأن لم يبلغه دعوة عيسى إلى بعثة نبينا فآمن به وهذا وإن استبعد وجوده لكن في حمل أهل الكتاب على ما يشمله فائدة هي أن اليهود من بني إسرائيل ومن دخل في اليهودية من غيرهم ولم يبلغه دعوة عيسى يصدق عليه أنه يهودي مؤمن بنبيه موسى ولم يكذب نبيا آخر بعده فإذا أدرك بعثة نبينا وآمن به تناوله الخبر المذكور والأجر المسطور ومن هؤلاء عرب نحو اليمن متهودون ولم تبلغهم دعوة عيسى لاختصاص رسالته ببني إسرائيل إجماعا دون غيرهم فاتضح بهذا أن المراد التوراة والإنجيل كما هو المعهود ذهنا في نصوص الكتاب والسنة ومما يصرح بالعموم الآية النازلة في عبد الله بن سلام وأشباهه وهي الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون القصص إلى قوله أولئك يؤتون أجرهم مرتين القصص روى الطبراني من حديث رفاعة القرظي قال نزلت هذه الآية في وفيمن آمن بي وروى الطبراني أنها نزلت في سلمان وابن سلام ولا تنافي لأن الأول كان


نصرانيا والثاني كان يهوديا فإن قلت يهود المدينة لم يؤمنوا بعيسى فكيف استحقوا الأجرين قلت لا نسلم عدم إيمانهم به وحاشا مثل ابن سلام وأضرابه مع سعة علومهم وكمال عقولهم أن يكفروا بعيسى كذا حققه ابن حجر والمراد من آمن بنبيه إيمانا صحيحا بأن يؤمن اليهودي بموسى عليه الصلاة والسلام قبل العلم بنسخ شرعه بالإنجيل بناء على أنه ناسخ وإلا فقبل نسخه بشريعتنا واليهودي والنصراني بعيسى عليه الصلاة والسلام بالنسبة لمن علم رسالته إليه قبل نسخ شرعه بشريعتنا وإنما قيدوا بما قبل النسخ لأن المؤمن بنبي بعد أن بلغته دعوة غيره الناسخة له لا أجر له على إيمانه به لأنه لا يصدق عليه حينئذ أنه آمن بنبيه قيل ويحتمل أنه لا يحتاج إلى هذا التقييد إذ لا يبعد أن يكون طرق الإيمان بنبينا عليه الصلاة والسلام سببا لثوابه على الإيمان السابق كما أن الكافر إذا أسلم يثاب على حسناته السابقة في الكفر ا ه ويؤيده عموم قوله تعالى يا أيه


الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته الحديد وكذا كتابه عليه الصلاة والسلام إلى هرقل أسلم يؤتك الله أجرك مرتين وقومه لم يكونوا من بني إسرائيل وإنما دخلوا في النصرانية بعد التبديل كما صرح به شيخ الإسلام البلقيني وغيره وهذا هو الظاهر وقيل يحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه ومن جهة أن يكون إسلامه سببا لإسلام أتباعه وآمن بمحمد أي إيمانا صحيحا أيضا وإنما لم يقل وبمحمد مع أنه أخصر للإشعار بتخصيص كل من النبيين بالإيمان على سبيل الإستقلال دون التبعية ثم الإيمان به متضمن للإيمان بجميع الأنبياء فالمقصود أن إيمانه السابق مثاب عليه فإنه كان حقا والعبد المملوك وصف به لأنه المراد لا مطلق العبد إذ جميع الناس عباد الله إذا أدى حق الله من صلاة وصوم ونحوهما وحق مواليه أي أسياده وملاكه ومتولي أمره من خدمتهم الجائزة جهده وطاقته وجمع الموالي لأن أل في العبد للجنس فلكل عبد مولى عند التوزيع أو للإشارة إلى أنه لو كان مشتركا بين جماعة فلا بد أن يؤدي حقوق جميعهم فيعلم المنفرد بالأولى أو للإيماء إلى أنه إذا تعدد مواليه بالمناوبة على جري العادة الغالبة فيقوم بحق كل منهم ورجل كانت عنده أمة يطؤها أي يجامعها وفائدة هذا القيد أنه مع هذا أيضا يحصل له الثواب في تربيتها وقيل ليس المراد وقوع الوطء بالفعل بل بالقوة ويؤيده إسقاطه من رواية البخاري وهي إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران فأدبها أي علمها الخصال الحميدة مما يتعلق بآداب الخدمة إذ الأدب هو حسن الأحوال من القيام والقعود وحسن الأخلاق فأحسن تأديبها بأن يكون بلطف من غير عنف وعلمها ما لا بد من أحكام الشريعة لها فأحسن تعليمها بتقديم الأهم فالأهم ثم أعتقها أي بعد ذلك كله ابتغاء لمرضاة الله فتزوجها تحصينا لها ورحمة عليها فله أي فللرجل الأخير أجران أجر على عتقه وأجر على تزوجه كذا قالوه وقيل أجر على


تأديبه وما بعده وأجر على عتقه وما بعده ويكون هذا هو فائدة العطف بثم إشارة إلى بعد ما بين المرتبتين قيل وفي تكرير الحكم اهتمام بشأن الأمة وتزوجها وقيل يجوز أن يعود الضمير في فله إلى كل واحد من الثلاثة فيكون التكرير للتأكيد أو لطول الكلام فيكون كالفذلكة كقوله تعالى ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم البقرة الآية ويمكن أن يكون من باب اختصار الراوي أو نسيانه وقيل إنما ذكر في الأمة فله أجران دون ما سبق تأكيدا لحالها فإن ما يوجب الأجرين فيها مستحب جائز الترك وهو الإعتاق والتزوج فاحتيج إلى التأكيد لئلا يتر


بخلاف ما سبق فإنه واجب لا يجوز تركه أو إشعارا بأن ما يوجب الأجرين مختصا بالأمة من جملة ما ذكر فيها من الأمور الأربعة هو الإعتاق والتزوج فلذا ذكر عقيبهما فله أجران بخلاف التأديب والتعليم فإنهما موجبان للأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس فلا يكون مختصا بالإماء ومن ثمة اتجه سياق الشعبي لهذا الحديث ردا على من قال إن المتزوج لعتيقته كالراكب لبدنته أي فلا أجر له وكان هذا هو الحامل لهم على ما مر من تفسيرهم الأجرين بواحد على العتق وآخر على التزوج لأنه يصير محسنا إليها إحسانا أعظم بعد إحسان أعظم بالعتق لأن الأول فيه تخليص من قهر الرق وأسره والثاني فيه الترقي إلى إلحاق المقهور بقاهره قال تعالى في الزوجات ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف البقرة قال الكرماني فإن قلت ما العلة في تخصيص هؤلاء الثلاثة والحال أن غيرهم أيضا كذلك مثل من صلى وصام فإن للصلاة أجرا وللصوم أجرا وكذا مثل الولد إذا أدى حق الله وحق والده قلت الفرق بين هذه الثلاثة وغيرهم أن الفاعل من كل منهم جامع بين أمرين بينهما مخالفة عظيمة كان الفاعل لهما فاعل للضدين ا ه وفيه أن هذه الضدية بعينها موجودة في حق الله تعالى وحق الوالد فالأحسن أن يقال المراد هذه الأشياء وأمثالها و ليس المقصود بذكرها نفي ما عداها على ما عليه الجمهور ولذا قال المهلب في الحديث دليل على أن من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال البركان له أجره مرتين وقال السيد جمال الدين يمكن أن يقال إن هذه الطوائف الثلاثة لكل منها أجران بسبب عمل واحد بشرط مقارنة عمل آخر فالذي آمن من أهل الكتاب وآمن بمحمد له أجران بسبب الإيمان بنبينا لكن بشرط الإيمان بنبيه والعبد المملوك له أجران بسبب أداء حق الله لكن بشرط أداء حق مولاه تأمل ا ه وأنت إذا تأملت ظهر لك أن المقارنة ليست بشرط أصلا وأن الأجرين إنما هو في مقابلة الإيمانين وأداء الحقين فالوجه ما قدمناه ويمكن أن يقال لما كان يتوهم


من نسخ الأديان المتقدمة أن لا ثواب لأصحابها مطلقا دفعه بهذا القول وكذا المشهور عند العامة أن ثواب عبادة المملوك للمالك فلذا خصه بالذكر وربما كان يقال إن إعتاق الجارية وتزوجها لغرض نفسه وهو طبعه فلا يكون فيهما أجر فرفعه وبالغ فيه وقال له أجران أو يقال لما كان كل واحد من هؤلاء المذكورين في زمان الجاهلية ممتنعا من العمل الثاني فخصهم بالذكر وحضهم على الفعل بقوله لهم أجران والله أعلم قيل وإنما لم يضم مع هؤلاء الثلاث أمهات المؤمنين مع أن لهن الأجر مرتين لأن ذلك خاص بهن وما هنا عام متفق عليه قال السيوطي في الجامع الصغير رواه الشيخان وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة بلفظ ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي فآمن به وأتبعه وصدقه فله أجران وعبد مملوك أدى حق الله وحق سيده فله أجران ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران


وعن ابن عمر رضي الله عنهما مر ذكره قال قال رسول الله أمرت لم يذكر الآمر للعلم به أي أمرني ربي بالوحي الجلي أو الخفي أن أقاتل الناس أي بأن أجاهدهم وأحاربهم فأن مصدرية أو مفسرة لما في الأمر من معنى القول حتى يشهدوا وفي رواية حتى يقولوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أكثر الشراح على أن المراد بالناس عبدة الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا الله ولا يرفع عنهم السيف إلا بالإقرار بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام أو إعطاء الجزية ويؤيده رواية النسائي أمرت أن أقاتل المشركين ولا يتم هذا إلا على رواية لم يوجد فيها وأن محمدا رسول الله وقال الطيبي المراد الأعم لكن خص منه أهل الكتاب بالآية قيل وهو الأولى لأن الأمر بالقتال نزل بالمدينة مع كل من يخالف الإسلام قال ابن الصباغ في الشامل لما بعث النبي فرض عليه التوحيد والتبليغ وقراءة القرآن بقوله اقرأ باسم ربك الذي خلق العلق ثم فرض الصلاة بمكة وفرض الصوم بعد سنتين من الهجرة والحج في السنة السادسة أو الخامسة وأما الزكاة فقيل بعد الصيام وقيل قبله وأما الجهاد فلم يؤذن له بمكة وأذن له بالمدينة لمن ابتدأ به ثم ابتدأهم به دون الحرم والأشهر الحرم ثم نسخ ذلك وأبيح ابتداؤهم في الأشهر الحرم والحرم وقال ابن حجر حتى غاية لأمرت أو أقاتل وهو أولى أي إلى أن يأتوا بأربعة أشياء ما لم يعطوا الجزية إن كانوا من أهلها أو يعقد لهم أمان أو هدنة إن كانوا من غير أهلها كما استفيد من أدلة أخرى ا ه وقوله وهو أولى خلاف الأولى لأن الغاية تتعين للمقاتلة القابلة للإستمرار ولا يصح أن يكون غاية للأمر لعدم الإستقرار ويقيموا الصلاة أي المفروضة بأن يأتوا بشرائطها وأركانها المجمع عليها قيل فيه دليل لمذهب الشافعي أن تارك الصلاة يقتل بشرطه المقرر في الفقه وفيه أن الكلام في المقاتلة لا في القتل ومقاتلة الإمام لتاركي الصلاة إلى أن يأتوا بها محل وفاق مع أنه منقوض بترك


الزكاة فإنه لم يقل به أحد ويؤتوا الزكاة وهي لا تكون إلا مفروضة وفيه دليل لقتال مانعيها ولا نزاع فيه ومن ثم قاتلهم الصديق وأجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم وقيل معناه حتى
يقبلوا فرضيتهما ثم قيل أراد الخمسة التي بني الإسلام عليها وإنما خصتا بالذكر لأنهما أم العبادات البدنية والمالية وأساسهما والعنوان على غيرهما ولذا سمى الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الإسلام وقرن بينهما في القرآن كثيرا أو لكبر شأنهما على النفوس لتكررهما أو لم يكن الصوم والحج مفروضين حينئذ والمراد حتى يسلموا ويدل عليه رواية البخاري حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ولهذا حذفتا في رواية استغناء عنهما بالشهادتين لأنهما الأصل والتحقيق أن يقال الشهادة إشارة إلى تخلية لوح القلب عن الشرك الجلي والخفي وسائر النقوش الفاسدة الردية ثم تحليته بالمعارف اليقينية والحكم الإلهية والإعتقادات الحقية وأحوال المعاد وما يتعلق بالأمور الغيبية والأحوال الأخروية لأن من أثبت ذات الله بجميع أسمائه وصفاته التي دل عليها اسم الله ونفي غيره وصدق رسالة النبي بنعت الصدق والأمانة فقد وفى بعهدة عهده وبذل نهاية جهده في بداية جهده وآمن بجميع ما وجب من الكتب والرسل والمعاد ولذا لم يتعرض لإعداد سائر الأعداد وإقامة الصلاة إرشاد إلى ترك الراحات البدنية وإتعاب الآلات الجسدية وهي أم العبادات التي إذا وجدت لم يتأخر عنها البواقي ولذا استغنى عن عدها وترك السيآت فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وإيتاء الزكاة هو الإعراض عن الفضول المالية بل عن كل موجود وهمي بالموجود الحقيقي وبذل المال الذي هو شقيق الروح لإستفتاح أبواب الفتوح واللام فيهما للعهد أو للجنس فينصرف إلى الكامل كقولهم هو الرجل كأن ما عدا صلاة المسلمين وزكاتهم ليس صلاة ولا زكاة فإذا فعلوا ذلك أي المذكور من الشهادتين والصلاة والزكاة ويسمى القول فعلا لأنه عمل اللسان أو تغليبا


عصموا بفتح الصاد أي حفظوا أو منعوا مني أي من أتباعي أو من قبلي وجهة ديني دماءهم وأموالهم أي استباحتهم بالسفك والنهب المفهوم من المقاتلة إلا بحق الإسلام أي دينه والإضافة لامية والإستثناء مفرغ من أعم عام الجار والمجرور أي إذا فعلوا ذلك لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام من استيفاء قصاص نفس أو طرف إذا قتل أو قطع ومن أخذ مال إذا غصب إلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية كقتل لنحو زنا محصن وقطع لنحو سرقة وتغريم مال لنحو إتلاف مال الغير المحترم وقال ابن مالك الإستثناء من الدماء والأموال بحذف موصوف أي إلا دماء أو أموالا ملتبسة بحق وحسابهم أي فيما يسترون من الكفر والمعاصي بعد ذلك على الله والجملة مستأنفة أو معطوفة على جزاء الشرط والمعنى أنا نحكم بظاهر الحال والإيمان القولي ونرفع عنهم ما على الكفار ونؤاخذهم بحقوق الإسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم لا أنهم مخلصون والله يتولى حسابهم فيثيب المخلص ويعاقب المنافق ويجازي المصر بفسقه أو يعفو عنه وفيه دليل على أن من أظهر الإسلام وأبطن الكفر


يقبل إسلامه في الظاهر وذهب مالك إلى أنه لا تقبل توبة الزنديق وهو من يظهر الإسلام ويخفي الكفر ويعلم ذلك بأن يقر أو يطلع منه على كفر كان يخفيه فقيل لا تقبل ويتحتم قتله لكنه إن صدق في توبته نفعه في الآخرة وقيل يقبل منه مرة فقط وقيل ما لم يكن تحت السيف وقيل ما لم يكن داعية للضلال وقيل معنى الحديث أن القتال والعصمة إنما هما في الأحكام الدنيوية وأما الأمور الأخروية من الثواب والعقاب وكميتها وكيفيتها فهو مفوض إلى الله تعالى لا دخل لنا فيه ا ه وقد يرجع إلى المعنى الأول فتأمل وقيل معناه أن الحساب كالواجب في تحقق الوقوع وقيل هو واجب شرعا بحسب وعده تعالى به فيجب أن يقع لا أنه تعالى يجب عليه شيء فلا حجة فيه للمعتزلة في زعمهم وجوبه على الله تعالى عقلا ثم الحساب مصدر كالمحاسبة وهو العد قيل ومعنى حسابهم على الله أن يعلمهم مالهم وما عليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وبمالهم من الثواب والعقاب عن ابن عباس أنه قال لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله ويعطون كتبهم بأيمانهم فيقال قد تجاوزت عنها ثم يعطون حسناتهم فيقال قد ضعفتها لكم فيكون مجازا من باب إطلاق السبب على المسبب لأن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله أو عليه أو أنه يجازيهم إذ الحساب سبب للأخذ والإعطاء قال تعالى والله سريع الحساب النور ومعنى سرعته أن قدرته تعالى متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في إحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدة ولذا ورد أنه يحاسب الخلق في مقدار حلبة شاة أو في لمحة متفق عليه أي اتفق البخاري ومسلم على رواية جميع الحديث المذكور إلا أن مسلما لم يذكر إلا بحق الإسلام لكنه مراد ورواه النسائي وابن ماجة من حديث جابر وهذا الحديث موافق لقوله تعالى فإن تابوا أي عن الكفر بإتيان الشهادتين وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم التوبة وفي الجامع الصغير رواه الجماعة عن أبي هريرة وهو متواتر أي معنوي


بلفظ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله وفي الجامع الكبير روى ابن جرير والطبراني في الأوسط عن أنس وحسنه بلفظ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها قيل وما حقها قال زنا بعد إحصان أو كفر بعد إسلام أو قتل نفس فيقتل بها ا ه ففي هذا الحديث دلالة ظاهرة على أن الإقرار شرط لصحة الإسلام وترتب الأحكام ورد بليغ على المرجئة في قولهم أن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال ودليل على عدم تكفير أهل البدع من أهل القبلة المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع


وعن أنس مر ذكره أنه هو ثابت في النسخ المصححة قال قال رسول الله من صلى صلاتنا أي كما نصلي ولا توجد إلا من موحد معترف بنبوته ومن اعترف به فقد اعترف بجميع ما جاء به فلذا جعل الصلاة علما لإسلامه ولم يذكر الشهادتين لدخولهما في الصلاة حقيقة أو حكما واستقبل قبلتنا إنما ذكره مع اندراجه في الصلاة لأن القبلة أعرف إذ كل أحد يعرف قبلته وإن لم يعرف صلاته ولأن في صلاتنا ما يوجد في صلاة غيرنا واستقبال قبلتنا مخصوص بنا ولم يتعرض للزكاة وغيرها من الأركان اكتفاء بالصلاة التي هي عماد الدين أو لتأخر وجوب تلك الفرائض عن زمن صدور هذا القول ثم لما ميز المسلم عن غيره عبادة ذكر ما يميزه عبادة وعادة بقوله وأكل ذبيحتنا فإن التوقف عن أكل الذبائح كما هو من العبادات فكذلك من العادات الثابتة في الملل المتقدمات والذبيحة فعيلة بمعنى مفعولة والتاء للجنس كما في الشاة فذلك أي من جمع هذه الأوصاف الثلاثة مبتدأ خبره المسلم أو هو صفته وخبره الذي له ذمة الله وذمة رسوله أي أمانهما وعهدهما من وبال الكفار وما شرع لهم من القتل والقتال وغيرهما أي يرتفع عنه هذا وكرر لفظة ذمة إشعارا بأن كلا منهما مقصود وأن الأصل هو الأول وأنهما متلازمان ولذا اقتصر عليه في قوله فلا تخفروا الله في ذمته من الإخفار أي لا تخونوا الله في عهده ولا تتعرضوا في حقه من ماله ودمه وعرضه أو الضمير للمسلم أي فلا تنقضوا عهد الله بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في ذمته أي ما دام هو في أمانة رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي بمعناه وعن أبي هريرة رضي الله عنه مر ذكره قال أتى أعرابي أي بدوي منسوب إلى الأعراب وهم سكان البادية كما أن العرب سكان البلد النبي أي جاءه وفي نسخة إلى النبي فقال دلني بضم الدال وفتح اللام المشدة أي أرشدني بالدلالة على عمل صفته أنه إذا عملته دخلت الجنة أي دخولا أوليا غير مسبوق بنوع من العذاب قال تعبد الله خبر بمعنى الأمر


أو في تأويل المصدر بتقدير أن ولما حذفت رفع الفعل وقيل مع بقاء أثره من
النصب أو تنزيلا منزلة المصدر بذكر الفعل وإرادة الحدث كما في تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وكقوله تعالى ومن آياته يريكم البرق الروم وهو في الحديث مرفوع المحل بالخبرية لمبتدأ محذوف أي هو يعني العمل الذي إذا عملته دخلت الجنة هو عبادة الله الخ ثم قيل المراد بالعبادة التوحيد للعطف والأصل المغايرة وهو شامل للنبوة لأنه لا يعتبر بدونها فذكره مغن عن ذكرها وقيل السائل كان مؤمنا فذكره لشرفه وكونه أصلا وقيل إنه من باب عطف الخاص على العام ولا تشرك به شيئا أي من الأشياء أو من الشرك جليا أو خفيا والجملة حالية أي غير مشرك وهو يؤيد أن المراد بالعبادة التوحيد وهذه الجملة تفيد التأكيد وعلى الثاني قيل إنما ذكره ردا على الكفار حيث قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى الزمر وبيانا لأن العبادة لا تكمل إلا إذا سلمت من طرق الرياء قال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا الكهف قال العارفون التعبد إما لنيل الثواب أو التخلص من العقاب وهي أنزل الدرجات وتسمى عبادة لأن معبوده في الحقيقة ذلك المطلوب بل نقل الفخر الرازي إجماع المتكلمين على عدم صحة عبادته أو للتشرف بخدمته تعالى والإنتساب إليه وتسمى عبودية وهي أرفع من الأولى ولكنها ليست خالصة له أو لوجهه تعالى وحده من غير ملاحظة شيء آخر وتسمى عبودة وهي أعلى المقامات وأرفع الحالات وتقيم الصلاة المكتوبة أي المفروضة على الأعيان بشرائطها وأركانها المعلومة وتؤدي أي تعطي الزكاة المفروضة والتغاير بينهما للتفنن وهي هنا للتأكيد لئلا يتوهم المعنى اللغوي وهو مطلق الصدقة بخلاف الأولى فإنها احترازية والمعنى أداء مقدارها المعينة لمصارفها المقررة وتصوم رمضان ولا يكون إلا مفروضا ولذا لم يقيده ومن ثم صح صومه بنية مطلقة قال أي الأعرابي والذي نفسي بيده فيه جواز اليمين


لغير ضرورة لا أزيد على هذا أي ما ذكر شيئا أي من عندي ولا أنقص منه وقيل لا أزيد على هذا السؤال ولا أنقص في العمل مما سمعته أو كان الرجل وفدا فالمعنى لا أزيد على ما سمعت في تبليغه ولا أنقص منه ولما كانت العبادة شاملة لفعل الواجبات وترك المنكرات أو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر صح إثبات النجاة له بمجرد ذلك ويؤيده رواية البخاري فأخبره رسول الله بشرائع الإسلام فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله تعالى علي شيئا وقيل قصد به المبالغة في التصديق والقبول أي قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولا لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقص فيه من طريق القبول قيل وهذا قبل مشروعية النوافل ولا حاجة إلى هذا فإنها متممات ومكملات للفرائض لا زيادة عليها مع أنه قد يقال مراده أنه لا يزيد على الأجناس المذكورة ولم يذكر هنا الحج ولا الصوم في رواية ولا الزكاة في أخرى ولا الإيمان في أخرى وذكر في بعضها صلة الرحم وفي بعضها أداء الخمس وأجاب ابن الصلاح كالقاضي عياض بأن سبب ذلك تفاوت الرواة حفظا وإتقانا


فلما ولى أي أدبر الأعرابي وذهب قال النبي من سره أي أوقعه في السرور وأعجبه والفاعل هو أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر جواب الشرط أو خبر متضمنة إلى هذا أي هذا الرجل لعزمه على فعل المأمورات وترك المحظورات فعلى من أراد اللحوق به في ذلك أن يصمم على ما صمم عليه ليكون من الناجين وليحشر مع السابقين فيحتمل أن تكون الإشارة إلى الفرد الجنسي وهو ظاهر أو إلى الفرد الشخصي وهو الأظهر ويكون العلم أما بالوحي أو بغلبة الظن متفق عليه وعن سفيان بتثليث السين والضم هو المشهور بن عبد الله أي ابن ربيعة الثقفي بفتحتين نسبة إلى قبيلة ثقيف يكنى أبا عمرو وقيل أبا عمرة يعد في أهل الطائف له صحبة وكان عاملا لعمر بن الخطاب على الطائف مروياته خمسة أحاديث قال قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام أي فيما يكمل به الإسلام ويراعى به حقوقه ويستدل به على توابعه وقيل التقدير في مباديء الإسلام وغاياته قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك أي قولا جامعا لا أحتاج فيه إلى سؤال أحد بعد سؤالك هذا كقوله تعالى وما يمسك فلا مرسل له من بعده فاطر أي من بعد إمساكه وفي رواية غيرك أي لا أسأل عنه أحدا غيرك والأول مستلزم لهذا لأنه إذا لم يسأل أحدا بعد سؤاله لم يسأل غيره وبهذا يظهر وجه أولوية الأول بجعله أصلا والثاني رواية خلافا لما فعل النووي في أربعينه قال قل آمنت بالله أي بجميع ما يجب الإيمان به ثم استقم هذا مقتبس من قوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموه يعني على امتثال الأوامر واجتناب الزواجر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون الأحقاف وفي اية أخرى تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون الآيات فصلت روي عن علي رضي الله عنه أنه قال قلت يا رسول الله أوصني فقال قل ربي الله ثم استقم قال قلت ربي الله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب فقال ليهنك العلم أبا الحسن وهذا الحديث من جوامع الكلم الشامل


لأصول الإسلام التي هي التوحيد والطاعة فالتوحيد حاصل بقوله آمنت بالله والطاعة بأنواعها مندرجة تحت قوله ثم استقم لأن
الإستقامة امتثال كل مأمور واجتناب كل محذور فيدخل فيه أعمال القلوب والأبدان من الإيمان والإسلام والإحسان إذ لا تحصل الإستقامة مع شيء من الإعوجاج ولذا قالت الصوفية الإستقامة خير من ألف كرامة أو تقول آمنت بالله شامل للإتيان بكل الطاعات والإجتناب عن كل المنهيات وقوله ثم استقم محمول على الثبات فيهما ولعظمة أمر الإستقامة قال عليه السلام شيبتني سورة هود لأنه نزل فيها فاستقم كما أمرت وهي جامعة لجميع أنواع التكاليف وقالت الصوفية لأن الدعوة إلى الله مع كون المدعو على الصراط المستقيم أمر صعب لا يمكن إلا إذا كان الداعي على بصيرة يرى أنه يدعوه من اسم إلى اسم قال ابن عباس في قوله تعالى فاستقم كما أمرت هود ما نزل على رسول الله في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية ولذا قال عليه الصلاة والسلام لما قالوا له قد أسرع إليك الشيب شيبتني هود وأخواتها وقال الفخرالرازي الإستقامة أمر صعب شديد لشمولها العقائد بأن يجتنب التشبيه والتعطيل والأعمال بأن يحترز عن التغيير والتبديل والأخلاق بأن يبعد عن طرفي الإفراط والتفريط وقال الغزالي الإستقامة على الصراط فيس الدنيا صعب كالمرور على صراط جهنم وكل واحد منهما أدق من الشعر وأحد من السيف ا ه ومما يؤيد صعوبة هذا المرقى خبر استقيموا ولن تحصوا أي ولن تطيقوا أن تستقيموا حق الإستقامة ولكن اجتهدوا في الطاعة حق الإطاعة فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله وفيه تنبيه نبيه على أن أحدا لا يظن بنفسه الإستقامة ولا يتوهم أنه خرج بالكلية من صفة النفس اللوامة فيقع في العجب والغرور اللذين هما أقبح من كل ما يترتب عليه الملامة نسأل الله السلامة وقد يقال السين لطلب القيام والثبات على الحالات والمقامات في جميع الساعات إلى الممات ثم قد يقال الحكمة في عدم


الإطاقة على دوام الإطاعة أن تراب الإنسان عجن بماء النسيان الناشىء عنه العصيان ولذا قال عليه الصلاة والسلام كلكم خطاؤن وخير الخطائين التوابون فجنس الإنسان كنوع النسوان التي خلقن من الضلع الأعوج فلا يتصور منهن الإستقامة على صفة الإدامة وكل ميسر لما خلق له ولا يزول طبع عما جبل عليه كما ورد في حديث الإشارة إليه هذا ولفظة ثم مستعارة للتراخي الرتبي لأن الإستقامة أفضل من قوله آمنت بالله لشمولها العقائد والأعمال والأخلاق ذكره الزمخشري والإمام وهي لغة ضد الإعوجاج أي الإستواء في


جهة الإنتصاب وتنقسم إلى استقامة العمل وهو الإقتصاد فيه غير متعد من منهج السنة ولا متجاوز عن حد الإخلاص إلى الرياء والسمعة أو رجاء العوض أو طلب الغرض واستقامة القلب وهي الثبات على الصواب وعند المحققين هي استواء القصد في السير إلى الله وثبات القوى على حدودها بالأمر والنهي وهي دون الإستقامة في السير في الله لأن هذه في الطريق والسلوك إليه بأحدية الطريق المستقيم وأما السير في الله فهو الإتصاف بصفاته والإستقامة في الله دون الإستقامة في السير في الله المأمور بها نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في قوله فاستقم كما أمرت لأن تلك في مقام جمع الجمع والبقاء بعد الفناء والأولى للمريدين والثانية للمتوسطين واستقامة الروح وهي الثبات على الحق والسر وهي الثبات على الحقيقة قال القشيري الإستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيما ضاع سعيه وخاب جهده وأنشد إذا أفشيت سرك ضيق صدر أصابتك الملامة والندامة وإن أخلصت يوما في فعال تنال جزاءه بالاستقامة وقال بعض العارفين معنى الحديث أنه إذا وفقت بالتوحيد ورؤية جلال قدمه فدر مع الحق حيث دار أما قضاء وأما رضاء ولا تنزل عن مقام الرضا إلى فترة النفس والهوى وقال الغزالي لعزة الإستقامة والإحتياج إليها في كل حالة أمر الله تعالى عباده بقراءة الفاتحة المتضمنة للدعاء بالإستقامة أمر وجوب في الأوقات الخمسة نسأل الله تعالى الإستقامة الشاملة بحسن الخاتمة رواه مسلم ورواه النسائي والترمذي وابن ماجة وزاد قلت يا رسول الله ما أخوف ما أخاف علي فأخذ بلسانه ثم قال هذا وقال الترمذي حسن صحيح وزاد في الإحياء قلت ما أتقي فأومأ بيده إلى لسانه وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يكنى أبا محمد القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة أسلم قديما وشهد المشاهد كلها غير بدر وضرب له سهمه لأن النبي كان بعثه مع سعيد بن زيد يتعرفان خبر العير التي كانت لقريش


مع أبي سفيان بن حرب فعادا يوم اللقاء ببدر ووقى النبي يوم أحد بيده فشلت أصبعه وجرح يومئذ أربعة وعشرين جراحة وقيل كانت فيه خمس وسبعون بين طعنة وضربة ورمية وسماه النبي طلحة الخير وطلحة الجود قتل في وقعة الجمل سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة وله أربع وستون
سنة روى عنه جماعة قال جاء رجل قيل هو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر إلى رسول الله متعلق بجاء من أهل نجد صفة رجل والنجد في الأصل ما ارتفع من الأرض ضد التهامة وهو الغور سميت به الأرض الواقعة بين تهامة أي مكة وبين العراق ثائر الرأس بالثاء المثلثة من ثار الغبار إذا ارتفع وانتشر أي منتشر شعر الرأس غير مرجله بحذف المضاف أو سمى الشعر رأسا مجازا تسمية للحال باسم المحل أو مبالغة بجعل الرأس كأنه المنتشر وهو مرفوع على أنه صفة عند الأكثر وقيل إنه منصوب على الحالية من رجل لوصفه وقيل إنه الرواية نسمع دوي صوته أي شدته وبعده في الهواء فلا يفهم منه شيء كدوي النحل والذباب وهو بفتح الدال وضمه رواية ضعيفة وبكسر الواو وتشديد الياء وهو منصوب على المفعولية ونسمع بصيغة المتكلم المعلوم على الصحيح وفي بعض النسخ بالياء مجهولا ورفع دوي على النيابة وكذا الوجهان في قوله ولا نفقة أي لا نفهم من جهة البعد ما يقول لضعف صوته حتى دنا أي من رسول الله كما في نسخة صحيحة أي إلى أن قرب ففهمنا فإذا للمفاجأة هو أي الرجل يسأل عن الإسلام أي عن فرائضه التي فرضت على من وحد الله وصدق رسوله لا عن حقيقته ولذا لم يذكر الشهادتين ولكون السائل متصفا به فلا حاجة إلى ذكره ويؤيده رواية البخاري أيضا أخبرني ماذا فرض الله علي ويمكن أنه سأل عن ماهية الإسلام وقد ذكر الشهادة ولم يسمعها الراوي أو نسيها أو اختصرها لكونها معلومة عند كل أحد وقيل لم يذكر الحج لأن الحديث حكاية حال الرجل خاصة لقوله علي فأجابه عليه الصلاة والسلام بما عرف من حاله ولعله لم يكن ممن يجب الحج عليه أو لأنه لم يفرض


حينئذ أو أسقط من بعض الرواة ويؤيده رواية البخاري فأخبره النبي بشرائع الإسلام فقال رسول الله خمس صلوات في اليوم والليلة بالرفع على الصحيح وهو خبر مبتدأ محذوف أي الإسلام والمراد فرضه إقامة خمس صلوات أو مبتدأ محذوف الخبر أي من شرائعه أداء خمس صلوات ويجوز نصبه بتقدير خذ أو اعمل أو صل وهو أحسن وأغرب ابن حجر فأعرب بقوله بالجر بدلا من الإسلام أو بقسيميه أي هو أو خذ ا ه والذي اختاره من الجر لا يصح رواية ودراية أما الأول فيظهر لك من تتبع النسخ المصححة وأما الثاني فلأن البدل والمبدل لا يكونان إلا في كلام شخص واحد وأن المقول لا يكون إلا جملة فأحد جزأيه الموجود يتعين أن يكون مرفوعا وأنه إذا جعل بدلا لا يبقى للسؤال جوابا فلا يتفرع عليه قوله فقال أي الرجل هل علي أي يجب من الصلاة غيرهن أي في اليوم والليلة أو الجار خبر مقدم وغيرهن مبتدأ مؤخر فقال لا أي لا لشيء عليك غيرها وهذا قبل وجوب الوتر أو أنه تابع للعشاء وصلاة العيد


ليست من الفرائض اليومية بل هي من الواجبات السنوية إلا أن بفتح الهمزة تطوع بتشديد الطاء والواو وأصله تتطوع بتاءين فأبدلت وأدغمت وروي بحذف إحداهما وتخفيف الطاء والمعنى إلا أن تشرع في التطوع فإنه يجب عليك إتمامه لقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم محمد ولإجماع الصحابة على وجوب الإتمام وقول ابن حجر هذا مجرد دعوى بلا سند مردود لأن ذكر السند ليس بشرط لصحة الإجماع مع أن الآية المذكورة سند معتمد لصحة الإجماع المسطور وقول ابن حجر إن النهي فيه للتنزيه مخالف للأصل الذي عليه الجمهور وقوله على أنه يلزم الحنفية حيث استدلوا به أن يقولوا إن الإتمام فرض وهم إنما يقولون بوجوبه مدفوع بأن الآية قطعية والدلالة ظنية وقوله واستثناء الواجب من الفرض منقطع ممنوع فإن الواجب عندنا فرض عملي لا اعتقادي وبهذا الإعتبار يطلق عليه أنه فرض فالمراد بالفرض في الحديث المعنى الأعم والله أعلم مع أنه لا محذور في جعل الإستثناء منقطعا لصحة الكلام كما اختاره في هذا المقام وقوله على أنه من النفي لا يفيد الإثبات بل الحكم مسكوت عنه عندهم مدخول فإن هذا إنما يرد عليهم لو استدلوا بهذا الحديث وتقدم أن دليلهم الآية والإجماع وإنما حملوا لفظ الحديث على المعنى المستفاد منهما ثم هذا مطرد في جميع العبادات عندنا حيث يلزم النفل بالشروع ووافقنا الشافعي في الحج والعمرة فعليه الفرق وإلا فيكفينا قياس سائر العبادات عليهما أيضا والمعنى إلا أن توجب على نفسك بالنذر والأصل في الإستثناء أن يكون متصلا وعدل عنه ابن حجر فقال لكن التطوع مستحب فهو استثناء من مدخول لا منقطع وحينئذ فلا يدل على إيجاب إتمام التطوع بالشروع فيه أقول يحتمل أن يكون الإستثناء منقطعا والمعنى لكن التطوع باختيارك أي ابتداء كما هو مذهبنا أو انتهاء أيضا كما هو مذهب الشافعي وفيه حث على الخيرات وترك الوقوف على مجرد الواجبات قال رسول الله وصيام شهر رمضان عطف على خمس وجملة السؤال


والجواب معترضة قال هل علي غيره أي هل علي صوم فرض سوى صوم رمضان قال بحذف الفاء في الأصول الحاضرة لا فلا يجب صوم عاشوراء سواء كان واجبا قبل رمضان أم لا إلا أن تطوع قال أي طلحة وذكر له رسول الله الزكاة هذا قول الراوي فإنه نسي ما نص عليه رسول الله أو التبس عليه فقال ذكر الزكاة وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ معتبرة في الرواية فإذا التبس عليه بعضها يشير في ألفاظه إلى ما ينبىء عنه كما فعل راوي هذا الحديث فقال هل علي غيرها قال لا قيل يعلم منه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة بشروطها وهو ظاهر إن أريد به الحقوق الأصلية المتكررة تكررها وإلا فحقوق المال كثيرة كصدقة الفطر ونفقة ذوي الأرحام والأضحية إلا أن تطوع قال أي طلحة فأدبر الرجل وهو أي والحال أن ذلك الرجل يقول والله لا أزيد على هذا أي في الإبلاغ أو في نفس الفرضية ولا أنقص منه أي شيئا وفي رواية


البخاري لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا فقال رسول الله أفلح الرجل أي دخل في الفلاح والمعنى فاز وظفر وأدرك بغيته وهي ضربان دنيوي وهو الظفر بما يطيب معه الحياة والأسباب وأخروي وهو ما يحصل به النجاة من العذاب والفوز بالثواب قالوا ولا كلمة أجمع للخيرات منه ومن ثم فسر بأنه بقاء بلا فناء وغني بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل وفي رواية أفلح والله وفي أخرى صحيحة بلا شك وفي رواية أفلح وأبيه وفيه إشكال لأنه ورد من حلف بغير الله فقد أشرك فقيل إنه قبل النهي وقيل فيه حذف مضاف أي ورب أبيه وقيل إنه والله وإن الكاتب قصر اللامين وقيل إن الكراهة في غير الشارع كما نقله البيهقي عن بعض مشايخه وأغرب ابن حجر فضعف الأقوال المذكورة جميعها وحمل على أن هذا وقع من غير قصد وهو في غاية من البعد إن صدق بكسر الهمزة على الصحيح وفي نسخة بفتحها أي لصدقه ولا إشكال فيه وعلى الأول قيل إنما حكم عليه الصلاة والسلام بكونه من أهل الجنة مطلقا في رواية أبي هريرة وهنا علق الفلاح بصدقه والحال أنه روي أن الحديثين واحد لأنه يحتمل أنه قال بحضور الأعرابي لئلا يغتر فيشكل عليه فلما ذهب قال من سره الخ وقيل يحتمل أن يكون قبل أن يطلعه الله على صدقه ثم أطلعه الله عليه ويمكن أن يقال لا يلزم من كون الرجل من أهل الجنة أن يكون مفلحا لأن المفلح هو الناجي من السخط والعذاب فكل مؤمن من أهل الجنة وليس كل مؤمن مفلحا ولذا قال تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون الآيات المؤمنون وقال هدى للمتقين الآيات البقرة ثم قال وأولئك هم المفلحون البقرة متفق عليه ورواه أبو داود والنسائي وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو عبد الله بن عباس ابن عم النبي وأمه لبابة بنت الحرث أخت ميمونة زوج النبي ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي النبي وهو ابن ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة وقيل عشر كان حبر هذه الأمة وعالمها ودعا له النبي بالحكمة والفقه


والتأويل ورأى جبريل عليه السلام مرتين وكان عمر بن الخطاب يقربه ويشاوره بين أجلة الصحابة وكف بصره في آخر عمره ومات بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير وهو ابن إحدى وسبعين سنة وروى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين قال إن وفد عبد القيس الوفد جمع وافد وهو الذي أتى إلى الأمير برسالة
من قوم وقيل رهط كرام وعبد القيس أبو قبيلة عظيمة تنتهي إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وربيعة قبيلة عظيمة في مقابلة مضر وكان قبيلة عبد القيس ينزلون البحرين وحوالي القطيف وما بين هجر إلى الديار المضرية وكانت وفادتهم سنة ثمان وسببها أن منقذ بن حبان منهم كان يتجر إلى المدينة فمر به النبي فقام إليه فسأله عن أشراف قومه مسميا له بأسمائهم فأسلم وتعلم الفاتحة واقرأ باسم ربك ثم رحل إلى هجر ومعه كتابه عليه الصلاة والسلام فكتمه أياما لكن أنكرت زوجته صلاته ومقدماتها فذكرت ذلك لأبيها المنذر رئيسهم فتجاذبا فوقع الإسلام في قلبه ثم ذهب بالكتاب إلى قومه وقرأه عليهم فأسلموا وأجمعوا على المسير إليه عليه الصلاة والسلام فتوجه منهم أربعة عشر راكبا فحين قربوا من المدينة قال عليه الصلاة والسلام لجلسائه أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج أي المنذر سماه عليه الصلاة والسلام بذلك لأثر بوجهه وروي أنهم أربعون وجمع بأن لهم وفادتين أو بأن أشرافهم أربعة عشر لما أتوا النبي أي حضروه قال أي رسول الله كما في نسخة من القوم بفتح الميم أو من الوفد شك من الراوي والظاهر أنه ابن عباس والسؤال إنما هو للإستئناس قالوا ربيعة أي قال بعض الوفد نحن ربيعة أو وفد ربيعة أو قال بعض الصحابة هم ربيعة أو وفد ربيعة على حذف مضاف وفي نسخة بالنصب أي تسمى ربيعة أو يسمون ربيعة قال مرحبا بالقوم أو بالوفد أي أصاب الوفد رحبا وسعة أو أتى القوم موضعا واسعا فالباء زائدة في الفاعل ومرحبا مفعول به لمقدر أو أتى الله بالقوم مرحبا فالباء للتعدية ومرحبا


مفعول مطلق وقيل هو من المفاعيل المنصوبة بمضمر وجوبا لكثرة دورانه على الألسنة ويقال هذا للتأنيس وإزالة الحزن والإستحياء عن نفس من أتاهم من وافد أو باغي خير أو قاصد حاجة وتقدير ابن حجر صادفتم أو أصبتم غير ظاهر مع وجود القوم غير خزايا بفتح الخاء جمع خزيان من الخزي وهو الذل والإهانة ونصبه على الحال من الوفد والعامل فيه الفعل المقدر في مرحبا وفي رواية للبخاري بالوفد الذين جاؤا غير خزايا وجوز جره على أنه بدل من القوم وأغرب ابن حجر فقال وروي بالكسر صفة ووجه غرابته أن المحققين على أن غير متوغلة في النكرة بحيث إنها لا تصير معرفة بالإضافة ولو إلى المعرفة ولا ندامى جمع ندمان بمعنى نادم أو جمع نادم على غير قياس إذ قياسه نادمين ازدواجا للخزايا والمعنى ما كانوا بالإتيان إلينا خاسرين خائبين لأنهم ما تأخروا عن الإسلام ولا أصابهم قتال ولا سبي فيوجب استحياء أو افتضاحا أو ذلا أو ندما قالوا يا رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك أي في جميع الأزمنة إلا في الشهر من الشهرة والظهور الحرام والمراد به الجنس لأن الأشهر الحرام أربعة ذو القعدة وذو


الحجة ومحرم متوالية ورجب فرد قال تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم التوبة وإنما قالوا ذلك اعتذارا عن عدم الإتيان إليه عليه الصلاة والسلام في غير هذا الوقت لأن الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضا ويكفون في الأشهر الحرم تعظيما لها وتسهيلا على زوار البيت الحرام من الحروب والغارات الواقعة منهم في غيرها فلا يأمن بعضهم بعضا في المسالك والمراحل إلا فيها ومن ثم كان يمكن مجيء هؤلاء إليه عليه الصلاة والسلام فيها دون ما عداها لأمنهم فيها من كفار مضر الحاجزين بين منازلهم وبين المدينة وكان هذا التعظيم في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وبيننا وبينك هذا الحي الجملة حال من فاعل نأتيك أو بيان لوجه عدم الإستطاعة وأصل الحي منزل القبيلة سميت به اتساعا لأن بعضهم يحيا ببعض أو يحيى بعضهم بعضا من كفار مضر تبعيضية أو بيانية وهو الأظهر ومضر غير منصرف على الأصح وهو ابن نزار بن معد بن عدنان فهو أخو ربيعة أبي عبد القيس فمرنا بأمر الأظهر أن الأمر بمعنى الشأن واحد الأمور والباء صلة والتنكير للتعظيم والمراد به معنى اللفظ ومورده وقيل الأمر واحد الأوامر أي القول الطالب للفعل والتنكير للتقليل والباء للإستعانة والمراد به اللفظ والمأمور به محذوف أي مرنا نعمل بقولك آمنوا أو قولوا آمنا وأغرب ابن حجر في قوله ومن ثم قال الراوي أمرهم بالإيمان ا ه فإنه يدل على أن الأمر بمعنى الشأن لأنه لو كان كما قال لقال الراوي قال عليه الصلاة والسلام لهم آمنوا أو قولوا آمنا فصل بمعنى فاصل بين الحق والباطل وهو صفة لأمر أي أمر قاطع أو بمعنى مفصل لتفصيله الإيمان بأركانه الخمسة أو مفصول أي مبين واضح يفصل به المراد من غيره وحكى الإضافة نخبر بالرفع على أنه صفة ثانية لأمر أو استئناف وبالجزم على جواب الأمر به أي بسببه كذا قيل والظاهر أنها للتعدية من


وراءنا بفتح الميم والهمزة أي من خلفنا من قومنا أو من بعدنا ممن يدركنا قال ابن حجر وفي رواية أخرى بكسرهما ا ه وهو غير موجود في النسخ المصححة ويحتاج إلى تقدير المفعول وندخل عطف على نخبر بصيغة الفاعل وفي نسخة بصيغة المفعول به أي بسبب قبول أمرك والعمل به أو بالإخبار به المفهوم من نخبر الجنة أي مع الفائزين وقال ابن حجر مع الناجين ا ه وفيه مناقشة لا تخفى ودخول الجنة إنما هو بفضل الله لكن العمل الصالح سببه كما أن الأكل سبب الشبع والمشبع هو الله تعالى بفضله إذ لا يجب على الله سبحانه أو المضاف مقدر أي درجاتها فإنها في مقابلة الأعمال ودخول الجنة بالإفضال قال ابن حجر وهذا على حد وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون الزخرف أي بعملكم ولا ينافيه خبر لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله لأن المراد نفي كون العمل سببا مستقلا في


الدخول بدليل قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وهذا أولى من الجواب بأن الباء في الآية للملابسة أي أورثتموها ملابسة لأعمالكم أي لثوابها أو للمقابلة كبعته بدرهم أو المراد الجنة العالية أو بأن درجاتها بالعمل ودخولها بالفضل وقال النووي الدخول بسبب العمل والعمل من رحمته تعالى أي فلم يقع الدخول إلا برحمة الله واعترض بأن المقدمة الأولى خلاف صريح الحديث ويدفع بأن المراد به ما تقرر من انتفاء كونه سببا مستقلا مع قطع النظر عن كونه من الرحمة إذ القصد به الرد على من يرى عمله متكفلا بدخولها من غير ملاحظة لكونه من جملة رحمة الله ا ه والتحقيق أن المراد بالحديث انتفاء دخولها بالعمل على وجه العدل وإثباته على طريق الفضل فما بينهما تناف يقبل الفصل وسألوه أي الوفد عن الأشربة جمع شراب وهو ما يشرب أي عن حكم ظروفها بحذف المضاف أو عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة بحذف الصفة والمراد عن حكمها فأمرهم بأربع أي بأربع خصال تنبيها على أنها الأهم بالسؤال والأتم في تحصيل الكمال ونهاهم عن أربع أي أربع خصال وهي أنواع الشرب باعتبار أصناف الظروف الآتية أمرهم بالإيمان بالله وحده نصب على الحال أي واحدا في الذات منفردا في الصفات لا شريك له في الأفعال وهذا الأمر توطئة فإن الأمر والنهي من فروع التكاليف وهي موقوفة على الإيمان فإنه شرط صحتها ومبدأ ثبوتها قال أتدرون ما الإيمان بالله وحده ذكره تنبيها لهم على تفريغ أذهانهم لضبط ما يلقى إليهم فيكون أوقع في نفوسهم قالوا الله ورسوله أعلم تأدبا وطلبا للسماع منه لأن القوم كانوا مؤمنين فلا وجه لقول ابن حجر هو بمعنى عالم على حد الله أعلم حيث يجعل رسالته الأنعام ثم أغرب في قوله ويؤخذ منه الرد على من نازع في قول الفقهاء عقب نحو فتاويهم وأبحاثهم والله أعلم وعلى من فصل فقال يقول المجيب في العقائد وبالله التوفيق وفي الفروع والله أعلم ا ه فإنه


تناقض بين تأويله وأخذه قال قيل أي الإيمان بالله وحده الذي هو بمعنى الإسلام إذ كل يطلق بمعنى الآخر ومن ثم فسره عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث بما فسر به الإيمان هنا كذا قاله ابن حجر وهو تأويل حسن لولا قوله بالله وحده قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله برفع شهادة لا غير على أنها خبر مبتدأ محذوف هو هو وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان بجر الثلاثة وهو الأظهر أو برفعها على ما سيأتي بيانها قال القاضي عياض وإنما لم يذكر الحج لأن وفادة عبد القيس كانت عام الفتح ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على


الأشهر وأن تعطوا من المغنم بفتح الميم والنون أي الغنيمة الخمس بضم الميم وسكونها قال ابن الصلاح وأن تعطوا عطف على قوله بأربع فلا يكون واحدا منها وإن كان واحدا من مطلق شعب الإيمان ا ه فيكون هذا من باب زيادة الإفادة قال الطيبي في الحديث إشكالان أولهما أن المأمور به واحد والأركان تفسير للإيمان بدلالة قوله أتدرون ما الإيمان وثانيهما أن الأركان أي المذكورة خمسة وقد ذكر أربعة أي أولا وأجيب عن الأول بأنه جعل الإيمان أربعا نظرا إلى أجزائه المفصلة وعن الثاني بأن عادة البلغاء إذا كان الكلام منصبا لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له وكأن ما سواه مطروح فههنا ذكر الشهادتين ليس مقصودا لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة بدليل قولهم الله ورسوله أعلم ا ه ويدل عليه ما جاء في رواية للبخاري أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا خمس ما غنمتم ولا تشربوا في الدباء والحنتم والنقير والمزفت ا ه وبهذه الرواية تندفع الإشكالات ويرجع إليها التأويلات لكني ما أقول ما قاله الطيبي من أن ذكر الشهادتين ليس مقصودا بل أقول هو المقصود بالذات وإنما المذكورات بيان شعبها المعظمة وأركانها المفخمة ومحمل كلام الطيبي أنه ليس مقصودا من الأربع بل هو جملة معترضة بين الأربع وبين مبينها و قال السيد جمال الدين قيل هذا الحديث لا يخلو عن إشكال لأنه إن قرىء وإقام الصلاة الخ بالرفع على أنها معطوفة على شهادة ليكون المجموع من الإيمان فأين الثلاثة الباقية وإن قرئت بالجر على أنها معطوفة على قوله بالإيمان يكون المذكور خمسة لا أربعة وأجيب على التقدير الأول بأن الثلاثة الباقية حذفها الراوي اختصارا أو نسيانا وعلى التقدير الثاني بأنه عد الأربع التي وعدهم ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر وكانوا أهل جهاد وغنائم ا ه والأظهر اختيار الجر والمجرورات الأربعة بالعطف هي المأمورات


ويكون ذكر الإيمان لشرفه وفضله وبيان أساسه وأصله سواء كانوا مؤمنين أو مرتدين ويكون قوله أمرهم بالإيمان إلى آخر الشهادتين كجملة معترضة ويكون التقدير أمرهم بالإيمان أيضا بدليل اتفاق أهل السنة على أن الأركان ليست من أجزاء الإيمان وللرواية السابقة عن البخاري ونهاهم عن أربع أي خصال وهي الإنتباذ في الظروف الأربعة والشرب منها عن الحنتم بدل بإعادة الجار وهو بفتح الحاء الجرة مطلقا أو خضراء أو حمراء أعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر من مضر أو أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف أو جرار تعمل من طين وأدم وشعر أقوال للصحابة وغيرهم ولعلهم كانوا ينتبذون في ذلك كله والدباء بضم الدال وتشديد الباء ويمد ويقصر وعاء القرع وهو اليقطين اليابس والنقير بفتح فكسر جذع ينقر وسطه وينبذ


فيه والمزفت بتشديد الفاء المفتوحة المطلي بالزفت ويقال له القار والقير وربما قال ابن عباس المقير بدل المزفت والمراد بالنهي ليس استعمالها مطلقا بل النقيع فيها والشرب منها ما يسكر وإضافة الحكم إليها خصوصا إما لإعتيادهم استعمالها في المسكرات أو لأنها أوعية تسرع بالإشتداد فيما يستنقع لأنها غليظة لا يترشح منها الماء ولا ينفذ فيه الهواء فلعلها تغير النقيع في زمان قليل ويتناوله صاحبه على غفلة بخلاف السقاء فإن التغير فيه يحدث على مهل والدليل على ذلك ما روي أنه قال نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا وقيل هذه الظروف كانت مختصة بالخمر فلما حرمت الخمر حرم النبي استعمال هذه الظروف إما لأن في استعمالها تشبيها بشرب الخمر وإما لأن هذه الظروف كانت فيها أثر الخمر فلما مضت مدة أباح النبي استعمال هذه الظروف فإن أثر الخمر زال عنها وأيضا في ابتداء تحريم شيء يبالغ ويشدد ليتركه الناس مرة فإذا تركه الناس واستقر الأمر يزول التشديد بعد حصول المقصود هذا وذهب مالك وأحمد إلى أن تحريم الإنتباذ في هذه الظروف باق لم ينسخ لأن ابن عباس استفتي عن الإنتباذ فذكره فلو نسخ لم يذكره ويرد بأنه لم يبلغه النسخ فلا يكون إيراده له حجة على من بلغه وقال أي النبي احفظوهن أي الكلمات المذكورات من المأمورات والمنهيات واعملوا بهن وأخبروا بهن أي أعلموهن من وراءكم أي الذين خلفكم من القوم لتكونوا عالمين معلمين وكاملين مكملين وفي بعض النسخ بكسر الميم وجر ما بعده وهو غير ظاهر لإحتياجه إلى تقدير المفعول متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي ولفظه أي لفظ الحديث للبخاري يعني ولمسلم معناه فبهذا المعنى صار الحديث متفقا عليه وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه بضم العين وتخفيف الموحدة يكنى أبا الوليد الأنصاري كان نقيبا وشهد العقبة الأولى والثانية والثالثة وشهد بدرا والمشاهد كلها ثم وجهه عمر إلى الشام


قاضيا ومعلما فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين ومات بها في الرملة وقيل ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين وهو ابن ثنتين وسبعين روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنه قال قال رسول الله وحوله نصبه على الظرف وهو خبر لقوله عصابة بالكسر اسم جمع كالعصبة لما بين العشرة إلى الأربعين من العصب وهو الشد كأن بعضهم يشد بعضا أو من العصب لأنه يشد الأعضاء والجملة حالية من
أصحابه صفة لعصابة بايعوني أي عاقدوني وعاهدوني تشبيها لنيل الثواب في مقابلة الطاعة بعقد البيع الذي هو مقابلة مال بمال ووجه المفاعلة أن كلا من المتبايعين يصير كأنه باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته قال الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الآية التوبة على أن لا تشركوا بالله شيئا مفعول به أو مفعول مطلق قيل الصحيح أن المراد به الرياء ولا تسرقوا وهو أخذ مال الغير محرزا بخفية ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم بدفنهم أحياء فصبيانكم خشية إملاق وافتقار وبناتكم خوف لحوق عار وعيب ولا تأتوا ببهتان الباء للتعدية وهو الكذب الذي يبهت سامعه قيل المراد به القذف تفترونه أي تختلقونه وتخترعونه صفة بهتان بين أيديكم وأرجلكم أي من عند أنفسكم وعبر بهما عن الذات والنفس لأن معظم الأفعال تزاول وتعالج باليد والرجل وقيل معناه لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحا وشفاها كيلا يشاجر بعضكم بعضا كما يقال فعلت هذا بين يديك أي بحضرتك وهذا النوع أشد البهت أو لا تنسبوه مبنيا على ظن فاسد وغش مبطن من ضمائركم وقلوبكم التي هي بين أيديكم وأرجلكم وقيل معناه ولا تلحقوا بالرجال الأولاد من غير أصلابهم فإن إحداهن في الجاهلية كانت تلتقط المولود وتقول لزوجها هو ولدي منك فعبر بالبهتان المفتري بين يديها ورجلها عن الولد الذي تلحقه بزوجها كذبا لأن بطنها الذي يحمله بين يديها وفرجها الذي تلد منه بين رجليها ولا تعصوا بضم الصاد تعميم بعد تخصيص في معروف ما عرف في الشرع


حسنه أو قبحه فمن وفى منكم بالتخفيف ويشدد فأجره على الله قال الطيبي لفظ وفى دل على أن الأجر إنما ينال بالوفاء بالجميع لأن الوفاء هو الإتيان بجميع ما التزمه من العهود والحقوق وأما العقاب فإنه ينال بترك أي واحد كان ا ه وفيه أنه إن كان المراد بالأجر كما له فالأمر كذلك وإلا فلا يتوقف أجر امتثال طاعة أو اجتناب معصية على الآخر ويدل عليه المذهب الصحيح أن التوبة عن بعض الذنوب صحيحة خلافا للخوارج ومن أصاب من ذلك أي المذكور شيئا فعوقب أي به كما في نسخة صحيحة يعني أقيم عليه الحد في الدنيا فهو أي الحد أو العقاب كفارة له وزاد في نسخة وطهور بفتح الطاء أي يكفر إثم ذلك ولم يعاقب به في الآخرة وهذا خاص بغير الشرك وأخذ أكثر العلماء من هذا أن الحدود كفارات وخبر لا أدري الحدود كفارات أم لا أجابوا عنه بأنه قبل هذا الحديث لأنه فيه نفي العلم وفي هذا إثباته والمعنى لا يعاقب عليه في الآخرة بل على عدم التوبة منه إن مات قبلها لأن تركها ذنب آخر غير ما وقع العقاب عليه لقوله تعالى ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون الحجرات ويمكن أن يجعل الخلاف لفظيا والله أعلم ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله أي ذلك الشيء المصاب أي عليه كما في نسخة وعلى غيرها أي ستر الله ذلك المصيب أي ذنبه بأن لم يقم الحد عليه


فهو أي المستور إلى الله أي أمره وحكمه من العفو والعقاب مفوض إليه فلا يجب عليه سبحانه عقاب عاص كما لا يجب عليه ثواب مطيع على المذهب الحق إن شاء عفا عنه قدم لسبق رحمته وإن شاء عاقبة رد على المعتزلة فبايعناه على ذلك وتسمى بيعة النساء كما في سورة الممتحنة ولذا قيل عليكم بدين العجائز متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وعن أبي سعيد الخدري منسوب إلى خدرة بضم الخاء وسكون الدال المهملة حي من الأنصار هو سعد بن مالك الأنصاري اشتهر بكنيته كان من الحفاظ المكثرين روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين مات سنة أربع وستين ودفن بالبقيع وله أربع وثمانون سنة رضي الله عنه قال خرج رسول الله في أضحى بفتح الهمزة والتنوين واحده أضحاة لغة في الأضحية أي في عيد أضحى على حذف المضاف بل غلب على عيد النحر فحينئذ مغن عن التقدير كالفطر وفي بعض النسخ بترك التنوين سمي بذلك لأنه يفعل وقت الضحى وهو ارتفاع النهار أو فطر شك من الراوي إلى المصلى أي المسجد الذي يصلي فيه صلاة العيد وهو الموجود إلى اليوم خارج السور في المدينة المشرفة فمر على النساء مر يتعدى بعلي كالباء ويحتمل أنه قصدهن للوعظ أو لما مر بهن وعظهن فقال يا معشر النساء أي جماعتهن والخطاب عام غلبت الحاضرات على الغيب تصدقن أمر لهن أي اعطين الصدقة فإني أريتكن على طريق الكشف أو على سبيل الوحي أكثر أهل النار على صيغة المجهول من أرى إذا أعلم وله ثلاثة مفاعيل أحدها التاء القائمة مقام الفاعل والثاني كن والثالث أكثر أي أعلمت بأنكن أكثر دخولا في النار من الرجال والصدقة تقي منها كل امرىء في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس اتقوا النار ولو بشق تمرة ولأن علة كونهن أكثر أهل النار محبتهن للدنيا وبالتصدق يزول أو ينقص رذيلة البخل الناشىء عن محبتها المذمومة ولهذه النكتة ورد اليد العليا خير من اليد السفلى فقلن وبم يا رسول الله أصله بما حذفت ألف ما الإستفهامية بدخول حرف الجر عليها


تخفيفا والباء للسببية متعلقة بمقدر بعدها والواو إما للعطف على مقدر قبله والتقدير فقلن كيف يكون ذلك وبأي شيء نكن أكثر أهل النار أو زائدة ليدل على أنه متصل بما قبله لا سؤال مستقل بنفسه منقطع عما قبله قال تكثرن اللعن أصله إبعاد الله تعالى العبد من رحمته بسخطه ومن الإنسان الدعاء بالسخط
والإبعاد على نفسه أو غيره وفيه مصادرة لسعة رحمته التي سبقت غضبه ومن ثم اتفق العلماء على تحريمه لمعين ولو كافرا لم يعلم موته على الكفر يقينا إذ كيف يبعد من رحمة الله من لا يعرف خاتمة أمره وإن كان كافرا في الحالة الراهنة لإحتمال أن يموت مسلما بخلاف من علم من الشارع موته كافرا كأبي جهل أو أنه سيموت كذلك كإبليس فإنه لا حرج في لعنه وبخلاف اللعن لا لمعين بل يوصف كلعن الله الواصلة وآكل الربا والكاذب لأنه ينصرف إلى الجنس ولعل وجه التقييد بالإكثار أن اللعن يجري على ألسنتهن لإعتيادهن من غير قصد لمعناه السابق فخفف الشارع عنهن ولم يتوعدهن بذلك إلا عند إكثاره ونظيره ما قاله بعض الأئمة إن الغيبة صغيرة ووجهوه بأن الناس ابتلوا بها فلو كانت كبيرة على الإطلاق كما جرى عليه كثيرون بل حكي عليه الإجماع للزم تفسيق الناس كلهم أو غالبهم وفي ذلك حرج أي حرج وقد يستعمل في الشتم والكلام القبيح يعني عادتكن إكثار اللعن والشتم والإيذاء باللسان وتكفرن بضم الفاء العشير أي المعاشر الملازم وهو الزوج ههنا وكفرانه جحد نعمته وإنكارها أو سترها بترك شكرها و في الحديث ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله يعني شكرا كاملا فإنه شكر المسبب ولم يشكر السبب واستعمال الكفران في النعمة والكفر في الدين أكثر ما رأيت من ناقصات عقل ودين من مزيدة للإستغراق صفة لمفعوله المحذوف أي ما رأيت أحدا من ناقصات وقيل يحتمل أن يكون بيانا لإحداكن على المبالغة أو بالعكس وقوله أذهب صفة لمحذوف أي أحد وعلى الأول صفة أخرى له إن كان بمعنى أبصرت ومفعول ثان لرأيت إن كان بمعنى


علمت والمفضل عليه مفروض مقدر وهو أفعل التفضيل من الإذهاب لمكان اللام في قوله للب الرجل فمعناه أكثر إذهابا للب وهذا جائز على رأي سيبويه كهو أعطاهم للدرهم ثم العقل غريزة يدرك بها المعنى ويمنع عن القبائح وهو نور الله في قلب المؤمن واللب العقل الخالص من شوب الهوى الحازم صفة الرجل أي الضابط أمره وفي ذكره مع ذكر اللب إشعار بأن فتنتهن عظيمة تذهب بعقول الحازمين فما ظنك بغيرهم من إحداكن متعلق بأذهب وإنما لم يقل منكن لأن الواحدة إذا كانت على هذه الصفة الذميمة فكونهن عليها أولى من غير عكس وما أحسن قول جرير في وصف عيوبهن يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله مع أن ديننا ودين الرجل واحد وكلنا معدودون من ذوي العقول ولعلهن خالفن الترتيب السابق الموافق للاحق إشارة إلى الإهتمام بأمر الدين ليتداركن إن كان مما يمكنه التدارك أو إيماء إلى نقصان عقلهن حيث ما راعين


كلام النبوة وما فهمن وجه الترتيب من أن نقصان العقل أمر جبلي مقدم في الوجود ونقصان الدين أمر حادث أو لأن الغالب إنما ينشأ نقصان الدين من نقصان العقل ثم هذا السؤال من حذاقة أولئك الحاضرات ومن ثمة مدحهن بقوله نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين وفي هذا وما قبله حث للمتعلم على مراجعة العالم فيما لم يظهر له معناه قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل لقوله تعالى فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان البقرة قلن بلى قال فذلك إشارة إلى الحكم السابق والكاف لخطاب العام ويحتمل الكسر ولذا لم يقل ذلكن مع كون الخطاب للنساء وقال العسقلاني بكسر الكاف خطاب للواحدة التي تولت الخطاب ويجوز فتحها على أنه خطاب للعام من نقصان عقلها ولذا قال تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى البقرة قال لعل إعادة قال ليدل على أنه قول مستقل راجع إلى نظيره السابق وليس من تتمة هذا القول القريب وهو موجود في أكثر النسخ وأما في أصل السيد جمال الدين ومتن صحيح البخاري فغير موجود والله أعلم أليس اسمها ضمير الشأن وخبرها قوله إذا حاضت لم تصل ولم تصم قلن بلى قال فذلك أي كونها غير مصلية ولا صائمة من نقصان دينها يعني في الجملة لأنها حرمت من ثواب الصلاة فإنها لا تقضي ومن كمال ثواب الصوم حيث لم يقع في وقت الفضيلة مع مشاركة المؤمنين في الطاعة ولعل هذا وجه إيراده في هذا الباب والله أعلم بالصواب متفق عليه ورواه النسائي وابن ماجة وعن أبي هريرة مر ذكره رضي الله عنه قال قال رسول الله قال الله تعالى هذا حديث قدسي والفرق بينه وبين القرآن أن الأول يكون بإلهام أو منام أو بواسطة ملك بالمعنى فيعبره بلفظه وينسبه إلى ربه والثاني لا يكون إلا بإنزال جبريل باللفظ المعين وهو أيضا متواتر بخلاف الأول فلا يكون حكمه حكمه في الفروع كذبني بسكون الياء ويجوز فتحها أي نسبني إلى الكذب ابن آدم أي هذا الجنس والتكذيب هو الإخبار


عن كون خبر متكلم غير مطابق للواقع ولم يكن له ذلك أي ما صح وما استقام وما كان ينبغي التكذيب له
وشتمني الشتم توصيف الشيء بما هو إزراء ونقص فيه وإثبات الولد له كذلك لأنه قول بمماثلة الولد في تمام حقيقته وهي مستلزمة للإمكان المتداعي إلى الحدوث ولم يكن لائقا وحقا له ذلك الشتم فأما تكذيبه إياي تفصيل لما أجمله فقوله لن يعيدني الإعادة هي الإيجاد بعد العدم المسبوق بالوجود فالمعنى لن يحييني بعد موتي كما بدأني أي أوجدني عن عدم وخلقني ابتداء أي كالحالة التي كنت عليها حين بدأني أو إعادة مثل بدئه إياي أو لن يعيدني مماثلا لما بدأني عليه أو لبدئه لي من تراب أي لا يقدر على ذلك أو لا يريد الإعادة من أصلها أو إعادة الأجسام وكل ذلك كفر وتكذيب بالآيات القرآنية الدالة على الإعادة الجسمانية خلافا لما ذهب إليه حمقى كالأنعام بل هم أضل ولذا رد عليهم بقوله وليس أول الخلق يجوز أن يكون من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي ليس الخلق الأول للمخلوقات أو من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي ليس أول خلق الخلق والخلق بمعنى المخلوق أو اللام عوض عن المضاف إليه أي أول خلق الشيء بأهون الباء زائدة للتأكيد من هان الأمر يهون إذا سهل أي ليس أسهل علي من إعادته أي المخلوق أو الشيء بل هما يستويان في قدرتي بل الإعادة أسهل عادة لوجود أصل البنية وأثرها أو أهون على زعمكم وبالنسبة إليكم أو أسهل على المخلوق فإن العود يكون آنيا بخلاف الإيجاد فإنه يكون تدريجيا وفيه اقتباس من الآية وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه الروم وقيل فيه تنبيه على مثال يرشد النبيه إلى فهم الحق وتقريره عنده وهو ما يشاهده إن من اخترع صنعة لم ير مثلها ولم يجد لها أصلا ولا عددا صعبت عليه وتعب فيها غاية التعب وافتقر إلى مكابدة أعمال ومعاونة أعوان ومرور أزمان ومع ذلك فكثيرا لا يتم له مقصوده ولا يظفر منه بطائل وشاهد ذلك ما وقع واستقرىء لأكثر


طالبي صنعة الكيمياء حتى أن بعضهم لما توهم بعد فناء عمره وماله في معرفتها أنها صحت معه أزعجه الفرح بها إلى أن وقع من علو كان فيه فاندقت عنقه وأما من أراد إصلاح منكسر وإعادة منهدم وعنده عدد ذلك وأصوله فيهون عليه ذلك ويتم له مقصوده في أسرع وقت فمن تدبر ذلك علم أن الإعادة أسهل من البداءة بالنسبة إلينا والحاصل أن إنكارهم الإعادة بعد أن أقروا بالبداية تكذيب منهم له تعالى والجملة حالية وعاملها قوله في فقوله وصاحبها الضمير المضاف إليه في قوله وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا أي اختاره سبحانه قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقالت العرب الملائكة بنات الله وأنا الأحد الصمد الذي غير محتاج إلى أحد والجملة حالية كما مر واتخاذ الولد نقص لإستدعائه محالين أحدهما مماثلته للولد وتمام حقيقته فيلزم إمكانه وحدوثه وثانيهما استخلافه لخلف يقوم بأمره من بعده إذ الغرض من التوالد بقاء النوع فيلزم زواله وفناؤه سبحانه ولذا قال تعالى تكاد السموات يتفطرن منه


الآية مريم والأحد المنفرد المطلق ذاتا وصفاتا وفرق بين الأحد والواحد بأن الواحد لنفي مفتتح العدد والأحد لنفي كل عدد فالواحد ينبىء عن تفرد الذات عن المثل والنظير والأحد ينبىء عن تفردها عن كل نقص وإتصافها بكل كمال فكيف مع ذلك يحتاج إلى الولد والصمد هو الذي يحتاج إليه كل أحد وهو غني عنهم الذي لم ألد من قبيل أنا الذي سمتني أمي حيدرة أي لم أكن والدا لأحد لأن القديم لا يكون محل الحادث ولم أولد أي ولم أكن ولدا لأحد لأنه أول قديم بلا ابتداء كما أنه آخر بلا انتهاء ولم يكن لي كفوا بضم الكاف والفاء وسكونها مع الهمزة وبضمهما مع الواو ثلاث لغات متواترات يعني مثلا وهو خبر كان وقوله أحد اسمها ونفي الكفء يعم الوالدية والولدية والزوجية وغيرها وفي رواية ابن عباس أي في هذا الحديث بعد قوله اتخذ الله ولدا وأما شتمه إياي فقوله لي ولد وهو اسم جنس يشمل الذكر والأنثى وسبحاني وفي نسخة صحيحة بالفاء أي نزهت ذاتي أن أتخذ أي من أن أتخذ صاحبة أي زوجة لعدم الإحتياج ونفي الجنسية أو ولدا قال ابن الملك شك من الراوي والظاهر أن أو للنوع ويدل عليه ما في جامع الحميدي ولا ولدا قال الطيبي زيد لا لما في سبحاني من معنى التنزيه أي المرادف للنفي المقتضي للعطف في خبره بلا وفي الحديث من سعة حلمه تعالى ما يبهر العقل إذ لو وقع مثل ذلك لأدنى خلقه من غيره لحمله غضبه فيه على استئصاله من أصله مع ضعفه وعجزه ولم يفعل تعالى شأنه بمن قال ذلك شيئا بل أرشده للحق ودل عليه بأبلغ دليل وأوضحه رواه البخاري أعلم أن رواية البخاري عن أبي هريرة بلفظ قال الله تعالى شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني أما شتمه إياي فقوله إن لي ولدا وأنا الله الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله ليس يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وكذا رواه أحمد والنسائي وأما رواية


البخاري عن ابن عباس فلفظه قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي فقوله لي ولد وسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا كذا في الجامع الصغير فتأمل يظهر لك حقيقة الروايتين
وعن أبي هريرة وإنما لم يقل وعنه لئلا يتوهم مرجعه إلى ابن عباس فإنه أقرب مذكور وإن كان أبو هريرة هو المعنون في العنوان قال قال رسول الله قال الله تعالى يؤذيني بالهمز ويبدل أي يقول في حقي ابن آدم ما أكره وينسب إلي ما لا يليق بي أو ما يتأذى به من يصح في حقه التأذي ولذا قيل هذا الحديث من المتشابه لأن تأذي الله تعالى محال فإما أن يفوض وإما أن يؤول كما تقدم وقد يطلق الإيذاء على إيصال المكروه للغير بقول أو فعل وإن لم يتأثر به فإيذاء الله تعالى فعل ما يكرهه وكذا إيذاء رسول الله ومنه قوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة الأحزاب يسب الدهر بصيغة المضارع استئناف بيان وروي بحرف الجر وفتح السين وجر الدهر يعني ظنا منه أن الدهر يعطي ويمنع ويضر وينفع وأنا الدهر يروي برفع الراء قيل هو الصواب وهو مضاف إليه أقيم مقام المضاف أي أنا خالق الدهر أو مصرف الدهر أو مقلبه أو مدبر الأمور التي نسبوها إليه فمن سبه بكونه فاعلها عاد سبه إلي لأني الفاعل لها وإنما الدهر زمان جعل ظرفا لمواقع الأمور وأتى بأداة الدهر مبالغة في الرد على من يسبه وهم صنفان دهرية لا يعرفون للدهر خالقا ويقولون ما يهلكنا إلا الدهر أو معترفون بالله تعالى لكنهم ينزهونه عن نسبة المكاره إليه فيقولون تبا له وبؤسا وخيبة ونحو ذلك وقد يقع من بعض عوام المؤمنين جهالة وغفلة ويروى بنصب الدهر على الظرفية أي أنا الفاعل أو المتصرف في الدهر وقيل الدهر الثاني غير الأول فإنه بمعنى زمان مدة العالم من مبدأ التكوين إلى أن ينقرض أو الزمن الطويل المشتمل على تعاقب الليالي والأيام


بل هو مصدر بمعنى الفاعل ومعناه أنا الداهر المتصرف المدبر المفيض لما يحدث وقال الراغب الأظهر أن معناه أنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من الخير والشر والمسرة والمساءة فإذا سببتم الذي تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد سببتموني بيدي الأمر بالإفراد وفتح الياء وقد تسكن وجوز التثنية وفتح الياء المشددة للتأكيد والمبالغة أي الأمور كلها خيرها وشرها حلوها ومرها تحت تصرفي أقلب الليل والنهار كما أشاء بأن أنقص فيهما أو أزيد وأقلب قلوب أهلهما كما أريد متفق عليه ورواه أحمد وأبو داود ورواه مسلم عنه أيضا بلفظ قال الله تعالى يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما وعن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله ما أحد أصبر أي ليس أحد


أشد صبرا والصبر حبس النفس عما تشتهيه أو على ما تكره وهو في صفة الباري تأخير العذاب عن مستحقة على أذى قيل إنه اسم مصدر آذى يؤذي بمعنى المؤذي صفة محذوف أي كلام مؤذ قبيح صادر من الكفار وقوله يسمعه صفة أذى وهو تتميم لأن المؤذي إذا كان بمسمع من المؤذى كان تأثير الأذى أشد وهذا بالنسبة إلينا وإلا فالمسموع وغيره معلوم عنده تعالى من الله متعلق بقوله أصبر لا بيسمعه يدعون بسكون الدال وقيل بتشديدها له الولد والجملة استئناف بيان للأذى ثم يعافيهم بدفع المضرة عنهم ويرزقهم بإيصال المنفعة إليهم انظر فضله وإنعامه في معاملته مع من يؤذيه فما ظنك بمن يحتمل الأذى عمن يعصيه ويمتثل ارتكاب طاعاته واجتناب مناهيه وفيه إرشاد لنا إلى تحمل الأذى وعدم المكافأة والتخلق بأخلاق الله تعالى متفق عليه ورواه النسائي وعن معاذ أي ابن جبل يكنى أبا عبد الله الأنصاري الخزرجي وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد وبعثه إلى اليمن قاضيا ومعلما روى عنه عمر وابن عمر وابن عباس وخلق سواهم مات وله ثمان وثلاثون سنة قال كنت ردف النبي وهو بكسر الراء وسكون الدال الذي يركب خلف الراكب من الردف وهو العجز أي كنت رديفه على حمار إشارة إلى كمال التذكر بالقصة وإشعار بتواضعه عليه الصلاة والسلام ليس بيني وبينه أراد شدة القرب فيكون الضبط أكثر إلا مؤخرة الرحل استثناء مفرغ وهو العود الذي يكون خلف الراكب بضم الميم بعدها همزة ساكنة وقد تبدل ثم خاء مكسورة هذا هو الصحيح وفيه لغة أخرى بفتح الهمزة والخاء المشددة المكسورة وقد تفتح فقال يا معاذ هل تدري أي أتعرف ما حق الله على عباده قال الزمخشري الدراية معرفة تحصل بضرب من الخداع ولذا لا يوصف الباري بها أي ولا بالمعرفة لإستدعائها سبق جهل بخلاف العلم أو لتعلق المعرفة بالجزئيات والله تعالى يعلم الجزئيات والكليات وما حق العباد على الله حق الله بمعنى الواجب واللازم


وحق العباد بمعنى الجدير واللائق لأن الإحسان إلى من لا يتخذ ربا سواه جدير في الحكمة أن يفعله ولا يجب على الله شيء خلافا للمعتزلة وقيل حق العباد ما وعدهم به ومن صفة وعده أن يكون واجب الإنجاز فهو حق
بوعده الحق وقال النووي حق العباد على جهة المشاكلة والمقابلة لحقه عليهم ويجوز أن يكون من قول الرجل حقك وأجب علي أي قيامي به متأكد ومنه قول النبي حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام قلت الله ورسوله أعلم قال فإن أي إذا فوضت فأعلم أن حق الله على العباد أن يعبدوه أي يوحدوه أو يقوموا بعبادته وعبوديته بمقتضى إلهيته وربوبيته ولا يشركوا به شيئا الواو لمطلق الجمع وهو تأكيد أو تخصيص وحق العباد بالنصب ويجوز رفعه على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا من الأشياء أو الإشراك أي عذابا مخلدا فلا ينافي دخول جماعة النار من عصاة هذه الأمة كما ثبت به الأحاديث الصحيحة بل المتواترة ومن ثمة أوجبوا الإيمان به فإن قلت كيف هذا مع قول البيضاوي وليس بحتم عندنا أن يدخل النار أحد من الأمة بل العفو عن الجميع بموجب وعده ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء يغفر الذنوب جميعا الزمر مرجو قلت البيضاوي لم ينف الدخول وإنما نفى تحتمه وجوز العفو عن الجميع من حيث عموم الوعد وأما من حيث إخباره عليه الصلاة والسلام بأنه لا بد من دخول جمع من العصاة النار فلم يتعرض له البيضاوي على أنه قال اللازم على الوعد المذكور عموم العفو وهو لا يستلزم عدم الدخول لجواز العفو عن البعض بعد الدخول وقبل استيفاء العقاب ا ه وفيه مع ذلك نظر لأن النصوص دلت على دخول جمع النار وتعذيبهم بها وقد أسودت أبدانهم حتى صارت كالفحم فيجب الإيمان بذلك فقلت يا رسول الله أفلا أبشر به الناس أي عمومهم والفاء في جواب الشرط المقدر أي إذا كان كذلك أفلا أبشرهم بما ذكرت من حق العباد والبشارة إيصال خبر إلى أحد يظهر أثر السرور منه على بشرته وأما قوله تعالى فبشرهم بعذاب


أليم آل عمران فتهكم أو تجريد قال لا تبشرهم قال بعض النهي مخصوص ببعض الناس وبه احتج البخاري على أن للعالم أن يخص بالعلم قوما دون قوم كراهة أن لا يفهموا وقد يتخذ أمثال هذه الأحاديث البطلة والمباحية ذريعة إلى ترك التكاليف ورفع الأحكام وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى فيتكلوا منصوب في جواب النهي بتقدير أن بعد الفاء أي يعتمدوا ويتركوا الإجتهاد في حق الله تعالى فالنهي منصب على السبب والمسبب معا أي لا يكن منك تبشير فاتكال منهم وإنما رواه معاذ مع كونه منهيا عنه لأنه علم منه أن هذا الإخبار يتغير بتغير الزمان والأحوال والقوم يومئذ كانوا حديثي العهد بالإسلام لم يعتادوا بتكاليفه فلما تثبتوا واستقاموا أخبرهم أو رواه بعد ورود الأمر بالتبليغ والوعيد على الكتمان ثم أن معاذا مع جلالة قدره لا يخفي عليه ثواب نشر العلم ووبال كتمه


فرأى التحدث واجبا في الجملة ويؤيده ما روي في الحديث الذي يتلوه فأخبر معاذ عند موته تأثما وقيل إنما نهى النبي معاذا عن التبشير وأخبر به معاذ بعد تبشير النبي المؤمنين فلا يلزم ارتكاب المنهي لأن النهي عن التبشير لا عن الإخبار متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وعن أنس مر ذكره أن النبي ومعاذ رديفه على الرحل الجملة حالية معترضة بين اسم إن وخبرها قال يا معاذ قال أي معاذ لبيك مثنى مضاف بني للتكرير من غير حصر من لب أجاب أو أقام أي أجبت لك إجابة بعد إجابة أو أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة رسول الله بحذف حرف النداء لكمال القرب وسعديك عطف على لبيك أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة قال يا معاذ قال لبيك رسول الله وسعديك تكرير النداء لتأكيد الإهتمام بما يخبر وليكمل تنبيه معاذ فيما يسمعه فيكون أوقع في النفس وأشد في الضبط والحفظ قال يا معاذ قال لبيك رسول الله وسعديك ثلاثا أي وقع هذا النداء والجواب ثلاث مرات وفي النسخ المصححة كلها بحذف حرف النداء في رسول الله ووقع في نسخة ابن حجر وجودها في الثالثة فأطنب في توجيهه قال وفي نسخة قال مكررا أي قال أنس قال النبي ما من أحد من زائدة لإستغراق النفي واحد مبتدأ وصفته يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا مصدر فعل محذوف أي يصدق صدقا وقوله من قلبه صفة صدقا لأن الصدق قد لا يكون من قلب أي اعتقاد كقول المنافق إنك لرسول الله أو يكون بمعنى صادقا حال من فاعل يشهد وخبر المبتدأ قوله إلا حرمه الله على النار وهو استثناء مفرغ أي ما من أحد يشهد محرم على شيء إلا محرما على النار والتحريم بمعنى المنع حكي عن جماعة من السلف منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي وقال بعضهم معناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها فيكون الامتثال والإنتهاء مندرجين تحت الشهادتين وهذا قول الحسن البصري وقيل إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك


قبل أن يتمكن من الاتيان بفرض آخر وهذا قول البخاري والأقرب أن يراد تحريم الخلود قال يا رسول الله أفلا أخبر به الناس في وضع أخبر موضع أبشر تجريد أو رجوع إلى أصل اللغة أو اكتفاء بقوله فيستبشروا أي يفرحوا بحيث يظهر أثر السرور على
بشرتهم لما فيه من عظيم العفو إذ لم يسمعوا به قبل ذلك قال إذا يتكلوا إذن حرف جواب وجزاء وقد يستعمل لمحض الجواب كما هنا أي لا تخبرهم بذلك لأنك إن أخبرتهم وبهذه البشارة بشرتهم يعتمدوا على ألطاف الربوبية ويتركوا حق العبودية فينجروا إلى نقصان درجاتهم وتنزل حالاتهم وهذا حكم الأغلب من العوام وإلا فالخواص كلما بشروا زادوا في العبادة كما وقع للعشرة المبشرة وغيرهم ولذا قال في جواب من قال له أتقوم في الليل حتى تتورم قدماك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر أفلا أكون عبدا شكورا فأخبر بها أي بهذه الجملة أو القصة أو البشارة معاذ عند موته لبعض أصحابه والظاهر أن ضمير موته إلى معاذ وقال الكرماني يحتمل أن يعود إلى النبي تأثما مفعول له أي تجنبا وتحرزا عن إثم كتم العلم إذ في الحديث من كتم علما ألجم بلجام من نار متفق عليه وعن أبي ذر هو جندب بن جنادة الغفاري وهو من أعلام الصحابة وزهادهم أسلم قديما بمكة يقال كان خامسا في الإسلام ثم انصرف إلى قومه فأقام عندهم إلى أن قدم المدينة على النبي بعد الخندق ثم سكن ربذة إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان وكان يتعبد قبل أن يبعث النبي روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين قال أتيت النبي وعليه ثوب أبيض حال من النبي قال الشراح هذا ليس من الزوائد التي لا طائل تحتها بل قصد الراوي بذلك أن يقرر التثبت والإتقان فيما يرويه ليتمكن في قلوب السامعين قلت أو أراد التذكر بإحضار طلعته الشريفة واستحضار خلعته اللطيفة فيكون كأنه حاضر لديه وواقف بين يديه وهو نائم عطف على الحال وهو بضم الهاء ويسكن أي فرجعت ثم أتيته بعد زمان وقد استيقظ


حال من الضمير المنصوب والمعنى فوجدته منتبها من النوم فقال ما من عبد قال لا إله إلا الله وإنما لم يذكر محمد رسول الله لأنه معلوم أنه بدونه لا ينفع ثم مات على ذلك أي الاعتقاد وثم للتراخي في الرتبة لأن العبرة بالخواتيم إلا دخل الجنة استثناء مفرغ أي لا يكون له حال من الأحوال إلا حال استحقاق دخول الجنة ففيه بشارة إلى أن عاقبته دخول الجنة وإن كان له ذنوب جمة لكن أمره إلى الله إن شاء عفا
عنه وأدخله الجنة وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم أدخله الجنة قلت وإن زنى قال ابن مالك حرف الاستفهام في قوله وإن زنى مقدر ولا بد من تقديره أي ادخل الجنة وإن زنى وإن سرق أو التقدير أو إن زنى وإن سرق دخل الجنة وتسمى هذه الواو واو المبالغة وإن بعدها تسمى وصلية وجزاؤها محذوف لدلالة ما قبلها عليه قال وإن زنى وإن سرق وتخصيصهما لأن الذنب إما حق الله وهو الزنا أو حق العباد وهو أخذ مالهم بغير حق وفي ذكرهما معنى الاستيعاب كما في قوله تعالى ولهم رزقهم فيها بكرة وعشية مريم أي دائما قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق أما تكرير أبي ذر فلاستعظام شأن دخول الجنة مع مباشرة الكبائر وقيل لظنه أنه لو كرر لأجابه بجواب آخر فيجد فائدة أخرى وأما تكرير رسول الله فإنكار لاستعظامه أي أتبخل برحمة الله فرحمة اللهواسعة على خلقه وأن كرهت ذلك قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق فيه دلالة على أن أهل الكبائر لا يسلب عنهم اسم الإيمان فإن من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة وفاقا وعلى أنها لا تحبط الطاعات لتعميمه عليه الصلاة والسلام الحكم وعدم تفصيله على رغم أنف أبي ذر الرغم بالفتح أشهر من الضم وحكي الكسر أي الكره ففرح بذلك أبو ذر وكان أبو ذر إذا حدث أي بهذا كما في نسخة صحيحة قال تفاخرا وإن رغم بكسر الغين وقيل بالضم والفتح أنف أبي ذر أي لصق بالرغام بالفتح وهو التراب ويستعمل مجازا بمعنى كره أو ذل إطلاقا لاسم السبب على المسبب متفق عليه وعن


عبادة بن الصامت مر ذكره قال قال رسول الله من شهد أن لا إله إلا الله وحده حال أي ينفرد منفردا لا شريك له تأكيد بعد تأكيد وإن محمدا عبده الأجل ورسوله الأكمل وإن عيسى عبد الله لم يضمر ليكون أصرح في المقصود وهو تعريض بالنصارى وتقرير لعبديته وإشعار إلى إبطال ما يقولون له من اتخاذ أمه صاحبة ورسوله تعريض باليهود وابن أمته كذا في نسخة صحيحة والإضافة في أمته للتشريف ردا على اليهود في القذف وكلمته سمي عيسى بالكلمة لأنه حجة الله على عباده أبدعه من غير أب


وأنطقه في غير أوانه فالاضافة للتشريف وقيل لكونه موجدا بكن وقيل لما انتفع بكلامه سمي به كما يقال فلان سيف الله وأسد الله وقيل لما خصه به في صغره حيث قال إني عبد الله ألقاها إلى مريم استئناف بيان أي أوصلها الله تعالى إليها وحصلها فيها وروح منه أي مبتدأ من محض إرادته فإن سائر الأرواح البشرية هي كالمتولدة عن أرواح آبائهم لا سيما على مذهب من زعم أن الأرواح أجسام سارية في البدن سريان ماء الورد وقيل سمي بالروح لما كان له من إحياء الموتى بإذن الله فكان كالروح أو لأنه ذو روح وجسد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة عن حي وإنما اخترع اختراعا من عند الله تعالى أو لأنه أحدث في نفخ الروح بإرساله جبريل إلى أمه فنفخ في درعها مشقوقا إلى قدامها فوصل النفخ إليها فحملت به مقدسا عن لوث النطفة والتقلب في أطوار الخلقة من العلقة والمضغة ووصفه بقوله منه إشارة إلى أنه مقربه وحبيبه تعريضا باليهود روى أن عظيما من النصارى سمع قارئا يقرأ وروح منه قال أفغير هذا دين النصارى يعني أن هذا دين النصارى يعني أن هذا يدل على أن عيسى بعض منه فأجاب علي بن الحسين بن واقد إن الله تعالى قال وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه الجاثية فلو أريد بقوله وروح منه أنه بعضه أو جزء منه لكان معنى جميعا منه أن الجميع بعض منه أو جزء منه فأسلم النصراني ومعنى الآية أن تسخير هذه الأشياء كائن منه وحاصل من عنده يعني أنه مكونها وموجدها والجنة منصوب ويرفع والنار حق مبالغة كزيد عدل أو صفة مشبهة أي ثابت وأفرد لأنه مصدر أو لإرادة كل واحدة منهما وفي كلام أهل التحقيق أن الجنة جنة الوصول إلى معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله والملائكة الكروبية والروحانية وطبقات الأرواح وعالم السموات بحيث يصير روح السالك كالمرآة المحاذية لعالم القدس وأشجارها الملكات الحميدة والأخلاق السعيدة ونحوها من المكاسب وأثمارها المكاشفات والمشاهدات والإشارات


وغيرها من المواهب ومن رضي بالجنة الحسية فهو أبله ومن أعرض عن الحق وانتقل من روح المحبة والقرب إلى سياسة القهر والبعد وانحط عن الجهة العلوية إلى عالم النار يعذب بنار روحانية نشأت من استيلاء صفة القهر الإلهي فيكون أشد وأدوم إيلاما من النار الجسمانية لأن حرارتها تابعة لنار روحانية ملكوتية هي شرر من نار غضب الله بعد تنزلها في مراتب كثيرة كتنزلها في مرتبة النفس بصورة الغضب وهي غير متناهية وهذا معنى ما يقال إن نار جهنم غسلت بالماء سبعين مرة ثم أنزلت إلى الدنيا ليمكن الإنتفاع بها أدخله الله الجنة ابتداء وانتهاء والجملة جواب الشرط أو خبر المبتدأ على ما كان حال من ضمير المفعول من قوله أدخله الله أي كائنا على ما كان عليه موصوفا به من العمل حسنا أو شينا قليلا أو كثيرا صغيرا أو كبيرا وفيه رد على المعتزلة والخوارج متفق عليه ورواه النسائي


وعن عمرو بن العاص الأصح عدم ثبوت الياء أما تخفيفا أو بناء على أنه أجوف ويدل عليه ما في القاموس الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص فعلى هذا لا يجوز كتابة العاص بالياء ولا قراءته بها لا وقفا ولا وصلا فإنه معتل العين بخلاف ما يتوهم بعض الناس أنه اسم فاعل من عصى فحينئذ يجوز إثبات الياء وحذفه وقفا ووصلا بناء على أنه معتل اللام رضي الله عنه قال أتيت النبي فقلت أي له كما في نسخة أبسط يمينك أي افتحها ومدها لأضع يميني عليها كما هو العادة في البيعة فلأبايعك بكسر اللام وفتح العين على الصحيح والتقدير لأبايعك تعليلا للأمر والفاء مقحمة وقيل بضم العين والتقدير فأنا أبايعك وأقحم اللام توكيدا ويحتمل أن تكون لام الأمر فيجزم ويحتمل أن تكون اللام مفتوحة والعين مضمومة والتقدير فإني لأبايعك والفاء للجزأ كقولك ائتني فإني أكرمك أو اللام للقسم وقيل التقدير فلأجل أن أبايعك طلبت بسط يمينك فبسط يمينه أي الكريمة فقبضت يدي بسكون الياء وتفتح أي إلى جهتي وقال ابن ملك أي نفسي وهو غير ظاهر فقال أي عليه الصلاة والسلام مالك يا عمرو أي أي شيء خطر لك حتى امتنعت من البيعة قلت أردت أن أشترط مفعوله محذوف أي شرطا أو شيئا والمعنى أردت بذلك الامتناع أن أشترط لنفسي ما يحصل لها من الانتفاع قال تشترط ماذا قيل حق ماذا أن يكون مقدما على تشترط لأنه يتضمن معنى الإستفهام وهو يقتضي الصدارة فحذف ماذا وأعيد بعد تشترط تفسيرا للمحذوف وقيل كأنه عليه الصلاة والسلام لم يستحسن منه الاشتراط في الإيمان فقال أتشترط إنكارا فحذف الهمزة ثم ابتدأ فقال ماذا أي ما الذي تشترط أو أي شيء تشترط وقال المالكي في قول عائشة أقول ماذا شاهد أن ما الاستفهامية إذا ركبت مع ذا تفارق وجوب التصدير فيعمل فيها ما قبلها رفعا ونصبا فالرفع كقولك كان ماذا والنصب كما في الحديث ويؤيده قول بعض العلماء يجوز وقوعها


تمييزا كقولك لمن قال عندي عشرون عشرون ماذا قلت أن يغفر بالبناء للمفعول وقيل للفاعل أي الله كما في نسخة لي أي أشترط غفران ذنوبي إن أسلمت قال أما علمت يا عمرو أي من حقك مع رزانة عقلك وجودة رأيك وكمال حذقك الذي لم يلحقك فيه أحد من العرب أن لا يكون خفي عن علمك أن الإسلام أي إسلام الحربي لأن إسلام الذمي لا يسقط عنه شيئا من حقوق العباد يهدم بكسر الدال أي
يمحو ما كان قبله أي من السيئات وأن الهجرة أي إلي في حياتي وبعد وفاتي من دار الحرب إلى دار الإسلام وأما خبر لا هجرة بعد الفتح فمعناه لا هجرة من مكة لأن أهلها صاروا مسلمين تهدم ما كان قبلها أي مما وقع قبلها وبعد الإسلام ما عدا المظالم أي من الخطيئات وأن الحج يهدم ما كان قبله أي من التقصيرات سقط لفظ كان من أصل ابن حجر فتكلف له وجها وهو موجود في جميع النسخ الحاضرة المصححة المقروءة على المشايخ قال الشيخ التوربشتي من أئمتنا رحمهم الله الإسلام يهدم ما كان قبله مطلقا مظلمة كانت أو غيرها صغيرة أو كبيرة وأما الهجرة والحج فإنهما لا يكفران المظالم ولا يقطع فيهما بغفران الكبائر التي بين العبد ومولاه فيحمل الحديث على هدمهما الصغيرة المتقدمة ويحتمل هدمهما الكبائر التي تتعلق بحقوق العباد بشرط التوبة عرفنا ذلك من أصول الدين فرددنا المجمل إلى المفصل وعليه اتفاق الشارحين وقال بعض علمائنا يمحو الإسلام ما كان قبله من كفر وعصيان وما ترتب عليهما من العقوبات التي هي حقوق الله وأما حقوق العباد فلا تسقط بالحج والهجرة إجماعا ولا بالإسلام لو كان المسلم ذميا سواء كان الحق عليه ماليا أو غير مالي كالقصاص أو كان المسلم حربيا وكان الحق ماليا بالإستقراض أو الشراء وكان المال غير الخمر وقال ابن حجر الحج يهدم ما قبله مما وقع قبله وبعد الإسلام ما عدا المظالم لكن بشرط ما ذكر في حديث من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه مع ذلك فالذي عليه أهل السنة كما


نقله غير واحد من الأئمة كالنووي وعياض أن محل ذلك في غير التبعات بل الكبائر إذ لا يكفرها إلا التوبة وعبارة بعض الشارحين حقوق المالية لا تنهدم بالهجرة والحج وفي الإسلام خلاف وأما حقوق العباد فلا تسقط بالهجرة والحج إجماعا ا ه نعم يجوز بل يقع كما دل عليه بعض الأحاديث إن الله تعالى إذا أراد لعاص أن يعفو عنه وعليه تبعات عوض صاحبها من جزيل ثوابه ما يكون سببا لعفوه ورضاه وأما قول جماعة من الشافعية وغيرهم أن الحج يكفر التبعات واستدلوا بخبر ابن ماجة أنه عليه الصلاة والسلام دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فاستجيب له ما خلا المظالم فلم يجب لمغفرتها فدعا صبيحة مزدلفة بذلك فضحك عليه الصلاة والسلام لما رأى من جزع إبليس لما شاهده من عموم تلك المغفرة فيرده أن الحديث سنده ضعيف ا ه وعلى تقدير صحته يمكن حمل المظالم على ما لا يمكن تداركه أو يقيد بالتوبة أو التخصيص بمن كان معه عليه الصلاة والسلام من أمته في حجته فإنه لا يعرف أحد منهم أن يكون مصرا على معصية ولذا قال الجمهور إن الصحابة كلهم عدول والله تعالى أعلم رواه مسلم والحديثان المرويان أي المذكوران هنا في المصابيح عن أبي هريرة أولهما قال الله تعالى أنا أغنى
الشركاء عن الشرك الخ والآخر الكبرياء ردائي الخ سنذكرهما في باب الرياء والكبر إن شاء الله تعالى لف ونشر مرتب يعني الحديث الأول نذكره في باب الرياء والثاني نذكره في باب الكبر فإن الحديثين أنسب بالبابين من هذا الباب والله أعلم بالصواب
الفصل الثاني


أي المعبر به عن قوله من الحسان في المصابيح عن معاذ أي ابن جبل رضي الله عنه قال قلت وفي رواية قال بينما نحن نخرج مع رسول الله في غزوة تبوك وقد أصابنا الحر فتفرق القوم فإذا رسول الله أقربهم مني فدنوت منه وقلت يا رسول الله أخبرني بعمل التنوين للتعظيم أو للنوع أي عمل عظيم أو معتبر في الشرع فلا يرد ما ذكره المظهر من أنه إذا جعل يدخلني جواب الأمر يبقى بعمل نكرة غير موصوفة وهي لا تفيد يدخلني الجنة بالرفع على أنه صفة عمل إما مخصصة أو مادحة أو كاشفة فإن العمل إذا لم يكن بهذه الحيثية كأنه لا عمل وبالجزم جزاء شرط محذوف هو صفته أي أخبرني بعمل إن أعمله يدخلني الجنة وقيل جزم باعتبار أنه جواب الأمر أي أخبرني بعمل إن تخبرني يدخلني الجنة يعني أن الخبر وسيلة إلى العمل والعمل إلى الإدخال وإسناد الإدخال إلى العمل إسناد إلى السبب أو شبه العمل لكونه سببا للمطلوب بالفاعل الحقيقي أو المعنى يدخلني لا لذاته بل لفضل الله بجعله سببا لدخولها وقيل الجزم غير صحيح رواية ودراية أقول فكأنه نظر في عدم صحته دراية أن الإخبار ليس سببا لدخول الجنة بل العمل وفيه نظر لأن أخباره عليه الصلاة والسلام وسيلة إلى فعل ذلك العمل الذي هو ذريعة إلى دخول الجنة فالإخبار سبب بوجهه ما لادخال الجنة ومن ثم جعل ابن الحاجب يقيموا في قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة إبراهيم وغيره يغفر لكم في هل أدلكم على تجارة تنجيكم الآية الصف هو


الجزاء لأن المؤمن الكامل لما كان مظنة للإمتثال نزل منزلة المحقق منه ذلك ويباعدني من النار عطف على يدخلني بالوجهين وقول ابن ملك هنا بالرفع فقط مع تجويزه الوجهين أولا في غاية من السقوط ثم العطف يفيد أن مراده دخول الجنة من غير سابقة عذاب ويؤيده أنه أخرج على صيغة المغالبة للمبالغة قال أي رسول الله لقد سألت أي مني عن عظيم أي شيء عظيم أو سؤال عظيم متعسر الجواب لأن الدخول والتباعد أمر عظيم فسببه الذي هو اجتناب كل محظور وامتثال كل مأمور أيضا كذلك أو لأن معرفة العمل المدخل من علم الغيب والأولى أن يقال عن عمل عظيم فعله على النفوس ليطابق السابق واللاحق والعظيم ضد الحقير كالكبير نقيض الصغير وكما أن الحقير دون الصغير فكذلك العظيم فوق الكبير ويستعملان في الصور والمعاني تقول رجل عظيم وكبير أي جثته أو قدره وإنه أي جوابه أو فعله ليسير أي هين وسهل على من يسره الله وفي نسخة تعالى أي جعله سهلا عليه تعبد الله إما بمعنى الأمر وكذا ما بعده وإما خبر مبتدأ محذوف تعويلا على أقوى الدليلين أي هو أن تعبد أي العمل الذي يدخلك الجنة عبادتك الله بحذف أن أو تنزيل الفعل منزلة المصدر وعدل عن صيغة الأمر تنبيها على أن المأمور كأنه متسارع إلى الإمتثال وهو يخبر عنه إظهارا لرغبته في وقوعه وفصله عن الجملة الأولى لكونه بيانا أو استئنافا وفيه براعة الإستهلال لدلالته على مضمون الكلام بطريق الإجمال كما أن قوله كف عليك يدل على حسن القطع والعبادة أقصى غاية الخضوع والمراد به التوحيد لقوله ولا تشرك به شيئا أو الأعم منه ليعم امتثال كل مأمور واجتناب كل محظور والضمير في به إما أن يعود إلى الله أو إلى العبادة والثاني هو الأولى لأنه إذا لم يشرك في العبادة فلأن لا يشرك بالله أولى والتنوين في شيئا للإفراد شخصا كما أن في قوله عظيم للتعظيم وفي يسير للتقليل وتقيم الصلاة من باب عطف الخاص على العام تنبيها على إنافته إن عمم العبادة


والمراد بها المكتوبة وهذا الحكم ليس مخصوصا بمعاذ بل يعم كل مؤمن إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ثم توقف دخول الجنة على الأعمال إنما هو بقيد الدخول الأولى كما سبقت الإشارة إليه فلا مستمسك للمعتزلة والخوارج لديه وتؤتي الزكاة أي المفروضة وتصوم رمضان أي الأيام المعدودة وتحج البيت أي بالأفعال المعلومة على شرط الإستطاعة في العمر مرة ثم قال أي عليه الصلاة والسلام زيادة على الإفادة بالحث على النوافل لتحصيل الدرجات العالية أو لتكميل العبادات البدنية والمالية ألا أدلك الهمزة للإستفهام الإنكاري ولا للنفي وهو لتحقيق ما بعدها ولعل قوله قلت بلى كان موجودا هنا أيضا كما في الموضعين بعده فنسي الراوي كذا قيل وقيل المعنى لا ينبغي لي أن لا أدلك مع إني المرشد الكامل والأظهر أنه للتنبيه لئلا ينسب الرواة إلى النسيان مع أن الجواب ليس بلازم لأنه أمر ظاهر معلوم مطلوبية إدلالته أو يقال وإنما لم يتوقف عليه الصلاة والسلام حتى يقول


معاذ بلى هنا تنبيها على أنه لا ينبغي أن ينتظر تصديقه اهتماما بمضمونه على أبواب الخير أي الطرق الموصلة به شبه الخير بدار فيها كل ما يتمناه النفس واللام فيه للجنس جعل الأمور الآتية أبواب الخير لأن الصوم شديد على النفس وكذا إخراج المال في الصدقة لا سيما الزيادة على الزكاة وكذا الصلاة في جوف الليل الذي محل راحة النفس والبعد من الرياء فمن اعتادها يسهل عليه كل خير لأن المشقة في دخول الدار تكون بفتح الباب الصوم جنة أي ستر وإنما جعل الصوم جنة من النار أو من الشيطان لأن في الجوع سد مجاري الشيطان فإذا سد مجاريه لم يدخل فلم يكن سببا للعصيان الذي هو سبب لدخول النار قيل التقدير صوم النفل فاللام تدل على المضاف إليه قال بعض المحققين من شراح الأربعين ولعل قائله كوفي قال في الكشاف في قوله تعالى فإن الجحيم هي المأوى النازعات أي مأواه فإن اللام ليس يدل على المضاف إليه بل للتعريف العهدي لأنه لما علم أن الطاغي صاحب المأوى تركت الإضافة فكذا ههنا لأنه لما ذكر الفرائض أولا علم أن المذكور بعدها من النوافل فاللام للعهد الخارجي ولا يجب فيه تقديم المعهود كما ظن بل قد يستغنى عنه لعلم المخاطب بالقرائن كقولك لمن دخل البيت أغلق الباب وكم مثلها وقوله جنة أي وقاية من سورة الشهوة في الدنيا والنار في العقبى كالجنة ففيه تشبيه المعقول بالمحسوس عند المتكلمين واختار بعض الأفاضل أن مثله استعارة فمن كان الصوم جنته سد طرق الشياطين عن قلبه فيكشف بعد إزالة ظلمتهم يرى بنور الغيب خزائن لطائف حكم الصفات فيستتر بأنوارها عن جميع المخالفات والآفات والصدقة تطفىء الخطيئة أي التي تجر إلى النار يعني تذهبها وتمحو أثرها أي إذا كانت متعلقة بحق الله تعالى وإذا كانت من حقوق العباد فتدفع تلك الحسنة إلى خصمه عوضا عن مظلمته كما يطفىء الماء النار لتنافي آثارهما بإيجاد الله تعالى سبحانه إذ الأشياء لا تعمل بطبعها فلا الماء يروي ولا الخبز


يشبع ولا النار تحرق وصلاة الرجل مبتدأ خبره محذوف أي وصلاة الرجل في جوف الليل كذلك أي تطفىء الخطيئة أو هي من أبواب الخير والأول أظهر قال القاضي وقيل الأظهر أن يقدر الخبر شعار الصالحين كما في جامع الأصول ثم تلا أي قرأ عليه الصلاة والسلام تتجافى جنوبهم أي تتباعد وفي النسبة مبالغة لا تخفى عن المضاجع أي المفارش والمراقد والجمهور على أن المراد صلاة التهجد وقال بعضهم المراد إحياء ما بين العشاءين يدعون ربهم بالصلاة والذكر والقراءة والدعاء خوفا من سخطه وطمعا في رحمته ومما رزقناهم وبعض ما أعطيناهم ينفقون يصرفون في وجوه الخير أي أنهم جامعون بين العبادات البدنية والمالية عابدون زاهدون فلا تعلم نفس أي لا ملك ولا نبي ما أخفي لهم جمهور القراء على أنه ماض مجهول وقرأ حمزة على المتكلم المعلوم


من قرة أعين من اللذات التي تقر أعينهم وتشتهيه أنفسهم وفي الحديث القدسي أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر حتى بلغ يعملون وهو قوله تعالى جزاء بما كانوا يعملون السجدة أي جوزوا جزاء بسبب أعمالهم وبمقابلة أفعالهم وموافقة لأحوالهم ثم قال أي عليه الصلاة والسلام ألا أدلك برأس الأمر أي مخبرا بأصل كل أمر وعموده بفتح أوله أي ما يقوم به ويعتمد عليه وذروة سنامه الذروة بكسر الذال وهو الأشهر وبضمها وحكي فتحها أعلى الشيء والسنام بالفتح ما ارتفع من ظهر الجمل قريب عنقه قلت بلى يا رسول الله قال رأس الأمر أي أمر الدين الإسلام يعني الشهادتين وهو من باب التشبيه المقلوب إذ المقصود تشبيه الإسلام برأس الأمر ليشعر بأنه من سائر الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه وعدم بقائه دونه وعموده الصلاة يعني الإسلام هو أصل الدين إلا أنه ليس له قوة وكمال كالبيت الذي ليس له عمود فإذا صلى وداوم قوي دينه ولم يكن له رفعة فإذا جاهد حصل لدينه رفعة وهو معنى قوله وذروة سنامه الجهاد وفيه إشعار إلى صعوبة الجهاد وعلو أمره وتفوقه على سائر الأعمال والجهاد من الجهد بالفتح وهو المشقة أو بالضم وهو الطاقة لأنه يبذل الطاقة في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك أو بضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة وهي ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوة وله أنواع من جهاد الأعداء ليكون الدين كله لله وجهاد النفس بحملها على اتباع الأحكام وترك الحظوظ وتكليف الخصلة المذمومة المفرطة خلاف مقتضاها والعمل بنقيض موجبها حتى اعتدلت وتناسقت قوة العلم والغضب والشهوة والعدل وهو أشد من الأول ولذا ورد رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الأكبر لأن النفس كالملك في داخل الإنسان وعسكره الروح الحيوانية والطبيعية والهوى والشهوة وهي في نفسها عمياء لا تبصر المهالك ولا تميز الخير من الشر إلى أن ينور الله بلطيف حكمته


بصيرتها فتبصر الأعداء والمعارف وتجد البنيان الإنساني مملوأ من خنازير الحرص وتكالب الكلب ونمر الغضب والشهوة الحمارية وحية الشيطان فكنستها من الرذائل وزينتها بالفضائل وأما جهاد القلب فتصفيته وقطع تعلقه عن الأغيار وجهاد الروح بإفناء الوجود في وجود الواحد القهار ثم قال أي عليه الصلاة والسلام ألا أخبرك بملاك ذلك كله الملاك ما به إحكام الشيء أو تقويته من ملك العجين إذا أحسن عجنه وبالغ فيه وأهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها والرواية بالكسر وذلك إشارة إلى ما ذكر من أول الحديث إلى هنا من العبادات وأكده بقوله كله لئلا يظن خلاف الشمول أي بما تقوم به تلك العبادات جميعها قلت بلى يا نبي الله لا يخفي مناسبة نبي الله بالإخبار كمناسبة الرسالة بالدلالة


فأخذ أي النبي بلسانه الباء زائدة والضمير راجع إلى النبي وقيل الباء لتضمين معنى التعلق وقال كف الرواية بفتح الفاء المشددة أي امنع عليك هذا إشارة إلى اللسان أي لسانك المشافه له وتقديم المجرور على المنصوب للإهتمام به وتعديته بعلى للتضمين أو بمعنى عن وإيراد اسم الإشارة لمزيد التعيين أو للتحقير وهو مفعول كف وإنما أخذ عليه الصلاة والسلام بلسانه وأشار إليه من غير اكتفاء بالقول تنبيها على أن أمر اللسان صعب والمعنى لا تتكلم بما لا يعنيك فإن من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ولكثرة الكلام مفاسد لا تحصى ومن أراد الاستقصاء فعليه بالإحياء ولذا قال الصديق ليتني كنت أخرس إلا عن ذكر الله فقلت يا نبي الله أتقول هذا وإنا لمؤاخذون بالهمز ويبدل أي هل يؤاخذنا ويعاقبنا أو يحاسبنا ربنا بما نتكلم به يعني بجميعه إذ لا يخفى على معاذ المؤاخذة ببعض الكلام قال أي عليه الصلاة والسلام ثكلتك أمك بكسر العين يا معاذ أي فقدتك وهو دعاء عليه بالموت على ظاهره ولا يراد وقوعه بل هو تأديب وتنبيه من الغفلة وتعجيب وتعظيم للأمر وهل يكب بفتح الياء وضم الكاف من كبه إذا صرعه على وجهه بخلاف أكب فإن معناه سقط على وجهه وهو من النوادر وهو عطف على مقدر أي هل تظن غير ما قلت وهل يكب الناس أي يلقيهم ويسقطهم ويصرعهم في النار على وجوههم أو على مناخرهم شك من الراوي والمنخر بفتح الميم وكسر الخاء وفتحها ثقب الأنف والمراد هنا الأنف والاستفهام للنفي خصهما بالكب لأنهما أول الأعضاء سقوطا إلا حصائد ألسنتهم أي محصوداتها شبه ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل وهو من بلاغة النبوة فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب واليابس والجيد والرديء فكذلك لسان بعض الناس يتكلم بكل نوع من الكلام حسنا وقبيحا والمعنى لا يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم من الكفر والقذف والشتم والغيبة والنميمة والبهتان ونحوها والإستثناء مفرغ وهذا


الحكم وارد على الأغلب أي على الأكثر لأنك إذا جربت لم تجد أحدا حفظ لسانه عن السوء ولا يصدر عنه شيء يوجب دخول النار إلا نادرا ولعمرك أن هذه الخاتمة فاتحة السعادة الكبرى فائحة منها نسائم الكرامة العظمى لأنه إذا نظر إلى الشريعة فكف اللسان نعم العون على حفظها وإذا نظر إلى الطريقة فهو الركن المشار إليه والقطب المدار عليه لأنه إذا سكت اللسان نطق القلب ويحصل له المسامرة مع الرب ويمطر عليه سحائب الرحمة بقطرات النور ويمتلىء من الخيور والحبور ولو نظر إلى الحقيقة فهو نهاية مراتب السالكين وغاية منازل السائرين ولذا ورد من عرف الله كل لسانه أي عن ذكر غير الله وهو في مقام المراقبة وكل


لسانه عن مقام الدعوى وهو في مقام الهيبة وكل لسانه عن نشر حالة وبيان مقامه وهو مقام صولة المحبة وعن وصف الله وثنائه وهو مقام الحيرة في المعرفة كما قال عليه الصلاة والسلام في أقصى الدنو لما رأى الحق بالحق وفني عن الصفات في الذات ووجد معنى من معاني البقاء لا أحصي ثناء عليك لأن ثناءه يصدر عن الحدوثية وثناء الخليقة لا يليق إلا بهم ثم قطع لسان الثناء بمقراض التنزيه عجزا في جلال الأبد وأضاف ثناءه تعالى إليه لأنه لا يعرف الله إلا هو فقال أنت كما أثنيت على نفسك وفي معنى الحديث أنشد الشافعي احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان رواه أحمد والترمذي وابن ماجة ورواه النسائي وقال الترمذي حسن صحيح وعن أبي أمامة رضي الله عنه بضم الهمزة وتفخيم الميم بأهلي سكن بمصر ثم انتقل إلى حمص ومات بها وكان من المكثرين في الرواية وأكثر حديثه عن الشاميين روى عنه خلق كثير مات سنة ست وثمانين وله إحدى وسبعون وهو آخر من مات من الصحابة بالشام قال قال رسول الله من أحب أي شيئا أو شخصا فحذف المفعول ليذهب الوهم كل مذهب لله لا لغرض سواه ولا لشهوة طبعه وهواه وأبغض لله كذلك وأعطى لله ومنع لله وكذلك سائر الأعمال فتكلم لله وسكت لله واختلط بالناس لله واعتزل عن الخلق لله كقوله تعالى حاكيا إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله الأنعام وإنما خص الأفعال الأربعة لأنها حظوظ نفسانية إذ قلما يمحضها الإنسان لله فإذا محضها مع صعوبة تمحيضها كان تمحيض غيرها بالطريق الأولى ولذا أشار إلى استكمال الدين بتمحيضها بقوله فقد استكمل الإيمان بالنصب أي أكمله وعدى إليه للمبالغة لزيادة السين المستدعية لتجريده من نفسه شخصا آخر يطلب منه إكمال الإيمان ونظيره وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا البقرة أي يطلبون من أنفسهم الفتح عليهم وقيل بالرفع أي تكمل إيمانه رواه أبو داود وسكت عليه وصححه


الحاكم وحسنه الترمذي ورواه الترمذي لا عن أبي أمامة بل عن معاذ بن أنس مع تقديم وتأخير وفيه أي في حديث الترمذي أو في مروي
معاذ فقد استكمل إيمانه بالإضافة وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله أفضل الأعمال أي الباطنية التي يتوصل بها إلى حقائق المعرفة والشهود فأل للعهد الذهني وقيل التقدير من أفضل الأعمال إذ الصلاة أفضل الأعمال مطلقا بعد أداء الشهادتين الحب في الله أي لوجهه وفي سبيله والبغض في الله أي لأجله وفي حقه والعطاء والمنع متفرعان على الحب والبغض ولذا اكتفى في هذا الحديث بالأصلين رواه أبو داود عن مجاهد عن رجل عن أبي ذر وهذا الرجل المجهول هو والله أعلم عبد الله بن عباس كما رواه الطبراني بإسناد جيد من رواية عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله لأبي ذر أي عرا الإيمان أشرف بل أوثق قال الله ورسوله أعلم قال الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله ا ه والفرق بين الموالاة والحب أنها تكون بين اثنين والحب أعم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده تقدم الكلام عليه والمؤمن أي الكامل من أمنه الناس كعلمه أي ائتمنه يعني جعلوه أمينا وصاروا منه على أمن على دمائهم وأموالهم لكمال أمانته وديانته وعدم خيانته وحاصل الفقرتين إنما هو التنبيه على تصحيح اشتقاق الاسمين فمن زعم أنه متصف به ينبغي أن يطالب نفسه بما هو مشتق منه فإن لم يوجد فيه فهو كمن زعم أنه كريم ولا كرم له رواه الترمذي والنسائي قال في التصحيح هذا الحديث لم يكن بهذا السياق في واحد من الكتب الستة بل هو مقطع فيها فتقدم في الصحيحين منه من حديث عبد الله بن عمرو المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه وباقيه جاء مقطعا في السنن من حديث فضالة وأبي هريرة وعبدا لله بن عمرو بن العاص لكن


الحديث بجملته رواه الحاكم في مستدركه بإسناد على شرط مسلم عن فضالة بن عبيد وساقه بلفظه إلا أنه قدم المؤمن في روايته على المسلم وهو حديث جليل اشتمل على أصول كثيرة في الدين يطول ذكرها وزاد البيهقي في شعب الإيمان برواية فضالة بفتح الفاء هو فضالة بن عبيد الأنصاري الأوسي أول مشاهده أحد ثم شهد ما بعدها وبايع تحت الشجرة ثم خرج إلى الشام مجاهدا ثم انتقل إلى الشام فسكن دمشق وقضى بها لمعاوية زمن خروجه بصفين ومات بها في عهد معاوية سنة ثلاث وخمسين روى عنه ميسرة مولاه وغيره والمجاهد أي الحقيقي من جاهد نفسه في طاعة الله إذ هو الجهاد الأكبر وينشأ منه الجهاد الأصغر والمهاجر أي الكامل من هجر الخطايا والذنوب أي ترك الصغائر والكبائر وقيل الذنب أعم من الخطيئة لأنه يكون عن عمد بخلاف الخطيئة لأن الحكمة من الهجرة التمكن من الطاعة بلا مانع والتبري عن صحبة الأشرار المؤثرة في اكتساب الخطايا فالهجرة التحرز عنها فالمهاجر الحقيقي هو المتجانب عنها وعن أنس رضي الله عنه قال فلما خطبنا ما مصدرية أي قل خطبة خطبنا رسول الله ويجوز أن تكون كافة وهو يستعمل في النفي ويدل عليه الإستثناء أي ما وعظنا إلا قال أي فيها ولعل الحصر غالبي لا إيمان أي على وجه الكمال لمن لا أمانة له في النفس والأهل والمال وقيل فيما استؤمن عليه من حقوق الله وحقوق العباد التي كلف بها وقد قال تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات الآية الأحزاب والإنسان فيها هو آدم ثم ذريته ومع كونه ظلوما أي ظلم نفسه بالتزامه بحمل ما فيه كلفة عظيمة عليها المؤدي إلى عدم قيامها به لا سيما على الوجه الأكمل جهولا لأنه جهل خطر تلك الأمانة ومشقة رعايتها عند تحمله لها وإنما انتفى كمال الدين بانتفائها لأنه يؤدي إلى استباحة الأموال والأعراض والأبضاع والنفوس وهذه فواحش تنقص الإيمان وتقهقره إلى أن لا يبقى منه إلا أقله بل ربما أدت إلى الكفر ومن ثم قيل المعاصي بريد الكفر ولا


دين على طريق اليقين لمن لا عهد له بأن غدر في العهد واليمين قيل هذا الكلام وأمثاله وعيد لا يراد به الإنقلاع بل الزجر ونفي الفضيلة دون الحقيقة وقيل يحتمل أن يراد به الحقيقة فإن من اعتاد
هذه الأمور لم يؤمن عليه أن يقع ثاني الحال في الكفر كما في الحديث من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه رواه البيهقي في شعب الإيمان وكذا رواه محيي السنة أي صاحب المصابيح بإسناده في شرح السنة ورواه الطبراني في معجمه الكبير من حديث ابن مسعود بزيادات لا بأس بذكرها ولفظه قال قال رسول الله لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له والذي نفس محمد بيده لا يستقيم دين عبد حتى يستقيم له ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه فقيل ما البوائق يا رسول الله قال غشمه وظلمه وأيما رجل أصاب مالا من حرام وأنفق منه لم يبارك له فيه وإن تصدق منه لم يقبل منه وما بقي فزاده إلى النار ألا إن الخبيث لا يكفر الخبيث ولكن الطيب يكفر
الفصل الثالث


المراد به الأحاديث الملحقة بالباب ألحقها صاحب الكتاب غير مقيدة بأن تكون مما أخرجها الشيخان أو غيرهما من أصحاب السنن ولا بأن تكون عن صحابي أو تابعي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول هذا مما يتكرر كثيرا وقد اختلف في المنصوبين بعد سمعت فالجمهور على أن الأول مفعول وجملة يقول حال أي سمعت كلامه لأن السمع لا يقع على الذوات ثم بين هذا المحذوف بالحال المذكورة فهي حال مبينة لا يجوز حذفها واختار الفارسي إن ما بعد سمعت إن كان مما يسمع كسمعت القرآن تعدت إلى مفعول واحد وإلا كما هنا تعدت إلى مفعولين فجملة يقول على هذا مفعول ثان وقيل ينبغي جواز حذف يقول هذه خطا كما يجوز حذف قال خطا في نحو حدثنا مفعول قال أي قال حدثنا ورد بأن حذف يقول ملبس لأنه لا يدري حينئذ أهو يقول أم قال بخلاف حذف قال مما ذكر فإنه اشتهر فلا يلبس ومن ثم جوز حذفها حتى في القراءة كما صححه ابن الصلاح في فتاويه والنووي من شهد أي بلسانه مطابقا لجنانه أن لا إله إلا الله والتزم جميع ما جاء من عند الله وأن محمدا رسول الله وقبل ما ثبت


عن رسول الله حرم الله عليه النار أي الخلود فيها كالكفار بل مآله إلى الجنة مع الأبرار ولو عمل ما عمل من أعمال الفجار وكذا دخولها إن مات مطيعا وأما إذا مات فاسقا فهو تحت المشيئة وفي الحديث دلالة على أن من ترك التلفظ بالشهادتين على القدرة عليه يخلد في النار على ما فيه من خلاف حكي عن جمع من متأخري المذاهب الأربعة كأنهم لم يروا حكاية النووي الإجماع على الأول ذكره ابن حجر وفيه نظر يعلم مما تقدم في أول الباب وتقرر رواه مسلم وعن عثمان رضي الله عنه هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان ويكنى أبا عبد الله الأموي القرشي وكان إسلامه في أول الإسلام على يدي أبي بكر قبل دخول النبي دار الأرقم وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين ولم يشهد بدرا لأنه تخلف بمرض رقية بنت النبي وضرب له النبي فيها بسهم ولم يشهد الحديبية بيعة الرضوان لأن النبي كان بعثه إلى مكة في أمر الصلح فلما كانت البيعة ضرب النبي يده على يده وقال هذه لعثمان وسمي ذا النورين لجمعه بين بنتي رسول الله رقية وأم كلثوم كان أبيض ربعة حسن الوجه استخلف أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين وقتله الأسود التجيبي من أهل مصر وقيل غيره ودفن ليلة السبت بالبقيع وله يومئذ من العمر اثنتان وثمانون سنة وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا أياما وروى عنه خلق كثير قال قال رسول الله من مات وهو يعلم أي علما يقينا سواء قدر على الاقرار اللساني وأقر أو لم يقدر عليه واكتفى بالقلب أو جهل وجوبه أو لم يطالب به أو أتى به إذ ليس فيه ما ينفي تلفظه به أنه لا إله إلا الله وهذه الكلمة علم ل كلمتي الشهادة ولذا اقتصر عليها دخل الجنة إما دخولا أوليا إن لم يصدر عنه ذنب بعد الإيمان أو أذنب وتاب أو عفا الله عنه أو دخولا أخرويا فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا أو معناه استحق دخول الجنة قال الشيخ أبو حامد في الإجباء من يوجد منه التصديق بالقلب فقبل أن ينطق باللسان أو يشتغل بالعبادة مات فهل هو


مؤمن بينه وبين الله تعالى ففيه اختلاف فمن شرط القول لتمام الإيمان يقول هذا مات قبل الإيمان وهذا فاسد إذ قال عليه الصلاة والسلام يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان وهذا قلبه طافح بالإيمان ومن صدق بالقلب وساعده الوقت للنطق بكلمتي الشهادة وعلم وجوبهما ولكنه لم ينطق بهما فيحتمل أن يجعل امتناعه عن النطق بمنزلة امتناعه عن الصلاة و يقال هو مؤمن غير مخلد في النار ا ه وفيه أنه قياس مع الفارق فإن الإقرار


إما شرط للإيمان أو شطر وليس كذلك الصلاة للإيمان والله أعلم وكأنه عند الإمام من واجبات الإسلام وفيه أنه لو كان كذلك لما قيل بكفر أبي طالب فلو عبر بتركه بدل امتناعه كان له وجه وجيه رواه مسلم وعن جابر رضي الله عنه هو جابر بن عبد الله كنيته أبو عبد الله الأنصاري السلمي من مشاهير الصحابة وأحد المكثرين من الرواية شهد بدرا وما بعدها مع النبي ثماني عشرة غزوة وقدم الشام ومصر وكف بصره آخر عمره روى عنه خلق كثير مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وله أربع وتسعون سنة وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة في قول قال قال رسول الله ثنتان صفة مبتدأ محذوف أي خصلتان موجبتان يقال أوجب الرجل إذا عمل ما يجب به الجنة أو النار ويقال للحسنة والسيئة موجبة فالوجوب عند أهل السنة بالوعد والوعيد وعند المعتزلة بالعمل قال رجل يا رسول الله ما الموجبتان أي السببان فإن الموجب الحقيقي هو الله تعالى قال من مات يشرك بالله شيئا دخل النار فالموت على الشرك الأكبر سبب لدخول النار وخلودها ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة فالموت على التوحيد سبب لدخول الجنة رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال كنا قعودا أي ذوي قعود أو قاعدين حول رسول الله ومعنا أبو بكر وعمر بالرفع في نفر أي مع جماعة أو في جملة نفر من الصحابة رضي الله عنهم فقام رسول الله من بين أظهرنا أظهر زائد للتأكيد أي من بيننا فابطأ بالهمزة علينا أي مكث وتوقف عنا كثيرا وخشينا الخشية خوف مع تعظيم أن يقتطع على البناء للمفعول أي من أن يقتطع وقوله دوننا حال من الضمير المستتر في يقتطع أي خشينا أن يصاب بمكروه من عدو أو غيره متجاوزا عنا وبعيدا منا وفي الكشاف معنى


دون أدنى مكان الشيء ومنه الشيء الدون واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب يقال زيد دون عمرو في الشرف والعلم ثم اتسع فيه واستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وفزعنا أي اضطربنا قال الطيبي عطف أحد المترادفين على الآخر لإرادة الإستمرار كما في قوله تعالى كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا القمر أي كذبوه تكذيبا غب تكذيب ا ه ويمكن أن يغاير بينهما بحمل الخشية على خوف الباطن والفزع على اضطراب الظاهر وهو الظاهر لأن التأسيس أولى من التأكيد سيما مع تغاير اللفظين وهو بكسر الزاي وفي نسخة ففزعنا ووجه العطف بالفاء أن الثاني مترتب على الأول فهو سبب له فقمنا أي للتجسس والتفحص فكنت أي لكثرة خشيتي عليه أول من فزع وقام للطلب فخرجت أي من المجلس أبتغي أي أطلب رسول الله أتتبع أثره وخبره لأعلم حقيقة إبطائه حتى أتيت حائطا أي بستانا له حيطان أي جدران للأنصار لبني النجار تخصيص بعد عام أو بدل بعض أي وظننت أنه عليه الصلاة والسلام فيه فدرت به أي بحول الحائط قائلا في نفسي هل أجد له بابا أدخل منه فلم أجد له بابا فإذا إذا للمفاجأة أي فاجأ عدم وجودي للباب رؤية ربيع نهر صغير يدخل في جوف حائط أي بستان آخر إلى ذلك الحائط أو في جوف جدار من جدران ذلك الحائط مبتدأ أو مستمد ذلك النهر من بئر بالهمز وتبدل خارجة ضبطناه بالتنوين في بئر وخارجة وعلى أن خارجة صفة لبئر هكذا نقله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وذكر الحافظ أبو موسى الأصفهاني وغيره أنه روي على ثلاثة أوجه الأول ما ذكرناه والثاني بتنوين في بئر وبهاء مضمومة في خارجه وهي هاء ضمير للحائط أي البئر في موضع خارج عن الحائط والثالث بإضافة بئر إلى خارجة آخره تاء التأنيث وهو اسم رجل والوجه الأول هو المشهور الظاهر كذا ذكره الشيخ محيي الدين النووي وقيل البئر هنا البستان سمي بما فيها من الآبار يقولون بئر بضاعة بئر خارجة وهما بستانان والحائط هنا البستان من النخيل إذا كان عليه جدار والربيع


الجدول هذا تفسير من بعض الرواة قال أبو هريرة فاحتفزت قال النووي روي بالزاء المعجمة والراء المهملة والصواب الأول ومعناه تضاممت ليسعني المدخل فدخلت على رسول الله فقال أبو هريرة أي فقال النبي أأنت أبو هريرة والإستفهام إما على حقيقته لأنه عليه الصلاة والسلام كان غائبا عن بشريته بسبب إيحاء هذه البشارة فلم يشعر بأنه هو وإما للتقرير وهو ظاهر وإما للتعجب لإستغرابه أنه من أين دخل عليه والطرق مسدودة فقلت نعم يا رسول الله أنا أبو هريرة قال ما شأنك بالهمز ويبدل أي أي شيء حالك وما سبب مأتاك واضطرابك قلت كنت أي أنت بين أظهرنا أي كان ظهورنا مستندة إليك وقلوبنا معتمدة عليك وصدورنا منشرحة لديك فقمت أي عنا فابطأت علينا


وفتحت باب الإضطراب لدينا فخشينا عليك أولا وعلينا ثانيا أن تقتطع أي يقطعك أعداؤك عن أحبابك وتهلك دوننا أي من غير اطلاعنا أو دون أن نهلك بين يديك لأجلك ففزعنا أي لذلك وتسارعنا إلى تعرف خبرك فكنت أول من فزع من المشتاقين وأول من قام من الخائفين فأتيت هذا الحائط بناء على ظني أنك فيه فاحتفزت لما لم أجد له بابا كما يحتفز الثعلب في تحصيل المطلب وهؤلاء الناس ورائي أي ينتظرون علم ما وقع لك وهو اقتباس من قوله تعالى حكاية عن موسى هؤلاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى طه فقال يا أبا هريرة يقرأ بالهمز ولا يكتب وأعطاني نعليه الجملة حال وهو إشارة إلى البشارة للمحبين فقال تأكيد للأول اذهب بنعلي الباء للتعدية هاتين تأكيد للتنبيه ولعله عليه الصلاة والسلام حصل له التجلي الطوري في ذلك المقام النوري فخلع النعلين وأعطى لأصحابه الكونين أو إيماء إلى ثباتهم على دينهم وبذلهم الجهد في السعي إليه بإقدامهم وقال الطيبي لعل فائدة بعثة النعلين الدلالة على صدقه وإن كان خبره مقبولا بدون ذلك وتخصيصهما بالارسال إما لأنه لم يكن عنده غيرهما وإما للإشارة إلى أن بعثته وقدومه لم يكن إلا تبشيرا وتسهيلا على الأمة ورفعا للآصار التي كانت في الأمم السابقة وإما للإشارة إلى ثبات القدم والاستقامة بعد الاقرار كقوله عليه الصلاة والسلام قل آمنت بالله ثم استقم والله أعلم بأسراره وأسرار أبراره فمن لقيك أي رآك أو رأيته من وراء هذا الحائط قيد واقعي أو المراد إيمان غيبي يتميز به المخلص عن المنافق يشهد أي حال كونه أن لا إله إلا الله ويلزم منه شهادة أن محمدا رسول الله مستيقنا بها أي بمضمون هذه الكلمة قلبه أي منشرحا بها صدره غير شاك ومتردد في التوحيد والنبوة اللذين هما الإيمان الإجمالي فبشره بالجنة معناه أخبر أن من كان هذه صفته فهو من أهل الجنة وإلا فأبو هريرة لا يعلم استيقانهم وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أن اعتقاد التوحيد لا


ينفع دون النطق عند القدرة أو عند الطلب ولا النطق دون الاعتقاد بالإجماع بل لا بد منهما غاية الأمر أن النطق فيه خلاف إنه شرط أو شطر و قد يسقط بعذر وذكر القلب هنا للتأكيد ونفي توهم المجاز وإلا فالاستيقان لا يكون إلا بالقلب كقوله رأيت بعيني فكان أول من لقيت أي من الناس عمر منصوب على أنه خبر كان وقيل مرفوع على الأسمية وأول بالعكس قيل وهو أولى لأنه وصف وهو بالخبرية أحرى فقال مبادرا ما هاتان النعلان أي شأنهما


وخبرهما يا أبا هريرة قلت هاتان نعلا رسول الله بعثني بهما حال كوني قائلا أو مبلغا أو مأمورا بأن من لقيت أي أنا يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة فضرب عمر لا بد هنا من تقدير يدل عليه السياق من السباق واللحاق يعني فقال عمر ارجع قصدا للمراجعة بناء على رأيه الموافق للكتاب ونطقه المطابق للصواب فأبيت وامتنعت عن حكمه امتثالا لظاهر أمره عليه الصلاة والسلام المقدم على كل أمر آمر فضرب عمر بيده بين ثديي بالتثنية أي في صدري فإنه يبعد كل البعد ضربه ابتداء من غير باعث فخررت بفتح الراء لإستي بهمزة وصل أي سقطت على مقعدي من شدة ضربه لي فقال ارجع يا أبا هريرة تأكيدا قال الطيبي ليس فعل عمرو مراجعته النبي اعتراضا عليه وردا لأمره إذ ليس ما بعث به أبا هريرة إلا لتطييب قلوب الأمة وبشراهم فرأى عمر رضي الله عنه إن كتمه هذا أصلح لئلا يتكلوا ا ه والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام لكونه رحمة للعالمين ورحيما بالمؤمنين ومظهرا للجمال على وجه الكمال وطبيبا لأمته على كل حال لما بلغه خوفهم وفزعهم واضطرابهم أراد معالجتهم بإشارة البشارة لإزالة الخوف والنذارة فإن المعالجة بالأضداد ولما كان عمر مظهرا للجلال وعلم أن الغالب على الخلق التكاسل والإتكال فرأى أن الأصلح لأكثر الخلق المعجون المركب بل غلبة الخوف بالنسبة إليهم أنسب فوافقه وهذه مرتبة علية ومزية جلية لعمر رضي الله عنه وأما قول ابن حجر وكان وجه استباحة عمر لذلك أنه لأبي هريرة بمنزلة الشيخ والمعلم وللشيخ والمعلم أن يؤدب المتعلم بمثل ذلك إذا رأى منه خلاف الأدب وهو هنا المبادرة إلى إشاعة هذا الخبر قبل تفهم المراد من النبي مع إشكاله وما يترتب عليه من إتكال الناس وإعراضهم عن الأعمال وكان حقه إذا أمر بتبليغه أن يتفهم المراد به ليورده في موارده دون غيرها فاقتضى اجتهاد عمر أن إخلاله بذلك مقتض لتأديبه فأدبه بذلك فتطويل لا طائل تحته فإنه مع تسليم ما


ذكر كله لا يعقل ضربه ابتداء من الشيخ الحقيقي فضلا عن غيره ثم قوله أيضا ويحتمل أن عمر استبعد صدور هذا العموم منه عليه الصلاة والسلام بدليل قوله الآتي أبعثت الخ ونسبه إلى تصرف أبي هريرة فأدبه لذلك مستبعد غاية البعد فإنه يؤدي إلى سوء الظن وعدم قبول خبر الواحد في الديانات ومع هذا كيف يتصور ضربه على ذلك ثم من الغريب أنه فرع عليه أيضا بأن للأفاضل من الأتباع تأديب من دونهم إذا كانوا لهم بمنزلة التلامذة وإن للشيخ أن يؤدب تلميذه ولو بالضرب ونقل جواز ذلك عن بعض أئمته ا ه ولا ريب أن الضرب على عدم فهم المراد أو على سوء الظن من غير بيان مخالف للإجماع والله أعلم فرجعت إلى رسول الله فأجهشت بالبكاء والباء للمصاحبة والبكاء أما لشدة الإيلام أو لقلة الإحترام ويروي


جهشت بكسر الهاء وغير همز وهما صحيحان وكلاهما بصيغة الفاعل والجهش كالإجهاش أن يفزع الإنسان إلى إنسان ويلجأ إليه ومع ذلك يريد البكاء كما يفزع الصبي إلى أمه وركبني عمر أي أثقلني عدو عمر من بعيد خوفا واستشعارا منه كما يقال ركبته الديون أي أثقلته يعني تبعني عمر وإذا هو أي عمر وإذا للمفاجأة وفي نسخة بالفاء بيان لوصوله إليه أي فنظرت فإذا هو على أثري فيه لغتان فصيحتان فتحهما وهو الأفصح وكسر الهمزة وسكون الثاء أي عقبي فقال رسول الله مالك رجعت وأي شيء رجع بك على هذه الحالة المنكرة يا أبا هريرة قلت وفي نسخة فقلت لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت لإستي فقال أي عمر ارجع قال وفي نسخة فقال بالفاء رسول الله يا عمر ما حملك على ما فعلت أي من الأمر بالرجوع والمنع من التبليغ قال وفي نسخة فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي الباء متعلقة بمحذوف قيل هو اسم تقديره أنت مفدى بأبي وقيل فعل أي فديتك بأبي وحذف هذا المقدر تخفيفا لكثرة الإستعمال وعلم المخاطب به أبعثت أبا هريرة بنعليك والإستفهام للتقرير والتحقيق من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بصيغة الماضي أي من لقيه بشره بالجنة قال نعم قال أي عمر فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها أي على هذه البشارة الإجمالية ويعتمد العامة على هذه الرحمة الجمالية ويتركوا القيام بوظائف العبودية التي تقتضي الصفات الربوبية وحينئذ ينخرم نظام الدنيا والعقبى حيث أكثرهم يقعون في الملة الإباحية كما هو مذهب بعض الجهلة من الصوفية فخلهم من غير البشارة يعملون حال فإن العوام إذا بشروا يتركون العمل بخلاف الخواص فإنهم إذا بشروا يزيدون في العمل كما تقدم فقال رسول الله فخلهم رواه مسلم كان المناسب لدأبه أن يقول روى الأحاديث الأربعة مسلم قال النووي في الحديث اهتمام الأتباع بحال متبوعهم والإعتناء بتحصيل مصالحه ورفع مفاسده وفيه جواز دخول الإنسان


ملك غيره بغير إذنه إذا علم أنه يرضى بذلك لمودة بينهما أو غيرها فإن أبا هريرة دخل الحائط وأقره النبي على ذلك ولم ينقل أنه أنكر عليه وهذا غير مختص بدخول الأرض بل له انتفاع بأدواته وأكل طعامه والحمل من طعامه إلى بيته وركوب دابته ونحو ذلك من التصرف الذي يعلم أنه لا يشق عليه اتفق على ذلك السلف والخلف قال ابن عبد البر وأجمعوا أنه لا يتجاوز الطعام ونحوه إلى الدراهم والدنانير وأشباهها ولعل هذا إنما يكون في الدراهم الكثيرة التي يشك في رضاه بها وفيه جواز قول الرجل للآخر بأبي أنت وأمي سواء كان المفدى به مسلما أو كافرا أو حيا أو ميتا


وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال لي في قوله لي إشارة إلى أنه كان معه وحده أو كان هو المقصود بالخطاب رسول الله مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله قال الطيبي مفاتيح الجنة مبتدأ وشهادة خبره وليس بينهما مطابقة من حيث الجمع والإفراد فهو من قبيل قول الشاعر ومعي جياعا جعل الناقة الضامرة من الجوع كأن كل جزء من معاها معي واحد من شدة الجوع وكذا جعلت الشهادة المستتبعة للأعمال الصالحة التي هي كأسنان المفاتيح كل جزء منها بمنزلة مفتاح واحد ا ه والأظهر أن المراد بالشهادة الجنس فشهادة كل أحد مفتاح لدخوله الجنة إما ابتداء أو انتهاء والأعمال إنما هي لرفع الدرجات ومراتب اللذات في الوصال أو لأن الشهادة لما كانت مفتاح أبواب الجنة فكأنها مفاتيح أو لأن الشهادة مصدر فهو لشموله القليل والكثير يخبر به عن الجمع وغيره وشبه الشهادة بالمفاتيح بجامع أن كلا سبب للدخول ثم حذفت أداة التشبيه وقلبه زيادة في تحقيق معنى المشبه والمبالغة فيه وفيه الإستغناء بأحد المتلازمين عن الآخر إذ لا يعتد بإحدى الشهادتين إلا مع الأخرى رواه أحمد وعن عثمان رضي الله عنه أن رجالا بفتح الهمزة وفي نسخة صحيحة قال إن رجالا بكسر الهمزة من أصحاب النبي حين توفي بضم التاء والواو ماض مجهول حزنوا بكسر الزاي عليه أي على موته وغيبة طلعته وفقدان حضرته وعدم وجدان إفادته العلوم الظاهرية وإفاضته المعارف الباطنية حتى كاد أي قارب بعضهم يوسوس أي يقع في الوسوسة بأن يقع في نفسه انقضاء هذا الدين وانطفاء نور الشريعة الغراء بموته عليه الصلاة والسلام وخطور هذا بالنفوس الكاملة مهلك لها حتى يتغير حاله ويختلط كلامه ويدهش في أمره ويختل عقله ويجيء أحوال بقيتهم في آخر الكتاب من أن بعضهم أقعد وأسكت وبعضهم أنكر موته عليه الصلاة والسلام وأظهر الله فضل الصديق بثبات قدم صدقه قال الطيبي الوسوسة حديث النفس وهو لازم قال الجوهري يقال يوسوس بالكسر والفتح لحن قال


عثمان وكنت منهم أي من ذلك البعض الذي اشتد حزنه حتى كاد أن يوسوس ويذهل عن الحس فبينا أي بين أوقات أنا جالس أي متفكر متحير مر علي عمر وسلم فلم
أشعر أي لشدة ما أصابني من الذهول لذلك الهول به أي بمروره أو سلامه أو بهما وهو الأظهر فاشتكى عمر معاتبة إلى أبي بكر رضي الله عنهما ثم أقبلا كلاهما حتى سلما علي جميعا أي فرددت عليهما فقال أبو بكر ما حملك على أن لا ترد على أخيك عمر سلامه أي قبل ذلك فقلت ما فعلت أي ما وقع منى هذا الفعل وهو ترك رد السلام وهذا بناء على عدم شعوره بسلامه فقال عمر بلى والله لقد فعلت بناء على حقيقة الحال قال أي عثمان وهو متروك في بعض النسخ قلت والله ما شعرت بفتح العين يضم أي ما علمت ولا فطنت إنك مررت أي بي كما في نسخة ولا سلمت كان يكفيه أن يقول ما شعرت أنك مررت ولكن جيء به توكيدا أي ما نظرت إليك ولا سمعت كلامك كذا قاله الطيبي وفيه نظر إذ يمكن الشعور بأحدهما دون الآخر مع أنه لا يلزم من النظر الشعور قال أبو بكر أي لعمر صدق عثمان أي في اعتذاره بعدم شعوره وقال لي على وجه الإلتفات قد شغلك عن ذلك أي عن الشعور أمر أي عظيم فقلت أجل أي نعم الأمر كذلك قال ما هو أي ذلك الأمر العظيم قلت توفى الله تعالى نبيه أي قبض روحه قبل أن نسأله عن نجاة هذا الأمر يجوز أن يراد بالأمر ما عليه المؤمنون أي عما نتخلص به من النار وهو مختص بهذا الدين وأن يراد ما عليه الناس من غرور الشيطان وحب الدنيا والتهالك فيها والركون إلى شهواتها وركوب المعاصي وتبعاتها أي نسأله عن نجاة هذا الأمر الهائل ولعمري كلمة التقوى تؤثر في النفس اليقظة وفي القلب جلاء الصدأ والرين وفي السر محو الأثر والعين ولا يعقل ذلك إلا السائرون إلى الله تعالى والعارفون به ومن ثم ألزموها وكانوا أحق بها وأهلها قال أبو بكر قد سألته عن ذلك أي وأجابني فقمت أي من كمال الفرح متوجها إليه ومتمثلا بين يديه وقلت له بأبي أنت وأمي أنت أحق بها


أي بالمسألة والسبق بها والبحث عنها فإنك إلى كل خير أسبق قال أبو بكر قلت يا رسول الله ما نجاة هذا الأمر فقال أي رسول الله كما في نسخة من قبل مني أي بطوع ورغبة من غير نفاق وريبة الكلمة التي عرضت وفي نسخة عرضتها على عمي أي أبي طالب فردها ونزل فيه إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء فهي أي هذه الكلمة وهي كلمة الشهادة المعبر عنها بالكلمة الطيبة له أي لمن قبلها نجاة وأي نجاة فإنها هداية لا تحصل إلا بعناية إما في بداية أو نهاية سيما إذا كانت مقرونة بحسن رعاية فكأنه عليه الصلاة والسلام يقول


النجاة في الكلمة التي عرضتها على مثل أبي طالب وقد زاد على السبعين في الكفر ولو قالها مرة كانت له حجة عند الله لإستخلاصه ونجاة له من عذابه فكيف بالمؤمن المسلم وهي مخلوطة بلحمه ودمه فلو صرح بها في كلامه لم يفخم هذا التفخيم وهذا الحديث رواه الصحابي عن الصحابي يعني عثمان عن أبي بكر رضي الله عنهما رواه أحمد وعن المقداد رضي الله عنه هو المقداد بن عمرو الكندي وذلك أن أباه حالف كندة فنسب إليها وإنما سمي ابن الأسود لأنه كان حليفه أو لأنه كان في حجره وقيل بل كان عبدا فتبناه وكان سادسا في الإسلام روى عنه علي وطارق ابن شهاب وغيرهما ومات بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة فحمل على رقاب الناس ودفن بالبقيع سنة ثلاث وسبعين وهو ابن تسعين سنة أنه سمع رسول الله أي كلامه يقول حال وقيل مفعول ثان لا يبقى على ظهر الأرض أي وجهها من جزيرة العرب وما قرب منها فلا ينافي ما قيل إن وراء الصين قوما لم تبلغهم إلى الآن بعثته عليه الصلاة والسلام بيت مدر ولا وبر أي المدن والقرى والبوادي وهو من وبر الإبل أي شعرها لأنهم كانوا يتخذون منه ومن نحوه خيامهم غالبا والمدر جمع مدرة وهي اللبنة إلا أدخله فاعل أدخل هو الله تعالى وإن لم يجر له ذكر بدليل تفصيله بقوله أما يعزهم الله وفي بعض النسخ أدخله الله كلمة الإسلام مفعوله والضمير المنصوب ظرف وقوله بعز عزيز حال أي أدخل الله تعالى كلمة الإسلام في البيت ملتبسة بعز شخص عزيز أي يعزه الله بها حيث قبلها من غير سبي وقتال وذل ذليل أي أو يذله الله بها حيث أباها وهو يشمل الحربي والذمي والمعنى يذله الله بسبب إبائها بذل سبي أو قتال حتى ينقاد إليها كرها أو طوعا أو يذعن لها ببدل الجزية والحديث مقتبس من قوله تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون التوبة ثم فسر العز والذل بقوله أما يعزهم الله أي قوما أعزوا الكلمة بالقبول فيجعلهم من أهلها بالثبات


إلى الممات أو يذلهم أي قوما آخرين لم يلتفتوا إلى الكلمة وما قبلوها فكأنهم أذلوها فجوزوا بالإذلال جزاء وفاقا فيدينون لها بفتح الياء أي يطيعون وينقادون لها ومن المعلوم أن إسلام الحربي مكرها خشية السيف صحيح وفيه إشارة إلى قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد أي من غير إرسال أو مع ضرب كف في عنق أو لطم يد في وجه وهم صاغرون أي اذلاء مهانون ومحتقرون قلت القائل المقداد والظاهر أنه قاله في
غير حضرته عليه الصلاة والسلام بل عند روايته فلهذا ما ذكر له جواب فيكون الدين كله لله أي إذا كان الأمر كذلك فتكون الغلبة لدين الله طوعا أو كرها وقيل إن في آخر الزمان لم يبق على وجه الأرض محل الكفر بل جميع الخلائق يصيرون مسلمين إما بالطوع والرغبة ظاهرا وباطنا وإما بالإكراه والجبر وإذا كان كذلك فيكون الدين كله لله رواه أحمد كان الظاهر أن يقول روى الأحاديث الثلاثة أحمد وعن وهب بن منبه بكسر الموحدة المشددة يكنى أبا عبد الله الصنعاني من أبناء فارس سمع جابر بن عبد الله وابن عباس مات سنة أربع عشرة ومائة ذكره المصنف في التابعين قيل له أليس لا إله إلا الله أي المقرون بمحمد رسول الله ومحله الرفع على أنه اسم ليس وخبرها مفتاح الجنة وقيل بالعكس وقدم لشرفه قال بلى ولكن أي أقول بموجب ذلك وأنها مفتاحها كما تقدم في الحديث السابق ولكن لا يغتر أحد بذلك ويظن أنه بمجرد تلفظه بتلك الكلمة التي هي المفتاح يفتح له الجنة حتى يدخلها مع الناجين وإن لم يعمل عملهم لأنه وإن أتى بالمفتاح غير نافع له لأنه ليس مفتاح أي من خشب أو حديد إلا وله أسنان أي غالبا أو عادة هي الفاتحة في الحقيقة فإن جئت بمفتاح له أسنان قال الطيبي المعنى بها الأركان الأربعة أي الصلاة والصوم والزكاة والحج وقيل مطلق الأعمال الصالحة المتضمنة لترك الأعمال السيئة فتح لك أي أولا وإلا أي وإن لم تجىء بمفتاح له أسنان مما ذكر ولو فقدت منه سن واحدة لم يفتح لك أي ابتداء


ولا بد من هذا التأويل ليستقيم على مذهب أهل السنة والجماعة هذا ولا يخفى عليك أن التشبيه ظاهره يأبى عن القيد الأولي فالأولى أن يقال المراد بالأسنان إنما هو تصديق القلب من غير ترديد بالوفاق والإقرار باللسان من غير نفاق وانقياد لأحكام الإسلام من غير كره وشقاق فالكلمة حينئذ بهذه الأوصاف المشبهة بالأسنان يكون مفتاحا إما أولا أو آخرا على وفق إلاذن من الفتاح العليم رواه البخاري في ترجمة باب بفتح الجيم أي من عادته أن يذكر بعد الباب حديثا معلقا بغير إسناد فيه بيان ما يشتمل عليه أحاديث الباب ويضيف إليه الباب واختلف في صحة تعليقاته والأصح ما ذكره بصيغة التمريض كروي وذكر وقيل فهو ضعيف وما لا فلا وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا أحسن


أحدكم إسلامه أي أجاد وأخلص كقوله تعالى بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن البقرة فكل حسنة يعملها تكتب أي له كما في نسخة بعشر أمثالها فضلا من الله ونعمة إلى سبعمائة ضعف إلى لانتهاء الغاية فيكون ما بين العشرة إلى سبعمائة درجات بحسب الأعمال والأشخاص والأحوال أو لمجرد الإفضال والله يضاعف لمن يشاء حكى الماوردي أن الضعف لا يتجاوز عن سبعمائة قال النووي هذا غلط لما في مسلم إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ا ه فالمراد بسبعمائة الكثرة وفيه الإشارة إلى قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة البقرة والمراد هنا بالضعف المثل وخص حسنات الحرم بمائة ألف قال ابن حجر وصح صلاة واحدة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في مسجد رسول الله وأخذت من هذا كأحاديث أخر أنها في مكة بمائة ألف ألف ألف صلاة كما يأتي فالعشرة لا ينقص عنها والزيادة لا منتهى لها وما بين العشرة إلى سبعمائة فأكثر درجات بحسب كمال الأعمال وما يصحبها من الإخلاص وغيره ا ه ولا يخفي أن الحسنات تختلف كيفياتها أيضا وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها أي كمية فضلا منه تعالى ومنة ورحمة وإن كانت السيئات تتفاوت كيفية باختلاف الزمان والمكان وأشخاص الإنسان ومراتب العصيان حتى لقي الله أي إلى أن يلقى الله يوم القيامة فيجازيه أو يعفو عنه والعدول إلى الماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى أتى أمر الله النحل ولا يبعد تعلق حتى بالجملتين وإرادة اللقي بمعنى الموت متفق عليه وعن أبي أمامة أن رجلا سأل رسول الله ما الإيمان أي علامته قال إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك أي إذا عملت حسنة وحصل لك فرح ومسرة بتوفيق الطاعة وإذا فعلت سيئة ووقع في قلبك حزن ومساءة خوفا من العقوبة فأنت مؤمن فإن المؤمن الكامل يميز بين الطاعة والمعصية ويعتقد المجازاة عليهما يوم القيامة بخلاف الكافر فإنه لا يفرق بينهما ولا يبالي بفعلهما قال يا رسول الله


فما الإثم أي ما علامته إذا لم يكن نص صريح أو نقل صحيح واشتبه أمره والتبس حكمه قال إذا حاك أي تردد في نفسك شيء ولم يطمئن به قلبك وأثر فيه تأثيرا يديم تنفيرا فدعه أي اتركه وهو كقوله عليه الصلاة
والسلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وهذا بالنسبة إلى أرباب البواطن الصافية والقلوب الزاكية أو المعنى اتركه احتياطا إذا كان الأحوط تركه وإذا كان الفعل أولى فاترك ضده لئلا تقع في الإثم وقيل الجوابان من أسلوب الحكيم وقد تصحف على السيد السند فقرأ حاك جاءك بصيغة الماضي من المجيء رواه أحمد وعن عمرو بن عبسة بفتحات كنيته أبو نجيح السلمي أسلم قديما في أول الإسلام قيل كان رابع أربعة في الإسلام ثم رجع إلى قومه بني سليم وقال له النبي إذا سمعت أني خرجت فاتبعني فلم يزل مقيما بقومه حتى انقضت خيبر فقدم بعد ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام وأقام بالمدينة وعداده في الشاميين روى عنه جماعة رضي الله عنه قال أتيت رسول الله أي جئته لطلب العلم فقلت يا رسول الله من معك على هذا الأمر أي من يوافقك على ما أنت عليه من أمر الدين قال حر وعبد أي كل حر وعبد يعني مأمور بالموافقة وقيل أبو بكر وزيد أو أبو بكر وبلال ويؤيده ما في إحدى روايات مسلم ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ولعل عليا رضي الله عنه لم يذكر لصغره وكذا خديجة لسترها وعدم ظهورها قلت ما الإسلام أي علامته أو شعبه أو كماله قال طيب الكلام وإطعام الطعام فيهما إشارة إلى الحث على مكارم الأخلاق وإظهار الإحسان لأفراد الإنسان ولو بحلاوة اللسان قلت ما الإيمان أي ثمرته ونتيجته قال الصبر أي على الطاعة وعن المعصية وفي المصيبة والسماحة أي السخاوة بالزهد في الدنيا والإحسان والكرم للفقراء وقيل الصبر على المفقود والسماحة بالموجود قال قلت أي الإسلام أي خصاله أو أهله وهو أولى أفضل قال من سلم المسلمون من لسانه ويده قال قلت أي الإيمان أفضل أي أي أخلاقه أو خصاله قال خلق حسن بضم اللام


وتسكن وهو صفة جامعة للخصال السنية والشمائل البهية قال تعالى وإنك لعلي خلق عظيم القلم ولذا قالت الصديقة رضي الله عنها كان خلقه القرآن أي يأتمر بما أمر الله تعالى فيه وينتهي عما نهى
الله عنه وذكر شيخ مشايخنا خاتمة المحدثين وآخر المجتهدين جلال الدين السيوطي رحمه الله أنه حديث حسن رواه الحسن عن الحسن عن أبي الحسن عن جد الحسن أن أحسن الحسن الخلق الحسن وقال بعض المحققين الخلق الحسن هو بسط الوجه المسمى بالمحيا وبذل الندى والعطاء وكف الأذى وأن لا يخاصم لشدة معرفته بالله تعالى ولذا قيل الصوفي لا يخاصم ولا يخاصم أو إرضاء الخلق في السراء والضراء وقال سهل أدناه الإحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والإستغفار له والشفقة عليه والتحقيق أنه قد لاح وبان عند أرباب العرفان بطوالع الوحي ولوائح الوجدان أن الإنسان جوهر لطيف نوراني من عالم الأمر شبيه بالجواهر القدسية الملكوتية وله قوتان يحظى بكمالهما ويشقى بسبب اختلالهما قوة عاقلة تدرك حقائق الموجودات بأجناسها وأنواعها وتنتقل منها إلى معرفة من اشتغل بإبداعها وعاملة تدرك النافع نافعا فتميل إليه والضار مضرا فتنفر عنه وذلك أمور معاشية تتعلق بحفظ النوع وكمال البدن ولذا ورد خالق الناس بخلق حسن أو ملكات فاضلة وأحوال باطنة هي الخلق الحسن وهو إما تزكية النفس عن الرذائل وأصولها عشرة الطعام والكلام والغضب والحسد والبخل وحب المال والجاه والكبر والعجب والرياء أو تحليتها بالفضائل وأمهاتها عشرة التوبة والخوف والزهد والصبر والشكر والإخلاص والتوكل والمحبة والرضا بالقضاء وذكر الموت والخلق ملكة تصدر بها الأفعال عن النفس بسهولة من غير سبق روية وتنقسم إلى فضيلة هي الوسط ورذيلة وهي الأطراف ولذا قال تعالى وإنك لعلي خلق عظيم القلم قال قلت أي الصلاة أي أي أركانها أو كيفياتها أفضل أي أكثر ثوابا وفضلا قال طول القنوت أي القيام أو القراءة أو الخشوع قال قلت أي الهجرة أي


أفرادها أفضل فإن الهجرة أنواع إلى الحبشة عند إيذاء الكفار للصحابة ومن مكة إلى المدينة وفي معناه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام وهجرة القبائل لتعلم المسائل من النبي والهجرة عما نهى الله عنه قال أن تهجر ما كره ربك كراهة تحريم أو تنزيه وهذا النوع هو الأفضل لأنه الأعم الأشمل قال فقلت وفي نسخة قلت فأي الجهاد أي أنواعه أو أهله أفضل قال من عقر بالبناء للمفعول جواده أي قتل فرسه وأهريق دمه بضم الهمزة وسكون الهاء وقيل بفتحها وهو وهم أي صب وسكب يقال أراق يريق وهراق يهريق بقلب الهمزة هاء وإهراق يهريق بزيادتها كما زيدت السين في استطاع والهاء في مضارع الأول محركة وفي مضارع الثاني مسكنة كذا قاله


صاحب الفائق وقال الحجازي في حاشية الشفاء لا تفتح الهاء مع الهمزة وإنما كان هذا الجهاد أفضل لإشتماله على الجهادين جهاد فارس وجهاد راجل أو لجمعه بين الإنفاق في سبيل الله والشهادة في مرضاة مولاه قال قلت أي الساعات أي لتحصيل الطاعات أفضل قال جوف الليل أي وسطه لأنه أقرب إلى الصفاء وأبعد عن الرياء الآخر صفة جوف أي النصف الأخير من الليل فإنه أشق على النفس وأخلى من الخلق وأقرب إلى تنزل رحمة الله رواه أحمد وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول من لقي الله يعني من مات لا يشرك به شيئا أي جليا أو خفيا أي حال كونه غير مشرك يعني يكون موحدا مؤمنا ويصلي الخمس أي خمس صلوات كل يوم وليلة في خمسة أوقات بركعات معدودات مقرونة بشرائط وأركان معلومات ويصوم رمضان أي شهره في كل سنة أياما معدودات ولعل ترك الزكاة والحج لأنهما مختصان بالأغنياء أو كان قبل فرضيتهما غفر له أي غفر الله له ذنوبه الصغائر التي بين كل صلاة وصلاة وكل صوم وصوم أو الكبائر التي بينه وبين الله تعالى إن شاء وأما حقوق العباد فيمكن أن يرضيهم الله تعالى من فضله قلت ذكرت ذلك أفلا أبشرهم أي عموم الناس يا رسول الله حتى يفرحوا بهذه البشارة قال دعهم أي اتركهم بلا بشارة يعملوا مجزوم على جواب الأمر أي يجتهدوا في زيادة العبادة ولا يتكلوا على هذا الإجمال ولا يرتكبوا من قبائح الأفعال فإن هذا دأب العوام في غالب الأحوال بخلاف الخواص وأصحاب الإختصاص إذ لو فرض وقدر أن ليس هناك جنة ولا نار ما عصوا الله تعالى ساعة في ليل ولا ونهار وقد ورد في الحديث رحم الله صهيبا لو لم يخف الله لم يعصه بل يزيدون في العبادة بعد البشارة شكرا لهذه الإشارة ويخافون أن البشارة تكون مقيدة بقيد مطوي تحت العبارة امتحانا من رب العباد والله رؤوف بالعباد رواه أحمد وعنه أي عن معاذ رضي الله عنه أنه سأل النبي عن أفضل الإيمان أي عن شعبه ومراتبه وأحواله أو خصال أهله قال


أن تجب أي كل ما تحبه لله لا لغرض سواه
وتبغض أي مبغوضك لله لا لطبع وهوى وتعمل من الأعمال بمعنى الإستعمال والأشغال لسانك ليصل بركته إلى جنانك في ذكر الله بأن لا يزال رطبا به بشرط الحضور فيكون نورا على نور وإلا فاشتغال عضو بالعبادة نوع من العناية ومن شكر هذه النعمة حصل له مزيد الرعاية قال وماذا يا رسول الله أي وماذا أصنع بعد ذلك وماذا إما منصوب باصنع أو مرفوع أي أي شيء أصنعه فعلى الأول مقول قال وأن تحب يكون منصوبا وعلى الثاني مرفوعا والواو للعطف على مقدر والتقدير أن تستقيم على ما قلنا وأن تحب للناس يحتمل التعميم ويحتمل التخصيص بالمؤمنين ما تحب لنفسك أي مثله وتكره لهم ما تكره لنفسك رواه أحمد


باب الكبائر
جمع كبيرة وهي السيئة العظيمة التي خطيئتها في نفسها كبيرة وعقوبة فاعلها عظيمة بالنسبة إلى معصية ليست بكبيرة وقيل الكبيرة ما أوعد عليه الشارع بخصوصه وقيل ما عين له حد وقيل النسبة إضافية فقد يكون الذنب كبيرة بالنسبة لما دونه صغيرة بالنسبة إلى ما فوقه وقد يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال كما قيل حسنات الأبرار سيآت المقربين وقد يتفاوت باعتبار المفعول فإن إهانة السادات والعلماء ليست كإهانة السوقة والجهلاء وللشيخ ابن حجر كتاب نفيس في هذا الباب يسمى الزواجر عن الكبائر وقيل كل معصية كبيرة نظرا إلى عظمة الله تعالى وقيل لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الإستغفار وقيل بإبهام الكبيرة من بين الذنوب لئلا يرتفع الخوف من القلوب وعلامات النفاق تخصيص بعد تعميم أو بينهما عموم وخصوص من وجه
الفصل الأول
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يكنى أبا عبد الرحمن الهذلي كان إسلامه


قديما في أول الإسلام قبل دخول النبي في دار الأرقم وقبل عمر بزمان وقيل كان سادسا في الإسلام ثم ضم إليه رسول الله سواكه ونعليه وطهوره في السفر هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد وشهد له رسول الله بالجنة وقال رسول الله رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد يعني ابن مسعود وكان يشبه بالنبي في سمته ودله وهديه وكان خفيف اللحم قصيرا شديد الأدمة نحيفا طوال الرجال توازيه جالسا ولي القضاء بالكوفة وبيت مالها لعمر وصدرا من خلافة عثمان ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع وله بضع وستون سنة روى عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومن بعدهم من الصحابة والتابعين وهو عندنا أفقه الصحابة بعد الخلفاء الأربعة قال قال رجل يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله الذنب ما يذم به الآتي به شرعا وهو أربعة أقسام قسم لا يغفر بلا توبة وهو الكفر وقسم يرجى أن يغفر بالإستغفار وسائر الحسنات وهو الصغائر وقسم يغفر بالتوبة وبدونها تحت المشيئة وهو الكبائر من حق الله تعالى وقسم يحتاج إلى التراد وهو حق الآدمي والتراد إما في الدنيا بالإستحلال أو رد العين أو بدله وإما في الآخرة برد ثواب الظالم للمظلوم أو إيقاع سيئة المظلوم على الظالم أو أنه تعالى يرضيه بفضله وكرمه قال أن تدعو أي تجعل لله ندا بالكسر أي مثلا ونظيرا في دعائك وعبادتك وقيل الند المثل المزاحم الذي يضاده في أموره من ند نفر وأما الضد فهو أحد متقابلين لا يمكن اجتماعهما وهو خلقك الجملة حال من الله أو من فاعل أن تدعو وفيه إشارة إلى ما استحق به تعالى أن تتخذه ربا وتعبده فإنه خلقك أو إلى ما به امتيازه تعالى عن غيره في كونه إلها أو إلى ضعف الند أي أن تدعو له ندا وقد خلقك غيره وهو لا يقدر على خلق شيء والمراد أن أكبر الكبائر هو الشرك بالله بل الكفر مطلقا وإنما خص فإن الشرك لظلم عظيم قال ثم أي استفهام بالتنوين يدل


من المضاف إليه لكن يحذف التنوين وقفا بمعنى أي شيء من الذنوب أكبر بعد الكفر قال أن تقتل ولدك خشية منصوب على أنه مفعول له أن يطعم بفتح أوله أي يأكل معك لا خلاف أن أكبر الذنوب بعد الكفر قتل نفس المسلم بغير حق فالمعنى أن قتل الولد أكبر من سائر الذنوب وقتله من خوف أن يطعم أيضا ذنب لأنه لا يرى الرزق من الله تعالى وليس ثم في هذا الحديث لتراخي الزمان إذ لا يتصور ههنا ولا لتراخي الرتبة لوجوب كون المعطوف بها أعلى مرتبة وههنا بالعكس بل هي للتراخي في الإخبار كأنه قيل أخبرني عن أوجب ما يهمني السؤال عنه من الذنوب ثم الأوجب فالأوجب كذا قاله الطيبي والأظهر أنه لتراخي الرتبة وقد يكون المعطوف بها أدنى مرتبة كما في قوله عليه الصلاة والسلام أشد


الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل وحاصل الكلام أن قتل النفس المسلمة بغير حق كبيرة وأفحش أنواعه قتل القريب لأنك ضممت إلى معصية القتل معصية قطيعة الرحم وأفحش أنواع قتل القريب قتل الوالد ثم قتل الولد فكون قتل الولد أكبر الكبائر بعد الكفر إنما هو بضم العلة المذكورة فإنه يضم إلى تلك القبائح عدم رؤية الرزق من الله تعالى وانتفاء التوكل والإعتماد عليه في أمره مع دلالته على كمال قساوته بقتل نفس زكية صغيرة بأقبح أنواع القتل وهو دفنه حيا قال ثم أي قال أن تزاني أي تزني حليلة جارك أي زوجته من حل يحل بالكسر إذ كل منهما حلال للآخر أو من حل يحل بالضم لأن كل واحد منهما حال عند الآخر فمطلق الزنا ذنب كبير وخاصة مع من سكن جوارك والتجأ بأمانتك فهو زنا وإبطال حق الجوار والخيانة معه أقبح فحاصل القيود من الند والولد والجار كمال تقبيح هذه الأصناف من هذه الأنواع لا أنها قيود احترازية وإلا فأفحش الزنا أن يكون بالمحارم ثم في الإتيان بقوله أن تزاني بصيغة المفاعلة مبالغة لا تخفى فالحديث كقوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق الإسراء أو رعاية لحال السائل ولذا قيد الكبائر في بعض الأحاديث بكونها سبعا واقتصر في بعضها على ثلاث منها كما هنا أو أربع كما يأتي بناء على بيان المحتاج إليه منها وقت ذكره وقد قال ابن عباس هي إلى السبعين أقرب وقال سعيد بن جبير إلى السبعمائة أقرب قيل يعني باعتبار أصناف أنواعها وقيل بل هو على حقيقته والله أعلم فأنزل الله وفي نسخة عز وجل تصديقها أي تصديق هذه المسألة أو الأحكام أو الواقعة ونصبه على أنه مفعول له أي أنزل الله هذه الآية تصديقا لها وفيه دليل على جواز تقرير السنة وتصديقها بالكتاب كذا قاله الطيبي ولا أعرف له مخالفا في هذا المقال ليحتاج إلى الإستدلال ويمكن أن يراد بالتصديق المطابقة والتوفيق وتكون السنة مقتبسة من الآية مع زيادة التنبيه على أقبح الأفراد والذين


لا يدعون مع الله إلها آخر هذا من جملة الأخبار عن المبتدأ المتقدم وهو عباد الرحمن ولا يقتلون النفس يعني نفس المسلم والذمي والمعاهد التي حرم الله أي قتلها والمعنى لا يقتلون نفس غير الحربي بوجه من الوجوه فهو استثناء مفرغ إلا بالحق أو متعلق بالقتل المقدر وقيل بلا يقتلون أي بإحدى الخصال الثلاثة وهي الردة وزنا الإحصان والقصاص ولا يزنون الآية بتمامها في سورة الفرقان وفي كون هذه الآية
مصدقة للحديث دليل واضح لما تقدم من أن ذكر الولد والخشية وحليلة الجار إنما هو لبيان زيادة الفحش لا للتقييد وإلا لم تكن الآية الدالة على أكبرية القتل والزنا إلا بقيد مطابقة للحديث حتى تصدقه بل كان الحديث مقيدا لها متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال قال رسول الله الكبائر الإشراك بالله هو جعل أحد شريكا للآخر والمراد ههنا اتخاذ إله غير الله وأراد به الكفر واختار لفظ الإشراك لأنه كان غالبا في العرب وعقوق الوالدين أي قطع صلتهما مأخوذ من العق وهو الشق والقطع والمراد عقوق أحدهما قيل هو إيذاء لا يتحمل مثله من الولد عادة وقيل عقوقهما مخالفة أمرهما فيما لم يكن معصية وفي معناهما الأجداد والجدات ثم اقترانه بالإشراك لما بينهما من المناسبة إذ في كل قطع حقوق السبب في الإيجاد والإمداد وإن كان ذلك لله حقيقة وللوالدين صورة ونظيره قوله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا النساء وقوله عز وجل أن اشكر لي ولوالديك لقمان وقتل النفس أي بغير حق واليمين الغموس الذي يغمس صاحبه في الإثم ثم في النار وقيل في الكفارة بناء على مذهب الشافعي ومعناه أن يحلف على الماضي عالما بكذبه وقيل أن يحلف كاذبا متعمدا ليذهب بمال أحد واعلم أن الأولى أن يقال الكبيرة لا تنحصر في عدد وما قاله عليه الصلاة والسلام من عدد فذلك بسبب الوحي أو اقتضاء المقام والأنسب أن يضبط ذلك ويقاس الذنب إلى مفسدة


المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل المفاسد فهي من الصغائر وإلا فهي من الكبائر هذا حاصل ما قاله الإمام عز الدين بن عبد السلام رواه البخاري والترمذي والنسائي أيضا وفي رواية أنس رضي الله عنه الجار والمجرور خبر مقدم والمبتدأ قوله وشهادة الزور أي الكذب وسمي زورا لميلانه عن جهة الحق وقوله بدل اليمين الغموس منصوب على الظرف وعامله معنى الفعل الذي في وفي رواية أنس أي مكان اليمين على الرفع حكاية وعلى الجر عملا بالإضافة وإطلاق البدل على المكان على سبيل الكناية لأن من أبدل شيئا بشيء فقد وضعه مكانه قيل ولعل مخالفة أنس لابن عمر لاختلاف المجلس أو تعدد


الحديث أو نسيان كل منهما متفق عليه قال ميرك يفهم من كلام الشيخ الجزري أن هذه الرواية من أفراد البخاري وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله اجتنبوا السبع أي احذروا فعلها الموبقات أي المهلكات أجمل بها ثم فصلها ليكون أوقع في النفس قال ابن عمر الكبائر سبع وقال ابن عباس هي أقرب إلى السبعين وقال الشيخ أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب الذي هو أصل إحياء العلوم للغزالي قد جمعت جميع الأحاديث الواردة في هذا الباب فوجدت سبعة عشر أربعة في القلب الشرك ونية الإصرار على المعصية واليأس من رحمة الله والأمن من مكر الله وأربعة في اللسان شهادة الزور وقذف المحصن واليمين الغموس والسحر وثلاثة في البطن شرب الخمر وأكل مال اليتيم وأكل مال الربا واثنان في الفرج الزنا واللواط واثنان في اليد القتل بغير الحق والسرقة وواحد في الرجل وهو الفرار من الكفار يوم الزحف وواحد يشمل البدن وهو عقوق الوالدين قالوا يعني بعض الصحابة وفي نسخة قال أي رجل أو أبو هريرة يا رسول الله وما هن أي تلك السبع قال الشرك بالله أي الكفر به والسحر قال في المدارك إن كان في قول الساحر أو فعله رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا وقال ابن حجر وهو يقع كما قاله القرافي على حقائق مختلفة السيمياء والهيمياء وخواص الحقائق من الحيوانات وغيرها والطلسمات والأوفاق والرقي التي تحدث ضررا والعزائم والإستخدامات ثم بين هذه الأنواع بما ذكرته عنه في كتابي الآتي ذكره ثم قال وقد يقع للسحرة أنهم يجمعون عقاقير ويجعلونها في نهر أو بئر أو قبر أو باب يفتح للشرق فيحدث عنها آثار بخواص نفوسهم التي طبعها الله على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم وقد يأتي الساحر بفعل أو قول يضر بحال المسحور فيمرض ويموت منه إما بواصل إلى بدنه من دخان أو غيره أو بدونه وقال الحنابلة الساحر بفعل من يركب مكنسة فتسير به في الهواء أو نحوه وكذا معزم على الجن ومن يجمعها


بزعمه وأنه يأمرها فتطيعه وكاهن وعراف ومنجم ومشعبذ وقائل بزجر الطير وضارب عصا وشعير وقداح ومن يسحر بدواء أو تدخين أو سقي مضر قال بعض أئمتهم ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس
لقول جمع من السلف يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة وأعلم أن للسحر حقيقة عند عامة العلماء خلافا للمعتزلة وأبي جعفر الأسترآبادي ثم ظاهر عطف السحر على الشرك أنه ليس بكفر وقد كثر اختلاف العلماء في ذلك وحاصل مذهبنا أن فعله فسق وفي الحديث ليس منا من سحر أو سحر له ويحرم تعلمه خلافا للغزالي لخوف الإفتتان والإضرار ولا كفر في فعله وتعلمه وتعليمه إلا أن اشتمل على عبادة مخلوق أو تعظيمه كما يعظم الله سبحانه أو اعتقاد أن له تأثيرا بذاته أو أنه مباح بجميع أنواعه وأطلق مالك وجماعة أن الساحر كافر وإن السحر كفر وأن تعلمه وتعليمه كفر وإن الساحر يقتل ولا يستتاب سواء سحر مسلما أم ذميا وقالت الحنفية إن أعتقد أن الشيطان يفعل له ما يشاء فهو كافر وإن أعتقد أن السحر مجرد تخييل وتمويه لم يكفر واختلف الحنابلة في كفره وفي التنقيح من كتبهم ولا تقبل توبة ساحر يكفر بسحره ويقتل ساحر مسلم يركب المكنسة فتسير به في الهواء ونحوه ويكفر هو ومن يعتقد حله وفي الفروع لهم أيضا أن من أوهم قوما بطريقته أنه يعلم الغيب فللإمام قتله لسعيه بالفساد وبقي لهذا المبحث متممات بسطتها مع ذكر فروق بين المعجزة والسحر في كتابي الأعلام بقواطع الإسلام وقتل النفس التي حرم الله بوجه من الوجوه إلا بالحق وهو أن يجوز قتلها شرعا بالقصاص وغيره وأكل الربا وتفصيله في كتب الفقه وأكل مال اليتيم إلا بالمعروف وهو صغير لا أب له والتعبير فيهما بالأكل والمراد به سائر وجوه الإستعمال لأنه أغلبها المقصود منها والتولي بكسر اللام أي الإدبار للفرار يوم الزحف وهو الجماعة التي يزحفون إلى العدو أي يمشون إليهم بمشقة من زحف الصبي إذا دب على إسته وقيل سمي به


لأنه لكثرته وثقل حركته كأنه يزحف وسموا بالمصدر مبالغة وإذا كان بإزاء كل مسلم أكثر من كافرين جاز التولي وقذف المحصنات أي العفائف يعني رميهن بالزنا وهي بفتح الصاد وتكسر أي أحصنها الله وحفظها أو التي حفظت فرجها من الزنا المؤمنات احتراز عن قذف الكافرات فإن قذفهن ليس من الكبائر فإن كانت ذمية فقذفها من الصغائر ولا يوجب الحد وفي قذف الأمة المسلمة التعزير دون الحد ويتعلق باجتهاد الإمام وإذا كان المقذوف رجلا يكون القذف أيضا من الكبائر ويجب الحد أيضا فتخصيصهن لمراعاة الآية والعادة الغافلات عن الإهتمام بالفاحشة كناية عن البريات فإن البريء غافل عما بهت به والغافلات مؤخر عن المؤمنات في الحديث عكس الآية على ما في النسخ المصححة ووقع في شرح ابن حجر بالعكس وفق الآية متفق عليه


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يزني بإثبات الياء خطا الزاني حين يزني وهو مؤمن الواو للحال وظاهره دليل على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن وأصحابنا أولوه بأن المراد المؤمن الكامل في إيمانه أو ذو أمن من عذاب الله تعالى أو المراد المؤمن المطيع لله يقال آمن له إذا انقاد وأطاع أو معناه الزجر والوعيد أو الإنذار لمرتكب هذه الكبائر بسوء العاقبة إذ مرتكبها لا يؤمن عليه أن يقع في الكفر الذي هو ضد الإيمان أو أن الإيمان إذا زنى الرجل خرج منه وكان فوق رأسه مثل الظلة فإذا انقلع رجع إليه وسيأتي تقريره وقيل معنى مؤمن مستحي من الله تعالى لأن الحياء شعبة من الإيمان فلو استحى منه واعتقد أنه ناظر لم يرتكب هذا الفعل الشنيع وفيه بحث إذ سئل الجنيد أيزني العارف فقال وكان أمر الله قدرا مقدورا مع أن هذا يرجع إلى القول الأول لأنه إذا انتفى تلك الشعبة انتفى كمال الإيمان لأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه ونظيره لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له وقيل إن صيغ الأفعال وإن كانت واردة على طريق الإخبار فالمراد منها النهي ويشهد له أنه روي لا يزن بحذف الياء ولا يشرب بكسر الباء توفيقا بينه وبين ما سبق من الدلائل على أن الإيمان هو التصديق والأعمال خارجة عنه وقوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الحجرات ونظائره وفي حمله على النهي نظر لأنه يفهم منه جواز المنهي عنه وهو ليس بمؤمن كقول الطبيب لا تشرب اللبن وأنت محموم وأما حذف الياء فإن صح فهو على أسلوب لا تكذب وأنت عالم أي أن كذبك عالما أفحش منه غير عالم ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن أي ولا يشرب الشارب الخمر وكذا في غيره وحذف وإن كان فاعلا لدلالة المقام عليه ويجوز أن يكون في كل منهما ضمير مستتر يعود إلى مؤمن قال المالكي ومن حذف الفاعل قوله عليه السلام ولا يشرب ولا ينتهب ولا يغل ولا يقتل أي شارب وناهب وغال وقاتل


كقوله تعالى ولا يحسبن الذين قتلوا آل عمران في قراءة هشام أي حاسب كذا نقله الطيبي وقوله غال سهو إذ فاعله موجود في الحديث وهو أحدكم وقوله قراءة هشام يعني بالغيبة في أحد وجهيه ولا ينتهب انتهب ونهب إذا أغار على أحد وأخذ ماله قهرا نهبة بالضم المال الذي ينهب فهو مفعول به وبالفتح المصدر يرفع الناس صفة نهبة إليه أي إلى المنتهب فيها أي بسببها ولأجلها أو في حال فعلها أو أخذها أبصارهم أي تعجبا
من جراءته أو خوفا من سطوته وهو مفعول يرفع حين ينتهبها وهو مؤمن والمعنى لا يأخذ رجل مال قوم قهرا وهم ينظرون إليه ويتضرعون لديه ويبكون ولا يقدرون على دفعه وهو مؤمن فإن هذا ظلم عظيم لا يليق بحال المؤمن ولا يغل أحدكم الغلول الجناية أو الخيانة في الغنيمة والغل الحقد ومضارع الأول بالضم وهو المراد والثاني بالكسر حين يغل أي يسرق شيئا من غنيمة أو يخون في أمانة وهو مؤمن فإياكم إياكم نصبه على التحذير والتكرير توكيد ومبالغة أي أحذركم من فعل هذه الأشياء المذكورة متفق عليه إلا قوله ولا يغل فإنه من أفراد مسلم كذا قاله ميرك وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما زيادة ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن قال عكرمة مولى ابن عباس قلت لابن عباس كيف ينزع الإيمان منه قال هكذا أي تفسيره وشبك أو قال هكذا أو فعل التشبيك يعني جمع بين قوله هكذا وفعل التشبيك بين أصابعه ثم أخرجها تعبير للأمر المعنوي بالمدرك الحسي تقريبا للفهم قال كذا في نسخة صحيحة أي ابن عباس فإن تاب عاد إليه هكذا وشبك بين أصابعه ظاهر كلامه أن الإيمان يخرج عن مرتكب هذه الأشياء حين الإرتكاب ولا يعود إليه إلا بالتوبة وهو غير مستقيم على قواعد أهل السنة فالتأويل أن كمال الإيمان ونوره وثمرته ونتيجته من الحياء والخوف والرحمة والشفقة والديانة تفارقه في تلك الحالة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له وينصره قول الحسن البصري إن المعنى ينزع عنه اسم المدح الذي يسمى به أولياؤه المؤمنون


ويستحق اسم الذم فيقال سارق وزان وفاسق وقال أبو عبد الله أي البخاري لا يكون هذا مؤمنا تاما أي كاملا ولا يكون له نور الإيمان أي بهاؤه وبهجته وضياؤه وثمرته هذا لفظ البخاري في قول المصنف وفي رواية وقوله وقال وكذا في قوله وهذا لفظ البخاري سماجة لا تخفى قاله ميرك
وعن أبي هريرة رضي الله عنه وإنما لم يقل وعنه لئلا يتوهم رجوع الضمير إلى ابن عباس أو البخاري قال قال رسول الله آية المنافق أي علامة نفاقه الدال على قبح نيته وفساد طويته وأصله من يظهر خلاف ما يضمر ثم غلب على من يظهر الإسلام ويبطن الكفر ثلاث أي خصال والآية العلامة وإفرادها إما على إرادة الجنس أي كل واحد منها آية وإن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث ويؤيد الأول ما ورد في صحيح أبي عوانة بلفظ علامات المنافق ثلاث فإن قيل ظاهره الحصر في الثلاث فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ أربع من كن فيه الحديث أجاب القرطبي باحتمال أنه عليه الصلاة والسلام استجد له العلم بخصالهم ما لم يكن عنده وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة كونها علامة على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على إرادة عدم الحصر فإن لفظه من علامة المنافق ثلاث فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وبعضها في وقت آخر زاد مسلم وإن صام وصلى التثنية للتكرير والإستيعاب أي وإن عمل عمل المسلمين من الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات وفي رواية وإن صلى وصام وحج واعتمر وقال إني مسلم وهذا الشرط اعتراض وارد للمبالغة لا يستدعي الجواب وزعم أي ادعى أنه مسلم أي كامل ثم اتفقا أي البخاري ومسلم فقالا إذا حدث كذب وهو أقبح الثلاثة والجملة خبر بعد خبر وإذا وعد أي أخبر بخبر في المستقبل إذ وعد يغلب في الخير وأوعد في الشر وأيضا الخلف في الوعيد من مكارم الأخلاق قال الشاعر وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي أخلف أي


جعل الوعد خلافا بأن لم يف بوعده ووجه المغايرة بين هذه وما قبلها أن الإخلاف قد يكون بالفعل وهو غير الكذب الذي هو لازم التحديث وليس فيه ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد لأن ذم الإخلاف إنما هو من حيث تضمينه الكذب المذموم إن عزم على الإخلاف حال الوعد لا إن طرأ له كما هو واضح على أن علامة النفاق لا يلزم تحريمها إذ المكروه لكونه يجر إلى الحرام يصح أن يكون علامة على المحرم ونظيره علامات الساعة فإن منها ما ليس بمحرم وإذا ائتمن بالبناء للمجهول أي جعل أمينا قال ابن حجر وفي رواية


أتمن بتشديد التاء لقلب همزته الثانية واوا وإبدالها تاء وإدغام التاء في التاء ا ه ولعل هذا الإعلال قبل دخول إذا عليه ومع هذا قال البيضاوي في قوله تعالى فليؤد الذي ائتمن البقرة قرأ ورش والسوسي الذي يتمن بقلب الهمزة ياء وقرىء والذتمن بادغام وهو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا تدغم ا ه ولذا قال المحققون من القراء قراءة هذا بالتشديد مخالف للرواية والدراية فالصحيح في الرواية هنا إما بالهمزة الساكنة أو إبدالها ألفا خان ورواه ابن ماجة والترمذي وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر لإشتمالها على المخالفة التي هي عليها مبنى النفاق من مخالفة السر العلن فالكذب الاخبار على خلاف الواقع وحق الأمانة أن تؤدي إلى أهلها فالخيانة مخالفة لها وإخلاف الوعد ظاهر ولهذا صرح بأخلف فإن قيل هذا الحديث مشكل من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره قلنا اللام في المنافق إما أن تكون للجنس فهو إما على التشبيه لنفاق العمل الذي لا ينافي الإسلام بنفاق الإعتقاد الذي ينافيه بجامع أن كلا فيه إظهار بخلاف ما أبطن أو أن المراد الإعتياد ولذا قيد هذا بإذا المقتضية للتكرار يعني أن النفاق العملي إذا وقع كثيرا بحيث أنه يصير عادة قد يجر إلى النفاق الحقيقي بخلاف من وقعت له هذه الخصال أو بعضها نادرا فالحديث محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وقال البيضاوي يحتمل أن يكون عاما لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه إيذانا بأنها طلائع النفاق الذي هو أسمج القبائح لأنه كفر ضموا إليه الإستهزاء والخداع برب الأرباب ومسبب الأسباب فيعلم من ذلك أنها منافية لحال المسلمين فينبغي للمسلم أن لا يرتع حولها فإن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ويحتمل أن المراد بالمنافق المنافق العرفي وهو من يخالف سره علنه مطلقا ويشهد له قوله ومن كانت فيه خصلة وكذا قوله خالصا لأن الخصال التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا تزيد على


هذا قال النووي حصل من الحديثين خمس خصال وقال في شرح مسلم إذا عاهد غدر داخل في إذا ائتمن خان وباعتبار ذلك يرجع إلى ثلاث بل إلى واحدة هي أقبحها وهي الكذب قيل لكن الحق أنها خمسة باعتبار تغايرها عرفا أو تغاير أوصافها ولوازمها ولا تنافي بين قوله ثمة ثلاث و هنا أربع لأن مفهوم العدد ليس بحجة عند الأكثرين وعلى مقابلة الذي صححه غير واحد فيحتمل أنه أعلم بالوحي بثلاث ثم بأربع أو معناه الإنذار والتحذير من أن يعتاد هذه الخصال فتفضي به إلى النفاق الخالص وأما للعهد إما من منافقي زمن رسول الله وإما من منافق خاص شخص بعينه أو المراد بالنفاق هو النفاق العملي لا الإيماني أو المراد النفاق العرفي وهو ما يكون سره خلاف علنه واستحسن هذا لأن النفاق شرعي وهو الإعتقادي الذي هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام وعرفي وهو العملي الذي هو إبطان المعصية


وإظهار الطاعة فإرادته هنا أولى وإطلاق النفاق على العملي كإطلاق الكفر على بعض كبائر الذنوب في نحو قوله عليه الصلاة والسلام سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وأبي الحسن البصري مرة هذا الإطلاق ومرة قال به فسمى صاحب الكبيرة منافقا ويحكى أنه رجع عن الأول لما أرسل له عطاء إذ بلغه عنه ذلك أن أخوة يوسف عليهم الصلاة والسلام وجدت فيهم تلك الثلاثة أفتراهم منافقين فسر بما نبهه عليه عطاء وروي إن مقاتلا قال لابن جبير إن هذا الحديث أفسد علي معيشتي لأني أظن أن لا أسلم من هذه الثلاث أو بعضها فضحك وقال قد أهمني ذلك فسألت عنه ابن عمر وابن عباس فضحكا وقالا أهمنا ذلك فسألنا عنه النبي فضحك فقال ما لكم وما لهن أما قولي إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله علي والله يشهد أن المنافقين لكاذبون المنافقون وأما إذا وعد أخلف فذلك في قوله تعالى فأعقبهم نفاقا في قلوبهم الآية التوبة وأما إذا ائتمن خان فذلك فيما أنزل الله تعالى إنا عرضنا الأمانة الآية الأحزاب وأنتم برآء من ذلك قال ابن حجر وما ذكر في أولاد يعقوب مبني على القول بأنهم غير أنبياء أما على القول بأنهم أنبياء فيتعين تأويل ما صدر منهم بحمله على محامل التجوزات والكنايات التي تقتضي عدم وقوع حقائق ذلك منهم إذ الأنبياء معصومون قبل النبوة بعدها عن كبائر الذنوب وصغائرها ولو سهوا على ما هو الحق عند المحققين وإن كان الأكثرون على خلافه ويؤيد القول بنبوتهم بل يصرح به قوله تعالى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط البقرة وهم أعني الأسباط أولاد يعقوب فالآية مصرحة بوجوب الإيمان بما أنزل إليهم ويلزم من الإنزال إليهم نبوتهم كلهم ا ه وفيه نظر لأن السبط على ما هو المعروف في العرف واللغة ولد الولد ففي القاموس السبط بالكسر ولد الولد والقبيلة من اليهود وجمعه أسباط وفي النهاية الأسباط في أولاد إسحاق بن إبراهيم بمنزلة القبائل من


ولد إسماعيل وأحدهم سبط فهو واقع على أمة ا ه ولا يلزم من الإنزال إليهم أن يكونوا كلهم أنبياء إذ يمكن أن يكون أحدهم نبيا والباقون مأمورون بأتباعه كما في قوله تعالى وما أنزل إلينا ثم على ثبوت نبوتهم جميعا وعدم تجويز الصغيرة ولو سهوا ينسد باب تأويل ما صدر منهم من العقوق وقطع صلة الرحم وبيع الحر وقولهم أكله الذئب يوسف ووعدهم بالحفظ بقولهم وإنا له لحافظون وإتيانهم عشاء يبكون إظهارا للحزن وقولهم مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون وقولهم اقتلوا يوسف وطرحهم إياه في البئر مع أن تأويلها يخالف أقوال السلف من إلزام عطاء والتزام الحسن فالصحيح قول الجمهور وهو تجويز وقوع الكبائر من الأنبياء سهوا والصغائر عمدا بعد الوحي وأما قبل الوحي فلا دليل على امتناع صدور الكبيرة وذهب المعتزلة إلى امتناعها ومنعت الشيعة صدور الصغيرة والكبيرة قبل الوحي وبعده


وعن عبد الله بن عمرو بالواو رضي الله عنهما قال قال رسول الله أربع أي خصال أربع أو أربع من الخصال فساغ الإبتداء به من كن فيه قيل بتأويل اعتقاد استحلالهن كان منافقا خالصا ويمكن أن لا يجتمعن في مؤمن خصوصا على وجه الإعتياد ويؤيده قوله ومن كانت فيه خصلة منهن أي من تلك الخصال الأربع كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها أي يتركها إذا ائتمن بالبناء للمفعول أي وضع عنده أمانة خان أي بالتصرف الغير الشرعي وإذا حدث كذب أي عمدا من غير عذر وإذا عاهد غدر أي نقض العهد ابتداء وقال ابن حجر إذا حالف ترك الوفاء وإذا خاصم فجر أي شتم ورمى بالأشياء القبيحة قال التوربشتي من اجتمعت فيه هذه الخصال واستمرت فبالحري أن يكون منافقا وأما المؤمن المفتون بها فإنه لا يصر عليها وإن وجدت فيه خصلة منها عدم الأخرى قيل ويحتمل أن يكون المراد كالمنافق بحذف أداة التشبيه مثل زيد أسد ويحتمل أن يكون هذا مختصا بأهل زمانه فإنه عليه الصلاة والسلام عرف بنور الوحي بواطن أحوالهم وميز بين من آمن به صدقا ومن أذعن له نفاقا وأراد إطلاع أصحابه عليهم ليحذروا منهم ولم يصرح بأسمائهم لعلمه بأن بعضهم يتوب فلم يفضحهم بين الناس ولأن ترك التصريح أوقع في النصيحة وأدل على الشفقة وأجلب إلى الدعوة إلى الإيمان وأبعد عن النفور والمخاصمة والإلتحاق بالمخالفين متفق عليه واللفظ للبخاري ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي ولفظهم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله مثل المنافق بفتح المثلثة أي صفته العجيبة الشان كالشاة العائرة أي الطالبة للفحل المترددة من عار ذهب وبعد بين الغنمين أي القطعتين فإن الغنم اسم جنس يقع على الواحد والجمع لا تدري أيهما


تتبع تعير بفتح أوله أي تنفر وتشرد إلى هذه أي القطعة مرة وإلى هذه أي القطعة الأخرى مرة أخرى ليضربها فحلها فلاثبات لها على حالة واحدة وإنما هي أسير شهوتها وهو تشبيه مركب محسوس بمعنى معقول تقريبا إلى فهم المخاطب فشبه تردده بين الطائفتين أي المسلمين والكافرين تبعا لهواه ومراداته وقصدا إلى شهواته بتردد الشاة العائرة التي لا تستقر على حال وبذلك وصفهم الله تعالى في قوله مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء رواه مسلم وكذا أحمد والنسائي وزاد لا تدري أيهما تتبع
الفصل الثاني
عن صفوان بن عسال بالمهملتين وتشديد الثانية هو المرادي وسكن الكوفة وحديثه فيهم رضي الله عنه قال قال يهودي أي أحد من اليهود لصاحبه من اليهود اذهب بنا الباء للمصاحبة أو التعدية إلى هذا النبي أي لنسأله عن مسائل فقال له صاحبه لا تقل أي له كما في رواية نبي أي هو نبي إنه بكسر الهمزة استئناف فيه معنى التعليل أي لأن النبي لو سمعك أي سمع قولك إني هذا النبي لكان له أربع أعين أي يسر بقولك هذا النبي سرورا يمد الباصرة فيزداد به نورا على نور كذي عينين أصبح يبصر بأربع فإن الفرح يمد الباصرة كما أن الهم والحزن يخل بها ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم أظلمت عليه الدنيا فأتيا رسول الله فسألاه أي امتحانا عن تسع آيات بينات أي واضحات والآية العلامة الظاهرة تستعمل في المحسوسات كعلامة الطريق والمعقولات كالحكم الواضح والمسألة الواضحة فيقال لكل ما تتفاوت فيه المعرفة بحسب التفكر فيه والتأمل وحسب منازل الناس في العلم آية وللمعجزة آية ولكل جملة دالة على حكم من أحكام الله آية ولكل كلام منفصل بفصل لفظي آية والمراد بالآيات ههنا إما المعجزات التسع وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من الثمرات وعلى هذا فقوله لا


تشركوا كلام مستأنف ذكره عقيب الجواب ولم يذكر الراوي الجواب استغناء بما في القرآن أو بغيره ويؤيده ما في خبر الترمذي أنهما سألاه عن هذه الآية يعني ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وأما الأحكام العامة الشاملة للملل الثابتة في كل الشرائع وبيانها ما بعدها سميت بذلك لأنها تدل على حال من يتعاطى متعلقها في الآخرة من السعادة والشقاوة وقوله وعليكم خاصة حكم مستأنف زائد على الجواب ولذا غير السياق فقال رسول لله لا تشركوا بالله أي بذاته وصفاته وعبادته شيئا من الأشياء أو الإشراك ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق سبق ولا تمشوا ببرىء بهمزة وإدغام أي بمتبرىء من الإثم الباء للتعدية أي لا تسعوا ولا تتكلموا بسوء فيمن ليس له ذنب إلى ذي سلطان أي صاحب قوة وقدرة وغلبة وشوكة ليقتله يعني كيلا يقتله مثلا ولا تسحروا بفتح الحاء فإن بعض أنواعه كفر وبعضها فسق ولا تأكلوا الربا فإنه سحق ومحق ولا تقذفوا بكسر الذال محصنة بفتح الصاد وتكسر أي لا ترموا بالزنا عفيفة ولا تولوا للفرار أي لأجله من التولي وهو الإعراض والإدبار أصله تتولوا فحذف إحدى التاءين وقيل بضم التاء واللام من ولى تولية إذا أدبر أي ولا تولوا أدباركم وفي بعض النسخ الفرار بلا لام العلة منصوبا على أنه مفعول له يوم الزحف أي الحرب مع الكفار وعليكم ظرف وقع خبرا مقدما خاصة منونا حال والمستتر في الظرف العائد إلى المبتدأ أي مخصوصين بهذه العاشرة أو حال كون عدم الإعتداء مختصا بكم دون غيركم من الملل أو تمييز والخاصة ضد العامة اليهود نصب على التخصيص والتفسير أي أعني اليهود ويجوز أن يكون خاصة بمعنى خصوصا ويكون اليهود معمولا لفعله أي أخص اليهود خصوصا وفي بعض طرق هذا الحديث يهود مضموما بلا لام على أنه منادى وقوله أن لا تعتدوا بتأويل المصدر في محل الرفع على أنه المبتدأ من الإعتداء وفي نسخة صحيحة أن لا تعدوا بسكون العين وتخفيف الدال وفي


نسخة بفتح العين وتشديد الدال في السبت أي لا تتجاوزوا أمر الله في تعظيم السبت بأن لا تصيدوا السمك فيه وقيل عليكم اسم فعل بمعنى خذوا وإن لا تعتدوا مفعوله أي الزموا ترك الإعتداء ويمكن أن يكون السؤال عن الآيات التسع والأحكام العامة جميعا وأخبروا عن إحداها وأضمروا عن أخراها على طريق التورية فأجابهم عن الأمرين وحذف الراوي الأول أو أجابهم عن المشكل أو المضمر وترك المشهور إما لظهوره أو على أسلوب الحكيم ولذا أذعنا له في الظاهر قال صفوان فقبلا أي اليهوديان يديه ورجليه وقالا نشهد إنك نبي إذ هذا العلم من الأمي معجزة لكن نشهد إنك نبي إلى العرب قال فما يمنعكم


فيه إن أقل الجمع اثنان أو المراد أنتما وقومكما أن تتبعوني بتشديد التاء وقيل بالتخفيف أي من أن تقبلوا نبوتي بالنسبة إليكم وتتبعوني في الأحكام الشرعية التي هي واجبة عليكم قالا إن داود عليه الصلاة والسلام دعا ربه أن لا يزال أي بأن لا ينقطع من ذريته نبي إلى يوم القيامة فيكون مستجابا فيكون من ذريته نبي ويتبعه اليهود وربما يكون لهم الغلبة والشوكة وإنا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود أي فإن تركنا دينهم واتبعناك لقتلنا اليهود إذا ظهر لهم نبي وقوة وهذا افتراء محض على داود عليه الصلاة والسلام لأنه قرأ في التوراة والزبور بعث محمد النبي وإنه خاتم النبيين وإنه ينسخ به الأديان فكيف يدعو بخلاف ما أخبر الله تعالى به من شأن محمد ولئن سلم فعيسى من ذريته وهو نبي باق إلى يوم الدين رواه الترمذي وقال حسن صحيح وأبو داود والنسائي وكذا الحاكم وقال صحيح لا يعرف له علة بوجه من الوجوه ولم يخرجاه وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله ثلاث أي خصال من أصل الإيمان أي أساسه وقاعدته إحداها أو منها الكف عمن قال لا إله إلا الله أي الإمتناع عن التعرض بأهل الإسلام لا تكفره بالتاء نهي وبالنون نفي وكلاهما مروي وهو بيان للكف ولذا قطعه عنه والإكفار والتكفير نسبة أحد إلى الكفر بذنب أي سوى الكفر ولو كبيرة خلافا للخوارج ولا تخرجه بالوجهين من الإسلام بعمل أي ولو كبيرة سوى الكفر خلافا للمعتزلة في إخراج صاحب الكبيرة إلى منزلة بين المنزلتين والجهاد ماض أي الخصلة الثانية اعتقاد كون الجهاد ماضيا أو ثانيتها الجهاد أو الجهاد من أصل الإيمان وماض خبر مبتدأ محذوف أي هو ماض ونافذ وجار ومستمر مذ وفي نسخة بالنون أي من ابتداء زمان بعثني الله إلى المدينة أو بالجهاد فمذ حرف جر أو أول مدة نفاذ الجهاد زمان بعثني الله فمذ مبتدأ والزمان المقدر خبره والجملة خبر آخر لمبتدأ ماض إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة أي أمة الإجابة يعني عيسى أو المهدي


الدجال وبعد قتل الدجال لا يكون الجهاد باقيا أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة والطاقة عليهم وعند ذلك لا وجوب عليهم بنص آية الأنفال وأما بعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه الصلاة والسلام حيا في الأرض وأما على من كفر من المسلمين بعد عيسى عليه الصلاة والسلام فلموت المسلمين كلهم عن قريب
بريح طيبة وبقاء الكفار إلى قيام الساعة وتجيء هذه الحكاية في ذكر الدجال لا يبطله بضم أوله جور جائر ولا عدل عادل أي لا يسقط الجهاد كون الإمام ظالما أو عادلا وهو صفة ماض أو خبر بعد خبر وقد ورد في الخبر الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا وفيه رد على المنافقين وبعض الكفرة فإنهم زعموا أن دولة الإسلام تنقرض بعد أيام قلائل كأنه قيل الجهاد ماض أي أعلام دولته منشورة وأولياء أمته منصورة وأعداء ملته مقهورة إلى يوم الدين ولعل محيي السنة أورد هذا الحديث في باب علامات النفاق لهذا المعنى وكذا الحديث السابق فإن اليهوديين نافقا بقولهما نشهد أنك نبي ثم قولهما إن داود عليه الصلاة والسلام دعا ربه لأنه يدل الحديث على أنهما لم يقولا ذلك عن اعتقاد كذا قاله الطيبي وفيه تكلف وتعسف والظاهر أن الباب موضوع لشيئين للكبائر وعلامات النفاق فهذا الحديث مناسبته للكبائر في غاية الوضوح كما ظهر من مخالفة الخوارج والمعتزلة وكذا الجهاد فرض كفاية وقد يصير فرض عين وتركه من الكبائر وأما الحديث السابق ففيه الآيات التسع التي كلها كبائر واليهوديان قد صرحا بثبوتهما على كفرهما فلا يكونان منافقين وليس توجد دلالة في دعاء داود على أنهما لم يقولا ذلك عن اعتقاد والله أعلم وقيل معنى لا يبطله الخ لا يجوز ترك الجهاد بأن يكون الإمام ظالما بل يجب عليهم الموافقة فيه ولا بأن يكن الإمام عادلا فلا يخافون من الكفار ولا يحتاجون إلى الغنائم لأن القصد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله فاحتيج لهذا نفيا لهذا التوهم وإن كان من


شأن عدل العادل أنه لا يتوهم فيه إبطال الجهاد بل تقويته ولما نظر شارح لهذا قال تتميم وإلا فعدل العادل لا يتوهم فيه إبطال وقيل فعلى هذا يكون النفي بمعنى النهي والإيمان بالأقدار أي الخصلة الثالثة أو الإيمان بالأقدار من أصل الإيمان يعني بأن جميع ما يجري في العالم هو من قضاء الله وقدره وفيه رد على المعتزلة لإثباتهم للعباد القدرة المستقلة بإيجاد المعصية رواه أبو داود وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا زنى أي أخذ وشرع في الزنا العبد أي المؤمن خرج منه الإيمان أي نوره وكماله أو أعظم شعبه وهو الحياء من الله تعالى أو يصير كأنه خرج إذ لا يمنع إيمانه عن ذلك كما لا يمنع من خرج منه
الإيمان أو أنه من باب التغليظ في الوعيد قال التوربشتي هذا من باب الزجر والتهديد وهو كقول القائل لمن اشتهر بالرجولية والمروءة ثم فعل ما ينافي شيمته عدم عنه الرجولية والمروءة تعييرا وتنكيرا لينتهي عما صنع واعتبارا وزجرا للسامعين ولطفا بهم وتنبيها على أن الزنا من شيم أهل الكفر وأعمالهم فالجمع بينه وبين الإيمان كالجمع بين المتنافيين وفي قوله فكان فوق رأسه كالظلة وهو أول سحابة تظل إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإيمان فإنه تحت ظله لا يزول عنه حكم الإيمان ولا يرتفع عنه اسمه فإذا خرج من ذلك العمل قيل أي بالتوبة رجع إليه الإيمان قيل هذا تشبيه المعنى بالمحسوس بجامع معنوي وهو الإشراف على الزوال وفيه إيماء بأن المؤمن في حالة اشتغاله بالمعصية يصير كالفاقد للإيمان لكن لا يزول حكمه واسمه بل هو بعد في ظل رعايته وكنف بركته إذا نصب فوقه كالسحابة تظله فإذا فرغ من معصيته عاد الإيمان إليه قلت وفيه إشارة إلى أنه في خطر من الكفر نعوذ بالله لأنه صدر عنه ما قد يكون سببا لعدم رجوع الإيمان إليه ولذا قالوا المعاصي بريد الكفر رواه الترمذي أي تعليقا وأبو داود وسكت عليه هو والمنذري ورواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي


الفصل الثالث
عن معاذ رضي الله عنه قال أوصاني رسول الله أي أمرني بعشر كلمات أي بعشرة أحكام من الأوامر والنواهي لأعمل بها وأعلمها الناس قال لا تشرك بالله شيئا أي بقلبك أو بلسانك أيضا فإنه أفضل عند الإكراه وإن قتلت وحرقت أي وإن عرضت للقتل والتحريق شرط جيء به للمبالغة فلا يطلب جوابا قال ابن حجر شرط للمبالغة باعتبار الأكمل من صبر المكره على الكفر على ما هدد به وهذا فيمن لم يحصل بموته وهن الإسلام وإلا كعالم وشجاع يحصل بموته ذلك فالأولى له أن يأتي بما أكره عليه ولا يصبر على ما هدد به رعاية لأخف المفسدتين وأما باعتبار أصل الجواز فيجوز له أن يتلفظ وأن يفعل ما يقتضي


الكفر كسب الإسلام وسجود الصنم إذا هدد ولو بنحو ضرب شديد أو أخذ مال له وقع كما أفاد ذلك قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان الآية ولا تعقن والديك أي لا تخالفهما أو أحدهما فيما لم يكن معصية إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإن أمراك أن تخرج من أهلك أي امرأتك أو جاريتك أو عبدك بالطلاق أو البيع أو العتق أو غيرها ومالك بالتصرف في مرضاتهما قال ابن حجر شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أيضا أي لا تخالف واحدا منهما وإن غلا في شيء أمرك به وإن كان فراق زوجة أو هبة مال أما باعتبار أصل الجواز فلا يلزمه طلاق زوجة امرأة بفراقها وإن تأذيا ببقائها إيذاء شديدا لأنه يحصل له ضرر بها فلا يكلفه لأجلهما إذ من شأن شفقتهما أنهما لو تحققا ذلك لم يأمراه به فالزامهما له به مع ذلك حمق منهما ولا يلتفت إليه وكذلك إخراج ماله ولا تتركن صلاة مكتوبة أي مفروضة متعمدا احتراز من السهو والنسيان والضرورة فإن من ترك صلاة مكتوبة أي مفروضة ولو نذرا عن وقتها متعمدا فقد برئت منه ذمة الله أي لا يبقى في أمن من الله في الدنيا باستحقاق التعزير والملامة وفي العقبى باستحقاق العقوبة قال ابن حجر كناية عن سقوط احترامه لأنه بذلك الترك عرض نفسه للعقوبة بالحبس عند جماعة من العلماء ولقتله حدا لا كفرا بشرط إخراجها عن وقتها الضروري وأمره بها في الوقت عند أئمتنا ولقتله كفرا فلا يصلى عليه ولا يدفن بمقابر المسلمين عند أحمد وآخرين ولا تشربن خمرا فإنه أي شربها رأس كل فاحشة أي قبيحة لأن المانع من الفواحش هو العقل ولذا سمي عقلا لأنه يعقل صاحبه عن القبائح فبزواله عن الإنسان يقع في كل فاحشة عرضت له ولذا سميت أم الخبائث كما سميت الصلاة أم العبادات لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وإياك والمعصية تحذير وتعميم بعد تخصيص وإيذان بأن المعاصي السابقة أعظمها ضررا فإن بالمعصية حل سخط الله أي نزل وثبت على فاعلها واسم إن


ضمير الشأن المحذوف أي فإنه وقيل ضمير الشأن لا يحذف لأن المقصود به تعظيم الكلام فينا في الإختصار ورد بحذفه في قوله تعالى ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم التوبة وأما قول ابن الحاجب وحذفه منصوبا ضعيف فقد ضعفوه أيضا كيف يقول ذلك وقد جاء في كلامه عليه الصلاة والسلام في النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة في خبر مسلم اقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم أي فإن الأمر والشأن قال ابن حجر ولك أن تجيب عنه بأنه ضعيف قياسا لا استعمالا ومثله واقع في القرآن في قتل أولادهم شركاءهم الأنعام بنصب أولاد الفاصل بين المضاف والمضاف إليه ا ه وأراد به قراءة ابن عامر وأظهر منه وجود أبي يأبى في القرآن مع كونه شاذا في القياس بلا خلاف وإياك والفرار من الزحف تخصيص بعد تعميم وإن


هلك الناس أي بالفرار أو القتل وأن وصلية قال ابن حجر شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أيضا وإلا فقد علم من قوله تعالى الآن خفف الله عنكم الآية الأنفال إن الكفار حيث زادوا على المثلين جاز الإنصراف وإذا أصاب الناس موت أي طاعون ووباء وأنت فيهم الجملة حالية فاثبت لقوله عليه الصلاة والسلام إذا وقع الطاعون ببلد وأنتم فيه فلا تخرجوا منه وإذا وقع ببلد ولستم فيه فلا تدخلوا إليه وحكمة الأول أن أهل البلد لو مكنوا من ذلك لذهبوا وتركوا المرضى فيضيعوا والثاني أن من قدم ربما أصابه فيسند ذلك إلى قدومه فيزل قدمه ومحل الأمرين حيث لا ضرورة إلى الخروج أو الدخول وإلا فلا إثم كما هو الظاهر وانفق على عيالك بكسر العين أي من تجب عليك نفقته شرعا ومحل بسطه كتب الفقه من طولك بفتح أوله أي فضل مالك وفي معناه الكسب بقدر الوسع والطاقة على طريق الإقتصاد والوسط في المعتاد ولا ترفع عنهم عصاك أدبا مفعول له أي للتأديب لا للتعذيب والمعنى إذا استحقوا الأدب بالضرب فلا تسامحهم كقوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن النساء على الترتيب الذكري وأخفهم في الله أي أنذرهم في مخالفة أوامر الله ونواهيه بالنصيحة والتعليم وبالحمل على مكارم الأخلاق من إطعام الفقير وإحسان اليتيم وبر الجيران وغير ذلك رواه أحمد وكذا الطبراني في الكبير وإسناد أحمد صحيح لو سلم من الإنقطاع فإن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ وعن حذيفة رضي الله عنه موقوفا هو حذيفة بن اليمان واسم اليمان حسيل بالتصغير واليمان لقبه وكنية حذيفة أبو عبد الله العبسي بفتح العين وسكون الباء هو صاحب سر رسول الله روى عنه عمر وعلي وأبو الدرداء وغيرهم من الصحابة والتابعين ومات بالمدائن وبها قبره سنة خمس وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة قال إنما النفاق كان على عهد رسول الله يعني أن حكم المنافقين من إبقاء أرواحهم وإجراء أحكام المسلمين عليهم


إنما كان على عهد رسول الله بناء على مصالح منها أن المؤمنين إذا ستروا على المنافقين أحوالهم خفي على المخالفين حالهم وحسبوا أنهم من جملة المسلمين فيجتنبوا عن مخاشنتهم لكثرتهم بل أدى ذلك إلى أن يخافوا وتقل شوكتهم ولذا قال عليه الصلاة والسلام إن الله
ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاف لهم ومنها أن الكفار إذ سمعوا مخاشنة المسلمين مع من يصحبهم كان ذلك سببا لنفرتهم منه ومنها أن من شاهد حسن خلقه عليه الصلاة والسلام مع مخالفة رغب في صحبته ووافق معه سرا وعلانية ودخل في دين الله بوفور ونشاط فأما اليوم أي بعد وفاة النبي فإنما هو أي الأمر والحكم يدل عليه سياق الكلام أي الشأن الذي استقر عليه الشرع الكفر أو الإيمان والضمير مبهم يفسره ما بعده أي ليس الكائن اليوم إلا الكفر أو الإيمان ولا ثالث لهما يعني الكفر الصريح والقتل أو الإيمان سرا وعلانية وأو للتنويع كما في قوله تعالى تقاتلونهم أو يسلمون الفتح رواه البخاري في كتاب الفتن


باب في الوسوسة
الخواطر إن كانت تدعو إلى الرذائل فهي وسوسة وإن كانت إلى الفضائل فهي إلهام والأصح أنه ليس بحجة من غير المعصوم لأنه لائقة بخواطره
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الله تجاوز أي عفا عن أمتي أي أمة الإجابة وفي رواية تجاوز لي عن أمتي أي لم يؤاخذهم بذلك لأجلي فله المنة العظمى التي لا منتهى لها علينا ما وسوست به صدورها بالرفع فاعلا أي ما خطر في قلوبهم من الخواطر الرديئة فهو من مجاز المجاورة ويجوز نصبه مفعولا به قيل فيه نظر


لأن الوسوسة لازم نعم وجه النصب الظرفية إن ساعدته الرواية وروي ما حدثت به أنفسها بالرفع والنصب بدله ما لم تعمل به أي ما دام لم يتعلق به العمل إن كان فعليا أو تتكلم به أي ما لم تتكلم به إن كان قوليا كذا في الأزهار قال صاحب الروضة في شرح صحيح البخاري المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهوران أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ بها فقوله إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها محمول على ما إذا لم تستقر ذلك معفو بلا شك لأنه لا يمكن الإنفكاك عنه بخلاف الإستقرار ثم نقل صاحب الأزهار عن الأحياء ما حاصله أن لأعمال القلب أربع مراتب الأول الخاطر كما لو خطر له صورة امرأة مثلا خلف ظهره في الطريق لو التفت إليها يراها والثاني هيجان الرغبة إلى الإلتفات إليها ونسميه ميل الطبع والأول حديث النفس والثالث حكم القلب بأن يفعل أي ينظر إليها فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف وهي الحياء والخوف من الله تعالى أو من عباده ونسميه اعتقادا والرابع تصميم العزم على الإلتفات وجزم النية فيه ونسميه عزما بالقلب أما الخاطر فلا يؤاخذ به وكذا الميل وهيجان الرغبة لأنهما لا يدخلان تحت الإختيار وهما المرادان بقوله عليه الصلاة والسلام إن الله تجاوز عن أمتي الحديث وأما الثالث وهو الإعتقاد فهو مردد بين أن يكون اختيارا لا ينكره واضطرارا ينكره فالإختياري يؤاخذ والإضطراري لا يؤاخذ وأما الرابع وهو العزم والهم بالفعل فإنه يؤاخذ به وعليه تنزل الآيات التي دلت على مؤاخذة أعمال القلوب إلا أنه إن ترك خوفا من الله تعالى كتبت له حسنة لأن همه سيئة وامتناعه عنها مجاهدة مع نفسه فتكون حسنة تزيد عليها وإن تركها لعائق أوقاتها ذلك لعدم الحصول كتبت عليه سيئة للعزم والهمة الجازمة والدليل القاطع على ذلك قول رسول الله في الحديث الصحيح المتفق على صحته إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله


فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه وهذا صريح في أنه صار إلى النار ووقع فيها بمجرد العزم والنية وإن مات ولم يعمل وقتل مظلوما وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب الجازمة والكبر والعجب والنفاق والحسد وغيرها من الأوصاف الذميمة يؤاخذ بها وقال رسول الله الإثم ما حاك في الصدر وقال البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في نفسك وتردد في صدرك وإن أفتاك الناس ا ه أقول الإستدلال بالحديث الأخير فيه نظر لأنه جعل الإثم عين ما تردد في الصدر وتقدم إن ما لم يستقر لا يكون إثما فمعنى الحديث إن ما تردد في الصدر أنه إثم أو غير إثم ففعله أثم احتياطا كما إذا تعارض دليل التحريم والتحليل في شيء


فيحرم قيل الحديث يدل على أن التجاوز المذكور خاصية هذه الأمة وعلى التوجيه الذي نقله صاحب الأزهار من الروضة والأحياء يلزم أنه يكون عاما لجميع الأمم لأن ما لا يدخل تحت الإختيار لا يؤاخذ به شخص من الأشخاص لقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة فالصواب ما قاله الطيبي من أن الوسوسة ضرورية واختيارية فالضرورية ما يجري في الصدور من الخواطر ابتداء ولا يقدر الإنسان على دفعه فهو معفو عن جميع الأمم والإختيارية هي التي تجري في القلب وتستمر وهو يقصد ويعمل به ويتلذذ منه كما يجري في قلبه حب امرأة ويدوم عليه ويقصد الوصول إليها وما أشبه ذلك من المعاصي فهذا النوع عفا الله عن هذه الأمة خاصة تعظيما وتكريما لنبينا عليه الصلاة والسلام وأمته إليه وينظر قوله تعالى ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا البقرة وأما العقائد الفاسدة ومساوىء الأخلاق وما ينضم إلى ذلك فإنها بمعزل عن الدخول في جملة ما وسوست به الصدور ا ه وهو كلام حسن ولهذا قيده النبي بقوله ما لم تعمل أو تتكلم إشارة إلى أن وسوسة الأعمال والأقوال معفوة قبل ارتكابها وأما الوسوسة التي لا تعلق لها بالعمل والكلام من الأخلاق والعقائد فهي ذنوب بالإستقرار وذكر الإمام النووي أن مذهب القاضي أبي بكر بن الطيب إن من عزم على المعصية ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه ويحمل ما وقع في أمثال قوله عليه الصلاة والسلام إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوا عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة الحديث فيمن لم يوطن نفسه على المعصية وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار ويسمى هذا هما ويفرق بين الهم والعزم وهذا مذهب القاضي أبي بكر وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين وأخذوا بظاهر الحديث وقال القاضي عياض عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر للأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب لكنهم قالوا إن هذا العزم يكتب سيئة وليست


السيئة التي هم بها لكونها لم يعملها وقطع عنها قاطع غير خوف الله تعالى والإنابة لكن الإصرار والعزم معصية فصار تركه لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة حسنة فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا يوطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم وذكر بعض المتكلمين خلافا فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى بل لخوف الناس هل تكتب حسنة قال لا لأنه إنما حمله على تركها الحياء وهذا الخلاف ضعيف لا وجه له هذا آخر كلام القاضي وهو ظاهر حسن لا مزيد عليه وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر من ذلك قوله تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم النور وقوله اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم الحجرات والآيات في هذا كثيرة وقد تظاهرت نصوص الشرع وإجماع العلماء على تحريم الحسد واحتقار المسلمين وإرادة المكروه بهم وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها وقد تقدم الفرق بين ماله تعلق


بالعمل وبين ما ليس له تعلق به والله تعالى أعلم وقيل يؤاخذ بالهم بالمعصية في حرم مكة دون غيرها وهو رواية عن أحمد وبه قال ابن مسعود لقوله تعالى ومن يرد فيه بالحاد بظلم الآية الحج ويرد بأن الإرادة هي القصد وهو العزم الذي هو أخص من الهم متفق عليه في الجامع الصغير رواه الجماعة عن أبي هريرة بلفظ إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء ناس أي جماعة من أصحاب رسول الله إلى النبي عليه الصلاة والسلام فسألوه إنا نجد واقع موقع الحال أي سألوه مخبرين أنا نجد أو قائلين على احتمال فتح الهمزة والكسر وقيل على الفتح مفعول ثان لسألوه ثم الكسر أوجه حتى يكون بيانا للمسؤول عنه وهو مجمل يفسره الحديثان الآتيان في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به أي نجد في قلوبنا أشياء قبيحة نحو من خلق الله وكيف هو ومن أي شيء وما أشبه ذلك مما يتعاظم النطق به لعلمنا أنه قبيح لا يليق شيء منها أن نعتقده ونعلم أنه قديم خالق الأشياء غير مخلوق فما حكم جريان ذلك في خواطرنا وتعاظم تفاعل بمعنى المبالغة لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى فإن الفعل الواحد إذا جرى بين اثنين يكون مزاولته أشق من مزاولته وحده ولذا قيل المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة أي نستعظم غاية الإستعظام وقوله أحدنا روي برفع الدال ومعناه يجد أحدنا التكلم به عظيما لقبحه ويجوز النصب على نزع الخافض أي يعظم ويشق التكلم به على أحدنا قال أو قد وجدتموه الهمزة للإستفهام التقريري والواو المقرونة بها للعطف على مقدر أي أحصل ذلك وقد وجدتموه والضمير لما يتعاظم أي ذلك الخاطر في أنفسكم تقريرا وتأكيدا فالوجدان بمعنى المصادفة أو المعنى أحصل ذلك الخاطر القبيح وعلمتم أن ذلك مذموم غير مرضي فالوجدان بمعنى العلم قالوا نعم قال ذاك إشارة إلى مصدر وجد أي وجدانكم قبح ذلك الخاطر أو مصدر يتعاظم أي علمكم بفساد تلك


الوساوس وامتناع نفوسكم وتجافيها عن التفوه بها صريح الإيمان أي خالصه يعني أنه إمارته الدالة صريحا على رسوخه في قلوبكم وخلوصها من التشبيه والتعطيل لأن الكافر يصر على ما في قلبه من تشبيه الله سبحانه بالمخلوقات ويعتقده حسنا ومن استقبحها وتعاظمها لعلمه بقبحها
و أنها لا تليق به تعالى كان مؤمنا حقا وموقنا صدقا فلا تزعزعه شبهة وإن قويت ولا تحل عقد قلبه ريبة وإن موهت ولأن من كان إيمانه مشوبا يقبل الوسوسة ولا يردها وقيل المعنى أن الوسوسة أمارة الإيمان لأن اللص لا يدخل البيت الخالي ولذا روي عن علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه إن الصلاة التي لا وسوسة فيها إنما هي صلاة اليهود والنصارى رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يأتي الشيطان أي يوسوس إبليس أو أحد أعوانه من شياطين الأنس والجن على طريق التلبيس أحدكم فيقول من خلق كذا يعني السماء مثلا من خلق كذا يعني الأرض وغرضه أن يوقعه في الغلط والكفر ويكثر السؤال على هذا المنوال حتى يقول من خلق ربك وهو قديم خالق كل شيء فإذا بلغه ضمير الفاعل لأحدكم وضمير المفعول راجع إلى مصدر يقول أي إذا بلغ أحدكم هذا القول يعني من خلق ربك أو التقدير بلغ الشيطان هذا القول فليستعذ بالله طردا للشيطان إشارة إلى قوله تعالى إلا عبادك منهم المخلصين الحجر وإيماء إلى قوله عليه الصلاة والسلام لا حول ولا قوة إلا بالله فإن العبد بحوله وقوته ليس له قوة المغالبة مع الشيطان ومجادلته فيجب عليه أن يلتجىء إلى مولاه يعتصم بالله من الشيطان الذي أوقعه في هذا الخاطر الذي لا أقبح منه فيقول بلسانه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويلوذ بجنانه إلى جنابه أن يدفع عنه شره وكيده فإنه مع اللطف الإلهي لا أضعف منه ولا أذل فإنه مشبه بالكلب الواقف على الباب ولذا قال تعالى إن كيد الشيطان كان ضعيفا النساء أي بالنسبة إلى القوة الإلهية فلا ينافي قوله تعالى حكاية إن كيدكن عظيم


يوسف ولينته بسكون اللام وتكسر أي ليترك التفكر في هذا الخاطر وليشتغل بأمر آخر لئلا يستحوذ عليه الشيطان فإنه إنما أوقعه فيه رجاء أن يقف معه ويتمكن في نفسه فيحصل لها شك وريب في تنزيهه تعالى عن سمات الحدوث وإن دقت وخفيت فمن تنبه وكف عن الإسترسال مع ذلك الخاطر وأشغل نفسه حتى انصرفت عنه فقد خلص ومن لا فقد ارتبك فيخشى عليه مزلة القدم في قعر جهنم وإنما أمر بذينك دون الإحتجاج والتأمل لأمرين أحدهما أن العلم باستغناء الله تعالى عن المؤثر والموجد ضروري لا يقبل احتجاجا وإنما ذلك شيء يلقيه الشيطان إما ليحجك إن جادلته لأنه مسلط على القلوب بإلقاء الوساوس عليها ليختبر إيمانها ووساوسه غير متناهية فمتى عارضته بمسلك وجد مسلكا آخر إلى ما يريده من المغالطة والتشكيك وإما ليضيع وقتك ويكدر عيشك إن استرسلت معه وإن حججته فلا أخلص لك


من الإعراض عنه جملة والإلتجاء إلى الله تعالى بالإستعاذة منه كما قال عز من قائل وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله الأعراف ثانيهما أن الغالب في موارد هذه الخواطر أنه إنما ينشأ من ركود النفس وعدم اشتغالها بالمهمات المطلوبة منها فهذا لا يزيده فكره في ذلك إلا الزيغ عن الحق فلا علاج له إلا الإلتجاء بحول الله وقوته والإعتصام بكتاب الله وسنة رسوله قال الخطابي لو أذن رسول الله في محاججته لكان الجواب سهلا على كل موحد أي بإثبات البراهين القاطعة على أن لا خالق له تعالى بإبطال التسلسل ونحوه كاستحضار أن جميع المخلوقات داخله تحت اسم الخلق فلو جاز أن يقال من خلق الخالق لأدى إلى ما لا يتناهى وهو باطل قطعا وفيه إشعار بمذمة علم الكلام ودلالة على حرمة المراء والمجادلة فيما يتعلق بذات الله وصفاته وإيماء إلى صحة إيمان المقلد متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا يزال الناس يتساءلون أي يسأل بعضهم بعضا عن العلوم والموجودات والتساؤل جريان السؤال بين الاثنين فصاعدا ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان أو النفس أو إنسان آخر أي يجري بينهما السؤال في كل نوع حتى يبلغ السؤال إلى أن يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله قيل لفظ هذا مع عطف بيانه المحذوف وهو المقول مفعول يقال أقيم مقام الفاعل وخلق الله تفسير لهذا أو بيان أو بدل وقيل مبتدأ حذف خبره أي هذا القول أو قولك هذا خلق الله الخلق معلوم مشهور فمن خلق الله والجملة أقيمت مقام فاعل يقال فمن وجد من ذلك شيئا إشارة إلى القول المذكور ومن ذلك حال من شيئا أي من صادف شيئا من ذلك القول والسؤال أو وجد في خاطره شيئا من جنس ذلك المقال فليقل أي فورا من حينه آمنت بالله ورسله أي آمنت بالذي قال الله ورسله من وصفه تعالى بالتوحيد والقدم وقولها سبحانه وإجماع الرسل هو الصدق والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال ثم هذا القول يحتمل أن يكون على وجه


العلم والتحقيق ويحتمل أن يكون على طريق التقليد هذا الذي ظهر لي في هذا المقام وأما ما ذكره الطيبي وتبعه ابن حجر من أن هذا القول كفر فمن تكلم به فليتداركه بكلمة الإيمان ففي كونه مرادا نظر ظاهر لأنه لا يصح بالنسبة إلى السائل المجادل الذي هو من جملة شياطين الأنس أو الجن على التغليب كما ينصره الحديث السابق ولا م
المسؤل لأنه مؤمن صريح الإيمان ولأن قوله في هذا الحديث فليقل إنما هو بالنسبة إلى المسؤل كقوله فليستعذ في الحديث الذي تقدم والله أعلم ولذا قيل يسن له أن يستعيذ ثم يقول آمنت بالله ورسله ورواه ابن أبي الدنيا عن ابن عمر وزاد في آخر فإن ذلك يذهب عنه متفق عليه روى مسلم هذا الحديث على هذا السياق عن أبي هريرة ورواه أيضا عن أنس وفي روايته حتى يقال هذا الله خلق الخلق وكذلك رواه البخاري في كتابه عن أبي هريرة والحديث على هذا السياق محتمل لغير ما ذكر وهو أن يكون هذا الله مبتدأ وخبرا أو هذا مبتدأ والله عطف بيان وخلق الخلق خبره وأكثر رواة هذا الحديث يروونه على هذا السياق فيرجح إذن على السياق المذكور في المصابيح وإن كلاهما من الصحاح وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله ما منكم من أحد ما نافية ومن زائدة لإستغراق النفي لجميع الأفراد ومن في منكم تبعيضية أي ما أحد منكم إلا وقد وكل به على بناء المجهول لأن فاعله معلوم من التوكيل بمعنى التسليط قرينه من الجن أي صاحبه منهم ليأمره بالشر واسمه الوسواس وهو ولد يولد لإبليس حين يولد لبني آدم ولد وقوله وقرينه من الملائكة أي ليأمره بالخير واسمه الملهم وليس هذا في المصابيح لكن ذكره الحميدي في كتابه والصغاني في المشارق عن مسلم كذا نقله الطيبي وذكر ابن الملك في شرح المصابيح وفي رواية قد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة رواه ابن مسعود ا ه فصاحب المشكاة اختار هذه الرواية الجامعة والله أعلم ثم الحكمة في ذلك ظهور خسة العاصي وشرف الطائع قالوا


وإياك يا رسول الله أي لك قرين من الجن والقياس وأنت يا رسول الله بصيغة المرفوع المنفصل وكذا في الجواب يعني قال وإياي أي ولي ذلك والقياس أن يقول وأنا فأقام الضمير المنصوب مقام المرفوع المنفصل وهو سائغ شائع ويحتمل أن يكون المعنى وإياك نعني في هذا الخطاب فقال نعم وإياي لأن الخطاب في منكم عام لا يخص المخاطبين من الصحابة بل كل من يصح أن يخاطب داخل فيه كأنه قيل ما منكم يا بني آدم من أحد وهذا إن قلنا إن المتكلم لا يدخل في عموم الخطاب وقيل عطف على محل الضمير المجرور المقدر تقديره قالوا قد وكل به وإياك


قال وكل به وإياي ولكن الله بالتشديد ويخفف أعانني عليه أي بالعصمة أو بالخصوصية فأسلم بضم الميم أو فتحها في جامع الترمذي قال ابن عيينة فأسلم بالضم أي أسلم أنا منه والشيطان لا يسلم وفي جامع الدارمي قال أبو محمد أسلم بالفتح أي استسلم وذل وانقاد والخطابي ذهب إلى الأول والقاضي عياض إلى الثاني وهما روايتان مشهورتان قال التوربشتي الله تعالى قادر على كل شيء فلا يستبعد من فضله أن يخص نبيه بهذه الكرامة أعني إسلام قرينه وبما فوقها قيل ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام فلا يأمرني إلا بخير قلت الأظهر أنه مؤيد للأول فتأمل وقيل أسلم أفعل تفضيل خبر مبتدأ محذوف أي فأنا أسلم منكم لأن النبي كان يجري بعض الزلات في بعض الساعات بوسوسة فيكون المراد بقوله فلا يأمرني إلا بخير في أعم الأوقات كذا قيل وفيه نظر إذ يحتمل كون الوسوسة من النفس دون الشيطان وعن بعض المشايخ أن القرين من الجن ربما يدعوه إلى الخير وقصده في ذلك الشر بأن يدعوه إلى المفضول فيمنعه عن الفاضل أو أن يدعوه إلى الخير ليجره إلى ذنب عظيم لا يفي خيره بذلك الشر من عجب أو غيره ولذا قيل معصية أو ورثت ذلا واستحقارا خير من طاعة أورثت عجبا واستكبارا قال ابن حجر الظاهر أن استبعاد سفيان لإسلامه إنما هو لكونه عفريتا لا لكونه من ذرية إبليس لما في حديث حسن أن هامة بن إبليس جاء للنبي وذكر أنه حضر قتل هابيل وأنه اجتمع بنوح فمن بعده ثم طلب من النبي بعد أن نقل السلام من عيسى فرد عليه الصلاة والسلام وطلب أن يعلمه شيئا من القرآن فعلمه الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت والمعوذتين وقل هو الله أحد رواه مسلم وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الشيطان أي كيده ووسواسه يجري أي يسري من الإنسان أي فيه وقيل عدي يجري بمن على تضمين معنى التمكن أي يتمكن من الإنسان في جريانه مجرى الدم أي في جميع عروقه والمجرى إما مصدر ميمي أي يجري مثل جريان الدم فإنه


لا يحس بجريه كالدم في الأعضاء شبه سريان كيده وجريان وساوسه في الإنسان بجريان دمه في عروقه وجميع اعضائه فهو كناية عن تمكنه من إغواء الإنسان وإضلاله تمكنا تاما وتصرفه فيه تصرفا كاملا بواسطة نفسه الأمارة بالسوء
الناشىء قواها من الدم ولقد صدق يحيى بن معاذ حيث قال الشيطان فارغ وأنت مشغول وهو يراك وأنت لا تراه وأنت تنسي الشيطان وهو لا ينساك ومن نفسك للشيطان عليك عون وقد قال تعالى إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير فاطر وقال عز وجل إلا إن حزب الله هم المفلحون المجادلة أو اسم مكان ظرف ليجري ومن الإنسان حال منه أي يجري في الإنسان مجرى الدم كائنا من الإنسان أو بدل البعض من الإنسان أي يجري في الإنسان حيث يجري فيه الدم أو معناه أن الشيطان لا ينفك عن الإنسان ما جرى دمه في عروقه أي ما دام حيا وقيل يجوز إرادة الحقيقة فإن الشياطين أجسام لطيفة قادرة بإقدار الله تعالى على كمال التصرف ابتلاء للبشر متفق عليه وفي الجامع الصغير إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم رواه أحمد والشيخان وأبو داود عن أنس ورواه الشيخان وأبو داود وابن ماجة عن صفية وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ما من بني آدم أي ما من أولاده والمراد هذا الجنس مولود إلا يمسه الشيطان رفع مولود على أنه فاعل الظرف لاعتماده على حرف النفي والمستثنى منه أعم عام الوصف فالإستثناء مفرغ يعني ما وجد من بني آدم مولود متصف بشيء من الأوصاف حال ولادته إلا بهذا الوصف أي مس الشيطان له كأنه عليه الصلاة والسلام يرد على من زعم أن الأنبياء والأولياء لا يمسهم الشيطان فهو من قصر القلب الذي يلقي لمعتقد العكس وقيل ما هي غير عاملة هنا حتى عند الحجازية لتقدم الخبر وهو من بني آدم على مبتدئه وهو مولود حين يولد قالوا المراد بالمس الحسي لقوله عليه الصلاة والسلام كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد وقال ابن الملك


الوجه أن يراد من المس الطمع في الإغواء فيرده ظاهر قوله فيستهل أي يصيح صارخا رافعا صوته بالبكاء وهو حال مؤكدة أو مؤسسة أي مبالغة في رفعه أو المراد بالإستهلال مجرد رفع الصوت بالصراخ البكاء من مس الشيطان أي لأجله قال الطيبي وفي التصريح بالصراخ إشارة إلى أن المس عبارة عن الإصابة بما يؤذيه لا كما قالت المعتزلة من أن مس الشيطان تخييل واستهلاله صارخا من مسه تصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول هذا ممن أغويه وأما قول ابن الرومي


لأن يؤذن الدنيا بها من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد إذا أبصر الدنيا استهل كأنه بما هو لاق من أذاها يهدد وإلا فما يبكيه منها وإنه لأوسع مما كان فيه وأرغد فمن باب حسن التعليل فلا يستقيم تنزيل الحديث عليه مع أنه لا ينافيه غير مريم وابنها حال من مفعول يمس قال ابن حجر واستثناؤهما لإستعاذة أمها حيث قالت إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم وتفرد عيسى وأمه بالعصمة عن المس لا يدل على فضلهما على نبينا إذ له فضائل ومعجزات لم تكن لأحد ولا يلزم أن يكون في الفاضل جميع صفات المفضول كذا قاله الطيبي ونظيره خبر الطبراني ما أحد من بني آدم إلا وقد أخطأ أوهم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا قلت وأبلغ من هذا أن شيطانه أسلم متفق عليه قال ابن حجر وفي رواية للبخاري كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه باصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب وفي أخرى للحاكم وغيره كل وليد الشيطان نائل منه تلك الطعنة ولها يستهل المولود صارخا إلا ما كان من مريم وابنها فإن أمها حين وضعتها قالت إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فضرب دونها حجاب فطعن ا ه ولعل الله تعالى ألهمها بأن دعت هذا الدعاء حال الوضع لا بعده فقوله حين وضعتها أي أرادت وضعها فلا يشكل أن المس يكون حال الوضع فكيف امتنع لأجل ذلك الدعاء وقوله في الآية وإني أعيذها آل عمران بمعنى أعذتها وعدل إلى المضارع لإرادة الإستمرار أو لحكاية الحال الماضية والله أعلم والمفهوم من الجامع الصغير أن الحديث باللفظ المذكور سابقا هو من أفراد البخاري فقوله متفق عليه محل نظر إلا أن يقال مراده أنه متفق عليه معنى واللفظ للبخاري لكن ذكر أن لفظ كل بني آدم الخ أيضا من أفراد البخاري فتأمل وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صياح المولود أي سبب صيحته في بكائه حين يقع أي يسقط وينفصل عن أمه نزغة من الشيطان أي إصابة بما يؤذيه وقيل النزغ طعنة خفيفة أو


وسوسة فإن النزغ هو الدخول في أمر الفساد والشيطان إنما يبغي بلمته إفساد ما ولد المولود عليه من الفطرة ا ه والمعول
هو الأول إذ لا إفساد عند الولادة متفق عليه المذكور في الجامع الصغير أنه من أفراد البخاري وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله إن إبليس يضع عرشه أي سريره على الماء وفي رواية على البحر والصحيح حمله على ظاهره ويكون من جملة تمرده وطغيانه وضع عرشه على الماء يعني جعله الله تعالى قادرا عليه استدراجا ليغتر بأن له عرشا على هيئة عرش الرحمن كما في قوله تعالى وكان عرشه على الماء هود ويغر بعض السالكين الجاهلين بالله أنه الرحمن كما وقع لبعض الصوفية على ما ذكر في النفحات الأنسية في الحضرات القدسية ويؤيده قصة ابن صياد حيث قال لرسول الله أرى عرشا على الماء فقال له عليه الصلاة والسلام ترى عرش إبليس وقيل عبر عن استيلائه على الخلق وتسلطه على إضلالهم بهذه العبارة ثم يبعث أي يرسل سراياه جمع سرية وهي قطعة من الجيش توجه نحو العدو لتنال منه وفي النهاية هي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وسموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري وهو النفيس وقيل لأنهم يبعثون سرا ورد بأن لامه راء ولامها ياء يفتنون الناس بفتح الياء وكسر التاء أي يضلونهم أو يمتحنونهم بتزيين المعاصي إليهم حتى يقعوا فيها فأدناهم أي أقربهم منه أي من إبليس منزلة مرتبة أعظمهم فتنة أي أكبرهم إضلالا أو أشدهم ابتلاء يجىء أحدهم جملة مبينة لقوله أعظمهم فتنة فيقول أي أحدهم فعلت كذا وكذا أي أمرت بالسرقة وشرب الخمر مثلا فيقول أي إبليس ما صنعت شيئا أي أمرا كبيرا أو شيئا معتدا به قال أي النبي ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته أي فلانا حتى فرقت بينه وبين امرأته هذا وإن كان بحسب الظاهر أمرا مباحا وظاهره خير ولذا قال تعالى وأن يتفرقا يغن الله كلا من سعته النساء ولكنه من حيث أنه قد يجر إلى المفاسد يصير مذموما


ويحث عليه الشياطين ويفرح به كبيرهم ولذا قال عليه الصلاة والسلام أبغض الحلال إلى الله الطلاق وقال تعالى فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه البقرة قال عليه الصلاة والسلام فيدنيه منه أي فيقرب إبليس ذلك
المغوي من نفسه من الإدناء وهو التقريب فيقول وفي نسخة صحيحة ويقول أي إبليس للمغوي نعم أنت أي نعم الولد أو العون أنت على أنه فعل مدح وفاعله مضمر على خلاف القياس وقيل حرف إيجاب وأنت مبتدأ خبره محذوف أي أنت صنعت شيئا عظيما وقول ابن الملك هو الصواب هو الخطأ لأنه مخالف للنسخ المصححة الدالة على الرواية ومع احتياجه إلى التكلف والتعسف في توجيه صحة الدراية قال الأعمش وهو أحد رواة هذا الحديث أراه بضم أوله أي أظن أبا سفيان طلحة بن نافع المكي وهو الراوي عن جابر كذا في الأزهار نقله السيد جمال الدين وقال الطيبي ضمير الفاعل للأعمش وضمير المفعول لجابر وقيل أظن النبي عليه الصلاة والسلام وهو الظاهر من قوله قال فيلتزمه فإنه إما عطف على فيدنيه أو بدل منه كذا قيل والأقرب أنه عطف على فيقول والله أعلم والمعنى فيعانقه من غاية حبه التفريق بين الزوجين وذلك لأنه يحب كثرة الزنا وغلبة أولاد الزنا ليفسدوا في الأرض ويهتكوا حدود الشرع ومن ثم ورد عن النبي لا يدخل الجنة ولد زانية رواه الدارمي في سننه لأن ولد الزنا يعسر عليه اكتساب الفضائل ويتيسر له أخلاق الرذائل رواه مسلم وكذا أحمد وعنه أي عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الشيطان يحتمل الجنس والأظهر أن المراد به إبليس رئيسهم قد أيس أي صار محروما ويئس من أن يعبده المصلون اختصر القاضي كلام الشراح وقال عبادة الشيطان عبادة الصنم لأنه الآمر به والداعي إليه بدليل قوله يا أبت لا تعبد الشيطان مريم والمراد بالمصلين المؤمنون كما في قوله عليه الصلاة والسلام نهيتكم عن قتل المصلين سموا بذلك لأن الصلاة أشرف الأعمال وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان ومعنى


الحديث أيس من أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم ويرتد إلى شركه في جزيرة العرب ولا يرد على ذلك ارتداد أصحاب مسيلمة وما نعي الزكاة وغيرهم ممن ارتدوا بعد النبي لأنهم لم يعبدوا الصنم ا ه وفيه أن دعوة الشيطان عامة إلى أنواع الكفر غير مختص بعبادة الصنم فالأولى أن يقال المراد أن المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى ثم الجزيرة هي كل أرض حولها الماء فعيلة بمعنى مفعولة من جزر عنها الماء أي ذهب وقد اكتنفت تلك الجزيرة البحار والأنهار كبحر البصرة وعمان وعدن إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله فرعون بها وبحر الشام والنيل ودجلة والفرات أضيفت إلى العرب لأنها مسكنهم ونقل عن الإمام
مالك رضي الله عنه أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن قيل إنما خص جزيرة العرب لأن الدين يومئذ لم يتعد عنها وقيل لأنها معدن العبادة ومهبط الوحي ولكن في التحريش خبر لمبتدأ محذوف أي هو في التحريش أو ظرف لمقدر أي يسعى في التحريش بينهم أي في إغراء بعضهم على بعض والتحريض بالشر بين الناس من قتل وخصومة والمعنى لكن الشيطان غير آيس من إغراء المؤمنين وحملهم على الفتن بل له مطمع في ذلك قيل ولعله أخبر عما يجري فيما بعده من التحريش الذي وقع بين أصحابه أي أيس الشيطان أن يعبد فيها لكن طمع في التحريش بين ساكنيها وكان كما أخبر فكان معجزة له عليه الصلاة والسلام رواه مسلم وكذا أحمد والترمذي
الفصل الثاني


عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي جاءه رجل فقال أي الرجل إني أحدث نفسي أي أكلمها بالسر يعني توسوسي فإنه غير اختياري أو معناه أرد عليها بالشيء هو في قوة النكرة معنى وإن كان معرفة لفظا لأن أل فيه للجنس والجملة الإسمية بعده صفة له وهي قوله لأن أكون حممة بضم ففتح أي فحما أحب إلي من أن أتكلم به أي بشيء لكوني حممة أحب إلي من التكلم بذلك الشيء من غاية قبحه لتعلقه بالخوض في ذات الله تعالى وما لا يليق به سبحانه من تجسم وتشبيه أو تعطيل ونحوها واللام للقسم أو للإبتداء وأما قول ابن الملك اللام موطئة للقسم فغير صحيح لأنها إنما تدخل على أداة الشرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط ومن ثم تسمى لام المؤذنة وتسمى الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهدته له نحو لئن أخرجوا لا يخرجون معهم الآية الحشر كذا ذكره في مغني اللبيب قال عليه الصلاة والسلام الحمد لله شكرا لما أنعم عليه على أمته الذي رد أمره إلى الوسوسة الضمير فيه يحتمل أن


يكون للشيطان وإن لم يجر له ذكر لدلالة السياق عليه ويحتمل أن يكون للرجل والأمر يحتمل أن يكون واحد الأوامر وأن يكون بمعنى الشأن يعني كان الشيطان يأمر الناس بالكفر قبل هذا وأما الآن فلا سبيل إليهم سوى الوسوسة ولا بأس بها مع العلم بأنها قبيحة والتعوذ بالله منها أو المعنى الحمد لله الذي رد شأن هذا الرجل من الكفر إلى الوسوسة وهي معفوة رواه أبو داود وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله إن للشيطان أي إبليس أو بعض جنده لمة اللمة بالفتح من الإلمام ومعناه النزول والقرب والإصابة والمراد بها ما يقع في القلب بواسطة الشيطان أو الملك بابن آدم أي بهذا الجنس فالمراد به الإنسان وللملك لمة فلمة الشيطان تسمى وسوسة ولمة الملك إلهاما فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر كالكفر والفسق والظلم وتكذيب بالحق أي في حق الله أو حق الخلق أو بالأمر الثابت كالتوحيد والنبوة والبعث والقيامة والنار والجنة وأما لمة الملك فإيعاد بالخير كالصلاة والصوم وتصديق بالحق ككتب الله ورسوله والإيعاد في اللمتين من باب الأفعال والوعيد في الإشتقاق كالوعد إلا أن الإيعاد اختص بالشر عرفا يقال أو وعد إذا وعد بشر إلا أنه استعمله في الخير للإزدواج والأمن عن الإشتباه بذكر الخير بعده كذا قالوا والظاهر أن هذا التفصيل عند الإطلاق كما قال الشاعر وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وأما عند التقييد فالأولى أن يقال بالتجريد فيهما أو بأصل اللغة واختيار الزيادة لاختيار المبالغة فمن وجد أي في نفسه أو أدرك وعرف ذلك أي لمة الملك على تأويل الإلمام أو المذكور فليعلم أنه من الله أي منة جسيمة ونعمة عظيمة واصلة إليه ونازلة عليه إذ أمر الملك بأن يلهمه فليحمد الله أي على هذه النعمة الجليلة حيث أهله لهداية الملك ودلالته على ذلك الخير تصديقا وتحصيلا ثم معرفة الخواطر والتمييز بينها محل بسطها كتب الصوفية وقيد بينها الغزالي في منهاج


العابدين تبيينا لطيفا واتفق المشايخ على أن من كان مأكله من الحرام لا يميز بين الوسوسة والإلهام بل قال الدقاق من كان قوته معلوما أي بأن لم يتوكل على الله حق توكله لا يفرق
بينهما ثم الإلهام وإن كان غير معتبر في حق الأحكام لكنه معتبر في معرفة وساوس النفس ومكائد الشيطان وإنما قدمها هنا وأخرها أولا لأن لمة الشيطان شر والإبتلاء بها أكثر فكانت الحاجة ببيانها أمس ولما فرغ منه قدم لمة الملك تعظيما لشأنها وإشعارا بأن رحمته سبقت غضبه ومن وجد الأخرى أي لمة الشيطان فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وليخالفه وفيه إيماء إلى أن الكل من الله تعالى وإنما الشيطان عبد مسخر أعطي له التسليط على بعض أفراد الإنسان كما قال تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الحجر وإنما لم يقل هنا فليعلم أنه من الله تأدبا معه إذ لا يضاف إليه إلا الخير ثم قرأ استشهادا الشيطان يعدكم الفقر أي يخوفكم به ويأمركم بالفحشاء أي بالبخل والحرص وسائر المعاصي فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة أو معناه الشيطان يعدكم الفقر ليمنعكم عن الإنفاق في وجوه الخيرات ويخوفكم الحاجة لكم أو لأولادكم في ثاني الحال سيما في كبر السن وكثرة العيال ويأمركم بالفحشاء أي المعاصي وهذا الوعد والأمر هما المرادان بالشر في الحديث وتتمة الآية والله يعدكم مغفرة أي لذنوبكم على الصبر في الفقر والطاعة منه أي من عنده عدلا وفضلا أي يعدكم زيادة الخير على المغفرة وثواب الطاعة بالأضعاف المضاعفة أو خلفا في الدنيا وعوضا في العقبى والله واسع عليم تذييل للكلام السابق إشارة إلى سعة مغفرته ورحمته ووفور علمه بأحوال العباد ومصالحهم رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وتعريف الغرابة وتفصيلها متنا وإسنادا مذكور في أصول الحديث وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال لا يزال الناس يتساءلون أي لا ينقطعون عن سؤال بعضهم بعضا في أشياء حتى يقال هذا خلق الله الخلق مر البيان فيه فمن خلق الله


فلما جر كثرة السؤال إلى الجرأة على الملك المتعال نهى رسول الله عن كثرة السؤال وعن قيل وقال أو المراد بالتساؤل حكاية النفس وحديثها ووسوستها وهذا هو الظاهر من التفل والإستعاذة ويؤيد الأول قوله فإذا قالوا ذلك فقولوا الله أحد يعني قولوا في رد هذه المقالة أو الوسوسة الله تعالى ليس مخلوقا بل هو أحد والأحد هو الذي لا ثاني له في الذات ولا في الصفات الله الصمد المرجع في الحوائج المستغني عن كل أحد لم يلد ولم
يولد ولم يكن له كفوا أحد تقدم ثم ليتفل بسكون اللام الأولى وتكسر وبضم الفاء وتكسر أي ليبصق أحدكم أو هذا الرجل يعني الموسوس عن يساره كرامة لليمين وقيل اللمة الشيطانية عن يسار القلب والرحمانية عن يمينه ثلاثا أي ليلق البزاق من الفم ثلاث مرات وهو عبارة عن كراهة الشيء والنفور عنه كمن يجد جيفة والتكرار مراغمة للشيطان وتبعيد له لينفر منه ويعلم أنه لا يطيعه فيه ويكره الكلام المذكور منه وليستعذ ضبط بالوجهين بالله من الشيطان الرجيم والإستعاذة طلب المعاونة على دفع الشيطان رواه أبو داود وسنذكر حديث عمرو بن الأحوص ألا لا يجني جان إلا على نفسه في باب خطبة يوم النحر إن شاء الله تعالى
الفصل الثالث


عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله لن يبرح الناس أي لن يزالوا ولن ينقطعوا وإفادته الإثبات لأنه كزال يفيد معنى النفي وإذا دخل عليه نفي آخر أثبته لأن نفي النفي إثبات يتساءلون أي متسائلين يسأل بعضهم بعضا أو تحدثهم أنفسهم بالوسوسة حتى يقولوا هذا الله مبتدأ وخبره خلق كل شيء استئناف أو حال وقد مقدرة والعامل معنى اسم الإشارة أو هذا مبتدأ والله عطف بيان وخلق كل شيء خبره كذا قاله الطيبي والثاني هو الظاهر فمن خلق الله عز وجل قاسوا القديم على الحادث فإنه يحتاج إلى محدث ويتسلسل إلى أن ينتهي إلى خالق قديم واجب الوجود لذاته ومحل تحقيق هذا المرام كتب الكلام رواه البخاري ولمسلم قال أي النبي قال الله عز وجل فيكون الحديث قدسيا إن أمتك أي أمة الدعوة أو بعض أمة الإجابة بطريق الجهالة أو الوسوسة من الأمور العامة لا يزالون يقولون أي بعضهم لبعض أو في خواطرهم من غير اختيارهم ما


كذا ما كذا كناية عن كثرة السؤال وقيل وقال أي ما شأنه ومن خلقه حتى يقولوا أي حتى يتجاوزوا الحد وينتهوا إلى أن يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله عز وجل والمقصود من الحديث إعلامه تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام بما سيقع من أمته ليحذرهم منه وعن عثمان بن أبي العاص هو الثقفي استعمله النبي على الطائف فلم يزل عليها حياة رسول الله وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر ثم عزله عمر وولاه عمان والبحرين وكان وفد على النبي في وفد ثقيف وهو أحدثهم سنا وله تسع وعشرون سنة وذلك سنة عشر وسكن البصرة ومات بها سنة إحدى وخمسين ولما مات النبي وعزمت ثقيف على الردة قال لهم يا معشر ثقيف كنتم آخر الناس إسلاما فلا تكونوا أول الناس ردة فامتنعوا عن الردة روى عنه جماعة من التابعين رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي أي يمنعني من الدخول في الصلاة أو من الشروع في القراءة بدليل تثليث التفل وإن كان في الصلاة وليتفل ثلاث مرات غير متواليات ويمكن حمل التفل والتعوذ على ما بعد الصلاة والمعنى جعل بيني وبين كمالهما حاجزا من وسوسته المانعة من روح العبادة وسرها وهو الخشوع والخضوع يلبسها علي بالتشديد للمبالغة وفي نسخة صحيحة ظاهرة بفتح أوله وكسر ثالثه أي يخلطني ويشككني فيها أي في الصلاة أو القراءة أو كل واحدة والجملة بيان لقوله حال وما يتصل به فقال رسول الله ذاك شيطان أي الملبس أي خاص من الشياطين لا رئيسهم يقال له خنزب بخاء معجمة مكسورة ثم نون ساكنة ثم زاي مكسورة أو مفتوحة كذا في النسخ المصححة وهو من الأوزان الرباعية كزبرج ودرهم ويقال أيضا بفتخ الخاء والزاي حكاه القاضي عياض ونظيره جعفر ويقال أيضا بضم الخاء وفتح الزاي على ما في النهاية قال ابن حجر ويصح فتح الخاء مع ضم الزاي وفيه أنه لم يوجد هذا الوزن في الرباعي المجرد وليس في النسخ المصححة وهو في اللغة الجريء على الفجور على


ما يفهم من القاموس فإذا أحسسته أي أدركته وعلمته فتعوذ بالله منه فإنه لإخلاص من وسوسته إلا بحول الله وقوته
وحفظه ومعونته واتفل بضم الفاء ويكسر على يسارك أي عن يسارك كما في نسخة إشارة إلى التنفر والتبعد عن الوسوسة التي تجر إلى كتابة صاحب اليسار أو إلى طريقة أصحاب الشمال ثلاثا أي ثلاث مرات لزيادة المبالغة في المباعدة ففعلت ذلك أي ما ذكر من التعوذ والتفل فأذهبه الله أي الوسواس عني ببركته عليه الصلاة والسلام رواه مسلم وعن القاسم بن محمد أي ابن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من أكابر التابعين وكان أفضل أهل زمانه قال يحيى بن سعيد ما أدركنا بالمدينة أحدا نفضله على القاسم بن محمد روى عن جماعة من الصحابة منهم عائشة ومعاوية وعنه خلق كثير مات سنة إحدى ومائة وله سبعون سنة أن رجلا سأله فقال إني أهم بكسر الهاء وتخفيف الميم في صلاتي يقال وهمت في الشيء بالفتح أهم وهما إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره ويقال وهمت في الحساب أو هم وهما إذا غلطت فيه وسهوت فيكبر بالموحدة المضمومة أي يعظم ذلك أي الوهم علي وروي بالمثلثة من الكثرة أي يقع كثيرا هذا الوهم علي فقال له امض في صلاتك سواء كانت الوسوسة خارج الصلاة أو داخلها ولا تلتفت إلى موانعها فإنه لن يذهب ذلك عنك فإنه ضمير للشأن والجملة تفسير له وذلك إشارة إلى الوهم المعني به الوسوسة والمعنى لا يذهب عنك تلك الخطرات الشيطانية حتى تنصرف أي تفرغ من الصلاة وأنت تقول للشيطان صدقت ما أتممت صلاتي لكن ما أقبل قولك ولا أتمها إرغاما لك ونقضا لما أردته مني وهذا أصل عظيم لدفع الوساوس وقمع هواجس الشيطان في سائر الطاعات والحاصل أن الخلاص من الشيطان إنما هو بعون الرحمن والإعتصام بظواهر الشريعة وعدم الإلتفات إلى الخطرات والوساوس الذميمة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم رواه مالك


باب الإيمان بالقدر
هذا نوع تخصيص بعد تعميم أو ذكر جزئي بعد الكلي اهتماما به واعتناء باتصافه لما وقع فيه من الإختلاف الناشىء عن التحير في هذا الأمر الذي هو عظيم الشأن بين أهل
الإيمان والقدر بالفتح ويسكن ما يقدره الله تعالى من القضايا قال في شرح السنة الإيمان بالقدر فرض لازم وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن خلقهم والكل بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب والقدر سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل بل يجب أن يعتقد أن الله تعالى خلق الخلق فجعلهم فرقتين فرقة خلقهم للنعيم فضلا وفرقة للجحيم عدلا وسأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال أخبرني عن القدر قال طريق مظلم لا تسلكه وأعاد السؤال فقال بحر عميق لا تلجه فأعاد السؤال فقال سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه ولله در من قال تبارك من أجرى الأمور بحكمه كما شاء لا ظلما أراد ولا هضما فمالك شيء غير ما الله شاءه فإن شئت طب نفسا وإن شئت مت كظما
الفصل الأول


عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله كتب الله مقادير الخلائق جمع مقدار وهو الشيء الذي يعرف به قدر الشيء وكميته كالمكيال والميزان وقد يستعمل بمعنى القدر نفسه وهو الكمية والكيفية قبل أن يخلق السموات والأرض ومعنى كتب الله أجرى الله القلم على اللوح المحفوظ بإيجاد ما بينهما من التعلق وأثبت فيه مقادير الخلق ما كان وما هو كائن إلى الأبد على وفق ما تعلقت به إرادته أزلا كإثبات الكاتب ما في ذهنه بقلمه على لوحه وقيل أمر الله القلم أن يثبت في اللوح ما سيوجد من الخلائق ذاتا وصفة وفعلا وخيرا وشرا على ما تعلقت به إرادته وحكمة ذلك إطلاع الملائكة على ما سيقع ليزدادوا بوقوعه إيمانا وتصديقا ويعلموا من يستحق المدح والذم فيعرفوا لكل مرتبته أو قدر وعين مقاديرهم تعيينا بتا لا يتأتى خلافه بالنسبة لما في علمه القديم المعبر عنه بأم الكتاب أو معلقا كأن يكتب في اللوح المحفوظ فلان يعيش عشرين سنة إن حج وخمسة عشر إن لم يحج وهذا هو الذي يقبل المحو والإثبات المذكورين في قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب الرعد أي التي لا محو فيها ولا إثبات فلا يقع فيهما إلا ما يوافق ما أبرم فيها كذا ذكره ابن حجر وفي كلامه خفاء إذ المعلق والمبرم كل منهما مثبت في اللوح غير قابل للمحو نعم المعلق في الحقيقة مبرم بالنسبة إلى علمه تعالى


فتعبيره بالمحو إنما هو من الترديد الواقع في اللوح إلى تحقيق الأمر المبرم المبهم الذي هو معلوم في أم الكتاب أو محو أحد الشقين الذي ليس في علمه تعالى فتأمل فإنه دقيق وبالتحقيق حقيق وقوله بخمسين ألف سنة معناه طول الأمد ما بين التقدير والخلق من المدد أو تقديره ببرهة من الدهر الذي يوم منه كألف سنة مما تعدون وهو الزمان أو من الزمان نفسه فإن قلت كيف يحمل على الزمان ولم يخلق الزمان ولا ما يتحدد به من الأيام والشهور والسنين قلت يحمل الزمان حينئذ على مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو العرش وهو موجود حينئذ بدليل أنه قال أي النبي وعرشه على الماء وفي المصابيح وكان عرشه على الماء يعني كان عرش الله قبل أن يخلق السموات والأرض على وجه الماء والماء على متن الريح والريح على القدرة وهذا يدل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلقهما وقيل ذلك الماء هو القلم وقيل فيه دليل لمن زعم أن أول ما خلق الله في العالم الماء وإنما أوجد سائر الأجسام منه تارة بالتلطيف وتارة بالتكثيف قال ابن حجر اختلفت الروايات في أول المخلوقات وحاصلها كما بينتها في شرح شمائل الترمذي أن أولها النور الذي خلق منه عليه الصلاة والسلام ثم الماء ثم العرش رواه مسلم وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله كل شيء بقدر بفتح الدال أي بمقدار مرتب مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يوجد في الخارج على حسب ما اقتضته الحكمة حتى العجز والكيس بفتح الكاف روي برفعهما عطفا على كل أو على أنه مبتدأ حذف خبره أي حتى العجز والكيس كذلك أي كائنان بقدر الله تعالى وبجرهما عطفا على شيء قيل والأوجه أن يكون حتى هنا جارة بمعنى إلى لأن معنى الحديث يقتضي الغاية لأنه أراد بذلك أن اكتساب العباد وأفعالهم كلها بتقدير خالقهم حتى الكيس الذي يتوسل صاحبه به إلى البغية والعجز الذي يتأخر به عنها وقيل المراد من العجز هنا عدم القدرة أو ترك ما يجب فعله والتسويف به والتأخير


عن وقته أو العجز عن الطاعة والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور ومعناه أن العاجز قد قدر عجزه والكيس قد قدر كيسه وقيل الكيس هو كمال العقل وشدة معرفة الأمور وتمييز ما فيه النفع مما فيه الضر والعجز مقابله وقيل قوبل الكيس بالعجز على المعنى لأن المقابل الحقيقي للكيس البلادة وللعجز القوة وفائدة هذا الأسلوب تقييد كل من اللفظين بما يقابل الآخر كأنه قيل حتى الكيس والقوة والعجز والبلادة من قدر الله تعالى فهو رد على من أثبت القدرة والإختيار للعباد لأن


مصدر الفعل الداعية ومنشؤها القلب الموصوف بالكياسة والبلادة ثم القوة والضعف ومكانها الأعضاء والجوارح وإذا كان الكل بقضاء الله وقدره فأي شيء يخرج منهما وقال التوربشتي الكيس جودة القريحة وإنما قوبل بالعجز لأنه الخصلة التي تفضي بصاحبها إلى الجلادة وإتيان الأمور من أبوابها وذلك نقيض العجز والعجز هنا عدم القدرة وقال المظهر يعني أن من كان عاجزا وضعيفا في الجثة أو الرأي والتمييز أو ناقص الخلقة لا تعيره فإن ذلك بتقدير الله تعالى وخلقه إياه على هذه الصفة ومن كان كامل العقل بصيرا بالأمور تام الجثة فهو أيضا بتقدير الله تعالى وليس ذلك بقوته وقدرته فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله قيل الوجه ما ذكره التوربشتي رواه مسلم وكذا أحمد وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله احتج أي تحاج آدم وموسى أي طلب كل منهما الحجة من صاحبه على ما يقول قيل هذه المحاجة كانت روحانية في عالم الغيب ويؤيده قوله عند ربهما أي عند تجليه تعالى عليهما حال تفاوضهما ويجوز أن تكون جسمانية بأن أحياهما أو أحيا آدم في حياة موسى واجتمعا في حضائر القدس كما ثبت في حديث الإسراء أنه عليه الصلاة والسلام اجتمع مع الأنبياء أو لأن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون فحج آدم موسى أي غلبه في الحجة بأن ألزمه بأنه لم يكن مستقلا فيما صدر عنه متمكنا من تركه بل كان أمرا مقضيا فاللوم بعد زوال التكليف والتوبة والعفو عنه لا سيما ممن شاهد سر الله من وراء الأستار في القدر المحتوم مما لا يحسن عقلا وأما ما ترتب عليه شرعا من الحدود والتعزير فحسنه من الشارع لا يتوقف على غرض وإن كان فيه فائدة قال موسى الخ جملة مبينة لمعنى ما قبلها أنت آدم الذي خلقك الله بيده أي قدرته خصه بالذكر إكراما وتشريفا له وأنه خلق إبداعا من غير واسطة أب وأم والقياس خلقه ليعود الضمير على الموصول حتى يصح وقوع الجملة صلة فالتفت تلذذا بخطاب الأب الحائز لهذا الشرف الأكبر كذا قيل


والأظهر أنه لغة كقول علي رضي الله عنه أنا الذي سمتني أمي حيدرة ونفخ فيك من روحه الإضافة للتشريف والتخصيص أي من الروح الذي هو مخلوق
ولا يد لأحد فيه ولا يخفي ما في الحديث من الإشارة إلى ما في القرآن وأسجد لك ملائكته أي أمرهم أن يسجدوا لك أو إليك تعظيما قال ابن عباس كان سجودهم له انحناء لآخر ورا على الذقن وقال ابن مسعود أمروا بأن يأتموا به فسجد وسجدوا لله فالتقدير أمرهم بأن يسجدوا لله لأجل سجودك إياه أو اللام للتوقيت وقال أبي بن كعب خضعوا له وأقروا بفضله فالسجدة لغوية بمعنى الإنقياد وأسكنك أي جعلك ساكنا أو جعل لك سكنى في جنته الخاصة به وفيه رد لفظا ومعنى على المعتزلة حيث قالوا في بستان من بساتين الدنيا ثم أهبطت الناس بخطيئتك أي التي صدرت منك غير لائقة بعلو مقامك وهي أكلك من الشجرة وإن كان نسيانا أو خطأ في الإجتهاد لأن الكمل يعاتبون ويؤاخذون بما لا يؤاخذ به غيرهم فإن حسنات الأبرار سيآت المقربين أي صرت سببا لإهباطهم وإنزالهم وإسقاطهم فإنهم وإن لم يكونوا موجودين لكنهم كانوا على شرف الوجود فكأنه جعلهم مهبطين منها إلى الأرض متعلق بأهبطت يعني أن الله تعالى أنعم عليك بهذه النعم الجليلة وأنت عصيته بأكل الشجرة حتى أخرجت من الجنة بسببها وبقي أولادك في دار المشقة والبلوى والإبتلاء من الله تعالى بالفقر والمرض وغير ذلك ولو استمروا في الجنة لم يحصل لهم شيء من ذلك بل كانوا في غاية من النعيم الذي لا نعيم فوقه وليس في هذا ما يخل بالأدب مع الأب لأن مقام الإحتجاج يسامح فيه بمثل ذلك قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك أي اختارك الله برسالاته بالجمع لإرادة الأنواع أو بالإفراد لإرادة الجنس كما قرىء بالوجهين في قوله تعالى يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي الأعراف والجمهور على الجمع وليس فيه ما ينفي رسالة آدم لأن كلا ذكر ما هو الأشرف من صفات صاحبه وتخصيص الشيء بالذكر لا ينفي ما عداه مع أنه


يمكن أن يكون المراد اصطفاه بالجمع بين الرسالة والتكليم واختص بذلك لأنه لم يسمع كلام الله القديم أحد في الأرض غيره وفيه تلميح إلى قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما النساء وبكلامه أي بتكليمه إياك وأعطاك الألواح وهي ألواح التوراة فيها تبيان كل شيء أي بيانه على وجه المبالغة لأن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى والجملة استئنافية مبينة أو صفة أي الألواح التي فيها إظهار كل شيء مما يحتاج إليه في أمر الدين من الإخبار بالغيوب والقصص والمواعظ والعقائد والحلال والحرام والحدود والأحكام وغير ذلك وهذا مستمد من قوله تعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء الأعراف وقربك نجيا النجي المناجي يستوى فيه الواحد والجمع وهو من يجري بينك وبينه كلام في السر أي وكلمك الله من غير واسطة ملك أو المعنى وخصك بالنجوى كما قال تعالى وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا مريم حال من الفاعل أو المفعول فبكم مميزه محذوف أي فبكم زمانا أو فبأي زمان وجدت الله أي علمته أو صادفت حكمه كتب التوراة أي أمر بكتب


التوراة في الألواح لما سبق أن ما في اللوح المحفوظ كتب قبل ذلك بخمسين ألف سنة قبل أن أخلق على صيغة المجهول قال موسى بأربعين عاما المراد منه التحديد أو التكثير قال آدم فهل وجدت فيها أي في التوراة وقرأت وعلمت مضمون قوله تعالى وعصى آدم ربه أي بمخالفة أمره فغوى أي فخرج بالعصيان من أن يكون راشدا في فعله وليس المراد أن لفظه بهذا التركيب بل معناه بالعبرية قال ابن حجر وهذا منه في غاية التواضع لله وإذعان لما جاء عن الله وله تعالى أن يخاطب عبيده ويصفهم بما يشاء إذ المعصية والغواية يطلقان على مطلق المخالفة ولو مع النسيان كما هنا فإن آدم لم يتعمد الأكل من الشجرة المنهي عنها بل تأول أو نسي قال تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى طه ومع ذلك وصفه ربه بأنه عصى وغوى إقامة لناموس الربوبية عليه لا ليتأسى به الناس في وصفه بذلك لعصمة الأنبياء من الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها فلم يوصف بذلك في غير القرآن لأنه يوهم العامة وقوع معصية منه عليه الصلاة والسلام قال أي موسى نعم قال أي آدم أفتلومني أي أتجد في التوراة هذا فتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أي في الألواح أن أعمله بدل من ضمير كتبه المنصوب قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال التوربشتي ليس معنى قول آدم كتبه الله علي ألزمه إياي وأوجبه علي فلم يكن لي في تناول الشجرة كسب واختيار وإنما المعنى إن الله تعالى أثبته في أم الكتاب قبل كوني وحكم بأنه كائن لا محالة فهل يمكن أن يصدر عني خلاف علم الله تعالى فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت ممن اصطفاك الله ومن المصطفين الذين يشاهدون سر الله من وراء الأستار وأعلم أن هذه القصة تشتمل على معان محررة لدعوى آدم عليه الصلاة والسلام مقررة لحجته منها أن هذه المحاجة لم تكن في عالم الأسباب الذي لم يجوز فيه قطع النظر عن الوسائط والإكتساب بل في عالم العلوي عند ملتقى


الأرواح ومنها أن آدم عليه الصلاة والسلام احتج بذلك بعد اندفاع مواجب الكسب منه وارتفاع أحكام التكليف عنه ومنها أن اللائمة كانت بعد سقوط الذنب وموجب المغفرة قيل مذهب أهل الجبر إثبات التقدير لله تعالى ونفي القدرة عن العبد أصلا والمعتزلة على خلافه وكلاهما على شرف جرف هار والطريق المستقيم القصد بين الأمرين كما هو مذهب أهل السنة إذ لا يجوز إسقاط الأصل الذي هو القدر ولا إبطال الكسب الذي هو السبب قال رسول الله فحج آدم موسى لإمتناع رد علم الله في حقه حيث أخبر به عنه أنه إنما خلقه للأرض وأنه لا يتركه في الجنة بل إنه ينقله


منها إلى الأرض ليكون خليفته تعالى فيها قال الطيبي إعادته فذلكة للتفصيل تثبتا للأنفس على هذا الإعتقاد ويحتمل أن يقال إن قوله فحج أولا تحرير للدعوى وثانيا إثبات لها فالفاء في الأول للعطف وفي الأخير للنتيجة ا ه وهما متغايران في المعنى رواه مسلم وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله وهو الصادق المصدوق الأولى أن تجعل هذه الجملة اعتراضية لا حالية لتعم الأحوال كلها وأن يكون من عادته ذلك فما أحسن موقعه ههنا ومعناه الصادق في جميع أفعاله حتى قبل النبوة لما كان مشهورا فيما بينهم بمحمد الأمين المصدوق في جميع ما أتاه من الوحي الكريم صدقه زيد راست كفت باوزيد قال النبي في أبي العاص بن الربيع فصدقني وقال في حديث أبي هريرة صدقك وهو كذوب وقال علي رضي الله عنه للنبي في حديث الإفك سل الجارية تصدقك ونظائره كثيرة كذا قال السيد جمال الدين وفيه رد على ما قيل أن الجمع بينهما تأكيد إذ يلزم من أحدهما الآخر اللهم إلا أن يخص به إن خلق أحدكم بكسر الهمزة فتكون من جملة التحديث ويجوز فتحها أي مادة خلق أحدكم أو ما يخلق منه أحدكم يجمع في بطن أمه أي يقرر ويحرز في رحمها وقال في النهاية ويجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم أربعين يوما يتخمر فيها حتى يتهيأ للخلق قال الطيبي وقد روى عن ابن مسعود في تفسير هذا الحديث أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين ليلة ثم تنزل دما في الرحم فذلك جمعها والصحابة أعلم الناس بتفسير ما سمعوه وأحقهم بتأويله وأكثرهم احتياطا فليس لمن بعدهم أن يرد عليهم قال ابن حجر والحديث رواه ابن أبي حاتم وغيره وصح تفسير الجمع بمعنى آخر وهو ما تضمنه قوله عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى إذا أراد خلق عبد فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعضو منها فإذا كان يوم السابع جمعه الله ثم أحضره كل عرق له دون آدم في أي صورة


ما شاء ركبك ويشهد لهذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام لمن قال له ولدت امرأتي غلاما أسود لعله نزعه عرق وأصل النطفة الماء القليل سمي بها المني لقلته وقيل لنطافته أي سيلانه لأنه ينطف نطفا أي يسيل قال
الصوفية خصوصية الأربعين لموافقته تخمير طينة آدم وميقات موسى ثم أنه يعجن النطفة بتراب قبره كما ورد في تفسير قوله تعالى منها خلقناكم طه أن الملك يأخذ من تراب مدفنه فيبددها على النطفة ولكونه سلالة من الطين جاء مختلف الألوان والأخلاق حسب اختلاف أجزاء الطين بل بحسب اختلاف المركبات من الطين فيه حرص النملة والفأرة وشهوة العصفور وغضب الفهد وكبر النمر وبخل الكلب وشره الخنزير وحقد الحية وغير ذلك من ذمائم الصفات وفيه شجاعة الأسد وسخاوة الديك وقناعة البوم وحلم الجمل وتواضع الهرة ووفاء الكلب وبكور الغراب وهمة البازي ونحوها من محاسن الأخلاق نطفة حال من فاعل يجمع ثم يكون أي خلق أحدكم علقة أي دما غليظا جامدا قال ابن حجر أي ثم عقب هذه الأربعين يكون في ذلك المحل الذي اجتمعت فيه النطفة علقة والأظهر أن قوله يكون بمعنى يصير والضمير إلى ما جمع في بطن أمه نطفة وقيل يصير خلقه علقة لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم ا ه وفيه أنه يلزم منه أن الصيرورة في أربعين وليس كذلك فالظاهر أن يقدر ويبقى أو يمكث مثل ذلك إشارة إلى محذوف أي مثل ذلك الزمان يعني أربعين يوما ثم يكون مضغة أي قطعة لحم قدر ما يمضغ مثل ذلك ويظهر التصوير في هذه الأربعين قال المظهر في هذا التحويل مع قدرته على خلقه في لمحة فوائد وعبر منها أنه لو خلقه دفعة لشق على الأم لعدم اعتيادها وربما تظن علة فجعل أولا نطفة لتعتاد بها مدة وهكذا إلى الولادة ومنها إظهار قدرته ونعمته ليعبدوه ويشكروه حيث قلبهم من تلك الأطوار إلى كونهم إنسانا حسن الصورة متحليا بالعقل والشهامة ومنها إرشاد الناس وتنبيههم على كمال قدرته على الحشر لأن من قدر على خلق الإنسان من ماء مهين ثم من


علقة ثم من مضغة مهيأة لنفخ الروح فيه يقدر على حشره ونفح الروح فيه قلت ومنها بل أظهرها تعليم العباد في تدريج الأمور وعدم تعجيلهم فيها فإنه تعالى مع كمال قدرته وقوته على خلقه دفعة حيث خلقه مدرجا فإن الإنسان أولى به التأني في فعله كما قالوا مثل هذا في قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام الأعراف فحصلت المطابقة والمناسبة والموافقة بين الآيات الآفاقية والدلالات الأنفسية قال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق فصلت ومنها تنبيههم وتفهيمهم أصلهم وفرعهم فلا يغتروا بقوة أبدانهم وأعضائهم وحواسهم ويعرفوا أنها كلها عطايا وهدايا بل على وجه العارية موجودة عندهم لينظروا في مبدئهم كما قال تعالى فلينظر الإنسان مم خلق الطارق وفي الحديث من عرف نفسه فقد عرف ربه ثم يبعث الله إليه أي إلى خلق أحدكم أو إلى أحدكم يعني في الطور الرابع حين ما يتكامل بنيانه ويتشكل أعضاؤه ملكا وفي الأربعين ثم يرسل إليه الملك والمراد بالإرسال أمره بها والتصرف فيها لأنه ثبت في الصحيحين أنه موكل بالرحم حين كان نطفة أو ذاك ملك آخر غير ملك الحفظ فإن قلت


قد ورد في صحيح مسلم برواية حذيفة بن أسيد خلاف بن مسعود كما في المشارق أنه إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظامها ثم يقول يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ثم يكتب أجله ورزقه فعلم منه أن التصوير بعد الأربعين الأولى وهو مناف لهذه الرواية فجوابه أن لتصرف الملك أوقاتا أحدها حين يكون نطفة ثم ينقلب علقة وهو أول علم الملك بأنه ولد وذلك عقيب الأربعين الأولى وحينئذ يبعث إليه ربه يكتب رزقه وأجله وعمله وخلقته وصورته ثم يتصرف فيه بتصويره وخلق أعضائه وذلك في الأربعين الثالثة ثم ينفخ فيه الروح فالمراد بتصويرها بعده أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر لأن التصوير الأول بعد الأربعين الأولى غير موجود عادة كذا في شرح مسلم ولا يخفي ما فيه وقد استفاض بين النساء أن النطفة إذا قدرت ذكرا تتصور بعد الأربعين الأولى بحيث يشاهد منه كل شيء حتى السوأة فتحمل رواية ابن مسعود على البنات أو الغالب بأربع كلمات أي بكتابتها وكل قضية تسمى كلمة قولا كان أو فعلا فيكتب عمله من الخير والشر وأجله مدة حياته أو انتهاء عمره ورزقه يعني أنه قليل أو كثير وغيرهما مما ينتفع به حلالا كان أو حراما مأكولا أو غيره فيعين له وينقش فيه بعد أن كانت مكتوبة في اللوح المحفوظ ما يليق به من الأعمال والأعمار والأرزاق حسب ما اقتضته حكمته وسبقت كلمته فمن وجده مستعدا لقبول الحق وأتباعه ورآه أهلا للخير وأسباب الصلاح متوجها إليه أثبته في عداد السعداء ومن وجده متجافيا قاسي القلب متأبيا عن الحق أثبته في ديوان الأشقياء وكتب ما يتوقع منه من الشرور والمعاصي هذا إذا لم يعلم من حاله ما يقتضي تغير ذلك وإن علم من ذلك شيئا كتب له أوائل أمره وأواخره وحكم عليه حسب ما يتم به عمله فإن ملاك العمل خواتيمه وهو الذي يسبق إليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة والنار وقيل المراد بكتبه هذه الأشياء إظهاره للملك وإلا


فقضاؤه سابق على ذلك قال مجاهد يكتب هذه الكلمات في ورقة وتعلق في عنقه بحيث لا يراها الناس قال تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه الإسراء قال أهل المعاني أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله وهو صائر إليه من سعادة أو شقاوة وخص العنق لأنه موضع القلادة والأطواق قلت وهو كناية عن الذمة فكأن هذه الأشياء في ذمته أن يفعلها ولا يقدر أن ينفك عنها وقيل يؤمر بكتابة الأحكام المقدرة له على جبهته أو بطن كفه وأعلم أن الكتابة التي في أم الكتاب تعم الأشياء كلها وهذا ما يخص به كل إنسان إذ لكل كتابة سابقة وهي ما في اللوح ولاحقة تكتب ليلة القدر ومتوسطة أشير إليها في الحديث وفي أصل الأربعين يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد وهو بدل كل من قوله أربع إذ المضاف مقدر فيه ويروي يكتب على الإستئناف وشقي خبره مبتدأ محذوف أي يكتب هو شقي أو سعيد قيل كان من حق الظاهر أن يقال ويكتب سعادته وشقاوته فعدل إما حكاية لصورة ما يكتبه الملك لأنه يكتب أشقي أو سعيد


والتقدير أنه شقي أو سعيد فعدل لأن الكلام مسوق إليهما والتفصيل وهو قوله فوالذي الخ وارد عليهما والسعادة معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخيرات وتضادها الشقاوة وهي إما قلبية أو بدنية أو ما حول البدن فالقلبية هي المعارف والحكم والكمالات العلمية والعملية القلبية والخلقية والبدنية الصحة والقوة واللذات الجسمانية وما حول البدن من الأموال والأسباب وقدم الشقاوة ليعلم أن الشر كالخير من عند الله وتقديره ردا على الثنوية المثبتين شريكا فاعلا للشر لأنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله فقالوا مدبر العالم لو كان واحدا لم يخص هذا بأنواع الخيرات والصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور فرد عليهم الرب بقوله لا يسئل عما يفعل وما أحسن قول الشاعر كم من أديب فهم قلبه مستكمل العقل مقل عديم وكم جهول مكثر ماله ذلك تقدير العزيز العليم وتحقيق هذا المقام أن يقال إن لله صفتي لطف وقهر والحكمة تقتضي أن يكون الملك سيما ملك الملوك كذلك إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ولا يتحقق كل منهما إلا بوجود الآخر كما لا تتبين اللذة إلا بالألم وبضدها تتبين الأشياء ولا بد لكل منهما من مظهر فالسعداء وأعمالهم مظاهر اللطف وفائدة بعثة الأنبياء والكتب ترجع إليهم إنما أنت منذر من يخشاها النازعات كما أن فائدة نور الشمس لأهل البصر والأشقياء وأفعالهم مظاهر القهر وفائدة البعثة لهم إلزام الحجة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وهي في الحقيقة نعي عليهم بالشقاوة ثم ينفخ على البناء للمجهول وقيل أنه معلوم فيه الروح بالوجهين أي ثم بعد هذا البعث لا قبله وعكس ذلك الواقع في رواية البيهقي المراد به ترتيب الأخبار فقط على أن رواية الشيخين مقدمة على غيرها كذا ذكره ابن حجر لكن وقع في الأربعين النووية بلفظ فينفخ فيه الروح ويؤمر الخ ونسب إلى الشيخين فتأمل فلعلهما روايتان والله أعلم فوالذي لا إله غيره القسم لإفادة التحقيق


وتأكيد التصديق أي إذا كان الشقاوة والسعادة مكتوبة فوالله الذي لا إله غيره وليعلم في أمر القضاء إن الكسب لا مدخل له في الحقيقة إن أحدكم ولفظ المصابيح فإن الرجل أي الشخص ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون في الموضعين بالرفع لا لأن ما النافية كافة عن العمل بل لأن المعنى على حكاية حال الرجل لا الإخبار عن المستقبل كذا قاله السيد جمال الدين وقال المظهر حتى هي الناصبة وما نافية ولفظة يكون منصوبة بحتي وما غير مانعة لها من العمل وقال ابن الملك الأوجه أنها عاطفة ويكون بالرفع عطف على ما قبله بينه وبينها أي بين الرجل وبين الجنة إلا ذراع تمثيل لغاية قربها فيسبق عليه الكتاب ضمن معنى يغلب ولذا عدي بعلي وإلا فهو متعد


بنفسه أي يغلب عليه كتاب الشقاوة والتعريف للعهد والكتاب بمعنى المكتوب أي المقدر أو التقدير أي التقدير الأزلي والفاء للتعقيب يدل على حصول السبق بلا مهلة فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها فيه إشارة إلى أن دخول النار لا يكون بمجرد تعلق العلم الإلهي بل لا بد من ظهور العمل المخلوقي فلا يكون جبرا محضا ولا قدرا بحتا وهذا مما سنح لي وقيل لأن بذر الشقاوة والسعادة قد اختفى في الأطوار الإنسانية لا يبرز إلا إذا انتهى إلى الغاية الإيمانية أو الطغيانية والله أعلم وإن أحدكم أي الآخر ليعمل بعمل أهل النار من الكفر والمعاصي حتى ما يكون بالوجهين بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب قيل فيه دلالة ظاهرة على أن الأعمال أمارات لا موجبات وإن مصيرها إلى ما جرى به المقادير في البداية فيعمل بعمل أهل الجنة بأن يستغفر ويتوب فيدخلها أقول في الحديث تنبيه على أن السالك ينبغي أن لا يغتر بأعماله الحسنة ويجتنب العجب والتكبر والأخلاق السيئة ويكون بين الخوف والرجاء ومسلما بالرضا تحت حكم القضاء وكذا إذا صدرت منه الأعمال السيئة فلا ييأس من روح الله تعالى الطيبة فإنها إذ أبدت عين العناية ألحقت الآخرة بالسابقة وكذا الحال بالنسبة إلى الغير في الأعمال فلا يحكم لأحد بأنه من أهل الجنة والدرجات وإن عمل ما عمل من الطاعات أو ظهر عليه من خوارق العادات ولا يجزم في حق أحد بأنه من أهل النار والعقوبات ولو صدر منه جميع السيآت والمظالم والتبعات فإن العبرة بخواتيم الحالات ولا يطلع عليها غير عالم الغيب والشهادات ثم أعلم أن ما يجري في العالم من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة ومن الكليات والجزئيات بتقدير الله وإيجاده إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله المتعالي عن الشريك ذاتا وصفة وفعلا يفعل الله ما يشاء لا علة لفعله ولا معقب لحكمه لا يسأل عما يفعل ولا مجال للعقل في تحسين الأفعال وتقبيحها بل يحسن صدورها كلها عنه والاستقلال للعبد في


الأفعال والمدح والذم باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية كما يمدح الشيء بحسنه والثواب والعقاب كسائر الأمور العادية فإن الله أجرى عادته بأن يوجد الأسباب أولا ثم يوجد المسببات عقيبها فكل منهما صادر عنه ابتداء وأما البعثة والتكليف فلأن الله يجب اتصافه بالأمر والنهي والوعد والوعيد ولا بد لها من مظهر كما كان كذلك في جميع الصفات فكلف العباد بهما ورتب عليه الوعد والوعيد إظهارا لمقتضى سلطنته كما قال كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لأن أعرف متفق عليه وعن سهل بن سعد أي الساعدي الأنصاري يكنى أبا العباس وكان اسمه حزنا


فسماه النبي سهلا ومات النبي وله خمس عشرة سنة ومات سهل بالمدينة سنة إحدى وتسعين وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة روى عنه ابنه العباس والزهري وأبو حازم رضي الله عنه قال قال رسول الله إن العبد أي عبد من عبيد الله ليعمل عمل أهل النار أي ظاهرا وصورة أو أولا أو في نظر الخلق وإنه من أهل الجنة أي باطنا ومعنى أو آخرا أو في علم الله تعالى والواو حالية وإن مكسورة بعدها ويعمل أي عبد آخر عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال أي اعتبارها بالخواتيم أي بما يختم عليه أمر عملها وهو تذييل لما قبله مشتمل على حاصله فرب كافر متعند يسلم في آخر عمره ورب مسلم متعبد يكفر في غاية أمره قيل في هذا الحديث حث على مواظبة الطاعات ومحافظة الأوقات عن المعاصي والسيئات خوفا من أن يكون ذلك آخر عمله وفيه زجر عن العجب فإن العبد لا يدري ماذا يصيبه في العاقبة وفيه أنه لا يجوز الشهادة لأحد بالجنة ولا بالنار قيل وفيه أيضا أنه تعالى يتصرف في ملكه كيف يشاء وكل ذلك عدل وصواب ولا اعتراض بل لا نجاة إلا بالتسليم لقضاء الله تعالى وقدره متفق عليه وعن عائشة رضي الله عنها هي أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر خطبها النبي وتزوجها بمكة في شهر شوال سنة عشر من النبوة وقبل الهجرة بثلاث سنين وقيل غير ذلك وأعرس بها بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشرة شهرا ولها تسع سنين وبقيت معه تسع سنين ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة ولم يتزوج بكرا غيرها وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن رسول الله عارفة بأيام العرب وأشعارها روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان وأمرت أن تدفن ليلا فدفنت بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية مروياتها ألف ومائتا حديث وعشرة أحاديث قالت


دعي مجهول رسول الله أي للصلاة إلى جنازة صبي بفتح الجيم وتكسر من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى لهذا طوبى فعلى من طاب يطيب قلبت الياء واوا وكسرت الباء كما في بيض
جمع أبيض إبقاء للأصل واختلفوا في معناه فقال ابن عباس في قوله تعالى طوبى لهم الرعد معناه فرح وقرة عين لهم وقيل الحسنى لهم وقيل خير وكرامة لهم وقيل اسم الجنة بالحبشية وقيل اسمها بالهندية وقيل اسم شجر في الجنة وقيل معناه أصيب خيرا على الكناية لأن إصابة الخير مستلزمة لطيب العيش ولأنه يقال في حق المصيب طوبى لك فاطلق اللازم على الملزوم وقيل طوبى تأنيث أطيب أي الراحة وطيب العيش حاصل لهذا الصبي هو عصفور أي طير صغير من عصافير الجنة أي هو مثلها من حيث أنه لا ذنب عليه وينزل في الجنة حيث يشاء قال ابن الملك شبهته بالعصفور كما هو صغير إما بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من الطيور وإما لكونه خاليا من الذنوب من عدم كونه مكلفا ا ه والأظهر الثاني فهو تشبيه بليغ وما قيل من أن هذا ليس من باب التشبيه لأنه لا عصفور في الجنة فممنوع لما ورد في الحديث إن في الجنة طيرا كأمثال البخت تأتي الرجل فيصيب منها ثم تذهب كأن لم ينقص منها شيء وقد قال تعالى ولحم طير مما يشتهون الواقعة وأما ما ذكره ابن حجر من حديث إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر وخبر نسمة المؤمن أي روحه طائر تعلق في شجر الجنة فليس يصلح سندا للمنع كما لا يخفي لم يعمل السوء بضم السين ويجوز فتحه أي الذنب قال المظهر أي لم يعمل ذنبا يتعلق بحقوق الله وأما حقوق العباد كإتلاف مال مسلم وقتل نفس فيؤخذ منه الغرم والدية وإذا سرق يؤخذ منه المال ولا تقطع يده لأنه من حقوق الله قلت لا تسمى هذه الأفعال منه ذنوبا فتأمل ولم يدركه أي ولم يلحقه السوء فيكون تأكيدا أو لم يدرك هو السوء أي وقته لموته قيل التكليف فضلا عن عمله والتأسيس أولى ومع إفادة المبالغة أحرى فقال أو غير ذلك بفتح الواو وضم الراء وكسر الكاف هو


الصحيح المشهور من الروايات والتقدير أتعتقدين ما قلت والحق غير ذلك وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنة فالواو للحال وفي الفائق الهمزة للإستفهام أي الإنكاري والواو عاطفة على محذوف وغير مرفوع بضمير تقديره أو وقع هذا ويحتمل غير ذلك قيل وروي أو بسكون الواو التي لأحد الأمرين أي الواقع هذا أو غير ذلك وقيل التقدير أو هو غير ذلك وروي بنصب غير أي أو يكون غير ذلك أو التقدير أو غير ما قلت وقيل يجوز أن يكون أو بمعنى بل كقوله تعالى مائة ألف أو يزيدون الصافات أي بل غير ذلك محتمل أو يحتمل غير ذلك وكأنه عليه الصلاة والسلام لم يرتض قولها لما فيه من الحكم بالجزم بتعيين إيمان أبوي الصبي أو أحدهما إذ هو تبع لهما ومرجع معنى الإستفهام إلى هذا لأنه للإنكار للجزم وتقرير لعدم التعيين قلت وفيه دلالة على أن أولاد الكفار ليسوا من أهل الجنة بل إنهم من أهل النار كما يدل عليه


قوله يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا يدخلونها ويتنعمون بها خلقهم لها كرره لإناطة أمر زائد به وهو قوله وهم في أصلاب آبائهم والجملة حال اهتماما قيل ويحتمل أن يراد به خلق الذر في ظهر آدم واستخرجها ذرية من صلب كل واحد إلى انقراض العالم وقيل عين في الأزل من سيكون من أهل الجنة ومن سيكون من أهل النار فعبر عن الأزل بأصلاب الآباء تقريبا لأفهام العامة وخلق للنار أهلا فيه إيماء إلى أنه لا اعتراض فإنهم أهل لها أهلية لا يعلمها إلا خالقها خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وإنما يظهر منهم من الأعمال ما قدر لهم في الأزل قال القاضي في حديث عائشة رضي الله عنها إشارة إلى أن الثواب والعقاب لأجل الأعمال وإلا لكان ذراري المسلمين والكافرين لا من أهل الجنة ولا من أهل النار بل الموجب هو اللطف الرباني والخذلان الإلهي المقدر لهم وهم في الأصلاب فالواجب التوقف وعدم الجزم وقال النووي أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة وتوقف في ذلك بعض لهذا الحديث وأجابوا عنه بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة ا ه والأصح ما تقدم من أنه لم يرتض هذا القول منها لما فيه من الحكم بالغيب والجزم بإيمان أصل الولد لأنها أشارت إلى طفل معين فالحكم على شخص معين بأنه من أهل الجنة لا يجوز من غير ورود النص لأنه من علم الغيب وقد يقال التبعية في الدنيا من الإيمان والكفر وحكمها من أمور الآخرة ففيه إرشاد للأمة إلى التوقف في الأمور المبهمة والسكوت عما لا علم لهم به وحسن الأدب بين يدي علام الغيوب قال ابن حجر ولعل هذا كان قبل ما نزل عليه في ولدان المؤمنين والكفار إذ هم في الجنة إجماعا في الأول وعلى الأصح في الثاني رواه مسلم وعن علي رضي الله عنه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يكنى أبا


الحسن وأبا تراب القرشي وهو أول من أسلم من الذكور في أكثر الأقوال ومن الصبيان في جميعها وقد اختلف في سنة يومئذ فقيل كان له خمس عشرة سنة وقيل ثمان سنين وقيل عشر سنين شهد مع النبي المشاهد كلها غير تبوك فإنه خلفه في أهله وفيها قال له أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى كان آدم شديد الأدمة عظيم العينين أقرب إلى القصر من الطول ذا بطن كثير الشعر عريض اللحية أصلع أبيض الرأس واللحية استخلف يوم
قتل عثمان وهو يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي بالكوفة صبيحة الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربعين ومات بعد ثلاث ليال من ضربته وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن ودفن سحرا وله من العمر ثلاث وستون سنة وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأياما روى عنه بنوه الحسن والحسين ومحمد وخلائق من الصحابة والتابعين قال قال رسول الله ما منكم من أحد من مزيدة لإستغراق النفي إلا وقد كتب مقعده من النار الواو للحال والإستثناء مفرغ أي ما وجد أحد منكم في حال من الأحوال إلا في هذه الحالة أي إلا وقد قدر مقعده من النار ومقعده الواو بمعنى أو بدليل قوله في الحديث أفلا نتكل وقد ورد في بعض الروايات بلفظ أو كذا حرره السيد جمال الدين أي موضع قعوده من الجنة قال الطيبي كنى عن كونه من أهل الجنة أو النار باستقراره فيها وظاهر الكلام يقتضي أن يكون لكل أحد مقعد من النار ومقعد من الجنة وهذا وإن ورد في حديث آخر يعني في عذاب القبر رواه أنس لكن التفصيل الآتي يأبى حمله على ذلك فيجب أن يقال إن الواو بمعنى أو قال المظهر قد ورد هذا الحديث بلفظ الواو في بعض الروايات وليس في شرح السنة إلا بلفظ أو قالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا المقدر لنا في الأزل قيل الفاء في جواب الشرط أي إذا كان الأمر كما ذكرت يا رسول الله أفلا نعتمد على ما كتب لنا في


الأزل وندع العمل أي نتركه لأنه لا فائدة في إتعاب أنفسنا بالأعمال لأن قضاياه لا تتغير فلم يرخص عليه السلام في ذلك الإتكال وترك الأعمال حيث قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له بل أمرهم بالتزام ما يجب على العبد من امتثال أمر مولاه من العبودية عاجلا وتفويض الأمر إليه بحكم الربوبية آجلا وأعلمهم بأن ههنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر باطن وهو حكم الربوبية وظاهر وهو سمة العبودية فأمر بكليهما ليتعلق الخوف بالباطن المغيب والرجاء بالظاهر البادي ليستكمل العبد بذلك صفات الإيمان ونعوت الإيقان ومراتب الإحسان يعني عليكم بالتزام ما أمرتم واجتناب ما نهيتم من التكاليف الشرعية بمقتضى العبودية وإياكم والتصرف في الأمور الربوبية ولا تجعلوا الأعمال أسبابا للسعادة والشقاوة بل أمارات لهما وعلامات فكل موفق ومهيأ لما خلق له أي لأمر قدر ذلك الأمر له من الخير والشر والفاء في فكل للسببية والتنوين عوض عن المضاف إليه والحاصل أن الأمر المبهم الذي ورد عليه البيان من هذا الحديث عن النبي هو أنه بين أن القدر في حق العباد واقع


على تدبير الربوبية وذلك لا يبطل تكليفهم العمل بحق العبودية فكل من الخلق ميسر لما دبر له في الغيب فيسوقه العمل إلى ما كتب له في الأزل من سعادة أو شقاوة فمعنى العمل التعرض للثواب والعقاب ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب ثم فصل عليه الصلاة والسلام ما أجمله بقوله أما من كان أي في علم الله أو كتابه أو في آخر أمره وخاتمة عمله من أهل السعادة أي الإيمان في الدنيا والجنة في العقبى فسييسر أي يسهل ويوافق ويهيأ لعمل السعادة أي لعمل أهلها وأما من كان من أهل الشقاوة وهو ضد السعادة وفي المصابيح بلفظ الشقوة بكسر الشين وهو مصدر بمعنى الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة أي أهلها من الكفرة والفجرة ثم قرأ أي النبي استشهادا أو اعتضادا فأما من أعطى أي حق الله من المال أو الإمتثال واتقى أي خاف مخالفته أو عقوبته واجتنب معصيته وصدق بالحسنى أي بكلمة لا إله إلا الله وأخر في الذكر ترقيا أو إشارة إلى حسن الخاتمة الآية لا يخفى أن الحسنى رأس آية فالمراد ما بعدها من الآيات المتعلقة بها المناسبة لها وهي فسنيسره لليسرى قال البيضاوي أي فسنهيئه للخلة التي تؤدي إلى يسر وراحة كدخول الجنة وأما من بخل أي بما أمر به واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى وكذب بالحسنى أي بكلمة التوحيد فسنيسره للعسرى أي للخلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار وفي الكشاف سمى طريقة الخير باليسر لأن عاقبته اليسر وطريقة الشر بالعسرى لأن عاقبته العسر وفي المعالم فسنيسره أي نهيئه في الدنيا لليسرى للخلة اليسرى وهو العمل بما يرضاه وأما من بخل بالنفقة الخير واستغنى عن ثواب الله تعالى ولم يرغب فيه فسنيسره للعسرى أي سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه حتى يعمل بما لا يرضى الله ويستوجب به النار قال مقاتل يعسر عليه بأن يأتي خيرا ا ه ولا يخفى أن ما في البيضاوي غير ملائم لمعنى الحديث لإنعكاسه بالمعنى المقصود منه فالمدار على ما في المعالم والكشاف لكن


السين في الآية تحمل على مجرد التأكيد لا على الإستقبال والله أعلم بالحال متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الله كتب أي أثبت في اللوح المحفوظ على ابن آدم حظه أي نصيبه من الزنا بالقصر على الأفصح ومن
بيانية وما يتصل بها حال من حظه وجعلها تبعيضية كما ذكره ابن حجر غير ظاهر والمراد من الحظ مقدمات الزنا من التمني والتخطي والتكلم لأجله والنظر واللمس والتخلي وقيل أثبت فيه سببه وهو الشهوة والميل إلى النساء وخلق فيه العينين والأذنين والقلب والفرج وهي التي تجد لذة الزنا أو المعنى قدر في الأزل أن يجري عليه الزنا في الجملة أدرك أي أصاب ابن آدم ووجد ذلك أي ما كتبه الله وقدره وقضاه أو حظه لا محالة بفتح الميم وتضم أي لا بد له ولافراق ولا احتيال منه فهو واقع ألبتة فزنا العين بالإفراد لإرادة الجنس وفي نسخة بالتثنية النظر أي حظها النظر على قصد الشهوة فيما لا يحل له وقد ورد النظر سهم مسموم من سهام إبليس لأن النظر قد يجر إلى الزنا فتسمية مقدمة الزنا بالزنا مبالغة أو إطلاق للمسبب على السبب وزنا اللسان المنطق أي التكلم على وجه الحرمة كالمواعدة والنفس أي القلب كما في الرواية الآتية ولعل النفس إذا طلبت تبعها القلب تمني بحذف أحد التاءين وتشتهي لعله عدل عن سنن السابق لإفادة التجدد أي زنا النفس ثمنيها واشتهاؤها وقوع الزنا الحقيقي والتمني أعم من الإشتهاء لأنه قد يكون في الممتنعات دونه وفيه دلالة على أن التمني إذا استقر في الباطن وأصر صاحبه عليه ولم يدفعه يسمى زنا فيكون معصية ويترتب عليه عقوبة ولو لم يعمل فتأمل والفرج يصدق ذلك أو يكذبه قال الطيبي سمى هذه الأشياء باسم الزنا لأنها مقدمات له مؤذنة بوقوعه ونسب التصديق والتكذيب إلى الفرج لأنه منشؤه ومكانه أي يصدقه بالإتيان بما هو المراد منه ويكذبه بالكف عنه وقيل معناه إن فعل بالفرج ما هو المقصود من ذلك فقد صار الفرج مصدقا لتلك الأعضاء


وإن ترك ما هو المقصود من ذلك فقد صار الفرج مكذبا قال ابن حجر فإن حقق زناه فيوقع صاحبه في تلك الكبيرة وإن كذبه بأن لا يزني فيستمر زنا تلك الأعضاء على كونها صغيرة أقول الأظهر أن يقال والفرج أي عمله يصدق ذلك التمني ويكذبه وهو أقرب لفظا وأنسب معنى وقيل معنى كتب أنه أثبت عليه ذلك بأن خلق له الحواس التي يجدبها لذة ذلك الشيء وأعطاه القوى التي بها يقدر على ذلك الفعل فبالعينين وبما ركب فيهما من القوة الباصرة تجد لذة النظر وعلى هذا وليس المعنى أنه ألجأه إليه وأجبره عليه بل ركز في جبلته حب الشهوات ثم أنه تعالى برحمته وفضله يعصم من يشاء كذا قاله بعض الشراح وقيل هذا ليس على عمومه فإن الخواص معصومون عن الزنا ومقدماته ويحتمل أن يبقى على عمومه بأن يقال كتب الله على كل فرد من بني آدم صدور نفس الزنا فمن عصمه الله عنه بفضله صدر عنه من مقدماته الظاهرة ومن عصمه بمزيد فضله ورحمته عن صدور مقدماته وهم خواص عباده صدر عنه لا محالة بمقتضى الجبلة مقدماته الباطنة وهي تمني النفس واشتهاؤها ا ه قلت المراد


بالمقدمات الباطنة الخواطر الذميمة التي هي غير اختيارية ويؤيده قوله تعالى ولقد همت به وهم بها يوسف متفق عليه ورواه أبو داود وفي رواية أخرى لمسلم قال كتب مجهول وقيل معلوم على ابن آدم أي هذا الجنس أو كل فرد من أفراده واستثنى الأنبياء نصيبه أي حظه أو مقدار ما قدر له من الزنا مدرك بالتنوين ويجوز الإضافة ذلك يعني هو أي ابن آدم واصله حظه ونصيبه أو نصيبه المقدر يدركه ويصيبه لا محالة أي لا حائل بينه وبينه أو لا حيلة له في دفعه فلا بد منه إذ لا حذر من القدر ولا قضاء مع القضاء العينان زناهما النظر فإنه حظهما ولذتهما والأذنان بضم الذال وتسكن زناهما الإستماع أي إلى كلام الزانية أو الواسطة فهو حظهما ولذتهما به قال ابن حجر أي إلى صوت المرأة الأجنبية مطلقا بناء على أنه عورة أو بشرط الفتنة بناء على الأصح أنه ليس بعورة واللسان زناه الكلام أي مع الأجنبية بالمواعدة على الزنا أو مع من يتوسل به إليها على وجه الحرام ويدخل فيه إنشاء الشعر وإنشاده فيها واليد زناها البطش أي الأخذ واللمس ويدخل فيه الكتابة إليها ورمي الحصا عليها ونحوهما والرجل زناها الخطا جمع خطوة وهي ما بين القدمين يعني زناهما نقل الخطا أي المشي أو الركوب إلى ما فيه الزنا والقلب يهوى بفتح الواو أي يحب ويشتهي ويتمنى ويصدق ذلك أي ما ذكر من المقدمات أي ما تتمناه النفس وتدعو إليه الحواس وهو الجماع الفرج أي يوافقه ويطابقه بالفعل ويكذبه أي بالترك والكف عنه فإن تركه خوفا من الله فيثاب عليه وإن تركه اضطرارا لا يعاقب عليه فقط وعن عمران بن حصين مصغرا رضي الله عنهما يكنى أبا نجيد بضم النون وفتح الجيم وسكون الياء بعدها دال مهملة الخزاعي الكعبي أسلم عام خيبر سكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم أسلم هو وأبوه روى عنه أبو رجاء ومطرف وزرارة بن أبي أوفى أن رجلين من مزينة بالتصغير اسم قبيلة قالا يا رسول الله


أرأيت أي أخبرني من إطلاق اسم السبب على المسبب لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها والهمزة فيه مقررة أي قد رأيت ذلك فأخبرني به ما يعمل الناس من الخير والشر اليوم أي في الدنيا ويكدحون فيه أي يسعون في تحصيله بجهد وكد أشيء خبر
مبتدأ محذوف أي أهو شيء قضي عليهم بصيغة المجهول أي قدر فعله عليهم ومضى فيهم بصيغة الفاعل أي نفذ في حقهم من قدر سبق أي في الأزل ومن إما بيانية لشيء ويكون القضاء والقدر شيئا واحدا كما قاله بعضهم أو على الإطلاق اللغوي وإما تعليلية متعلقة بقضي أي قضي عليهم لأجل قدر سبق وإما ابتدائية أي القضاء نشأ وابتدأ من خلق مقدر فيكون القدر سابقا على القضاء قال في النهاية المراد بالقدر التقدير وبالقضاء الخلق لقوله تعالى فقضاهن سبع سموات فصلت فالقضاء والقدر متلازمان لأن أحدهما وهو القدر بمنزلة الأساس والآخر وهو القضاء بمنزلة البناء وقال الراغب القضاء من الله تعالى أخص من القدر لأنه الفصل من التقدير والقدر هو التقدير والقضاء هو الفصل والقطع وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل والقضاء بمنزلة الكيل ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما لما أراد الفرار من الطاعون بالشام أتفر من القضاء قال أفر من قضاء الله إلى قدر الله تنبيها على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله فأما إذا قضي فلا يندفع ويشهد لذلك قوله تعالى وكان أمرا مقضيا مريم وقوله حتما مقضيا مريم تنبيها على أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه وهذا مخالف لما نقلناه عن القاضي في حديث جبريل عليه السلام قال بعض العارفين القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب ووضع التلميذ الصبغ عليها متبعا لرسم الأستاذ هو الكسب والإختيار والتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر أو فيما يستقبلون به قال السيد جمال الدين كذا وقع


بصيغة المجهول في أصل سماعنا من صحيح مسلم وهو الأرجح معنى أيضا لكن وقع في أكثر نسخ المشكاة بصيغة المعروف وقال الطيبي كذا يعني أو في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وجامع الأصول ووقع في نسخ المصابيح أم فيما يستقبلون قيل على كلتا الروايتين ليس السؤال عن تعيين أحد الأمرين لأن جوابه عليه الصلاة والسلام وهو قوله لا غير مطابق له فنقول أم منقطعة وأو بمعنى بل فإن السائل لما رأى أن الرسل يأمرون أممهم وينهون اعتقد أن الأمر أنف كما زعمت المعتزلة فاضرب عن السؤال الأول والهمزة للتقرير والإثبات فلذلك نفى رسول الله ما أثبته وقرره وأكده ببل ولو كان السؤال عن التعيين لقال السائل أشيء قضي عليهم أم شيء يستقبلونه وقيل كان حق العبارة أشيء قضي علينا أم شيء نستقبله بالتكلم فغير العبارة وعدل عن التكلم إلى الغيبة وعمم الأمم كلها وأنبياءهم فدل ذلك على صحة ما قيل من الإضراب وقيل وهو الأظهر أن المعنى أم شيء لم يقض عليهم في الأزل بل هو كائن فيما يستقبلون من الزمان فبه


يتوجهون إلى العمل ويقصدون من غير سبق تقدير قبل ذلك مما أتاهم أي جاءهم به نبيهم الباء للتعدية ولفظ من في مما أتاهم بيان لما في قوله ما يعمل الناس أو بيان لما في قوله ما يستقبلون والأول أولى كما قال السيد جمال الدين وثبتت الحجة عليهم قال تعالى قل فلله الحجة البالغة الأنعام فقال لا أي لا تردد بل شيء قضي أي قدر عليهم ومضى أي سبق فيهم وتصديق ذلك إشارة إلى ما ذكر أنه قضي عليهم في كتاب الله عز وجل ونفس بالجر على الحكاية وما سواها فألهمها فجورها وتقواها وجه الإستدلال من النبي بالآية أن ألهمها بلفظ الماضي يدل على أن ما يعملونه من الخير والشر قد جرى في الأزل والواو في ونفس للقسم أو للعطف على المقسم به والمراد نفس آدم لأنه الأصل فالتنوين للتقليل وقيل المراد جميع النفوس كقوله تعالى علمت نفس ما أحضرت التكوير فالتنوين للتنكير وما في ما سواها بمعنى من أي ومن خلقها يعني به ذاته تعالى أي خلقها على أحسن صورة وزينها بالعقل والتمييز وفي الحديث اللهم آت نفسي تقواها وزكها فأنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله إني رجل شاب أي قوي الشهوة وأنا أخاف قال الشيخ وفي البخاري وإني أخاف على نفسي بفتح الفاء وتسكن العنت بفتحتين أي الزنا أو مقدماته وأصل العنت المشقة سمي به الزنا لأنه سبب العذاب في الدنيا والعقبى ولا أجد أي من المال ما أتزوج به النساء أراد به الجنس أي مقدار ما أتزوج به أمرأة وأنفق عليها فإذا عجز عن تزوج المرأة فالعجز عن شراء الجارية أولى كأنه يستأذنه في الإختصاء بالمد أي قطع الانثيين أو سلهما و يحتمل قطع الذكر أيضا فيكون الإختصاء تغليبا هذا كلام الراوي عن أبي هريرة قال الأبهري وليس هذا في البخاري قال أي أبو هريرة فسكت أي النبي عني أي عن جوابي ثم قلت مثل ذلك أي


القول فسكت عني ثانيا ثم قلت مثل ذلك لعله يجيبني فسكت عني ثالثا ثم قلت مثل ذلك أي إلحاحا ومبالغة فقال النبي وفي نسخة رسول الله يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق أي ملاق بما تفعله وتقوله ويجري عليك قال التوربشتي جف القلم كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها لأن الفروغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده فأطلق اللازم على الملزوم وهذه العبارة من مقتضيات الفصاحة النبوية فاختص قال التوربشتي الرواية الصحيحة فاختص بتخفيف الصاد من الإختصاء وقد صحفه بعض أهل النقل فرواه على ما هو في المصابيح يعني فاختصر بزيادة الراء قال ولا يشتبه ذلك إلا على عوام أصحاب النقل وفي شرح الطيبي قال المؤلف الحديث في البخاري وكتاب الحميدي وشرح السنة وبعض نسخ المصابيح كما ذكره التوربشتي على ذلك في موضع الحال يعني إذا علمت أن كل شيء مقدر فاختص حال كون فعلك وتركك واقعا على ما جف القلم أو ذر أي اترك الإختصاء وأذعن وسلم للقضاء وأو للتخيير قال المظهر أي ما كان وما يكون مقدر في الأزل فلا فائدة في الإختصاء فإن شئت فاختص وإن شئت فاترك وليس هذا إذنا في الإختصاء بل توبيخ ولوم على الإستئذان في قطع عضو بلا فائدة وقيل أو للتسوية على ما ذكر في أكثر نسخ المصابيح من قوله فاختصر أو ذر بمعنى أن الإختصار على التقدير والتسليم له وتركه والإعراض عنه سواء فإن ما قدر لك من خير أو شر فهو لا محالة لاقيك وما لا فلا وذكر أن عبد الله بن الطاهر دعا الحسين بن الفضل فقال أشكل علي قوله تعالى كل يوم هو في شأن الرحمن وقول النبي جف القلم بما أنت لاق فأجاب بأنها شؤون يبديها لا شؤون يبتدىء بها فقام عبد الله وقبل رأسه رواه البخاري وعن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله إن قلوب بني آدم أي هذا الجنس وخص لخصوصية قابلية التقليب به وأكد بقوله كلها ليشمل الأنبياء والأولياء والفجرة والكفرة من الأشقياء قال التوربشتي


ليس هذا الحديث مما يتنزه السلف عن تأويله كأحاديث السمع والبصر واليد وما يقاربها في الصحة والوضوح فإن ذلك يحمل على ظاهره من غير أن يشبه بمسميات الجنس أو يحمل على معنى الإتساع والمجاز بل يعتقد أنها صفات الله لا كيفية لها وإنما تنزهوا عن تأويل القسم الأول لأنه لا يلتئم معه ولا يحمل ذلك على وجه يرتضيه العقل إلا ويمنع منه الكتاب والسنة من وجه آخر وأما مثل
هذا الحديث فليس في الحقيقة من أقسام الصفات ولكن ألفاظ مشاكلة لها في وضع الاسم قوجب تخريجه على وجه يناسب نسق الكلام قيل المتشابه قسمان الأول لا يقبل التأويل ولا يعلم تأويله إلا الله كالنفس في قوله ولا أعلم ما في نفسك المائدة والمجيء في جاء ربك الفجر وفواتح السور والثاني يقبله ذكر شيخ الشيوخ السهروردي قدس الله سره أخبر الله ورسوله بالإستواء والنزول واليد والقدم والتعجب وكل ما ورد من هذا القبيل دلائل التوحيد فلا يتصرف فيه بتشبيه وتعطيل قيل هذا هو المذهب المعول وعليه السلف الصالح ومن ذهب إلى القول الأول شرط في التأويل أن كل ما يؤدي إلى تعظيم الله فهو جائز وإلا فلا قال ابن حجر أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته وأكثر الخلف يؤولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس لإضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم ومن ثم قال إمام الحرمين لو بقي الناس على ما كانوا عليه لم نؤمر بالإشتغال بعلم الكلام وأما الآن فقد كثرت البدع فلا سبيل إلى ترك أمواج الفتن تلتطم وأصل هذا اختلافهم في الوقف في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم آل عمران فالأكثرون على الوقف على الجلالة والأقلون على الوقف على العلم ومن أجلهم ابن عباس فكان يقف عليه ويقول حملا للناس على سؤاله والأخذ عنه أنا من الراسخين في العلم على أنه يمكن رفع


الخلاف بأن المتشابه على قسمين ما لا يقبل تأويلا قريبا فهذا محمل الوقف الأول وما يقبله فهذا محمل الثاني ومن ثم اختار بعض المحققين قبول التأويل إن قرب من اللفظ واحتمله وضعا ورده إن بعد عنه والحاصل أن السلف والخلف مؤولون لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم إلى الله تعالى وتأويل الخلف تفصيلي لإضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين بين أصبعين بكسر الهمزة وفتح الباء هو المشهور وإلا ففيه تسع لغات قال في القاموس الأصبع مثلث الهمزة والباء من أصابع الرحمن إطلاق الأصبع عليه تعالى مجاز أي تقليب القلوب في قدرته يسير يعني أنه تعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع منها شيء ولا يفوته ما أراده كما يقال فلان في قبضتي أي كفي لا يراد أنه في كفه بل المراد أنه تحت قدرتي وفلان بين أصبعي أقلبه كيف شئت أي أنه هين علي قهره والتصرف فيه كيف شئت وقيل المراد بأصبعين صفتا الله وهما صفة الجلال والإكرام فبصفة الجلال يلهمها فجورها وبصفة الإكرام يلهمها تقواها أي يقلبها تارة من فجورها إلى تقواها وتارة من تقواها إلى فجورها وقيل معناه بين أثرين من آثار رحمته وقهره أي قادر أن يقلبها من حال إلى حال من الإيمان والكفر والطاعة والعصيان قال القاضي نسب تقليب القلوب إليه تعالى


إشعارا بأنه تعالى تولى بذاته أمر قلوبهم ولم يكله إلى أحد من ملائكته وخص الرحمن بالذكر إيذانا بأن ذلك التولي محض رحمته كيلا يطلع أحد غيره على سرائرهم ولا يكتب عليهم ما في ضمائرهم وقوله كقلب واحد بالوصف يعني كما أن أحدكم يقدر على شيء واحد الله تعالى يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة لا يشغله شأن عن شأن ونظيره قوله تعالى ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة لقمان قيل ليس المراد أن التصرف في القلب الواحد أسهل بالقياس إليه إذ لا صعوبة بالقياس إليه تعالى بل ذلك راجع إلى العباد وإلى ما عرفوه فيما بينهم يصرفه بالتشديد أي يقلب القلب الواحد أو جنس القلب وفي بعض نسخ المصابيح بتأنيث الضمير أي القلوب كذا ذكره العيني وهو تحقيق لوجه الشبه كيف يشاء حال على تأويل هينا سهلا لا يمنعه مانع أو مصدر أي تقليبا سريعا سهلا وفي كتاب الحميدي وفي مسلم حيث يشاء قاله العيني ثم قال رسول الله اللهم أصله يا ألله فحذف حرف النداء وعوض عنه الميم ولذا لا يجتمعان وقيل أصله يا ألله أمنا بخير أي اقصدنا فحذف ما حذف اختصارا مصرف القلوب بالإضافة صفة اللهم عند المبرد والأخفش لأن يا لا يمنع من الوصف فكذا بدلها ومنادى برأسه عند سيبويه وقد حذف منه النداء لأن ضم الميم للجلالة منع وصفها صرف قلوبنا على طاعتك أي إليها أو ضمن معنى التثبيت ويؤيده ما ورد اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قيل وفيه إرشاد للأمة والظاهر أن كل أحد من العباد كما أنه مفتقر إليه تعالى في الإيجاد لا يستغني عنه ساعة من الإمداد رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ما من مولود أي من الثقلين إلا يولد على الفطرة قيل مولود مبتدأ خبره يولد أي ما من مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على هذا الأمر والفطرة تدل على نوع من الابتداء والاختراع الذي هو معنى الفطرة كالجلسة واللام فيها إشارة إلى معهود وهو قوله فطرة الله الروم وهي الإيمان إذ المراد ب


أقم وجهك للدين حنيفا الروم اثبت على إيمانك القديم الواقع منك في عالم الذر يوم ألست بربكم الأعراف ويؤيد ذلك رواية الترمذي وغيره الملة بدل الفطرة لأن ما صدقهما واحد قال تعالى دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا الأنعام
كذا ذكره ابن حجر والظاهر أن الملة أخص من الدين ولذا قيل باتحاد دين الأنبياء وهو الإسلام والتوحيد واختلاف مللهم لإختلاف شرائعهم وفي معنى هذا الحديث خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم والمعنى ما أحد يولد إلا على هذا الأمر الذي هو تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة والتهيؤ لقبول الدين فلو ترك على تمكنه وتهيؤه المذكورين لاستمر على الهدى والدين ولم يفارقه إلى غيره لأن حسنه ركز في النفوس فلم يقع لها عدول عنه إلا لآفة بشرية أو تقليد للغير ولذا قال تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى البقرة فجعل الهدى رأس المال الحاصل عندهم ثم عرضوه للزوال ببذله في أخذهم الضلالة البعيدة عنهم فأبواه يهودانه بتشديد الواو أي يعلمانه اليهودية ويجعلانه يهوديا أو ينصرانه أو يمجسانه والفاء إما للتعقيب وهو ظاهر وأما للتسبب أي إذا كان كذا فمن تغير كان بسبب أبويه غالبا كما تنتج البهيمة صفة لمصدر محذوف وما مصدرية أي يولد على الفطرة ولادة مثل نتاج البهيمة أو يغيرانه تغييرا كتغييرهم البهيمة وقيل حال أي مشبها شبه ولادته على الفطرة بولادة البهيمة السليمة غير أن السلامة حسية ومعنوية وعلى التقديرين الأفعال الثلاثة أي يهودانه وما عطف عليه تنازعت في كما تنتج المفيد لتشبيه ذلك المعقول بهذا المحسوس المعاين ليتضح به أن ظهوره بلغ في الكشف والبيان مبلغ هذا المحسوس المشاهد في العيان وهو يروى على البناء للفاعل وهو الأصح وعلى بناء المفعول يقال نتج الناقة ينتجها إذا تولى نتاجها حتى وضعت فهو ناتج وهو للبهائم كالقابلة للنساء والأصل نتجها أهلها ولدا ولذا يتعدى إلى مفعولين فإذا بني للمفعول الأول


قيل نتجت ولدا إذا وضعت وإذا بني للثاني قيل نتج الولد إذا وضعته بهيمة وقيل مصغرة ونصبها على أنه مفعول ثان لتنتج والأول أقيم مقام فاعله وقيل إنه منصوب على الحال بتقدير كون تنتج مجهولا أي ولدت في حال كونها بهيمة أو على أنه مفعول إذا كان معروفا من نتج إذا ولد وأغرب ابن حجر حيث قال كما تنتج بالبناء للمفعول لا غير جمعاء أي سليمة الأعضاء كاملتها سميت بذلك لإجتماع سلامة اعضائها من نحو جدع وكي هل تحسون فيها أي في البهيمة الجمعاء والمراد بها الجنس وتحسون بضم التاء وكسر الحاء وقيل بفتح التاء وضم الحاء أي هل تدركون والجملة في موضع الحال أي بهيمة سليمة مقولا في حقها هذا القول وفيه نوع من التأكيد يعني كل من نظر إليها قال هذا القول لظهور سلامتها وقيل هو صفة أخرى بتقدير مقولا في حقها من جدعاء بالمهملة أي مقطوعة الاذن وفي المصابيح حتى تكونوا أنتم تجدعونها قيل تخصيص الجدع إيماء إلى أن تصميمهم على الكفر إنما كان لصمهم عن الحق ثم يقول ظاهره أنه من بقية الحديث المرفوع وليس كذلك بل هو من كلام أبي هريرة أدرجه في الحديث بينه مسلم من طريق


الترمذي عن الزهري ولفظه ثم يقول أبو هريرة اقرؤا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها الآية الروم كذا قاله الشيخ ابن حجر في شرح صحيح البخاري أقول وكذا وقع التصريح بذلك في رواية البخاري من طريق يونس عن الزهري عن أبي سلمة الرازي عن أبي هريرة ولفظه ثم يقول أبو هريرة فطرة الله التي فطر الناس عليها أخرجه في كتاب الجنائز كذا حققه ميرك شاه قال الطيبي الظاهر ثم قرأ فعدل إلى القول وأتى بالمضارع لحكاية الحال استحضارا كأنه يسمع منه عليه الصلاة والسلام الآن ا ه وفيه أن العلة المذكورة لا تصلح أن تكون للعدول إلى القول فالأظهر ما قاله ابن حجر إن ظاهر السياق ثم قرأ فعدل عنه لفظا إشارة فيما يظهر والله أعلم أن اللفظ القرآني في مقام الإستدلال لا تجري عليه أحكام القرآن لأن ذكره للإستدلال به صارف له عن القرآنية ا ه ويؤيده ترك الإستعاذة في ابتدائه ثم قوله فطرة الله أي الزموها وهي ما ذكر من الإستعداد للمعرفة التي فطر الناس عليها أي خلقهم ابتداء وجبلهم عليها لا تبديل لخلق الله أي فيكم من قبول الإسلام وهو مؤول بأنه من شأنه أو الغالب فيه أنه لا يبدل أو يقال الخبر بمعنى النهي ولا يجوز أن يكون إخبارا محضا لحصول التبديل قال حماد بن سلمة في معنى الحديث هذا عندنا حيث أخذ الله العهد في أصلاب آبائهم فقالوا بلى قال الخطابي هذا معنى حسن وكأنه ذهب إلى أنه لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة ألا ترى أنه يقول فأبواه يهودانه في حكم الدنيا فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين قيل وتلخيصه أن العالم إما عالم الغيب وإما عالم الشهادة فإذا نزل الحديث على عالم الغيب أشكل معناه وإذا صرف إلى عالم الشهادة الذي عليه مبنى ظاهر الشرع سهل تعاطيه وتحريره أن الناظر إذا نظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم الغيب وإنه ولد على الخلقة التي خلق الله الناس


عليها من الإستعداد للمعرفة وقبول الحق والتأبي عن الباطل والتمييز بين الخطأ والصواب حكم بأنه لو ترك على ما هو عليه ولم يعتوره من الخارج ما يصده عن النظر الصحيح من التقليد والألف بالمحسوسات والإنهماك في الشهوات استمر على ما كان عليه من الفطرة السليمة ولم يختر عليه شيئا وينظر فيما نصب من الدلائل على التوحيد وصدق الرسول وغير ذلك نظرا صحيحا يوصله إلى الحق ويهديه إلى الرشد وعرف الصواب واتبع الحق ودخل في الملة الحنيفية ولم يلتفت إلى ما سواها لكن يصده عن ذلك أمثال هذه العوائق ونظير ذلك أم الغلام الذي قتله الخضر فإن موسى عليه الصلاة والسلام نظر إلى عالم الشهادة وظاهر الشرع فانكر والخضر عليه الصلاة والسلام نظر إلى عالم الغيب وأنه طبع كافرا فقتله ولذلك لما اعتذر الخضر بالعلم الخفي الغائب أمسك موسى عليه الصلاة والسلام عن الإعتراض كذا قالوه ولعل معنى أنه طبع كافرا أي خلق وقدر وجبل أنه لو عاش يصير كافرا لئلا يناقضه هذا الحديث ذلك أي التوحيد الذي هو معنى الفطرة هو الدين القيم أي


المستقيم الذي لا عوج له ولا ميل إلى تشبيه وتعطيل ولا قدر ولا جبر متفق عليه وعن أبي موسى أي الأشعري رضي الله عنه كما في نسخة قال قام فينا رسول الله وكان إذا وعظ قام بخمس كلمات والكلمة الجملة المفيدة أي متفوها بخمس فصول وقيل قام فينا كناية عن التذكير أي خطبنا وذكرنا بخمس كلمات وقال الطيبي قوله فينا و بخمس إما حالان مترادفان أو متداخلان أي قام خطيبا مذكرا لنا وإما أن يتعلق فينا بقام على تضمين قام معنى خطب ويكون بخمس حالا وقام على الوجهين بمعنى القيام وهناك وجه ثالث وهو أن يتعلق بخمس بقام ويكون فينا بيانا كأنه لما قيل قام بخمس قيل في حق من فقيل في حقنا وعلى هذا قام بمعنى قام بالأمر أي تشمر له أي قام بحفظ تلك الكلمات فينا قال ابن حجر ويؤيد الحقيقة حديث كان عليه الصلاة والسلام ينصرف إلينا بعد العشاء فيحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين قدميه من طول القيام وفيه أن كون القيام حقيقة في بعض المقام لا يستلزم استمراره في المرام فقال إن الله لا ينام قال تعالى لا تأخذه سنة ولا نوم البقرة والسنة النعاس وهو نوم خفيف أو مقدمة النوم ولا ينبغي له أن ينام نفي للجواز تأكيدا لنفي الوقوع على سبيل التتميم أي لا يكون ولا يصح ولا يستقيم ولا يمكن له النوم لأن النوم أخو الموت ولأن النوم لاستراحة القوى والله تعالى منزه عن ذلك وهذه الثانية من الخمس وأغرب ابن حجر بقوله اعتراض فتأمل والثالثة هي قوله يخفض القسط ويرفعه قال التوربشتي فسر بعضهم القسط بالرزق أي يقتره ويوسعه وعبر به عن الرزق لأنه قسط كل مخلوق أي نصيبه وفسره بعضهم بالميزان ويسمى الميزان قسطا لما يقع به من المعدلة بالقسط أي في القسمة وغيرها وهذا المعنى أولى لما في حديث أبي هريرة يرفع الميزان ويخفضه والمراد من الميزان ما يوزن من أرزاق العباد النازلة من عنده وأعمالهم المرتفعة إليه يعني فيخفضه تارة بتقتير الرزق والخذلان بالمعصية ويرفعه أخرى بتوسيع


الرزق والتوفيق للطاعة وفي الخفض والرفع هنا وفيما بعده تضاد ومطابقة وهما مستعاران من المعاني من الأعيان ويحتمل أنه أراد الإشارة إلى أنه تعالى كل يوم هو في شأن الرحمن وأنه يحكم في خلقه بميزان العدل وبين المعنى بما شوهد من وزن الميزان الذي يزن فيخفض يده ويرفعها قيل وهذا
التأويل يناسب قوله ولا ينبغي له أن ينام أي كيف يجوز عليه ذلك وهو الذي يتصرف أبدا في ملكه بميزان العدل والرابعة يرفع إليه قال القاضي أي إلى خزائنه كما يقال حمل المال إلى الملك عمل الليل أي المعمول فيه قبل عمل النهار أي قبل أن يؤتي بعمل النهار فيضبط إلى يوم الجزاء أو يعرض عليه وإن كان هو أعلم به ليأمر ملائكته بإمضاء ما قضى لفاعله جزاء على فعله وقيل معناه يقبل الله أعمال المؤمنين فيكون عبارة عن سرعة الإجابة وعمل النهار عطف على عمل الليل قبل عمل الليل إشارة إلى السرعة في الرفع والعروج إلى ما فوق السموات فإنه لا فاصل بين الليل والنهار وقيل قبل رفع عمل الليل والأول أبلغ قال ابن حجر وهو بيان لمسارعة الملائكة الموكلين برفع أعمال النهار بعد العصر والليل بعد الصبح وإنهم يقطعون في هذا الزمن القليل تلك المسافة الطويلة التي تزيد على سبعة آلاف سنة على ما روي أن مسيرة ما بين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة سنة وما بين كل سماءين كذلك وسمك كل سماء كذلك وتقدير رفع في الأول ورفع أو فعل في الثاني هو الذي دل عليه الحديث الآخر أن أعمال النهار ترفع بعد صلاة العصر وأعمال الليل ترفع بعد صلاة الصبح فلا يقع رفع عمل الليل إلا بعد فعل من عمل النهار وأما رفع عمل النهار فيقع قبل فعل أو رفع شيء من عمل الليل لأن بين ابتداء رفعها وعمل الليل فاصلا يسع ذلك بالنسبة إلى القدرة الباهرة فالحاصل أن قوله قبل عمل النهار يتعين فيه تقدير رفع ولا يصح تقدير فعل فيه وقوله قبل عمل الليل يصح فيه كل منهما وتقدير الفعل أبلغ لأن الزمن أقصر فتأمل ذلك لتعلم فساد ما


أطلقه بعض الشارحين ا ه كلامه والخامسة حجابه النور أي المعنوي لو كشفه استئناف جوابا عمن قال لم لا نشاهده أي لو أزال الحجاب ورفعه لأحرقت سبحات وجهه بضم أوليه جمع سبحة بالضم أي أنوار وجهه والوجه الذات وقد قال بعض أهل التحقيق هي الأنوار التي إذا رآها الراؤن من الملائكة سبحوا وهللوا لما يروعهم من جلال الله وعظمته لأن كلمة سبحان الله كلمة تعجب وتعجيب على ما قاله ابن الأثير وقال الكشاف فيها معنى التعجب والأصل في ذلك أن يسبح الله في رؤية العجب من صنائعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه وقيل حجابه النور أي حجابه خلاف الحجب المعهودة فهو محتجب عن خلقه بأنوار عزه وجلاله ولو كشف ذلك الحجاب وتجلى لما وراءه من حقائق الصفات وعظمة الذات لم يبق مخلوق إلا احترق وأصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي والمرئي وهو ههنا يرجع إلى منع الأبصار من الإصابة بالرؤية فهو كناية عن منع رؤيته تعالى في الدنيا أو عن الإحاطة بذاته في الدنيا والعقبى وجملة لو كشفه الخ استئنافية مبينة للكلام السابق كأنه قيل لم خص حجابه بالنور أو لم يكشف ذلك الحجاب فأجيب بأنه لو كان من غيره أو لو كشفه لأحترق العالم وإنما أورد الجمل السابقة فعلية


مضارعية لإفادة التجدد مع الإستمرار وأما هذه الجملة الأسمية فتدل على الثبات والدوام في هذا العالم وإذا صفت المؤمنون عن الكدورات البشرية في دار الثواب فيرونه بلا حجاب كما أن النبي عليه الصلاة والسلام رآه في الدنيا لإنقلابه نورا كما قال في الدعاء اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي بشري نورا إلى قوله واجعلني نورا ما انتهى أي وصل إليه الضمير لما بصره تعالى وقيل الضمير في بصره راجع إلى ما وهو موصول مفعول به لأحرقت وضمير إليه راجع إلى وجهه تعالى و ومن خلقه بيان لما أو متعلق باحرقت والمراد من خلقه جميع الموجودات رواه مسلم قيل معناه مسبوك من معنى آية الكرسي فهو سيد الأحاديث كما أنها سيدة الأيات وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يد الله كناية عن محل عطائه أي خزائنه ملأى على زنة فعلى تأنيث ملآن كناية عن كثرة تلك النعمة وعمومها لا تغيضها بالتأنيث وقيل بالياء أي لا تنقصها نفقة أي أنفاق سحاء بالمهملتين والمد من سح الماء إذا سال من فوق ومن سححت الماء أي صببته صفة لنفقة أو ليد وهو الأصح وقوله الليل والنهار منصوبان على الظرف أي دائمة الصب في الليل والنهار وثبت في صحيح مسلم سحا بلفظ المصدر وفي رواية لمسلم سح الليل والنهار بفتح الحاء والإضافة قاله الأبهري وفيه إشارة إلى أنها المعطية عن ظهر غنى لأن الماء إذا أنصب من فوق أنصب بسهولة وإلى جزالة عطاياه لأن السح يستعمل فيما بلغ وارتفع عن القطر حد السيلان وإلى أنه لا مانع لاعطائه لأن الماء إذا أخذ في الإنصباب لم يستطع أحد أن يرده أرأيتم أخبروني وقيل أعلمتم وأبصرتم ما أنفق ما مصدرية أي انفاق الله وقيل ما موصولة متضمنة معنى الشرط مذ خلق السماء والأرض أي من أول زمان خلق أهلهما فإنه أي الإنفاق لم يغض بفتح الياء وكسر الغين لم ينقص ما في يده موصولة مفعول أي في خزائنه وقال الطيبي يد الله ملأى أي نعمته غزيرة كقوله تعالى بل يداه مبسوطتان


المائدة فإن بسط اليد مجاز عن الجود ولا قصد إلى إثبات يد ولا بسط كذا
في الكشاف وقال المظهر يد الله أي خزائن الله قيل إطلاق اليد على الخزائن لتصرفها فيها والمعنى بالخزائن قوله كن فيكون الأنعام لأنه له القدرة على إيجاد المعدوم ولذلك لا ينقص أبدا وقوله ملأى ولا تغيضها وسحاء وأرأيتم على تأويل القول أي مقول فيها أخبار مترادفة ليد الله ويجوز أن تكون الثلاثة الأخيرة وصفا لملأى وأن يكون أرأيتم استئنافا وقوله وكان عرشه على الماء حال من ضمير خلق وكذا قوله وبيده الميزان حال منه أو من خبر كان أو من اسمه على رأي سيبويه وسيأتي تحقيق معنى قوله وكان عرشه على الماء في باب بدء الخلق ومعنى قوله بيده الميزان بقدرته وتصرفه ميزان الأعمال والأرزاق يخفض ويرفع أي ينقص النصيب والرزق باعتبار ما كان يمنحه قبل ذلك ويزيد بالنظر إليه بمقتضى قدره الذي هو تفصيل لقضائه الأول أو يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد المرتفعة إليه يقللها لمن يشاء ويكثرها لمن يشاء كمن بيده الميزان يخفض تارة ويرفع أخرى وقيل المراد به العدل يعني ينقص العدل في الأرض تارة بغلبة الجور وأهله ويرفعه تارة بغلبة العدل وأهله متفق عليه وفي رواية لمسلم يمين الله ملأى قيل خص اليمين لأنها مظنة العطاء أو إشارة إلى يمن العطاء وبركته فمن تلقاه بالقبول والرضا بورك له في قليله حتى فاق على كثير ليس كذلك على ما هو مشاهد وورد في الحديث وكلتا يديه يمين أي مباركة قوية قادرة لا مزية لأحداهما على الأخرى ولعله أراد باليدين التصرفين من إعطاء الجزيل والقليل قال ابن نمير بالتصغير أي عبد الله في روايته ملآن أي رواه كذا قال النووي قالوا هذا غلط منه وصوابه ملأى بالتأنيث كما في سائر الروايات قال الطيبي إن أرادوا رده رواية ونقلا فلا نزاع وإن أرادوا رده لعدم المطابقة فإن اليد مؤنثة فأمره سهل لأن معنى يد الله إحسانه وإفضاله قلت وفيه أنه لا يلائمه قوله سحاء لا يغيضها شيء


الليل والنهار وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سئل رسول الله عن ذراري المشركين جمع ذرية وهي نسل الأنس والجن ويقع على الصغار والكبار إما من الذر بمعنى التفريق لأن الله تعالى فرقهم في الأرض أو من الذرء بمعنى الخلق فتركت الهمزة أو أبدلت والمراد عن حكم أولادهم إذا ماتوا قبل البلوغ أنهم من أهل النار أو الجنة واعلم أن الولد تابع لأشرف الأبوين دينا فيما يرجع إلى أمور الدنيا وهو معنى قوله
في بعض الروايات هم من آبائهم وأما فيما يرجع إلى أمور الآخرة من الثواب والعقاب فموقوف موكول إلى علم الله تعالى لأن السعادة والشقاوة ليستا معللتين عندنا بالأعمال بل الله تعالى خلق من شاء شقيا ومن شاء سعيدا وجعل الأعمال دليلا على السعادة والشقاوة قال الله أعلم بما كانوا عاملين أي الله أعلم بما هم صائرون إليه من دخول الجنة أو النار أو الترك بين المنزلتين وقد اختلفوا في ذلك فقيل إنهم من أهل النار تبعا للأبوين وقيل من أهل الجنة نظرا إلى أصل الفطرة وقيل إنهم خدام أهل الجنة وقيل إنهم يكونون بين الجنة والنار لا منعمين ولا معذبين وقيل من علم الله منه أنه يؤمن ويموت عليه إن عاش أدخل الجنة ومن علم منه أنه يعجز ويكفر أدخله النار وقيل بالتوقف في أمرهم وعدم القطع بشيء وهو الأولى لعدم التوقيف من جهة الرسول فلم يقطع عليه الصلاة والسلام بكونهم من أهل الجنة ولا من أهل النار بل أمرهم بالإعتقاد الذي عليه أكثر أهل السنة من التوقف في أمرهم كذا ذكره ابن الملك في شرح المصابيح وفيه أن الترك بين المنزلتين غير ثابت في الكتاب والسنة وأهل الأعراف مآلهم الجنة وقيل إنهم يمتحنون بدخول النار في تلك الدار والله أعلم وقال ابن حجر هذا قبل أن ينزل فيهم شيء فلا ينافي أن الأصح أنهم من أهل الجنة متفق عليه
الفصل الثاني


عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله إن أول ما خلق الله القلم بالرفع وهو ظاهر وروي بالنصب قال بعض المغاربة رفع القلم هو الرواية فإن صح النصب كان على لغة من ينصب خبر إن وقال المالكي يجوز نصبه بتقدير كان على مذهب الكسائي كقوله يا ليت أيام الصبار واجعا وقال المغربي لا يجوز أن يكون القلم مفعول خلق لأن المراد أن القلم أول مخلوق وإذا جعل مفعولا لخلق أوجب أن يقال اسم إن ضمير الشأن وأول ظرف فينبغي أن تسقط الفاء من قوله فقال إذ يرجع المعنى إلى أنه قال له اكتب حين خلقه فلا أخبار بكونه أول مخلوق ا ه وإنما أوجب ما ذكر لأنه بدونه يفسد أصل المعنى إذ يصير التقدير إن أول


شيء خلق الله القلم وهو غير صحيح وقيل لو صحت الرواية بالنصب لم تمنع الفاء ذلك إذ يقدر قبل فقال أمره وهو العامل في الظرف كذا حققه الطيبي وفيه أنه حينئذ لا يكون تنصيص على أولية خلق القلم الذي يدل عليه رواية الرفع الصحيحة وفي الأزهار أول ما خلق الله القلم يعني بعد العرش والماء والريح لقوله عليه الصلاة والسلام كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأراضين بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء رواه مسلم وعن ابن عباس سئل عن قوله تعالى وكان عرشه على الماء هود على أي شيء كان الماء قال على متن الريح رواه البيهقي ذكره الأبهري فالأولية إضافية والأول الحقيقي هو النور المحمدي على ما بينته في المورد للمولد فقال أي الله وفي نسخة صحيحة له أي للقلم اكتب أمر بالكتابة قال وفي نسخة بالفاء ما أكتب ما استفهامية مفعول مقدم على الفعل قال اكتب القدر أي المقدر المقضي وفي المصابيح قال القدر ما كان الخ قال شراحة أي اكتب القدر فنصبه بفعل مقدر وما كان بدل من المقدر أو عطف بيان فكتب ما كان المضي بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام قال الطيبي ليس حكاية عما أمر به القلم وإلا لقيل فكتب ما يكون وإنما هو أخبار باعتبار حالة عليه الصلاة والسلام أي قبل تكلم النبي بذلك لا قبل القلم لأن الغرض أنه أول مخلوق نعم إذا كانت الأولية نسبية صح أن يراد ما كان قبل القلم وما هو كائن ما موصولة إلى الأبد قال الأبهري ما كان يعني العرش والماء والريح وذات الله وصفاته ا ه ويمكن أن يحمل ما كان على القضاء وما هو كائن على القدر والله أعلم ظهر لي فيه إشكال والله أعلم بالحال وهو أن ما لا يتناهى في المآل كيف ينحصر وينضبط تحت القلم في الإستقبال سيما مع قوله عليه الصلاة والسلام جف القلم اللهم إلا أن يقال المراد به كتابة الأمور الإجمالية الكلية لا الأحوال التفصيلية الجزئية وهو خلاف ظواهر الأدلة المروية ثم رأيت الأبهري نقل عن زين العرب أن


الأبد هو الزمان المستمر غير المنقطع فالجمع بينه وبين إلى ممتنع لأنه لا يمكن وصول شيء إليه حتى ينتهي قلت يحمل الأبد على الزمان الطويل ا ه وفيه أن الزمان الطويل والله أعلم أنه انقراض العالم أو استقرار الفريقين في الموضعين ويلزم منه أن لا تكون أحوال الدارين مكتوبة والله أعلم ثم رأيت في الدر المنثور نقلا عن ابن عباس إن أول شيء خلقه الله القلم فقال له اكتب فقال يا رب وما أكتب قال اكتب القدر يجري من ذلك بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة


ثم طوى الكتاب ورفع القلم رواه البيهقي وغيره والحاكم وصححه وفي الدر أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول إن أول شيء خلق الله القلم ثم النون وهي الدواة ثم قال له اكتب قال وما أكتب قال ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ثم ختم على فم القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة أخرجه الحكيم الترمذي هذا وروي أن أول ما خلق الله العقل وأن أول ما خلق الله نوري وأن أول ما خلق الله روحي وأن أول ما خلق الله العرش والأولية من الأمور الإضافية فيؤول أن كل واحد مما ذكر خلق قبل ما هو من جنسه فالقلم خلق قبل جنس الأقلام ونوره قبل الأنوار وإلا فقد ثبت أن العرش قبل خلق السموات والأرض فتطلق الأولية على كل واحد بشرط التقييد فيقال أول المعاني كذا وأول الأنوار كذا ومنه قوله أول ما خلق الله نوري وفي رواية روحي ومعناهما واحد فإن الأرواح نورانية أي أول ما خلق الله من الأرواح روحي رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب إسنادا أي لا متنا والمراد به حديث يعرف متنه عن جماعة من الصحابة وانفرد واحد بروايته عن صحابي آخر ومنه قول الترمذي غريب من هذا الوجه واستيفاء هذا البحث في أصول الحديث وعن مسلم بن يسار أي الجهني قال الترمذي حديثه حسن إلا أنه لم يسمع عمر كذا ذكره المصنف في التابعين قال سئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن هذه الآية أي عن كيفية أخذ الله ذرية بني آدم من ظهورهم المذكور في الآية وإذ أخذ أي أخرج ربك من بني آدم من ظهورهم بدل البعض قاله ابن الملك وكذا ذكره البيضاوي وقال السيوطي إنه بدل الإشتمال ووافقه أبو البقاء وهو الأظهر معنى وإن كان الأول أظهر لفظا وقد حققته في حاشيتي الجمالين على الجلالين ذريتهم الجمهور على الإفراد وبعضهم على الجمع الآية بالحركات الثلاث قال عمر سمعت رسول الله يسأل بصيغة المفعول عنها أي عن هذه الآية فقال


إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره أي ظهر آدم بيمينه أي بقدرته وقوته قال الطيبي ينسب الخير إلى اليمين ففيه تنبيه على تخصيص آدم بالكرامة وقيل بيد بعض
ملائكته وهو الملك الموكل على تصوير الأجنة أسند إليه تعالى للتشريف أو لأنه الآمر والمتصرف كما أسند إليه التوفي في قوله تعالى الله يتوفي الأنفس الزمر وقال تعالى الذين تتوفاهم الملائكة النحل ويحتمل أن يكون الماسح هو الله تعالى والمسح من باب التصوير والتمثيل وقيل هو من المساحة بمعنى التقدير كأنه قال قدر وبين ما في ظهره من الذرية وقال البيضاوي في تفسيره إن معنى الآية أنه نزل تمكين بني آدم من العلم بربوبيته بنصب الدلائل وخلق الإستعداد فيهم وتمكنهم من معرفتها والإقرار بها منزلة الإشهاد والإعتراف تمثيلا وتخييلا فلا قول ثم ولا شهادة حقيقة ا ه وفيه أن هذا يرجع إلى مذهب المعتزلة وإن كان أصله نقل عن الحسن البصري وقال الإمام الرازي أطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الحديث لأن قوله من ظهورهم بدل من بني آدم فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم فلم يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئا ولو كان المراد الأخذ من ظهر آدم لقيل من ظهره وأجاب بأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذرية من ظهور بني آدم وأما أنه أخرج تلك الذرية من ظهر آدم فلا تدل الآية على إثباته أو نفيه والخبر قد دل على ثبوته فوجب القول بهما معا بأن بعض الذر من ظهر بعض الذر والكل من ظهر آدم صونا للآية والحديث عن الإختلاف قال بعض المحققين إن بني آدم من ظهره فكل ما أخرج من ظهورهم فيما لا يزال إلى يوم القيامة هم الذين أخرجهم الله تعالى في الأزل من صلب آدم وأخذ منهم الميثاق الأزلي ليعرف منه أن النسل المخرج فيما لا يزال من أصلاب بنيه هو المخرج في الأزل من صلبه وأخذ منهم الميثاق الأول وهو المقالي الأزلي كما أخذ منهم فيما لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الثاني وهو الحالي الإنزالي


والحاصل أن الله تعالى لما كان له ميثاقان مع بني آدم أحدهما تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الحاملة على الإعتراف الحالي وثانيهما المقالي الذي لا يهتدي إليه العقل بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أراد عليه الصلاة والسلام أن يعلم الأمة ويخبرهم أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقا آخر أزليا ما فقال قال من مسح ظهر آدم في الأزل وإخراج ذريته وأخذه الميثاق عليهم ا ه وبهذا يزول كثير من الإشكالات فتأمل فيها حق التأمل وقال القاضي في شرحه للمصابيح التوفيق بينهما أن يقال المراد من بني آدم هو أولاده فكأنه صار اسما للنوع كالإنسان والمراد من الإخراج توليد بعضهم من بعضهم على مر الزمان واقتصر في الحديث على آدم لأنه الأصل ا ه وفيه أن التوليد على المر الزماني ينافي الميثاقي الموصوف بالآتي فكيف يكون الحديث تفسيرا للآية ثم سنح لي بالبال أنه يمكن أن يقال إنما اقتصر في الآية على الذرية لظهور أمر آدم بالأدلة النقلية والعقلية خصوصا من الإضافة الإبنية كما هو مقتضى الفصاحة القرآنية والبلاغة الفرقانية الموصوفة بالإعجاز التي من جملة دلالاته صنعة الإطناب والإيجاز ولما فهم عليه الصلاة والسلام من السؤال بقرينة الحال موضع الإشكال لما وقع فيه من الإجمال اقتصر على مقدار الحاجة من المقال فقال فاستخرج منه ذرية قيل قبل دخول آدم


الجنة بين مكة والطائف وقيل ببطن نعمان وأنه بقرب عرفة وقيل في الجنة وقيل بعد النزول منها بأرض الهند وروي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي أنه قال أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنشرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا وسيجيء في الفصل الثالث ما يدل على أن المراد من هذا الحديث هذا ولما كان السائل بليغا عارفا بصناعة الكلام سكت عند حصول المرام ونقل السيد السند عن الأزهار أنه قيل شق ظهره واستخرجهم منه وقيل إنه استخرجهم من ثقوب رأسه والأقرب أنه استخرجهم من مسام شعرات ظهره فقال خلقت هؤلاء للجنة وفي تقديمهم إشارة إلى معنى الحديث القدسي سبقت رحمتي غضبي وبعمل أهل الجنة أي من الطاعات يعملون إما في جميع عمرهم أو في خاتمة أمرهم ثم مسح ظهره أي بيده كما في نسخة ولم يقل هنا بيمينه بخلافه فيما تقدم لأن اليمين مظهر الخير وليظهر الفرق بين أهل الجنة والنار ولم يقل هنا بشمالة تأدبا ومن ثم ورد كلتا يدي الرحمن يمين لأن الشر المحض ليس له وجود في الكون فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار أي من السيآت يعملون كما سبق وفي الجمع بين الخلق والعمل إشارة لطيفة إلى مذهب أهل السنة والجماعة المتوسطة بين الجبرية والقدرية فقال رجل ففيم العمل يا رسول الله الفاء دخل جواب الشرط المقدر وفي وقع موقع لام الفرض أي إذا كان كما ذكرت يا رسول الله من سبق القدر ففي أي شيء يفيد العمل أو بأي شيء يتعلق العمل أو فلأي شيء أمرنا بالعمل يعني أنه حيث خلق له ولا يتصور تغييره وتبديله يستوي عمله وتركه ولما كان هذا جبرا محضا مزجه بنوع من القدر المتعلق بالعمل ليعتدل الأمر المستقيم والدين القويم الذي هو عبارة عن الجمع بين خلق الله وكسب العبد فقال رسول الله إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله أي جعله عاملا ووفقه للعمل بعمل أهل الجنة فيه إشارة إلى


تقوية الجبر ولذا لا يذم إلا محض الجبر حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة إشارة إلى أن المدار على عمل مقارن بالموت فيدخله به الجنة الإدخال بالأفضال والدرجات بالأعمال والخلود بالنية في الأحوال وإذا خلق الله العبد للنار
استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار الإدخال بالعدل والدرجات بالعمل والخلود بالنية وطول الأمل فلا يرد أن ظاهر العدل بالنسبة إلى من كفر سبعين سنة أن لا يعذب زيادة عليها فإن نية الكافر أن لو عاش أبد الآباد لأصر على كفره إما جهلا وإما على وجه العناد رواه مالك والترمذي وأبو داود وحسناه وأحمد وعبد الله بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والآجري كذا في الجامع الصغير وفي الكبير فلذلك أقول جف القلم على علم الله رواه الطبراني وابن جرير والبيهقي في السنن وعن عبد الله بن عمرو بالواو رضي الله عنهما قال خرج رسول الله وفي يديه وفي بعض النسخ وفي يده كما في أكثر نسخ المصابيح فيراد بها الجنس كتابان والواو للحال فقال أتدرون أي أتعلمون ما هذان الكتابان الظاهر من الإشارة أنهما حسيان وقيل تمثيل واستحضار للمعنى الدقيق الخفي في مشاهدة السامع حتى كأنه ينظر إليه رأي العين فالنبي لما كوشف له بحقيقة هذا الأمر وأطلعه الله عليه اطلاعا لم يبق معه خفاء صور الشيء الحاصل في قلبه بصورة الشيء الحاصل في يده وأشار إليه إشارة إلى المحسوس قلنا لا أي لا ندري يا رسول الله إلا أن تخبرنا استثناء مفرغ أي لا نعلم بسبب من الأسباب إلا بإخبارك إيانا وقيل الإستثناء منقطع أي لكن إن أخبرتنا علمنا وكأنهم طلبوا بهذا الإستدراك إخباره إياهم فقال للذي في يده اليمنى أي لأجله وفي شأنه أو عنه وقيل قال بمعنى أشار فاللام بمعنى إلى هذا كتاب من رب العالمين خصه بالذكر دلالة على أنه تعالى مالكهم وهم له مملوكون يتصرف فيهم كيف يشاء فيسعد من يشاء


ويشقي من يشاء وكل ذلك عدل وصواب فلا اعتراض لأحد عليه وقيل الظاهر أن هذا كلام صادر على طريق التصوير والتمثيل مثل الثابت في علم الله تعالى أو المثبت في اللوح بالمثبت بالكتاب الذي كان في يده ولا يستبعد اجراؤه على الحقيقة فإن الله تعالى قادر على كل شيء والنبي مستعد لإدراك المعاني الغيبية ومشاهدة الصور المصوغة لها فيه أسماء أهل الجنة
وأسماء آبائهم وقبائلهم الظاهر أن كل واحد من أهل الجنة وأهل النار يكتب أسماؤهم وأسماء آبائهم وقبائلهم سواء كانوا من أهل الجنة أو النار للتمييز التام كما يكتب في الصكوك قال الأشرف أهل الجنة تكتب أسماؤهم وأسماء آبائهم وقبائلهم الذين هم أهل النار في الكتاب الذي باليمين وبالعكس في أهل النار وإلا فالآباء والأبناء إذا كانوا من جنس أهل الجنة أو من جنس أهل النار فلا حاجة إلى إفراد ذكرهم لدخولهم تحت قوله فيه أسماء أهل الجنة وفيه أسماء أهل النار ثم أجمل على آخرهم من قولهم أجمل الحساب إذا تمم ورد التفصيل إلى الإجمال وأثبت في آخر الورقة مجموع ذلك وجملته كما هو عادة المحاسبين أن يكتبوا الأشياء مفصلة ثم يوقعوا في آخرها فذلكة ترد التفصيل إلى الإجمال وضمن أجمل معنى أوقع فعدى بعلي أي أوقع الإجمال على من انتهى إليه التفصيل وقيل ضرب بالإجمال على آخر التفصيل أي كتب ويجوز أن يكون حالا أي أجمل في حال انتهاء التفصيل إلى آخرهم فعلى بمعنى إلى فلا يزاد فيهم جزاء شرط أي إذا كان الأمر على ما تقرر من التفصيل والتعيين والإجمال بعد التفصيل في الصك فلا يزاد فيهم ولا ينقص بصيغة المجهول منهم أبدا لأن حكم الله لا يتغير وأما قوله تعالى لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت الرعد فمعناه لكل انتهاء مدة وقت مضروب فمن انتهى أجله يمحوه ومن بقي من أجله يبقيه على ما هو مثبت فيه وكل ذلك مثبت عند الله في أم الكتاب وهو القدر كما أن ما يمحو ويثبت هو القضاء فيكون ذلك عين ما قدر وجرى في الأزل كذلك


فلا يكون تغيير أو المراد منه محو المنسوخ من الأحكام وإثبات الناسخ أو محو السيئات من التائب وإثبات الحسنات بمكافأته وغير ذلك ويمكن أن يقال المحو والإثبات يتعلقان بالأمور المعلقة دون الأشياء المحكمة والله أعلم ففي الجامع الصغير برواية الطبراني عن ابن عباس مرفوعا إن الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور لله في كل يوم ستون وثلثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيى ويعز ويذل ويفعل ما يشاء قال ابن حجر ولا ينافيه قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب الرعد لما مر أن المحو والإثبات إنما هو بالنسبة لما في اللوح المحفوظ وعلم الملائكة لأن الأشياء فيه قد تكون معلقة على أسباب يتغير بوجودها وفقدها لا لأم الكتاب المراد بها علم الله تعالى القديم لأنه لا محو فيه ولا إثبات وسر ذلك التعليق مع أنه لا يقع إلا الموافق للعلم القديم مزيد التعمية على الملائكة المطلعين على ذلك وتحقيق انفراده تعالى بعلمه القديم وإنه لا يمكن أحدا أن يطلع عليه إلا بالنسبة لجزئيات معينة كإعلامه عليه الصلاة والسلام لجماعة من أصحابه على التعيين أنهم من أهل الجنة ثم قال للذي في شماله هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم والفاسق مسكوت عنه كما


هو دأب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في جميع الأحكام الوعدية والوعيدية ليكون بين الخوف والرجاء راضيا بما جرى عليه من القضاء والأظهر أنه مكتوب في أهل الجنة لأن مآله إليها وإن دخل النار فإن الخاتمة هي المدار عليها ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا فقال أصحابه رضي الله عنهم ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه بصيغة المجهول يعني إذا كان المدار على كتابة الأزل فأي فائدة في اكتساب العمل فقال سددوا أي اجعلوا أعمالكم مستقيمة على طريق الحق وقاربوا أي اطلبوا قربة الله تعالى بطاعته بقدر ما تطيقونه والجواب من أسلوب الحكيم أي فيم أنتم من ذكر القدر والإحتجاج به وإنما خلقتم للعبادة فاعملوا وسددوا وقاربوا قاله الطيبي وقال الشيخ ابن حجر في شرح البخاري سددوا أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط وتفريط وقاربوا أي إن لم تستيطعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه وقال الكرماني وقاربوا في العبادة ولا تباعدوا فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه أو معناه ساعدوا يقال قاربت فلانا إذا ساعدته أي ليساعد بعضكم بعضا في الأمور وحاصل الجواب والله أعلم بالصواب نفي الجبر والقدر وإثبات الحكم باعتدال الأمرين كتابة الأزل وسراية العمل أو لأن الأعمال أمارات وعلامات فلا بد من وجودها إذ لا يعمل الله تعالى بمجرد علمه والله أعلم ولذا قال فإن صاحب الجنة يختم له بصيغة المجهول بعمل أهل الجنة أي بعمل مشعر بإيمانه ومشير بإيقانه وإن عمل أي ولو عمل قبل ذلك أي عمل من أعمال أهل النار وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار أعم من الكفر والمعاصي وإن عمل أي عمل أي قبل ذلك من أعمال أهل الجنة ثم قال رسول الله أي أشار بيديه العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال فتطلقه على غير الكلام واللسان فتقول قال بيده أي أخذ وقال برجله أي مشى وقالت له العينان سمعا وطاعة وحدرتا كالدر لما يثقب أي أومأت وقال


بالماء على يده أي قلب وقال بثوبه أي رفعه فنبذهما أي طرح ما فيهما من الكتابين قيل وراء ظهره وفي الأزهار الضمير في نبذهما لليدين لأن نبذ الكتابين بعيد من دأبه ا ه وفيه أن نبذهما ليس بطريق الإهانة بل إشارة إلى أنه نبذهما إلى عالم الغيب ثم هذا كله إذا كان هناك كتاب حقيقي وأما على التمثيل فيكون المعنى نبذهما أي اليدين قال بعضهم قوله قال بيديه فنبذهما بمنزلة قوله جف القلم بما أنت لاق كناية عن أن هذا الأمر قد فرغ منه فصار كما تخلفه وراء ظهرك فيكون معنى قوله ثم قال فرغ ربكم تفسيرا لهذا الفعل ويكون نتيجة لهذا الكلام من العباد قال الأشرف أي من أمر العباد والمراد بالأمر الشأن أي قدر أمرهم لما قسمهم قسمين وقدر لكل قسم على التعيين كونه من


أهل الجنة أو النار بحيث لا يقبل التغيير فكأنه فرغ من أمرهم وإلا فالفراغ لا يجوز عليه تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير يمكن أن يكون هذا استشهادا من القرآن واعتضادا بالفرقان على أن أمر الفريقين مبهم عندنا ومجمل ومعلوم عنده تعالى ومفصل ويمكن أن يكون موافقة لفظية ومطابقة معنوية بنوع من الإقتباسات الحكمية والتضمنات بالكلمات الإلهية والله تعالى أعلم رواه الترمذي وعن أبي خزامة بكسر الخاء وتخفيف الزاء عن أبيه وقد اختلف فيه فروي هكذا وروي عن ابن أبي خزامة عن أبيه والأول أصح وفي اسم الراوي أبي خزامة خلاف للمحدثين قال المصنف هو أبو خزامة بن يعمر أحد بني الحرث بن سعد روى عن أبيه وعنه الزهري وهو تابعي قال قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها جمع رقية كظلم جمع ظلمة وهي ما يقرأ لطلب لشفاء والإسترقاء طلب الرقية ودواء بالنصب نتداوى به أي نستعمله وتقاة بضم أوله نتقيها أي نلتجىء بها أو نحذر بسببها وأصل تقاة وقاة من وقى وهي اسم ما يلتجىء به الناس من خوف الأعداء كالترس وهو ما يقي من العدو أي يحفظ ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإتقاء فالضمير في نتقيها للمصدر قيل وهذه المنصوبات أعني رقى وما عطف عليها موصوفات بالأفعال الواقعة بعدها ومتعلقة بمعنى أرأيت أي أخبرني عن رقى نسترقيها فنصبت على نزع الخافض ويجوز أن يتعلق بلفظ أرأيت والمفعول الأول الموصوف مع الصفة والثاني الإستفهام بتأويل مقولا في حقها هل ترد أي هذه الأسباب من قدر الله شيئا قال هي أي المذكورات الثلاث من قدر الله أيضا يعني كما أن الله قدر الداء قدر زواله بالدواء ومن استعمله ولم ينفعه فليعلم أن الله تعالى ما قدره قال في النهاية جاء في بعض الأحاديث جواز الرقية كقوله عليه الصلاة والسلام استرقوا لها فإن بها النظرة أي اطلبوا لها من يرقيها وفي بعضها النهي عنها كقوله عليه الصلاة والسلام في باب التوكل الذين لا يسترقون ولا يكتوون والأحاديث في القسمين


كثيرة ووجه الجمع أن ما كان من الرقية بغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة أو بغير اللسان العربي وما يعتقد منها أنها نافعة لا محالة فيتكل عليها فإنها منهية وإياها أراد عليه الصلاة
والسلام بقوله ما توكل من استرقى وما كان على خلاف ذلك كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى والرقي المروية فليست بمنهية ولذلك قال عليه الصلاة والسلام للذي رقى بالقرآن وأخذ عليه أجرا من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق وأما قوله عليه الصلاة والسلام لا رقية إلا من عين أو حمة فمعناه لا رقية أولى وأنفع منهما قال ابن حجر وبتحريم الرقية بغير العربي صرحت أئمة المذاهب الأربعة رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح وصححه الحاكم أيضا وابن ماجة وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله ونحن نتنازع أي حال كوننا نتباحث في القدر أي في شأنه فيقول بعضنا إذا كان الكل بالقدر فلم الثواب والعقاب كما قالت المعتزلة والآخر يقول فما الحكمة في تقدير بعض للجنة وبعض للنار فيقول الآخر لأن لهم فيه نوع اختيار كسبي فيقول الآخر فمن أوجد ذلك الإختيار والكسب وأقدرهم عليه وما أشبه ذلك فغضب حتى احمر وجهه أي نهاية الإحمرار حتى أي حتى صار من شدة حمرته كأنما فقىء بصيغة المفعول أي شق أو عصر في وجنتيه أي خديه حب الرمان فهو كناية عن مزيد حمرة وجهه المنبئة عن مزيد غضبه وإنما غضب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى وطلب سر الله منهي ولأن من يبحث فيه لا يأمن من أن يصير قدريا أو جبريا والعباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سر ما لا يجوز طلب سره فقال عليه الصلاة والسلام أبهذا أي أبالتنازع في القدر أمرتم وهمزة الإستفهام للإنكار وتقديم المجرور لمزيد الإهتمام أم بهذا أرسلت إليكم أم منقطعة بمعنى بل والهمزة وهي للإنكار أيضا ترقيا من الأهون إلى الأغلظ وإنكارا غب إنكار إنما هلك من كان قبلكم أي من الأمم جملة مستأنفة جوابا عما


اتجه لهم أن يقولوا لم تنكر هذا الإنكار البليغ حين تنازعوا في هذا الأمر وهذا يدل على أن غضب الله وإهلاكهم كان من غير إمهال ففيه زيادة وعيد عزمت أي أقسمت أو أوجبت عليكم قيل أصله عزمت بإلقاء اليمين وإلزامها عليكم عزمت عليكم أن لا تنازعوا بحذف إحدى التاءين فيه ولا تبحثوا في القدر بعد هذا قال
ابن الملك أن هذه يمتنع كونها مصدرية وزائدة لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة وأن لا تزاد مع لا فهي إذا مفسرة كأقسمت أن لأضربن وتنازعوا جزم بلا الناهية ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة لأنها مع اسمها وخبرها سدت مسد الجملة كذا قاله زين العرب رواه الترمذي أي بهذا اللفظ عن أبي هريرة وقال لا نعرف الحديث إلا من رواية صالح المري وله غرائب ينفرد بها ا ه وقال في ميزان الإعتدال صالح بن بشير الزاهد المري الواعظ ضعفه ابن معين وغيره وروى ابن ماجة نحوه أي بالمعنى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أعلم أن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو عبد الله على الصحيح أحد علماء زمانه روى عن البخاري أن أحمد وجماعة يحتجون بحديث عمر ولكن البخاري ما احتج به في جامعة قال أبو زرعة إنما أنكروا حديثه لكثرة روايته وإنما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عندها فرواها وشعيب لا نعرفه ولكن ما علمت أحدا وثقة بل ذكره ابن حبان في تاريخ الثقات وقال ابن عدي عمرو بن شعيب ثقة إلا أنه إذا روى عن أبيه عن جده عن النبي يكون مرسلا قلت قد ثبت سماعه عن عبد الله وهو الذي رباه حتى قيل إن محمدا مات في حياة أبيه عبد الله وكفل شعيبا جده عبد الله كذا في الميزان للذهبي وقال بعض المحققين الصحيح أن الضمير في جده راجع إلى شعيب وكثيرا ما وقع في رواية أبي داود والنسائي وغيرهما بلفظ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص فحديثه لا طعن فيه وقال الإمام النووي أنكر بعضهم حديث عمرو عن أبيه عن جده باعتبار أن شعيبا سمع من محمد لا


عن جده عبد الله فيكون حديثه مرسلا لكن الصحيح أنه سمع من جده عبد الله فحديثه بهذا الطريق متصل لكن لاحتمال أن يراد بجده في الإسناد محمد لا عبد الله لم يدخل حديثه بهذا الإسناد في الصحاح وإن احتجوا به وقال الشيخ ابن حجر في شرح البخاري ترجمة عمرو قوية على المختار حيث لا تعارض والله أعلم كذا حرره ميرك شاه رحمه الله وعن أبي موسى قال سمعت رسول الله يقول إن الله خلق آدم من قبضة
بالضم ويفتح ومن ابتدائية متعلقة بخلق أو بيانية حال من آدم قبضها أي أمر الملك بقبضها والقبضة بالضم ملء الكف وربما جاء بفتح القاف كذا في الصحاح وفي القاموس القبضة وضمه أكثر ما قبضت عليه من شيء وفي النهاية القبض الأخذ بجميع الكف والقبضة المرة منه وبالضم الاسم منه من جميع الأرض يعني وجهها أي من جميع ما قدر الله أن يسكنه بنو آدم من الأرض وليس مراده من جميع الأرض لأن من الأرض ما لا يصل إليه قدم آدمي والقابض من جميع الأرض هو عزرائيل عليه الصلاة والسلام فنسب الفعل إليه تعالى لأنه بأمره وإرادته ولما كان عزرائيل متولي القبضة ولي قبض الأرواح من أجسادها ليرد وديعة الله التي قبضها من الأرض إليها كذا قاله زين العرب وفيه إشارة إلى آية منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى طه هذا وذكر السيوطي رحمه الله في الدر المنثور عن أبي هريرة قال خلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة قالوا كيف خلقت قبل وهي من الأرض قال كانت خشفة على الماء وهي بالخاء والشين المعجمتين والفاء أي حجرة أو أكمة أو جزيرة عليها ملكان يسبحان الليل والنهار ألفي سنة فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها في وسط الأرض فلما أراد الله أن يخلق آدم بعث ملكا من حملة العرش يأتي بتراب من الأرض فلما هوى ليأخذ قالت الأرض أسألك بالذي أرسلك أن لا تأخذ مني اليوم شيئا يكون منه للنار نصيب غدا فتركها فلما رجع إلى ربه قال ما منعك أن تأتي بما أمرتك قال سألتني بك فعظمت


أن أرد شيئا سألني بك فأرسل آخر فقال مثل ذلك حتى أرسلهم كلهم فأرسل ملك الموت فقالت له مثل ذلك قال إن الذي أرسلني أحق بالطاعة منك فأخذ من وجه الأرض كلها من طيبها وخبيثها حتى كانت قبضة عند موضع الكعبة فجاء به إلى ربه فصب عليه من ماء الجنة فجاء حمأ مسنونا فخلق منه آدم بيده الحديث فجاء بنو آدم علي قدر الأرض أي مبلغها من الألوان والطباع منهم الأحمر والأبيض والأسود بحسب ترابهم وهذه الثلاثة هي أصول الألوان وما عداها مركب منها وهو المراد بقوله وبين ذلك أي بين الأحمر والأبيض والأسود باعتبار أجزاء أرضه والسهل أي ومنهم السهل أي اللين والحزن بفتح الحاء وسكون الزاي أي الغليظ والخبيث أي خبيث الخصال والطيب على طبع أرضهم وكل ذلك بتقدير الله تعالى لونا وطبعا وخلقا قال الطيبي ولما كانت الأوصاف الأربعة ظاهرة في الإنسان والأرض أجريت على حقيقتها وأولت الأربعة الأخيرة لأنها من الأخلاق الباطنة فإن المعنى بالسهل الرفق واللين وبالحزن الخرق والعنف وبالطيب الذي يعني به الأرض العذبة المؤمن الذي هو نفع كله وبالخبيث الذي يراد به الأرض السبخة الكافر الذي هو ضر كله والذي سيق له الحديث هو الأمور الباطنة لأنها داخلة في حديث القدر بالخير والشر وأما الأمور الظاهرة من الألوان وإن كانت مقدرة فلا اعتبار لها فيه ا ه ويمكن أن يكون لها اعتبار إشارة إلى أن هذه الأوصاف والآثار بمنزلة هذه الألوان في كونها تحت الأقدار غايته أن الأوصاف قابلة للزيادة والنقصان بحسب الطاعة والإمكان


لمجاهدة الإنسان بخلاف الألوان وإن نظرت إلى الحقيقة فلا تبديل ولا تغيير لخلق الله وهذا معنى قوله جف القلم على علم الله رواه أحمد والترمذي وأبو داود وكذا الحاكم والبيهقي وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال سمعت رسول الله يقول إن الله خلق خلقه أي الثقلين من الجن والإنس لا الملائكة في ظلمة أي كائنين في ظلمة النفس الأمارة بالسوء المجبولة بالشهوات المردية والأهواء المضلة والركون إلى المحسوسات والغفلة عن عالم الغيب فألقى أي رش عليهم شيئا من نوره فمن نوره صفة محذوف أي شيئا منه ومن للتبيين أو للتبعيض أو زائدة والمراد منه نور الإيمان والمعرفة والإيقان والطاعة والإحسان فمن أصابه من ذلك النور أي نوره المعنوي الواصل إليه والنور مجرور ويجوز أن يرفع على أنه فاعل أصابه ومن ذلك حال منه ذكره العيني اهتدى أي إلى طريق الجنة ومن أخطأه أي ذلك النور يعني جاوزه ولم يصل إليه ضل أي خرج عن طريق الحق وقيل المراد بالنور الملقى إليهم ما نصب من الشواهد والحجج وما أنزل إليهم من الآيات والنذر إذ لولا ذلك لبقوا في ظلمات الضلالة في بيداء الجهالة وقيل المراد بالظلمة كالحرص والحسد والكبر وغيرها من الأخلاق الذميمة وبالنور التوفيق والهداية بقلع ذلك فمن وفقه لذلك اهتدى ومن لم يوفقه ضل وغوى وقيل المراد بالظلمة الجهالة وبالنور المعرفة يعني خلق الله الخلق جاهلين به وبصفاته فعرفهم ذاته وصفاته ليعرفوه وقيل المراد أنه خلق أرواحهم في ظلمة وحيرة فألقى عليهم نور الرحمة والهداية ولولا ذلك لم يهتد إليه أحد لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا قيل ويمكن أن يحمل الحديث على خلق الذر المستخرج في الأزل من صلب آدم فعبر بالنور عن الألطاف الإلهية التي هي تباشير صبح الهداية وإشراق لمعات برق العناية ثم أشار بقوله أصاب وأخطأ إلى ظهور تلك العناية فيما لا يزال من هداية بعض وضلال بعض فلذلك أي من أجل أن الإهتداء والضلال قد جرى أقول جف


القلم على علم الله أي على ما علم الله وحكم به في الأزل لا يتغير ولا يتبدل وجفاف القلم عبارة عنه وقيل من أجل عدم تغير ما جرى في الأزل تقديره من الإيمان والطاعة والكفر والمعصية أقول جف
القلم قيل وجه التوفيق بين هذا المعنى وبين قوله ما من مولود أن يقال الإنسان مركب من الروحانية التي تقتضي العروج إلى عالم القدس وهي مستعدة لقبول فيضان نور الله تعالى والتحلي بالكمالات ومن النفسانية المائلة إلى ظلمات الشهوات والضلال فهذا الحديث مسوق في القدر بدليل قوله جف القلم فنبه فيه على أن الإنسان خلق على حالة لا تنفك عن ظلمة إلا من أصابه من النور الملقى عليهم وفي هذا الحديث لمح إلى القضاء كقوله ما من مولود فأجرى الكلام على ما مر بيانه رواه أحمد والترمذي وعن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله يكثر من الإكثار أن يقول هذا القول يا مقلب القلوب أي مصرفها تارة إلى الطاعة وتارة إلى المعصية وتارة إلى الحضرة وتارة إلى الغفلة ثبت قلبي على دينك أي اجعله ثابتا على دينك غير مائل عن الدين القويم والصراط المستقيم والخلق العظيم فقلت يا نبي الله آمنا بك أي بنبوتك ورسالتك وبما جئت به من الكتاب والسنة فهل تخاف علينا يعني أن قولك هذا ليس لنفسك لأنك في عصمة من الخطأ والزلة خصوصا من تقلب القلب عن الدين والملة وإنما المراد تعليم الأمة فهل تخاف علينا من زوال نعمة الإيمان أو الإنتقال من الكمال إلى النقصان قال نعم يعني أخاف عليكم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله وفي خبر مسلم من أصابع الرحمن والفرق أنه ابتدأ به ثمة فالرحمة سبقت الغضب فناسب ذكر الرحمن وهنا وقع تأييد للخوف عليهم فالمقام مقام هيبة وإجلال فناسب ذكر مقام الجلالة والإلهية المقتضية لأن يخص من شاء بما شاء من هداية أو ضلالة يقلبها أي القلوب كيف يشاء مفعول مطلق أي تقليبا يريده أو حال من الضمير المنصوب أي يقلبها على أي صفة شاءها رواه الترمذي وابن ماجة وعن أبي


موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله مثل القلب أي صفة
القلب العجيبة الشأن وما يرد عليه من عالم الغيب من الدواعي وسرعة تقلبه بسببها كريشة أي كصفة ريشة وهي وحدة الريش بأرض بالتنوين وقيل بالإضافة فلاة صفة أي مفازة خالية من النبات قيل ذكر الأرض مقحم لأن الفلاة تدل عليها فالمقصود التأكيد لدفع التجوز كما في أبصرتها بعيني وتخصيص الفلاة لأن التقليب فيها أشد من العمران يقلبها الرياح بالتذكير وقيل بالتأنيث قال الطيبي صفة أخرى لريشة وجمع الرياح للدلالة على ظهور التقليب إذ لو استمر الريح على جانب واحد لم يظهر التقلب ظهرا البطن أي وبطنا لظهر يعني كل ساعة يقلبها على صفة فكذا القلب ينقلب ساعة من الخير إلى الشر وبالعكس وقوله ظهرا بدل البعض من الضمير في يقلبها واللام في لبطن بمعنى إلى كقوله تعالى مناديا ينادي للإيمان آل عمران ويجوز أن يكون ظهرا لبطن مفعولا مطلقا أي تقليبا مختلفا وأن يكون حالا يعني مقدرة أي يقلبها مختلفة ولهذا الإختلاف والإنقلاب يسمى القلب قلبا رواه أحمد ورواه ابن ماجة بلفظ مثل القلب مثل الريشة تقلبها الرياح بفلاة وعن علي رضي الله عنه وفي نسخة كرم الله وجهه قال قال رسول الله لا يؤمن عبد هذا نفي أصل الإيمان أي لا يعتبر ما عنده من التصديق القلبي حتى يؤمن بأربع يشهد منصوب على البدل من قوله حتى يؤمن وقيل مرفوع تفصيل لما سبقه أي يعلم ويتيقن أن لا إله إلا الله وأني رسول الله أي يؤمن بالتوحيد والرسالة وعدل إلى لفظ الشهادة أمنا من الإلباس بأن يشهد ولم يؤمن أو دلالة على أن النطق بالشهادتين أيضا من جملة الأركان فكأنه قيل يشهد باللسان بعد تصديقه بالجنان أو إشارة إلى أن الحكم بالظواهر والله أعلم بالسرائر بعثني بالحق استئناف كأنه قيل لم يشهد فقال بعثني بالحق أي إلى كافة الإنس والجن ويجوز أن يكون حالا مؤكدة أو خبرا بعد خبر فيدخل على هذا في حيز الشهادة وقد حكى على القولين كلام الشاهد


بالمعنى إذ عبارته أن محمدا وبعثه ويؤمن بالموت بالوجهين والبعث أي يؤمن بوقوع البعث بعد الموت وتكرير الموت إيذان للإهتمام بشأنه قال الأبهري فإن قلت لم أكد الموت بذكر لفظ يؤمن دون البعث مع أن الموت ظاهر لا ينكر والبعث خفي ينكر قلت إشارة إلى أن أدلة البعث ظاهرة وإلى أنهم متمادون في الغفلة عن ذكر الموت ا ه قلت ولهذا قال الغزالي ليس يقين أشبه بالشك من الموت قال الراغب والموت أحد الأسباب الموصلة إلى النعيم فهو في الظاهر فناء وفي الحقيقة ولادة ثانية وبقاء وهو باب من أبواب الجنة فلذلك من على الإنسان بخلقه حيث


قال خلق الموت والحياة وقدم لأنه الموصل إلى الحياة الحقيقية فالتغييرات الواقعة لأجله كما في النوى المزروع إذ لا يصير نخلا إلا بفساد جثته وكما في البر إذا أردنا أن نجعله زيادة في أبداننا وكما في البذر إذا زرع قيل فكان ذلك الفساد ظاهرا هو عين الصلاح باطنا فرضا النفس بالبقاء في الدنيا إنما هو لقذارتها ورضاها بالإعراض الدنية كما رضي الجعل بالإنغماس في العذرة دائما بل قيل إنه إذا شم المسك مات لوقته ويؤمن بالوجهين بالقدر قال المظهر المراد بهذا الحديث نفي أصل الإيمان لا نفي الكمال فمن لم يؤمن بواحد من هذه الأربعة لم يكن مؤمنا الأول الإقرار بالشهادتين وأنه مبعوث إلى كافة الإنس والجن والثاني أن يؤمن بالموت أي يعتقد فناء الدنيا وهو احتراز عن مذهب الدهرية القائلين بقدم العالم وبقائه أبدا قلت وفي معناه التناسخي ويحتمل أن يراد اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله لا بفساد المزاج كما يقوله الطبيعي والثالث أن يؤمن بالبعث والرابع أن يؤمن بالقدر يعني بأن جميع ما يجري في العالم بقضاء الله وقدره رواه الترمذي وابن ماجة وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صنفان أي نوعان من أمتي أي أمة الإجابة ليس لهما في الإسلام نصيب أي حظ كامل أو ليس لهما في كمال الإنقياد لما قضي وقدر على العباد مما أراد نصيب أي حظ مطلقا قال التوربشتي ربما يتمسك به من يكفر الفريقين والصواب أن لا يسارع إلى تكفير أهل البدع لأنهم بمنزلة الجاهل أو المجتهد المخطىء وهذا قول المحققين من علماء الأمة احتياطا فيحمل قوله ليس لهما نصيب على سوء الحظ وقلة النصيب كما يقال ليس للبخيل من ماله نصيب وأما قوله عليه الصلاة والسلام يكون في أمتي خسف وقوله ستة لعنتهم وأمثال ذلك فيحمل على المكذب به أي بالقدر إذا أتاه من البيان ما ينقطع به العذر أو على من تفضي به العصبية إلى تكذيب ما ورد فيه من النصوص أو إلى تكفير من خالفه وأمثال هذه الأحاديث واردة


تغليظا وزجرا وقال ابن حجر فمن أطلق تكفير الفريقين أخذا بظاهر هذا الخبر فقد استروح بل الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف أنا لا نكفر أهل البدع والأهواء إلا أن أتوا بمكفر صريح لا استلزامي لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بلازم ومن ثم لم يزل العلماء يعاملونهم معاملة المسلمين في نكاحهم وإنكاحهم والصلاة على موتاهم ودفنهم في
مقابرهم لأنهم وإن كانوا مخطئين غير معذورين حقت عليهم كلمة الفسق والضلال إلا أنهم لم يقصدوا بما قالوه اختيار الكفر وإنما بذلوا وسعهم في إصابة الحق فلم يحصل لهم لكن لتقصيرهم بتحكيم عقولهم وأهويتهم وإعراضهم عن صريح السنة والآيات من غير تأويل سائغ وبهذا فارقوا مجتهدي الفروع فإن خطأهم إنما هو لعذرهم بقيام دليل آخر عندهم مقاوم لدليل غيرهم من جنسه فلم يقصروا ومن ثم أثيبوا على اجتهادهم المرجئة يهمز ولا يهمز من الإرجاء مهموزا ومعتلا وهو التأخير يقولون الأفعال كلها بتقدير الله تعالى وليس للعباد فيها اختيار وأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة كذا قاله ابن الملك وقال الطيبي قيل هم الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل فيؤخرون العمل عن القول وهذا غلط بل الحق أن المرجئة هم الجبرية القائلون بأن إضافة الفعل إلى العبد كإضافته إلى الجمادات سموا بذلك لأنهم يؤخرون أمر الله ونهيه عن الإعتداد بهما ويرتكبون الكبائر فهم على الإفراط والقدرية على التفريط والحق ما بينهما ا ه والقدرية بفتح الدال وتسكن وهم المنكرون للقدر القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة بقدرتهم ودواعيهم لا بقدرة الله وإرادته وإنما نسبت هذه الطائفة إلى القدر لأنهم يبحثون في القدر كثيرا رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب عده في الخلاصة من الموضوعات لكن قال في جامع الأصول أخرجه الترمذي قال صاحب الأزهار حسن غريب وكتب مولانا زاده وهو من أهل الحديث في زماننا أنه رواه الطبراني وإسناده حسن ونقل عن بعضهم أيضا أن


رواته مجهولون كذا ذكره العيني وقال الفيروزآبادي لا يصح في ذم المرجئة والقدرية حديث وفي الجامع الصغير بعد ذكره الحديث المذكور رواه البخاري في تاريخه والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس وابن ماجة عن جابر والخطيب عن ابن عمر والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد ورواه أبو نعيم في الحلية عن أنس ولفظه صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي يوم القيامة المرجئة والقدرية وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله يقول يكون في أمتي أي أمة الإجابة خسف ومسخ يقال خسف الله به أي غاب به في الأرض والمسخ تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها وذلك أي ما ذكر من الخسف والمسخ واقع في المكذبين بالقدر بهذا الحديث تبين أن القدرية المذمومة إنما هم المكذبة بالقدر لا المؤمنة به كما زعمت المعتزلة ونسبوا أهل السنة والجماعة إلى القدرية لما هو مقتضى المقابلة بالجبرية وإنما


عاقبهم الله بهما لإضافتهما الكوائن إلى غير الله محقوا خلق الله ومسخوا صور خلقه فجازاهم الله بمحق ومسخ قال الأشرف معنى الحديث إن يكن مسخ وخسف يكونا في المكذبين بالقدر قال الطيبي لعله اعتقد أن هذه الأمة المرحومة مأمونة منهما فأخرج الكلام مخرج الشرطية وقوله ذلك أي في الحديث يدل على استحقاق ما سبق أي من الخسف والمسخ لأجل ما بعده من التكذيب وقد سبق عن التوربشتي أن الحديث من باب التغليظ فلا حاجة إلى تقدير الشرط وأبو سليمان الخطابي ذهب إلى وقوع الخسف والمسخ في هذه الأمة حيث قال قد يكونان في هذه الأمة كما في سائر الأمم خلاف قول من زعم أن ذلك لا يكون إنما مسخها بقلوبها ذكره في أعلام السنن قيل المراد بالخسف الإذهاب في الأرض كما فعل بقارون وأمواله وبالمسخ تبديل الأبدان إلى القردة والخنزير وغيرهما كما فعل بقوم داود وعيسى وقيل المراد بالخسف تسويد الوجه والأبدان مأخوذ من خسوف القمر وبالمسخ تسويد قلوبهم وإذهاب معرفتهم وإدخال القساوة والجهل والتكبر فيها كذا ذكره الأبهري ولا يبعد أن يكون مسخهما يوم القيامة بتسويد وجوههما كما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى يوم تبيض وجوه وجوه أهل السنة وتسود وجوه آل عمران وجوه أهل البدعة وخسفهما انهيارهما من الصراط في النار أو نزولهما في قعر دار البوار والله أعلم بالأسرار رواه أبو داود أي بهذا اللفظ وروى الترمذي نحوه أي بالمعنى وعنه أي عن ابن عمر قال قال رسول الله القدرية مجوس هذه الأمة أي أمة الإجابة لأن قولهم أفعال العباد مخلوقة بقدرهم يشبه قول المجوس القائلين بأن للعالم الهين خالق الخير وهو يزدان وخالق الشر وهو أهرمن أي الشيطان وقيل المجوس يقولون الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة كذلك القدرية يقولون الخير من الله والشر من الشيطان ومن النفس وقال الخطابي لإحداثهم في الإسلام مذهبا يشبه مذهب المجوس من وجه هو أنهم يضيفون الكائنات أعيانا وأحداثا إلى الهين


أحدهما لا يصدر عنه إلا ما هو خير والثاني لا يصدر عنه إلا ما هو شر وقول القدرية يشبه ذلك لكن في الأحداث لا الأعيان لإضافتهم الخير إلى الله والشر إلى النفس ا ه ولعله مذهب فرقة من المعتزلة وإلا فالمشهور عنهم ما صرح به الزمخشري منهم وهو أن الحسنة التي هي الخصب والصحة والسيئة التي هي القحط والمرض من الله تعالى وأما الطاعة فمن العبد لكن الله تعالى قد لطف به في أدائها وبعثه عليها وكذلك المعصية منه أيضا والله تعالى بريء منها قال ابن حجر وعلى هذا فوجه تسميتهم مجوسا أنه يلزم على قولهم هذا تعدد الإله أيضا لأن الباعث على الطاعة غير الباعث


على المعصية عندهم كما تقرر إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم النهي محمول على الزجر والتغليظ وتقبيح اعتقادهم على قول من لم يحكم بكفرهم وعلى الحقيقة على قول من حكم بكفرهم إذ الفاسق لا منع ولا كراهة في شهود جنازته بخلاف المريض فضلا عن كفره يمنع عن عيادته كذا ذكره ابن حجر وهو مخالف لمذهبنا فإن عيادة المريض من المسلمين فرض كفاية كشهود جنازتهم وخص هاتين الخصلتين لأنهما ألزم وأولى من سائر الحقوق فإنهما حالتان مفتقرتان إلى الدعاء بالصحة والمغفرة فيكون النهي عنهما أبلغ في المقصود رواه أحمد وأبو داود وكذا الحاكم وعن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تجالسوا أهل القدر بضم أوله أي لا تواددوهم ولا تحابوهم فإن المجالسة ونحوها من المماشاة من علامات المحبة وإمارات المودة فالمعنى لا تجالسوهم مجالسة تأنيس وتعظيم لهم لأنهم إما إن يدعوكم إلى بدعتهم بما زينه لهم شيطانهم من الحجج الموهمة والأدلة المزخرفة التي تجلب من لم يتمكن في العلوم والمعارف إليهم ببادي الرأي وإما أن يعود عليكم من نقصهم وسوء عملهم ما يؤثر في قلوبكم وأعمالكم إذ مجالسة الأغيار تجر إلى غاية البوار ونهاية الخسار قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين التوبة ولا ينافي إطلاق الحديث تقييد الآية في المنافقين حيث قال الله تعالى فلا تقعدوا معهم حتى يكونوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم النساء وكذا قوله عز وجل وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره الأنعام فلم ينه عن مجالستهم مطلقا لأن الحديث يحمل على من لم يأمن على نفسه منهم فيمنع عن مجالستهم مطلقا والآية على من أمن فلا حرج عليه في مجالسته لهم بغير التأنيس والتعظيم ما لم يخوضوا في كفر وبدعة وكذا إذا خاضوا وقصد الرد عليهم وتسفيه أدلتهم ومع هذا البعد عنهم أولى والإجتناب عن مباحثتهم أحرى ولا تفاتحوهم من الفتاحة بضم الفاء وكسرها


أي الحكومة ومنه قوله تعالى ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق الأعراف أي لا تحاكموا إليهم فإنهم أهل عناد ومكابرة وقيل لا تبدؤوهم بالسلام أو بالكلام وقال المظهر لا تناظروهم فإنهم يوقعونكم في الشك ويشوشون عليكم اعتقادكم أي وإن لم تجالسوهم فهو عطف مغاير وقيل عطف خاص لأن المجالسة تشتمل على المؤاكلة والمؤانسة والمحادثة وغيرها وفتح الكلام في القدر
أخص من ذلك رواه أبو داود وكذا أحمد والحاكم وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله ستة أي أشخاص أو أقوام لعنتهم أي دعوت عليهم بالبعد عن رحمة الله ولعنهم الله بالواو العاطفة وبدونها وهو الأصح ولم يعطفه على جملة قبله إما لأنه دعاء وما قبله خبر وإما لكونه عبارة عما قبله في المعنى لأن لعنة الله هي لعنة رسوله وبالعكس وأما لكونه استئنافا كأنه قيل فماذا بعد فأجيب لعنهم الله والثانية منبئة عن الأول أو قيل لم ذا فبالعكس وعلى هذا قوله وكل نبي يجاب معترض بين البيان والمبين يعني من شأن كل نبي أن يكون مستجاب الدعوة وكل نبي مبتدأ خبره يجاب على بناء المفعول من المضارع أي يجاب دعوته وهو الرواية المشهورة ويروى بالميم أي مجاب الدعوة والجملة على الروايتين إما ابتدائية وإما عطف على ستة لعنتهم أو حال من فاعل لعنتهم وجملة لعنهم الله إنشائية معترضة بين الحال وصاحبها وقال التوربشتي لا يصح عطف وكل نبي مجاب على فاعل لعنتهم ومجاب صفة وصححه الأشرفي لوجود الفاصل قال الطيبي وفيه نظر لأن المانع عطف الجملة على المفرد يعني لا العطف على الضمير المرفوع المتصل وفيه أن قوله مجاب صفة يدل على أنه لا يريد عطف الجملة ثم قال الطيبي ولا يجوز أن يجعل مجاب صفة لا خبرا إذ يلزم أن يكون بعض الأنبياء مجاب الدعوة ومنه فر التوربشتي وأبطل رواية الجرفي مجاب ا ه ويمكن أن يجعل صفة كاشفة الزائد في كتاب الله أي القرآن وسائر كتبه بأن يدخل فيه ما ليس فيه أو يؤوله بما يأباه اللفظ ويخالف الحكم


كما فعلت اليهود والزيادة في كتاب الله في نظمه وحكمه كفر وتأويله بما يخالف الكتاب والسنة بدعة وقال ابن حجر أي الزائد في كتاب الله لفظة لم تتواتر عن النبي زاعما قرآنيتها لحرمة القراءة بالشواذ وإن صحت عنه عليه الصلاة والسلام لأنها حينئذ في حكم الخبر لا القرآن فلا تذكر إلا لبيان تفسير أو زيادة حكم فمن أتى بها على أنها قرآن مع اعترافه بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر كما عليه عامة العلماء صدق عليه أنه زاد في كتاب الله فيشمله اللعن لفسقه بل كفره إن استباح مطلق الزيادة في القرآن والمكذب بقدر الله تقدم حكمه والمتسلط بالجبروت أي الإنسان المستولي المتقوي الغالب أو الحاكم بالتكبر والعظمة الناشىء عن الشوكة والولاية والجبروت فعلوت مبالغة من


الجبر وهو القهر قيل وإنما يطلق ذلك في صفة الإنسان على من يجبر نقيصته بإدعاء منزلة من التعالي ولا يستحقها أو بتولية المناصب من لا يستحقها ومنعها من يستحقها ليعز من أذله الله ويذل من أعزه الله قيل اللام في ليعز للعاقبة كما في قوله تعالى ليكون لهم عدوا وحزنا القصص وفي الحديث لدوا للموت وابنوا للخراب لا للتعليل إذ يلزم جواز التسلط بغير ذلك ظاهرا أي من أذله الله لفسقه أو لكفره يرفع مرتبته على المسلمين أو يحكمه فيهم كما فعل كثير من حكام الجور برفع اليهود والنصارى والهنود على كثير من المسلمين والفسقة على العدول المبرزين ويذل من أعزه الله بأن يخفض مراتب العلماء والصلحاء أو نحوهم والمستحل لحرم الله بفتح الحاء والراء يريد حرم مكة بأن يفعل فيه ما لا يحل فيه من الإصطياد وقطع الشجر ودخوله بلا إحرام كذا قاله الطيبي وضم الحاء على أنه جمع حرمة تصحيف كذا قاله بعض الشراح ونقل ميرك شاه عن التخريج أنه بضم الحاء وفتح الراء وزعم بعضهم أنه بفتحهما وما قدمنا أعم إلا أن تكون الرواية كما قال ولم يثبت ذلك ا ه والنسختان صحيحتان لكن يؤيد الأول باعتبار المعنى قوله والمستحل من عترتي ما حرم الله أي من إيذائهم وترك تعظيمهم والعترة الأقارب القريبة وهم أولاد فاطمة وذراريهم وتخصيص ذكر الحرم والعترة وكل مستحل محرم ملعون لشرفهما وإن أحدهما منسوب إلى الله والآخر إلى رسول الله فعلى هذا من في من عترتي ابتدائية قال الطيبي ويحتمل أن تكون بيانية بأن يكون المستحل من عترة رسول الله ففيه تعظيم الجرم الصادر عنهم قال ابن حجر هو بضم الحاء وهذا كافر إذ يدخل تحت عمومه من استباح محرما بالإجماع معلوما من الدين بالضرورة كفر بل قال كثيرون لا يشترط علمه ضرورة والتارك لسنتي أي المعرض عنها بالكلية أو بعضها استخفافا وقلة مبالاة كافر وملعون وتاركها تهاونا وتكاسلا لا عن استخفاف عاص واللعنة عليه من باب التغليظ رواه البيهقي في المدخل


بفتح الميم والخاء ورزين أو ورواه رزين في كتابه أي الذي جمع فيه بين الصحاح لكنه لم يوف بذلك فقد ذكر فيه حتى الموضوع كخبر الصلاة ليلة النصف من شعبان والرغائب كذا قاله ابن حجر وفي الجامع الصغير رواه النسائي والحاكم عن عائشة والحاكم عن علي
وعن مطر بن عكامس رضي الله عنه بضم العين وكسر الميم السلمي عداده في الكوفيين له حديث واحد ولم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي قال قال رسول الله إذا قضى الله أي أراد أو قدر أو حكم لعبد أن يموت بأرض وهو في غيرها جعل أي أظهر الله له إليها حاجة أي فيأتيها ويموت فيها إشارة إلى قوله تعالى وما تدري نفس بأي أرض تموت لقمان رواه أحمد والترمذي وقال غريب لا يعرف لمطر غير هذا الحديث ورواه الحاكم وقال صحيح وفي الجامع الصغير إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له بها حاجة رواه أحمد والطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أبي عزة بفتح المهملة وتشديد الزاي وعن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله ذراري المؤمنين خبر مبتدأ محذوف أي ما حكم ذراريهم أهم في الجنة أم النار قال من آبائهم من اتصالية كقوله تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض التوبة وقوله ما أنا من دد ولا الدد مني أي اللهو واللعب فالمعنى إنهم متصلون بآبائهم وقيل من تبعيضية والمعنى هم بعض آبائهم فلهم حكمهم أي يعلم حكمهم من حكم آبائهم يعني إن كان آباؤهم من أهل الجنة فهم كذلك وقال التوربشتي أي معدودون من جملتهم لأن الشرع يحكم بالإسلام لإسلام أحد الأبوين ويأمر بالصلاة عليهم ومراعاة أحكام المسلمين وكذلك يحكم على ذراري المشركين بالإسترقاق وبمراعاة أحكامهم فيهم قبل ذلك وبانتفاء التوارث بينهم وبين المسلمين فهم ملحقون في ظاهر الأمر بآبائهم فقلت يا رسول الله بلا عمل هذا وارد منها على سبيل التعجب إذ لا موجب للثواب والعقاب والمعنى أيدخلون الجنة بلا عمل والله تعالى يقول أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون النحل قال الله أعلم


بما كانوا عاملين أي لو بلغوا ردا لتعجبها وإشارة إلى القدر ولهذا أورد الحديث في باب القدر قلت فذراري المشركين أي فما حكمهم قال من آبائهم أي يعلم من حكم آبائهم أو معناه أتباع لآبائهم قلت بلا عمل قال الله أعلم بما كانوا عاملين قا
التوربشتي يعني أنهم تبع لهم في الدنيا وأما الآخرة فموكول أمرهم إلى علم الله تعالى بهم قال القاضي الثواب والعقاب ليسا بالأعمال وإلا لم يكن ذراري المسلمين والكفار من أهل الجنة والنار بل الموجب اللطف الإلهي والخذلان المقدر لهم في الأزل فالواجب فيهم التوقف وعدم الجزم فإن أعمالهم موكولة إلى علم الله فيما يعود إلى أمر الآخرة والأعمال دلائل السعادة والشقاوة ولا يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول قال النووي في شرح صحيح مسلم اختلف العلماء في أطفال المشركين فمنهم من يقول هم تبع لآبائهم في النار ومنهم من توقف والصحيح أنهم من أهل الجنة واستدل عليه بأشياء منها حديث إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين رآه النبي وحوله أولاد الناس قالوا يا رسول الله وأولاد المشركين قال وأولاد المشركين رواه البخاري في صحيحه ومنها قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا الإسراء ولا تكليف على المولود حتى يلزم الحجة وهذا متفق عليه قال الطيبي والحق مذهب التوقف لما ورد في أولاد خديجة كما سيأتي وحديث الوائدة والموؤدة في النار مخالف لحديث إبراهيم عليه الصلاة والسلام فالوجه أن يبنى الكلام على حديث عائشة رضي الله عنها وقولها عصفور من عصافير الجنة في شأن ولد من أولاد المسلمين فإنه عليه الصلاة والسلام أنكر عليها لأن الجزم بذلك جزم بأن الأبوين أو أحدهما في الجنة فعلى هذا أولاد المشركين الذين كانوا بين يدي إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام هم المشركون الذين لم يسلموا حينئذ ثم في المآل آمنوا وأما أولاد خديجة والموؤدة فهم الذين مات آباؤهم على الكفر وأما قوله تعالى وما كنا معذبين فيحتمل أن


يراد بالعذاب الإستئصال في الدنيا لأن حتى تقتضي ظاهرا أن يكون العذاب في الدنيا ويؤيده ما أتبعه من قوله وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها الإسراء فلا يتم الإستدلال بالآية وقال البيضاوي وكما أن البالغين منهم شقي وسعيد فالأطفال منهم من سبق القضاء بأنه سعيد من أهل الجنة فهو لو عاش عمل عمل أهلها ومنهم من حق القلم بأنه من أهل النار فهو لو عاش عمل عمل أهلها ا ه ويؤيده قضية الغلام الذي قتله الخضر أنه طبع كافرا فهو ممن علم الله أنه لو عاش وبلغ أشرك وجاء في بعض الروايات إنهم يمتحنون في الآخرة برمي أنفسهم في النار فمن أطاع دخل الجنة ومن أبى دخل النار وكذا المجانين وأهل الفترة قال ابن حجر والحق أيضا فيمن مات من أهل الفترة أنهم ليسوا في النار لتلك الآية وأما الأخبار الدالة على خلاف ذلك كخبر مسلم أبي وأبوك في النار مؤولة وعن أكثر العلماء أنهم في النار ا ه وقد أفردت في هذه المسألة رسالة مستقلة رواه أبو داود


وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله الوائدة والموؤدة في النار وأدبنته يئدها وأدا فهي موؤدة إذا دفنها في القبر وهي حية وهذا كان من عادة العرب في الجاهلية خوفا من الفقر أو فرارا من العار وبعضهم كانوا يخلونها ويربونها على طريق الذل والهوان قال تعالى وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون النحل أي حكمهم بإثبات البنات لله بقولهم الملائكة بنات الله والحال أنهم يكرهون البنات قال القاضي كانت العرب في جاهليتهم يد فنون البنات حية فالوائدة في النار لكفرها وفعلها والموؤدة فيها لكفرها وفي الحديث دليل على تعذيب أطفال المشركين وقد تؤول الوائدة بالقابلة لرضاها به والموؤدة بالموؤدة لها وهي أم الطفل فحذفت الصلة إذ كان من ديدنهم أن المرأة إذا أخذها الطلق حفروا لها حفرة عميقة فجلست المرأة عليها والقابلة وراءها ترقب الولد فإن ولدت ذكرا أمسكته وإن ولدت أنثى ألقتها في الحفرة وأهالت التراب عليها قال السيد جمال الدين وإيراد المصنف في هذا الباب يأبى عن هذا التأويل تأمل وقيل هذا الحديث والذي قبله إنما أوردا في هذا الباب استدلالا على إثبات القدر وتعذيب أطفال الكفار ومن أراد تأويلها بغير ذلك وجب عليه أن يخرجهما من هذا الباب قال ابن حجر إن أريد بهذا الحديث ما يعم أهل الفترة كان مبنيا على ما نقل عن الأكثرين أنهم في النار أو ما يختص بأهل الإسلام كان محمولا في الموؤدة على البالغة ا ه وهذا بعيد جدا فإنه لا يعرف من العرب من دفن ولده حيا بعد بلوغه وأما قولهم ورد هذا الحديث في قصة خاصة وهي أن ابني مليكة أتيا رسول الله فسألاه عن أم لهما كانت تئد فقال عليه الصلاة والسلام الحديث أما الوائدة فلأنها كانت كافرة وأما الموؤدة فلأنها ولد الكافر ويحتمل أنها كانت بالغة ويحتمل أنها تكون غير بالغة ولكن علم عليه الصلاة


والسلام بالمعجزة كونها من أهل النار وقيل ورد في حق امرأة أسقطت حملها من الزنا وماتا فلا يتعين القطع بهذا الحديث على تعذيب أطفال المشركين لأنه ورد في قضية خاصة فلا يجوز حمله على العموم مع الإحتمال فجوابه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب نعم روى الدارمي في جامع الصحيح أن رجلا قال يا رسول الله إنا كنا أهل جاهلية وعبادة أوثان فكنا نقتل الأولاد وكانت عندي ابنة لي فلما أحانت وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها دعوتها يوما فاتبعتني فمررت حتى أتينا بئرا من أهلي غير بعيد فأخذت بيدها فرديت بها في البئر وكان آخر عهدي بها أن تقول يا أبتاه يا أبتاه فبكى عليه الصلاة والسلام حتى وكف دمع عينيه فقال له رجل من جلساء النبي أحزنت رسول الله فقال له كف فإنه يسأل عما أهمه ثم قال له أعد علي حديثك
فأعاده فبكى حتى وكف الدمع من عينيه على لحيته ثم قال له إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا فاستأنف عملك قال ابن حجر فظاهر قوله ما عملوا أن المراد بهم أهل الفترة قلت ليس كذلك بل معناه أنه وضع عنهم ما عملوا إذا أسلموا ولذا قال تسلية له فاستأنف عملك فهو كحديث الإسلام يهدم ما كان قبله وكقوله تعالى عفا الله عما سلف المائدة رواه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري وقال ابن عبد البر لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن الزهري غير أبي معاذ وهو ناسي الحديث لا يحتج بحديثه كذا نقله ميرك شاه رحمه الله
الفصل الثالث


عن أبي الدرداء رضي الله عنه هو عويمر بن عامر الأنصاري الخزرجي اشتهر بكنيته والدرداء ابنته تأخر إسلامه قليلا فكان آخر أهل داره إسلاما وحسن إسلامه وكان فقيها عالما حكيما سكن الشام ومات بدمشق سنة اثنتين وثلاثين قال قال رسول الله إن الله عز وجل فرغ إلى كل عبد فرغ يستعمل باللام ومنه قوله تعالى سنفرغ لكم أيه الثقلان الرحمن واستعماله بإلى هنا لتضمين معنى الإنتهاء أو يكون حالا بتقدير منتهيا والمعنى انتهى تقديره في الأزل من تلك الأمور الخمسة إلى تدبير هذا العبد بإبدائها كما سبق من قوله شؤون يبديها لا يبتدىء بها ويجوز أن يكون إلى بمعنى اللام يقال هداه إلى كذا ولكذا وقوله من خلقه صلة فرغ أي من خلقته وما يختص به وما لا بد له منه من الأجل والعمل وغيرهما وقوله من خمس عطف عليه ولعل سقوط الواو من الكاتب ويمكن أن يقال إنه بدل منه بإعادة الجار والوجه أن يذهب إلى أن الخلق بمعنى المخلوق ومن فيه بيانية أو تبعيضية ومن في من خمس متعلق بفرغ أي فرغ إلى كل عبد كائن من مخلوقه من خمس من أجله بفتحتين من بيانية للخمس أو بدل بإعادة الجار والمراد بالأجل مدة عمره وعمله خيره وشره ومضجعه بفتح الجيم أي سكونه وقراره وأثره بحركتين أي


حركته واضطراره ورزقه حلاله وحرامه وكثيره وقليله وقيل المراد بأثره مشيه في الأرض قال السيد جمال الدين وجمع بين مضجعه وأثره وأراد سكونه وحركته ليشمل جميع أحواله من الحركات والسكنات وقال نجله السعيد الأظهر أن يقال المراد من مضجعه محل قبره وأنه بأي أرض يموت ومن أثره ما يحصل له من الثواب والعقاب وأنه من أهل الجنة أو النار والله أعلم رواه أحمد وعن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله يقول من تكلم في شيء أي وإن قل من القدر أعم من النفي والإثبات والحق والباطل قال الطيبي هذا أبلغ من أن يقال في القدر لإفادة المبالغة في القلة والنهي عنه ا ه والظاهر والله أعلم أن المراد النهي عن التكلم بالأدلة العقلية المتعلقة بمسألة القدر بعد الإيمان بإنبائه لأن انتهاءها عند أرباب العلم والعمل إلى قوله تعالى لا يسئل عما يفعل الأنبياء يسئل عنه يوم القيامة أي كسائر الأقوال والأفعال وجوزي كل ما يستحقه ولعلها إشارة إلى تخصيص قوله تعالى أي وهم يسئلون الأنبياء ومن لم يتكلم فيه لم يسئل عنه لأن الخلق مكلفون بالإيمان بالقدر بمقتضى الأدلة النقلية غير مأمورين بتحقيقه بموجب الأدلة العقلية فالشخص إذا آمن بالقدر ولم يبحث عنه لا يرد عليه سؤال الإعتراض بعدم التفحص فإنه غير مأمور به ولذا قال فيما تقدم على طريق الإنكار بهذا أمرتم أي بالتنازع في البحث بالقدر وقال أيضا إذا ذكر القدر فأمسكوا والله أعلم رواه ابن ماجه وعن ابن الديلمي رضي الله عنه هو أبو عبد الله وقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو الضحاك فيروز الديلمي ويقال له الحميري لنزوله في حمير وهو من أبناء الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن قال محمد بن سعيد ومن أهل الحديث من يقول فيروز بن الديلمي وهو واحد وفد فيروز على رسول الله وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب المدعي للنبوة قتله في آخر حياة النبي ووصل خبر قتله إياه إليه في مرض الموت فقال عليه الصلاة والسلام قتله الرجل الصالح


فيروز فاز فيروز فاز فيروز ويقال أن فيروز ابن أخت النجاشي روى عن ابن الضحاك وعبد الله وغيرهما توفي في خلافة عثمان وقيل ف
زمن معاوية بعد الخمسين كذا في تهذيب الأسماء قال ميرك شاه هذا كلام صحيح في نفس الأمر ليس المراد من ابن الديلمي في هذا المحل هو فيروز الديلمي بل المراد ابن الضحاك بن فيروز وهو تابعي مقبول من أوساط التابعين وأبوه معدود في الصحابة وله أحاديث ويحتمل أن يكون المراد به عبد الله بن فيروز أخا الضحاك وهو ثقة من كبار التابعين ومنهم من ذكره في الصحابة وهذا الإحتمال عندي أظهر والله أعلم ا ه وقد ذكر المصنف في أسماء الرجال للمشكاة ابن الديلمي هو الضحاك بن فيروز تابعي حديثه في المصريين روى عن أبيه والديلمي بفتح الدال منسوب إلى الديلم وهو الجبل المعروف بين الناس وفيروز بفتح الفاء وسكون الياء تحتها نقطتان وضم الراء وبالزاي قال أتيت أبي بن كعب أقرأ الصحابة رضي الله عنهم قال المصنف هو أبي بن كعب الأكبر الأنصاري الخزرجي كان يكتب للنبي الوحي وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله كناه النبي أبا المنذر وعمر أبا الطفيل وسماه النبي سيد الأنصار وعمر سيد المسلمين مات بالمدينة سنة تسعة عشر روى عنه خلق كثير فقلت له بحكم قوله تعالى فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون النحل قد وقع في نفسي شيء من القدر أي حزازة واضطراب عظيم من جهة أمر القضاء والقدر باعتبار العقل لا بموجب النقل قال ابن حجر أي من بعض شبه القدر التي ربما تؤدي إلى الشك فيه كاعتقاد أن الإنسان يخلق فعل نفسه كما قالته المعتزلة أو أنه مجبور على الفعل كما قالته الجبرية فكيف يعذب وأنا أريد الخلاص منه أي من هذا المبحث فحدثني أي بحديث لعل الله أن يذهبه من قلبي أي رجاء أن يزيل ذلك مني وقال أولا في نفسي وثانيا من قلبي إشعارا بأن ذلك تمكن منه وأخذ بمجامعه من ذاته وقلبه كذا قاله الطيبي والأظهر أن الحزازة تنشأ من الخطرات


النفسية والثبات والإطمئنان من الصفات القلبية ثم قوله أن يذهبه خبر لعل أعطاه حكم عسى في دخول أن في خبره فقال أي أبي رضي الله عنه متحريا غاية البيان الشافي ونهاية الإرشاد الوافي لو أي فرض أن الله عذب أهل سمواته من الملائكة المقربين وأهل أرضه من الأنبياء والمرسلين عذبهم وفيه إشكال ودفعه أن الشرطية غير لازمة الوقوع وهو غير ظالم لهم الواو للحال لأنه متصرف في ملكه وملكه فعذابه عدل وثوابه فضل قيل فيه إرشاد عظيم وبيان شاف لإزالة ما طلب منه لأنه يهدم منه قاعدة الحسن والقبح العقليين لأنه مالك الجميع فله أن يتصرف كيف شاء ولا ظلم أصلا ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم أي الصالحة إشارة إلى أن رحمته ليست بسبب من الأعمال وإيجابها إياها إذ هي لا توجبها عليه كيف وهي من جملة رحمته بهم فرحمته إياهم محض فضل منه تعالى عليهم فلو رحم الأولين والآخرين فله ذلك ولا يخرج عن حكمة غايته أنه أخبر أن المطيعين لهم الثواب وأن العاصين لهم العقاب كما هو مثبت في أم الكتاب فالأمر المقدر لا يتبدل ولا يتغير وهذا هو الصواب في الجواب


ولو أنفقت مثل أحد بضمتين جبل عظيم قريب المدينة المعظمة ذهبا تمييز في سبيل الله أي مرضاته وطريق خيراته ما قبله الله أي ذلك الإنفاق أو مثل ذلك الجبل منك وهو تمثيل على سبيل الفرض لا تحديد إذ لو فرض إنفاق ملء السموات والأرض كان كذلك حتى تؤمن بالقدر أي بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرها وحلوها ومرها ونفعها وضرها وقليلها وكثيرها وكبيرها وصغيرها بقضائه وقدره وإرادته وأمره وأنه ليس فيها لهم إلا مجرد الكسب ومباشرة الفعل والمراد هنا كمال الإيمان وسلب القبول مع فقده يؤذن بأن المبتدعة لا تقبل لهم أعمال أي لا يثابون عليها ما داموا على بدعتهم ويؤيده خبر أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يتوب من بدعته وفيه إشعار بأنه أهل البدعة ليسوا من المتقين لقوله تعالى أي إنما يتقبل الله من المتقين المائدة أي وأنه لا يحبهم فإن الله يحب المتقين وتعلم تخصيص بعد تعميم إن ما أصابك من النعمة والبلية أو الطاعة والمعصية مما قدره الله لك أو عليك لم يكن ليخطئك أي يجاوزك وإن ما أخطأك من الخير والشر لم يكن ليصيبك وهذا وضع موضع المحال كأنه قيل محال أن يخطئك وفيه ثلاث مبالغات دخول أن ولحوق اللام المؤكدة للنفي وتسليط النفي على الكينونة وسرايته في الخبر وهو مضمون قوله تعالى أي قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا التوبة وفيه حث على التوكل والرضا ونفي الحول والقوة وملازمة القناعة والصبر على المصائب ولومت بضم الميم من مات يموت وبكسرها من مات يميت على غير هذا أي على اعتقاد غير هذا الذي ذكرت لك من الإيمان بالقدر لدخلت النار يحتمل الوعيد ويحتمل التهديد قال أي ابن الديلمي ثم أتيت عبد الله بن مسعود صاحب السجادة والمخدة والنعلين والمطهرة رضي الله عنه فقال مثل ذلك أي مثل جواب أبي في سؤالي قال ثم أتيت حذيفة بن اليمان مر ذكره وهو صاحب سر النبي وأبوه اسمه حسيل بالتصغير واليمان لقب له وقتل بأحد شهيدا رضي الله عنهما فقال مثل ذلك


فالحديث من طرقهم صار موقوفا ثم أتيت زيد بن ثابت أفضل كتبة الوحي وأفرض الصحابة قال المصنف هو زيد بن ثابت الأنصاري كاتب النبي كان له حين قدم النبي المدينة إحدى عشرة سنة وكان أحد فقهاء الصحابة الأجلة القائم بالفرائض وهو أحد من جمع القرآن وكتبه في خلافة أبي بكر ونقله من المصحف في زمن عثمان روى عنه خلق كثير مات بالمدينة سنة خمس وأربعين وله ست وخمسون سنة فحدثني عن النبي مثل ذلك فصار الحديث من طريقه مرفوعا قال الطيبي في سؤاله من الصحابة واحدا بعد واحد واتفاقهم في الجواب من غير تغيير ثم انتهاء الجواب إلى حديث النبي دليل على الإجماع المستند إلى النص الجلي فمن خالف ذلك فقد كابر الحق الصريح رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه


وعن نافع أي ابن سرجس مولى عبد الله بن عمر كان ديلميا وهو من كبار التابعين سمع ابن عمرو أبا سعيد روى عنه خلق كثير منهم الزهري ومالك بن أنس وهو من المشهورين بالحديث ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به معظم حديث ابن عمر دائر عليه قال مالك كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من غيره مات سنة سبع عشرة ومائة وسرجس بفتح السين المهملة الأولى وسكون الراء وكسر الجيم أن رجلا أتى ابن عمر فقال أي الرجل إن فلانا يقرأ وفي نسخة يقرىء عليك السلام في القاموس قرأ عليه السلام أبلغه كأقرأه أولا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبا فقال أي ابن عمر إنه أي الشأن وتفسيره الخبر وهو قوله بلغني أنه قد أحدث أي ابتدع في الدين ما ليس منه من التكذيب بالقدر فإن كان قد أحدث أي ما ذكر فلا تقرئه مني السلام كناية عن عدم قبول سلامه كذا قاله الطيبي والأظهر أن مراده أن لا تبلغه مني السلام أورده فإنه ببدعته لا يستحق جواب السلام ولو كان من أهل الإسلام قال ابن حجر لا تقرئه مني السلام لأنا أمرنا بمهاجرة أهل البدع ومن ثم قال العلماء لا يجب رد سلام الفاسق والمبتدع بل لا يسن زجرا لهما ومن ثم جاز هجرهم لذلك فإني سمعت رسول الله يقول يكون في أمتي أو في هذه الأمة يحتمل الدعوة والإجابة على ما تقدم وأو للشك خسف في الأرض ومسخ وفي نسخة أو مسخ أي تغيير في الصورة أو قذف أي رمي بالحجارة كقوم لوط قال ميرك شاه والظاهر أنه شك من الراوي وقال الطيبي يحتمل التنويع أيضا ا ه وهذا صحيح إن لم يكن عطف مسخ على خسف بالواو تأمل في أهل القدر بدل بعض من قوله في أمتي بإعادة الجار رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب أعلم أن الغرابة قد تكون في الحديث الحسن أو الصحيح ولكن في الجمع بين الحسن والصحة إشكال إذ الحسن قاصر على الصحيح فقيل يريد الترمذي به أنه روي بإسنادين أحدهما يقتضي الصحة


والآخر الحسن أو المراد بالحسن معناه اللغوي وهو ما تميل إليه النفس وتستحسنه وهذا المعنى لا ينافي الصحيح فاندفع التناقض وقد يقال المراد أنه حسن لذاته صحيح لغيره فإن الحسن إذا روي من وجه آخر ترقى من الحسن إلى الصحيح
لقوته من الجهتين فيعتضد أحدهما بالآخر وعن علي رضي الله عنه قال سألت خديجة النبي عن ولدين ما قا لها في الجاهلية أي عن شأنهما وأنهما في الجنة أو النار وقال المؤلف هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية كانت تحت بني هالة بن زرارة ثم تزوجها عتيق بن عائد ثم تزوجها النبي ولها يومئذ من العمر أربعون سنة ولم ينكح النبي قبلها امرأة ولا نكح عليها حتى ماتت وهي أول من آمن من كافة الناس من ذكرهم وأنثاهم وجميع أولاده منها غير إبراهيم فإنه من مارية وماتت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بأربع سنين وقيل بثلاث وكان قد مضى من النبوة عشر سنين وكان لها من العمر خمس وستون سنة وكانت مدة مقامها مع رسول الله خمسا وعشرين سنة ودفنت بالحجون فقال رسول الله هما في النار قال أي علي فلما رأى أي النبي الكراهة أي أثرها من الكآبة والحزن في وجهها قال أي تسلية لها لو رأيت مكانهما وهو جهنم لأبغضتهما وفي نسخة لأبغضتيهما بإشباع الكسرة ياء أي لو أبصرت منزلتهما في الحقارة والبعد عن نظر الله تعالى لرأيت الكراهة وأبغضتهما أو لو علمت مكانهما أي منزلتهما وبغض إياهما لأبغضتهما وتبرأت منهما تبرأ إبراهيم عن أبيه حيث تبين أنه عدو لله قالت يا رسول الله فولدي منك قال في الجنة والمراد بأولادها منه القاسم وعبد الله وقيل الطيب والطاهر أيضا وقيل هما لقبان لعبد الله وهو قول الأكثر والله أعلم ثم قال رسول الله إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وهذا لا خلاف فيه يعتد به وإن المشركين وأولادهم في النار ثم قرأ رسول الله والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان وفي نسخة صحيحة ذرياتهم وهما قراءتان متواترتان قال الطيبي وفي الحديث أن


الأولاد تابعة لآبائهم لا لأمهاتهم ولذلك استشهد لذلك بقوله تعالى ألحقنا بهم ذريتهم وأما طريق الإستشهاد لإلحاق أولاد المؤمنين
بالآباء فأن يقال لا ريب أن هذا الإلحاق لكرامة آبائهم ومزيد سرورهم وغبطتهم في الجنة وإلا فينغص عليهم كل نعيم ومن ثم قيل والذين آمنوا في محل نصب على تقدير وأكرمنا الذين آمنوا ألحقنا بهم على شريطة التفسير الكشاف الذين آمنوا مبتدأ وبإيمان ألحقنا بهم ذريتهم خبره والذي بينهما اعتراض والتنكير في إيمان للتعظيم والمعنى بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلا عليهم وعلى آبائهم ليتم سرورهم وليكمل نعيمهم وهذا المعنى مفقود في الكفار ا ه قلت بل كون أولادهم معذبين معهم سبب لزيادة عذابهم وشدة عقابهم ثم ما ذكره الشراح من تفسير الآية ليس صريحا في المدعي من الحديث أن أولاد المؤمنين الصغار تبع لآبائهم في دخول الجنة أو في رفع الدرجة وإنما يستفاد من تفسير البغوي حيث قال اختلفوا في تفسير الآية فقال قوم معناها والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان يعني أولادهم الصغار والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم والصغار بإيمان آبائهم فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين ألحقنا بهم ذريتهم المؤمنين في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم تكرمة لآبائهم لتقر بذلك أعينهم وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال آخرون معناه والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم البالغون بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم وهو قول الضحاك ورواية العوفي عن ابن عباس أخبر الله عز وجل أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه من غير أن ينقص الآباء من أعمالهم شيئا فذلك قوله وما ألتناهم أي ما نقصناهم يعني الآباء من عملهم من


شيء الطور وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقربه عينه ثم قرأ والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم الآية ا ه وظاهر الآية أن الذين آمنوا أعم من الآباء والأمهات ولعل أولاد خديجة في النار لأنها حال موتهم لم تكن مؤمنة فلا ينافي قول العلماء الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين وحينئذ ليس كلام الطيبي على صرافته فتدبر رواه أحمد وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لما خلق الله آدم مسح ظهره تقدم فسقط أي خرج من ظهره وفي نسخة صحيحة عن ظهره أي بواسطة وغيرها كل نسمة أي ذي روح وقيل كل ذي نفس مأخوذة من النسيم قاله الطيبي وفي


القاموس النسم محركة نفس الروح كالنسمة محركة ونفس الريح إذا كان ضعيفا كالنسيم هو خالقها من ذريته الجملة صفة نسمة ذكرها ليتعلق بها قوله إلى يوم القيامة ومن بيانية وفي هذا الحديث دليل على أن إخراج الذرية كان حقيقيا وجعل بين عيني كل إنسان أي منهم على نسخة والأصح بين عيني ثاني مفعولي جعل ويجوز أن يكون بمعنى خلق فيكون ظرفا له وبيصا أي بريقا ولمعانا من نور وفي ذكره إشارة إلى الفطرة السليمة وفي قوله بين عيني كل إنسان إيذان بأن الذرية كانت على صورة الإنسان على مقدار الذر ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال تعالى هم ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه قال بغير الفاء أي رب من هذا قال تعالى هو داود قيل تخصيص التعجب من وبيص داود إظهار لكرامته ومدح له فلا يلزم تفضيله على سائر الأنبياء لأن المفضول قد يكون له مزية بل مزايا ليست في الفاضل ولعل وجه الملاءمة بينهما اشتراك نسبة الخلافة فقال رب وفي نسخة صحيحة أي رب كم جعلت عمره بضم العين والميم وقد تسكن وكم مفعول لما بعده وقدم لماله الصدر أي كم سنة جعلت عمره قال ستين سنة قال رب زده من عمري يعني من جملة الألف ومن عمري صفة أربعين قدمت فعادت حالا وقوله أربعين سنة مفعول ثان لقوله زده كقوله تعالى أي رب زدني علما أي طه قال أبو البقاء زاد يستعمل لازما كقولك زاد الماء ويستعمل متعديا إلى مفعولين كقوله زدته درهما وعلى هذا جاء قوله تعالى فزادهم الله مرضا البقرة كذا ذكره الطيبي قال ابن حجر وقد يستعمل متعديا لواحد كزاد المال درهما قال السيد جمال الدين وفيه أن الأمثلة ليست نصا في التعدية إلى مفعولين لإحتمال التمييز تأمل قال رسول الله فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين أي سنة كما في نسخة جاءه ملك الموت فقال آدم أو لم يبق بفتح الياء والقاف من عمري أربعون سنة بهمزة الإستفهام الإنكاري المنصب على نفي البقاء فيفيد إثباته وقدمت على الواو لصدارتها والواو


استئنافية لمجرد الربط بين ما قبلها وما بعدها فإن قلت ما الفرق بين انقضى عمره إلا أربعين وبين بقي من عمر آدم أربعون قلت في الإستثناء توكيد ليس في غيره قاله الطيبي قلت لأن غيره يحتمل الأكثر وهو نص في بقاء الأربعين كلها كقوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما العنكبوت مع زيادة الإفادة في الآية من الأقربية إلى الضبط والدلالة على العدد المشهور في الكثرة والإشارة إلى جواز إلغاء الكسر كما هو جار على ألسنة العامة قال أو لم تعطها أي أتقول


ذلك ولم تعطها أي الأربعين ابنك مفعول ثان داود بدل أو عطف بيان فجحد آدم أي ذلك لأنه كان في عالم الذر فلم يستحضره حالة مجيء ملك الموت له قاله ابن حجر فجحدت ذريته لأن الولد سر أبيه ونسي آدم إشارة إلى أن الجحد كان نسيانا أيضا إذ لا يجوز جحده عنادا فأكل من الشجرة قبل نسي أن النهى عن جنس الشجرة أو الشجرة بعينها فأكل من غير المعينة وكان النهي عن الجنس والله أعلم فنسيت ذريته ولذا قيل أول الناس أول الناسي وخطأ بفتح الطاء أي في اجتهاده من جهة التعيين والتخصيص وخطأت ذريته والأظهر أن خطأ بمعنى عصى لقوله تعالى وعصى آدم ربه طه ولقوله عليه الصلاة والسلام كلكم خطاؤن وخير الخطائين التوابون قال الطيبي وفي الحديث إشارة إلى ما نقله الشيخان يهرم ابن آدم ويشت فيه اثنان الحرص على المال والحرص على العمر و ابن آدم وارد على سبيل الإستطراد وإن ابن آدم مجبول من أصل خلقته على الجحد والنسيان والخطأ إلا من عصمه الله رواه الترمذي وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه عن النبي قال خلق الله آدم حين خلقه قال الطيبي ظرف لقوله فضرب ولا يمنع الفاء من العمل لأنه ظرف على أن الفاء السببية أيضا غير مانعة لعمل ما بعدها فيما قبلها فإن لإيلاف قريش قريش متعلق بقوله فليعبدوا على تقدير الشرط أي أما لا فليعبدوه كذا في الكشاف تقول العرب أما لا أي إن كنت لا تفعل غيره فافعل هذا قال القاضي أي أن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجل إيلافهم وقال السيد جمال الدين ويحتمل أن يكون ظرفا لقوله خلق الله والمقصود الإشارة إلى عدم العلم بزمان خلقه تأمل ا ه وقيل تقديم الظرف مع وجود التعقيب للدلالة على أن الإخراج لم يتخلف عن خلقه عليه الصلاة والسلام وفيه نظر لأن الدلالة حاصلة وإن تأخر الظرف وقوله فضرب قيل أمر بالضرب فضرب الملك كتفه اليمنى بفتح الكاف وكسر التاء كذا مضبوط في النسخ المصححة وفي القاموس كتف كفرح ومثل وجبل فأخرج ذرية بيضاء أي


نورانية كأنهم الذر في أكثر النسخ بفتح الذال المعجمة فالتشبيه في الهيئة وقيل أي الأبيض بدليل مقابلة الآتي وفي بعضها بضم الدال المهملة فالتشبيه باعتبار اللون والصفاء ولا ينافي هذا ما تقدم من أن بين عيني كل إنسان منهم وبيصا حتى يحتاج إلى أن يحمل على تكرر الإخراج على صفات مختلفة كما صنعه ابن حجر وضرب كتفه اليسرى
فأخرج ذرية سوداء أي ظلمانية كأنهم الحمم بضم الحاء جمع حممة يقال حممت الجمرة كفرحت تحم بالفتح إذا صارت فحما فقال للذي في يمينه أي في جهة يمين آدم من ذرية المؤمنين بعد إخراجهم من كتفه اليمنى وقال ابن حجر أي للذي في كتفه اليمين بدليل في كتفه اليسرى الآتي فيكون باعتبار ما كان ا ه والمعنى يعني قال تعالى لآدم لأجل الذي في يمينه وعن قبلهم وفي حقهم نحو قوله تعالى وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه الأعراف و الذي صفة لفريق نحو قوله تعالى كالذي خاضوا التوبة إلى الجنة خبر مبتدأ محذوف أي هؤلاء أوصلهم أو أصيرهم إلى الجنة ويمكن أن يكون الأمر للمشافهة والتقدير أنتم أوصلكم أو أصيركم إلى الجنة وقوله ولا أبالي حال من الضمير المستكن في الخبر أي والحال إني لا أبالي بأحد كيف وأنا الفعال لما أريد والخلق كلهم لي عبيد وهو نحو قوله وإن رغم أنف أبي ذر فإنه تعالى علم أن بعض المبتدعة يقول بخلافه فرد عليهم بنفسه مبالغة في تحقيرهم وتسفيه عقولهم وإنهم كالهباء الذي لا يبالي أحد به وإن فعل ما فعل وقال للذي في كفه اليسرى بفتح الكاف وتشديد الفاء كذا في أصل السيد جمال الدين وفي بعض النسخ أي في يده وهو المناسب للمعنى المقابل بقوله في يمينه وفي أكثر النسخ كتفه اليسرى ولعله باعتبار ما كان قال الطيبي وذكر اليمين والكف لتصوير العظمة ا ه والظاهر أن ضمير يمينه وكفه إلى آدم والمراد جهتاه ورواية كتفه صريحة في هذا المعنى واليسرى أيضا فإنها لا تطلق على يده تعالى فإن كلتا يديه يمين على ما ورد في


بعض الأحاديث إلى النار ولا أبالي فيه إيماء إلى أنه لا يجب على الله شيء وإن الأعمال أمارات لا موجبات فهو المحمود في كل أفعاله خلق فريقا للجنة بطريق الفضل وجعل طائفة للنار على سبيل العدل لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون الأنبياء رواه أحمد وعن أبي نضرة هو ابن المنذر بن مالك العبدي عداده في تابعي البصرة مات قبل الحسن بقليل سمع ابن عمر وأبا سعيد وابن عباس وروى عنه إبراهيم التيمي وقتادة وسعيد بن يزيد أن رجلا من أصحاب النبي يقال له أبو عبد الله وجهالة الصحابي لا تضر حيث كلهم عدول دخل عليه أصحابه أي من الصحابة أو التابعين والأول أظهر لما سيأتي يعودونه من العيادة التي هي أفضل من العبادة لفظا ومعنى وهو يبكى الجملة حالية


فقالوا له ما يبكيك أي أي شيء جعلك باكيا وما السبب والباعث لبكائك ألم يقل لك رسول الله خذ من شاربك أي بعضه يعني قصه وهو مقدار ما يساوي الشفة ثم أقره بفتح الهمزة وكسر القاف وتشديد الراء أي دم عليه حتى تلقاني أي في الحوض أو غيره و حتى تحتمل الغاية والعلة قال الطيبي الهمزة للإنكار دخلت على النفي فأفادت التقرير والتعجب أي كيف تبكي وقد تقرر أن رسول الله وعد بأنك تلقاه لا محالة ومن لقيه راضيا عنه مثلك لا خوف عليه قال بلى أي أخبرني بذلك ولكن سمعت رسول الله يقول إن الله عز وجل قبض أي بعض الذرية بيمينه قبضة أي واحدة وأخرى أي وقبض قبضة أخرى لبعض الذرية الأخرى باليد الأخرى لم يقل بيساره أدبا ولذا ورد في حديث آخر وكلتا يديه يمين وفي هذا تصوير لجلال الله وعظمته لتعاليه عن الجسم ولوازمه وقال هذه أي القبضة التي قبضها باليمين يعني من فيها أو هذه المقبوضة لهذه أي للجنة وهذه أي القبضة التي قبضها بالأخرى لهذه أي للنار ولا أبالي أي في الحالتين ولا أدري أي ولا أعلم في وفي نسخة من أي القبضتين أنا وحاصل الجواب أني أخاف من عدم الإحتفال والإكتراث في قوله ولا أبالي كذا قاله الطيبي يعني غلب علي الخوف بالنظر إلى عظمته وجلاله بحيث منعني عن التأمل في رحمته وجماله فإنه تعالى لذاته وعدم مبالاته له أن يفعل ما يريد ولا يجب عليه شيء للعبيد وأيضا لغلبة الخوف قد ينسى البشارة والرجاء بها مع أن البشارة مقيدة بالثبات والدوام والإقامة على طريق السنة والإستقامة وهو أمر دقيق وبالخوف حقيق والله أعلم قال الطيبي وفي الحديث إشارة إلى أن قص الشارب من السنن المتأكدة والمداومة عليه موصلة إلى قرب دار النعيم في جوار سيد المرسلين فيعلم أن من ترك سنة أي سنة فقد حرم خيرا كثيرا فكيف المواظبة على ترك سائرها فإن ذلك قد يؤدي إلى الزندقة رواه أحمد وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي قال أخذ الله الميثاق يعني العهد أي أراد أخذه


بدليل قوله فأخرج من ظهر آدم أي من الذرية التي تظهر من ظهره بنعمان قال الجوهري نعمان بالفتح واد في طريق الطائف يخرج إلى عرفات وفي القاموس واد وراء عرفة وهو نعمان الأراك وفي النهاية جبل بقرب عرفة ويقال له نعمان السحاب لأنه
لا يركد فوقه لعلوه فلمجاورته لها قال أي الراوي يعني عرفة فأخرج من صلبه بضم أوله وهو فقار الظهر كل ذرية ذرأها بالهمز أي خلقها إلى يوم القيامة من ذرأ الله الخلق أوجد أشخاصهم يعني بعضهم بواسطة وبعضهم بغيرها فنثرهم أي فرقهم وبثهم ونشرهم بين يديه أي قدام آدم أو بعضهم في يمينه وبعضهم في شماله كالذر أي مشبهين بالنمل في صغر الصورة ثم كلمهم أي خاطبهم سبحانه وتعالى قبلا بضمتين وقيل كعنب وصرد وقفل وجبل وهو حال أي كلمهم عيانا ومقابلة لا من وراء حجاب ولا بأن يأمر أحدا من ملائكته قال استئناف بيان وقال ابن حجر بدل من كلمهم أي وقال لهم ألست بربكم قالوا بلى أنت ربنا قال ابن عباس لو قالوا بدل بلى نعم لكفروا قال ابن حجر لأنها لتقرير النفي وبلى رد له ونفي النفي إثبات قال في المغني ولذا قال جماعة من الفقهاء لو قال أليس لك على ألف فقال بلى لزمه ولو قال نعم لم يلزمه وقال آخرون يلزمه فيهما وجروا في ذلك على مقتضى العرف ثم قال ولكن يقع في كتب الحديث ما يقتضي أنها يجاب بها الإستفهام المجرد ففي صحيح البخاري في كتاب الإيمان أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا بلى وفي صحيح مسلم في كتاب الهبة أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء قال بلى قال فلا إذن وفيه أيضا إنه قال أأنت الذي لقيتني بمكة فقال له المجيب بلى ثم قال لكن هذا قليل فلا يتخرج عليه التنزيل ا ه ولا يخفى أن هذه الأمثلة ليست من قبيل المتنازع فيه في الأزهار والصحيح أن جوابهم بقول بلى كان بالنطق وهم أحياء عقلاء وقيل بلسان الحال ثم قيل تجلى للكفار بالهيبة فقالوا بلى مخافة فلم ينفعهم إيمانهم وتجلى


للمؤمنين بالرحمة فقالوا بلى طوعا فنفعهم إيمانهم شهدنا هو يحتمل أن يكون من تتمة المقول أي شهدنا على أنفسنا بذلك وأقررنا بوحدانيتك وإنما احتاجوا إلى هذا مع أن بلى يغني عنه لقوله تعالى وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الأعراف ويحتمل أن يكون من ابتداء كلام الله تعالى أي شهدنا على إقراركم ويؤيد الأول تقدير الطيبي فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا أي احتجاجا وقيل لئلا تقولوا والجمهور بالخطاب وأبو عمرو بالغيبة في الموضعين على الإلتفات وقال بعض المفسرين قال الله تعالى للملائكة أشهدوا قالوا شهدنا الأنعام وقال بعضهم قال الله شهدنا يعني نفسه والملائكة والسموات والأرض قال سهل بن عبد الله أنا أتذكر ذلك الميثاق يوم القيامة ظرف أن تقولوا أي حين يحاسبون على كفرهم بالله وبكتبه ورسله والمقول إنا كنا عن هذا أي الميثاق أ و الإقرار بالربوبية والإعتراف بالعبودية غافلين أي


جاهلين لا نعرفه ولا نبهنا عليه أو تقولوا أي البعض المتأخرون احتجاجا آخر إنما أشرك آباؤنا من قبل أي من قبل ظهورنا ووجودنا أو من قبل إشراكنا وكنا ذرية من بعدهم فاقتدينا بهم فاللوم عليهم لا علينا أفتهلكنا أي أتعلم ذلك فتعذبنا بما فعل المبطلون من آبائنا بتأسيس الشرك والمعنى لا يمكنهم الإحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس رواه أحمد وقال ابن حجر رواه أحمد والنسائي وليس النسائي موجودا في النسخ ولعله إلحاق في الشرح لكنه مستبعد منه لأنه ليس من دأبه قال ميرك شاه كذا رواه أحمد مرفوعا والصحيح أنه موقوف على ابن عباس ورواه ابن أبي حاتم وغيره من طرق كثيرة والله أعلم ا ه وقال التوربشتي هذا الحديث مخرج في كتاب أبي عبد الرحمن النسائي ولا يحتمل من التأويل ما يحتمله حديث عمر رضي الله عنه ولا أرى المعتزلة يقابلون هذه الحجة إلا بقولهم حديث ابن عباس هذا من الآحاد فلا نترك به ظاهر الكتاب وإنما هربوا عن القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر الحديث لمكان قوله تعالى أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين الأعراف فقالوا إن كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين فلهم يوم القيامة أن يقولوا شهدنا يومئذ فلما زال عنا علمنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا كان منا من أصاب ومنا من أخطأ وإن كان على استدلال ولكنهم عصموا عنده من الخطأ فلهم أن يقولوا أيدنا يوم الإقرار بالتوفيق والعصمة وحرمناهما من بعد ولو مددنا بهما لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول فقد تبين أن الميثاق ما ركز الله فيهم من العقول وآتاهم وآباءهم من البصائر لأنها هي الحجة الباقية المانعة لهم أن يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين لأن الله تعالى جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسل حجة عليهم في الإيمان بما أخبروا به من الغيوب قال


الطيبي وخلاصة ما قالوه أنه يلزم أن يكونوا محتجين يوم القيامة بأنه زال عنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا فيقال لهم كذبتم بل أرسلنا رسلنا تترى يوقظونكم من سنة الغفلة وأما قوله حرمنا عن التوفيق والعصمة من بعد ذلك فجوابه أن هذا مشترك الإلزام إذ لهم أن يقولوا لا منفعة لنا في العقول والبصائر حيث حرمنا عن التوفيق والعصمة والحق أن تحمل الأحاديث الواردة على ظواهرها ولا يقدم على الطعن فيها بأنها آحاد لمخالفتها لمعتقد أحد ومن أقدم على ذلك فقد حرم خيرا كثيرا وخالف طريقة السلف الصالحين لأنهم كانوا يثبتون خبر واحد عن واحد عن النبي ويجعلونه سنة حمد من تبعها وعيب من خالفها ا ه وقال في الكشاف نزل تمكين بني آدم من العلم بربويته بنصب الدلائل وخلق الإستعداد فيهم وتمكينهم من معرفتها والإقرار بها منزلة


الإشهاد والإعتراف تمثيلا وتخييلا لا قول ثمة ولا شهادة حقيقة أقول لا منع من الجمع وبه يلتئم العقل والسمع قال المولى العلامة قطب الدين الشيرازي رحمه الله قد تقرر في بداية العقول أن بني آدم من ظهر آدم فيكون كل ما أخرج من ظهور بني آدم فيما لا يزال هم الذين قد أخرجهم الله تعالى في الأزل من ظهر آدم وأخذ منه الميثاق الأزلي ليعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج فيما لا يزال من أصلاب بني آدم هو الذر الذي أخرج في الأزل من صلب آدم وأخذ منهم الميثاق الأول وهو المقالي الأزلي كما أخذ منهم فيما لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الثاني وهو الحالي اللايزالي فلله سبحانه ميثاقان مع بني آدم أحدهما تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الباعثة على الإعتراف الحالي وثانيهما المقالي الذي لا تهتدي إليه العقول بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الآزال إلى الآباد كالأنبياء فأراد عليه الصلاة والسلام أن يعلم الأمة بأن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه ميثاقا آخر أزليا فقال ما قال من مسح ظهر آدم في الأزل الخ وهو في غاية التحقيق ونهاية التدقيق والله أعلم وعن أبي بن كعب رضي الله عنه في قول الله عز وجل أي في تفسير قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وفي نسخة صحيحة ذرياتهم وهما قراءتان متواترتان قال أي أبي جمعهم أي الله بعد أن أخرجهم فجعلهم أزواجا أي ذكورا وإناثا أو أصنافا وهو الأظهر ولذا قال الطيبي أي أراد جعلهم أصنافا وفسر الأصناف بقوله الآتي فرأى الغني والفقير ثم صورهم أي على صورهم التي يكونون عليها بعد فاستنطقهم أي خلق فيهم العقل وطلب منهم النطق فتكلموا بما شاء الله أو بما سيأتي ثم أي بعد التصوير والإستنطاق بحكم تقدير الخلاق أخذ عليهم العهد أي بالتوحيد والميثاق وهو توكيد العهد بالإقرار أو المراد بالعهد لئن جاءتهم الرسل ليؤمنن بهم والميثاق الإيمان المؤكدة ليوفن بذلك وأشهدهم على أنفسهم أي على


ذواتهم أو بعضهم على بعض أو قال لهم اشهدوا على أنفسكم وعلى كل تقدير يؤيد قول من يقول شهدنا بقولهم ألست بربكم إما استئناف بيان وإما التقدير أشهدهم بقوله ألست بربكم أي استشهدهم بهذا قالوا بلى كذا في أكثر النسخ المصححة وفي بعضها متروك لفظا وإن كان مقدرا معنى إذ المعنى قالوا بلى شهدنا قال فإني أشهد عليكم السموات السبع أي نفسها بأن ركب فيها عقولا مع أن المحققين على أن لجميع الموجودات علما بموجدها أي نفسها أو أهلها


والأرضين بفتح الراء وتسكن السبع كذلك أي زيادة على شهادتكم على أنفسكم وكفي بالله شهيدا وقال الطيبي إشارة إلى نصب الدليل الظاهر فأشهد بمعنى أنصب وأبين ويؤيد الأول ظاهر قوله وأشهد عليكم أباكم آدم وأول الطيبي هذا أيضا بأنه إلى قوله يذكرونكم إشارة إلى النصوص الشاهدة الواردة من جهة الرسل أن تقولوا بالخطاب لا غير يوم القيامة لم نعلم أي لم نوقن بهذا اعلموا أي تحققوا الآن قبل مجيء ذلك الزمان وتبين الأمر بالعيان أنه لا إله غيري معبود ولا رب غيري موجود ولا تشركوا بي شيئا فإني مقصود إني قيل بالفتح بدل اشتمال مما قبله وبالكسر استئناف وهو الأظهر أي إني مع هذا البيان سأرسل إليكم في مستقبل الزمان رسلي بالبرهان يذكرونكم بتشديد الكاف عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي بواسطة رسلي وفيها تبيان كل شيء مما يتعلق بعهدي وميثاقي ولذا قال تعالى أوفوا بعهدي أوف بعهدكم البقرة وهذا كالتصريح لما قدمنا من الجمع بين الميثاق المقالي والحالي والعهد الحسي والمعنوي قالوا شهدنا أي علمنا واعترفنا بأنك ربنا ورب كل شيء رضينا بربوبيتك وإلهنا وإله كل شيء فنقوم بحق عبوديتك بمقتضى ألوهيتك لا رب لنا غيرك فإنك رب العالمين ولا إله لنا غيرك فإنك إله العابدين قال ابن حجر كان وجه تقديمهم ههنا مقام الربوبية أن شهود تربية الحق حامل أي حامل على الإيمان بالألوهية فكان أحق بالتقديم هنا وإنما عكس ذلك في كلامه تعالى لأن مقام الألوهية هو الأحق بأن ينبه عليه لأنه الأصل وما عداه وسيلة وكما تقرر فأقروا بذلك أي بجميع ما ذكر ورفع بالبناء للمفعول أي أشرف عليهم آدم عليه الصلاة والسلام من مقام عال ينظر إليهم حال أو مفعول له بتقدير إن كما في قوله احضر الوغى فرأى أي آدم منهم الغني صورة ومعنى باعتبار الآثار اللائحة واللامعة والفقير يدا وقلبا وفي نسخة بتقديم الفقير وحسن الصورة أي الظاهرة والباطنة ودون ذلك أي في الحسن أو غير ما ذكر فقال رب لولا أي


هلا سويت يعني لم ما سويت بين عبادك والقصد به أن يبين له حكمته قال إني أحببت أن أشكر بالبناء للمفعول أي أعرف بالأنعام وأشكر على الدوام على لسان الأنام وهذا المعنى يصحح معنى ما ينقل حديثا ولم يصح لفظا كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأن أعرف ولذا قال ابن عباس في قوله تعالى وم
خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات أي ليعرفون والمعنى ينظر الغني إلى الفقير فيشكر وينظر الفقير إلى دينه فيرى نعمته فوق الغني فيشكر ويرى حسن الصورة جماله فيشكر وقبيح الصورة حسن خصاله فيشكر كذا قاله الطيبي وهو موهم أن حسن الصورة والسيرة لا يجتمعان وأن الغنى والدين متنافيان فالأحسن ما قاله شيخنا ابن حجر المكي إن الغني يرى عظيم نعمة الغني والفقير يرى عظيم نعمة المعافاة من كدر الدنيا ونكدها وتعبها الذي لا حاصل له غير طول الحساب وترادف المحن وتوالي العذاب وحسن الصورة يرى ما منحه من ذلك الجمال الظاهر الدال على الجمال الباطن غالبا وغيره يرى أن عدم الجمال أدفع للفتنة وأسلم من المحنة فكل هؤلاء يرون مزيد تلك النعم عليهم فيشكرون عليها ولو تساووا في وصف واحد لم يتيقظوا لذلك ورأى أي آدم الأنبياء وهم أعم من الرسل فيهم أي حال كونهم مندرجين في جملتهم مثل السرج جمع سراج عليهم النور أي يغلب كأنه بيان لوجه شبههم بالسرج فإن الخلق خلقوا في ظلمة والأنبياء أنوار الله عليهم لائحة يهتدون بهم إلى ربهم وفيه إشارة إلى أن لأنبياء أيضا لا يخلون عن ظلمة الأخلاق البشرية لكن يغلب عليهم العصمة الإلهية والأنوار الربانية ولذا خصوا بميثاق آخر بعدما دخلوا في عموم ميثاق العوام للإهتمام التام بمرامهم عليهم الصلاة والسلام فقوله خصوا استئناف أو صفة للأنبياء في الرسالة والنبوة أي في شأنهما والقيام بحقهما والفرق بينهما أن النبي من أنبأ عن الله سواء أمر بأن أنبىء عن الله أم لا والرسول من أمر بتبليغ الرسالة وهو قوله تبارك وتعالى أي هذا


الميثاق هو المراد من قوله وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم إلى قوله عيسى بن مريم وما قبله ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى الأحزاب ففيه تخصيص بعد تعميم فإن الخمسة هم أولو العزم على الأصح وقدم نبينا في الذكر لتقدمه في الرتبة أو في الوجود أيضا لقوله أول ما خلق الله روحي وقوله كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد ثم قال تعالى وأخذنا منهم ميثاقا غليظا الأحزاب أي عظيما مؤكدا يسأل الصادقين عن صدقهم والظاهر منه أن الميثاق الخاص هو العهد بالصدق والإخلاص والأظهر أن ميثاق الأنبياء إنما هو مظاهرة بعضهم بعضا بالإيمان والتصديق والنصرة والمعاونة كما قال تعالى في موضع آخر وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم اصري أي عهدي قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين آل عمران وهذا الميثاق الخاص يحتمل أن يكون بعد العام والأظهر أن يكون قبله في عالم الأرواح تعظيما لهم وتكريما ولذا قال عليه الصلاة والسلام كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد


ويدل عليه قوله كان أي عيسى في تلك الأرواح فأرسله أي روحه وهو يذكر ويؤنث يعني مع جبريل عليه الصلاة والسلام إلى مريم عليهما السلام بصيغة التثنية والصحيح فحدث بصيغة المجهول أي روي عن أبي أنه دخل أي الروح إلى جوفها ثم رحمها وإنما ذكر الروح بتأويل المنفوخ أو عيسى كذا قاله الطيبي وفي القاموس الروح بالضم ما به حياة الأنفس ويؤنث ا ه فجعل التذكير أصلا كما هو الأصل في اللفظ من فيها أي من فمها كذا قاله الأبهري وهو إشارة إلى قوله تعالى فنفحنا فيه التحريم أي في فيها وقرأ ابن مسعود فيها أي في مريم وهو يحتمل أن يكون المراد في فمها أو في جيب درعها ويجمع بينهما بفرض ثبوتهما بأن بعض تلك النفخة دخلت من جيبها وبعضها من فمها وتخصيص عيسى وتقييده بقوله دخل من فيها تسجيل على النصارى بركاكة عقولهم أي كيف يتخذ إلاها من دون الله من هذا حاله كذا قاله الطيبي ونظيره قوله تعالى كانا يأكلان الطعام المائدة قيل هو كناية عن يبولان ويغوطان رواه أحمد وعن أبي الدرداء قال بينما نحن عند رسول الله نتذاكر أي مع رسول الله أو مع بعضنا بحضرته وهو يسمع ما يكون ما موصولة أي الذي يحدث من الحوادث أهو شيء مقضي مفروغ منه فتوجد تلك الحوادث على طبقة أو شيء يوجد أنفا من غير سبق قضائه إذ قال رسول الله إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه أي لامكانه بل حكى وقوعه كما قيل إن بعض جبال المغرب سار عن محله مسافة طويلة وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه بضم اللام وتسكن أي خلقه الأصلي بالكلي فلا تصدقوا به أي بالخبر عنه بذلك فإنه غير ممكن عادة ولذا قال تعالى والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس آل عمران ولم يقل والعادمين له فإنه أي الرجل والمراد به الجنس يصير في كل ما يريد أن يفعله ويحدثه إلى ما جبل أي خلق وطبع عليه من الأخلاق قال ابن حجر أي على وفق ما سبق به القضاء والقدر الذي لا يمكن أن يبدل ويغير فالكيس مثلا لا يصير بليدا والسخي لا يصير بخيلا


والشجاع لا يصير جبانا وعكسها وهذا مثال تقريبي باعتبار استبعاد العادة لزوال الجبل عن مكانه استبعادا يلحقه بالمحال العقلي وحينئذ فلا يقدح في ذلك إمكان
زوال الجبل عن مكانه دون الخلق المقدر عما قدر عليه ا ه فإن قلت مدار الصوفية على تبديل الأخلاق فكيف هذا الحديث قلت التحقيق أن كل أحد خلق وطبع فيه الأخلاق جميعها وهي صالحة بأصلها أن تكون حميدة وأن تكون ذميمة وإنما تحمد إذا كانت متوسطة بين طرفي الإفراط والتفريط والذميمة ضدها فمثلا السخاوة صفة معتدلة بين الإسراف والبخل وكذا الشجاعة بين التهور والجبن وكذا التواضع بين الضعة والتكبر والغالب على الناس عادة عدم الإعتدال فالصوفية يجاهدون ويرتاضون في الأخلاق ليبدلوها عن مقتضى العادة ويعدلوها على سنن الإستقامة والعبادة ولذا قيل الإرادة ترك العادة ومن جملتها البغض وحالة اعتداله المحمود أن يكون في محله المرضي عند الله على القدر المحدود في الشرع وكذلك ضده المحبة ولذا قال من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه وأما إزالة صفة البخل من أصلها بالكلية فغير ممكنة إلا بالجذبة الإلهية ولذا قال تعالى قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا الإسراء أي بخيلا وقال عليه الصلاة والسلام لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأبتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب بل قيل لو أزيلت الصفات الذميمة بالكلية عن الإنسان يكون ناقصا إذ كماله أن تغلب صفاته الحميدة وبهذا فضل نوع الإنسان على نوع الملك والله أعلم والحاصل أن التبديل الأصلي الذاتي غير ممكن كما أشار إليه الحديث النبوي وأما التبديل الوصفي فهو ممكن بل العبد مأمور به ويسمى تهذيب النفس وتحسين الأخلاق قال تعالى قد أفلح من زكاها الشمس وفي الحديث حسنوا أخلاقكم وفي الدعاء اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي واللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق لا يهدى لصالحها إلا أنت


ومن أراد الإستيفاء فعليه بالأحياء ويمكن أن يقال إن الخلق المبرم لا يبدل والخلق المعلق يغير وهو مبهم عندنا معلوم عند الله فعلينا المجاهدة فكل ميسر لما خلق له ولهذا ترى كثيرا من المرتاضين لم تحسن أخلاقهم في أزمنة طويلة وبعضهم تبدل أخلاقهم الذميمة بالحميدة في مدة قليلة أو النفي محمول على العادة من غير حصول الأسباب العادية والإثبات على خرقها وهو تارة يكون بالجذبة الإلهية وتارة بالرياضات النفسية وتارة بالعلوم والمعارف الربانية قال ابن حجر وفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي استحضار هذا في النظر للخلق بعد وقوع الأفعال منهم حتى تقام أعذارهم في كثير من أحوالهم التي لا يترتب على إقامتها فيها محذور فإن كلا يجري في تيار ما قدر له لا يخرج عنه مثقال ذرة في حركاته وسكناته رواه أحمد وكذا ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردوديه في تفاسيرهم كلهم من طريق أبي جعفر الراوي عن الربيع عن أنس عن أبي العالية عن


أبي وكان مقتضى دأب المصنف أن يقول روى الأحاديث الخمسة أحمد وعن أم سلمة هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية رضي الله عنها وكانت قبل رسول الله تحت أبي سلمة فلما مات أبو سلمة سنة أربع تزوجها رسول الله في ليال بقين من شوال من السنة التي مات فيها أبو سلمة وماتت سنة تسع وخمسين ودفنت بالبقيع وكان عمرها أربعا وثمانين سنة وروى عنها ابن عباس وعائشة وزينب بنتها وابن المسيب وخلق سواهم كثير من الصحابة والتابعين قالت يا رسول الله لا تزال بالخطاب وقيل بالغيبة يصيبك أي يحصل لك في كل عام أي سنة وجع بفتح الجيم أي ألم من الشاة أي من أجل أثر الشاة المسمومة أي بالسم الذي بالغ اليهودي في اصطناعه واتقانه ليقتل في وقته وساعته التي أكلت أي في خيبر كما في نسخة قال ما أصابني شيء منها أي من تلك الشاة أو من تلك الأكلة إلا وهو أي ذلك الشيء من الألم مكتوب علي وآدم في طينته قال الطيبي مثل للتقدير السابق لا تعيين فإن كون آدم في طينته أيضا مقدر قبله كما يقال ما لاح كوكب وما أقام ثبير في التأبيد وإن لم يكن مؤبدا ا ه ويؤيده قوله تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها الحديد أي نخلقها وقضية الشاة تأتي في باب المعجزات إن شاء الله تعالى رواه ابن ماجة


باب إثبات عذاب القبر
قال الإمام النووي مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر وقد تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسنة قال تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر وأما الأحاديث فلا تحصى كثرة ولا مانع في العقل من أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد أو في الجميع على خلاف بين الأصحاب فيثيبه ويعذبه ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه كما يشاهد في العادة أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر لشمول علم الله تعالى وقدرته فإن قيل نحن نشاهد الميت على حاله فكيف يسأل ويقعد ويضرب ولا يظهر أثر فالجواب إنه ممكن وله نظير في الشاهد وهو النائم فإنه يجد لذة وألما يحسه ولا نحسه وكذا يجد اليقظان لذة وألما يسمعه ويتفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه وكذلك كان جبريل يأتي النبي فيوحي بالقرآن المجيد ولا يراه أصحابه


عن البراء بن عازب هو وأبوه صحابيان وهو أبو عمارة الأنصاري الحارثي نزل الكوفة وافتتح الري سنة أربع وعشرين وشهد مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين والنهروان ومات بالكوفة روى عنه خلق كثير وعمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم وعازب بعين مهملة وكسر الزاي بعدها موحدة رضي الله عنهما عن النبي قال المسلم وفي معناه المؤمن والمراد به الجنس فيشمل المذكر والمؤنث أو حكمها يعرف بالتبعية إذا سئل في القبر التخصيص للعادة أو كل موضع فيه مقره فهو قبره والمسؤول عنه محذوف أي سئل عن ربه ودينه ونبيه لما ثبت في الأحاديث الآخر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أي يجيب بأن لا رب إلا الله ولا إله سواه وبأن نبيه محمد عليه الصلاة والسلام ويلزم منه أن دينه الإسلام فذلك أي فمصداق ذلك الحكم وقال الطيبي إشارة إلى سرعة الجواب التي يعطيها جعل إذا ظرفا ليشهد والفاء للسببية ا ه وفيه بحث فإن الظاهر أن الآية سبب لما في الحديث دون العكس فالأولى أن يقال أن الفاء تفريعية أو تفصيلية قوله أي تعالى كما في نسخة يثبت الله الذين آمنوا أي يجري لسانهم بالقول الثابت وهو كلمة الشهادة المتمكنة في القلب بتوفيق الرب قال الطيبي واللام إشارة إلى كلمة طيبة ا ه وهذا مقتبس من قوله تعالى ومثل كلمة طيبة إبراهيم وهي شهادة أن لا إله إلا الله كما جاء عن ابن عباس وغيره كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وهي النخلة على ما في الصحيح قيل الباء للسببية متعلقة بيثبت وكذا في الحياة الدنيا بأن لا يزالوا عنه إذا فتنوا ولم يرتابوا بالشبهات وإن ألقوا في النار وفي الآخرة أي البرزخ وغيره وقيل في القبر عند السؤال وهو الصحيح كما وقع به التصريح قال الطيبي وأعاد الجار ليدل على استقلاله في التثبيت وفي رواية عن النبي قال يثبت الله مبتدأ أي آية يثبت الله الذين


آمنوا بالقول الثابت أي إلى قوله ويضل الله الظالمين أي الكافرين ويفعل الله ما يشاء إبراهيم نزلت في عذاب القبر أي في إثباته قال فإن قيل ليس في الآية دليل على عذاب المؤمن فما معنى قوله نزلت في عذاب القبر قلت لعله سمى أحوال العبد في القبر بعذاب القبر على تغليب فتنة الكافر على فتنة المؤمن ترهيبا ولأن القبر مقام الهول والوحشة ولأن ملاقاة الملكين مما يهيب المؤمن أيضا ا ه وفيه أن المراد إثبات عذاب القبر مجملا غايته أن عذاب المؤمن الفاسق مسكوت عنه كما هو دأب القرآن في الإقتصار على حكم الفريقين كما ورد في إعطاء الكتاب باليمين والشمال وخفة الميزان وثقله وأمثالهما وهذا المقدار من الدليل حجة على المخالف إذ لا قائل بالفصل يقال له أي لصاحب القبر من ربك فإن كان مسلما أزال الله الخوف عنه وثبت لسانه في جواب الملكين فيقول ربي الله ونبيي محمد زاد في الجواب تبجحا أو من نبيك مقدر في السؤال أو لأن السؤال عن التوحيد يستلزمه إذ لم يعتد به دونه وزاد في المصابيح والإسلام ديني فحينئذ يكون منعما في القبر وأما الكافر فيغلب عليه الخوف والحيرة والدهشة والوحشة ولا يقدر على جوابهما فيكون معذبا فيه قيل ولم يذكر حال الكافر لأن الضد أقرب خطورا بالبال عند ذكر ضده فاكتفى به عنه متفق عليه وعن أنس قال قال رسول الله إن العبد المراد به الجنس إذا وضع في قبره شرط وأتاه جوابه والجملة خبران وتولى أي ادبر وأعرض عنه أصحابه أي عن قبره والعبرة بالأكثر أو عن وضعه والمعنى دفنوه والتعبير عنهم بالأصحاب نظرا للغالب والأول هو الأظهر لقوله يسمع قرع نعالهم إنه بالكسر وهو أما حال بحذف الواو كما في أحد وجهي قوله تعالى ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة الزمر أي ووجوههم على أن الرؤية بمعنى الإبصار وهو على حد كلمته فوه إلى في أو يكون


أنه جواب الشرط على حذف الفاء فيكون أتاه حالا من فاعل يسمع وقد مقدرة ويحتمل أن يكون إذا ظرفا محضا وقوله إنه تأكيد لقوله إن العبد ليسمع بفتح اللام للتأكيد قرع نعالهم بكسر النون جمع نعل قيل أي يسمع صوتها لو كان حيا فإن جسده قبل أن يأتيه الملك فيقعده ميت لا يحس بشيء وهو ضعيف إذ ثبت بالأحاديث أن الميت يعلم من يكفنه ومن يصلي عليه ومن يحمله ومن يدفنه وقال ابن الملك أي صوت دقها وفيه دلالة على حياة الميت في القبر لأن الإحساس بدون الحياة ممتنع عادة واختلفوا في ذلك فقال بعضهم يكون بإعادة الروح وتوقف أبو حنيفة في ذلك ا ه ولعل توقف الإمام في أن الإعادة تتعلق بجزء البدن أو كله قال في شرح السنة يجوز المشي بالنعل في القبور أتاه ملكان أي قبل أن يمضي زمان طويل فيقعدانه من الإقعاد وقد وقع في بعض الروايات فيجلسانه من الإجلاس وهو أولى لأن القعود عند الفصحاء في مقابلة القيام والجلوس في مقابلة الإضطجاع والإستلقاء ويؤيده ما حكي أن النضر بن شميل مثل بين يدي المأمون فقال اجلس فقال يا أمير المؤمنين لست مضطجعا فاجلس قال كيف أقول قال قل اقعد ويحتمل أن يراد بالإقعاد الإيقاظ والتنبيه وإنما يسألان عنه بإعادة الروح ويمكن أنه يقوم من الفزع والخوف والهيبة والدهشة والحيرة فيقعدانه قال الطيبي ولعل من روى فيقعدانه ظن أن اللفظين ينزلان في المعنى منزلة واحدة وقد فاته دقة المعنى ولهذا نهى كثير من السلف عن رواية الحديث بالمعنى قال النووي القعود والجلوس مترادفان واستعمال القعود مع القيام والجلوس مع الإضطجاع مناسبة لفظية ونحن نقول بموجبه إذا كانا مذكورين وأما إذا لم يذكر إلا أحدهما فلم تقل أنه كذلك ألا ترى إلى حديث جبريل عليه السلام حتى جلس إلى النبي أقول صرح في القاموس بأنهما لغتان حيث قال القعود الجلوس أو هو من القيام والجلوس من الضجعة ومن السجود ا ه ويؤيد اللغة الثانية استعمال الفقهاء في أفعال الصلاة القعدة


الأولى والقعدة الأخرى والله أعلم فيقولان أي له ما كنت تقول أي أي شيء كنت تقوله أي تعتقد في هذا الرجل أي في شأنه واللام للعهد الذهني وفي الإشارة إيماء إلى تنزيل الحاضر المعنوي منزلة الصوري مبالغة لمحمد بيان من الراوي للرجل أي لأجل محمد كذا قاله الطيبي وشراح المصابيح وقال السيد جمال الدين الأولى أن يقال لمحمد من جملة قول الرسول والتعبير بمحمد دون النبي والرسول يؤذن بذلك ا ه قال الطيبي ودعاؤه بالرجل من كلام الملك فعبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحانا للمسؤول لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل ثم يثبت الله الذين آمنوا إبراهيم وفي رواية عند أحمد والطبراني ما تقول في هذا الرجل قال من قال محمد فيقول الخ قال ابن حجر ولا يلزم من الإشارة ما قيل من رفع الحجب بين الميت


وبينه حتى يراه ويسأل عنه لأن مثل ذلك لا يثبت بالإحتمال على أنه مقام امتحان وعدم رؤية شخصه الكريم أقوى في الإمتحان قلت وعلى تقدير صحته يحتمل أن يكون مفيدا لبعض دون بعض والأظهر أن يكون مختصا بمن أدركه في حياته عليه الصلاة والسلام وتشرف برؤية طلعته الشريفة فأما المؤمن فيقول أي في جوابه لهما مع اعترافه بالتوحيد كما مر أشهد أنه عبد الله ورسوله لا كما زعمت النصارى من الوهية نبيهم ولا كما زعمت الفرق الضالة أنه ليس برسوله فيقال له الظاهر أنه على لسانهما تعجيلا لمسرته وتبشيرا لعظيم نعمته انظر إلى مقعدك من النار أي لو لم تكن مؤمنا ولم تجب الملكين قد أبدلك الله به أي بمقعدك هذا مقعدا من الجنة أي بإيمانك والقعود هنا أيضا مستعمل في المعنى الأعم فيراهما أي المقعدين جميعا ليزداد فرحه وأما المنافق والكافر تعميم بعد تخصيص فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول لا أدري أي حقيقة أنه نبي أم لا كنت أقول أي في الدنيا ما يقول الناس أي المؤمنون وهذا قول المنافق لأنه كان يقول في الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله تقية لا اعتقادا وأما الكافر فلا يقول في القبر شيئا أو يقول لا أدري فقط لأنه لم يقل في الدنيا محمد رسول الله ويحتمل أن يقول الكافر أيضا دفعا لعذاب القبر عن نفسه وقال ابن حجر إن أراد بالناس المسلمين فهو كذب منه حتى في المنافق لأنه ليس المراد مجرد قول اللسان بل اعتقاد القلب وإن أراد من هو بصفته فهو جواب غير نافع له ا ه والثاني أظهر وهو أن يراد بالناس الكفار ومراده بيان الواقع لا الجواب النافع وعلى تقدير أن يراد بالناس المسلمون لا محذور أيضا في كذبهم إذ هذا دأبهم وقد أخبر الله تعالى عنهم بقوله يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون المجادلة أي في قولهم والله ربنا ما كنا مشركين الأنعام فيقال أي له كما في نسخة لا دريت أي لا علمت ما هو الحق


والصواب ولا تليت أي لا تبعت الناجين يعني ما وقع منك التحقيق والتسديد ولا صدر منك المتابعة والتقليد وقيل دعاء عليه وهو بعيد قال السيد جمال الدين أي لا قرأت فأصله تلوت قلبت الواو ياء لازدواج دريت أي ما علمت بالنظر والإستدلال أي العقلي أنه رسول وما قرأت كتاب الله لتعلمه منه أي بالدليل النقلي وينبئه قوله عليه الصلاة والسلام في الفصل الثالث أن المؤمن يقول هو رسول الله فيقولان ما يدريك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت كذا في الأزهار وقيل لا تليت لا اتبعت العلماء بالتقليد ا ه وقال ابن الملك قوله ولا تليت من تلا يتلو إذا قرأ أي ولا قرأت الكتاب دعاء عليه أي بدوام الجهل أو إخبار قيل رواية


ولا تليت خطأ والصواب ولا أتليت من أتلاه إذا اتبعه فالمعنى ما علمت بالنظر والإستدلال حقيقة نبوته ولا اتبعت العلماء بالتقليد فيكون اخبارا ا ه هذا وفي القاموس تلوته كدعوته ورميته تبعته والقرآن أو كل كلام قرأته وأتليته اتبعته فبهذا يظهر تكلف بعض وخطأ بعض في هذا المقام والله أعلم بالمرام ثم ذكر في الأزهار فإن قيل كيف يكلم الملكان جميع المكلفين وكيف يسألانهم في وقت واحد مع كثرتهم في الآفاق والأطراف وبعد المسافة شرقا وغربا وأي فائدة من سؤال اثنين من واحد قيل يكون لهما أعوان كما لملك الموت وقيل جميع الأرض مكشوف لهما وفي نظرهما كما لملك الموت وإن أحدهما يسأل المسلمين والآخر الكافرين ا ه وفي قول الأخير نظر ظاهر لأنه مخالف لظواهر الأحاديث ويمكن أن يقال حكمة الاثنين لأنهما بمنزلة الشاهدين أو عوض الملكين الكاتبين والله أعلم ويضرب أي الكافر بمطارق وفي المصابيح بمطرقة وهي آلة الضرب من حديد لأنه من بين الفلزات أشد شديد ضربة أي بين أذنيه كذا قاله ابن الملك قال الطيبي أفرد الضربة وجمع المطارق على نحو قوله معي جياعا ليؤذن بأن كل جزء من تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة ا ه والأظهر أن المطارق على حقيقته من معنى الجمعية سواء يكون أقله اثنان أو ثلاثة والمراد من ضربة دفعة واحدة من الضرب والله أعلم ثم رأيت ابن حجر قال كان وجه أإفرادها مع جمع المطارق للإشارة إلى أنها تجتمع عليه في وقت واحد فصارت كالضربة الواحدة صورة ثم قال وفي كلام الطيبي نظر لأن فيه إخراج المطارق عن حقيقته وهي الدلالة على الجمع الذي هو أبلغ في النكال والعذاب من غير داع لذلك فيصيح أي يرفع صوته بالبكاء من تلك الضربة صيحة يسمعها أي تلك الصيحة من يليه أي يقرب منه من الدواب والملائكة وعبر بمن تغليبا للملائكة لشرفهم ولا يذهب فيه إلى المفهوم من أن من بعد لا يسمع لما ورد في الفصل الثاني في حديث البراء بن عازب من أنه يسمعها ما بين المشرق


والمغرب والمفهوم لا يعارض المنطوق غير الثقلين أي الإنس والجن سمي بهما لأنهما ثقلا على الأرض ونصب غير على الإستثناء وقيل بالرفع على البدلية واستثنيا لأنهما بمعزل عن سماع ذلك لئلا يفوت الإيمان بالغيب لأنه يصير الإيمان به لو سمعوه ضروريا والإيمان الضروري لا يفيد ثوابا فيرتفع الإبتلاء والإمتحان وقيل لو سمعوه لأعرضوا عن التدابير والصنائع ونحوهما فينقطع المعاش ويختل نظام العالم ولذا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا وقيل الغفلة رحمة وقيل لولا الأمل لأختل العمل متفق عليه أي بحسب المعنى ولفظه للبخاري قال ميرك شاه وفيه نظر لأن رواية مسلم انتهت إلى قوله فيراهما جميعا فيحمل الإتفاق على الأكثر فتدبر


وعن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده أي أظهر له مكانه الخاص من الجنة أو النار وهو لا ينافي عرض مقعد آخر فرضيا كما تقدم بالغداة والعشى أي طرفي النهار أو المراد بهما الدوام إن كان أي الميت من أهل الجنة فمن أهل الجنة أي فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة أو فمقعده من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه وإن كان من أهل النار فمن أهل النار قال الطيبي يجوز أن يكون المعنى فمن كان من أهل الجنة فيبشر بما لا يكتنه كنهه ويفوز بما لا يقدر قدره وإن كان من أهل النار فبالعكس لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل الجزاء على الفخامة كقوله من أدرك الضمان فقد أدرك فيقال أي لكل منهما هذا أي المقعد المعروض عليك مقعدك أي مقعدك الذي أنت مستقر في نعيم عرضه أو جحيمه ومستمر حتى يبعثك الله إليه قال السيد جمال الدين الضمير في إليه إما أن يرجع إلى المقعد فالمعنى هذا مقعدك تستقر فيه حتى تبعث إلى مثله في الجنة أو النار كقوله تعالى قالوا هذا الذي رزقنا من قبل البقرة أي مثل الذي ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى الله تعالى أي إلى لقائه ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى المقعد المعروض أو إلى المقعد الذي هو القبر وإلى بمعنى من أي المعروض عليه مقعدك بعد ولا تدخله الآن حتى يبعثك الله إليه أو القبر مقعدك حتى يبعثك الله منه إلى مقعدك الآخر المعروض عليك ا ه وقال الطيبي الضمير يرجع إلى يوم الحشر أي هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر فترى عند ذلك كرامة أو هوانا تنسى عنده هذا المقعد يوم القيامة بالنصب على الظرفية قال التوربشتي وهذا لفظ المصابيح وقد روي في الأحاديث الصحاح حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة أي هذا مستقرك إلى يوم القيامة ويجوز أن يكون التقدير حتى يبعثك الله إلى محشر يوم القيامة ا ه وفي الأزهار المراد بالقيامة هنا النفخة الأولى لا الأخرى لأن ما بين النفختين لا يعذب أحد من الكفار والمسلمين قلت لا حاجة إلى


هذا التأويل فإن قوله هذا مقعدك مطلق متناول للعذاب وغيره مع أن النفخة الأولى حالة إماتة المخلوقات وغشيان للأموات وما ثم هناك بعث فتأمل متفق عليه
وعن عائشة رضي الله عنها أن يهودية دخلت عليها قال ابن حجر لا يلزم من ذلك رؤية اليهودية لعائشة المحرم عندنا لمفهوم قوله تعالى أو نسائهن النور المقتضي لحرمة كشف المسلمة شيئا من بدنها لكافرة لأنها قد تصفها لكافر فيفتنها ا ه ومفهوم المخالفة عندنا غير معتبر ولم ينقل أحد أن نساء النبي والصحابة كن يحتجبن عن نساء الكفار فذكرت أي اليهودية عذاب القبر فقالت أي اليهودية وهو يحتمل أن يكون تفسيرا أو تفريعا لها أي لعائشة أعاذك الله أي حفظك وأجارك من عذاب القبر جاز علم اليهودية بعذاب القبر لقراءتها في التوراة أو لسمعها ممن قرأ في التوراة وكانت عائشة لم تعلم ولم تسمع ذلك فسألت عائشة رسول الله عن عذاب القبر أي أحق هو فقال نعم عذاب القبر حق أي ثابت ومتحقق وكائن وصدق قالت عائشة فما رأيت رسول الله بعد أي بعد سؤالي ذلك صلى صلاة إلا تعوذ بالله من عذاب القبر وهو يحتمل داخل الصلاة وخارجها والأول أظهر ومن ثم أوجب ذلك بعض العلماء قيل يحتمل أنه ما علم ذلك قبل أو علم ولم يتعوذ حتى سمع من اليهودية فتعوذ أو كان يتعوذ ولم تشعر به عائشة وقيل كان يتعوذ منه قبل هذا سرا فلما رأى تعجبها منه أعلن به خلف كل صلاة ليثبت في قلبها وليقتدي به أمته وليشتهر ذلك بين الأمة ويترسخ في عقائدهم وليكونوا على خيفة منه وجاز أنه عليه الصلاة والسلام كان قبل هذا يتعوذ منه سرا متوقفا في شأن أمته فيه قبل أن يوحى إليه ثم تعوذ منه أعاذنا الله بلطفه منه قال التوربشتي روى الطحاوي أنه عليه الصلاة والسلام سمع اليهودية قالت ذلك فارتاع رسول الله ثم أوحي إليه بفتنة القبر ووجدت في حديث آخر أن عائشة رضي الله عنها قالت لا أدري أكان رسول الله يتعوذ قبل ذلك ولم أشعر به أو تعوذ بقول اليهودية قال الطيبي


فعلى هذا فيه تواضع منه عليه الصلاة والسلام وإرشاد للخلق إلى قبول الحق من أي شخص كان فإن الحكمة ضالة المؤمن وفيه أنه يبعد أنه عليه الصلاة والسلام يعتمد في المسألة الإعتقادية على مجرد قول اليهودية بل إنه اعتمد على الوحي كما تقدم والله أعلم وأما قول ابن حجر وما نقل عن الطحاوي يحتاج إلى نقل فهو غريب لأن نقله نقل فإنه من المحدثين المشهورين المعروفين بالثقة والعدالة والضبط في الغاية لا سيما وهذا ليس مما يقال بالرأي فيجب حسن الظن به ومن العجيب أنه لو نقل مثل هذا عمن هو دونه في الرتبة من أصحاب مذهبه كان سندا معتمدا عنده ثم في الحديث تنبيه على


أنه لا يجوز لأحد من خلق الله أن يأمن من عذاب الله متفق عليه وعن زيد بن ثابت قال بينا رسول الله في حائط أي كائن في بستان لبني النجار قبيلة من الأنصار على بغلة له حال من المستتر في الخبر ونحن معه حال متداخلة لأنه حال من الضمير في الحال إذ حادت بالحاء المهملة على الصحيح وقيل بالجيم من الجودة بالضم أي مالت ونفرت به أي ملتبسة به فبه حال وإذ بسكون الذال للمفاجأة بعد بينا نص على ذلك سيبويه على ما في المغني فكادت تلقيه من الإلقاء أي تسقطه وترميه عن ظهرها وإذا أقبر بفتح فسكون فضم ستة أو خمسة إذا بالألف للمفاجأة والواو للحال أي نحن على ذلك مع رسول الله وإذا أقبر أي ظهرت لنا قبور معدودة فاجأناها فقال من يعرف أصحاب هذه الأقبر أي ذواتهم وصفاتهم وتاريخ وفاتهم وأيام حياتهم قال رجل أنا أي أعرفهم قال إذا كنت تعرفهم فمتى ماتوا أي في الجاهلية أو بعدها مشركين أو مؤمنين قال في الشرك أي في زمنه أو صفته وقال ابن حجر أي بعد بعثتك بدليل قوله إن هذه الأمة تبتلى في قبورها أي بالعذاب فيها قال وإنما حملته على ذلك ليوافق الأصح أن أهل الفترة لا عقاب عليهم ا ه وفيه أن أهل الفترة على ما حققوا فيه نادر الوجود فكيف يحمل على أهل الشرك فقال إن هذه الأمة أي جنس الإنسان فهذه إشارة لما في الذهن وخبره بيان له كهذا أخوك وأصل الأمة كل جماعة يجمعهم أمر واحد إما دين أو زمان أو مكان تبتلى بصيغة المجهول أي تمتحن في قبورها ثم تنعم أو تعذب فلولا أن لا تدافنوا بحذف إحدى التاءين أي لولا مخافة عدم التدافن إذا كشف لكم لدعوت الله أي سألته أن يسمعكم من الإسماع مفعول ثان على تضمين سألته أن يجعلكم سامعين من عذاب القبر يحتمل أن تكون من للتبعيض ويحتمل أن تكون زائدة قال في الأزهار قيل المعنى المانع من الدعاء هو الخوف والحيرة والدهشة وانخلاع القلب وقيل المانع ترك الإعانة في الدفن وقال التوربشتي لو سمعوا ذلك لهم كل واحد منهم خويصة


نفسه وعمهم من ذلك البلاء العظيم حتى أفضى بهم إلى ترك التدافن وخلع الخوف أفئدتهم حتى لا يكادوا
يقربون جيفة ميت الذي أسمع منه أي الذي أسمعه من القبر وقال ابن حجر أي مثل الذي أسمعه مفعول ثان ليسمع أي أن يوصل إلى آذانكم أصوات المعذبين في القبر فإنكم لو سمعتم ذلك تركتم التدافن من خوف قلع صياح الموتى أفئدتكم أو خوف الفضيحة في القرائب لئلا يطلع على أحوالهم وهذا الحديث مثل قوله عليه الصلاة والسلام لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وفيه أن الكشف بحسب الطاقة ومن كوشف بما لا يسعه يطيح ويهلك وقال ابن حجر ووجه هذا التلازم أن الكشف عن ذلك العذاب يؤدي جهلة العامة إلى ترك التدافن خوفا عليهم منه ويؤدي الخاصة إلى اختلاط عقولهم وانخلاع قلوبهم من تصور ذلك الهول العظيم فلا يقربون جيفة ميت وبهذا التفصيل الذي ذكرته يندفع ما قيل كيف يليق بمؤمن أن يترك الدفن المأمور به حذرا من عذاب القبر بل يلزمه أن يعتقد أن الله إذا أراد تعذيب أحد عذبه ولو في بطن الحيتان وحواصل الطيور ثم أقبل علينا بوجهه تأكيد كقوله رأيته بعيني فقال تعوذوا بالله من عذاب النار أي اطلبوا منه أن يدفع عنكم عذابها قالوا نعوذ بالله من عذاب النار أي نعتصم به منها قال تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر ولعل تقديم عذاب النار في الذكر مع أن عذاب القبر مقدم في الوجود لكونه أشد وأبقى وأعظم وأقوى قال تعوذوا بالله من الفتن جمع فتنة وهي الامتحان وتستعمل في المكر والبلاء وهو تعميم بعد تخصيص ما ظهر منها وما بطن بدل من الفتن وهو عبارة عن شمولها لأن الفتنة لا تخلو منهما أي ما جهر وأسر وقيل ما يجري على ظاهر الإنسان وما يكون في القلب من الشرك والرياء والحسد وغير ذلك من مذمومات الخواطر قالوا نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن أي كل فتنة تجر إلى عذاب القبر أو إلى عذاب النار قال تعوذوا بالله من فتنة الدجال خص فإنه


أكبر الفتن حيث يجر إلى الكفر المفضي إلى العذاب المخلد قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال رواه مسلم
الفصل الثاني
عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا قبر الميت أي دفن وهو قيد غالبي
وإلا فالسؤال يشمل الأموات جميعها حتى أن من مات وأكلته السباع فإن الله تبارك وتعالى يعلق روحه الذي فارقه بجزئه الأصلي الباقي من أول عمره إلى آخره المستمر على حاله حالتي النمو والذبول الذي تتعلق به الروح أولا فيحيا ويحيا بحياته سائر أجزاء البدن ليسأل فيثاب أو يعذب ولا يستبعد ذلك فإن الله تعالى عالم بالجزئيات والكليات كلها حسب ما هي عليها فيعلم الأجزاء بتفاصيلها ويعلم مواقعها ومحالها ويميز بين ما هو أصل وفصل ويقدر على تعليق الروح بالجزء الأصلي منها حالة الإنفراد وتعليقه به حال الإجتماع فإن البنية عندنا ليست شرطا للحياة بل لا يستبعد تعليق ذلك الروح الشخصي الواحد بكل واحد من تلك الأجزاء المتفرقة في المشارق والمغارب فإن تعلقه بتلك الأجزاء ليس على سبيل الحلول حتى يمنع الحلول في جزء الحلول في جزء آخر أتاه ملكان أسودان منظرهما أزرقان أعينهما وإنما يبعثهما الله على هذه الصفة لما في السواد وزرقة العين من الهول والوحشة ويكون خوفهما على الكفار أشد ليتحيروا في الجواب وأما المؤمنون فلهم في ذلك ابتلاء فيثبتهم الله فلا يخافون ويأمنون جزاء لخوفهم منه في الدنيا يقال لأحدهما المنكر مفعول من أنكر بمعنى نكر إذا لم يعرف أحدا وللآخر النكير فعيل بمعنى مفعول من نكر بالكسر إذا لم يعرفه أحد فهما كلاهما ضد المعروف سميا بهما لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورة مثل صورتهما ثم يحتمل أن يتمثل الملكان للميت بهذا اللون حقيقة لأنهما مبغوضان والزرقة أبغض الألوان عند العرب لأن الروم أعداؤهم وهم زرق العيون غالبا ويحتمل أن يراد بالزرقة العمى قال تعالى ونحشر المجرمين يومئذ زرقا طه أي عميا ويؤيده ما ورد في الحديث الآخر فيقيض أي يقدر له أعمى أصم


ويحتمل أن يكون المراد بالسواد قبح الصورة وفظاعة المنظر على طريق الكناية وبالزرقة تقليب البصر فيه وتحديد النظر إليه يقال زرقت عينه نحوي إذا انقلبت وظهر بياضها وهو كناية عن شدة الغضب فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل قيل يصور صورته عليه الصلاة والسلام فيشار إليه فيقول هو عبد الله ورسوله هذا هو الجواب وذكر الشهادتين أطناب للكلام ابتهاجا وسرورا وافتخارا وتلذذا أشهد أن لا إله إلا الله وأن وفي نسخة وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ولذا قد أخبر بذلك فيما هنالك ونظيره قوله وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكا عليها طه الخ فاطنب استلذاذا بمخاطبة الحق واستذكارا بنعمته كذا قاله الشراح والظاهر أن قوله هو عبد الله ورسوله ليس جوابا شرعيا لتوقفه على لفظ الشهادة عند بعضهم وعلى التوحيد عند الكل فيجمع بينهما دلالة على الإيمان على جهة الإيقان بخلاف المنافق الآتي ذكره حيث


يدعي الإيمان لكن من غير دراية وبرهان فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا أي الإقرار بالوحدانية والرسالة وعلمهما بذلك إما بإخبار الله تعالى إياهما بذلك أو بمشاهدتهما في جبينه أثر السعادة وشعاع نور الإيمان والعبادة ثم يفسح مجهول مخفف وقيل مشدد أي يوسع له في قبره سبعون ذراعا يحتمل أنه بذراع الدنيا المعروف عند المخاطبين وهو الظاهر ويحتمل أنه بذراع الملك الأكبر من ذلك بكثير قال الطيبي أصله يفسح قبره مقدار سبعين ذراعا فجعل القبر ظرفا للسبعين وأسند الفعل إلى السبعين مبالغة في السعة في سبعين أي ذراعا كما في نسخة أي في عرض سبعين يعني طوله وعرضه كذلك قيل لأنه غالب أعمار أمته عليه الصلاة والسلام فيفسح له في مقابلة كل سنة عبد الله فيها ذراعا والأظهر أن المراد به الكثرة ولذا ورد في بعض الروايات مد بصره ويمكن أن يختلف باختلاف الأشخاص والله أعلم ثم ينور له فيه أي يجعل النور له في قبره الذي وسع عليه ثم يقال له نم أمر من نام ينام فيقول أي الميت لعظيم ما رأى من السرور أرجع أي أريد الرجوع كذا قيل والأظهر أن الإستفهام مقدر إلى أهلي فأخبرهم أي بأن حالي طيب ولا حزن لي ليفرحوا بذلك قال يا ليت قومي يعلمون فيقولان أي له معرضين عن الجواب لاستحالته كذا قاله العسقلاني وأقول قوله نم متضمن للجواب ومغن عن الإطناب كنومة العروس هو يطلق على الذكر والأنثى في أول اجتماعهما وقد يقال للذكر العريس الذي لا يوقظه الجملة صفة العروس وإنما شبه نومه بنومة العروس لأنه يكون في طيب العيش وقيل المراد في تمام طيب العيش إلا أحب أهله إليه قال المظهر عبارة عن عزته وتعظيمه عند أهله يأتيه غداة ليلة زفافه من هو أحب وأعطف فيوقظه على الرفق واللطف حتى يبعثه الله هذا ليس من مقول الملكين بل من كلامه عليه الصلاة والسلام إعلاما لأمته بأن هذا النعيم يدوم له ما دام في قبره و حتى متعلق بمحذوف أي ينام طيب العيش حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك


بفتح الميم والجيم موضع الضجع وهو النوم وقيل يحتمل أن يتعلق حتى بنم على سبيل الإلتفات من الخطاب إلى الغيبة إشارة إلى غيبته عنهما بانصرافه عنهما وإن كان منافقا قال وفي نسخة فقال سمعت الناس أي المسلمين أو الكفار فإنهم أكثر الناس قال تعالى وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين يوسف والأول أظهر يقولون قولا هو أن محمدا رسول الله فقلت مثله أي مثل قولهم لا أدري أي أنه نبي في الحقيقة أم لا وهو استئناف أي ما شعرت غير ذلك القول قال ابن الملك محله النصب


على الحال أو صفة لمثله وفي الثاني نظر فيقولان قد كنا نعلم أي بالوحي أو برؤيتنا في وجهك أثرا لشقاوة وظلمة الكفر إنك تقول ذلك أي القول فيقال للأرض أي للقبر من قبلهما أو من قبل ملك آخر التئمي أي انضمي واجتمعي عليه ضاغطة له يعني ضيقي عليه وهو على حقيقة الخطاب لا أنه تخييل لتعذيبه وعصره فتلتئم عليه أي يجتمع أجزاؤها عليه بأن يقرب كل جانب من قبره إلى الجانب الآخر فيضمه ويعصره فتختلف أضلاعه بفتح الهمزة جمع ضلع وهو عظم الجنب أي تزول عن الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة التئامها عليه وشدة الضغطة وانعصار أعضائه وتجاوز جنبيه من كل جنب إلى جنب آخر فلا يزال فيها أي في الأرض أو في تلك الحالة أو في تربته معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وهذه الجملة من قوله عليه الصلاة والسلام لإنقطاع الحكاية من الملكين رواه الترمذي وقال حسن غريب وعن البراء بالتخفيف والمد على المشهور وقيل بالقصر نقله الكرماني ابن عازب رضي الله عنهما عن رسول الله قال يأتيه ملكان قال ابن الملك روى هذا الحديث البراء كما رواه أبو هريرة إلا أن ألفاظهما مختلفة قال في رواية البراء يأتيه أي المؤمن ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله بفتح الياء وتسكن ولو كان الميت أعجميا صار عربيا فيقولان له ما دينك أي الذي اخترته من بين الأديان فيقول ديني الإسلام فيقولان أي له كما في نسخة ما هذا الرجل الذي بعث فيكم أي ما وصفه لأن ما يسأل به عن الوصف كذا قاله الطيبي وتبعه ابن حجر وقال أي ما وصفه أرسول هو أو ما اعتقادك فيه والأظهر أن ما بمعنى من ليوافق بقية الروايات بلفظ من نبيك فيقول هو رسول الله وفي نسخة فيقولان له أي للميت وما يدريك أي أي شيء أعلمك وأخبرك بما تقول من الربوبية والإسلام والرسالة وقيل إنما وصل بالواو العاطفة هنا لإتصاله بما قبله بخلاف ما دينك وما هذا الرجل فإن كلا منهما مستقل منقطع عما قبله فيق