Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الطهارة
أي من الحدث والخبث وأصلها النظافة والنزاهة من كل عيب حسي أو معنوي ومنه قوله تعالى إنهم أناس يتطهرون ولما كانت العبادة نتيجة العلم والصلاة أفضل العبادات والطهارة من شروطها المتوقف صحتها عليها عقب كتاب العلم بكتاب الطهارة واختصت من بين شروطها لكونها غير قابلة للسقوط ولكثرة مسائلها المحتاج إليها هنا قال الغزالي للطهارة مراتب من تطهير الظاهر عن الحدث والخبث ثم تطهير الجوارح عن الجرائم ثم تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة ثم تطهير السر عما سوى الله تعالى
الفصل الأول
عن أبي مالك الأشعري قال المؤلف هو أبو مالك كعب بن عاصم الأشعري كذا قاله البخاري في التاريخ وغيره وقال البخاري في رواية عبد الرحمن بن غنم حدثنا أبو مالك أو أبو عامر بالشك قال ابن المدني أبو مالك هو الصواب روى عنه جماعة ومات في خلافة عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله الطهور بالضم وهو الأصح والأظهر أو بالفتح قال الشيخ محيي الدين النووي وجمهور أهل اللغة على أن الطهور والوضوء يضمان إذا أريد بهما المصدر ويفتحان إذا أريد بهما ما يتطهر به كذا عن ابن الأنباري وذهب الخليل والأصمعي وأبو حاتم السجستاني والأزهري وجماعة إلى أنه بالفتح في الاسم والمصدر ا ه وقال زين العرب الطهور بالضم ههنا وفي غيره من الأحاديث عن


جمهور الرواة وحكى سيبويه أنه بالفتح لأن الفعول قد يجىء مصدرا كالولوع والقبول فإن جعلته اسما لما يتطهر به كالسعوط فهو على حذف المضاف أي استعماله ومن رواه بالضم فلا إشكال شطر الإيمان قال النووي أصل الشطر النصف قيل معنى شطر الإيمان أن الأجر في الوضوء ينتهي إلى نصف أجر الإيمان قلت وفيه نظر ظاهر لأن ثواب الصلاة التي من جملة شروطها الوضوء لا يقال إنه نصف ثواب الإيمان بل جميع الأعمال لا يصلح أن يكون نصفا للإيمان إلا على معتقد فاسد للمعتزلة والخوارج حيث جعلوا العمل شطر الإيمان على أنه لا يلزم من كون العمل شطرا أنه يساوي ثوابه ثواب الإيمان كيف ويتوقف صحة العمل على الإيمان دون العكس فهو أصل في الجملة فلا يكون مساويا للفرع أبدا مع أنه كالعلامة على تحقق الإيمان وقيل إن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا وكذلك الوضوء إلا أن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان فصار لتوقفه عليه في معنى الشطر قلت وهذا مبني على أصل الشافعية إنه عبادة مستقلة يحتاج إلى نية وهي لا تصح إلا من أهلها وإلا فعندنا يصح الوضوء من الكافر فالأظهر أن يقال إنما كان شطرا له لأنه يحط الكبائر والصغائر والوضوء يختص بالصغائر ولا بد من تقييد هذا الوضوء عندنا أيضا بالنية ليصير عبادة مكفرة للسيئة والله أعلم وقال زين العرب تبعا لغيره المراد هنا بالإيمان الصلاة قال الله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم أي صلاتكم إلى بيت المقدس وأطلق الإيمان عليها لأنها أعظم آثاره وأشرف نتائجه وأنوار أسراره وجعلت الطهارة شطرها لأن صحتها باستجماع الشرائط والأركان والطهارة أقوى الشرائط وأظهرها فجعلت كأنها لا شرط سواها والشرط شطر ما يتوقف عليه المشروط وقيل المراد بالشطر مطلق الجزء لا النصف الحقيقي قلت كقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام ثم إما أن يراد بالإيمان الصلاة فلا إشكال أو يراد به الإيمان المتعارف فالجزء محمول على أجزاء كماله ولا ينافيه ما جاء في


رواية بعبارة النصف فإنه قد يكون بمعنى النصف كما قيل في الحديث المشهور علم الفرائض نصف العلم وقيل المراد بالإيمان حقيقته لأن الإيمان طهارة القلب عن الشرك والطهور طهارة الأعضاء من الحدث والخبث وحاصله أن الطهارة نصفان أي فجنسها نوعان طهارة الظاهر وطهارة الباطن وقال بعض المحققين الطهور تزكية عن العقائد الزائغة والأخلاق الذميمة وهي شطر الإيمان الكامل فإنه تخلية وتحلية والأظهر والله أعلم أن الإيمان على حقيقته المنبئة عن نفي الألوهية لغيره تعالى وإثبات الربوبية والتوحيد الذاتي له سبحانه وهذا المركب هو معنى الكلمة الطيبة التي عليها مبنى الإيمان ولذا قال تعالى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى البقرة ولا يضرنا إيراد الحديث في كتاب الطهارة فإنه بحسب فهم بعض المصنفين وبما قلنا تظهر المناسبة التامة بين الجملة السابقة واللاحقة في قوله والحمد لله أي تلفظه أو تصوره تملأ الميزان بالتأنيث على تأويل الكلمة أو الجملة وقيل بالتذكير على إرادة اللفظ أو الكلام أو المضاف المقدر أي لو قدر ثوابه مجسما لملأ


أو محمول على أن الأقوال والأعمال والمعاني تتجسد ذواتها في العالم الثاني وقول ابن حجر أي ثوابها لو جسم أو هي لو جسمت باعتبار ثوابها غير صحيح لظهور عدم الفرق هذا وقد قال بعض المحققين فإن قلت كيف توزن الأعمال وهي أعراض مستحيلة البقاء وكذا الأعراض لا توصف بالثقل والخفة فالجواب أن نصوص الشرع تظاهرت على وزن الأفعال وثقل الموازين وخفتها وثبت عن ابن عباس أن للميزان لسانا وكفتين إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب تكتب حسناته في صحيفة وتوضع في كفة وتكتب سيآته وتوضع في الأخرى فوجب القبول وترك الإعتراض بسبب قصور الفهم وركاكة العقل فإن من أطلعه الله على الأسرار وكشف له عجائب الأقدار يرى أن المقيد بعقله ليس له مقدار على أنه ورد وزن الصحائف وقال الإمام الغزالي النفس بذاتها مهيأة لأن ينكشف لها حقائق الأمور لكن تعلقها بالجسد مانع عن ذلك فإذا انكشف الغطاء بالموت يعرف أن أعماله مؤثرة في تقريبه من الله تعالى وإبعاده ويعلم مقادير تلك الآثار وإن بعضها أشد تأثيرا من البعض والله قادر على أن يجري سببا يعرف الخلق في لحظة مقادير الأعمال بتشكيل حقيقي أو تمثيل خيالي فحد الميزان ما يتميز به الزيادة والنقصان ومثاله في العالم الحسي مختلف كالميزان والقبان للأثقال والأصطرلاب لحركات الأفلاك والمسطرة لمقادير الشعر فلتقريبه بإفهام البليد والجليد مثل ما أريد ا ه فمخالفة المعتزلة فيه كنظائره إنما نشأت عن تحكيم عقولهم الفاسدة ونظرهم إلى الأدلة الواهية الكاسدة وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ الشك من الراوي قال النووي ضبطناهما بالمثناة من فوق قال الطيبي فالأول أي تملآن ظاهر والثاني فيها ضمير الجملة أي الجملة الشاملة لهما قلت ويمكن أن يكون الإفراد بتقدير كل واحدة منهما ما بين السموات والأرض إما باعتبار الثواب أو لأنها مملؤة من الآيات الدالة على وجود الصفات الثبوتية ونفي النعوت السلبية والله أعلم والصلاة نور أي في


القبر وظلمة القيامة وقيل إنها تمنع من الفحشاء وتهدي إلى الصواب كالنور وقيل أراد بالنور الأمر الذي يهتدي به صاحبه يوم القيامة قال تعالى يسعى نورهم بين أيديهم الحديد وقيل لأنها سبب إشراق أنواع المعارف وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها وقيل النور السيما في وجه المصلي ولا يبعد أن يراد بها الصلاة على النبي والصدقة برهان معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البرهان فإن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقته براهين في الجواب وقيل يوسم المتصدق بسيماء يعرف بها فيكون برهانا على الفلاح والهدى فلا يسأل عن المصرف وقيل إنها حجة على إيمان صاحبها فإن المنافق يمتنع منها


والصبر ضياء بالياء المنقلبة عن الواو لكسرة ما قبلها وروي بالهمزة قبل الألف قيل الصبر هو حبس النفس عما تتمنى من الشهوات وعلى ما يشق عليها من العبادات وفيما يصعب عليها من النائبات وقيل المراد به الصبر عن الدنيا ولذاتها الدنية وعن المعاصي وعلى التكاليف الشرعية وفي المصيبات والمحن الكونية فيخرج العبد عن عهدتها فتكون ضياء لأن بترك الصبر عليها يدخل في ظلمة المعاصي وقيل المراد بالصبر هنا الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة والصدقة إذ المراد بها الزكاة كما قيل في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة البقرة وسمي الصوم صبرا لثبات الصائم وحبسه نفسه عن الشهوات وسمي شهر رمضان شهر الصبر وقيل قوله ضياء يعني في ظلمة القبر لأن المؤمن إذا صبر على الطاعات والبلايا في سعة الدنيا وعن المعاصي فيها جازاه الله تعالى بالتفريج والتنوير في ضيق القبر وظلمته وقال بعضهم الصبر ضياء في قلبه لأن الصبر على المكاره في دين الله تذلل ومن تذلل في الله سهل عليه الطاعات ومشاق العبادات وتجنب المحظورات ومن كان هذا شعاره لا شك أن في قلبه ضياء والضياء أقوى من النور قال الله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا يونس وذلك لأن الصبر أوسع من الصلاة لأن كل واحدة من الواجبات والمحظورات تحتاج إلى الصبر نعم إذا فسر الضوء بالصبر فذلك لتخصيصه بالنهار كتخصيص الشمس به لا لمزية الصوم على الصلاة إلا على قول من يقول الصوم أفضل من الصلاة لأن الصوم إمساك يشبه الصمدانية وهو من صفات الرب والصلاة تذلل وهو من صفات العبد ولقوله عليه الصلاة والسلام الصوم لي وأنا أجزي به كذا حققه السيد والقرآن أي قراءته حجة لك إن عملت به أو عليك إن أعرضت عنه أو قصرت فيه بترك العمل بمعانيه كل الناس يغدو أي يصبح أو يسير قيل الغدو والسير في أول النهار ضد الرواح وقد غدا يغدو غدوا مأخوذ من الغدوة ما بين الصباح وطلوع الشمس والمعنى كل أحد يسعى ويجتهد في الدنيا ويرى


أثر عمله في العقبى قال الطيبي وهو مجمل تفصيله فبائع نفسه أي حظها باعطائها وأخذ عوضها وهو عمله وكسبه فإن عمل خيرا فقد باعها وأخذ الخير عن ثمنها فمعتقها من النار بذلك قال الطيبي الفاء للسببية وهو خبر بعد خبر ويجوز أن يكون بدل البعض من قوله فبائع نفسه أو موبقها أي مهلكها بأن باعها وأخذ الشر عن ثمنها وقال زين العرب تبعا للأشرف وغيره البيع والشراء يطلق كل واحد منهما على الآخر لارتباطه به وعبر بلفظ البيع والشراء عن ترك حالة وكسب أخرى كترك البائع ما في يده إيثارا لما في يد المشتري فمن صرف نفسه عن مقتضاها وآثر آخرته على دنياه واشترى نفسه بالآخرة فقد أعتقها عن اليم عقابه ومن آثر الدنيا على الآخرة واشتراها بها فقد أوبق نفسه أي أهلكها بأن


جعلها عرضة لعظيم عذابه وقوله فبائع نفسه أي فمشتر نفسه من ربه بدليل قوله فمعتقها والإعتاق إنما يصح من المشتري وحاصله أن من ترك الدنيا وآثر الآخرة يكون مشتريا نفسه من ربه بالدنيا فيكون معتقها ومن ترك الآخرة وآثر الدنيا يكون مشتريا بالأخرى فيكون موبقها وقيل المعنى كل واحد منهم يسعى في الأمور فمنهم من يبيعها من الله فيعتقها ومنهم من يبيعها من الشيطان فيوبقها رواه مسلم وفي رواية ظاهرة أنها لمسلم ولذا يجيء الإعتراض الآتي عليه لا إله إلا الله والله أكبر تملآن بالتأنيث وقيل بالتذكير ما بين السماء والأرض إما باعتبار الثواب وإما باعتبار ظهور الوحدانية والكبرياء والعظمة الربانية قال صاحب المشكاة لم أجد هذه الرواية أي التي نسبها صاحب المصابيح إلى مسلم في الصحيحين أي متنهما ولا في كتاب الحميدي الجامع بين الصحيحين ولا في الجامع أي للأصول الستة ولكن ذكرها أي هذه الرواية الدارمي بدل سبحان الله والحمد لله وهو ليس بمخلص له لأنه التزم أن يكون جميع ما ذكر في قوله من الصحاح المعبر عنه بالفصل الأول مما أخرجه الشيخان أو أحدهما وهذه الرواية ليست في أحدهما وقد يجاب بأن الإلتزام إنما هو في أصول الأحاديث وأما هذه فإنما هي زيادة إفادة متفرعة على أصل الحديث الموجود في مسلم والله أعلم قال السيد جمال الدين وفي تخريج المصابيح للقاضي عبد الله السلمي الشافعي هذه الرواية لم أقف عليها في مسلم وإنما رواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي مالك الأشعري فظاهره يشعر بأن فيه الجميع لا التبديل وأما ظاهر رواية الدارمي فالتبديل ا ه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ألا أدلكم الهمزة للإستفهام ولا نافية وليس ألا للتنبيه بدليل قولهم بلى فقول ابن حجر إنه حرف استفتاح غفلة منه على ما يمحو الله به الخطايا قال الطيبي محو الخطايا كناية عن غفرانها ويحتمل المحو عن كتاب الحفظة دلالة على غفرانها ويرفع به الدرجات أعلى المنازل في


الجنات قالوا بلى يا رسول الله وفائدة السؤال والجواب أن يكون الكلام أوقع في النفس بحكم الإبهام والتبيين
قال إسباغ الوضوء بضم الواو وقيل بالفتح أي تكميله وإتمامه باستيعاب المحل بالغسل وتطويل الغرة وتكرار الغسل ثلاثا وقيل إسباغه ما لا يجوز الصلاة إلا به كذا في زين العرب نقله السيد وهذا بعيد يأبى عنه لفظ الإسباغ ومعنى رفع الدرجات وأصل الوضوء من الوضاءة لأنه يحسن المتوضىء وفي النهاية أثبت سيبويه الوضوء والطهور والوقود بالفتح في المصادر وهي تقع على الاسم والمصدر على المكاره جمع مكره بفتح الميم من الكره بمعنى المشقة والألم قيل منها إعواز الواء والحاجة إلى طلهة أو ابتياعه بالثمن الغالي كذا ذكره الطيبي رحمة الله تعالى وقيل المراد حال ما يكره استعمال الماء كالتوضوء بالماء البارد في الشتاء أو ألم الجسم وكثرة الخطا جمع خطوة بضم الخاء وهي ما بين القدمين وكثرتها إما لبعد الدار أو على سبيل التكرار إلى المساجد للصلاة وغيرها من العبادات ولا دلالة في الحديث على فضل الدار البعيدة عن المسجد على القريبة منه كما ذكره ابن حجر فإنه لا فضيلة للبعد في ذاته بل في تحمل المشقة المترتبة عليه ولذا لو كان للدار طريقان إلى المسجد ويأتي من الأبعد ليس له ثواب على قدر الزيادة وإنما رغب في الحديث على كثرة الخطا تسلية لمن بعد داره وأما قوله عليه الصلاة والسلام دياركم تكتب آثاركم لمن بعدت ديارهم عن مسجد فأرادوا القرب منه دليل على أنهم فهموا أن القرب منه أفضل لما يترتب عليه من معرفة الأوقات وعدم فوت الجمعة والجماعات فسلاهم عليه الصلاة والسلام بقوله تكتب آثاركم يعني إن فاتكم بعض الفوائد يحصل لكم بعض العوائد والأمر بلزوم الديار لما يترتب من تغيير الدار كثير من الأكدار مع أنه قيل إنما أمرهم بالإستمرار لئلا يخلو حول المدينة ويصير محل الأمكار ويؤيد ما قلنا عده عليه الصلاة والسلام من شؤم الدار بعدها من المسجد وانتظار


الصلاة أي وقتها أو جماعتها بعد الصلاة يعني إذا صلى بالجماعة أو منفردا ثم ينتظر صلاة أخرى ويعلق فكره بها بأن يجلس في المسجد أو في بيته ينتظرها أو يكون في شغله وقلبه معلق بها فذلكم الرباط بكسر الراء يقال رابطت أي لازمت الثغر وهو أيضا اسم لما يربط به وسمي مكان المرابطة رباطا قال القاضي إن هذه الأعمال هي المرابطة الحقيقية لأنها تسد طرق الشيطان على النفس وتقهر الهوى وتمنعها من قبول الوساوس فيغلب بها حزب الله جنود الشيطان وذلك هو الجهاد الأكبر وفي حديث مالك بن أنس فذلكم الرباط فذلكم الرباط قيل اسم الإشارة يدل على بعد منزلة المشار إليه وكذا إيقاع الرباط المحلى باللام الجنسية خبرا لاسم الإشارة


أي هو الذي يستحق أن يسمى رباطا كقوله تعالى ذلك الكتاب كأن غيره لا يستحق هذا الاسم ولزيادة التقرير والتأكيد ردد مرتين أي كرر فذلكم الرباط وهو إشارة إلى أن ما ذكر من الطاعات والخصال المذكورة هو الرباط المذكور في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا آل عمران والرباط الجهاد أي ثواب هذه كثواب الجهاد إذ فيه مجاهدة النفس بإذاقتها المكاره والشدائد كما في الجهاد رواه مسلم وفي رواية الترمذي ثلاثا أي كرره ثلاثا لأجل زيادة الحث وقيل يريد بالأول ربط الخيل وبالثاني جهاد النفس وبالثالث طلب الحلال وعن عثمان قال قال رسول الله من توضأ فأحسن الوضوء قال الطيبي الفاء بمنزلة ثم في الدلالة على تراخي الرتبة فدلت على أن الإجادة من تطويل الغرة وتكرار الغسل ثلاثا ومراعاة الأدب من استقبال القبلة والدعاء المأثور عن السلف أفضل من أداء ما وجب مطلقا وفيه أنه مخالف للقاعدة المقررة من أن ثواب الفرض أفضل من أجر النفل نعم يقال إحسان الوضوء وهو الإتيان بالمكملات أفضل من مرتبة الإقتصار على الواجبات والأظهر أن الفاء لمجرد العطف والجزاء المذكور مترتب على مجموع الشرط من المعطوف والمعطوف عليه خرجت خطاياه تمثيل وتصوير لبراءته لكن هذا العام خص بالصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى لما سيأتي ما لم يأت كبيرة وللإجماع على ما حكاه ابن عبد البر على أن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة وأن حقوق الآدميين منوطة برضاهم كذا نقله ابن حجر وفيه أنه بظاهره مخالف للنص القاطع الذي عليه مدار مذهب أهل السنة وهو قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء والتقييد بالتوبة في الثاني مذهب المعتزلة المدفوع بأن الشرك أيضا يغفر بالتوبة من جسده أي جميع بدنه أو أعضاء وضوئه حتى تخرج من تحت أظفاره أي مثلا متفق عليه قال الأبهري فيه أنه من أفراد مسلم وقال ابن حجر كذا في جامع الأصول واقتصر شيخ الإسلام والحفاظ


ابن حجر في تخريجه على عزوه لمسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن
شك من الراوي في لفظ النبوة وإلا فهما مترادفان في الشريعة والمؤمنة في حكم المؤمن فغسل وجهه عطف على توضأ عطف تفسير أو المراد إذا أراد الوضوء وهو الأوجه وفيه إيماء إلى اعتبار النية المقتضية للمثوبة خرج من وجهه جواب إذا كل خطيئة نظر إليها إلى الخطيئة يعني إلى سببها إطلاقا لاسم المسبب على السبب مبالغة بعينيه قال الطيبي تأكيد وزاد ابن حجر للمبالغة وإلا فالنظر لا يكون بغير العين ا ه وهو موهم أنه من باب رأيته بعيني وليس كذلك فإنه قد يكون النظر باحدى العينين وقد يكون بهما مع الماء أي مع انفصاله والجملة المجرورة المحل صفة الخطيئة مجازا وكذا أخواته أو مع آخر قطر الماء قيل أو لشك الراوي وقيل لأحد الأمرين والقطر إجراء الماء وإنزال قطره فإذا غسل يديه خرج من يديه أي ذهب ومحى كل خطيئة كان بطشتها أي أخذتها يداه كملامسة المحرمة قال الطيبي قوله يداه للتأكيد وفيه ما سبق مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرج كل خطيئة مشتها الضمير للخطيئة ونصبت بنزع الخافض أي مشت بها إلى الخطيئة أو يكون مصدرا أي مشت المشية كقوله عليه الصلاة والسلام واجعله الوارث أي اجعل الجعل رجلاه قال الطيبي تأكيد وفيه ما تقدم مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نفيا من الذنوب أي ذنوب أعضاء الوضوء أو جميع الذنوب من الصغائر وقال ابن الملك أي يفرغ المتوضىء من وضوئه طاهرا من الذنوب أي التي اكتسبها بهذه الأعضاء والحديث يدل على أن المغفور ذنوب أعضائه المغسولة فالتوفيق بينه وبين الحديث المتقدم أن غفران جميع الجسد يكون عند التوضؤ بالتسمية يشير إليه إحسان الوضوء وغفران أعضاء الوضوء يكون عند عدم التسمية ا ه وفيه أنه ليس في الحديث المتقدم نص على غفران جميع الذنوب لأن قوله من جسده يحتمل جميع بدنه أو أعضاء الوضوء يشير إليه حتى تخرج


من تحت أظفاره والله أعلم هذا وقال الطيبي فإن قيل ذكر لكل عضو ما يخص به الذنوب وما يزيلها عن ذلك والوجه مشتمل على العين والأنف والأذن فلم خصت العين بالذكر أجيب بأن العين طليعة القلب ورائده فإذا ذكرت أغنت عن سائرها ويعضده الخبر الآتي فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه ا ه ويمكن أن يقال إن الأنف واللسان بالمضمضة والإستنشاق والأذن بالمسح فيتعين العين وسيأتي في الفصل الثالث ما هو كالتصريح بذلك أو يقال خصت العين لئلا يتوهم عدم خروج ذنوبها لعدم غسل داخلها والله أعلم ثم رأيت ابن حجر ذكر ما يؤيد قولي حيث قال بعد نقل كلام الطيبي وجعل الأذن من الوجه غير صحيح عندنا بل هي ليست من الوجه ولا من الرأس وخبر الأذنان من الرأس ضعيف وكون العين طليعة كما ذكر لا ينتج الجواب عن تخصيص خطيئتها بالمغفرة كما هو جلي بل الذي يتجه في الجواب عن ذلك أن سبب التخصيص هو


أن كلا من الفم والأنف والأذن له طهارة مخصوصة خارجة عن طهارة الوجه فكانت متكفلة بإخراج خطاياه بخلاف العين فإنه ليس لها طهارة إلا في غسل الوجه فخصت خطيئتها بالخروج عند غسله دون غيرها مما ذكر فتأمله ا ه وقوله خبر الأذنان ضعيف ضعيف لما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح عن عبد الله بن زيد والدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عباس أن النبي قال الأذنان من الرأس أي حكمهما إذ لم يبعث لبيان الخلقة وقد نص ابن القطان على صحته أيضا رواه مسلم وعن عثمان رضي الله عنه قال قال رسول الله ما من امرىء مسلم من زائدة لتأكيد النص على العموم تحضره صلاة مكتوبة أي مفروضة أي يأتي وقتها أو يقرب دخول وقتها فيحسن وضوءها بأن يأتي بفرائضه وسننه وخشوعها بإتيان كل ركن على وجه هو أكثر تواضعا وإخباتا أو خشوعها خشية القلب وإلزام البصر موضع السجود وجمع الهمة لها والإعراض عما سواها ومن الخشوع أن يتوقي كف الثوب والإلتفات والعبث والتثاؤب والتغميض ونحوها وفيه إيماء إلى قوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون المؤمنون وهو يكون في الظاهر والباطن ولذا قال عليه الصلاة والسلام لمن كان يعبث في الصلاة بلحيته أو ثوبه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه وركوعها قال التوربشتي اكتفى بذكر الركوع عن السجود لأنهما ركنان متعاقبان فإذا حث على إحسان أحدهما حث على الآخر وفي تخصيصه بالذكر تنبيه على أن الأمر فيه أشد فافتقر إلى زيادة توكيد لأن الراكع يحمل نفسه في الركوع ويتحامل في السجود على الأرض وقيل الأولى أن يقال إنما خص الركوع بالذكر دون السجود لإستتباعه السجود إذ لا يستقل عبادة وحده بخلاف السجود فإنه يستقل عبادة كسجدة التلاوة والشكر كذا نقله السيد قال القاضي وغيره تخصيص الركوع لأنه من خصائص المسلمين فأراد التحريض عليه ولعل هذا في الأغلب لقوله تعالى في شأن مريم واسجدي واركعي مع الراكعين آل عمران قيل أمرت أن تركع مع الراكعين ولا تكن مع من لا


يركع كذا ذكره الطيبي وقيل معناه انقادي وصلي مع المصلين فحينئذ لا إشكال إلا كانت أي الصلاة كفارة أي ساترة لما قبلها أي لجميع ما قبلها من الذنوب وإذا أتى الكبيرة لم يكن كفارة للجميع ولذا قال ما
لم يؤت بكسر التاء معلوما من الإيتاء وقيل مجهول أي ما لم يعمل كبيرة بالنصب لا غير كأن الفاعل يعطي العمل من نفسه أو يعطيه غيره من الداعي أو المحرض عليه أو الممكن له منه فهو على حد ثم سئلوا الفتنة لآتوها بالمد لأعطوها من أنفسهم وفي نسخة ما لم يأت من الإتيان كما في المصابيح أي ما دام لم يعمل كبيرة قال التوربشتي إثبات يأت على بناء الفاعل في كتاب المصابيح غير صحيح لأن الحديث من مفار يد مسلم ولم يروه إلا من الإيتاء وإن كان لم يأت أوضح معنى من قولهم أتى فلان منكرا لكن المعتمد من جهة الرواية الإيتاء ومنهم من يروي على بناء المفعول والمعنى ما لم يعمل كبيرة ووضع الإيتاء موضع العمل لأن العامل يعطي العمل من نفسه ويحتمل أن يكون معنى بناء المفعول ما لم يصب بكبيرة من قولهم أتي فلان في بدنه أي أصابته علة كذا ذكره الطيبي وذلك أي التكفير بسبب الصلاة والواو للحال وذو الحال مستتر في خبر كانت وهو كفارة قاله الطيبي والأظهر أن الواو استئنافية الدهر بالنصب على الظرفية ومحله الرفع على الخبرية أي حاصل في جميع الدهر كله تأكيد له أي لا وقت دون وقت قال الأشرف المشار إليه إما تكفير الذنوب أي تكفير الصلاة المكتوبة الصغائر لا يختص بفرض واحد بل فرائض الدهر تكفر صغائره وإما معنى ما لم يؤت أي عدم الإتيان بالكبيرة في الدهر كله مع الإتيان بالمكتوبة كفارة لما قبلها وإما ما قيل أي المكتوبة تكفر ما قبلها أو لو كان ذلك ذنوب العمر والوجه هو الأول لما ورد الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر وانتصب الدهر بالظرفية أي وذلك مستمر في جميع الدهر قال الإمام النووي معنى قوله كفارة لما قبلها الخ أن الذنوب كلها تغفر إلا


الكبائر فإنها لا تغفر وليس المعنى أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة فإن كانت كبيرة لا يغفر شيء من الصغائر فإن كان محتملا فلا يذهب إليه وقال العلماء إن هذا الحديث وما أشبهه صالح للتكفير فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره وإن صادف كبيرة ولم يصادف صغيرة يعني غير مكفرة رجونا أن يخفف من الكبائر وإلا كتب له به حسنات ورفع به درجات كذا ذكره الطيبي وقول الأشرف أي المكتوبة تكفر ما قبلها ولو كان ذلك ذنوب العمر غير صحيح على اطلاقه فتأمله رواه مسلم وعنه أي عن عثمان أنه توضأ فأفرغ من الإفراغ عطف على سبيل البيان على المبين أي صب الماء على يديه ثلاثا أي فغسلهما إلى رسغيه ثم تمضمض أي ردد الماء في فمه واستنثر قال النووي الجمهور على أن الإستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد


الإستنشاق وهو جذب الماء بالنفس إلى الأقصى ويدل عليه الرواية الأخرى استنشق واستنثر فجمع بينهما وهو مأخوذ من النثرة طرف الأنف وقد أجمعوا على كراهة الزيادة على الثلاثة المستوعبة للعضو وإذا لم يستوعب إلا بغرفتين فهي واحدة ولم يذكر العدد في مسح الرأس فالظاهر الإكتفاء بالمرة الواحدة ا ه وهو مذهب الجمهور ولأن تكرار المسح يفضي إلى الغسل ثم غسل وجهه ثلاثا والظاهر أنه قيد لكل من الثلاثة ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق بكسر الميم وفتح الفاء وضبط بالعكس أيضا ثلاثا ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا مراعاة للترتيب والتيامن و إلى بمعنى مع عند الجمهور ثم مسح برأسه أي بعضه أو كله والظاهر الأخير ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا وليست ثم في هذه المواضع للتراخي المنافي للموالاة بل لمجرد التعقيب ثم قال رأيت رسول الله توضأ نحو وضوئي هذا لم يقل مثله لأن حقيقة مماثلة وضوئه عليه الصلاة والسلام لا يقدر عليها غيره هذا كلام النووي وأغرب ابن حجر في تعقبه بقوله وقوله عليه الصلاة والسلام من توضأ وضوئي هذا أي مثله صريح في رده على أنه لا يلزم من المماثلة في شيء المماثلة في جميع أوصافه ا ه وهو غير صريح بل غير صحيح لأن كلام النووي أنه آثر عثمان رضي الله تعالى عنه لفظ نحوه على مثله لأنه نص على نفي المماثلة الحقيقية بخلاف مثله فإنه قد يستعمل في الحقيقة بل في الأغلب سيما عند المحدثين فإنه إذا قيل روي مثله أي لفظا ومعنى وإذا قيل روي نحوه أي معنى لا لفظا وأما قوله عليه الصلاة والسلام من توضأ وضوئي هذا ليس المراد إلا نحوه بالإجماع فتقدير مثله منه مردود بلا نزاع فإن عثمان مع جلالته إذا عجز عن الإتيان بمثله فيرضى كل أحد أن يأتي بنحوه فإن الإحاطة بجميع سننه عليه الصلاة والسلام تعز على أكثر المتفقهة والمتصوفة فضلا عن العوام والسوقة ثم قال أي النبي حين فرغ من وضوئه من توضأ نحو وضوئي هذا أي جامعا لفرائضه وسننه ثم


يصلي ركعتين فيه استحباب ركعتين عقيب كل وضوء ولو صلى فريضة حصلت له هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك لا يحدث نفسه أي لا يكلمها فيهما بشيء من أمور الدنيا وما لا يتعلق بالصلاة ولو عرض له حديث فاعرض عنه عفي له ذلك وحصلت له الفضيلة لأنه تعالى عفا عن هذه الأمة الخواطر التي تعرض ولا تستقر كذا قاله الطيبي وقيل أي بشيء غير ما يتعلق بما هو فيه من صلاته وإن تعلق بالآخرة وقيل بشيء من أمور الدنيا لأن عمر رضي الله تعالى عنه كان يجهز الجيش وهو في الصلاة يعني يكون قلبه حاضرا وقيل معناه


إخلاص الصلاة لله يعني لا تكون صلاته للرياء والطمع غفر له بصيغة المجهول ما تقدم من ذنبه أي من الصغائر ويفهم منه أن الغفران مرتب على الوضوء مع الصلاة ومن الحديث المتقدم ترتبه على مجرد الوضوء لمزيد فضله قال ابن الملك وفيه أن للصلاة مزية على الوضوء دون العكس كما هو ظاهر مقرر فإنه وسيلة وشرط لها ويمكن أن يقال كل منهما مكفر أو الوضوء المجرد مكفر لذنوب أعضاء الوضوء ومع الصلاة مكفر لذنوب جميع الأعضاء أو الوضوء مكفر للذنوب الظاهرة ومع الصلاة مكفر للذنوب الظاهرة والباطنة والله أعلم متفق عليه ولفظه للبخاري وعن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه أغرب ابن حجر وقال أي بأن يأتي بواجباته ويحتمل ومكملاته ا ه فإن إحسان الوضوء بعد التوضوء لا يحتمل غير المكملات مع أن لفظة الإحسان دلالة عليه وإشارة إليه ثم يقوم أي حقيقة أو حكما سيما إذا كان يعذر فإطلاقه جرى على الغالب لا أنه قيد احترازي وثم للترقي فيصلي ركعتين مقبل عليهما أي على الركعتين بقلبه أي باطنه ووجهه أي ظاهره أو ذاته قال الطيبي مقبل وجد بالرفع في الأصول وفي بعض النسخ مقبلا منصوبا على الحال يعني حال كونه متوجها وكونه مرفوعا مشكل لأنه إما صفة لمسلم على أن من زائدة ففيه فصل وإما خبر مبتدأ محذوف والجملة حال وهو أيضا بعيد لعدم الواو إلا أن يجعل من قبيل فوه إلى في والأولى أنه فاعل تنازع فيه الفعلان من باب التجريد مبالغة ا ه والأظهر أنه صفة مسلم وليس الفصل أجنبيا إلا وجبت له الجنة أي أنه تعالى يدخله الجنة بفضله بحيث لا يخالف وعده ألبتة كمن وجب عليه شيء رواه مسلم وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ما منكم من بيانية وقيل تبعيضية وهو حال على ضعف من أحد الذي هو مبتدأ على رأي


سيبويه و من زائدة يتوضأ فيبلغ من الإبلاغ أو فيسبغ من الإسباغ وأو للشك الوضوء بفتح الواو وقيل بالضم أي ماء الوضوء وأغرب ابن حجر هنا أيضا حيث قال أن يأتي بواجباته ويحتمل مكملاته ا ه لأن عطف الإبلاغ والإسباغ على التوضؤ لا يكون إلا بإرادة المكملات فإن أصل الوضوء لا يتصور بدون الواجبات ثم يقول أي عقيب وضوئه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله قال الطيبي قول الشهادتين عقيب الوضوء إشارة إلى إخلاص العمل لله وطهارة القلب من الشرك والرياء بعد طهارة الأعضاء من الحدث والخبث قال الإمام النووي يستحب أن يقال عقيب الوضوء كلمتا الشهادة وهذا متفق عليه وينبغي أن يضم إليهما ما جاء في رواية الترمذي اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ويضم إليه ما رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة مرفوعا سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك قال أصحابنا وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضا ا ه وفي رواية أي لمسلم أشهد أن لا إله إلا الله وحده أي واحدا بالذات منفردا بالصفات لا شريك له في ذاته وصفاته وأشهد ولعل تكراره هنا لطول الفصل أن محمدا عبده الأفضل ورسوله الأكمل إلا فتحت بالتخفيف والتشديد له أبواب الجنة الثمانية بالرفع يدخل من أيها شاء الأظهر أنها استئنافية لصحة قيام ليدخل مقامها قيل فيخير إظهارا لمزيد شرفه لكنه لا يلهم إلا اختيارا الدخول من الباب المعد لعاملي نظير ما غلب عليه من أعماله كالريان للصائمين هكذا رواه مسلم في صحيحه والحميدي في أفراد مسلم وكذا ابن الأثير في جامع الأصول وذكر الشيخ محيي الدين لا ينافي ما نقل عنه أنه قال لا أجعل في حل من يسميني محيي الدين لأن ذلك منه إنما هو من باب التواضع النووي بواوين ليس بينهما ألف وبعضهم يقولون النواوي بالألف والأول هو القياس لأنه منسوب إلى نوى قرية قريب دمشق كذا قال ابن حجر في آخر حديث مسلم على ما رويناه متعلق بآخر وهو


معلوم وقيل مجهول أي على وقفه وزاد الترمذي هذا مذكور النووي اللهم اجعلني من التوابين أي للذنوب والراجعين عن العيوب وليس فيه دعاءا صريحا ولا لزوما بإكثار وقوع الذنوب منه بل بأنه إذا وقع منه ذنب الهم التوبة عنه وإن كثر وفيه تعليم للأمة كما ورد كلكم خطاؤن وخير الخطائين التوابون وقال تعالى إن الله يح
التوابين البقرة أي الذين لم يرجعوا عن باب مولاهم ولم يقنطوا من رحمة الله واجعلني من المتطهرين أي بالخلاص من تبعات الذنوب السابقة وعن التلوث بالسيآت اللاحقة أو من المتطهرين من الأخلاق الذميمة فيكون فيه إشارة إلى أن طهارة الأعضاء الظاهرة لما كانت بيدنا فظهرناها وأما طهارة الأحوال الباطنة فإنما هي بيدك فأنت طهرها بفضلك وكرمك والحديث الذي رواه محيي السنة رحمه الله تعالى في الصحاح من توضأ فأحسن الوضوء إلى آخره قال ابن الملك ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء رواه عقبة بن عامر كذا في المصابيح ا ه رواه الترمذي في جامعه بعينه إلا كلمة أشهد قبل أن محمدا والحاصل ورود الإعتراض على صاحب المصابيح حيث كرر رواية الترمذي في الصحاح لإيهامها أنه كله في أحد الصحيحين أو كليهما وليس كذلك قال في الأزهار هذا حديث مضطرب ومنقطع وإلحاق الضعيف بالصحيح غير مقبول مع تغيير العبارة لفظ ومعنى وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن أمتي يعني أمة الإجابة بل الخواص منهم وهم أهل العبادة يدعون يوم القيامة أي يسمون غرا محجلين وقيل ينادون أيها الغر المحجلون هلموا إلى الجنة وقيل يدعون على رؤوس الأشهاد أو يطلبون إلى الموقف أو إلى الجنة حال كونهم غرا محجلين قال الأشرف الغر جمع الأغر وهو الأبيض الوجه والمحجل من الدواب التي قوائمها بيض مأخوذ من الحجل وهو القيد كأنها مقيدة بالبياض وأصل هذا في الخيل


ومعناه أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد أو إلى الجنة كانوا على هذه الصفة وانتصابهما على الحال إذا كان يدعون بمعنى ينادون أو يطلبون ويحتمل أن يكون غرا مفعولا ثانيا ليدعون بمعنى يسمون كما يقال فلان يدعى ليثا والمعنى أنهم يسمون بهذا الاسم لما يرى عليهم من آثار الوضوء والمعنى هو الأول ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام يأتون يوم القيامة غرا محجلين لأنها العلامة الفارقة بين هذه الأمة وسائر الأمم وقيل لا يبعد التسمية باعتبار الوصف الظاهر كما يسمى رجل به حمرة أحم


للمناسبة وهو أظهر لأن القصد هو الشهرة والتمييز من آثار الوضوء بفتح الواو وهو الماء الذي وصل إلى أعضاء المتوضىء وقيل بالضم قال في الأزهار ويجوز فتحها لكن الفتح هو أصل السيد وهو أظهر معنى فمن استطاع منكم أن يطيل غرته أي وتحجيله بإيصال الماء إلى أكثر من محل الفرض وحذف اكتفاء فليفعل قال المنذري قوله فمن استطاع الخ مدرج من كلام أبي هريرة موقوف عليه ذكره غير واحد من الحفاظ ا ه وقال العسقلاني قال أبو نعيم لا أدري قوله من استطاع الخ من قول النبي أو من قول أبي هريرة ولم أر هذه الجملة في رواية أحمد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية أبي نعيم هذه وقول ابن حجر ودعوى أن فمن الخ من كلام أبي هريرة فلا يسن غرة ولا تحجيل يردها أنه لم يصح ما يدل على الإدراج والأصل عدمه إذ لو كان ثمة إدراج لبينه أبو هريرة في طريق من الطرق واحتماله لا يجدي بل لا بد من تحققه كلام من ليس عنده تحقق من اصطلاح المحققين من المحدثين والأصوليين المستدلين أما أولا فلأن كون قوله فمن استطاع الخ من كلام أبي هريرة لا يلزم منه أن لا يسن غرة ولا تحجيل فإن استحبابه علم من قوله عليه الصلاة والسلام يدعون غرا محجلين ويعلم إطالته من الحديث الآتي وأما ثانيا فلأن حفاظ الحديث إذا قالوا في كلام إنه مدرج أو موقوف وجب على الفقهاء متابعتهم بل إذا ترددوا أنه موقوف أو مرفوع فلا يصح جعله مرفوعا مجزوما به مرتبا عليه المسألة الفقهية وأما ثالثا فلأن قوله لبينه أبو هريرة غير متجه إذ الكلام أنه من قوله فكيف يبين أنه قوله أو قول غيره وإنما بينه من بعده ويكفي تردد من رواه عنه بغير واسطة وهو نعيم أنه من قوله موقوفا أو مرفوعا مع ما يدل عليه من شذوذه وانفراده عمن روى عن أبي هريرة وعن سائر الطرق الواصلة إلى حد العشرة الكاملة متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله تبلغ الحلية أي البياض وقيل الزينة في


الجنة من المؤمن حيث يبلغ الوضوء بالفتح أي ماؤه وقيل بالضم قال الطيبي ضمن يبلغ معنى يتمكن وعدى بمن أي تتمكن من المؤمن الحلية مبلغا يتمكنه الوضوء منه قال النووي قد استدلوا بالحديثين على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وقال آخرون ليس الوضوء مختصا وإنما المختص الغرة والتحجيل لقوله عليه الصلاة والسلام هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ورد بأنه حديث معروف الضعف على أنه
يحتمل اختصاص الأنبياء دون الأمم لكن ورد في صحيح البخاري وغيره أن سارة وجريجا توضآ فينبغي أن تختص الغرة والتحجيل بالأنبياء وبهذه الأمة من بين سائر الأمم والله أعلم رواه مسلم بشر
الفصل الثاني


عن ثوبان مولى رسول الله قال المؤلف هو ثوبان بن بجدد بضم الباء الموحدة وسكون الجيم وضم الدال المهملة الأولى أبو عبد الله اشتراه رسول الله وأعتقه ولم يزل معه سفرا وحضرا إلى أن توفي النبي فخرج إلى الشام فنزل إلى الرملة ثم انتقل إلى حمص وتوفى بها سنة أربع وخمسين روى عنه خلق كثير قال قال رسول الله استقيموا قال القاضي الإستقامة اتباع الحق والقيام بالعدل وملازمة المنهج المستقيم وذلك خطب جسيم ذكره الطيبي وقال بعضهم والأمر بالمستطاع منه قال تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة وبين بقوله ولن تحصوا أي لن تطيقوا أن تستقيموا حق الإستقامة لأن ذلك خطب عظيم وتوفية حقها على الدوام عسر وكان القصد فيه التنبيه للمكلفين على رؤية التقصير من أنفسهم وتحريضهم على الجد لكيلا يتكلوا على ما يأتون به ولا يغفلوا عنه ولا ييأسوا من رحمته فيما يذرون عجزا لا تقصيرا وقيل لن تحصوا أي ثوابها من الإحصاء وهو العد قال الطيبي الإحصاء التحصيل بالعد مأخوذ من الحصى لإستعمالهم ذلك فيه كاعتمادنا على الأصابع ا ه وقيل المعنى لن تطيقوا ولكن ابذلوا جهدكم في طاعة الله بقدر ما تطيقون وهو اعتراض بين المتعاطفين للرد على من يتوهم أنه ببذل جهده يصل إلى غايتها واعلموا أن خير أعمالكم أي أفضلها وأتمها دلالة على الإستقامة الصلاة أي المكتوبة أو جنسها لأن فيها من كل عبادة شيئا كالقراءة والتسبيح والتكبير وترك الأكل والشرب وغير ذلك فهي أم العبادات وناهية للسيآت ولا يحافظ قال الطيبي جملة تذييلية أي لا يواظب على الوضوء حقيقة أو حكما


ليشمل حالة النوم إلا مؤمن المراد الجنس والتنوين للتعظيم أي لا يداوم عليه إلا مؤمن كامل في إيمانه دائم الشهود بقلبه وبدنه في حضرة ربه لأن الحضور في الحضرة القدسية بدون الطهارة الحسية بعيد من الآداب بل صاحبه يستحق أن يطرد من الباب رواه مالك وأحمد وابن ماجه والدارمي وكذا الحاكم والبيهقي عن ثوبان ورواه ابن ماجه أيضا والطبراني عن ابن عمرو والطبراني أيضا عن سلمة بن الأكوع ورواه ابن ماجه عن أبي أمامة والطبراني عن عبادة ولفظهما استقيموا ونعما إن استقمتم وخير أعمالكم الصلاة الحديث وعن ابن عمر قال قال رسول الله من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات في شرح السنة تجديد الوضوء مستحب إذا كان قد صلى بالوضوء الأول صلاة وكرهه قوم إذا لم يصل بالأول صلاة ذكره الطيبي وقال ابن الملك وإن لم يصل فلا يستحب قلت والظاهر أن في معناها الطواف والتلاوة ولعل سبب الكراهة هو الإسراف رواه الترمذي وقال إسناده ضعيف ورواه أبو داود وابن ماجه أيضا
الفصل الثالث
عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله مفتاح الجنة الصلاة أي مفتاح درجاتها وإلا فقد تقدم أن مفتاحها كلمة التوحيد ومفتاح الصلاة الطهور بالضم ويفتح أي مفتاحها الأعظم فإنه من جملة شروطها قال الطيبي فكما لا تتأتى الصلاة بدون الوضوء كذلك لا يتهيأ دخول الجنة بدون الصلاة وفيه دليل لمن يكفر تارك الصلاة وإنها الفارقة بين الإيمان والكفر وقال غيره هو حث عليها وإنها مما لا يستغنى عنها قط فإنها من أسباب دخول الجنة أولا من غير سابقة عذاب رواه أحمد قال ابن حجر بسند حسن وقال ميرك ورواه


أبو داود وفي إسناده أبو يحيى القتان قلت ورواه البيهقي على ما في الجامع الصغير وعن شبيب بن أبي روح وفي نسخة بدون ابن قال جامع الأصول أبو روح شبيب بن نعيم ويقال ابن أبي روح وحاظى من أهل حمص من تابعي الشاميين روى عن أبي هريرة وهو صالح الحديث مع قلته وروح بفتح الراء والحاء المهملة ونعيم بضم النون ا ه وشبيب كحبيب وفي التقريب شبيب بن نعيم أبو روح ثقة من الثالثة وأخطأ من عده في الصحابة ا ه والعجب من المؤلف أنه لم يذكره في أسمائه لا في التابعين ولا في الصحابة عن رجل من أصحاب رسول الله وكلهم عدول ولذا جهالته لا تضر روايته وقال ميرك اسمه أغر الغفاري أن رسول الله صلى صلاة الصبح فقرأ أي فيها الروم أي سورة الروم كلها أو بعضها في ركعة أو ركعتين فالتبس أي القرآن أو الروم يعني قراءته اشتبهت عليه فلما صلى أي فرغ من الصلاة قال ما بال أقوام أي ما حال جماعات يصلون معنا لا يحسنون الطهور بالضم ويفتح أي لا يأتون بواجباته وسننه قال الطيبي قد تقدم معنى إحسان الوضوء في الفصل الأول وفيه إشارة إلى أن السنن والآداب مكملات للواجب يرجى بركتها وفي فقدانها سد باب الفتوحات الغيبية وإن بركتها تسري إلى الغير كما أن التقصير فيها يتعدى إلى حرمان الغير تأمل أيها الناظر إذا كان رسول الله يتأثر من مثل تلك الهيئة فكيف بالغير من صحبة أهل البدعة أعاذنا الله ورزقنا صحبة الصالحين وإنما يلبس بالتشديد علينا القرآن أي يخلطه ويغلطه أولئك أي الذين لا يحسنون الطهور من المنافقين أو غيرهم رواه النسائي قال ابن حجر بسند حسن وعن رجل أي من الصحابة من بني سليم مصغرا قال عدهن أي الخصال الآتية فهو ضمير مبهم يفسره ما بعده كقوله تعالى فسواهن سبع سموات والمفسر هنا قوله التسبيح الخ رسول الله في يدي أي أخذ أصابع يدي وجعل يعقدها في الكف خمس مرات على عد الخصال لمزيد التفهيم والإستحضار أو في يده شك من الراوي قال


أي النبي ويجوز رجعه إلى الراوي تفسيرا للضمير المبهم التسبيح أي ثوابه أو نفسه باعتبار جسمه نصف الميزان والحمد لله تملأه بالتذكير والتأنيث أي يملأ الميزان كله أو نصفه الآخر والأول أظهر قال الطيبي جعل الحمد ضعف التسبيح لأنه جامع لصفات الكمال من الثبوتية والسلبية والتسبيح من السلبية والتكبير يملأ بالتذكير والتأنيث ما بين السماء والأرض أي جنسيهما يعني ثوابه إن قدر جسما يملأهما وقال الطيبي التكبير أن ينفي عن الغير صفة الكبرياء والعظمة لأن أفعل محمول على المبالغة والكبرياء مختص بالله تعالى فيمتلىء العارف عند ذلك هيبة وجلالا فلا ينظر إلى ما سواه ا ه والأظهر أنه يشاهد كبرياءه في الآفاق والأنفس والصوم نصف الصبر وهو الصبر على الطاعة فبقي النصف الآخر عن المعصية أو المصيبة أو الصوم صبر عن الحلق والفرج فبقي نصفه الآخر من الصبر عن سائر الأعضاء ولا يظهر وجه ما قال ابن حجر كان وجهه أن الصبر إما بالباطن وإما بالظاهر والصوم جامع لصبر الباطن بحفظه عن تعاطي أكثر الشهوات فجعل نصفا لذلك ا ه ومن المعلوم أن الصبر من أحوال الباطن لا غير والطهور نصف الإيمان وهذا تفسير للشطر في الحديث السابق رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وعن عبد الله الصنابحي بضم الصاد وتخفيف النون وبالباء الموحدة والحاء المهملة منسوب إلى صنابح بن زاهر بطن من مراد وحديثه أنه هاجر من قبل وفاة النبي فوصل إلى الجحفة فبلغته وفاته عليه الصلاة والسلام والمعروف فيما ذكره البخاري في تاريخه ومسلم في كتاب الكنى وغيرهما في نسبة عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله الصنابحي وعسيلة بضم المهملة ثم فتح المهملة ثم سكون الياء كذا في جامع الأصول وقال المصنف قيل أبو عبد الله وقال ابن عبد البر عندي أن الصنابحي أبو عبد الله التابعي لا الصحابي قال وأبو عبد الله الصنابحي غير معروف في الصحابة والصنابحي قد أخرج حديثه في الموطأ مالك بن أنس والنسائي في سننه ا ه


قال وقال الترمذي هو الذي روى عن أبي بكر ليس له سماع من النبي اسمه عبد الرحمن بن عسيلة ويكنى أبا عبد الله ا ه فتحصل أن الصحيح أنه أبو عبد الله وأنه تابعي فكان حق المؤلف أن يقول مرسلا قال قال رسول الله إذا توضأ العبد المؤمن أي أراد الوضوء فمضمض أي غسل فمه في مختصر النهاية المضمضة المصمصة
وقيل المهملة بطرف اللسان والمعجمة بالفم كله وفي القاموس المضمضة أي بالمعجمة تحريك الماء في الفم فزيادة النقطة لإفادة النكتة فالتعبير بالمضمضة يفيد المبالغة في التطهير خرجت الخطايا من فيه أي بعض الخطايا المتعلقة بالفم وهو الظاهر وهي مقيدة بالصغائر كما تقدم وإذا استنثر أي غسل أنفه وبالغ في الإستنشاق قال الطيبي خص الإستنثار لأن القصد خروج الخطايا وهو مناسب للإستنثار لأنه إخراج الماء من أقصى الأنف وقال ابن حجر ويخدشه التعبير بالمضمضة وهي لا تستلزم إخراج ماء لحصول أصل سننها وإن ابتلعه فيستفاد منها حصول التكفير وإن لم يخرج وكذا الإستنشاق فالتعبير بالإستنثار يحتمل أنه لأنه الغاية المطلوبة من الإستنشاق إذ هو إخراج الماء من أقصى الأنف المستلزم لمزيد تنظيفه من أقذاره التي لا يستقصى إخراجها كلها إلا به ا ه وأنت تعلم أن كلام الطيبي لا ينافي ما ذكره بل هو عينه مع زيادة النكتة المناسبة للمقام ولا يلزم إطرادها مع أنه قد يقال لما كان الغالب على الناس في المضمضة إخراج الماء من الفم اكتفى به بخلاف الإستنشاق فعبر عنه بالإستنثار خرجت الخطايا كشم ما لا يجوز له من أنفه أي مع الماء وإذا وفي نسخة بالفاء غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه أي أهدابهما قال ابن حجر ومر أن الخطايا إنما تخرج من عينيه فقط وجعل الخروج منها هنا غاية يقتضي خلاف ذلك إلا أن يجاب بأن ما هنا على سبيل الفرض أن اكتسب بما عدا فمه وأنفه وعينه من بقية وجهه خطيئة خرجت بغسله ا ه وفيه أنه كان يلائمه حينئذ أن يقول من ذقنه فإذا هنا


وفيما بعد بالفاء لا غير غسل يديه أي إلى المرفقين خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه فإذا مسح برأسه ظاهره الإستيعاب خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه بضم الذال وسكونها وفيه دليل لأبي حنيفة من أن الأذنين من الرأس وأنهما يمسحان بمائه لا بماء جديد كما قاله الشافعي وتكلف له ابن حجر بما ينبو عنه السمع فإذا غسل رجليه أي إلى الكعبين خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته سواء كانت فريضة أو نافلة نافلة له أي زائدة على تكفير السيآت وهي لرفع الدرجات قاله الطيبي أو زائدة عن تكفير سيآت أعضاء


الوضوء فهي لسيآت أخر إن وجدت وإلا فلتخفيف الكبائر ثم لرفع الدرجات كما ذكره النووي فيما سبق رواه مالك والنسائي قال ابن حجر بسند حسن وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله أتى المقبرة بضم الباء وفتحها والكسر قليل والظاهر أنها مقبرة البقيع فقال السلام عليكم إشارة إلى أنهم يعرفون الزائر ويدركون كلامه وسلامه قال القرطبي في الحديث أن السلام على الأموات والأحياء سواء في تقديم السلام على عليكم دار قوم مؤمنين نصب دار على الإختصاص أو النداء لأنه مضاف والمراد بالدار على الوجهين الجماعة والأهل ويحتمل على الأول المنزل قاله الطيبي ولعل مراده أحد المجازين المذكورين في قوله تعالى واسأل القرية قال ابن حجر يؤخذ من الحديث تعيين التخصيص في الدعاء لأهل مقبرة ونحوهم مما يقتضي العموم بالمسلمين منهم لفظا أو نية والله أعلم وانا إن شاء الله بكم لاحقون في هذا الإستثناء مع أن الموت حق لا شك فيه للعلماء أقوال والأظهر أنه وارد على سبيل التبرك كما في قوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وقال الخطابي وغيره إن ذلك من عادة من يحسن الكلام به والثالث أن الإستثناء عائد على اللحوق بالمكان المتبرك لأنه مشكوك فيه قال تعالى وما تدري نفس بأي أرض تموت وددت بكسر الدال أي تمنيت وأحببت أنا أي أنا وأصحابي قد رأينا اخواننا تمنى رؤيتهم في الحياة وقيل بعد الممات قالوا أو لسنا أي أتقول هذا أو لسنا إخوانك يا رسول الله قال أنتم أصحابي ليس هذا نفيا لاخوتهم لكن ذكر لهم مزية بالصحبة على الأخوة فهم إخوة وصحابة واللاحقون اخوة فحسب قال تعالى إنما المؤمنون إخوة واخواننا الذين لم يأتوا بعد أي لم يلحقوا إلى الآن أو لم يأتوا إلينا قيل ولعل الظاهر أن يحمل على اللاحقين بعد موته عليه الصلاة والسلام من التابعين لكن يأباه سؤالهم الآتي الشامل لهم ولغيرهم فإن قلت فأي اتصال لهذه الودادة بذكر أصحاب القبور قلت عند تصور السابقين


تصور اللاحقين أو كشف له صلوات الله عليه وسلامه عالم الأرواح فشاهد الأرواح المجندة السابقين منهم واللاحقين فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله قال الطيبي وسؤالهم بقولهم كيف تعرف أي في
المحشر مبني على أنك تمنيت رؤيتهم في الدنيا وإنما يتمنى ما لم يكن حصوله فإذن كيف تعرفهم في الآخرة وإنما حملناه على الآخرة ليطابق قوله الآتي غر محجله لظهورهما حينئذ فقال وفي نسخة بدون الفاء أرأيت أي أخبرني أيها المخاطب لو أن رجلا له خيل أي مثلا غر محجله بين ظهري خيل قيل الظهر مقحم في النهاية أقاموا بين ظهرانيهم أي أقاموا بينهم على سبيل الإستظهار والإستناد إليهم ومعناه أن ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه فهو مكنوف من جانبيه ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا كذا نقله الطيبي أقول ثم استعمل في الإقامة بين الحيوانات مجازا دهم أي سود بهم البهم السود وقيل الذي لا يخالط لونه لون سواه قرنه بالدرهم مبالغة في السواد ألا يعرف خيله الهمزة للإنكار قالوا بلى يعرفها يا رسول الله قال فإنهم أي أمة الإجابة جميعا يأتون غرا محجلين من الوضوء بالفتح والضم أي من أجله وأنا فرطهم على الحوض أي متقدمهم إلى حوضي في المحشر فإن لكل نبي حوضا يقال فرط يفرط فهو فارط وفرط إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء ويهيء لهم الدلاء والأرشية رواه مسلم وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله أنا أول من يؤذن له بالهمز ويبدل بالسجود يوم القيامة لأنه أول ما خلق الله روحه أو نوره وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه إشارة إلى مقام الشفاعة كما ورد في قوله فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا إلى قوله فيقول لي ارفع محمد فانظر الفاء فصيحة أو فارفع رأسي فأنظر إلى ما بين يدي أي قدامي فأعرف أي أميز ليستقيم تعلق من به أمتي أي الذين أجابوا من بين الأمم ومن خلفي أي وانظر من ورائي مثل ذلك بالنصب أي فاعرف أمتي وقول ابن حجر الظاهر أنه جملة من


مبتدأ وخبر معطوفة على مجموع الجملتين قبلها خلاف النسخ المصححة مع قطع النظر أنه خلاف الظاهر كما يظهر من تقديرنا وعن يميني مثل ذلك وعن شمالي مثل ذلك يعني من جميع الجوانب وفيه إشارة إلى كثرتهم وتفاوت مراتبهم فقال رجل يا رسول الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم أي سائرهم فيما بين نوح بيان للأمم حال منه أي الأمم
كائنة فيما بين نوح ولو قيل هو ظرف لتعرف لرجع المعنى كيف تعرف أمتك فيما بين نوح ولم يكن لقوله من الأمم معنى وإنما خص نوحا مع أن الأنبياء كآدم وشيث وإدريس قد بعثوا قبله لشهرته أو لكثرة أمته و إلى في قوله إلى أمتك للإنتهاء أي مبتدئا من نوح منتهيا إلى أمتك قال ابن حجر وكان القياس و أمتك لتعين عطف ما بعد بين بالواو فيقدر محذوف بعد نوح وقيل إلى الدلالة كل من بين وإلى على ذلك المحذوف والتقدير فيما بين نوح وغيره مبتدئا ذلك من أمته أو زمنه إلى أمتك أو زمنهم قال هم غر محجلون من أثر الوضوء ليس أحد كذلك وفي نسخة لذاك غيرهم بالرفع على البدلية وبالنصب على الإستثناء والمختار الأول وهذا صريح في أن الغرة والتحجيل من خصوصيات أمته عليه الصلاة والسلام وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم ولعل هذا في وقت خاص لهم قبل إيتاء الكتب للأمم السالفة أو لكتبهم نور زائد على كتب غيرهم ثم رأيت ابن حجر قال ظاهره أنه من خصوصياتهم إلا أن يحمل على أنهم يؤتون ذلك قبل غيرهم أو على صفة لم تكن لغيرهم إذ الذي دلت عليه الآيات وبقية الأحاديث العموم وأن الفاسق يؤتى كتابه بيمينه أيضا وهو ما دلت عليه الآيات أيضا وما اقتضته الآية من أن من يؤتى كتابه بيمينه لا يصلى النار محمول على أنه لا يصلاها صلو الكافر المشار إليه بقوله تعالى لا يصلاها إلا الأشقى الليل الآية ونقل ابن عطية عن قوم أن الفاسق الذي أريد تعذيبه يعطاه بيمينه أولا قبل دخوله النار ثم خالفه وقال إنما يعطاه عند خروجه منها ورد بأن الظاهر الأول وقد أخرج النقاش عن أنس


مرفوعا ما يقتضيه ا ه لكن قوله دلت عليه الآيات أيضا غير ظاهر لأن الآيات القرآنية مسكوتة عن حال الفاسق في إعطاء الكتب يمينا وشمالا وفي ثقل الميزان وخفته أيضا ولعله ليكون بين الرجاء والخوف والله سبحانه أعلم وأعرفهم يسعى بالتذكير والتأنيث بين أيديهم ذريتهم يحتمل الإختصاص وأن يكون على وجه خاص قال الطيبي لم يأت بالوصفين هذين تفصلة وتمييزا كالأول بل أتى بهما مدحا لأمته وابتهاجا بما أوتوا من الكرامة والفضيلة رواه أحمد قال ابن حجر وسنده حسن


باب ما يوجب الوضوء
أي أسباب وجوب الطهارة الصغرى وما يتعلق به والموجب هو الله تعالى

الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تقبل أي قبول إجابة وإثابة بخلاف المسبل والآبق فإن صلاتهما لا تقبل أيضا لكنها لا تقبل بترك الإثابة وتقبل إجابة فلا يرد ما قيل من أنه لا يلزم من عدم القبول عدم الجواز والصحة مع أن الطهارة شرط الصحة صلاة من أحدث أي صار ذا حدث قبل الصلاة أو في أثنائها والمراد بالصلاة المضافة صورتها أو باعتبار ما كانت حتى يتوضأ أي حقيقة أو حكما أو يتوضأ بمعنى يتطهر فيشمل الغسل والوضوء والتيمم قال المظهر المعنى لا يقبل الله صلاة بلا وضوء إلا إذا لم يجد الماء فيقوم التيمم مقامه فإن لم يجد التراب أيضا يصلي الفرض الوقتي لحرمة الوقت ثم إن مات قبل وجدان الماء والتراب لم يأثم وإن وجدهما يقضي ا ه وهذا عند الشافعي وأما عندنا فلا يصلي لحرمة الوقت سواء ضاق الوقت أو عدم الصعيد وهو ظاهر الحديث وما قيل من أنه للضرورة ولقوله عليه الصلاة والسلام وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم مدفوع بأن مضمون هذا الحديث أنه لا تقبل صلاته وأنه منهي عن أن يصلي بلا وضوء فيدخل تحت قوله وإذا نهيتم عن أمر فاجتنبوه أي مطلقا وفي شرح الشمني والمحبوس الذي لا يجد طهورا لا يصلي عندهما وعند أبي يوسف يصلي بالإيماء ثم يعيد وهو رواية عن محمد تشبها بالمصلين قضاء لحق الوقت كما في الصوم ولهما أنه ليس بأهل للأداء لمكان الحدث فلا يلزمه التشبه كالحائض وبهذه المسألة تبين أن الصلاة بغير الطهارة متعمدا ليس بكفر فإنه لو كان كفرا لما أمر أبو يوسف به وقيل كفر كالصلاة إلى غير القبلة أو مع الثوب النجس عمدا لأنه كالمستخف والأصح أنه لو صلى إلى غير القبلة أو مع الثوب النجس لا يكفر لأن ذلك يجوز أداؤه بحال ولو صلى بغير طهارة متعمدا يكفر لأن ذلك يحرم لكل حال فيكون مستخفا ا ه والظاهر أنه إذا قصد به حرمة الوقت لا يكفر لأن المسألة


اجتهادية ولأنه لا يصدق عليه أنه مستخف بخلاف ما إذا صلى من غير طهارة عمدا لا لهذا القصد فإنه يكفر لأنه
مستخف بالشرع حينئذ ولو صلى بلا طهارة حياء أو رياء أو كسلا فهل يكون مستخفا أم لا محل بحث والأظهر في المستحيي أن لا يكون مستخفا بخلاف الآخرين والله أعلم وأغرب ابن حجر فقال وإعادة ضمير يتوضأ للمحدث إنما هو باعتبار ما كان ولعل وجهه أن التقدير فإذا توضأ وصلى قبلت صلاته أي صلاة المحدث باعتبار ما كان وهذا تكلف مستغنى عنه ثم حتى هنا إما غائية أو تعليلية أو استثنائية متفق عليه وعن ابن عمر قال قال رسول الله لا تقبل صلاة بغير طهور هو بالضم الطهر وبالفتح الماء الذي يتطهر به نسختان وتقدم تحقيقهما قال ابن حجر أي لا تصح إذ نفي القبول إما بمعنى نفي الصحة كما هنا وإما بمعنى نفي الثواب كما في خبر من أتى عرافا أي منجما لم تقبل صلاته أربعين صباحا ولا صدقة أي التي هي طهارة النفس من رذيلة البخل وقلة الرحمة من غلول بالضم على ما في النسخ المصححة أي مال حرام وأصل الغلول الخيانة في الغنيمة قال بعض علمائنا من تصدق بمال حرام ويرجو الثواب كفر ووهم ابن حجر أو ظن أن الرواية بفتح الغين فقال أي كثير الغل أي الخيانة في الغنيمة وفيه أن المبالغة غير مراد ولذا قال والمراد هنا من تصدق بما خان بأن تصدق من مال حرام فلا يثاب على التصدق به بل يعاقب إن علم أنه حرام وثوابه لمالكه ا ه ومحل هذا إذا كان يعرف مالكه أو وارثه وإلا فهو مأمور بالتصدق به ولا يتصور أنه يؤمر بالتصدق به ولا يقبل منه رواه مسلم وكذا الترمذي وابن ماجه وعن علي رضي الله تعالى عنه قال كنت رجلا مذاء بالتشديد والمد أي كثير المذي بالمعجمة من أمذى وهو أرق من المني يخرج عند الملاعبة أو النظر قال ابن حجر وهو ماء رقيق أصفر يخرج عند الشهوة الضعيفة وفي حكمه الودى بالمهملة وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول أو عند حمل شيء ثقيل فكنت أستحي أن أسأل النبي أي


عن حكم المذي هل هو نجس موجب للغسل أم لا لمكان ابنته أي فاطمة رضي الله عنها لكونها تحته والمذي كثيرا ما يخرج بسبب ملاعبة الزوجة وكان في السؤال عن كثرته تعريض بشيء من أحوال بنته التي يستحي من إظهارها لأن مثل ذلك لا يكاد يفصح به أولو الأحلام خصوصا بحضرة الأكابر العظام وعلل الحياء بذلك لئلا يرد عليه أن الإستحياء من السؤال والتعلم مذموم فأمرت المقداد أي التمست منه أن يسأله عن ذلك فسأله أي مبهما بأن قال مثلا رجل خرج من ذكره مذي ما الحكم فيه فقال يغسل ذكره لنجاسته قال ابن حجر أي ما مسه منه لا غير قياسا على نحو البول وقال الطيبي يتعين غسله ولا يجوز الإقتصار على الحجر لندوره وهو ظاهر الحديث وأحد قولي الشافعي ا ه وقال الطحاوي إنما أمره بذلك ليتقاص العروق وينقطع المذي لأنه لم يؤمر الإنسان بغسل الذكر من البول فبالحري أن لا يؤمر بغسله من المذي ا ه وقال أحمد يجب غسل جميع الذكر وقيل يجب غسل الانثيين أيضا لرواية كذا نقله ابن حجر ويتوضأ قيل يحتمل أنهم كانوا لا يتنزهون عنه تنزههم عن البول ظنا أنه أخف منه ا ه وهذا لا يجدي في صرف ما اقتضاه ظاهر الخبر من وجوب غسل جميع الذكر وإن لم يمسه منه شيء وبه قال أحمد متفق عليه وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول توضؤا مما مست النار أي من كل ما مسته وهو الذي أثرت فيه النار كاللحم والدبس وغير ذلك رواه مسلم قال الشيخ الأجل محيي السنة رحمه الله تعالى وفي نسخة رحمة الله عليه هذا منسوخ أي قول من حمل الوضوء على الشرعي الواجب وهو الظاهر المتبادر بحديث ابن عباس قال إن رسول الله أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ متفق عليه قال بعض علمائنا الأولى أن يحمل الوضوء في الحديث المتقدم على اللغوي أو الشرعي والأمر على الإستحباب قال القاضي الوضوء في أصل اللغة غسل بعض الأعضاء


وتنظيفه من الوضاءة بمعنى النظافة والشرع نقله إلى الفعل المخصوص وقد جاء هنا على أصله والمراد منه ومن نظائره غسل اليدين لإزالة الزهومة توفيقا بينه وبين حديث ابن عباس وأم سلمة ونحوهما ومنهم من حمله على المعنى الشرعي وزعم أنه منسوخ بحديث ابن عباس وإنما يتقرر ذلك لو علم تاريخهما وتقدم الأول لا يقال صحبة ابن عباس متأخرة لأن تأخر الصحبة لا يدل على تأخر الرواية إلا إذا كان صحبة المتأخر بعد وفاة المتقدم أو غيبته بخلاف ما لو اجتمعا قيل وقد صرح ابن الصلاح في كتابه بالنسخ حيث قال ومما يعرف به النسخ قول الصحابي كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار كذا ذكره الطيبي وقال ابن حجر حمل كلام الشارع على غسل اليدين بعيد وإنما يحمل على المدلولات الشرعية لأنه عليه الصلاة والسلام إنما بعث لبيان الشرعيات والوجه أن النسخ إنما استفيد من قول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار وعن جابر بن سمرة كنيته أبو عبد الله العامري ابن أخت سعد بن أبي وقاص نزل الكوفة ومات بها سنة أربع وسبعين روى عنه جماعة أن رجلا سأل رسول الله أنتوضأ بالنون وفي نسخة بالياء مجهولا وفي نسخة صحيحة أتوضأ بالمتكلم المفرد مع الإستفهام وغيره قال الكازروني في بعض نسخ المصابيح أيتوضأ وفي بعضها أنتوضأ والكل غير متبع رواية مطابقة وإنما الرواية أأتوضأ بهمزتين لكن حذف إحداهما في بعض الروايات من لحوم الغنم أي من أكلها قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ وفي نسخة بحذف إحدى التاءين قال أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم فتوضأ من لحوم الإبل وفيه تأكيد الوضوء من أكل لحم الإبل وهو واجب عند أحمد بن حنبل قال النووي وهذا المذهب أقوى دليلا وعند غيره المراد منه غسل اليدين والفم لما في لحم الإبل من رائحة كريهة ودسومة غليظة بخلاف لحم الغنم أو منسوخ بحديث جابر قال أي الرجل أصلي بحذف حرف الإستفهام


وفي نسخة بإثباته في مرابض الغنم جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء وهو موضع ربوض الغنم وهو للغنم بمنزلة الإضطجاع للإنسان والبروك للإبل والجثوم للطير قال نعم فلا كراهة للصلاة فيه لأنه لا نفار لها بحيث يشوش على المصلي الخشوع والحضور قال أصلي في مبارك الإبل جمع مبرك بفتح الميم قال لا كره الصلاة في مبارك الإبل لما لا يؤمن من نفارها فيلحق المصلي ضرر من صدمة وغيرها فلا يكون له حضور قال
ابن حجر والبقر كالغنم وفيه بحث ومحل الفرق حيث خلت المرابض والمبارك عن النجاسة وإلا فكرهت في المرابض أيضا لكن للنجاسة رواه مسلم ورواه ابن ماجه عن ابن عمر ولفظه توضؤا من لحوم الإبل ولا تتوضؤا من لحوم الغنم وتوضؤا من ألبان الإبل ولا تتوضؤا من ألبان الغنم وصلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا أي كالقرقرة بأن تردد في بطنه ريح فاشكل أي التبس عليه أخرج بهمزة استفهام منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد أي للتوضؤ لأن المتيقن لا يبطله الشك قيل يوهم أن حكم غير المسجد بخلاف المسجد لكن أشير به إلى أن الأصل أن يصلي في المسجد لأنه مكانها فعلى المؤمن ملازمة الجماعات للمسجد حتى يسمع صوتا أي صوت ريح يخرج منه أو يجد ريحا أي يجد رائحة خرجت منه وهذا مجاز عن تيقن الحدث لأنهما سبب العلم بذلك كذا قال بعض علمائنا وقال ابن حجر أي يحس بخروجه وإن لم يشمه وقال في شرح السنة معناه حتى يتيقن الحدث لا أن سماع الصوت أو وجدان الريح شرط إذ قد يكون أصم فلا يسمع الصوت وقد يكون أخشم فلا يجد الريح وينتقض طهره إذا تيقن الحدث قال الإمام في الحديث دليل على أن الريح الخارجة من أحد السبيلين توجب الوضوء وقال أصحاب أبي حنيفة خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء وفيه دليل على أن اليقين لا يزول بالشك في شيء من أمر الشرع وهو قول عامة أهل العلم ا ه وتوجيه قول الحنفية إنه نادر فلا يشمله النص


كذا قيل والصحيح ما قاله ابن الهمام من أن الريح الخارج من الذكر اختلاج لا ريح فلا ينقض كالريح الخارجة من جراحة في البطن رواه مسلم وعن عبد الله بن عباس قال إن رسول الله شرب لبنا
فمضمض زاد مسلم ثم دعا بماء فمضمض أي غسل فمه ذكر الأبهري قال الشيخ ويستنبط منه غسل اليدين للتنظيف قال النووي اختلف العلماء في استحباب غسل اليدين قبل الطعام وبعده والأظهر استحبابه أولا إلا إن تيقن نظافة اليدين من النجاسة والوسخ واستحبابه بعد الفراغ إلا أن لا يبقى على اليد أثر الطعام بأن كان يابسا أو لم يمسه بها وقال إن له دسما بفتحتين أي زهومة قال الطيبي جملة استئنافية تعليل للتمضمض وفيه إشعار بأن التمضمض مناسب وقيل المضمضة بالماء مستحبة عن كل ماله دسومة إذ يبقى في الفم بقية تصل إلى باطنه في الصلاة فعلى هذا ينبغي أن يمضمض من كل ما خيف منه الوصول إلى الباطن طردا للعلة ويؤيده حديث السوبق ا ه قال ابن الملك هذا عند الشافعية وأما عندنا ففي الظهيرية لو أكل السكر أو الحلواء ثم شرع في الصلاة والحلاوة في فمه فدخل مع الريق لا يفسد متفق عليه ومناسبة هذا الحديث لعنوان الباب أن المضمضة المذكورة من متممات الوضوء أو مكملاته وعن بريدة أي ابن أبي الحصيب بضم الحاء المهملة آخر من مات من الصحابة بخراسان كذا في التهذيب وقال المؤلف هو أسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها وبايع بيعة الرضوان وكان من ساكني المدينة ثم تحول إلى البصرة ثم خرج منها إلى خراسان غازيا فمات بمرو زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين وستين وروى عنه جماعة أن النبي صلى الصلوات أي الخمس المعهودة يوم الفتح أي يوم فتح مكة بوضوء واحد ومسح حال بتقدير يرقد على خفيه فيه دليل على أن الوضوء لكل صلاة ليس من خصوصياته خلافا لمن قال به مستدلا بما رواه البخاري عن عمرو بن عامر عن أنس كان النبي يتوضأ عند كل صلاة قلت كيف كنتم تصنعون قال يجزىء أحدنا ما لم يحدث فقال له عمر لقد صنعت اليوم


شيئا لم تكن تصنعه فقال عمدا صنعته يا عمر الضمير راجع إلى المذكور وهو الصلوات الخمس بوضوء واحد والمسح على الخفين و عمدا تمييز أو حال من الفاعل فقدم اهتماما لشرعية المسألتين في الدين أو اختصاصا ردا لزعم من لا يرى جواز المسح على الخفين وفيه دليل على أن من قدر أن يصلي صلوات كثيرة بوضوء واحد لا
تكره صلاته إلا أن يغلب عليه الأخبثان كذا ذكره الشراح لكن رجع الضمير إلى مجموع الجمع المذكور والمسح على الخفين يوهم أنه لم يكن يمسح على الخفين قبل الفتح والحال أنه ليس كذلك فالوجه أن يكون الضمير إلى الجمع فقط تجريدا عن الحال فإنه بيان للقضية الواقعة في نفس الأمر وغايته أنه يفيد استمرار حكم المسح إلى آخر الإسلام فينتفي توهم نسخة والله أعلم رواه مسلم ولعل المناسبة بين هذا الحديث والباب أنه يدل على أن كل ما أريد القيام إلى الصلاة لا يحب الوضوء على ما يتوهم من ظاهر الآية ولذا قال عمدا صنعته يا عمر وقال العلماء تقدير الآية إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا الخ وأما ما ذهب إليه ابن حجر من أن وجوب الوضوء كان لكل فرض وإن لم يحدث ثم نسخ بهذا الحديث فبعيد من السياق واللحاق مع أنه لم يقل به أحد ويرده أيضا حديث البخاري عن أنس على ما قدمناه وعن سويد مصغرا ابن النعمان بضم النون ولم يذكر المصنف في أسماء رجاله إلا سويد بن قيس وقال يكنى أبا صفوان روى عنه سماك بن حرب وعداده في الكوفيين إنه خرج مع رسول الله عام خيبر أي عام غزوة خيبر وهي بلدة معروفة غير منصرف للعلمية والتأنيث كذا ذكره الأبهري حتى إذا كانوا أي النبي وأصحابه نازلين بالصهباء بفتح الموحدة والمد وهي أي الصهباء أدنى خيبر أي أسفلها أو أقربها وفي نسخة صحيحة من أدنى خيبر أي الصهباء موضع قريب من خيبر صلى العصر ثم دعا بالأزواد جمع الزاد فلم يؤت إلا بالسويق وهو ما يحرش من الشعير والحنطة وغيرهما للزاد فأمر به أي بالسويق فثرى أي بل ليسهل


أكله قال الطيبي أي بل من الثرى وهو التراب الندي الذي تحت التراب الظاهر يقال ثرى التراب إذا رش عليه بالماء فأكل رسول الله وأكلنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا فتستحب المضمضة ثم صلى ولم يتوضأ وإن كان مما مسته النار رواه البخاري قال ابن حجر ومسلم ومر ما فيه ا ه وقال فيما مر بعد قول المصنف رواه مسلم وعند البخاري من حديث أنس طرف منه فإن كان مراده من
حديث أنس ما قدمناه فليس فيه طرف منه وإن أراد بقوله ومسلم المتفق عليه من حديث ابن عباس حيث ذكر المضمضة فيه فليس هذا من اصطلاح المحدثين وإن كان غير ذلك فيحتاج إلى بيان ليكون حجة على المؤلف في تقصير تتبعه
الفصل الثاني


عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا وضوء أي واجب إلا من صوت أي إلا من سماع صوت أو ريح أي وجدان رائحة ريح خرج منه قال الطيبي نفى جنس أسباب التوضوء واستثنى منه الصوت والريح والنواقض كثيرة ولعل ذلك في صورة مخصوصة يعني بحسب السائل فالمراد نفي جنس الشك وإثبات اليقين أي لا يتوضأ عن شك مع سبق ظن الطهارة إلا بيقين الصوت أو رائحة الريح رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابن ماجه أيضا نقله ميرك وعن علي رضي الله تعالى عنه قال سألت النبي أي بواسطة المقداد كما تقدم عن المذي وفي نسخة من المذي أي حكمه قال ميرك المذي بفتح الميم وسكون الذال وكسرهما معا هو الماء الرقيق الذي يخرج عند الملاعبة والتقبيل ا ه وفي القاموس المذي والمذي كفني والمذي ساكنة الياء ما يخرج منك عند الملاعبة والتقبيل ا ه والأصح من النسخ هو الأول والثالث غير موجود فقال من المذي الوضوء أي واجب ومن المني الغسل وهذا من زيادة الإفادة ونوع من جواب أسلوب الحكيم على حد أنتوضأ بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته وقال ابن حجر ويجمع بين هذا وما مر أنه أمر المقداد أن يسأل له بأن ذلك في السؤال عن خصوص نفسه وكثرة إمذائه والحياء من هذا الخصوص واضح فاستناب فيه وهذا عن مطلق حكم المذي وهذا لا حياء في السؤال عنه


مباشرة بنفسه واختلاف سياق الحديثين يدل على تعدد الواقعة ا ه وبعده لا يخفى رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابن ماجه أيضا وعنه أي عن علي قال قال رسول الله مفتاح الصلاة أي مجوز الدخول فيها الطهور بالضم ويفتح أي بالماء أو التراب ففاقد الطهورين لا يجوز له الدخول في حرم الصلاة على ما اقتضاه الحصر بتعريف جزأي الجملة كما هو مذهبنا واعتذر الشافعية بأن صحتها مع فقدهما للضرورة وتحريمها التكبير قال المظهر سمى الدخول في الصلاة تحريما لأنه يحرم الأكل والشرب وغيرهما على المصلي فلا يجوز الدخول في الصلاة إلا بالتكبير مقارنا به النية ا ه وهو شرط عندنا وركن عند الشافعي ثم المراد بالتكبير المذكور في الحديث وفي قوله تعالى وربك فكبر المدثر هو التعظيم وهو أعم من خصوص الله أكبر وغيره مما أفاده التعظيم والثابت ببعض الأخبار اللفظ المخصوص فيجب العمل به حتى يكره لمن يحسنه تركه كما قلنا في القراءة مع الفاتحة وفي الركوع والسجود مع التعديل كذا في الكافي قال ابن الهمام وهذا يفيد وجوبه ظاهرا وهو مقتضى المواظبة التي لم تقترن بترك فينبغي أن يعول على هذا وتحليلها التسليم التحليل جعل الشيء المحرم حلالا وسمي التسليم به لتحليل ما كان حراما على المصلي لخروجه عن الصلاة وهو واجب قال ابن الملك وإضافة التحريم والتحليل إلى الصلاة لملابسة بينهما وقال بعضهم أي سبب كون الصلاة محرمة ما ليس منها التكبير ومحللة التسليم أي إنها صارت بهما كذلك فهما مصدران مضافان إلى الفاعل وقال الطيبي قيل شبه الشروع في الصلاة بالدخول في حريم الملك الكريم المحمي عن الأغيار وجعل فتح باب الحرم بالتطهير على الأدناس وجعل الإلتفات إلى الغير والإشتغال به تحليلا تنبيها على التكميل بعد الكمال رواه أبو داود والترمذي وقال هذا أصح شيء في هذا الباب والدارمي أي روى ثلاثتهم عن علي وحده ورواه ابن ماجه عنه أي عن علي وعن أبي سعيد


وعن علي بن طلق وفي نسخة طلق بن علي وهو بفتح الطاء وسكون اللام بالقاف ابن المنذر قال البرقي وبعض الناس يرى أنه طلق بن علي كذا في التلقيح وقال المصنف هو علي بن طلق الحنفي اليمامي رواه عنه مسلم بن سلام وهو من أهل اليمامة وحديثه فيهم قال قال رسول الله إذا فسا أحدكم أي خرج الريح التي لا صوت له من أسفل الإنسان فليتوضأ ولا تأتوا النساء أي لا تجامعوهن في أعجازهن أي أدبارهن رواه الترمذي وأبو داود وقال الترمذي حديث حسن وفي الباب عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وسمعت محمدا يقول لا أعرف لعلي بن طلق غير هذا الحديث ولا أعرف هذا من حديث طلق بن علي السنجي كأنه رأى أن هذا رجل آخر من أصحاب النبي نقله ميرك قال ابن حجر وخبر فليبن على صلاته ضعيف اتفاقا وفيه أنه لا دخل في هذا المقام لهذا المرام وعن معاوية بن أبي سفيان وهما صحابيان وقد سبق ذكر معاوية وترجمته وأما أبو سفيان بن صخر بن حرب الأموي القرشي ولد قبل الفيل بعشر سنين وكان من أشراف قريش في الجاهلية وكان إليه راية الرؤساء في قريش أسلم يوم فتح مكة وكان من المؤلفة قلوبهم وشهد حنينا وأعطاه النبي من غنائمها مائة وأربعين أوقية فيمن أعطاه من المؤلفة قلوبهم وفقئت عينه يوم الطائف فلم يزل أعور إلى يوم اليرموك فأصاب عينه حجر فعميت روى عنه عبد الله بن عباس مات سنة أربع وثلاثين بالمدينة ودفن بالبقيع أن النبي قال إنما العينان أي اليقظة فهما كناية عنها وكاء السه بفتح السين وتخفيف الهاء الوكاء ما يشد به الكيس وغيره ليحفظ ما فيه الخروج والسه أي الاست أو حلقة الدبر وقيل معناه الدبر وأصله سته فحذف التاء ولذا يجمع على الإستاء ويصغر على ستيهة فإذا نامت العين أي جنسها استطلق الوكاء أي انحل قال الطيبي العينان كالوكاء للسه شبه عين الإنسان وجوفه ودبره بقربة لها فم مشدود بالخيط وشبه ما يطلقه بالغفلة عند النوم بحل ذلك الخيط من فم القربة وفيه تصوير لقبح صدور هذه الغفلة


قال القاضي المعنى أن الإنسان إذا تيقظ أمسك ما في بطنه فإذا نام زال اختياره واسترخت مفاصله فلعل يخرج منه ما ينقض طهره وذلك إشارة إلى أن نقض الطهارة بالنوم وسائر ما يزيل العقل ليس لأنفسها بل لأنها مظنة خروج ما ينتقض به الطهر ولذا خص نوم ممكن المقعد من الأرض رواه الدارمي قال ابن
حجر فيه ضعيف وقال ميرك ليس حديث معاوية هذا في المصابيح في هذا الباب ولعله أورده في باب آخر وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ رواه أبو داود وقال ابن حجر وابن ماجه وفي سنده ضعيف وقال ميرك في إسناده الوضين بن عطاء وبقية بن الوليد وفيهما مقال قال وفي نسخة وقال الشيخ الإمام محيي السنة رحمة الله تعالى وفي نسخة رحمة الله تعالى عليه هذا أي هذا الحكم في غير القاعد أي من النائمين يعني هذا فيمن نام مضطجعا فأما من نام قاعدا ممكنا مقعده من الأرض ثم استيقظ ومقعده ممكن كما كان فلا يبطل وضوءه وإن طال نومه لما صح عن أنس قال كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء أي صلاتها الجماعة فينامون أي جالسين كما يدل عليه قوله حتى تخفق بفتح التاء وكسر الفاء أي تتحرك وتضطرب رؤوسهم من النوم قال الطيبي الخفقة النعسة الخفيفة ومعنى تخفق رؤوسهم تسقط أذقانهم على صدورهم وقيل هو من الخفوق وهو الإضطراب ثم يصلون أي بذلك الوضوء ولا يتوضؤون أي وضوءا جديدا رواه أبو داود والترمذي إلا أنه أي الترمذي ذكر فيه أي في حديثه ينامون أي قاعدين بدل ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم أي بدل مجموع قوله ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم كما هو الظاهر لا بدل ينتظرون العشاء فقط كما توهمه بعض الطلبة لما في تخريج المصابيح لأبي إسحاق السلمي الشافعي نقلا عن المنذري أنه أخرج مسلم عن أنس قال كان أصحاب رسول الله ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤن فهذا يؤيد أن المراد ينامون بدل مجموع قوله ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم وأما رواية الترمذي فهي


موافقة لرواية مسلم وكان المصنف ذهل عن
رواية مسلم حيث لم يتعرض لها كذا حققه ميرك شاه رحمه الله تعالى وعن ابن عباس قال قال رسول الله إن الوضوء أي وجوبه على من نام مضطجعا فإنه إذا اضطجع استرخت أي فترت وضعفت مفاصله جمع مفصل وهو رؤوس العظام والعروق فلا يخلو حينئذ عن خروج شيء عادة والثابت عادة كالمتيقن رواه الترمذي وأبو داود وقال حديث منكر ورجح الترمذي وقفه على ابن عباس ذكره ابن حجر وقال ميرك هذا حديث منكر لم يروه إلا يزيد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس قال المنذري وذكر أبو داود ما يدل على أن قتادة لم يسمع هذا الحديث من أبي العالية فيكون منقطعا وذكر ابن حبان أن يزيد الدالاني كان كثير الخطأ فاحش الوهم مخالف الثقات وعن بسرة بضم الموحدة وسكون المهملة بنت صفوان صحابية كذا في التقريب وقال المصنف هي بسرة بنت صفوان بن نوفل القرشية الأسدية وهي بنت أخي ورقة بن نوفل قالت قال رسول الله إذا مس أحدكم ذكره قال ابن حجر وذكر غيره كذكره لرواية من مس ذكرا فليتوضأ هذا الحديث حجة للشافعي في انتقاض الوضوء بمس الذكر ولكنه مقيد بما إذا كان بالكف بلا حجاب قال ابن حجر أي بباطن الكف كما اقتضته رواية إذا أفضي أحدكم بيده إلى فرجه والإفضاء المس بباطن الكف وهو الراحة والأصابع ا ه لكن الإفضاء بالمعنى المذكور غير معروف في كتب اللغة بل المشهور معناه مطلق الإيصال قال تعالى وقد أفضى بعضكم إلى بعض النساء ثم حمل الطحاوي الوضوء على غسل اليد استحبابا رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وقال محمد بن إسماعيل البخاري أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة ذكره ميرك والنسائي وابن ماجه والدارمي


وعن طلق بن علي يكنى أبا علي الحنفي اليماني ويقال له أيضا طلق بن ثمامة روى عنه ابن قيس قال سئل رسول الله عن مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ قال وهل هو إلا بضعة بفتح الباء أي قطعة لحم منه أي من الرجل وفي نسخة منك أي فهو كمس بقية أعضائه فلا نقض به نقل الطحاوي عن علي قال ما أبالي أنفي مسست أو أذني أو ذكري وعن عبد الله بن مسعود ما أبالي ذكري مسست في الصلاة أو أذني أو أنفي وعن كثير من الصحابة نحوه وعن سعد لما سئل عن مس الذكر فقال إن كان شيء منك نجسا فاقطعه ولا بأس به وعن الحسن إنه كان يكره مس الفرج فإن فعل لم ير عليه وضوءا رواه أبو داود والترمذي والنسائي أي بهذا باللفظ وروى ابن ماجه نحوه أي بالمعنى قال ابن الهمام الحق إن كلا من الحديثين لا ينزل عن درجة الحسن لكن يترجح حديث طلق بأن حديث الرجال أقوى لأنهم أحفظ للعلم وأضبط ولذا جعل شهادة امرأتين شهادة رجل ا ه وأطال الطحاوي في تضعيف حديث بسرة وأبي هريرة والله أعلم قال الشيخ وفي نسخة بالواو محيي السنة رحمه الله هذا أي ما رواه طلق منسوخ لأن أبا هريرة أسلم بعد قدوم طلق أي من اليمن قال الطيبي وذلك أن طلقا قدم على النبي وهو يبني مسجد المدينة وذلك في السنة الأولى من الهجرة وأسلم أبو هريرة عام خيبر في السنة السابعة وقد روى أبو هريرة وفي نسخة عن أبي هريرة عن رسول الله قال إذا أفضى أي أوصل أحدكم بيده أي بكفه والباء للتعدية إلى ذكره ليس بينه وبينها أي بين ذكره وبين يده شيء أي مانع من الثياب وغيره فليتوضأ قال الحافظ عبد الحق هذا حديث


صحيح ذكره ميرك رواه الشافعي والدارقطني أي بهذا اللفظ ورواه أحمد بمعناه وابن حبان أيضا كلهم عن أبي هريرة ورواه النسائي عن بسرة إلا أنه أي النسائي لم يذكر ليس بينه وبينها شيء اعترض الشيخ التوربشتي رحمه الله على الشيخ محيي السنة رحمه الله بأن ادعاء النسخ فيه مبني على الإحتمال وهو خارج عن الإحتياط إلا إذا اثبت هذا القائل أن طلقا توفي قبل إسلام أبي هريرة أو رجع إلى أرضه ولم تبق له صحبة بعد ذلك وما يدري هذا القائل أن طلقا سمع هذا الحديث بعد إسلام أبي هريرة وذكر الخطابي في المعالم أن أحمد بن حنبل كان يرى الوضوء من مس الذكر وكان ابن معين يرى خلاف ذلك وفي ذلك دليل ظاهر على أن لا سبيل إلى معرفة الناسخ والمنسوخ لهما كذا نقله الطيبي ونقل بعض عن الخطابي أنه قال إن أحمد بن حنبل وابن معين مع بعد شأويهما وجلالة قدرهما في معرفة الحديث ورجاله تذاكرا وتكلما في الأخبار التي رويت في هذا الباب وكان عاقبة أمرهما أن اتفقا على سقوط الإحتجاج بحديث طلق وبسرة أي لأنهما تعارضا فتساقطا وهذا دليل ظاهر على أن لا سبيل إلى معرفة الناسخ والمنسوخ منهما ا ه قال الطيبي فإذن الأخذ بالأحوط أولى وتبعه ابن حجر لكن فيه أنه إن كان المراد بالأخذ العمل فلا مناقشة فيه وأما إن كان المراد منه الحكم بالنقض فلا نسلم أنه الأحوط وقال المظهر على تقدير تعارضهما نعود إلى قول الصحابة قال علي وابن مسعود وأبو الدرداء وحذيفة وعمار رضي الله تعالى عنهم إن المس لا يبطل وبه أخذ أبو حنيفة وقال عمر وابنه وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهم بالبطلان وبه أخذ الشافعي قلت فتعارض أقوال الصحابة أيضا فتساقطت والأصل عدم النقض مع أن قول بعضهم بالبطلان قابل للحمل على الأحوط في العمل فلا يكون دليلا مع الإحتمال والله أعلم بالحال ثم الصحيح من مذهب مالك ورواية عن أحمد أنه إن مسه بشهوة انتقض وإلا فلا وعن عائشة قالت كان


النبي يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه قال ابن الهمام وروى البزار بإسناد حسن وقال
الخطابي يحتج به من يذهب إلى أن الملامسة المذكورة في الآية معناها الجماع دون اللمس بسائر البدن إلا أن أبا داود ضعفه وقال هو منقطع لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة رضي الله عنها والمرسل أنواع فالمرسل المطلق هو أن يقول التابعي قال رسول الله ومنه قسم يسمى بالمنقطع وهو غير الأول ومنه قسم يسمى بالمعضل وهو أن يكون بين المرسل ورسول الله أكثر من رجل وقال المظهر اختلف العلماء في المسألة فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى المس لا يبطل بدليل هذا الحديث وقال الشافعي وأحمد يبطل بلمس الأجنبيات وعند مالك يبطل بالشهوة وإلا فلا وقال الترمذي لا يصح عند أصحابنا أي من أهل الحديث أو من الشافعية بحال أي من أحوال الطرق إسناد عروة عن عائشة قال الطيبي أعلم أن في الصحيحين سماع عروة عن عائشة أكثر من أن يحصى فإنه كان تلميذها وأيضا أي لا يصح إسناد إبراهيم التيمي عنها أي عن عائشة وقال أبو داود هذا مرسل أي نوع مرسل وهو المنقطع لكن المرسل حجة عندنا وعند الجمهور وإبراهيم التيمي لم يسمع عن عائشة وفي نسخة من عائشة قال السيد جمال الدين المحدث هذا كلام لا يصح بحال لأنه وقع في الصحيحين كثيرا ما يدل على صحة سماع عروة عن عائشة وسماع عروة عن عائشة مما لا مجال عند علماء أسماء الرجال للمناقشة فيه ويبعد عن الترمذي أن يقول هذا القول مع أن كتابه مملوء مما يدل على صحة سماع عروة عن عائشة والعجب من المصنف أن يعزو هذا القول إليه فإنه ليس في كتابه كذلك بعد إيراده الحديث وإنما في كتابه ترك أصحابنا حديث عائشة في هذا لأنه لا يصح عندهم الإسناد بحال وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني أنه قال ضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث وسمعت محمد بن إسماعيل البخاري يضعف هذا الحديث وقال يعني البخاري


حبيب بن أبي ثابت يعني راوي هذا الحديث عن عروة لم يسمع من عروة وقد روى عن إبراهيم التيمي عن عائشة أن النبي قبلها ولم يتوضأ وهذا أيضا لا يصح ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعا عن عائشة وليس يصح عن النبي في هذا الباب شيء ا ه فتوهم المصنف أن المراد من قوله لا يصح عندهم بحال الإسناد إسناد عروة عن عائشة ومنشأ هذا الوهم أن الترمذي علل الطريق الثاني لهذا الحديث وهو طريق
التيمي عن عائشة بعدم صحته سماعه عنها بقوله وهذا لا يصح أيضا ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعا عن عائشة ففهم المصنف منه أن تضعيف الطريق الأولى أيضا معلل بعدم سماع عروة عن عائشة وغفل عن نقله عن البخاري فإنه يعلم منه أنه معلل بعدم سماع ابن أبي ثابت عن عروة لإسماع عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها والله الموفق وقال نجله السعيد ميرك شاه رحمهما الله تعالى وما ادعى بعض محدثي زماننا أن عروة هذا ليس عروة بن الزبير وإنما هو عروة المزني ليس بشيء لأن البيهقي صرح بأنه عروة بن الزبير ويشعر به كلام البخاري أيضا ا ه وقال ابن حجر عروة المذكور هنا إن كان هو المزني كما قاله بعض الحفاظ فهو لم يدرك عائشة وإن كان هو ابن الزبير وهو ابن اختها أسماء وهو ما يدل عليه كلام الترمذي فنقل الترمذي عن البخاري أنه ضعف هذا الحديث لكون حبيب بن أبي ثابت رواه عن عروة وهو لم يدركه فيكون منقطعا وعن ابن عباس قال أكل رسول الله كتفا بفتح الكاف وكسر التاء كذا ضبطه ابن الملك وفي القاموس الكتف كفرح ومثل وحبل والمعنى لحم كتف شاة مشوي ثم مسح يده بمسح بكسر الميم أي كساء كان تحته أي تحت رسول الله ثم قام فصلى أي ولم يتوضأ قال الطيبي وفيه دليل على أن أكل ما مسته النار لا يبطل الوضوء رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه هو والمنذري وابن ماجه أي ورواه ابن ماجة أيضا وقال ابن حجر وصححه ابن حبان وأصله في الصحيح كما مر وفيه أنه لا كراهة في عدم غسل اليد من الطعام لكن بشرط أن يزال ما


فيها من أثره بالمسح وعن أم سلمة أنها قالت قربت أي جعلت قريبا إلى النبي جنبا أي ضلعا مشويا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ أي لا شرعيا ولا لغويا لبيان الجواز رواه أحمد قال ابن حجر وسنده حسن

الفصل الثالث
عن أبي رافع مولى النبي قال أشهد أي أقسم بالله لقد كنت أشوي لما كان في أشهد معنى القسم دخل اللام في قد جوابا له وإنما ضمن الشهادة معنى القسم لأن الشهادة إخبار عن مواطأة القلب اللسان واعتقاد ثبوت المدعي وفيه دلالة على إثبات هذه الدعوى في الخلاف فيما بين الصحابة لرسول الله أي لأكله بطن الشاة يعني الكبد والطحال وما معهما من القلب وغيرهما ثم صلى أي فأكل ثم صلى وكان القياس ثم يصلي لكن أتى به ماضيا لأن قوله كنت أشوي ماض في المعنى لأنه حكاية لصورة الحال الماضية ولم يتوضأ رواه مسلم وعنه أي عن أبي رافع قال أهديت له أي لأبي رافع شاة برفعها على بناء الفاعل قيل فيه إلتفات والأظهر أنه نقل بالمعنى فجعلها في القدر أي للطبخ فدخل رسول الله فقال ما هذا أي أي شيء هذا الذي في القدر يا أبا رافع يقرأ بالهمزة ولا تكتب فقال شاة أهديت لنا يا رسول الله فطبختها في القدر فقال ناولني الذراع بفتح الياء وتسكن يا أبا رافع فناولته الذراع في القاموس الذراع بالكسر من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى والساعد وقد يذكر فيهما ثم قال ناولني الذراع الآخر فناولته الذراع الآخر ثم قال ناولني الذراع الآخر لمحبته للذراع تقوية للبدن على عبادة مولاه ولإستغراقه في الحضور مع الله تعالى حيث لم يخطر بباله سواه فقال أي أبو رافع على سبيل الإلتفات أو التقدر فقال قائل يا رسول الله إنما للشاة ذراعان وفي رواية الترمذي وكم للشاة من ذراع


والظاهر أن هذا استفهام استبعاد لا إنكار لأنه لا يليق بهذا المقام فقال له رسول الله أما بالتخفيف للتنبيه إنك بالكسر لو سكت أي عما قلت لي وامتثلت أدبي لناولتني ذراعا فذراعا ما سكت أي ما سكت أنت وطلبت أنا قال الطيبي الفاء في فذراعا للتعاقب كما في قوله الأمثل فالأمثل وما في ما سكت للمدة والمعنى ناولتني ذراعا غب ذراع إلى ما لا نهاية له ما دمت ساكتا فلما نطقت انقطعت ا ه وفي رواية الترمذي ما دعوت أي ما طلبت من الدعوة بالفتح والمعنى مدة دوام طلبه لأن الله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء وكان يخلق فيها ذراعا بعد ذراع معجزة وكرامة له عليه الصلاة والسلام وإنما منع كلامه من ذلك قيل لأنه شغل النبي عن التوجه إلى ربه بالتوجه إليه أو إلى جواب سؤاله والله أعلم ثم دعا بماء فتمضمض فاه أي حرك ماء فمه وفي نسخة فمضمض في القاموس المضمضة تحريك الماء في الفم وتمضمض للوضوء مضمض وغسل أطراف أصابعه أي محل الدسومة والتلوث على قدر الحاجة لا على قصد التكبر ثم قام فصلى ثم عاد إليهم أي إلى أبي رافع وأهل بيته فوجد عندهم لحما باردا فأكل لأنه كان يحب اللحم وما كان يجده دائما ففي الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ولكنه كان لا يجد اللحم إلا غبا أي وقتا دون وقت وكان يعجل إليها أي الذراع لأنها أعجلها أي اللحوم نضجا أي طبخا ثم دخل المسجد أي بعد فراغ المعاش توجه إلى السعي في المعاد فصلى أي شكر الله ولم يمس ماء أي للوضوء ولا لغسل الفم قبل الصلاة رواه أحمد أي عن أبي رافع ورواه الدارمي عن أبي عبيد وكذا رواه الترمذي عنه وهو مولى للنبي وصحابي ولم يذكره المصنف في أسمائه إلا أنه أي الدارمي لم يذكر ثم دعا بماء إلى آخره وعن أنس بن مالك قال كنت أنا وأبي أي ابن كعب وأبو طلحة قال المصنف هو أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري النجاري وهو مشهور بكنيته وهو زوج أم أنس


بن مالك وكان من الرماة المذكورين قال النبي لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة مات سنة إحدى وثلاثين وهو ابن سبع وسبعين سنة وأهل البصرة يروون أنه ركب البحر ومات ودفن في جزيرة بعد تسعة أيام شهد العقبة مع السبعين ثم شهد بدرا وما بعدها من المشاهد روى عنه نفر من الصحابة جلوسا أي جالسين فأكلنا لحما وخبزا الواو لمطلق الجمع ثم دعوت بوضوء بفتح الواو أي طلبت ماء الوضوء فقالا أي أبي وأبو طلحة لم تتوضأ فقلت لهذا الطعام الذي أكلنا يعني اللحم والخبز فإنهما مما مستهما النار فقالا أتتوضأ من الطيبات فيه أن نقض الوضوء إنما يكون بخبيث ينافيه كالخارج من السبيلين وهو معقول المعنى وفي معناه خروج الدم والقيح والقيء عندنا وغيره ألحق به وإن لم يكن معقول المعنى كالنوم والإغماء والجنون والسكر لأنه مظنة لخروج الخبيث ولذا قلنا نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة على خلاف القياس فيقتصر على المورد لم يتوضأ منه أي من مثل هذا الطعام من هو خير منك أي النبي والحاصل أن الموجب منفي عقلا ونقلا رواه أحمد وعن ابن عمر رضي الله عنه كان يقول قبلة الرجل امرأته نصب على المفعولية وجسها بالجيم وتشديد السين أي مسها بيده من الملامسة أي المذكورة في قوله تعالى أو لامستم النساء المائدة ومن قبل امرأته أو جسها بيده فقد لامس ومن لامس فعليه الوضوء قال الطيبي تفريع على ما أصله من قبل أي إذا كان التقبيل والجس من الملامسة فيلزم أن يتوضأ من قبل أو جس والترتيب مفوض إلى ذهن السامع قال ابن حجر وبما تقرر علم أن الأحق هنا الفاء لا الواو في ومن قبل لكنها تركت اتكالا على ذهن السامع وادراكه الترتيب بأدنى التفات إليه رواه مالك والشافعي وعن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول من قبلة الرجل امرأته بالنصب على أنه مفعول قبلة لأنها اسم مصدر الوضوء مبتدأ مؤخر قال الطيبي أي يجب منها الوضوء وفي تقديم الخبر على المبتدأ المعرف إشعار بالخلاف ورد على من يقول ليس


حكم التقبيل والجس حكم سائر النواقض فرد وقيل ليس حكمه إلا كحكمها فيكون من قصر القلب رواه مالك وعن ابن عمر رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال إن القبلة من اللمس أي المذكور في الآية فتوضؤوا منها هذه الأحاديث كلها موقوفة على بعض الصحابة ممن قال بنقض اللمس وليست في حكم المرفوع إذ للرأي فيه مجال مع احتمال أن يحمل قوله على الإستحباب للإحتياط وللمجتهد أن يختار من أقوال الصحابة ما شاء لا سيما وقد ثبت عن النبي عدم النقض باللمس كما تقدم عن عائشة والأصل عدم التخصيص مع أن الشافعي لا يرى تقليد المجتهد للصحابي وعن عمر بن عبد العزيز هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم يكنى أبا حفص الأموي القرشي أمه أم عاصم بنت عمر بن الخطاب واسمها ليلى روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن وروى عنه الزهري وأبو بكر بن حزم ولي الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك سنة تسع وتسعين ومات سنة إحدى ومائة في رجب بدير سمعان من أرض حمص وكانت مدة ولايته سنتين وخمسة أشهر وأياما وله من العمر أربعون سنة وقيل لم يستكملها وكان على صفة من الزهد والعبادة والتقى والعفة وحسن السيرة لا سيما أيام ولايته قيل لما أفضت إليه الخلافة سمع من منزله بكاء عال فسئل عن ذلك فقالوا إن عمر خير جواريه فقال نزل بي ما شغلني عنكم فمن أحب أن أعتقه أعتقت ومن أحب أن أمسكه أمسكت ولم يكن لي إليها شيء وسأل عقبة بن نافع زوجته فاطمة بنت عبد الملك فقال ألا تخبريني عن عمر فقالت لا أعلم أنه اغتسل من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه الله تعالى حتى قبضه وقالت قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصياما من عمر ولكن لم أر من الناس أحدا قط أشد خوفا من ربه منه كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه ثم يستيقظ ويفعل مثل ذلك ليله أجمع ومناقبه كثيرة ظاهرة عن تميم الداري نسبة إلى الجد فإن الدار اسم واحد من أجداده وهو أبو رقية مصغرا


تميم بن
خارجة صحابي كان يختم القرآن في ركعة وربما ردد الآية الواحدة في الليل كله لزم العبادة وسكن الشام ومات بها كذا في الأنساب للسمعاني قال المصنف هو تميم بن أوس الداري أسلم سنة تسع قال محمد بن المنكدر إن تميما الداري نام ليلة لم يقم يتهجد فيها فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع سكن المدينة ثم انتقل منها إلى الشام بعد قتل عثمان وأقام بها إلى أن مات وهو أول من أسرج السراج في المسجد روى عن النبي قصة الدجال والجساسة و روى عنه أيضا جماعة قال قال رسول الله الوضوء من كل دم سائل أي إلى ما يجب تطهيره كما هو مذهب أبي حنيفة رواهما أي الحديثين السابقين الدارقطني وروى الحديث الثاني ابن عدي في كامله عن زيد بن ثابت كذا ذكره الشمني يعني من طريق أخرى وقال ابن عدي لا نعلمه إلا من طريق أحمد بن فروخ وهو ممن لا يحتج بحديثه ولكنه يكتب فإن الناس مع ضعفه قد احتملوا حديثه ا ه لكن قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل قد كتبنا عنه ومحله عندنا الصدق قال ابن الهمام وقد تظافر معه حديث البخاري عن عائشة جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إليه عليه الصلاة والسلام وقالت يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة قال لا إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم قال هشام بن عروة قال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت أي وقت الحيض واعترض بأنه من كلام عروة ودفع بأنه خلاف الظاهر وقد رواه الترمذي كذلك ولم يحمله على ذلك ولفظه وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت وصححه وما رواه الدارقطني من أنه احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه فضعيف ا ه كلام المحقق ابن الهمام في شرح الهداية والله أعلم وقال أي الدارقطني عمر بن عبد العزيز لم يسمع أي بلا واسطة من تميم الداري ولا رآه في شرح الهداية لخواجة عصام الدين أما كون الحديث مرسلا فليس بطعن عندنا لأنا نقبل المراسيل ذكره الأبهري


وفي شرح الهداية لابن الهمام والمراسيل عندنا وعند جمهور العلماء حجة ويزيد بن خالد ويزيد بن محمد مجهولان قال ميرك أي الراويان عن عمر بن عبد العزيز قال السمعاني هما ضعيفان مجهولان وقال ابن الهمام رواه الدارقطني من طريق ضعيفة ا ه وتقدم أن له طريقا آخر رواه ابن عدي في كامله ومع ذلك اعتماد المذهب ليس على هذا الحديث بل على حديث البخاري عن عائشة كما سبق


باب آداب الخلاء
الآداب استعمال ما يحمد قولا وفعلا والخلاء بالمد كل موضع يقضي الإنسان فيه حاجته سمي بذلك لأن الإنسان يخلو فيه
الفصل الأول
عن أبي أيوب الأنصاري شهد العقبة وما بعدها من المشاهد ونزل عليه النبي حين قدم المدينة مهاجرا وأقام عنده شهرا توفي بالروم غازيا وقبره بالقسطنطينية كذا في التهذيب قال المصنف هو خالد بن زيد الأنصاري الخزرجي وكان مع علي بن أبي طالب في حروبه كلها ومات بالقسطنطينية سنة إحدى وخمسين وذلك مع يزيد بن معاوية وذلك لما أعطاه أبوه القسطنطينية خرج معه فمرض فلما ثقل قال لأصحابه إذا أنا مت فاحملوني فإذا صادفتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم ففعلوا ودفنوه قريبا من سورها وقبره معروف إلى اليوم يستشفون به فيشفون روى عنه جماعة والقسطنطينية هو بضم القاف وسكون السين وضم الطاء الأولى وكسر الثانية وبعدها ياء ساكنة وقال النووي هكذا ضبطناه وهو المشهور ونقل القاضي عياض المغربي في المشارق عن الأكثرين زيادة ياء مشددة بعد النون قال قال رسول الله إذا أتيتم الغائط أي جئتم وحضرتم موضع قضاء الحاجة قال الطيبي الغائط في الأصل المطمئن من الأرض ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة لأن العادة أن يقضي في


المنخفض لأنه أستر له ثم اتسع حتى أطلق على النحو نفسه أي الخارج تسمية للحال باسم محله فلا تستقبلوا القبلة أي جهة الكعبة تعظيما لها ولا تستدبروها تكريما لها قال ابن حجر فكل منهما حال قضاء الحاجة والعبرة بالصدر حرام في الصحراء والبنيان لا يستثنى من ذلك إلا المحل المهيأ لقضاء الحاجة في البنيان والصحراء فلا حرمة فيه مطلقا لحديث ابن عمر الآتي لكن إن أمكنه الميل عن القبلة بلا مشقة كان الميل عنها أفضل ولكن شرقوا أو غربوا أي توجهوا إلى جهة الشرق أو الغرب قال في شرح السنة هذا خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك السمت فأما من كانت قبلته إلى جهة الغرب أو الشرق فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال متفق عليه وفي الجامع الصغير إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره شرقوا أو غربوا رواه أحمد والشيخان والأربعة عن أبي أيوب قال الشيخ الإمام محيي السنة رحمه الله هذا الحديث أي حكمه في الصحراء أي عند الشافعية قال ابن حجر وكذا البنيان غير الخلاء قال الطيبي ذكر الشافعي وجماعة أن الصحراء لا تخلو من مصل من ملك أو إنس أو جن فإذا قعد مستقبل القبلة أو مستدبرها ربما يقع نظر مصل على عورته وأما الأبنية فليس فيها ذلك لأن الحشوش لا تحضره إلا الشياطين وأما في البنيان قال ابن حجر يعني الخلاء ليطابق الحديث الذي استدل به فلا بأس قال المظهر هذا مذهب الشافعي وعند أبي حنيفة يستوي الصحراء والبنيان في حرمة الإستقبال والإستدبار قال ابن الملك لإستواء العلة فيهما وهو احترام القبلة لما روي وكان الأولى أن يقول لما رواه عبد الله قال الأبهري فيه مسامحة فإن الحديث صحيح أي ولا يستعمل روي غالبا إلا في الضعيف عن عبد الله بن عمر قال ابن الملك هذا مذهب الشيخ وهو مدفوع بأن عموم الحديث لا يختص بالأثر ا ه وهو غريب إذ الأثر مرفوع قال ارتقيت أي صعدت فوق بيت حفصة أي سطحه وهي أخت الراوي زوجة النبي لبعض حاجتي يحتمل قضاء


الحاجة وغيره فرأيت رسول الله يقضي حاجته أي في الخلاء كما دلت عليه رواية أخرى مستدبر القبلة وفيه أنه يمكن أن يكون قبل النهي أو لعذر كان هناك أو لكونه لا حرج في حقه سيما في حالة استغراقه مستقبل الشام أي بيت المقدس قاله ابن الملك متفق عليه ولفظهما مستدبر القبلة مستقبل الشام فوهم ابن حجر وقلب الكلام وكتب في الأصل مستقبل القبلة مستدبر الشام ثم فرع عليه وقال وإذا جاز استقبال القبلة حال قضاء الحاجة في الخلاء جاز الإستدبار فيه بالأولى ا ه فالغلط صريح والتفريع غير صحيح هذا وقد قال بعض علمائنا الإستقبال ممنوع دون الإستدبار ولعل مأخذهم هذا الحديث وعن سلمان قال المصنف هو سلمان الفارسي يكنى أبا عبد الله مولى رسول الله وكان أصله من فارس من رامهرمز ويقال بل كان أصله من أصفهان من قرية يقال لها جن سافر يطلب الدين فدان أولا بدين النصرانية وقرأ الكتب وصبر في ذلك على مشقات متتالية فأخذه قوم من العرب فباعوه من اليهود ثم أنه كوتب فأعانه رسول الله في كتابته ويقال أنه تداوله بضعة عشر سيدا حتى أفضى إلى النبي وأسلم لما قدم النبي إلى المدينة وقال سلمان منا أهل البيت وهو أحد الذين اشتاقت إليهم الجنة فكان من المعمرين قيل عاش مائتين وخمسين سنة وقيل ثلثمائة وخمسين سنة والأول أصح وكان يأكل من عمل يده ويتصدق بعطائه مات بالمدائن سنة خمس وثلاثين روى عنه أنس وأبو هريرة وغيرهما قال نهانا يعني أي يريد سلمان بالناهي رسول لله وإنما قال الراوي عن سلمان ذلك لأن الصحابي لا يطلق ذلك على غير النبي فكأنه نفسه صرح به فقال نهانا رسول لله أن نستقبل القبلة بغائط أو بول قال علماؤنا الإستقبال لهما كراهة تحريم وللإستنجاء كراهة تنزيه أو أن نستنجي قال ابن الملك أو فيه وفيما بعده للعطف ا ه وفي نسخة صحيحة هنا بالواو وأما فيما بعده فبأو اتفاقا وهو للتنويع قال في الفائق الإستنجاء قطع النجاسة من نجوت الشجرة وأنجاها واستنجاها أي


قطعها من الأرض باليمين نهي تنزيه وكراهة لا تحريم قاله ابن الملك أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار قال المظهر النهي عن الإستنجاء باليمين نهي تنزيه وكراهة لا تحريم والإستنجاء بثلاثة أحجار واجب عند الشافعي وإن حصل النقاء بأقل وعند أبي حنيفة النقاء متعين لا العدد ا ه لقوله عليه الصلاة
والسلام من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج فالأمر للإستحباب والنهي للتنزيه أو أن نستنجي برجيع لنجاسته فعيل بمعنى المفعول والمراد الروث والعذرة لأنه رجع أي رد من حال هي الطهارة إلى أخرى وهي النجاسة وكل مردود رجيع أو بعظم قال الخطابي لا يجوز الإستنجاء بعظم ميتة أو مذكاة قيل علة النهي ملاسة العظم فلا يزيل النجاسة وقيل علته أنه يمكن مصه أو مضغه عند الحاجة وقيل قوله عليه الصلاة والسلام إن العظم زاد اخوانكم من الجن ا ه يعني وإنهم يجدون عليه من اللحم أو فرما كان عليه وقيل لأن العظم ربما يجرح رواه مسلم وروى أبو داود والدارقطني والبيهقي عن ابن مسعود مرفوعا نهى أن يستنجي أحد بعظم أو روثة أو حممة أي فحم وعن أنس قال كان رسول الله إذا دخل الخلاء أي إذا أراد دخول الخلاء وفي شرح الأبهري قال الشيخ من يكره ذكر الله في تلك الحالة يفصل ويقول أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قبيل دخولها وأما في غيرها فيقوله في أوان الشروع كتشمير ثيابه مثلا وهذا مذهب الجمهور وقالوا من نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه ومن يجيز مطلقا كما نقل عن مالك لا يحتاج إلى التفصيل يقول اللهم إني بسكون الياء وفتحها أعوذ بك من الخبث بضم الباء وتسكن جمع الخبيث وهو المؤذي من الجن والشياطين والخبائث جمع الخبيثة يعني ذكران الشياطين وإناثهم وخص الخلاء لأن الشياطين تحضر الأخلية لأنه يهجر فيها ذكر الله وقيل الخبث بسكون الباء الكفر أو الشر أو الفجور أو الشيء المكروه مطلقا والخبائث الأفعال الذميمة والخصال الرديئة والعقائد الزائغة والأحوال الدنية وقال


التوربشتي الخبث ساكن الباء مصدر خبث الشيء يخبث خبثا وفي إيراد الخطابي في جملة الألفاظ التي يرويها الرواة ملحونة نظر لأن الخبيث إذا جمع يجوز إسكان الباء للتخفيف كما في سبل وغيره من المجموع وهذا مستفيض في كلامهم لا يجوز إنكاره إلا أن يزعم أن ترك التخفيف أولى لئلا يشتبه بالخبث الذي هو المصدر متفق عليه ورواه أحمد والأربعة عنه
وعن ابن عباس قال مر النبي بقبرين فقال إنهما أي صاحبي القبرين ليعذبان قال الأبهري أعاد الضمير إلى غير مذكور لأن سياق الكلام يدل عليه ا ه ويمكن أنه نقل بالمعنى مع أن تقدير المضاف غير عزيز في كلامهم وقال ابن حجر اللام للتأكيد ويصح على بعد أن يكون جواب قسم محذوف وخبر إن محذوف ا ه وهو غريب لأنه لا وجه لحذف خبر إن مع أنه لا مانع من أن تكون الجملة القسمية خبرا لأن وما يعذبان في كبير قال ابن الملك قوله في كبير شاهد على ورود في للتعليل قال بعضهم معناه أنهما لا يعذبان في أمر يشق ويكبر عليهما الإحتراز عنه وإلا لكانا معذورين كسلس البول والإستحاضة أو فيما يستعظمه الناس ولا يجترأ عليه فإنه لم يشق عليهما الإستتار عند البول وترك النميمة ولم يرد أن الأمر فيهما هين غير كبير في الدين قال في النهاية كيف لا يكون كبيرا وهما يعذبان فيه ا ه وتبعه ابن حجر وفيه أنه يجوز التعذيب على الصغائر أيضا كما هو مقرر في العقائد خلافا للمعتزلة فالأولى أن يستدل على كونهما كبيرتين بقوله عليه الصلاة والسلام في رواية بلى إنهما كبيران عند الله أما أحدهما فكان لا يستتر من البول من الإستتار ويؤيده أنه أورد هذا الحديث في شرح السنة في باب الإستتار عند قضاء الحاجة وفي نسخة صحيحة لا يستنتر قال الأشرف في الغريبين والنهاية يستنتر بنون بين التاءين من الإستنتار وهو الإجتذاب مرة بعد أخرى قال الليث النتر جذبة فيه قوة قيل هذا هو الذي يساعد عليه المعنى لا الإستتار وعليه كلام الشيخ محيي الدين الآتي وفي الرواية


الأخرى لا يستتر وهو غلط كذا ذكره الطيبي وفيه أن الإستنتار والإستبراء سنة عند الجمهور والتكشف حرام عند الكل والمقام مقام التعذيب لكونه كبيرة على ما حرر فكيف هو الذي يساعده المعنى دون الإستتار وأنه غلط مع أنه رواية الأكثر وقد أورده البغوي في باب الإستتار وأيضا لا يعرف أصل في الأحاديث للإجتذاب مرة بعد أخرى بل جذبه بعنف يضر بالذكر ويورث الوسواس المتعب بل المخرج عن حيز العقل والدين ثم وهم ابن حجر وذكره بلفظ لا يستبرىء من الإستبراء وجعله أصلا ولم يذكر غيره مع أنه ليس أصل الشيخين وإنما هو رواية ابن عساكر وفي رواية أي لمسلم كما في نسخة الأصل لا يستتر من البول قال الأبهري في أكثر الروايات بمثناتين من فوق الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وفي رواية ابن عساكر لا يستبرىء بموحدة ساكنة من الإستبراء وفي رواية لمسلم لا يستنزه بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء قال


الشيخ فعلى رواية الأكثر معنى الإستتار أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعني لا يتحفظ منه فيوافق رواية لا يستنزه لأنها من التنزه وهو الإبعاد ا ه وهو جمع حسن ومآله إلى عدم التحفظ عن البول المؤدي إلى بطلان الصلاة غالبا وهو من جملة الكبائر قال ميرك وعن ابن عباس قال قال رسول الله عامة عذاب القبر من البول استنزهوا من البول رواه البزار والطبراني في الكبير والحاكم والدارقطني وعن أنس قال قال رسول لله تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر من البول رواه الدارقطني وعن أبي هريرة قال قال رسول الله أكثر عذاب القبر من البول رواه أحمد وابن ماجه واللفظ له والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وعن أبي أمامة عن النبي قال اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر رواه الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة أي إلى كل واحد من الشخصين اللذين بينهما عداوة أو يلقي بينهما عداوة بأن ينقل لكل واحد منهما ما يقول الآخر من الشتم والأذى قال النووي النميمة نقل كلام الغير لقصد الإضرار وهي من أقبح القبائح ثم أخذ أي النبي كما في نسخة جريدة رطبة أي غصنا من النخل وفي الفائق هي السعفة التي جردت عنها الخوص أي قشرته فشقها بنصفين أي جعلها مشقوقة حال كونها ملتبسة بنصفين والأصح أنها مفعول مطلق والباء زائدة للتأكيد ثم غرز في كل قبر واحدة أي في كل من الشقتين قالوا يا رسول الله لم صنعت هذا أي الغرز فقال لعله أي العذاب أن يخفف بالضم وفتح الفاء أي العذاب قبل أن يزال وفي نسخة بكسر الفاء فالضميران لله أو للغرز مجازا وإدخال إن في خبر لعل مبني على تشبيهها بعسى عنهما بالتثنية على الصحيح وفي نسخة عنها قال المالكي الرواية يخفف عنها على التوحيد والتأنيث وهو ضمير النفس فيجوز إعادة الضميرين في لعله و عنها إلى الميت باعتبار كونه إنسانا ونفسا ويجوز أن يكون الأول ضمير الشأن وفي عنها للنفس وجاز تفسير الشأن بأن


وصلتها والرواية بتثنية الضمير في عنهما لا تستدعي هذا التأويل كذا قاله الطيبي وأغرب ابن حجر حيث جعل رواية ابن مالك أصلا للصحيح مع أنه ليس كذلك في الأصول المصححة ثم أغرب أيضا حيث قال وفي رواية التثنية يتعين كون الضمير للشأن ويصح كون الضمير مبهما يفسره ما بعده كما في ما هي إلا حياتنا الدنيا الجاثية أصله ما
الحياة ثم أبدلت بالضمير اكتفاء بدلالة الخبر عليهما ا ه لأن التعين ممنوع كما تقدم بل يحتاج في صحته إلى تكلف أحوج إليه الرواية بالإفراد وكذا الإبهام والتفسير مع أن مثل هذا لا يقال إلا في موضع لا يوجد للضمير مرجع فليس الحديث المذكور نظيرا للآية المذكورة ما لم ييبسا بالتذكير أي ما دام لم ييبس النصفان أو القضيبان وبالتأنيث أي الشقتان أو الجريدتان قال النووي أما وضعهما على القبر فقيل إنه عليه الصلاة والسلام سأل الشفاعة لهما فأجيب بالتخفيف إلى أن ييبسا وقد ذكر مسلم في آخر الكتاب في حديث جابر أن صاحبي القبرين أجيبت شفاعتي فيهما أي برفع ذلك عنهما ما دام القضيبان رطبين وقيل إنه كان يدعو لهما في تلك المدة وقيل لأنهما يسبحان ما داما رطبين قال كثير من المفسرين في قوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده الإسراء معناه إن من شيء حي ثم قال وحياة كل شيء بحسبه فحياة الخشب ما لم ييبس والحجر ما لم يقطع والمحققون على العموم وأن التسبيح على حقيقته لأن المراد الدلالة على الصانع واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث إذ تلاوة القرآن أولى بالتخفيف من تسبيح الجريد وقد ذكر البخاري أن بريدة بن الحصيب الصحابي أوصى أن يجعل في قبره جريدتان فكأنه تبرك بفعل مثل رسول الله وقد أنكر الخطابي ما يفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها بهذا الحديث وقال لا أصل له وفي الحديث إثبات عذاب القبر كما هو مذهب أهل الحق وفيه نجاسة الأبوال وفيه تحريم النميمة لا سيما مع قوله كان فإنه يدل على الإستمرار وفيه أن عدم


التنزه من البول يبطل الصلاة وتركها كبيرة بلا شك ا ه قيل وفيه تخفيف عذاب القبر بزيارة الصالحين ووصول بركتهم وأما إنكار الخطابي وقوله لا أصل له ففيه بحث واضح إذ هذا الحديث يصلح أن يكون أصلا له ثم رأيت ابن حجر صرح به وقال قوله لا أصل له ممنوع بل هذا الحديث أصل أصيل له ومن ثم أفتى بعض الأئمة من متأخري أصحابنا بأن ما اعتيد من وضع الريحان والجريد سنة لهذا الحديث ا ه ولعل وجه كلام الخطابي أن هذا الحديث واقعة حال خاص لا يفيد العموم ولهذا وجه له التوجيهات السابقة فتدبر فإنه محل نظر متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله اتقوا أي احذروا أو اجتنبوا


اللاعنين أي الآمرين الجالبين للعن والشتم فكأنهما لاعنان من باب تسمية الحامل فاعلا أي اللذين هما سببا اللعنة غالبا وفي الأزهار قيل اللاعن بمعنى الملعون قالوا وما اللاعنان يا رسول الله قال الذي يتخلى أي يتغوط وينجس بحذف المضاف أي أحدهما اتخلى الذي يتخلى في طريق الناس أو عبر عن الفعل بفاعله أو للتنويع في ظلهم أي في مستظلهم الذي يجلسون فيه للتحدث وقال الطيبي المراد ما اختاروه ناديا ومقيلا قال الأبهري ومواضع الشمس في الشتاء كالظل في الصيف يعني في الموضع الذي يتشمسون ويتدفأون به كما في البلاد الباردة ا ه ومثلها موارد الماء وهي طرقه كما في رواية تأتي والإضافة تدل على كون المحل مباحا فيكره وأما إذا كان مملوكا فيحرم قضاء الحاجة بغير إذن مالكه رواه مسلم ورواه أحمد ومسلم وأبو داود عنه بلفظ اتقوا اللاعنين الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم كذا في الجامع الصغير وعن أبي قتادة قال المصنف هو أبو قتادة الحرث بن ربعي الأنصاري فارس رسول الله مات بالمدينة سنة أربع وخمسين وقيل بل مات في خلافة علي بالكوفة وكان شهد معه المشاهد كلها وهو ابن سبعين سنة وهو ممن غلبت عليه كنيته وربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة قال قال رسول الله إذا شرب أحدكم فلا يتنفس بالجزم ولا ناهية في الثلاثة وروي بالضم فيها على أن لا نافية كذا قاله الشيخ نقله الأبهري والمعنى لا يخرج نفسه في الإناء أي في داخله قال الطيبي ولعل علة النهي تغير ما في الإناء ا ه يعني لئلا يقل برودة الماء الكاسرة للعطش بحرارة النفس أو كراهة أن ينحدر قذرة من نفسه بل إذا أراد التنفس فليرفع فمه عن الإناء فيتنفس ثم يشرب وقد ورد مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا رواه البيهقي عن أنس وفي النهاية العب الشرب بلا تنفس وقال البيضاوي الشرب بثلاث دفعات أقمع للعطش وأقوى على الهضم وأقل أثرا في برد المعدة وإضعاف الأعصاب وفي الشمائل للترمذي إنه كان يتنفس في


الإناء ثلاثا إذا شرب ويقول هو أمر وأروى ومعنى الحديث أن يشرب ثلاث مرات في كل ذلك يبين الإناء عن فيه فيتنفس ثم يعود والمنهي عنه هو التنفس في الإناء بلا إبانة أو بلا تنفس فإنه يدل على الشره والحرص والغفلة ولذا ورد لا تشربوا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا
مثنى وثلاث وورد بسند حسن إنه كان يشرب في ثلاثة أنفاس إذا أدنى الإناء إلى فيه سمى الله وإذا أخره حمد الله يفعل ذلك ثلاثا أي غالبا إذ جاء في رواية أنه كان إذا شرب تنفس مرتين وفي رواية البخاري مرة أو مرتين وأو للتنويع لأنه إن روي بنفسين واكتفى بهما وإلا فبثلاث وإذا أتى الخلاء فلا يمس بفتح السين وكسرها ويجوز رفعه ذكره بيمينه ولا يتمسح بالسكون وضمها بيمينه أي لا يستنجي لما في رواية البخاري إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه ولا يستنج بيمينه ذكره الأبهري فإن قيل كيف يستنجى بالحجر فإن أخذه بشماله والذكر بيمينه فقد مس ذكره بها وهو منهي عنه وكذلك العكس قلنا طريقه أن يأخذ الذكر بشماله ويمسحه على جدار أو حجر كبير بحيث لا يستعمل يمينه في ذلك أصلا كذا في المظهر والأشرفي متفق عليه وفي الجامع الصغير رواه البخاري والترمذي عنه ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة ولفظه إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء ثم ليعد إن كان يريد وروى سعيد بن منصور وابن السني وأبو نعيم في الطب والبيهقي عن أبي حسين مرسلا إذا شرب أحدكم فليمص مصا ولا يعب عبا فإن الكباد من العب وفي مسند الفردوس عن علي نحوه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من توضأ فليستنثر قد تقدم أن الجمهور على أن الإستنثار هو طرح الماء الذي يستنشقه وقيل معناه فليخرج المخاط من أقصى الأنف قال ابن حجر وظاهر الأمر للوجوب لكن منعه أنه عليه الصلاة والسلام توضأ ولم يفعله كما دل عليه سكوت الواصفين لوضوئه الدال على أنه لم يوجد وإلا لم يسكتوا عنه فلا يقال لا يلزم كما قاله الأصوليون من عدم


النقل عدم الفعل ا ه وحاصل كلامه أنه دل عدم فعله مطلقا أو مع عدم المواظبة على أن الأمر للإستحباب وأيضا قد يقال إن نفس
الإستنشاق ليس بواجب في الوضوء لما تقرر في محله فكيف بالإستنثار الذي هو متمم ومكمل له ومن استجمر أي من استنجى بالجمرة وهي الحجر فليوتر أي ثلاثا أو خمسا أو سبعا قال الطيبي والإيتار أن يتحراه وترا ا ه والأمر للإستحباب لما ورد من فعل فقد أحسن الحديث متفق عليه وعن أنس قال كان رسول الله يدخل الخلاء ممدودا المتوضأ لخلو الإنسان فيه قاله الطيبي وفي شرح الأبهري قال الشيخ المراد بالخلاء هنا الفضاء لما في رواية أخرى كان إذا خرج لحاجته ولقرينة حمل العنزة مع الماء وأيضا الأخلية التي في البيوت كانت خدمته فيها متعلقة بأهله وقد أشار البخاري أن الغلام هو ابن مسعود فأحمل أنا وغلام أي ابن مسعود وقيل بلال أو أبو هريرة اداوة أي مطهرة وهي ظرف من جلد يتوضأ منه من ماء أي مملوءة منه وعنزة بالنصب عطفا على اداوة أي أحدنا يحمل الإداوة والآخر العنزة قال الطيبي بفتح النون أطول من العصا وأقصر من الرمح فيها سنان وحملها لأنه عليه الصلاة والسلام كان يبعد عن الناس بحيث لا يرونه دفعا لضرر وغائلة ولينبش الأرض الصلبة لئلا يرتد البول إليه ا ه وقيل لسترته في الصلاة لأنه كان إذا استنجى توضأ وإذ توضأ صلى وقيل ليركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه يستنجي أي يزيل النجوة والعذرة بالماء ويؤخذ منه ومن غيره أنه كان يقتصر على الماء تارة وعلى الحجر أخرى وكثيرا ما كان يجمع بينهما متفق عليه
الفصل الثاني
عن أنس قال كان النبي وفي نسخة رسول الله إذا دخل الخلاء أي أراد


دخوله نزع أي أخرج من أصبعه خاتمه بفتح التاء وقيل بكسرها لأن نقشه محمد رسول الله وفيه دليل على وجوب تنجية المستنجى اسم الله واسم رسوله والقرآن كذا قاله الطيبي قاله الأبهري ويعم الرسل وقال ابن حجر استفيد منه أنه يندب لمريد التبرز أن ينحي كل ما عليه معظم من اسم الله تعالى أو نبي أو ملك فإن خالف كره ا ه وهو الموافق لمذهبنا رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب تقدم دفع الإشكال وقال أبو داود هذا حديث منكر قال أبو داود الوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام ا ه وهمام هو أبو عبد الله همام بن يحيى بن دينار الأزدي وقد اتفق الشيخان على الإحتجاج به وقد وثقه ابن معين وقال ثبت هو في كل المشايخ وقال ابن عدي هو أصدق وأشهر من أن يذكر له حديث منكر وأحاديثه مستقيمة ا ه ولذا صوب المنذري قول ابن عدي والترمذي وقال نرده لالوهن الحديث وإنما لكونه غريبا قاله الترمذي ورواه الحاكم في المستدرك وقال على شرط الشيخين كذا حققه ميرك شاه وقال ابن حجر دل تصحيح الترمذي له على أنه ثبت عنده فانجبر ما ذكره أبو داود فيكون حجة وفي روايته أي أبي داود وضع أي من يده بدل نزع أي من أصبعه ولا تفاوت بينهما معنى وفي الجامع الصغير كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه رواه الأربعة وابن حبان والحاكم عنه وعن جابر قال كان النبي وفي نسخة رسول الله إذا أراد البراز بفتح الباء وقيل بكسرها وقيل إنه تصحيف أي الفضاء أو قضاء الحاجة انطلق أي ذهب في الصحراء حتى لا يراه أي إلى أن يصل إلى موضع لا يراه فيه أحد ثم يجلس قال الطيبي البراز بفتح الباء اسم للفضاء الواسع كنوابه عن حاجة الإنسان يقال تبرز إذا تغوط وهما كنايتان حسنتان يتعففون عما يفحش ذكره صيانة للألسنة عما تصان عنه الأبصار وكسر الباء فيه


غلط لأن البراز بالكسر مصدر بارز في الحرب ا ه وفي النهاية لابن الأثير قال الخطابي المحدثون يروونه بالكسر وهو خطأ لأنه بالكسر مصدر من المبارزة في الحرب وقال الجوهري بخلافه وهذا لفظه البراز المبارزة في الحرب والبراز أيضا كناية عن ثفل الغذاء وهو الغائط ثم قال والبراز بالفتح الفضاء الواسع ا ه والظاهر أن المراد من قوله المحدثون بعضهم وتخطئتهم غير صواب فإن روايتهم أقوى من اللغويين عند انفرادهما فكيف إذا توافقا وقد قال صاحب القاموس أيضا البراز ككتاب الغائط نعم المختار فتح الباء لعدم اللبس بخلاف الكسر فإنه مشترك بين المعنيين والله أعلم رواه أبو داود قال ابن حجر بسند حسن وقال ميرك وابن ماجه أيضا وفي إسناده إسماعيل بن محمد الكوفي نزيل مكة شرفها الله وقد تكلم فيه غير واحد وفي الجامع الصغير كان إذا أراد الحاجة أبعد رواه ابن ماجه عن بلال بن الحرث ورواه أحمد والنسائي وابن ماجة عن عبد الرحمن بن أبي قراد وعن أبي موسى قال كنت مع النبي ذات يوم أي يوما و ذات زائدة وقيل كناية عن الساعة أي كنت يوما أو ساعة يوم معه عليه الصلاة والسلام فأراد أن يبول فأتى دمثا بفتح الدال وكسر الميم هو الرواية صفة لمحذوف أي مكانا لينا سهلا في الفائق دمث المكان دمثا لان وسهل في أصل جدار أي قريب منه فبال قال الخطابي يشبه أن يكون الجدار الذي قعد عنده عاديا غير مملوك لأحد فإن البول يضر بأصل البناء ويوهي أساسه يعني لأنه ملح يجعل التراب سبخا كذا قيل أي فلا يفعل ذلك في ملك أحد بغير إذنه حقيقة أو حكما مع أن تنجيس مال الغير لا يجوز أيضا ويمكن أن يكون قعوده عليه الصلاة والسلام متراخيا عن جزم البناء أي أصله فلا يصيبه البول ثم قال إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد بسكون الدال المخففة أي فليطلب مكانا مثل هذا فحذف المفعول لدلالة الحال عليه لبوله أي لئلا يرجع إليه من رشاش البول قال الأشرف الإرتياد افتعال من الرود كالإبتغاء من البغي


ومنه الرائد طالب المرعى رواه أبو داود قال ميرك وفي سنده رجل مجهول وقال النووي حديث ضعيف وقال ابن حجر فيه راو لم يسم ورواه البيهقي عنه أيضا ورواه
أبو داود في مراسيله والحرث عن طلحة بن أبي قتادة مرسلا قال كان إذا أراد أن يبول فأتى غرازا من الأرض أي مكانا يابسا أخذ عودا فنكت به في الأرض حتى يثير من التراب ثم يبول فيه كذا في الجامع الصغير فيقوى بكثرة الطرق ضعف الحديث وعن أنس قال كان النبي إذا أراد الحاجة أي قضاء الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو أي يقرب من الأرض احترازا عن كشف العورة بغير ضرورة وهذا من أدب قضاء الحاجة قال الطيبي يستوي فيه الصحراء والبنيان لأن في رفع الثوب كشف العورة وهو لا يجوز إلا عند الحاجة ولا ضرورة في الرفع قبل القرب من الأرض وقال ابن حجر وفي حال الخلوة يجوز كشفه دفعة واحدة اتفاقا رواه الترمذي قال ابن حجر وضعفه وأبو داود والدارمي قال ابن حجر وسنده حسن وفي الجامع الصغير رواه أبو داود والترمذي عن أنس وابن عمر والطبراني في الأوسط عن جابر وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إنما أنا لكم مثل الوالد أي ما أنا لكم إلا مثل الوالد في الشفقة لولده أعلمكم أي أمور دينكم استئناف بيان قال الخطابي هذا الكلام بسط للمخاطبين وتأنيس لهم لئلا يحتشموا ولا يستحيوا عن مسألته فيما يعرض لهم من أمر دينهم كالولد بالنسبة إلى الوالد فيما يعن له وفي هذا بيان وجوب طاعة الآباء وإن الواجب عليهم تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم إذا أتيتم الغائط أي الخلاء أو أردتم قضاء الحاجة بولا أو غائطا فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها أي مطلقا كما هو مذهبنا وتقييده بالبنيان مخالف لظاهره وما رواه ابن عمر واقعة حال لا تفيد العموم مع أنه لا يلزم من جواز الإستدبار في البنيان جواز الإستقبال فيه وأمر أي هو عليه الصلاة والسلام مريد الإستنجاء أمر إستحباب بثلاثة أحجار أي بأخذها أو باستعمالها


للإستنجاء
ونهى عن الروث والرمة أي عن استعمالهما في الإستنجاء والروث السرجين قيل المراد به كل نجس والرمة بكسر الراء وتشديد الميم العظام البالية جمع رميم سمي بذلك لأن الإبل ترمها أي تأكلها والرمة بضم الراء الحبل البالي كذا في الأزهار نقله السيد وفي الفائق الرمة العظم البالي بمعنى الرميم أو جمع رميم كخليل وخلة من رم العظم إذا بلي قيل المراد به مطلق العظم وقال صاحب النهاية لأنها كانت ميتة أي نجسة أو أنها لملاستها لا تقلع النجاسة أو لأنها تجرح البدن وفي شرح السنة تخصيص النهي بما يدل على أن الإستنجاء يجوز بكل ما يقوم مقام الأحجار في الإنقاء وهو كل جامد طاهر قالع للنجاسة غير محترم من مدر وخشب وخرق وخزف ا ه قالوا والكاغد وإن كان بياضا فهو محترم إلا إذا كتب عليه نحو المنطق ولم يكن فيه ذكر الله تعالى فيجوز به الإستنجاء ونهى أن يستطيب أي يستنجي الرجل بيمينه وكذا المرأة قال الطيبي سمى الإستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة وتطهيرها رواه ابن ماجه قال ابن حجر وأبو داود والدارمي بسند حسن روى أحمد نحوه قال ميرك شاه ورواه الشافعي وابن حبان والنسائي بألفاظ متقاربة وأخرجه مسلم أيضا مختصرا وعن عائشة قالت كانت تدل على الإستمرار والعادة يد رسول الله اليمنى لطهوره بالضم أو الفتح أي كان يستعمل اليد اليمنى لوضوئه وطعامه أي لأكله وشربه وما كان من مكرم كالإعطاء والأخذ واللبس والسواك والتنعل والترجل وكانت يده اليسرى لخلائه أي لأجل الإستنجاء في الخلاء وما كان تامة أي ما وجد ووقع من بيانية أذى أي ما تستكرهه النفس الزكية كالمخاط والرعاف وخلع الثوب والظاهر أن إدخال الماء في الأنف باليمين والتمخط باليسار وكثيرا ما رأينا عوام طلبة العلم يأخذون الكتاب باليسار والنعال باليمين إما لجهلهم أو غفلتهم رواه أبو داود وقال النووي هذا حديث صحيح نقله ميرك قال ابن حجر هو معلول لكن يعضده الحديث الآتي قبيل الفصل


الثاني من الوضوء وعنها أي عن عائشة قالت قال رسول الله إذا ذهب أحدكم إلى الغائط
أي الخلاء فليذهب أمر استحباب معه بثلاثة أحجار الباء للتعدية يستطيب بالرفع مستأنف علة للأمر أو حال بمعنى عازما على الإستطابة بهن الباء للآلة فإنها أي الأحجار تجزىء بضم التاء وكسر الزاي بعده همزة وفي نسخة بفتح التاء وكسر الزاي بعده ياء لكي تكفي وتغني وتنوب عنه أي عن الماء وقال ابن حجر أي عن المستنجى وهو بعيد قال الطيبي ذكره عقيب قوله يستطيب أي يزيل النجاسة استطابة للنفوس بهذا الترخص رواه أحمد وأبو داود والنسائي والدارمي قال ميرك ورواه الدارقطني وقال إسناده صحيح وعن ابن مسعود قال قال رسول الله لا تستنجوا بالروث قال ابن حجر لأنه نجس وهو يستحيل أن يزيل أو يخفف آخر ا ه وفيه أن تخفيفه آخر غير مستحيل ثم الأولى أنه يعلل بما علله الشارع بما ورد أن الروث لدوابهم ولا بالعظام فإنه وفي نسخة صحيحة فإنها قال الطيبي الضمير في فإنه راجع إلى الروث والعظام باعتبار المذكور كما ورد في شرح السنة وجامع الأصول وبعض نسخ المصابيح وفي بعضها وجامع الترمذي فإنها فالضمير راجع إلى العظام والروث تابع لها وعليه قوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها الجمعة ا ه والأظهر في التنظير واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين البقرة فتأمل فإن في هذه الآية والحديث مع مراعاة الأصل دون الفرع روعي أقرب المذكورين أيضا وقال ابن حجر وسكت عن الروث لأن كونه زادا لهم إنما هو مجاز لما تقرر أنه لدوابهم ا ه وهذا يوضح كلام الطيبي وإلا فلا معنى لقوله والروث تابع للعظام والله أعلم زاد إخوانكم من الجن قال الطيبي فيه أن الجن مسلمون حيث سماهم إخوانا وأنهم يأكلون روى الحافظ أبو نعيم في دلائل النبوة أن الجن سألوا هدية منه عليه الصلاة والسلام فأعطاهم العظم والروث العظم لهم والروث لدوابهم وروى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في دلائل النبوة


قال عليه الصلاة والسلام لابن مسعود ليلة الجن أولئك جن نصيبين جاؤني فسألوني المتاع والمتاع الزاد فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة قلت وما يغني منهم من ذلك قال إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت فلا يستنج أحدكم بعظم أو روث ا ه والحب أعم من الشعير والتبن وغيرهما وذلك معجزة له عليه الصلاة والسلام رواه الترمذي وسنده حسن والنسائي إلا أنه أي النسائي لم يذكر زاد


إخوانكم من الجن أي قوله فإنه زاد إخوانكم الخ واستيعاب أحاديث الباب يفضي إلى الإطناب وقد أتى ابن حجر بجملة منها فراجعها وعن رويفع مصغر رافع ابن ثابت قال المصنف أنصاري عداده في المصريين وأمره معاوية على طرابلس المغرب سنة ست وأربعين ومات ببرقة وقيل بالشام روى عنه حنش بن عبد الله وغيره قال قال لي أي خاصة رسول الله يا رويفع لعل الحياة ستطول السين للتأكيد في الإستقبال بك الباء للإلصاق بعدي أي بعد موتي فأخبر الناس الفاء جزاء شرط محذوف والتقدير فإذا طالت فأخبر والمعنى لعل الحياة ستمتد حال كونها ملتصقة بك حتى ترى الناس قد ارتكبوا أمورا من المعاصي يتجاهرون بها فإذا رأيت ذلك فاخبرهم وفيه إظهار للمعجزة بأخبار عن الغيب من تغيير يحصل في الدين بعد القرن الأول وأن هذه الأمور المذكورة مهتم بشأنها أن من عقد لحيته قال الأكثرون هو معالجتها حتى تنعقد وتتجعد وهذا مخالف للسنة التي هي تسريح اللحية وقيل كانوا يعقدونها في الحرب زمن الجاهلية فأمرهم عليه الصلاة والسلام بإرسالها لما في عقدها من التأنيث أي التشبه بالنساء وقيل كان ذلك من دأب العجم أيضا فنهوا عنه لأنه تغيير خلق الله وقيل كان من عادة العرب أن من له زوجة واحدة عقد في لحيته عقدة صغيرة ومن كان له زوجتان عقد عقدتين كذا ذكره الأبهري أو تقلد وترا بفتحتين أي خيطا فيه تعويذ أو خرزات لدفع العين والحفظ عن الآفات كانوا يعلقون على رقاب الولد والفرس وقيل إنهم كانوا يعلقون عليها الأجراس والمعنى أو تقلد الفرس وتر القوس قيل النهي عن العقد والتقليد لما فيهما من التشبه بأهل الجاهلية لأن ذلك من صنيعهم وقيل كان عادة أهل الجاهلية أنهم يجعلون في رقاب دوابهم الوتر ويزعمون دفع العين قال أبو عبيدة الأشبه أنه نهى عن تقليد الخيل أوتار القسي لئلا يصيبها العين مخافة إختناقها به لا سيما عند شدة الركض وروي أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقطع الأوتار من أعناق الخيل تنبيها


على أنها لا ترد شيئا من قدر الله تعالى قال الطيبي يعني وأما الإختناق به فهو سبب عادي فيحترز عنه أو استنجى برجيع دابة أي روثها أو عظم مطلقا فإن محمدا منه بريء وهذا من باب الوعيد والمبالغة في الزجر الشديد قال ابن حجر عدل إليه عن فأنا أو فإني اهتماما بشأن تلك الأمور وتأكيدا أو مبالغة في النهي
عنها ا ه وفيه أن ما ذكر إنما هو مستفاد من الجملة لا من العدول عن الضمير إلى الظاهر لأنه يستوي في هذا المعنى قول زيد فإني برىء وقوله فإن زيدا برىء فالظاهر أن وجه العدول أن لا يتوهم البراءة من الراوي المخبر مع الإشارة إلى أن المسمى بهذا الاسم المعظم والوصف المكرم الذي حمده الأولون والآخرون منه بريء فيكون دلالة على غاية ذمه وأن محمدا لا يبرأ إلا من مذمم فإنه ضده رواه أبو داود وكذا النسائي وسنده حسن وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من اكتحل قال ابن حجر أي من أراد الإكتحال وكذا البواقي ا ه ولا يخفى أن المباشر للإكتحال مأمور بالإيتار لا مريد المباشرة فلا يحتاج إلى تقدير وكذا البواقي والمعنى من شرع في الإكتحال فليوتر أي ثلاثا متوالية في كل عين وقيل ثلاثا في اليمنى واثنين في اليسرى ليكون المجموع وترا والتثليث علم من فعله عليه الصلاة والسلام وإلا فالوتر صادق على مرة ففي شمائل الترمذي أن النبي كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه من فعل أي كذلك فقد أحسن أي فعل فعلا حسنا ويثاب عليه لأنه سنة رسول الله ولأنه تخلق بأخلاق الله تعالى فإن الله وتر يحب الوتر وهذا يدل على استحباب الإيتار في الأمور ومن لا أي لا يفعل الوتر فلا حرج قال الطيبي وفيه دليل على أن أمر النبي يدل على الوجوب وإلا لما احتاج إلى بيان سقوط وجوبه بقوله لا حرج أي لا إثم ومن استجمر أي استنجى بحجر فليوتر ثلاثا أو خمسا أو سبعا من فعل فقد أحسن أي بالغ في الحسن ومن لا فلا حرج إذ المقصود الإنقاء وهذا يدل دلالة واضحة على


جواز الإستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وعدم شرط الإيتار وهو مذهب أبي حنيفة ومن أكل فما تخلل يجوز أن تكون شرطية والجزاء فليلفظ بالكسر أي فليرم وليطرح ما أخرجه بالخلال من بين أسنانه والشرطية جزاء الشرط الأول وما لاك عطف على ما تخلل أي ما أخرجه بلسانه قيل اللوك إدارة الشيء بلسانه فليبتلع ويجوز أن تكون ما موصولة مبتدأ خبره فليلفظ والفاء في خبر الموصولة لشبهه بالشرط أو لتضمنه له والجملة جزاء الشرط قال المظهر إنما أمر بلفظ ما تخلل لأنه ربما يخرج مع الخلال دم بخلاف ما لاك من فعل أي ما ذكر من رمي ذاك وابتلاع هذا فقد أحسن أي إلى نفسه بعمل الإحتياط


ومن لا فلا حرج وإنما نفى الحرج لأنه لم يتيقن خروج الدم معه وإن تيقن حرم أكله ومن أتى الغائط أي الخلاء فليستتر قال الخطابي أمر بالتستر ما أمكن حيث لا يكون قعوده حيث يقع عليه أبصار الناظرين فيتهتك الستر أو يهب عليه الريح فيصيبه البلل فتتلوث ثيابه وبدنه وكل ذلك من لعب الشيطان به وقصده إياه بالفساد فإن لم يجد أي شيئا ساترا إلا أن يجمع كثيبا أي كومة من رمل فليستدبره أي ليجعله خلفه لئلا يراه أحد قال الطيبي الإستثناء متصل أي فإن لم يجد ما يستتر به إلا جمع كثيب من رمل فليجمعه ويستدبره لأن القبل يسهل ستره بالذيل أو بجمع الفخذين فإن الشيطان فيعال من شطن أي بعد أو فعلان من شاط إذا هلك يلعب أي إذا لم يستتر بمقاعد بني آدم أي يتمكن من وسوسة الغير إلى النظر إلى مقعده من فعل أي جمع الكثيب والستر فقد أحسن باساءته إلى الشيطان ودفع وسوسته ومن لا فلا حرج أي إذا لم يره أحد وأما عند الضرورة فالحرج على من نظر إليه رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي وعن عبد الله بن مغفل بمعجمة وفاء مثقلة مفتوحة أول من دخل بلدة تستر حين فتحها المسلمون قال العسقلاني ولأبيه صحبة وروى عنه ابنه عبد الله وقال المصنف مزني كان من أصحاب الشجرة سكن المدينة ثم تحول منها إلى البصرة وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس ومات بالبصرة سنة ستين روى عنه جماعة من التابعين منهم الحسن البصري وقال ما نزل البصرة أشرف منه قال قال رسول الله لا يبولن أحدكم في الأزهار النهي فيه للتنزيه في مستحمه المستحم الذي يغتسل فيه من الحميم وهو الماء الحار والمراد المغتسل مطلقا وفي معناه المتوضأ ولذا قال فيما بعد أو يتوضأ ثم استبعادية يعني يستبعد من العاقل أن يجمع بين ما قبلها وما بعدها يغتسل فيه يجوز فيه الرفع أي ثم هو يغتسل والجزم وهو ظاهر وجوز النصب في جواب النهي على أن يجعل ثم بمنزلة الواو لكنه يلزم أن يكون المعنى النهي عن الجمع


كما في لا تأكل السمك وتشرب اللبن والحال أن البول فيه منهي عنه سواء كان فيه اغتسال أو لا هذا خلاصة كلام الطيبي وقال في المعنى أجرى الكوفيون ثم مجرى الفاء والواو في جواز نصب المضارع المقرون بها بعد فعل الشرط واستدل لهم بقراءة الحسن ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الل
ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله النساء بنصب يدركه وأجراها ابن مالك مجراهما بعد الطلب فأجاز في قوله عليه الصلاة والسلام لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه ثلاثة أوجه الرفع بتقدير ثم هو يغتسل وبه جاءت الرواية والجزم بالعطف على فعل النهي والنصب قال بإعطاء ثم حكم واو الجمع فتوهم تلميذه الإمام النووي أن المراد إعطاؤها حكمها في إفادة معنى الجمع فقال لا يجوز النصب لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقل به أحد بل البول منهي عنه سواء أراد الإغتسال فيه أو منه أم لا ا ه وإنما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في النصب لا في المعية أيضا ثم ما أورده إنما جاء من قبل المفهوم لا المنطوق وقد قام دليل آخر على عدم إرادته ونظيره إجازة الزجاج والزمخشري في ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق كون تكتموا مجزوما وكونه منصوبا مع أن النصب معناه النهي عن الجمع ا ه ولا شك أن قول النووي في الحديث الذي ذكره ابن مالك من أن المنهي كل واحد منهما صحيح وإن علم نهي أحدهما من حديث آخر كما نبه عليه المغني بخلاف كلام الطيبي هنا أن البول فيه منهي عنه سواء كان فيه اغتسال أو لا فإنه ممنوع والصواب أن النهي عن الجمع بدليل التعليل الآتي في نفس هذا الحديث ولأنه لو بال في المستحم ولم يغتسل فيه بأن جعله مهجورا من الإغتسال فيه أو اغتسل فيه ابتداء ولم يبل فيه يجوز له ذلك أو يتوضأ فيه أو للتنويع لا للشك فإن عامة الوسواس أي أكثر وسواس الطهارة منه أي يحصل من البول في المستحم ثم الغسل فيه قال ابن الملك لأنه يصير


ذلك الموضع نجسا فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه منه رشاش أم لا وقال ابن حجر لأن ماء الطهارة حينئذ يصيب أرضه النجسة بالبول ثم يعود إليه فكره البول فيه لذلك ومن ثم لو كانت أرضه بحيث لا يعود منها رشاش أو كان له منفذ بحيث لا يثبت فيه شيء من البول لم يكره البول فيه إذ لا يجر إلى وسواس لا منه من عود الرشاش إليه في الأول ولطهر أرضه في الثاني بأدنى ماء طهور يمر عليها ا ه وهو يؤيد اعتراضنا على الطيبي وكأنه ذهل عن كلام الطيبي أو انتقل إلى كلام النووي ولذا سكت عنه والله أعلم رواه أبو داود وكذا ابن ماجه والترمذي والنسائي إلا أنهما أي الترمذي والنسائي وابن ماجه لم يذكرا ثم يغتسل فيه أو يتوضأ فيه ولعل وجه الاطلاق أن المفهوم من لفظ المستحم هو أن يغتسل فيه أو يتوضأ أو بالنظر إلى الأغلب الواقع وعن عبد الله بن سرجس بسينين مهملتين بينهما جيم على وزن نرجس كذا ف


جامع الأصول وتبعه المصنف في أسمائه وفي التهذيب بفتح السين وكسر الجيم وفي القاموس النرجس بكسر النون وفتحها ثم الأصل منصرف وفي بعض النسخ بفتح السين على عدم الصرف وهو الظاهر وقال ابن حجر وابن الملك سرجس غير منصرف للعلمية والعجمة قال شيخنا المرحوم مولانا عبد الله السندي ضبط كنرجس وعليه غير منصرف للعلمية والعجمة إذ ليس في كلامهم فعلل بكسر اللام لأن هذا الوزن مختص بالأمر من الرباعي وأما نرجس فنونه زائدة وإن ضبط كجعفر فمنصرف كذا ذكره السيوطي في حاشية البخاري قلت لو ضبط كجعفر لزم فتح اللام الأولى إذ الظاهر من ضبطهم بيان الحركة والسكون لا الإنصراف وعدمه نعم يلزم من هذا الضبط أن يكون منصرفا فإن علة العجمة وهي عدم وجدان فعلل بكسر اللام قد زالت حينئذ فيتعين كونه منصرفا لكن على هذا الفرض والتقدير فلا يعدل عما ثبت من كسر الجيم لكن يصح الإنصراف على تقدير كسر السين الأولى على ما ذكره في القاموس فإنه حينئذ يصير كزبرج والله أعلم قال المصنف هو مزني ويقال مخزومي وأظنه حليفا لهم وهو مصري حديثه في البصريين روى عنه عاصم الأحول وغيره قال قال رسول الله لا يبولن أحدكم في جحر بضم الجيم وسكون الحاء المهملة الخرق في الجدار والأرض لئلا يخرج منه ما يؤذيه أو ربما يكون فيه حيوان ضعيف فيتأذى قيل والجحر المعد للبول لا كراهة فيه قال الطيبي وجه النهي أن الجحر مأوى الهوام المؤذية وذات السم فلا يؤمن أن يصيبه مضرة من قبل ذلك وقد يقال إن الذي يبول في الجحر يخشى عليه من الجن وقد نقل أن سعد بن عبادة الخزرجي قتله الجن لأنه بال في جحر بأرض حوران وروي في كتب الفقه أنه سمع من الجحر نحن قتلنا سيد الخز رج سعد بن عباده ورميناه بسه م فلم نخطىء فؤاده والله أعلم بصحته رواه أبو داود والنسائي وعن معاذ قال قال رسول الله اتقوا أي احترزوا الملاعن أي مجالب اللعن لأن أصحابها يلعنهم المار لفعلهم القبيح أو لأنهم أفسدوا على الناس


منفعتهم فكان ظلما وكل ظالم ملعون وهو جمع ملعنة وهو الموضع الذي يكثر فيه اللعن كالمأسدة أو
اجتنبوا الفعلات التي توجب لعن فاعلها عادة كأنه مظنة اللعن كحديث الولد مبخلة مجبنة وقال زين العرب جمع ملعن مصدر ميمي أو اسم مكان من لعن إذا شتم ا ه فعلى تقدير كونه مصدرا معناه اتقوا اللعنات أي أسبابها أو المصدر بمعنى الفاعل يعني اجتنبوا اللاعنات أي الحاملات والباعثات على اللعن فيصير نظير اتقوا اللاعنين مع زيادة واحد الثلاثة أي المواضع أو الأفعال الثلاثة والأول أبلغ لدلالته على المبالغة فكأنه قال اتقوا الأماكن التي تفعل هذه الأفعال فيها فكيف الأفعال البراز بالنصب على البدلية والربط بعد العطف أو على تقدير أعني أي التغوط والبول في الموارد قال الطيبي هو الماء الذي يرد عليه الناس من عين أو نهر ا ه فيحمل على الماء الراكد الدائم الذي لا يجري وقيل المراد بالموارد الأمكنة التي يأتيها الناس كالأندية أي موضع ورود الناس للتحدث وقيل جمع موردة مفعلة من الورود وهي طريق الماء ولو لم يكن فيها ماء وقارعة الطريق أي وسطه التي يقرعها الناس بأرجلهم وتدقها وتمر عليها والظل أي في ظل الشجر وغيره من مقيل الناس ومناخهم قال ابن حجر والظل في الصيف ومثله الشمس في الشتاء أي في موضع يستدفىء فيه الناس بها ثم لا يخفى أن عدم تقييد الظل بالصيف أولى رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه وابن ماجه وسنده حسن وعن أبي سعيد قال قال رسول الله لا يخرج الرجلان أكثر الشراح على أنه مجزوم لأنه نهي فيكون بكسر الجيم وصلا وقيل منفي فيكون بضم الجيم وصلا وكذا المرأتان يضربان أي يفعلان الغائط فهو من باب ذكر السبب وإرادة المسبب قال التوربشتي يقال ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء وضربت في الأرض إذا سافرت وقال الأبهري الضرب في الأرض الذهاب فيها والأصل فيه أن الذاهب في الأرض يضربها برجله وقال الطيبي قيل نصب الغائط بنزع الخافض أي للغائط وفي مختصر النهاية


يضرب الغائط والخلاء والأرض إذا ذهب لقضاء الحاجة فالمعنى يمشيان لأجل قضاء الحاجة أو يأتيان الخلاء حال كونهما كاشفين عن عورتهما ينظر كل إلى عورة صاحبه عند الذهاب أو وقت التغوط يتحدثان حال ثانية وقال الطيبي يضربان ويتحدثان صفتا الرجلان لأن التعريف فيه للجنس أي رجلان من جنس الرجال ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ
محذوف أي هما يضربان ويتحدثان استئنافا و كاشفين حال مقدرة من ضمير يضربان ولو جعل حالا من ضمير يتحدثان لم تكن مقدرة على هذه التقادير النهي منصب على الجميع ا ه فإن الجمع بمعنى المجموع وهو الموجب للمقت الذي هو أشد الغضب ولذا قال فإن الله يمقت بضم القاف أي يغضب على ذلك أي على ما ذكر وهو المركب من محرم هو كشف العورة بحضرة الآخر ومكروه وهو التحدث وقت قضاء الحاجة قال في شرح السنة لا يذكر الله بلسانه في قضاء الحاجة ولا في المجامعة بل في النفس قال أبو عمر وسلم على النبي فلم يرد وإذا عطس في الخلاء يحمد الله في نفسه قاله الحسن والشعبي والنخعي رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وسنده حسن وعن زيد بن أرقم صحابي مشهور كذا في التقريب قال المصنف يكنى أبا عمرو الأنصاري الخزرجي يعد في الكوفيين وسكنها ومات بها سنة ثمان وسبعين وهو ابن خمس وثمانين روى عنه عطاء بن يسار وغيره قال قال رسول الله إن هذه الحشوس بضم الحاء المهملة جمع حش بفتح الحاء وضمها وهو الكنيف وأصل الحش جماعة النخل لاكتنافه ثم كني به عن الخلاء لأنهم كانوا يتغوطون بين النخيل كذا ذكره الشراح وقال الطيبي جمع حش وهو بالضم موضع الغائط وبالفتح البستان لأنهم قبل أن يتخذ الكنيف في البيوت كانوا كثيرا يتغوطون في البساتين محتضرة أي بحضرة الجن والشياطين يترصدون بني آدم بالأذى والفساد لأنه موضع تكشف العورة فيه ولا يذكر اسم الله فيه فإذا أتى أحدكم الخلاء أي قرب إليه فليقل الأمر للندب أعوذ بالله من الخبث بضم الموحدة ويسكن والخبائث وتقدم أنه يقول اللهم


إني أعوذ بك من الخبث والخبائث فيتخير بين الصيغتين كذا قاله ابن حجر والأولى أن يقول هذا مرة والآخر مرة أو يجمع بينهما أو هذا مختص بأهل الغفلة والأول لأرباب الحضور والمشاهدة ويدل عليه أن هذا أمر وذاك فعله رواه أبو داود وابن ماجه وسنده حسن وعن علي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ستر ما بين أعين
الجن بفتح السين مصدر وقيل بالكسر وهو الحجاب وعورات بني آدم بسكون الواو إذا دخل أحدهم الخلاء أي وقت دخول أحد بني آدم وفي نسخة أحدكم قال الكازروني في بعض نسخ المصابيح أحدكم بالخطاب وبغير إن والصواب الغيبة وإيراد إن على يقول وقال الطيبي ستر مبتدأ و ما بين موصولة مضاف إليها وصلتها الظرف أي الفعل الذي تعلق به وخبر المبتدأ قوله أن يقول بسم الله قال ابن حجر يسن أن يقدم على كل من التعوذين بسم الله ا ه ولا بعد أن يؤخر عنهما على وفق تقدم الإستعاذة على البسملة في التلاوة ولو اكتفي بكل منهما لحصل أصل السنة والجمع أفضل ثم الظرف قيد واقعي غالبي للتكشف المحتاج إلى الستر بالبسملة المتقدمة لا أنه احترازي فإنه ينبغي أن يبسمل إذا أراد كشف العورة عند خلع الثوب أو إرادة الغسل رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده ليس بقوي ومع هذا يعمل به في فضائل الأعمال سيما وقد رواه أحمد والنسائي عنه وروى الطبراني عن أنس ولفظه ستر بين أعين الجن وبين عورات بني آدم إذا وضع أحدهم ثوبه أن يقول بسم الله وهذا الحديث يدل على أن ما زائدة في الحديث السابق وأن الحكم عام وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان النبي إذا خرج من الخلاء قال غفرانك نصبه بإضمار فعل مقدر قيل التقدير اغفر غفرانك وقال التوربشتي هو مصدر كالمغفرة والمعنى أسألك غفرانك وقد ذكر في تعقيبه عليه الصلاة والسلام الخروج بهذا الدعاء وجهان أحدهما أنه استغفر من الحالة التي اقتضت هجران ذكر الله فإنه كان يذكر الله تعالى في سائر حالاته إلا


عند الحاجة وثانيهما أن القوة البشرية قاصرة عن الوفاء بشكر ما أنعم الله عليه من تسويغ الطعام والشراب وترتيب الغذاء على الوجه المناسب لمصلحة البدن إلى أوان الخروج فلجأ إلى الإستغفار اعترافا بالقصور عن بلوغ حق تلك النعم والأفضل أن يقول بعده ما ورد في رواية أخرى الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني وفي بعض الآثار الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى علي ما ينفعني رواه الترمذي وابن
ماجه والدارمي وكذا أبو داود والنسائي وسنده حسن قال ابن حجر وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب ورواه ابن حبان في صحيحه أيضا كذا ذكره ميرك وعن أبي هريرة قال كان النبي وفي نسخة رسول الله إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور بفتح المثناة وسكون الواو إناء من صفر أو حجارة كالإجانة يتوضأ منه ويؤكل فيه أو ركوة بفتح الراء وسكون الكاف إناء صغير من جلد يشرب منه قال ابن الملك أو للشك ممن يروي عن أبي هريرة أو للتنويع أي تارة وتارة فاستنجى أي بالماء ثم مسح يده على الأرض عند غسلها لإزالة الرائحة وهو سنة قاله ابن الملك وكذا ابن حجر ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ إتيانه بإناء آخر ليس لعدم جواز التوضوء بالماء الباقي من الإستنجاء بل لعدم بقاء الماء الكافي وفيه إشارة إلى الإستقصاء في الإستنجاء ما لم يفض إلى الوسواس في أمر الماء رواه أبو داود أي بهذا اللفظ وسكت عليه هو والمنذري وروى الترمذي في معناه حديثا عن عائشة وصححه ونقله ميرك وقال ابن حجر رواه ابن ماجه وسنده حسن وروى الدارمي والنسائي معناه قال ابن حجر وكان سبب تقديم الدارمي على خلاف عادته وعادة غيره أن ذلك المعنى في رواية الدارمي أظهر وأتم منه في رواية النسائي ا ه وفي تقييده بالعادة إشارة إلى أنه في الحقيقة يستحق التقديم إذ روى عنه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم وعن الحكم بن سفيان أي الثقفي له صحبة كذا في التقريب قال المصنف ويقال له سفيان بن الحكم ويقال إنه لم يسمع من النبي


قال ابن عبد البر وسماعه عندي صحيح وبهذا يتبين وجه قول ابن حجر أو سفيان بن الحكم وإلا فهو موهم للشك قال كان النبي إذا بال توضأ ونضح فرجه أي ورش إزاره بقليل من الماء أو سراوله به
لدفع الوسوسة تعليما للأمة قال في النهاية الإنتضاح بالماء هو أن يأخذ قليلا منه فيرش مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس وقال ابن الملك أي رش فرجه بكف من الماء بعد الإستنجاء إما لدفع نزول البول وقطعه وإما لدفع الوسوسة فإن الرجل إذا لم ينضح ووجد بعد ذلك بللا ربما يظن أنه خرج منه بول بخلاف ما إذا نضح فإنه إذ ذاك يعلم أن البلل منه فلا يقع في الوسوسة ا ه والأظهر وقوع يعلم موضع يظن وبالعكس وقال الخطابي الإنتضاح والنضح هو الغسل بالماء يعني إذا غسل فرجه وتوضأ أو الواو لمطلق الجمع وقيل توضأ بمعنى استنجى وقيل النضح هو الرش كذا ذكره الأبهري رواه أبو داود والنسائي قال ابن حجر وابن ماجه وسنده حسن وعن أميمة بضم الهمزة وسكون الياء تحتها نقطتان بنت رقيقة أخت خديجة بنت خويلد كذا في جامع الأصول وفي التقريب بالتصغير فيهما واسم أبيها عبد الله صحابية وذكر ابن الملك أنها عمة النبي من أمها وقال المصنف رقيقة بضم الراء وفتح القافين وسكون الياء تحتها نقطتان قالت كان للنبي قدح من عيدان في الأزهار أي من عود من العيدان لا أنه مركب من عيدان كذا ذكره الأبهري وقال ميرك وقع في نسخ المصابيح والمشكاة بكسر العين المهملة وفسره الشراح بأنه جمع عود وهو الخشب قال الطيبي وإنما جمعه اعتبارا للأجزاء كبرمة أعشار ا ه والصواب الذي عليه المحققون أنها عيدان بفتح العين المهملة قال الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي في كتابه القاموس العيدان بالفتح طوال النخل واحدة عيدانة بالهاء منها كان قدح يبول فيه النبي وكذا صححه صاحب تخريج المصابيح بالفتح أيضا والله أعلم ا ه تحت سريره أي موضوع تحته وفيه أن النوم على السرير لا ينافي الزهد لكنه كان يكتفي عليه بأدنى فرش


ولقد ثنى له فرشه ليلة فأمر ببسطه وقال منعني أو كاد يمنعني لينه من القيام لوردي يبول فيه بالليل رفقا بنفسه أن يتعبها في القيام لذلك وتعليما لأمته وذلك لأنهم إذا فعلوه تجنبوا به دخول الأخلية في الليل فإنها محل الشياطين وضررهم بالليل أكثر منه بالنهار رواه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري قاله ميرك والنسائي وسنده حسن قاله ابن حجر
وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال رآني النبي وأنا أبول قائما حالان متداخلان فقال يا عمر لا تبل قائما قال الخطابي نهي تنزيه وعلة النهي أنه تبدو العورة بحيث يراه الناس ولا يأمن من رجوع البول إليه فما بلت قائما بعد وفي نسخة بعده بالضمير أي بعد هذا النهي امتثالا لأمره عليه الصلاة والسلام رواه الترمذي وقال هذا حديث ضعيف من وجهين الأول أن هذا الحديث إنما رفعه عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه السجستاني وتكلم فيه غيره والثاني قال ابن عمر قال عمر ما بلت قائما منذ أسلمت وهذا أصح من حديث عبد الكريم وقال ابن مسعود إن من الجفاء أن تبول قائما رواه الترمذي كذا نقله ميرك عن الأزهار قلت في الوجه الثاني نظر إذ يمكن الجمع بينهما بأن مراده منذ أسلمت ونهيت عن البول قائما إذ لا يعلم الحسن ولا القبح إلا من الشارع وابن ماجه قال الشيخ الإمام محيي السنة رحمه الله تعالى قد صح عن حذيفة قال أتى النبي سباطة قوم بضم المهملة بعدها موحدة هي المزبلة والكناسة كذا قاله الأبهري وقال بعضهم هي في الأصل قمامة البيت ثم استعمل لمطرحها وملقاها مجازا ثم توسع واستعمل للفناء فبال قائما قيل الحديث يدل على أن نهيه عليه الصلاة والسلام عمر عن ذلك للتنزيه لا للحرمة وقيل ذلك للحرمة وفعله عليه الصلاة والسلام كان لعذر وهو إما أنه لم يجد مكانا للقعود أو كان برجله ما يمنعه من القعود قال أبو الليث رخص بعض الناس بأن يبول الرجل قائما وكرهه بعض الناس إلا من عذر وبه نقول وقال الطيبي السباطة


والكناسة الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ وما يكنس من المنازل وإضافتها إلى القوم
للتخصيص لا للتمليك لأنها كانت مواتا سبخة ا ه قال الأبهري وإلا لم يفعل النبي في ملكهم وقيل يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره وفي شرح السنة السباطة في الأغلب تكون مرتفعة عن وجه الأرض لا يرتد فيها البول إلى البائل وتكون سهلا وقال الأبهري قيل كان ما يقابله من السباطة عاليا ومن خلفه منحدرا مستقلا لو جلس مستقبل السباطة سقط إلى خلفه ولو جلس مستدبرا لها بدا عورته للناس متفق عليه قال الشيخ لو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز نقله الأبهري قيل كان ذلك لعذر قال السيد جمال الدين قيل فعل ذلك لأنه لم يجد مكانا للقعود لإمتلاء الموضع بالنجاسة وقيل فعل ذلك لأنه إن استدبر للسباطة تبدو العورة للمارة وإن استقبلها خيف أن يقع على ظهره مع احتمال ارتداد البول إليه وقيل للأمن حينئذ من خروج شيء من السبيل الآخر وقيل كان برجله جرح روى أبو هريرة كما أخرجه الحاكم والبيهقي أن النبي بال قائما لجرح مأبضه وهي بهمزة ساكنة بعدها موحدة بعدها معجمة باطن الركبة إذ لم يتمكن من القعود وعن الشافعي أن العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما فلعله كان به ذلك وإلا فالمعتاد منه عليه الصلاة والسلام بوله قاعدا وهو الإختيار وفي الإحياء أجمع أربعون طبيبا على أن البول في الحما قائما دواء عن سبعين داء قاله زين العرب
الفصل الثالث
عن عائشة رضي الله عنها قالت من حدثكم أن النبي كان يبول قائما فلا تصدقوه قال الشيخ حديث عائشة مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع في البيوت ما كان يبول إلا قاعدا قال الطيبي هذا يؤيده ما ذكر أن بوله قائما كان لعذر يعني لأن كان للإستمرار والعادة غالبا رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن نقله ميرك والنسائي


وعن زيد بن حارثة يكنى أبا أسامة وأمه سعداء بنت ثعلبة من بني معن خرجت به أمه تزور قومها فأغارت خيل لبني القين بن الحرة في الجاهلية فمروا على أبيات من بني معن رهط أم زيد فاحتملوا زيدا وهو يومئذ غلام يقال له ثمان سنين فوافوا به سوق عكاظ فعرض للبيع فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد لعمته خديجة بأربعمائة درهم فلما تزوجها رسول الله وهبته له فقبضه ثم إن خبره اتصل بأهله فحضر أبوه حارثة وعمه كعب في فدائه فخيره النبي بين نفسه والمقام عنده وبين أهله والرجوع فاختار النبي لما يرى من بره وإحسانه إليهم فحينئذ خرج به النبي إلى الحجر فقال يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه فصار يدعى زيد بن محمد إلى أن جاء الله بالإسلام ونزل أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله الأحزاب فقيل له زيد بن حارثة وهو أول من أسلم من الذكور في قول وكان النبي أكبر منه بعشر سنين وقيل بعشرين سنة وزوجه رسول الله مولاته أم أيمن فولدت له أسامة ثم تزوج زينب بنت جحش وكان يقال له حب رسول الله ولم يسم الله تعالى في القرآن أحدا من الصحابة غيره في قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها الأحزاب روى عنه ابنه أسامة وغيره وقتل في غزوة مؤتة وهو أمير الجيش في جمادى الأولى سنة ثمان وهو ابن خمس وخمسين سنة عن النبي أن جبريل تقدم ضبطه أتاه في أول ما أوحى إليه فعلمه الوضوء والصلاة فنزول سورة المائدة آخرا كان لتأكيد الحكم وتأييدا للأمر فلما فرغ من الوضوء هذا صريح في أن النضح بعد الوضوء وأنه ليس المراد بالنضح غسل الفرج كما تقدم أخذ غرفة بالفتح والضم من الماء فنضح بها فرجه حقيقة أو حذاءه قال الأبهري ولعله لتعليم الأمة ما يدفع الوسوسة أو لقطع البول فإن النضح بالماء البارد يردع البول فلا ينزل منه شيء بعد شيء والظاهر أن النضح مختص بمن يستنجي بغير الماء رواه أحمد والدارقطني وسنده حسن وعن أبي هريرة قال قال رسول الله جاءني جبريل فقال يا محمد فيه


إشارة إلى أن النهي عن النداء باسمه مخصوص بالإنسان إذا توضأت أي فرغت من الوضوء
فانتضح أي فرش الماء على الفرج أو السروال رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب أي تفرد به راويه وسمعت محمدا يعني البخاري يقول أي محمد الحسن بن علي الهاشمي الراوي بسكون الياء أي راوي هذا الحديث الذي تفرد به منكر الحديث المنكر ما تفرد به من ليس ثقة ولا ضابطا هو الصواب قاله الطيبي ومع ذلك فهو لم يشتد ضعفه لتعدد طرقه السابقة فيكون حجة في فضائل الأعمال وعن عائشة قالت بال رسول الله فقام عمر خلفه بكوز من ماء قياما بوظيفة الخدمة فإن من خدم خدم وقد ثبت أن ابن عباس صب على يد عمر الوضوء فقال ما هذا أي الكوز يا عمر فقال ما تتوضأ به أي تتطهر به ليشمل الإستنجاء قال ما أمرت أي وجوبا كلما بات بضم الباء أن أتوضأ أي بأن أتطهر ولو فعلت أي كل مرة لكانت أي الفعلة وفي نسخة لكان أي الفعل سنة أي مؤكدة وإلا فالإستنجاء بالماء ودوام الوضوء مستحب بلا خلاف قال الطيبي في الحديث دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام ما فعل أمرا ولا تكلم بشيء إلا بأمر الله وإن سنته أيضا مأمور بها وإن لم تكن فرضا وإنه كان يترك ما هو أولى به تخفيفا على الأمة وإن الأمر مبني على اليسر رواه أبو داود وابن ماجه وسنده حسن وعن أبي أيوب وجابر وأنس رضي الله عنهم إن هذه الآية أي الآتية أطلقت على بعضها لما نزلت فيه رجال ضمير فيه لمسجد قباء أو مسجد المدينة والجملة بدل من الآية يحبون أن يتطهروا والتطهير المبالغة في الطهارة ويحتمل التثليث قاله الطيبي والله يحب المطهرين أصله المتطهرين أبدلت التاء طاء وأدغمت أي يرضى عنهم ويرفع مأواهم أو يعاملهم معاملة المحب مع محبوبه قال رسول الله يا معشر الأنصار إن


الله قد أثنى عليكم في الطهور بالضم أو الفتح أي بسبب استعماله أو في فعله وجعل ظرفا للثناء مبالغة فما طهوركم قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء قال أي عليه الصلاة والسلام فهو ذاك أي ثناء الله تعالى عليكم أثر تطهركم البالغ قاله الطيبي وقول ابن حجر أي فثناء الله عليكم إنما هو لما ذكرتموه حاصل المعنى لا حل اللفظ كما لا يخفى فعليكموه أي الزموا كمال الطهارة ما استطعتم قاله ابن حجر والأظهر أن الإشارة إلى الإستنجاء فإنه أقرب مذكور ومخصوص بهم وإلا فالوضوء والإغتسال كان المهاجرون يفعلونهما أيضا والله أعلم ثم الظاهر أنهم يكتفون بالماء عن الأحجار ويحتمل أنهم كانوا يجمعون بين الحجر والماء وقال ابن حجر الظاهر أن الذي اختصوا به وكان سببا لمحبة الله العظمى حرصهم على تكميل الأولين وملازمة الثالث الذي هو أفضل من الإقتصار على الأحجار ا ه وفي إثبات تكميل الأولين لهم دون المهاجرين توقف لأنه يحتاج إلى نقل صريح صحيح وقد ذكر البغوي في تفسيره بإسناده عن النبي قال نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا قال كانوا يستنجون بالماء وفي الدر رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وأخرج الطبراني والحاكم وغيرهما عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية بعث رسول الله إلى عويمر بن ساعدة فقال ما هذا الطهور الذي أثنى الله به عليكم فقالوا يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه أو قال مقعده فقال النبي هو هذا وأخرج ابن ماجه والحاكم والدارقطني وغيرهم عن جماعة من الصحابة إن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة قال فهل مع ذلك غيره قالوا لا غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء قال هو ذاك فعليكموه فهذا صريح في المقصود رواه ابن ماجه أي وغير واحد كما تقدم


ذكرهم لكن ابن ماجه اقتصر في روايته هذه اقتصارا مخلا للمقصود فتدبر وعن سلمان قال أي سلمان قال بعض المشركين وهو يستهزىء أي بسلمان والجملة حال إني لأرى صاحبكم يعني النبي يعلمكم أي كل شيء حتى الخراة أي أدبها وهو بفتح الخاء المعجمة والراء المهملة مقصورا على الأكثر وقيل
ممدودا وقيل بالمد مع كسر الخاء وفي شرح مسلم الخراءة بفتح الخاء وتخفيف الراء بالمد اسم لهيئة الحدث وأما نفس الحدث فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء وكسرها نقله الأبهري وقال السيد جمال الدين الخراءة مكسورة الخاء ممدودة التخلي والقعود عند الحاجة وأكثر الرواة يفتحون الخاء ويقصرون الراء كذا في الطيبي نقلا عن الخطابي ثم قال قال الجوهري هي بالفتح مصدر وبالكسر اسم قلت أجل أي نعم أمرنا أي النبي في آداب قضاء الحاجة أن لا نستقبل القبلة أي تعظيما للكعبة لكونها قبلة لنا قال ابن حجر أي ولا نستدبرها كما مر ولعله آثر الأول لأن الإعتناء به أكمل لما مر أنه أفحش من الإستدبار ا ه وتقدم ما في كلامه ويمكن أن النهي عن الإستقبال وقع أولا ثم وقع عن الإستدبار أيضا أو خصه لكون الإمتناع عن الإستقبال أدل على تعظيم الكعبة وبهذا يظهر أن المضطر إلى أحدهما ينبغي أن يختار الإستدبار ولولا مخافة مخالفة الإجماع لقلت يجوز الإستدبار في البنيان دون الإستقبال فيه عملا بظاهر الحديث ثم رأيت في شرح شرعة الإسلام عند قول الماتن ولا يستقبل القبلة ببول ولا غائط فإن استقبال القبلة بالفرج حال قضاء الحاجة وحال الإستنجاء مكروه وكذا الإستدبار في رواية لما فيه من ترك التعظيم ولا يكره في رواية لأن فرج المستدبر لا يكون موازيا للقبلة بخلاف المستقبل وروي عن أبي حنيفة جواز الإستدبار إذا كان ذيله ساقطا لا مرفوعا كذا في شرح النقاية ولعل المصنف إنما لم يتعرض لنهي الإستدبار لمكان الإختلاف فيه ا ه ثم قال وهذا كله إذا كان ذاكرا للقبلة وأما إذا غفل فلا بأس به ولا نستنجي بأيماننا


أي تكريما لها لأنها آلة لأكلنا ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار تنظيفا بليغا قال ابن حجر فيه تصريح بمذهبنا إنها تجب وإن أنقى بدونها قلت التصريح غير صريح وفي الظهور محل بحث لأنه محمول على الغالب إذ الإنقاء لا يحصل بدون الثلاث غالبا ولما تقدم من حديث من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ليس فيها أي الأحجار رجيع أي روث لنجاسته ولا عظم لملاسته أو لكونه زاد الجن والجملة صفة مؤكدة لأحجار مزيلة لتوهم أنها مجاز أو واردة على التغليب وقول ابن حجر أي وأمرنا بالثلاثة الأحجار التي أوجبها علينا أن لا يكون فيها رجيع يوهم أن الجملة مصدرة بالواو وليست كذلك وفيه استقصاء للإرشاد ومبالغة للرد على المشرك وقال الطيبي جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم لأن المشرك لما استهزأ كان من


حقه أن يهدد أو يسكت عن جوابه لكنه رضي الله عنه ما التفت إلى ما قال وما فعل من الإستهزاء وأخرج الجواب مخرج المرشد الذي يلقن السائل المجد يعني ليس هذا مكان الإستهزاء بل هو جد وحق فالواجب أن تترك العناد وتلزم الطريق المستقيم والمنهج القويم بتطهير باطنك وظاهرك من الأرجاس والأنجاس رواه مسلم وأحمد واللفظ له أي لأحمد وعن عبد الرحمن صحابي له حديث كذا في التقريب ابن حسنة بفتح المهملتين ثم نون هي أمه وأما اسم أبيه فعبد الله بن المطاع روى عنه يزيد بن وهب قال خرج علينا رسول الله وفي يده الدرقة بالفتحات الترس من جلود ليس فيه خشب ولا عصب فوضعها أي جعلها حائلا بينه وبين الناس ثم جلس أي للبول فبال أي مستقبلا إليها أي الدرقة فقال بعضهم أي بعض المشركين أو بعض المنافقين انظروا إليه أي نظر تعجب يبول وهو رجل كما تبول المرأة أي في التستر أو في القعود أو فيهما قاله السيوطي فسمعه النبي فقال ويحك قال الطيبي نقلا عن النهاية ويح كلمة تقال لمن ترحم وترفق به ا ه فوضع ويحك موضع ويلك إيماء إلى كمال رأفته وإشارة إلى إرادة الفته فإنه رحمة للعالمين وحريص على هداية الكافرين أما علمت ما أصاب ما الأولى نافية دخلت عليها همزة الإستفهام للإنكار والثانية موصولة أو موصوفة أو مصدرية صاحب بني إسرائيل أي من العذاب لنهيه عن المعروف وصاحب منصوب وقيل مرفوع قال الشيخ ولي الدين العراقي بالرفع ويجوز نصبه ذكره السيوطي في حاشية النسائي كانوا أي بنو إسرائيل إذا أصابهم البول قرضوه أي قطعوه بالمقاريض جمع المقراض وهو آلة القطع فنهاهم أي صاحبهم عن القطع فعذب في قبره قال الطيبي شبه نهي هذا المنافق عن الأمر بما هو معروف عند المسلمين بنهي بني إسرائيل ما كان معروفا عندهم في دينهم والقصد منه توبيخه وتهديده وأنه من أصحاب النار فلما عيره بالحياء وفعل النساء وبخه بالوقاحة وأنه ينكر ما هو معروف بين رجال الله من الأمم السابقة واللاحقة رواه


أبو داود وابن ماجه أي عنه مرسلا ومرسل الصحابي مقبول عند الكل ولهذا قال ابن حجر وسنده حسن
ورواه النسائي عنه أي عن عبد الرحمن بن حسنة وهو صحابي كما تقدم وذكره المصنف في الصحابة عن أبي موسى فيكون رواية الصحابي عن الصحابي وعن مروان الأصفر بالفاء وفي نسخة بالغين وهو مولى عائشة أم المؤمنين بصري ثقة كذا بخط السيد أصيل الدين في حاشية المشكاة وأسقطه صاحب المشكاة من أسماء رجاله قال رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها أي إلى الراحلة فقلت أبا عبد الرحمن وفي نسخة يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عنه أي استقبال القبلة عند قضاء الحاجة قال بل للإضراب أي لا مطلقا إنما نهى عن ذلك في الفضاء أي الصحراء قال ابن حجر وألحقنا به ما في معناه وهو البناء بسائر أنواعه إلا البناء المعد لقضاء الحاجة فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس تقدم هذا البحث رواه أبو داود مرسلا وسكت عليه ولا يكون هذا حجة لأنه استدل بما تقدم من فعله عليه الصلاة والسلام وقد احتمل احتمالات تقدم ذكرها ومع وجود الإحتمال يسقط الإستدلال وعن أنس قال كان النبي إذا خرج من الخلاء أي المطهر قال الحمد لله الذي أذهب عني الأذى أي المؤذي وعافاني أي من احتباسه أو من نزول الأمعاء معه كذا قاله الأبهري وفي بعض الروايات الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى علي ما ينفعني فانظر إلى النعمتين العظيمتين اللتين لا يخطران ببال الآكلين غالبا رواه ابن ماجه قال ميرك حديث حسن وقال ابن حجر وكذا النسائي عن أبي ذر وسنده حسن وعن ابن مسعود قال لما قدم وفد الجن على النبي وفي نسخة رسول الله


قالوا يا رسول الله إنه بسكون النون وفتح الهاء أمر من نهى ينهى أمتك أن يستنجوا من الإستنجاء بعظم أو روثة تقدم وجههما أو حممة بضم الحاء وفتح الميم أي فحم يصير نارا في شرح السنة الحمم الفحم وما احترق من الخشب أو العظام ونحوهما والإستنجاء به منهي عنه لأنه جعل رزقا للجن فلا يجوز إفساده كذا نقله الطيبي وقوله رزقا للجن أي انتفاعا لهم بالطبخ والدفء والإضاءة فإن الله تعالى جعل لنا أي ولدوا بنا فيها رزقا فنهانا رسول الله عن ذلك رواه أبو داود وسكت عليه قاله ميرك


باب السواك
قال ابن الملك السواك يطلق على الفعل وعلى العود الذي يستاك به وقال في النهاية السواك بالكسر والمسواك ما يدلك به الأسنان من العيدان يقال ساك فاه يسوكه إذا دلكه بالسواك فإذا لم يذكر الفم يقال استاك ا ه وقال بعضهم السواك بالكسر اسم للإستياك وللعود الذي يستاك به والمراد هنا الأول وهو ظاهر أو الثاني والمراد استعماله على حذف المضاف وفي إفراد هذا الباب من سنن الوضوء إيماء إلى أن السواك ليس من أجزاء الوضوء المتصل به وإشارة إلى جواز تقديم السواك على الوضوء وإنه ليس يتعين أن يكون محله قبيل المضمضة قال علماؤنا ينبغي أن يكون السواك من الأشجار المرة في غلظ الخنصر وطول الشبر وأن يكون الإستياك عرضا لا طولا وقال بعضهم ينبغي أن يستاك طولا وعرضا فإن اقتصر على أحدهما فعرضا وأن يكون حال المضمضة وعليه الأكثرون وقيل قبل الوضوء ولو لم يكن معه سواك أو كان مقلوع الأسنان استاك بأصبع يمينه لما في المحيط قال علي رضي الله تعالى عنه التشويص بالمسبحة والإبهام سواك ولما روى البيهقي وغيره عن أنس قال قال رسول الله يجزىء من السواك الأصابع وتكلم فيه وروى الطبراني عن عائشة قالت قلت يا رسول الله الرجل يذهب فوه يستاك قال نعم قلت كيف يصنع قال يدخل أصبعه في فيه قال النووي يستحب أن يستاك بعود من أراك وبما يزيل التغير من الخرقة الخشنة والإصبع إن لم تكن لينة ولم يجد غيرها ويستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن من فمه عرضا ولا يستاك طولا لئلا يدمي لحية أسنانه فإن خالف صح مع كراهة قيل عرضا حال من الفم كذا في شرح الإمام الرافعي نقله الطيبي

الفصل الأول


عن أبي هريرة قال قال رسول الله لولا أن أشق على أمتي يقال شق عليه أي ثقل أو حمله من الأمر الشديد ما يشق ويشتد عليه والمعنى لولا خشية وقوع المشقة عليهم لأمرتهم أي وجوبا بتأخير العشاء أي لفرضت عليهم تأخيره إلى ثلث الليل أو نصفه فإن هذا التأخير مستحب عند الجمهور خلافا للشافعي وبالسواك أي بفرضيته عند كل صلاة أي وضوئها لما روى ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد والبخاري تعليقا في كتاب الصوم عن أبي هريرة أن رسول الله قال لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء ولخبر أحمد وغيره لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور فتبين موضع السواك عند كل صلاة والشافعية يجمعون بين الحديثين بالسواك في ابتداء كل منهما ثم أعلم أن ذكر الوضوء والطهور بيان للمواضع التي يتأكد استعمال السواك فيها أما أصل استحبابه فلا يتقيد بوقت ولا سبب نعم باعتبار بعض الأسباب يتأكد استحبابه كتغير الفم بالأكل أو بسكوت طويل ونحوهما وإنما لم يجعله علماؤنا من سنن الصلاة نفسها لأنه مظنة جراحة اللثة وخروج الدم وهو ناقض عندنا فربما يفضي إلى حرج ولأنه لم يرو أنه عليه الصلاة والسلام استاك عند قيامه إلى الصلاة فيحمل قوله عليه الصلاة والسلام لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة على كل وضوء بدليل رواية أحمد والطبراني لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء أو التقدير لولا وجود المشقة عليهم بالسواك عند كل صلاة لأمرتهم به لكني لم آمر به لأجل وجودها كما قيل مثل هذا في القرينة السابقة فيكون القرينتان على طبق واحد ثم أنه عرف سنية السواك للوضوء واستحباب تأخير العشاء بأدلة أخرى وهذا الوجه بالقبول أحرى وقد قال بعض علمائنا من الصوفية في نصائحه العبادية ومنها مداومة السواك لا سيما


عند الصلاة قال النبي لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة أو عند كل صلاة رواه الشيخان وروى أحمد أنه عليه الصلاة والسلام قال صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك والباء للإلصاق أو المصاحبة وحقيقتهما فيما اتصل حسا أو عرفا وكذا حقيقة كلمة مع و عند والنصوص محمولة على ظواهرها إذا أمكن وقد أمكن ههنا فلا مساغ إذا على الحمل على المجاز أو تقدير مضاف كيف وقد ذكر السواك عند نفس الصلاة في بعض كتب الفروع المعتبرة قال في التتارخانية نقلا عن التتمة ويستحب السواك عندنا عند كل صلاة ووضوء وكل شيء يغير الفم وعند اليقظة ا ه وقال الفاضل المحقق ابن الهمام في شرح الهداية ويستحب في خمسة مواضع اصفرار السن وتغير الرائحة والقيام من النوم والقيام إلى الصلاة وعند الوضوء ا ه فظهر أن ما ذكر في بعض الكتب من تصريح الكراهة عند الصلاة معللا بأنه قد يخرج الدم فينقض الوضوء ليس له وجه نعم من يخاف ذلك فليستعمل بالرفق على نفس الأسنان واللسان دون اللثة وذلك لا يخفى قال القاضي لولا تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره والحقيقة أنها مركبة من لو ولا ولو تدل على انتفاء الشيء لإنتفاء غيره فتدل هنا مثلا على انتفاء الأمر لإنتفاء نفي المشقة وانتفاء النفي بثبوت النفي فيكون الأمر منتفيا لثبوت المشقة فدل على أن المندوب ليس بمأمور لانتفاء الأمر مع ثبوت الندبية وأيضا جعل الأمر ثقيلا وشاقا عليهم وذلك إنما يكون في الوجوب متفق عليه وعن شريح مخضرم ثقة كذا في التقريب ابن هانىء بالهمزة قال المصنف هو أبو المقدام الحارثي أدرك زمن النبي وكنى النبي أباه هانىء بن يزيد وقال أنت أبو شريح وشريح من جملة أصحاب علي رضي الله تعالى عنه روى عنه ابنه المقدام ا ه وفيه إشارة إلى أنه تابعي كما هو مصرح في متن منار الأصول بقوله وأما التابعي فإن ظهرت فتواه في زمان الصحابة كشريح كان مثلهم عند البعض ا ه فعد المصنف إياه في الصحابة لأنه من


المخضرمين كما فعله ابن عبد البر في الإستيعاب ا ه والحاصل أنه من
أجلاء التابعين والمجتهدين قال سألت عائشة بأي شيء أي من الأفعال كان يبدأ رسول الله إذا دخل بيته قالت بالسواك أي يبدأ به وفي السواك فوائد كثيرة منها إزالة التغير الحاصل بالسكوت قال الطيبي إذ الغالب أنه عليه الصلاة والسلام لا يتكلم في الطريق قال ابن الملك وفيه نظر لأن الطريق من المسجد إلى حجرته قريب فالأولى حمله على المبالغة في النظافة أو غيرها من الفوائد فإنه قيل فيه سبعون فائدة أدناها أن يذكر الشهادة عند الموت وفي الأفيون سبعون مضرة أقلها نسيان الشهادة نسأل الله العافية ثم رأيت ابن حجر قال فيتأكد لكل من دخل منزله أن يبدأ بالسواك فإنه أزيد في طيب فمه وادعى لمعاشرة أهله وأذهب بما عساه حدث بفمه من تغير كريه سيما إن طال سكوته وهذا أولى من قول بعضهم إنما فعل عليه الصلاة والسلام ذلك لأن الغالب أنه كان لا يتكلم في الطريق والفم يتغير بالسكوت فيستاك ليزيله وهو تعليم لأمته فمن سكت ثم أراد التكلم مع صاحبه يستاك لذلك لئلا يتأذى من رائحة فمه ا ه ومما يرد ذلك أن أصحابنا جعلوا التأكيد لداخل المنزل غير التأكيد للسكوت فجعلوهما سببين مختلفين فدل على أن العلة في الأول غير السكوت وهو ما قدمته فتأمله قلت وكذا صرح أصحابنا به قال ابن الهمام الحق أن السواك من مستحبات الوضوء أي لا من سننه كما ذكره الجمهور ويستحب في خمسة مواضع اصفرار السن وتغير الرائحة والقيام من النوم والقيام إلى الصلاة وعند الوضوء والإستقراء يفيد غيرها ومنها أول ما يدخل البيت ومما يدل على محافظته على السواك استياكه بسواك عبد الرحمن بن أبي بكر عند وفاته في الصحيحين رواه مسلم وعن حذيفة قال كان رسول الله إذا قام للتهجد من الهجود وهو النوم يقال هجدته فتهجد أي أزلت هجوده فالتهجد التيقظ ثم أطلق على الصلاة بالليل من الليل من تبعيضية مفعول التهجد كقوله تعالى ومن الليل فتهجد


به الإسراء أي عليك بعض الليل فتهجد به يشوص بضم المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة فاه أي يدلك أسنانه وينقيها بالسواك وأصل الشوص الغسل وقيل هو أن يستاك من سفل إلى علو متفق عليه
وعن عائشة قالت قال رسول الله عشر من الفطرة أي عشر خصال من سنة الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم فكأنا فطرنا عليها كذا نقل عن أكثر العلماء وهذه هي المراد من قوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات البقرة وقال بعضهم هي السنة التي فطر إبراهيم عليه الصلاة والسلام على التدين بها أو فطر الناس عليها وركب في عقولهم استحسانها وهذا أظهر أو من توابع الدين والفطرة الدين والمضاف محذوف قيل وهذا أوجه قال تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها الروم أي دين الله الذي اختاره لأول مفطور من البشر وقيل أي من سنة الأنبياء الذين أمر نبينا بأتباعهم والإقتداء بهم فبهداهم اقتده الأنعام وأن اتبع ملة إبراهيم حنيفا النحل وهذا يرجع إلى القول الأول قص الشارب قال ابن حجر فيسن احفاؤه حتى تبدو حمرة الشفة العليا ولا يحفيه من أصله والأمر باحفائه محمول على ما ذكر وخرج بقصة حلقه فهو مكروه وقيل حرام لأنه مثلة وقيل سنة لرواية به حملت على الأحفاء بالمعنى المذكور واعفاء اللحية قال التوربشتي أي توفيرها يقال عفا النبت إذا كثر وأعفوته أنا وأعفيته لغتان وقص اللحية من صنع الأعاجم وهو اليوم شعار كثير من المشركين كالأفرنج والهنود ومن لا خلاق له في الدين من الطائفة القلندرية وقال ابن الملك وأما الأخذ من أطراف اللحية طولها أو عرضها للتناسب فحسن لكن المختار أن لا يأخذ منها شيئا إلا إذا نبتت اللحية للمرأة فيستحب لها حلقها والسواك قيل لا يسن في المسجد إذا خشي تطاير شيء من الريق أو نحوه إليه ثم السواك سنة بالإتفاق وقال داود واجب وزاد إسحاق فقال إن تركه عامدا بطلت صلاته واستنشاق الماء وهو كالمضمضة الآتية سنتان في الوضوء فرضان في الغسل عندنا وسنتان عند الشافعي


وقال أحمد ومالك في رواية بوجوبهما وقص الأظفار أي تقليمها وتحصل سنيتها بأي كيفية كانت وأولاها أن يبدأ في اليدين بمسبحة اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام ثم خنصر اليد اليسرى ثم بنصرها ثم وسطاها ثم مسبحتها ثم إبهامها وفي الرجلين بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى وغسل البراجم بفتح الباء وكسر الجيم أي العقد التي على ظهر مفاصل الأصابع والذي في
بواطنها رواجب بالجيم والموحدة كذا قاله ابن العراقي وقال التوربشتي البراجم مفاصل الأصابع اللاتي بين الأساجع والرواجب والرواجي المفاصل التي تلي الأنامل وبعدها البراجم وبعدها الأساجع كذا نقله الأبهري والظاهر أن المراد غسل جميع عقدها من مفاصلها ومعاطفها ونتف الابط بالسكون ويكسر أي قلع شعره بحذف المضاف وعلم منه أن حلقه ليس بسنة وقيل النتف أفضل لمن قوي عليه وحلق العانة قال ابن الملك لو أزال شعرها بغير الحلق لا يكون على وجه السنة وفيه أن إزالته قد تكون بالنورة وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام استعمل النورة على ما ذكره السيوطي في رسالته نعم لو أزالها بالمقص مثلا لا يكون آتيا بالسنة على وجه الكمال والله أعلم قال الأبهري ولا يترك حلق العانة ونتف الابط وقص الشارب والأظفار أكثر من أربعين يوما لما روى مسلم من حديث أنس وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الابط وحلق العانة أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة قال ابن حجر وحلق العانة ولو للمرأة كما اقتضاه الإطلاق بل حديث وتستحد المغيبة ظاهر فيه لكن قيده كثيرون بالرجل وقالوا الأولى للمرأة النتف لأنه أنظف وأبعد لنفرة الحليل من بقايا أثر الحلق ولأن شهوة المرأة أضعاف شهوة الرجل إذ جاء أن لها تسعا وتسعين جزأ منها وللرجل جزء واحد والنتف يضعفها والحلق يقويها فأمر كل منهما بما هو الأنسب به وانتقاص الماء بالقاف والصاد المهملة هو الصحيح وقيل معناه انتقاص البول بالماء باستعمال الماء في غسل المذاكير وقطعه


ليرتد البول بردع الماء ولو لم يغسل لنزل منه شيء فشيء فيعسر الإستبراء والإستنجاء فالماء على الأول المستنجى به وعلى الثاني البول فالمصدر مضاف إلى المفعول وإن أريد به الماء المغسول به فالإضافة إلى الفاعل أي وانتقاص الماء البول وانتقص لازم ومتعد واللزوم أكثر وقيل هو تصحيف والصحيح وانتفاض بالفاء والضاد المعجمة والمهملة أيضا وهو الإنتضاح بالماء على الذكر وهذا أقرب لأن في كتاب أبي داود والإنتضاح ولم يذكر انتقاص الماء قاله زين العرب نقله السيد يعني الإستنجاء وهذا تفسير الراوي قيل هو وكيع والتفسير السابق قول أبي عبيد قال الراوي ذكر الأبهري أن مسلما وأصحاب السنن ذكروا أن مصعبا هو الذي نسي العاشرة وفي رواية لمسلم أن الذي نسيها زكريا بن أبي زائدة وقائل إلا أن يحتمل أن يكون مصعبا ويحتمل أن يكون الراوي عنه ونسيت وفي نسخة بالتشديد والبناء للمفعول العاشرة إلا أن تكون أي العاشرة المضمضة قال الطيبي استثناء مفرغ ونسيت مؤول باسم أتذكر


أي لم أتذكر العاشرة فيما أظن شيئا من الأشياء إلا أن يكون مضمضة وقال ابن حجر ضمن نسي معنى النفي لأن الترك موجود في ضمن كل أي لم أتذكر شيئا يتم الخصال به عشرة إلا أن يكون مضمضة ا ه وهو توضيح كلام الطيبي قال ابن الملك لأن المضمضة والإستنشاق يذكران معا رواه مسلم وفي رواية الختان وهو قطع الجلدة الزائدة من الذكر بدل بالنصب إعفاء اللحية برفع إعفاء على الحكاية وقيل بالجر على الإضافة قال النووي في بعضها خلاف في وجوبه كالختان والمضمضة والإستنشاق ولا يمنع اقتران الواجب بغيره كما في قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه الأنعام فإن الإيتاء واجب والأكل مباح فالختان واجب عند الشافعي وكثير من العلماء على الرجال والنساء وسنة عند مالك وأكثر العلماء فالتقليم سنة ويستحب أن يبدأ بمسبحة يده اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم خنصر اليسرى إلى إبهامها ثم بخنصر الرجل اليمنى فيتم بخنصر اليسرى ونتف الابط سنة ويحصل أيضا بالحلق والنورة وقص الشارب سنة ويستحب أن يبدأ بالأيمن ولو ولي غيره بقصه جاز من غير هتك مروءة ولا حرمة بخلاف الابط والعانة قلت في الابط نظر ثم رأيت ابن حجر قال والأولى فيه أن لا يفوضه لغيره ا ه وهذا في نتفه وأما حلقه فلا يتصور غير التفويض وقد جوزوا حلقه من غير حرمة وهتك مروءة فالظاهر أن نتفه كذلك لأنه لا يظهر الفرق قال النووي والمختار أن يقص الشارب حتى تبدو الشفة ولا يحفيه من أصله ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام احفوا الشارب احفوا ما طال على الشفتين وغسل البراجم وهي عقد الأصابع ومعاطفها وهي بفتح الباء جمع برجمة بضم الباء والجيم سنة ليست مختصة بالوضوء ويلحق بها ما يجمع من الوسخ في معاطف الاذن وقعر الصماخ وما يجتمع في داخل الأنف وكذا جميع الوسخ على البدن لم أجد هذه الرواية أي التي رواها صاحب المصابيح في كتابه في الصحيحين ولا في كتاب الحميدي أي الذي هو الجمع بينهما ولكن ذكرها أي


هذه الرواية صاحب الجامع أي للأصول وهو ابن الأثير وكذا أي ذكرها الخطابي في معالم السنن الذي شرح به سنن أبي داود عن أبي داود متعلق بذكرها المذكور برواية عمار بن ياسر أي لا برواية
عائشة قال السيد كأنه اعتراض على محيي السنة حيث ذكرها في الصحاح مع أنها ليست في الصحيحين ولا في أحدهما وهو مخالف لما وعد في أول كتابه والجواب أن ذلك في مقاصد الباب والأصول دون ما ذكر من اختلاف ألفاظ الحديث ونحوها مما يشمل الفائدة تأمل ا ه
الفصل الثاني
عن عائشة قالت قال رسول الله السواك مطهرة للفم بتخفيف الميم مرضاة للرب بفتح الميم فيهما وقيل بكسرها قال المظهر المطهرة مصدر ميمي يحتمل أن يكون بمعنى اسم الفاعل أي مطهر للفم وكذا المرضاة أي محصل لرضا الله تعالى ويجوز أن يكون بمعنى المفعول أي مرضي للرب قاله الطيبي وقال ابن الملك يجوز أن يكونا باقيين على مصدريتهما أي سبب الطهارة والرضا أو للمبالغة كرجل عدل وقيل هما للكثرة كالمأسدة والمأذبة ذكره الأبهري أي مظنة للطهارة والرضا حاملة عليهما وباعثة لهما كما في حديث الولد مبخلة مجبنة ولعل ورود الإقتصار على الخصلتين مع أن له فوائد أخر لأنهما أفضلها أو لكونهما شملتا غيرهما فإنها منحصرة في تحصيل الطهارة الظاهرية والباطنية والحسية والمعنوية في الدنيا وفي تكميل رضا الرب الذي هو المقصود الأعلى في العقبى رواه الشافعي وأحمد والدارمي والنسائي بسند حسن وروى البخاري أي ذلك الحديث عنها في صحيحه بلا إسناد أي تعليقا بصيغة جزم والمعلقات المجزمة صحيحة قاله ميرك وعن أبي أيوب قال قال رسول الله أربع أي خصال عظيمة المقدار


جليلة الإعتبار من سنن المرسلين أي فعلا وقولا يعني التي فعلوها وحثوا عليها وفيه تغليب لأن بعضهم كعيسى ما ظهر منه الفعل في بعض الخصال وهو النكاح الحياء قال ابن حجر بدأ به فإن الحياء خير كله على ما ورد وقد ثبت أن نبينا كان أشد حياء من البكر في خدرها ا ه وقد أورد التوربشتي ما رواه بهذا المعنى كما سيأتي وفي نسخة الحناء قال ابن حجر وروي الحناء بالنون وهو وإن وقع في صحيح الترمذي تصحيف كما بينته في شن الغارة على من أظهر معرة بقوله في الحناء وعواره فإن جمعا يمنيين زعموا حل الحناء للرجال وصنفوا فيه وقل أدبهم على بقية علماء المذهب وخضب اللحية سنة لم تعرف لغير نبينا فلا يصح حمل تلك الرواية المصحفة عليه ا ه وفيه أبحاث لا تخفي ويروى الختان قال الأبهري يحتمل أن النون سقط منه في بعض نسخ أهل الرواية فروي على رسم الخط قال الطيبي اختصر المظهر كلام التوربشتي وقال في الحياء ثلاث روايات بالحاء المهملة والياء التحتانية يعني به ما يقتضى الحياء من الدين كستر العورة والتنزه عما تأباه المروءة ويذمه الشرع من الفواحش وغيرها لا الحياء الجبلي نفسه فإنه مشترك بين الناس وإنه خلق غريزي لا يدخل في جملة السنن وثانيها الختان بخاء معجمة وتاء فوقها نقطتان وهي من سنة الأنبياء كما سبق من لدن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى زمن نبينا محمد وروي أن آدم وشيثا ونوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم ولدوا مختونين وثالثها الحناء بالحاء المهملة والنون المشددة وهذه الرواية غير صحيحة ولعلها تصحيف لأنه يحرم على الرجال خضاب اليد والرجل تشبها بالنساء وأما خضاب الشعر به فلم يكن قبل نبينا فلا يصح إسناده إلى المرسلين والتعطر أي التطيب بالطيب في البدن والثياب وقد ورد عن بعض الصحابة أنه كان يتطيب بالمسك بما لو كان لأحدنا لكان رأس مال والسواك


ولقد أكثر نبينا منه حتى خشي على فمه الحفاء وهو داء عظيم يضر بالأسنان واللثة والنكاح قال ابن حجر لقد جمعت الأحاديث التي فيها في جزء وسميتها الإفصاح في فضائل النكاح فزادت على المائة رواه الترمذي وقال حسن غريب
وعن عائشة قالت كان النبي لا يرقد أي لا ينام من ليل أي بعض ليل أو في ليل ولا نهار لأن النوم يغير الفم فيتأكد السواك عند الإستيقاظ منه إزالة لذلك التغير سيما إن أريدت محادثة أو ذكر ثمة فيستيقظ بالرفع وقيل بالنصب أي يستنبه قال الطيبي يجوز في يستيقظ الرفع للعطف ويكون النفي منصبا عليهما معا والنصب جوابا للنفي لأن الإستيقاظ مسبوق بالنوم لأنه مسبب عنه وفي إيرادها هكذا مطنبا إشارة إلى أن ذلك كان دأبه إلا يتسوك قبل أن يتوضأ يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام كان يكتفي بذلك السواك عن التسوك للوضوء ويحتمل أنه كان يستاك ثانيا عند إرادة الوضوء أو عند المضمضة والله أعلم رواه أحمد وأبو داود وسنده حسن وعنها أي عن عائشة قالت كان النبي يستاك أي يستعمل السواك فيعطيني السواك لأغسله للتليين أو للتنظيف ففيه دليل على أن غسل السواك مستحب بعد الإستياك قال ابن حجر يؤخذ منه أن غسل السواك في أثناء التسوك به وبعده قبل وضعه سنة وقال ابن الهمام يستحب في السواك أن يكون ثلاثا بثلاث مياه وأن يكون السواك لينا فابدأ به أي باستعماله قبل الغسل لنيل البركة ولا أرضى أن يذهب بالماء ما صحبه السواك من ماء أسنانه فاستاك ثم أغسله قال الطيبي أي قبل الغسل استاك به تبركا وفيه دليل على أن استعمال سواك الغير برضاه غير مكروه وإنما فعلت ذلك لما بين الزوج والزوجة من الإنبساط وأدفعه إليه ليكمل سواكه أو ليحفظه قال ابن حجر والثاني غير ظاهر لأنه خلاف الأدب عرفا ولورود كنا نعد سواكه وطهوره ويحتمل أن يكون المراد وأدفعه إليه وقتا آخر بل هذا هو الأظهر ودلالة الحديث على غسل السواك في أثناء التسوك غير ظاهرة كما لا يخفى رواه أبو داود قال


ميرك وإسناده جيد

الفصل الثالث
عن ابن عمر أن النبي قال أراني قال ميرك وقع في أصل سماعنا بفتح الهمزة يعني بلفظ المتكلم أي أرى نفسي وأصله رأيت نفسي وعدل إلى المضارع لحكاية الحال الماضية قال الشيخ ابن حجر ووهم من ضمها لكن قال الأبهري وفي بعض النسخ بضم الهمزة فمعناه أظن نفسي قاله الكرماني كأنه ظن الكرماني الرؤيا المنامية يعبر عنها بالظن ولذا يقال رأيت كأني أفعل كذا ونحوه ولكن هذا من بعض الظن إذ رؤيا الأنبياء حق فإن ثبت ضم الهمزة فالصواب أن يحمل على أنه مجهول من باب الإراءة بمعنى الإعلاء ولم يذكر ابن حجر إلا معنى الضم والله أعلم في المنام أتسوك بسواك أي رأيت نفسي في المنام متسوكا فالمفعول مستتر والثاني البارز وجاز في باب علمت كون الفاعل والمفعول ضميري واحد والثالث أتسوك كذا قيل وهو مبني على أن رواية الضم من الإراءة دون الرؤية وأتسوك بإضمار أن مصدر بمعنى الفاعل فجاءني رجلان أحدهما أكبر أي سنا من الآخر فناولت أي أعطيت السواك يعني أردت مناولة السواك الأصغر منهما لعله لقربه فقيل لي كبر أي قدم الكبير في السن يعني ادفع إلى الأكبر فدفعته إلى الأكبر منهما الظاهر أنهما كانا في جانبيه أو في يساره وهو الأنسب فأراد تقديم الأقرب فأمر بتقديم الأكبر فلا ينافي حديث ابن عباس أو الأعرابي في إيثاره بسؤره عليه الصلاة والسلام من اللبن لكونه على اليمين على الأشياخ من أبي بكر وعمر وغيرهما لكونهم على اليسار بعد أن استأذنه في إعطائه لهم فقال لا أؤثر بنصيبي منك أحدا وأطنب ابن حجر بما لا طائل تحته حيث قال وظاهر حديث ابن عباس أن المراد الكبر هنا في السن لا في العلم والقدر ووجه أخذ ذلك من هذا أن ذاك على اعتبار من على اليمين من غير نظر لسنه ولا لفضله نظرا إلى أن جلوسه باليمين هو المرجح له فكذا أكبر السن ههنا يكون مرجحا من غير اعتبار فضل ولا قدر فإن قلت يمكن


الفرق بأن ثمة وجد مرجح خارجي أيضا وهو كبر السن فهو لظهوره لكل أحد أحق بالرعاية من الفضل الذي لا يظهر إلا للبعض ا ه وأنت خبير بأن كبر سن الصديق وفضله معا على ابن عباس أو الأعرابي أظهر من الشمس ومع هذا حيث كان المفضول من الجهتين على اليمين استحق التقديم ثم قوله لإستوائهما في كونهما أمامه مدفوع لتحقق تقابل اليمين واليسار حينئذ أيضا ثم المنع بعد تسليمه في الجواب فالعدول عن سنن المنع إلى الإضطراب ليس من آداب أولى الألباب والله أعلم بالصواب متفق عليه إلا أن البخاري لم يذكر في المنام قاله الأبهري وعن أبي أمامة أن رسول الله قال ما جاءني جبريل عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون التسليم من لفظ النبوة أو من زيادة الراوي تعظيما قط لعله مقيد لتعليم السنن أو قصد المبالغة في الكثرة إلا أمرني بالسواك لقد خشيت جواب قسم مقدر أي والله لقد خفت أن أحفي من الإحفاء مقدم في أي فمي يعني أن أستأصل لثتي من كثرة استعمال السواك بسبب وصية جبريل وكثرة مداومتي عليه رواه أحمد قال ميرك بإسناد جيد وله طرق كثيرة يقوي بعضها بعضا وعن أنس قال قال رسول الله لقد أكثرت بصيغة المعلوم عليكم في السواك أي في شأن السواك وأمره قال الطيبي وفائدة هذا الكلام مع كونهم عالمين به إظهار الإهتمام بشأنه وقوله أكثرت مفعوله محذوف أي أطنبت الكلام في السواك كائنا عليكم ا ه والأظهر أن على صلة للإكثار والتقدير أكثرت عليكم الأمر والوصية في حق السواك وقال الكرماني في بعض النسخ أكثرت بصيغة الماضي المجهول أي بولغت من عند الله رواه البخاري


وعن عائشة قالت كان رسول الله يستن أي يستاك في النهاية الإستنان استعمال السواك افتعال من الأسنان أي يمر عليها وقال الأبهري قيل مأخوذ من السن بكسر السين وقيل من السن بفتحها يقال سننت الحديد أي حككت الحجر حتى يتحدد والمسن الحجر الذي يحد به وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر أي سنا أو فضلا وإنمااقتصرنا في الأول على قولنا سنا لنقابله بالأصغر فأوحي إليه أي من غير أن يميل إلى الآخر فيكون تأكيدا للوحي المنامي أو بعد إرادته لمقتضى ما هو تقديم الأصغر فتكون القضية واحدة في فضل السواك أي فضيلته وزيادته أن كبر هو الموحى به اعط السواك أكبرهما الظاهر أن هذا تفسير من أحد الرواة قال الطيبي وفيه تقديم حق الأكبر من الحاضرين في السلام والشراب والطيب ونحوها قلت إلا أن يكون غيره على اليمين قال وفيه إن استعمال سواك الغير غير مكروه على ما يذهب إليه بعض من يتقذر إلا أن السنة أن يغسله أولا ثم يعيره قلت محل التقذر غيره عليه الصلاة والسلام وأما هو فمحل التبرك عند كل مؤمن مع أنه ليس في الحديث ما ينافي الغسل والأولى أن يقال ثم يناوله بدل ثم يعيره هذا والظاهر أن هذا الحديث محمول على حال حكاية المنام وإلا يشكل تعدد الوحي في أمر واحد فإن منام الأنبياء وحي رواه أبو داود وعنها أي عن عائشة قالت قال رسول الله تفضل الصلاة أي تزيد في الفضيلة وزيادة المثوبة التي يستاك لها أي عند الوضوء على الصلاة التي لا يستاك لها سبعين مفعول مطلق أو ظرف أي تفضل مقدار سبعين وقوله ضعفا تمييز أريد به مثل العدد المذكور في القاموس ضعف الشيء بالكسر مثله أو الضعف المثل إلى ما زاد ا ه واختار ابن حجر الأخير والأظهر هو الأول ثم لا يشكل هذا الحديث بأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبعة وعشرين درجة مع أن الجماعة واجبة عندنا وفرض كفاية أو عين عند غيرنا لإمكان أن تكون درجة واحدة تساوي كثيرا من السبعين وأما الجواب بأن السنة قد تكون أفضل من


الفرض كالسلام ورده وكإنظار المعسر وإبرائه فغير صحيح لأنهما حصلا مصلحة الفرض وزيادة رواه البيهقي في شعب الإيمان ورواه أحمد ولفظه صلاة بسواك أفضل
من سبعين صلاة بعير سواك كذا ذكره ابن الهمام وظاهر هذا الحديث يؤيد ما اخترناه من أن الضعف بمعنى المثل إذ الأحاديث يفسر بعضها بعضا والحمل على أن الضعف هو ومثله ثم تأويله بأنه أعلم بالكثير بعد إعلامه بالقليل خلاف الظاهر قال ميرك ورواه أحمد والبزار وأبو يعلى وابن خزيمة في صحيحه وقال في هذا الخبر شيء فإني أخاف أن يكون محمد بن إسحاق لم يسمع من ابن شهاب ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم كذا قال ومحمد بن شهاب إنما أخرج له مسلم في المتابعات وللحديث شاهد من حديث ابن عباس ومن حديث جابر أخرجهما أبو نعيم بإسنادين جيدين حسنين وعن أبي سلمة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف قاله الطيبي وقال المصنف روى عمه عبد الله بن عمرو بن عوف الزهري القرشي أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في المدينة في قول ومن مشاهير التابعين وأعلامهم وهو كثير الحديث سمع ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة وغيرهم وروى عنه الزهري ويحيى بن كثير والشعبي وغيرهم مات سنة سبع وتسعين وله اثنتان وسبعون سنة عن زيد بن خالد الجهني نزل الكوفة روى عنه عطاء بن يسار قاله الطيبي ولم يذكره المصنف في أسمائه قال سمعت رسول الله يقول لولا أن أشق أي لولا خوف المشقة وتوقعها على أمتي لأمرتهم أي وجوبا بالسواك عند كل صلاة أي طهارتها أو إرادتها ولأخرت أي دائما صلاة العشاء أو حكمت بتأخيرها وجوبا إلى ثلث الليل بضم اللام ويسكن قال أي أبو سلمة فكان زيد بن خالد أي راوي هذا الحديث يشهد الصلوات أي الخمس في المسجد أي يحضرها للجماعة وسواكه على أذنه بضم الذال ويسكن والجملة حال موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استن أي استاك للصلاة أخذا بظاهر الحديث السابق وقد انفرد به فلا يصلح حجة أو استاك لطهارتها ثم أي


بعد الصلاة رده أي السواك إلى موضعه أي من الاذن قال ابن حجر وحكمته أن وضعه في ذلك المحل يسهل تناوله ويذكر صاحبه به فيسن ا ه ولا يخفى ما في هذا الموضع من التكلف المؤدي إلى الحرج ورواية كان محل السواك من أصحاب رسول الله محل القلم محمول على تقدير صحتها على بعضهم الصادق
على واحد فلا يفيد السنية رواه الترمذي وأبو داود إلا أنه أي أبا داود لم يذكر ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قال الطيبي أي له إسنادان أحدهما صحيح والآخر حسن ا ه أو حسن لغة أو حسن عند بعض صحيح عند بعض حسن لذاته صحيح لغيره


باب سنن الوضوء
قال الطيبي لم يرد بالسنن سنن الوضوء فقط بل أراد بالسنن الأقوال أو الأفعال أو التقريرات للنبي أعم من أن تكون سنة أو فرضا كما يقال جاء في السنة كذا أي في الحديث ا ه وتبعه ابن حجر وأنت خبير بأن حمل سنن الوضوء على ذلك المعنى بعيد فالأولى أن يحمل العنوان على التغليب وقيل السواك من السنن أيضا فكأنه ذكر في باب مفرد لزيادة الإهتمام به وقيل هو غير مختص بالوضوء ورد بأن غسل اليد للمستيقظ أيضا غير خاص على ما في شرح مسلم وكذا التيامن وفيه أنه لا يلزم من كون شيء من سنن الوضوء أن يكون مختصا به
الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا استيقظ أحدكم من نومه التقييد به لأن توهم نجاسة اليد في الغالب يكون من المستيقظ فلا مفهوم له ولذا قال علماؤنا إن هذا الغسل سنة في غير المستيقظ أيضا لأن علة الغسل وهي احتمال أنه مس بيده أعراق بدنه وأوساخه موجودة في المتنبه أيضا قلت بل المتنبه يفهم بالطريق الأولى فإن هذه العلة موجودة فيه مع زيادة احتمالات أخر وأما قول ابن حجر فإن تيقن طهارة يده وإن نام فلا


كراهة لإنتفاء توهم التنجيس فمعارضة بالنص فلا يغمس يده أي مثلا كما قال ابن حجر أو فضلا عن غيرها فإنها مع كونها آلة إذا كانت ممنوعة فغيرها أولى فهذا هو الأولى في الإناء أي إناء الماء وفي معناه كل مائع ومن المعلوم أن ماء الإناء لم يكن إلا قليلا فلا يحتاج تقييده بالقليل كما توهم ابن حجر وفي نسخة بزيادة النون المشددة قال الأبهري بالتأكيد في مسلم وبدون التأكيد في الجمع بين الصحيحين قال ابن الهمام الحديث المذكور في الصحيحين بغير نون التأكيد وأما بها ففي مسند البزار من حديث هشام بن حسان ولفظه فلا يغمسن يده في طهور حتى يفرغ عليها ثلاثا حتى يغسلها أي إلى رسغها ثلاثا قال السيد لفظ ثلاثا من أفراد مسلم فقوله متفق عليه محل بحث ا ه والنهي محمول على التنزيه بدليل العلة فيكون الغسل ثلاثا سنة وفيه دليل لمذهبنا حيث قيدوا تطهير النجاسة الغير المرئية بغسلها ثلاثا فإنه لما حكم الشرع في النجاسة المتوهمة بالتثليث فالمتحققة أولى بذلك فإنه لا يدري تعليل أي لا يعلم أين باتت يده روى النووي عن الشافعي وغيره من العلماء أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة فإذا ناموا عرقوا فلا يؤمن أن تطوف يده على موضع النجاسة أو على بثرة أو قملة والنهي عن الغمس قبل غسل اليد مجمع عليه لكن الجماهير على أنه نهي تنزيه لا تحريم فلو غمس لم يفسد الماء ولم يأثم الغامس وقال التوربشتي هذا في حق من بات مستنجيا بالأحجار معروريا ومن بات على خلاف ذلك ففي أمره سعة ويستحب له أيضا غسلها لأن السنة إذا وردت لمعنى لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى وفي شرح السنة علق النبي غسل اليدين بالأمر الموهوم وما علق بالموهوم لا يكون واجبا فأصل الماء واليدين على الطهارة فحمل الأكثرون هذا الحديث على الإحتياط وذهب الحسن البصري والإمام أحمد في إحدى الروايتين إلى الظاهر وأوجبا الغسل وحكما بنجاسة الماء كذا نقله الطيبي وقال الشمني عن عروة بن الزبير


وأحمد بن حنبل وداود إنه يجب على المستيقظ من نوم الليل غسل اليدين لظاهر الحديث ولنا أن النوم إن كان حدثا فهو كالبول وإن كان سببا للحدث فهو كالمباشرة وكل ذلك لا يوجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء عندهم وإنه عليه الصلاة والسلام علل الغسل بتوهم النجاسة وتوهمها لا يوجبه فكان ذلك دليلا على السنة وعدم الوجوب متفق عليه قال ابن حجر واللفظ لمسلم وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا استيقظ أحدكم من نومه


فتوضأ أي أراد الوضوء فليستنثر الفاء لجواب الشرط أي ليغسل داخل أنفه ثلاثا أو التقدير إذا توضأ فليستنثر عند الإستنشاق قال الطيبي استنثر حرك النثرة وهي طرف الأنف ويجوز أن يكون بمعنى نثرت الشيء إذا فرقته وبددته ا ه وقيل الإستنثار نثر ما في الأنف المتصل بالبطن فإن الشيطان الفاء للسببية يبيت على خيشومه يعني أن الشيطان إذا لم يمكنه الوسوسة عند النوم لزوال الإحساس يبيت على أقصى أنفه ليلقي في دماغه الرؤيا الفاسدة ويمنعه عن الرؤيا الصالحة لأن محله الدماغ فأمر عليه الصلاة والسلام أن يغسلوا داخل أنوفهم لإزالة لوث الشيطان ونتنه منها قال التوربشتي والقاضي الخيشوم أقصى الأنف المتصل بالبطن المقدم من الدماغ الذي هو موضع الحس المشترك ومستقر الخيال فإذا نام تجتمع الأخلاط وييبس عليه المخاط ويكل الحس ويتشوش الفكر فيرى أضغاث أحلام فإذا قام وترك الخيشوم بحاله استمر الكسل والكلال واستعصى عليه النظر الصحيح وعسر الخضوع والقيام بحقوق الصلاة ثم قال التوربشتي ما ذكره من طريق الإحتمال وحق الأدب في الكلمات النبوية أن لا يتكلم في هذا الحديث وأمثاله بشيء فإن الله سبحانه قد خصه بغرائب المعاني وحقائق الأشياء ما يقصر عنه باع غيره وروى النووي عن القاضي عياض تحتمل بيتوتة الشيطان أن تكون حقيقة فإن الأنف أحد المنافذ إلى القلب وليس عليه ولا على الاذنين غلق وفي الحديث إن الشيطان لا يفتح الغلق وجاء الأمر بكظم الفم في التثاؤب من أجل دخول الشيطان في الفم ويحتمل أن تكون على الإستعارة فإنه إنما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذر يوافق الشياطين كذا نقله الطيبي متفق عليه واللفظ للبخاري على ما قاله ابن حجر وقيل لعبد الله بن زيد بن عاصم أنصاري مازني من مازن بن النجار قيل شارك وحشيا في قتل مسيلمة الكذاب قتل يوم الحرة شهد أحدا ولم يشهد بدرا كذا قاله الطيبي وفي التهذيب رمى وحشي مسيلمة بالحربة وقتله عبد الله بسيفه وقال المصنف


قتل عبد الله يوم الحرة سنة ثلاث وسبعين وروى عنه عباد بن تميم وابن المسيب كيف كان رسول الله يتوضأ فدعا بوضوء بفتح الواو ما يتوضأ به والباء للتعدية أي طلبه فأفرغ
أي صب الماء على يديه بالتثنية وفي المصابيح على يده اليمنى ويؤيده الإظهار في موضع الإضمار في قوله فغسل يديه أي إلى الرسغين مرتين مرتين ليس في المصابيح تكرار قال ابن حجر وجه الإحتياج إلى التكرير أن الإقتصار على الأول يوهم التوزيع واقتصاره عليه الصلاة والسلام على ذلك لبيان الجواز وإلا فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه فعل الثلاث وقال من زاد على ذلك أو نقص فقد أساء وظلم ا ه ولعل حذف البسملة والنية لأنهما من الأقوال دون الأفعال أو لأنهما تخفيان والسواك ليس من مختصات الوضوء ثم مضمض واستنثر ثلاثا تنازع فيه الفعلان ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين مرتين كذا كرر مرتين إلى المرفقين بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس أي معهما ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بيان للمسح بهما وأدبر بدأ تفسير لقوله فأقبل وأدبر بمقدم رأسه أي وضع كفيه وأصابعه عند مقدم رأسه ثم ذهب بهما أي أمرهما حتى وصل إلى قفاه ثم ردهما أي على جنبي الرأس حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه وهو الوجه المستحب من مسح الرأس وسنية مسح الأذنين بمائه يعرف من محل آخر ثم غسل رجليه رواه مالك والنسائي أي بهذا اللفظ ولأبي داود نحوه أي بمعناه ذكره صاحب الجامع أي جامع الأصول وهو ابن الأثير و في المتفق عليه قال الأبهري وفيه تأمل فإن ما ذكره من المتفق عليه لم يوجد بلفظه في صحيح البخاري وفيه أن المتفق عليه أعم من أن يكون بلفظهما أو بلفظ أحدهما وإذا كان معنى أحدهما يصلح أن يكون اعتذارا عن محيي السنة في الجملة فكيف إذا وجد لفظ أحدهما قيل لعبد الله بن زيد بن عاصم توضأ بصيغة الأمر لنا وضوء رسول الله أي نحو وضوئه فدعا بإناء فيه ماء فأكفأ في النهاية يقال كفأت الإناء إذا كببته وإذا أملته نقله الطيبي


وقال الأبهري قال الشيخ كفأ وأكفأ بمعنى أمال وقال الكسائي كفأه كبه وأكفأه أماله منه ضمن أكفأ معنى أفرغ وصب فعداه بمن قاله الأبهري على يديه فغسلهما أي إلى رسغيهما ثلاثا ثم أدخل يده أي اليمنى في الإناء فاستخرجها أي اليد من الإناء مع الماء قال الطيبي في الحديث دلالة على أن الماء في المرة الثالثة بقي على طهارته وطهوريته غير مستعمل اللهم إلا أن يقال إنه نوى جعل اليد آلة له ومذهب مالك أن المستعمل في
الحدث طهور وكرهه مع وجود غيره لأجل الخلاف وكذا الحال عنده في الماء القليل تحله نجاسة ولم يتغير قال أبو حامد في الإحياء وددت أن مذهب الشافعي كمذهب مالك في الماء القليل أنه لا بأس إلا بالتغير إذ الحاجة ماسة إليه ومثار الوسوسة من اشتراط القلتين ولأجله شق على الناس ذلك ولعمري أن الحال على ما قاله ولو كان ما ذكر شرطا لكان أعسر البقاع في الطهارة مكة والمدينة إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية ولا الراكدة الكثيرة ومن أول عصر النبي إلى آخر عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم ينقل واقعة في الطهارة وكيفية حفظ الماء من النجاسات وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء وتوضوء عمر رضي الله عنه بماء في جرة نصرانية كالصريح في أنه لم يعول إلا على عدم تغير الماء وكان استغراقهم في تطهير القلوب وتساهلهم في الأمر الظاهر فمضمض واستنشق من كف وفي نسخة صحيحة بزيادة التاء مع فتح الكاف وضمها أيضا قال الأبهري الأكثر من كف بغير هاء وفي رواية أبي ذر كفة بالتاء وفي نسخة من غرفة ثم قال قال ابن بطال المراد بالكفة الغرفة فاشتق لذلك من اسم الكف وجعل عبارة عن ذلك المعنى قال ولا نعرف في كلام العرب الحاق هاء التأنيث بالكف قال الشيخ محصله أن المراد بقوله كفة فعلة لا أنها تأنيث الكف وقال صاحب المشارق قوله من كفة هي بالضم والفتح كغرفة وغرفة أي من ملء كفة واحدة ففعل ذلك أي ما ذكر من كل واحد من المضمضة والإستنشاق ثلاثا وسيأتي


بيانه ثم أدخل يده أي في الإناء والظاهر أن المراد بها الجنس فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا قيد للأفعال الثلاثة لا للأخير فقط ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين بالضبطين المتقدمين مرتين مرتين قيدان للأفعال ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فاقبل بيديه وأدبر يعني استوعب المسح ثم غسل رجليه ثم في المواضع المذكورة لمجرد العطف التعقيبي المفيد لسنية الترتيب لا للتراخي المنافي للتوالي الذي هو مستحب عندنا وفرض عند مالك إلى الكعبين ظاهره الإكتفاء بمرة ويحتمل مرتين بقرينة ما قبله ويحتمل التثليث على ما هو المعروف من دأبه عليه الصلاة والسلام وإنما لم يقل ثلاثا لئلا يوهم قيد الفعلين معا ثم قال أي عبد الله هكذا كان وضوء رسول الله أي غالبا في زعمه أو في بعض الأوقات وفي رواية فأقبل بهما وأدبر بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما أي على أطراف الرأس حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه وهذا أحسن أنواع المسح المستوعب ثم غسل رجليه أي ثلاثا


وفي رواية فمضمض واستنشق واستنثر الواو فيهما بمعنى الفاء ليفيد استحباب الترتيب بين غسل الأعضاء الغير المفروضة وأغرب ابن حجر فقال الواو هنا بمعنى ثم السابقة ثلاثا قيد للثلاثة بثلاث غرفات بفتح الغين والراء وقيل بضمهما جمع غرفة بمعنى مرة واحدة من ماء قيل الغرفة بالفتح مصدر غرف أي أخذ الماء بالكف وبضم الغين الاسم وهو الماء المغروف وقيل هي ملء الكف من الماء يعني أخذ غرفة ومضمض واستنشق بها وكذا بالثانية والثالثة كذا قاله بعض الشراح من علمائنا وهو خلاف المذهب والأظهر أن الثلاث كل واحد منها وقع بثلاث غرفات وفي أخرى فمضمض واستنشق من كفة واحدة بأن جعل ماء الكف بعضه في فمه وبعضه في أنفه ففعل ذلك أي المذكور من المضمضة والإستنشاق ثلاثا أي ثلاث مرات من كفة واحدة وفيه حجة للشافعي كذا قاله ابن الملك وغيره من أئمتنا والأظهر أن من كفة تنازع فيه الفعلان والمعنى مضمض من كفة واستنشق من كفة وقيد الوحدة احتراز من التثنية ففعل ذلك أي كل واحد من المضمضة والإستنشاق على الوجه المذكور ثلاث مرات فيكون الحديث محمولا على أكمل الحالات المتفق عليها عند أرباب الكمالات ويجوز أن يكون فعل ما ذكروه لبيان الجواز والله أعلم وفي رواية للبخاري فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة الجمهور على عدم تثليث مسح الرأس خلافا للشافعي ثم غسل رجليه إلى الكعبين فيه وفي أمثاله من الأحاديث الواردة في وضوئه عليه الصلاة والسلام رد على الشيعة في تجويز مسح الرجلين وفي أخرى له أي للبخاري فمضمض واستنثر كناية عن الإستنشاق أو من لوازمه ثلاث مرات من غرفة بالفتح ويضم واحدة أي كل واحد من الثلاث من غرفة واحدة أو كل واحدة من المرات الثلاث من غرفة واحدة ويبعد تثليثهما معا من غرفة واحدة وإن كان هو وجها للشافعية قال المؤلف وإنما أطنبنا الكلام في الحديث لأن ما ذكر في المصابيح بلفظه لم يوجد إلا في رواية مالك والنسائي فأما معناه فما ذكرته في


المتفق عليه عقبة وبقية الروايات إنما أوردتها تنبيها على أن ما في المصابيح منها ذكره الطيبي قال السيد جمال الدين كأنه اعتراض على الشيخ محيي السنة حيث أورد حديث عبد الله بن زيد بهذا اللفظ في الصحاح مع أنه غير مذكور في أحد الصحيحين والجواب أنه موجود في الصحيحين كما عزاه صاحب التخريج إليهما حيث قال ورواه الجماعة في الصحاح بألفاظ متقاربة ا ه وأنت خبير بأن الجواب
ليس على وجه الصواب لأن المصنف نفى وجود لفظ الحديث المذكور في أحد الصحيحين لا معناه وصاحب التخريج أثبت ذلك المعنى ولذا قال بألفاظ متقاربة بل المصنف بنفسه أورد تلك الألفاظ الدالة على ذلك المعنى واعتذر بالإطناب المتضمن لذلك الجواب وإن كان الإعتراض واردا في الجملة فإن الشرط أول الكتاب أن يكون لفظ الحديث من ذلك الباب والله أعلم بالصواب وعن عبد الله بن عباس قال توضأ رسول الله مرة مرة نصب على المصدر يعني غسل كل عضو مرة واحدة ومسح برأسه مرة ولم يزد على هذا أي في هذا الوضوء أو في ذلك الوقت أو باعتبار علمه وإلا فقد صحت الزيادة في روايات لا تحصى وإنما فعل ذلك لبيان الجواز فإنه أقل الوضوء رواه البخاري وعن عبد الله بن زيد أن النبي توضأ مرتين مرتين أي لبيان الجواز أيضا قال ابن الملك هذا هو الأفضل في الوضوء أي بالنسبة رواه البخاري والأخصر رواهما البخاري وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه توضأ بالمقاعد قال الطيبي في مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها ا ه وقيل مواضع القعود خارج المسجد وقال ابن حجر اسم موضع بالمدينة فقال ألا بالتنبيه أو الهمزة للإستفهام أريكم وضوء رسول الله أي كيفيته وتصويره فتوضأ ثلاثا ثلاثا قال ابن الملك وهذا هو الأكمل قال ميرك أي غسل كل عضو من أعضاء الوضوء ثلاثة وعمومه يقتضي أنه كان يمسح الرأس أيضا ثلاثا


لكن الروايات التي فصلت فيها أعضاء الوضوء كما صرح به في الصحيحين تدل على أن مسح الرأس وقع مرة تأمل قال ابن حجر أي طهر كل عضو من أعضاء وضوئه ثلاث مرات ثلاث مرات وهذا يشمل مسح الرأس ثلاثا وبه أخذ الشافعي على أنه جاء التصريح بتثليث المسح في رواية ا ه وهي في أبي داود لكن المفهوم منه أنها رواية شاذة مخالفة للثقات ولذا قال البيهقي مع كمال اعتنائه بتصحيح مذهب الشافعي اعتمد الشافعي في تكرار المسح على هذا الحديث يعني حديث عثمان ورواية أبي أنس عن عثمان مطلقة والروايات الثابتة عنه المفسرة تدل على أن التكرار وقع فيما عدا الرأس من الأعضاء وأنه مسح برأسه مرة واحدة ا ه كلامه ولأنه مسح فلا يسن تثليثه كالجبيرة والخف والتيمم ولأنه بالتعدد ينقلب غسلا رواه مسلم قال الطيبي وإنما توضأ رسول الله مرة مرة وأخرى مرتين مرتين وأخرى ثلاثا ثلاثا تعليما للأمة أن الكل جائز وإن الأكمل أفضل أي أكثر ثوابا والزيادة على الكمال نقصان وخطأ وظلم وإساءة كما سنورد وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال رجعنا مع رسول الله من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا أي صرنا بماء بالطريق قال الطيبي الظرف الأول خبر كان والثاني صفة أي إذا كنا نازلين بماء كائن في طريق مكة تعجل قوم عند العصر فتوضؤوا وهم عجال بضم العين وتشديد الجيم جمع عاجل كجهال جمع جاهل وفي نسخة صحيحة بكسر العين وتخفيف الجيم جمع عاجل كقيام جمع قائم قال الطيبي تعجل بمعنى استعجل يعني تطلبوا تعجيل الوضوء عند العصر فتوضؤا عاجلين والأظهر أن معناه استعجلوا في السير وتقدموا علينا عند دخول العصر مبادرة إلى الوضوء فتوضؤا على العجلة بحكم ضيق الوقت من السفر فانتهينا أي وصلنا إليهم وأعقابهم جمع عقب تلوح أي تظهر يبوستها جملة حالية وكذا لم يمسها الماء جملة حالية مبينة لتلوح فقال رسول الله ويل في النهاية الويل الخزي والهلاك والمشقة من العذاب نقله الطيبي وقال الأبهري جاز الإبتداء بالنكرة


لأنه دعاء وأصح الأقوال في معناه ما رواه ابن حبان من حديث أبي سعيد واد في جهنم وقيل شدة
العذاب وقيل جبل من قيح ودم وقيل كلمة يقولها كل مكروب وأصلها الهلاك والعذاب والأظهر حمله على الأصل أي هلاك عظيم وعقاب أليم للأعقاب أي لأصحابها من النار قال الطيبي خص العقب بالعذاب لأنه العضو الذي لم يغسل فالتعريف للعهد وقيل أراد صاحب العقب فاللام للعهد والمضاف محذوف وذلك لأنهم ما كانوا يستقصون على أرجلهم في الوضوء أسبغوا الوضوء بضم الواو أي أتموه بإتيان جميع فرائضه وسننه أو أكملوا واجباته ولو ثبت فتح الواو لكان له وجه وجيه أي أوصلوا ماء الوضوء إلى الأعضاء بطريق الإستيعاب والإستقصاء قيل لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام وأحكامه فتجوزوا أي تسامحوا في غسل أرجلهم لجهلهم بأحكام الشرع كذا ذكره ابن الملك وفيه نظر إذ الظاهر أن هذا وقع حين العجلة كما تقدم وفيه دليل على وجوب غسل الرجلين على وجه الإستيعاب وهو المنقول من فعله عليه الصلاة والسلام ومن فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وقال بعض الشراح ظاهره يدل على وجوب غسل الرجلين خلافا للشيعة وقراءة جر أرجلكم تعارضها قراءة نصبه وحمل الجر على المجاورة كما في حجر ضب خرب وماء شن بارد كقوله تعالى عذاب يوم أليم هود و حور عين الواقعة أولى من حمل النصب على محل المجرور لأنه الموافق للسنة الثابتة الشائعة فيجب المصير إليه وقال الإمام النووي هذا الحديث دليل على وجوب غسل الرجلين وإن المسح لا يجزىء وعليه جمهور الفقهاء في الأعصار والأمصار وقالوا لا يجب المسح على الغسل وهو مذهب داود ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع وأيضا كل من وصف وضوء رسول الله في مواضع مختلفة وعلى صفات متعددة متفقون على غسل الرجلين ا ه وفائدة الجر ما قاله صاحب الكشاف من أن الأرجل مظنة الإفراط في الصب عليها وقال ابن حاجب عطف الأرجل على الرؤوس مع إرادة كونها مغسولة من باب الإستغناء بأحد


الفعلين المتناسبين عن الآخر كقوله يا ليت زوجك قد أتى متقلدا سيفا ورمحا وقول الآخر علفتها تبنا وماء باردا نقله الطيبي وقال بعضهم وهو أظهر إذ القراءتين مجملتان في الآية يبينهما فعله عليه الصلاة والسلام حيث مسح حال كون الرجلين لابستي الخف وغسل حال كونهما عاريتين عن الخف مع إفادتهما الترتيب ندبا أو وجوبا والله أعلم رواه مسلم وأصله عند البخاري قاله ابن حجر
وعن المغيرة بن شعبة من ثقيف أسلم عام الخندق وأول مشاهدة الحديبية كان أمير الكوفة لمعاوية ومات بها قاله الطيبي وكذا المصنف قال إن النبي توضأ فمسح بناصيته قيل الباء زائدة وقيل تبعيضية وقال بعضهم الباء تنبيه على أن المسح التصق بالرأس من غير حائل وقال ابن الملك إن جعلت الباء تبعيضية ففيه دليل للشافعي على وجوب مسح قدر ما يطلق عليه اسم المسح وإن جعلت زائدة ففيه دليل لأبي حنيفة في التقدير بالربع وهو قدر الناصية وعلى العمامة قال بعض الشراح من علمائنا يحتمل أنه مسح بناصيته وسوى عمامته بيديه فحسب الراوي تسوية العمامة عند المسح مسحا وما روي عن ثوبان أن النبي بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول الله أمرهم أن يمسحوا على العصائب كانت معصبة على الجراح يحتمل ذلك قبل نزول الآية فقد ذكر العلماء أن المائدة آخر ما نزل من سور القرآن فالأخذ بظاهر الآية في هذه المسألة أولى ا ه قال القاضي اختلفوا في المسح على العمامة فمنعه أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى مطلقا أي لظاهر التنزيل وجوز الثوري وداود وأحمد رحمهم الله الإقتصار على مسحها إلا أن أحمد إعتبر التعميم على طهر كلبس الخف وقال الشافعي رحمه الله لا يسقط الفرض بالمسح عليها لظاهر الآية الدالة على الإلصاق والأحاديث العاضدة إياها لكن لو مسح من رأسه ما ينطلق عليه اسم المسح وكان يعسر عليه رفعها وأمر اليد المبتلة عليها بدل الإستيعاب كان حسنا كذا ذكره الطيبي وعلى الخفين أي ومسح عليهما وهو جائز


إجماعا وأحاديثه متواترة معنى فقد رواه عنه عليه الصلاة والسلام ثمانون صحابيا رواه مسلم وكذا الطبراني ورواه أبو داود والحاكم وسكتا عنه من حديث أبي معقل قال رأيت رسول الله يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة القطرية بكسر القاف وسكون الطاء ضرب من البرود وكذا في الصحاح قال الشمني ومعلوم أن الناصية ومقدم الرأس أحد جوانبها الأربعة فلو كان مسح الربع ليس بمجزىء لم يقتصر عليه السلام في ذلك الوقت عليه ولو كان مسح ما دونه مجزئا لفعله عليه الصلاة والسلام ولو مرة في عمره تعليما للجواز ا ه فالحديث حجة على المالكية والشافعية وعن عائشة قالت كان رسول الله يحب التيمن أي البدء بالأيامن من اليد


والرجل والجانب الأيمن لكن التيمن في اللغة المشهورة هو التبرك بالشيء من اليمن وهو البركة في القاموس اليمن بالضم البركة وفي مختصر النهاية اليمن البركة وضده الشؤم والتيمن الإبتداء في الأفعال باليد اليمنى والرجل اليمنى والجانب الأيمن ما استطاع أي ما أمكنه وقدر عليه في شأنه أي في أمره كله تأكيد والمراد الأمور المكرمة في طهوره بالضم ويفتح والمراد به المصدر ويستثنى منه الإستنجاء وندب التيمن في الطهور مجمع عليه بأن يغسل يده اليمنى قبل اليسرى وكذا في الرجلين وفي الغسل على شقه الأيمن قبل الأيسر وفي معناه السواك والأكل والشرب والمصافحة والأخذ والعطاء ودخول المسجد ومنه رعاية من على يمينه في المناولة ونحوها وترجله أي امتشاطه الشعر من اللحية والرأس ومثله قص الشارب وحلق الرأس والعانة ونتف الابط وتقليم الظفر كذا قاله ابن حجر والأظهر إدخالها في الطهور فإنها من باب تطهير البدن كما لا يخفى وتنعله أي لبس نعله مثله لبس الخف والثوب والسراويل ونحوها ومفهوم الحديث أنه يحب التياسر في شأنه كله الذي هو من غير التكريم ومر التصريح بذلك في رواية ومنه دخول الخلاء والسوق ومحل المعصية والخروج من المسجد والإمتخاط والبصاق والإستنجاء وخلع الثوب والنعل ونحوها وفي الحقيقة يرجع هذا كله إلى تكريم اليمين ففي تقديم اليسار في الخروج من المسجد إبقاء لليمين في الموضع الأشرف تلك السويعة وكذا في تقديم اليسار حين الدخول في الخلاء وعلى هذا القياس قال الطيبي وقوله في طهوره الخ بدل من قوله في شأنه بإعادة العامل ولعله عليه الصلاة والسلام إنما بدأ فيها بذكر الطهور لأنه مفتاح لأبواب الطاعات كلها فبذكره يستغنى عنها كما سبق في قوله الطهور شطر الإيمان وثنى بذكر الترجل وهو يتعلق بالرأس وثلث بالتنعل وهو مختص بالرجل ليشمل جميع الأعضاء والجوارح فيكون كبدل الكل من الكل ا ه قال ميرك وفي بعض ألفاظه تأمل ا ه والذي يظهر أن محل التأمل


إنما هو قوله لعله عليه الصلاة والسلام إنما بدأ فإنه موهم أنه من كلامه عليه الصلاة والسلام والحال أنه ليس كذلك بل أصل الكلام والأبدال جميعا من قول عائشة رضي الله تعالى عنها متفق عليه قال ميرك لكن في مسلم بغير هذا اللفظ

الفصل الثاني
عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا لبستم أي قميصا أو سراويل أو نعلا أو خفا ونحوها وإذا توضأتم أي تطهرتم بالوضوء أو الغسل أو التيمم فابدؤا بأيامنكم جمع الأيمن وهو بمعنى اليمين قال التوربشتي الرواية المعتد بها بميامنكم ولا فرق بين اللفظين في العربية فإن الأيمن والميمنة خلاف الأيسر والميسرة غير أن الحديث تفرد أبو داود بإخراجه في كتابه ولفظه بميامنكم قال الطيبي قال المؤلف أي صاحب المشكاة كذا وجدت في كتاب أبي داود في باب النعال وقال في شرح السنة وفي شرح مسلم للنووي كما في المصابيح وقد أخرجه أحمد في مسنده أيضا برواية أبي هريرة فلم يتفرد به أبو داود رواه أحمد وأبو داود قال ميرك وسكت عليه ورواه ابن ماجه أيضا لكن ليس في روايته إذا لبستم قلت وفي الجامع الصغير رواه أبو داود وابن حبان ولفظه بأيامنكم ورواه ابن ماجه إذا توضأتم فابدؤا بميامنكم وعن سعيد بن زيد هو قرشي عدوي من العشرة المبشرة قال الطيبي وقال المصنف يكنى أبا الأعور أسلم قديما وشهد المشاهد كلها مع النبي غير بدر فإنه كان مع طلحة بن عبد الله يطلبان خبر عير قريش وضرب له النبي بسهم وكانت فاطمة أخت عمر تحته وبسببها كان إسلام عمر مات بالبقيع سنة إحدى وخمسين وله بضع وخمسون سنة روى عنه جماعة قال قال رسول الله لا وضوء أي كاملا لمن لم يذكر اسم الله عليه أي على وضوئه قال ابن حجر ويفسره الحديث الصحيح توضؤا باسم الله أي قائلين ذلك


هذا وذهب بعضهم كأحمد بن حنبل إلى وجوبه عند ابتداء الوضوء تمسكا بظاهر الحديث وقيل إن تركه في ابتدائه بطل وضوءه وقيل إن تركه عامدا بطل وإن تركه ساهيا لا وقال القاضي هذه الصيغة حقيقة في نفي الشيء ويطلق مجازا على نفي الإعتداد به لعدم صحته كقوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة إلا بطهور وعلى نفي كماله كقوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة الجار المسجد إلا في المسجد وههنا محمولة على نفي الكمال خلافا لأهل الظاهر لما روى ابن عمر وابن مسعود أنه قال من توضأ وذكر اسم الله كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهورا لأعضاء وضوئه والمراد بالطهارة الطهارة عن الذنوب لأن الحدث لا يتجزأ رواه الترمذي وابن ماجه قال ميرك ورجال الترمذي موثقون وكذا رجال ابن ماجه إلا يزيد بن عياض فإنه قال فيه النسائي متروك ورواه أحمد وأبو داود وعن أبي هريرة والدارمي عن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال الطيبي الصواب عن أبي سعيد الخدري عن النبي فإنه الراوي عن النبي لا أبوه وقال السيد جمال الدين قوله عن أبي سعيد عن أبيه سهو بلا شك فإن في سنن الدارمي في باب التسمية على الوضوء هكذا أخبرنا عبد الله بن سعيد قال أخبرنا أبو عامر العقدي قال أخبرنا كثير بن زيد حدثني ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده عن النبي قال لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه قاله الشيخ عفيف الكازروني فعلم أن في عبارة المصنف سهوين أحدهما في الإسناد والثاني إن زيادة لا صلاة لمن لا وضوء له ليست للدارمي خلاف ما يفهم من قوله وزادوا في أوله تأمل ا ه وزادوا أي أحمد وأبو داود والدارمي في أوله لا صلاة لمن لا وضوء له قال ميرك في الترغيب للحافظ عبد العظيم المنذري عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته عن أبيها قالت سمعت رسول الله يقول لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه رواه الترمذي واللفظ له وابن ماجه والبيهقي


وقال الترمذي قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن عن جدته عن أبيها قال الترمذي وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال المنذري وفي الباب أحاديث كثيرة لا يسلم شيء منها عن مقال وقد ذهب الحسن وإسحاق بن راهويه إلى وجوب التسمية في الوضوء حتى إذا تعمد تركها أعاد الوضوء وهو رواية عن الإمام أحمد ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال فإنها تتعاضد لكثرة طرقها وتكتسب قوة والله أعلم وعن لقيط بفتح اللام وكسر القاف ابن صبرة بفتح الصاد وكسر الباء ويجوز سكون الباء مع فتح الصاد وكسرها كذا في التهذيب وقال الطيبي هو لقيط بن عامر بن صبرة وقيل هو غيره وليس بشيء عقيلي صحابي مشهور عداده في أهل الطائف وقال المصنف هو لقيط بن عامر بن صبرة يكنى أبا رزين روى عنه ابنه عاصم وابن عمر وغيرهما قال قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء أي كماله قال ابن حجر أي الوضوء الكامل الزائد على ما عرفناه فأل فيه للكمال أو للعهد الذهني وهو ما عرف واستقر في الشرع مدحه والثناء على فاعله قال أسبغ الوضوء بضم الواو أي أتم فرائضه وسننه وقال الطيبي اللام للعهد وهو ما اشتهر بين المسلمين وعرف عندهم أن الوضوء ما هو فالإستخبار عندهم عن أمر زائد على ما عرفه فلذلك قال أسبغ الوضوء وكماله إيصال الماء من فوق الغرة إلى تحت الحنك طولا ومن الاذن إلى الاذن عرضا مع المبالغة في الإستنشاق والمضمضة هذا في الوجه وأما في اليدين والرجلين فإيصال الماء إلى فوق المرافق والكعبين مع تخليل كل واحد من أصابع اليدين والرجلين فتأمل في بلاغة هذا الجواب الموجز وخلل بين الأصابع أي أصابع اليدين والرجلين قال ابن حجر بالتشبيك لليدين ومحل كراهته لمن هو بالمسجد ينتظر الصلاة لأنه منه عبث وهو لا يليق به ا ه وعندنا يشبك لكن لا على الطريق المنهي الذي يقابل الكف بالكف بل بأن يضع بطن الكف اليمنى على


اليسرى ويدخل الأصابع بعضها في بعض والمستحب في تخليل أصابع الرجلين أن يبتدىء من أسفل خنصر رجله اليمنى ويستمر إلى خنصر رجله اليسرى لما فيه من السهولة والمحافظة على التيامن ويكون التخليل بخنصر يده اليسرى وأصل السنة يحصل بأي كيفية كانت وبالغ في الإستنشاق بإيصال الماء إلى باطن الانف إلا أن تكون صائما فلا تبالغ لئلا يصل إلى باطنه فيبطل الصوم وكذا حكم المضمضة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الأئمة كابن


خزيمة وابن حبان والحاكم وقال الترمذي حسن صحيح وروى ابن ماجه والدارمي إلى قوله بين الأصابع قال ابن الملك فالتخليل سنة إن وصل الماء إلى أثنائها وإن لم يصل بأن كانت الأصابع منضمة فواجب وعن ابن عباس قال قال رسول الله إذا توضأت فخلل أصابع يديك رجليك أي إذا شرعت في الوضوء أو إذا غسلت أعضاء الوضوء فخلل أصابع يديك بعد غسلهما وأصابع رجليك بعد غسلهما وهذا هو الأفضل وإلا فلو أخر تخليل أصابع اليدين إلى آخر الوضوء جاز كما دل عليه الواو التي لمطلق الجمع رواه الترمذي بهذا اللفظ وروى ابن ماجه نحوه بمعناه وقال الترمذي هذا حديث غريب قال ميرك وفي بعض نسخ الترمذي حديث حسن وعن المستورد بضم الميم وسكون السين وفتح التاء فوقها نقطتان وبكسر الراء وبالدال المهملة كذا في جامع الأصول قال في التقريب له ولأبيه صحبة ابن شداد قال الطيبي قرشي من بني محارب بن فهر عداده في أهل الكوفة ثم سكن مصر ويعد فيهم يقال إنه كان غلاما يوم قبض رسول الله إلا أنه سمع منه ووعى عنه زاد المصنف وقال وروى عنه وروى عنه جماعة قال رأيت رسول الله إذا توضأ يدلك أصابع رجليه أي يخلل كما في رواية أحمد في مسنده بخنصره كما تقدم قال الأبهري لأنه أصغر والخدمة بالصغار أليق والدخول في الخلال أيسر وقال ابن حجر إن أراد المستورد بالدلك التخليل فهو حجة لما مر من ندبه بالخنصر وخصت اليسرى بذلك لأنها أليق به إذ لا تكرمة في ذلك بالنسبة للرجلين وإن أراد به إمرار الخنصر فهو حجة لندب الدلك في سائر الأعضاء وهو مذهبنا ولوجوبه وهو مذهب مالك قلت وكذلك يستحب في مذهبنا الخروج من


الخلاف فإنه احتياط في الدين رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه واللفظ لأبي داود قال صاحب التخريج وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة قال الشيخ زين العراقي لم ينفرد به ابن لهيعة بل تابعه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث وصححه ابن القطان كذا نقله ميرك وعن أنس قال كان رسول الله إذا توضأ أخذ كفا من ماء ظاهره أنه بعد فراغ الوضوء ويحتمل أن يكون في أثنائه بعد غسل الوجه وهو الأوجه لأنه من مكملاته فأدخله أي بيمينه تحت حنكه قال الأبهري الحنك بفتح المهملة والنون باطن الفم وتحت الحنك تحت الذقن فخلل به لحيته أي أدخل كفا من ماء تحت لحيته من جهة حلقه فخلل به لحيته ليصل الماء إليها من كل جانب وكان عند غسل الوجه لأنه من تمامه لا بعد فراغه كما توهم وقال هكذا أمرني ربي أي بالوحي الخفي أو بواسطة جبريل رواه أبو داود وسكت عليه قاله ميرك وعن عثمان رضي الله عنه أن النبي كان يخلل لحيته رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح نقله ميرك عن التخريج والدارمي وعن أبي حية بالتحتانية قاله ميرك وقال الطيبي هو عمرو بن نصر الهمداني زاد المصنف روى عن علي بن أبي طالب قال رأيت عليا رضي الله عنه توضأ فغسل كفيه أي شرع في الوضوء أو أراده فالفاء تعقيبية والأظهر أنها لتفضيل ما أجمل في قوله توضأ والمراد بالكفين اليدان إلى الرسغين حتى أنقاهما أي أزال الوسخ عنهما والروايات الأخر تدل على التثليث ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا ظاهره الفصل المطابق لمذهبنا وغسل


وجهه ثلاثا وذراعيه أي يديه من رؤوس الأصابع إلى المرفقين ثلاثا ومسح برأسه مرة فيه دليل لعدم التثليث الذي عليه الجمهور خلافا للشافعي وأما حمله على بيان الجواز كما ذكره ابن حجر فمردود لأن عليا ليس بمشرع وعلى تقدير تسليم أنه يريد الأعلام بأنه عند الشارع جائز فكان عليه أن يترك سائر السنن وأما قول ابن حجر وخفف في طهارته دون غيره لأنه مستور غالبا فمدفوع لأن النجاسة الحكمية لا فرق في ستر أعضائها وكشفها مع أنه يرده غسل قدميه مرة على ظاهره ثم غسل قدميه إلى الكعبين أي معهما والظاهر أنه غسلهما ثلاثا ولعل الراوي تركه لظهوره أو للمقايسة على غيره من أعضاء الوضوء المغسولة إذ يستبعد أن يمضمض ويستنشق ثلاثا ويكتفي في غسل الرجلين بمرة ولذا لم يقل الراوي مرة ويمكن أنه حصل له التردد أو وقع الحذف من بعض الرواة نسيانا أو اختصارا ثم قام أي علي فأخذ فضل طهوره بفتح الطاء لا غير قاله الكازروني أي بقية مائه الذي توضأ به فشربه وهو قائم الجملة حال قال ابن الملك أما شرب فضله فلأنه ماء أدى به عبادة وهي الوضوء فيكون فيه بركة فيحسن شربه قائما تعليما للأمة أن الشرب قائما جائز فيه ثم قال أي علي أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله قال ابن الملك بضم الطاء أي وضوءه و طهارته وفي بعض النسخ بالفتح والتقدير استعماله أو هو بمعنى الضم كما تقدم والظاهر أنه لا يريد علي أنه كان وضوءه دائما على هذا التفصيل بل مراده بيان الهيئة الإجمالية في الأفعال المرئية فلا ينافي ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام في بعض الروايات من اختلاف المرات أو أريد ما استقر في الشرع وضوءه أو ما وقع منه في أواخر عمره والله تعالى أعلم رواه الترمذي وقال حسن صحيح والنسائي ورواه أبو داود أيضا قاله ميرك وعن عبد خير ضد الشر كذا في الجامع قال الطيبي همداني أدرك زمن النبي إلا أنه لم يلقه وهو من كبار أصحاب علي ثقة مأمون سكن الكوفة ويقال أتى عليه مائة وعشرون


سنة وقال المصنف يكنى أبا عمارة وهو ابن يزيد قال نحن جلوس أي جالسون ننظر إلى علي رضي الله تعالى عنه حين توضأ لنأخذ العلم من بابه فأدخل يده اليمنى أي في الإناء فأخذ بها الماء فملأ فمه فمضمض أي حرك الماء في فيه واستنشق أي
أدخل الماء في أنفه بيده اليمنى ونثر أي أخرج المخاط والأذى من أنفه بيده اليسرى فعل أي علي هذا أي المذكور يعني كل واحد منهما ثلاث مرات على ما تقدم من فعله المبين لهذا المجمل وليس فيه مع إجماله دلالة على الفصل أو الوصل ووهم ابن حجر وقال فيه إنه يسن الوصل فيهما ثم قال أي علي من سره أي جعله مسرورا وأحب أن ينظر إلى طهور رسول الله بضم الطاء وتفتح فهذا طهوره أي نحوه رواه الدارمي قال ابن حجر والنسائي وسنده حسن وعن عبد الله بن زيد قال الطيبي هو زيد بن عبد ربه شهد عبد الله العقبة وبدرا والمشاهد بعدها وهو الذي أري الأذان في النوم سنة إحدى من الهجرة بعد بناء المسجد وهو أنصاري خزرجي قال المؤلف ولأبويه صحبة قال رأيت رسول الله مضمض واستنشق من كف واحد يحتمل احتمالين كما تقدم فعل ذلك أي المجموع أو كل واحد منهما ثلاثا والأخير هو الأنسب المطابق للأكثر والموافق للأكمل رواه أبو داود والترمذي قال ابن حجر وأصله في الصحيح وقال السيد الحديث بهذا اللفظ تقدم في الصحاح فلا معنى لإعادته في حسان هذا الباب قال ميرك ثم تأملت فوجدت لإيراد صاحب المشكاة هنا وجها وهو أنه أراد أن ينبه على أن صنيع صاحب المصابيح ليس بصحيح تأمل ا ه قلت تأملت فعجبت من السيدين الجليلين في هذين الحديثين من الإعتراض والجواب على الشيخين المؤلفين فإن الحديث الأول الوارد في الصحاح ليس من إيراد صاحب المصابيح بل أورده صاحب المشكاة تصحيحا لما في المصابيح وأما الحديث الثاني فهو من كلام محيي السنة في الحسان والصحابي لهذا الحديث غير الصحابي لذلك وكذا المخرجان مختلفان فلا إعادة ولا اعتراض ليحتاج إلى الجواب والله تعالى أعلم


بالصواب وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي مسح برأسه وأذنيه ظاهره أنه مسحهما بماء رأسه وهو يوافق مذهبنا باطنهما بالجر على البدلية من لفظ أذنيه والنصب بدل
من محله والمراد بالباطن الجانب الذي فيه الثقب بالسباحتين يعني المسبحتين سميتا بذلك لكثرة التسبيح بهما غالبا وهما السبابتان والسباحة والمسبحة من التسميات الإسلامية كراهة لمعنى السبابة وهو أن الجاهلية كانوا يسبون الناس ويشيرون بها إليهم فهو من جملة الأسماء التي غيرها عليه الصلاة والسلام وظاهرهما بالوجهين وهو الطرف الذي يلتصق بالرأس بإبهاميه قال ابن حجر والأولى غسلهما مع الوجه ومسحهما مع الرأس خروجا من الخلاف وفيه أنه لم يعرف في الشرع جمع عضو واحد بالغسل والمسح وأيضا وجود المسح بعد الغسل عبث ظاهر نعم صح المسح والغسل في الرجلين على ما قاله بعض الظاهرية فله وجه وجيه إن قدم المسح على الغسل فإن الغسل بعده يقع تكميلا له مع الخروج عن الخلاف ولم أرد خلاف الشيعة وإنما أريد ما روي عن ابن عباس من أن الفرض هو المسح وما حكي عن أحمد والأوزاعي والثوري وابن جبير من جواز مسح جميع القدمين فإن الإنسان مخير عندهم بين الغسل والمسح ثم غسل الاذن بكمالها مذهب الزهري وقال الشعبي وجماعة ما أقبل منهما يغسل وما أدبر منهما مع الرأس ولا يجوز الإقتصار بالمسح على الاذنين عوضا عن مسح الرأس بالإجماع ثم الجمهور على أنه لا يكرر مسح الاذن خلافا للشافعي وأيضا الغسل يقوم مقام المسح في الجملة بخلاف المسح فإنه لا يقوم مقام الغسل فإن الظاهران مقصود الشارع إنما هو الطهارة الكاملة ففاعل الغسل قام بالأحوط فلا يحتاج إلى المسح بخلاف الماسح ولعل عدم غسل الرأس في الوضوء لدفع الحرج فإن الوضوء يحتاج إليه كل يوم بخلاف الغسل ولهذا كثافة اللحية في الوضوء مانعة لوجوب غسل ما تحتها بخلاف الغسل رواه النسائي قال ابن حجر وابن ماجه وسنده حسن وعن الربيع بالتصغير والتثقيل كذا في


التقريب أنصارية نجارية من المبايعات تحت الشجرة قاله الطيبي وقال المصنف لها قدر عظيم حديثها عند أهل المدينة وأهل البصرة والربيع بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة بنت معوذ اسم فاعل من التعويذ كذا في الجامع ابن عفراء أنها رأت النبي يتوضأ قالت فمسح رأسه ما أقبل منه ما موصولة وما أدبر عطف عليه وهما بدل من رأسه وصدغيه وأذنيه معطوف على رأسه عطف خاص على عام أي أنهما مسحهما بماء الرأس كما هو مذهب أبي حنيفة


والصدغ ما بين الاذنين والعين ويسمى الشعر المتدلي عليه صدغا كذا ذكره الطيبي وفي القاموس وقال ابن الملك هو الشعر الذي بين الاذن وبين الناصية من كل جانب من جانبي الرأس وهو الأنسب بالمذهب وفي شرح الأبهري قال صاحب البحر الصدغ الشعر المحاذي لرأس الاذن وما نزل إلى العذار وفي العزيز ومما يخرج من حد الوجه الصدغان وهما جانبا الاذن يتصلان بالعذارين من فوق ا ه مرة واحدة في شرح السنة اختلفوا في تكرار المسح هل هو سنة أم لا فالأكثر على أنه يمسح مرة واحدة ومنهم الأئمة الثلاثة والمشهور من مذهب الشافعي أن المسح بثلاث سنة بثلاث مياه جدد وفي رواية أنه توضأ فأدخل أصبعيه أي عند مسح الرأس في حجري أذنيه بتقديم الجيم المضمومة أي صماخيهما قال الرافعي تقديم اليمنى على اليسرى إنما هو في عضوين يعسر غسلهما دفعة واحدة كاليدين والرجلين أما الأذنان فلا يستحب البداءة منهما باليمنى لأن مسحهما معا أهون ذكره الأبهري رواه أبو داود أي الروايتين كلتيهما وروى الترمذي الرواية الأولى وأحمد وابن ماجه الثانية وعن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي توضأ وأنه بالفتح عطف على النبي أو بالكسر حال من فاعل توضأ أو من مفعول رأى مسح رأسه بماء غير فضل يديه قال التوربشتي أي أخذ له ماء جديدا ولم يقتصر على البلل الذي بيديه قال ابن الملك وفيه حجة للشافعي قلت وفيه أنه عمل بأحد الجائزين عندنا وقال بعض شراح المصابيح إن الرواية بماء غير من فضل يديه أي بقي رواه الترمذي ورواه مسلم مع زوائد قال السيد جمال الدين فكان المناسب أن يوردها الشيخ في الصحاح لا في الحسان وقال التوربشتي هذا الحديث مخرج في كتاب مسلم والمؤلف لم يشعر أنه في كتاب مسلم ونقله عن كتاب الترمذي فجعله من الحسان قال ابن حجر لا أنه حسن لكن هذا إنما يرد على البغوي بخلاف المؤلف لأنه يبين الصحيح من غيره فلا إيهام في كلامه ا ه كلامه وقد وهم أن مراد التوربشتي بالمؤلف صاحب المشكاة وليس


كذلك فإن مراده به صاحب المصابيح الذي
شرح كتابه التوربشتي قبل أن يخلق صاحب المشكاة قيل لا عليه في ذلك بل غايته أنه ترك الأولى كذا قاله الطيبي يعني كان الأولى أن يذكر حديث مسلم في الصحاح مع زوائده ثم يذكر حديث الترمذي باقتصاره في الحسان بل في الحقيقة لا يتم الإعتراض عليه إلا لو ذكر الحديث مع زوائده في الحسان فالأحسن أن يحمل تركه حديث مسلم في الصحاح على النسيان ولا يقال في حقه ترك الأولى كما لا يخفى وعن أبي أمامة أنصاري خزرجي كذا ذكره الطيبي وقال المصنف هو سعد بن حنيف الأنصاري الأوسي مشهور بكنيته ولد على عهد رسول الله قبل وفاته بعامين ويقال إنه سماه باسم جده لأمه سعد بن زرارة وكناه بكنيته ولم يسمع منه شيئا لصغره ولذلك ذكره بعضهم في الذين بعد الصحابة وأثبته ابن عبد البر في جملة الصحابة ثم قال وهو أحد الجلة من العلماء من كبار التابعين بالمدينة سمع أباه وأبا سعيد وغيرهما روى نفر عنه مات سنة مائة وله اثنتان وسبعون سنة ا ه فحديثه من مراسيل الصحابة وهو مقبول اتفاقا ويحتمل أن يكون المراد بأبي أمامة هنا أبا أمامة الباهلي وهو من المكثرين في الرواية من الصحابة والله أعلم ذكر وضوء رسول الله بعد ذكره أحوالا من جملة وضوئه قال وهو بدل من ذكر قال أي أبو أمامة وكان أي رسول الله يمسح الماقين تثنية مأق بالفتح وسكون الهمزة ويجوز تخفيفها أي يدلكهما قال التوربشتي الماق طرف العين الذي يلي الأنف قاله أبو عبيد الهروي وفي كتاب الجوهري الذي يلي الأنف والأذن واللغة المشهورة موق وقال الطيبي وإنما مسحهما على الإستحباب مبالغة في الإسباغ لأن العين قلما تخلو من قذى ترميه من كحل وغيره أو رمص فيسيل وينعقد على طرف العين ومسح كلا الطرفين أحوط لأن العلة مشتركة قلت ولعل إيراد التثنية لهذه النكتة وقال يحتمل الموقوف والمرفوع الاذنان من الرأس قال ابن الملك في شرح المصابيح قال أي أبو أمامة وقال عليه الصلاة والسلام


الأذنان من الرأس وقيل هذا من قول أبي أمامة ا ه رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذي وقال إسناده ليس بذلك القائم وقال الدارقطني رفعه وهم والصواب أنه موقوف قاله السيد جمال الدين نقلا عن التخريج وذكرا أي أبو داود والترمذي ولذا قدم المصنف عليهما ابن ماجه مع أنه خلاف العادة قال حماد لا أدري الاذنان من الرأس من قول أبي أمامة أي موقوفا أم قول رسول الله أي مرفوعا قال الطيبي إنما نشأ تردد حماد من احتمال أن يكون وقال عطفا على كان فيكون من كلام


رسول الله أي كان يغسل ويمسح الماقين ولم يوصل الماء إلى الاذنين وقال هما من الرأس فيمسحان بمسحه واحتمال أن يكون عطفا على قال أي قيل فكان فيكون من قول أبي أمامة أي قال الراوي ذكر أبو أمامة كان رسول الله يغسل الوجه ويمسح الماقين وقال إنهما من الرأس ا ه وأنت خبير بأن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي فموقوفه في حكم المرفوع أيضا وفي شرح السنة اختلف في أنه هل يؤخذ للاذنين ماء جديد قال الشافعي هما عضوان على حيالهما يمسحان ثلاثا بثلاثة مياه جدد وذهب أكثرهم إلى أنهما من الرأس يمسحان معه أي بماء واحد وبه أخذ أبو حنيفة ومالك وأحمد كذا قيده ابن الملك وقال الزهري هما من الوجه يمسحان معه وقال الشعبي ظاهرهما من الرأس وباطنهما من الوجه وقال حماد يغسل ظاهرهما وباطنهما وقال إسحاق الإختيار أن يمسح مقدمهما مع الوجه ومؤخرهما مع الرأس وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أي عبد الله بن عمرو بن العاص وتقدم ما فيه من الكلام قال جاء أعرابي إلى النبي يسأله حال من فاعل جاء على ما ذكره الطيبي والأبهري وأغرب ابن حجر وقال إنه صفة للأعرابي عن الوضوء أي كيفيته فأراه أي بالفعل لأنه أبلغ من القول لقرب الأول من الضبط وتأثيره في القلب ولما جاء في الحديث ليس الخبر كالمعاينة وفي الكلام حذف أي فأراد أن يريه ما سأله فتوضأ وغسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء أي الكامل فمن زاد على هذا فقد أساء أي بترك السنة وتعدى أي حدها بالزيادة وظلم أي على نفسه بمخالفة النبي أو لأنه أتعب نفسه فيما زاد على الثلاثة من غير حصول ثواب له أو لأنه أتلف الماء بلا فائدة قال ابن الملك وإنما ذمه بهذه الكلمات الثلاث إظهارا لشدة النكير عليه وزجرا له عن ذلك قال الإمام حافظ الدين النسفي هذا إذا زاد معتقدا أن السنة هذا فأما لو زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو نية وضوء آخر فلا بأس لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ا ه قلت


أما قوله لطمأنينة القلب عند الشك ففيه أن الشك بعد التثليث لا وجه له وإن وقع بعده فلا نهاية له وهو الوسوسة ولهذا أخذ ابن المبارك بظاهرة فقال لا آمن إذا زاد على الثلاث أن يأثم
وقال أحمد وإسحاق لا يزيد عليهما إلا مبتلي أي بالجنون لمظنة أنه بالزيادة يحتاط لدينه قال ابن حجر ولقد شاهدنا من الموسوسين من يغسل يده فوق المئين وهو مع ذلك يعتقد أن حدثه هو اليقين وأما قوله أو بنية وضوء آخر ففيه أن قبل الإتيان بعبادة بعد الوضوء لا يستحب له التجديد مع أنه لا يتصور التجدد إلا بعد تمام الوضوء لا في الأثناء وأما قوله لأنه أمر بترك ما يريبه الخ ففيه أن غسل المرة الأخرى مما يريبه فينبغي تركه إلى ما لا يريبه وهو ما عينه الشارع ليتخلص عن الريبة والوسوسة والله أعلم وقيل أساء الأدب بالتساهل في المبالغة فإن الإزدياد استنقاص لما استكمله الشرع وتعد عما حد له وعما جعل غاية التكميل وظلم بإتلاف الماء ووضعه في غير موضعه قال ابن الملك لا آمن إذا زاد على الثلاث أن يأثم وقال أحمد وإسحاق لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى أي بوسوسة أو جنون رواه النسائي وابن ماجه أي بهذا اللفظ وروى أبو داود معناه قال ميرك نقلا عن التخريج بأطول من هذا وسكت عليه وعن عبد الله بن المغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة قال الكازروني تارة يروونه بالعين والقاف وتارة بدون الألف واللام وتارة يروونه بالفاء ظنا منهم أن لام التعريف فارق بين ما هو بالفاء وبين غيره وكل ما في المصابيح من هذا الرسم فهو بالغين المعجمة والفاء المشددة وأما بالعين المهملة والقاف فغير موجود في الصحابة فهو من التابعين ا ه وقد تقدم ترجمته وأن العسقلاني قال ولأبيه صحبة أنه سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة قال أي عبد الله لابنه أي بفتح الهمزة وسكون الياء حرف نداء ينادى به القريب بني تصغير للابن مضافا إلى ياء المتكلم مفتوحة


ومكسورة سل الله الجنة أمر من سأل يسأل بالألف أو من المهموز لكن بالنقل وتعوذ به من النار قيل فيه إرشاد إلى استدعاء الختم بالخير والإيمان وهو غاية منتهى الخائفين فإني سمعت رسول الله يقول إنه أي الشأن سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون بتخفيف الدال يتجاوزون عن الحد الشرعي في الطهور بالضم وبفتح والدعاء قال التوربشتي أنكر الصحابي على ابنه في هذه المسألة حيث طمح إلى ما لم يبلغه عملا وسأل منازل الأنبياء والأولياء وجعلها من الإعتداء في الدعاء لما فيها من التجاوز عن حد الأدب ونظر الداعي إلى نفسه بعين الكمال وقيل لأنه سأل شيئا معينا فربما كان مقدرا لغيره


والإعتداء في الدعاء يكون من وجوه كثيرة والأصل فيه أن يتجاوز عن موقف الإفتقار إلى بساط الإنبساط ويميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه وفي غيره إذا دعا له أو عليه والإعتداء في الطهور إستعماله فوق الحاجة والمبالغة في تحري طهوريته حتى يفضي إلى الوساوس قال الطيبي فعلى هذا ينبغي أن يروى الطهور بضم الطاء ليشمل التعدي استعمال الماء والزيادة على ما حد له قلت الضم غير متعين لأن الفتح لغة فيه بل الفتح أظهر في إفادة هذا المعنى فإن التقدير حينئذ استعمال ما يطهر به رواه أحمد وأبو داود وسكت عليه قاله ميرك وابن ماجه قال ميرك لكن ليس في روايته لفظ في الطهور قلت فلا يكون شاهدا في الباب فكان الأولى للمصنف أن لا يذكر ابن ماجه وعن أبي بن كعب عن النبي قال أن للوضوء أي للوسوسة فيه شيطانا خاصا يقال له الولهان بفتحتين مصدر وله يوله ولهانا وهو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد وغاية العشق فسمي به شيطان الوضوء إما لشدة حرصه على طلب الوسوسة في الوضوء وإما لإلقائه الناس بالوسوسة في مهواة الحيرة حتى يرى صاحبه حيران ذاهب العقل لا يدري كيف يلعب به الشيطان ولم يعلم هل وصل الماء إلى العضو أم لا وكم مرة غسله فهو بمعنى اسم الفاعل أو باق على مصدريته للمبالغة كرجل عدل فاتقوا أي احذروا وسواس الماء قال الطيبي أي وسواسه هل وصل الماء إلى أعضاء الوضوء أم لا وهل غسل مرة أو مرتين وهل طاهر أو نجس أو بلغ قلتين أو لا قال ابن الملك وتبعه ابن حجر أي وسواس الولهان وضع الماء موضع ضميره مبالغة في كمال الوسواس في شأن الماء أو لشدة ملازمته رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب أي إسنادا وليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث أي ولو كان رجال إسناده عدولا عند الفقهاء لأنا لا نعلم أحدا علة للغرابة أسنده أي رفعه غير خارجة أي خارجة بن مصعب بن خارجة قال الذهبي في الميزان وهن جدا وقال في المغني ضعفه الدارقطني وغيره


نقله ميرك وهو أي خارجة ليس بالقوي وفي نسخة ليس بقوي عند أصحابنا أي أهل الحديث قاله الطيبي وقال الترمذي وضعفه ابن المبارك نقله السيد جمال الدين وقال ميرك قال الترمذي وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن ولا يصح في هذا الباب حديث مرفوع
وعن معاذ بن جبل قال رأيت رسول الله إذا توضأ مسح وجهه أي نشفه بعد الوضوء بطرف ثوبه أي ردائه قال ابن حجر هذا إن صح كالذي بعده فمحمول على أنه لعذر أو لبيان الجواز لأن ميمونة أتته بعد وضوئه بمنديل فرده وجعل ينفض الماء بيده ولذا قال أصحابنا يسن للمتوضىء والمغتسل ترك التنشيف للاتباع ا ه وفي شرح الكنز للزيلعي لا بأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء روي ذلك عن عثمان وأنس والحسن بن علي ومسروق وقال في معراج الدراية إلا أنه لا يبالغ فيبقى أثر الوضوء على أعضائه وصرح بإستحباب التمسح صاحب المنية هذا ويمكن أن يكون رده لعذر أو لبيان الجواز رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وإسناده ضعيف وعن عائشة قالت كانت لرسول الله خرقة ينشف بصيغة الفاعل من التفعيل وبالتخفيف كيعلم بها أي أعضاءه كما في نسخة بعد الوضوء يقال نشفت الأرض الماء تنشفه نشفا شربته ونشف الثوب العرق ينشفه ومنه الحديث يعني منديلا يمسح به وضوءه كذا في النهاية وفي العباب والقاموس النشف من باب علم ويقال نشفت الماء تنشيفا أي أخذته بخرقة أو ثوب في الأزهار قال العلماء يستحب ترك التنشيف لأن النبي كان لا يتنشف ولأن ماء الوضوء نور يوم القيامة ولو نشفت لم يكره وبه قال ابن أبي ليلى لأنه إزالة لأثر العبادة كالسواك للصائم وقيل لأن الماء يسبح ما دام على أعضاء الوضوء ذكره الأبهري وفي بعض ما فيه نظر لأن المثبت مقدم على النافي وماء الوضوء نور سواء نشفت أو لم تنشف لأن المراد به ما استعمل في الوضوء لا الباقي على العضو ولا معنى لكراهته إذا ثبت أنه فعله عليه الصلاة والسلام ولو مرة وجواب ابن أبي ليلى يأتي في باب الصوم وعدم تسبيح


ماء الوضوء إذا نشفت يحتاج إلى نقل صحيح رواه الترمذي وقال هذا حديث ليس بالقائم أي الإسناد وأبو معاذ الراوي هو سليمان بن أرقم قاله السيد جمال الدين ضعيف عند أهل الحديث وقال الترمذي لا يصح عن النبي في هذا الباب شيء وقد رخص قوم من أصحاب النبي ومن بعدهم في التنشيف بعد الوضوء وذلك من قبل أنفسهم نقله السيد جمال الدين
وقوله من قبل أنفسهم صدر من قبل نفسه إذ لا يتصور أن يفعل مثل عثمان وأنس والحسن بن علي من قبل أنفسهم شيئا بل فعلهم يدل على أن للحديث أصلا والعمل بالحديث ولو ضعيفا أولى من العمل بالرأي ولو قويا والله أعلم
الفصل الثالث
عن ثابت بن أبي صفية هو يماني من الأزد سمع محمد بن علي الباقر روى عنه وكيع وابن عيينة قاله الطيبي وقال ميرك هو كوفي ضعيف رافضي وقال المصنف كنيته أبو حمزة مات سنة ثمان وأربعين ومائة ذكره في التابعين قال قلت لأبي جعفر أي الصادق هو محمد الباقر حدثك جابر أن النبي توضأ مرة مرة أي تارة ومرتين مرتين أي أخرى وثلاثا ثلاثا أي أخرى قال نعم قال الطيبي من عادة المحدثين أن يقول القارىء بين يدي الشيخ حدثك فلان عن فلان برفع إسناده وهو ساكت يقرر ذلك كما يقول الشيخ حدثني فلان عن فلان ويسمعه الطالب ا ه وتوضيحه ما قاله ابن حجر إن من أحد طرق الرواية أن يقول التلميذ للشيخ حدثك فلان عن فلان كذا والشيخ يسمع فإذا فرغ قال نعم فهو بمنزلة قول الشيخ حدثني فلان الخ والتلميذ ساكت أي يسمع رواه الترمذي وابن ماجه وسنده حسن وعن عبد الله بن زيد قال إن رسول الله توضأ مرتين مرتين أي الأعضاء المغسولة وقال هو نور على نور قال الأبهري يهدي الله لنوره من يشاء وقال الطيبي إشارة إلى قوله إن أمتي غر محجلون من آثار الوضوء أو هداية على هداية أو سنة على فرض ا ه وأما حديث الوضوء على الوضوء نور على نور قال العراقي في تخريج الأحياء لم أقف عليه وقال العسقلاني هو حديث ضعيف رواه رزين في مسنده


وعن عثمان قال إن رسول الله توضأ أي غسل أعضاء الوضوء ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي يعني دون أممهم أو أممهم تبع لهم ووضوء إبراهيم تخصيص بعد تعميم رواهما أي حديث عبد الله بن زيد وحديث عثمان رزين والنووي بالقصر ويمد ضعف الثاني أي حديث عثمان في شرح مسلم قال ابن حجر وقضية كلام غيره أن سنده حسن وقد أخرجه الطبراني وابن ماجه من حديث أبي بن كعب وأحمد والدارقطني من حديث ابن عمر وقد صح في البخاري وغيره أن إبراهيم وسارة توضآ وصليا وأن جريجا توضأ وصلى وهذا صريح في أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة خلافا لمن زعمه نعم الذي اختصوا به الغرة والتحجيل ا ه والظاهر أن يكون وضوء الأمم غير وضوء أنبيائهم وإلا فلا يتم اختصاص الغرة والتحجيل بهذه الأمة فإن أصلهما حاصل لكل متوضىء وكمالهما لم يتحقق عند كل فرد من أفراد هذه الأمة أيضا وعن أنس قال كان رسول الله يتوضأ لكل صلاة أي مفروضة ووقع في رواية الترمذي طاهرا أو غير طاهر قاله ميرك وكان أحدنا يكفيه الوضوء ما لم يحدث من الإحداث وفي الحديث إشعار بأن تجديد الوضوء كان واجبا عليه ثم نسخ بشهادة الحديث الآتي قال السخاوي يحتمل أن يكون واجبا عليه خاصة ثم نسخ يوم الفتح لحديث بريدة يعني الذي أخرجه مسلم أنه عليه الصلاة والسلام صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد وأن عمر سأله فقال عمدا صنعته قال ويحتمل أنه كان يفعله استحبابا ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز قلت وهذا أقرب وعلى تقدير النسخ فهو قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان فإنه كان بخيبر وهي قبل الفتح بزمان كذا قاله الشيخ ابن حجر أقول


وحديث ابن النعمان تقدم في باب ما يوجب الوضوء من هذا الكتاب فليتأمل قال الشيخ ويدل على النسخ أيضا ما رواه أحمد وأبو داود من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن أسماء بنت زيد بن الخطاب حدثت عن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن حنظلة الأنصاري أن رسول الله أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث والله أعلم كذا حرره ميرك رواه الدارمي وسنده حسن قال الأبهري قلت ورواه البخاري أيضا في باب الوضوء من غير حدث ولفظه عن أنس قال كان النبي يتوضأ عند كل صلاة قلت كيف كنتم تصنعون قال يجزىء أحدنا الوضوء ما لم يحدث وعن محمد بن يحيى بن حبان بفتح الحاء وكسرها وتشديد الباء قال الطيبي تابعي أنصاري سمع ابن عمر وأنس بن مالك وعمه واسع بن حبان بفتح الحاء ا ه ويؤيده ما في المغني وشرح المشكاة لابن حجر وقال المؤلف في أسماء رجاله يكنى أبا عبد الله الأنصاري وهو شيخ مالك بن أنس وكان يعظمه وحبان بكسر الحاء وتشديد الموحدة ا ه ويؤيده نقل العسقلاني في تحرير المشتبه قال قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر عمن أخذه متعلق بمعنى أرأيت أي أخبرني عمن أخذه والضمير بمعنى اسم الإشارة والمشار إليه الوضوء المخصوص فقال أي عبيد الله حدثته أي عبد الله بن عمر ويحتمل أن يعود إلى عبيد الله تأمل قاله السيد أسماء قال ميرك هو معنى ما قاله لا ما تلفظ به فإن لفظه هو حدثتني ونحوه قوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم قرىء بالتاء والياء فالياء التحتانية هي أداء لفظ ما يوعدونه بعينه والتاء الفوقانية أداء بلفظ معنى ما يوعدونه لا لفظه فالقائل في قوله فقال حدثته هو المسؤول عنه في قوله أرأيت بنت زيد بن الخطاب هو أخو عمر بن الخطاب أن عبد الله قال الطيبي كان له سبع سنين حين توفي النبي وقد رآه وروى عنه كان حبرا فاضلا مقدما في


الأنصار وقد بويع في المدينة على خلع يزيد بن معاوية وقتل يوم الحرة بسبب ذلك ابن حنظلة بن أبي عامر الغسيل بالجر صفة حنظلة روي عن عروة أن رسول الله قال لامرأة حنظلة ما كان شأنه قالت جنبا وغسلت إحدى شقيه فلما سمع الهيعة خرج فقتل أي يوم أحد فقال رسول الله رأيت الملائكة تغسله ذكره الطيبي
حدثها أي حدث عبد الله أسماء أن رسول الله كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق ذلك على رسول الله أمر بالسواك عند كل صلاة قال الطيبي في الحديث تنبيه على فخامة السواك حيث أقيم مقام ذلك الواجب وكاد أن يكون واجبا عليه ووضع عنه الوضوء أي وجوبه لكل صلاة إلا من حدث أي من حدوث حدث حقيقي أو حكمي قال أي عبيد الله فكان عبد الله أي ابن عمر يرى بفتح الياء وضمها أي يظن أن به قوة على ذلك أي استطاعة على نحو فعله عليه الصلاة والسلام قبل النسخ ففعله أي الوضوء لكل صلاة حتى مات رواه أحمد قال ميرك ورواه أبو داود وصححه ابن خزيمة قال الشيخ زين الدين العراقي وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله مر بسعد أي ابن أبي وقاص وهو يتوضأ الجملة حال يعني وهو يسرف في وضوئه إما فعلا كالزيادة على الثلاث وإما قدرا كالزيادة على قدر الحاجة في الإستعمال فقال عليه الصلاة والسلام ما هذا السرف بفتحتين بمعنى الإسراف يا سعد خاطبه للزجر أو للتنبيه على أن الإسراف يعد من البعد أو التقريب والتلطف معه وهذا أقرب وبجوابه أنسب قال أو في الوضوء سرف بناء على ما قيل لا خير في سرف ولا سرف في خير فظن أن لا إسراف في الطاعة والعبادة قال نعم فيه إسراف وإن كنت على نهر بفتح الهاء وسكونها جار فإن فيه إسراف الوقت وتضييع العمر أو تجاوزا عن الحد الشرعي كما تقدم وقال الطيبي هو تتميم لإرادة المبالغة أي نعم ذلك تبذير وإسراف فيما لم يتصور فيه التبذير فكيف بما تفعله ويحتمل أن يراد بالإسراف


الإثم رواه أحمد وابن ماجه وسنده حسن وعن أبي هريرة وابن مسعود وابن عمر حقهما أن يقدما على أبي هريرة ولعل الحديث بلفظه عن النبي وفي نسخة أن النبي قال من توضأ وذكر اسم الله أي
في أول وضوئه فإنه يظهر من التطهير على البناء للفاعل جسده أي من الذنوب كله تأكيد للجسد وفي نسخة يطهر كينصر فيرفع جسده و كله ومن توضأ ولم يذكر اسم الله لم يطهر بالوجهين إلا موضع الوضوء أي إلا ذنوب المواضع المخصوصة يعني من الصغائر وعن أبي رافع قال كان النبي وفي نسخة صحيحة رسول الله إذا توضأ وضوء الصلاة احتراز عن غسل اليد فإنه وضوء لغوي حرك خاتمه بالفتح ويكسر في اصبعه بكسر الهمزة وفتح الباء وفي القاموس بتثليث الهمزة والباء أي لأن استيعاب الغسل فرض فيسن تحريك الخاتم إذا ظن وصول الماء إلى ما تحته وإلا فيجب تحريكه رواهما أي الحديثين السابقين الدارقطني وسندهما حسن وروى ابن ماجه الأخير وهو حديث أبي رافع


باب الغسل
هو بالضم غسل مخصوص وبالفتح مصدر وبالكسر ما يغسل به وقيل بالضم والفتح مصدر وقيل المضموم مشترك بين الفعل وماء الغسل وقول ابن حجر هو لغة سيلان الماء على البدن وشرعا سيلانه عليه مع التعميم بالنية غير ظاهر لأنه في اللغة أعم من السيلان والإسالة اللهم إلا أن يقال المراد بالسيلان أعم من أن يكون بنفسه أو بغيره ومع هذا تخصيصه بالبدن لا وجه له ثم تقييده شرعا بالنية إنما يصح على مقتضى مذهبه أو على أنه قيد للكمال عند الكل
الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا جلس أي أحدكم كما في نسخة


صحيحة بين شعبها أي المرأة الأربع أي يديها ورجليها وقيل رجليها وطرفي فرجها ورجح الثاني بأنه يتناول سائر هيئات الجماع بخلاف الأول فإنه يوهم التخصيص بهيئة الإستلقاء وبأنه لا قبح في ذكر اليدين والرجلين فلو أريدت لم يكن بعيدا عنها بخلاف الشفرين فإنه يستقبح ذكرهما فكنى بالشعب لأجلهما كذا ذكره ابن حجر لكن في قوله يتناول سائر الهيئات محل بحث لأن قيد الجلوس يأباه إلا أن يقيد سائر هيئات الجلوس فتدبر وقيل فخذاها وأستاها وقيل يداها وشفراها وقيل الرجلان والفخذان وقيل وشفراها وقيل الرجلين والفخذين والشفرين وقيل نواحي فرجها الأربع والشعب النواحي واحدتها شعبة ثم جهدها أي جامعها بأن ادخل تمام الحشفة في فرجها والجهد بالفتح من أسماء النكاح من الجهد الذي هو المبالغة في بلوغ العناية لأن الجماع يستدعي ذلك غالبا وكني به استيحاء من ذكره كذا ذكره ابن حجر وفيه أنه إذا كان الجهد من أسماء النكاح فلا يكون كناية فينبغي أن يقال وعدل عنه إليه لعدم شهرته في هذا المعنى فيكون لا للكناية دون التصريح ثم السداد على هذا وأما ما قبله فهو قيد واقعي اغلبي فقد وجب الغسل أي عليهما وإن لم ينزل ولا أنزلت هي قال القاضي اختلف العلماء في وجوب الغسل بالإيلاج فذهب جمهور الصحابة إلى عدمه ما لم ينزل وبه قال الأعمش وداود وتمسكوا بقوله إنما الماء من الماء فإنه يفيد الحصر عرفا ورد بأنه منسوخ بقول أبي بن كعب كان الماء من الماء شيء في أول الإسلام ثم ترك وأمر بالغسل إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل ا ه والمعنى حاذاه وإلا فحقيقة المس غير شرط إذ تلك المحاذاة توجد بدخول الحشفة للفرج فلم يشترط غيره وذكر خرج مخرج الغالب متفق عليه قال السيد جمال الدين هذا يقتضي أن جملة وإن لم ينزل متفق عليه وهي ليست في صحيح البخاري نبه عليه الشيخ ابن حجر في شرحه للبخاري وشرف الدين أبو إسحاق السلمي في تخريج المصابيح وسبق المصنف في عزوها إلى الصحيحين


جميعا ابن الأثير والظاهر أن المصنف اعتمد عليه أو رأى في حاشية كتاب البخاري فتوهم أنه من المتن والله أعلم وعن أبي سعيد أي الخدري قال قال رسول الله إنما الماء أي وجوب
استعمال الماء وهو الغسل من الماء أي من أجل خروج الماء الدافع وهو المني قال الطيبي أحد الماءين هو المني والآخر هو الغسول الذي يغتسل به قال فيهما للعهد الذهني رواه مسلم قال الشيخ الإمام محيي السنة رحمه الله هذا أي حديث أبي سعيد منسوخ أي بحديث أبي هريرة هذا وبحديث عائشة كما تقدم وقال ابن عباس إنما الماء من الماء في الإحتلام أي محمول به فيه فإن من رأى في النوم أنه يجامع ثم استيقظ فرأى المني وجب الغسل وإلا فلا قال الطيبي يعني قال ابن عباس هذا الحديث وارد في الإحتلام فإنه لا يجب الغسل فيه إلا بالإنزال لا بالمجامعة فإنه يجب فيه بالتقاء الختانين سواء أنزل أم لم ينزل قال التوربشتي قول ابن عباس تأويل على سبيل الإختلاف ولو انتهى الحديث بطوله إليه لم يكن لتناوله بهذا التأويل وذلك أن أبا سعيد الخدري قال خرجت مع رسول الله يوم الاثنين إلى قباء حتى كنا في بني سالم وقف رسول الله على باب عتبان فصرخ به فخرج يجر إزاره فقال رسول لله أعجلنا الرجل فقال عتبان يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه قال رسول الله إنما الماء من الماء وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه رواه إلى قول ابن عباس الترمذي لكن بلفظ يروى بلا إسناد خلافا لما يقتضيه ظاهر قوله رواه كذا حققه السيد جمال الدين ولم أجده أي قول ابن عباس في الصحيحين قال السيد جمال الدين قوله لم أجده في الصحيحين كأنه اعتراض على الشيخ محيي السنة حيث أورد هذه الرواية في الصحاح ولا اعتراض في ذلك عليه لأنه إنما أورد قول ابن عباس لبيان توجيه رواية مسلم أعني حديث إنما الماء من الماء لأنه مقصود الباب فقدم وجوده في الصحيحين لا يضره لأن ذلك الشرط إنما هو في مقاصد الباب وهو ظاهر لمن


تصفح وتتبع كتاب المصابيح والله أعلم وعن أم سلمة قالت قالت أم سليم هي أم أنس بن مالك بنت ملحان بكسر
الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة وفي اسمها خلاف تزوجها مالك بن النضر أبو أنس بن مالك فولدت له أنسا ثم قتل عنها مشركا فأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت ودعته إلى الإسلام فأسلم وقالت إني أتزوجك ولا آخذ منك صداقا لإسلامك فتزوجها أبو طلحة روى عنها خلق كثير يا رسول الله إن الله لا يستحيي بيان على الأصل بعد سكون الحاء ولا يجوز تفسير الحديث إذا ثبتت روايته وإن جاء في لغة أخرى لا يستحي بكسر الحاء بعدها ياء واحدة بنقل حركة الياء الأولى إلى ما قبلها ثم حذفها لإلتقاء الساكنين قال ابن حجر ويجوز حذف الأولى التي هي عين الفعل تخفيفا ثم قوله ويجوز في اسم الفاعل مستحي بوزن مستقل ومستحي بوزن مستفع ومستح بوزن مستف غير مستقيم لأنه لا يجوز النطق بالأول كما لا يقال قاضي بالتنوين على الياء نعم أصل مستحي بوزن مستفع مستحيي بوزن مستفعل لا أنه لغات ثلاث هذا وليس لذكره ضرورة في المقام إلا تطويل الكلام والله أعلم بالمرام هذا والحياء تغير لخوف ما يعاب وهو مستحيل في حقه تعالى فالمراد لازمه أي لا يمتنع من الحق أي بيانه ولا يتركه ترك الحي منا قالته اعتذارا عن التصريح بما ذكرته في حضرة الرسالة كما لا تسمح جبلتهن بذكره عند غيره لإشعاره بنزول منيها الدال على شدة شهوتها للرجال أي أن الله تعالى بين لنا أن الحق لا يستحي منه وسؤالها من ذلك الحق الذي ألجأت إليه الضرورة قالت عائشة رضي الله تعالى عنها نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين رواه أبو داود تعني أنا أيضا لا أستحي من سؤال هو حق فهل على المرأة من غسل بزيادة من للتأكيد أي نوع من الغسل وفي نسخة غسل إذا احتلمت أي إذا رأت في الحلم بالضم المجامعة قال نعم عليها الغسل إذا رأت الماء أي المني في بدنها أو ثوبها بعد اليقظة وفي معناه المذي


عندنا فغطت أي سترت أم سلمة وجهها من استحياء ما سألت أم سليم قال الأزهري قوله فغطت قيل من كلام زينب الراوية عن أم سلمة فالحديث ملفق وقيل من أم سلمة على سبيل الإلتفات كأنها جردت من نفسها أخرى وأسندت إليها التغطية وقالت يا رسول الله وتحتلم بالواو وقال الطيبي في نسخ المصابيح بالهمزة وفي الصحيحين وكتاب الحميدي وجامع الأصول بغير الهمزة المرأة أي ويكون لها مني ويخرج منها كالرجل وأغرب ابن حجر واعتمد على نسخة غير صحيحة عنده من نسخ المشكاة بالهمزة فقال أي أتقول ذلك وتحتلم المرأة ثم اعترض على المصنف بقوله وتبع المصنف في ذكر الهمزة المصابيح والذي في الصحيحين وغيرهما بحذفها ا ه وهذا إنما نشأ من عدم الأصل المعتمد إما بسماعه من حافظ أو تصحيحه من نسخة قرئت على بعض المحدثين قال نعم تربت يمينك أي ما أصبت وهو في الأصل كناية عن شدة الفقر أو إخبار أو دعاء قال الطيبي ترب الشيء بالكسر أصابه التراب لم يرد به الدعاء عليها وإنما خرجت مخرج التعجب من


سلامة صدرها فبم يشبهها ولدها أي في بعض الأحيان وهو استدلال على أن لها منيا كما للرجل والولد مخلوق منهما إذ لو لم يكن لها ماء وخلق من مائه فقط لم يشبهها قاله الطيبي وقال بعضهم أي إن لم يكن لها مني فبأي سبب يشبهها إذ الشبه بسبب ما بينهما من الشركة في المزاج الأصلي المعد لقبول التشكلات من خالقه تبارك وتعالى متفق عليه وزاد مسلم برواية أم سليم أي في روايتها أنها قالت له يا رسول الله المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه فقالت عائشة فضحت النساء تربت يمينك وفي رواية أف لك أترى المرأة ذلك وزاد أيضا إن ماء الرجل بكسر الهمزة وفتحها غليظ أبيض وماء المرأة بالنصب ويرفع رقيق أصفر قال ابن الملك وهذا الوصف باعتبار الغالب وحال السلامة لأن مني الرجل قد يصير رقيقا بسبب المرض ومحمرا بكثرة الجماع وقد يبيض مني المرأة لقوتها فمن أيهما أي الماءين و من زائدة قاله الطيبي وقيل التقدير فالمني من أيهما علا أي غلب أو سبق يعني غلب المني فيما إذا وقع منيهما في الرحم معا أو سبق وقوع منيه في الرحم قبل وقوع مني صاحبه فأو للتقسيم لا للترديد يكون منه الشبه أي شبه الولد بصاحبه وعن عائشة قالت كان رسول الله إذا اغتسل أي أراد الغسل من الجنابة أي من أجل رفعها أو بسبب حدوثها بدأ أي شرع فغسل يديه أي إلى رسغيه ثلاثا وقول ابن حجر للإستيقاظ من النوم كما يعلم من الرواية الآتية لا وجه له لأن غسل اليدين من سنن الوضوء ابتداء على الإطلاق مع أن الرواية الآتية وهي قولها قبل أن يدخلهما الإناء لا دلالة فيه على ما ادعاه وأما قوله كما مر في الوضوء فمدفوع لأنه تقدم أنه خرج مخرج الغالب هذا وهو موهم أن جنابته كانت عن احتلام وقد روى الطبراني أنه عليه الصلاة والسلام ما احتلم


قط وكذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة أي وضوءا كاملا إن لم يكن واقفا في المستنقع وإلا فيؤخر غسل الرجلين كما سيجيء وظاهر الحديث أنه يمسح رأسه أيضا ثم يدخل أصابعه في الماء لتأخذ البلل ثم يخرجها فيخلل بها أي ببل الأصابع أصول شعره بفتح العين وتسكن وفي نسخة أصول الشعر وظاهره أن المراد شعر لحيته لكن قال ابن حجر فيسن لمن برأسه شعر أن يخلله قبل الصب عليه وفيه أن التخليل من مكملات الغسل فينافيه قوله ثم يصب أي الماء على رأسه ثلاث غرفات بفتحتين وفي نسخة صحيحة غرف بضم ثم فتح بيديه ثم يفيض أي يصب الماء على جلده أي ظاهر جسده كله بأن يصب الماء على يمينه ثلاثا ثم على يساره ثلاثا لما جاء في رواية أخرى كذلك وهذا الترتيب أصح وقيل يصب على طرفيه ثم على رأسه متفق عليه وفي رواية لمسلم يبدأ أي إذا أراد أن يغتسل يشرع فيغسل يديه أي إلى رسغيه قبل أن يدخلهما الإناء ثم يفرغ من الإفراغ بمعنى الصب بيمينه على شماله فيغسل فرجه بشماله ثم يتوضأ أي إلى آخره وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قالت ميمونة خالة ابن عباس من أمهات المؤمنين وضعت للنبي غسلا بضم المعجمة وسكون المهملة وتضم وقيل بكسر الغين وسكون السين قال بعضهم الغسل بالضم كالغسول والمغتسل وهو الماء الذي يغتسل به كالأكل لما يؤكل به والغسل أيضا اسم من غسلت الشيء غسلا بالفتح ويجوز في الغسل الذي هو اسم تسكين السين وضمه والغسل بالكسر ما يغسل به الرأس من الخطمي وغيره فاستعير للماء ا ه ورواية الكسر كما زعمه الخلخالي خطأ عند أهل الحديث كما صرح به في تهذيب الأسماء فسترته بثوب أي ضربت له سترا يغتسل وراءه لئلا يراه أحد


قال ميرك الضمير راجع إلى النبي و وقع في رواية البخاري عن ميمونة سترت النبي وهو يغتسل فذكرت الحديث فما قيل من أن الضمير راجع إلى الماء ليس بسديد وصب وفي نسخة فصب على يديه فغسلهما أي إلى رسغيه وفي نسخة زيادة جملة ثم صب على يديه فغسلهما قال ميرك ليست هذه الجملة في البخاري ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه أي بيساره فضرب بيده أي اليسرى الأرض ثم مسحها فغسلها لإزالة الرائحة الكريهة فمضمض وفي نسخة فتمضمض واستنشق وهما واجبان في الغسل عندنا سنتان في الوضوء وغسل وجهه وذراعيه ثم صب على رأسه اكتفاء بالغسل المفروض عن المسح المسنون وأفاض على جسده أي يمينا ويسارا ثم تنحى أي تبعد عن المستنقع فغسل قدميه أي إذا كان لم يغسلهما حين توضأ لأنه لم يكن على لوح أو حجر أو مكان مرتفع فناولته أي أعطيته ثوبا أي أردت إعطاءه لينشف أعضاءه فلم يأخذه أي الثوب إما لأنه أفضل أو لكونه مستعجلا أو لأن الوقت كان حرا والبلل مطلوب أو لشبهة في الثوب ومع هذه الإحتمالات في الحديث لا يصلح أن يكون دليلا على سنية ترك التنشيف أو كراهة فعله والله أعلم فانطلق أي ذهب ومشى وهو ينفض يديه أي يحركهما كما هو عادة من له رجولية وقيل ينفضهما لإزالة الماء المستعمل وهو منهي عنه في الوضوء والغسل لما فيه من إماطة أثر العبادة مع أن الماء ما دام على العضو لا يسمى مستعملا فالأول أولى كذا قاله بعض علمائنا وقال القاضي من فوائد حديث ابن عباس أن الأولى تقديم الإستنجاء وإن جاز تأخيره لأنهما طهارتان مختلفتان فلا يجب الترتيب بينهما واستعمال اليسرى ودلكها على الأرض مبالغة في انقائها وإزالة ما عبق بها والوضوء قبل الغسل اختلف فيه فأوجبه داود مطلقا وقوم إذا كان محدثا أو كان الفعل مما يوجب الجنابة والحدث ومنصوص الشافعي أن الوضوء يدخل في الغسل فيجزئه لهما وهو قول مالك قلت وقول أبي حنيفة كذلك وفيه دليل الجمهور أن مقتضى الطهرين واحد فكفى لهما غسل واحد


كما في الحيض والجنابة وتأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل هو مذهب أبي حنيفة وقول للشافعي والمذهب أي مذهبه أن لا يؤخر لرواية عائشة يعني لظاهرها وإلا فليس فيها تصريح بغسل الرجلين أولا ومذهب أبي حنيفة ليس على إطلاقه بل على التفصيل الذي ذكرناه والتنحي أي التباعد عن مكانه لغسل الرجلين وترك التنشيف لأنه عليه الصلاة والسلام لم يأخذه وفيه ما تقدم وجواز النفض والأولى تركه لقوله عليه الصلاة والسلام إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم ومنهم من حمل النفض على تحريك اليدين في المشي وهو تأويل بعيد ا ه قلت وإن كان التأويل بعيد فالحمل عليه جمعا بين الحديثين أولى من الحمل على ترك الأولى متفق عليه ولفظه للبخاري


وعن عائشة قالت إن امرأة من الأنصار سألت رسول الله وفي أصل السيد جمال الدين نبي الله وفي أصل السيد عفيف الدين الكازروني النبي عن غسلها من المحيض مصدر ميمي أي من أجل انقطاع حيضها فأمرها كيف تغتسل أي بكيفية الغسل السابقة أي لا فرق فيه بين الرجال والنساء ولا بين الجنب والحائض والنفساء ثم قال أي بعد تعليمها الغسل خذي فرصة بكسر الفاء قطعة من صوف أو قطن أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض من فرصت الشيء إذا قطعته من مسك بفتح الميم وهو الجلد وفي نسخة بالكسر وهو طيب معروف قال الطيبي صفة لفرصة ثم متعلق الجاران قدر خاصا فالمعنى مطيبة من مسك وهذا التفسير يوافق ما ورد في الصحاح فرصة ممسكة وقال بعضهم وهذه الرواية أكثر وفي شرح السنة أي خذي قطعة من صوف مطيبة بمسك وأنكر القتيبي هذا لأنهم لم يكونوا أهل وسع يجدون المسك أي بالحال الذي يمتهن هذا الإمتهان فيستعمل في المحيض فعلى هذا قالوا الرواية بفتح الميم من مسك أي من جلد عليه صوف وإن قدر المتعلق عاما أي كائنة من مسك فيجب أن يقال كما في الفائق إن الممسكة الخلق التي أمسكت كثيرا ولا يستعمل الجديد للإنتفاع ولأن الخلق أصلح لذلك وأوفق قال التوربشتي هذا القول أمتن وأحسن وأشبه بصورة الحال ولو كان المعنى على أنها مطيبة بالمسك لقال فتطيبي ولأنه عليه الصلاة والسلام أمرها بذلك لإزالة الدم عند التطهير ولو كان لإزالة الرائحة لأمر بها بعد إزالة الدم ا ه قيل فالظاهر أن بعض الرواة سمع فرصة ممسكة ففهم منه التطيب فلم يذكر اللفظ ورواه بالمعنى على فرصة من مسك فتطهري بها قال ابن الملك أي فتطيبي بالفرصة أي فاستعمليها في الموضع الذي أصابه الدم حتى يصير مطيبا ولفق ابن حجر بين القولين للمحدثين وقال ويصح أن يكون التقدير فرصة كائنة من مسك هو الأكمل إذ هو الذي دل عليه قول عائشة فتطهري بها أي تتبعي بها أثر الدم وهذا التتبع لا يحصل إلا بالممسك لا بالمسك بعينه ا ه وهو وهم لأن


الذي قدر فرصة كائنة من مسك لم يرد إلا المسك بفتح الميم وهو بمعنى الجلد لا بكسر الميم الذي هو بمعنى نفس الطيب لأن جمهورهم استبعدوا أن يكون التتبع بالممسك فكيف بعين المسك بل قالوا إنه لو كان المراد المطيبة بالمسك لقال تطيبي قالت أي المرأة الأنصارية كيف أتطهر بها أي
بالفرصة وفي نسخة أطهر بالتشديدين وكذا في الموضع الثاني فقال تطهري بها قالت كيف أتطهر بها قال سبحان الله فيه معنى التعجب وأصله لتنزيه الله تعالى عند رؤية العجب من بدائع مصنوعاته وغرائب مخلوقاته ثم استعمل في كل متعجب منه والمعنى هنا كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر أو إلى تصريح تطهري بها فاجتذبتها إلي وفي نسخة بتقديم الباء على الذال والمعنى قربتها إلى نفسي فقلت أي لها سرا تتبعي بها أي بالفرصة أثر الدم بكسر الهمزة وسكون الثاء وبفتحهما أي اجعليها في الفرج وحيث أصابه الدم للتنظيف أو لقطع رائحة الأذى متفق عليه وعن أم سلمة قالت قلت يا رسول الله إني امرأة أشد بفتح الهمزة وضم الشين أي أحكم ضفر رأسي أي بنسجه أو فتله بالضاد المفتوحة المعجمة والفاء الساكنة نسج الشعر وإدخال بعضه في بعض والضفيرة الذؤابة أفانقضه أي أفرقه لغسل الجنابة أي لأجله حتى يصل الماء إلى باطنه وفي رواية أفانقضه للحيض والجنابة فقال لا أي لا تنقضي بمعنى لا يلزمك نقضه والأصح أن هذا الحكم مختص بالنساء دون الرجال من الأشراف وغيرهم إنما يكفيك أن تحثي بسكون الياء بعد كسر الثاء لأنه خطاب للمؤنث فحذف نونه نصبا ولا يجوز فيه فتح الياء والحثي الإثارة أي تصبي على رأسك ثلاث ظرف حثيات بفتحات أي مرات قال ابن الملك وليس المراد منه الحصر في ثلاث بل إيصال الماء إلى الشعر فإن وصل الماء على ظاهره مرة فالثلاث سنة وإلا فالزيادة واجبة حتى يصل أقول الظاهر أنه إنما نص على الثلاث لأن الغالب أن الماء لا يصل لباطن الشعر المضفور ولا يمنع من ذلك شدها له


بالمعنى السابق لأنه مع ذلك قد يصل الماء لما تحته لقلته إذ شعور العرب كانت خفيفة غالبا وما أفاده من أنه لا يجب نقض الضفائر محمول على ما إذا وصل الماء إلى باطنها كله وإلا وجب لخبر تحت كل شعرة جنابة وعلى هذا أكثر أهل العلم خلافا للنخعي ومالك حيث أوجبا نقضها مطلقا ولقول أحمد يجب نقضها في الجنابة دون الحيض ثم تفيضين أي تصبين عليك أي على سائر أعضائك الماء فتطهرين كذا في
كتاب الحميدي وعامة نسخ المصابيح والقياس حذف النون عطفا على تحثي وكذا هو في بعض نسخ المصابيح ا ه فالوجه أن يكون التقدير أنت تفيضين فيكون من باب عطف الجمل والله تعالى أعلم رواه مسلم وعن أنس قال كان النبي يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد قال الطيبي المد رطل وثلث بالبغدادي والصاع أربعة أمداد ا ه وهذا عند الشافعي وأما عند أبي حنيفة فالمد رطلان والصاع ثمانية أرطال لخبر النسائي بذلك ثم الإجماع على أنه لا يشترط قدر معين في ماء الوضوء والغسل ولكن يسن أن لا ينقص ماء الوضوء عن مد وماء الغسل عن صاع تقريبا كما دل عليه قوله خمسة أمداد والمراد بالمد والصاع وزنا لا كيلا متفق عليه قال ابن حجر وجاء بسند حسن أنه عليه الصلاة والسلام توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مد وروى الطبراني بإناء فيه نصف مد ا ه فيحمل الحديث المتفق عليه على أنه غالب أحواله عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم وعن معاذة هي بنت عبد الله العدوي روت عن عائشة رضي الله تعالى عنها قاله الطيبي وقال المصنف وروى عنها قتادة وغيره ماتت سنة ثلاث وثلاثين قالت قالت عائشة كنت أغتسل أنا ورسول الله بالرفع على العطف وينصب على المفعول معه قال الطيبي إبراز الضمير ليصح العطف فإن قلت كيف يصح العطف ولا يقال أغتسل رسول الله أجيب بأنه على تغليب المتكلم على الغائب كما غلب المخاطب على الغائب في قوله تعالى اسكن أنت وزوجك الجنة فإن قيل النكتة هناك أن آدم عليه الصلاة والسلام أصل في سكنى


الجنة قلنا لا يزال النساء محل الشهوات وحاملات للإغتسال فكن أصلا من إناء واحد بيني وبينه أي موضوع قال الطيبي أي يوضع الإناء بيني وبينه وهو واسع الرأس فنجعل أيدينا فيه ونأخذ الماء للإغتسال به فيبادرني أي يسبقني لأخذ الماء قال
الأشرف ليس المعنى أنه يبادرني ويغتسل ببعضه ويترك لي الباقي فاغتسل منه لأنه عليه الصلاة والسلام نهى أن تغتسل المرأة بفضل الماء وقال فليغترفا جميعا كما سيأتي في آخر باب مخالطة الجنب بل المعنى أنهما اغتسلا فيه معا حتى أقول دع لي دع لي أي اترك لي ما أكمل غسلي والتكرار للتأكيد أو للتعديد قالت أي معاذة وقيل عائشة وهما أي النبي وعائشة رضي الله عنها جنبان قال ابن الملك وهذا يدل على أن الماء الذي يدخل فيه الجنب يده طاهر مطهر سواء فيه الرجل والمرأة قال الطيبي فيه دليل على أن غمس الجنب يده في الماء لا يخرجه عن الطهورية ا ه وفيه أنه من أين علم الغمس قبل غسل اليد وعلى تسليمه يحمل على قصد الإغتراف قال ابن الهمام قال علماؤنا جميعا لو أدخل المحدث أو الجنب أو الحائض التي طهرت اليد في الإناء للإغتراف لا يصير مستعملا للحاجة واستدل بهذا الحديث ثم قال بخلاف ما لو أدخل المحدث رجله أو رأسه حيث يفسد الماء لعدم الضرورة متفق عليه قال السيد جمال الدين فيه نظر لأن البخاري لم يقل فيبادرني حتى أقول دع لي دع لي وإنما هو من إفراد مسلم وقال ابن حجر وفي رواية لمسلم عنها كنت اغتسل أنا والنبي من إناء يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك ا ه وهذا يؤيد رواية أنه توضأ بنصف مد أو بثلثي مد والله تعالى أعلم
الفصل الثاني


عن عائشة قالت سئل رسول الله عن الرجل يجد البلل منيا كان أو مذيا إذا استيقظ ولا يذكر احتلاما أي لا يذكر أنه جامع أحدا في النوم قال يغتسل خبر معناه الأمر وهو للوجوب وعن الرجل يرى بفتح الياء وضمها أي يظن أنه قد احتلم ولا يجد بللا قال لا غسل عليه أي لا يجب عليه الغسل لأن البلل علامة ودليل والنوم لا عبرة به فالمدار على البلل سواء تذكر الإحتلام أم لا قالت أم سليم وهي أم أنس هل على المرأة
ترى ذلك أي البلل غسل قال نعم عليها غسل وإعادته بعد تصريحه عليه الصلاة والسلام استبعادا لإحتلام النساء ولما فهم عليه الصلاة والسلام منها ذلك ذكر لها العلة فيه فقال إن النساء بكسر الهمزة استئناف في معنى التعليل شقائق الرجال أي نظائرهم في الخلق والطبائع كأنهن شققن منهم ولأن حواء شقت من آدم وشقيق الرجل أخوه من أبيه وأمه لأن شق نسبه من نسبه يعني فيجب الغسل على المرأة برؤية البلل بعد النوم كالرجل قال الخطابي في الحديث من الفقه إثبات القياس وإلحاق النظير بالنظير وإن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا للنساء إلا في مواضع مخصوصة وظاهر الحديث يوجب الإغتسال من رؤية البلة وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق وهو قول جماعة من التابعين وبه قال أبو حنيفة وأكثر العلماء على أنه لا يجب الغسل حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق واستحبوا الغسل احتياطا ولم يختلفوا في عدم وجوب الغسل إذا لم ير البلل وإن رأى في النوم أنه احتلم رواه الترمذي وفي سنده عبد الله بن عمر بن حفص العمري ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث قاله الترمذي كذا نقله ميرك وأبو داود أي روى الترمذي وأبو داود الحديث بكماله وروى الدارمي وابن ماجة إلى قوله لا غسل عليه قال ابن حجر وسنده حسن وعنها أي عن عائشة قالت قال رسول الله إذا جاوز أي تعدى وفي رواية بالراء المهملة أي التقى الختان بالرفع الختان بالنصب وهو موضع القطع من فرج الذكر والأنثى وهو أعم من أن يكون


مختونا أم لا إذ مجاوزة ختانها كناية لطيفة عن الجماع وهو غيبوبة الحشفة وهي رأس الذكر ولو في الدبر وجب الغسل قال الطيبي جاء في بعض الروايات إذا التقى الختانان قال المظهر أي إذا حاذى أحدهما الآخر سواء تلاقيا أم لا يقال التقى الفارسان إذا تحاذيا وتقابلا وتظهر فائدته فيما إذا لف على عضوه ثم جامع فإن الغسل يجب قال الأشرف هذا المعنى في رواية جاوز أظهر فإن لفظ المجاورة يدل عليه فعلته الضمير راجع إلى مصدر جاوز أنا ورسول الله بالرفع أو النصب فاغتسلنا ظاهره أنها تعني بغير الإنزال وأنه ناسخ لمفهوم حديث إنما الماء من الماء رواه الترمذي وقال حسن صحيح نقله السيد جمال الدين وابن ماجة


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله تحت كل شعرة بالسكون ويفتح جنابة فاغسلوا الشعر بفتح العين ويسكن أي جميعه فلو بقيت شعرة واحدة لم يصل إليها الماء بقيت جنابته وانقوا من الإنقاء البشرة بالباء قال ابن الملك البشرة ظاهر الجلد أي نظفوها من الوسخ فلو منع الوسخ يعني كالطين اليابس والعجين والشمع وصول الماء لم يرفع الجنابة وإنما كانت كثافة اللحية في الوضوء مانعة لوجوب إيصال الماء إلى باطنها لأن فيه مشقة عظيمة إذ الوضوء يتكرر في كل يوم مرات بخلاف الغسل رواه أبو داود وضعفه والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي هذا حديث غريب والحرث بن وجيه على وزن فعيل وقيل بفتح الواو وسكون الجيم بعدها موحدة كذا في التقريب الراوي أي الحرث وهو أي الراوي للحديث شيخ أي كبير وغلب عليه النسيان ليس بذاك المقام الذي يوثق به أي روايته ليست بقوية كذا في الطيبي وظاهره يقتضي أن قوله وهو شيخ للجرح وهو مخالف لما عليه عامة أصحاب الجرح والتعديل من أن قولهم شيخ من ألفاظ مراتب التعديل فعلى هذا يجيء أشكال آخر في قول الترمذي لأن قولهم ليس بذاك من ألفاظ الجرح اتفاقا فالجمع بينهما في شخص واحد جمع بين المتنافيين فالصواب أن يحمل قوله وهو شيخ على الجرح بقرينة مقارنته بقوله ليس بذاك وإن كان من ألفاظ التعديل ولإشعاره بالجرح لأنهم وإن عدوه في ألفاظ التعديل صرحوا أيضا بإشعاره بالقرب من التجريح أو نقول لا بد في كون الشخص ثقة من شيئين العدالة والضبط كما بين في موضعه فإذا وجد في الشخص العدالة دون الضبط يجوز أن يعدل باعتبار الصفة الأولى ويجوز أن يجرح باعتبار الصفة الثانية فإذا كان كذلك لا يكون الجمع بينهما جمعا بين المتنافيين كذا في السيد جمال الدين رحمه الله وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله من ترك موضع شعرة بالسكون ويفتح من جنابة متعلق بقوله من ترك أي من أجل غسل جنابة ونحوها لم يغسلها صفة موضع شعرة وأنث الضمير باعتبار المضاف إليه كذا


قاله الطيبي ويحتمل أن
يرجع الضمير إلى المضاف إليه كما قيل في قوله تعالى أو لحم خنزير فإنه رجس ويكون التقدير لم يغسل تحتها فعل مبنى للمفعول نائب الفاعل ضمير من ترك بها أي بسبب تلك الشعرة كذا وكذا من النار كنايتين عن العدد أي يضاعف له العذاب أضعافا كثيرة قاله الطيبي وقال بعضهم هذا إما كناية عن أقبح ما يفعل به أو إبهام من شدة الوعيد قال علي فمن ثم أي من أجل أني سمعت هذا التهديد والوعيد الشديد عاديت رأسي مخافة أن لا يصل الماء إلى جميع شعري أي عاملت مع رأسي معاملة المعادي مع العدو من القطع والجز فجززته وقطعته وروى الدارمي وأبو داود في آخر هذا الحديث أنه كان يجز شعره وقيل عاديت رأسي أي شعري كذا نقله السيد جمال الدين وعن أبي عبيدة عاديت شعري رفعته عند الغسل فمن ثم عاديت رأسي أي فعلت برأسي ما يفعل بالعدو من الإستئصال وقطع دابره قال الطيبي وفيه أن المداومة على حلق الرأس سنة لأنه قرره ولأن عليا رضي الله تعالى عنه من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بمتابعة سنتهم ا ه ولا يخفى أن فعله كرم الله وجهه إذا كان مخالفا لسنته عليه الصلاة والسلام وبقية الخلفاء من عدم الحلق إلا بعد فراغ النسك يكون رخصة لا سنة والله تعالى أعلم ثم رأيت ابن حجر نظر في كلام الطيبي وذكر نظير كلامي وأطال الكلام فيه ثلاثا أي قاله ثلاثا للتأكيد ولو كان في المتن مرتين والمعنى ما عاديته لا لغرض آخر من الزينة والتنعم وفيه نوع اعتذار عن ترك المتابعة ظاهرا وسببه كثرة الجماع الموجبة لكثرة الغسل رواه أبو داود وأحمد والدارمي إلا أنهما أي أحمد والدارمي لم يكررا فمن ثم عاديت رأسي أي هذا اللفظ واكتفيا بمرة وبقولهما ثلاثا والحديث حسن فيقوي به حديث الترمذي السابق مع أن الضعف فيه إنما هو في إسناد الترمذي دون إسنادي أبي هريرة والترمذي وعن عائشة قالت كان النبي لا يتوضأ بعد الغسل أي اكتفاء بوضوئه الأول في الغسل وهو سنة أو باندراج ارتفاع


الحدث الأصغر تحت ارتفاع الأكبر بإيصال الماء إلى جميع أعضائه وهو رخصة رواه الترمذي أي وهذا لفظه وأبو داود لكن بمعناه وسكت
عليه قال ميرك ولفظه عن عائشة قالت كان رسول الله يغتسل ويصلي الركعتين وصلاة الغدوة ولا أراه يحدث وضوءا بعد الغسل والنسائي وابن ماجة قال ابن حجر وقالوا ولا يشرع وضوءان اتفاقا للخبر الصحيح كان عليه الصلاة والسلام لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة وعنها أي عن عائشة قالت كان النبي يغسل رأسه بالخطمي بكسر الخاء المعجمة نبت يتنظف به معروف وهو جنب جملة حالية يجتزىء بذلك أي يقتصر عليه قاله الطيبي يعني يكتفي بالماء الذي كان يفيضه على رأسه لإزالة أثر الخطمي وما كان يأخذ ماء جديدا للغسل كما هو عادة الناس في الحمامات وغيرها من إزالة الوسخ بالخطمي أو غيره ثم استئناف الماء للغسل ولا يصب عليه أي على رأسه الشريف الماء أي القراح لإزالة الخطمي بل يتركه بحاله قصدا للتبرد ثم يصب على سائر بدنه لترتفع الجنابة وقال السيد جمال الدين قوله الماء أي الماء المحض بل يكتفي بالماء المخلوط بالخطمي رواه أبو داود قيل وفي سنده رجل مجهول وعن يعلى رضي الله عنه وهو يعلى بن أمية أو يعلى بن مرة وهما صحابيان ذكرهما المصنف في أسماء رجاله لكن كان عليه أن يقيده هنا والله تعالى أعلم قال إن رسول الله رأى رجلا يغتسل أي من غير سترة بالبراز بفتح الباء أي بالفضاء الواسع عريانا فصعد بكسر العين أي طلع المنبر فحمد الله وأثنى عليه عطف تفسيري أو الحمد بمعنى الشكر ثم قال إن الله حيي بياءين الأولى مخففة مكسورة والثانية مشددة أي كريم معامل عبده معاملة الحي بالعفو والصفح ستير فعيل للمبالغة يحب أي من عبده الحياء فإنه من الإيمان والتستر أي الذي يقتضيه الحياء وفي نسخة السترة قال الطيبي يعني إن الله تبارك وتعالى تارك للقبائح ساتر للعيوب والفضائح يحب الحياء والتستر من العبد لأنهما خصلتان تفضيان به إلى التخلق بأخلاق الله


تعالى قيل هذا من باب التعريض وصف الله
تعالى بذلك تهجينا لفعل الرجل وحثا له على تحري الحياء والتستر كما وصف حملة العرش بالإيمان في قوله تعالى ويؤمنون به الأنعام حثا للمؤمنين على الإتصاف بصفات الملائكة المقربين فإذا اغتسل أحدكم أي أراد الغسل في فضاء فليستتر أي فليجعل لنفسه سترة كيلا يراه أحد قال ابن حجر في هذا إرشاد لنحو المغتسل بمحل لا يراه الناس بأن لا يعود لذلك استحياء من الله ومن ثم قال أئمتنا يحرم كشف العورة في الخلوة لغير حاجة لأن فيه ترك الحياء من الله تعالى وارد عليهم إن الله تعالى لا يخفى عليه شيء فيستوي بالنسبة لإطلاعه وعلمه المستور وغيره وردوه بأنه تعالى وإن أحاط علمه بهما إلا أنه يرى المستور على حالة تقتضي الأدب وشتان ما بينهما رواه أبو داود وسكت عليه قاله ميرك والنسائي وفي روايته قال إن الله ستير فإذا أراد أحدكم أن يغتسل فليتوار أي أمر من التواري بمعنى التستر بشيء من الثوب أو الجدار أو الحجر أو الشجر قال ابن حجر وحاصل حكم من اغتسل عاريا إن كان بمحل خال لا يراه أحد ممن يحرم عليه نظر عورته حل له ذلك لكن الأفضل التستر حياء من الله تعالى وإن كان بحيث يراه أحد يحرم عليه نظر عورته وجب عليه التستر منه إجماعا على ما حكي ووهم بعض من لا علم عنده وقال الواجب على ذلك غض البصر عنه فلا يلزمه التستر وهذا كلام ساقط لأن وجوب الغض لا يبيح التكشف ولا يقاس هذا بما حكي من الإجماع على أن للنساء أن يخرجن سافرات الوجوه وعلى الرجال الغض أما أولا فذاك لحاجة المشقة في ستر الوجه في الطرقات وأما ثانيا فهذا يتسامح فيه ما لا يتسامح به في ذلك لأن وجه المرأة ليس بعورة ولذا أباح النظر له مع أمن الفتنة كثيرون بخلاف العورة الكبرى التي هي السوأتان فإنه لم يقل أحد بحل نظرها وكذا بقية ما بين السرة والركبة عند من يقول بأنه عورة فوجب ستر الكل حذرا من تطرق نظر محرم إليه فيكون متسببا له بعدم تستره


والتسبب في الحرام ولو من الغير حرام
الفصل الثالث
عن أبي بن كعب قال إنما كان الماء أي انحصار وجوب الغسل من الماء
أي من إنزال المني لا بمجرد الجماع رخصة في أول الإسلام تدريجا لتكاليف الأحكام ومن ثم حلت لهم الخمر والمتعة ابتداء ثم نسختا ولم يكلفوا أولا إلا بالتوحيد ثم بعد مدة فرض عليهم من الصلاة ما في أول سورة المزمل ثم نسخ بما في آخرها ثم بعد مدة فرض عليهم من الصلاة ما نسخ ذلك كله بوجوب الصلوات الخمس ثم بعد تحولهم إلى المدينة فرض عليهم رمضان ثم تتابعت الفرائض كذا ذكره ابن حجر ثم أي بعد استحكام أهل الإسلام نهي بصيغة المفعول عنها أي عن تلك الرخصة وفرض الغسل ولو لم ينزل رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم نقله ميرك وأبو داود وسكت عليه قاله ميرك والدارمي وسنده حسن قاله ابن حجر وعن علي رضي الله تعالى عنه قال جاء رجل إلى النبي فقال إني اغتسلت من الجنابة أي من أجلها وصليت الفجر أي صلاته فرأيت أي أبصرت وعلمت بعد انقضاء صلاتي قدر موضع الظفر بضم الفاء ويسكن أي مقدار موضعه من بدني لم يصبه الماء حال أو مفعول ثان فقال رسول الله لو كنت أي عند الغسل مسحت عليه بيدك أي غسلته غسلا خفيفا أو مررت عليه بيدك المبلولة أجزأك أي كفاك وأما المسح الذي هو إصابة اليد المبتلة فلا يكفي قاله الطيبي قد عرفت أن لو لإمتناع الشيء لإمتناع غيره فالمعنى لا يجزئك لأنك في زمان الغسل ما مسحت بالماء على ذلك الموضع وفيه أنه يلزمه الغسل جديدا وقضاء الصلاة ا ه يعني غسل ذلك الموضع رواه ابن ماجة ورجاله موثقون قاله ميرك وعن ابن عمر قال كانت الصلاة خمسين قال الطيبي أي كانت الصلاة مفروضة في ليلة المعراج خمسين لا أنهم صلوا خمسين صلاة والحديث مشهور ا ه ويمكن أن يكون المراد كانت الصلاة على الأمم السابقة خمسين وكذا قوله والغسل من الجنابة سبع مرات وغسل البول من الثوب سبع مرات ولعل هذا باعتبار بعض


الأمم لأنه كان الواجب على
بعضهم قطع مكان البول فلم يزل رسول الله يسأل أي ربه في التخفيف عن أمته لعظم ما عنده من رأفة ورحمة قال السيد جمال الدين المراد به تكرر السؤال منه عليه الصلاة والسلام في تلك الليلة تأمل ا ه ويمكن أن يكون تكرار السؤال في حق الصلاة في تلك الليلة وفي حق غيرها فيها أو في غيرها والله أعلم حتى جعلت الصلاة خمسا بالكمية وخمسين بمضاعفة الفضيلة وغسل الجنابة مرة بالفرضية وتثليثا بالسنية وغسل الثوب من البول مرة ظاهر الحديث يوافق ما قاله الشافعي من أنه يطهر بالغسل مرة لأن الماء طهور فإذا استعمل مرة يطهر كما يطهر البدن من النجاسة الحكمية وعلماؤنا الحنفية اعتبروا غلبة الظن ثم قدروها بالغسل ثلاث مرات وبالعصر في كل مرة في ظاهر الرواية لأن غلبة الظن تحصل عنده غالبا وقد قيل يبلغ بالعدد إلى السبع لدفع الوسوسة وعن أبي يوسف ومحمد لو جرى الماء على ثوب نجس ثم غلب على ظنه أنه ظهر جاز بلا عصر كذا في الكفاية ذكره ابن الملك في شرح المجمع رواه أبو داود وسنده حسن كما قاله بعض الحفاظ ووجهه أن أبا داود لم يضعفه فيكون صالحا للإحتجاج به عنده وإن كان في سنده أيوب بن جابر وقد اختلفوا في تضعيفه


باب مخالطة الجنب
أي جواز مجالسته ومكالمته ونحو ذلك يقال أجنب الرجل إذا صار جنبا والاسم الجنابة وأصلها البعد لأنه نهى أن يقرب موضع الصلاة وعن كثير من العبادات ما لم يتطهر وما يباح له أي للجنب من الأكل والشرب والنوم وغيرها
الفصل الأول
عن أبي هريرة قال لقيني رسول الله وإنما نسب اللقى إليه عليه الصلاة
والسلام لعدم قصد أبي هريرة لقيه عليه الصلاة والسلام في تلك الحالة وأنا جنب جملة حالية فأخذ بيدي للتأنيس وهذا يدل على كمال التفاته إليه وقول ابن حجر ويحتمل أن يكون أخذه بها للإتكاء عليها بعيد فمشيت معه حتى قعد وتخلصت يدي منه فانسللت في النهاية أي مضيت وخرجت بتأن وتدرج وقيل معناه انصرفت أو خرجت وذهبت بخفية استحياء منه وأدبا معه فأتيت الرحل أي البيت المعهود هنا وهو منزل نفسه لأن بيوتهم كانت محلا للرحال وقال المظهر أي ما بين الرحل وهو ما كان مع المسافر من الأقمشة والرحل أيضا الموضع الذي نزل فيه القوم نقله الطيبي فاغتسلت أي فيه ثم جئت أي جئته وهو قاعد الجملة حال من المفعول المقدر فقال أين كنت يا أبا هريرة كان اسمه في الإسلام عبد الله على الصحيح المشهور وهذه الكنية وضعها النبي له حين رأى في ثوبه شيئا يحمله فقال ما هذا يا أبا عبد الرحمن فقال هرة فقال أنت أبو هريرة فقلت له أي ذكرت له القصة فقال سبحان الله تعجبا من عدم علم أبي هريرة المسألة إن المؤمن لا ينجس بفتح الجيم أي لا يصير عينه نجسا وهذا غير مختص بالمؤمن بل الكافر كذلك وأما قوله تعالى إنما المشركون نجس التوبة فالنجاسة في اعتقاداتهم لا في أصل خلقتهم وما روي عن ابن عباس من أن أعيانهم نجسة كالخنزير وعن الحسن من صافحهم فليتوضأ فمحمول على المبالغة في التبعد عنهم والإحتراز منهم كذا قاله ابن الملك وفي شرح السنة فيه جواز مصافحة الجنب ومخالطته وهو قول عامة العلماء واتفقوا على طهارة عرق الجنب والحائض وفيه دليل على جواز تأخير الإغتسال للجنب


وأن يسعى في حوائجه قال القاضي رحمه الله ويمكن أن يحتج به من يقول الحدث نجاسة حكمية وإن من وجب عليه وضوء أو غسل فهو نجس حكما وفيه أنه لو لم يكن نجس حكما لما حكم عليه بالطهارة فقوله لا ينجس أي حقيقة لا حكما أو ظاهرا أو باطنا بخلاف الكافر فإنه نجس باطنا لنجاسة اعتقاده وخباثة أخلاقه هذا لفظ االبخاري ولمسلم معناه وزاد أي مسلم بعد قوله فقلت له أي زيادة مشتملة على ما شرحنا أولا وهي لقيتني إلى آخره وأنا جنب فكرهت أن أجالسك أي في هذه الحالة حتى اغتسل لأكون على طهارة حقيقية وكذا أي زاد البخاري في رواية أخرى هذه الزيادة قال السيد جمال الدين فيه بحث لأن قوله حتى أغتسل ليس للبخاري


وعن ابن عمر قال ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله أنه الضمير لعمر أو للشأن تصيبه الجنابة من الليل يعني ويكسل عن الغسل لغلبة النوم فقال له رسول الله توضأ أي وضوءك للصلاة واغسل ذكرك عطف على قوله توضأ وفيه دليل على أن الواو لمطلق الجمع لأن الغسل مقدم على الوضوء وإنما قدم اهتماما بشأنه وتبركا به كذا قاله الطيبي وكتب ميرك تحته وفيه ولم يظهر وجه ما فيه ولعله قرأ الغسل فنشأ منه الإشكال فيه وإنما هو الغسل بالفتح والمراد غسل الذكر واللام عوض عن المضاف إليه وقول الطيبي وإنما قدم أي الوضوء فتأمل وسن غسل الذكر لما عليه من النجاسة لا من القذر كما ذكره ابن حجر على مقتضى مذهبه ثم نم متفق عليه قال ابن حجر وفيه التصريح لمذهبنا أنه يسن للجنب إذا أراد أن ينام أو يؤخر الغسل لحاجة أو غيرها أن يتوضأ الوضوء الشرعي كما يأتي وفيه أنه لا يعرف خلاف في هذه المسألة فلا وجه لقوله فيه التصريح لمذهبنا والخلاف الآتي إنما هو في أنه هل يجوز الإكتفاء بالوضوء العرفي أم لا وإن أراد الكراهة في ترك الوضوء الشرعي فلا دلالة في الحديث فضلا عن الصراحة فإنه يحتاج إلى إثبات المواظبة أو يراد بها النهي المقصود وعن عائشة قالت كان النبي إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة رضي الله عنها أي الوضوء الشرعي ولم يكتف بالوضوء اللغوي وهو غسل الفم متفق عليه واللفظ لمسلم قاله السيد جمال الدين وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله إذا أتى أحدكم


أهله أي امرأته أو جاريته يعني جامعها ثم أراد أن يعود أي إلى الجماع فليتوضأ بينهما أي بين الإتيانين قال ابن الملك لأن هذا أطيب وأكثر للنشاط والتلذذ وفي هذا الحديث وحديث عمر وعائشة إشارة إلى أنه يستحب للجنب أن يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يجامع مرة أخرى أو ينام وقيل المراد به في الأكل والشرب غسل اليدين وعليه جمهور العلماء لأنه جاء مفسرا في خبر للنسائي وقال الحلمي من الشافعية هو في العود للوطء غسل فرجه لرواية ثم أراد أن يعود فليغسل فرجه قيل وعليه الجمهور أيضا وضوءا قال الطيبي إنما أتى بالمصدر تأكيدا لئلا يتوهم أن المراد بالوضوء غير المتعارف كما في الأكل أي في بابه وهذا يعضده الحديث السابق توضأ وضوءه للصلاة ا ه وفيه أن الظاهر من التنكير إفادة وضوء ما فيشمل الوضوء العرفي لأن الأصل في التنوين التنكير لا التعظيم غايته أن تقييده في بعض الروايات بوضوئه للصلاة إيماء إلى الأكمل ولا شك أنه الأفضل ثم الحكمة في ذلك تخفيف الحدث والتنظيف رواه مسلم وعن أنس قال كان النبي أي أحيانا يطوف أي يدور على نسائه حين يجامعهن بغسل واحد فإن قيل أقل القسم ليلة لكل امرأة فكيف طاف على الجميع الجواب أن وجوب القسم عليه مختلف فيه قال أبو سعيد الأصطخري لم يكن واجبا عليه بل كان يقسم بالتسوية تبرعا وتكرما والأكثرون على وجوبه وكان طوافه عليه الصلاة والسلام برضاهن وأما الطواف بغسل واحد فيحتمل أنه عليه الصلاة والسلام توضأ فيما بينه أو تركه لبيان الجواز رواه مسلم قال السيد جمال الدين ورواه البخاري إلا أنه لم يذكر بغسل واحد لكن يفهم من سياقه وقال ميرك وروى البخاري عن قتادة عن أنس قال كان النبي يدور على نسائه في الساعة الواحدة في الليل والنهار وهن إحدى عشرة لم يذكر مسلم عدد النسوة ولم يذكر البخاري الغسل ا ه المراد بقوله وهن إحدى عشرة الأزواج الطاهرات جملتهن لا الموطوآت في ليلة واحدة إذ


منهن خديجة وهي لم تجتمع معهن قال في المواهب فهؤلاء أزواجه اللاتي دخل بهن لا خلاف في ذلك بين أهل السير والعلم بالأثر خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وأم سلمة وسودة وزينب وميمونة وأم المساكين وجويرية وصفية اللهم إلا أن يقال بتغليب النساء على السراري والله تعالى أعلم
وجاء في خبر البخاري أنه قيل لأنس أو كان يطيقه فقال كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا وعند الإسماعيلي عن معاذ قوة أربعين زاد أبو نعيم عن مجاهد كل رجل من رجال أهل الجنة وفي الحديث قال الترمذي صحيح غريب إذ كل رجل من أهل الجنة يعطى قوة مائة رجل فيكون عليه الصلاة والسلام أعطي قوة أربعة آلاف رجل وبهذا يندفع ما استشكل من كونه عليه الصلاة والسلام أعطي قوة أربعين فقط وأعطي سليمان عليه السلام قوة مائة رجل أو ألف على ما ورد وحكمة تميزه عن الخلق في زيادة الوطء وقلة الأكل أن الله جمع له بين الفضيلتين في الأمور الإعتيادية كما جمع الله له بين الفضيلتين في الأمور الشرعية حتى يكون حاله كاملا في الدارين بل فيه خرق للعادة لأن من قل أكله قل جماعة غالبا ولعل هذه الحكمة في إباحة أربع من النساء ويدل على أنه كان في غاية من الصبر عن الجماع بالنسبة إلى ما أعطي من قوته ويحتمل أنه أعطي قوة أكل أربعين في الأكل أيضا لتلازمهما غالبا فيدل على نهاية صبره على الجوع أيضا وإنه كان يطعمه ربه ويسقيه بمعنى أنه يسليه حضوره مع الله وعدم شعوره عما سواه من الأكل والشرب وغيرهما والله تعالى أعلم وعن عائشة قالت كان النبي يذكر الله على كل أحيانه جمع حين بمعنى الوقت قال الأشرف الذكر نوعان قلبي ولساني والأول أعلاهما وهو المراد في الحديث وفي قوله تعالى اذكروا الله ذكرا كثيرا الأحزاب وهو أن لا ينسى الله تعالى في كل حال وكان للنبي حظ وافر من هذين النوعين إلا في حالة الجنابة ودخول الخلاء فإنه يقتصر فيهما على النوع الذي لا أثر فيه للجنابة ولذلك إذا خرج من الخلاء قال


غفرانك رواه مسلم ورواه البخاري تعليقا وفي رواية كان يذكر الله على كل أحيانه إلا في الجنابة فهو محمول على الذكر القرآني وفي الخبر الصحيح كرهت أن أذكر الله إلا على طهر أو طهارة محمول على الذكر اللساني والكراهة لأنه خلاف الأفضل وقيل تحمل الكراهة على ما إذا تيسرت الطهارة وأغرب بعض الشافعية حيث قال إن الذكر القلبي المحض لا ثواب فيه فيحمل على أنه أراد من حيث كونه ذكرا مأمورا به وأما من حيث الحضور مع الله ففيه ثواب أي ثواب قلت وقد أخرج أبو يعلى عن عائشة قالت قال رسول


الله لفضل الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة سبعون ضعفا إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق لحسابهم وجاءت الحفظة بما حفظوا وكتبوا قال لهم انظروا هل بقي له من شيء فيقولون ما تركنا شيئا مما علمناه وحفظناه إلا وقد أحصيناه وكتبناه فيقول الله إن لك عندي حسنا لا تعلمه وأنا أجزيك به وهو الذكر الخفي كذا ذكره السيوطي في البدور السافرة وذكر في الجامع الصغير ولفظه الذكر الذي لا يسمعه الحفظة يزيد على الذكر الذي تسمعه الحفظة سبعين ضعفا رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة فالحديثان حجتان ظاهرتان للسادة النقشبندية زبدة القادة الصوفية قدس الله أسرارهم العلية فقول ابن حجر فالحق أن الأعلى ما جمع القلب واللسان ثم اللساني ثم القلبي محمول على غفلته لأنه إذا أراد بالذكر مطلق الذكر سواء أمره الشارع به أم لا فيرد ما ذكرناه ولإجماع علماء الظاهر والباطن على أن الحضور القلبي أفضل من مجرد الذكر اللساني وإن أراد به الذكر الذي أمر به الشارع فلا وجه لقوله إن اللساني أعلى من القلبي للإتفاق على عدم الإعتداد بالقلبي حينئذ وحديث ابن عباس أي المذكور في المصابيح هنا الذي رواه مسلم وهو خرج النبي فأتى بطعام فذكروا له الوضوء أي قالوا له أنتوضأ ثم نأكل فقال أريد أن أصلي فأتوضأ بحذف همزة الإستفهام الإنكاري أي ما أريد سنذكره في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى فإنه أنسب بذلك الكتاب والله تعالى أعلم بالصواب
الفصل الثاني
وعن ابن عباس قال اغتسل بعض أزواج النبي هي ميمونة خالة ابن عباس في جفنة أي مدخلة يدها في جفنة وهي صحفة كبيرة ليطابق قوله إن الماء لا يجنب قاله الطيبي قال ابن حجر أي مدخلة يدها في جفنة تغترف منها وإنما حمل على هذا دون كونها في الجفنة الشاهد لما قاله المالكية من طهورية الماء المستعمل فيه ليطابقه الجواب الآتي إن


كلام مبدل الماء لا يجنب ا ه وفيه نظر لصحة ذلك الجواب على كل حال من الإحتمالين وإنما الذي ينبغي أن يجاب به أن يقال هذا محتمل لكل من الإحتمالين فعلى احتمال الإعتراف لا حجة لهم أو أنها اغتسلت في نفس الجفنة لهم حجة فيه لكن الدليل إذا احتمل مثل ذلك يصير لا متمسك فيه لكل من الخصمين فينتقلان إلى غيره هذا كله مع قطع النظر عن الرواية الآتية عن لفظ المصابيح أما مع النظر إليها فالحديث لا متمسك لهم فيه البتة لتصريحه بأن الغسل من الجفنة لا فيها وإنه فضل منها فضلة والحكم بطهارة تلك الفضلة لا يقتضي طهورية المستعمل فأراد رسول الله أن يتوضأ منه أي من ماء الجفنة فقالت يا رسول الله إني كنت جنبا أي واغتسلت بهذا الماء وهو فضلة يدي والجنب مصدر يستوى فيه المذكر والمؤنث فقال إن الماء لا يجنب بضم الياء وكسر النون ويجوز فتح الياء وضم النون قاله الزعفراني أي لا يصير جنبا قال التوربشتي الماء إذا غمس فيه الجنب يده لم ينجس فربما سبق إلى فهم بعضهم أن العضو الذي عليه الجنابة في سائر الأحكام كالعضو الذي عليه النجاسة فيحكم بنجاسة الماء من غمس العضو الجنب كما يحكم بنجاسة من غمس النجس فيه فبين لهم أن الأمر بخلاف ذلك ا ه كلامه فإن قلت كيف الجمع بين هذا الحديث وحديث حميد في
الفصل الثالث


نهى رسول الله أن يغتسل الرجل بفضل المرأة قلت هذا الحديث يدل على الجواز وذلك على ترك الأولى للتنزيه قاله الطيبي رواه الترمذي وقال حسن صحيح نقله السيد وأبو داود وابن ماجه بهذا اللفظ وروى الدارمي نحوه أي بمعناه وفي شرح السنة عنه أي عن ابن عباس عن ميمونة بلفظ المصابيح وسنده صحيح أيضا ولفظه قالت ميمونة أجنبت أنا أي صرت جنبا ورسول الله فاغتسلت من جفنة وفضلت فيها فضلة فجاء النبي ليغتسل منها فقلت إني قد اغتسلت منها فاغتسل النبي عليه الصلاة والسلام أي منها وقال إن الماء ليس عليه جنابة وفي رواية إن الماء لا يجنب قال شارحه ابن الملك حسبت ميمونة أن الماء ينجس بالنجاسة الحكمية كالنجاسة الحقيقية لأنها كانت أدخلت فيه يدها فقال عليه الصلاة والسلام إن الماء ليس عليه جنابة حكمية فلا يخرج عن كونه مطهرا إذا لم ينو المغتسل بإدخال يده الإناء رفع الجنابة من كفه وقوله إن الماء لا يجنب أي لا يأخذ حكم الجنابة ولا يصير بمثل هذا الفعل إلى حال لا يستعمل


وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله يغتسل من الجنابة ثم يستدفىء بي أي يطلب الدفاءة بفتحتين فالمد وهي الحرارة بأن يضع اعضاءه على أعضائي من غير حائل قبل أن اغتسل قال السيد جمال الدين أي يطلب مني الحرارة ومنه قوله تعالى لكم فيها دفء النحل أي ما تستدفئون به وفيه أن بشرة الجنب طاهرة لأن الإستدفاء إنما يحصل من مس البشرة البشرة كذا في الطيبي وفيه بحث ا ه ولعله أراد أن الإستدفاء يمكن مع الثوب أيضا فقول ابن حجر فيه التصريح بطهارة الجنب غير صحيح رواه ابن ماجه أي بهذا اللفظ وسنده حسن وروى الترمذي نحوه أي بمعناه وقال هذا حديث ليس بإسناده بأس نقله السيد وفي شرح السنة بلفظ المصابيح ولفظه قالت عائشة كان رسول الله يجنب فيغتسل ثم يستدفىء بي قبل أن اغتسل وعن علي رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله يخرج من الخلاء بالمد أي المطهر فيقرئنا بضم الياء وكسر الراء أي يعلمنا القرآن ويأكل معنا اللحم قال الطيبي لعل انضمام أكل اللحم مع قراءة القرآن للإشعار بجواز الجمع بينهما من غير وضوء أو مضمضة كما في الصلاة ولم يكن يحجبه أو يحجزه شك من الراوي أي يمنعه عن القرآن فضلا عن الأكل وغيره شيء أي من الأشياء ليس أي ذلك الجنابة بالنصب والمراد إلا الجنابة قال التوربشتي ليس بمعنى إلا تقول جاءني القوم ليس زيدا الضمير فيها اسمها وينصب خبرها كأنك قلت ليس الجائي زيدا رواه أبو داود والنسائي بهذ اللفظ وروى ابن ماجه نحوه أي بمعناه وعزاه صاحب تخريج المصابيح إلى الترمذي قال وقال الترمذي حديث حسن صحيح ا ه وبعض أهل اللغة يوهنه لأن عبد الله بن سلمة الراوي عن علي


روى هذا الحديث بعد كبره كذا حرره السيد جمال الدين ونقل ميرك عن التقريب أن عبد الله بن سلمة بكسر اللام المرادي الكوفي صدوق تغير حفظه من الثانية وعن ابن عمر قال قال رسول الله لا تقرأ على صيغة النهي قاله ابن الملك أو نفي بمعنى النهي قاله ابن حجر فيقرأ بكسر الهمزة وصلا لإلتقاء الساكنين على الأول وبضمها على الثاني وقال ابن الضياء في شرح المجمع هو بالجزم وروي بالرفع وقال الخلخالي لا للنهي لكن في كثير من النسخ بالرفع للنفي الحائض وكذا النفساء ولا الجنب زيادة لا للتأكيد ووقع في نسخة ابن حجر الجنب ولا الحائض وهو سهو مخالف للنسخ المصححة شيئا من القرآن أي لا القليل ولا الكثير وبه قال الشافعي وله أن يقول بسم الله والحمد لله على قصد الذكر وجوز مالك قراءة القرآن للحائض لخوف النسيان وللجنب بعض آية دون تمامها وعن أبي حنيفة روايتان إحداهما كمالك وأصحهما كالشافعي كذا ذكره ابن الملك وفي شرح السنة اتفقوا على أن الجنب لا يجوز له قراءة القرآن وهو قول ابن عباس وقال عطاء لا تقرأ الحائض إلا طرف آية رواه الترمذي ورواه ابن ماجه وضعفه البخاري والترمذي والبيهقي وغيرهم نقله السيد عن التخريج لكن له متابعات كما ذكره ابن جماعة وغيره تجبر ضعفه ومن ثم حسنه المنذري ورويت أحاديث بمعناه كلها ضعيفة ولذلك اختار ابن المنذر والدارمي وغيرهما ما روي عن ابن عباس وغيره وأخذ به أحمد وغيره أنه يحل للجنب والحائض قراءة كل القرآن والحاصل أن جمهور العلماء على الحرمة إذ هي اللائقة بتعظيم القرآن ويكفي في الدلالة عليها الأحاديث الكثيرة المصرحة بها وإن كانت كلها ضعيفة لأن تعدد طرقها يورثها قوة أي قوة وترقيها إلى درجة الحسن لغيره وهو حجة في الأحكام فالحق الحرمة إذ هي الجارية على قواعد الأدلة لا الحل وإن كان هو الأصل كذا ذكره ابن حجر وعن عائشة قالت قال رسول الله وجهوا هذه البيوت بكسر الباء وضمها أي حولوا أبوابها عن المسجد قال


بعضهم هذا اللفظ إذا استعمل بعن معناه
الصرف من جانب إلى آخر وبإلى معناه الإقبال إلى الشيء أي اصرفوا أبواب هذه البيوت التي فتحت إلى المسجد إلى جانب آخر كيلا يمر الجنب أو الحائض في المسجد على قول مالك والشافعي دون المكث خلافا لأحمد وعند أبي حنيفة يحرم المرور فيه قاله ابن الملك وقال الطيبي ضمن معنى الصرف يقال وجه إليه أي أقبل ووجه عنه أي صرف وفي اسم الإشارة إشارة إلى تحقير البيوت وتعظيم شأن المساجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب تعليل وبيان للوصف الذي هو علة الحكم في شرح السنة لا يجوز للجنب ولا للحائض المكث في المسجد وبه قال الشافعي ومالك وأصحاب أبي حنيفة وجوز الشافعي المرور فيه وبه قال مالك وجوز أحمد والمزني المكث فيه أيضا وأولوا عابري سبيل بالمسافرين تصبيهم الجنابة فيتيممون ويصلون رواه أبو داود من طريق أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة وقال البخاري عند جسرة عجائب وقال البيهقي فيها نظر وقال الخطابي ضعفوا هذا الحديث وقالوا أفلت راوية مجهول لا يصح الإحتجاج بحديثه وذكر النووي هذا الحديث في الأحاديث الضعيفة كذا نقله السيد عن التخريج لكن أبو داود لم يضعفه فيكون عنده صالحا للإحتجاج به ومن ثم حسنه ابن القطان وغيره مع إطلاعهم على تضعيف جمع له وروى ابن ماجه نحوه ويوافقه قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا النساء قال ابن عباس وغيره أي مواضعها وهي المساجد لا غير إذ هي الموضوعة لها ابتداء ودواما بخلاف غيرها وذهب المزني وداود وابن المنذر وغيرهم إلى حل إباحة المكث فيه مطلقا ووجهه النووي بأن الأصل الحل قال وليس لمن حرم دليل صحيح صريح قال وخبر يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ضعيف وإن قال الترمذي حسن غريب نعم من خصائصه عليه الصلاة والسلام أنه يحل له المكث في المسجد جنبا على ما قاله صاحب التلخيص لكن خالفه القفال


وغلطه إمام الحرمين وغيره ومع ذلك احتج النووي بالحديث المذكور وقال هو وإن كان فيه من ضعفه الجمهور فلعله اعتضد عند الترمذي بما اقتضى حسنه لكن إذا شاركه علي في ذلك لم يكن من الخصائص ا ه وفيه بحث إذ يمكن أن يكون من خصائصه ومع هذا يخص من شاء بهذه الخصوصية وهذا أخص من الإختصاص المطلق والله أعلم وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تدخل بالتأنيث
والتذكير الملائكة اللام للعهد الذهني أي الذين ينزلون بالبركة والرحمة وللزيارة واستماع الذكر لا الكتبة فإنهم لا يفارقون المكلفين طرفة عين في شيء من أحوالهم بيتا فيه صورة أي الحيوان على شيء مرتفع كالجدار والسقف لا على البساط وموضع الأقدام فإن عدم الرخصة وردت فيه لحرمة التصوير ومشابهته بيت الأصنام بخلاف صورة ما لا روح فيه والصورة التي فقد من بدنها المشاهد ما لا يمكن وجوده مع الحياة فيه كالرأس فهذان لا يمنعان دخول الملائكة لأنه لا محذور فيها بوجه وبخلاف الصورة التي يحل دوامها وإن حرم ابتداؤها كالصورة التي على ما يداس أو يتكأ عليه فإنها لا تمنع أيضا دخول الملائكة على ما نقل عن الشارحين قال ابن حجر وشملت الصورة ما في الدراهم المجلوبة من بلاد الكفر فمن عنده شيء منها منع دخول الملائكة وإن حل له إمساكها بل ولو حملها ولو في عمامة لأن القصد ذاتها لا الصورة التي حمل عليها ولأن المسلمين ما زالوا يحملونها ويتعاملون بها في زمان السلف والخلف ولم ينكر أحد عليهم لكن ينبغي قصر المنع على المحل الذي فيه الدنانير فقط وقد يؤخذ ذلك من لفظ الحديث هذا وينبغي أن يستثنى أيضا بنات اللعب لمن لم تبلغ من البنات لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها وتقريره عليه الصلاة والسلام لها فيها ولا كلب لأنه نجس وهم أطهار فيشبه المبرز غير كلب الصيد والزرع والماشية لجواز اقتنائه شرعا لمسيس الحاجة ولا جنب أي الذي اعتاد ترك الغسل تهاونا حتى يمر عليه وقت صلاة فإنه مستخف بالشرع لا أي


جنب كان فإنه ثبت أن النبي كان يطوف على نسائه بغسل واحد وكان ينام بالليل وهو جنب إلى ما بعد الفجر حتى في رمضان ولا جنب من زنا إذ المراد إلا أن يتوضأ كما سيأتي في الحديث رواه أبو داود والنسائي ورواه ابن ماجه ثلاثتهم من حديث عبد الله بن يحيى عن علي كرم الله وجهه يرفعه قال البخاري عبد الله بن يحيى الحضرمي عن أبيه عن علي فيه نظر قال الطبري وقد أخرج أبو حاتم الحديث في صحيحه نقله السيد عن التخريج قال ميرك وقد خرج الشيخان من حديث أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري قال سمعت رسول الله يقول لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة وعن عمار بن ياسر قال قال رسول الله ثلاثة أي أشخاص لا تقربهم بالتأنيث والتذكير الملائكة أي ملائكة الرحمة جيفة الكافر أي جسده الذي بمنزلتها حيث لا


يحترز عن النجاسة كالخمر والخنزير والدم ونحوها سواء كان حيا أو ميتا والمتضمخ أي الرجل المتلطخ بالخلوق بفتح الخاء وهو طيب له صبغ يتخذ من الزعفران وغيره وتغلب عليه حمرة مع صفرة وقد أبيح تارة ونهي عنه أخرى وهو الأكثر والنهي مختص بالرجال دون النساء وإنما لم تقربه الملائكة للتوسع في الرعونة والتشبه بالنساء قاله ابن الملك قال الطيبي وفيه إشعار بأن من خالف السنة وإن كان في الظاهر مزينا مطيبا مكرما عند الناس فهو في الحقيقة نجس أخس من الكلب والجنب إلا أن يتوضأ أراد به الوضوء المتعارف كما مر وهذا تهديد وزجر شديد عن تأخير الغسل كيلا يعتاد وقيل يحتمل أن يريد بالوضوء الغسل قاله ابن الملك قلت احتمال أن يريد ذلك تأويل بعيد رواه أبو داود من حديث الحسن بن الحسن عن عمار بن ياسر ولم يسمع منه نقله السيد عن التخريج فالحديث منقطع وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن أبي جده عمرو ابن حزم وهذا هو المعروف في كتب الحديث والفقه خلافا لمن رواه عن حكيم بن حزام ذكره ابن حجر وقال المصنف هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني أحد أعلام المدينة تابعي روى عن أنس بن مالك وعروة بن الزبير وعنه الزهري ومالك بن أنس وابن عيينة كان كثير الحديث رجل صدوق قال أحمد حديثه شفاء توفي سنة خمس وثلاثين ومات وله سبعون سنة وأما محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ولد في عهد رسول الله سنة عشر بنجران وكان أبوه عامل النبي أمر أباه أن يكنيه بأبي عبد الملك وكان محمد فقيها روى عن أبيه وعن عمرو بن العاص وعنه جماعة من أهل المدينة قتل يوم الحرة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وذلك سنة ثلاث وستين إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن بفتح السين على أنه نهي وبالضم على أنه نفي بمعنى النهي أي لا يمس بلا فاصلة ما كتب فيه القرآن إلا طاهر بخلاف غيره كالجنب والمحدث فإنه ليس له أن


يمسه إلا بغلاف متجاف وكره بالكم قال الطيبي بيان لقوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون الواقعة فإن الضمير إما للقرآن والمراد نهى الناس عن مسه إلا على الطهارة وإما اللوح و لا نافية ومعنى المطهرون الملائكة فإن الحديث كشف أن المراد هو الأول ويعضده مدح القرآن بالكرم وبكونه ثابتا في اللوح المحفوظ فيكون الحكم بكونه لا يمسه مرتبا على الوصفين المتناسبين للقرآن رواه مالك والدارقطني قال صاحب
التخريج رواه أبو حاتم والدارقطني من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده ورواه مالك مرسلا في الموطأ فقول المصنف والدارقطني محل تأمل كذا قاله السيد وقال ابن حجر ورواه الحاكم وقال إسناده على شرط الصحيح وله شواهد ولفظه عن عمرو بن حزم قال لما بعثني رسول الله إلى اليمن قال لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر وقول النووي إنه ضعيف يجاب عنه بأن كثرة شواهده صيرته حسنا لغيره وهو حجة على الصحيح وروى الدارقطني والبيهقي وقالا صحيح الإسناد والحاكم وقال حسن غريب لا يمس القرآن إلا طاهر وبهذا يرد على من قال بالحل مطلقا وهم جمع منا وداود والحاكم ونقل ابن الرفعة عن الماوردي أن جمهور أصحابنا عليه غلط منه فاحذره وعن نافع أي مولى ابن عمر قال انطلقت أي ذهبت مع ابن عمر أي عبد الله في حاجة حال من المضاف إليه أي في شأن حاجة له والتنكير فيها للشيوع ولعل ما بعدها يقيدها بقضاء الحاجة فقضى ابن عمر حاجته أي الإنسانية وهي التبرز على ما هو الظاهر من سياق الحديث المتعلق بقضاء حاجته عليه الصلاة والسلام ويحتمل أن المراد بها حاجة أخرى وأنه ذكر ما يأتي استطرادا وكان من حديثه أي من جملة حديث ابن عمر الذي حدثه يومئذ أن قال أي ابن عمر و أن مع مدخوله في تأويل المصدر أي كان من جملة قوله في ذلك الوقت قوله مر رجل قيل هو المهاجر بن قنفذ بن عبد المطلب في سكة من السكك أي الطرق فلقي أي الرجل رسول الله وقد خرج أي رسول الله من غائط أو بول أي فرغ


لأن الخروج بعد الفراغ أو خرج من محلهما فسلم أي الرجل عليه فلم يرد أي النبي عليه أي على الرجل وفي نسخة السلام حتى إذا كاد أي قارب الرجل أن يتوارى أي يختفي ويغيب شخصه في السكة ضرب رسول الله جواب إذا و حتى هي الداخلة على الجملة الشرطية بيديه على الحائط قال الطيبي ولعله علاه الغبار ليصح به التيمم عند الشافعي وإلا فهو صحيح عند أبي حنيفة ا ه وفي آخر كلامه حزازة لا تخفى ومسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل السلام قال في شرح السنة فيه إن رد السلام وإن كان واجبا فالمسلم على الرجل في هذه الحالة مضيع حظ


نفسه فلا يستحق الجواب وفيه دليل على كراهية الكلام على قضاء الحاجة وعلى أن التيمم في الحضر لرد السلام مشروع ا ه وفيه بحثان أما أولا فقوله فلا يستحق الجواب مدفوع بأنه استحق الجواب ولهذا أجاب والفصل اليسير بين السلام ورده لا يضره وأما ثانيا فلأن السلام والكلام كلاهما وقع بعد الفراغ ثم رأيت ابن حجر تعقب الشارح بمثل ما ذكرته وقال إنه أي الشأن لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر قال بعض الشراح هذا الحديث يدل على استحباب ذكر الله بالوضوء أو التيمم لأن السلام من أسماء الله تعالى أي في الأصل فإن المراد هنا السلامة قال ابن الملك والتوفيق بين هذا وحديث علي أنه عليه الصلاة والسلام كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن أنه عليه الصلاة والسلام أخذ في ذلك بالرخصة تيسيرا على الأمة وفي هذا بالعزيمة أي تعليما لهم بالأفضل وقال المظهر فيه دليل على أن من قصر في رد جواب السلام بعذر يستحب أن يعتذر عنه حتى لا ينسب إلى الكبر أو العداوة وعلى وجوب رد السلام لأن تأخيره للعذر يؤذن بوجوبه قلت وفي الحديث دليل على جواز التيمم لخوف فوت ما يفوت لا إلى خلف كصلاة الجنازة والعيد ولم أر من استدل به من علمائنا رواه أبو داود من حديث محمد بن ثابت العبدي عن نافع عن ابن عمر وقد أنكر البخاري رفع هذا الحديث على محمد بن ثابت قال البيهقي رفعه غير منكر وقال الخطابي حديث ابن عمر لا يصح لأن محمد بن ثابت العبدي ضعيف جدا لا يحتج به نقله السيد عن التخريج فقول ابن حجر وسنده حسن غير مستحسن إلا أن يقال مراده حسن لغيره وعن المهاجر بن قنفذ بضم القاف وسكون النون وبالفاء المضمومة والذال المعجمة القرشي التيمي هاجر إلى النبي مسلما فقال رسول الله هذا المهاجر حقا وقيل إنه أسلم يوم الفتح وسكن البصرة ومات بها أنه أتى النبي وهو أي النبي يبول فسلم أي المهاجر عليه قال ابن حجر أي بعد الفراغ إذ المروءة قاضية بأن من يقضي حاجته لا


يكلم فضلا عن أن يسلم عليه ولذا يكره السلام ولا يستحق جوابا فضلا عن أن يعتذر إليه فالإعتذار الآتي دليل على أن السلام كان بعد الفراغ فلم يرد أي النبي عليه أي على مهاجر حتى توضأ أي النبي وظاهره تعدد الواقعة ويمكن أن يكون معنى توضأ تطهر
فيشمل التيمم ثم اعتذر إليه يعني بعد رد السلام عليه وقال بيان للإعتذار إني كرهت أن أذكر الله أي الذكر الحقيقي أو المجازي وهو القول المطلوب شرعا أو اللفظ المشابه بالذكر أو اللفظ الذي هو في الأصل ذكر وإن استعمل لمعنى آخر من مناسبات ذلك الاسم وكان الأصل في السلام عليك التخلق بهذا الاسم وهو تعهد السلامة واقع عليك ثم هجر هذا المعنى واستعمل في مطلق التحية مع الغفلة عن الحقيقة اللفظية والذهول عن الإرادة القصدية إلا على طهر أي فلذا أخرته ليكون على الوجه الأكمل رواه أبو داود أي تمام الحديث وسكت عليه هو والمنذري نقله السيد عن التخريج وقال الإمام النووي في الأذكار هذا حديث صحيح ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة قاله ميرك وروى النسائي إلى قوله حتى توضأ وقال أي النسائي فلما توضأ رد عليه وهو مفهوم من الرواية السابقة
الفصل الثالث


عن أم سلمة قالت كان رسول الله يجنب بالوجهين ثم ينام ثم ينتبه ثم ينام وهذا بظاهره عمل بالرخصة وبيان للجواز رواه أحمد وسنده حسن وعن شعبة هو ابن دينار وهو مولى ابن عباس وضعفه النسائي وقواه غيره قاله السيد ولم يذكره المصنف قال إن ابن عباس كان إذا اغتسل قال ابن حجر أي أراد الغسل والظاهر أن الكلام لا يحتاج إليه لأن التقدير كان ابن عباس وقت اغتساله من الجنابة يفرغ من الإفراغ أي يصب بيده اليمنى أي الماء على يده اليسرى سبع مرار وفي نسخة سبع مرات قال ابن حجر ولعله لنجاسة كانت فيها وكان سبب السبع أنه لم يبلغه النسخ وكذلك لم يبلغ أحمد فقال بوجوب غسل كل نجاسة سبعا ويحتمل أنه بلغه النسخ وكان من مذهبه أنه إذا نسخ الوجوب بقي الندب كما قيل وإن كان الأصح أنه بقي مطلق الجواز لا


خصوص الإستحباب و كان لا تفيد الدوام على التحقيق بل إن ذلك أمر عرفي فيها لا وضعي فلا يلزم أن ذلك كان من دأب ابن عباس وعادته لا لنجاسة فيها ثم يغسل فرجه أي سبعا وهو يعلم بالطريق الأولى فنسي أي ابن عباس مرة أي من الأوقات كم أفرغ فسألني فقلت لا أدري فقال لا أم لك وقيل معناه أنت لقيط في النهاية لا أبالك أكثر ما يستعمل في معرض المدح أي لا كافىء لك غير نفسك وقد يذكر في معرض الذم كما يقال لا أم لك وفي معرض التعجب دفعا للعين كقولهم لله درك وفي معناه جد في أمرك وشمر لأن من له أب اتكل عليه في بعض شأنه قيل إنما جاء الفرق بين لا أب لك ولا أم لك لأن الأب إذا فقد دل على الإستقلال والأم منسوب إليها الشفقة والرفق وما في الحديث وارد على الذم لما اتبعه من قوله وما يمنعك أن تدري والواو عطفت الجملة الإستفهامية على الجملة الدعائية والجامع كونهما انشائيتين قاله الطيبي ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض من الإفاضة على جلده الماء قال ابن حجر ذكره لأنه الأصل وإلا فغسل الشعر واجب أيضا ثم يقول هكذا الظاهر رجوعه لجميع ما مر كان رسول الله يتطهر أي قبل النسخ أو الإشارة راجعة إلى ما ذكر من الوضوء والإفاضة قال ابن حجر وفيه أنه لا مناسبة لهذا الحديث بالترجمة إلا أن فيه بعض أحكام تتعلق بالجنب فذكر استطرادا لأجلها ولو ذكره في باب الغسل لكان أولى رواه أبو داود وسكت عليه وعن أبي رافع مولى رسول الله قال إن رسول الله طاف ذات يوم ذات زائدة للتأكيد قاله ابن حجر والظاهر أن زيادته لدفع المجاز أي في نهار على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه أي يغتسل قال أي أبو رافع فقلت له يا رسول الله ألا تجعله أي غسلك بالتخفيف فالهمزة للإستفهام ولا نافية وفي نسخة صحيحة ألا بالتشديد فيكون بمعنى هلا للتحضيض غسلا واحدا فإنه كاف آخرا تأكيد لدفع التوهم قال هذا أي تعدد الغسل أزكى أي أنمى وللمقصود أقوى وأطيب أي ألذ وأخف على البدن وأطهر أي أنظف


وأحسن قال الطيبي التطهير مناسبة للظاهر والتزكية والتطييب للباطن فالأولى لإزالة الأخلاق
الذميمة والأخرى للتحلي بالشيم الحميدة ا ه وهذا أشبه بإشارات الصوفية وقال ابن حجر هي قريبة من الترادف جمع بينهما تأكيدا ا ه وهو استرواح لأن التأسيس أولى من التأكيد وهو التحقيق الحاصل بالتأييد رواه أحمد وأبو داود وقال حديث أنس أصح من هذا نقله ميرك وعن الحكم بفتحتين ابن عمرو أي الغفاري وليس غفاريا إنما هو من ولد ثعلبة أخي غفار روى عنه جماعة ذكره المصنف في الصحابة قال نهى رسول الله أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة بفتح الطاء وتضم قال السيد جمال الدين هذا النهي يحمل على أنه نهي للتنزيه لئلا يخالف الحديث السابق في الفصل الثاني من أن رسول الله توضأ بفضل الماء الذي اغتسل به بعض أزواجه مع أنها أعلمته عليه الصلاة والسلام به وقال إن الماء لا يجنب وكذا النهي في الحديث الذي بعده رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وزاد أي الترمذي أو قال بسؤرها قال الطيبي شك الراوي أنه عليه الصلاة والسلام قال بفضل طهور المرأة أو بسؤرها وهو بالهمزة بقية الشيء ا ه وقد يخفف الهمز بالإبدال وقال أي الترمذي هذا حديث حسن صحيح وخالفه البيهقي وغيره فقالوا إنه ضعيف وعن حميد بالتصغير الحميري بكسر المهملة وفتح التحتانية قال المصنف حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري من ثقات البصريين وأئمتهم تابعي جليل من قدماء التابعين روى عن أبي هريرة وابن عباس قال لقيت رجلا قيل هو الحكم بن عمرو وقيل عبد الله بن سرجس وقيل عبد الله بن مغفل نقله ميرك صحب النبي أربع سنين كما صحبه أبو هريرة لأن إسلامه سنة سبع من الهجرة قاله ابن حجر قال أي الرجل الصحابي وجهالته لا تضر والصحابة كلهم عدول نهى رسول الله أن تغتسل المرأة بفضل


الرجل أي بزيادة ماء اغتساله أو يغتسل الرجل بفضل المرأة أي بفضلتها زاد مسدد قال المصنف هو مسدد بن مسرهد البصري سمع حماد بن زيد وأبا عوانة وغيرهما وروى عنه البخاري وأبو داود وخلق كثير سواهما ومات سنة ثمان وعشرين ومائة ومسدد بفتح الميم وفتح السين المهملة وتشديد الدال الأولى وفتحها ومسرهد بضم الميم وفتح السين وسكون الراء وفتح الهاء وليغترفا بسكون اللام وتكسر جميعا ظاهره معا ويحتمل المناوبة رواه أبو داود والنسائي وسنده صحيح وزاد أحمد في أوله نهى أن يمتشط أحدنا أي يسرح شعر لحيته ورأسه كل يوم لأنه شعار أهل الزينة وإنما السنة أن يجعله غبا يفعله يوما ويتركه يوما أو المراد باليوم هنا الوقت أو يبول في مغتسل لأنه يورث الريبة والوسوسة فيكره وقد تقدم الكلام عليه ورواه ابن ماجه وسنده حسن عن عبد الله سرجس بفتح السين وكسر الجيم مع الإنصراف وقيل بعدمه للعلمية والعجمة قاله ابن الملك في شرح المشارق وسبق تحقيقه


باب أحكام المياه

من الطهارة والنجاسة وغيرهما وجمع الماء على المياه دل على أن همزته منقلبة عن هاء وأصل المياه مواه لدلالة جمعه الآخر على الأمواه وتصغير الماء على مويه فقلبت الواو ياء لإنكسار ما قبلها
الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يبولن بالتشديد للتأكيد أحدكم أي أيها الأمة في الماء الدائم أي الراكد الساكن من دام الشيء سكن ومكث الذي لا يجري
صفة ثانية مؤكدة للأولى أو صفة كاشفة لها وقيل الذي لا يجري بشيء من تبنة وغيرها وفي معنى الجاري الماء الكثير وهو العشر في العشر عندنا ومقدار قلتين عند من يقول به ثم يغتسل فيه الرواية بالرفع أي لا يبل ثم هو يغتسل فيه فيغتسل خبر لمبتدأ محذوف عطف الجملة على جملة لا يبولن وذكر ابن مالك النخوي أنه يجوز أيضا جزمه عطفا على موضع لا يبولن ونصبه بإضمار أن وإعطاء ثم حكم واو الجمع أما الجزم فظاهر وأما النصب فلا يجوز لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقله أحد بل البول فيه منهي سواء أراد الإغتسال فيه أو منه أم لا كذا نقله السيد عن التخريج قيل فيه نظر لجواز أن يكون مثل قوله تعالى ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق البقرة والواو للجمع والمنهي هنا الجمع والإفراد بخلاف قولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن قاله ميرك وفيه أنه لما احتمل احتمالين لا يحمل عليه لفساد المعنى إلا باعتبار أحد الإحتمالين مع أن التحقيق أن النصب إنما يفيد منع الجمع وأما منع إفراد أحدهما فيؤخذ من الخارج وقال البيضاوي ثم يغتسل عطف على الصلة وترتيب الحكم على ذلك يدل على أن الموجب للمنع أنه يتنجس فلا يجوز الإغتسال به وتخصيصه بالدائم يفهم منه أن الجاري لا يتنجس إلا بالتغير قال ابن حجر وفيه نظر إذ عطف يغتسل على يجري بعيد جدا إذ يصير تقديره نهي عن البول في الماء الذي لا يجري ثم الذي يغتسل فيه وهذا فيه ركة في المعنى وإيهام خلاف المراد لأنه لا يصير


النهي على حقيقته من الحرمة إذ المنهي عنه حينئذ الغسل بعد البول لا البول من غير غسل وهو خلاف ما حمله عليه الأئمة ويلزمه فرض ذلك في ماء قليل راكد إذ هو المتأثر بالبول فيه وإن لم يتغير والأظهر عطفه على ما مر و ثم بحالها فيكون المنهي عنه شيئين البول فيه مطلقا والغسل فيه مطلقا وكل من هذين جاء النهي عنه صريحا في مسلم كما يأتي والنهي عن كل منهما تارة يكون للتنزيه وتارة يكون للتحريم ا ه قيل الظاهر أنه عطف على يبولن ويكون ثم مثل الواو في لا تأكل السمك وتشرب اللبن أو مثل الفاء في قوله تعالى لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى طه أي لا يكن من أحد البول في الماء الموصوف ثم الإغتسال فثم إستبعادية أي بعيد من العاقل ذلك أي الجمع بين هذين الأمرين فإن قلت علام تعتمد في نصب يغتسل حتى يتمشى لك هذا المعنى قلت إذا قوي المعنى لا يضر الرفع لأنه من باب أحضر الوغي كذا ذكره الطيبي وقد سبق نقل المغني فاستحضره فإن الطالب به يستغني متفق عليه وفي رواية لمسلم أي له روايتان أحدهما متفق عليها وثانيهما هذه قاله الطيبي قال لا يغتسل


بالجزم وقيل بالرفع أحدكم في الماء الدائم وهو جنب هذا النهي إنما يكون في الماء القليل لأنه يصير مستعملا باغتسال الجنب فحينئذ قد أفسد الماء على الناس لأنه لا يصلح للإغتسال والتوضوء منه بعد ذلك كذا ذكره ابن الملك وقال القاضي تقييد النهي بالحال يدل على أن المستعمل في غسل الجنابة إذا كان راكدا لا يبقى على ما كان وإلا لم يكن للنهي المقيد فائدة وذلك إما بزوال الطهارة كما قال أبو حنيفة أو بزوال الطهورية كما قال الشافعي ا ه وكذا هو قول محمد وعليه الفتوى يعني أن الحديث حجة على مالك لكن حجته تأتي في الحديث الآتي قالوا كيف يفعل أي الجنب يا أبا هريرة قال يتناوله تناولا أي يأخذه اغترافا ويغتسل خارجا قال في شرح السنة فيه دليل على أن الجنب إن أدخل يده فيه ليتناول الماء لم يتغير حكمه وإن أدخل يده فيه ليغسلها من الجنابة تغير حكمه ا ه وكذا حكمه عندنا قال ابن حجر ويؤخذ من التقييد بالجنب أنه لا يكره الغسل فيه للتنظيف أو للسنة كغسل الجمعة والظاهر أنه غير مراد لأن اختلاف العلماء موجود في الأخير إذ لنا وجه لأن الإستعمال في النل غير طهور لأن الإستقذار موجود في غسل نحو التنظيف فالوجه أن التقييد بالجنب لكونه أغلظ وعن جابر قال نهى رسول الله أن يبال في الماء الراكد أي الواقف وهذا لأن الماء الساكن إن كان دون قلتين تنجس ولا يجوز الإغتسال منه وإن كان قلتين فلعله يتغير به فيصير نجسا بالتغير وكذا إن كثر غاية الكثرة إذ لو جوز البول فيه لبال واحد بعد واحد فيتغير من كثرة البول قاله ابن الملك وقال النووي هذا النهي في بعض المياه للتحريم وفي بعضها للكراهة فإن كان كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث لكن الأولى اجتنابه وإن كان قليلا جاريا فقيل يكره والمختار أنه يحرم لأنه ينجسه وإن كان كثيرا راكدا فقال أصحابنا يكره ولو قيل يحرم لم يكن بعيدا إذ ربما أدى إلى تنجسه بالإجماع لتغيره أو تنجسه عند أبي حنيفة رحمه


الله تعالى ومن وافقه في أن الغدير الذي يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر ينجس بوقوع النجاسة فيه وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه والصواب المختار أنه يحرم لأنه ينجسه وقال أصحابنا وغيرهم التغوط في الماء كالبول فيه بل أقبح ذكره الطيبي وقال ابن حجر يكره قضاء الحاجة في الماء مطلقا بالليل خشية أن يؤذيه الجن لما قيل إن الماء بالليل مأوى لهم رواه مسلم
وعن السائب بن يزيد قيل أزدي وقيل هذلي وقيل كندي ولد في السنة الثانية من الهجرة حضر مع أبيه حجة الوداع وهو ابن سبع سنين قاله الطيبي قال ذهبت بي خالتي الباء للتعدية أي أذهبتني إلى النبي فقالت يا رسول الله إن ابن أختي وجع بكسر الجيم أي مريض وقيل بفتحها أي ذو وجع فمسح رأسي أي رسول الله كما في الشمائل قال ابن حجر يحتمل أن الوجع كان برأسه فمسحه عليه الصلاة والسلام بيده المباركة ليكون ذلك سببا لشفائه فكان الأمر كذلك فبلغ السائب نحو المائة ولم يشب له شعر ولا سقط له سن ودعا لي وفي بعض نسخ الشمائل بالفاء بالبركة أي النماء وزيادة الخير والنعماء ثم توضأ فشربت من وضوئه بفتح الواو أي ماء وضوئه قال ملا حنفي في شرح الشمائل يجوز أن يراد بالوضوء هنا فضل وضوئه يعني الماء الذي بقي في الظرف بعد فراغه من الوضوء وأن يراد به ما انفصل من أعضاء وضوئه وهذا أنسب بما يقصده الشارب من التبرك وعلى هذا يكون دليلا على طهارة الماء المستعمل وللمانع أن يحمله على التداوي أو على أنه من خواصه عليه الصلاة والسلام أو على أنه كان أولا والحكم بعدم طهارته كان بعده فتدبر ا ه والفتوى على أن الماء المستعمل طاهر في مذهب أبي حنيفة وقال ابن حجر وقد يجاب بأن السائل من أعضائه لشرفها لا ينجس ومن ثم اختار كثيرون من أصحابنا طهارة فضلاته عليه الصلاة والسلام ثم قمت خلف ظهره أي فنظرت إلى خاتم النبوة بفتح التاء وكسرها وقيل الخاتم بالفتح والكسر بمعنى الطابع الذي يختم به


والظاهر أن المراد بالخاتم هنا هو الأثر الحاصل به لا الطابع وإضافته إلى النبوة إما لأنه ختم على النبوة لحفظها وحفظ ما فيها وللدلالة على تمامها أو استيثاقها وأما بمعنى أنه علامة لنبوته عليه الصلاة والسلام بين كتفيه حال من الخاتم أو صفة له ويؤيده ما في بعض الروايات إلى الخاتم الذي بين كتفيه وهو بفتح الكاف وكسر التاء وقيل بكسر الأول وسكون الثاني قال بعضهم خاتم النبوة أثر كان بين كتفيه نعت به في الكتب المتقدمة وكان علامة يعلم بها أنه النبي الموعود المبشر به في تلك الكتب وصيانة لنبوته عن تطرف التكذيب والقدح كالشيء المستوثق عليه بالختم وقيل سمي بذلك إشارة إلى ختم الرسالة والنبوة به فلا نبي بعده وعيسى عليه الصلاة والسلام لا ينزل بنبوة متجددة بل ينزل عاملا بشريعة نبينا ويقتدي ببعض أمته وقتله لأهل الذمة وعدم قبول الجزية منهم هو من جملة شريعتنا لأن


أخذها مغيا بنزوله لزوال شبهتهم حينئذ المجوزة لقبولها منهم قيل لا تتم تلك التسمية إلا لو كان الخاتم من خصائصه وأما إذا ورد أن لكل نبي خاتما فلا يتم ا ه ويرد بأن من خصائصه هذا الخاتم المخصوص في محله المخصوص الدال على تميزه عنهم فإن خواتيمهم كانت في أيمانهم كما رواه الحاكم عن وهب بن منبه وشتان ما بين بعدها من القلب وقرب خاتمه عليه الصلاة والسلام منه وقوله بين كتفيه أي تقريبا حتى لا ينافي رواية مسلم أنه عند نغض كتفه الأيسر بنون مضمومة وتفتح فمعجمتين وهو أعلى الكتف أو العظم الرقيق الذي على طرفه أو ما يظهر منه عند التحرك أقوال قال السهيلي وكونه عند نغض كتفه الأيسر هو الصحيح وأشار بذلك إلى رد رواية أنه كان عند كتفه الأيمن وحكمة الأولى أن ذلك المحل فوق القلب فبختمه لا يمكن تطرق شيء إلى القلب بوجه من الوجوه مثل نصب بنزع الخافض أي كمثل وقيل بالرفع على أنه خبر محذوف هو هو ويؤيده ما في الشمائل فإذا هو مثل زر الحجلة قال ابن الملك الزر بتقديم الزاي المكسورة على الراء المشددة وأحد الأزرار التي تشد على ما يكون في حجلة العروس بالحاء والجيم وهي بفتحتين بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كبار قلت وتسمية أهل مكة الآن الناموسية قال ميرك وهذا ما عليه الجمهور وقيل بتقديم الراء المهملة على الزاي بمعنى البيض والحجلة هي القبجة وهي طائر معروف كذا ذكره ابن الملك وقال ميرك وذكر الخطابي أنه روي بتقديم الراء على الزاي وقال ملا حنفي إن البخاري ذكر في الصحيح أن الصحيح الراء قبل الزاي وقال التوربشتي قيل المراد واحد الأزرار التي يشد بها في حجال العرائس من الحلل والستور وهذا بعيد من طريق البلاغة قاصر في التشبيه والإستعارة ثم أنه لا يلائم الأحاديث المروية في خاتم النبوة وقيل المراد بيضة الحجلة وهي القبجة وهذا القول يوافق الأحاديث الواردة في هذا الباب غير أن الزر بمعنى البيض لم يوجد في كلام العرب وقيل إنما


هو رز بتقديم الراء على الزاي من رززت الجرادة إذا أدخلت ذنبها في الأرض وألقت بيضها وهذا أشبه بما في الحديث إلا أن الرواية لم تساعده والذي ينصر القول الثاني ما رواه الترمذي في كتابه عن جابر بن سمرة كان خاتم رسول الله بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة قيل يكفي المشابهة في بعض الوجوه وهو أن يكون شيئا ناتئا من الجسد له نوع مشابهة بزر الحجلة كذا قاله الطيبي متفق عليه قال ابن حجر وفي روايات ما قد يخالف ما مر من كونه مثل زر الحجلة كرواية مسلم جمع عليه خيلان كأنها الثآليل السود وروايته أيضا كبيضة الحمامة ورواية صحيح الحاكم كلام مبدل شعر مجتمع والبيهقي مثل السلعة والشمائل بضعة ناشزة أي مرتفعة وابن عساكر مثل


البندقة وصحيح الترمذي كالتفاحة كأثر المحجم القابضة على اللحم وابن أبي خيثمة شامة خضراء محتفرة في اللحم وله أيضا شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف الفرس والقضاعي ثلاث شعرات مجتمعات والترمذي الحكيم كبيضة حمام مكتوب في باطنها الله وحده لا شريك له وفي ظاهرها توجه حيث كنت فإنك منصور وابن عائذ كان نورا يتلألأ وابن أبي عاصم كالنقطة التي أسفل منقار الحمامة وتاريخ نيسابور مثل البندقة من لحم مكتوب فيه باللحم محمد رسول الله ليس هذا الإختلاف في مقداره حقيقيا بل كل شبه بما سنح له والكل مؤد والمراد واحد وهو قطعة لحم ومن قال شعر فلأن الشعرات حوله متراكبة عليه شاخصة في جسده قريبة من بيضة الحمامة وفي رواية جمع الكف معناها أنه على هيئته لكنه أصغر منه ورواية أنه كالمحجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء مكتوب عليه ما مر لم يثبت منها شيء وغلط ابن حبان في تصحيحه ذلك وكذا من ذكر الكتابة هنا فإنه اشتبه عليه ذلك بخاتم يده الذي كان يختم به ا ه وفيه أن الحمل عليه بعيد جدا والأقرب أن يقال الكتابة كانت معنوية أو صورية لكنها كانت تدركها البصيرة النورية ثم قال وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم وكيف وضع ومن وضعه في حديث أبي ذر عند البزار وغيره قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبي وبم علمت حتى استيقنت قال أتاني آتيان وفي رواية ملكان وأنا ببطحاء مكة فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال هو هو فمر به رجل الحديث وفيه ثم قال أحدهما لصاحبه شق بطنه فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحهما فقال أحدهما لصاحبه اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاء أي الثوب الذي يتردى به ثم قال أحدهما لصاحبه خط بطنه فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن ووليا عني وكأني أرى الأمر معاينة وعند أحمد وصححه الحاكم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه


علقتين سوداوين فقال أحدهما ائتني بماء وثلج فغسلا به جوفي ثم قال ائتني بماء وبرد فغسلا به قلبي ثم قال ائتني بالسكينة فزادها في قلبي ثم قال أحدهما لصاحبه خطه فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة وبهذا يعلم أن القاضي عياضا لم يعلق في قوله هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه عليه الصلاة والسلام لأن بين ظرف للخاتم لا للشق فالحاصل أن الخاتم بين الكتفين إجماعا وأن الشق لما وقع في صدره ثم خيط حتى التأم كما كان ووقع الخاتم بين كتفيه كان ذلك أثر الشق وروى أبو نعيم أنه ختم به عند ولادته وقيل ولد به ولا منع من التعدد وزيادة أثر ما في كل مرة والله أعلم

الفصل الثاني


عن ابن عمر قال سئل رسول الله عن الماء يكون صفة أو حال في الفلاة أي في الصحراء أو المحل الواسع من الأرض وما ينوبه عطف على الماء على سبيل البيان نحو أعجبني زيد وكرمه يقال ناب المكان وأنابه إذا تردد إليه مرة بعد أخرى من الدواب والسباع بيان لما قال الخطابي فيه دليل على أن سؤر السباع نجس وإلا لم يكن لسؤالهم وجوابه بهذا الكلام معنى وذلك لأن المعتاد من السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها وتبول وربما لا تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها ذكره الطيبي والأول مذهبنا والثاني مذهب الشافعي فقال عليه الصلاة والسلام إذا كان الماء قلتين قيل القلة الجرة الكبيرة التي تسع مائتين وخمسين رطلا بالبغدادي فالقلتان خمسمائة رطل وقيل ستمائة وقال ابن الملك القلة معروفة بالحجاز قلت ولعلها كانت معروفة فيه وقال القاضي القلة التي يستسقى بها سميت بذلك لأن اليد تقلها وقيل القلة ما يستقله البعير كذا ذكره الطيبي وفي رواية أربعين قلة غربا أي دلوا وهي إن لم تصح موقعة للشبهة ورواية إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر مع عدم صحتها لا تخلو عن المجهولية وحمل بعضهم حديث القلتين على الجاري هذا وترك ظاهر الحديث في المتغير بنجاسة لوجود الإجماع أو لخبر الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على طعمه أو لونه أو ريحه وقيل الإستثناء فيه ضعيف اتفاقا وقال الطحاوي من علمائنا خبر القلتين صحيح وإسناده ثابت وإن تركناه لأنا لا نعلم ما القلتان ولأنه روى قلتين أو ثلاثا على الشك وقال ابن الهمام الحديث ضعيف وممن ضعفه الحافظ ابن عبد البر والقاضي إسماعيل بن إسحاق وأبو بكر


ابن العربي المالكيون ا ه ولا يخفى أن الجرح مقدم على التعديل كما في النخبة فلا يدفعه تصحيح بعض المحدثين ممن ذكره ابن حجر وغيره وسئل ابن معين عنه قال هو جيد وإن لم يحفظه ابن علية قال ابن حجر وما روي من أن زنجيا مات بزمزم فنزحها ابن عباس فإما ضعيف بل باطل كما بينه النووي وإما محمول على أن دمه غير ماءها أو نزحها استحبابا إذ المشهور عنه أن الماء قل أو كثر لا ينجس إلا بالتغير كما هو مذهب مالك واختاره جماعة من أصحابنا وفيه فسحة عظيمة للناس مخالف لمفهوم حديث القلتين المذكور كما علمت قال المحقق ابن الهمام وأما فتوى ابن عباس فرواها الدارقطني عن ابن سيرين أن زنجيا وقع في زمزم يعني مات فأمر به ابن عباس فأخرج وأمر بها أن تنزح قال فغلبتهم عين جاءت من الركن قال فأمر بها فسدت بالقباطي والمطارق حتى نزحوها فلما نزحوها انفجرت عليهم فهو مرسل لأن ابن سيرين لم ير ابن عباس ورواها ابن أبي شيبة عن هشيم عن منصور عن عطاء وهو سند صحيح ورواها الطحاوي عن صالح بن عبد الرحمن حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا منصور عن عطاء أن حبشيا وقع في زمزم فمات فأمر عبد الله بن الزبير فنزح ماؤها فجعل الماء لا ينقطع فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود فقال ابن سيرين حسبكم وهذا أيضا صحيح باعتراف الشيخ به في الإمام وما نقل عن ابن عيينة كنت أنا بمكة منذ سبع سنين لم أر صغيرا ولا كبيرا يعرف حديث الزنجي الذي قالوا أنه وقع في زمزم وقول الشافعي لا يعرف هذا عن ابن عباس وكيف يروي ابن عباس عن النبي الماء لا ينجسه شيء ويتركه وإن كان قد فعل فلنجاسة ظهرت على وجه الماء أو للتنظيف فدفع بأن عدم علمهما لا يصلح دليلا في دين الله تعالى ورواية ابن عباس ذلك كعلمك أنت به فكما قلت يتنجس ما دون القلتين لدليل آخر وقع عندك فلا تستبعد مثله من ابن عباس والظاهر من السوق ولفظ القائل مات فأمر بنزحها أنه للموت لا لنجاسة أخرى على أن عندك أيضا لا


تنزح للنجاسة ثم أنهما أي ابن عيينة والشافعي بينهما وبين ذلك الحديث قريب من مائة وخمسين سنة فكان إخبار من أدرك الواقعة وأثبتها أولى من عدم علم غيره وقول النووي كيف يصل هذا الخبر إلى أهل الكوفة ويجهله أهل مكة استبعاد بعد وضوح الطريق ومعارض بقول الشافعي لأحمد أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا فإذا كان خبر صحيح فاعلموني حتى أذهب إليه كوفيا كان أو بصريا أو شاميا فهلا قال كيف يصل هذا إلى أولئك ويجهله أهل الحرمين وهذا لأن الصحابة انتشرت في البلاد خصوصا العراق قال العجلي في تاريخه نزل الكوفة ألف وخمسمائة من الصحابة ونزل قرقيسا ستمائة وقرقيسا بالكسر ويقصر بلد على الفرات على ما في القاموس لم يحمل الخبث قال القاضي الحديث بمنطوقه يدل على أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس بملاقاة النجاسة فإن معنى لم يحمل لم يقبل النجاسة


كما يقال فلأن لا يحمل ضيما إذا امتنع عن قبوله وذلك إذا لم يتغير فإن تغير نجس ويدل بمفهومه على أنه إن كان أقل ينجس بالملاقاة وهذا المفهوم يخصص حديث خلق الماء طهورا عند من قال بالمفهوم ومن لم يقل به أجراه على عمومه كمالك فإن الماء قل أو كثر لا ينجس عنده إلا بالتغير وقيل لم يحمل يحتمل أنه لضعفه لم يحمله أو لقوته لم يقبله وبالرواية الثانية يترجح الثاني قلت الترجح يتوقف على أن لاتكون الرواية بالمعنى وحمل الرواية الشاذة على المعنى أولى والله أعلم ويحتمل أن يكون مدرجا من كلام أحد الرواة كما يدل عليه الفاء التعليلية فإن الحمل لما كان يحتمل أنه يكون من باب حمل الجسم كفلان لا يحمل الحجر أي لا يطيقه لثقله وأن يكون من باب حمل المعنى كفلان لا يحمل الغم أي لا يقبله ولا يصبر عليه ومنه قوله تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها الجمعة أي لم يقبلوا أحكامها علل الراوي بمقتضى رأيه وفهمه بقوله فإنه لا ينجس لكن يبقى أنه حينئذ لم يبق لذكر القلتين فائدة بل ولا يكون الجواب كافيا شافيا نعم لو قيل معنى لم يحمل الخبث أنه لم يتغير صريحا لصلح أن يكون حجة للمالكية ولظهر لذكر القلتين فائدة أغلبية رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والدارمي وابن ماجه وفي أخرى لأبي داود فإنه لا ينجس بفتح الجيم ويجوز ضمها كذا في الأزهار وروي الحديث موقوفا على ابن عمر وعن أبي سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة بضم الباء وأجيز كسرها وحكى أيضا بالصاد المهملة وهي بئر معروف بالمدينة قاله ابن الملك وقال الطيبي نقلا عن التوربشتي بضاعة دار بني ساعدة بالمدينة وهم بطن من الخزرج وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها والمحفوظ في الحديث الضم وهي بئر بالهمزة ويبدل يلقى يجوز فيه التذكير والتأنيث فيها الحيض بكسر الحاء وفتح الياء جمع حيضة بكسر الحاء وسكون الياء وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض أو تستشفرها


ولحوم الكلاب قال الطيبي ووجه معين يلقى فيها أن البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحتمل أن ينزل فيها أهل البادية فتلقى تلك القاذورات بافنية منازلهم فيكسحها السيل فيلقيها في البئر فعبر عنه القائل بوجه يوهم أن الإلقاء من الناس لقلة تدينهم وهذا مما لا يجوزه مسلم فأني
يظن ذلك بالذين هم أفضل القرون وأزكاهم والنتن بفتح النون وسكون التاء وتكسر وهي الرائحة الكريهة والمراد بها هنا الشيء المنتن كالعذرة والجيفة قيل كانت السيول تكسح الأقذار من الطرق والأفنية فتحملها وتلقيها في هذه البئر وكان ماؤها كثيرا سيالا يجري بها فسألوا عن حكمها في الطهارة والنجاسة فقال رسول الله إن الماء قيل الألف واللام للعهد الخارجي فتأويله أن الماء الذي تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة فالجواب مطابقي لا عموم كلي كما قاله الإمام مالك طهور أي طاهر مطهر كما تفيد صيغة المبالغة لكونه جاريا في البساتين لا ينجسه شيء أي ما لم يتغير بدليل الإجماع على نجاسة المتغير فما جاء في بعض الطرق أنه كان كنقاعة الحناء محمول على لون جوهر مائها والشافعية يقولون لأنها كانت كثيرة الماء أضعاف القلتين فلا يخالف حديث ابن عمر قال أبو داود مددت فيه ردائي فإذا عرضه ستة أذرع رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي قال السيد هذا حديث صحيح ا ه وفي المصابيح وروي عنه عليه الصلاة والسلام أي في جواب السؤال المذكور قال خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه قال شارحه ابن الملك قاس الشافعي اللون على الطعم والريح المنصوص عليهما في الحديث وأغرب ابن حجر في قوله أخذ مالك بعموم هذا يلزم عليه الغاء العمل بمفهوم حديث القلتين مع عدم المسوغ لذلك قلت المسوغ له أنه لم يقل بالمفهوم كما هو قول أئمتنا ثم قوله وقول أبي حنيفة إن الماء يتنجس مطلقا إلا إذا عظم بحيث لا يتحرك طرفه بتحرك طرفه الآخر مخالف لهذا الحديث ولمنطوق حديث القلتين لا يضر إذ ما خالفهما


إلا وقد ثبت عنده ما يوجب مخالفتهما وقد تقدم علة القلة وعلة الإمتناع عن الأخذ بعموم هذا الحديث مشتركة بين أبي حنيفة والشافعي وعن أبي هريرة قال سأل رجل رسول الله فقال يا رسول الله انا نركب البحر أي مراكبة من السفن ونحمل معنا القليل من الماء أي ماء الحلو فإن توضأنا به
عطشنا بكسر الطاء أفنتوضأ بماء البحر وهو ضد البر يعني أو نتيمم فقال رسول الله هو أي البحر الطهور أي المطهر ماؤه لأنهم سألوه عن تطهير مائه لا عن طهارته والحصر فيه قلت للمبالغة وهذا يدل على أن التوضوء بماء البحر جاز مع تغير طعمه ولونه كذا قاله ابن الملك وفيه أن طعمه ولونه جبليان لا أنهما متغيران على ما هو الظاهر مع أن التغير باللبث لا يضر قال الطيبي نقلا عن الزجاج إن الطهور هو الماء الذي يتطهر به ولا يجوز إلا أن يكون طاهرا في نفسه مطهرا لغيره لأن عدو لهم عن صيغة الفاعل إلى فعول أو فعيل لزيادة معنى لأن اختلاف المباني لاختلاف المعاني كما في شاكر وشكور لكن زيادة الطهارة ليست بالنسبة إلى طاهر آخر هو أطهر منه بل بالقياس إلى ما يتطهر به ففيه معنى الطهارة والتطهير بخلاف طاهر وإن كان القياس أن تعتبر زيادة الطهارة لأنه فعل لازم وفي شرح السنة في الحديث أن الطهور هو المطهر لأنهم سألوه عن التطهير وقال مالك الطهور ما يتكرر فيه التطهير كالصبور فجوز الوضوء بالمستعمل ا ه وهو احتمال ضعيف لا يصلح أن يكون حجة على الخصم ولما سئل النبي عن ماء البحر وعلم جهلهم بحكم مائه قاس جهلهم بحكم صيده مع عموم قوله تعالى حرمت عليكم الميتة المائدة فزاد في الجواب إرشادا وهداية كما هو حال الحكيم العارف بالداء والدواء فقال والحل ميتته فالميت من السمك حلال بالإتفاق وفيما عداه خلاف محله كتب الفقه رواه مالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي قال السيد هذا حديث صحيح وقال ابن حجر سنده صحيح ومنه يؤخذ مع الخبر الصحيح وهو من لم يطهره ماء البحر فلا


طهره الله أنه لا كراهة في الطهارة به وإن كرهه جماعة من الصحابة وخبر تحت البحر نار وتحت النار بحر حتى عد سبعة ضعيف اتفاقا على أنه لو صح لم يكن دليلا للكراهة وعن أبي زيد لم يذكره المصنف في أسمائه عن عبد الله بن مسعود أن النبي قال له أي لعبد الله ليلة الجن أي ليلة ذهب الجن بالنبي إلى قومهم ليتعلموا منه الدين وكان معه عبد الله بن مسعود وفي رواية زيد بن ثابت ما في ادواتك أي أي شيء في مطهرتك في النهاية الإدواة بالكسر إناء صغير من جلد قال أي ابن مسعود قلت نبيذ


وفي المصابيح نبيذ تمر وهو ماء يلقى فيه تمرات ليحلو وقيل النبيذ هو التمر أو الزبيب المنبوذ أي الملقى في الماء لتتغير ملوحته ومرارته إلى الحلاوة قال تمرة طيبة وماء طهور وزاد في المصابيح وتوضأ منه وفيه دليل على أن التوضوء بنبيذ التمر جائز وبه قال أبو حنيفة خلافا للشافعي إذا تغير رواه أبو داود قال ابن الهمام وابن ماجة أيضا وزاد أحمد والترمذي فتوضأ منه قال ابن الهمام ورواه ابن أبي شيبة مطولا وفيه هل معك من وضوء قلت لا قال فما في ادواتك قلت نبيذ تمر قال تمرة حلوة وماء طيب ثم توضأ وأقام الصلاة ا ه وكان حق المؤلف أن يأتي بقوله فتوضأ منه أولا كما هو في المصابيح ثم يقول رواه أحمد والترمذي ورواه أبو داود إلى طهور حتى لا يوهم أنه ليس في المصابيح وقال الترمذي أبو زيد أي الراوي هذا الحديث عن ابن مسعود مجهول قال ابن الهمام فيه أنه ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي أن أبا زيد مولى عمرو بن حريث روى عنه راشد بن كيسان العبسي الكوفي وأبو روق وهذا يخرجه عن الجهالة ا ه قال السيد جمال الدين أجمع المحدثون على أن هذا الحديث ضعيف قال التوربشتي حديث نبيذ التمر قد روي عن ابن مسعود وفي أسانيد سائرها لأهل النقل مقال غير أن الحديث إذا روي من طرق شتى غلب على ظن المجتهد كونه حقا خصوصا عند من يرى المسلمين كلهم عدولا في أخبار الديانات وصح عن علقمة عن عبدالله بن مسعود قال لم أكن ليلة الجن مع رسول الله أي فلم يكن ما روي عنه ثابتا ولئن ثبت فلم يكن متغيرا بل كان معدا للشرب فإنهم كانوا يفعلون ذلك ليجتذب ملوحة مائهم فيكون أوفق وأنفع لأمزجتهم كذا ذكره ابن الملك قال التوربشتي الذي ذكره المؤلف من صحة حديث علقمة عن ابن مسعود وعلى ما ذكره لكنا نقول يمكن الجمع بأنه لم يكن معه عند معارضة الجن ودعائهم إلى الإسلام وكان قد خرج معه بمدرجته على ما ذكر في الحديث عن ابن مسعود فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فخط لي


خطا وأجلسني فيه وقال لا تخرج من هذا فبت حتى آتاني مع السحر ويحتمل أنه لم يكن معه أولا حين خرج ثم لحقه آخرا وهذا الوجه أوفق لما في بعض طرق حديث علقمة
عن عبد الله الذي استدل به المصنف إن علقمة قال قلت لابن مسعود هل صحبه أحد منكم ليلة الجن قال لا ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا اغتيل استطير ما فعل فبتنا بشر ليلة فإذا كان وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء ثم ساق الحديث ولا تنافي بين قوله ليلة الجن لأن سحرها منها وتعليل ترك العمل بحديث أبي زيد وغيره عن ابن مسعود بأن ذلك كان بمكة قبل استقرار الأحكام وتزول المائدة بسنين كثيرة أوجه من الإقدام على رد تلك الأحاديث رواه مسلم قال ابن الهمام وأما ما روي عن ابن مسعود أنه سئل عن ليلة الجن فقال ما شهدها منا أحد فهو معارض بما في حديث ابن أبي شيبة من أنه كان معه وروى أيضا أبو حفص بن شاهين عنه أنه قال كنت مع النبي ليلة الجن وعنه أنه رأى قوما من الزط فقال هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن والإثبات مقدم على النفي وإن جمعنا فالمراد ما شهدها منا أحد غيري نفيا لمشاركته وإبانة اختصاصه بذلك وقد ذكر صاحب أكمام المرجان في أحكام الجان أن ظاهر الأحاديث الواردة في وفادة الجن أنها كانت ست مرات وذكر منها مرة في بقيع الغرقد قد حضرها ابن مسعود مع رسول الله مرتين بمكة ومرة رابعة خارج المدينة حضرها الزبير بن العوام فعلى هذا لا يقطع بالنسخ ا ه وفي خزانة الأكمل قال التوضوء بنبيذ التمر جائز من بين سائر الأشربة عند عدم الماء ويتيمم معه عند أبي حنيفة وبه أخذ محمد وفي رواية عنه يتوضأ ولا يتيمم وفي رواية يتيمم ولا يتوضأ وبه أخذ أبو يوسف وروى نوح الجامع أن أبا حنيفة رجع إلى هذا القول ثم قال في الخزانة قال مشايخنا إنما اختلف أجوبته لاختلاف السائل سئل مرة إن كان الماء غالبا قال يتوضأ وسئل مرة إن كانت الحلاوة غالبة قال يتيمم ولا يتوضأ وسئل مرة إذا لم يدر أيهما


الغالب قال يجمع بينهما فقول ابن حجر فلا يحتج بروايته هذه على جواز الوضوء بالنبيذ وإن قال أبو حنيفة والثوري بجوازه في السفر عند فقدان الماء ولم يباليا بأنه خلاف ما يصرح به قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا المائدة من أنه عند فقد الماء لا يجوز إلا التيمم فتجويز النبيذ حينئذ مخالف لذلك على أنه كان ينبغي لأولئك أن يؤولوا هذا الحديث بتقدير صحته ليوافق الآية على أن تلك التمرة الملقاة في الماء لم تغيره تغيرا ضارا وتسمية ابن مسعود له نبيذا من مجاز الأول أو المراد به الوضع اللغوي وهو ما ينبذ فيه شيء وإن لم يغيره ا ه إنما نشأ عن قلة اطلاع على كلامهم أصلا وفصلا وكأنه ادعى أنه لم يعلم معنى الآية إلا هو بفهمه الفاتر وعقله القاصر ثم في نسبته عدم المبالاة بصريح الآية إلى الإمامين الأعظمين قلة مبالاة في الدين وكثرة جراءة على أرباب اليقين سامحه الله بما زلق قدمه


وسبق قلمه ثم ما قيل من أن الأمة أجمعت على أن الحدث لا يرفعه إلا الماء غير صحيح بل غلط صريح لأن مذهبنا أن التيمم يرفعه بل قال أبو ليلى بجواز رفع الحدث وإزالة النجس بكل مائع طاهر وعن كبشة بنت كعب بن مالك أنصاري خزرجي قال المصنف هي زوجة عبد الله بن أبي قتادة رضي الله عنه حديثها في سؤر الهرة روت عن أبي قتادة وعنها حميدة بنت عبيد بن رفاعة وكانت تحت ابن أبي قتادة وهو الحارث بن الربعي الأنصاري فارس رسول الله واسم ابنه عبد الله والمعنى كانت زوجة ولده أن أبا قتادة دخل عليها أي على كبشة فسكبت أي كبشة يعني صبت وقال الأبهري بضم التاء على التكلم ويجوز السكون على التأنيث ا ه لكن أكثر النسخ الحاضرة المصححة بالتأنيث ويؤيد المتكلم ما في المصابيح قالت فسكبت له أي لأبي قتادة وضوءا بفتح الواو أي ماء الوضوء في إناء فجاءت هرة تشرب منه حال أو صفة فأصغى لها الإناء أي أماله إليها حتى شربت أي سهلا قالت كبشة فرآني أي أبو قتادة أنظر إليه أي إلى فعله متعجبة فقال أتعجبين أي بشربها من وضوئي يا ابنة أخي هذا على عادة العرب أن بعضهم يقول لبعض يا ابن أخي وإن كانا ابنا عمين ويا أخا فلان وإن لم يكن أخا له في الحقيقة ويجوز في تعارف الشرع لأن المؤمنين أخوة وقول ابن حجر مراده أخوة الإسلام لما تقرر أنها زوجة ابنه تعليل غير صحيح لعدم المنافاة بل لكونها بنت كعب بن مالك وأبو قتادة بن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة قالت فقلت نعم قال إن رسول الله قال إنها أي الهرة أو سؤرها ليست بنجس مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث ولو قيل بكسر الجيم لقيل بنجسة لأنها صفة الهرة كذا قاله بعض الشراح وذكر الكازروني أن بعض الأئمة قال هو بفتح الجيم والنجس النجاسة فالتقدير إنها ليست بذات نجس وفيما سمعنا وقرأنا على مشايخنا هو بكسر الجيم وهو القياس أي ليست بنجسة ولم يلحق التاء نظرا إلى أنها في معنى السؤر ا ه وأكثر النسخ المصححة


على الأول فعليه المعول لأن النجس بالفتح في اصطلاح الفقهاء عين النجاسة وبالكسر المتنجس إنها استئناف فيه معنى التعليل أي لأنها من الطوافين
الطائف الذي يخدمك برفق شبهها بالمماليك وخدمة البيت الذين يطوفون للخدمة قال الله تعالى طوافون عليكم بعضكم على بعض النور وألحقها بهم لأنها خادمة أيضا حيث تقتل المؤذيات أو لأن الأجر في مواساتها كما في مواساتهم وهذا يدل على أن سؤرها طاهر وبه قال الشافعي وعن أبي حنيفة أنه مكروه كذا ذكره ابن الملك وقال الطيبي قوله إنها من الطوافين من ترتيب الحكم على الوصف المناسب إشعارا بالعلية فعلى هذا ينبغي أن يكون سؤر الهرة على تقدير نجاسة فمها معفوا عنه للضرورة كطين الشارع ويؤيده قول عمر رضي الله عنه في الفصل الثالث كما سنقرره هذا هو المختار عند أبي حامد الغزالي فإنه قال الأحسن تعميم العفو وقال النووي في الروضة سؤر الهرة طاهر لطهارة عينها ولا يكره ولو تنجس فمها ثم ولغت في ماء قليل ففيه ثلاثة أوجه ثالثها التفصيل وهو الأصح فإنها إن غابت بمقدار يحتمل ولوغها في ماء مطهر كان طاهرا وإلا نجسا ا ه قال ابن حجر هو من باب عطف المغاير علل اصغاءه لها الإناء بأمرين متغايرين وفيه أنه غير صحيح لفظا ومعنى ومن الغرائب أنه جعل قول الطيبي مقابلا لقوله وضعفه بقوله قيل ويصح الخ فتأمل يظهر لك طرق الزلل قال ابن الهمام الأصح أنه يكره كراهة تنزيه وكفى فيها أنها لا تتحامى النجاسة فيكره كما لو غمس الصغير يده فيه وأما النجاسة فالإتفاق على سقوطها بعلة الطواف المنصوص في قوله إنها من الطوافين يعني أنها تدخل المضايق ولملازمة شدة المخالطة بحيث يتعذر معه صون الأواني منها بل النفس والضرورة اللازمة من ذلك أسقطت النجاسة كما أنه سبحانه وتعالى أوجب الإستئذان وأسقطه عن المملوكين بقوله والذين لم يبلغوا الحلم النور أي عن أهلهم في تمكينهم من الدخول في غير الأوقات الثلاثة بغير اذن للطواف المفاد بقوله


عقيبه طوافون عليكم بعضكم على بعض ا ه وعن أبي يوسف أن سؤر الهرة غير مكروه وإن أكلت الهرة الفأرة ثم شربت الماء على الفور يتنجس وإن مكثت ساعة ولحست فمها فمكروه وليس بنجس عندهما خلافا لمحمد بناء على أن التطهير بغير الماء كذا في شرح المنية عليكم فيتمسحون بأيديكم وثيابكم فلو كانت نجسة لأمرتكم بالمجانبة عنها فهذا بيان لقوله إنها ليست بنجس كذا قاله بعض الشراح والتحقيق ما تقدم أو الطوافات شك من الراوي كذا قاله ابن الملك وقال في الأزهار شبه ذكورها بالطوافين وإناثها بالطوافات وقال ابن حجر وليست للشك لوروده بالواو في روايات أخر بل للتنويع ويكون ذكر الصنفين من الذكور والأناث رواه مالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي وقال الترمذي حديث حسن صحيح نقله السيد وروى الدارقطني إنها كانت تمر به عليه الصلاة والسلام فيصغي لها الإناء فتشرب منه ثم يتوضأ


بفضلها وضعفه عبد ربه ولكن قلنا هذا دليل أبي يوسف وهو رواه عن عبد ربه عن سعيد المقبري عن أبيه عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت كان رسول الله تمر به الهرة فيصغى لها الإناء فتشرب منه ثم يتوضأ بفضلها وأبو يوسف أدرى بعبد ربه من الدارقطني لعلمه بحال شيخه ويشهد لصحته ما رواه هو وابن ماجه والطحاوي من حديث حرث بن محمد عن عروة عن عائشة قالت كنت أتوضأ أنا ورسول الله في إناء واحد وقد أصابت منه الهرة قبل ذلك وما في السنن المتقدمة وما في معجم الطبراني سئل أنس بن مالك عن الهرة قال خرج رسول الله إلى أرض بالمدينة يقال لها بطحان فقال ياأنس اسكب لي وضوءا فسكبت له فلما قضى حاجته أقبل إلى الإناء وقد أتى هر فولغ في الإناء فوقف له رسول الله وقفة حتى شرب الهر ثم سألته فقال يا أنس إن الهر من سباع البيت لن يقذر شيئا ولن ينجسه وما في صحيح ابن خزيمة عن عائشة أن رسول الله قال إنها ليست بنجسة هي كبعض أهل البيت وفي سنن الدارمي هي كبعض متاع أهل البيت وأما خبر يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا ومن ولوغ الهرة مرة مدرج من قول أبي هريرة كما بينه البيهقي وغيره وإن خفي على الطحاوي ولذا قال سؤر الهرة مكروه كراهة تحريم والله أعلم وأما ما اشتهر بين الناس من أنه عليه الصلاة والسلام قطع ذيل ثوبه الذي رقدت عليه هرة فلا أصل له وعن داود مولى الأنصاري قاله الطيبي ابن صالح بن دينار أي التمار قاله الطيبي وهو مدني روى عن سالم بن عبد الله وعن أبيه وأمه كذا ذكره المصنف في فصل التابعين عن أمه لم تسم قاله ميرك أي عن أم داود أن مولاتها أي مولاة أمه أي معتقتها ولم تسم أيضا ذكره ميرك أرسلتها أي أمه بهريسة في القاموس الهرس الأكل الشديد والدق العنيف ومنه الهريس والهريسة إلى عائشة قالت أي أمه فوجدتها أي عائشة تصلي فأشارت إلي باليد أو بالرأس أن ضعيها مفسرة أو مصدرية أي بوضعها قال الطيبي إن مفسرة لمعنى القول في الإشارة وفيه إن مثل


هذه الإشارة جائزة في الصلاة ا ه لأنها ليست بعمل كثير وقول ابن حجر إن مفسرة لأن الإشارة كلام لغو فجاءت هرة فأكلت منها
أي بعضها فلما انصرفت عائشة من صلاتها أكلت من حيث أكلت الهرة أي من محل أكلها فقالت هو إما جواب عن سؤال مقدر أو محقق إن رسول الله قال إنها ليست بنجس بفتح الجيم وقيل بالكسر إنها من الطوافين عليكم ظاهره أن أو فيما تقدم للشك ويمكن أن يكون هنا اقتصارا أو يحمل على التغليب وإني رأيت رسول الله يتوضأ بفضلها أي بفضل الهرة يعني في الإناء بعد شربها وهذا على القول بأنه طاهر ظاهر وأما على القول بالكراهة التنزيهية فمحمول على العمل بالرخصة وبيان الجواز رواه أبو داود قال ابن حجر وسنده حسن وفيه نظر لأنه قال الدارقطني تفرد به عبد العزيز بن محمد الدلاوردي عن داود بن صالح عن أمه عن عائشة بهذا اللفظ كذا نقله السيد عن التخريج وروى أحمد والدارقطني والحاكم أنه دعي لدار فأجاب ولأخرى فلم يجب فقيل له في ذلك فقال إن في تلك كلبا فقيل وفي هذه هرة فقال إن الهرة ليست بنجسة قال العلماء يستحب اتخاذ الهرة وتربيتها أخذا من الأحاديث وأما حديث حب الهرة من الإيمان فموضوع على ما قاله جماعة كالصفاني والعجب من الجرجاني والتفتازاني في بحثهما فيه ومناقشتهما في أن إضافته هل هي من إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله والظاهر الثاني كما بينته في رسالة مستقلة وعن جابر أي ابن عبد الله قال سئل رسول الله أنتوضأ بنون المتكلم بما قال التوربشتي كلمة ما في الموضعين بمعنى الذي وقد رواه بعض الناس بالمد ولا أراه إلا تصحيفا أفضلت الحمر أي الأهلية أو الوحشية بضمتين جمع حمار أي أبقته من فضالة الماء الذي تشربه قال نعم وبما أفضلت السباع كلها قال ابن الملك وهذا يدل على أن سؤر السباع طاهر وبه قال الشافعي إلا سؤر الكلب والخنزير وعند أبي حنيفة سؤر السباع كلها نجس ا ه وقد تقدم في أول الفصل ما يدل على أن سؤر السباع نجس وذلك حديث


صحيح وهذا رواه في شرح السنة ورواه الشافعي في مسنده من حديث داود بن الحصين عن أبيه عن جابر وفي بعض رواياته داود بن الحصين عن جابر ولم يذكر أباه كذا نقله السيد من التخريج وقال ابن الهمام يحمل هذا الحديث وحديث سئل عن الحياض الآتي على الماء الكثير أو على ما قبل تحريم لحوم السباع على أن الحديث الثاني معلول بعبد
الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه ابن ماجة والأول أخرجه الدارقطني وفيه داود بن الحصين ضعفه ابن حبان لكن روى عنه مالك وأما سؤر الحمار وكذا البغل فمشكوك في طهوريته على الأصح وسبب الشك تعارض الأدلة في إباحته وحرمته فحديث خيبر في إكفاء القدور وفي بعض رواياته أنه عليه الصلاة والسلام أمر مناديا ينادي بإكفائها فإنه رجس رواه الطحاوي وغيره يفيد الحرمة وحديث غالب بن أبجر بمفتوحة فموحدة ساكنة فجيم مفتوحة فراء حيث قال له عليه الصلاة والسلام هل لك من مال فقال ليس لي مال إلا حميرات لي بالرفع والنصب فقال عليه الصلاة والسلام كل من سمين مالك يفيد الحل واختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في طهارته ونجاسته فعن ابن عمر نجاسته وعن ابن عباس طهارته كذا حققه ابن الهمام وعن أم هانىء بالهمزة هي أخت علي بن أبي طالب قال المصنف اسمها فاختة بنت أبي طالب كان رسول الله خطبها في الجاهلية وخطبها هبيرة بن أبي وهب فزوجها أبو طالب من هبيرة وأسلمت ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة وخطبها النبي فقالت والله إن كنت لأحبك في الجاهلية فكيف في الإسلام ولكني امرأة مصيبة فسكت عنها روى عنها خلق كثير منهم علي وابن عباس قالت اغتسل رسول الله هو وميمونة بالرفع وقيل بالنصب وهي من أمهات المؤمنين بنت الحارث الهلالية العامرية يقال إن اسمها كان برة فسماها النبي ميمونة كانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية ففارقها فتزوجها أبو درهم وتوفى عنها فتزوجها النبي في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضاء بسرف على عشرة أميال من مكة وقدر الله أنها


ماتت في المكان الذي تزوجها فيه بسرف سنة إحدى وستين وصلى عليها ابن عباس وهي أخت أم الفضل امرأة العباس وهي آخر أزواج النبي روى عنها جماعة منهم ابن عباس في قصعة بفتح القاف ظرف كبير فيها أثر العجين وهو الدقيق المعجون بحيث لم يكن أثره في تلك القصعة كثيرا مغيرا للماء وجازت الطهارة به عند أبي حنيفة خلافا للشافعي ذكره ابن الملك وقال الطيبي الظاهر أن أثر العجين في تلك القصعة لم يكن كثيرا مغيرا للماء رواه النسائي وابن ماجه قال السيد وابن حبان في صحيحه أيضا
الفصل الثالث


عن يحيى بن عبد الرحمن قال الطيبي يحيى مدني سمع أباه وابن الزبير وابن عمر وعبد الرحمن بن حاطب قال المصنف هو يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة مدني روى عن جماعة من الصحابة وجماعة عنه قال إن عمر رضي الله عنه خرج في ركب أي جماعة من الراكبين فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا أي وحضروا صلاة فقال عمرو يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع فقال عمر بن الخطاب يا صاحب الحوض لا تخبرنا قال الطيبي يعني أن إخبارك بورودها وعدمه سواء فإن أخبرتنا بسوء الحال فهو عندنا جائز سائغ قال ابن حجر لأنا لا نمتنع مما ترده لعسر تجنبه المقتضي لبقائه على طهارته فإنا نرد على السباع وترد علينا أي لا نخالط السباع وهي واردة علينا قال ابن حجر لأنا نرد على ما فضل منها وهي ترد على ما فضل منا ا ه والأظهر أن يحمل قوله لا تخبرنا على إرادة عدم التنجس وبقاء الماء على طهارته الأصلية ويدل عليه سؤال الصحابي وإلا فيكون عبثا ثم تعليله بقوله فإنا الخ إشارة إلى أن هذا الحال من ضرورات السفر وما كلفنا بالتفحص فلو فتحنا هذا الباب على أنفسنا لوقعنا في مشقة عظيمة رواه مالك وسنده صحيح قاله ابن حجر وزاد رزين قال زاد بعض الرواة في قول عمر رضي الله تعالى عنه وإني سمعت رسول الله يقول لها أي للسباع ما أخذت في بطونها أي مما شربته حقها الذي قسم لها وما فضلت فهو حقنا وليس في هذه الزيادة على تقدير صحتها دلالة صريحة على مذهب الشافعية فإنه يحمل على الإبهام وعدم التنجس كما تقدم وقول ابن


حجر وهذه الزيادة سيأتي معناها عن ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري وسندها صحيح وهي صريحة في طهارة سؤر السباع إلى آخر ما ذكره غير صحيح نشأ عن غفلة من فهم الحديث الثاني فإن فيه ذكر الكلاب وهي منجسة بالإتفاق فجوابهم يكون جوابنا وجوابهم بأن نجاسة الكلب علم من حديث آخر مدفوع بعدم علم التاريخ وأما سكوت عمرو على قول عمر لما تقدم ومع الإحتمال لا يصح الإستدلال ثم قوله وحمل ماء الحوض والحياض على أنه كان كثيرا يحتاج لدليل دليله الجمع بين الدليلين مع أن الحوض في اللغة والعرف لا يكون إلا في الماء الكثير وقوله وزعم أن ذلك قبل تحريم لحوم السباع باطل لأن الأشياء ما حرمت إلا تدريجا كما أنها ما فرضت إلا شيئا فشيئا ويدل عليه قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به قال البيضاوي والآية محكمة لأنها تدل على أنه لم يجد فيما أوحى الي تلك الآية محرما غير هذه وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر وقال البغوي في تفسير الآية فذهب بعض أهل العلم أن التحريم مقصور على هذه الأشياء يروى ذلك عن عائشة وابن عباس وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء فالمحرم بنص الكتاب ما ذكر وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها وذكر في اختلاف الأئمة أن العلماء اتفقوا على تحريم كل ذي ناب من السباع إلا مالكا فإنه أباح ذلك مع الكراهة هذا وحديث سئل عن الماء في الفلاة وترده السباع والدواب فقال إذا كان الماء قلتين حجة إلزامية على الشافعية وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله سئل عن الحياض أي الغدران التي بين مكة والمدينة في البراري تردها أي الحياض السباع والكلاب والحمر عن الطهر أي التطهر بدل من الحياض بإعادة العامل منها أي من الحياض فقال لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر بفتح الباء أي بقي طهور بفتح الطاء وهو خبر مبتدأ محذوف وقد تقدم تأويل


الحديثين رواه ابن ماجه قال ابن حجر وسنده حسن وعن عمر بن الخطاب قال لا تغتسلوا بالماء المشمس وهو أن يوضع الماء
في الشمس ليسخن كذا قيل وظاهره الإطلاق فيشمل ما وضع وغيره وقال ابن حجر أي المشمس في إناء منطبع وهو ما يمتد تحت المطرقة من غير النقدين في قطر حار وقت الحر أي لا تستعملوه في أبدانكم قليلا كان أو كثيرا فإنه يورث البرص أي طبا لما ذكره بعض الأطباء واعلم أن استعمال الماء المشمس مكروه على الأصح من مذهب الشافعي والمختار عند متأخري أصحابه عدم كراهيته وهو مذهب الأئمة الثلاثة والماء المسخن غير مكروه بالإتفاق وحكي عن مجاهد كراهته وكره أحمد المسخن بالنجاسة رواه الدارقطني قال ميرك حديث ضعيف فقول ابن حجر بإسناد صحيح يحتاج إلى بيان وقوله لم ينقل عن أحد من الصحابة مخالفة عمر في ذلك فكان كالإجماع محله إذا كان بمحضر منهم ولا يكون النهي تنزيهيا للإحتياط بناء على كلام واحد من الأطباء مع أنه لا اعتبار لكلامهم جميعا في سائر الأمور الشرعية حتى في أمر الهلال الذي ما حققوا شيئا مثل تحقيقهم فيها ومن الغرائب أن جماعة من الشافعية جعلوا هذا من عمر في حكم المرفوع وأيدوه بخبر ضعيف بل موضوع وهو ما أخرجه الدارقطني وأبو نعيم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت سخنت للنبي ماء في الشمس فقال لا تفعلي فإنه يورث البرص ثم على التنزل في قبول الحديثين من أين تؤخذ الشروط المذكورة في فقه الشافعية المخالفة لظاهر الخبرين ولذا قيل لم يثبت عن الأطباء فيه شيء وحديث عمر ضعيف فثبت أنه لا أصل لكراهته


باب تطهير النجاسات

أي الحقيقية بالماء وغيره
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا شرب الكلب في
إناء أحدكم ضمن شرب معنى ولغ فعدي تعديته في النهاية ولغ الكلب إذا شرب بلسانه فليغسله أي ذلك الإناء سبع مرات فيه حجة لمالك لغسله سبعا من غير تراب لكن تعبدا لا لكونه نجسا متفق عليه وفي رواية لمسلم قال طهور بضم الطاء وتفتح قال النووي الأشهر فيه ضم الطاء ويقال بفتحها لغتان نقله السيد وقال ابن الملك بضم الطاء بمعنى التطهر أو الطهارة إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب قال الطيبي هو مبتدأ والظرف معمول له والخبر أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب أي معهن وفي رواية أخرى إحداهن بالتراب قال ابن حجر وهي صحيحة أيضا على ما ذكره النووي في بعض كتبه لكن بين في محل آخر أن في سندها ضعيفا ومجهولا وفي رواية صحيحة أولاهن أو أخراهن بالتراب وأو فيها للشك كما بينه البيهقي وغيره وفي أخرى صحيحة أيضا وعفروه الثامنة بالتراب أخذ بظاهرها أحمد وغيره وقيل لا تعارض لإمكان الجمع بحمل رواية أولاهن على الأكمل إذ الأولى أحب من غيرها اتفاقا وحمل رواية السابعة على الجواز ورواية إحداهن على الإجزاء قال ابن الملك فيجب استعمال الطهورين في ولوغ الكلب لكون نجاسته أغلظ النجاسات ولو ولغ كلبان أو كلب واحد سبع مرات فالصحيح أنه يكفي للجميع سبع وهذا مذهب الشافعي وعند أبي حنيفة يغسل من ولوغه ثلاثا بلا تعفير كسائر النجاسات وفي شرح السنة مذهب أكثر المحدثين أنه إذا ولغ في ماء أو مائع يغسل سبع مرات إحداهن مكدرة بالتراب وفي الشرح الكبير عن مالك لا يغسل من غير الولوغ لأن الكلب طاهر عنده والغسل من الولوغ تعبد وقال أصحاب أبي حنيفة لا عدد في غسله ولا تعفير بل هو كسائر النجاسات وفي صحيح البخاري عن عطاء لا يرى بشعر الإنسان بأسا أن يتخذ منه الخيوط والحبال وبسؤر الكلاب وممرها في المسجد وقال الزهري إذا ولغ في الإناء وليس له وضوء


غيره يتوضأ به وقال سفيان هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى فلم تجدوا ماء المائدة وفي التفسير منه شيئا يتوضأ ويتيمم ا ه وقال ابن الهمام روى الدارقطني عن الأعرج عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام
في الكلب يلغ في الإناء يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا رواه ابن عربي مرفوعا إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهريقه وليغسله ثلاث مرات ورواه الدارقطني بسند صحيح عن عطاء موقوفا على أبي هريرة أنه كان إذا ولغ في الإناء إهراقه ثم غسله ثلاث مرات وحينئذ فيعارض حديث السبع ويقدم عليه لأن مع حديث السبع دلالة التقدم للعلم بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الأمر حتى أمر بقتلها والتشديد في سؤرها يناسب كونه إذ ذاك وقد ثبت نسخ ذلك فإذا عارض قرينته معارض كان التقدم له فالأمر الوارد بالسبع محمول على الإبتداء مع أن في عمل أبي هريرة على خلاف حديث السبع وهو راويه كفاية لإستحالة أن يترك القطعي للراوي منه وهذا لأن ظنية خبر الواحد إنما هو بالنسبة إلى غير راويه فأما بالنسبة إلى راويه الذي سمعه من في رسول الله فقطعي حتى ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي الدلالة في معناه فلزم أنه لا يتركه إلا لعلمه بالناسخ إذ القطعي لا يتركه بمنزلة روايته للناسخ بل أشبه فيكون الآخر بالضرورة وعنه أي عن أبي هريرة قال قام أعرابي وهو ذو الخويصرة التميمي فبال في المسجد فتناوله الناس أي بألسنتهم سبا وشتما قال الطيبي أي وقعوا فيه يؤذونه وقال ابن الملك أخذوه للضرب والأظهر زجروه ومنعوه من غير ضرب وإيذاء كما في الحديث الآتي فقال لهم النبي دعوه أي اتركوه فإنه معذور لأنه لم يعلم عدم جواز البول في المسجد لقربه بالإسلام وبعده عنه عليه الصلاة والسلام وقيل لئلا يتعدد مكان النجاسة وقيل لئلا يتضرر بانحباس البول وهريقوا وفي نسخة أهريقوا بسكون الهاء بعد همزة وهو مطابق لما في المصابيح على ما نقله ابن الملك قال الطيبي أمر من إهراق يهريق بسكون الهاء إهراقا


نحو إسطاعا وأصله أراق فأبدلت الهمزة هاء ثم جعل عوضا عن ذهاب حركة العين فصارت كأنها من نفس الكلمة ثم أدخل عليها الهمزة أي صبوا على بوله سجلا بفتح السين أي دلوا من ماء أو ذنوبا بفتح الذال وهو الدلو أيضا قال الطيبي الظاهر أنه من كلام الراوي وقال ميرك شك من الراوي ويحتمل أن يكون من كلام رسول الله فيكون
للتخيير لما بينهما من فرق والأول أظهر ا ه ومال ابن الملك إلى الثاني وقال يعني خيرهم بين أن يهريقوا فيه سجلا غير ملأى أو ذنوبا ملأى قال الطيبي السجل الدلو فيه الماء قل أو كثر وهو مذكر والذنوب يؤنث وهو ما ملىء ماء فقوله من ماء أي في الموضعين زيادة وردت تأكيدا ا ه لأن السجل والذنوب لا يستعملان إلا في الدلو التي فيها الماء وقيل من للتبيين لإحتمال أن يكون من ماء وغيره وهذا قول من يجوز التطهير بغير الماء قال ابن الملك وقد صرح الغزالي في المنخول بأن استدلال الشافعية بهذا الخبر غير صحيح لأن الغرض قطعا من تخصيص الماء ما اختص به الماء من عموم الموجود والمقصود من الحديث الإبتدار إلى تطهير المسجد لا بيان ما تزال به النجاسة قال المظهر في الحديث دليل على أن الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والمغالبة طهرها وعلى أن غسالات النجاسة طاهرة إذا لم يكن فيها تغير وإن لم تكن مطهرة ولولاه لكان الماء المصبوب على البول أكثر تنجيسا للمسجد من البول نفسه قال ابن الملك وعند أبي حنيفة لا يطهر حتى يحفر ذلك التراب فإن وقع عليه الشمس وجفت أو ذهب أثرها طهرت عنده من غير حفر ولا صب ماء ا ه قال ابن الهمام قول صاحب الهداية فجفت بالشمس اتفاقي إذ لا فرق بين الجفاف بالشمس أو الريح والمراد من الأثر الذاهب اللون أو الريح ا ه وفي شرح السنة فيه دلالة على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة لا تطهر بالجفاف ولا يجب حفر الأرض ولا نقل التراب إذا صب عليه الماء نقله الطيبي قال ابن الهمام ليس فيه دلالة على أن الأرض لا تطهر


بالجفاف وقد صح عن ابن عمر أنه قال كنت عزبا أبيت في المسجد وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك فلولا اعتبارها أنها تطهر بالجفاف كان ذلك تبقية لها بوصف النجاسة مع العلم بأنهم يقومون عليها في الصلاة ألبتة إذ لا بد منه مع صغر المسجد وعدم من يتخلف في بيته وكون ذلك يكون في بقع كثيرة حيث تقبل وتدبر وتبول فإن هذا التركيب في الإستعمال يفيد تكرار الكائن منها أو لأن تبقيتها نجسة ينافي الأمر بتطهيره فوجب كونها تطهر بالجفاف بخلاف أمره عليه الصلاة والسلام بإهراق ذنوب من ماء لأنه كان نهارا وقد لا يجف قبل وقت الصلاة فأمر بتطهيرها بالماء بخلاف مدة الليل أو لأن الوقت كان إذ ذاك قد آن أو أريد إذ ذاك أكمل الطهارتين المتيسر في ذلك الوقت هذا وإذا قصد تطهير الأرض صب الماء عليها ثلاث مرات وجفت في كل مرة بخرقة طاهرة وكذا لو صب عليها ماء بكثرة ولم يظهر لون النجاسة ولا ريحها فإنها تطهر ا ه كلامه وذكر ابن حجر أجوبة عجيبة بعبارة غريبة لا بأس بذكرها قال فجوابه أن في المسجد يحتمل تعلقه بتبول وبما بعده فقط لم يكن صريحا في مذهب الخصم وبتسليم أنه عائد


للجميع كما هو القاعدة فيحتمل أن عدم الرش إنما هو لخفاء محل بولها وعلى التنزل كان هذا من قبل الأمر بقتلها وعلى التنزل فعدم الرش لا يستلزم الطهارة بل العفو فلا دليل فيه للقائل بالطهارة وقال ابن الملك في شرح المشارق استدل به الشافعي على أن الأرض النجسة تطهر بصب الماء عليها بحيث يغمرها قلت يجوز أن يكون الصب لتسكين رائحة تلك الحالة لا للتطهير بل التطهير يحصل باليبس لخبر زكاة الأرض يبسها أو يقال روي أن في ذلك المكان منفذا فحينئذ كان الماء جاريا عليه ا ه لكن قال الزركشي حديث زكاة الأرض يبسها لا أصل له إنما هو قول محمد بن الحنفية أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار وقال السيوطي وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عنه وأخرجه أيضا عن أبي جعفر وعن أبي قلابة قولهما ا ه والمراد بأبي جعفر الباقر أبو الصادق فإنما بعثتم لما كانوا مقتدين بالمبعوث وصفوا بالبعث ميسرين حال أي مسهلين على الناس ولم تبعثوا معسرين عطف على السابق على طريق الطرد والعكس مبالغة في اليسر قاله الطيبي أي فعليكم بالتيسير أيها الأمة رواه البخاري وعن أنس رضي الله عنه قال بينما نحن في المسجد مع رسول الله إذ جاء أعرابي أي دخل المسجد واحد من أهل البدو فقام أي وقف يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله مه مه بفتح الميم وسكون الهاء اسم فعل معناه اكفف والتكرير للتأكيد وزيادة التهديد فإن وصلت تؤنث يقال مهمهت به أي زجرته فقال رسول الله لا تزرموه بضم التاء وسكون الزاء وكسر الراء أي لا تقطعوا عليه بوله فإنه يضره أو تنتشر النجاسة في المسجد بعد أن تكون بمحل واحد منه قال الطيبي زرم البول بالكسر إذا انقطع وأزرمه غيره دعوه أي اتركوه فتركوه حتى بال ثم أن رسول الله دعاه أي طلب ذلك الأعرابي ليعلمه بما يجب للمساجد على أبلغ وجه وألطفه فقال له أي للأعرابي إن هذه المساجد الإشارة للتعظيم وإنما جمع لئلا يتوهم تخصيص الحكم بمسجده عليه الصلاة


والسلام لا تصلح أي لا تليق لشيء من هذا البول الإشارة للتحقير والقذر هو بفتح الذال المعجمة ما يتنفر منه الطبع كالنجاسات والأشياء المنتنة فذكره بعد البول يكون تعميما بعد التخصيص قاله ابن الملك وفي نسخة بكسر الذال إنما هي أي المساجد موضوعة شرعا وعرفا لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن تخصيصه بالذكر لشرفه أو كما قال رسول الله شك من الراوي وليس فيه ما يدل على أن الشك من أنس كما توهم ابن حجر أي قال هذا القول أو قولا شبيها به قال أي أنس وأمر رجلا من القوم بإتيان دلو فجاء بدلو من ماء فسنه بالمهملة وفي نسخة بالمعجمة قال الطيبي سننت الماء على وجهي إذا أرسلته إرسالا من غير تفريق فإذا فرقته في الصب قلت بالشين المعجمة كما هو في الصحاح ا ه وكذا في النهاية والقاموس والمقام يناسب الأول أي فصبه عليه أي على مكان البول متفق عليه قال السيد جمال الدين فيه تأمل لأن صاحب التخريج نسب هذا الحديث إلى مسلم دون البخاري قلت وفي معناه الحديث المتقدم للبخاري فكان اللفظ لمسلم وللبخاري معناه وعن أسماء بنت أبي بكر قالت سألت امرأة رسول الله ووقع في رواية الشافعي عن سفيان بن عيينة عن هشام في هذا الحديث أن أسماء هي السائلة وأغرب النووي فضعف هذه الرواية بلا دليل وهي صحيحة الإسناد ولا بعد في أن يبهم الراوي نفسه كما في حديث أبي سعيد في قصة الرقية بفاتحة الكتاب كذا نقله ميرك عن الشيخ ابن حجر فقالت يا رسول الله أرأيت إحدانا بحذف مضاف أي أخبرني في حال إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة بكسر الحاء أي من دم الحيض قال صاحب التخريج هي بفتح الحاء الحيض ا ه وبكسرها هي الخرقة التي تستشفرها المرأة في الحيض وكلاهما محتمل في الحديث والمشهور في الرواية الكسر كذا ذكره السيد قال ابن الملك هي بكسر الحاء أي الخرقة وقد تكون اسما من الحيض ونوعا منه ويفرق بينهما بالقرائن السابقة وبالفتح المرة تريد أنها يصيبها من دم الحيض شيء كيف تصنع


متعلق بالإستخبار أي أخبرنا كيف تصنع
إحدانا فقال رسول الله إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة ذكر الثوب ليس للتقييد بل لموافقة الواقع فلا يختلف الحكم فلتقرصه بضم الراء وسكون الصاد المهملة ثم لتنضحه بكسر اللام وتسكن وفتح الضاد المعجمة وتكسر قال في شمس العلوم نضح بالفتح ينضح كذلك وبالكسر أيضا بماء في النهاية القرص الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره وهو أبلغ في غسل الدم والنضح يستعمل في الصب شيئا فشيئا وهو المراد هنا قاله الطيبي قيل لأن الرش مع بقاء أثر الدم لا يزداد إلا نجاسة وقال ابن الملك أي فلتمسحه بيدها مسحا شديدا قبل الغسل حتى يتفتت ثم لتنضحه أي لتغسله بماء بأن تصب عليه شيئا فشيئا حتى يذهب أثره تخفيفا لإزالة النجاسة قلت ويؤيده خبر حتيه ثم اقرصيه لكن يستثنى ما لو عسرت إزالة الأثر بقوله عليه الصلاة والسلام لما سئل عن بقاء الأثر بعد الماء يكفيك ولا يضرك أثره وهو وإن كان ضعيفا لكنه اعتضد بخبر جماعة أنه عليه الصلاة والسلام سألته امرأة عن دم الحيض تغسله فيبقى أثره فقال يكفيك ولا يضرك أثره ثم لتصل فيه أي في ذلك الثوب فإنه لا بأس بعد هذا لأن إزالة لون الدم متعسرة متفق عليه قال الخطابي في الحديث دليل على تعيين الماء في إزالة النجاسة لأنه عليه الصلاة والسلام أمرها بإزالة الحيضة به ولا فرق بين النجاسات إجماعا ا ه وفيه أنه لا تعيين بطريق الحصر بل ذكره واقعي غالبي أو يقيس عليه ما في معناه من المائع المزيل والله تعالى أعلم وعن سليمان بن يسار هو مولى ميمونة زوج النبي من كبار تابعي المدينة وهو أحد الفقهاء السبعة مات سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة قال سألت عائشة عن المني يصيب الثوب يحتمل الحال والوصف فقالت كنت أغسله أي المني من ثوب رسول الله فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه قال ابن الملك فيه دليل على نجاسة المني وهو قول أبي حنيفة ومالك قلت ولعل الشافعي


وأحمد يحملان الغسل على الطهارة من القذارة فيكون من باب النظافة وحمله على النسيان مستبعد جدا مع قولها كنت
الدال على التكرر والدوام وضعا أو عرفا على خلاف فيه وأغرب ابن حجر حيث قال وغسلها محمول عندنا على الإحتياط لطهارته عندنا فإن مثل هذا لا يقال في حقها رضي الله تعالى عنها فتأمل متفق عليه وعن الأسود هو النخعي أدرك زمن النبي ولم يره ورأى الخلفاء الراشدين وهو خال إبراهيم النخعي ذكره الطيبي وقال المصنف هو الأسود بن هلال المحاربي روى عن عمر ومعاذ وابن مسعود وعنه جماعة مات سنة أربع وثمانين وهمام بالتشديد هو ابن الحرث نخعي تابعي ذكره الطيبي وزاد المصنف سمع بن مسعود وعائشة وغيرهما من الصحابة روى عنه إبراهيم النخعي عن عائشة قالت كنت أفرك بضم الراء وتكسر المني من ثوب رسول الله أي أدلكه وأمسحه منه قال الطيبي الفرك الدلك حتى يذهب الأثر من الثوب في شرح السنة مذهب الشافعي أن المني طاهر وعند أصحاب الرأي نجس يغسل رطبه ويفرك يابسه ومن قال بالطهارة قال حديث الغسل لا يخالف حديث الفرك وهو على سبيل الإستحباب والنظافة يعني كغسل الثوب من المخاط والنجاسة والحديثان إذا أمكن استعمالهما لم يجز حملهما على التناقض ا ه وحاصل تمسك الشافعية بالحديث المذكور أنه لو كان هو نجسا لم يكتف بفركه ودليل الحنفية الحديث الذي في صحيح أبي عوانة عن عائشة قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله إذا كان يابسا وأمسحه أو أغسله شك الحميدي إذا كان رطبا ورواه الدارقطني وأغسله من غير شك وهذا فعلها والظاهر أن ذلك بعلم النبي خصوصا إذا تكرر منها مع إلتفاته عليه الصلاة والسلام إلى طهارة ثوبه وفحصه عن حاله فلو كان طاهرا لمنعها من إتلاف الماء بغير حاجة وقد روى الدارقطني عن عمار بن ياسر قال أتى علي رسول الله وأنا على بئر أدلو ماء في ركوة فقال يا عمار ما تصنع فقلت يا رسول الله بأبي وأمي أغسل ثوبي من نخامة أصابته فقال يا عمار إنما يغسل


الثوب من خمس من
الغائط والبول والقيء والدم والمني يا عمار ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواء وأما حديث ابن عباس أن النبي سئل عن المنى يصيب الثوب فقال إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة فهو بعد تسليم حجته معارض بما قدمنا ويترجح ذلك بأن المحرم مقدم على المبيح هذا خلاصة كلام ابن الهمام رواه مسلم وبرواية علقمة والأسود عن عائشة نحوه أي نحو رواية مسلم ومعناها وهو مرفوع على أنه مبتدأ خبره الجار المتقدم وعن عائشة متعلق بالرواية وفيه أي وفي مرويها زيادة قولها ثم يصلي فيه أي في ذلك الثوب وفي رواية أخرى لمسلم فيصلي فيه وروى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحه عنها كنت أفرك المني من ثوب رسول الله وهو يصلي فيه وأغرب النووي حيث قال أنه غريب واعتذر عنه ابن حجر بقوله وكأنه لم يره وعن أم قيس من المهاجرات بنت محصن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الصاد بعدها نون أخت عكاشة بن محصن الأسدي أسلمت بمكة قديما وبايعت النبي وهاجرت إلى المدينة أنها أتت بابن لها صغير بالجر صفة لابن لم يأكل الطعام أي الذي يقصد به التغذي من غير اللبن إلى رسول الله متعلق بأتت فأجلسه أي ذلك الابن رسول الله في حجره بكسر الحاء وتفتح قال في المشارق بفتح الحاء وكسرها هو الثوب والحضن وإذا أريد به المصدر فالفتح لا غير وإن أريد به الاسم فالكسر لا غير فبال


أي ذلك الابن على ثوبه أي ثوب رسول الله ودعا بماء أي طلبه فنضحه أي أسال الماء على ثوبه حتى غلب عليه ولم يغسله أي لم يبالغ في الغسل بالرش والدلك لأن الغلام لم يأكل الطعام فلم يكن لبوله عفونة يفتقر في إزالتها إلى المبالغة ولم يرد أنه لم يغسله بالمرة بل أراد به التفريق بين الغسلين والتنبيه على أنه غسل دون غسل فعبر عن أحدهما بالغسل وعن الآخر بالنضح وحديث لبابة الآتي يبين أن علة النضح في حديث أم قيس هي المذكورة وقولها لم يأكل الطعام شيء حسبته من تلقاء نفسها لم يكن في ذلك عن النبي برهان كذا قاله بعض علمائنا وقال القاضي المراد بالنضح رش الماء بحيث يصل إلى جميع موارد البول من غير جري والغسل إجراء الماء على مواردها والفارق بين الصبي والصبية أن بولها بسبب استيلاء الرطوبة والبرد على مزاجها يكون أغلظ وأنتن فيفتقر في إزالتها إلى مزيد مبالغة بخلاف الصبي وقال الخطابي ليس تجويز من جوز النضح في الصبي من أجل أن بوله ليس بنجس ولكنه من أجل التخفيف هذا هو الصواب ومن قال هو طاهر فقد أخطأ وفي الحديث دليل على استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل والكمال للتبرك سواء كانوا في حال الولادة أو غيره وفيه الندب إلى حسن المعاشرة واللين والتواضع بالصغار وغيرهم قاله الطيبي متفق عليه وعن عبد الله بن عباس قال سمعت رسول الله يقول إذا دبغ الإهاب بكسر الهمزة وهو الجلد الغير المدبوغ سمي إهابا لأنه أهبة للحي وبناء للحماية على جسده كما يقال له مسك لإمساكه وراءه وهذا كلام قد سلك فيه مسلك التمثيل فقد طهر قال ابن الملك وهذا بعمومه حجة على مالك في قوله جلد الميتة لا يطهر بالدباغ وعلى الشافعي في قوله جلد الكلب لا يطهر بالدباغ واستثنى من عمومه الآدمي تكريما له والخنزير لنجاسة عينه قال الأشرف في حديث ابن عباس في الإهاب وفي حديث سودة دليل على أن الجلد يطهر ظاهره وباطنه بالدباغ حتى جوز استعماله في الأشياء الرطبة وتجوز الصلاة


فيه رواه مسلم قال ابن الهمام وفيه أي في الباب حديث أخرجه الدارقطني عن عائشة قالت قال رسول الله استمتعوا بجلودالميتة إذا هي دبغت ترابا كان أو رمادا أو ملحا أو ما كان بعد
أن يظهر صلاحه يعني إذا جف وخرج منه النتن والفساد وعنه أي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال تصدق بالبناء للمجهول أي دفعت صدقة على مولاة أي عتيقة لميمونة إحدى أمهات المؤمنين بشاة متعلق بتصدق فماتت أي الشاة فمر بها أي بالشاة رسول الله وقال هلا تحضيضية أي لم لا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به فقالوا إنها أي الشاة ميتة أي لا مذكاة وفيه إشارة إلى أن ما طهر بالدبغ طهر بالذكاة كما قال به علماؤنا فقال إنما حرم أكلها قال النووي رويناه على وجهين حرم بفتح الحاء وضم الراء وحرم بضم الحاء وكسر الراء المشددة نقله السيد والثاني في النسخ أكثر وللمطابقة بالآية أظهر قال ابن الملك أي أكل الميتة وأما جلدها فيجوز دباغته ويطهر بها حتى يجوز استعماله في الأشياء الرطبة والوضوء منه والصلاة معه وعليه وفي شرح السنة فيه دليل لمن ذهب إلى أن ما عدا المأكول غير محرم الإنتفاع كالشعر والسن والقرن ونحوها وقالوا لا حياة فيها فلا تنجس بموت الحيوان وجوزوا استعمال عظام الفيل وقالوا لا بأس بتجارة العاج ا ه في النهاية قيل العاج شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية وهو أيضا عظم الفيل واقتصر القاموس على الثاني وجاء في القاموس أنه عليه الصلاة والسلام قال لثوبان اشتر لفاطمة سوارين من عاج متفق عليه وعن سودة زوج النبي وهو أفصح عند قيام القرينة من الزوجة قال تعالى اسكن أنت وزوجك الجنة وقد مر ذكرها قالت ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها بفتح الميم أي جلدها وسمي به لأنه يمسك ما فيه من الماء وغيره ثم ما زلنا بكسر الزاي ننبذ بكسر


الباء ومنه قوله تعالى فانبذ إليهم على سواء الأنفال وما وقع في أصل السيد من الضم فهو من سهو القلم فيه أي نطرح فيه ماء وقال ابن الملك وتبعه ابن حجر أي نتخذ فيه نقيعا من تمر وغيره ليحلو وكأنهما أخذا من ظاهر النبذ وهو غير لازم ففي القاموس النبذ طرحك الشيء أمامك أو وراءك أو عام والفعل كضرب والنبيذ الملقى وما نبذ من عصير ونحوه حتى صار أي بكثرة الإستعمال شنا بفتح الشين وتشديد النون أي سقاء خلقا عتيقا وقيل هو القربة الخلقة التي لا يمكن استعمالها وقال التوربشتي الشنان الأسقية الخلق واحدها شن وشنة وهي أشد تبريدا للماء من الجدد رواه البخاري وورد عن عائشة مرفوعا طهور كل أديم دباغه أخرجه أبو بكر في الغيلانيات على ما ذكره السيوطي في الجامع الصغير فتعبير ابن حجر بأنه الخبر الصحيح غير صحيح إلا إذا أريد به أنه صحيح المعنى وهو خلاف المصطلح لأن الموضوع أيضا قد يكون صحيح المعنى والله أعلم
الفصل الثاني
عن لبابة بضم اللام هي أم الفضل من قبيلة عامر وهي زوجة العباس بن عبد المطلب وأم أكثر بنيه وهي أخت ميمونة زوج النبي ذكره الطيبي بنت الحرث قال المصنف يقال إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة روت أحاديث كثيرة قالت كان الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما في حجر رسول الله بكسر الحاء وتضم فبال على ثوبه أي إزاره عليه الصلاة والسلام فقلت أي للنبي البس بفتح الباء ثوبا أي قميصا أو إزارا آخر وأعطني إزارك أي المتنجس حتى أغسله فقال إنما يغسل أي الثوب على وجه المبالغة في الغسل بالدلك مع الإجراء قاله ابن الملك من بول الأنثى لما سبق وينضح من بول الذكر قال الطحاوي النضح الوارد في بول الصبي المراد به الصب لما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت أتي رسول الله بصبي فبال عليه فقال صبوا عليه الماء صبا


قال فعلم منه أن حكم بول الغلام الغسل إلا أنه يجزىء فيه الصب يعني ولا يحتاج إلى العصر وحكم بول الجارية أيضا الغسل إلا أنه لا يكفي فيه الصب لأن بول الغلام يكون في موضع واحد لضيق مخرجه وبول الجارية يتفرق في مواضع لسعة مخرجها رواه أبو داود وأحمد وسكت عليه هو والمنذري قاله السيد وابن ماجه وفي رواية للترمذي وحسنها ينضح من بول الصبي ويغسل من بول الجارية وفي رواية لأبي داود والنسائي بالرفع عطف على ابن ماجه قاله ميرك شاه وفي سائر النسخ المصححة بالجر وهو الظاهر لكن إنما يصح الجر لو كان للنسائي روايتان كما لا يخفى فحينئذ لو كانت الرواية الأخرى له كأحمد وغيره من المذكورين فكان للمصنف أن يذكره معهم أولا أيضا كما ذكر أبا داود مرتين وإن كان النسائي ليس له إلا رواية واحدة كالرواية الثانية لأبي داود فيتعين الرفع لكن لا بالعطف على ابن ماجه لوجود الفصل بالأجنبي بل على أنه مبتدأ خبره كذلك كما قيل في قوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون بالرفع المائدة والله أعلم وأما قول ابن حجر بعد قول المصنف والنسائي وابن ماجه وسندهما صحيح فالله أعلم بصحته عن أبي السمح اسمه إياد ويقال اسمه كنيته وهو خادم رسول الله قاله السيد وقال المصنف ويقال مولاه وإياد بكسر الهمزة وتخفيف الياء تحتها نقطتان ولا يدرى أين مات فقال يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام قال ميرك لفظ حديث أبي السمح عند أبي داود قال كنت أخدم النبي وكان إذا أراد أن يغتسل قال ولني فأوليه قفاي فاستر به فأتى بحسن أو حسين فبال على صدره يعني موضعه من الثياب فجئت أغسله فقال يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام قال ابن الملك وقوله يرش من بول الغلام بحيث يكون الماء أكثر منه وقيل في حده ليكن الماء مثل البول وظاهر الحديث يدل على الفرق بين بوله وبولها وهو أن بوله كالماء رقة وبياضا وبولها أصفر ثخين وتكثر نجاسته بمخالطة رطوبة فرجها وهي نجسة ولأن


الذكور أقوى مزاجا من الإناث والرخاوة غالبة على أمزجتهن فتكون الفضلات الخارجة منهن أشد احتياجا إلى الغسل وأيضا مست الحاجة إلى التخفيف في حق الصبيان لأن العادة جرت بحملهم في المجالس دون الجواري وفي الحديث إشارة إلى قول علي بن أبي طالب وعطاء
والحسن البصري والشافعي وأحمد وأما مذهب أبي حنيفة وأصحابه أن يغسل بولهما معا كسائر النجاسات الغير المرئية ا ه قلت وبه قال الإمام مالك وقال الإمام أحمد بول الصبي ما لم يأكل طعاما طاهر وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا وطىء بكسر الطاء بعده همزة أي قرب ومسح وداس أحدكم بنعله وفي معناه الخف الأذى أي النجاسة يعني فتنجس فإن التراب أي بعده له أي لنعل أحدكم ورجع الضمير للأذى مفسد للمعنى طهور أي مطهر قال في شرح السنة ذهب أكثر أهل العلم إلى ظاهر الحديث وقالوا إذا أصاب أكثر الخف أو النعل نجاسة فدلكه بالأرض حتى ذهب أكثرها فهو طاهر وجازت الصلاة فيها وبه قال الشافعي في القديم وقال في الجديد لا بد من الغسل بالماء فيؤول هذا الحديث بأن الوطء على نجاسة يابسة فيتشبث شيء منها ويزول بالدلك كما أول حديث أم سلمة الآتي بأن السؤال إنما صدر فيما جر من الثياب على ما كان يابسا من القذر إذ ربما يتشبث شيء منها فقال النبي إن المكان الذي بعده يزيل ذلك عنه لأن الإجماع منعقد على أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يطهر إلا بالغسل قال التوربشتي بين الحديثين بون بعيد فإن حديث أم سلمة على ظاهره يخالف الإجماع لأن الثوب لا يطهر إلا بالغسل بخلاف الخف فإن جماعة من التابعين ذهبوا إلى أن الدلك يطهره على أن حديث أبي هريرة حسن لم يطعن فيه وحديث أم سلمة مطعون فيه لأن ممن يرويه أم ولد لإبراهيم وهي مجهولة قيل كان الشيخ يحمل الثوب على النجاسة اليابسة رد القول محيي السنة أنهما محمولان على اليابسة وحديث الخف على الرطبة والظاهر أن كلاهما محمول على الرطبة إذ قال في الأول طهوره التراب وفي الثاني


يطهره ما بعده ولا تطهير إلا بعد النجاسة ويؤيد هذا التأويل الحديث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب وبناء الأمر على اليسر ودفع الحرج قاله الطيبي وفيه أن قول أبي حنيفة في ظاهر الرواية أن الخف إنما يطهر بالدلك إذا جفت النجاسة عليه بخلاف الرطبة نعم عن أبي يوسف أنه إذا مسحه على وجه المبالغة والنجاسة متجسدة كالعذرة والروث والمني تطهر إذا كان بحيث لا يبقى لها أثر وعليه الفتوى لعموم البلوى وإن لم تكن النجاسة متجسدة كالخمر والبول لا تطهر إلا بالغسل كذا ذكره قاضي خان رواه أبو داود أي بهذا اللفظ وفي سنده رجل مجهول كذا نقله السيد عن التخريج وتقدم عن ابن الهمام أن حديث أبي هريرة حسن لم يطعن فيه وكان الرجل المجهول معلوم عنده أو جهالته بكثرة الطرق ترتفع مضرتها وفي رواية له إذا وطىء أحدكم الأذى بخفة فطهوره التراب نقله ميرك ولابن ماجه معناه قال ابن حجر وسنده حسن


وعن أم سلمة أم المؤمنين قالت لها امرأة إني أطيل من الإطالة ذيلي وأمشي في المكان القذر أي النجس وهو بكسر الذال أي في مكان ذي قذر فقالت قال رسول الله أي في جواب مثل هذا السؤال يطهره أي الذيل ما بعده أي المكان الذي بعد المكان القذر بزوال ما يتشبث بالذيل من القذر يابسا كذا قاله بعض علمائنا وهذا التأويل على تقدير صحة الحديث متعين عند الكل لإنعقاد الإجماع على أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يطهر إلا بالغسل بخلاف الخف فإن فيه خلافا كما سبق فإطلاق التطهير مجازي كنسبته الإسنادية رواه مالك والشافعي أيضا قاله السيد عن التخريج وأحمد والترمذي وأبو داود وسكت عليه هو والمنذري نقله السيد عن التخريج والدارمي وقالا أي أبو داود والدارمي وفي نسخة قال أي الدارمي قال ميرك والشافعي أيضا المرأة أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ونقل صاحب الأزهار عن الغوامض أن اسمها حميدة ذكره السيد قال ابن حجر ومر أنها مجهولة ومع ذلك الحديث حسن وهو غير صحيح إلا أن يقال إنه حسن لغيره فيتوقف على إسناد آخر ليس فيه المجهولة فيعتضد به وهو غير معلوم فتأمل وعن المقدام بن معد يكرب كندي وهو أحد الوفد الذين وفدوا على رسول الله من كندة ويعد من أهل الشام وحديثه فيهم قاله الطيبي ومر ذكره أيضا قال نهى رسول الله عن لبس جلود السباع بضم اللام فإنه مصدر لبس يلبس كعلم يعلم بخلاف فتح اللام فإنه مصدر لبس يلبس كضرب يضرب بمعنى خلط والركوب أي وعن القعود عليها قال المظهر هذا النهي يحتمل أن يكون نهي تحريم لأن استعمالها إما قبل الدباغ فلا يجوز لأنها نجسة وإما بعد فإن كان عليه الشعر فهي أيضا نجسة لأن الشعر لا يطهر بالدباغ لأن الدباغ لا يغير الشعر عن حاله ويحتمل أن يكون نهي تنزيه إذا قلنا إن الشعر يطهر


بالدباغ كما في الوسيط فإن لبس جلود السباع والركوب عليها من دأب الجبابرة وعمل المترفين فلا يليق بأهل الصلاح نقله الطيبي وزاد ابن الملك وقال إن فيه تكبرا وزينة قال الزركشي وعلى هذا يحرم فرو السنجاب ونحوه من الوبر فإن حيوانها لا يذكى بل يخنق كما أخبرنا الثقات وبتقدير الذبح فصائدها ليس من أهل الذكاة وناقشه ابن حجر بأن أخبار الثقات وكون الصائد من غير أهلها إنما يعول عليه إن كان في شيء منها بعينه بأن يخبر ثقة أن هذا لم يذبح أو صائده غير أهل وأما ذكر الثقات ذلك عن جنس الحيوان فإنه لا يفيد نظيره ما اشتهر من الجوخ من أنه يخمر بشحم الخنزير ولم يعول الأئمة بذلك بل قالوا بطهارته عملا بالأصل هكذا هنا والأوجه أن تجنبها إنما هو احتياط لا واجب ا ه وفي تنظيره نظر إذ الأول يخبر الثقات أن هذا الجنس بجميع أفراده كذا والثاني باشتهار العامة من غير تقييد بالثقات ومن غير إفادة الحصر فإنه يحتمل الصدق حينئذ ويحتمل عدم دخول هذا الخاص في ضمن هذا العام مع أن صيغة يخمر تفيد التقليل رواه أبو داود وفي إسناده بقية وفيه مقال نقله السيد عن التخريج فقول ابن حجر سنده حسن بل صحيح غير صحيح والنسائي وعن أبي المليح بفتح الميم وكسر اللام اسمه عامر نقله السيد عن التخريج قال المصنف بصري روى عنه جماعة من الصحابة ابن أسامة الهذلي قاله الطيبي عن أبيه لم يذكره المصنف في أسماء رجاله لا في الصحابة ولا في التابعين لكن يعلم مما سيأتي أنه صحابي عن النبي نهى وفي نسخة أخرى أنه نهى عن جلود السباع أي عن الإنتفاع بها من اللبس والركوب ونحوهما رواه أحمد من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه قال الترمذي لا نعلم أحدا قال عن أبيه غير ابن أبي عروبة نقله ميرك عن التخريج وأبو داود والنسائي وفي رواية لأبي داود نهى عن ركوب جلود النمار وزاد الترمذي والدارمي أن تفترش أي تبسط ويجلس عليها لما بينا ثم زيادة أن تفترش مختصة


بالترمذي والدارمي فالحاق ابن حجر هذه الزيادة بنفس الحديث أولا ثم قال رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والدارمي خطأ فاحش ورواه الترمذي أيضا من حديث شعبة عن يزيد الرشك عن أبي المليح عن النبي مرسلا قال وهذا أصح فتلخص أن إرسال الحديث أصح من إسناده كذا نقله السيد عن التخريج
وعن أبي المليح أنه أي أن رسول الله قاله ابن الملك وغيره لكن الظاهر أن الضمير راجع لأبي المليح كره ثمن جلود السباع أي بيعها وشراءها قاله ابن الملك وفي فتاوى قاضي خان أن بيع جلود الميتات باطل إذا لم تكن مذبوحة أو مدبوغة وقال ابن حجر مذهبنا صحة بيعها بعد الدبغ وإن كان عليها شعر ولا كراهة في ثمنها حينئذ فإطلاق كراهة ثمنها محمول على غير ذلك أو هو مذهب لأبي المليح ا ه قال المظهر ذلك قبل الدباغ لنجاستها أما بعده فلا كراهة رواه هنا بياض وألحق به الترمذي قال السيد جمال الدين رواه الترمذي بلفظ كره جلود السباع وسند هذا الأثر جيد كذا في التخريج وقال الطيبي رواه في كتاب اللباس من جامعه وسنده وجيه وقال الجزري هذا الأثر سنده جيد رواه الترمذي في اللباس من جامعه ولفظه أنه كره الخ ا ه والأثر في اصطلاح المحدثين يطلق على الموقوف فالصحيح أن الضمير في أنه راجع إلى أبي المليح ولذا لم يقل وعنه إشارة إلى أن الحديث الأول مرفوع وهذا موقوف وعن عبد الله بن عكيم بالتصغير تابعي قال المصنف جهني أدرك زمن النبي ولا نعرف له رؤية ولا رواية وقد خرجه غير واحد في عداد الصحابة والصحيح أنه تابعي سمع عمر وابن مسعود وحذيفة روى عنه جماعة وحديثه في الكوفيين قال أتانا كتاب رسول الله أن لا تنتفعوا أن هذه مفسرة أو مخففة من الميتة بإهاب أي قبل الدباغ وقيل أي جلد وهو يشمل المدبوغ وغيره كما يصرح به لو أخذتم إهابها وفي القاموس الإهاب ككتاب الجلد ما لم يدبغ ولا عصب بفتحتين قال في شرح مواهب الرحمن وعصب الميتة نجس في الصحيح من الرواية لأن فيه حياة بدليل


تألمه بالقطع وقيل طاهر لأنه عظم غير متصل قال التوربشتي قيل إن هذا الحديث ناسخ للأخبار الواردة في الدباغ لما في بعض طرقه أتانا كتاب رسول الله قبل موته بشهر والجمهور على خلافه لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث صحة واشتهارا ثم أن ابن عكيم لم يلق النبي
وأنما حدث عن حكاية حال ولو ثبت فحقه أن يحمل على نهي الإنتفاع قبل الدباغ رواه الترمذي وقال حديث حسن قال وكان أحمد بن حنبل يقول فيه ثم تركه لما اضطربوا في إسناده وروي أن هذا قبل موته بشهرين وروي بأربعين ليلة وقال البيهقي وآخرون هو مرسل ولا صحبة لابن عكيم نقله السيد في التخريج وأبو داود والنسائي وابن ماجه وعن عائشة أن رسول الله أمر أن يستمتع على بناء المفعول أي بأن يستمتع الناس بجلود الميتة إذا دبغت رواه مالك وأبو داود قال النووي إسناده جيد كذا نقله السيد عن التخريج وذكر في اختلاف الأئمة أن أظهر الروايتين عن مالك أن جلود الميتة تطهر بالدباغ لكنها لا تستعمل إلا في الأشياء اليابسة وفي الماء من بين سائر المائعات وعن ميمونة أم المؤمنين قالت مر على النبي رجال من قريش يجرون أي يسحبون شاة أي ميتة لهم مثل الحمار مثل جره أو في كونها ميتة منتفخة فقال لهم رسول الله لو أخذتم إهابها قال التوربشتي لو هذه بمعنى ليت أي للتمني يعني ليتكم أخذتم قال والذي لاقى بينهما أي الجامع أن كلا منهما في معنى التقدير ومن ثم أجيبتا بالفاء ا ه وكان لفظ المصابيح لو أخذتم إهابها فدبغتموه فيكون نظير قوله تعالى يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما النساء لكن لفظ فدبغتموه ليس في المشكاة ووهم ابن حجر وأدخله فيها وعلى تقدير وجوده أيضا فالظاهر أن الفاء للعطف ههنا لا للجواب ولو إذا كانت للتمني لا تطلب جوابا والمعنى تمنيت أخذكم إهابها فدباغها وقال المظهر جواب لو محذوف أي لو أخذتموه ودبغتموه لكان حسنا ا ه أو لطهر أو


حل لكم الإنتفاع به فقالوا إنها ميتة أي لا مذبوحة فقال رسول الله يطهرها الماء ظاهره أنه لا بد من الماء في الدبغ والصحيح أن ذلك ليس بشرط لأن الدبغ من باب الإحالة لا من باب الإزالة فالحديث محمول على الندب أو على الطهارة الكاملة والقرظ بفتح القاف والراء بعدها ظاء معجمة ورق السلم وهو نبت يدبغ به وقيل هو قشر البلوط والمعنى يطهرها القرظ بالماء ودباغة الجلد به رواه أحمد وأبو داود قال النووي بإسنادين حسنين نقله السيد عن التخريج وعن سلمة هذلي يعد في البصريين ابن المحبق بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة المشددة وتفتح قال في جامع الأصول المحبق بتشديد الباء المكسورة وأصحاب الحديث يفتحونها ا ه لكن صحح في الكاشف بكسرها نقله السيد قال إن رسول الله جاء في غزوة تبوك بعدم الإنصراف للعلمية ووزن الفعل وقد ينصرف بناء على أنه فعول وقال الأبهري هو موضع بين الشام ووادي القرى قيل هو غير منصرف للعلمية والتأنيث وإن جعل اسما للموضع جاز الصرف ا ه يعني التأنيث باعتبار البقعة على أهل بيت أي مر عليهم فإذا قربة معلقة أي لهم فيها ماء وهي مدبوغة فسأل أي طلب يعني النبي كما في نسخة الماء أي منهم فقالوا له يا رسول الله إنها أي القربة ميتة أي جلد ميتة دبغ فقال دباغها طهورها بفتح الطاء وتضم أي مطهرها قال الأشرف فيه دليل على عدم وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ وبعده كما هو أحد قولي الشافعي رواه أحمد وأبو داود
الفصل الثالث
عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت قلت يا رسول الله إن لنا طريقا


إلى المسجد منتنة أي ذات نجسة والطريق يذكر ويؤنث أي فيها أثر الجيف والنجاسات فكيف نفعل إذا مطرنا على بناء المجهول أي إذا جاءنا المطر ومررنا على تلك النجاسات بأذيالنا المنسحبة على الأرض قالت فقال أليس بعدها أي أسفل منها طريق هي أطيب منها أي أطهر بمعنى الطاهر قلت بلى قال فهذه بهذه أي ما حصل التنجس بتلك يطهره انسحابه على تراب هذه الطيبة قيل معنى هذا الحديث وحديث أم سلمة قريبان الخطابي قال أحمد ليس معناه إذا أصابه بول ثم مر بعده على الأرض إنها تطهره ولكنه يمر بالمكان فيقذره ثم يمر بمكان أطيب منه فيكون هذا بذاك ليس على أنه يصيبه منه شيء وقال مالك فيما روي إن الأرض يطهر بعضها بعضا إنما هو أن يطأ الأرض القذرة ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة فإن بعضها يطهر بعضا وأما النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد فإن ذلك لا يطهره إلا الغسل إجماعا كذا ذكره الطيبي قلت الحديثان متباعدان لا كما قيل إنهما متقاربان فإن الأول مطلق قابل أن يقيد باليابس وأما الثاني فصريح في الرطب وما قال مالك وأحمد من التأويل لا يشفي العليل بل يكفي الكليل وتأويل الإمام الشافعي المتقدم في حديث أبي هريرة بعيد جدا عن المرام في هذا المقام ولو حمل على أنه من باب طين الشارع وإنه طاهر أو معفو لعموم البلوى لكان له وجه وجيه لكن لا يلائمه قوله أليس بعدها الخ فالمخلص ما قال الخطابي من أن في إسناد الحديثين معا يعني حديث أم سلمة في الفصل الثاني وهذا الحديث مقالا لأن أم ولد إبراهيم وامرأة من بني عبد الأشهل مجهولتان لا يعرف حالهما في الثقة والعدالة فلا يصح الإستدلال بهما والله أعلم رواه أبو داود قال ميرك شاه سكوت أبي داود في سننه والترمذي في جامعه يدل على أنهما عندهما صالحان للحجية أقول الناطق أقوى من الصامت كما أن المنطوق أقوى من المفهوم ومن الغريب قول ابن حجر وزعم أن جهالة تلك المرأة تقتضي رد حديثها ليس في محله لأنها


صحابية وجهالة الصحابي لا تضر لأن الصحابة كلهم عدول فإنه عدول عن الجادة لأنها لو ثبت أنها صحابية لما قيل إنها مجهولة وعن عبد الله بن مسعود قال كنا نصلي مع رسول الله ولا نتوضأ أي لا نغسل أرجلنا ولا نتنظف من الموطىء أي من أجل موضع الوطء والمشي قيل هذا
محمول على ما إذا كان يابسا وأما إذا كان رطبا فيجب الغسل وقيل محمول على الذي غلبت فيه الطهارة على النجاسة عملا بأصل الطهارة وإشارة إلى ترك الوسوسة ومن ثم جاء إن الصحابة كانوا يتوضؤن ويمشون حفاة ثم يصلون ولا يغسلون أرجلهم وفيه دليل على أن طين الشارع معفو لعموم البلوى رواه الترمذي وصححه الحاكم وعن ابن عمر قال كانت الكلاب تقبل وتدبر من الإقبال والإدبار في المسجد في زمان رسول الله قال الطيبي هذا إنما كان في أوقات نادرة ولم يكن للمسجد باب يمنعها من العبور فلم يكونوا يرشون أي يغسلون شيئا من ذلك الرش هنا الصب بالماء أي لا يصبون الماء على تلك المواضع لأجل إقبالها وإدبارها قاله الطيبي وتقدم الحديث بأبسط من هذا وسبق تأويله رواه البخاري وعن البراء قال قال رسول الله لا بأس ببول ما يؤكل لحمه قال النووي في الروضة لنا وجه أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهران وهو قول أبي سعيد الأصطخري واختاره الروياني وهو مذهب مالك وأحمد نقله الطيبي وهو قول محمد من أئمتنا وفي رواية جابر قال ما أكل لحمه فلا بأس ببوله رواه أحمد والدارقطني وحمله أبو يوسف على التداوي لحديث العرنيين وللجمهور عموم حديث استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه أخرجه الحاكم عن أبي هريرة وقال على شرطهما


باب المسح على الخفين
أخر عن الوضوء والغسل تأخير الجزء عن الكل أو تأخير النائب عن المناب لكن نيابته مختصة بالوضوء كما سيأتي والمسح إصابة اليد المبتلة بالعضو وإنما عدي بعلى إشارة إلى موضعه وهو فوق الخف دون داخله وأسفله على ما ورد مخالفا للقياس والخف ما يستر الكعب ويمكن به ضروريات السفر وإنما ثني لأن المسح لا يجوز على أحدهما دون الآخر وهو ثابت بالسنة كما سترى قال الحسن البصري أدركت سبعين نفرا من الصحابة يرون المسح على الخفين ولهذا قال أبو حنيفة ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار وقال الكرخي أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين لأن الآثار التي جاءت فيه في حيز التواتر وبالجملة من لا يرى المسح على الخفين فهو من أهل البدع والأهواء حتى سئل أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن علامات أهل السنة والجماعة فقال أن تحب الشيخين ولا تطعن الختنين وتمسح على الخفين هذا ويمكن أن يقال إنه ثابت بالكتاب أيضا بحمل القراءتين في آية الوضوء على الحالتين بينهما النبي ثم قيل هو من خصائص هذه الأمة ورخصة شرعت ارتفاقا ليتمكن العبد معها من الإستكثار من عبادة ربه والتردد في حوائج معاشه أو لدفع الحرج المنفي عن هذه الأمة لقوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج وبقوله عليه الصلاة والسلام بعثت بالملة الحنيفية السمحاء ويرد على من روى عن مالك عدم جوازه مطلقا أو في الحظر الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة في مسحه عليه الصلاة والسلام سفرا وحضرا وأمره وترخيصه فيه واتفاق الصحابة فمن بعدهم عليه وقد صرح جمع من الحفاظ بأن أحاديثه متواترة المعنى وجمع بعضهم رواته فبلغوا مائتين وادعى بعض العلماء فيه الإجماع لكن رده ابن المنذر وفي شرح الهداية لابن الهمام قال ابن عبد البر لم يرد عن أحد من الصحابة إنكار المسح إلا ابن عباس وعائشة وأبي هريرة فأما ابن عباس وأبو هريرة فقد جاء عنهما بالأسانيد الحسان خلاف ذلك


وموافقة سائر الصحابة وأما عائشة ففي صحيح مسلم أنها أحالت ذلك على علم علي وفي رواية قالت
وسكت عنه أعني المسح مالي بهذا علم وما رواه محمد بن مهاجر البغدادي عنها لأن أقطع رجلي بالموسى أحب إلي من أن أمسح على الخفين باطل نص على ذلك الحفاظ
الفصل الأول
عن شريح بالتصغير ابن هانىء بالهمز على وزن فاعل أدرك زمن النبي وبه كنى أباه فقال أنت أبو شريح من أصحاب علي كرم الله وجهه كذا ذكره المصنف في أسماء رجاله في عدد الصحابة وقد صرح ابن الملك في شرح المنار بأنه تابعي فكان المصنف تبع ابن عبد البر في ذكر المخضرمين مع الصحابة قال سألت علي بن أبي طلب رضي الله عنه عن المسح أي عن مدته على الخفين أو عن جوازه عليهما والجواب على الأول مطابق للسؤال وعلى الثاني مستلزم له فقال جعل رسول الله أي مدته ثلاثة أيام ولياليهن بفتح الياء للمسافر والجمهور على أن ابتداءه من وقت الحدث بعد المسح وقيل من وقت المسح وهو ظاهر هذا الحديث ولذا قال النووي وهو الراجح دليلا وقيل من وقت اللبس ويوما وليلة للمقيم وهو حجة على مالك حيث لم ير للمقيم مسحا ولم يقيد للمسافر بمدة ثم أعلم أن السفر لغة قطع المسافة وليس كل قطع تتغير به الأحكام من جواز الإفطار وقصر الرباعية ومسح ثلاثة أيام ولياليها على الخف فعم النبي برخصة المسح ثلاثة أيام جنس المسافرين لأن اللام في المسافر للإستغراق لعدم المعهود المعين ومن ضرورة عموم الرخصة الجنس حتى أنه يتمكن كل مسافر من مسح ثلاثة أيام لكل سفر فالحاصل أن كل مسافر يمسح ثلاثة أيام فلو كان السفر الشرعي أقل من ذلك لثبت مسافر لا يمكنه مسح ثلاثة أيام وقد كان كل مسافر يمكنه ذلك ولأن الرخصة كانت منتفية بيقين فلا تثبت إلا بيقين ما هو سفر في الشرع وهو فيما عيناه إذا لم يقل أحد بأكثر منه ويدل على القصر لمسافر أقل من ثلاثة حديث ابن عباس عنه عليه الصلاة والسلام قال يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربع برد من


مكة إلى عسفان فإنه يفيد الحصر في الأربعة برد وهي تقطع في أقل من ثلاثة أيام وأجيب بضعف الحديث لضعف رواية عبد الوهاب بن مجاهد فبقي قصر الأقل بلا دليل كذا حققه الإمام ابن الهمام رواه مسلم وعن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله غزوة تبوك قيل تبوك غير منصرف للعلمية والتأنيث لا وزن الفعل وإن جعل اسم الموضع جاز صرفه يعني التأنيث باعتبار البقعة أو البلدة وقوله لا وزن الفعل فيه نظر ولعله أراد أن وزنه فعول لا تفعل لكنه خلاف المفهوم من القاموس والنهاية قال المغيرة فتبرز رسول الله في القاموس برز بروزا أي خرج إلى البراز كتبرز وفي النهاية البراز بالفتح اسم للفضاء الواسع فكنوا به عن قضاء الغائط كما كنوا عنه بالخلاء لأنهم كانوا يتبرزون في الأمكنة الخالية من الناس وبالكسر كناية عن الغائط ا ه وعلى كل فلا معنى لقول ابن حجر أي خرج إلى التبرز وهو قضاء الحاجة بل معنى تبرز هنا خرج وذهب على التجريد لقوله قبل الغائط بكسر القاف وفتح الباء أي جانبه لقضاء الحاجة والغائط هو المكان المنخفض من الأرض قال ابن حجر الغائط في الأصل المكان المطمئن من الأرض تقضى فيه الحاجة سمي باسم الخارج للمجاورة وإن أريد الحقيقة فواضح والتقدير خرج للتبرز نحو المكان المذكور أو المجاورة فالتقدير خرج للتبرز لأجل الغائط ا ه وفيه مع ركاكة عبارته خرج للتبرز لأجل الغائط المنافية لما سبق عنه أنه يمنع من إرادة المجاور قوله قبل الغائط فتأمل فجملت أي ذاهبا معه إداوة بكسر الهمزة مطهرة أو ركوة ليتوضأ منها وكان خروجه عليه الصلاة والسلام لقضاء الحاجة قبل الفجر وفيه دليل على استحباب المبادرة إلى تهيؤ أسباب العبادة قبل دخول أوقاتها فلما رجع أي من قضاء الحاجة أخذت أي شرعت أهريق بضم الهمزة وفتح الهاء وتسكن أي أصب الماء على يديه الكريمتين من الإداوة فيه دلالة على جواز الإستعانة في الطهارة سيما إذا أريد بها الإفادة والإستفادة فغسل يديه أي كفيه


ووجهه الوجيه ولا دلالة فيه على عدم وجوب المضمضة والإستنشاق في الوضوء كما زعم ابن حجر لإحتمال عدم ذكره لهما إما اختصار أو نسيانا أو
لكونهما داخلين في حد الوجه من وجه على ما حققه في محله ومع تحقق الإحتمال لا يصح الإستدلال وعليه أي على بدنه والواو للحال جبة من صوف فيه دليل على أن لبس الصوف مستحب ذهب أي شرع وأخذ وهو استئناف ولا يبعد أن يكون حالا من الضمير المجرور يحسر بكسر السين وضمها أي يكشف كميه عن ذراعيه أي ليغسلهما فضاق كم الجبة بحيث لم يقدر أن يخرج يده إلى المرفق عن كم الجبة من غاية ضيقة فيه رد على إطلاق بعض الفقهاء أن لبس الإنسان غير زي أهل اقليمه يسقط المروءة ولذا قيل محله فيمن لم يلبسه لحاجة أو لم يقصد التأسي بالسلف في عدم التكلف وترك النظر إلى هيئات العادات فإن ذلك أمر حدث فأناطوا به حكمه حيث لا حاجة ولا قصد للتأسي وإلا فقد قالت الصوفية الإرادة ترك العادة نعم لو غير زيه على جهة عدم المبالاة الدالة على قلة الحياء وعدم التقييد بشيء من الأمور الشرعية والقواعد العرفية فيحكم بسقوط مروءته وعدم عدالته كما هو مقرر في محله ومنها الأكل في السوق وفي الحديث أن الأصل فيما يجلب من بلاد المجوس ونحوهم من المتدنسين بالنجاسة الطهارة كالجوخ وإن اشتهر أنهم يعملونه بشحم الخنزير وكالجبن وإن قيل أنهم يجعلون فيه أنافح الخنزير ويدل لذلك خبر أحمد أن عمر أراد أن ينهى عن حلل الحيرة لأنها تصبغ بالبول فقال له أبي ليس لك ذلك قد لبسهن النبي ولبسناهن معه وفي رواية للخلال من وجه آخر أن أبيا قال له يا أمير المؤمنين قد لبسها نبي الله ورأى الله مكانها لو علم الله أنه حرام لنهى عنها فقال صدقت وروى الطبراني بسند جيد لكنه غريب أنه عليه الصلاة والسلام أتي بجبنة في غزوة فقال له عليه الصلاة والسلام أين يصنع هذا قال بفارس أي أرض المجوس إذ ذاك فقال عليه الصلاة والسلام ضعوا فيها السكين وكلوا فقيل يا رسول الله


نخشى أن يكون ميتة فقال سموا الله وكلوا وأخرج الترمذي أنه أهدي له خفان فلبسهما ولا يعلم أهما ذكيا أم لا وفي حديث سلمان النهي عن السؤال عن الجبن والسمن والفراء مع إنها كانت تجلب من بلاد المجوس وذكر عند عمر الجبن وقيل إنه يوضع فيه أنافح الميتة فقال سموا الله وكلوا قال أحمد أصح حديث في جبن المجوس هذا الحديث فأخرج يديه من تحت الجبة وألقى الجبة أي ذيلها على منكبيه فيه دليل على أنه كان تحته إزار أو قميص وإلا لظهرت


العورة فغسل ذراعيه ثم مسح بناصيته وهي مقدرة بربع الرأس لما جاء في رواية أنه مسح على مقدم رأسه وعلى العمامة بكسر العين في رحمة الأمة في اختلاف الأئمة أن المسح على العمامة دون الرأس بغير عذر لا يجوز عند أبي حنيفة والشافعي ومالك وقال أحمد بجوازه بشرط أن يكون تحت الحنك منها شيء قال ابن حجر فيه أن مسح الرأس في الوضوء لا يجب استيعابه ولا استيعاب ربعه لأن الناصية دونه بكثير قلنا قدر الناصية بالربع وعلى تسليم صحة منعه كان الواجب أن يقدر بمقدار معلوم كما قدره بعض أئمتنا بثلاث أصابع لأنها أقل ما اكتفى به عليه الصلاة والسلام لبيان الجواز مع استيعاب المسح بالمواظبة في سائر الحالات فلو كان أقل منه جائز لفعله ولو مرة فالتقدير بمسمى مسح وإن قل قدره مخالف لظاهر النصوص وقول ابن حجر إن ادعاء القائل باستيعاب الكل أن المسح على العمامة يحتمل أنه كان لعذر يرد بأن العذر لا يثبت بالإحتمال مدفوع بأنه عليه الصلاة والسلام لما كان مواطبا على الإستيعاب وهنا جمع بين مسح البعض من الرأس وبين مسحه على العمامة تكميلا للإستيعاب كان قرينة دالة على العذر لكنه إنما يتم لو لم يقع له مسح على بعض الرأس بدون مسح العمامة وقد ثبت في روايات متعددة والله تعالى أعلم هذا وقال محمد في موطئه أخبرنا مالك قال بلغني عن جابر أنه سئل عن العمامة فقال لا حتى يمس الشعر الماء ثم قال وأخبرنا مالك عن نافع قال رأيت صفية ابنة أبي عبيد تتوضأ وتنزع خمارها ثم تمسح برأسها قال نافع وأنا يومئذ صغير قال محمد بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك ثم أهويت أي قصدت الهوي من القيام إلى القعود وقيل الإهواء أمالة اليد إلى شيء ليأخذه أي انحنيت لأنزع خفيه ظنا أنه يجب غسل الرجلين في مطلق الأحوال فقال دعهما أي اتركهما ولا تنزعهما عن رجلي فإني أدخلتهما أي لبستهما حال كون قدمي طاهرتين وفي رواية فإني أدخلتهما وهما طاهرتان قال الشمني ليس فيه دلالة لما ذهب


إليه الشافعي من اشتراط الطهر بكونه تاما وقت اللبس إذ معناه أدخلت كلا منهما وهي طاهرة على حد دخلنا البلد ركبانا أي دخل كل منا وهو راكب لا أن جميعنا راكب عند دخول كل منا ا ه والحاصل أن في مذهب الشافعي يشترط أن توجد الطهارة كاملة عند اللبس وفي مذهب أبي حنيفة عند الحدث ولهذا الإختلاف فروع محلها كتب الفقه فمسح عليهما وفي نسخة ابن حجر فمسح بهما وهو مخالف للنسخ المصححة واختلفوا في قدر الإجزاء فقال أبو حنيفة يجزئه قدر ثلاثة أصابع وقال الشافعي ما يقع عليه اسم المسح وقال أحمد مسح الأكثر وقال مالك بالإستيعاب ثم ركب وركبت


يعني فسرنا فانتهينا أي وصلنا إلى القوم وقد قاموا إلى الصلاة أي صلاة الصبح جملة حالية ويصلي بهم أي والحال أنه يصلي بهم إماما لهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع أي صلى بهم ركعة فلما أحس أي علم بالنبي أي بمجيئه ذهب شرع يتأخر من موضعه ليتقدم النبي فأومأ بالهمز إليه أي أشار إليه عليه الصلاة والسلام أن يكون على حاله فأدرك النبي إحدى الركعتين معه أي مقتديا به يعني اقتدى به في الركعة الثانية وفيه دليل على جواز اقتداء الأفضل بالمفضول إذا علم أركان الصلاة وعلى عدم اشتراط العصمة للإمام خلافا للإمامية فلما سلم أي الإمام قام النبي لأداء ما سبق وقمت معه أي لأني كنت مسبوقا أيضا قال ابن حجر ويؤخذ منه ما قاله أئمتنا إن المسبوق لا يجوز له القيام إلا بعد سلام الإمام فإن قام قبله بلا نية مفارقة عمدا عالما بطلت صلاته أو جاهلا أو ناسيا يجب جميع ما أتى به ا ه وقال علماؤنا يكره كراهة تحريم أن يقوم إلى قضاء ما سبق قبل سلام الإمام إلا أن يكون القيام لضرورة صون صلاته عن الفساد كما إذا خشي إن انتظره أن تطلع الشمس قبل تمام صلاته في الفجر فإن قام قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد فإن كان مسبوقا بركعة إن وقع من قراءته بعد فراغ الإمام من التشهد مقدار ما تجوز به الصلاة جازت صلاته وإلا فسدت صلاته لأن قيامه وقراءته قبل فراغ الإمام من التشهد لا يعتبر وهذه مسألة يفعلها الجاهلون والناس عنها غافلون فركعنا أي صلى كل منا الركعة التي سبقتنا أي فاتتنا قال النووي ضبطناه في الأصول بفتح السين والباء والقاف وبعدها تاء مثناة من فوق ساكنة أي وجدت قبل حضورنا وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته هذه وتأخر أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في صلاته في حديث آخر ليتقدم النبي فالفرق بينهما أن قضية عبد الرحمن كان قد ركع ركعة فترك النبي التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم بخلاف قضية أبي بكر نعم وقع لأبي بكر أنه مع الإشارة له بعدم التأخر تأخر


ولعبد الرحمن أنه لم يتأخر فإما أن يقال بنظير ذلك من أن عبد الرحمن تذكر أن تأخره يضر بالقوم فلم يفعله وأبا بكر علم أنه لا ضرر في تأخره فتأخر وإما أن يقال وهو الأحسن أن أبا بكر فهم أن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر بخلاف عبد الرحمن فإنه فهم أن امتثال الأمر أولى ولا شك أن الأول أكمل لأن الكلام في أمر علم بالقرائن أنه لرعاية حال المأمور دون الآمر ففي الإمتثال إيهام إخلال بكمال الأدب مع الآمر وإن كان في الإمتثال أدب أي أدب وفي إيثار الأدب إظهار رعاية حال الآمر والإعراض عن حال المأمور بكل وجه فكان هذا أولى وأكمل وقد يقال إن أبا بكر من الفرح لم يملك نفسه عن التأخر وللمبالغة في امتناعه عن التقدم والله أعلم وجاء في رواية أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم بعد الفراغ منها أحسنتم صلوا الصلاة لوقتها يعني لا تؤخروها بعد دخول وقت الإختيار لإنتظار
الإمام وإنما يستحب ترك انتظاره إذا مضى زمان كثير إن لم يعلموا أنه متى يجيء أما إذا علموا فيستحب الإنتظار وإن كان موضع الإمام قريبا من المسجد يستحب إعلامه وقت الصلاة رواه مسلم وروى البخاري أصل الحديث في اللباس وفي غيره ولم يذكر المسح على الناصية في كتابه ولا ذكر المسح على العمامة من حديث المغيرة ولا ذكر في كتابه صلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس ولا بالنبي كذا ذكره ميرك شاه
الفصل الثاني


عن أبي بكرة بالتاء قال المصنف هو نفيع بن الحرث بضم النون وفتح الفاء وسكون الباء قبل تدلى يوم الطائف ببكرة وأسلم فكناه النبي بأبي بكرة وأعتقه فهو من مواليه ونزل البصرة ومات بها سنة تسع وأربعين روى عنه خلق كثير رضي الله تعالى عنه عن النبي أنه رخص أي جوز للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة واختلف هل المسح أفضل أم الغسل والصحيح أنه إن كان لابسا للخف بشرطه فالمسح أفضل كما تقدم من فعله عليه الصلاة والسلام إذا تطهر فلبس خفيه أي لبس خفيه بعد طهارة رجليه ولا يشترط التعقيب فالفاء لمجرد البعدية فقول ابن الملك الفاء للتعقيب قول لا قائل به وقوله أي لبس خفيه بعد تمام الطهارة مخالف لمذهبه كما تقدم أن يمسح عليهما مفعول رخص رواه الأثرم بفتح الهمزة وسكون المثلثة وفتح الراء في سننه وابن خزيمة مصغرا والدارقطني ورواه الترمذي أيضا وقال قال البخاري حديث حسن كذا نقله السيد جمال الدين وقال الخطابي هو صحيح الإسناد هكذا في المنتقى كتاب لابن تيمية الحنبلي وقال غير الخطابي أنه حسن الإسناد وعلى كل منهما هو حجة في أن مدة المسح مقدرة وهو ما عليه عامة العلماء وقال مالك وجماعة لا تقدر بل يمسح كل من المسافر والمقيم ما شاء لخبر فيه لكنهم اتفقوا


أنه ضعيف مضطرب لا يحتج به وقول عمر لمن مسح من الجمعة إلى الجمعة أصبت السنة معارض بما صح عنه من التوقيت فإما رجع إليه حين بلغه وإما أن قوله بالتوقيت هو المعتمد لأنه الموافق للسنة الصحيحة مع احتمال أن معنى قوله أصبت السنة أي نفس المسح ردا لمن زعم عدم جوازه وعن صفوان على وزن سلمان مرادي سكن الكوفة وحديثه فيهم ابن عسال بالعين المهملة وتشديد السين وباللام قال كان رسول الله يأمرنا إذا كنا سفرا بسكون الفاء منونا جمع سافر أي مسافرين وقيل اسم جمع له إذ لم ينطقوا به وفي رواية إذا كانوا مسافرين أو سفرا وهو شك من الراوي أن لا ننزع أي ينهانا عن النزع وهو يؤيد ما صححنا من أن المسح أفضل خفافنا بكسر الخاء جمع خف يعني أن نمسح عليها ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة استثناء مفرغ تقديره أن لا ننزع خفافنا من حدث من الأحداث إلا من جنابة فإنه لا يجوز للمغتسل أن يمسح على الخف بل يجب عليه النزع وغسل الرجلين كسائر الأعضاء ولما كان قوله إلا من جنابة مؤذنا بإثبات النزع منها استدركه بالأحداث التي لم يشرع فيها النزع ليعلم اختصاص وجوب النزع بالجنابة دون غيرها من أسباب الحدث على وجه التأكيد فقال ولكن عطف على مقدر يدل عليه إلا من جنابة وقوله من غائط متعلق بمحذوف تقديره فنحن ننزع من جنابة ولكن لا ننزع من غائط وبول ونوم الواو فيهما بمعنى أو يعني بل نتوضأ ونمسح عليهما من أجل أحدها ويروى لا من جنابة وهو أظهر أي يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن من حدث لا من جنابة فإنه لا يأمرنا أن ننزع ولكن يأمرنا أن لا ننزع من غائط وحاصله أن لكن مفادها مخالفة ما قبلها وما بعدها نفيا وإثباتا محققا أو مؤولا فالتقدير أمرنا رسول الله إذا كنا سفرا أن ننزع خفافنا من الجنابة في المدة المذكورة ولكن لا ننزعها فيها من غائط وبول ونوم وغيرها وزعم بعضهم رد هذه الرواية لأن ظاهرها ينافي قاعدة العطف لكن ليس في محله غاية ما فيه


أنها تحتاج إلى تأويل حتى يوافق تلك القاعدة ومثل ذلك لا يقتضي الرد رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن صحيح وعن المغيرة بن شعبة قال وضأت النبي أي سكبت الوضوء على يديه وقيل
حصلت وضوءه في غزوة تبوك الصحيح عدم صرفه أي زمانها فمسح أعلى الخف وأسفله ولهذا قال الشافعي ومالك مسح أعلاه واجب ومسح أسفله سنة وذكر في اختلاف الأئمة السنة أن يمسح أعلى الخف وأسفله عند الثلاثة وقال أحمد السنة أن يمسح أعلاه فقط وإن اقتصر على أعلاه أجزأه بالإتفاق وإن اقتصر على أسفله لم يجزئه بالإجماع ا ه والمشهور عن أبي حنيفة كمذهب أحمد هذا وذكر ابن الملك في شرح المصابيح أنه قال الشيخ الإمام البغوي هذا مرسل لم يثبت أي لم يثبت إسناده إلى المغيرة ا ه وقال ابن حجر وفي رواية مسح أعلى خفيه خطوطا من الماء وفي رواية خطوطا بالأصابع وكلها ضعيفة وقول النهاية في بعضها صحيح غلط وكذا تأييد الأسنوي لها لكن يحتج بهذا لمذهبنا فإن الأكمل عندنا في مسح الخف أن يمسح أعلاه وأسفله وعقبه وحرفه خطوطا وهذا من الفضائل وهي يعمل فيها بالحديث الضعيف والمرسل والمنقطع بالإتفاق كما قاله النووي وبين ابن عمر ذلك كما رواه البيهقي وغيره بما أخذه الشافعي وأصحابه حيث قالوا الأكمل في كيفية المسح أن يضع أصابع يده اليمنى مفرجة على مقدم ظهر الخف وأصابع يده اليسرى على أسفل العقب ثم يمرهما فتنتهي أصابع اليمنى إلى آخر الساق والأخرى إلى أطراف الأصابع من تحت ا ه والظاهر أن العمل بالحديث الضعيف محله إذا لم يكن مخالفا للحديث الصحيح أو الحسن وسيأتي ما يخالفه من حديثه المتصل ومن حديث علي كرم الله وجهه وأيضا إنما يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال الثابتة بأدلة أخرى وههنا هذا الحكم ابتدائي مع أنه ليس فيه ما يدل على ثوابه وفضيلته فتأمل حق التأمل وثبت العرش ثم انقش رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير


الوليد بن مسلم كذا نقله السيد جمال الدين عن الترمذي والمعلول على ما في كتب الأصول هو ما فيه سبب خفي يقتضي رده وقيل ما وهم فيه ثقة برفع أو تغير إسناد أو زيادة أو نقص يغير المعنى وسألت أبا زرعة ومحمدا يعني بمحمد البخاري عن هذا الحديث والسائل الترمذي فقالا أي أبو زرعة والبخاري ليس أي هذا الحديث يعني إسناده بصحيح لأن ابن المبارك روى هذا من ثور عن رجاء قال حديث عن كاتب المغيرة مرسلا عن النبي ولم يذكر فيه المغيرة كذا نقله السيد جمال الدين عن الترمذي وكذا ضعفه أبو داود وأعله بالإرسال أيضا فالحاصل أنه مرسل لا يثبت


وعنه أي عن المغيرة متصلا أنه قال رأيت النبي يمسح على الخفين على ظاهرهما أي على ظاهر محل الفرض وهو مقدم الرجل وصورته أن يضع أصابع اليمنى على مقدم خفه الأيمن وأصابع اليسرى على مقدم الأيسر ويمدهما إلى الساق فوق الكعبين ويفرج أصابعه هذا هو الوجه المسنون ولو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات كل مرة بماء جديد على موضع جديد جاز وإلا فلا يجوز وفي الخلاصة لو وضع الكف ومدها أو مع الأصابع كلها حسن والأحسن أن يمسح بجميع اليد حتى بأصابعها ولو مسح برأس كفه جاز وكذا برؤوس الأصابع إذا بلغ قدر ثلاث أصابع من أصابع اليد وقيل من أصابع الرجل وهو مذهب أبي حنيفة المتفق على جوازه عند الكل والمراد من ظاهر الخفين أعلاهما كما يدل عليه حديث علي رضي الله تعالى عنه فيما سيأتي كذا قاله السيد جمال الدين رواه الترمذي وقال حسن وأبو داود قال ابن الهمام وفي أوسط الطبراني من طريق جرير بن يزيد عن محمد بن المنكدر عن جابر قال مر رسول الله برجل يتوضأ فغسل خفيه فنخسه برجله وقال ليس هكذا السنة أمرنا بالمسح هكذا وأمر بيديه على خفه وفي لفظ ثم أراه بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق وفرج بين أصابعه وفي الشمني روى ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة قال رأيت رسول الله بال ثم توضأ ومسح على خفيه ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن ويده اليسرى على خفه الأمير ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى أنظر إلى أصابع رسول الله على الخفين وعنه أي عن المغيرة قال توضأ النبي ومسح على الجوربين والنعلين أي ونعليهما فيجوز المسح على الجوربين بحيث يمكن متابعة المشي عليهما كذا قاله ابن الملك من أصحابنا وقال الطيبي ومعنى قوله والنعلين هو أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين وقد أجاز المسح فوق الجوربين جماعة من السلف وذهب إليه نفر من فقهاء الأمصار منهم سفيان الثوري وأحمد وإسحاق وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي لا يجوز المسح على الجوربين رواه أحمد والترمذي وقال حسن


صحيح ورد بأن المعروف من رواية
المغيرة المسح على الخفين وأجيب بأنه لا مانع من أن يروي المغيرة اللفظين وقد عضده فعل الصحابة قال أبو داود ومسح على الجوربين علي وابن مسعود وأمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث وروي ذلك عن عمر وابن عباس وهو أعم من أن يكونا مجلدين بأن كان الجلد أعلاهما وأسفلهما أو منعلين بأن كان الجلد أسفلهما فقط أو ثخينين مستمسكين على الساق في قول أبي يوسف ومحمد وأبي حنيفة آخرا وعليه الفتوى وكذا يجوز على الموقين تثنية الموق بضم الميم وهو الجرموق كعصفور ما يلبس فوق الخف في البلاد الباردة وهو فارسي معرب وقال الشافعي في قول ومالك في رواية لا يجوز المسح عليه لأنه لا يحتاج إليه في الغالب فلا تتعلق به الرخصة ولنا ما روى أبو داود وابن خزيمة والحاكم وصححه أن عبد الرحمن بن عوف سأل بلالا عن وضوء رسول الله فقال كان يخرج فيقضى حاجته فآتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه ولأن الموق لا يلبس بدون الخف عادة فأشبه خفا ذا طاقين وأبو داود وضعفه وابن ماجه
الفصل الثالث
عن المغيرة قال مسح رسول الله على الخفين فقلت يا رسول الله نسيت يحتمل تقدير همزة الإستفهام وتركه قال أي النبي ما نسيت بل أنت نسيت أي إني مشرع حيث نسبت إلي النسيان بهذا أمرني ربي عز وجل ففعلي عمد أو المعنى تركت الأدب حيث جزمت بنسبة النسيان إلي فيكون قوله بل نسيت معناه أخطأت ويكون من باب المشاكلة وظاهر قوله بهذا أي بالمسح أمرني ربي ما قدمنا أن المسح ثابت بالكتاب أيضا والله أعلم رواه أحمد وأبو داود وعن علي رضي الله عنه كذا في أكثر النسخ وهو ساقط من نسخة السيد


أنه قال لو كان الدين بالرأي أي بمجرد العقل دون الرواية والنقل لكان أسفل الخف لقربه من القاذورات والأوساخ أولى بالمسح من أعلاه لبعده منها وقد رأيت رسول لله يمسح على ظاهر خفيه مراده به أنه على ظاهرهما كما يدل عليه سياق كلامه وإلا لجاز المسح على الأسفل لشمول الظاهر له ولأن قوله لو كان الدين بالرأي الخ صريح في امتناع الأسفل فتعين أن مراده بظاهر خفيه أعلى ظاهرهما فإذا عرفت هذا فاعلم أن العقل الكامل تابع للشرع لأنه عاجز عن إدراك الحكم الإلهية فعليه التعبد المحض بمقتضى العبودية وما ضل من ضل من الكفرة والحكماء والمبتدعة وأهل الأهواء إلا بمتابعة العقل وترك موافقة النقل وقد قال أبو حنيفة أيضا لو قلت بالرأي لأوجبت الغسل بالبول أي لأنه نجس متفق عليه والوضوء بالمني لأنه نجس مختلف فيه ولأعطيت الذكر في الأرث نصف الأنثى لكونها أضعف منه هذا وقال في النهاية نقلا عن المبسوط في قول علي لو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره لأن باطنه لا يخلو عن لوث عادة فيصيب يده قال ابن الهمام وهذا يفيد أن المراد بالباطن عندهم محل الوطء لا ما يلاقي البشرة لكن بتقديره لا يظهر أولوية مسح باطنه ولو كان بالرأي بل المتبادر من قول علي الأسفل هو المعنى الذي قالوه فيكون تفسيرا لقول علي السابق ويمكن أن يقال وجه الأولوية أن المقصود من المسح هو الطهارة ولا شك أن الأسفل أحوج إلى التطهير فإنه اجتمع فيه الحدث والخبث وفي كلام علي إيماء إلى الرد على من جوز المسح على الرجل لأنه لو جاز المسح على الرجل لكان في مقتضى الرأي أن يكون المسح على الأعلى لا على الأسفل فتأمل رواه أبو داود أي بهذا اللفظ وللدارمي جار ومجرور خبر مقدم مبتدؤه معناه أي معنى هذا الحديث دون لفظه


باب التيمم

وهو لغة القصد قال تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون البقرة وشرعا قصد التراب أو ما يقوم مقامه على وجه مخصوص ولإعتبار القصد في مفهومه اللغوي وجبت النية فيه عندنا بخلاف أصليه من الوضوء والغسل وأيضا الغسل بالماء طهارة حسية فلا يشترط فيها النية إلا لخصوص الأجر والمثوبة بخلاف التيمم فإنه طهارة حكمية وفي الظاهر إنما هو غبرة صورية فاحتاج إلى النية ليصير بها كالطهارة الحقيقية ثم التيمم ثابت
بالكتاب والسنة وإجماع الأمة واختلفوا في وقت فرضيته ومكانها وسببها وأجمعوا على أنه مختص بالوجه واليدين وإن كان الحدث أكبر وهو من خصائص هذه الأمة إجماعا
الفصل الأول
عن حذيفة قال قال رسول الله فضلنا بصيغة المجهول مشددا على الناس أي فضلنا الله تعالى على جميع الأمم السالفة بثلاث أي بثلاث خصال لم تكن لهم واحدة منها لأن الأمم السالفة كانوا يقفون في الصلاة كيفما اتفق ولم تجز لهم الصلاة إلا في الكنائس والبيع ولم يجز لهم التيمم وليس فيه انحصار خصوصيات هذه الأمة في الثلاث لأنه عليه الصلاة والسلام كان تنزل عليه خصائص أمته شيئا فشيئا فيخبر عن كل ما نزل عليه عند إنزاله بما يناسبه جعلت صفوفنا أي وقوفنا في الصلاة كصفوف الملائكة قيل في المعركة وقيل في الصلاة وقيل في الطاعة قال تعالى حكاية عنهم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون وجعلت لنا الأرض كلها تأكيد ليشمل ما في حكمها من الجبال مسجدا وجعلت ترتبها أي تراب الأرض لنا طهورا أي مطهرا إذا لم نجد الماء ومفهوم الحديث أن غير التراب لا يكون طهورا وهو معتبر عندنا خلافا لغيرنا رواه مسلم وعن عمران أي ابن الحصين الخزاعي الكعبي أسلم هو وأبوه قال كنا في سفر مع النبي فصلى بالناس أي إماما فلما انفتل أي انصرف وفرغ من صلاته إذا هو


أي النبي برجل فهو مبتدأ وخبره برجل معتزل عن القوم أي خارج من بينهم واقف في ناحية لم يصل مع القوم والجملة جواب لما أي فلما انفتل فاجأه رؤية رجل معتزل غير مصل فقال ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم أي من صلاتك معهم قال أصابتني جنابة ولا ماء أي موجود هنا قال عليك بالصعيد اسم فعل بمعنى خذ والزم والباء زائدة أو المعنى يلزم عليك التيمم بالصعيد وهو التراب عند الشافعي ووجه الأرض عند أبي حنيفة ومالك سواء كان ترابا أم لا لأن الصعيد ما صعد على الأرض واستثنى أبو حنيفة ما يصير رمادا أو مذابا فإنه أي الصعيد يكفيك أي لصحة الصلاة ويغنيك ويجزئك عن الماء متفق عليه وعن عمار أي ابن ياسر رضي الله عنه قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أي الرجل سائلا أني أجنبت أي صرت جنبا أو دخلت في الجنابة فلم أصب الماء من الإصابة أي لم أجده وجاء في بعض طرق الحديث كما بينه الشيخ ابن حجر فقال عمر في جوابه لا تصل حتى تجد الماء ويمكن أن عمر لما سكت عن الجواب ناسيا للقضية على وجه الصواب فقال عمار لعمر أما تذكر أنا كنا في سفر وفي المصابيح في سرية أي طائفة من الجيش أنا وأنت تأكيد وبيان لضمير كنا فالمعنى فأجنبنا كلنا فأما أنت تفصيل للمجمل فلم تصل لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت أو لإعتقاد أن التيمم إنما هو عن الحدث الأصغر وهذا هو الأظهر وقيل إنه لم يعلم الحكم ولم يتيسر له سؤال الحكم منه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك وأما أنا فتمعكت أي تمرغت وتقلبت في التراب ظنا بأن إيصال التراب إلى جميع الأعضاء واجب في الجنابة كالماء فصليت فذكرت ذلك أي فعلي أو ما ذكر من امتناع عمر عن الصلاة وتمعكي في التراب للنبي فقال إنما كان يكفيك وفي نسخة إنما يكفيك هكذا مجمل تفسيره فضرب النبي بكفيه الأرض هذا تعليم فعلي أوقع في النفس من الإعلام القولي ونفخ فيهما ليقل


التراب الذي حصل في كفيه لأن المقصود إنما هو التطهير لا التغيير الموجب للتنفير ثم مسح بهما وجهه وكفيه هذا يدل على أنه يكفي ضربة واحدة للوجه والكفين وبه قال أحمد والأوزاعي وجماعة من الشافعية تبعا لجمع من الصحابة والتابعين وأما عند أبي حنيفة ومالك والشافعي فلا يجوز إلا بضربتين أو وضعتين إحداهما للوجه والأخرى لليدين إلى المرفقين بدليل حديث ابن عمر المار في آخر باب مخالطة الجنب وقال ابن الهمام المراد بالكفين الذراعان إطلاقا لاسم الجزء على الكل ا ه والذراع بالكسر من طرف المرفق إلى طرف الأصبع وهو الساعد كذا في القاموس والمراد هنا الأول وفيه أن هذا الإطلاق جاء حقيقة فلا يحتاج إلى ارتكاب المجاز ففي القاموس الكف اليد أو الكوع ومع هذا لا بد من تقدير مرتين بعد قوله فضرب ليتم التأويل الموافق للمذهب ولخبر أبي داود والحاكم التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين وأخذوا به وإن أعل بالوقف والضعف لأن القياس يعضده إذ هو بدل فالأصل فيه أن يحاكي المبدل ولأنه أحوط وأجيب عن حديث المتن بأن المراد صورة الضرب للتعليم لا بيان جميع ما يحصل به التيمم وظاهره أيضا أنه يكتفي في التيمم بمسح اليدين إلى الكوعين وبه قال الشافعي في القديم قال النووي وهو الأقرب إلى ظاهر السنة الصحيحة ومن ثم قال الخطابي الإقتصار على الكفين أصح رواية ووجوب مسح الذراعين أشبه بالأصول وأصح في القياس ا ه أي لأنه بدل فأعطي حكم مبدله وبه يعتضد الخبر الموقوف عن ابن عمر التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ثم ظاهر العطف بالواو أن الترتيب بين الوجه واليدين لا يشترط كما هو مذهبنا في الأصل أيضا والصحيح عند الشافعية اشتراطه قياسا على الوضوء لأنه أصله ويؤيدنا ما في رواية البخاري إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض مرة واحدة ثم نفضهما ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ثم وجهه ا ه فإنها صريحة في عدم الترتيب واحتمال


ان ثم بمعنى الواو بعيد جدا رواه البخاري ولمسلم نحوه أي معناه وفيه أي في مسلم أو في نحوه قال إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك والجمع بين الحديثين أنه عليه الصلاة والسلام جمع في التعليم بين القول والفعل تأكيدا للإعلام وتنبيها على الاهتمام وعن أبي الجهيم بالتصغير ابن الحرث ابن الصمة في جامع الأصول وغيره
بكسر الصاد وتشديد الميم وقيل بتخفيفها قال مررت على النبي المرور يتعدى بالباء وعلى وهو بضم الهاء وتسكن يبول فسلمت عليه فلم يرد بفتح الدال هو المصحح علي السلام حتى قام إلى جدار لعله كان جدار بعض أصحابه وهو يعلم رضاه أو كان جداره فحته بالتاء الفوقية أي حكه وخدشه بعصا كانت معه حتى يحصل منه التراب قصد إلى الأفضل لكثرة الثواب أو لإزالة القاذورات أو المؤذيات المتعلقة بالجدار فلا يكون نصا على أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار ثم وضع يديه أي مرتين على الجدار وفي نسخة صحيحة يده على الإفراد لإرادة الجنس فمسح وجهه وذراعيه أي مع مرفقيه قال الطيبي وفي الحديث أن الضربة الواحدة كافية وقد قال به أحمد وهو رواية عن مالك وقول قديم للشافعي ثم رد علي أي السلام والحديث يدل على استحباب الطهارة لذكر الله تعالى وعلى المداومة على الطهارة وفي تأخيره عليه الصلاة والسلام رد الجواب تعليم بأن رده من الواجبات المطلقة كذا قيل وأقول هذا من المواضع التي ذكروها أن المسلم لا يستحق الجواب فيكون هذا من مكارم أخلاقه عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم ولم أجد أي نقلت هذا الحديث هنا تبعا للمصنف ولم أجد هذه الرواية أي بهذا اللفظ في الصحيحين وروايتهما مذكورة في أول الفصل الثالث من هذا الباب ولا في كتاب الحميدي فالإعتراض وارد على صاحب المصابيح حيث ذكر هذا الحديث في الصحاح الموضوع في اصطلاحه لحديث الشيخين أو أحدهما ولكن ذكره أي صاحب المصابيح بإسناده أي هذا الحديث وفي نسخة ذكرها أي هذه


الرواية في شرح السنة من كتبه من طريق الشافعي عن إبراهيم بن يحيى بسنده وقال فيه أي في حقه هذا حديث حسن فكأنه غفل عنه في هذا الكتاب والله أعلم بالصواب
الفصل الثاني
عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الصعيد أي التراب أو
وجه الأرض الطيب الطاهر المطهر وضوء المسلم بفتح الواو لأن التراب بمنزلة الماء في صحة الصلاة وقيل بضم الواو أي استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوضوء المسلم فهو تشبيه بليغ وعلى التقديرين يفيد أن التيمم رافع للحدث لا مبيح له كما قال به الشافعي وثمرة الخلاف أنه يصلي بواحد ما شاء من الفرائض والنوافل عندنا خلافا له وإن لم يجد الماء إن للوصل عشر سنين بسكون الشين والمراد منه الكثرة لا المدة المقدرة فيه دلالة على أن خروج الوقت غير ناقض للتيمم بل حكمه حكم الوضوء كما هو مذهبنا وما صح عن ابن عمر أنه يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث محمول على الإستحباب ولا ينافيه قول البيهقي ولا يعرف له مخالف من الصحابة بل يعضده قول ابن عباس وإن ضعف سنده من السنة أن لا يصلى بتيمم واحد إلا فريضة واحدة ثم يجدد للثانية تيمما وما قيل إن قول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع على الصحيح محله أنه لا مجال للرأي فيه مع أنه مع رفعه يدل على السنية لا على الفرضية ولا يلزم أن الحدث الواحد أوجب طهارتين وقول صاحب الإفصاح من الشافعية ويلزم على من جوز فرضين بتيمم كأبي حنيفة وأحمد واختاره المتولي والروياني أنه يجوز التيمم قبل الوقت لأن التيمم بالنسبة للثانية وقع قبل الوقت وهو خلاف الإجماع مردود عليه لأن التيمم قبل دخول الوقت جائز عندنا فإن حكمه حكم الوضوء فإذا وجد الماء أي كافيا لغسله أو وضوئه وفاضلا عن الإحتياج إلى شربه وكان قادرا على استعماله فليمسه بضم الياء وكسر الميم من الإمساس بشرته أي فليوصل الماء إلى بشرته وجلده يعني فليتوضأ أو يغتسل فإن ذلك أي الإمساس خير من الخيور وليس معناه أن كليهما جائز


عند وجود الماء لكن الوضوء خير بل المراد أن الوضوء واجب عند وجود الماء ونظيره قوله تعالى أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا مع أنه لا خير ولا أحسنية لمستقر أهل النار لما ورد في الرواية الأخرى الصحيحة أنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي ذر التراب كافيك وإن لم تجد الماء عشر حجج وإن وجدت الماء فأمسه جلدك وهذا أمر وهو للوجوب ويحتمل أن يقال فإن ذلك أي وجود الماء خير من فقده فإنه نعمة عظيمة ومنحة جسيمة لأنه يحصل به طهارة حقيقية حسية وحكمية وإن كانت الصلاة صحيحة بهما وفيهما خير كثير رواه أحمد والترمذي وأبو داود الحديث بتمامه


لفظا ومعنى وروى النسائي نحوه أي معناه إلى قوله عشر سنين وعن جابر قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه أي أوقع الشج فيه نحو يجرح في عراقيبها نصل وكذا قوله خرجنا في سفر كذا ذكره الطيبي وقال ميرك فيه تأمل ووجهه والله إعلم أن في في سفر ليس للتعدية بل تعليلية أي خرجنا لإرادة سفر والأظهر أن الجار والمجرور في محل نصب على أنه حال أي خرجنا مسافرين ثم ذكر الرأس لزيادة التأكيد فإن الشج هو كسر الرأس ففيه تجريد والمعنى فجرحه في رأسه فاحتلم وفي رواية ثم احتلم أي أصابته جنابة وخاف لو اغتسل أن يصيب الماء الجراحة فيضرها فسأل أصحابه أي من العلماء على زعمه أو من أصحاب رسول الله والأول هو الظاهر هل تجدون لي رخصة وهو ضد العزيمة في التيمم أي في جوازه وهو وجود الماء عند الضرورة قالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء الجملة حال حملوا الوجدان على حقيقته ولم يعلموا أن الوجدان عند الضرورة في حكم الفقدان فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي وفي نسخة رسول الله أخبر بالبناء للمجهول بذلك قال قتلوه أسند القتل إليهم لأنهم تسببوا له بتكليفهم له باستعمال الماء مع وجود الجرح في رأسه ليكون أدل على الإنكار عليهم قتلهم الله أي لعنهم إنما قاله زجرا وتهديدا وأخذ منه أنه لا قود ولا فدية على المفتي وإن أفتى بغير الحق ألا سألوا إذا لم يعلموا ألا بفتح الهمزة وتشديد اللام حرف تحضيض دخل على الماضي فأفاد التنديم وإذا ظرف فيه معنى التعليل ويدل عليه رواية إذ وهو الأصح من النسختين والفاء الآتية للتسبب والمعنى فلم يسألوا ولم يتعلموا ما لا يعلمون فإنما شفاء العي بكسر العين وهو عدم الضبط والتحير في الكلام وغيره السؤال فإنه لا شفاء لداء الجهل إلا التعلم عابهم عليه الصلاة والسلام بالإفتاء بغير علم وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم لكونهم مقصرين في التأمل في النص وهو قوله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج إنما كان


يكفيه أي الرجل المحتلم أن يتيمم أولا ويعصب أي يشد على جرحه بضم الجيم خرقة حتى لا يصل إليه الماء ثم يمسح عليها أي على الخرقة بالماء ويغسل سائر جسده وهذا يدل على الجمع بين التيمم
وغسل سائر البدن بالماء دون الإكتفاء بأحدهما كما هو مذهب الشافعي والجواب والله أعلم بالصواب أن الحديث ضعيف مع مخالفته للقياس وهو الجمع بين البدل والمبدل منه وحاصل المسألة أن من خاف التلف من استعمال الماء جاز له التيمم بلا خلاف فإن خاف الزيادة في المرض أو تأخير البرء جاز له عند أبي حنيفة ومالك أن يتيمم ويصلي بلا إعادة وهو الراجح من مذهب الشافعي ومن كان بعضو من أعضائه قرح أو كسر أو جرح وألصق عليه جبيرة وخاف من تركها التلف فعند الشافعي يمسح على الجبيرة ويضم إلى المسح التيمم ولا يقضي على الراجح إن وضع الجبيرة على طهر وقال أبو حنيفة ومالك إذا كان بعض جسده جريحا أو قريحا وبعضه صحيحا إذا كان الأكثر صحيحا غسله ومسح على الجرح وإن كان الأكثر جريحا تيمم ويسقط الغسل وقال أحمد يغسل الصحيح ويتيمم للجرح رواه أبو داود وكذا الدارقطني وضعفه البيهقي وقال لا يثبت عن النبي في هذا الباب شيء يعني باب المسح على العصائب والجبائر ولكن صح عن ابن عمر فعله فتلخص أن الحديث ضعيف كذا ذكره السيد جمال الدين ورواه ابن ماجه عن عطاء بن أبي رياح عن ابن عباس قال ميرك وكذا أبو داود أخرجه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس عقيب رواية عطاء عن جابر فلا أدري ما وجه التخصيص بتخريج ابن ماجه وكأنه ذهل عنه المصنف والله الهادي وقال النووي في مجموعه وهو ضعيف اتفاقا كخبر أنه عليه الصلاة والسلام أمر عليا بالمسح على الجبائر ا ه وقول غيره إن رجاله ثقات مع مخالفته للجمهور مدفوع بأن الجرح مقدم ودعوى ابن حجر بأنه يجمع بينهما بأن له طريقا أخرى صحيحة غير صحيحة للإحتياج إلى بيانها وعدم الإكتفاء باحتمالها وقوله ومن ثم سكت أبو داود عليه مردود لأن سكوته لا


يقاوم تصريح غيره بالتضعيف ومن أغرب الغرائب أن بعض الشافعية نظروا إلى الإستدلال بهذا الحديث على مسألة الجبيرة مع أن الحديث مصرح بها وقد روى الطبراني عن أبي أمامة عن النبي أنه لما رآه ابن قمئة قال رأيته إذا توضأ حل عن عصابته ومسح عليها بالوضوء وروى ابن ماجه والبيهقي والدارقطني عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال انكسرت إحدى زندي فسألت النبي فأمرني أن أمسح على الجبائر قال البيهقي وصح عن ابن عمر أنه مسح على الجبيرة ولم يعرف له مخالف من الصحابة وروى الدارقطني عن


ابن عمر أن النبي كان يمسح على الجبائر قيل والأصح وقفه لكن الموقوف في هذا كالمرفوع لأن الإبدال لا ينصب بالرأي وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة أي جاء وقتها وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا أي قصداه على الوجه المخصوص فالمراد به المعنى اللغوي أو فتيمما بالصعيد على نزع الخافض وأريد به المعنى الشرعي فصليا ثم وجدا الماء في الوقت أجمعوا على أنه إذا رأى الماء بعد فراغه من الصلاة لا إعادة عليه وإن كان الوقت باقيا واختلفوا فيما إذا وجد الماء بعد دخوله في الصلاة فالجمهور على أنه لا يقطعها وهي صحيحة وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية يبطل تيممه أما إذا تيمم ثم وجد الماء قبل دخول الصلاة فالإجماع على بطلان تيممه فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء إما ظنا بأن الأولى باطلة وإما احتياطا ولم يعد الآخر بفتح الخاء بناء على ظن أن تلك الصورة صحيحة ثم أتيا رسول الله فذكرا ذلك أي ما وقع لهما فقال للذي لم يعد أصبت السنة أي صادفت الشريعة الثابتة بالسنة وأجزأتك صلاتك تفسير لما سبق وقال للذي توضأ أي للصلاة وأعاد أي الصلاة في الوقت لك الأجر مرتين أي لك أجر الصلاة كرتين فإن كلا منهما صحيحة تترتب عليها مثوبة وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا وفيه إشارة إلى أن العمل بالأحوط أفضل كما قال دع ما يريبك إلى ما لا يريبك رواه أبو داود والدارمي يعني متصلا وروى النسائي نحوه أيضا وقد روى هو أي النسائي وأبو داود أيضا عن عطاء بن يسار مرسلا أعلم أن أبا داود أخرج هذا الحديث من طريق عبد الله بن نافع عن الليث بن سعد عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري متصلا ثم قال غير ابن نافع يرويه عن الليث عن عميرة بن أبي ناجية عن بكر بن أبي سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي قال وذكر أبي
سعيد في هذا الحديث غير محفوظ وهو مرسل ا ه لكن قال الحاكم رواية الإتصال صحيحة على شرطهما والله تعالى أعلم


الفصل الثالث
عن أبي الجهيم بن الحرث بن الصمة مر قريبا قال أقبل النبي من نحو بئر جمل بالإضافة أي من جانب الموضع الذي يعرف بذاك وهو معروف بالمدينة وهو بفتح الجيم والميم فلقيه رجل فسلم عليه هو أبو الجهيم الراوي بينه الشافعي في روايته لهذا الحديث من طريق الأعرج كذا ذكره الأبهري وقد صرح بهذا في الحديث السابق حيث قال فسلمت عليه فلم يرد النبي أي السلام عليه حتى أقبل على الجدار وليس في هذا الحديث الصحيح أنه حته وحكه فمسح وجهه أولا ويديه ثانيا ثم رد عليه أي على الرجل السلام بالنصب مفعول رد متفق عليه وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه كان يحدث يروي أي للتابعين أنهم أي الصحابة تمسحوا أي تيمموا وهم مع رسول الله جملة معترضة بالصعيد متعلق بتمسحوا لصلاة الفجر أي لأدائها فضربوا بأكفهم الصعيد الخ بيان لتمسحوا ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة بطريق الإستيعاب وأجمعوا على أن لا يكرر مسح التيمم ثم عادوا أي رجعوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى أي ضربة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى


المناكب والآباط بالمد جمع ابط من بطون أيديهم من للابتداء أي ابتدؤا بالمسح من بطون الأيدي لا من ظهورها كما ذكره الفقهاء في باب الإستحباب ويمكن أن يقال المراد بالإبتداء ابتداء آلة المسح لا ابتداء الممسوح فيوافق ما ذكره في ذلك الباب وهو أقرب للصواب قال البغوي في المعالم عند قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم المائدة ذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين لما روي عن عمار رضي الله تعالى عنه أنه قال تيممنا إلى المناكب وذلك حكاية فعله لم ينقله عن النبي كما روي أنه قال أجنبت فتمعكت فلما سأل النبي أمره بالوجه والكفين انتهى إليه وقال البيضاوي اليد اسم للعضو إلى المنكب وما روي أنه عليه الصلاة والسلام تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه والقياس على الوضوء دليل على أن المراد بالأيدي هنا إلى المرافق ا ه ويعني بالقياس قياس الفرع على الأصل والله أعلم رواه أبو داود


باب الغسل المسنون
الغسل بالفتح مصدر وبالكسر ما يغسل به وبالضم غسل مخصوص وهو المراد هنا
الفصل الأول
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله إذا جاء أحدكم بالرفع أصح الجمعة بضم الميم وتسكن منصوبة على المفعولية أي إذا أراد
أحدكم أن يأتي الجمعة كما جاء مصرحا به في رواية الليث عن نافع أي صلاتها فليغتسل وفيه إشارة إلى أن الغسل للصلاة لا لليوم وهو الصحيح قال الطيبي الظاهر أن الجمعة فاعل كقوله تعالى إذا جاءتهم الحسنة وقوله تعالى أن يأتي أحدكم الموت المنافقون وفيه أنه لا يصح غسل الجمعة قبل الصبح قال ميرك وفيه تأمل فالظاهر أن الأمر بالعكس وقال ابن حجر والفاء للتعقيب وظاهره أن الغسل عقيب المجيء وليس بمراد فالصحيح أن الفاء للجزاء قال وكلام الطيبي غفلة عن الرواية الأخرى وهي من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء وسندها صحيح ا ه ثم الأمر بالغسل للإستحباب المؤكد عند الجمهور لما سيأتي وعند مالك واجب وعليه الظاهرية متفق عليه وعن أبي سعيد أي الخدري كما في نسخة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله غسل يوم الجمعة من باب إضافة المظروف إلى الظرف كمكر الليل وأخذ من إضافته إلى يومها لا إلى وقتها أن وقت غسلها يدخل بفجر يومها فلا يجوز قبله خلافا للأوزاعي وبعض الفقهاء ومنهم بعض علمائنا ولا يتوقف على الرواح خلافا لمالك واجب أي ثابت لا ينبغي أن يترك لا أنه يأثم تاركه خلافا لمالك قيل هذا وأمثاله تأكيد للإستحباب كما يقال رعاية فلان علينا واجبة على كل محتلم أي بالغ مدرك أو أن الإحتلام وسببه أن القوم كانوا يعملون في المهنة ويلبسون الصوف وثياب المهنة وكان المسجد ضيقا متقارب السقف فإذا عرقوا تأذى بعضهم برائحة بعض خصوصا في بلادهم التي في غاية من الحرارة فندبهم عليه الصلاة والسلام إلى الإغتسال بلفظ الوجوب ليكون أدعى إلى الإجابة متفق عليه وعن أبي هريرة


رضي الله عنه قال قال رسول الله حق أي ثابت ولازم أو
جدير ولائق على كل مسلم أي بالغ عاقل أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما والمراد غسل يوم الجمعة كما بينته الرواية الأخرى يغسل فيه رأسه أولا وجسده أي سائر بدنه ثانيا واستثنى داخل العينين والجملة بيان ليغتسل مشعر ببيان علة الحكم إذ الرأس والجسد محلان للوسخ غالبا ويستحب التيامن وتقديم الوضوء وأما المضمضة والإستنشاق ففي الوضوء سنتان وفي الغسل فرضان عندنا متفق عليه
الفصل الثاني
عن سمرة بفتح المهملة وضم الميم ابن جندب بضم الجيم والدال وتفتح قال قال رسول الله من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت المختار فيها كسر النون وسكون العين ويجوز فتح النون وكسر العين وهذا كلام يطلق للتجويز والتحسين وتقديره بتلك الفعلة هي وقيل الضمير في فبها للسنة وإن لم يجر لها ذكر لفظا ولا معنى بل حكما من قرينة الحال والباء متعلقة بمقدر وروي عن الأصمعي أن التقدير فبالسنة أخذ ونعمت الخصلة هي قيل وفيه نظر لأنه إنما يكون آخذ بالسنة إذا اغتسل وأما إذا توضأ فإنما أتى بالفرض الذي عليه فالأولى أن يقال فبالشريعة أو الرخصة أو الفعلة أو الخصلة ا ه والأولى أن يقال فبالرخصة إذ الفعلة والخصلة مبهمة والشريعة عامة شاملة قيل فبالرخصة أخذ ونعمت السنة التي تركها أي الغسل وهذا وإن قوي معنى ضعيف لفظا لإختلاف مرجع الضميرين مع عدم ما يدل على مرجع الثاني فالأولى أن يقال التقدير فبالفرضية أخذ ونعمت الفرضية هي أي أو بخصلة النظافة أخذ ونعمت الخصلة هي ومن اغتسل أي يوم الجمعة لصلاتها وفيه إشارة إلى أنه لا يصلح غسل الجمعة إلا قبل الفرض ذكره ابن حجر وفيه نظر فالغسل أفضل لأنه تطهير أكمل وهذا الحديث صريح بأن غسل يوم الجمعة سنة لا واجب ويؤيده أيضا خبر مسلم من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا واستمع


وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والدارمي وحسنه الترمذي وغيره بل صححه أبو حاتم الرازي ولعله لم يبلغ القائل بالوجوب وأما ادعاء أن حديث الوجوب أصح فقدم على هذا فغير صحيح لأن أصحيته لا تقتضي تقديمه إلا على ضده الذي لا يمكن الجمع بينه وبينه وأما ما يمكن الجمع بينه وبينه فلا يجوز إلغاء الصحيح بالأصح بل يتعين الجمع بينهما فمن ثم أولنا الأصح بما يوافق الصحيح لا العكس لتعذره لما تقرر أن الوجوب يطلق كثيرا شائعا على التأكيد كما يقول الرجل لصاحبه حقك واجب علي وأما مدح الإقتصار على الوضوء وجعل الغسل أفضل منه فلا يطلق ذلك مع فرض وجوب الغسل مطلقا وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من غسل بالتخفيف ويشدد ميتا بالتشديد ويخفف فليغتسل لإزالة الرائحة الكريهة التي حصلت له منه والأمر للإستحباب وعليه الأكثر للخبر الصحيح ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه وقيل أمر وجوب لأنه لا يؤمن أن يصيبه شيء من رشاش المغسول وهو لا يعلم مكانه فيجب عليه غسل بدنه فإن علم بعدمها فلا ولا يخفى أن الدليل المبني على الشك لا يفيد الوجوب مع أن الماء المستعمل طاهر على الصحيح رواه ابن ماجه قال أبو داود وهذا منسوخ سمعت أحمد بن حنبل سئل عن غسل الميت قال يجزئه الوضوء كذا في التصحيح وزاد أحمد والترمذي وحسنه وضعفه الجمهور وأنكروا على الترمذي تحسين هذا الحديث وقال البيهقي الصحيح أنه موقوف وقال الماوردي خرج بعضهم لتصحيحه مائة وعشرين طريقا نقله ميرك وأبو داود ومن حمله أي الميت يعني مسه أو أراد حمله وهو الأظهر فليتوضأ أي ليكن على وضوء حال حمله ليتهيأ له الصلاة عند وضع الجنازة ويجوز أن يكون لمجرد الحمل فإنه قربة وقيل معناه ليجدد الوضوء احتياطا لأنه ربما خرج منه ريح لشدة دهشته وخوفه من حمل الجنازة وثقل حملها وهو لا يعلم بذلك وعلى كل فالأمر هنا للندب اتفاقا


وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي كان يغتسل أي يرى الغسل من أربع أي يأمر بالإغتسال منهن إذ ليس المراد أنه غسل ميتا فاغتسل من غسله فإنه ما غسل ميتا قط وهذا كرواية ماعز أنه رجم ماعزا أي أمر برجمه فالمراد أنه كان يأمر الغسال بالإغتسال وقوله من الجنابة بدل باعادة الجار أي من أجلها فمن تعليلية وقيل ابتدائية وهي لا تخلو عن تكلف بل تعسف ثم لا دليل في عطف ما بعده عليه على أنه واجب مثله لأن دلالة الإقتران غير حجة كما بين في علم الأصول قال تعالى كلوا من ثمره إذا أثمرو آتوا حقه يوم حصاده الأنعام والأكل جائز والإيتاء واجب إجماعا فيهما ويوم الجمعة بالجر وهو الملائم للسابق واللاحق وإن صح النصب فيكون على نزع الخافض قال ابن حجر الظاهر أنه عطف على الجنابة لكن لا معنى للغسل من يوم الجمعة إلا بجعل من المقدرة فيه بمقتضى العطف للتعليل وبهذا يعلم رد ما قيل وإنما لم يؤت بمن في يوم الجمعة لأن الإغتسال له ولكرامته وفيه أنه إذا كان له ولكرامته صح أن يكون بسببه فلم يصلح التغاير بينهما ا ه ويمكن أن يقال في ترك من من يوم الجمعة إشارة إلى أن الغسل الواحد فيه ينوب عن الجنابة وعن السنة ومن الحجامة بكسر الحاء أي للمحجوم واغتساله من الحجامة لإماطة الأذى ولما لا يؤمن أن يصيبه من رشاش الحجامة فتستحب النظافة وترديد بعض الشافعية أن الغسل هل هو سنة للمحجوم له أو له وللحاجم لا وجه له لأنه عليه الصلاة والسلام اغتسل لما حجمه غيره ولا يحتمل أنه اغتسل من حجمه هو لغيره لأن ذلك لم ينقل عنه ولا يليق نسبته لمقامه الشريف ذكره ابن حجر وفيه بحث فتدبر ومن غسل الميت قال ابن حجر المكي هو صريح في أنه عليه الصلاة والسلام غسل ميتا واغتسل منه واستبعده بعض من غير بيان قلت سنده أنه لو فعل لنقل وأما هذا فغير صريح بل محتمل مع أن لفظ كان غالبا للإستمرار وإفادة التكرار وهو بأصله غير موجود في الأخبار والآثار ثم أغرب واعترض على قول الطيبي


كما في رجم ماعز أي أمر برجمه بقوله وفيه ركاكة هنا كما لا يخفى لأن عائشة ناقلة عنه أنه اغتسل من غسل الميت فأي إسناد إليه هنا حتى يحمل على الأمر بل يلزم عليه فساد لو تصور وجوده إذ يصير التقدير ومن أمره بغسل الميت وهذا اسفساف ا ه قلت الركاكة والفساد إنما ظهر لفساد الفهم في محل الإسناد فالطيبي لما نظر في آخر الحديث ورأى ما يوهم أنه عليه الصلاة والسلام غسل الميت ولم يصح عنده حمل قول عائشة في أول الحديث كان يغتسل على المعنى المجازي لتعذر المعنى الحقيقي فقال معنى يغتسل أي كان يأمر الناس بالإغتسال من أربع ولذا جعل نظيره رجم ماعز فإن الرجم ما وقع منه عليه الصلاة والسلام اتفاقا بل وقع بأمره فتأمل ليظهر لك موضع الزلل وموضع الخطل رواه أبو داود وقال ميرك شاه لم ينقل عنه


أنه عليه الصلاة والسلام غسل ميتا قط ويدل عليه رواية أحمد أنه عليه الصلاة والسلام قال يغتسل وساقه وعن قيس بن عاصم رضي الله عنه أنه أسلم قال ابن عبد البر قدم على النبي في وفد تميم وأسلم فلما رآه النبي قال هذا سيد أهل الوبر وكان مشهورا بالحلم يعد في البصريين روى عنه ابنه حكيم وخلق سواه فأمره النبي أن يغتسل بماء وسدر ذهب الأكثرون إلى استحباب اغتسال من أسلم وغسل ثيابه إذا لم يكن لزمه غسل في حال الكفر والغرض منه تطهيره من النجاسة المحتملة على أعضائه من الوسخ والرائحة الكريهة وإنما أمره عليه الصلاة والسلام بالغسل بالماء والسدر للمبالغة في التنظيف لأنه يطيب الجسد واغتساله مؤخر عن قول كلمتي الشهادة في الأصح وعند مالك وأحمد يجب الغسل وإن لم يكن جنبا وأما إذا أسلم وقد جامع أو احتلم في الكفر فيفرض عليه الغسل وإن اغتسل فيه عند الشافعي لأنه يحتاج إلى النية وهي عبادة لا تصح من الكافر وعند أبي حنيفة يكفيه اغتساله فيه ويسن أيضا حلق رأسه قبل الغسل لا بعده لقوله عليه الصلاة والسلام ألق عنك شعر الكفر واغتسل رواه الترمذي وحسنه وأبو داود وسكت عليه ولم يضعفه المنذري والنسائي وسنده صحيح
الفصل الثالث
عن عكرمة هو مولى ابن عباس أصله من البربر وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها سمع ابن عباس وغيره من الصحابة وروى عنه خلق كثير مات سنة سبع ومائة وله ثلاث وثمانون سنة قيل لسعيد ابن جبير هل أحد أعلم منك قال عكرمة قال إن ناسا وفي نسخة أناسا من أهل العراق وهو بلاد من عبادان إلى موصل طولا ومن القادسية إلى حلوان عرضا والعراقان الكوفة والبصرة كذا في القاموس جاؤوا فقالوا يا ابن عباس جروا فيه


على عادة العرب من عدم رعاية مزيد الأدب في الخطاب مع الأكابر أترى بفتح التاء من الرأي أي تعتقد الغسل يوم الجمعة ظرف للغسل واجبا قال لا أي لا أراه واجبا ولكنه أطهر أي أكمل طهارة وأفضل مثوبة لأنه ورد الأمر بالسنة وخير أي نفع كثير لمن اغتسل وأفضل له من الوضوء ومن لم يغتسل واكتفى بالوضوء فليس عليه بواجب هذا دليل لجواب مقدر تقديره فلا بأس إذ ليس الغسل فيه واجبا وسأخبركم السين للتأكيد لا للإستقبال كيف بدء الغسل بضم الهمزة أي سبب ابتداء مشروعيته أو سنيته للجمعة كان الناس استئناف بيان والمراد من الناس الصحابة فإنهم هم الناس مجهودين يقال جهد الرجل بالضم فهو مجهود إذا وجد مشقة كذا في النهاية وقال ابن حجر أي مسلطا عليهم الجهد والمشقة في أمر دنياهم لأن الله تعالى اختار لهم أكمل الأحوال وأولاها وهو التنزه عن الدنيا وقواطعها إلا ما يضطر إلى مباشرته من أسبابها فإن ذلك لا يترتب عليه شيء من محذورها يلبسون الصوف جملة مبينة ويعملون على ظهورهم أي فيعرقون وكان مسجدهم أي مسجده عليه الصلاة والسلام وأضيف إليهم لصلاتهم فيه ضيقا بالطول والعرض مقارب السقف لعدم ارتفاعه فيكون غيرها إنما هو عريش أي كان سقف المسجد كعريش الكرم يعني القصد منه الإستظلال وإن كان على رأس الواقف فخرج رسول الله في يوم حار من أيام الجمعة وعرق الناس جملة حالية أو عطف على فخرج في ذلك الصوف أي الذي يعملونه على ظهورهم حين لبسه حتى ثارت أي انتشرت منهم رياح آذى بذلك أي بما ذكر من العرق والرياح بعضهم بعضا وتأذى الكل فلما وجد رسول الله تلك الرياح أي أحسها أو وجد أثرها وتأثيرها من الأذى قال أيها الناس أي يا أيها كما في نسخة إذا كان هذا اليوم إشارة إلى الجنس أو المراد مثل هذا اليوم فاغتسلوا أي لحضور الجمعة وليمس أحدكم بسكون اللام ويجوز كسرها وبفتح الميم والسين أفضل ما يجد أي أحسنه من دهنه أي لشعره وطيبه أي لسائر بدنه وأغرب ابن حجر بقوله


عطف عام على خاص إذ الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام لم يرد مجرد الدهن وإنما أراد الدهن المطيب فإنه على تسليمه ليس من باب عطف العام كما لا يخفى على الخاص ثم قال وهذا كالخبر الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل الخروج إلى الصلاة ورواية خلافه عن ابني
عمر وعباس باطلة ا ه وهو كلام موهم مخالف للأدب فإنه إن أراد به سند الرواية فكان عليه بيانه وإن كان معناها فلا دلالة في هذا الحديث ولا غيره على بطلانه بل ظاهر هذا الحديث أن هذه الأفعال تفعل في هذا اليوم وإن كان الجمهور قيدوها بما قبل الصلاة لما قام عندهم من الدليل النقلي أو العقلي وكلامهم غير حجة عليهما قال ابن عباس أعاده لطول الكلام ثم جاء الله بالخير أي المال أو الرفاهية عطف على أول القصة وهو كان الناس أو على بدء الغسل وآثر ثم لدلالتها على التراخي في الزمان لأنهم مكثوا مجهودين مدة طويلة والفتوحات إنما حصلت أواخر حياته قيل وعلى التراخي في الرتبة أيضا ولذا نسبه إلى الله تعالى ا ه ووجهه أن أحوال جهدهم كانت منبئة عن عدم ظهور الإسلام بخلاف أحوال سعتهم فإنها منبئة عن ظهوره وليس المراد أن الغنى خير من الفقر ليكون الشكر أفضل من الصبر فإن الجمهور على خلافه ولبسوا غير الصوف عطف تفسير وكفوا بالتخفيف مجهولا العمل مفعول ثان أي كفاهم الله تعالى العمل باستغنائهم أو باعطائهم الخدم ووسع مسجدهم من كل جانب قال ابن حجر وسعه النبي في آخر عمره وذهب بعض الذي كان يؤذي أي به بعضهم بعضا ويتأذى الكل من العرق بيان للبعض أو تعليل إن كان حكمة التعبير بالبعض الذي المراد به الأكثر كما هو ظاهر الإحتياط في الإخبار لأن بعضهم ربما تساهل في إزالته فآذى غيره من غير أن يشعر بذلك ثم ظاهر فحوى كلام ابن عباس أن الغسل كان في أول الإسلام واجبا لكثرة الإيذاء بالريح الكريهة حينئذ ثم لما خفت نسخ وجوبه فإن صح هذا به يجمع بين الأحاديث السابقة
رواه أبو داود وسكت عليه ورجال إسناده ثقات


باب الحيض
لما فرغ من ذكر الغسل المسنون ذكر ما يوجب الغسل المفروض فإن انقطاع الحيض سبب لوجوب الغسل وهو في اللغة مصدر حاض إذا سال وفي الشرع دم ينفضه رحم امرأة سليمة من الداء والصغر وحكمه أنه يمنع صوما وصلاة ونحوهما ويقضي هو لا هي وأصل الباب قوله تعالى ويسئلونك عن المحيض وقوله عليه الصلاة والسلام هذا شيء كتبه الله على بنات آدم رواه الشيخان وبما فيه من العموم رد البخاري على من قال أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل قال ابن الرفعة قيل إن أمنا حواء لما كسرت شجرة الحنطة وأدمتها قال الله لأدمينك كما أدميتها وابتلاها بالحيض هي وجميع بناتها إلى الساعة

الفصل الأول


فص عن أنس قال إن اليهود جمع يهودي كروم ورومي وأصله اليهوديين ثم حذف ياء النسبة كذا قيل وفيه تأمل والظاهر أن اليهود قبيلة سميت باسم جدها يهودا أخي يوسف الصديق واليهودي منسوب إليهم بمعنى واحد منهم كانوا أسقط ابن حجر لفظ أن اليهود من الحديث وجعل ضمير كانوا للناس وهو خطأ لفظا ومعنى إذا حاضت المرأة فيه رد على ابن سيرين حيث كره أن يقال حاضت المرأة وطمثت على ما نقل عنه ابن حجر وفي معناه عركت ونفست ونهي عائشة عن ذكر العراك مذهب صحابي ولأن النساء يستحيين من ذلك فيهم كذا في مسلم وجامع الأصول وفي شرح المصابيح وشرح السنة منهم لم يؤاكلوها بالهمز ويبدل واوا وقيل إنه لغة ولم يجامعوهن أي لم يساكنوهن ولم يخالطوهن في البيوت بكسر الباء وضمها وإنما جمع الضمير لأن المراد بالمرأة الجنس فعبر أولا بالمفرد ثم بالجمع رعاية للفظ والمعنى على طريق التفنن فسأل أصحاب النبي رضي الله تعالى عنهم أجمعين النبي عن عدم المؤاكلة حالة الحيض كما تفعل اليهود فأنزل الله تعالى ويسئلونك عن المحيض أي حكم زمان الحيض الآية بالأوجه الثلاثة تتمتها قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض البقرة قال في الأزهار المحيض الأول في الآية هو الدم بالإتفاق لقوله تعالى قل هو أذى وفي الثاني ثلاثة أقوال أحدها الدم كالأول والثاني زمان الحيض والثالث مكانه وهو الفرج وهو قول جمهور المفسرين وأزواج النبي ثم الأذى ما يتأذى به الإنسان قيل سمي بذلك لأن له لونا كريها ورائحة منتنة ونجاسة مؤذية مانعة عن العبادة قال الخطابي والبغوي والتنكير هنا للقلة


أي أذى يسير لا يتعدى ولا يتجاوز إلى غير محله وحرمه فتجتنب وتخرج من البيت كفعل اليهود والمجوس نقله السيد يعني الحيض أذى يتأذى منه الزوج من مجامعتها فقط دون المؤاكلة والمجالسة والإفتراش أي فأبعدوا عنهن بالمحيض أي في مكان الحيض وهو الفرج أو حوله مما بين السرة والركبة احتياطا فقال رسول الله مبينا للإعتزال المذكور في الآية بقصره على بعض أفراده اصنعوا أي افعلوا كل شيء من المؤاكلة والملامسة والمضاجعة إلا النكاح أي الجماع وهو حقيقة في الوطء وقيل في العقد فيكون اطلاقا لاسم السبب على المسبب وهذا تفسير للآية وبيان لقوله فاعتزلوا فإن الإعتزال شامل للمجانبة عن المؤاكلة والمضاجعة والحديث بظاهره يدل على جواز الإنتفاع بما تحت الإزار وهو قول أحمد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي في قوله القديم وبعض المالكية ودليل الجمهور حديث أبي داود الآتي هذا واتفقوا على حرمة غشيان الحائض ومن فعله عالما عصى ومن استحله كفر لأنه محرم بنص القرآن ولا يرفع التحريم إلا بقطع الدم والإغتسال عند أكثرهم فبلغ ذلك أي الحديث اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل يعنون النبي وعبروا به لإنكارهم نبوته أن يدع أي يترك من أمرنا أي من أمور ديننا شيئا من الأشياء في حال من الأحوال إلا خالفنا بفتح الفاء فيه أي إلا حال مخالفته إيانا فيه يعني لا يترك أمرا من أمورنا إلا مقرونا بالمخالفة كقوله تعالى أي در صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها أي وله عليه الصلاة والسلام اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته فجاء أسيد بن حضير بالتصغير فيهما أنصاري أوسي أسلم قبل سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير وكان ممن شهد العقبة الثانية وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد وعباد بن بشر من بني عبد الأشهل من الأنصار أسلم بالمدينة على يد مصعب أيضا قبل سعد بن معاذ وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها فقالا يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا والظاهر أنه إشارة إلى الكلام السابق وقال ابن


حجر إن معاشرة الحائض توجب ضررا فلا أي أفلا كما في نسخة نجامعهن أي نساكنهن والتقدير ألا نعتزلهن فلا نجتمع معهن في الأكل والشرب والبيوت يريدان الموافقة للمؤالفة وقيل لخوف ترتب ذلك الضرر الذي يذكرونه فتغير وجه رسول الله حتى ظننا أي نحن وفي نسخة صحيحة ظنا أي هما إن أي أنه كما في نسخة قد وجد عليهما أي غضب فخرجا خوفا من الزيادة في التغير أو الغضب فاستقبلتهما هدية أي استقبل الرجلين شخص معه هدية يهديها إلى رسول الله والإسناد مجازي من لبن من بيانية إلى النبي أي واصلة أو واصل إليه فأرسل أي النبي في آثارهما وفي نسخة أثرهما بكسرتين وقيل بفتحتين أي عقبهما أحدا فناداهما فجاآه فسقاهما أي اللبن تلطفا بهما فعرفا أنه لم يجد


عليهما أي لم يغضب أو ما استمر الغضب بل زال أو ذهب وهذا من مكارم أخلاقه رواه مسلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت كنت أغتسل أنا والنبي بالرفع على العطف للفصل وروي بالنصب على أنه مفعول معه وفي نسخة رسول الله بالوجهين من إناء واحد على عادة العرب من وضع ظرف كبير مملوء من الماء ثم يغترفون منه ويتناوبون وكلانا الواو للحال جنب الإفراد باعتبار لفظ كلا وهو أفصح من التثنية لمعناه وكان عليه الصلاة والسلام يأمرني أي بالإتزار اتقاء عن موضع الأذى فأتزر قال الشراح صوابه فأئتزر بهمزتين يعني باعتبار الأصل وإلا فالقاعدة المقررة أن الهمزة الثانية الساكنة عند اجتماع الهمزتين تقلب من جنس حركة ما قبلها كآدم قالوا فإن ادغام الهمزة في التاء غير جائز وقال أبو موسى هو تحريف وتصحيف من بعض الرواية كذا نقله السيد عن الأزهار وقال في المفصل قول من قال فأتزر خطأ خطأ وقال الكرماني فأتزر في قول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة فالمخطىء مخطىء وقال ابن الملك إنه مقصور على السماع ومنه قراءة ابن محيض أي فليؤد الذي اتمن أي بهمزة وصل وتاء مشددة مضمومة من الأمانة ذكره الأبهري والمعنى فأعقد الإزار في وسطي وهذا يدل على جواز الإستمتاع بما فوق الإزار دون ما تحته وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في قوله الجديد ولعل قوله عليه الصلاة والسلام كان رخصة وفعله عزيمة تعليما للأمة فإنه أحوط فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه فيباشرني أي يضاجعني فيلامسني وتمس بشرته بشرني فوق الإزار وأنا حائض جملة حالية وهو بلا هاء لإختصاصه بالمؤنث وقد تلحقه وكان أي النبي يخرج رأسه إلي وهو معتكف في المسجد بأن كان باب الحجرة مفتوحا إلى المسجد فيخرج رأسه منه إلى الحجرة وهي فيها وهذا يدل على أن المعتكف إذا خرج بعض أعضائه من المسجد لم يبطل اعتكافه فاغسله أي رأسه وأنا حائض متفق عليه واللفظ للبخاري قاله السيد


وعنها أي عن عائشة قالت كنت أشرب أي الماء وأنا حائض ثم أي بعد الطلب أناوله النبي أي أعطيه الإناء الذي شربت فيه كما فهم من السياق فيضع فاه أي فمه على موضع في بتشديد الياء أي فمي فيشرب أي منه وهذا من غاية مخالفته لليهود بغضا ومن نهاية موافقته لها حبا وأتعرق أي وكنت أتعرق العرق بفتح العين وسكون الراء أي آخذ اللحم من العرق بأسناني وهو عظم أخذ معظم اللحم منه وبقيت عليه بقية والمراد هنا العظم الذي عليه اللحم وهذا يدل على جواز مؤاكلة الحائض ومجالستها وعلى أن أعضاءها من اليد والفم وغيرهما ليست بنجسة وأما ما نسب إلى أبي يوسف من أن بدنها نجس فغير صحيح وأنا حائض ثم أناوله النبي وفيه إشارة إلى كمال تواضعه وطيب نفسه فيضع فاه على موضع في رواه مسلم وعنها أي عن عائشة قالت كان النبي يتكىء في حجري بكسر الحاء وتفتح أي يستند إليه ويعتمد في الجلوس عليه وأنا حائض ثم يقرأ القرآن فيه دلالة على أن الحائض طاهرة حسا نجسة حكما متفق عليه وعنها قالت قال لي الفتح في الياء أفصح من السكون النبي ناوليني


بالوجهين كما تقدم أي اعطيني الخمرة وهي بالضم سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وتزين بالخيوط مأخوذة من التخمير بمعنى التغطية فإنها تخمر موضع السجود أو وجه المصلي من الأرض من المسجد قيل حال من النبي فتكون الخمرة في الحجرة والنبي عليه الصلاة والسلام في المسجد وقيل حال من الخمرة فيكون الأمر على العكس وهو الظاهر قال ابن حجر من المسجد متعلق بناوليني وحينئذ يحتمل أن المراد ادخلي المسجد فخذيها واعطيني إياها من غير مكث ولا تردد فيه لحل هذا للحائض إذا أمنت التلويث أو مد يدك وأنت خارجة فتناوليها منه ثم ناوليني إياها وهذا جائز لها أيضا بالأولى وإنه متعلق بقال لكنه بعيد ا ه وأبعد منه ما قاله أولا فإنه يبعد شرعا وعرفا لعدم دخول الحائض المسجد في مذهبنا مطلقا فقلت إني حائض فقال إن حيضتك بكسر الحاء وهي الحالة التي تكون عليها الحائض من التحيض والتجنب وقد روي بالفتح وهي المرة من الحيض ليست في يدك يعني ليست نجسة يدك لأنها لا حيض فيها وهذا كالصريح للرد على ما قاله ابن حجر أولا قال في شرح السنة فيه دليل على أن للحائض أن تتناول شيئا من المسجد وإن من حلف أن لا يدخل دارا أو مسجدا فإنه لا يحنث بإدخال بعض جسده فيه قال قتادة الجنب يأخذ من المسجد ولا يضع فيه رواه مسلم وعن ميمونة رضي الله عنها قالت كان رسول الله يصلي في مرط بكسر الميم وسكون الراء كساء من صوف أو خز يؤتزر به وربما تلقيه المرأة على رأسها وتتقنع به وقيل هو شبه ملحفة بعضه علي أي ملقى على بدني وبعضه عليه يعني بعض المرط ألقاه عليه الصلاة والسلام على كتفه يصلي وأنا حائض ملتفة به وهذا يدل على أن أعضاء الحائض طاهرة وإلا فالصلاة في مرط واحد بعضه ملقى على النجاسة وبعضه متصل


بالمصلي غير جائز متفق عليه قال السيد جمال الدين فيه نظر لأنه قال صاحب التخريج ما أجده في الصحيحين ولا في أحدهما ولا في الحميدي بهذا اللفظ وإنما لفظ البخاري في الصلاة من حديث ميمونة قالت كان رسول الله يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض ربما أصابني ثوبه إذا سجد وقد أخرج مسلم من حديث عائشة معناه ولأبي داود نحوه ولفظه أن النبي صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهي حائض والله أعلم
الفصل الثاني
عن أبي هريرة قال قال رسول الله من أتى حائضا أي جامعها وهي تشمل المنكوحة والأمة وغيرهما وكذا قوله أو امرأة في دبرها مطلقا سواء كانت حائضا أو غيرها أو كاهنا قال الطيبي أتى لفظ مشترك هنا بين المجامعة وإتيان الكاهن قلت الأولى أن يكون التقدير أو صدق كاهنا فيصير من قبيل علفتها تبنا وماء باردا أو يقال من أتى حائضا أو امرأة بالجماع أو كاهنا بالتصديق فقد كفر بما أنزل على محمد أي إن اعتقد حله وإنما لم يفصله ليكون أبلغ في الوعيد وأدعى إلى الزجر والتهديد قال ابن الملك يؤول هذا الحديث بالمستحل والمصدق وإلا فيكون فاسقا فمعنى الكفر حينئذ كفران نعمة الله أو إطلاق اسم الكفر عليه لكونه من أفعال الكفرة الذين عادتهم عصيان الله تعالى والمراد بالكاهن من يخبر عما يكون في المستقبل أو بأشياء مكتوبة في الكتب من أكاذيب الجن المسترقة من الملائكة من أحوال أهل الأرض من الأعمار والأرزاق والحوادث فيأتون الكهنة فيخلطون في كل حديث مائة كذبة فيخبرون الناس بها وفي معناه من يتعاطى الرمل والضرب بنحو الحصى أو النظر في النجوم قال الطيبي وفي الحديث وعيد هائل حيث لم يكتف بكفر بل ضم إليه بما أنزل على محمد وصرح بالعلم تجريدا والمراد بالمنزل الكتاب والسنة أي من ارتكب هذه الهيئات فقد برىء من دين محمد عليه الصلاة والسلام وفي تخصيص دبر المرأة دلالة على أن إتيان الذكر أشد نكيرا أو في تأخير الكاهن عنها ترق من الأهون إلى الأغلظ وقال ابن حجر المكي


الكفر في الأول
محمول على الإستحلال وفي الثاني بالنسبة إلى الحليلة الزوجة والأمة على كفران النعمة لشهرة الخلاف في ذلك فلم يوجد إجماع على تحريمه فضلا عن علمه بالضرورة وما كان كذلك لا يقال إن استحلاله كفر على أن الحديث ضعيف وفي الثالث على اعتقاد أنه عالم الغيب رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي وفي روايتهما أي الأخيرين فصدقه أي الكاهن بما يقول فقد كفر وبه يقيد الأول فيخرج من أتاه ليظهر كذبه أو للإستهزاء بما هو عليه وقال الترمذي لا نعرف بنون المتكلم معروفا وروي بالياء مجهولا هذا الحديث منصوب أو مرفوع إلا من حكيم بالتنوين الأثرم عن أبي تميمة عن أبي هريرة قال السيد جمال الدين وقد ضعفه البخاري من قبل إسناده وعن معاذ بن جبل قال قلت يا رسول الله ما يحل لي أي أي موضع يباح لي من امرأتي أي من أعضائها وهي حائض قال ما فوق الإزار والتعفف يعني ومع ذلك والتجنب عن ذلك أي عما فوق الإزار أفضل لأنه قد يجر إلى المعصية رواه رزين وقال محيي السنة أي صاحب المصابيح إسناده أي إسناد رزين أو إسناد الحديث ليس بقوي ورواه أبو داود أيضا وقال إسناده ليس بقوي وتفرد ابن حجر فقال إسناده جيد بدون قوله والتعفف أفضل قيل حكم الحديث ضعيف أيضا لما تقدم من أن الإتزار والمباشرة فوقه جائز ولو كان التعفف أفضل لكان رسول الله به أولى وفيه بحث إذ يقال التعفف لغيره أفضل أو كان فعله لبيان الجواز مع قوة عفته لكمال عصمته عليه الصلاة والسلام ولهذا ذهب بعض الشافعية واستحسنه النووي في مجموعه أنه إن وثق من نفسه بعدم الوطء لقلة شهوته أو كثرة تقواه لم يحرم عليه التمتع بما بين السرة والركبة وإلا حرم وعن ابن عباس قال قال رسول الله إذا وقع الرجل بأهله بغير الألف بعد


الواو وهي حائض فليتصدق بنصف دينار قال الخطابي قال أكثر العلماء لا شيء عليه يستغفر الله وزعموا أن هذا مرسل أو موقوف على ابن عباس ولا يصح متصلا مرفوعا ثم أعلم أن وطء الحائض في الفرج عمدا حرام بالإتفاق فلو وطىء قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد الراجح من مذهبه وأحمد في إحدى روايتيه يستغفر الله ويتوب إليه ولا شيء عليه لكن يستحب عند الشافعي أن يتصدق بدينار إن وطىء في إقبال الدم وبنصفه في إدباره وفي قول له يجب ما ذكر قال ابن الهمام لا يأتيها زوجها ولو أتاها مستحلا كفر أو عالما بالحرمة أتى كبيرة ووجبت التوبة ويتصدق بدينار أو بنصفه استحبابا وقيل بدينار إن كان أول الحيض وبنصفه إن كان في آخره كأن قائله رأى أن لا معنى للتخيير بين القليل والكثير في النوع الواحد قلت الأظهر أن قائله أخذ التفصيل من الحديث الآتي عن ابن عباس ثم قال وكذا الحكم لو قالت حضت فكذبها لأن تكذيبه لا يعمل بل تثبت الحرمة بإخبارها رواه الترمذي وأبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه قال المنذري قد وقع اضطراب في هذا الحديث متنا وإسنادا رفعا ووقفا إرسالا وإعضالا كذا نقله السيد جمال الدين عن التخريج فقول ابن حجر وسنده حسن غير مستحسن وقال ميرك هذا بيان اضطراب الإسناد وأما الإضطراب في متنه فروي بدينار أو نصف دينار على الشك وروي يتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار وروي التفرقة بين أن يصيبها في إقبال الدم أو في انقطاع الدم وروي يتصدق بخمس دينار وروي يتصدق بنصف دينار وروى إذا كان دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار ا ه وجاء بسند حسن أن عمر رضي الله تعالى عنه كان له امرأة تكره الرجال وكان كلما أرادها اعتلت له بالحيض فظن أنها كاذبة فأتاها فوجدها صادقة فأتى النبي فأمره يتصدق بخمس دينار وعنه أي عن ابن عباس عن النبي قال إذا كان أي الحيض وقيس به النفاس دما أحمر فدينار أي على المجامع فيه وهذا لأن أقل المقادير المتعلقة


بالفروج عشرة دراهم وهو دينار كذا قاله ابن الملك وفيه نظر وإذا كان دما أصفر فنصف دينار لأن الصفرة مترددة بين الحمرة والبياض فبالنظر إلى الثاني لا يجب شيء بالنظر إلى الأول وجب
الكل فينصف كذا قاله ابن الملك أيضا والأظهر أنه تعبد محض لا مدخل للعقل فيه والله أعلم والأقرب ما قيل فيه أن الحكمة في اختلاف الكفارة بالإقبال والإدبار أنه في أوله قريب عهد بالجماع فلم يعذر فيه بخلافه في آخره فخفف فيه قال ابن حجر وفي خبر ضعيف أنه أمر من وطىء حائضا بعتق رقبة وقيمتها يومئذ دينار وهو مستبعد جدا قال ابن حجر ومثله من ترك الجمعة فإن تركها بلا عذر مع التعمد والعلم سن له التصدق بدينار أو بعذر سن له بنصف دينار لحديث فيه لكنه ضعيف مضطرب منقطع وقول الحاكم إنه صحيح من تساهله ويروى بدرهم أو نصفه أو صاع حنطة ومد أو نصفه واتفقوا على ضعف ذلك كله ا ه وفيه أنه مع الإتفاق على ضعفه كيف يقال سن ذلك رواه الترمذي قال ابن حجر وهو صحيح من بعض طرقه وإن كان قول الحاكم إنه صحيح على شرط الشيخين مردودا وأما قول المجموع إنه ضعيف اتفاقا فمحمول على غير تلك الطريق ا ه ويأباه ظاهر قوله اتفاقا والله أعلم
الفصل الثالث


عن زيد بن أسلم هو مولى عمر بن الخطاب ومدني من أكابر التابعين قال إن رجلا سأل رسول الله فقال ما يحل لي من امرأتي وكذا حكم الجارية وهي حائض فقال رسول الله تشد عليها إزارها بفتح التاء وضم الشين والدال خبر معناه الأمر أو أريد به الحدث مجازا أو بتقدير أن يؤول بالمصدر وقيل يحتمل أن يكون منصوبا على حذف أن فإن قلت كيف يستقيم هذا جوابا عن قوله ما يحل قلت يستقيم مع قوله ثم شأنك بأعلاها كأنه قيل يحل لك ما فوق الإزار وشأنك منصوب بإضمار فعل ويجوز رفعه على الإبتداء والخبر محذوف تقديره مباح أو جائز رواه مالك والدارمي مرسلا والإرسال حذف التابعي ذكر الصحابي وهو حجة عندنا مطلقا وعند الشافعية هنا لأنه اعتضد بالأحاديث السابقة التي بمعناه وأخرج الطبراني عن أم سلمة قالت كان رسول الله يتقي سورة الدم ثلاثا ثم يباشر بعد ذلك قال ابن حجر أي فيما بين السرة والركبة والأظهر أن فيه إشارة إلى أن أقل


الحيض ثلاث وعن عائشة قالت كنت إذا حضت نزلت عن المثال أي الفراش على الحصير فلم يقرب بفتح الياء وضم الراء رسول الله بالرفع قال الطيبي أي منها وهو موجود في نسخة صحيحة أي من عائشة على الإلتفات ويمكن التقدير مني أو منا ويتعين الأخير على نسخة النون في قوله ولم تدن أي عائشة أو واحدة من أزواجه عليه الصلاة والسلام منه حتى تطهر فإنها بالتاء على الأصح وهو كذا في النسخ الحاضرة المصححة من أصل المشكاة وفي هامش نسخة السيد جمال الدين كذا فلم نقرب بفتح النون والراء رسول الله بالنصب ولم ندن بفتح النون الأولى وضم الثانية منه حتى نطهر بالنون مكتوبا عليه صح ممدودا إلى آخره وليس موضوعا عليه لفظ النسخة ولا رمزها وكتب ميرك في حاشيته كذا في أصل أبي داود هذا وفي القاموس قرب منه ككرم وقرب كسمع دنا فما في بعض النسخ بالنون وضم الراء خطأ رواه أبو داود وهذا مخالف لما سبق ولعله منسوخ إلا أن يحمل الدنو والقربان على الغشيان كما في قوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن البقرة فإن كل واحد من الزوجين يدنو ويقرب من الآخر عند الغشيان وقد أخرج البيهقي عن ابن عباس أنه كان يعتزل فراش زوجته إذا حاضت فبلغ ذلك خالته ميمونة أم المؤمنين فأرسلت إليه أترغب عن سنة رسول الله فوالله لقد كان ينام مع المرأة من نسائه الحائض وما بينه وبينها إلا بقرب ما يجاوز الركبتين وأما ما قاله ابن حجر بأن هذا كان شأنهن معه أعني أنهن يعتزلنه خوفا من شمه أو رؤيته لبعض ما ينفر مما بهن حتى يدعوهن إلى معاشرته فغير مستقيم لقولها فلم يقرب على صيغة الغيبة وهو أصل المشكاة


باب المستحاضة
الإستحاضة في الشرع خروج الدم من رحم المرأة خارج أيام الحيض ومدته وحكمها أن لا تمنع صلاة وصوما ووطأ ونحوها خلافا لأحمد في الوطء

الفصل الأول
عن عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش بضم حاء مهملة وفتح موحدة وياء ساكنة بعدها شين معجمة هو ابن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب إلى النبي لتسأله عن أمر دينها فقالت يا رسول الله إني امرأة بسكون الياء وتفتح استحاض بهمزة مضمومة وفتح تاء وهذه الكلمة ترد على بناء المفعول يقال استحيضت المرأة فهي مستحاضة إذا استمر بها الدم بعد أيام حيضها أو نفاسها فلا أطهر أي مدة مديدة أفأدع الصلاة بهمزة الإستفهام أي أفاتركها ما دامت الإستحاضة معي ولو طالت المدة فقال لا أي لا تدعيها إنما ذلك بكسر الكاف خطابا لها وتفتح على خطاب العام أي الذي تشتكينه عرق أي دم عرق انشق وانفجر منه الدم أو إنما سببها عرق فمه في أدنى الرحم وليس أي ذلك الدم الذي نشأ من ذلك العرق بحيض فإن دم الحيض دم تميزه القوة المولدة بإذن خالقها لأجل الجنين وتدفعه إلى الرحم في مجاريه ويجتمع فيه ولذا سمي حيضا من قولهم استحوض الماء إذا اجتمع فإذا كثر وامتلأ ولم يكن جنين أو كان أكثر مما يحتمله إنصب منه وفي رواية ليس بالحيضة لأنه يخرج من عرق في أقصى الرحم ثم يجتمع فيه ثم إن كان جنين تغذى به ولم يخرج منه شيء وإن لم يكن ثم جنين خرج في أوقات الصحة على ما استقر له من العادة غالبا وهذه من عرق في أدناه فإذا أقبلت حيضتك بالكسر اسم للحيض ويؤيده رواية الفتح وقيل المراد بها الحالة التي كانت تحيض فيها وهي تعرفها فيكون ردا إلى العادة وقيل المراد بها الحالة التي تكون للحيض من قوة الدم في اللون والقوام ويؤيده حديث عروة الذي يتلوه وهي لم تعرف أيامها فيكون


ردا إلى التمييز قال الطيبي وقد اختلف العلماء فيه فأبو حنيفة منع اعتبار التمييز مطلقا والباقون عملوا بالتمييز في حق المبتدأة واختلفوا فيما إذا تعارضت العادة والتمييز فاعتبر مالك وأحمد وأكثر أصحابنا التمييز ولم ينظروا إلى العادة وعكس ابن خيران ا ه والفرقة الأولى يقولون إن حديث عروة وهذا الحديث الذي تمسكنا به صحيح فالأخذ به أولى والله تعالى أعلم أي إذا كان أيام حيضتك فدعي الصلاة أي اتركيها وإذا أدبرت أي تولت حيضتك وجاوز دمك أيام عادتك فاغسلي عنك الدم أي أثر دم الإستحاضة واغتسلي مرة واحدة ولعل الإكتفاء بغسل الدم دون غسل انقطاع الحيض لأنه معلوم من الدين ثم صلي قال الشافعي تغسل المستحاضة فرجها لكل صلاة مفروضة وعند أبي حنيفة لوقت كل صلاة وتشده بعصابة وتتوضأ وتستعجل في أدائها وهي معذورة في جريان الدم فيها كذا قاله ابن الملك وفي السراجية لا يجب الإستنجاء على المستحاضة لوقت كل صلاة متفق عليه
الفصل الثاني
عن عروة بن الزبير أي ابن العوام من كبار التابعين وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي إذا كان دم الحيض بالرفع فكان تامة فإنه أي الحيض أو دمه دم أسود وذلك باعتبار الأغلب وإلا فقد يكون أحمر وغيره يعرف قبل بالفوقانية على الخطاب والصواب أنه بالتحتانية على المجهول إذ لو أريد الخطاب لقيل تعرفين على خطاب المؤنث أي تعرفه النساء فإن المستحاضة إذا كانت ذات تمييز بأن ترى في بعض الأيام دما أسود وفي بعضها دما أحمر أو أصفر فدم الأسود حيض بشرط أن لا ينقص عن يوم وليلة ولا يزيد على خمسة عشر يوما كذا حرره الشافعي على مقتضى مذهبهم وعندنا على فرض صحة الحديث هو محمول على ما إذا وافق التمييز العادة فإذا كان ذلك بكسر الكاف أي دم الحيض أعاده لطول الفصل كما في قوله تعالى ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل


يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم الآية البقرة وقوله فإنه دم أسود استئناف مبين متفرع على كون الدم دم الحيض ولا يصلح أن يكون تعليلا للجواب المذكور أو المقدر كما قرره ابن حجر فتدبر فامسكي عن الصلاة من الإمساك أي اتركيها فإذا كان الآخر أي الإستحاضة بأن كان دما أحمر أو أصفر فتوضئي أي بعد الغسل لكل صلاة مفروضة وصلي وفي نسخة العفيف ثم صلي وهو ينافي مذهب الشافعي من أن المستحاضة ونحوها يلزمها الموالاة بين الوضوء والصلاة فإنما هو أي دم الإستحاضة عرق أي يخرج من عرق في فم الرحم فليس فيه قذارة الحيض فلم تمنع الصلاة منه رواه أبو داود والنسائي قال ابن الهمام في شرح الهداية روى ابن ماجه بسنده إلى عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي فقالت إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال لا اجتنبي الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي وتوضىء لكل صلاة ثم صلي وإن قطر الدم على الحصير وأخرجه أبو داود وفي سنديهما حبيب بن أبي ثابت عن عروة المزني عن عائشة وفسره ابن ماجه بأنه عروة بن الزبير ذكر أبو القاسم بن عساكر هذا الحديث في ترجمة عروة المزني عن عائشة ولم يذكره في ترجمة عروة بن الزبير عنها وقال أبو داود ضعف يحيى هذا الحديث وقال ابن المديني حبيب بن أبي ثابت لم ير عروة بن الزبير وهو في البخاري من حديث ابن معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه وليس فيه زيادة وإن قطر الدم على الحصير ا ه فقول ابن حجر سنده صحيح غير صحيح وعن أم سلمة قالت إن امرأة كانت تهراق بضم التاء الفوقية وفتح الهاء وتسكن أي تصب وفيه ضمير المرأة ونصب قوله الدم كنصب الوجه في الحسن الوجه تشبيها بالمفعول أو على التمييز وإن كان معرفة على تقدير زيادة اللام أو على مذهب الكوفي أو بتقدير تهريق الدم جوابا لما لو قيل مما تهريق فيكون منصوبا على المفعول به أو بأن يكون تهراق في الأصل تهريق على المعلوم أبدلت كسرة الراء فتحة وانقلب


الياء ألفا على لغة من قال في ناصية ناصاة قال أبو موسى هكذا جاء على بناء المفعول ولم يجىء على بناء الفاعل قال صاحب النهاية أي صيرت ذات هراقة الدم قيل ويجوز رفعه على البدل من ضمير تهراق أي يصب دمها واللام بدل من الإضافة والمعنى صارت مستحاضة على عهد رسول الله أي في زمنه وكانت معتادة فاستفتت لها أي سألت لهذه المرأة أم سلمة من الأزواج الطاهرات النبي فقال لتنظر أي لتتفكر وتعرف عدد الليالي والأيام نصب عدد على المفعول به التي كانت صفة الليالي والأيام تحيضهن من باب إجراء المفعول فيه مجرى المفعول به أي تحيض فيهن من الشهر بيان لهن أو للأيام والليالي قبل أن يصيبها الذي أصابها أي قبل إصابة الإستحاضة فلتترك الصلاة قدر ذلك أي قدر دعاة حيضها من الشهر أي من شهر الإستحاضة فإذا خلفت بالتشديد ذلك أي إذا جاوزت قدر حيضها ودخلت في أيام الإستحاضة فلتغتسل أي غسل انقطاع الحيض واللام بعد الفاء ساكنة من جميع النسخ الحاضرة وقال ابن حجر وفي لام الأمر بعد فاء كما هنا الإسكان والكسر وكذا الفتح لكنه غريب ثم لتستثفر بكسر اللام بثوب الإستثفار أن تشد فرجها ودبرها بثوب مشدود أحد طرفيه فيه من خلف دبرها في وسطها والآخر من قبلها أيضا كذلك وقال الطيبي هو أن تشد المرأة ثوبا تحتجز به عن موضع الدم ليمنع السيلان ومنه ثفر الدابة وهو ما يشد تحت ذنبها فالمرأة إذا صلت تعالج نفسها على قدر الإمكان فإن جاء الدم بعد ذلك تصح صلاتها ولا إعادة عليها وكذا حكم سلس البول ويجوز للمستحاضة الإعتكاف في المسجد والطواف وقال ابن الملك فيه دليل على أن المستحاضة يجب عليها أن تستثفر وفيه نظر إذ ظاهره الإستحباب احتياطا ثم لتصل بالوجهين رواه مالك والشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي بأسانيد صحيحة قاله ميرك وأبو داود والدارمي لفظه وروى النسائي معناه وعن عدي بن ثابت أي الأنصاري الكوفي ثقة رمي بالتشيع عن أبيه عن جده قال يحيى بن معين بفتح


الميم إمام الحفاظ في زمنه جد عدي اسمه دينار وقيل ثابت
جده لا أبوه وهو ابن قيس بن الحطيم عن النبي أنه قال في المستحاضة أي في شأنها تدع الصلاة أي تتركها أيام أقرائها جمع قرء وهو مشترك بين الحيض والطهر والمراد به ههنا الحيض للسباق واللحاق ويؤخذ منه أن القرء حقيقة في الحيض كما هو مذهبنا خلافا للشافعي التي كانت تحيض فيها أي قبل الإستحاضة ثم أي بعد فراغ زمن حيضها باعتبار العادة تغتسل أي من الحيض مرة وتتوضأ عند كل صلاة وفي رواية لوقت كل صلاة وعند كل متعلق بتتوضأ لا بتغتسل وتصوم أي الفرض والنفل وتصلي أي كذلك وفي تقديم الصوم على الصلاة إيماء إلى أنه أهم في هذا الباب ولذا يقضى هو لا هي أيام الحيض رواه الترمذي وأبو داود وقال ضعيف لا يصح وقال الترمذي سألت البخاري ولم يعرفه إلا من هذا الوجه لكن روى الترمذي وقال حسن صحيح وصححه أبو داود أنه عليه الصلاة والسلام قال لبنت أبي حبيش توضئي لكل صلاة ولم يذكر لها الغسل فدل على أنه غير واجب وقال النووي في مجموعه وخبر عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال في بنت أبي حبيش لما استحيضت تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة ضعيف باتفاق المحدثين والأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أنه أمرها بالغسل لكل صلاة ليس شيء منها ثابتا وإنما الثابت فاغتسلي ثم صلي فكانت تغتسل عند كل صلاة قال الشافعي ليس فيها أنه أمرها بالغسل لكل صلاة وإنما فعلته تطوعا وهو واسع لها ا ه وينبغي ندبه خروجا من خلاف من أوجبه كذا ذكره ابن حجر وعن حمنة بفتح الحاء المهملة وسكون الميم بعدها نون وهاء بنت جحش بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء الساكنة بعدها شين معجمة قالت كنت أستحاض حيضة بكسر الحاء لا غير قال التوربشتي بفتح الحاء على المرة الواحدة ولم يقل حيضا لتتميز تلك الحالة التي كانت عليها من سائر أحوال المحيض في الشدة والكثرة والإستمرار كثيرة في الكمية شديدة في الكيفية


وفيه إطلاق الحيض على دم الإستحاضة تغليبا فأتيت النبي أستفتيه وأخبره الواو لمطلق الجمع وإلا كان حقه فأخبره وأستفتيه وأما قول ابن حجر وأخبره عطف تفسير لبيان أن الإستفتاء عن الشيء هو الإخبار به لطلب بيان حكم الله فيه وهذا مما يخفى فلذا احتاجت لذكر وأخبره بعد أستفتيه فمن أعجب العجائب
كما لا يخفى على أولى الألباب وأغرب منه أنه قال فاندفع ما قيل إن الواو لمطلق الجمع إلى آخر ما ذكرنا فوجدته عليه الصلاة والسلام في بيت أختي زينب من الأزواج الطاهرات بنت جحش يعني أنها أخت نسبية لها فقلت يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة يعني يجري دمي أشد جريا من دم الحيض والكثرة من حيث الوقت والدم فما تأمرني ما استفهامية فيها أي في الحيضة يعني في حال وجودها قد منعتني استئناف مبين لما ألجأها إلى السؤال وجعله ابن حجر جملة حالية من المجرور بفي الصلاة والصيام أي على زعمها قال أنعت أي أصف لك الكرسف أي القطن لكونه مذهبا للدم يعني لتعالجي به لقطر الدم قيل في قوله أنعت إشارة إلى حسن أثر القطن وصلاحيته لذلك لأن النعت أكثر ما يستعمل في وصف الشيء بما هو فيه من حسن فإنه يذهب الدم أي يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج أو معناه فاستعمليه لعل دمك ينقطع قالت هو أكثر من ذلك أي هو أكثر من أن ينقطع بالكرسف قال فتلجمي أي شدي اللجام يعني خرقة على هيئة اللجام كالإستثفار قالت هو أكثر من ذلك قال فاتخذي ثوبا أي مطبقا قالت هو أكثر من ذلك أي من أن يمنعه إنما أثج بضم المثلثة ثجا من ثج الماء والدم لازم ومتعد أي انصب أي أو أصبه فعلى الثاني تقديره أثج الدم وعلى الأول إسناد الثج إلى نفسها للمبالغة يسيل دمي سيلانا فاحشا ومنه قوله تعالى ماء ثجاجا النبأ أي كثيرا منهمرا فقال النبي سآمرك السين للتأكيد بأمرين أي حكمين أو صنعين أيهما بالفتح وقيل بالضم صنعت أجزأ عنك من الآخر يقال أجزأت عنك أغنيت عنك فمن بمعنى البدل كما قيل في قوله تعالى لن


تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وفي قوله عليه الصلاة والسلام ولا ينفع ذا الجد منك الجد فقول ابن حجر الظاهر أنها بمعنى عن وعدل عنها لثقل التوالي بين عنك وعن غير ظاهر نشأ عن غفلة وإن قويت أي قدرت عليهما فأنت أعلم أي بحالك إشارة إلى التخيير قال لها إنما هذه أي الثجة أو العلة وفي المصابيح إنما هي ركضة أي دفعة وضربة والركضة ضرب الأرض بالرجل في حال العدو أو غيره ومنه قوله تعالى اركض برجلك من ركضات الشيطان يريد به الإضرار والإفساد وإضافتها إلى الشيطان لأنه وجد بذلك طريقا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وقت طهرها وصلاتها وصيامها حتى أنساها ذلك فكأنها ركضة نالتها من ركضاته أو الحالة التي ابتليت بها من الخبط والتحير ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي أي اقعدي أيام


حيضتك عن الصلاة والصوم ونحوهما واجعلي نفسك حائضة ستة أيام أو سبعة أيام قيل أو للشك من الراوي وقد ذكر أحد العددين اعتبارا بالغالب من حال نساء قومها وقيل للتخيير بين كل واحد من العددين لأنه العرف الظاهر والغالب من أحوال النساء وقال النووي أو للتقسيم أي ستة إن اعتادتها أو سبعة إن اعتادتها إن كانت معتادة لا مبتدأة أو لعلها شكت هل عادتها ستة أو سبعة فقال لها ستة إن لم تذكري عادتك أو سبعة إن ذكرت أنها عادتك أو لعل عادتها كانت مختلفة فيهما فقال ستة في شهر الستة وسبعة في شهر السبعة ا ه وقيل للتنويع على اعتبار حالها بحال من هي مثلها من النساء المماثلة لها في السن المشاركة لها في المزاج بسبب القرابة أو المسكن فإن كان عادة مثلها ستا فستا وإن سبعا فسبعا ولعل هذا في المبتدأة أو المتحيرة وقيل وهو الظاهر أنها كانت معتادة ونسيت أن عادتها كانت ستا أو سبعا فأمرها عليه الصلاة والسلام أن تتحرى وتجتهد وتبني على ما تيقنت من أحد العددين بدليل قوله في علم الله أي فيما حكم الله من أمرك ومعناه على قول الشك في علمه الذي بينه وشرعه لنا كما يقال في حكم الله وفي كتاب الله وقيل فيما أعلمك الله من عادات النساء من الست أو السبع وفي قول التخيير فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة هذا خلاصة كلام الشراح وقال ابن الهمام من أئمتنا في شرح الهداية أقل الطهر خمسة عشر يوما ولا حد لأكثره لأنه قد يمتد سنة وسنتين وقد لا تحيض أصلا فلا يمكن تقديره إلا إذا استمر بها الدم فاحتيج إلى نصب العادة إما بأن بلغت مستحاضة وإما بأن بلغت برؤية عشرة مثلا دما وستة طهرا ثم استمر بها الدم أو كانت صاحبة عادة فاستمر بها الدم ونسيت عدد أيامها وأولها وآخرها ودورها أما الأولى فيقدر حيضها بعشرة من كل شهر وباقيه طهر فشهر عشرون وشهر تسعة عشر وأما الثانية فقال أبو عصمة والقاضي أبو حازم حيضها ما رأت وطهارتها ما رأت فتنقضي عدتها بثلاث سنين


وثلاثين يوما وأما الثالثة فيجب أن تتحرى وتمضي على أكبر رأيها فإن لم يكن لها رأي فهي المحيرة لا يحكم لها بشيء من الحيض والطهر على التعيين بل تأخذ في الأحوط في حق الأحكام فتجتنب ما تجتنبه الحائض من القراءة والمس وقربان الزوج وتغتسل لكل صلاة فتصلي به الفرض والوتر وتقرأ ما تجوز به الصلاة فقط وقيل الفاتحة والسورة لأنهما واجبتان وإن حجت تطوف طواف الزيارة لأنه ركن ثم تعيده بعد عشرة أيام ثم تطوف للصدر لأنه واجب وتصوم شهر رمضان ثم تقضي خمسة وعشرين يوما لإحتمال كونها حاضت من أوله عشرة ومن آخره خمسة أو بالعكس ثم يحتمل أنها حاضت في القضاء عشرة فسلم خمسة عشر بيقين والفتوى على أن طهرها في حق العدة مقدر بشهرين والله تعالى أعلم ثم اغتسلي أي بعد الستة أو السبعة من الحيض حتى إذا رأيت أي علمت أنك قد طهرت بأن رأيت البياض واستنقأت قال في المغرب الإستنقاء مبالغة في تنقية البدن قياس ومنه قوله إذا


رأيت أنك طهرت واستنقيت والهمزة فيه خطأ ا ه وهو في النسخ كلها بالهمز مضبوط فيكون جراءة عظيمة من صاحب المغرب بالنسبة إلى العدول الضابطين الحافظين مع إمكان حمله على الشذوذ إذ الياء من حروف الإبدال وقد جاء شئمة مهموزا بدلا من شيمة شاذا على ما في الشافية هذا ومن الغريب العجيب أنه لو نقل الزوزني عن الأصمعي عن البدوي الذي يبول على عقبية مثل هذا النقل المعتمد المستند بالسند يخطؤون ويخطئون والله ولي دينه فصلي ثلاثا وعشرين ليلة يعني وأيامها إن كانت مدة الحيضة سبعة أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها إن كانت مدة الحيضة ستة وصومي أي رمضان وغيره من كل شهر كذلك فإن ذلك أي ما قدر لك من الأيام في حق الصلاة والصيام يجزئك أي يكفيك يقال أجزأني الشيء أي كفاني ويروى بالياء كذا في النهاية وكذلك أي مثل ما ذكرت لك في هذا الشهر الذي أنت فيه يعني السائلة فافعلي كل شهر كما تحيض النساء أي اللواتي مثلك في نسيان عادتهن وكما يطهرن وقال ابن الملك اجعلي حيضك بقدر ما يكون عادة النساء من ست أو سبع وكذلك طهرك بقدر ما يكون عادة النساء من ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين ميقات حيضهن وطهرهن نصب على الظرف يعني إن كان وقت حيضهن في أول الشهر فليكن حيضك في ذلك الوقت ا ه وأنت عرفت بما ذكرنا لك أن هذا مبني على مذهب الشافعي من اعتبار المماثلة بالنساء وإن قويت هذا هو الأمر الثاني بدليل قوله هذا أعجب الأمرين إلي وتعليقه عليه الصلاة والسلام هذا بقوتها لا ينافي قوله السابق وإن قويت عليهما لأن ذلك لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار ما شاءت وهذا لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار الأحب إليه عليه الصلاة والسلام وقيل لما خيرها بين الأمرين بمعنى إن قويت على الأمرين بما تعلمين من حالك وقوتك فاختاري أيهما شئت ووصف أحد الأمرين ورأى عجزها عن الإغتسال لكل صلاة قال لها دعي ذلك إن لم تقوي عليه وإن قويت الخ ويفهم من هذا أنها إن عجزت عنه أيضا نزل لها


رسول الله إلى أيسر وأسهل على قدر الإستطاعة وهذا معنى قول الخطابي لما رأى النبي قد طال عليها وقد جهدها الإغتسال لكل صلاة رخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد كالمسافر رخص له في الجمع بين الصلاتين وذهب إلى إيجاب الغسل عليها عند كل صلاة علي وابن مسعود وابن الزبير وبعض العلماء وذهب ابن عباس بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد قيل مذهب ابن عباس أشبه بهذا الحديث ومذهب على أقرب وأليق بالفقه وهذا كلام الشراح وظاهر الحديث التخيير ولذا قال الطحاوي من أئمتنا ذهب إلى كل قوم وهذا عندنا منسوخ أو الأمر بالغسل في الصورتين محمول على المعالجة لإزالة قوة الدم وكثرته وفصل تفصيلا حسنا في مشكلات الآثار على أن تؤخرين الظهر أي إلى زمن يسعها وطهارتها إذ تأخيرها إلى أقل من ذلك لا يجوز وتعجلين العصر أي في أول وقتها فتغتسلين وتجمعين قال الطيبي


إثبات النون في أن تؤخرين وتعجلين وغيرهما في مواقع أن المصدرية منقول على ما هو مثبت في كتب الأحاديث مع تعسر توجيهها إلا أن يقال أن هذه هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر وقال ابن حجر الظاهر أنها مصدرية لكنها لا تنصبه حملا على ما المصدرية ومنه قراءة ابن مجاهد لمن أراد أن يتم الرضاعة البقرة كما أن ما قد تنصب حملا على أن ومنه كما تكونوا يولى عليكم في رواية ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ا ه لكن المفهوم من المعنى أن شرطها أن تقع بعد فعل اليقين أو ما نزل منزلته فيحمل قوله إن قويت على معنى إن علمت من نفسك أو ظننت منها القوة والقدرة على ذلك بين الصلاتين أي بغسل واحد الظهر والعصر بالجر بدل ويجوز رفعهما ونصبهما وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء كما سبق ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الفجر فافعلي هذا تأكيد والشرطية باعتبار المجموع وصومي أي في هذه المدة التي تصلي فرضا ونفلا إن قدرت على ذلك بدل من الشرط الأول وهو ينصر قول الخطابي على ما تقدم قال رسول الله وهذا أي أمر الإستحاضة أعجب الأمرين إلي وهما السفر والإستحاضة قاله ابن الملك والظاهر أن الإشارة إلى الأمر الأخير وهو الجمع بين الصلاتين بغسل واحد لأن فيه رفقا بها والأمر الأول هو الإغتسال لكل صلاة وأعجب معناه أحب وأسهل والله تعالى أعلم رواه أحمد وأبو داود والترمذي
الفصل الثالث
عن أسماء بنت عميس بالمهملتين مصغرا رضي الله تعالى عنها قالت قلت يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا أي شهر فلم تصل أي ظنا منها أن الإستحاضة تمنع الصلاة كالحيض فقال رسول الله سبحان الله تعجبا من تركها الصلاة بمجرد ظنها المذكور من غير أن تراجعه عليه الصلاة والسلام في ذلك أو أحدا من الصحابة المعروفين بالإفتاء في زمنه إن هذا أي ترك الصلاة تلك المدة أو أمر الإستحاضة


من الشيطان حيث سول لها أن الإستحاضة كالحيض لتجلس أمر في مركن أي فيه ماء وهو بكسر الميم وفتح الكاف ظرف كبير فإن رأت صفارة بضم الصاد فوق الماء بأن زالت الشمس وقربت من العصر فإنها حينئذ ترى فوق الماء مع شعاع الشمس شبه صفارة لأن شعاعها يتغير حينئذ ويقل فيضرب إلى الصفرة ولا يصل إلى الصفرة الكاملة إلا قبيل الغروب وأما حديث مواقيت الصلاة وفيه العصر ما لم تصفر فمعناه اصفرارا تاما كاملا فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا وتغتسل بالجزم عطف على المجزوم للمغرب والعشاء غسلا واحدا وتغتسل للفجر غسلا واحدا جاء بطريق المشاكلة وتوضأ بحذف إحدى التاءين فيما بين ذلك أي ما ذكر من الصلوات أو الأوقات يعني إذا احتاجت إلى الوضوء توضأ للعصر والعشاء رواه أبو داود وقال روى مجاهد عن ابن عباس أي أنه قال لما اشتد عليها الغسل أي لكل صلاة أمرها أي النبي أن تجمع بين الصلاتين يعني حكما كما تقدم من تأخير صلاة وتقديم أخرى والله تعالى أعلم قال ابن حجر وفي كلام النووي أن ذلك كله غير ثابت وأنه لا يرد منه شيء على مذهبنا أنها تتوضأ لكل فرض ولا يلزمها غسل