Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الصلاة

في عوارف المعارف ما معناه إن اشتقاق الصلاة من الصلي وهو دخول النار والخشبة إذا تعوجت عرضت على النار فتقوم وفي العبد إعوجاج لوجود نفسه الأمارة بالسوء والمصلي يصيبه من وهج السطوة الإلهية والعظمة الربانية ما يزول به اعوجاجه فهو كالمصلي بالنار ومن اصطلى بنار الصلاة وزال بها اعوجاجه لا يعرض بالنار ثانية إلا تحلة القسم نقله ميرك عن الأزهار
الفصل الأول


عن أبي هريرة قال قال رسول الله الصلوات الخمس أي بعضها إلى بعض والجمعة بضم الميم وتسكن أي صلاتها إلى الجمعة قال الطيبي إلى متعلقة بالمصدر أي منتهية إلى الجمعة والأظهر منضمة وعلى هذا قوله ورمضان أي صومه إلى رمضان وقوله مكفرات لما بينهن خبر عن الكل وما بينهن معمول لاسم الفاعل قاله الطيبي وفي المصابيح مكفرات ما بينهن بالإضافة وغيرها والتكفير التغطية والمراد هنا المحو وقوله إذا اجتنبت الكبائر على صيغة الماضي المجهول شرط جزاؤه ما دل عليه ما قبله وإنما ذهبنا إلى أن الصلاة إلى الصلاة مكفرة ما بينهما دون خمس صلوات إلى خمس صلوات لما يرد من الحديث الآتي قاله الطيبي يعني إذا اجتنب المصلي والصائم عن الكبائر حتى لو أتاها لم يغفر شيء مما بينهن قال تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم النساء قاله ابن الملك وهو قول ضعيف وإن قال به التوربشتي والحميدي


كما نقله عنهما في شرح المشارق بل منسوب إلى المعتزلة كما في شرح العقائد فالصحيح ما قاله النووي من أن هذا المعنى وإن كان محتملا لكنه ليس بمراد لأن سياق الحديث يأباه بل معناه أن ما بينهن من الذنوب كلها مغفور إلا الكبائر لا يكفرها إلا التوبة أو فضل الله تعالى هذا مذهب أهل السنة ا ه ومنازعة ابن حجر غير صحيحة لما قدمنا قال الشيخ الكلاباذي يجوز أن يراد من الكبائر أي في الآية الشرك وجمعه باعتبار أنواعه من اليهودية والنصرانية والمجوسية أو يقال جمعه ليوافق الخطاب لأن الخطاب ورد على الجمع لقوله إن تجتنبوا كبائر فكبيرة كل واحد إذا ضمت إلى كبيرة صاحبه صارت كبائر ا ه وفيه أنه يحتاج حينئذ إلى تقدير إن شاء لقوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء والأظهر أن الكبائر على معناها المتعارف والمعنى إن تجتنبوا عنها نكفر عنكم سيئاتكم بالطاعات كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة والله تعالى أعلم قال ميرك ولم يقل في الحديث إن مكان إذا لأن الغالب من حال المسلم الإجتناب عن الكبائر ا ه والأظهر أن إذا لمجرد الظرفية فمعنى قوله إذا اجتنبت الكبائر وقت اجتنابها وخروجها عما بينهن إذ المراد بها إنها لا تكفر قيل الظاهر أن المراد اجتنابها مدة تلك السيئة المذكورة مطلقا لكن ظاهر خبر مسلم ما لم يؤت كبيرة إشتراط أن لا يأت كبيرة من حين فعل المكفر إلى موته ثم ما أفاده الحديث من أن الكبيرة لا يكفرها الصلوات والصوم وكذا الحج وإنما يكفرها التوبة الصحيحة لا غيرها نقل ابن عبد البر الإجماع عليه بعد ما حكى في تمهيده عن بعض حاضريه أن الكبائر يكفرها غير التوبة ثم قال وهذا جهل وموافقة للمرجئة في قولهم إنه لا يضر مع الإيمان ذنب وهو مذهب باطل بإجماع الأمة قال ولو كان كما زعموا لم يكن للأمر بالتوبة معنى وقد أجمع المسلمون أنها فرض والفروض لا يصح شيء منها إلا بالقصد ا ه وقد قال القاضي عياض ما في الأحاديث من تكفير الصغائر فقط هو مذهب


أهل السنة فإن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة أو رحمة الله تعالى أو فهي لا تكفر بعمل فما نقل عن ابن المنذر وغيره أن بعض الأحاديث عام وفضل الله واسع يحمل على هذا المعنى لا غير فإن قلت إذا وجد بعض المكفرات فما يكفر غيره قلت أجاب العلماء عن ذلك بأن كل واحد صالح للتكفير فإن وجد صغيرة أو صغائر كفرها وإلا كتبت له به حسنات ورفعت به له درجات وقال النووي وإن صادف كبيرة أو كبائر رجونا أن يخفف من كبائره أي من عذابها ا ه وليس في كلامه تكفير لأن معناه رفع أثر الذنب بالكلية لا تخفيف عذابه رواه مسلم قال ميرك وهذا لفظه ورواه الترمذي ولم يذكر رمضان


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله أرأيتم أخبروني لو ثبت أن نهرا بفتح الهاء وتسكن أي جاريا بباب أحدكم أي مثلا يغتسل وفي نسخة ثم يغتسل أي أحدكم فيه أي في النهر وهو أبلغ من لفظ منه كل يوم أي وليلة مع أنه لا يلزم التشبيه من كل الوجوه خمسا أي خمس مرات هل يبقى من درنه شيء بفتح الدال أي وسخه ومن زائدة قاله ابن الملك وتبعه ابن حجر والظاهر أنها بيانية ولا يبعد كونها تبعيضية قالوا لا يبقى من درنه شيء ولم يكتفوا بلا للتأكيد قال فذلك قال الطيبي الفاء جزاء شرط أي إذا أقررتم بذلك وصح عندكم فهو ا ه أي النهر المذكور قاله ابن الملك والأظهر أن الإشارة إلى ما ذكر من الغسل في النهر خمس مرات مثل الصلوات الخمس وتطهيره مثل تكفيرها وعكس في التشبيه حيث أن الأصل تشبيه المعقول بالمحسوس مبالغة كقوله تعالى أي قالوا إنما البيع مثل الربوا أي يمحو الله بهن أي بالصلوات فالنسبة في مكفرات مجازية الخطايا أي الصغائر والجملة مبينة لوجه الشبه وهو أن الذنوب كالوسخ لأنها توسخ الظاهر والباطن والصلاة تزيل تلك الأوساخ والأقذار الحسية والمعنوية كما أن النهر يزيل تلك الأوساخ الحسية وهذا مقتبس من الآية الآتية متفق عليه قال ميرك ورواه الترمذي والنسائي وعن ابن مسعود قال إن رجلا أصاب من امرأة حال من قوله قبلة قال الطيبي هو أبو اليسر بفتحتين روى الترمذي عنه أنه قال أتتني امرأة تبتاع تمرا أي تشتريه فقلت إن في البيت تمرا أطيب منه فدخلت معي في البيت فأهويتها فقبلتها ا ه قلت هذا شآمة الخلوة بالأجنبية والأجنبي قال ابن الملك فقالت اتق الله فندم فأتى النبي عملا بقوله


تعالى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك الآية النساء فأخبره أي بالواقعة قال ابن الملك فقال عليه الصلاة والسلام فانتظر أمر ربي فصلى العصر فأنزل الله تعالى قال الطيبي الفاء في فأنزل عطف على مقدر أي فأخبره فسكت رسول الله فصلى الرجل فأنزل الله يدل عليه الحديث الآتي وأقم الصلاة طرفي النهار قيل صلاة الفجر والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف وجعل المغرب فيه تغليب أو من مجاز المجاورة وكذا جعل الظهر طرفا لا يخلو عن مجاز وزلفا أي ساعات من الليل صلاة العشاء وقيل طرفي النهار الغدوة والعشي فالفجر صلاة الغدوة والظهر والعصر صلاة العشي لأن ما بعد الزوال عشاء وزلفا من الليل صلاة العشاء على الأول والمغرب والعشاء على الثاني وهو الأظهر وبه فسره الأكثرون والزلفة قطعة من الليل كذا قالوا يعني قريبة من النهار قال تعالى وإذا الجنة أزلفت التكوير إن الحسنات أي كالصلوات فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب يذهبن أي يكفرن السيئات أي الصغائر لما ورد من القبلة والخلوة ولما تقدم من إجماع الأمة فقال الرجل أي السائل يا رسول الله ألي أي بسكون الياء وتفتح هذا قال الطيبي هذا مبتدأ ولي خبره والهمزة حرف الإستفهام لإرادة التخصيص أي مختص لي هذا الحكم أو عام لجميع المسلمين قال لجميع أمتي كلهم تأكيد بعد تأكيد ليشمل الموجودين والمعدومين أي هذا لهم وأنت منهم قاله الطيبي والمبهم أولى كما لا يخفى وفي رواية أي للشيخين عن ابن مسعود أيضا كما أفاده تأخير المصنف قوله متفق عليه إلى ما بعدها لمن عمل بها أي بهذه الآية بأن فعل حسنة بعد سيئة وهذا القيد مراد في الرواية الأولى لأن إسناد الإذهاب للحسنات يقتضي وجودها من أمتي وظاهره أنه من خصوصيات هذه الأمة المرحومة ببركة الرحمن متفق عليه وعن أنس قال جاء رجل يحتمل تعدد القضية واتحادها فقال يا رسول الله إني بسكون الياء وفتحها أصبت حدا أي موجبه على حذف المضاف قال الطيبي أي فعلت شيئا يوجب


الحد قال ابن الملك من باب إطلاق اسم المسبب على السبب فأقمه أي الحد والمراد به حكم الله علي قال أي الراوي وهو أنس ولم يسأله عنه
وفي نسخة ولم يسأل عنه أي لم يسأل رسول الله الرجل عن موجب الحد ما هو قاله الطيبي قيل لأنه عليه الصلاة والسلام عرف ذنبه وغفرانه بطريق الوحي قاله ابن الملك وحضرت الصلاة أي إقامتها فصلى مع رسول الله أي إحدى الصلوات أو العصر فلما قضى النبي الصلاة أي أداها وانصرف عنها قام الرجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في أي في حقي كتاب الله أي حكم الله من الكتاب والسنة والمعنى إعمل بما دل عليه في شأني من حد أو غيره وفي تغييره بين الأسلوبين غاية الذكاء والبلاغة منه فلما علم منه عليه الصلاة والسلام السكوت عنه حين قال له أقمه أي الحد على ظن أن واجبه غير الحد فعبر هنا بما يشمل الحد وغيره كذا ذكره ابن حجر وغيره قال أليس قد صليت معنا قال نعم هذا ينافي ما اشتهر عن ابن عباس في قوله تعالى ألست بربكم قالوا بلى الأعراف لو قالوا نعم لكفروا قال فإن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك شك من الراوي قاله ميرك أي سبب حدك قاله السيد قال ابن حجر وظاهره مشكل فإن موجب الحد لا يكون إلا كبيرة وقد صرح بغفرانه بواسطة صلاته معه فيحتمل أن يكون الرجل المذكور فيه هو الرجل في بقية الروايات فأراد بالحد العقوبة الشاملة للتعزير ويحتمل أن يكون غيره وأن المراد بالحد حقيقته وأن سبب مغفرة إثم موجبه ما ظهر عليه من لوائح التوبة وحكمة كونه عليه الصلاة والسلام لم يسأله عنه أنه علم له نوع عذر فلم يسأله عنه حتى لا يعتمد عليه إذ لو أعلمه لوجب عليه إقامته عليه وإن تاب لأن التوبة لا تسقط الحدود إلا حد قاطع الطريق للآية وكذا حد زنا الذمي إذا أسلم وعلى كل فليس في الحديث تصريح بأن الصلاة كفرت كبيرة بل لو فرض ذلك وجب تأويله للإجماع السابق قال القاضي الحديث يدل على أن الصغائر تكفر بالحسنات وكذا ما خفي من الكبائر لعموم


قوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات هود وقوله عليه الصلاة والسلام أتبع السيئة الحسنة تمحها وأما ما ظهر منها وتحقق عند الحاكم فليس يسقط ح ه إلا بالتوبة وفي سقوط الحد بالتوبة خلاف والأصح عند الشافعية أنها لا تسقط وخطيئة هذا الرجل في حكم المخفي لأنه ما بينها فلذلك سقط حدها بالصلاة كذا نقله ميرك عن الأزهار وأنت علمت ما تقدم من الإجماع وقال الطيبي لا سيما وقد انضم إليها ما أشعر بإنابته عنها وندامته عليها يعني من اعترافه بالذنب وطلب إقامة الحد وقال ابن الملك أو يكون غفران الكبيرة منه بأداء الصلاة حكما مختصا به متفق عليه ولم يذكر مسلم ولم يسأله عنه وعن ابن مسعود قال سألت النبي أي الأعمال أحب إلى الله قال الصلاة لوقتها اللام فيه مثلها في قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن الطلاق أي مستقبلات


لعدتهن وقولهم لقيته لثلاث أي مستقبلا بقين من الشهر وليست كاللام في قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس الإسراء و قدمت لحياتي الفجر بمعنى الوقت لئلا يتكرر الوقت قاله الطيبي وفيه أنه يلزم من الإستقبال وقوع الصلاة قبل وقتها إلا أن يقال المراد قبل وقتها بضمتين أي أولها والأظهر أن اللام بمعنى في إيماء إلى أن الصلاة أداء لا قضاء وفي القاموس أن اللام ترد لثلاثين معنى منها موافقة في في قوله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ثم رأيت ابن حجر قال بعد نقل كلام الطيبي وفيه نظر ظاهر لأن اللام في الأولين إنما قدرت بذلك لأن الطلاق واللقاء قبل العدة والثلاث فوجب تقدير مستقبلا وهذا المعنى مفسد ههنا كما لا يخفى فيتعين أن يكون بمعنى في كما قررته فتأمل قال ابن الملك أي أداؤها في أول وقتها أقول هذا وإن لم يفهم من الحديث يحمل على أول أوقاتهن المختار وفي الحديث دليل على ما قاله العلماء من أن الصلاة أفضل العبادات بعد الشهادتين ويوافقه الخبر الصحيح الصلاة خير موضوع أي خير عمل وضعه الله لعباده ليتقربوا إليه به قلت ثم أي أي أيها أحب قال الطيبي ثم لتراخي الرتبة لا لتراخي الزمان أي ثم بعد الصلاة أيها أفضل قال بر الوالدين أي أو أحدهما وفيه إشارة إلى قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا الإسراء ولذا قيل من صلى الصلوات الخمس ودعا للوالدين بالمغفرة عقيب كل صلاة فقد أدى حق الله وحق والديه قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله قال التوربشتي اختلفت الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى ففي هذا الحديث هكذا وفي حديث أبي ذر أي العمل خير قال إيمان بالله وجهاد في سبيل الله وفي حديث أبي سعيد أي الناس أفضل قال رجل مجاهد في سبيل الله إلى غير ذلك من الأحاديث ووجه التوفيق أنه عليه الصلاة والسلام أجاب لكل بما يوافق غرضه وما يرغبه فيه أو أجاب بحسب ما عرف من حاله أو بما يليق به


وأصلح له توفيقا على ما خفي عليه ولقد يقول الرجل خير الأشياء كذا ولا يريد تفضيله في نفسه على جميع الأشياء ولكن يريد أنه خيرها في حال دون حال ولواحد دون آخر كما يقال في موضع يحمد فيه
السكوت لا شيء أفضل من السكوت وحيث يحمد الكلام لا شيء أفضل من الكلام نقله الطيبي قال أي ابن مسعود حدثني أي النبي بهن أي بهذه الأشياء الثلاثة ولو استزدته أي النبي أو السؤال يعني لو سألته أكثر من هذا لزادني في الجواب متفق عليه قال ميرك ورواه أبو داود والنسائي وروى الدارقطني والحاكم وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن ابن مسعود أن النبي سئل أي الأعمال أفضل قال الصلاة لأول وقتها قال الحاكم والبيهقي في خلافياته صحيح على شرطهما وعن جابر قال قال رسول الله بين العبد أي المسلم وبين الكفر أي مقاربته وقول ابن حجر أي اتصافه به غير صحيح لما يلزم منه أن تارك الصلاة يكون كافرا ومن الغريب أنه تبجح بهذا التقرير وقال لو فهم الشراح ما قلته لما أولوا وما تمحلوا ترك الصلاة مبتدأ مؤخر قال ابن الملك متعلق بين محذوف تقديره تركها وصلة بينه وبينه وقال بعضهم قد يقال لما يوصل الشيء إلى الشيء من شخص أو هدية هو بينهما وقال الطيبي ترك الصلاة مبتدأ والظرف المقدم خبره والظاهر أن فعل الصلاة هو الحاجز بين العبد والكفر فقال القاضي يحتمل أن يؤول ترك الصلاة بالحد الواقع بينهما فمن تركها دخل الحد وحام حول الكفر ودنا منه أو يقال المعنى أن ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر والمعنى أنه يوصله إليه قيل ويحتمل أن يقال الكلام على خلاف الظاهر إذ ظاهره أن يقال بين الإيمان والكفر أو بين المؤمن والكافر فوضع العبد موضع المؤمن لأن العبودية أن يخشع لمولاه ويشكر نعمه ووضع الكفر موضع الكافر وجعله نفس الكفر فكأنه قيل الفرق بين المؤمن والكافر ترك أداء الشكر فعلى هذا الكفر بمعنى الكفران وفي شرح السنة اختلف في تكفير تارك الصلاة الفرض عمدا قال عمر رضي الله


عنه لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة وقال ابن مسعود تركها كفر وقال عبد الله بن شقيق كان
أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة وقال بعض العلماء الحديث محمول على تركها جحودا أو على الزجر والوعيد وقال حماد بن زيد ومكحول ومالك والشافعي تارك الصلاة كالمرتد ولا يخرج من الدين وقال صاحب الرأي لا يقتل بل يحبس حتى يصلي وبه قال الزهرى ا ه قلت و نعم الرأي رأي أبي حنيفة إذ الأقوال باقيها ضعيفة ثم من التأويلات أن يكون مستحلا لتركها أو تركها يؤدي إلى الكفر فإن المعصية بريد الكفر أو يخشى على تاركها أن يموت كافرا أو فعله شابه فعل الكافر رواه مسلم قال ميرك ورواه الأربعة وهذا لفظ ابن ماجه ولفظ مسلم بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ورواه أحمد بلفظ بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة ورواه أبو داود والنسائي بلفظ ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة ورواه الترمذي ولفظه بين الكفر والإيمان ترك الصلاة
الفصل الثاني


عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله خمس صلوات مبتدأ افترضهن الله تعالى صفة المبتدأ وقيل خبره من أحسن هذه الشرطية خبر المبتدأ أو خبر بعد خبر وضوءهن بمراعاة فرائضها وسننها وأبعد ابن حجر بقوله يحتمل أن يكون المراد بإحسانه الإتيان بأركانه وشروطه فيكون المراد بإحسانه تصحيحه فإن الإحسان أمر زائد على أصل الفعل وصلاهن لوقتهن أي وقتهن أو في أوقاتهن المختارة وقال الطيبي أي قبل أوقاتهن وأولها وأغرب ابن حجر وقال ولا دليل على ذلك بل الصواب ما أفادته في التي اللام بمعناها من أن الشرط الأداء في الوقت وإن لم يكن أوله ا ه ولا وجه للتخطئة لأن الطيبي حمل الحديث على أحد الإحتمالين وهو أفضلهما في مذهبه والشرطية في هذا الحديث غير محصورة على الفرائض بدليل قوله وخشوعهن والله تعالى أعلم وأتم ركوعهن بشرطه وسننه الفعلية والقولية وخشوعهن قال ابن الملك الخشوع حضور القلب وطمأنينة القلب


وقال السيد عطفه على الركوع إما للتأكيد والتقرير قال في الكشاف قوله تعالى واركعوا مع الراكعين البقرة الركوع الخضوع والإنقياد فيكون المعنى فأتم خضوعهن بعد خضوع أي خضوعا مضاعفا كقوله تعالى إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله كررهما لشدة الخطب النازل وإما أن يراد بالركوع الأركان أي أتم أركانها وخص بالذكر تغليبا كما سميت الركعة ركعة وقيل لكونه من خصوصياتنا إذ صلاة من قبلنا لا ركوع فيها على خلاف في ذلك ولأن أكثر الجاهلية يتساهلون فيه ولكونه كالمقدمة والوسيلة لغيره أو لكونه واسطة بين الأركان ففيه تنبيه نبيه على إتمام ما سواه بطريق المساواة والمراد بخشوعهن سكون الجوارح عن العبث والقلب عن أن يشتغل بغير ما هو فيه من صلاته بأن يكون متأملا لمعاني قراءته وأذكاره وللسبب الذي شرع كل ركن لأجله من القيام بين يدي الرب تعظيما وإجلالا ومن الركوع وهو الإنقياد ظاهرا وباطنا ومن السجود وهو غاية التذلل والخضوع والإنكسار بجعل أشرف ما فيه من الأعضاء على موطىء الأقدام والنعال كان له على الله عهد أي وعد والعهد حفظ الشيء ومراعاته حالا فحالا سمى ما كان من الله تعالى على طريقة المجازاة لعباده عهدا على جهة مقابلة عهده على العباد ولأنه وعد القائمين بحفظ عهده أن لا يعذبهم ووعده حقيق بأن لا يخلفه فسمى وعده عهدا لأنه أوثق من كل وعد أن يغفر له إما جملة محذوفة المبتدأ صفة عهد وإما بدل عن عهد وهو العقد والأمان والميثاق والمراد غفران الصغائر ومن لم يفعل أي مطلقا أو ترك الإحسان فليس له على الله عهد إن شاء غفر له فضلا وإن شاء عذبه عدلا وقدم مشيئة الغفران إيماء إلى أن رحمته سبقت غضبه ووكل أمر التارك إلى مشيئة الله تعالى تجويزا لعفوه ومن عادة الكرام المحافظة على الوعد والمسامحة في الوعيد والحديث صريح بأنه تعالى لا يجب عليه عقاب العاصي فلا يجب عليه إثابة المطيع إذ لا قائل بالفصل كذا نقله السيد عن الأزهار والحق الذي عليه أهل


السنة والجماعة أن الله تعالى لا يجب عليه لخلقه شيء بل له تعذيب المطيع والأطفال والمجانين وإيلامهم وإثابة الفاسق وإنما استثنى الكافر لقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به النساء وأما تحقيق خلف الوعيد ففي رسالة القول السديد رواه أحمد وأبو داود واللفظ له وسكت عليه فهو صالح قاله ميرك وروى مالك والنسائي قال ميرك وكذا ابن ماجه نحوه أي بمعناه وعن أبي أمامة قال قال رسول الله صلوا خمسكم أضاف إليهم ليقابل


العمل بالثواب في قوله جنة ربكم ولينعقد البيع والشراء بين العبد والرب كما في قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الآية التوبة قاله الطيبي وقال الطيبي حكمة إضافة هذا وما بعده إليهم إعلامهم بأن ذوات هذه الأعمال بكيفياتها المخصوصة من خصوصياتهم التي امتازوا بها عن سائر الأمم وحثهم على المبادرة للإمتثال بتذكيرهم بما خوطبوا به وتذكيرهم بأن هذه الإضافة العملية يقابلها إضافة فضلية هي أعلى منها وأتم وهي الجنة المضافة إلى وصف الربوبية المشعر بمزيد تربيتهم وتربية نعيمهم بما فارقوا به سائر الأمم وصوموا شهركم أي المختص بكم وهو رمضان وأبهمه للدلالة على أنه صار من الظهور عندهم إلى حد لا يقبل الشك والتردد وأدوا زكاة أموالكم التي هي ملك لكم ولعل تأخير الزكاة عن الصوم لأنها فرضت بعده وأما اقترانهما في غالب الآيات والأحاديث لأن الأولى منهما أم العبادات البدنية والأخرى أم الطاعات المالية ولم يقل أدوا زكاتكم إيماء إلى أن وجوب الزكاة غير مطلق بل متعلق بالأموال النامية الواصلة إلى نصابها السائمة مع الإشارة إلى أن زكاة الأموال أشق على النفس لأنها جبلت على محبتها محبة مفرطة ربما أفضت بكثيرين إلى إيثار بقائها على بقاء النفس ولذا مدح الله المؤمنين بقوله وآتى المال على حبه البقرة على أحد أقوال المفسرين وأطيعوا ذا أمركم أي الخليفة والسلطان وغيرهما من الأمراء أو المراد العلماء أو أعم أي كل من تولى أمرا من أموركم سواء كان السلطان ولو جائرا ومتغلبا وغيره من أمرائه أو سائر نوابه إلا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولم يقل أميركم إذ هو خاص عرفا ببعض من ذكر ولأنه أوفق بقوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم تدخلوا جنة ربكم جواب الأوامر السابقة أي من غير سابقة عذاب لأن الغالب من فعل الأشياء المذكورة فهو يكون من الصالحين والمراد تنالوا من درجات الجنة ما يليق بأعمالكم لأن الحق أن دخول الجنة


بفضل الله والدرجات على حسب الطاعات رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح نقله ميرك وعن عمرو بن شعيب عن أبيه أي محمد عن جده أي عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله مروا أمر من الأمر حذفت همزته للتخفيف ثم استغني
عن همزة الوصل تخفيفا ثم حركت فاؤه لتعذر النطق بالساكن أولادكم يشمل الذكور والإناث بالصلاة وبما يتعلق بها من الشروط وهم أبناء سبع سنين ليعتادوا ويستأنسوا بها والجملة حالية واضربوهم عليها أي على ترك الصلاة وهم أبناء عشر سنين لأنهم بلغوا أو قاربوا البلوغ وفرقوا أمر من التفريق بينهم أي بين البنين والبنات على ما هو الظاهر ويؤيده ما قاله بعض العلماء ويجوز للرجلين أو المرأتين أن يناما في مضجع واحد بشرط أن تكون عورتهما مستورة بحيث يأمنان التماس المحرم وقال ابن حجر بهذا الحديث أخذ أئمتنا فقالوا يجب أن يفرق بين الأخوة والأخوات فلا يجوز حينئذ تمكين ابنين من الإجتماع في مضجع واحد والظاهران قوله فلا يجوز الخ من كلامه وهو غير مفهوم من كلام أئمته فتأمل في المضاجع أي المراقد وقال الطيبي لأن بلوغ العشر مظنة الشهوة وإن كن أخوات وإنما جمع الأمرين في الصلاة والفرق بينهم في المضاجع في الطفولية تأديبا ومحافظة لأمر الله تعالى لأن الصلاة أصل العبادات وتعليما لهم المعاشرة بين الخلق وأن لا يقفوا مواقف التهم فيجتنبوا محارم الله تعالى كلها رواه أبو داود وكذا رواه في شرح السنة عنه قال ميرك ورواه أبو داود والحاكم من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده واللفظ لأبي داود وروياه والترمذي وابن خزيمة من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده بدون قوله وفرقوا الخ قال الترمذي حسن صحيح وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وفي المصابيح عن سبرة بسكون الباء ابن معبد قال الطيبي أقول ورواه أبو داود عنه أيضا لكن بلفظ مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها وليس في روايته


التفريق وعن بريدة قال قال رسول الله العهد أي والميثاق المؤكد بالإيمان الذي بيننا أي معشر المسلمين وبينهم الصلاة قال القاضي الضمير الغائب للمنافقين شبه

الموجب لإبقائهم وحقن دمائهم بالعهد المقتضي لإبقاء المعاهد والكف عنه والمعنى أن العمدة في إجراء أحكام الإسلام عليهم تشبههم بالمسلمين في حضور صلاتهم ولزوم جماعتهم وانقيادهم للأحكام الظاهرة فإذا تركوا ذلك كانوا هم والكفار سواء قال التوربشتي ويؤيد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام لما استؤذن في قتل المنافقين ألا إني نهيت عن قتل المصلين فمن تركها فقد كفر أي أظهر الكفر وعمل عمل أهل الكفر فإن المنافق نفاقا اعتقاديا كافر فلا يقال في حقه كفر قيل يمكن أن يكون ضمير الغائبين عاما فيمن بايع رسول الله سواء كان منافقا أو لا يدل عليه الحديث الأخير من هذا الباب حيث قال لأبي الدرداء لا تترك صلاة مكتوبة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة فالمراد بالمتكلم في بيننا هو المعظم نفسه والكفر مؤول بما سبق رواه أحمد قال ميرك وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وابن ماجه قال ميرك ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال صحيح ولا نعرف له علة
الفصل الثالث
عن عبد الله بن مسعود قال جاء رجل إلى النبي فقال يا رسول الله إني عالجت امرأة أي داعيتها وزاولت منها ما يكون بين الرجل والمرأة غير أني ما جامعتها قاله الطيبي في أقصى المدينة أي أسفلها وأبعدها عن المسجد لا ظفر منها بجماعها وإني أصبت منها ما دون أن أمسها ما موصولة أي الذي تجاوز المس أي الجماع فأنا هذا فاقض الفاء سببية أي أنا حاضر بين يديك ومنقاد لحكمك فاقض بسبب ذلك في أي في حقي ما شئت أي أردته مما يجب علي كناية عن غاية التسليم والإنقياد إلى حكم الله ورسوله فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت على نفسك أي لكان حسنا لو للتمني


وقول ابن حجر إن لو تحضيضية أي هلا سترت على نفسك غير معروف في اللغة قال أي ابن مسعود ولم يرد بفتح الدال المشددة ويجوز ضمها وكسرها النبي عليه أي على الرجل أو على عمر شيئا من الكلام انتظارا لقضاء الله فيه رجاء أن يخفف من عقوبته فقام الرجل فانطلق أي فذهب ظنا منه لسكوته عليه الصلاة والسلام أن الله سينزل فيه شيئا وأنه لا بد أن يبلغه فإن كان عفوا شكر وإلا عاد ليستوفي منه هذا هو المناسب لحاله وإلا فانطلاقه قبل صريح الاذن منه خلاف الأدب وأما قول ابن حجر فإنه ربما يتوهم منه هرب فليس في محله لأنه بنفسه اعترف فكيف يهرب مع أنه لو أكذب نفسه يقبل منه فإنه يندرىء به الحدود فاتبعه النبي أي أرسل عقبه رجلا ليدعوه فدعاه أي الرجل الرجل وتلا عليه الصلاة والسلام عليه أي على الرجل السائل هذه الآية وأقم الصلاة بدل من الآية طرفي النهار أي الصبح في الطرف الأول والظهر والعصر أو الأخير في الطرف الآخر وزلفا أي في ساعات قريبة من النهار من الليل من بيان يعني صلاتي المغرب والعشاء إن الحسنات أي الصلوات وسائر الطاعات يذهبن السيئات أي يمحون الصغائر ويخففن الكبائر ذلك أي ما ذكر أي في هذه الآية العظيمة من المنة الجسيمة ذكرى أي تذكير وموعظة للذاكرين لنعمة الله أو للمتعظين فقال رجل من القوم قيل هو عمر بن الخطاب وقيل هو معاذ بن جبل يا نبي الله واختير على رسول الله إيماء بأن ما أنبأهم به عليه الصلاة والسلام إنما هو ما أنبأ به عن الله تعالى هذا أي هذا الحكم له أي للسائل خاصة أي يخصه خصوصا أم للناس عامة فقال بل للناس كافة أي يعمهم جميعا وهو منهم أو هو يدخل دخولا أوليا لأنه سبب نزول الآية والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب قال ابن حجر وسياق هذا غير سياق الحديث السابق أول الفصل الأول فلا يبعد أن الواقعة تكررت لرجلين وأن الآية نزلت مرتين وأن سكوته عليه الصلاة والسلام في الثانية بعد أن علم بحكم الأولى لإنتظار شيء جديد


فيها ا ه وفيه أنه لا يلزم من تعدد الواقعة تكرار نزول الآية وليس في الحديث ما يدل على نزولها ثانيا بل أنه قرأها استشهادا أو اعتضادا أو ربما كان سكوته لأمر آخر فلما قام الرجل ناداه وبين له مدعاه ويخطر بالبال والله تعالى أعلم بالحال أن سبب سكوته وعدم مبادرته بالمقال أن لا تجترىء الأمة على سوء الفعال رواه مسلم
وعن أبي ذر أن النبي خرج زمن الشتاء أي البرد أو قريبا من فصل الشتاء وهو الخريف والورق أي جنسه يتهافت أي يتساقط متواليا فأخذ بغصنين من شجرة أي مباحة أو مملوكة له عليه الصلاة والسلام أو لمن يظن رضاه بذلك ويحتمل كونهما متصلين أو منفصلين قال أي أبو ذر فجعل ذاك وفي أصل العفيف باللام الورق يتهافت أي طفق الورق من الغصنين يتساقط تساقطا سريعا لأنهما عند القبض بهما أو نفضهما أسرع سقوطا من تركهما على حالهما قال كذا في نسخة صحيحة أي أبو ذر فقال النبي يا أبا ذر قلت وفي نسخة فقلت لبيك أي إجابة لك بعد إجابة أو إقامة على طاعتك بعد إقامة من لب بالمكان أقام فيه فالتثنية للتكثير يا رسول الله وفي نسخة بحذف حرف النداء لكمال القرب قال إن العبد المسلم ليصلي الصلاة أي بشرائطها وأركانها يريد بها وجه الله أي ذاته ومرضاته والجملة حالية من الفاعل أو المفعول أي خالصا لله أو خالصة له تعالى بأن لا يكون فيها سمعة ولا رياء أو بأن لا يقصد بها حظا لنفسه لا دنيويا ولا أخرويا إنما يقصد امتثال أمر الله ورضاه عنه فقط فتهافت بحذف إحدى التاءين عنه ذنوبه كما تهافت بصيغة الماضي وفي نسخة صحيحة يتهافت بالمضارع للمذكر وفي أخرى وهي أصل العفيف للمؤنث فإن قوله هذا الورق يراد به لجنس أي هذه الأوراق عن هذه الشجرة أي عن غصنيها رواه أحمد قال ميرك بإسناد حسن وعن زيد بن خالد الجهني هو من جهينة نزل الكوفة ومات بها روى عنه عطاء بن يسار وغيره قاله الطيبي قال قال رسول الله من صلى سجدتين قال الطيبي غلبت السجدة على سائر الأركان كما


غلبت الركعة عليها لا يسهو أي لا يغفل فيهما قال الطيبي أي يكون حاضر القلب أو يعبد الله كأنه يراه غفر الله له ما تقدم من ذنبه قيد بالصغائر وإن كان ظاهره شمول الكبائر رواه أحمد قال ميرك ورواه أبو داود بلفظ من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى ركعتين لا يسهو بينهما غفر له ما تقدم من ذنبه وقوله بينهما أي فيما بين أفعال الركعتين ليوافق قوله فيهما والله تعالى أعلم
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص الجمهور على كتابته بالياء وهو الفصيح عند أهل العربية وفي كثير من الكتب أو أكثر بحذفها قاله الكرماني والصحيح كتابته بلا ياء على ما في النسخ الصحيحة وهو مبني على حذف الياء لفظا وخطا للتخفيف كما في نحو المتعال أو بناء على أن أصله العوص أو العيص على ما يفهم من القاموس والله تعالى أعلم عن النبي أنه أي النبي ذكر الصلاة يوما قال الطيبي أي أراد أن يذكر فضلها وشرفها فقال الفاء للتفسير من حافظ عليها أي من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها وداوم عليها ولم يفتر عنها كانت أي صلاته أو محافظته عليها له نورا وبرهانا تقدم معناهما قاله الطيبي أو نورا بين يديه مغنيا عن سؤاله عنها وبرهانا أي دليلا على محافظته على سائر الطاعات فالترتيب الذكرى للتدلي وقال ابن حجر أي زيادة في نور إيمانه وحجة واضحة على كمال عرفانه ونجاة أي ذات نجاة أو جعلت نفسها نجاة مبالغة كرجل عدل يوم القيامة لأن الصلاة أول ما يسأل عنه من العبادات وكذلك نور وبرهان ونجاة له في القبر كما ورد في الأحاديث فإن من مات فقد قامت قيامته ومن لم يحافظ عليها أي على شرائطها وأركانها فمن تركها بالكلية فهو أولى بالمحرومية لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة وكان يوم القيامة محشورا أو محبوسا أو معذبا في الجملة مع قارون الذي منعه ماله عن الطاعة وفرعون وهامان وزيره اللذين حملهما جاههما على المعصية وأبي بن خلف عدو النبي الذي قتله النبي بيده يوم أحد وهو مشرك قاله الطيبي


وقال وفيه تعريض بأن من حافظ عليها كان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين رواه أحمد والدارمي أي في مسنديهما والبيهقي في شعب الإيمان الجار متعلق بالخبر قال ميرك نقلا عن المنذري ورواه ابن حبان في صحيحه والطبراني في الأوسط والصغير وإسناد أحمد جيد وعن عبد الله بن شقيق بصري من بني عقيل بن كعب من ثقات التابعين قال
كان أصحاب رسول الله لا يرون من الرأي أي لا يعتقدون شيئا مفعوله من الأعمال نعته تركه كفر الجملة كذا نعته غير الصلاة استثناء والمستثنى منه الضمير الراجع إلى شيئا قاله الطيبي والمراد ضمير تركه وجوز ابن حجر أن يكون صفة أخرى لشيئا وهو بعيد بل غير مفيد ثم الحصر يفيد أن ترك الصلاة عندهم كان من أعظم الوزر وأقرب إلى الكفر رواه الترمذي وعن أبي الدرداء قال أوصاني خليلي قال الطيبي لما كان هذا الحديث في الوصية متناهيا وللزجر عن رذائل الأخلاق جامعا وضع خليلي مكان رسول الله إظهارا لغاية تعطفه وشفقته أن لا تشرك بالجزم فإن مفسرة لأن في أوصى معنى القول ولا ناهية وقال ابن حجر أي قال أوصيك بأن لا تشرك فإن مفسرة في أوصى معنى القول ولا نافية ا ه وهو غير منتظم بل خلط وخبط بالله شيئا أي بالقلب أو ولا باللسان ولو كرها فيكون وصية بالأفضل فاندفع ما قال جماعة إن الإكراه بالقتل والتحريق فضلا عن غيرهما لا يجوز التلفظ بكلمة الكفر فإنا لا نسلم دخول هذه الصورة في الحديث لأن أحدا لا يقول أن التلفظ بكلمة الكفر للإكراه يسمى شركا بدليل أن القائلين بتحريم التلفظ لا يقولون أنه كفر على أن قوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان صريح في الحل وإن قطعت بالتخفيف ويشدد وحرقت بالتشديد لا غير ولا تترك صلاة مكتوبة فإنها أم العبادات وناهية السيئات فمن تركها متعمدا احتراز عن الخطأ والنسيان والنوم والضرورة وعدم القدرة فقد برئت منه الذمة كناية عن الكفر تغليظا قاله الطيبي أو المراد منها الأمان من التعرض بالقتل أو


التعزير ولا تشرب الخمر بكسر الباء لإلتقاء الساكنين فإنها مفتاح كل شر ومذهبة للعقل الذي هو مبنى كل خير ولذا سميت أم الخبائث رواه ابن ماجه والبيهقي أيضا قاله ميرك


باب المواقيت
هي التي من جملة شروط الصلاة جمع ميقات وهو الوقت المعين قاله ابن الهمام

الفصل الأول
عن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله وقت الظهر وسميت به لأنها أول صلاة ظهرت أو لفعلها وقت الظهيرة وهو الأظهر والمعنى أول وقته إذا زالت الشمس أي حين مالت عن وسط السماء المسمى بلوغها إليه بحالة الإستواء إلى جهة المغرب باعتبار ظهوره لنا بزيادة ظل الإستواء إلى جهة المشرق وكان أي وصار ظل الرجل كطوله أي قريبا منه قال الطيبي هذا مذكور في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وليس بمذكور في المصابيح إلا قوله ما لم يحضر العصر ا ه فعلى ما في المصابيح لا إشكال وأما على ما في المشكاة فقال الأبهري ما لم يحضر بيان وتأكيد لقوله وكان الخ ثم المراد بالظل الظل الحادث أو مطلق الظل ويلائمه قوله ما لم يحضر العصر أي وقته وهو الظل الحادث لطول الرجل وأغرب ابن حجر وجعل المراد بالظل نفس فيء الزوال وادعى أن هذا هو الغالب في انتهاء نقصه وابتدائه في الأخذ بالزيادة ولذا اقتصر عليه وإلا فقد يفقد الظل بالكلية في بعض البلاد كمكة وصنعاء ويختلف قدر ظل الإستواء باختلاف المحال والفصول ومن ثم اختلف الفقهاء في تفاصيل ذلك لاختلافهم في طول البلاد وغرضها وكذا أهل المواقيت اختلفوا في ذلك قال ابن الملك وهذا الحديث يدل على أن لا فاصلة بين وقتيهما ولا تشترك بينهما وعلى أن لا كراهة في تأخير الظهر إلى آخر الوقت وعند مالك إذا صار ظل كل شيء مثله من موضع زيادة الظل بقدر أربع ركعات مشترك بينهما قال الطيبي أي بين الظهر والعصر لأن جبريل عليه الصلاة والسلام صلى العصر في اليوم الأول والظهر في اليوم الثاني في ذلك الوقت وأول الشافعي ذلك بانطباق آخر الظهر وأول العصر على الحين الذي صار ظل كل شيء مثله لهذا الحديث ولأنه لا يتمادى قدر ما يسع أربع ركعات فلا بد من تأويل وتأويله على ما ذكرنا أولى قياسا على سائر الصلوات


وسيأتي زيادة تحقيق لهذا المبحث ووقت العصر أي يدخل بما ذكر من ظل الرجل كطوله ويستمر من غير كراهة ما لم تصفر بفتح الراء المشددة وتكسر الشمس فالمراد به وقت الإختبار لقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر أي مؤداة ولحديث غيرهما بسند رجاله في مسلم وقت العصر ما لم تغرب الشمس وفي رواية لمسلم ما لم تصفر الشمس وسقط قرنها الأول قال ابن الملك والحديث يدل على كراهة التأخير إلى وقت الإصفرار فوقت جوازه إذا غربت ووقت صلاة المغرب ذكر الصلاة في مواضع وحذفها في أخر دلالة على جوز الاطلاقين ما لم يغب وفي المصابيح ما لم يسقط الشفق وهو الحمرة التي تلي الشمس بعد الغروب عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو المروي عن ابن عمر وابن عباس وبه يفتى والبياض الذي يكون بعد الحمرة عند أبي حنيفة وهو المروي عن أبي هريرة وبه قال ابن عبد العزيز والأوزاعي وهذا يدل على امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق فلو سقط بعضه لا يدخل وقت العشاء كما لا يدخل وقت المغرب بغروب بعض القرص وتأخير المغرب إلى آخر الوقت أقل كراهة بالنسبة إلى تأخير العصر قاله ابن الملك وقال الطيبي قوله ما لم يسقط الشفق يدل على أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق وإليه ذهب الشافعي قديما والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي أي الثاقب وذهب مالك والأوزاعي وابن المبارك والشافعي جديدا إلى أن صلاة المغرب لها وقت واحد مضيق لأن جبريل عليه الصلاة والسلام صلاها في اليومين في وقت واحد وهو قدر وضوء وأذان وإقامة وخمس ركعات متوسطات ا ه ويدخل وقتها بالغروب إجماعا وكأنه اكتفى بذكر المغرب ولا يعتد بخلاف الشيعة وخبر أنه صلى المغرب عند اشتباك النجوم باطل بل صح لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم وتأخيره عليه الصلاة والسلام لها كما في أحاديث صحيحة لبيان الجواز ونقل الترمذي عن العلماء كراهية تأخيرها عن


أوله كذا ذكره ابن حجر وهو حجة عليه في اختياره القول الجديد للشافعي وتصحيحه له ووقت صلاة العشاء أي من عقيب الشفق إجماعا إلى نصف الليل الأوسط والمراد به وقت الإختيار أيضا فإن الأكثرين قالوا أن وقته يمتد إلى طلوع الصبح الصادق لما روى أبو قتادة أنه قال عليه الصلاة والسلام ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى خص الحديث في الصبح فيبقى على عمومه في الباقي قاله الطيبي وقال الأبهري احتج به أبو سعيد الأصطخري على أن وقت العشاء إلى نصف الليل وعند غيره محمول على وقت الإختيار وأما وقت الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر قال


والأوسط صفة الليل أي الليل المعتدل لا طويل ولا قصير فنصف الليل الأوسط يكون بالنسبة إلى ليل قصير أكثر من نصفه وبالنسبة إلى ليل طويل أقل من نصفه وقيل الأوسط صفة النصف أي نصف عدل من الليل عموما يعني من كل نصفه وبه قطع الفقهاء قاطبة والقول الأول يقتضي التأخير إلى ست ساعات في أقصر الليالي وهي ثلث الليل وإلى ست ساعات في أطول الليالي وهي ثلث الليل والعكس أحرى وأليق ا ه يعني احترازا عن المشقة قال ابن الهمام روى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله لولا أن شق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه وقال حسن صحيح ا ه قال بعض علمائنا المراد ثلث الليل في الصيف ونصفه في الشتاء والله تعالى أعلم ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر أي الصبح الصادق ما لم تطلع الشمس أي شيء منها فإذا طلعت الشمس أي أرادت الطلوع فأمسك عن الصلاة أي اتركها فإنها أي الشمس تطلع بين قرني الشيطان أي جانبي رأسه وذلك لأن الشيطان يرصد وقت طلوع الشمس فينتصب قائما في وجه الشمس مستقبلا لمن سجد للشمس لينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له فنهى النبي أمته عن الصلاة في ذلك الوقت لتكون صلاة من عبد الله في غير وقت عبادة من عبد الشيطان ويحتمل أن يكون من باب التمثيل شبه تسويل الشيطان لعبدة الشمس عبادتها وحثه إياهم على سجودها بحمله أياها برأسه إليهم وإطلاعه عليهم وقيل المراد بقرنيه حزباه السابقون واللاحقون بالليل والنهار وقيل جنداه اللذان يبعثهما حينئذ لإغواء الناس وقيل هو من باب التخييل تشبيها له بذوات القرون التي تناطح الأشياء لأن اللعين مناطح للحق ومدافع له قال الطيبي والمختار هو الوجه الأول رواه مسلم قال ميرك ورواه أبو داود والنسائي ولم يقولا فإذا طلعت الشمس الخ وعن بريدة أي ابن الحصيب وهو من بني أسلم لم يشهد بدرا وكان في بيعة الرضوان خرج إلى خراسان غازيا ومات بمرو وكان له هناك عقب قاله الطيبي قال إن رجلا سأل رسول الله


عن وقت الصلاة أريد به الجنس أي الصلوات الخمس أو العهد فقال له صل معنا هذين يعني اليومين أي المعلومين لتعلم أوقات الصلوات كلها أوائلها
وأواخرها ووقت الفضيلة والإختيار وغيرهما بالشاهدة التي هي أقوى من السماع فلما زالت الشمس أي عن حد الإستواء أمر بلالا أي بالأذان فأذن ثم أمره أي بالإقامة وعطف بثم لأن فيه قليل مهلة بالإنتظار لإجتماع الناس وفعلهم السنن فأقام الظهر بنزع الخافض أي للظهر ثم أمره فأقام العصر أي تلفظ بكلمات الإقامة لصلاة العصر وترك ذكر الوقت لظهوره وكذا الأذان فيه وفيما بعده للوضوح والشمس مرتفعة الجملة حالية أي صلى في أول وقته بيضاء بالرفع صفة أو خبر آخر أي لم تختلط بها صفرة نقية أي طاهرة من الإصفرار وصافية منه ثم أمره فأقام المغرب أي لصلاته حين غابت الشمس أي تحقق غيبوبتها ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم أمره فأقام الفجر أي لصلاة الصبح حين طلع الفجر أي الصبح الصادق فلما أن أن زائدة كان تامة أي وجد اليوم الثاني أي أكثره أمره جواب لما أي أمره بالإبراد فأبرد بالظهر على صيغة الأمر أي فقال له أبرد بالظهر وفي نسخة فأبرد على صيغة الماضي أي فأمره بالإبراد فيكون تفسيرا لأمره وتأكيدا فأبرد أي بلال بها أي بصلاة الظهر فأنعم أي بالغ أن يبرد بها يقال أحسن إلى فلان وأنعم أي زاد في الإحسان وبالغ والمعنى زاد الإبراد لصلاة الظهر وبالغ في الإبراد على أول وقت الإبراد حتى تم إنكسار وهج الحر أي شدة حر الظهر في الفائق حقيقة الإبراد الدخول في البرد كقولك أظهرنا والباء للتعدية أي أدخل الصلاة في البرد وقال الخطابي الإبراد أن يتفيأ الأفياء وينكسر وهج الحر فهو برد بالإضافة إلى حر الظهيرة ذكره الطيبي وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها بالتشديد أي صلاة العصر في اليوم الثاني فوق الذي أي التأخير الذي كان أي وجد في اليوم الأول بأن أوقعها حين صار ظل الشيء مثليه كما بينته الروايات الأخر أو التقدير


كان أخرها بالأمس يريد أن صلاة العصر بالأمس كانت مؤخرة عن الظهر لا إنها كانت مؤخرة عن وقتها وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق يعني صلاها في آخر الوقت وهذا الحديث حجة على الشافعي ومالك في تضييق وقت المغرب وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل ولعله لم يؤخرها إلى آخره وهو وقت الجواز لأنه يلزم منه الكراهة في حق غيره ولحصول الحرج بسهر الليل كله وكراهة النوم قبل صلاة العشاء وصلى الفجر فأسفر بها أي أوقعها في وقت الأسفار والباء
للتعدية من أسفر الصبح إذا أضاء وقال الطيبي أي أخرها إلى أن طلع الفجر الثاني ذكره ميرك وكتب تحته وفيه يعني وفيه أنه يلزم منه جواز صلاة الصبح في الفجر الأول ثم قال أين السائل عن وقت الصلاة فقال الرجل أنا أي السائل أنا قاله ابن الملك أو أنا السائل أو أنا ههنا إذ المراد في الأول أين السائل ومن هو فيطابق الجواب السؤال وهو أظهر يا رسول الله قال وقت صلاتكم ولعل جمع الضمير إشعار بأن الحكم عام بين ما رأيتم أي هذا الوقت المقتصد الذي لا إفراط فيه تعجيلا ولا تفريط فيه تأخيرا قاله ابن الملك أو بينت بما فعلت أول الوقت وآخره والصلاة جائزة في جميع أوله وأوسطه وآخره والمراد بآخره هنا آخر الوقت في الإختيار لا الجواز إذ يجوز صلاة الظهر بعد الإبراد التام ما لم يدخل وقت العصر ويجوز العصر بعد ذلك التأخير الذي هو فوق ما لم تغرب الشمس وصلاة المغرب ما لم يغب الشفق في قول ويجوز صلاة العشاء ما لم يطلع الفجر وصلاة الفجر بعد الإسفار ما لم تطلع الشمس قاله الطيبي وفي المغرب نظر إذ صلاها في آخر وقت الجواز رواه مسلم ونقل الترمذي في علله عن البخاري أنه قال هذا حديث حسن ذكره ميرك
الفصل الثاني


عن ابن عباس قال قال رسول الله أمني بتشديد الميم جبريل بكسر الجيم وفتحها مع الياء وجبرئيل بالهمزة وزيادة الياء أي صار إماما لي عند البيت أي الكعبة وفي رواية في الأم للشافعي عند باب الكعبة وفي أخرى في مشكل الآثار للطحاوي عند باب البيت مرتين أي في يومين ليعرفني كيفية الصلاة وأوقاتها فصلى بي الباء للمصاحبة والمعية أي صلى معي الظهر قيل ابتدأ بها مع أن فرض الصلاة كان ليلا وقياسه أن أول صلاة وجبت الصبح لأن أول وقت الصبح فيه خفاء فلو وقع فيه البيان لم يكن فيه من


الظهور ما في وقوعه وقت الظهر مع الإيماء إلى أن دينه سيظهر على الأديان كلها كما أن الظهر ظاهرة على جميع الصلوات لكن أداء الوجوب متوقف على علم الكيفية وهو لم يقع إلا في الظهر فهي التي أول صلاة وجبت حين زالت الشمس وكانت الضمير للشمس والمراد منها الفيء لأنه بسببها ففيه تجوز بينته رواية وكان الفيء قدر الشراك والفيء هو الظل ولا يقال إلا للراجع منه وذلك بعد الزوال قال ابن السكيت الظل ما تنسخه الشمس والفيء ما ينسخ الشمس وقال النووي نقلا عن ابن قتيبة وقال أنه كلام نفيس الظل غير الفيء إذ الظل يشمل ما في الغدوة والعشي وأصله الستر ومنه فلان في ظلك والفيء يختص بما بعد الزوال لأنه من فاء من جانب إلى جانب أي رجع والفيء الرجوع وعلم من أن الظل الستر أنه ليس بعدمي بل هو أمر وجودي له نفع بإذن الله تعالى في الأبدان وغيرها فما ألفه الناس من أنه شيء تنسخه الشمس وربما وقع في أذهانهم أنه عدم غير صحيح ألا ترى أن في الجنة ظلا كما في القرآن والسنة مع أنه لا شمس فيها أي كان فيؤها قدر الشراك وفي المصابيح وكان الفيء أي الظل الراجع من النقصان إلى الزيادة وهو بعد الزوال مثل الشراك أي مثل شراك النعل وهو أحد سيور النعل الذي على وجهها وهذا على وجه التقريب لأن زوال الشمس لا يتبين إلا بأقل مما يرى من الظل في جانب المشرق وكان حينئذ بمكة هذا القدر والظل يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فكل بلد هو أقرب إلى خط الإستواء ومعدل النهار كان الظل فيه أقصر وكل بلد كان أبعد عنهما إلى جانب الشمال كان فيه أطول كذا ذكره ابن الملك وقال الطيبي إنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلاد التي يقل فيها الظل فإذا كان أطول النهار واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير لشيء من جوانبها الظل ا ه والمراد منه أن وقت الظهر حين يأخذ الظل في الزيادة بعد الزوال وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله أي بعد ظل الزوال قاله الطيبي وقال ابن الملك معناه زاد ظل كل


شيء عن مثله أدنى زيادة وفيه بحث والأظهر أن المراد بالظل الحادث وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم أي دخل وقت إفطاره بأن غابت الشمس ودخل الليل لقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة وفي رواية حين وجبت الشمس وأفطر الصائم وهو عطف تفسير إذ بوجوبها يعني سقوطها وغيبوبتها يدخل وقت إفطار الصائم مع الإيماء بأن إفطار الصائم ينبغي أن يقع قبل صلاة المغرب وصلى بي العشاء حين غاب الشفق أي الأحمر على الأشهر وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم يعني أول طلوع الفجر الثاني لقوله تعالى أي وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر أي فلما كان الغد أي في اليوم الثاني صلى


بي الظهر حين كان ظله أي ظل كل شيء مثله أي قريبا منه أي من غير الفيء قال الطيبي ليس المراد بعد ظل الزوال فلا يلزم كون الظهر والعصر في وقت واحد ووافق هذا قول المظهر على سبيل توارد الخاطر وهذا التأويل أولى مما ذكره القاضي من تأويله في الحديث الأول من الباب ا ه وفي رواية حين كان ظل كل شيء مثله كوقت العصر بالأمس أي فرغ من الظهر حينئذ كما شرع في العصر في اليوم الأول حينئذ قال الشافعي وبه يندفع اشتراكهما في وقت واحد على ما زعمه جماعة ويدل له خبر مسلم السابق وقت الظهر ما لم يحضر العصر على أنه لو فرض عدم إمكان الجمع بينهما وجب تقديم خبر مسلم لأنه أصح مع كونه متأخرا وصلى بي العصر حين كان ظله أي ظل الشيء مثليه أي غير ظل الإستواء وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل أي مائلا أو منتهيا إليه وقال ابن حجر ينبغي أن يكون إلى بمعنى مع ويؤيده الرواية الأخرى ثم صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل ا ه أو إلى بمعنى في نحو قوله تعالى أي ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي وصلى بي الفجر فأسفر أي أضاء به أو دخل في وقت الإسفار ثم التفت أي نظر جبريل عليه الصلاة والسلام إلي فقال يا محمد هذا أي ما ذكر من الأوقات الخمسة أو الإشارة إلى الإسفار فقط وقت الأنبياء من قبلك إذ المحافظة عليه شاقة على النفس لا يقدر عليها إلا المراعون للظلال المنتظرون للصلوات قاله ابن الملك وقال ابن حجر هذا وقت الأنبياء باعتبار التوزيع بالنسبة لغير العشاء إذ مجموع هذه الخمس من خصوصياتنا وأما بالنسبة إليهم فكان ما عدا العشاء مفرقا فيهم أخرج أبو داود في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال أخر رسول الله صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظان أنه قد صلى ثم خرج فقال اعتموا بهذه الصلاة فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم وأخرج الطحاوي عن عبيد الله بن محمد عن عائشة أن آدم لما تيب عليه


عند الفجر صلى ركعتين فصارت الصبح وفدى إسحاق عند الظهر فصلى أربع ركعات فصارت الظهر وبعث عزير فقيل له كم لبثت قال يوما فرأى الشمس فقال أو بعض يوم فصلى أربع ركعات فصارت العصر وغفر لداود عند المغرب فقام فصلى أربع ركعات فجهد في الثالثة أي تعب فيها عن الإتيان بالرابعة لشدة ما حصل له من البكاء على ما اقترفه مما هو خلاف الأولى به فصارت المغرب ثلاثا وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا قال ابن حجر وبهذا وما قررته في هذا وقت الأنبياء من قبلك يندفع قول البيضاوي توفيقا بين هذا وبين خبر أبي داود وغيره المذكور في العشاء أن العشاء كانت الرسل تصليها نافلة


لهم ولم تكتب على أممهم كالتهجد فإنه وجب على نبينا ولم يجب علينا أو يجعل هذا إشارة إلى وقت الإسفار فإنه قد اشترك فيه جميع الأنبياء الماضية والأمم الدارجة ا ه والحق أن الحق مع القاضي فإن الحديث الأول لا دلالة على نفيه للأنبياء وإنما وقع نفيه عن الأمم والحديث الثاني دال على أن نبينا أول من صلى العشاء مع أمته فلا ينافيه أن الأنبياء صلوها وغايته أنه ما ذكر فيه أول من شرع والظاهر أن كل نبي شرع صلاة تبعه غيره من الأنبياء فلا دلالة فيه على التوزيع الذي توهمه مع أن رواية الطحاوي لا تقاوم رواية أبي داود وغيره المصرح في المقصود والوقت أي السمح الذي لا حرج فيه ما بين وفي رواية فيما بين هذين الوقتين فيجوز الصلاة في أوله ووسطه وآخره وقال ميرك معنى زوال الشمس هو أن يكون ظل كل شيء من أول النهار إلى المغرب أي جهته كثيرا ثم يأخذ في النقصان قليلا قليلا إلى أن وقف لمحة فإذا زال الظل بعده إلى المشرق فهو أول وقت الظهر فإذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال يدخل وقت العصر فقوله أولا صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله يراد منه بعد ظل الزوال وقوله ثانيا صلى بي الظهر حين كان ظله مثله ليس المراد منه بعد ظل الزوال فلا يكونان في وقت واحد والتعريف في قوله الوقت ما بين هذين الوقتين للعهد أي أول وقت صليت وآخر وقت وما بينهما هو الوقت كما مر في الحديث السابق ا ه وقوله وقف لمحة ليس بصحيح لما سيأتي أنه ليس لها وقفة والله أعلم رواه أبو داود والترمذي وقال حسن ذكره ميرك وصححه غيره ورواه النسائي أيضا وزاد أن النبي كان خلف جبريل والناس أي المسلمون حينئذ خلف رسول الله في كل الأوقات يعني أنه كان متقدما عليهم ليبلغهم أفعال جبريل فهم في الحقيقة مقتدون بجبريل لا بالنبي لكن في رواية ابن إسحاق فصلى به جبريل وصلى النبي بأصحابه وظاهره صحة الإقتداء بالمقتدى لأن الصحابة لم يشاهدوا جبريل وإلا لنقل ذلك والأظهر دفعه بأن إمامة


جبريل لم تكن على حقيقته بل على النسبة المجازية من دلالته بالإيماء والإشارة إلى كيفية أداء الأركان وكميتها كما يقع لبعض المعلمين حيث لم يكونوا في الصلاة ويعلمون غيرهم بالإشارة القولية
الفصل الثالث
عن ابن شهاب أي الزهري إن عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء ولم
يحسب الحسن رضي الله عنه مع أنه منهم بلا شك لأن مدته لم تطل وملكه لم يتم أخر العصر شيئا أي تأخيرا يسيرا أو شيئا قليلا من الزمان ولعله أخره عن وقته المختار ليكون محل الإنكار برفق على طريق الأخبار فقال له عروة أي ابن الزبير أما بالتخفيف قال المالكي أما حرف استفتاح بمنزلة ألا ويكون أيضا بمعنى حقا ولا يشاركها ألا في ذلك إن جبريل قد نزل فصلى إمام رسول الله بكسر الهمزة وقيل بفتحها قال الطيبي ضبط في شرح مسلم بكسر الهمزة وفي جامع الأصول مقيد بالكسر والفتح فبالفتح ظرف وبالكسر إما أن يكون منصوبا بفعل مضمر أي أعني إمام رسول الله أو خبر كان المحذوف يعني كما سبق في قوله أول ما خلق الله القلم برفع أول ونصب القلم كما قاله الأبهري قال المالكي هو من المعارف الواقعة حالا كأرسلها العراك قال الشيخ محيي الدين يوضح معنى الكسر قوله في الحديث الآخر فامني فقال له عمر أعلم بصيغة الأمر من العلم وقيل من الإعلام ويحتمل أن يكون أعلم بصيغة التكلم إلا أن الأول هو الصحيح ما تقول يا عروة قيل هذا القول تنبيه منه على إنكاره إياه ثم تصدره بأما التي هي من طلائع القسم أي تأمل ما تقول وعلام تحلف وتنكر كذا قاله الطيبي وكأنه استبعاد لقول عروة صلى إمام رسول الله مع أن الأحق بالإمامة هو النبي والأظهر أنه استبعاد لإخبار عروة بنزول جبريل بدون الإسناد فكأنه غلظ عليه بذلك مع عظيم جلالته إشارة إلى مزيد الإحتياط في الرواية لئلا يقع في محذور الكذب على رسول الله وإن لم يتعمده ولذلك جاء عن أبيه الزبير أنه سئل عن قلة روايته للحديث مع كونه ملازما لرسول الله سفرا وحضرا في مكة


والمدينة فأجاب بأنه لم يترك التحديث مع امتلائه حفظا إلا خشية أن يدخل في وعيد الكذب عليه لأن بعض الروايات لم يذكر فيها قيد التعمد فكأنها التي بلغته أو راعاها احتياطا فكذلك عمر احتاط بقوله لعروة ذلك لأن عمر كان سيد أهل زمانه وأفضلهم كما جاء في حديث عنه عليه الصلاة والسلام فقال أي عروة سمعت بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبا مسعود يقول سمعت رسول الله يقول نزل جبريل فأمني فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه قال الطيبي معنى إيراد عروة الحديث إني كيف لا أدري ما أقول وأنا صحبته وسمعت ممن صحب وسمع ممن صاحب رسول الله وسمع منه هذا الحديث فعرفت كيفية الصلاة وأوقاتها وأركانها يقال ليس في


الحديث بيان أوقات الصلاة يجاب عنه بأنه كان معلوما عند المخاطب فأبهمه في هذه الرواية وبينه في رواية جابر وابن عباس ا ه وقال ابن حجر الذي يظهر لي أن عمر لم ينكر بيان الأوقات وإنما استعظم إمامة جبريل للنبي ا ه وهو كذلك لأن معرفة الأوقات تتعين على كل أحد فكيف تخفى على مثله رضي الله تعالى عنه يحبس بضم السين مع الياء التحتانية وقيل بالنون بأصابعه خمس صلوات قال الطيبي هو بالنون حال من فاعل يقول أي يقول هو من ذلك القول ونحن نحسب بعقد أصابعه وهذا مما يشهد باتقانه وضبطه أحوال رسول الله قال ميرك لكن صح في أصل سماعنا من البخاري ومسلم والمشكاة يحسب بالتحتانية والظاهر أن فاعله النبي أي يقول ذلك حال كونه يحسب تلك المرات بعقد أصابعه قال ابن حجر وهذا أظهر لو ساعدته الرواية متفق عليه وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى عماله جمع عامل أي أمرائه أن بفتح الهمزة وكسرها أهم أموركم عندي أي في اعتقادي المطابق بالصواب الصلاة بدليل الكتاب والسنة أي الأمر بها والسعي في إظهارها ودعاء الناس إليها من حفظها بأن أدى شرائطها وأركانها وحافظ عليها أي داوم عليها ولم يبطلها بالسمعة والرياء والغرور والعجب حفظ دينه أي بقية أمور دينه لأنها عماد الدين ولأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ولأنها فرق بين المؤمن والكافر والمطيع والعاصي ولأنها نجوى بين العبد وربه وهي معراج المؤمن وقال الطيبي المحافظة على الصلاة أن لا يسهو عنها ويؤديها في أوقاتها ويتم أركانها وركوعها وسجودها ويؤكد نفسه بالإهتمام بها والتكرير بمعنى الإستقامة والدوام كقوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا الأحقاف ومن ضيعها أي الصلاة بتركها رأسا أو بترك بعض ما يجب فيها فهو لما سواها أي سوى الصلاة من الواجبات والمندوبات أضيع أي أكثر تضييعا لأنها أم العبادات ورأس الطاعات وما حي السيئات ثم كتب أي عمر أن أي بأن صلوا الظهر إن كان الفيء ذراعا أن


مصدرية والوقت مقدر أي وقت كون الفيء قدر ذراع وهو مختص بمحل يكون كذلك فإن مقدار الفيء يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة إلى أن يكون أي يستمر وقتها إلى أن يصير ظل أحدكم مثله أي سوى فيء الزوال والعصر بالنصب عطف على الظهر والشمس مرتفعة بيضاء نقية الجملة حال قدر ما يسير الراكب ظرف لقوله مرتفعة أي ارتفاعها مقدار أن
يسير الراكب فرسخين إلى المغرب أو ثلاثة أي ثلاثة فراسخ والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة وثلثه ميل قبل مغيب الشمس والمغرب بالنصب إذا غابت الشمس والعشاء بالنصب إذا غاب الشفق أي الأحمر ويستمر إلى ثلث الليل فمن نام أي قبل العشاء كذا في مسند البزار ذكره السيوطي وقال ابن حجر فمن نام عن الصلاة مطلقا سيما العشاء حقيقة أو مجازا بأن سها عنها حتى خرج وقتها فلا نامت عينه دعاء بنفي الإستراحة على من يسهو عن صلاة العشاء وينام قبل أن يؤديها قاله الطيبي فمن نام يعني تكسلا أو تهاونا من غير ضرورة فلا نامت عينه ومن نام فلا نامت عينه التكرير للتأكيد أو لاختلاف أحوال النائم قال ابن حجر وفي هذا تحريم النوم قبل الصلاة وهو محمول عندنا على تفصيل هو أنه تارة ينام قبل الوقت وتارة بعد دخوله ففي الثاني إن علم أو ظن أن نومه يستغرق الوقت لم يجز له النوم إلا إن وثق من غيره أنه يوقظه بحيث يدرك الصلاة كاملة في الوقت وكذا في الأول عند جماعات من أصحابنا وقال آخرون لا حرمة فيه مطلقا لأنه قبل الوقت لم يكلف بها بعد ا ه وهو مذهبنا والتفصيل الذي ذكره في الثاني هو المقتضى لقواعدنا والصبح بالنصب والنجوم بالرفع بادية بالياء أي ظاهرة مشتبكة أي مختلطة رواه مالك وعن ابن مسعود قال كان قدر صلاة رسول الله الظهر بالجر على البدلية من الصلاة أو بالنصب بتقدير أعني في الصيف ثلاثة أقدام أي من الفىء إلى خمسة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام قال الطيبي هذا أمر مختلف في الأقاليم والبلدان لأن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة


ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس أقرب كان الظل أقصر وبالعكس ولذلك ظلال الشتاء أبدا أطول من ظلال الصيف في كل مكان وكانت صلاة رسول الله في مكة والمدينة وهما من الأقليم الثاني فيذكرون أن الظل في أول الصيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود فيكون عند ذلك خمسة أقدام وأما الظل في الشتاء فيقولون إنه في تشرين الأول خمسة أقدام أو خمسة وشيء وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء فقول ابن مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك
الأقليم دون سائر الأقاليم والبلدان الخارجة عن الأقليم الثاني رواه أبو داود والنسائي وسنده حسن وقال السبكي اضطربوا في معنى حديث أبي داود وكان يؤخر في الصيف إلى أن يبقى قدر الظل ثلاثة أقدام وفي رواية له وللنسائي في الصيف ثلاثة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام والذي عندي في معناه أنه كان يصليها في الصيف بعد نصف الوقت وفي الشتاء أوله ومنه يؤخذ حد الإبراد ا ه والأظهر أنه لا حد للإبراد وإنما يختلف باختلاف البلاد ولعله أراد أن لا يتعدى في الإبراد عن نصف الوقت والله تعالى أعلم


باب تعجيل الصلوات
وفي نسخة الصلاة والمراد بها جنس الصلاة المكتوبة يعني أن الأصل في الصلاة تعجيلها والمبادرة إليها لقوله تعالى أي وسارعوا إلى مغفرة من ربكم أي ولقوله تعالى أي فاستبقوا الخيرات أي إلا ما خصه الشارع لحكمة اقتضت تأخيرها
الفصل الأول
عن سيار بتشديد الياء التحتية ابن سلامة بصري تميمي من مشاهير التابعين سمع أبا هريرة وأبا العالية وسمع منه عوف وشعبة قال دخلت أنا وأبي على أبي برزة بفتح الموحدة الأسلمي هو نضلة بن عبيد فقال له أبي كيف كان رسول الله يصلي المكتوبة أي المفروضة باعتبار أوقاتها فقال كان يصلي الهجير في النهاية الهجير والهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار التي تدعونها أي تسمونها في الفائق أنث صفة


الهجير أعني الموصول لكون الصلاة مرادة وقيل أنثها لأنها في معنى الهاجرة أو التقدير صلاة الهجير وقيل الهجير هو صلاة الظهر في لغة بعض العرب سميت به لأنها تصلى في الهاجرة الأولى في النهاية لأنها أول صلاة ظهرت وصليت وقال القاضي لأنها أول صلاة النهار يعني العرفي حين تدحض الشمس بفتح الحاء من دحضت رجله إذا زلقت أي تزول عن وسط السماء إلى جهة المغرب لأنها إذا انحطت للزوال كأنها دحضت وقال ابن الملك وتبعه ابن حجر غرض الراوي أن يعرف المخاطبين أن الهجير والأولى والظهر واحد ويصلي العصر ثم يرجع أي بعد الصلاة أحدنا إلى رحله أي منزله في أقصى المدينة صفة لرحله وليس بظرف للفعل أي الكائن في أبعد المدينة وآخرها والشمس حية الجملة حالية أي صافية اللون عن التغيير والإصفرار فإن كل شيء ضعفت قوته فكأنه قد مات قال في المفاتيح حياة الشمس مستعارة عن بقاء لونها وقوة ضوئها وشدة حرها قال الطيبي وكأنه جعل المغيب موتها ونسيت أي قال سيار على ما هو الظاهر وفي المصابيح قال عوف قيل هو الراوي عن أبي برزة وهو سهو إذ هو راو عن سيار ما قال أي أبو برزة قاله الطيبي وابن حجر وعلى ما في المصابيح ينبغي أن يكون القائل سيارا في المغرب أي في حق صلاته وكان أي النبي وهو عطف على كان يصلي يستحب بفتح الياء وكسر الحاء أن يؤخر على بناء المعلوم أو المجهول العشاء التي تدعونها العتمة قال الخليل العتمة هي الظلمة التي بعد غيبوبة الشفق ذكره الطيبي قال ابن حجر فائدة الوصف هنا نظير ما مر في الأول ولما يأتي أن الأعراب كانوا لا يعرفونها إلا بالعتمة وليس فيه تسمية العشاء عتمة التي هي مكروهة عندنا لخبر مسلم لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا أنها العشاء الحديث وتسميتها عتمة في خبر لو تعلمون ما في الصبح والعتمة لبيان الجواز وأن النهي في خبر مسلم المذكور للتنزيه أو أنه خاطب به من لا يعرف العشاء ولا يكره أن يقال لها العشاء الأخيرة وإنكار


الأصمعي له غلط فقد صح الحديث به ا ه والمستحب تأخيرها إلى ثلث الليل أو نصفه على ما ورد في بعض الأحاديث وكان أي النبي يكره النوم قبلها لخوف الفوت والحديث بعدها أي التحدث بكلام الدنيا ليكون ختم عمله على عبادة وآخره ذكر الله فإن النوم أخو الموت وفي شرح السنة أكثرهم على كراهة النوم قبل العشاء ورخص بعضهم وكان ابن عمر يرقد قبلها وبعضهم رخص في رمضان قال النووي إذا غلبه النوم لم يكره له إذا لم يخف فوات الوقت وأما الحديث فقد كرهه جماعة منهم سعيد بن المسيب قال لأن أنام عن العشاء أحب إلي من اللغو بعدها ورخص بعضهم التحدث في العلم وفيما لا بد منه من الحوائج ومع الأهل والضيف وروى أحمد في مسنده والبزار والطبراني عن شداد بن أوس قال قال رسول الله من قرض بيت شعر بعد العشاء الأخيرة لم تقبل له صلاة


تلك الليلة وخص ذلك بالشعر المذموم وفي خبر أحمد لا سمر إلا لمصل ومسافر قال النووي ومن المحرم قراءة نحو سيرة البطال وعنترة وغيرهما من الأخبار الكاذبة وأما الحديث في خبر أو لعذر فلا كراهة فيه وكان ينفتل أي ينصرف أو يلتفت إلى المأمومين من صلاة الغداة أي الصبح حين يعرف الرجل جليسه أي مجالسه بجنبه ويقرأ أي في الصبح بالستين أي آية والباء زائدة وقيل معناه أنه كان يقرأ بهذا القدر من الآيات في الصلاة وربما يزيد إلى المائة قال ابن الملك وهذا أنسب بمذهب أبي حنيفة وفي رواية أي للشيخين ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل بل يستحبه لما تقدم ولا يحب النوم قبلها والحديث بعدها متفق عليه قال ميرك ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال المصنف تابعي روى عن جابر وقال ميرك ثقة من الرابعة قال سألنا جابر بن عبد الله عن صلاة النبي أي أوقات صلاته فقال أي جابر كان أي النبي يصلي الظهر بالهاجرة أي شدة الحر يعني بعد نصف النهار وقيل أي في أول الوقت والعصر أي ويصلي العصر والشمس حية أي باقية على ضوئها والمغرب بالنصب عطفا على الظهر أو العصر إذا وجبت أي سقطت الشمس في المغيب قال ابن حجر وهي معلومة من السياق كقوله تعالى حتى توارت بالحجاب وهذا غفلة منه عن ذكرها في قوله والشمس حية قال الفائق أصل الوجوب السقوط قال تعالى أي فإذا وجبت جنوبها أي والمراد بسقوطها غيبوبة جميعها والعشاء نصب لما مر إذا كثر الناس عجل وإذا قلوا أخر قال الطيبي الجملتان الشرطيتان في محل النصب حالان من الفاعل أي يصلي العشاء معجلا إذا كثر الناس ومؤخرا إذا قلوا أو يحتمل أن يكونا من


المفعول والراجع مقدر أي عجلها أو أخرها ا ه والتقدير معجلة ومؤخرة والصبح بالنصب بغلس الغلس بفتحتين ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح متفق عليه قال ميرك ورواه أبو داود والنسائي وعن أنس قال كنا إذا صلينا خلف النبي بالظهائر الباء زائدة وهي جمع الظهيرة من النهار وأراد بها الظهر وجمعها إرادة الظهر كل يوم سجدنا على ثيابنا قال أكثر الفقهاء إنها الثياب الملبوسة وأولها الشافعي أنها الثياب المصلى عليها لأنه لم يجز السجود على ثوب أنت لابسه لحديث خباب يعني ظاهرا اتقاء الحر مفعول له وهو لا ينافي الإبراد كما لا يخفى والسجدة على كور عمامته وغيره من الثوب الملبوس مكروهة عند أبي حنيفة لكن ترتفع الكراهة عند الضرورة وعلى كل تقدير فالحديث حجة على الشيعة متفق عليه ولفظه للبخاري قال ميرك ورواه الأربعة وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا اشتد الحر فابردوا بالصلاة أي بصلاة الظهر وفي رواية للبخاري عن أبي سعيد بالظهر أي ادخلوها في وقت البرد فالباء للتعدية والأمر للندب فإن شدة الحر من فيح جهنم بفاء ثم ياء ثم حاء أي نفسها أو


حرارتها أو غليانها وقال الطيبي معناه سطوع حرها وانتشارها ا ه إذ الفيح الوسع وقيل أصله الواو من فاح يفوح فهو فيح كهان يهون فهو هين فخفف قال ابن الملك الإبراد بالظهر في شدة الحر قيل مندوب لطالب الجماعة أخذا بهذا الحديث وقيل التعجيل أولى لحديث خباب إنه قال شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا ولم يشكنا أي لم يزل شكوانا ولم يرخص لنا في التأخير ا ه والمعول هو الأول والتأخير يقيد إلى آخر الوقت لئلا يعارض واشتكت النار إلى ربها جملة مبينة للأولى وإن دخلت الواو بين المبين والمبين كما في قوله تعالى أي وإن من الحجارة لما يتفجر أي فقالت رب أكل بعضي بعضا قال التوربشتي ذكر في أول الحديث أن شدة الحر من فيح جهنم وهو يحتمل أن يكون حقيقة وأن يكون مجازا فبين بقوله فأذن لها بنفسين أي فيها نفس في الشتاء ونفس في الصيف أن المراد الحقيقة لا غير ثم نبه أن أحد النفسين يتولد منه أشد الحر والآخر يتولد منه أشد البرد بقوله أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير أي البرد وقال القاضي اشتكاء النار مجاز عن كثرتها وغليانها وازدحام أجزائها بحيث يضيق مكانها عنها فيسعى كل جزء في إفناء الجزء الآخر والإستيلاء على مكانه ونفسها لهبها وخروج ما برز منها مأخوذ من نفس الحيوان وهو الهواء الدخاني الذي تخرجه القوة الحيوانية ويبقى منه حوالي القلب وبيانه أنه كما جعل مستطابات الأشياء وما يستلذ به الإنسان في الدنيا أشباه نعيم الجنان ليكونوا أميل إليه كما يدل عليه قوله تعالى كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا الآية البقرة كذلك جعل الشدائد المؤلمة والأشياء المؤذية أنموذجا لأحوال الجحيم وما يعذب به الكفرة والعصاة ليزيد خوفهم وانزجارهم فما يوجد من السموم المهلكة فمن حرها وما يوجد من الصرصر المجمدة فهو من زمهريرها وهو طبقة من طبقات الجحيم ويحتمل هذا الكلام وجوها أخر والله أعلم ذكره الطيبي ثم قوله نفس بالجر على


البدلية قال الأبهري يجوز الرفع وقوله أشد بالرفع على الصحيح قال السيد جمال الدين هو خبر مبتدأ محذوف أي ذلك أشد ما تجدون أو مبتدأ خبره محذوف بقرينة الرواية الآتية قال الطيبي وهو أولى لرواية البخاري قال السيد ويروى بكسر الدال على البدل وقال ابن الملك وروي بنصب أشد صفة لنفسين أو بدلا وفيه أن نفسين مجرور وقال بعضهم روي في أشد النصب أيضا وهو يحتمل أن يكون على حذف أعني وعلى كل تقدير فما أما موصولة أو موصوفة ومن الحر ومن الزمهرير بيان له متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة


وفي رواية للبخاري فأشد ما تجدون من الحر فمن سمومها بفتح السين وأشد ما تجدون من البرد فمن زمهريرها قال بعضهم فعلم من الحديث أن في النار شدة الحر وشدة البرد وقيل كل منهما طبقة من طبقات الجحيم قال ابن الملك وهذا من جملة الحكم الإلهية حيث ظهر آثار الفيح في زمان الحر وآثار الزمهرير في الشتاء لتعود الأمزجة بالحر والبرد فلو انعكس لم تحتمله إذ الباطن في الصيف بارد فيقاوم حر الظاهر وفي الشتاء حار فيقاوم برد الظاهر وأما اختلاف حر الصيف وبرد الشتاء في بعض الأيام فلعله تعالى يأمر بأن يحفظ تلك الحرارة في موضع ثم يرسلها على التدريج حفظا لأبدانهم وأشجارهم وكذا البرد وعن أنس قال كان رسول الله يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب أي فيتوجه الذاهب أي بعد العصر إلى العوالي جمع عالية وهي أماكن معروفة بأعالي أرض المدينة قاله ابن الملك وقال بعضهم موضع على نصف فرسخ من المدينة وقيل اسم قرى من قرى المدينة وبين بعضها وبين المدينة أربعة أميال فيأتيهم أي يرجع إليهم أي إلى أهل المدينة قاله ابن الملك والظاهر أن معناه فيصل إلى أهل العوالي والشمس مرتفعة أي لم تصفر وبعض العوالي من المدينة ظاهر إيراد المصنف يقتضي أن هذا من كلام أنس وليس كذلك بل هو من كلام الزهري الراوي عن أنس أدرجه في الحديث بينه عبد الرزاق في روايته حيث قال قال الزهري والعوالي من المدينة على ميلين أو ثلاثة أميال أو نحو ذلك فهذا اختصار مخل موهم لخلاف المقصود وحق العبارة أن يقول وعن الزهري عن أنس ثم يقول قال الزهري وبعض العوالي الخ كذا حققه ميرك شاه رحمه الله تعالى على أربعة أميال أي من جهة المدينة وأما بعد العوالي من جهة نجد فعلى ثمانية أميال


وهذا معنى ما جاء في رواية أدناها على أربعة أميال وأقصاها على ثمانية أميال والميل ثلث فرسخ والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة وهي ثلاثة أقدام أو نحوه أي نحو المقدار المذكور أي قريب من أربعة أميال متفق عليه فيه نظر لأن قوله وبعض العوالي الخ من أفراد البخاري قاله ميرك وقال ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وعنه أي عن أنس قال قال رسول الله تلك صلاة المنافق قال ابن الملك إشارة إلى مذكور حكما أي صلاة العصر التي أخرت إلى الإصفرار يجلس حال يرقب الشمس أي ينتظر نورها حتى إذا أصفرت أي الشمس وأغرب ابن حجر بقوله حتى زائدة أي يرقب وقت اصفرارها وكانت الشمس بين قرني الشيطان أي قربت من الغروب قام أي إلى الصلاة فنقر أربعا أي لقط أربع ركعات سريعا فالنقر عبارة عن السرعة في الصلاة وقيل عن سرعة القراءة ويؤيده قوله لا يذكر الله فيها أي ذكرا يعتد به لعدم اعتقاده أو لخلو اخلاصه إلا قليلا الظاهر أنه منفصل أي لكنه في زمن قليل يذكر الله فيه بلسانه فقط وقال الطيبي تلك إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة والخبر بيان لما في الذهن ويجلس الخ جملة استئنافية بيان للجملة السابقة وإذا للشرط وقام جزاؤه والشرطية استئنافية وقوله فنقر من نقر الطائر الحبة نقرا أي التقطها وتخصيص الأربع بالنقر وفي العصر ثماني سجدات اعتبارا بالركعات وإنما خص العصر بالذكر لأنها الصلاة الوسطى وقيل إنما خصها لأنها تأتي في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم قال المظهر يعني من أخر صلاة العصر إلى الإصفرار فقد شبه نفسه بالمنافق فإن المنافق لا يعتقد صحة الصلاة بل إنما يصلي لدفع السيف ولا يبالي بالتأخير إذ لا يطلب فضيلة ولا ثوابا والواجب على المسلم أن يخالف المنافق رواه مسلم ورواه أبو داود والترمذي والنسائي قاله ميرك وعن ابن عمر قال قال رسول الله الذي تفوته أي بغير اختياره صلاة


العصر أي عن آخر الوقت وقيل عن الوقت المختار فكأنما وتر على بناء المفعول أي سلب وأخذ أهله وماله بنصبهما ورفعهما أي فكأنما فقدهما بالكلية أو نقصهما قال السيد روي بالنصب على أنه مفعول ثان لوتر وأضمر في وتر مفعول ما لم يسم فاعله وهو عائد على الذي تفوته فالمعنى أصيب بأهله وماله ومثله قوله تعالى أي ولن يتركم أعمالكم أي أو هو بمعنى سلب وهو متعد إلى مفعولين وروي بالرفع على أن وتر بمعنى أخذ فيكون أهله وماله هو المفعول الذي لم يسم فاعله في الفائق أي خرب أهله وماله وسلب من وترت فلانا إذا قتلت حميمة أو نقص وقلل من الوتر وهو الفرد ومنه قوله تعالى ولن يتركم أعمالكم محمد قال الطيبي لأنهم المصابون المأخوذون فمن رد النقص إلى الرجل نصبهما ومن رده إلى الأهل رفعهما ا ه أي نقص أهله وماله فبقي وترا فردا بلا أهل ومال يقال وتره حقه أي نقصه قيل معناه فوت صلاة العصر أكثر خسارا من فوت أهله وماله والأولى أن يقال معناه فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله بل أكثر منه قال ابن عبد البر ويحتمل أن يلحق بالعصر باقي الصلوات وقد نبه بالعصر على غيرها وخصت بالذكر لكونها الوسطى فتركها أقبح من غيرها وهذا متعين لا يحتمل غيره وإن عبر عنه بالإحتمال احتياطا لإحتمال خصوصية لم ندرك وجهها وقيل وجه تخصيص العصر في الآية والحديث لكونه وقت اشتغالهم بالبيع والشراء فيكون فيهما إيماء إلى قوله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله النور متفق عليه وعن بريدة قال قال رسول الله من ترك صلاة العصر أي عمدا ولذا لم يقل من فاتته حبط وفي نسخة صحيحة فقد حبط عمله أي بطل كمال عمل يومه ذلك إذ لم يثب ثوابا موفرا بترك الصلاة الوسطى فتعبيره بالحبوط وهو البطلان للتهديد قاله ابن


الملك يعني ليس ذلك من إبطال ما سبق من عمله فإن ذلك في حق من مات مرتدا لقوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة البقرة بل يحمل الحبوط على نقصان عمله في يومه لا سيما في الوقت الذي تقرر أن يرفع أعمال العباد إلى الله تعالى فيه ولأهل السنة دلائل مشهورة في الرد على المعتزلة لا حاجة إلى ذكرها قاله الطيبي يعني مذهب المعتزلة أن الكبائر تحبط الأعمال الصالحة وأما الإرتداد فمجرده محبط للأعمال عند الحنفية حتى يجب عليه إعادة الحج رواه البخاري وعن رافع بن خديج أنصاري أوسي لم يشهد بدرا لصغره وشهد أحدا وأصابه فيه سهم وانتقضت جراحته زمن عبد الملك بن مروان فمات قال كنا نصلي المغرب مع رسول الله أي جماعة فينصرف أحدنا أي من الصلاة وإنه أي والحال أن أحدنا ليبصر أي بعد الإنصراف مواقع نبله بفتح النون وسكون الموحدة أي مساقط سهمه قال الطيبي يعني يصلي المغرب في أول الوقت بحيث لو رمي سهم يرى أين سقط قلت ولا خلاف في استحباب تعجيل المغرب عند الفقهاء متفق عليه ورواه أحمد وأبو داود قاله ميرك وعن عائشة قالت كانوا أي النبي وأصحابه يصلون العتمة أي صلاة العشاء قال ابن الملك ولعل قولها العتمة للعشاء قبل ورود النهي عن تسميته بذلك ا ه أو قبل وصوله إليها وهو الأظهر فتدبر فيما بين أي في الوقت الذي هو بين أن يغيب الشفق أي وما بعده وحذف هذا مع أنه لا بد منه في صحة بين لدلالة قوله إلى ثلث الليل الأول بالجر صفة ثلث وهو آخر وقت الإختيار قال الطيبي الظاهر من العبارة أن يقول فيما بين مغيب الشفق وثلث الليل وتوجيهه أن يقدر لمغيب الشفق أجزاء ليختص بين بها ونجعل إلى ثلث الليل حالا من فاعل يصلون أي يصلون بين هذه الأوقات منتهين إلى ثلث الليل


وفيه أنه لا يلزم حينئذ أن تقع صلاة العشاء في أجزاء غيبوبة الشفق وأثنائها وهو غير صحيح وإنما المراد أنهم كانوا يصلونها بعد تحقق غيبوبة الشفق متفق عليه قال ميرك فيه نظر لأن الحديث من إفراد البخاري ورواه النسائي أيضا وعنها أي عن عائشة قالت كان رسول الله ليصلي الصبح قال ابن الملك اللام فيه للإبتداء وقد دخل الخبر وهو جائز عند الكوفية وعلى تقدير مبتدأ محذوف عند البصرية أي لهو يصلي فتنصرف النساء أي اللاتي يصلين معه وكن في ذلك الزمن على أعلى غاية الصيانة فما كان يتطرق إليهن ولا بهن فتنة ألبتة ولما حدثت الفتن لهن وبهن منعهن العلماء من ذلك ولقد قالت عائشة لو علم النبي ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل متلفعات بالنصب على الحالية أي مستترات وجوههن وأبدانهن قال الطيبي التلفع شدة اللفاع وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به بمروطهن المرط بالكسر كساء من صوف أو خز يؤتزر به وقيل الجلباب وقيل الملحفة ما يعرفن ما نافية أي ما يعرفهن أحد وفي رواية للبخاري ولا يعرف بعضهن بعضا من الغلس من ابتدائية بمعنى لأجل قاله الطيبي والغلس ظلمة آخر الليل ثم أنه يستعمل على الإتساع فيما بقى منه بعد الصباح وقيل من غلس المسجد أي من أجل ظلمته وعدم إسفاره لأنه ما كان يظهر النور فيه إلا بطلوع الشمس متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة أيضا وعن قتادة بصري سدوسي يعد في الطبقة الثالثة من تابعي البصرة كان أعمى


قاله الطيبي عن أنس أن نبي الله وفي نسخة أن النبي وزيد بن ثابت تسحرا أي أكلا السحور فلما فرغا من سحورهما بفتح السين اسم لما يتسحر به وقيل بضمها وهو مصدر قال الطيبي السحور بفتح السين هو المحفوظ أي من الرواة ولو ضم جاز في اللغة كالوضوء والوضوء قام نبي الله وفي نسخة قام النبي إلى الصلاة أي الصلاة المعهودة هنا وهي هنا صلاة الصبح فصلى أي إماما وهو معه قلنا لأنس كم كان أي المقدار قال ابن الملك اشتق منه مبتدأ وخبرها الجملة أي أي زمان كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة قال قدر بالنصب خبر لكان المقدر أي كان ما بينهما قدر ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الفاصلة قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية قال التوربشتي هذا تقدير لا يجوز لعموم المؤمنين الأخذ به وإنما أخذه رسول الله لإطلاع الله تعالى إياه وكان عليه الصلاة والسلام معصوما عن الخطأ في الدين نقله الطيبي وقال ابن الملك فإن كان رجل عارف حاذق بدخول الصبح يقينا بعلم النجوم جاز له هذا التأخير أيضا إلى هذا المقدار قلت من أين له اليقين مع احتمال خطئه في أمر الدين ولهذا لم يجوزوا له الصيام والفطر في رمضان بناء على علمه بالهلال والله تعالى أعلم رواه البخاري ورواه النسائي وأحمد قاله ميرك وعن أبي ذر قال قال رسول الله كيف أنت أي كيف الحال والأمر بك إذا كانت عليك أمراء جمع أمير ومنع صرفه لألف التأنيث أي كانوا أئمة مستولين عليك يميتون الصلاة أي يؤخرونها أي يؤخرونها أي الصلاة عن وقتها أي عن وقتها المختار شك من الراوي وقول ابن حجر شك أبو ذر محل بحث قال الطيبي أي ما حالك حين ترى من هو حاكم عليك متهاونا في الصلاة يؤخرها عن أول وقتها وأنت غير قادر على مخالفته إن صليت معه فاتتك فضيلة أول الوقت وإن خالفته خفت أذاه وفاتتك فضيلة الجماعة وعليك خبر كان أي كانت الأمراء مسلطين عليك قاهرين لك وفي الحديث إخبار


بالغيب وقد وقع في زمن بني أمية فكان معجزة قلت فما وفي نسخة فماذا تأمرني أي فما الذي تأمرني به أن أفعله في ذلك الوقت قال صل الصلاة لوقتها أي لوقتها المستحب فإن أدركتها بأن حضرتها معهم فصل كذا في الأصول المصححة من نسخ المشكاة بلا هاء وقال ميرك نقلا عن التصحيح وقع في كثير من نسخ المصابيح فصله على أنها هاء السكت والثابت في الصحيح فصلها أي الصلاة ا ه وقال بعض شراح المصابيح يروى فصل هكذا ويروى فصلها ويروى فصله أي الفرض أو ما أدركت أو هو هاء السكت وهو محمول على الظهر والعشاء عندنا وعند بعض الشافعية أن الصبح والعصر لا نفل بعدهما والمغرب لا تعاد عندنا لأن النفل لا يكون ثلاثيا وإن ضم إليها ركعة ففيه مخالفة للإمام وعند الشافعية لأنها تصير شفعا فإن أعادها يكره وظاهر الحديث الإطلاق فترفع الكراهة للضرورة إذ الضرورات تبيح المحظورات والمعنى فصلها معهم وهو يحتمل أن ينوي الإعادة أو النافلة فقول ابن حجر وفيه أن إعادة الصلاة مع الجماعة سنة ومن منعها محجوج بهذا غير صحيح بل يدل على أنه ينوي النافلة لا القضاء ولا الإعادة قوله فإنها لك نافلة أي فإنها لك زيادة خير وعليهم نقصان أجر رواه مسلم والأربعة قاله ميرك وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من أدرك ركعة قال البغوي أراد ركعة بركوعها وسجودها ففيه تغليب من الصبح أي صلاته قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح قال ابن الملك قيل معناه فقد أدرك وقتها فإن لم يكن أهلا للصلاة ثم صار أهلا وقد بقي من الوقت قدر ركعة لزمته تلك الصلاة وقيل معناه فقد أدرك فضيلة الجماعة ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر قال النووي قال أبو حنيفة تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس والحديث حجة عليه وجوابه ما ذكره صدر الشريعة أن المذكور في كتب أصول الفقه إن الجزء المقارن للأداء سبب لوجوب الصلاة وآخر وقت العصر وقت ناقص إذ هو


وقت عبادة الشمس فوجب ناقصا فإذا أداه أداه كما وجب فإذا اعترض الفساد بالغروب لا تفسد والفجر كل وقته وقت كامل لأن الشمس لا تعبد قبل طلوعها فوجب كاملا فإذا اعترض الفساد بالطلوع تفسد لأنه لم يؤدها كما وجب فإن قيل هذا تعليل في معرض النص قلنا لما وقع التعارض بين هذا الحديث وبين النهي الوارد عن الصلاة في الأوقات الثلاثة رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض والقياس رجح هذا الحديث في صلاة العصر وحديث النهي في صلاة الفجر وأما سائر الصلوات فلا تجوز في الأوقات الثلاثة المكروهة لحديث النهي الوارد إذ لا معارض لحديث النهي فيها متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا أدرك أحدكم سجدة أي ركعة اطلاقا للبعض على الكل أو سميت الركعة سجدة لإتمامها بها من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته أي ليكملها بالباقية وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته أي بالقضاء عندنا بأن يعيدها رواه البخاري وكذا أحمد والنسائي قاله ميرك ومناسبة هذا الحديث وما قبله لعنوان الباب غير ظاهرة وإنما ذكرهما استطرادا أو يقال فيهما إشارة إلى أن من أخر الصلاة إلى آخر أجزاء وقتها فلا يكون مقصرا ويصدق عليه أنه عجلها في الجملة حيث أداها قبل الفوت وعن أنس قال قال رسول الله من نسي صلاة أي من تركها نسيانا أو نام


عنها ضمن نام معنى غفل أي غفل عنها في حال نومه قاله الطيبي أو نام غافلا عنها فكفارتها هي في الأصل فعالة للمبالغة ثم صارت اسما للفعلة أو الخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تستر اثمها وتمحوه أن يصليها إذا ذكرها أي بعد النسيان أو النوم وقيل فيه تغليب للنسيان فعبر بالذكر وأراد به ما يشمل الإستيقاظ والأظهر أن يقال إن النوم لما كان يورث النسيان غالبا قابلهما بالذكر قال المظهر أي لا يكفرها غير قضائها أو لا يلزمه من نسيانها زيادة تضعيف ولا كفارة من صدقة كما يلزم في ترك الصوم أي من رمضان بلا عذر وكما يلزم المحرم إذا ترك شيئا من نسك فدية من دم أو طعام أو صيام قال ابن الملك والحديث يدل على أن الفائتة المتذكرة لا تتأخر وفي رواية لا كفارة لها إلا ذلك قال الطيبي أراد أنه زاد في رواية أخرى هذه العبارة لا أن هذه الرواية بدل عن الرواية السابقة لأن اسم الإشارة يقتضي مشارا إليه وهو قوله أن يصليها إذا ذكرها جيء بالثانية تأكيدا وتقريرا على سبيل الحصر لئلا يتوهم أن لها كفارة غير القضاء قال ميرك وفيه تأمل قلت يظهر وجهه في مراجعة الأصول متفق عليه أي بروايتيه قال ميرك ورواه الجماعة أي بقيتهم فإن الجماعة عبارة عن أرباب الصحاح الست وعن أبي قتادة قال قال رسول الله ليس في النوم أي في حاله تفريط أي تقصير ينسب إلى النائم في تأخيره الصلاة إنما التفريط أي يوجد في اليقظة أي في وقتها بأن تسبب في النوم قبل أن يغلبه أو في النسيان بأن يتعاطى ما يعلم ترتبه عليه غالبا كلعب الشطرنج فإنه يكون مقصرا حينئذ ويكون آثما فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها أي بعد النسيان أو النوم فإن الله تعالى قال أي وأقم الصلاة


لذكرى أي اللام فيه للوقت قال الطيبي الآية تحتمل وجوها كثيرة من التأويل لكن الواجب أن يصار إلى وجه يوافق الحديث لأنه حديث صحيح فالمعنى أقم الصلاة لذكرها يعني وقت ذكرها قال لأنه إذا ذكرها فقد ذكر الله يعني أقم الصلاة إذا ذكرتنا قال أو يقدر المضاف أي لذكر صلاتي أو وضع ضمير الله موضع ضمير الصلاة لشرفها وخصوصيتها ويؤيده قراءة من قرأ للذكرى ورواها ابن شهاب عن سعيد بن المسيب كذا روى النسائي وروى أيضا مسلم عن ابن شهاب أنه قرأ للذكرى وقال ابن حجر الآية لم تذكر للإستدلال بها بل لبعث المكلف على امتثال أمر النبي الذي يتضمنه قوله فليصلها وذلك أنه إذا خوطب الكليم بذلك مع عصمته عن الذنب ونسبة التفريط إليه فالأولى أن يخاطب به غيره ممن ليس بمعصوم ا ه وقد يقال العبرة بعموم اللفظ رواه مسلم قال ميرك وأبو داود
الفصل الثاني
عن علي رضي الله عنه أن النبي قال يا علي ثلاث أي من المهمات وهو المسوغ للإبتداء والمعنى ثلاثة أشياء وهي الصلاة والجنازة والمرأة ولذا ذكر العدد لا تؤخرها فإن في التأخير آفات بل تعجل فيها وهذه الأشياء مستثناة من الحديث المشهور العجلة من الشيطان الصلاة بالرفع أي منها أو احداها أو هي فالربط بعد العطف وقيل بالنصب على البدلية من الضمير أو بتقدير أعني إذا أتت بالتاءين مع القصر أي جاءت يعني وقتها المختار وفي نسخة بالمد والنون قال التوربشتي في أكثر النسخ المقروءة أتت بالتاءين وكذا عند أكثر المحدثين وهو تصحيف والمحفوظ من ذوي الاتقان آنت على وزن حانت يقال أنى يأنى أني إذا حان ذكره الطيبي وفيه بحث إذ الظاهر أن يقال من آن يئين أينا قال ابن الملك على وزن حانت من آن يئين أينا إذا دخل الوقت وقيل من أنى يأنى بمعنى حانت وقال الأبهري إذا أنت بفتح الهمزة من أني يأنى قلت ويؤيده قوله تعالى ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع الحديد وقال ميرك نقلا عن الأزهار


المشهور من الإتيان قيل وهو تصحيف والمحفوظ آنت على وزن حانت وبمعناه وفي شرح السنة أنه من أنى يأني أينا وهو أيضا بمعنى حان والجنازة بالوجهين المذكورين مع كسر الجيم وفتحها لغتان في النعش والميت وقيل الكسر للأول والفتح الثاني والأصح أنهما للميت في النعش إذا حضرت قال الأشرف فيه دليل على أن الصلاة على الجنازة لا تكره في الأوقات المكروهة نقله الطيبي وهو كذلك عندنا أيضا إذا حضرت في تلك الأوقات من الطلوع والغروب والإستواء وأما إذا حضرت قبلها وصلي عليها في تلك الأوقات فمكروهة وكذا حكم سجدة التلاوة وأما بعد الصبح وقبله وبعد العصر فلا يكرهان مطلقا والأيم بتشديد الياء المكسورة أي المرأة العزبة ولو بكرا إذا وجدت أنت أو وجدت هي لها كفؤا قال الطيبي الأيم من لا زوج له رجلا كان أو امرأة ثيبا كان أو بكرا والكفوء المثل وفي النكاح أن يكون الرجل مثل المرأة في الإسلام والحرية والصلاح والنسب وحسن الكسب والعمل رواه الترمذي بسند رجاله ثقات قاله ميرك وعن ابن عمر قال قال رسول الله الوقت الأول قال ابن الملك أي التعجيل فيه ا ه وخص منه بعض الأوقات أو المراد أول وقت المختار من الصلاة بيان للوقت قاله الطيبي والأظهر أن من تبعيضية والتقدير من أوقات الصلاة رضوان الله بكسر الراء وضمها أي سبب رضائه كاملا لما فيه من المبادرة إلى الخيرات والمسارعة إلى الطاعات وهو خبر إما بحذف مضاف أي الوقت الأول سبب رضوان الله لأنه عجل إلى عبادة الله وهو مؤد إلى رضاه أو على المبالغة أي الوقت الأول عين رضا الله تعالى عنه والوقت الآخر أي بحيث يحتمل أن يكون خروجا عن الوقت أو المراد به وقت الكراهة نحو الإصفرار في العصر والتجاوز عن نصف الليل في العشاء عفو الله في شرح السنة قال الشافعي رضوان الله تعالى إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين نقله الطيبي قلت ولعل الرحمة تكون للمتوسطين ثم رأيت ابن حجر ذكر أنه في رواية ووسطه رحمة


الله أي أن إباحة التأخير إلى وسطه من رحمة الله بعباده حيث أباح لهم ذلك ولم يوجب عليهم الأداء في أول الوقت ثم التقسيم يفيد أن أول الوقت هو الثلث الأول منه وهكذا قياس الباقي فتأمل فإنه مفيد جدا وقال ابن الملك عند أبي حنيفة تأخير الصبح إلى الإسفار والعصر ما لم تتغير الشمس والعشاء إلى ما قبل ثلث الليل أفضل لأن في تأخيرهن فضيلة انتظار الصلاة وتكثير الجماعة ونحوهما والعفو يجيء بمعنى الفضل قال تعالى ويسئلون
ماذا ينفقون قل العفو البقرة يعني انفقوا ما فضل عن قوتكم وقوت عيالكم فالمعنى في آخر الوقت فضل الله كثير ا ه والمختار أن المراد بأول الوقت الوقت المختار أو مطلق لكنه خص ببعض الأخبار رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب ا ه وفي سنده عبد الله بن عمر العمري الآتي في الحديث بعد قاله ميرك وقال ابن حجر هو ضعيف من سائر طرقه فليحمل تحسين من حسنه على أنه حسن لغيره وعن أم فروة أنصارية من المبايعات وهي غير أم فروة أخت أبي بكر الصديق وقيل هما واحدة فلا تكون حينئذ أنصارية ذكره الطيبي قالت سئل النبي أي الأعمال أفضل أي أكثر ثوابا قال الصلاة لأول وقتها قال ابن الملك اللام بمعنى في وقال الطيبي اللام للتأكيد وليس كما في قوله تعالى قدمت لحياتي أي وقت حياتي لأن الوقت مذكور ولا كما في قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن الطلاق أي قبل عدتهن لذكر الأول فيكون تأكيدا رواه أحمد والترمذي وأبو داود وقال الترمذي لا يروى الحديث أي هذا الحديث إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري أي ابن حفص بن عاصم بن الخطاب ذكره ميرك وهو ليس بالقوي وقال غيره بل هو حديث صحيح نقله ابن الملك عند أهل الحديث قال ميرك قد أخرج له الأربعة ومسلم موقوفا وتكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما صلى رسول الله صلاة لوقتها الآخر مرتين لعلها ما حسبت صلاته مع جبريل للتعلم وصلاته مع السائل للتعليم حتى قبضه الل


تعالى يعني أن أوقات صلاته عليه الصلاة والسلام كلها كانت في وقتها الإختياري إلا ما وقع من التأخير إلى آخره نادرا لبيان الجواز رواه الترمذي وقال حسن غريب وليس إسناده بمتصل قاله ميرك وفيه موضع تأمل وعن أبي أيوب أي الأنصاري قال قال رسول الله لا يزال بالتحتانية وقيل بالفوقية أمتي بخير أو قال على الفطرة أي السنة المستمرة أو الإسلام الذي لم يدخله تبديل في أركانه ومتمماته شك من الراوي ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم أي تصير مشتبكة كالشبكة قاله ابن الملك أي يظهر جميعها ويختلط بعضها ببعض وهذا يدل على أن لا كراهة بمجرد الطلوع وقال الطيبي أي تختلط لكثرة ما ظهر منها وفي شرح السنة اختار أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم تعجيل المغرب ا ه وما وقع من تأخيره عليه الصلاة والسلام في أحاديث صحيحة محمول على بيان الجواز رواه أبو داود وفي سنده محمد بن إسحاق صاحب المغازي وصرح بالتحديث فحديثه صحيح قاله ميرك ورواه وفي نسخة صحيحة وروى الدارمي عن العباس وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لولا أن أشق على أمتي أي لولا كراهة المشقة عليهم لأمرتهم أي وجوبا أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أي في الصيف أو نصفه أي في الشتاء قال ميرك أو يحتمل التنويع وهو الأظهر ويحتمل الشك من


الراوي رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح نقله ميرك وابن ماجه وعن معاذ بن جبل قال قال رسول الله اعتموا من باب الأفعال بهذه الصلاة أي العشاء والباء للتعدية أي ادخلوها في العتمة أو للمصاحبة أي ادخلوا في العتمة ملتبسين بهذه الصلاة فالجار والمجرور حال قال الطيبي يقال أعتم الرجل إذا دخل في العتمة وهي ظلمة الليل وقال الخليل العتمة من الليل ما بعد غيبوبة الشفق أي صلوها بعد ما دخلتم الظلمة وتحقق لكم سقوط الشفق ولا تستعجلوا فيها فتوقعوها قبل وقتها وعلى هذا لا يدل على أن التأخير أفضل يعني بل يكون بيانا لأول وقتها قال ويجوز أن يكون من أعتم الرجل أي قرى ضيفه في الليل أذا أخر مأخوذ من العتم الذي هو الإبطاء يعني فيكون دالا على أن التأخير أفضل وهو مقيد إلى الثلث أو النصف لما تقدم فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم قال الطيبي فيه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد النسخ ولم تصلها أمة قبلكم التوفيق بينه وبين قوله في حديث جبريل هذا وقت الأنبياء من قبلك والله أعلم أن صلاة العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم أي زائدة ولم تكتب على أممهم كالتهجد فإنه وجب على رسول الله ولم يجب علينا أو نجعل هذا إشارة إلى وقت الإسفار فإنه قد اشترك فيه جميع الأنبياء والأمم بخلاف سائر الأوقات قاله الطيبي وقال ميرك يحتمل أنه أراد أنه لم تصلها على النحو الذي تصلونها من التأخير وانتظار الإجتماع في وقت حصول الظلام وغلبة المنام على الأنام رواه أبو داود وسكت عليه قاله ميرك وعن النعمان بضم النون ابن بشير رضي الله تعالى عنهما قال أنا أعلم بوقت هذه الصلاة هذا من باب التحدث بنعمة الله عليه بزيادة العلم مع ما فيه من حمل السامعين على اعتماد مرويه ولعل وقوع هذا القول منه بعد موت غالب أكابر الصحابة وحفاظهم الذين هم أعلم بذلك منه صلاة العشاء بالجر على البدل وقيل بالنصب بتقدير


أعني الآخرة وفي نسخة الأخيرة صفة الصلاة كان رسول الله يصليها لسقوط القمر أي وقت غروبه أو سقوطه إلى الغروب لثالثة أي في ليلة ثالثة من الشهر قال الطيبي هو بدل من قوله لسقوط القمر أي وقت غروبه وفيه بحث والأظهر أنه متعلق بسقوط القمر ويؤيده ما في نسخة ليلة الثالثة بالنصب قال ميرك نقلا عن الأزهار إضافة الليل إلى الثالثة بتأويل العشية لئلا يلزم إضافة الموصوف إلى الصفة وعلى رأي الكوفيين لا يحتاج إلى تأويل قال ابن حجر والقمر غالبا يسقط في تلك الليلة قرب غيبوبة الشفق الأحمر وفيه أصرح دليل لمذهب الشافعي أن الأفضل تعجيل الصلاة لأول وقتها حتى العشاء ا ه وفيه أن هذا قول غير محرر فإن القمر في الليلة الثانية يقرب غيبوبة الشفق دون الثالثة فتدبر فإنها أمر مشاهد رواه أبو داود والدارمي وقال ميرك ورواه الترمذي والنسائي وسكت عليه أبو داود والمنذري وقال النووي إسناده جيد صحيح وعن رافع بن خديج قال قال رسول الله أسفروا بالفجر أي صلوها في وقت الإسفار أو طولوها إلى الإسفار وهو اختيار الطحاوي من أصحابنا فإنه أعظم للأجر قال ميرك أي صلوها مسفرين وقيل طولوها بالقراءة إلى الإسفار وهو إضاءة الصبح وهذا التأويل أقوى جمعا بين الأحاديث التي وردت في التغليس والإسفار قال صاحب الأزهار هكذا اختار الشارحون وليس بمختار في المذهب قال في شرح السنة حمله الشافعي على تيقن طلوع الفجر وزوال الشك ويؤيده ما ورد في بعض طرق الحديث بلفظ أصبحوا بدل أسفروا وحمله بعضهم على النسخ لحديث أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله أسفر مرة ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى قال الخطابي هو حديث صحيح الإسناد ذكره أبو داود وحمله بعضهم على الليالي المعتمة وبعضهم على الليالي المقمرة فإنه لا يتبين الصبح جدا وحمله بعضهم على الليالي القصيرة لإدراك النوام الصلاة قال معاذ بعثني رسول الله إلى اليمن فقال إذا كان في الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة


قدر ما يطيق الناس ولا تملهم وإذا كان في الصيف فاسفر بالفجر فإن الليل قصير والناس نيام فأمهلهم حتى يدركوا ذكره الشيخ في شرح السنة ا ه قال الإمام ابن الهمام تأويل
الإسفار بتيقن الفجر حتى لا يكون شك في طلوعه ليس بشيء إذ ما لم يتبين لم يحكم بصحة الصلاة فضلا عن إثابة الأجر على أن في بعض رواياته ما ينفيه وهو أسفروا بالفجر فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر والله تعالى أعلم رواه الترمذي وأبو داود والدارمي وفي بعض النسخ والنسائي وهو الظاهر لكنه خلاف النسخ المصححة قال ميرك ورواه النسائي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح وليس عند النسائي فإنه أعظم للأجر
الفصل الثالث
عن رافع بن خديج قال كنا نصلي العصر مع رسول الله أي غالبا أو أحيانا ثم تنحر بالتأنيث ويجوز التذكير وإنما عبر به لأنه السنة في الإبل ونحوه مما طال عنقه ويجوز فيه الذبح الجزور وهو البعير ذكرا كان أو أنثى إلا أن اللفظ مؤنثه يقال هذه الجزور وإن أردت ذكرا قاله الطيبي فعلى هذا يتعين تأنيث تنحر فتقسم بالتأنيث وما وقع في بعض النسخ بصيغة التذكير غير صحيح لما تقدم عشر قسم بيان للواقع ثم تطبخ وفي نسخة ثم نطبخ بالنون من باب نصر ومنع فنأكل لحما نضيجا أي مشويا قبل مغيب الشمس قال الطيبي وفي تخصيص القسم بالعشر والطبخ بالنضج وعطف تنحر على نصلي إشعار بامتداد الزمان وأن الصلاة واقعة أول الوقت قلت ولعله كان في أوقات الصيف وقال ابن الهمام في شرح الهداية إذا صلى العصر قبل تغير الشمس أمكن في الباقي إلى الغروب مثل هذا العمل ومن شاهد المهرة من الطباخين مع الرؤساء لم يستبعد ذلك متفق عليه وعن عبد الله بن عمر قال مكثنا بفتح الكاف وضمها أي لبثنا في المسجد


ذات ليلة أي ليلة من الليالي ننتظر رسول الله صلاة العشاء ظرف لقول ننتظر أي ننتظر رسول الله وقت صلاة العشاء الآخرة بالجر على النعت ولعل تأنيثها باعتبار مرادف العشاء وهو العتمة وجوز النصب على أنها صفة الصلاة أو بتقدير أعني فخرج إلينا حين ذهب أي مضى ثلث الليل أو بعده عطف على حين ذهب وأوشك للراوي فلا ندري أشيء وفي نسخة أي شيء شغله في أهله أي عن تقديمها المعتاد أو غير ذلك بأن قصد بتأخيرها إحياء طائفة كثيرة من أول الليل بالسهر في العبادة التي هي انتظار الصلاة وغير بالرفع عطف على شيء وبالجر عطف على أهله وفي نسخة أو في غير ذلك فقال حين خرج أي من الحجرة الشريفة إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم بالرفع على البدل وبالنصب على الإستثناء والأول هو المختار أي انتظار هذه الصلاة من بين سائر الصلاة من خصوصياتكم التي خصكم الله بها فكلما زدتم يكون الأجر أكمل مع أن الوقت زمن يقتضي الإستراحة فالمثوبة على قدر المشقة ولأن الذاكر في الغافلين كالصابر في الفارين وبهذا يندفع ما قاله ابن حجر من أنه لا دليل فيه لأفضلية تأخيرها لأن ثواب انتظار الصلاة يعم كل صلاة وأيضا يدل عليه ما قاله بعض إن الجماعة في العشاء أفضل منها في العصر وإن كانت العصر أفضل منها لكونها الوسطى ا ه ويرده أيضا قوله ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم أي دائما هذه الساعة قال الطيبي أي لزمت على صلاتها في مثل هذه الساعة ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى أي بالناس قال النووي اختلفوا هل الأفضل تقديم العشاء أو تأخيرها فمن فضل التأخير احتج بهذا الحديث ومن فضل التقديم احتج بأن العادة الغالبة لرسول الله تقديمها وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز أو عذر قلت في الإحتجاج الثاني نظر ظاهر لأنه عليه الصلاة والسلام نص على العذر للعمل بالعادة الغالبة فلا معنى لبيان الجواز أو عذر مع تحقق أن التأخير كان قصدا لا لعذر ولا يصر تردد الصحابي أولا


أنه لعذر أولا فقول ابن حجر وبهذا التردد يتعين أنه لا دليل فيه لأفضلية التأخير معلول بأنه غير معقول ومقبول والله أعلم ثم قال وأعلم أن التأخير المذكور في هذا الحديث لم يخرج به عن وقت الإختيار وهو نصف الليل أو ثلثه رواه مسلم وعن جابر بن سمرة قال كان رسول الله يصلي الصلوات نحوا أي قريبا
من صلاتكم أي في هذه الأوقات المعتادة لكم وكان يؤخر العتمة أي العشاء ولعله قال ذلك قبل وصول النهي إليه أو للتعريف لأنها أشهر عندهم بعد صلاتكم في وقتكم المعتاد شيئا أي يسيرا أو كثيرا وكان يخفف الصلاة قال ابن حجر أي إذا كان إماما وذلك أغلبي أيضا لما يأتي أنه عليه الصلاة والسلام طول بهم حيث قرأ الأعراف في ركعتي المغرب قلت ومع هذا كان خفيفا عليهم بخلاف صلاة غيره عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم رواه مسلم وعن أبي سعيد قال صلينا أي أردنا أن نصلي جماعة مع رسول الله صلاة العتمة أي العشاء الآخرة فلم يخرج حتى مضى نحو أي قريب من شطر الليل أي نصفه فقال أي فخرج فقال خذوا مقاعدكم أي الزموها وقول ابن حجر أي اصطفوا للصلاة لا دلالة عليه للحديث فأخذنا مقاعدنا أي ما تفرقنا عن أماكننا فقال إن الناس أي بقية أهل لأرض لما في خبر آخر لا ينتظرها أحد غيركم قاله ابن حجر وفيه بحث لأن الحديث محمول على أهل دين غيركم والمراد من الناس غير أهل مسجد النبي قد صلوا بفتح اللام وأخذوا مضاجعهم أي مفارشهم أو مكانهم للنوم يعني وناموا وإنكم لن تزالوا في صلاة أي حكما وثوابا ما انتظرتم الصلاة لأن المقصود من الصلاة ذكر الله تعالى وانتظار الفرج عبادة ولولا ضعف الضعيف من جهة اليقين أو البدن وسقم السقيم بضم السين وسكون القاف وبفتحهما لأخرت أي دائما هذه الصلاة أي العشاء إلى شطر الليل أي نصفه أو قريبا منه وهو الثلث كما تقدم رواه أبو داود والنسائي وعن أم سلمة قالت كان رسول الله أشد تعجيلا للظهر منكم وأنتم أشد


تعجيلا للعصر منه قال الطيبي ولعل هذا للإنكار عليهم بالمخالفة أقول الظاهر أن الخطاب لغير الأصحاب وفي الجملة يدل الحديث على استحباب تأخير العصر كما هو مذهبنا رواه أحمد والترمذي وعن أنس قال كان رسول الله إذا كان الحر أبرد بالصلاة أي بصلاة الظهر وهي متناولة للجمعة كما في رواية البخاري وإذا كان البرد عجل أي بها وبهذا يجمع بين الأخبار المتعارضة الظاهر في الظهر أنه كان يعجلها وأنه كان يؤخرها وأما ما وقع فيها من التعجيل حتى عند شدة الحر فقال البيهقي إنه منسوخ رواه النسائي وعن عبادة بن الصامت قال قال لي رسول الله إنها الضمير للقصة ويفسرها ما بعدها ستكون عليكم بعدي أمراء قال الطيبي مضى شرحه في
الفصل الأول
يشغلهم بالياء والتاء وفتح الغين وفي نسخة بضم الياء أو التاء وكسر الغين أشياء أي أمور عن الصلاة أي جنس الصلاة لوقتها أي لوقتها المختار حتى يذهب وقتها أي ويدخل وقت الكراهة فصلوا أي أنتم الصلاة لوقتها أي ولو منفردين لكن على وجه لا يترتب عليه فتنة ومفسدة فقال رجل يا رسول الله أصلي بحذف حرف الإستفهام معهم أي إذا أدركتها معهم قال نعم لأنها زيادة خير ودفع شر رواه أبو داود وعن قبيصة بن وقاص قال قال رسول الله إنها كذا في نسخة يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة أي عن أوقاتها المختارة فهي لكم وهي عليهم أي الصلاة المؤخرة عن الوقت نافعة لكم لأن تأخيركم للضرورة تبعا لهم ومضرة عليهم لأنهم


يقدرون على عدم التأخير وإنما شغلهم أمور الدنيا عن أمر العقبى وقال الطيبي أي إذا صليتم أول وقتها ثم صليتم معهم تكون منفعة صلاتكم لكم ومضرة الصلاة ووبالها عليهم لما أخروها كما في الفصل الأول في الحديث الثالث عشر فصلوا بضم اللام معهم أي مع الأمراء ما صلوا بفتح اللام القبلة أي ما داموا مصلين إلى نحو القبلة يعني قبلة الإسلام وهي الكعبة البيت الحرام رواه أبو داود وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار يعد في التابعين قاله المؤلف وقال الطيبي قرشي زهري وقيل ثقفي أنه دخل على عثمان وهو أي عثمان محصور أي محبوس في داره حصره أهل الفتنة من قبل اختلاط فسقة اجتمعوا عليه من مصر وغيرها لإرادة خلعه أو قتله لما زعموا من أمره بقتل محمد بن أبي بكر وغير ذلك مما هو بريء منه فقال أي عبيد الله إنك إمام عامة أي أنت خليفة وإمام المسلمين لإجماع أهل الشورى وغيرهم على إمامته ونزل بك ما ترى أي من البلاء ويصلي بنا إمام فتنة أي ويصلي بنا غيرك لأجل هذه الفتنة قال الأبهري وهو كنانة بن بشر ونتحرج أي نتحرز ونجتنب أن نصلي مع إمام الفتنة قال الطيبي التحرج التأثم فقال أي عثمان الصلاة أحسن ما يعمل الناس أي أفضل أعمال المسلمين فإذا أحسن الناس فأحسن معهم وإذا أساؤا فاجتنب إساءتهم أي لا تدع الصلاة التي هي أحسن أنواع الإحسان معهم قال الطيبي يريد بإمام الفتنة من أثار الفتنة وحصر أمير المؤمنين في بيته والمراد بإمامة العامة الإمامة الكبرى وهي الخلافة وبإمامة الفتنة الإمامة الصغرى وهي الإمامة في الصلاة فحسب وفي إيقاع إمام فتنة في مقابل إمام عامة إشارة إلى حقية إمامته وإجماع الناس عليها وبطلان من يناويه ثم انظر إلى إنصاف أمير المؤمنين بما أجاب وأثبت لهم الإحسان وأمر بمتابعة إحسانهم والإجتناب عن إساءتهم وأخرج الجملة مخرج العموم حيث وضع الناس موضع ضميرهم وفيه دليل على جواز الصلاة خلف الفرقة الباغية وكل فاجر رواه البخاري


باب فضائل الصلاة
كذا في نسخة وهو يحتمل التنوين والسكون قال ابن حجر أي في متممات فضائل الصلوات وأوقاتها ا ه وفي نسخة باب فضل الصلوات أو فضيلة الصلوات وفي نسخة في فضل الصلوات في مواقيتها بزيادة في وفي المصابيح فصل لا غير قال ابن الملك إنما أفرد هذا الفصل عما تقدم لأن أحاديثه من جنس آخر
الفصل الأول
عن عمارة بضم العين وتخفيف الميم ابن رويبة قال ميرك غير مهموز وقال الطيبي بهمزة وهو ثقفي عداده في الكوفيين قال سمعت رسول الله يقول لن يلج أي لن يدخل النار أحد أي أصلا للتعذيب أو على وجه التأييد لما في الحديث الصحيح إن من المسلمين من يأتي يوم القيامة وله صلاة وصيام وغيرهما وعليه ظلامات للناس فيأخذون أعماله ما عدا الصوم لاختصاص عمله به تعالى فإذا لم يبق له عمل وضع عليه من سيئاتهم ثم يلقى في النار صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر أي داوم على أدائهما قال الطيبي لن لتأكيد النفي قال المغني هذا مذهب الزمخشري في الكشاف كما أنها لتأييد النفي مذهبه في الأنموذج وفيه دليل على أن الورود في قوله تعالى وإن منكم إلا واردها مريم ليس بمعنى الدخول كذا قاله الطيبي وفيه بحث إذ


يمكن أن يكون الورود العام بمعنى الدخول المطلق وهو المرور ولذا ورد في بعض الأحاديث استثناؤه بقوله إلا تحلة القسم وخص الصلاتين بالذكر لأن الصبح لذيذ الكرى أي النوم والعصر وقت الإشتغال بالتجارة فمن حافظ عليهما مع المشاغل كان الظاهر من حالة المحافظة على غيرهما والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وأيضا هذان الوقتان مشهودان يشهدهما ملائكة الليل وملائكة النهار ويرفعون فيهما أعمال العباد ا ه فبالحري أن يقع مكفرا فيغفر له ويدخل الجنة رواه مسلم وأبو داود والنسائي قاله ميرك وعن أبي موسى قال قال رسول الله من صلى البردين أي الغدوة والعشي لبرد الهواء فيهما بالنسبة إلى وسط النهار أراد الصبح والعصر لكونهما في طرفي النهار أو الصبح والعشاء لوقوعهما أولا وآخرا للصلوات وتقدم وجه التخصيص بهما فيكون ما بينهما من الذنوب محرزا ببركتهما أو مكفرا دخل الجنة أي دخولا أوليا متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله يتعاقبون فيكم أي يجيء أحد عقب أحد وطائفة غب طائفة وقياسه يتعاقب لأن فاعله مذكور بعده وهو ملائكة بالليل فهو إما بدل من ضمير يتعاقبون أو مبتدأ أو فاعل له والواو علامة له وملائكة بالنهار وهم الذين يكتبون أعمال العباد وقيل غيرهم قال النووي قيل الواو علامة الفاعل وهي لغة بني الحرث وحكوا فيه قولهم أكلوني البراغيث وعليه حمل الأخفش قوله تعالى وأسروا النجوى الذين ظلموا الأنبياء وقال أكثر النحويين الاسم بدل من الضمير أي يتعاقبون في نزولهم فتنزل ملائكة النهار قبل الفجر وتصعد بعد العصر وتنزل ملائكة الليل قبل العصر وتصعد بعد الفجر ومن ثم قال ويجتمعون في صلاة الفجر أي أولها وصلاة


العصر أي آخرها واجتماعهم في الوقتين من لطف الله ليكونوا شاهدين بما شهدوه من الخير وقيل خصتا لأن العبادة فيهما مع كونهما وقت اشتغال وغفلة أدل على الخلوص قيل وفيه تحريض الناس على المواظبة على الطاعة في هذين الوقتين ثم يعرج الذين باتوا فيكم إيذان بأن ملائكة الليل لا يزالون يحافظون العباد إلى الصبح وكذلك ملائكة النهار إلى الليل فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم أي منهم وسؤالهم تعبد لملائكته كما يكتب الأعمال وهو أعلم بالجميع وقيل سؤاله تعالى من الملائكة لأنه يتباهى بعبادة العاملين أو للتوبيخ على القائلين أتجعل فيها من يفسد فيها كيف تركتم عبادي أي على أي حالة تركتموهم عليها قال ميرك اقتصر على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا اكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر أو لأن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل أو لأن الليل مظنة المعصية فلما لم يقع منهم عصيان كان النهار أولى بذلك أو يحمل باتوا على معنى أعم من المبيت بالليل والإقامة بالنهار ويؤيده رواية النسائي بلفظ ثم يعرج الذين كانوا فيكم أو يحمل على اقتصار الراوي ويدل عليه رواية ابن خزيمة في صحيحه فإن فيها التصريح بسؤال كلتا الطائفتين فيقولون تركناهم وهم يصلون أي الصبح والجملة حال وأتيناهم أي وجئناهم ونزلنا عليهم وهم يصلون أي العصر متفق عليه ورواه النسائي وأحمد قاله ميرك وعن جندب بضمهما وتفتح الدال القسري بفتح القاف وسكون السين المهملة كذا صححه النووي وهو كذلك في جميع النسخ المقروءة المصححة الحاضرة من نسخ المشكاة وقال التوربشتي في سائر نسخ المصابيح القشري بضم القاف والشين المعجمة وهو غلط نقله الطيبي قال قال رسول الله من صلى صلاة الصبح أي بإخلاص فهو في ذمة الله أي في عهده وأمانه في الدنيا والآخرة وهذا غير الأمان الذي ثبت بكلمة التوحيد فلا يطلبنكم الله أي لا يؤاخذكم من باب لا أرينك المراد نهيهم عن التعرض لما يوجب مطالبة الله إياهم من ذمته من


بمعنى لأجل والضمير في ذمته إما لله وإما لمن والمضاف محذوف أي لأجل ترك ذمته بشيء أي يسير أو بيانية والجار والمجرور حال من شيء وفي المصابيح بشيء من ذمته قيل أي بنقض عهده وإخفار ذمته بالتعرض لمن له ذمة أو المراد بالذمة الصلاة الموجبة للأمان أي لا تتركوا صلاة الصبح فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم فيطالبكم به فإنه الضمير للشأن والفاء لتعليل
النهي من يطلبه بالجزم أي الله تعالى من ذمته أي من أجل ذمته بشيء ولو يسيرا يدركه بالجزم أي الله إذ لا يفوت منه هارب ثم يكبه بالرفع أي هو يكبه على وجهه وبالفتح عطفا على يدركه ويمكن أن يكون بالضم مجزوما أيضا في نار جهنم والمعنى لا تتعرضوا له بشيء ولو يسيرا فإنكم إن تعرضتم له يدرككم الله ويحيط بكم ويكبكم في النار قال الطيبي وإنما خص صلاة الصبح لما فيها من الكلفة وأداؤها مظنة خلوص الرجل ومتنة إيمانه أي علامته ومن كان خالصا كان في ذمة الله رواه مسلم والترمذي قاله ميرك وفي بعض نسخ المصابيح القشيري بضم القاف وفتح المعجمة وهو مرفوع ويخفض على الحكاية وفي نسخة القشري بدل القسري وقد تقدم ضبطهما وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لو يعلم الناس أي لو علموا ففي المضارع إشارة إلى استمرار العلم وأنه مما ينبغي أن يكون على بال ما في النداء أي التأذين والإقامة من الفضل والثواب أطلق مفعول يعلم ولم يبين أن الفضيلة ما هي ليفيد ضربا من المبالغة وإنه مما لا يدخل تحت العبارة ونظيره قوله تعالى أي فغشيهم من اليم ما غشيهم أي وكذا تصويره حالة الإستباق بالإستهام فيه مبالغة لأنه لا يقع إلا في أمر يتنافس فيه لا سيما إخراجه مخرج الحصر والصف الأول وهو الذي غير مسبوق بصف آخر فيشمل الجهات الأربع خلف الكعبة بل ربما تترجح الجهة التي هي أقرب إلى الكعبة وقال ابن حجر الأول عندنا هو الذي يلي الإمام وأن تخلله أو حجز بينهما نحو سارية أو منبر ا ه وإنما أخره عن النداء دلالة على تهيؤ


المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول والوقوف بين يدي رب العزة ثم لم يجدوا أي للتمكن من النداء والصف إلا أن يستهموا أي بأن يقترعوا عليه أي على السبق إليه والإستهام الإقتراع قيل سمي بذلك لأنها سهام يكتب عليها الأسماء فمن وقع له منها سهم فاز بالحظ المقسوم والتقدير إلا بالإستهام وطلب السهم بالقرعة لاستهموا يعني لتنازعوا في النداء والصف حتى اختصوا بالنداء وأخذوا الموضع من الصف الأول بالقرعة وأتى بثم المؤذنة بتراخي رتبة الإستباق عن العلم قال


بعضهم ويحتمل أن يكون المراد بالنداء الإقامة على تقدير مضاف وهو أوفق لما بعده أي لو يعلم الناس ما في حضور الإقامة وتحريمة الإمام والوقوف في الصف الأول وثم هنا للإشعار بتعظيم الأمر وبعد الناس عنه ولو يعلمون ما في التهجير أي في المسارعة إلى الطاعة من الفضيلة والكرامة لاستبقوا أي لبادلوا إليه قال الطيبي لما فرغ من الترغيب في الصف الأول عقبه بالترغيب في إدراك أول الوقت وبهذا وجب أن يفسر التهجير بالتبكير كما ذهب إليه الكثيرون في النهاية التهجير التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه وهي لغة حجازية أراد المبادرة إلى وقت الصلاة ا ه وقيل التهجير السير في الهاجرة وهي نصف النهار عند اشتداد الحر إلى صلاة الظهر وإلى صلاة الجمعة وفسره الأكثرون بالتبكير أي المضي إلى الصلاة في وقتها فمنهم من قال إلى الجمعة ومنهم من قال إلى كل صلاة والمراد هو الأول لقوله عليه الصلاة والسلام مثل المهجر كالذي يهدي بدنة قال القاضي لا يقال الأمر بالإبراد ينافي الأمر بالتهجير والسعي إلى الجمعة بالظهيرة لأن هذا الأمر سنة والإبراد رخصة كما ذهب إليه كثير من أصحابنا أو الإبراد تأخير قليل لا يخرج بذلك عن التهجير فإن الهاجرة تطلق على الوقت إلى أن يقرب العصر ولو يعلمون ما في العتمة أي صلاة العشاء الآخرة والصبح أي صلاتها وخصتا لأنهما وقت النوم والغفلة والكسل عن العبادة فحث عليهما لأنهما مظنة التفويت لأتوهما ولو حبوا أي ولو كان الإتيان حبوا أي زحفا وهو مشي الصبي على أربع أو دبيبه على استه وقيل التقدير ولو كانوا حابين متفق عليه ورواه أحمد قاله ميرك وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ليس صلاة أثقل بالنصب خبر ليس وقال ابن حجر ليس إما حرف بمعنى لا كما أشار إليه سيبويه وإما فعل ناسخ وحينئذ فمسوغ كون اسمها الذي هو مبتدأ في الأصل نكرة لوقوعه بعد نفي وفيه دليل على صحة استعمال ليس للنفي العام المستغرق للجنس ويؤيده الإستثناء منه


في قوله تعالى ليس لهم طعام إلا من ضريع الغاشية ا ه وقال المغني الصواب الثاني بدليل لست لستما وليسوا وليست وتلازم رفع الاسم ونصب الخبر وقيل قد تخرج عن ذلك في مواضع أحدها أن يكون ناصبا للمستثنى بمنزلة إلا نحو أتوني ليس زيدا والصحيح أنها الناسخة وإن اسمها ضمير راجع للبعض المفهوم مما تقدم
واستتاره واجب فلا يليها في اللفظ إلا المنصوب وهذه المسألة كانت سبب قراءة سيبويه النحو وذلك أنه جاء إلى حماد بن سلمة لكتابة الحديث فاستملى منه قوله عليه الصلاة والسلام ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء فقال سيبويه ليس أبو الدرداء فصاح به حماد لحنت يا سيبويه إنما هذا استثناء فقال والله لأطلبن علما لا تلحنني معه ثم مضى ولزم الأخفش وغيره ا ه والظاهر أن قوله استثناء يعني به معنى بدليل لزومه النصب على المنافقين وخصوا بالذكر لأنهم طبعوا على الكسل عن العبادة وأنهم لم يصلوا إلا رياء وسمعة وفي ذكرهم هنا غاية التحذير عن التشبه بهم وفيه إيماء إلى أن المخلصين على خلاف ذلك من الفجر والعشاء وقال ابن الملك لأن العشاء وقت الإستراحة والصبح في الصيف وقت لذة النوم وفي الشتاء وقت شدة البرد ولو يعلمون ما فيهما من الأجر والثواب لأتوهما ولو حبوا متفق عليه ورواه أحمد قاله ميرك وعن عثمان رضي الله عنه قال قال رسول الله من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل أي النصف الأول يعني كإحيائه بالصلاة والذكر لما في صلاة العشاء سيما مع الجماعة المستدعية للسعي إلى المسجد حتى في الظلم أو الباعثة على انتظار الصلاة فيه مع فضيلة الإعتكاف من عظيم المشقة الناشيء تحملها عن كمال الإخلاص وظهور الخوف من جلال الله والرجاء إلى جماله تعالى ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل عبر هنا بصلى وفيما سبق بقام تفننا وإيماء إلى أن صلاة الليل تسمى قياما كله أي بانضمام ذلك النصف فكأنه أحيا نصف الليل الأخير أو يكون إشارة


إلى أن قيام الصبح أفضل من قيام صلاة العشاء فإنه أشق وأصعب على النفس وأشد على الشيطان فإن ترك النوم بعد الدخول فيه أشق من إرادة الدخول فيه إذ الكسل يستولي في الأول أكثر فتكون مجاهدته على الشيطان أكبر رواه مسلم وأبو داود والترمذي قاله ميرك
وعن ابن عمر قال قال رسول الله لا يغلبنكم بالتذكير ويؤنث الأعراب وهم سكان البوادي خاصة والمراد أعراب الجاهلية على اسم صلاتكم يقال غلبته على الشيء أخذته منه المغرب يجوز رفعه على أنه خبر المبتدأ أي هي ونصبه بتقدير أعني وجره على الصفة أو البدل وهو الأولى قال ويقول بالتذكير ويؤنث الأعراب هي أي المغرب العشاء أي لا تكثروا استعمال العشاء على المغرب على وفق استعمالهم فتغلب تسميتهم على تسميتكم بل سموها المغرب فالنهي ظاهرا للأعراب وحقيقة للأصحاب وقال لا يغلبنكم بالوجهين الأعراب على اسم صلاتكم العشاء بالوجوه الثلاثة والمعنى لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية العشاء بالعتمة فتغصب منكم اسم العشاء التي سماها الله تعالى أي لا يليق العدول عما في كتاب الله من تسميتها عشاء إلى ما ألفه الأعراب من تسميتها عتمة ولعل حكمة العدول عنه قبح لفظه إذا العتمة شدة الظلام والصلاة هي النور الأعظم فلا يليق أن يوضع لها لفظ يدل على نقيضها والفاء في قوله فإنها في كتاب الله العشاء علة للنهي وفي قوله فإنها تعتم علة للتسمية يعني أنها في كتاب الله تعالى تسمى بالعشاء قال الله تعالى من بعد صلاة العشاء النور وهم يسمونها بالعتمة لأنها تعتم بحلاب الإبل فإن العرب كانوا يحتلبون الإبل بعد غيبوبة الشفق حين يمد الظلام رواقه وسمي ذلك الوقت العتمة وقيل كانوا يؤخرون الحلاب إلى الظلمة ويسمون ذلك الوقت العتمة فهو من باب تسمية الشيء باسم وقته أي لا تطلقوا هذا الاسم على العشاء لئلا يغلب مصطلحهم على ما جاء في كتاب الله تعالى وقوله لأنها تعتم روي مجهولا فالضميران للصلاة ومعلوما فهما للأعراب قاله


ابن الملك وقال السيد تعتم معروف لرواية فإنهم يعتمون ويجوز كونه مجهولا والضمير للصلاة ا ه فالأصح رواية
والأوضح دراية صيغة المعلوم والباء في بحلابها سببية قال الطيبي وأما ما جاء في حديث أبي هريرة ما في العتمة قيل ذلك كان قبل نزول الآية التي فيها ذكر صلاة العشاء وفيه بحث لأن نزول الآية مقدم على ما تقرر في التاريخ والوجه أنه كان في صدر الإسلام جائزا فلما كثر اطلاقهم وجرت ألسنتهم نهاهم لئلا يغلب لسان الجاهلية يعني فرواه أبو هريرة على ما سمعه قبل النهي ويحتمل أنه سمعه بلفظ العشاء ولم يبلغه النهي فرواه بالمعنى وقال النووي في الجواب وجهان الأول أن استعمال العتمة بيان للجواز والنهي عنه للتنزيه الثاني أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء لأنها أشهر عند العرب من العشاء وإنما كانوا يطلقون العشاء على المغرب رواه مسلم قال ميرك فيه نظر لأن الجملة الأولى مروية في البخاري من حديث عبد الله بن مغفل المزني عن النبي قال صاحب التخريج ولم أره في غير البخاري وكذا قال الشيخ الجزري رواه البخاري من حديث عبد الله بن مغفل وأما الجملة الثانية فمن أفراد مسلم ومنشأ توهم صاحب المشكاة إن محيي السنة رحمه الله أورد الحديثين في المصابيح أحدهما عقيب الآخر وقال في الآخر رواه ابن عمر فظن المصنف أنه حديث واحد مروي عن ابن عمر فوقع فيما وقع والله تعالى أعلم ثم قال ميرك ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله قال يوم الخندق وهو يوم الأحزاب وكان في ذي القعدة قيل سنة أربع ورجحه البخاري قال الولي العراقي وهو المشهور وقيل سنة خمس وعليه كثيرون سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره عليه الصلاة والسلام لما أشار به سلمان الفارسي فإنه من مكائد الفرس دون العرب وعمل فيه عليه الصلاة والسلام بنفسه كثيرا ترغيبا للمسلمين فإنهم قاسوا في حفره شدائد منها شدة الجوع والبرد وكثرة الحفر والتعب


وأقاموا في محل حفره عشرين ليلة أو خمسة عشر يوما أو شهرا أقوال وسميت بالأحزاب لإجتماع طوائف من المشركين قريش
وغطفان واليهود ومن معهم على حرب المسلمين وهم كانوا ثلاثة آلاف حبسونا قال الطيبي كذا في رواية البخاري ونسخ المصابيح أي منعنا الكفار باشتغالنا بحفر الخندق لأجل دفعهم يعني شغلونا عن صلاة الوسطى قال الطيبي أي الصلاة الوسطى يعني عن فعل الصلاة الوسطى وقال ابن حجر هي عند الكوفيين من إضافة الموصوف إلى الصفة والبصريون يقدرون محذوفا أي عن الصلاة الوسطى أي عن فعلها صلاة العصر بالجر بدل من صلاة الوسطى أو عطف بيان لها وهو مذهب أكثر الصحابة قاله ابن الملك وقال النووي في مجموعه الذي يقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار وقال الماوردي نص الشافعي أنها الصبح وصحت الأحاديث أنها العصر فكان هذا هو مذهبه لقوله إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بمذهبي عرض الحائط وقال الطيبي وهذا مذهب كثير من الصحابة والتابعين وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد وداود والحديث نص فيه وقيل الصبح وعليه بعض الصحابة والتابعين وهو مشهور مذهب مالك والشافعي وقيل الظهر وقيل المغرب وقيل العشاء وقيل أخفاها الله تعالى في الصلوات كليلة القدر وساعة الإجابة في الجمعة ا ه وقيل صلاة الضحى أو التهجد أو الأوابين أو الجمعة أو العيد أو الجنازة وزاد البخاري بعد قوله صلاة العصر حتى غربت الشمس ولا يعارضه ما في مسلم عن ابن مسعود أنه إلى احمرار الشمس أو اصفرارها لأن الحبس وإن انتهى إلى هذا الوقت لكن الصلاة لم تقع إلا بعد المغرب إذ لم يبق من الوقت ما يسعها مع طهرها ونحوه ويؤيده ما في البخاري عن ابن عمر أنه جاء بعد ما كادت الشمس تغرب فقال والله ما صليتها فنزل بطحان فتوضأ وتوضؤا فصلى العصر بعد ما غربت الشمس وقضية هذه الرواية أنه عليه الصلاة والسلام لم يفته غير العصر وفي الترمذي أربع صلوات ولا تعارض لأن الوقعة استمرت أياما فكان كل في يوم


وفي إسناد الحبس إليهم إشارة إلى أن التأخير كان بسبب الإشتغال بقتالهم وأنهم كانوا مانعين لصلاتهم قال العلماء يحتمل أنه نسي بسبب ذلك الإشتغال ويحتمل أنه كان متعمدا وآثر الإشتغال بهم عليها لأنه كان قبل نزول صلاة الخوف ملأ الله دعاء عليهم وأخرجه في صورة الخبر تأكيدا وإشعارا بأنه من الدعوات المجابة سريعا وعبر بالماضي ثقة بالإستجابة فكأنه أجيب سؤاله فأخبر عن وجود إجابته ووقوعها ولذا قالوا غفر الله لفلان أبلغ من اللهم اغفر له بيوتهم بكسر الباء وضمها وقبورهم نارا قال الطيبي أي جعل الله النار ملازمة لهم في الحياة والممات وعذبهم في الدنيا والآخرة وقيل أراد عذاب الدنيا من تخريب البيوت ونهب الأموال وسبي الأولاد وعذاب الآخرة باشتعال قبورهم نارا أو الأسلوب من باب المشاكلة لذكر النار في البيوت أو من باب الإستعارة استعيرت النار للفتنة متفق عليه ورواه أحمد قاله ميرك

الفصل الثاني
عن ابن مسعود وسمرة بن جندب بضم الجيم والدال وتفتح قالا قال رسول الله صلاة الوسطى صلاة العصر لأنها وسطى بين صلاتي النهار وصلاتي الليل ولأن السوق كانت تقوم ذلك الوقت فكانت مظنة الإشتغال بها عنها فخصت بالذكر لذلك رواه الترمذي وقال حسن صحيح ذكره ميرك وعن أبي هريرة عن النبي في قوله تعالى إن قرآن الفجر أي صلاة الفجر سميت قرآنا وهو القراءة لأنها ركن منها كما سميت ركعة وسجدة وهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار وفائدة تسميته بالقرآن الحث على طول القراءة فيها قاله الطيبي كان مشهودا أي محضورا قال تشهده بالتأنيث ويذكر أي تحضره ملائكة الليل وملائكة النهار استئناف مبين رواه الترمذي كان مقتضى دأبه أن يقول رواهما الترمذي قال ابن حجر وابن ماجه وسنده حسن
الفصل الثالث
عن زيد بن ثابت وعائشة أي موقوفا قالا الصلاة الوسطى صلاة الظهر لأنها


وسط طرفي النهار رواه مالك عن زيد أي وحده والترمذي عنهما أي عن زيد وعائشة جميعا تعليقا التعليق يستعمل فيما حذف من مبدأ إسناده واحد أو أكثر كقال ابن عباس كذا واستعمله بعضهم في حذف كل إسناد كقال عليه الصلاة والسلام كذا وعن زيد بن ثابت قال كان رسول الله يصلي الظهر بالهاجرة أي في شدة الحر عقب الزوال ولم يكن يصلي صلاة أشد أي أشق وأصعب على أصحاب رسول الله منها ولذا كانوا يسجدون على ثيابهم فيها مع أن عادتهم السجود على الأرض رعاية للأفضل لما فيه من الخضوع والخشوع والتذلل في العبودية بين يدي الرب فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال الطيبي أي ما كان ينبغي أن تضيعوها لثقلها عليكم فإنها الوسطى أي الفضلى ا ه إذ الأوسط الأفضل وواسطة العقد أشرف ما فيه وقيل لأنها أول صلاة ظهرت وصليت مع أن فرض الصلوات كان ليلا فهذا دليل على مزيد الإعتناء بها قال أي الراوي وهو زيد أو قال النبي والأول هو الصواب قاله السيد إن قبلها صلاتين أي إحداهما نهارية وأخرى ليلية وبعدها صلاتين أي كذلك أو هي واقعة وسط النهار والظاهر أن هذا اجتهاد من الصحابي نشأ من ظنه أن الآية نزلت في الظهر فلا يعارض نصه عليه الصلاة والسلام إنها العصر رواه أحمد وأبو داود وعن مالك بلغه أي وصل إليه أن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس كانا يقولان الصلاة الوسطى صلاة الصبح لأنها واقعة بين صلاتي الليل وصلاتي النهار أو لدخول وقتها والناس في أطيب نوم فخصت بالمحافظة ولعل هذا أيضا اجتهاده منهما ولم يبلغهما النص المذكور عنه عليه الصلاة والسلام أو قالا ذلك بطريق الإحتمال رواه أي مالك في الموطأ بالهمزة وقيل بالألف وفيه أنه ينحل الكلام إلى أن مالكا رواه في الموطأ عن مالك بلغه ولا يخفى ما فيه من الحزازة فكان حق المصنف أن يقول أولا عن علي وابن عباس الخ ثم يقول رواه مالك في الموطأ بلاغا فإن مالكا ليس من الرواة بل من المخرجين


ورواه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقا وعن سلمان قال سمعت رسول الله يقول من غدا أي ذهب في الغدوة إلى صلاة الصبح غدا براية الإيمان أي بعلمه ولوائه وألفها منقلبة عن ياء على ما في القاموس ومن غدا إلى السوق غدا براية إبليس قال الطيبي تمثيل لبيان حزب الله وحزب الشيطان فمن أصبح يغدو إلى المسجد كأنه يرفع أعلام الإيمان ويظهر شعائر الإسلام ويوهن أمر المخالفين وفي ذلك ورد الحديث فذلكم الرباط ومن أصبح يغدو إلى السوق فهو من حزب الشيطان يرفع أعلامه ويشيد من شوكته وهو في توهين دينه وفي قوله غدا إشارة إلى أن التبكير إلى السوق محظور فمن راجع إليه بعد أداء وظائف طاعته لطلب الحلال وما يتقوم به طلبه للعبادة ويتعفف عن السؤال كان من حزب الله تعالى رواه ابن ماجه وسنده حسن


باب الأذان
أي مشروعيته كيفية وكمية والأذان هو الإعلام وأما الأذان المتعارف فهو من التأذين كالسلام من التسليم كذا قيل والظاهر أنه بمعنى الإعلام أيضا قال تعالى وأذان من الله ورسوله التوبة وقال عز من قائل فأذن مؤذن بينهم الأعراف وقال ابن حجر هو لغة الإعلام وشرعا قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة وخرج بها الأذان الذي يسن لغير الصلاة كالأذان في أذن المولود اليمنى والإقامة في اليسرى ويسن أيضا عند الهم وسوء الخلق لخبر الديلمي عن علي رآني النبي حزينا فقال يا ابن أبي طالب إني أراك حزينا فمر بعض أهلك يؤذن في أذنك فإنه درء الهم قال فجربته فوجدته كذلك وقال كل من رواته إلى علي أنه جربه فوجده كذلك وروى الديلمي عنه قال قال رسول الله من ساء خلقه من إنسان أو دأبة فأذنوا في أذنه ا ه والأذان سنة الفرائض وقيل واجب لقول محمد لو أن أهل بلدة أجمعوا على ترك الأذان لقاتلتهم عليها ولو تركها واحد
لضربته وحبسته وأجيب بأن هذا لا يدل على الوجوب لأنه قال أيضا لو ترك أهل بلدة سنة لقاتلتهم عليها ولو تركها واحد لضربته


الفصل الأول
عن أنس قال ذكروا أي الصحابة لإعلام وقت الصلاة النار والناقوس أي ذكر جمع منهم إيقاد النار وجمع ضرب الناقوس وهو خشبة طويلة يضربها النصارى بأخرى أقصر منها لإعلام وقت الصلاة فذكروا أي الصحابة اليهود والنصارى أي التشبه بهما قيل أي ذكروا أن النار والناقوس لهما والمشهور أن اليهود كانوا ينفخون في قرن وقد ذكر ذلك في حديث من أحاديث الأذان ولم تذكر النار إلا في حديث أنس فلعلهم صنعوا الأمرين أو كانوا فريقين فريق يوقد النار وفريق ينفخ في القرن وقال الطيبي يشبه أن يكون ذكر الأول بمعنى الوصف والفاء في الثاني للسببية يعني وصفوا لرسول الله لإعلام الناس وقت الصلاة إيقاد النار لظهورها وضرب الناقوس لصوته فكان ذلك سببا لذكر اليهود والنصارى قال القاضي لما قدم عليه السلام المدينة وبنى المسجد شاور الصحابة فيما يجعل علما للوقت فذكر جماعة من الصحابة النار والناقوس وذكر آخرون منهم أن النار شعار اليهود والناقوس من شعار النصارى فلو اتخذنا أحدهما التبس أوقاتنا بأوقاتهم فتفرقوا من غير اتفاق على شيء فأهتم عبد الله بن زيد لهم رسول الله فنام فرأى في المنام أن رجلا ينادي بالصلاة قائلا الله أكبر الله أكبر الخ فذكر ذلك له عليه الصلاة والسلام فقال إن هذه الرؤيا حق قم مع بلال فأذنا فإنه أندى أي أرفع صوتا منك فلما أذنا وسمع عمر رضي الله عنه أتى النبي فقال والذي بعثك بالحق نبيا لقد رأيت مثل ما قال فقال عليه الصلاة والسلام فلله الحمد روي أنه رأى الأذان في المنام تلك الليلة أحد عشر رجلا من أصحاب رسول الله فأمر بلال على بناء المجهول أي أمره عليه السلام أن يشفع الأذان أي بأن


يأتي بألفاظه شفعا قاله الطيبي أي يقول كل كلمة مرتين سوى آخرها قاله ابن الملك وأن يوتر الإقامة أي ويقول كلمات الإقامة مرة مرة سوى التكبير في أولها وآخرها قال الطيبي فيه دليل على أن الإقامة فرادى وهو مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وإليه ذهب الزهري ومالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق ا ه وسيأتي دليل أبي حنيفة ومن وافقه من العلماء قال إسماعيل أي ابن علية قاله ميرك فذكرته أي الحديث لأيوب هو السخستاني قاله ميرك وفي التقريب أنه رأى أنسا فقال أي أيوب إلا الإقامة أي إلا لفظة الإقامة وهي قد قامت الصلاة فإن بلالا يقولها مرتين متفق عليه ورواه الأربعة قاله ميرك وعن أبي محذورة اسمه سمرة أو سلمة بن مغيرة قاله ميرك قال ألقي أي أملى علي رسول الله التاذين هو بنفسه قال الطيبي أي لقنني كل كلمة من هذه الكلمات رسول الله يعني أبو محذور تصوير تلك الحالة ولهذا عدل عن الماضي إلى المضارع في قوله ثم تعود فتقول ا ه والظاهر أنه عدول عن الأمر إلى المضارع لقوله فقال قل وبيانه أن ثم تعود عطف على قل لا على ألقي فتأمل الله أكبر بسكون الراء وترفع ذكر في النهاية والغريبين أن الراء في أكبر ساكنة في الأذان والصلاة كذا سمع موقوفا غير معرب في مقاطعة كقولهم حي على الصلاة حي على الفلاح وقال ابن حجر يسن للمؤذن الوقف على كل كلمة من هذه الأربعة وكذا ما بعدها لأنه روي موقوفا وإن وصل على خلاف السنة فالذي عليه الأكثرون ضم الراء واختار المبرد فتحها ووجهه أن الفتح أخف وهو مستلزم تفخيم لام الجلالة كما حقق في لام الله وإلا فالقاعدة المشهورة أن الساكن إذا حرك حرك بالكسر كما في لم يكن الذين وقل اللهم الله أكبر أي أكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته أو من أن ينسب إليه مما لا يليق بجلاله أو من كل شيء وفي الغريبين قيل معناه الله كبير وبين بعض المحققين أن أفعل قد يقطع عن متعلقة قصدا إلى نفس الزيادة وإفادة المبالغة


ونظيره فلان يعطي ويمنع أي توجد حقيقتهما فيه وإفادة المبالغة من حيث أن الموصوف تفرد بهذا الوصف وانتهى أمره فيه إلى أن لا يتصور له من يشاركه فيه وعلى هذا يحمل كل ما جاء من أوصاف الباري جل وعلا نحو أعلم وقال ابن الهمام إن أفعل وفعيلا في صفاته تعالى سواء لأنه لا يراد بأكبر إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء فكان أفعل بمعنى فعيل لكن في المغرب الله أكبر من


كل شيء وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف ويمكن أن يكون المراد من كون كبير وأكبر واحدا في صفاته أن المراد من الكبير المسند إليه الكبرياء بالنسبة إلى كل ما سواه وذلك بأن يكون كل ما سواه بالنسبة إليه ليس بكبير وهذا المعنى هو المراد بأكبر فتدبر ولكن لما كان هذا المعنى في أكبر أظهر لم يجوز بعضهم في التحريمة إلا أن يقال الله أكبر الله أكبر الله أكبر أي كبر أربع مرات وابتدىء به لأن في لفظة الله أكبر مع اختصارها إثبات الذات وسائر ما يستحقه من الكمالات ولأن هذا الذكر مما يستحب أن يقال في كل مقام عال والغالب أن الأذان يكون في مكان مرتفع ولعل وجه تكريره أربعا إشارة إلى أن هذا الحكم جار في الجهات الأربع وسار في تطهير شهوات النفس الناشئة عن طبائعها الأربع أشهد أي أعلم وأبين أن لا إله أي لا معبود بحق في الوجود إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم تعود أي ترجع بهذه الكلمات فتقول بالخطاب فيهما وهما فعلان بمعنى الأمر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله قال الطيبي إشارة إلى الترجيع وهو رفع الصوت بكلمتي الشهادة بعد الخفض بهما وهو سنة عند الشافعي خلافا لأبي حنيفة يعني فإنه حمل على أنه كان تعليما فظن ترجيعا أي قل أشهد أن لا إله إلا الله مرتين وأشهد أن محمدا رسول الله مرتين قال بعض علمائنا وحديث أبي محذورة عند من لا يرى الترجيع مؤول على أن أبا محذورة لم يرفع صوته بتلك الكلمات التي هي علم الإيمان ومنارالتوحيد فأمره أن يرجع فيمد بها صوته حي على الصلاة حي اسم فعل بمعنى الأمر وفتحت ياؤه لسكون ما قبلها حي على الصلاة قال الطيبي أي هلموا إليها واقبلوا عليها وتعالوا مسرعين ومنه حديث ابن مسعود إذا ذكر الصالحون فحيلا لأمر أي ابدأ به واعجل بذكره وهما كلمتان جعلتا كلمة واحدة أقول لما قيل حي أي اقبل قيل له


على أي شيء أجيب على الصلاة ذكر نحوه الكشاف في قوله تعالى هيت لك حي على الفلاح حي على الفلاح أي الخلاص من كل مكروه والظفر بكل مراد وقيل الفلاح البقاء أي أسرعوا إلى ما هو سبب الخلاص من العذاب والظفر بالثواب والبقاء في دار المآب وهو الصلاة مطلقا أو مقيد بالجماعة الله أكبر الله أكبر كرره فيما ختم به اقتصارا لا إله إلا الله ختم به إشارة إلى التوحيد المحض اختصارا وليوافق النهاية والبداية إيماء إلى أنه الأول والآخر رواه مسلم والأربعة وأحمد قاله ميرك أعلم أنه في متن صحيح مسلم عن أبي محذورة أن نبي الله علمه هذا الأذان الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله مرتين ثم يعود فيقول أي بالغيبة فيهما أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا رسول


الله مرتين حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين زاد إسحاق الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله قال النووي في شرح مسلم هكذا وقع في الحديث في صحيح مسلم في أكثر الأصول في أوله الله أكبر الله أكبر مرتين فقط ووقع في غير مسلم أربع مرات قال ابن الهمام روى أبو داود والنسائي التكبير في أوله أربعا وإسناده صحيح قال القاضي عياض ووقع في بعض طرق الفارسي في صحيح مسلم أربع مرات وبالتربيع قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وجمهور العلماء وبالتثنية قال مالك واحتج بهذا الحديث وبأنه عمل أهل المدينة وهم أعرف بالسنن واحتج الجمهور بأن الزيادة من الثقة مقبولة وبأن التربيع عمل أهل مكة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم قال ابن الهمام وروى الطبراني في الأوسط عن أبي محذورة يقول ألقى علي رسول الله الأذان حرفا حرفا الله أكبر الله أكبر الخ ولم يذكر ترجيعا فتعارضا فتساقطا ويبقى حديث ابن عمر وعبد الله بن زيد سلما من المعارض ا ه وفيه أن عدم ذكره في حديث لا بعد معارضا لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ والزيادة من الثقة مقبولة نعم لو صرح بالنفي كان معارضا مع أن المثبت مقدم على النافي وكأنه رحمه الله أراد أن بين النقلة عن أبي محذورة تعارضا ولذا قال وحديث ابن عمر وابن زيد سلما من المعارضة وإلا فهما لا يخلوان من المعارض أيضا والله أعلم وقال ابن الملك الترجيع في الشهادتين سنة عند الشافعي بهذا الحديث وعند أبي حنيفة ليس بسنة لإتفاق الروايات على أن لا ترجيع في أذان بلال وابن أم مكتوم إلى أن توفيا وأولنا الحديث بأن تعليمه عليه السلام أبا محذورة الأذان كان عقيب إسلامه فأعاد عليه السلام كلمة الشهادة وكررها لتثبت في قلبه فظن أبو محذورة أنه من الأذان ا ه والحاصل أن التأويل أولى من التساقط والظاهر هو التأويل المذكور سابقا عن بعض علمائنا والله أعلم
الفصل الثاني


عن ابن عمر قال كان الأذان أي ألفاظه من الجمل على عهد رسول الله أي في عهده عدي بعلى لمعنى الظهور قاله الطيبي مرتين مرتين خص التكبير عن التكرير
عند الجمهور في أول الأذان فإنه أربع خلافا لمالك لما تقدم وخص التهليل عنه في آخره عند الكل فإنه وتر وهذا الحديث بظاهره يدل على نفي الترجيع والإقامة أي كلماتها المفيدة مرة مرة غير أنه أي المؤذن كان يقول أي في الإقامة قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة أي مرتين والمعنى قاربت قيامها وفي النهاية قام أهلها أو حان قيام أهلها وقيل عبر بالماضي إعلاما بأن فعلها القريب الوقوع كالمحقق حتى يتهيأ به ويبادر إليه وينبغي استثناء التكبير أيضا أولا وآخرا فإنه مرتين مرتين أيضا بلا خلاف رواه أبو داود وسكت عليه وهو صالح عنده قاله ميرك والنسائي والدارمي وعن أبي محذورة أن النبي علمه الأذان تسع عشرة بسكون الشين وتكسر أي مع الترجيع ويعني قوله كلمة الجملة المفيدة والإقامة بالنصب عطفا على الأذان أي وعلمه الإقامة سبع عشرة بالوجهين كلمة قال ابن الملك لأنه لا ترجيع فيها فانحذف عنها كلمتان وزيدت الإقامة شفعا تفصيله الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أربع مرات كلمات ثلاث منها توكيد وأشهد أن لا إله إلا الله مرتان المرة الثانية تأكيد وكذا أشهد أن محمدا رسول الله مرتان وحي على الصلاة مرتان وحي على الفلاح مرتان وقد قامت الصلاة مرتان والله أكبر الله أكبر كلمتان ولا إله إلا الله كلمة واحدة وبهذا قال أبو حنيفة والإقامة عندنا احدى عشرة كلمة لأنه يقول كل كلمة مرة واحدة إلا كلمة التكبير والإقامة كما رواه ابن عمر وأنس كذا ذكره الطيبي رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح ذكره ميرك وأبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه وعنه أي عن أبي محذورة قال قلت يا رسول الله علمني سنة الأذان أي


طريقته في الشرع قال أي الراوي فمسح أي النبي مقدم رأسه أي رأسه عليه السلام قال ابن حجر إشارة إلى أنه على الرأس وفيه تأمل إذ في العادة يقال على الرأس لا أنه يمسح على الرأس وأيضا هذا يصدر من الأصاغر للأكابر دون العكس فالظاهر أنه فعل اتفاقي ذكره الراوي استحضارا للقضية بكمالها أو رأس أبي محذورة ويؤيده ما في نسخة صحيحة فمسح رأسي ليحصل له بركة يده الموصلة إلى الدماغ وغيره فيحفظ ما يلقى إليه ويملى عليه قال تقول بتقدير أن أي الأذان قولك وقيل أطلق الفعل وأريد به الحدث على مجاز ذكر الكل وإرادة البعض أو خبر معناه الأمر أي قل الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ترفع بها صوتك جملة حالية أو استئنافية مبينة ثم تقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك بالشهادة وهذا بظاهره ينافي التأويلات المتقدمة فالوجه الوجيه أن يقال بترجيح أكثر الروايات حيث لا ترجيع فيها والله أعلم وقد يقال إن حديث أبي محذورة وقع أولا وسائر الأحاديث آخرا فيكون حديثه منسوخا أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح فإن كان أي الوقت أو ما يؤذن لها صلاة الصبح بالنصب أي وقته وقيل بالرفع فكان تامة قلت أي في أذانها الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم أي لذتها خير من لذته عند أرباب الذوق وأصحاب الشوق ويمكن أن يكون من باب العسل أحلى من الخل وأما قول ابن حجر وفي هذا تصريح بندب ما ذكر في الصبح وهو مذهبنا كأكثر العلماء خلافا لأبي حنيفة فغير صحيح نشأ عن قلة اطلاع على مذهبه الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله رواه أبو داود ورواه النسائي قال النووي حسن نقله ميرك وقال ابن الهمام إسناده صحيح وعن بلال قال قال لي رسول الله لا تثوبن في


شيء من
الصلوات التثويب لغة إعلام مرة بعد أخرى إلا في صلاة الفجر في الفائق الأصل في التثويب أن الرجل إذا جاء مستصرخا لوح بثوبه فيكون ذلك دعاء وإنذارا ثم كثر حتى سمي الدعاء تثويبا وقيل هو ترديد الدعاء تفعيل من ثاب إذا رجع ومنه قيل لصوت المؤذن الصلاة خير من النوم التثويب وزاد في النهاية المؤذن إذا قال حي على الصلاة فقد دعاهم فإذا قال بعده الصلاة خير من النوم فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها نقله الطيبي وقيل أو يرجع الناس عن النوم إلى الصلاة باللفظ المذكور قال ابن الهمام وخصوا به الفجر فكرهوه في غيره وعن ابن عمر أنه سمع مؤذنا يثوب في غير الفجر وهو في المسجد فقال لصاحبه قم حتى نخرج من عند هذا المبتدع وعن علي رضي الله عنه إنكاره بقوله أخرجوا هذا المبتدع من المسجد وأما التثويب بين الأذان والإقامة فلم يكن على عهده عليه السلام ا ه واستحسن المتأخرون التثويب في الصلوات كلها رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي أبو إسرائيل الراوي ليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث وقيل كان رافضيا يشتم الصحابة وعثمان رضي الله عنهم تركه ابن مهدي نقله السيد عن الأزهار قال ابن حجر وقول أئمتنا يكره التثويب في غير الصبح لم يأخذوه من هذا الحديث لما تقرر أنه ضعيف وهو لا يحتج به في الكراهة بل من قوله عليه السلام في الحديث الصحيح من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وعن جابر أن رسول الله قال لبلال إذا أذنت فترسل أي تمهل وافصل الكلمات بعضها من بعض بسكتة خفيفة في النهاية أي تأن ولا تعجل يقال ترسل فلان في كلامه ومشيته إذا لم يعجل وهو والترسيل سواء في الفائق حقيقة الترسل طلب الرسل وهو الهينة والسكون وقال ابن حجر أي تأن في ذلك بأن تأتي بكلمات مبينة من غير تمطيط مجاوز للحد ومن ثم تأكد على المؤذنين أن يحترزوا من أغلاط يقعون فيها فإن بعضها كفر لمن تعمده كمد همزة أشهد فيصير استفهاما ومد باء أكبر فيصير جمع كبر بالفتح


وهو طبل له وجه واحد ومن الوقف على إله والإبتداء بالله وبعضها لحن خفي كترك إدغام دال محمد في راء رسول الله ومد ألف الله والصلاة والفلاح وقلب الألف هاء من الله وعدم النطق بهاء
الصلاة لأنه يصير دعاء إلى النار ا ه وبقي عليه من الكفريات مد همزة أكبر فإنه يصير استفهاما أيضا وقوله والإبتداء بالله ليس من الكفريات بل الوقف على إله فقط فذكره لغو وقوله إدغام دال محمد أي تنوين داله وإلا فادغام داله من أكبر اللحون وإطلاق مد ألف الله وما بعده غير صحيح لأنه يجوز قصره وتوسطه ومده قدر ثلاث ألفات حالة الوقف وأراد بقوله قلب الألف قلب الهمزة ففي عبارته مسامحة وإذا أقمت فاحدر بضم الدال وكسرها أي اسرع في التلفظ بها وصل بين الكلمات من غير درج ودمج ولا تسكت بينها واجعل بين أذانك وإقامتك أي زمانا يسيرا بحيث يكون قدر ما يفرغ الآكل من أكله قيل كأنه في العشاء لإتساع وقته والشارب من شربه بتثليث الشين والمشهور الضم قال ابن الملك كأنه في المغرب لضيق وقته ا ه وفيه أن هذا الكلام منه مبني على قول الشافعي في تضييق وقت المغرب والظاهر أنه عليه السلام أراد قضاء الحاجة الضرورية العامة التي قد باشرها مريد الصلاة حقيقة أو حكما غير مختصة بصلاة دون صلاة والمعتصر أي ويفرغ الذي يحتاج إلى الغائط ويعصر بطنه وفرجه كنى بذلك حذرا عن التفوه بالتصريح بما يستوحش بذكره صريحا وهو من العصر أو المعصر وهو الملجأ وقيل هو الحاقن أي الذي يؤذيه البول والغائط إذا دخل أي الخلاء لقضاء حاجته يعني فاصبر حتى يتوضأ المحتاج إلى التأهب للصلاة قال ابن الملك كأنه في الفجر والظهر والعصر لتقارب أوقاتها ولا تقوموا أي للصلاة إذا أقام المؤذن حتى تروني أي في المسجد لأن القيام قبل مجيء الإمام تعب بلا فائدة كذا قاله بعضهم ولعله عليه السلام كان يخرج من الحجرة بعد شروع المؤذن في الإقامة ويدخل في محراب المسجد عند قوله حي على الصلاة ولذا قال أئمتنا ويقوم


الإمام والقوم عند حي على الصلاة ويشرع عند قد قامت الصلاة وقال ابن حجر وكان يخرج عند فراغ المقيم من إقامته فأمرهم بالقيام حينئذ لأنه وقت الحاجة إليه ولهذا قال أصحابنا السنة أن لا يقوم المأموم حتى يفرغ المقيم من جميع إقامته ا ه وهو موقوف على صحة رفعه إليه عليه السلام ويمكن أن يكون النهي للمؤذنين أي لا تقوموا للإقامة حتى تروني أخرج من الحجرة الشريفة رواه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث عبد المنعم وهو أي إسناده إسناد مجهول وفي نسخة صحيحة وإسناده مجهول لكن قال ابن حجر صحح الحاكم وغيره الأمر بترسل الأذان وإدراج الإقامة وروى الشيخان خبر لا تقوموا حتى تروني
وعن زياد بن الحارث هو حليف لبني الحرث بن كعب بايع النبي وأذن بين يديه ويعد في البصريين قاله الطيبي الصدائي بضم الصاد منسوب إلى صداء ممدودا وهو حي من اليمن قاله ابن الملك قال أمرني رسول الله أن أذن أن مفسرة لما في أمر من معنى القول في صلاة الفجر فأذنت ولعله كان بلال غائبا فحضر فأراد بلال أن يقيم على عادته فقال رسول الله إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم أي الإقامة فيكره أن يقيم غيره وبه قال الشافعي وعند أبي حنيفة لا يكره لما روي أن ابن أم مكتوم ربما كان يؤذن ويقيم بلال وربما كان عكسه والحديث محمول على ما إذا لحقه الوحشة بإقامة غيره قاله ابن الملك رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه قال ميرك ضعفه الترمذي لأجل الأفريقي وحسنه الحازمي وقواه العقيلي وابن الجوزي قال ابن حجر وهو وإن كان في إسناده ضعف إلا أنه أولى كما قاله البيهقي وغيره من خبر إن بلالا أذن فقال عبد الله بن زيد يا رسول الله إني أرى الرؤيا ويؤذن بلال قال أقم أنت لما في إسناد هذا ومتنه من الإختلاف بخلاف ذلك فإنه أقوم إسنادا مع تأخره والأخذ بآخر الأمرين أولى على أن الحازمي وغيره حسنا إسناد خبر الصدائي هذا
الفصل الثالث


عن ابن عمر قال كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون أي في المسجد فيتحينون أي يقدرون حين الصلاة ويعينون وقتها بالتقدير والتخمين ليأتوا فيه للصلاة أي لتحصيل صلاة الجماعة متعلق بالفعلين على طريق التنازع وليس ينادي بها أي بالصلاة أحد
فتكلموا يوما في ذلك أي في إشكاله أو معالجته فقال بعضهم اتخذوا بصيغة الأمر مثل ناقوس النصارى وقال بعضهم قرنا أي بل اتخذوا قرنا مثل قرن اليهود وكان بعضهم قال اتخذوا نارا مثل نار بعض اليهود فلا منافاة بين الحديثين فقال عمر أو لا تبعثون الواو عطف على مقدر أي تقولون بموافقة اليهود والنصارى ولا تبعثون والهمزة لإنكار الجملة الأولى ومقررة للثانية حثا وبعثا أي ارسلوا رجلا ينادي بالصلاة فقال رسول الله يا بلال قم فناد بالصلاة أي بالصلاة جامعة لما في مرسل عند أبي سعيد أن بلالا كان ينادي بقوله الصلاة جامعة ثم شرع الأذان وفي شرح مسلم عن القاضي عياض الظاهر أنه إعلام وإخبار بحضور وقتها وليس على صفة الأذان الشرعي قال النووي هذا هو الحق لما يؤذن بوجه التوفيق بين هذا وبين ما روي عن عبد الله بن زيد أنه رأى الأذان في المنام وذلك بأن يكون هذا في مجلس آخر فيكون الواقع أولا الأعلام ثم رؤية عبد الله بن زيد فشرعه النبي إما بوحي أو اجتهاد عند من يجوزه عليه وهم الجمهور وليس هو عملا بمجرد المنام وهذا مما لا شك فيه بلا خلاف والله أعلم وقال ابن حجر إذ رؤية غير الأنبياء عليهم السلام لا يبتني عليها حكم شرعي بل بالإجتهاد أو الوحي ويؤيده رواية عبد الرزاق وأبي داود في المراسيل من طريق بعض أكابر التابعين أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي فوجد الوحي قد ورد بذلك فما راعه إلا أذان بلال فقال له النبي فذلك الوحي وهذا أصح مما حكى الداودي أن جبريل أتى به قبل هذه الرؤيا بثمانية أيام وأجاب السهيلي عن حكمة ترتب الأذان دون سائر الأحكام على رؤيا بعض الصحابة وقوله إنها رؤيا حق بأنه أريه


ليلة الإسراء فقد روى البزار عن علي لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان جاءه جبريل بالبراق فلما اخترق الحجب خرج له ملك فسأل جبريل عنه فقال إنه لم يره قبل ذلك فقال له الملك الله أكبر الله أكبر فقال تعالى صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر وذكر بقية الأذان قال السهيلي وهذا أقوى من الوحي فلما تأخر الأذان إلى المدينة وأراد أعلام الناس بوقت الصلاة فلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رآه النبي فلذلك قال رؤيا حق إن شاء الله تعالى وعلم حينئذ أن مراد الله تعالى بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض متفق عليه


وعن عبد الله بن زيد قال ابن حجر أي ابن ثعلبة ابن عبد ربه رضي الله عنه الأنصاري الخزرجي شهد العقبة مع السبعين وبدرا والمشاهد كلها وكان أبواه صحابيين قاله في التقريب قال لما أمر رسول الله بالناقوس لعل معناه أراد أن يأمر به يعمل حال وهو مجهول كقوله ليضرب به أي ببعضه على بعض للناس أي لحضورهم وفي نسخة ليضرب به الناس أي أحدهم لجمع الصلاة أي لأدائها جماعة طاف بي جواب لما أي مر بي وأنا نائم حال من المفعول قال الجوهري طيف الخيال مجيئه في النوم يقال منه طاف الخيال يطيف طيفا ومطافا قال الطيبي قوله رجل في الحديث فاعل وهو الخيال والأظهر أن تقديره جاءني رجل في عالم الخيال يحمل ناقوسا في يده الجملة صفة لرجل فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس قال وما تصنع به ما استفهامية قلت ندعو أي الناس به أي بسبب ضربه وحصول الصوت به إلى الصلاة أي صلاة الجماعة فاللام للعهد أو بدل عن المضاف إليه قال وفي نسخة فقال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك فقلت له بلى قال أي الراوي وهو الرائي فقال أي المرئي تقول الله أكبر إلى آخره أي إلى آخر الأذان بالكيفية السابقة وكذا أي ومثل الأذان الإقامة وظاهره يؤيد مذهبنا أي اعلمه إياها وفي رواية ثم استأخر غير بعيد أي بعد ما علمه الأذان ثم قال ثم تقول إذا قمت إلى الصلاة الله أكبر الله أكبر إلى آخر الإقامة فلما أصبحت أتيت رسول الله فأخبرته بما رأيت أي من الرؤيا فقال إنها أي رؤياك لرؤيا حق أي ثابتة صحيحة صادقة مطابقة للوحي أو موافقة للإجتهاد إن شاء الله تعالى للتبرك أو للتعليق فقم مع بلال فالق بفتح الهمزة وكسر القاف أي أمل عليه ما رأيت فليؤذن وفي نسخة فيؤذن به أي بما يلقى إليه فإنه أي بلالا أندى أي أرفع صوتا منك قال الراغب أصل النداء من الندى أي الرطوبة يقال صوت ندى أي رفيع واستعارة النداء للصوت من حيث إن من تكثر رطوبة فمه حسن كلامه ويعبر بالندى عن السخاء يقال فلان أندى كفا من فلان


أي أسخى ا ه
وقال الإمام النووي من هذا الحديث يؤخذ استحباب كون المؤذن رفيع الصوت حسنه فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه أي ألقنه له ويؤذن به قال فسمع بذلك أي بصوت الأذان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته جملة حالية فخرج أي مسرعا وفي رواية فجعل يجر رداءه أي وراءه يقول يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما أري ولعل هذا القول صدر عنه بعد ما حكي له بالرؤيا السابقة أو كان مكاشفة له رضي الله عنه وهذا ظاهر العبارة فقال رسول الله فلله أي لا لغيره الحمد حيث أظهر الحق ظهورا وازداد في البيان نورا رواه أبو داود والدارمي وابن ماجه إلا أنه أي ابن ماجه لم يذكر الإقامة وقال الترمذي هذا حديث صحيح لكنه أي الترمذي لم يصرح قصة الناقوس وروى أحمد عن عبد الله أنه قال يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم ولو قلت إني لم أكن نائما لصدقت رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة فقال الله أكبر إلى آخره وفي رواية ضعيفة عند ابن ماجه أن رؤياه كانت ليلة شتاء وفي أوسط الطبراني أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه رأى أيضا وفي وسيط الغزالي رآه بضعة عشر وأنكره النووي كابن الصلاح ثم مشروعية الأذان في ثاني سني الهجرة وقيل في أولها والروايات المصرحة بأنه شرع بمكة قبل الهجرة لم يصح منها شيء وفي مسند الحرث أول من أذن بالصلاة جبريل أذنه في السماء الدنيا فسمعه بلال وعمر فسبق عمر إلى رسول الله فأخبره فقال عليه السلام سبقك بها عمر وظاهره أنهما سمعاه يقظة والحديث السابق يرد ذلك وعن أبي بكرة هو نفيع بن الحرث الثقفي قال خرجت مع النبي وفي نسخة رسول الله لصلاة الصبح فكان وفي نسخة بالواو لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة قال ابن حجر أي أعلمه بها لفظا وفيه حث على الأذان لأنه عليه السلام لما تعاطى النداء للصلاة بنفسه كان في ذلك أبلغ حث على الأذان ا ه ويؤخذ منه مشروعية التثويب في الجملة على ما ظهر لي والله أعلم وقال الطيبي


مناسبته للباب مجرد النداء أو حركه برجله قال ابن حجر أي إذا كان مشغولا بنوم ونحوه وفيه حث على إيقاظ النائم ونحوه للصلاة ويؤخذ
من تحريكه برجله جواز ذلك من غير كراهة ولا نظر إلى ما يتوهمه بعض الحمقى والجهلة من أن ذلك فيه تحقير أو إهانة للنائم رواه أبو داود وعن مالك بلغه وفي نسخة بلغني أن المؤذن جاء عمر يؤذنه بهمز ويبدل من الإيذان بمعنى الأعلام قاله الطيبي وقال ميرك بالتخفيف أي يعلمه لصلاة الصبح فوجده نائما فقال الصلاة خير من النوم فأمر عمر أن يجعلها أي هذه الجملة في نداء الصبح أي في أذان الصبح فقط ولا يجعلها لإيقاظ النائم في غير الأذان قال الطيبي ليس هذا انشاء أمر ابتدعه من تلقاء نفسه بل كانت سنة سمعها من رسول الله يدل عليه حديث أبي محذورة في الفصل الثاني كأنه رضي الله عنه أنكر على المؤذن استعمال الصلاة خير من النوم في غير ما شرع فيه ويحتمل أن يكون من ضروب الموافقة كما مر آنفا في حديث ابن عمر أو تبعثون رجلا ينادي بالصلاة فقال رسول الله يا بلال قم فناد بالصلاة قلت هذا الإحتمال الثاني بعيد جدا لأن الظاهر من مجىء المؤذن عمر أن يكون في أيام الخلافة وهو ينافي الموافقة ويبعد عدم وصوله إليه سابقا لكن يؤخذ منه أصل التثويب مطلقا على ما عليه المتأخرون أو المخصوص بالصبح الذي يدل عليه ظاهره من النوم مع احتمال أن يكون نوم القيلولة أو المخصوص بالخليفة والقاضي والإمام على رأي أبي يوسف ثم تحرير الموافقة المتقدمة بأنه أمر المؤذن به أولا واستحسنه النبي أو المراد بقوله أمر به صار سببا لأمره عليه السلام والله أعلم وأما احتمال أن عمر رضي الله عنه لم يبلغه حديث أبي محذورة السابق فأمر بذلك اجتهادا فوافق اجتهاده النص على عادته كما وقع له في ذات عرق وغيرها واحتمال أنه كان بلغه ثم نسيه فلما سمعه من المؤذن في هذه الحالة تذكره فأمر به فمردودان للزوم أنه كان متروكا من الأذان في المدينة أيام حياته وبعد


مماته ثم رأيت ما يدل على أن التأويل الأول هو المعول أنه روى الطبراني في المعجم الكبير من حديث حفص بن عمر عن بلال أنه أتى النبي يؤذنه بالصلاة فوجده راقدا فقال الصلاة خير من النوم فقال عليه الصلاة والسلام ما أحسن هذا اجعله في أذانك رواه أي مالك في الموطأ وقد سبق الإعتراض على المصنف في نحو ذلك وعن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد أي سعد القرظي وكان مؤذن قباء
في عهده عليه السلام وخليفة بلال في مسجد رسول الله بعد عهده مؤذن رسول الله بالجر بدل من سعد ويجوز رفعه ونصبه قال أي عبد الرحمن حدثني أبي عن أبيه عن جده أي جد أبي أن رسول الله أمر بلالا أن يجعل أصبعيه أي أنملتي مسبحتيه والأصبع مثلث الهمزة والباء في أذنيه أي في صماخيهما وقال إنه أي جعلهما في الأذنين أرفع لصوتك أي من حالة عدم جعلهما فيهما قال الطيبي ولعل الحكمة أنه إذا سد صماخيه لا يسمع إلا الصوت الرفيع فيتحرى في استقصائه كالأطروش قيل وبه يستدل الأصم على كونه أذانا فيكون أبلغ في الإعلام قال ابن حجر ولا يسن ذلك في الإقامة لأنه لا يحتاج فيها إلى أبلغية الإعلام لحضور السامعين ويؤخذ منه ومن قوله عليه السلام إنه أرفع لصوتك أن المؤذن لو كان يؤذن لنفسه وأراد اسماعها فقط لم يسن له جعلهما في أذنيه ا ه وهو محتمل ا ه وأقرب الاحتمالين أنه يسن له لأن الرفع مطلوب منه كما يدل عليه إطلاق حديث لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة رواه ابن ماجه وروى أحمد والترمذي وصححه أن بلالا فعل ذلك بحضرة النبي


باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
عطف على الأذان
الفصل الأول
عن معاوية قال سمعت رسول الله يقول المؤذنون أطول الناس أعناقا
بفتح الهمزة يوم القيامة أي أكثرهم أعمالا يقال لفلان عنق من الخير أي قطعة منه وقيل أكثرهم رجاء لأن من يرجو شيئا طال عنقه إليه فالناس يكونون في الكرب وهم في الروح يشرئبون أن يؤذن لهم في دخول الجنة وقيل معناه الدنو من الله تعالى لأن طول العنق يدل غالبا على طول القامة وطولها لا يطلب لذاته بل لدلالته على تميزهم عن سائر الناس وارتفاع شأنهم عليهم وقيل طول العنق كناية عن عدم التشوير والخجالة الناشئة عن التقصير وقيل أراد أنهم لا يلجمهم العرق يوم يبلغ أفواه الناس فإن الناس يوم القيامة يكونون في العرق بقدر أعمالهم فالوصف بطول القامة ليس لذاته هنا أيضا بل للنجاة من المكروه وقيل معناه أنهم يكونون رؤساء يومئذ والعرب تصف السادة بطول العنق كما يقال هم الرؤوس والنواصي والصدور وقيل الأعناق الجماعات يقال جاء عنق من الناس أي جماعة ومعنى الحديث أن جمع المؤذنين يكون أكثر فإن من أجاب دعوتهم يكون معهم فالطول مجاز عن الكثرة لأن الجماعة إذا توجهوا لمقصدهم يكون لهم امتداد في الأرض وقيل طول العنق كناية عن الفرح وعلو الدرجة كما أن خضوع العنق كناية عن الهم والهوان وقال ميرك وعندي والله أعلم أن يكون المراد بطول الأعناق استقامتهم طمأنينة لقلوبهم وإظهارا لكرامتهم وإنهم غير واقفين موقف الهوان والذلة مهطعين مقنعي رؤوسهم ولا ناكسي رؤوسهم كالمجرمين جزاء بما كانوا عليه في الدنيا من مد أعناقهم في الأذان قال الطيبي وروى بعضهم إعناقا بكسر الهمزة أي إسراعا من أعنق إذا أسرع ا ه قال الشيخ الجزري وقد بالغ من ضبط إعناقا بكسر الهمزة على أنه مصدر أي إسراعا إلى الجنة فخالف الرواية وحرف المعنى نقله ميرك رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا نودي للصلاة أي بالأذان أدبر الشيطان أي عن موضع الأذان له


ضراط بضم المعجمة كغراب وهو ريح من أسفل الإنسان وغيره وهذا لثقل الأذان عليه كما للحمار من ثقل الحمل حتى لا يسمع التأذين تعليل لإدباره قال الطيبي شبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الآذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره ثم سماه ضراطا تقبيحا له ا ه وقيل هذا محمول على الحقيقة لأن الشياطين يأكلون ويشربون كما ورد في الأخبار فلا يمتنع وجود ذلك منهم
خوفا من ذكر الله أو المراد استخفاف اللعين بذكر الله من قولهم ضرط به فلان إذا استخفه ذكره ابن الملك فإذا قضي مجهول وقيل معروف ذكره الأبهري وقول ابن حجر حتى إذا قضى حتى هي واللتان بعدها داخلة على الجملة الشرطية وليست للتعليل خطأ إذ صوابه فإذا قضي على ما في النسخ المصححة النداء أي فرغ المؤذن منه أقبل أي الشيطان حتى إذا ثوب بالصلاة من التثويب وهو الإعلام مرة بعد أخرى والمراد به الإقامة أدبر حتى لا يسمع الإقامة حتى إذا قضى التثويب أقبل أي الشيطان حتى يخطر بفتح الياء وكسر الطاء وتضم وحتى تعليلية بين المرء ونفسه أي قلبه والمعنى حتى يحول ويحجز بينهما بوسوسة القلب وحديث النفس فلا يتمكن من الحضور في الصلاة قال في الأساس خطر الرجل برمحه إذا مشى به بين الصفين وهو يخطر في مشيته يهتز قال الأبهري يخطر بضم الطاء وكسرها قال النووي معنى الكسر يوسوس من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به فخذه وبالضم يدنو منه وقال عياض وبالكسر هو الوجه ولا ينافي إسناد الحيلولة إليه إسنادها إليه تعالى في قوله عز وجل واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه الأنفال لأن هذا الإسناد حقيقة عند أهل السنة والأول باعتبار أن الله تعالى مكنه منها حتى يتم ابتلاء العبد به وأيضا الأول أضيف إلى الشيطان فإنه مقام شر ولذا عبر عن قلبه بنفسه والثاني مقام الإطلاق كما يقال الله خالق كل شيء ولا يقال خالق الكلب والخنزير أدبا مع الله تعالى وهذا معنى قوله الخير بيديك والشر ليس إليك مع


اعتقاد أن الأمر كله لله وكل من عند الله يقول بالرفع استئناف مبين وقيل بالنصب على أنه بدل من يخطر اذكر كذا اذكر كذا كناية عن أشياء غير متعلقة بالصلاة لما لم يكن يذكر أي لشيء لم يكن المصلي يذكر قبل شروعه في الصلاة من ذكر مال وحسابه وبيع وشراء حتى قال الطيبي كرر حتى في الحديث خمس مرات الأولى والأخيرتان بمعنى كي والثانية والثالثة دخلتا على الجملتين الشرطيتين وليستا للتعليل وهذا يدل أيضا على سهو ابن حجر كما ذكرناه يظل الرجل بفتح الظاء من الظلول أي كي يصير من الوسوسة بحيث لا يدري كم صلى أي يقع في الشك متفق عليه وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله لا يسمع مدى


صوت المؤذن أي غايته وهو صوت مجرد من غير فهم كلمات الأذان جن ولا إنس تنكيرهما في سياق النفي لتعميم الأحياء والأموات قاله ابن الملك قال ابن حجر كان سبب تقديم الجن الترقي من الأدنى إلى الأعلى وفيه أنه لا يلائمه قوله ولا شيء والأظهر أن المراد بالجن ما يشمل الملائكة وقدم لكثرتهم أو لفضيلة أكثرهم على أكثر الأنس ولا شيء أي من النباتات والحيوانات والجمادات وهو من باب عطف العام على الخاص والصحيح أن للجمادات والنباتات والحيوانات علما وإدراكا وتسبيحا كما يعلم من قوله تعالى أي وإن منها لما يهبط من خشية الله أي وقوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده الإسراء ومن حديثه عليه السلام يقول الجبل للجبل هل مر بك أحد ذكر الله فإذا قال نعم استبشر قال البغوي وهذا مذهب أهل السنة ويدل عليه قضية كلام الذئب والبقر وغيرهما من الأحاديث والآثار ويشهد له مكاشفة أهل المشاهدة والأسرار التي هي كالأنوار فلا يحتاج إلى ما قاله ابن حجر بأن يخلق تعالى فيهما فهما وسمعا حتى تسمع أذانه وتعقله إلا شهد له يوم القيامة قال ابن حجر أي بلسان الحال بفضله وعلو درجته كما أنه تعالى يفضح أقواما ويهينهم بشهادة الألسنة والأيدي والأرجل بخسارهم وبوارهم ا ه والمعتمد في المعتقد أن شهادة الأعضاء بلسان القال لقوله تعالى وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء فصلت ومنه قوله تعالى يومئذ تحدث أخبارها الزلزلة سيما والدار الآخرة محل خرق العادات والعجب منه أنه ذهل وغفل مما كرره في هذا الكتاب أن ما ورد عن الشارع يحمل على ظاهره ما لم يصرف عنه صارف ولا صارف هنا كما لا يخفى فسبحان من لا ينسى وفيه حث على رفع المؤذن صوته لتكثر شهداؤه قال الطيبي وإنما ورد البيان على الغاية مع حصول الكفاية بقوله لا يسمع صوت المؤذن تنبيها على أن آخر من ينتهي إليه صوت المؤذن يشهد له كما يشهد له الأولون وفيه حث على استفراغ الجهد في رفع الصوت


بالأذان والمراد من شهادة الشاهدين له وكفى بالله شهيدا اشتهاره يوم القيامة فيما بينهما بالفضل والعلو فإن الله تعالى يهين قوما ويفضحهم بشهادة الشاهدين فكذلك يكرم قوما تكميلا لسرورهم قال القاضي غاية الصوت تكون أخفى فإذا شهد من سمع الأخفى كان غيره بالشهادة أولى رواه البخاري والنسائي وابن ماجه وأحمد قاله ميرك وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله إذا
سمعتم المؤذن أي صوته أو أذانه فقولوا مثل ما يقول أي إلا في الحيعلتين لما سيأتي وإلا في قوله الصلاة خير من النوم فإنه يقول صدقت وبررت وبالحق نطقت وبررت بكسر الراء الأولى وقيل بفتحها أي صرت ذا برأي خير كثير ثم صلوا علي أي بعد فراغكم فإنه أي الشأن من صلى علي صلاة أي واحدة صلى الله عليه أي أعطاه بها عشرا أي من الرحمة وفي رواية صلى الله وملائكته عليه بها عشرا بل أكثر كما جاء في روايات كثيرة فما يفعله المؤذنون الآن عقب الأذان من الإعلان بالصلاة والسلام مرارا أصله سنة والكيفية بدعة لأن رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر فيه كراهة سيما في المسجد الحرام لتشويشه على الطائفين والمصلين والمعتكفين ثم سلوا الله أمر من سأل بالهمز على النقل والحذف والإستغناء أو من سال بالألف المبدلة من الهمز أو الواو أو الياء لي الوسيلة قال التوربشتي هي في الأصل ما يتوسل به إلى الشيء ويتقرب به إليه وجمعها وسائل وإنما سميت تلك المنزلة من الجنة بها لأن الواصل إليها يكون قريبا من الله سبحانه و فائزا بلقائه مخصوصا من بين سائر الدرجات بأنواع الكرامات قيل كالوصلة التي يتوصل بها إلى الزلفى وأما الوسيلة المذكورة في الدعاء المروي عنه بعد فقيل هي الشفاعة يشهد له في آخر الدعاء حلت له شفاعتي ذكره الطيبي وفيه بحث فإنها أي الوسيلة منزلة في الجنة أي من منازلها وهي أعلاها وأغلاها على الإطلاق كما في حديث آخر لا تنبغي أي لا تتيسر ولا تحصل ولا تليق إلا لعبد أي واحد وفي رواية


إلا لعبد مؤمن من عباد الله أي جميعهم وأرجو قاله تواضعا لأنه إذا كان أفضل الأنام فلمن يكون ذلك المقام غير ذلك الهمام عليه السلام قاله ابن الملك أن أكون أنا هو قيل هو خبر كان وضع موضع إياه والجملة من باب وضع الضمير موضع اسم الإشارة أي أكون ذلك العبد ويحتمل أن يكون أنا مبتدأ لا تأكيدا وهو خبره والجملة خبر أكون وقيل يحتمل على الأول أن الضمير وحده وضع موضع اسم الإشارة فمن سأل لي أي لأجلي قول ابن حجر أي لي كما في رواية غفلة عن أصل الكتاب فإنه ثابت فيه على النسخ المصححة الوسيلة سيأتي بيان كيفية سؤال ذلك حلت عليه الشفاعة أي صارت حلالا له غير حرام وفي رواية حلت له الشفاعة وقال ابن الملك أي وجبت فعلى بمعنى اللام كما في رواية وقيل من الحلول بمعنى النزول يعني استحق أن أشفع له مجازاة لدعائه رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي قاله ميرك


وعن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا قال المؤذن شرطية جزاؤها دخل الجنة الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم عطف على فعل الشرط الله أكبر الله أكبر ولم يذكر الأربع اكتفاء بذكر اثنين منها ومن ثم ذكر واحدا من الاثنين فيما بعد كما قال ثم قال عطف على قال الأول قال الطيبي المعطوفات بثم مقدرات بحرف الشرط والفاء في فقال أي إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله قال أي فقال أحدكم فحذف اختصارا أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أي إذا قال المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله قال أي فقال السامع أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال أي إذا قال المؤذن حي على الصلاة قال أي فقال المجيب لا حول ولا قوة إلا بالله أي لا حيلة في الخلاص عن موانع الطاعة ولا حركة على أدائها إلا بتوفيقه تعالى قاله المظهر وهو الأظهر وقال الطيبي أي لا حيلة ولا خلاص عن المكروه ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله وقال الراغب الحال ما يختص به الإنسان وغيره من الأمور المتغيرة في نفسه وجسمه وما يتصل به والحول ماله من القوة في إحدى هذه الأحوال ومنه قيل لا حول ولا قوة إلا بالله ا ه والأحسن في تفسيره ما ورد مرفوعا لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله قال الطيبي إن الرجل إذا دعا بحيعلتين كأنه قيل له اقبل بوجهك وشراشرك على الهدى عاجلا والفلاح آجلا فأجاب بأن هذا أمر عظيم وخطب جسيم وهي الأمانة المعروضة على السموات والأرض ولم يحملنها فكيف أحملها مع ضعفي وتشتت أحوالي ولكن إذا وفقني الله بحوله وقوته لعلي أقوم بها قال النووي يستحب إجابة المؤذن بالمثل إلا في الحيعلتين فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة فمن أسباب المنع أن يكون في الخلاء أو جماع أهله أو نحوهما ومنها أن يكون في صلاة فلا موافقة


وإذا فرغ منها أتى بمثله قال القاضي عياض اختلفوا أهل يقول عند سماع كل مؤذن أم الأول فقط ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه قيد للأخير أو للكل وهو الأظهر دخل الجنة قال الطيبي
وإنما وضع الماضي موضع المستقبل لتحقق الموعود قال ابن حجر على حد قوله أتى أمر الله ونادى أصحاب الجنة والمراد أنه يدخل مع الناجين وإلا فكل مؤمن لا بد له من دخولها وإن سبقه عذاب بحسب جرمه إذا لم يعف عنه إلا أن قال ذلك بلسانه مع اعتقاده بقلبه حقيقة ما دل عليه وإخلاصه فيه ا ه ويمكن أن يكون المراد أنه يدخلها إن لم يكن له مانع من دخولها أو معناه استحق دخول الجنة أو دخل موجب دخولها وسبب وصولها وحصولها أو دخل الجنة المعنوية في الدنيا وهي الشهادة المقرونة بالمشاهدة العظمى ولذا قال بعض العارفين في قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن جنة في الدنيا وجنة في العقبى ويمكن أن يكون اللام في الجنة للعهد أي دخل الجنة الموعودة لمجيب الأذان رواه مسلم وأبو داود والنسائي قاله ميرك قال ابن الهمام وأما الحوقلة عند الحيعلة فهو وإن خالف ظاهر قوله عليه السلام فقولوا مثل ما يقول لكنه ورد فيه حديث مفسر لذلك عن عمر رواه مسلم فحملوا ذلك العام على ما سوى هاتين الكلمتين وتعليل الحديث المذكور بأن إعادة الموعود دعاء الداعي يشبه الإستهزاء كما يفهم في الشاهد بخلاف ما سوى الحيعلتين فإنه ذكر يثاب عليه من قاله إذ لا مانع من صحة اعتبار المجيب بهما داعيا لنفسه محركا منها السواكن مخاطبا لها فكيف وقد ورد في بعض الصور طلبها صريحا في مسند أبي يعلى عن أبي أمامة عنه عليه السلام إذا نادى المنادي للصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء فمن نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي إذا كبر كبر وإذا تشهد تشهد وإذا قال حي على الصلاة قال حي الصلاة وإذا قال حي على الفلاح قال حي على الفلاح ثم


يقول اللهم رب هذه الدعوة الحق المستجابة المستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى أحينا عليها وأمتنا عليها وابعثنا عليها واجعلنا من خيار أهلها محيانا ومماتنا ثم يسأل الله عز وجل حاجته وروى الطبراني في كتاب الدعاء من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ورواه الحاكم فذكر مثل حديث أبي يعلى وقال صحيح الإسناد لكن نظر فيه بضعف أبي عائد وقد يقال هو حسن ولو ضعف فالمقام يكفي فيه فهذا يفيد أن عموم الأول معتبر وقد رأينا من مشايخ السلوك من كان يجمع بينهما فيدعو نفسه ثم يتبرأ من الحول والقوة ليعمل بالحديثين وفي حديث عمر وأبي أمامة التنصيص على أن لا يسبق المؤذن بل يعقب كل جملة منه بجملة منه وعن جابر قال قال رسول الله من قال حين يسمع النداء أي الأذان يعني


ويجيبه اللهم رب هذه الدعوة التامة أي الكاملة الفاضلة قال التوربشتي وصف الدعوة بالتامة لأنها ذكر الله عز وجل يدعى بها إلى عبادته وهذه الأشياء وما والاها هي التي تستحق صفة الكمال والتمام وما سوى ذلك من أمور الدنيا يعرض به النقص والفساد ويحتمل أنه وصفت بالتمام لكونها محمية عن النسخ وقيل التامة أي في إلزام الحجة وإيجاب الإجابة والمسارعة إلى المدعو إليه وسمى الأذان دعوة لأنه يدعو إلى الصلاة والذكر والصلاة القائمة أي الدائمة ولا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة قاله الطيبي وقال ابن الملك لقيامها إلى يوم القيامة أو لأنه أمر بإقامتها فتكون هي قائمة آت أي أعط محمدا الوسيلة أي المنزلة الرفيعة والمرتبة المنيعة والفضيلة أي الزيادة المطلقة والمزية الغير المنتهية وأما زيادة والدرجة الرفيعة المشتهرة على الألسنة فقال السخاوي لم أره في شيء من الروايات وابعثه أي أرسله وأوصله مقاما محمودا أي مقام الشفاعة الذي وعدته الموصول إما بدل منصوب المحل أو نصب على المدح بتقدير أعني أو رفع عليه بتقدير هو ولا يجوز أن يكون صفة النكرة وإنما نكر المقام للتفخيم أي مقاما يغبطه الأولون والآخرون محمودا يكل عن أوصافه السنة الحامدين قال الأشرف المراد بوعده قوله تعالى أي عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا أي قال ابن عباس أي مقاما يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتعطى وتشفع فتشفع ليس أحد إلا تحت لوائك ذكره الطيبي وفي رواية لابن حبان المقام المحمود وزاد البيهقي في رواية إنك لا تخلف الميعاد وأما زيادة يا أرحم الراحمين فلا وجود لها في كتب الحديث قيل والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله وعسى في الآية للتحقيق إظهار لشرفه وعظم منزلته وتلذذ بحصول مرتبته ورجاء لشفاعته حلت أي وجبت وثبتت له شفاعتي يوم القيامة وفيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة رواه البخاري والأربعة قاله ميرك وعن أنس قال كان النبي


يغير من الإغارة إذا طلع الفجر ليعلم أنهم مسلمون أو كفار وفيه اقتباس من قوله تعالى فالمغيرات صبحا العاديات قال
الطيبي صيغة المضارعة تدل على الاستمرار أي كان عادته ودأبه والإغارة كبس القوم على غفلة وهي بالليل أولى ولعل تأخيرها إلى الصبح لإستماع الأذان نقله ميرك وكتب تحته وفيه ولا أعلم ما فيه إلا أن يقال الإستمرار مستفاد من كان لا من المضارعة والله أعلم وكان يستمع الأذان أي يطلب سماعه ليعرف حالهم به فإن سمع أذانا وضعه موضع ضميره إشعارا بأن من حقه وكونه من علامات الدين أن لا يتعرض لأهله أمسك أي عن الإغارة وتركها وإلا أي وإن لم يسمع الأذان أغار من الإغارة وهو النهب قيل استماعه عليه السلام للأذان وانتظاره إياه كان حذرا من أن يكون فيهم مؤمن فيغير عليه غافلا عن حاله وهذا يدل على جواز مقاتلة الكفار والإغارة عليهم قبل الدعوة والإنذار إلا أن الدعوة مستحبة وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ومنع مالك من مقاتلتهم قبلها كذا ذكره ابن الملك فسمع الفاء فصيحة أي لما كان عادته ذلك استمع فسمع رجلا يقول الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله على الفطرة أي أنت أو هو على الدين أو السنة أو الإسلام لأن الأذان لا يكون إلا للمسلمين ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله فقال رسول الله خرجت أي بالتوحيد من النار يعني بسبب أنك تركت الشرك بالله بذلك القول قاله ابن الملك وقال الطيبي إشارة إلى استمرار تلك الفطرة وعدم تصرف الوالدين فيه بالشرك وأما خرجت بلفظ الماضي فيحتمل أن يكون تفاؤلا وأن يكون قطعا لأن كلامه عليه السلام حق وصدق فنظروا أي الصحابة إليه أي إلى ذلك الرجل فإذا هو أي المؤذن راعي معزى بكسر الميم بمعنى المعز وهو اسم جنس وواحد المعزى ماعز وهو خلاف الضأن قاله الطيبي وهو بالتنوين وقيل بتركه وقيل كل ينونونها في النكرة وقال سيبويه معزى منون مصروف وقيل الألف المحذوفة للإلحاق لا للتأنيث رواه مسلم قال


السيد وروى البخاري صدر الحديث إلى قوله وإلا أغار وعن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله من قال حين يسمع
المؤذن أي صوته أو أذانه أو قوله وهو الأظهر وهو يحتمل أن يكون المراد به حين يسمع تشهده الأول أو الأخير وهو قوله آخر الأذان لا إله إلا الله وهو أنسب ويمكن أن يكون معنى يسمع يجيب فيكون صريحا في المقصود وأن الظاهر أن الثواب المذكور مترتب على الإجابة بكمالها مع هذه الريادة ولأن قوله بهذه الشهادة في أثناء الأذان ربما يفوته الإجابة في بعض الكلمات الآتية أشهد أن لا إله إلا الله وحده أي منفرد بوحدانيته لا شريك له في ذاته وصفاته زيادة تأكيد وأن محمدا عبده قدمه إظهارا للعبودية وتواضعا للحضرة الربوبية ورسوله أظهره تحدثا بالنعمة وفيهما إشارة إلى الرد على النصارى واليهود والإضافة فيهما للإختصاص والمراد بهما الفرد الكامل الموصوف بهما رضيت بالله ربا تمييز أي بربوبيته وبجميع قضائه وقدره فإن الرضا بالقضاء باب الله الأعظم وقيل حال أي مربيا ومالكا وسيدا ومصلحا وبمحمد رسولا أي بجميع ما أرسل به وبلغه إلينا من الأمور الإعتقادية وغيرها وبالإسلام أي بجميع أحكام الإسلام من الأوامر والنواهي دينا أي اعتقادا أو انقيادا أو قال ابن الملك الجملة استئناف كأنه قيل ما سبب شهادتك فقال رضيت بالله وأما ما ذكره ابن حجر من تقديم وبالإسلام دينا وتأخير وبمحمد رسولا فمخالف لرواية أصل الكتاب على ما في النسخ المصححة التي هي مطابقة للدراية أيضا فإن حصول الإسلام إنما يكون بعد تحقق الشهادتين غفر له ذنبه أي من الصغائر وهو يحتمل أن يكون إخبار أو أن يكون دعاء قاله ابن الملك والأول هو المعول رواه مسلم والأربعة والعجب أن الحاكم أخرجه في مستدركه وأعجب من ذلك تقرير الذهبي له في استدراكه عليه وهو في صحيح مسلم بلفظه قاله ميرك وأقول لعل إخراج الحاكم له بغير السند الذي في مسلم فلينظر فيه ليعلم ما فيه والله أعلم هذا وأخرجه البيهقي


بلفظ من سمع المؤذن يؤذن فقال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبيا والقرآن إماما والكعبة قبلة أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اكتب شهادتي هذه في عليين وأشهد عليها ملائكتك المقربين وأنبياءك المرسلين وعبادك الصالحين واختم عليها بآمين واجعل لي عندك عهدا توفنيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ندرت إليه بطاقة من تحت العرش فيها أمانة من النار وعن عبد الله بن مغفل قال قال رسول الله بين كل أذانين أي أذان
وإقامة فيه تغليب أو المعنى بين إعلامين صلاة قال الطيبي غلب الأذان على الإقامة وسماها باسمه قال الخطابي حمل أحد الاسمين على الآخر شائع كما قالوا سيرة العمرين ويحتمل أن يكون الاسم حقيقة لكل منهما لأن الأذان في اللغة بمعنى الإعلام فالأذان إعلام بحضور الوقت والإقامة إعلام بحضور فعل الصلاة بين كل أذانين صلاة قال ابن الملك كرر تأكيدا للحث على النوافل بينهما قال المظهر إنما حرض عليه السلام أمته على صلاة النفل بين الأذانين لأن الدعاء لا يرد بينهما لشرف ذلك الوقت وإذا كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة أكثر قلت وللمبادرة إلى العبادة والمسارعة إلى الطاعة وللفرق بين المخلص والمنافق وليتهيأ لأداء الفرض على وجه الكمال والحاصل أنه يسن أن يصلي بين الأذان والإقامة وكره أبو حنيفة النفل قبل المغرب لحديث بريدة الأسلمي أن رسول الله قال عند كل أذانين ركعتين خلا صلاة المغرب كذا ذكره بعض علمائنا ثم قال في الثالثة لمن شاء ليعلم أنها لا تختص بالمؤذن بل عام قاله ابن الملك والأظهر ليعلم أنها مستحبة غير واجبة متفق عليه والأربعة قاله ميرك
الفصل الثاني


عن أبي هريرة قال قال رسول الله الإمام ضامن أي متكفل لصلاة المؤتمين بالإتمام ومتحمل عنهم القراءة والقيام إذا أدركوا راكعين فالضمان هنا ليس بمعنى الغرامة بل يرجع إلى الحفظ والرعاية كذا قاله بعض علمائنا وقال ابن حجر وضمانهم إما لنحو الإسرار بالقراءة والجهر بها أو للدعاء بأن يعموا به ولا يخصوا به أنفسهم إلا فيما ورد كرب اغفر لي بين السجدتين أو لتحملهم نحو القراءة عن المسبوق والسهو عن الساهي أو بسقوط فرض الكفاية أقوال والمؤذن مؤتمن قال القاضي الإمام متكفل أمور صلاة الجمع فيتحمل القراءة عنهم إما مطلقا عند من لا يوجب القراءة على المأموم أو إذا كانوا


مسبوقين ويحفظ عليهم الأركان والسنن وإعداد الركعات ويتولى السفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء وعليه اعتماد الإمام يصلح صلاته بصلاح صلاته وبالعكس والمؤذن أمين في الأوقات يعتمد الناس على أصواتهم في الصلاة والصيام وسائر الوظائف المؤقتة نقله الطيبي وقال ابن الملك لأنهم يراعون ويحافظون من القوم صلاتهم لأنها في عهدتهم كالمتكفلين لهم صحة صلاتهم وفسادها وكمالها ونقصانها بحكم المتبوعية والتابعية ولهذا الضمان كان ثوابهم أوفر إذا راعوا حقها ووزرهم أكثر إذا خلوا بها أو المراد ضمان الدعاء والمؤذنون أمناء لأن الناس يعتمدون عليهم في الصلاة ونحوها أو لأنهم يرتقون في أمكنة عالية فينبغي أن لا يشرفوا على بيوت الناس لكونهم أمناء اللهم أرشد الأئمة وغفر للمؤذنين ولفظ المصابيح أرشد الله الأئمة واغفر للمؤذنين قال الطيبي دعاء أخرجه في صورة الخبر مبالغة وعبر بالماضي ثقة بالإستجابة كأنه استجيب فيه ويخبر عنه موجودا والمعنى أرشد الله الأئمة للعلم بما تكفلوه والقيام به والخروج عن عهدته واغفر للمؤذنين ما عسى يكون لهم تفريط في الأمانة التي حملوها من جهة تقديم على الوقت أو تأخير عنه سهوا قال الأشرف يستدل بقوله الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن على فضل الأذان على الإمامة لأن حال الأمين أفضل من حال الضمين تم كلامه ورد بأن هذا الأمين يتكفل الوقت فحسب وهذا الضامن يتكفل أركان الصلاة ويتعهد للسفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء فأين أحدهما من الآخر وكيف لا والإمام خليفة رسول الله والمؤذن خليفة بلال وأيضا الإرشاد الدلالة الموصلة إلى البغية والغفران مسبوق بالذنب قاله الطيبي وهو مذهبنا وعليه جمع من الشافعية رواه أحمد وأبو داود وذكره النووي في الأحاديث الضعيفة قاله ميرك والترمذي قال الترمذي سمعت أبا زرعة يقول حديث أبي صالح عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح عن عائشة قال وسمعت محمد بن إسماعيل يقول حديث أبي صالح عن عائشة أصح وذكر


علي بن المديني أنه قال لا يثبت حديث أبي هريرة ولا حديث عائشة في هذا ا ه نقله ميرك وقال ابن حجر هو حديث ضعيف وبه استدل جماعة من أصحابنا على ما نص عليه الشافعي في الأم من أن الأذان أفضل من الإمامة وعبارته وأحب الأذان لحديث اللهم اغفر للمؤذنين وأكره الإمامة للضمان وما على الإمام فيها وإنما استدلوا به مع ضعفه لأنه اعتضد برواية صححها ابن حبان والعقيلي وإن أعلها ابن المديني وقال أحمد ليس لها أصل الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء فارشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين ا ه وفيه أن الدعاء بالإرشاد أعلى من الدعاء بالمغفرة لأن الغفران يستدعي سبق ذنب والإرشاد يستدعي وصول البغية وقول ابن حجر أنه ممنوع فيهما كما هو جلي مدفوع بأنه غير خفي فضلا عن أنه جلي بل إنه بديهي لا نظري وأغرب الماوردي في توجيهه حيث قال دعا للإمام بالإرشاد خوف تقصيره


وللمؤذن بالمغفرة لعلمه بسلامة حاله وأما ما ورد في فضيلة الأذان مما تقدم ويأتي ونحو خبر أحمد لو يعلم الناس مالهم في التأذين لتضاربوا عليه بالسيوف فلا يدل على أفضلية الأذان خلافا لما وهم ابن حجر وأما خبر الحاكم وصححه هو وابن شاهين إن خياركم عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة لذكر الله فلا خصوصية له بالمؤذن على ما فهم ابن حجر وأما ما صح عن عمر لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت فمراده الجمع بينهما فلا دلالة فيه على أفضلية الأذان كما ذكر بل على أفضلية الإمام ويدل على ما ذكرنا خبر الصحيحين ليؤذن لكم أحدكم ويؤمكم أكبركم وحديث النسائي ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن وحديث ابن عدي ليؤمكم أحسنكم وجها فإنه أحرى أن يكون أحسنكم خلقا وأما حديث أبي داود وابن ماجه ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم فالمراد بالخيار الصلحاء وبالقراء العلماء والعلماء أفضل الناس بعد الأنبياء ولأن القيام بحقوق الإمامة أشق فهو أفضل مآبا وأجزل ثوابا وهذا كله بعد القيام بحق كل منهما فلا وجه لقوم آخرين حيث قالوا إن قام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان أفضل إذ لا يصح هذا الإطلاق والعجب من ابن حجر أنه حرره وقرره والشافعي ولعل تأخير الإمام الشافعي عن المخرجين المذكورين مع أنه أجل منهم رواية ودراية باعتبار صحة أسانيد كتبهم واشتهارها وقبول العامة لها أما ترى أن البخاري ومسلما يتقدمان عليه بل على أستاذه الإمام مالك وما ذلك إلا لقوة صحة كتابيهما وتلقي الأمة لهما بالقبول وقال ابن حجر إنما أخره عنهم مع أنهم من جملة تلامذته أو تلامذة تلامذته ليفيد أن له رواية أخرى ولذا قال وفي أخرى أي رواية له أي للشافعي بلفظ المصابيح وهو الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين قال ابن الملك الضمناء جمع الضمين بمعنى الضامن والأمناء جمع أمين وتفسير ابن حجر لفظ المصابيح بقوله وهو أرشد الله الخ تقصير منه وعن


ابن عباس قال قال رسول الله من أذن سبع سنين وهو أقل مراتب الكثرة محتسبا حال أي طالبا للثواب لا للأجرة في الفائق الاحتساب من الحسب كالإعتداد من العد وإنما قيل احتسب العمل لمن ينوي به وجه الله تعالى لأن له حينئذ أن يقيد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه مقيد والحسبة اسم من الإحتساب كالعدة من الإعتداد ومنه حديث عمر يا أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإنه من احتسب عمله كتب له
أجر عمله وأجر حسبه كتب له براءة بالمد أي خلاص من النار رواه الترمذي وقد ذكره النووي في الأحاديث الضعيفة نقله ميرك وقال ابن حجر وسنده حسن كذا أشار إليه بعضهم وكأنه لم ينظر لقول غيره في سنده مقال لأنه اعتضد وابن ماجه وفي نسخة وأبو داود قال ميرك وفي هذه النسخة تأمل فإن الحديث ليس في سنن أبي داود وروى الطبراني المؤذن المحتسب كالشهيد المتشحط في دمه إذا مات لم يدود في قبره وعن عقبة بن عامر قال قال رسول الله يعجب ربك أي يرضى قال النووي التعجب على الله محال إذ لا يخفى عليه أسباب الأشياء والتعجب إنما يكون مما خفي سببه فالمعنى عظم ذلك عنده وكبر وقيل معناه الرضا والخطاب إما للراوي أو لواحد من الصحابة غيره وقيل الخطاب عام لكل من يتأتى منه السماع لفخامة الأمر فيؤكد معنى التعجب من راعي غنم اختار العزلة من الناس فإن الإستئناس بالناس من علامة الإفلاس في رأس شظية للجبل بفتح الشين المعجمة وكسر الظاء المعجمة وتشديد التحتانية أي قطعة من رأس الجبل وقيل هي الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل كأنها أنف الجبل يؤذن بالصلاة ويصلي قال ابن الملك فائدة تأذينه إعلام الملائكة والجن بدخول الوقت فإن لهم صلاة أيضا وإنما لم يذكر الإقامة لأنها للإعلام بقيام الصلاة وليس أحد يصلي خلفه حتى يقيم لإعلامه ا ه وهو خلاف المذهب لأن الأفضل أن يجمع بينهما فالأولى أن يراد بالتأذين الإعلام بالمعنى الأعم أو يقدر الإقامة لما سيأتي من قوله ويقيم وفي تأذينه فوائد


أخر من شهادة الأشياء على توحيده ومتابعة سنته والتشبه بالمسلمين في جماعتهم وقيل إذا أذن وأقام تصلي الملائكة معه ويحصل له ثواب الجماعة والله أعلم فيقول الله عز وجل أي لملائكته وأرواح المقربين عنده انظروا إلى عبدي هذا تعجيب للملائكة من ذلك الأمر بعد التعجب لمزيد التفخيم وكذا تسميته بالعبد وإضافته إلى نفسه والإشارة بهذا تعظيم على تعظيم يؤذن ويقيم الصلاة نصب بنزع الخافض أي للصلاة تنازع فيه الفعلان وقال ابن الملك أي يحافظها ويداوم عليها يخاف مني أي يفعل ذلك خوفا من عذابي لا ليراه أحد قاله ابن الملك وقال الطيبي الأظهر أنه جملة استئنافية وإن احتمل الحال فهو كالبيان لعلة عبوديته واعتزاله التام عن الناس وأما قول ابن حجر ولذا آثر الشظية بالرعي فيها والمعز


برعايتها لأن الأعين لا تتشوف إليها تشوفها للضأن فلا دلالة للحديث عليه لأن الغنم أعم منهما وفي الحديث دليل على جواز الأذان والإقامة للمنفرد ذكره ابن الملك لكن الأولى أن يقال دليل على استحبابهما قد غفرت لعبدي فإن الحسنات يذهبن السيئات وأدخلته الجنة فإنها دار المثوبات رواه أبو داود والنسائي وأحمد ورجاله ثقات قاله ميرك وعن ابن عمر قال قال رسول الله ثلاثة أي أشخاص على كثبان المسك يوم القيامة قال ابن الهمام وللإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر يرفعه ثلاثة على كثبان المسك أراه يوم القيامة زاد في رواية يغبطهم الأولون والآخرون الكثبان بالضم جمع كثيب وهو ما ارتفع من الرمل كالتل الصغير قال الطيبي عبر عن الثواب بكثبان المسك لرفعته وظهور فوحه وروح الناس من رائحته لتناسب حال هؤلاء الثلاثة فإن أعمالهم متجاوزة إلى الغير ا ه وتبعه ابن حجر والأولى الحمل على الحقيقة بل يتعين إن قلنا المراد بيوم القيامة الدار الآخرة عبد أي قن لتدخل فيه الأمة على أن ابن حزم نقل أنه يطلق عليهما والمعنى أولهم مملوك أدى حق الله أي مولاه الحقيقي وحق مولاه أي المجازي ورجل أم قوما أي جمع بين صلاته وإمامته وقوما قيد غالبي الوقوع وإلا فيكفي واحد أو المراد أهل المحلة ولذا قال وهم به راضون فبرضاهم يكون ثواب الإمام أكثر ولأن إجماعهم على الرضا به دليل على صلاح حاله وإنما وصف هو بالرضا دون المؤذن لأن نقص صلاة الإمام يسري لنقص صلاة المأموم وكذا كمالها بخلاف المؤذن ثم العبرة برضا أكثرهم من علمائهم ورجل ينادي أي يؤذن ويعلم بالصلوات الخمس قال ابن حجر وصفه بالمضارع تقريرا لفعله واستحضارا له في ذهن السامع استعجابا منه ا ه والأظهر أن إيراد المضارع ليفيد الإستمرار ولذا قيده بالصلوات الخمس بصيغة الجمع وفيه إشارة إلى حط مرتبته عن مرتبة الإمام كما يؤمىء إليه تأخيره عنه ولا ينافي تقديم العبد لأن مقام التعجب يقتضيه ولذا خص في موضع آخر بأن


له أجرين فلا يبعد أنه من هذه الحيثية أكثر ثوابا من كل من الإمام والمؤذن كل يوم أي في كل يوم كما في رواية وليلة أي دائما لجمعه بين الصلاة والآذان وبين نفعي القاصر والمتعدي قال ابن الملك وإنما أثيبوا بذلك لأنهم صبروا أنفسهم في الدنيا على كرب الطاعة فروحهم الله في عرصات القيامة بأنفاس عطرة على تلال مرتفعة من المسك إكراما لهم بين الناس لعظم شأنهم وشرف أفعالهم رواه الترمذي
وقال هذا حديث غريب قال ابن الهمام ورواه الطبراني في الأوسط والصغير بإسناد لا بأس به ولفظه قال ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب وهم على كثب من مسك حتى يفرغ حساب الخلائق رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وأم به قوما وهم به راضون وداع يدعو إلى الصلاة ابتغاء وجه الله عز وجل وعبد أحسن فيما بينه وبين ربه وفيما بينه وبين مواليه ورواه في الكبير ولفظه عن ابن عمر قال لو لم أسمع من رسول الله إلا مرة ومرة ومرة حتى عد سبع مرات لما حدثت به سمعت رسول الله يقول ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا يفزعون حين يفزع الناس رجل علم القرآن فقام به يطلب وجه الله وما عنده ورجل ينادي في كل يوم وليلة بخمس صلوات يطلب به وجه الله وما عنده ومملوك لم يمنعه رق الدنيا عن طاعة ربه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله المؤذن يغفر له مدى صوته بفتح الميم والدال أي نهايته كذا في النهاية وقيل أي له مغفرة طويلة عريضة على طريق المبالغة أي يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وسعه في رفع الصوت وقيل يغفر خطاياه وإن كانت بحيث لو فرضت أجساما لملأت ما بين الجوانب التي يبلغها والمدى على الأول نصب على الظرف وعلى الثاني رفع على أنه أقيم مقام الفاعل وقال الطيبي مدى صوته أي المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو قدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقام المؤذن ذنوب له تملأ تلك المسافة لغفرها الله له فيكون هذا الكلام تمثيلا قيل معناه يغفر لأجله كل من


سمع صوته فحضر للصلاة المسببة لندائه فكأنه غفر لأجله وقيل معناه يغفر ذنوبه التي باشرها في تلك النواحي إلى حيث يبلغ صوته وقيل معناه يغفر بشفاعته ذنوب من كان ساكنا أو مقيما إلى حيث يبلغ صوته وقيل يغفر بمعنى يستغفر أي يستغفر له كل من يسمع صوته ويشهد له كل رطب أي نام ويابس أي جماد مما يبلغه صوته وتحمل شهادتهما على الحقيقة لقدرته تعالى على انطاقهما أو على المجاز بقصد المبالغة قاله ابن الملك وشاهد الصلاة أي حاضرها ممن كان غافلا عن وقتها وقال ابن حجر أي حاضر صلاة الجماعة المسببة عن الأذان ا ه فيكون القيد غالبيا وإلا فحاضر صلاة الجماعة له الفضيلة الآتية


سواء وجد سببية الأذان أم لا ولذا قال الطيبي عطف على قوله المؤذن يغفر له أي والذي يحضر لصلاة الجماعة يكتب له أي للشاهد خمس وعشرون أي ثواب خمس وعشرين صلاة وقيل بعطف شاهد على كل رطب أي يشهد للمؤذن حاضرها يكتب له أي للمؤذن خمس وعشرون صلاة ويؤيد الأول ما في رواية تفضل صلاة الجماعة على الفذ بسبع وعشرين درجة قلت وفي رواية صحيحة بخمس وعشرين صلاة وهي للمطابقة أظهر ولعل اختلاف الروايات باختلاف الحالات والمقامات قال ابن حجر ويؤيد الثاني ما سيأتي من رواية إن المؤذن يكتب له مثل أجر كل من صلى بأذانه فإذا كتب لشاهد الجماعة بأذانه ذلك كان فيه إشارة إلى كتب مثله للمؤذن ومن ثم عطفت هذه الجملة على المؤذن يغفر له لبيان أن له ثوابين المغفرة وكتابة مثل تلك الكتابة والأظهر عندي أن شاهد الصلاة عطف على كل رطب عطف خاص على عام لأنه مبتدأ كما اختاره الطيبي ثم يحتمل أن يكون الضمير في يكتب له للشاهد وهو أقرب لفظا وسياقا أو للمؤذن وهو أنسب معنى وسياقا ويكفر عنه أي الشاهد أو المؤذن ما بينهما أي ما بين الصلاتين اللتين شهدهما أو ما بين أذان إلى أذان من الصغائر رواه أحمد قال ابن الهمام روى الإمام أحمد مرفوعا لو يعلم الناس ما في النداء لتضاربوا عليه بالسيوف وله بإسناد صحيح يغفر للمؤذن منتهى أذانه ويستغفر له كل رطب ويابس سمعه ورواه البزار إلا أنه قال ويجيبه كل رطب ويابس وأبو داود قال ابن الهمام وكذا ابن خزيمة ولفظهما يشهد له والنسائي وزاد وله مثل أجر من صلى معه والطبراني مثل هذا وله في الأوسط يد الرحمن فوق رأس المؤذن وإنه ليغفر له مدى صوته أين بلغ وله فيه إن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم يؤذن المؤذن ويلبي الملبي وابن ماجه أي الحديث بكماله وروى النسائي إلى قوله كل رطب ويابس وقال أي النسائي في روايته وله أي للمؤذن مثل أجر من صلى أي بأذانه وعن عثمان بن أبي العاص قال قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال


أنت إمامهم أي جعلتك إمامهم فيفيد الحديث أو أنت كما قلت فيكون للدوام قاله ابن الملك وقال ابن حجر وهي وإن دلت على إثبات إمامته إعلاما بتأهله في تأويل أم بهم فلذا عطف عليه بقوله واقتد بأضعفهم أي تابع أضعف المقتدين في تخفيف الصلاة من غير ترك شيء من الأركان يريد تخفيف القراءة والتسبيحات حتى لا يمل القوم وقيل لا تسرع حتى يبلغك أضعفهم ولا تطول حتى لا تثقل عليه قاله ابن الملك وقال الطيبي اقتد جملة إنشائية عطف على أنت إمامهم لأنه بتأويل أمهم وإنما عدل إلى الأسمية للدلالة على الثبات كأن إمامته ثبتت ويخبر عنها يعني كما أن الضعيف يقتدي بصلاتك فاقتد أنت أيضا بضعفه واسلك سبيل التخفيف في القيام والقراءة وفيه من الغرابة أنه جعل المقتدى مقتديا قال التوربشتي ذكر بلفظ الإقتداء تأكيدا للأمر المحثوث عليه لأن من شأن المقتدي أن يتابع المقتدى به ويجتنب خلافه فعبر عن مراعاة القوم بالإقتداء مشاكلة لما قبله واتخذ مؤذنا أمر ندب لا يأخذ على أذانه أجرا قال ابن الهمام ورد من رواية أبي داود عن ابن عباس وليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم فعلم أن المراد أن المستحب كون المؤذن عالما عاملا إن العالم الفاسق ليس من الخيار لأنه أشد عذابا من الجاهل الفاسق على أحد القولين كما تشهد له الأحاديث الصحيحة ثم يدخل في كونه خيارا أن لا يأخذ أجرا فإنه لا يحل للمؤذن ولا للإمام قالوا فإن لم يشارطهم على شيء لكن عرفوا حاجته فجمعوا له في كل وقت شيئا كان حسنا ويطيب له وعلى هذا المعنى لا يحل له أخذ شيء على ذلك لكن ينبغي للقوم أن يهدوا له وفي فتاوى قاضي خان المؤذن إذا لم يكن عالما بأوقات الصلاة لا يستحق ثواب المؤذنين ا ه ففي أخذ الأجر أولى تم كلامه لكن ينبغي أن يحمل قول قاضي خان على مؤذن يؤذن في غير الوقت لأن ابن أم مكتوم كان أعمى وهو مؤذن ويدخل في الخيار أيضا أن لا يلحن الأذان لأنه لا يحل وتحسين الصوت مطلوب ولا تلازم بينهما قيل


تمسك به من منع الإستئجار على الآذان ولا دليل فيه لجواز أن يأمره بذلك أخذا للأفضل كذا قاله الطيبي وقال الخطابي أخذ المؤذن على أذانه مكروه بحسب مذاهب أكثر العلماء قال الحسن أخشى أن لا تكون صلاته خالصة وكرهه الشافعي وقال يرزق من خمس الخمس من سهم رسول الله فإنه مرصد لمصالح المسلمين قال ابن حجر فإن وجد عدل تبرع بأذانه لم يجز للإمام أن يرزق أحدا من بيت المال شيئا على أذانه قال المظهر فيه أن الإمامة ينبغي أن تكون بإذن الحاكم يعني الإمام الراتب وأنه يستحب للإمام التخفيف في الصلاة رعاية للضعيف وقد ورد من أم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والمريض وذا الحاجة رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم في المستدرك وأخرج مسلم منه الفصل


الأول وابن ماجه الفصلين في موضعين والترمذي الفصل الأخير وقال حديث حسن نقله ميرك وفي خبر للترمذي آخر ما عهد إلى رسول الله أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا وعن أم سلمة قالت علمني رسول الله أن أقول عند أذان المغرب الظاهر أن يقال هذا بعد جواب الأذان أوفى أثنائه اللهم هذا إشارة إلى ما في الذهن وهو مبهم مفسر بالخبر قاله الطيبي وتبعه ابن حجر والظاهر أنه إشارة إلى الأذان لقوله وأصوات إقبال ليلك أي هذا الأذان أو إن إقبال ليلك وإدبار نهارك أي في الأفق وأصوات دعاتك أي في الآفاق جمع داع وهو المؤذن فاغفر لي بحق هذا الوقت الشريف والصوت المنيف وبه يظهر وجه تفريع المغفرة ومناسبة الحديث للباب فإنه يدل على أن وقت الأذان زمان استجابة الدعاء فلا يحتاج إلى ما تكلف به ابن حجر في شرحه ولعل وجه تخصيص المغرب أنه بين طرفي النهار والليل وهو يقتضي طلب المغفرة السابقة واللاحقة ويمكن أن يؤخذ بالمقايسة عليه ويقال عند أذان الصبح أيضا لكن بلفظ هذا إدبار ليلك وإقبال نهارك الخ ثم رأيت ابن حجر ذكر أنه اعترض على هذا بأن هذه أمور توقيفية لكنه مدفوع بأنه لا مانع لهذا من الأدلة الشرعية وقد أجمعوا على جواز الأدعية المصنوعة من أصلها فكيف إذا كان مأخوذا من الألفاظ النبوية وما ثم من المحذورات اللفظية والمحظورات المعنوية والقياس على الأسماء الإلهية خارج عن القواعد الأصولية رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه وأقره الذهبي على صحته قاله ميرك والنسائي والطبراني قاله ابن حجر والبيهقي في الدعوات أي كتاب الدعوات الكبير صفة للمضاف المقدر قال ابن حجر وسنده حسن وفي رواية بعد دعاتك وصلوات ملائكتك أسألك أن تغفر لي وعن أبي أمامة أو بعض أصحاب رسول الله قال إن بلالا أخذ أي شرع والبيهقي في الدعوات أي كتاب الدعوات الكبير صفة للمضاف المقدر قال ابن حجر وسنده حسن وفي رواية بعد دعاتك وصلوات ملائكتك أسألك أن تغفر لي وعن أبي


أمامة أو بعض أصحاب رسول الله قال إن بلالا أخذ أي شرع
سقط صفحة و من قوله في الإقامة فلما شرطية قالة ابن مالك إلى سلوا العافية في الدنيا و الآخرة اية وذلك لشرف الوقت رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن نقله ميرك وقال ابن حجر سنده صحيح وفي رواية حسنها الترمذي الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة قالوا فماذا نقول يا رسول الله قال سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه فإن أباه ساحبي على ما قاله ابن حجر قال قال رسول الله ثنتان أي دعوتان ثنتان لا تردان أو قلما تردان قال المغني ما زائدة كافة عن العمل الدعاء عند النداء أي حين الأذان أو بعده وعند البأس


أي الشدة والمحاربة مع الكفار حين بدل من قوله وعند البأس أو بيان يلحم بفتح الياء والحاء أي يقتل بعضهم بعضا كأنه يجعل المقتول لحما وفي نسخة بضم الياء وكسر الحاء أي يختلط وسمي اللحم لحما لاختلاط بعض أجزائه قال الطيبي وفي الغريبين ألحم الرجل إذا نشب في الحرب فلم يجد مخلصا ولحم إذا قتل وقال القاضي عياض لحمه إذا التصق به التصاق اللحم بالعظم أي حين يلتصق بعضهم ببعض أو يهم بعضهم بقتل بعض من لحم فلان فهو ملحوم إذا قتل كأنه جعل لحما وفي رواية أي بدل قوله وعند البأس يلحم بعضهم بعضا فإن في رواية لأبي داود بلفظ ساعتان يفتح فيهما أبواب السماء وقلما ترد على داع دعوته عند حضور النداء ووقت المطر وفي رواية له باللفظ الذي ذكره المصنف والله أعلم قاله ميرك وقوله وتحت المطر أي عند نزول المطر وقال الطيبي وروى في العوارف أنه عليه الصلاة والسلام كان يستقبل الغيث ويتبرك به ويقول حديث عهد بربه رواه أبو داود والدارمي إلا أنه أي الدارمي لم يذكر وتحت المطر وعن عبد الله بن عمرو أي المروي عنه قال رجل يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا بفتح الياء وضم الضاد أي يحصل لهم فضل ومزية علينا في الثواب بسبب الأذان والظاهر أنه خبر يعني فما تأمرنا به من عمل نلحقهم بسببه فقال رسول الله قل كما يقولون أي إلا عند الحيعلتين لما ذكرنا من قبل فيحصل لك الثواب قاله ابن الملك أي مثله في أصل الثواب ثم أفاد زيادة على الجواب بقوله فإذا انتهيت أي فرغت من الإجابة فسل بالنقل أي اطلب من الله حينئذ ما تريد تعط أي يقبل الله دعاءك ويعطيك سؤالك رواه أبو داود وسكت عليه وأقره المنذري ورواه النسائي في اليوم والليلة وابن حبان في صحيحه قاله ميرك وروى الطبراني من سمع المؤذن فقال ما يقول فله مثل أجره وقال ابن الهمام وروى الطبراني في الأوسط والإمام أحمد عنه عليه السلام من قال حين ينادي المنادي اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة النافعة صل على


محمد وارض عني رضا لا تسخط بعده استجاب الله له دعوته وله في الكبير من سمع النداء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وبلغه درجة الوسيلة عندك واجعلنا في شفاعته يوم القيامة وجبت له الشفاعة

الفصل الثالث
عن جابر قال سمعت النبي يقول إن الشيطان المراد به جنس الشيطان أو رئيسهم وهو الأظهر إذا سمع النداء بالصلاة ذهب لكراهته الأذان والإقامة أو الإجتماع في الطاعة حتى يكون مكان الروحاء أي يبعد الشيطان من المصلي بعد ما بين المكانين والتقدير يكون الشيطان مثل الروحاء في البعد قاله الطيبي قال الراوي المراد به أبو سفيان طلحة بن نافع المكي الراوي عن جابر كما هو مصرح به في رواية مسلم نقله ميرك والروحاء من المدينة أي إلى مكة على ستة وثلاثين ميلا يعني اثني عشر فرسخا رواه مسلم وعن علقمة بن أبي وقاص هو ليثي وقد ولد في زمن النبي وقيل كان في الوفد الذين جاؤه عليه السلام وشهد الخندق ومات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان قاله الطيبي قال إني لعند معاوية أي ابن أبي سفيان إذ بسكون الذال أذن مؤذنه أي الخاص له أو لمسجده فقال معاوية كما قال مؤذنه حتى إذا قال حي على الصلاة بالهاء على الوقف قال أي معاوية لا حول ولا قوة إلا بالله وقد تقدم معناه فلما قال أي مؤذنه حي على الفلاح قال أي معاوية لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هذه الزيادة زيادة نادرة في الروايات قاله الطيبي وقال بعد ذلك ما قال المؤذن أي مثل قوله ثم قال أي معاوية سمعت رسول الله قال ذاك أي بالفعل أو الأمر رواه أحمد قال ابن حجر والنسائي وسنده حسن


وعن أبي هريرة قال كنا مع رسول الله فقام بلال ينادي أي يؤذن فلما سكت أي فرغ قال رسول الله من قال مثل هذا أي القول مجيبا أو مؤذنا أو مطلقا يقينا أي خالصا مخلصا من قلبه دخل الجنة أي استحق دخول الجنة أو دخل مع الناجين رواه النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد ذكره ميرك وعن عائشة قالت كان النبي إذا سمع المؤذن أي صوته يتشهد حال قال وأنا وأنا عطف على قول المؤذن بتقدير العامل أي وأنا أشهد كما تشهد بالتاء والياء والتكرير في أنا راجع إلى الشهادتين قاله الطيبي والأظهر وأشهد أنا ويمكن أن يكون التكرير للتأكيد فيهما وفيه أنه عليه السلام كان مكلفا بأن يشهد على رسالته كسائر الأمة نقله ميرك عن الطيبي وقال وفيه تأمل ولعل وجهه أن التكليف غير مستفاد منه والله أعلم ثم اختلف في أنه هل كان يتشهد مثلنا أو يقول وأشهد أني رسول الله والصحيح أنه كان كتشهدنا كما رواه مالك في الموطأ ويؤيده خبر مسلم عن معاذ أنه قال في إجابة المؤذن وأشهد أن محمدا رسول الله الخ ثم قال سمعت رسول الله قال ذلك فيجمع بأنه كان يقول هذا تارة وذاك أخرى فلو قال المجيب ما هنا هل يحصل له أصل سنة الإجابة محل نظر والظاهر أنه من خصوصياته لقوله من قال مثل قول المؤذن والمثل يحمل على حقيقته اللفظية نعم له أن يقول وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنا أشهد أن محمدا رسول الله رواه أبو داود قال ميرك واللفظ له وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد وعن ابن عمر أن رسول الله قال من أذن ثنتي عشرة بسكون الشين وتكسر سنة ولعل هذا مقدار مشروعية الأذان في ذلك الزمان وجبت له الجنة أي بصادق وعد الله ورحمته وكتب له بتأذينه أي فقط دون صلاته في كل يوم أي لكل أذان بقرينة قوله الآتي


ولكل إقامة ستون حسنة فيه حذف أو كتب له بسبب تأذينه كل مرة في كل يوم كذا في شرح السنة نقله ميرك وكتب تحته وفيه تأمل ولم يظهر لنا وجهه ولكل إقامة أي في كل يوم ثلاثون حسنة ولعل وجه التنصيف في التضعيف أن الإقامة مختصة بالحاضرين والأذان عام أو لسهولة الإقامة ومشقة الأذان بالصعود إلى المكان المرتفع ورفع الصوت والتؤدة والأجر على قدر المشقة أو لإفراد ألفاظ الإقامة عند من يقول بها والله أعلم وأما قول ابن حجر وظاهره أن كتابة ستين حسنة لكل أذان وثلاثين لكل إقامة خاص بمن أذن تلك المدة وإن لم يؤذنها لا يكتب له ذلك فغير ظاهر إذ جزاء الشرط تم بقوله وجبت وقوله وكتب أي أثبت له مع ذلك بتأذينه وإقامته إذ لا فرق بين المداومة وتركها في تحصيل أصل الثواب ثم هذه الكتابة زيادة على ثواب كلمات الأذان والإقامة فإنه يحصل لكل من تكلم بها من المجيب وغيره فلا خصوصية للمؤذن وأيضا لو اعتبر ثواب الكلمات لزاد على ما ذكر من الحسنات رواه ابن ماجه والدارقطني والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري نقله ميرك عن المنذري وعنه أي عن ابن عمر قال كنا نؤمر بالدعاء عند أذان المغرب قال الطيبي لعل هذا الدعاء ما مر في حديث أم سلمة رواه البيهقي في الدعوات الكبير وكذا الطبراني فائدة جزم النووي بأنه عليه السلام أذن مرة في السفر واستدل له بخبر الترمذي ورد بأن أحمد أخرجه في مسنده من طريق الترمذي بلفظ فأمر بلال فأذن وبه يعلم اختصار رواية الترمذي وأن معنى أذن فيها أمر بلالا بالأذان كبنى الأمير المدينة ورواه الدارقطني أيضا بلفظ فأمر بلالا فأذن قال السهيلي والمفصل يقضي على المجمل المحتمل


باب
بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف هو هذا وقيل بالسكون على الوقف وفي المصابيح بدله فصل قال ابن الملك وإنما أفرد هذا الفصل لأن أحاديثه كلها صحاح وليست فيه أحاديث مناسبة لصحاح الباب السابق فكانت مظنة الإفراد وقال ابن حجر هذا باب في تتمات لما سبق في البابين قبله

الفصل الأول
عن ابن عمر قال قال رسول الله إن بلالا ينادي أي يذكر وقال ابن الملك يؤذن بليل أي فيه يعني للتهجد أو للسحور لما ورد في خبر إنه نهى عن الأذان قبل الفجر وإن قيل بضعفه فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم اسمه عبد الله بن قيس وكان ينادي بعد طلوع الفجر الصادق قاله ابن الملك قال أي ابن عمر وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي أي لا يؤذن للصبح حتى يقال له أصبحت أصبحت التكرير للتأكيد أي دخلت أو قاربت الدخول في الصباح يعني بعد تحقق الصبح لأهل المعرفة متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي قاله ميرك ولا ينافي هذا خبر أن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال لأنه بتقدير صحته محمول على أنه كان بينهما مناوبة كذا قاله ابن حجر ولعل إحدى الروايتين محمول على ما تقرر في آخر الأمر من تقسيم الوقتين بينهما قال ابن حجر فإن قلت قوله حتى يقال له أصبحت يدل على وقوع أذانه بعد الفجر وقوله كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم يدل على وقوعه قبيل الفجر أو معه قلت يتعين تأويل هذه لإحتمالها دون تلك لصراحتها فلذا قال أصحابنا يسن في الأذان الثاني أن يكون بعد الفجر والوجه ما قدمناه لخبر أنه لم يكن بين أذانيهما إلا قدران ينزل هذا ويرقى هذا قال العلماء معناه أن بلالا كان يؤذن قبل الفجر ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه ثم يرقب الفجر فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم فتأهب ثم يرقى ويسرع الأذان مع أول طلوع الفجر وفي الشمني قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف يجوز الأذان للفجر وحده قبل وقته في النصف الأخير من الليل لما في الصحيحين عن ابن


عمر أن النبي قال إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم ولنا ما روى مسلم من حديث عائشة قالت كان النبي يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان
ويخففهما ووجه الدلالة أنه عليه السلام ما كان يكتفي بالأذان الأول وما أخرجه الطحاوي والبيهقي عن عبد الكريم الجزري عن نافع عن ابن عمر عن حفصة بنت عمر أن النبي كان إذا أذن المؤذن بالفجر قام فصلى ركعتي الفجر ثم خرج إلى المسجد فحرم الطعام وكان لا يؤذن حتى يصبح وعبدالكريم الجزري قال فيه ابن معين وابن المديني ثقة وقال الثوري ما رأيت مثله وروى أبو داود عن موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا أخبرنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال إن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي أن يرجع فينادي ألا أن العبد نام زاد موسى فرجع فنادى لكن قال أبو داود رواه الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال كان لعمر مؤذن يقال له مسعود فذكر نحوه وقال هذا أصح من ذاك قلت يحمل على التعدد وتأول الطحاوي حديث ابن عمر أن بلالا يؤذن بليل على أن الأذان منه كان على ظن طلوع الفجر ولم يصب في طلوعه قال لما روينا عن أنس أنه عليه السلام قال لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره سوأ ولما روينا عن عائشة أنه عليه السلام قال إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم قالت ولم يكن بينهما إلا مقدار ما ينزل هذا ويصعد هذا قال فلما كان بين أذانيهما من القرب ما ذكرنا ثبت أنهما كانا يقصدان طلوع الفجر لكن بلال يخطئه وابن أم مكتوم يصيبه لأنه لم يكن يؤذن حتى يقول له الجماعة أصبحت أصبحت وقال ابن دقيق العيد في الإمام والتعارض بينهما لا يتحقق إلا بتقدير أن يكون قوله إن بلالا يؤذن بليل في سائر العام وليس كذلك وإنما كان في رمضان ا ه بدليل قوله كلوا واشربوا وعن سمرة بن جندب بضمهما وفتح الثاني قال قال رسول الله لا يمنعنكم بالتأكيد وفي أصل صحيح لا يمنعكم على النفي أو النهي


من سحوركم بضم السين مصدرا أي تسحركم وبفتحها اسم أي من أكل سحوركم وهو ما يتسحر به أذان بلال أي فإنه يؤذن بليل كما سبق ولا الفجر المستطيل أي ولا يمنعكم الصبح الذي يصعد إلى السماء وتسميه العرب ذنب السرحان وبطلوعه لا يدخل وقت الصبح قال ابن الملك وهو الفجر الكاذب يطلع أولا مستطيلا إلى السماء ثم يغيب وبعد غيبوبته بزمان يسير يظهر الفجر الصادق قيل وفائدة ذكره بيان أن ما بعده من الليل وأن بلالا ربما أذن بعده مع كونه كان يؤذن بليل ا ه والأظهر أنه لما قال تعالى من الفجر وهو مجمل بينه عليه السلام بأن المراد به المستطير لا المستطيل ولكن بالتخفيف ويشدد الفجر بالرفع وينصب


المستطير صفته أي المنتشر المعترض في الأفق أي أطراف السماء قال ابن الملك أي الذي ينتشر ضؤه في الأفق الشرقي ولا يزال يزداد ضياؤه وإنما لم يذكر صلاة العشاء مع أنهما لا يمنعانها أيضا لأن الظاهر من حال المسلم عدم تأخيرها إليهما لكونه مكروها ا ه أو لكونه يعلم من هذا الحكم رواه مسلم أي معناه قاله ميرك وأحمد ولفظه للترمذي وقال حسن نقله ميرك قال ابن حجر الأنسب رواه مسلم والترمذي واللفظ له قلت يستفاد هذا من كلامه مع الإختصار فهو أولى بالاعتبار بل الأظهر أنه يقول رواه الترمذي ولمسلم معناه وإنما عكسه لأنه أنسب للفصل الأول وأبعد عن الإعتراض على المصنف الأفضل وعن مالك بن الحويرث قيل هو من قبيلة الليث وفد على النبي وأقام عنده عشرين ليلة وسكن البصرة قاله الطيبي قال أتيت النبي أنا وابن عم لي بالرفع على العطف وبالنصب على أنه مفعول معه فقال أي لنا إذا سافرتما فأذنا فأقيما أي للصلاة المكتوبة وفي نسخة صحيحة وأقيما يعني يؤذن أحدكما ويقيم والخيار إليكما عند استوائكما وليؤمكما أكبركما أي سنا لسبقه بالإسلام أو رتبة إذ الغالب فيه أن يكون أعلم بالأحكام أي أفضلكما واقتصر عليه ابن حجر وفيه تفضيل للإمامة قال ابن الملك الحديث يدل على أن الأذان لا يختص بالأكبر والأفضل بخلاف الإمامة فإنه يندب فيها إمامة الأكبر سنا أو رتبة ونقل ميرك عن الأزهار أن داود احتج بقوله عليه السلام فأذنا وأقيما على أن الأذان والإقامة فرضا عين قلت ينبغي أن يكون هذا القول باطلا بالإجماع لأنهما لو كانا فرضي عين لأتى بهما كل من النبي وسائر الصحابة في كل صلاة ولو فعل لنقل إلينا ثم قال واحتج أحمد وجماعة بقوله عليه السلام فليؤذن لكم أحدكم على أنهما فرضا كفاية يعني بناء على أن الأصل في الأمر الوجوب وهو ظاهر ثم قال قال الشافعي والأكثرون على أنهما سنتان لما مر في حديث الإغارة قلت ظاهر ذلك الحديث يقتضي الفرضية لا السنية إذ جعل شعار الإسلام


وبتركه جوز ترتب الإنتقام ثم قال وقوله عليه السلام في حديث المسيء إذا أردت الصلاة فأحسن الوضوء ثم استقبل القبلة وكبر ولم يأمره بالأذان قلت الحديث مع عدم استيعابه الشروط كترك ستر العورة لا يصلح أن يكون حجة على داود فضلا عن أحمد إذ الأذان ليس من الشرائط ولا من الأركان بالإجماع فلا يلزم
من إعادة الصلاة لإساءة فيها إعادة الأذان مع أن أذان غيره كاف له عند غير داود ثم قال ولقوله عليه السلام إذا كان أحدكم بأرض فلاة فدخل عليه وقت الصلاة فإن صلى بلا أذان ولا إقامة صلى وحده وإن صلى بإقامة صلى معه ملك وإن صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صف من الملائكة أولهم بالمشرق وآخرهم بالمغرب أورده الفقهاء قلت ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا مع أن لأحمد أن يخص الحكم حالة الجماعة لا حالة الإنفراد كما يشعر به الحديث والله أعلم وقال المحقق ابن الهمام عند قول صاحب الهداية الأذان سنة هو قول عامة الفقهاء وكذا الإقامة وقال بعض مشايخنا واجب لقول محمد لو اجتمع أهل بلد على تركه قاتلناهم عليه وأجيب بكون القتال لما يلزم من الإجتماع على تركه استخفافهم بالدين بخفض إعلامه لأن الأذان من إعلام الدين وعند أبي يوسف يحبسون ويضربون ولا يقاتلون بالسلاح كذا نقله بعضهم بصورة نقل الخلاف ولا يخفى أن لا تنافي بين الكلامين بوجه فإن المقاتلة إنما تكون عند الإمتناع وعدم القهر لهم والضرب والحبس إنما يكون عند قهرهم فجاز أن يقاتلوا إذا امتنعوا عن قبول الأمر بالأذان فإذا قوتلوا فظهر عليهم ضربوا وحبسوا وقد يقال عدم الترك مرة دليل على الوجوب فينبغي وجوب الأذان كذلك ولا يظهر كونه على الكفاية وإلا لم يأثم أهل بلدة بالاجماع على تركه إذا قام به غيرهم ولم يضربوا ولم يحبسوا قلت لعله أراد بعدم ظهور كونه على الكفاية بالنسبة إلى جميع البلدان وإلا لا شك أنه إذا أذن أحد في بلد سقط وجوبه عن الباقين ثم قال وفي الدراية عن علي بن الجعد عن أبي حنيفة وأبي


يوسف لو صلوا في الحضر الظهر والعصر بلا أذان وإقامة أخطأوا السنة وأثموا وهذا وإن كان لا يستلزم وجوبه لجواز كون الإثم لتركهما معا فيكون الواجب أن لا يتركهما معا لكن يجب حمله على أنه لإيجاب الأذان لظهور ما ذكرنا من دليله رواه البخاري قال ميرك ورواه الجماعة والمعنى عندهم متقارب وبعضهم ذكر فيه قصة كذا قاله الشيخ الجزري وعنه أي عن مالك قال قال لنا رسول الله صلوا كما رأيتموني أصلي أي في مراعاة الشروط والأركان أو فيما هو أعم منهما وإذا حضرت الصلاة أي وقتها فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم بسكون اللام وتكسر أكبركم علما أو سنا والمراد بالعلم علم الصلاة وما يتعلق بها من الأحكام وبالسن السن الذي يكون في الإسلام الغالب عليه تعلم


الأحكام وهذا من أظهر الأدلة على تفضيل الإمامة خلافا لما ذكره ابن حجر من المنازعة متفق عليه قال السيد لم يذكر مسلم صلوا كما رأيتموني أصلي فقول المصنف متفق عليه محل بحث قلت يحمل على الغالب أو محل الشاهد والأمر الذي يتعلق به الحكم ويترتب عليه الخلاف من الوجوب والندب والله أعلم وعن أبي هريرة قال إن رسول الله حين قفل أي رجع إلى المدينة ومنه تسمية القافلة للسيارة مرجعا ومآلا أو مطلقا تفاؤلا من غزوة خيبر في المحرم سنة سبع أقام عليه السلام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتح الله عليه وهي من المدينة على ثلاثة أبراد سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى بفتحتين هو النعاس وقيل النوم عرس من التعريس أي نزل آخر الليل للإستراحة وقال لبلال إكلأ أي احفظ واحرس لنا الليل أي آخره لإدراك الصبح فصلى بلال ما قدر له من الجمع بين العبادتين الصلاة والحراسة أو ما تيسر له من التهجد ونام رسول الله وأصحابه قال ابن الملك عطف على الضمير المرفوع المتصل في نام وفي نسخة نام ونام أصحابه ا ه وهذا إعراب لفظ المصابيح إذ لفظه ونام وأصحابه وأما على ما في المشكاة فهو عطف على رسول الله ويجوز نصبه على المفعول معه فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته لغلبة ضعف السهر وكثرة الصلاة موجه الفجر أي ليرقبه حتى يوقظهم عقب طلوعه وهو بكسر الجيم على أنه فعل لازم ولذا قال الطيبي أي متوجه الفجر يعني موضعه وفي نسخة بفتح الجيم على أن الفعل متعد والموجه هو الله تعالى ولكل وجهة فغلبت بلالا عيناه قال الطيبي هذا عبارة عن النوم كان عينيه غالبتاه فغلبتاه على النوم تم كلامه وحاصله أنه نام من غير اختيار وهو مستند إلى راحلته جملة حالية تفيد عدم اضطجاعه عند غلبة نومه فلم يستيقظ رسول الله ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس أي أصابتهم ووقع عليهم حرها فكان رسول الله أولهم استيقاظا قال الطيبي في استيقاظ رسول الله قبل الناس إيماء إلى أن


النفوس الزكية وإن غلب عليها في بعض الأحيان شيء من الحجب البشرية لكنها عن قريب ستزول وإن كل من هو أزكى كان زوال حجبه أسرع ففزع رسول الله أي من استيقاظه وقد فاتته الصبح قال الطيبي أي هب وانتبه كأنه من الفزع والخوف لأن من يتنبه لا يخلو عن فزع ما فقال أي بلال والعتاب محذوف أو مقدر أي لم نمت حتى فاتتنا الصلاة فقال بلال أي معتذرا أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك أي كما توفاك في النوم توفاني نقله ميرك عن الطيبي وقال وفيه أي تأمل أو نظر والظاهر أن يقال معناه غلب على نفسي ما غلب على نفسك من النوم أي كان نومي بطريق الإضطرار دون الإختيار ليصح الإعتذار وليس فيه احتجاج بالقدر كما توهمه بعضهم وفي كلام الطيبي إشارة إلى قوله تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها الآية الزمر قال اقتادوا أمر من الإقتياد يقال قاد البعير واقتاده إذا جر حبله أي سوقوا رواحلكم من هذا الموضع فاقتادوا ماض أي ساقوا رواحلهم شيئا يسيرا من الزمان أو اقتيادا قليلا من المكان يعني قال اذهبوا رواحلكم فذهبوا بها من ثمة مسافة قليلة ولم يقض الصلاة في ذلك المكان لأنه موضع غلب عليهم الشيطان أو لأن به شيطانا كما في رواية تحولوا بنا عن هذا الوادي فإن به شيطانا وقيل أخر ليخرج وقت الكراهة وبه قال أبو حنيفة ومن جوز قضاء الفائتة في الوقت المنهي وهم الأكثرون قالوا أراد أن يتحول عن المكان الذي أصابتهم فيه هذه الغفلة وقد ورد أنه عليه السلام قال تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه هذه الغفلة وفي رواية ليأخذ كل واحد رأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان كذا ذكره ابن الملك وهو كذا في شرح السنة ثم قال الطيبي قال النووي فإن قيل كيف ذهل النبي ونام عنها مع قوله عليه السلام في جواب عائشة يا رسول الله أتنام قبل أن توتر إن عيني تنامان ولا ينام قلبي قلنا فيه وجهان أصحهما أنه لا منافاة بينهما لأن القلب إنما يدرك الأمور الباطنة كاللذة


والألم ونحوهما ولا يدرك الحسيات مثل طلوع الفجر وغيره وإنما يدرك ذلك بالعين والعين نائمة والقلب يقظان والثاني أنه كان له حالان ينام القلب تارة وهي نادرة وأخرى لا ينام فصادف بهذا الموضع حالة النوم وهو ضعيف قال ابن حجر وإن انتصر له الشارح بما لا يجدي قال السيد نقلا عن الطيبي أقول ولعل الوجه الثاني أولى لما ورد أنه عليه السلام اضطجع فنام حتى نفخ فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ وعللوه بقوله عليه السلام تنام عيني ولا ينام قلبي قلت يريد الطيبي أنه عليه السلام في هذه القضية توضأ فدل على أن نومه تارة يكون ناقضا وأخرى لا بحسب الحالين وفيه إنه يمكن أن وضوءه كان للتجديد أو لناقض غير النوم ومع الإحتمال يندفع الإستدلال والله أعلم بالحال ثم قال الطيبي والحديث مؤول بأنه نسي ليسن يعني الحكمة في نومه عليه السلام وذهوله بالحضرة الباطنية


عن الطاعة الظاهرية ليعرف حكم القضاء بالدليل الفعلي الذي هو أقوى من الدليل القولي على ما هو مقتضى القاعدة الشافعية المؤيد للدليل القولي على قواعد الحنفية وأما قول من قال إن قلبه كان يقظان وعلم خروج الوقت وسكت عليه لمصلحة التشريع فباطل مردود وقال ابن العربي هو عليه السلام كيفما اختلف حاله من نوم أو يقظة في حق وتحقيق ومع الملائكة المقربين في كل طريق وفج عميق إن نسي فبآكد من المنسي اشتغل وإن نام فبقلبه ونفسه على الله أقبل ولهذا قالت الصحابة كان النبي إذا نام لا توقظه حتى يستيقظ بنفسه لأنا لا ندري ما هو فيه فنومه عن الصلاة أو نسيانه لشيء منها لم يكن عن آفة وإنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها ليكون لنا سنة ثم توضأ رسول الله وأمر بلالا فأقام الصلاة أي لها قال ابن الملك وإنما لم يؤذن لأن القوم حضور قلت هذا خلاف المذهب من أن القوم ولو كانوا حضورا فالأفضل إتيان الإقامة فالأولى أن يحمل على بيان الجواز مع أنه لا دلالة فيه على نفي الأذان بل في الحديث الآتي في أول الفصل الثالث إنه جمع بينهما فالمعنى فأقام الصلاة بعد الأذان قال ابن حجر ظاهره أن الفائتة لا يؤذن لها وهو مذهب الشافعي في الجديد لكن المعتمد عند أصحابه هو مذهبه القديم أنه يؤذن لها لما في حديث الصحيحين في هذه القضية ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ركعتين ثم صلى صلاة الغدوة فصنع كما كان يصنع كل يوم ولقوله فصلى ركعتين الخ إذ الإقامة لا يفصل بينها وبين الفرض بشيء وقوله كما كان الخ مع رواية أبي داود عن عمرو بن أمية وعمران بن حصين أنه جمع بين الأذان والإقامة يدفع احتمال أن يراد بالأذان فيه الإقامة فاقتصار مسلم عليها اقتصار وخبر أنه عليه السلام لما حبس عن الصلاة يوم الخندق أمر بلالا فأقام لتلك الفوائت لا يعارض ما مر لأنه أصح منه ومتأخر عنه ومعه زيادة علم على أن في رواية أنه عليه السلام في قضية الخندق أمر بلالا فأذن ثم أقام


ولا يضر انقطاعها لأن المنقطع يصلح للتقوية ا ه ويمكن الجمع بين الروايتين في فوائت الخندق أن الجمع بين الأذان والإقامة كان في أولى الفوائت والإقتصار على الإقامة في البقية كما ذكره علماؤنا فصلى بهم الصبح أي قضاء فلما قضى الصلاة أي فرغ منها قال من نسي الصلاة وفي معنى النسيان النوم أو من تركها بنوم أو نسيان ولذا ضم إليه في رواية سبقت أو نام عنها وهي المناسبة هنا وعلى حذفها فاكتفى بالنسيان عن النوم لأنه مثله بجامع ما في كل من الغفلة وعدم التقصير فليصلها إذا ذكرها فإن في التأخير آفات وظاهر هذا الحديث يوجب الترتيب بين الفائتة والأدائية كما قاله علماؤنا فإن الله تعالى قال أي وأقم الصلاة لذكري أي قال ابن


الملك من باب إضافة المصدر إلى المفعول واللام بمعنى الوقت أي إذا ذكرت صلاتي بعد النسيان رواه مسلم وعن أبي قتادة قال قال رسول الله إذا أقيمت الصلاة أي نادى المؤذن بالإقامة إقامة للسبب مقام المسبب فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت أي من الحجرة الشريفة في شرح السنة هذا يدل على جواز تقديم الإقامة على خروج الإمام نقله الطيبي وابن الملك ولعله فيما إذا كان هناك علامة على خروجه كفتح باب أو كشف ستارة أو سماع صوت نعل وأما قول ابن حجر كون الإقامة بنظر الإمام لا يقتضي حضوره عندها فقد يأمر بها وهو غائب ثم يحضر عند انتهائها أو عقبه فهو في غاية من البعد وقد مر بعض الكلام المناسب للمقام في الحديث السابق متفق عليه قال ميرك وفيه نظر لأن قوله قد خرجت من أفراد مسلم قلت هذا من باب التأكيد الذي بدونه تحصل الإفادة فكان اللفظ للبخاري والمعنى لمسلم والله أعلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون حال أي لا تأتوا إلى الصلاة مسرعين في المشي وإن خفتم فوت الصلاة كذا قاله بعض علمائنا وقال الطيبي لا يقال هذا مناف لقوله تعالى فاسعوا الجمعة لأنا نقول المراد بالسعي في الآية القصد يدل عليه قوله تعالى وذروا البيع أي اشتغلوا بأمر المعاد واتركوا أمر المعاش قال الحسن ليس السعي منحصرا على الأقدام لكن على النيات


والقلوب ا ه يعني ليس السعي الكامل أو ليس السعي منحصرا على الأقدام بل المدار على تحصيل الإخلاص في وصول المرام والنهي إنما هو عن الإسراع المفضي إلى تشتت البال وعدم استقامة الحال ولذا قال وأتوها تمشون أي بالسكينة والطمأنينة التي مدار الطاعة عليهما إذ المقصود من العبادة الحضور مع المعبود قال ابن حجر وهو أبلغ في النهي من لا تسعوا لتصويره حالة سوء الأدب وإنه مناف لما هو أولى به من الوقار والسكينة ومن ثم عقبه بما ينبه على حسن الأدب فقال وأتوها حال كونكم تمشون لقوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا الفرقان والأظهر أنه عليه السلام لم يقل إذا أقيمت الصلاة فلا تسعوا لظهور اعطاء ظاهر المعارضة لقوله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الجمعة ولإيهام ترك الإتيان مطلقا فبين أن السعي له معنيان أحدهما الإتيان على طريقة الهرولة وهو مكروه وثانيهما الإتيان على سبيل المشي والسكينة وهو مستحب وحاصله أن السعي بمعنى الجد والجهد في الأمر ومنه قوله تعالى أي وأن ليس للإنسان إلا ما سعى أي وقوله تعالى أي فاسعوا أي في آية الجمعة بمعنى امضوا كما قرىء به أو بمعنى اقصدوا كما قاله الحسن قال ميرك نقلا عن الأزهار إن قلت قوله فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون ما هذا إلا كما تقول لا تأكل لحم الفرس ولكن كل لحم الحيوان وهو كلام ضعيف قلت لا نسلم ضعفه لأن المراد لحم حيوان غيره وإن سلم فالقيد موجود في الحديث وهو قوله وعليكم السكينة مع أن السعي قد يكون مشيا كقوله تعالى أي فاسعوا إلى ذكر الله أي وقد يكون عدوا كقوله تعالى وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى يس صلى الله عليه وسلم وقد يكون عملا كقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى النجم ثم من خاف فوت التكبيرة الأولى فقيل أنه يسرع فإن عمر رضي الله عنه سمع الإقامة بالبقيع فاسرع إلى المسجد وقيل إنه يهرول ومنهم من اختار أن يمشي على وقار للحديث لأن من قصد الصلاة


فكأنه في الصلاة وذلك إذا لم يقع منه تقصير ا ه والأظهر الإسراع مع السكينة دون العدو إحرازا للفضيلتين ولقوله تعالى أي وسارعوا إلى مغفرة من ربكم أي قال ابن حجر أما الجمعة فإذا لم تدرك بإدراك ركوعها الثاني إلا بالسعي فإنه يجب السعي لأن للوسيلة حكم المقصد وهو هنا واجب علينا فوجبت وسيلته كذلك ا ه وينبغي أن يكون كذلك عندنا إذا لم يدرك الإمام قبل السلام ولعله تعالى قال فاسعوا لهذا المعنى ثم السكينة نصب على أنه مفعول به أي الزموا السكينة قاله ابن الملك وفي نسخة بالرفع على الإبتداء وفي بعض الروايات جمع بين السكينة والوقار فقيل هما بمعنى والحق أن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت والإقبال على طريقه من غير التفات ونحو ذلك قاله الطيبي والأظهر أن المراد بالسكينة سكون القلب وحضوره وخشوعه وخضوعه وأمثال ذلك


وبالوقار سكون القالب من الهيئات الغير المناسبة للسالك فما أدركتم فصلوا الفاء جزاء شرط محذوف أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا ويحصل لكم الثواب كاملا وبإطلاقه أخذ جماعة من العلماء أن الجماعة تدرك بأي جزء أدرك قبل سلام الإمام ويحصل للمأموم فضل الجماعة وهو السبع والعشرون درجة لكن من أدركها من أولها تكون درجته أكمل وما فاتكم فأتموا فيه دليل على أن ما أدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته لأن لفظ الإتمام يقع على باقي شيء تقدم أوله وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد قاله ابن الملك قال الطيبي وهو مذهب علي وأبي الدرداء قلت وإليه ذهب أبو حنيفة إلا في القراءة قال ابن حجر وهو مذهب جمع من الصحابة والتابعين وقال آخرون ما أدركه معه هو آخر صلاته لرواية ما فاتكم فاقضوا ورد بأن حقيقة القضاء هنا غير متأتية فتعين حملها على رواية الإتمام الصريحة فيما ذهبنا إليه متفق عليه وفي رواية لمسلم فإن أحدكم تعليل لقوله وعليكم السكينة إذا كان يعمد بكسر الميم أي يقصد إلى الصلاة فهو في صلاة أي حكما وثوابا وقصدا ومآبا وفي نسخة في الصلاة كما في المصابيح قال ابن الملك هو في الصلاة من حين قصدها لأن المشارف للشيء كأنه فيه وهذا إذا لم يقصر في التأخير ا ه قلت ولو وقع تقصير في التأخير فبقصده يرتفع التقصير فيكون بمنزلة التائب عن المعائب وهذا الباب أي بالنسبة إلى تبويب صاحب المشكاة وإلا فهو في المصابيح فصل خال عن الفصل الثاني لأنه لم يجد صاحب المصابيح في السنن أحاديث حسانا مناسبة لهذا الفصل والله أعلم
الفصل الثالث
عن زيد بن أسلم تابعي مولى عمر بن الخطاب قاله الطيبي قال عرس رسول الله ليلة فيه تجريد أو تأكيد فإن التعريس نزول الليل أو آخره بطريق مكة قال ابن حجر هذا يدل على أن هذه القضية غير الأولى لأن تلك بين خيبر والمدينة وهذه بين مكة


والمدينة ووكل بلالا أي أمره أن يوقظهم للصلاة أي لصلاة الصبح وخص بلالا بذلك لأن المؤذن هو الذي يرقب الوقت ويحرسه فرقد بلال أي بعد ما سهر مدة وغلبه النوم ورقدوا أي النبي وأصحابه اعتمادا على بلال حتى استيقظوا أي كلهم جميعا وأولهم أفضلهم وقد طلعت عليهم الشمس الجملة حالية فاستيقظ القوم قال الطيبي كرره لينيط به قوله فقد فزعوا أي من فوات الصبح فأمرهم رسول الله أن يركبوا أي أن يرحلوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي وقال إن هذا واد به شيطان أي مسلط أو شيطان عظيم فركبوا أي وساروا حتى خرجوا من ذلك الوادي ثم أمرهم رسول الله أن ينزلوا وأن يتوضؤوا وأمر بلالا أن ينادي أي يؤذن أو يعلم للصلاة أو يقيم أي بعد الأذان فأو للشك أو بمعنى الجمع المطلق كالواو على ما قاله الكوفيون والأخفش والجرمي كما نقله المغني ويؤيده ما ذكره ابن الهمام إن في أبي داود وغيره أنه عليه السلام أمر بلالا بالأذان والإقامة قلت لا شك أن الجمع أفضل فالحمل عليه أولى وأكمل ولما قدمناه في الفصل الأول فصلى رسول الله بالناس أي قضى صلاة الصبح جماعة ثم انصرف أي عن الصلاة وقد رأى من فزعهم أي أدرك بعض فزعهم أو رأى عليهم بعض آثار خوفهم وهيبتهم من الله تعالى لما حسبوا أن في النوم تقصيرا وأما قول ابن حجر أي شيئا كثيرا كما دل عليه السياق فغير ظاهر من السباق واللحاق فقال تسلية لهم وتسكينا لفزعهم يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا كما يدل عليه قوله تعالى أي الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها أي قال الطيبي فيه تسلية للقوم مما فزعوا منه وإن تلك الغفلة كانت بمشيئة الله تعالى قلت هذا احتجاج بالقدر وحسنه خوفهم مع عدم تقصيرهم في تأخيرهم حيث لا حرج في النوم سيما مع الإحتراس بأمر بلال لإيقاظ الناس ولو شاء أي أن يردها إلينا في حين قبل هذا الوقت لردها إلينا في حين غير هذا بالجر على الصفة وقيل بالنصب على الإستثناء أي غير هذا الحين وهو يحتمل


قبل طلوع الشمس من تلك الليلة وهو الظاهر فيكون القبض والرد كلاهما مجازا ويحتمل يوم القيامة قال الطيبي إشارة إلى الموت الحقيقي الذي ينبه عليه قوله تعالى أي فيمسك التي قضى عليها الموت أي وقوله إن الله قبض أرواحنا إشارة إلى الموت المجازي في قوله تعالى أي ويرسل الأخرى أي أي التي لم تمت في منامها فإذا رقد أحدكم أي غافلا وذاهلا عن الصلاة أو نسيها يحتمل أن يكون شكا من الراوي وأن يكون تنويعا في الحديث أي غفل عنها بسبب النوم أو نسيها بأمر آخر قاله الطيبي


والأظهر التنويع لفظا ومعنى فإنه لو كان للشك لقال أو نسي ليكون بدلا عن رقد أو قال نسي أحدكم الصلاة ليكون بدلا عن الكل ولما تقدم من رواية من نسى الصلاة أو نام عنها وأما قول ابن حجر أو للتنويع لا للشك خلافا لمن زعمه لأن النسيان خلاف النوم فلا يجدى نفعا ثم فزع إليها قال الطيبي ضمن فزع معنى التجأ فعدى بإلى أي التجأ إلى الصلاة فزعا يعني التجأ من تركها إلى فعلها كقوله تعالى ففروا إلى الله الذاريات أي مما سوى الله فليصلها أي حين قضاها كما كان يصليها في وقتها وظاهره أنه يجهر في الجهرية ويسر في السرية خلافا لبعض علمائنا حيث قال وخافت حتما إن قضى ثم التفت رسول الله أي من القوم إلى أبي بكر الصديق فإنه لهم رئيس على التحقيق وللنبي صديق وصديق ففي إلتفاتة غاية التفات ونهاية نوع من الخصوصيات فقال إن الشيطان أي شيطان الوادي أو شيطان بلال أو الشيطان الكبير أتى بلالا وهو قائم يصلي فأضجعه أي أسنده لما تقدم في الحديث السابق ويمكن أنه اضطجع في هذه القضية ولم يدر أيهما اللاحق ثم لم يزل يهدئه من الإهداء أي يسكنه وينومه في النهاية الهدو السكون عن الحركات من المشي والإختلاف في الطريق كما يهدأ الصبي بالبناء للمفعول قال الطيبي يقال أهدأت الصبي وسكنته وذلك بأن يضرب كفه عليه حتى يسكن وينام حتى نام فإن قلت كيف أسند تلك الغفلة ابتداء إلى الله سبحانه وتعالى في قوله عليه السلام إن الله قبض أرواحنا وفي قول بلال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ثم أسندها إلى الشيطان أجيب بأنه مسألة خلق الأفعال أي أراد الله تعالى خلق النوم والنسيان فيهم فمكن الشيطان من اكتساب ما هو جالب للغفلة أو النوم من الهدو وغيره ثم دعا رسول الله بلالا فأخبر بلال رسول الله مثل الذي أخبر رسول الله أبا بكر فقال أبو بكر أشهد أنك رسول الله قال الطيبي في الحديث إظهار معجزة ولذا صدقه الصديق رضي الله عنه بالشهادة رواه مالك أي في الموطأ مرسلا لما تقدم أن


زيدا تابعي وعن ابن عمر قال قال رسول الله خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين أي ثابتتان في ذمتهم قال الطيبي معلقتان صفة لخصلتان وقوله للمسلمين خبر وقوله صيامهم وصلاتهم بيان للخصلتين أو بدل منهما رواه ابن ماجه وسنده حسن وروى
الخطيب عن جابر مرفوعا قال إنه غريب أول من يدخل الجنة الأنبياء ثم مؤذنو البيت ثم مؤذنو بيت المقدس ثم مؤذنو مسجدي ثم سائر المؤذنين قال ومؤذن البيت بلال رضي الله عنه ا ه وهو محمول على أن يكون على منوالهم في جميع أحوالهم


باب المساجد ومواضع الصلاة
تعميم بعد تخصيص أو عطف تفسير والمسجد لغة محل السجود وشرعا المحل الموقوف للصلاة فيه وقيل الأرض كلها لخبر جعلت لي الأرض مسجدا ورد بأن المراد بالمسجد فيه ما تجوز فيه الصلاة احترازا من بقية الأنام فإنهم كانوا لا تجوز لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم كما جاء في رواية وفي أخرى عند البزار ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه وقد روى ابن أبي شيبة أن أبا ذر قال لابنه يا بني ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله يقول المساجد بيوت المتقين فمن يكن المسجد بيته تضمن الله تعالى له الروح والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة وعن الأعمش عن عبد الرحمن بن معقل كنا نتحدث أن المسجد حصن حصين من الشيطان وعن ابن عمر المساجد بيوت الله في الأرض وحق على المزور أن يكرم زائره قال ابن حجر ولا يعارض خبر أبي داود وابن خزيمة في صحيحه نهى رسول الله عن نقر الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المقام أي المكان من المسجد كما يوطن البعير وفي رواية للنسائي وأن يوطن الرجل المقام للصلاة كما يوطن البعير وذلك لأن هذا الحديث مداره على تميم بن محمود وقد نظر فيه البخاري وأجاب عنه ابن حبان على تسليم صحته بأن النهي إنما هو عن اتخاذ محل واحد من المسجد لغير الصلاة والذكر واستدل لذلك بما أخرجه عن أبي هريرة قال إن رسول الله قال لا يوطن الرجل المسجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله تعالى كما يتبشبش أهل الغائب إذا قدم عليهم غائبهم والتبشبش معناه هنا أنه ينظر إليه بالرأفة والرحمة ا ه والظاهر في الجواب أن النهي إنما هو عن اتخاذ مكان خاص من المسجد ولو لذكر الله والصلاة بحيث أنه لا يجلس في غيره فإنه يخاف عليه من الرياء والفضائل محمولة على اتخاذ المسجد مسكنا للصلاة وذكر الله لا لغرض آخر من الأغراض الدنيوية والحظوظ النفسية

الفصل الأول


عن ابن عباس قال لما دخل النبي البيت أي الكعبة وهو بيت الله الحرام وقبلة المساجد العظام وأفضل مساجد الأنام وقيل أفضل من عرش الله الملك العلام دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه قال الطيبي عامة العلماء على جواز النفل داخل الكعبة لحديث ابن عمر واختلف في الفرض فذهب الجمهور إلى جوازه ومنع منه مالك وأحمد وحكى عن محمد بن جرير أنه لا يجوز الفرض والنفل لحديث ابن عباس قلت في استدلاله نظر لأنه لا يلزم من عدم الصلاة عدم الجواز وأما منع مالك وأحمد الفرض دون النفل لقوله تعالى أي فولوا وجوهكم شطره أي أي قبالته ومن فيه مستدبر لبعضه فله وجه وجيه لحصول التعارض في الجملة ولم يثبت أنه عليه السلام صلى الفرض داخله وإن ثبت أنه عليه السلام صلى النفل إذ يسامح في النافلة ما لا يسامح في الفريضة وأما تعليل ابن حجر في تصوير استدلالهما بأنه لم يكن كله قبالته ثم رده وتزييفه بالإجماع على أن من صلى خارجها واستقبل بعضها فقط جاز فمدخول ومعلول قال الطيبي وأجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال لأنه مثبت ومعه زيادة علم والمراد بالصلاة أي المعهودة يعني لا اللغوية بمعنى الدعاء كما قيل ويؤيده قول ابن عمر نسيت أن أسأله كم صلى وأما نفي أسامة فيحتمل أنه اشتغل بالدعاء ولم يشعر بصلاة النبي وأما بلال فقد تحققها فلما خرج ركع أي صلى ركعتين في قبل الكعبة بضمهما ويسكن الثاني أي مقدمها والقبل خلاف الدبر يعني مستقبل باب الكعبة قال ابن حجر قيل معناه مقابلها وقيل ما استقبلك منها وهو وجهها الذي فيه الباب ويؤيد الثاني رواية ابن عمر في هذا الحديث وصلى ركعتين في وجه الكعبة وهي صحيحة وهل يؤخذ من ذلك أنه يسن لمن خرج من الكعبة أن يصلي ركعتين في وجهها اقتداء به عليه السلام أو لا لإحتمال أنه عليه السلام إنما صلى ليبين انحصار القبلة في عين الكعبة كما أفاد قول الراوي وقال هذه أي الكعبة وهي البقعة التي فيها البناء القبلة سميت بها لأن


المصلى يقابلها يعني المشار إليه القبلة فلا ينسخ إلى غيرها فصلوا إلى الكعبة أبدا وقال ابن حجر أي هذه الكعبة هي القبلة لا غيرها كما
أفاده تعريف الجزأين وهي المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله في الآية لا المسجد حولها ولا كل الحرم وخبر البيهقي في سننه البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض ضعيف ا ه وهو قول ضعيف في مذهبنا وأما ما اشتهر من فعل الداخلين أنهم يطوفون بعد دخولها فلا أصل له بل يتأكد في حقهم إذا دخلوا المسجد أن يطوفوا أولا ثم يدخلوا ثانيا ويحتمل وجها آخر وهو أنه عليه السلام علمهم السنة في مقام الإمام واستقباله الكعبة من وجه الكعبة دون أركانها وجوانبها الثلاثة وإن كانت مجزئة قاله الطيبي قلت هذا إنما يتم في الجملة لو كان صلى صلاة فرض جماعة رواه البخاري قيل في روايته توهم إرسال لأن ابن عباس لم يكن مع النبي حين دخل ولعل العذر أن يقال باختلاف الزمان وتعدد دخوله عليه السلام أو أن الكاتب أسقط منه الذي روى عنه ابن عباس أو يقال كان ابن عباس مع من دخل الكعبة لكنه لم يشعر بالصلاة ذكره الطيبي وقال ميرك وفي كل من هذه الإحتمالات نظر يعرف بالتأمل والله أعلم وقال ابن حجر وقدموا رواية بلال لأنها مثبتة وتلك نافية والمثبت مقدم لزيادة علمه ولأن رواتها أكثر والكثرة تفيد الترجيح في الرواية ولاضطراب تلك فقد أخرج أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه عن ابن عمر أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى في الكعبة بين الساريتين والدارقطني عن ابن عباس أنه دخله وصلى فيه ركعتين ولأن خبر ابن عباس هذا أعل بالإرسال لأنه رواه عن أخيه الفضل كما أخرجه الطبراني في معجمه فهو لم يرو عن مشاهدته ومشافهته بل عن غيره وبهذا يندفع قول من قال في كون الحديث مرسلا بحث ورواه مسلم عنه أي عن ابن عباس عن أسامة بن زيد قال ميرك وكذا رواه النسائي وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله دخل الكعبة هو وأسامة بن


زيد برفع أسامة على العطف وهو حب رسول الله وعثمان بن طلحة الحجبي الحاجب البواب
والجمع حجبة والمراد به فاتح بيت الله وبلال بن رباح بفتح الراء مؤذن رسول الله فأغلقها أي الكعبة يعني بابها والفاعل بلال فإنه أقرب أو عثمان فإنه أنسب عليه أي على النبي وفي رواية عليهم وهو ظاهر قاله ابن الملك ويمكن أن يكون الفاعل هو النبي عليه السلام بمعنى الآمر ويلائمه قوله ومكث فيها بضم الكاف وفتحها أي توقف فيها النبي واشتغل بالدعاء قال الطيبي وإنما أغلق عليه السلام الباب لئلا يجتمع عليه الناس ثم رأيت الأبهري قال ضمير الفاعل في أغلقها عائد إلى عثمان كما وقع التصريح به في رواية لمسلم وفي رواية فأغلقاها فالضمير لعثمان وبلال وفي رواية للبخاري ومسلم فأغلقوا والجمع بين الروايات أن عثمان هو المباشر فأما ضم بلال فلعله ساعده في ذلك وأما الجمع فباعتبار أن غيرهما أمر بذلك ا ه والأحسن في الجمع أن يكون بمساعدة أسامة وبأمره عليه السلام والله أعلم وقال ابن حجر الظاهر أنه إنما أغلقه خوفا من الزحمة ووقوع الضرر وليكون أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه قال ثم رأيت النووي صرح بذلك وقال الشافعي إنما أغلقه لوجوب الصلاة إلى جدار من جدرانها فدل على أنه لو صلى إلى الباب وهو مفتوح ولم تكن عتبة مرتفعة ثلثي ذراع لم يصح لأنه لم يستقبل منها شيئا وهو تعليل غريب وتفريع عجيب ووقع في صحيح البخاري عن بعض الرواة أنه إنما أغلقه لئلا يستدبر شيئا من البيت ورد بأنه إذا أغلق صار كأنه جدار البيت ثم لما هدمها ابن الزبير وضع أعمدة وستر عليها الستور لإستقبال المستقبلين وطواف الطائفين وقد قال ابن عباس إن كنت هادمها فلا تدع الناس لا قبلة لهم أي لا علامة للقبلة فلا دلالة على أن بقعة البيت ليست عندهما كالبيت كما فهم ابن حجر لأن الإجماع على جواز الإستقبال إلى هواء الكعبة من الخارج ولهذا قال جابر صلوا إلى مواضعها ولا فرق بين الداخل والخارج خلافا للشافعي في


اعتبار الهواء للخارج دون الداخل فسألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله أي داخل البيت فقال أي بلال جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وفي بعض الروايات جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه والجمع على تعدد الدخول ظاهر وعلى عدمه يحمل أحدهما على موقف الصلاة والآخر على موقف الدعاء والله أعلم وثلاثة أعمدة وراءه أي خلفه وقيل قدامه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة وأما الآن فعلى ثلاثة أعمدة قال الطيبي وذلك قبل أن بناها الحجاج في فتنة ابن الزبير وهدم الكعبة ا ه والمشهور أن الحجاج إنما غير جدار الحجر فقط والله أعلم ثم صلى أي متوجها إلى الجدار الغربي


المقابل للجدار الشرقي الذي فيه الباب تقريبا بينه وبينه ثلاثة أذرع قال الإمام النووي في الجمع بين رواية بلال المثبت لصلاة النبي في الكعبة وبين رواية أسامة النافي لصلاته أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال لأنه مثبت فمعه زيادة علم فوجب ترجيحه وأما نفي أسامة فيحتمل أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي يدعو فاشتغل هو بالدعاء أيضا في ناحية من نواحي البيت والرسول في ناحية أخرى وبلال قريب منه ثم صلى النبي فرآه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده مع خفة الصلاة وإغلاق الباب واشتغاله بالدعاء وجاز له نفيها عملا بظنه قال بعض العلماء يحتمل أنه عليه السلام دخل مرتين فمرة صلى فيه ومرة دعا ولم يصل فيه فلم تتضاد الأخبار كذا في شرح الكرماني قال ميرك وأقول احتمال تعدد الدخول خلاف ما عليه الجمهور من أن دخوله عليه السلام الكعبة بعد الهجرة لم يكن إلا مرة واحدة ا ه وقال ابن حبان الأشبه حملهما على دخولين متغايرين أحدهما يوم الفتح وصلى فيه والآخر في حجة الوداع ولم يصل فيه وذهب السهيلي إلى أن الدخولين في حجة الوداع دخلها يوم النحر ولم يصل فيه ودخلها من الغدو وصلى فيه رواه الدارقطني بإسناد حسن عن ابن عمر وحمل بعضهم نفي أسامة على أنه ذهب كما رواه ابن المنذر ليأتي النبي بماء في الدلو حتى يمحو به الصور التي في الكعبة فوقعت الصلاة في غيبته قال ابن حجر ووقع للفخر الرازي في تفسيره أنه نازع في خبر بلال بما يعلم رده مما تقرر وللشارح كلام نحو كلامه وزعمه أن الحديثين تعارضا فيحمل على النسخ في غاية التهافت لما مر من خبر الدارقطني أن المتأخر هو الصلاة فتكون هي الناسخة للنفي ا ه وفيه أن النسخ لا يكون في الأخبار ولعله أراد النسخ المتعلق بالحكم المترتب على فعله من الجواز وعلى نفيه على عدمه وقد تقدم أن عدم صلاته بالفرض والتقدير لا يدل على نفي جوازها هذا ويستفاد من دخوله عليه السلام


الكعبة وصلاته بها أنه يسن دخولها ويؤيده خبر البيهقي وقال فيه من ليس بالقوي وجعله ابن أبي شيبة من قول مجاهد من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة وخرج مغفورا قال ابن حجر فإن قلت زعم بعضهم كراهة دخولها لخبر صنعت اليوم شيئا لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما كنت صنعته قالت عائشة قلت وما ذاك يا رسول الله قال دخلت البيت وخشيت أن يأتي الآتي من بعدي يقول حججت ولم أدخل البيت وأنه لم يكتب علينا دخوله وإنما كتب علينا طوافه قلت الحديث وإن صححه الترمذي في إسناده ضعيف على أنه لا حجة فيه لمطلق الكراهة بل لخصوص من يتوهم أنه من تمام الحج ونحن نقول به وقال الزركشي ينبغي دخوله مرات مرة يصلي فيه أربعا ومرة ركعتين ومرة يدعو لاختلاف الروايات في ذلك وحملها المحققون على دخوله مرات وليجتنب داخله الزحمة والمزاحمة ما أمكن فإن أكثر داخليها في هذا الزمان ربحهم أقل من خسرانهم وطاعتهم أقل من عصيانهم وقد قال ابن العربي الحمد لله الذي أغنانا عن منة الشيبية بإخراج الحجر من الكعبة الشريفة فقد ثبت أنه عليه السلام قال لعائشة حين سألت دخول الكعبة صلى فيه فإنه


منها وإذا دخلها فليدخل بأدب وخضوع وخشوع ويقدم رجله اليمنى في الدخول ويدعو بدعوات دخول المسجد ويزيد قوله أي رب أدخلني مدخل صدق الآية أي ولا ينظر إلى سقفها وما فيها من الزينة فعن عائشة عجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يدع بصره قبل السقف إجلالا لله تعالى وإعظاما دخل رسول الله الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها صححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأنه منكر متفق عليه ورواه النسائي قاله ميرك قال ابن حجر وفي الصحيحين أنه جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وفي رواية للبخاري عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه قال البيهقي وهو الصحيح ا ه وبهذا يعلم أن نسبة المصنف هذه للشيخين فيها نظر وفي رواية أبي داود ثم صلى بينه وبين القبلة ثلاثة أذرع وفي رواية للبخاري عن ابن عمر أنه كان إذا دخل البيت مر قبل وجهه حتى يدخل ويجعل الباب خلف ظهره فيمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي يلي وجهه حين يدخل ثلاثة أذرع فيصلي وهو يتوخى المكان الذي أخبره بلال أنه عليه السلام صلى فيه وفي الصحيحين أن بلالا أخبره قال صلى عليه السلام بين العمودين من السطر المقدم وجعل الباب خلف ظهره واستقبل بوجهه إلى الجانب الذي يستقبل حين يلج البيت بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع وقال ابن حجر عثمان المذكور من بني عبد الدار وسبب وصول السدانة بكسر السين وهي خدمة البيت لهم أن جرهم لما استخفت بحرمة البيت شردهم الله ووليته خزاعة ثم بعدهم ولي قصي بن كلاب الحجابة وأمر مكة ثم أعطى ولده عبد الدار الحجابة وهي السدانة واللواء ودار الندوة سميت بذلك لإجتماع الندى فيها وهم الأشراف لإبرام أمورهم وأعطى ولده عبد مناف الرفادة والسقاية ثم جعل عبد الدار الحجابة إلى ابنه عثمان ولم يزل الأمر في أولاده حتى ولي الحجبة عثمان بن طلحة المذكور في الحديث قال كنا نفتح الكعبة يوم الاثنين والخميس فجاء رسول الله يوما يريد أن يدخل مع الناس فنلت منه


وحلم علي ثم قال يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت فقلت لقد هلكت قريش يومئذ وذلت قال عليه السلام بل عزت ودخل الكعبة ووقعت كلمته مني موقعا وظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال وأردت الإسلام فإذا قومي يزبروني زبرا شديد فلما دخل رسول الله مكة عام القضاء أي سنة سبع في ذي القعدة غير الله قلبي وأدخلني الإسلام ولم يعزم لي أن آتيه حتى رجع إلى المدينة ثم عزم لي الخروج إليه فأدلجت فلقيت خالد بن الوليد فاصطحبنا فلقينا عمرو بن العاص فاصطحبنا فقدمنا المدينة فبايعته وأقمت معه حتى خرجت معه في غزوة الفتح أي سنة ثمان في رمضان فلما دخل مكة قال يا عثمان ائت بالمفتاح فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إلي وقال خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا


ينزعها منكم إلا ظالم وقال ابن عباس لما طلب رسول الله المفتاح من عثمان فهم أن يناوله إياه فقال له العباس بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه العباس فقال عليه السلام أرني المفتاح إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فقال هاكه يا رسول الله بأمانة الله فأخذ عليه السلام المفتاح وفتح البيت فنزل جبريل عليه السلام بقوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء ثم لم يزل عثمان يلي فتح البيت إلى أن توفي فدفع إلى شيبة بن عثمان وهو ابن عمه فبقيت الحجابة في بني شيبة وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلاة التنكير للوحدة أي صلاة واحدة في مسجدي هذا أي مسجد المدينة لا مسجد قباء قال النووي ينبغي أن يتحرى الصلاة فيما كان مسجدا في حياته عليه السلام لا فيما زيد بعده فإن المضاعفة تختص بالأول ووافقه السبكي وغيره واعترضه ابن تيمية وأطال فيه والمحب الطبري وأوردا آثارا استدلا بها وبأنه سلم في مسجد مكة أن المضاعفة لا تختص بما كان موجودا في زمنه وبأن الإشارة في الحديث إنما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه عليه السلام وبأن الإمام مالكا سئل عن ذلك فأجاب بعدم الخصوصية وقال لأنه عليه السلام أخبر بما يكون بعده وزويت له الأرض فعلم بما يحدث بعده ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون أن يستزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر ذلك عليهم وبما في تاريخ المدينة عن عمر رضي الله عنه أنه لما فرغ من الزيادة قال لو انتهى إلى الجبانة وفي رواية إلى ذي الحليفة لكان الكل مسجد رسول الله وبما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول لو زيد في هذا المسجد ما زيد كان الكل مسجدي وفي رواية لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر في الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم والله أعلم خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة


في مسجدي كذا ذكره ابن الملك قال الطيبي قيل الإستثناء يحتمل أن الصلاة في مسجدي لا تفضل الصلاة في المسجد الحرام بألف بل بدونها ويحتمل أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل ويحتمل المساواة أيضا قلت لكن الحديث الآتي في آخر الفصل الثاني يدفع الإحتمالين للطرفين فإنه قال صلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة رواه ابن ماجه والله أعلم متفق عليه
ورواه النسائي قاله ميرك قال ابن حجر وفهم منه المالكية أفضلية المدينة على مكة قالوا ومعناه إلا المسجد الحرام فإن الصلاة بمسجد المدينة أفضل منها بمسجد مكة بدون الألف وهو غفلة عن بقية الأحاديث المبطلة لما فهموه بل معناه إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه تفضل الصلاة في مسجد رسول الله بأضعاف مضاعفة كما صرح به في خبر أحمد والبزار وصحيح ابن حبان من حديث حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء عن عبد الله بن الزبير قال قال رسول الله صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة وإسناده على شرط الشيخين ولما صححه ابن عبد البر من أئمة المالكية قال إنه الحجة عند التنازع وقال أيضا إنه حديث ثابت لا مطعن فيه لأحد إلا لمتعسف لا يعرج على قوله في حبيب المعلم وقد كان الإمام أحمد يمدحه ويوثقه ويثني عليه وكان ابن مهدي ويزيد بن زريع وحماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم يروون عنه وهم أئمة علماء يقتدى بهم وبقية رجال إسناده أئمة ثقات ومنهم من علله بالإختلاف على عطاء لأن قوما يروونه عنه عن ابن الزبير وآخرين عنه عن ابن عمر وآخرين عنه عن جابر ومن العلماء من يجعل مثل هذا علة الحديث وليس كذلك لأنه يمكن أن يكون عند عطاء عن هؤلاء جميعهم بل هو الواقع كما يأتي والواجب أن لا يدفع خبر نقله العدول إلا بحجة وقال البزار هذا الحديث روي عن عطاء واختلف عليه فيه ولا نعلم


أحدا قال إنه يزيد عليه بمائة إلا ابن الزبير وقد تابع حبيبا المعلم الربيع بن صبيح فرواه عن عطاء بن الزبير ورواه عبد الملك بن أبي سليمان عنه عن ابن عمر وابن جريج عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة ا ه كلام ابن عبد البر ولا مزيد على حسنه ومن ثم قال الذهبي إسناده صالح وفي ابن ماجه بسند في بعض رجاله لين صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه وخبر ابن عبد البر وقال رجال إسناده علماء أجلاء ولفظه كالذي قبله ورواه ابن زنجويه بلفظ إلا المسجد الحرام فإنها تعدل مائة ألف صلاة في مسجد المدينة وفي حديث البزار فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة وفي مسجدي ألف صلاة وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة وخبر ابن ماجه صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته في المسجد الأقصى ومسجد المدينة بخمسين ألف صلاة وصلاته في مسجد الحرام بمائة ألف صلاة وخبر الطبراني صلاة في مسجدي هذا بعشرة آلاف صلاة وصلاة في المسجد الحرام بعشرة أمثالها بمائة ألف صلاة وصلاة الرجل في بيت المقدس بألف صلاة وصلاة الرجل في بيته حيث لا يراه أحد أفضل من ذلك كله قلت يحمل صلاة الرجل في بيته أولا على الفرض وثانيا على النفل لئلا يتعارضا أو على


العذر وصح عن عمر قال ابن حزم بسند كالشمس في الصحة أنه قال صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجد النبي وصح عن عبد الله بن الزبير قال الصلاة في المسجد الحرام تفضل على مسجد النبي بمائة ضعف قال ابن عبد البر وابن حزم فهذان صحابيان جليلان يقولان بفضل المسجد الحرام على مسجد النبي ولا مخالف لهما من الصحابة فصار كالإجماع منهم في ذلك وفي رسالة الحسن البصري إلى الرجل الزاهد الذي أراد الخروج من مكة قال قال رسول الله من صلى في المسجد الحرام ركعتين فكأنما صلى في مسجدي ألف صلاة والصلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من البلدان إذا تأملت ذلك علمت ضعف ما قيل على رواية صلاة بالمسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة تبلغ صلاة واحدة فيه عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة وصلاة خمس صلوات فيه تبلغ مائتي سنة وسبعا وسبعين سنة وسبعة أشهر وعشر ليال ا ه وضعف ما قيل أيضا صلاة بالمسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة كما ورد كل صلاة فيه جماعة بالفي ألف صلاة وسبعمائة ألف صلاة والصلوات الخمس فيه بثلاثة عشر ألف صلاة وخمسمائة ألف صلاة وصلاة الرجل بغير المساجد الثلاثة كل مائة سنة شمسية بمائة ألف وثمانين ألف صلاة وكل ألف سنة بألف ألف صلاة وثمائمائة ألف صلاة فتلخص من هذا أن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة يفضل ثوابها على ثواب من صلى في بلده فرادى حتى بلغ عمر نوح بنحو الضعف وهذه فائدة تساوي رحلة ا ه وهذا كله كالذي قبله غفلة عن الرواية الصحيحة السابقة إن صلاة واحدة بمكة أفضل من مائة ألف صلاة بمسجده عليه السلام وإلا فالحسنات تزيد على ذلك بما لا نهاية له ثم لا تنافي بين الروايات المختلفة في التضعيف لإحتمال أن حديث الأقل قبل حديث الأكثر ثم تفضل الله بالأكثر شيئا بعد شيء ويحتمل أن يكون تفاوت الأعداد لتفاوت الأحوال لما جاء أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة إلى غير نهاية وورد تفكر ساعة خير


من عبادة سنة كذا ذكره ابن حجر وقال الخطابي ذكر الفاكهاني بلفظه فكر ساعة خير من عبادة سنة من كلام السري السقطي قلت ذكر السيوطي في الجامع الصغير فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة رواه أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة واختلفوا في محل هذه المضاعفة على أربعة أقوال الأول أنه الحرم والثاني أنه مسجد الجماعة وهو ظاهر من كلام أصحابنا واختاره بعض الشافعية لأن أصحابنا قالوا التفضيل مختص بالفرائض دون النوافل فإنها في البيوت أفضل فجعلوا حكم البيت غير حكم المسجد قال العسقلاني ويمكن إبقاء حديث أفضل صلاة المرء على عمومه فتكون النافلة في بيت مكة أو المدينة تضاعف على الصلاة في البيت


بغيرهما وإن كانت في البيوت أفضل مطلقا والثالث أنه مكة واختاره بعضهم لخبر ابن ماجه صلاة بمكة بمائة ألف والرابع أنه الكعبة وهو أبعدها قيل ورد عن ابن عباس أن حسنات الحرم كلها الحسنة بمائة ألف وأجيب بأن حسنة الحرم مطلقا بمائة ألف لكن الصلاة في مسجد الجماعة تزيد على ذلك ولذا قال بمائة ألف صلاة في مسجدي ولم يقل حسنة وصلاة في مسجده عليه السلام بألف صلاة كل صلاة بعشر حسنات فتكون الصلاة في مسجده عليه السلام بعشرة آلاف حسنة ويحتمل أن يلحق بعض الحسنات ببعض أو يختص ذلك بالصلاة لمعنى فيها الكعبة وحدها لرواية إلا الكعبة وفي رواية للنسائي إلا المسجد والكعبة وفي أخرى لمسلم إلا مسجد الكعبة قال ابن حجر ثم المضاعفة لا تختص بالفرض بل تعم النفل أيضا خلافا لبعض الحنفية والمالكية وغيرهم وإن كان دون الفرض لزيادته عليه بسبعين درجة ولا ينافي عموم التضعيف للنفل كونه في البيت أفضل حتى في الكعبة للخبر الصحيح أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة وذلك لأن في فضيلة الإتباع ما يربو على المضاعفة ومن ثم قال السبكي صلاة الظهر بمنى يوم النحر أفضل منها بمكة بالمسجد الحرام وإن جعلنا المضاعفة مختصة به لما تقرر أن في فضيلة الإتباع ما يربو على فضيلة العمل والمضاعفة غير مختصة بزمنه عليه السلام على المختار ثم المراد بالتضعيف السابق إنما هو في الأجر دون الإجزاء باتفاق العلماء فالصلاة في أحد المساجد الثلاثة لا تجزىء عن أكثر من واحدة إجماعا وما اشتهر على ألسنة العوام أن من صلى داخل الكعبة أربع ركعات تكون قضاء الدهر باطل لا أصل له ثم المضاعفة لا تختص بالصلاة بل تعم سائر الطاعات وبه صرح الحسن البصري فقال صوم يوم بمكة بمائة ألف وصدقة درهم بمائة ألف وكل حسنة بمائة ألف وورد فيه حديث بسند حسن خلافا لمن ضعفه إن حسنات الحرم كل حسنة بمائة ألف حسنة وروى ابن ماجه خبر من أدرك شهر رمضان بمكة فصامه وقام فيه ما تيسر كتب له مائة ألف


شهر رمضان فيما سواه وكتب له بكل يوم وليلة عتق رقبة وفي كل يوم حمل فرسين في سبيل الله وروى البزار خبر رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة وذهب جماعة من العلماء إلى أن السيئات تضاعف بمكة كالحسنات منهم ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأحمد بن حنبل وغيرهم لتعظيم البلد ثم قيل تضعيفها كمضاعفة الحسنات بالحرم وقيل بل كخارجه وأخذ الجمهور بالعمومات كقوله تعالى أي ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون أي وحمل بعض المتأخرين القول بالمضاعفة على أن المراد بها مضاعفة الكيفية لا الكمية فإن السيئة جزاؤها سيئة لكن السيئات متفاوتة إذ ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في طرف من أطراف بلده قيل يرجع النزاع في ذلك الحمل أيضا إذ أي فرق بين سيئة معظمة تقدر بمائة ألف سيئة وهي واحدة وبين سيئة بمائة ألف سيئة عددا وأجيب بأنه ورد من زادت حسناته على


سيئاته دخل الجنة ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أهل الأعراف ومما يدل على تعظيم الحرم المقتضي لتعظيم السيئة قوله تعالى ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم الحج فقد أخذ منه جماعة كابن مسعود أن من خصوصياته أنه يعاقب على الهم فيه بالسيئة وإن لم يفعلها واحتج المالكية لأفضلية المدينة بخبر المدينة خير من مكة ولا حجة فيه لأنه حديث ضعيف وقيل موضوع ذكره ابن عبد البر وغيره وخبر اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي فاسكني أحب البقاع إليك وهو مرسل ضعيف وقيل بل موضوع وخبر اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة يدل على الفضيلة لا الأفضلية وقد صح في فضيلة مكة أحاديث أيضا منها خبر والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله وخبر ما أطيبك وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك ومنها خبر أنه عليه السلام قال لهم في حجة الوداع أي بلد تعلمونه أعظم حرمة قالوا لا إلا بلدنا الحديث وفي رواية أن ابن عمر وجابرا يشهدان أن رسول الله سأل الناس أي بلد أعظم حرمة فأجابوا بأنه مكة وهذا إجماع من الصحابة أنها أفضل البلاد وأقرهم عليه عليه السلام هذا ونقل القاضي عياض وغيره الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة حتى على الكعبة المنيفة وأن الخلاف فيما عداه ونقل عن أبي عقيل الحنبلي أن تلك البقعة أفضل من العرش وصرح الفاكهاني بتفضيلها على السموات قال بل الظاهر المتعين تفضيل جميع الأرض على السماء لحلوله عليه الصلاة والسلام بها وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها وقال النووي والجمهور على تفضيل السماء على الأرض أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة ومحل الخلاف فيما عدا الكعبة فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقا ما عدا موضع قبره المقدس ومحل نفسه الأنفس صلوات الله وسلامه عليه ما دام الصبح تنفس والليل إذا عسعس وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله لا


تشد الرحال جمع رحل
وهو كور البعير والمراد نفي فضيلة شدها وربطها إلا إلى ثلاثة مساجد قيل نفي معناه منهي أي لا تشدوا إلى غيرها لأن ما سوى الثلاثة متساو في الرتبة غير متفاوت في الفضيلة وكان الترحل إليه ضائعا وعبثا وفي شرح مسلم للنووي قال أبو محمد يحرم شد الرحل إلى غير الثلاثة وهو غلط وفي الأحياء ذهب بعض العلماء إلى الإستدلال به على المنع من الرحلة لزيارة المشاهد وقبور العلماء والصالحين وما تبين لي أن الأمر كذلك بل الزيارة مأمور بها لخبر كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها والحديث إنما ورد نهيا عن الشد لغير الثلاثة من المساجد لتماثلها بل لا بلد إلا وفيها مسجد فلا معنى للرحلة إلى مسجد آخر وأما المشاهد فلا تساوي بل بركة زيارتها على قدر درجاتهم عند الله ثم ليت شعري هل يمنع هذا القائل من شد الرحل لقبور الأنبياء كإبراهيم وموسى ويحيى والمنع من ذلك في غاية الإحالة وإذا جوز ذلك لقبور الأنبياء والأولياء في معناهم فلا يبعد أن يكون ذلك من أغراض الرحلة كما أن زيارة العلماء في الحياة من المقاصد المسجد الحرام بالجر على البدلية وقيل بالرفع والنصب ووجههما ظاهر والمسجد الأقصى وصفة بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام ولعل تقديمه على المسجد النبوي لتقدمه وجودا ومسجدي هذا قال ابن الملك يريد به مسجد المدينة ومزية هذه المساجد لكونها ابنية الأنبياء عليهم السلام ومساجدهم قلت ولأن الله ذكرها في كتابه القديم على وجه التعظيم والتكريم وفيه إشارة إلى أرجحية القول بأن المراد بقوله تعالى لمسجد أسس على التقوى التوبة هو المسجد النبوي ثم مسجد قباء تابع لمسجده أو ملحق به اقتداء به لما يأتي ولعله إنما ترك ذكره لأنه مما لا تشد الرحال إليه غالبا متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي قاله ميرك وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ما بين بيتي ومنبري المراد بالبيت بيت سكناه وقيل قبره لما جاء في حديث آخر ما بين قبري ومنبري ولا


منافاة بينهما لأن قبره في بيته قيل أراد بما بينهما المحراب لأنه بين المنبر وبين بيته لأن باب حجرته كان مفتوحا إلى المسجد وفي رواية عند الطبراني ما بين حجرتي ومصلاي روضة من رياض الجنة قيل معناه أن الصلاة والذكر فيما بينهما يؤديان إلى روضة من رياض الجنة
وهذا كما جاء في الحديث الجنة تحت ظلال السيوف وفي الحديث الجنة تحت أقدام الأمهات أي برها وصلتها والتحمل عنها يوصل إلى دار اللذات وفي حديث إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قيل وما رياض الجنة يا رسول الله قال المساجد وفي رواية حلق الذكر قال التوربشتي وإنما سمى تلك البقعة المباركة روضة لأن زوار قبره وعمار مسجده من الملائكة والجن والإنس لم يزالوا مكبين فيها على ذكر الله سبحانه وعبادته إذا صدر عنها فريق ورد عليها آخرون كما جعل حلق الذكر رياض الجنة قال ومنبري على حوضي أي على حافته فمن شهده مستمعا إلي أو متبركا بذلك الأثر شهد الحوض ونبه عليه السلام على أن المنبر مورد القلوب الصادئة في بيداء الجهالة كما أن الحوض مورد الأكباد الظامئة في حر القيامة ويحتمل أن يراد بهذا الكلام ما لا تهتدي إليه عقولنا كذا نقله الطيبي وقال مالك الحديث باق على ظاهره والروضة قطعة نقلت من الجنة وستعود إليها وليست كسائر الأرض تفنى وتذهب قال ابن حجر وهذا عليه الأكثر وهي من الجنة الآن حقيقة وإن لم تمنع نحو الجوع لإتصافها بصفة دار الدنيا وقيل يعيد الله منبره على حاله فينصبه على حوضه قال ابن حجر وهذا هو الأولى أيضا لأن الأصل بقاء اللفظ على ظاهره الممكن والله أعلم قال ابن الملك وروي ومنبري على ترعة حوضي والترعة على ما في النهاية الروضة على المكان المرتفع خاصة وقيل هي الدرجة وقيل الباب وقيل ترعة الحوض مفتح الماء إليه ثم قال وهذا يدل على أن يكون له عليه السلام في الآخرة منبر ويجوز أن يراد منبره في الدنيا وفيه تنبيه على استمداده عليه السلام من الحوض الزاخر النبوي وفيه


إشارة إلى أن كلا منهما متعلق بالآخر لا مطمع لأحد في الآخر دون الإتعاظ بالأول وقال ابن حزم ظن بعض الأغبياء أن تلك الروضة قطعة مقتطعة من الجنة وأن الأنهار سيحان وجيحان والفرات والنيل مهبطة من الجنة وهذا باطل لأن الله تعالى يقول في الجنة إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى طه وليست هذه صفة الأنهار المذكورة ولا الروضة فصح أن قوله من الجنة إنما هو لفضلها وأن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة وأن تلك الأنهار لطيبها وبركتها أضيفت إلى الجنة كما تقول في اليوم الطيب هذا من أيام الجنة وكما قيل في الضأن إنها من دواب الجنة وقد جاء إن حلق الذكر من رياض الجنة وتعقبه ابن حجر بأن الآية لا تدل له لأن تلك القطعة لما نزلت إلى الأرض أعطيت أحكامها ومن ثم لو حلف داخلها أنه دخل الجنة حنث واعترى من بها الجوع ونحوه ومجرد سلب ذلك عنها لا يقتضي سلب كونها من الجنة عنها وفائدة كونها منها مع نفي أوصافها عنها غاية تشريف مسجده عليه السلام بأن فيه قطعة من نفس


أرض الجنة كما صح في الحجر الأسود والمقام إنهما ياقوتتان من الجنة ولولا ما طمس من نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وصح عن ابن عباس ومثله لا يقال من قبل الرأي يعني فهو في حكم المرفوع إن الحجر نزل من الجنة ياقوتة بيضاء وإن الله غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة يعني ليكون الإيمان غيبيا لا عينيا وإنه أنزل في محل الكعبة قبل وجودها ليتأنس به آدم وحرسه بصف من الملائكة لئلا ينظر الجن والانس إليه لأنه من الجنة ومن نظر إلى الجنة دخلها فكما أن هذين من الجنة حقيقة ولا يمكن ابن حزم تأويلهما فكذا ما نحن فيه وما زعمه في تلك الأنهار ليس بصحيح أيضا والأحاديث الصحيحة بأنها من الجنة حقيقة لكنها لما نزلت إلى الأرض اكتسبت أوصافها أيضا وقوله كما تقول في اليوم الطيب الخ لا دليل فيه لأن الحقيقة في تلك المثل وما أشبهها من نحو الجنة تحت ظلال السيوف مستحيلة بخلاف ما نحن فيه متفق عليه ورواه أبو داود قاله ميرك وعن ابن عمر قال كان النبي يأتي مسجد قباء ممدود يصرف وقيل لا وقيل مقصور وهي قرية قريبة من المدينة على ثلاثة أميال وقيل أصحاب الصفة كانوا في ذلك المسجد كل سبت ماشيا وراكبا حالان مترادفان والواو بمعنى أو يعني تارة وتارة فيصلي فيه ركعتين أي تحية المسجد أو غيرها يقوم مقامها قال الطيبي وفيه دليل على أن التقرب بالمساجد ومواضع الصلحاء مستحب وأن الزيارة يوم السبت سنة متفق عليه قال ابن حجر وصح عنه عليه السلام إن صلاة في مسجد قباء كعمرة وفي رواية من توضأ فاسبغ الوضوء وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له أجر عمرة وفي أخرى صحيحة أيضا من توضأ فأحسن وضوءه ثم دخل مسجد قباء فركع فيه أربع ركعات كان ذلك


عدل عمرة ويجمع بأنه يحتمل أن ثواب العمرة رتب أولا على أربع ركعات ثم سهل الله على عباده وتفضل عليهم فرتبه على ركعتين وصح عن سعد بن أبي وقاص لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل ومن هنا قالوا عوض الله تعالى قاصد مسجده عليه السلام من الحج والعمرة بأمرين وعد عليهما ذلك الثواب أما الحج فذكر ابن الجوزي بإسناده وابن النجار بإسناده عن أبي أمامة أنه عليه السلام قال من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة وأما العمرة فزيارة مسجد قباء للحديث الصحيح صلاة في مسجد قباء كعمرة وعن أبي هريرة قال قال رسول الله أحب البلاد إلى الله جمع البلد والمراد مأوى الإنسان مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها المراد بحب الله المساجد إرادة الخير لأهلها وبالبغض خلافه وهذا بطريق الأغلبية وإلا فقد يقصد المسجد بقصد نحو الغيبة وقد يدخل السوق لطلب الحلال ولذا قيل كن ممن يكون في السوق وقلبه في المسجد لا بالعكس والجمع بين القلب والقالب في المسجد أكمل قال الطيبي ولعل تسمية المساجد والأسواق بالبلاد تلميح إلى قوله تعالى والبلد الطيب الآية ويحتمل أن يراد مضاف أي بقاع البلاد ولا شك أن المساجد محل التقرب إلى الله تعالى والأسواق محل أفعال الشياطين من الحرص والطمع والخيانة والغفلة ا ه وقد قال الله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه اي الآية النور وقال المساجد مواطن المتقين رواه مسلم وابن حبان قاله ميرك وعن عثمان رضي الله عنه قال قال رسول الله من بنى لله مسجدا أي معبدا فيتناول معبد الكفرة فيكون لله لإخراج ما بنى معبدا لغير الله قاله ابن الملك والأظه


أن يكون المسجد على بابه ويكون لله لإخراج ما بني للرياء والسمعة ولذا قيل من كتب اسمه على بنائه دل ذلك منه على عدم إخلاصه قال ابن حجر وهو ظاهر ما لم يقصد بكتابة اسمه نحو الدعاء والترحم وفيه أن الدعاء والترحم يحصل مجملا ومبهما فلا يحتاج تعيين إلى الاسم بنى الله له بيتا وفي نسخة زيادة مثله في الجنة قال الطيبي التنكير في مسجدا للتقليل وفي بيتا للتكثير والتعظيم ليوافق ما ورد من بنى لله ولو كمفحص قطاة الحديث ا ه قلت وليكون إشارة إلى زيادة المثوبة كمية وكيفية لئلا يرد عليه قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام قال صاحب الروضة في فتاويه يحتمل أن يكون المراد بيتا فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا وأن يكون معناه مثله في مسمى البيت وأما الصفة في السعة وغيرها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كذا نقله السيد عن الأزهار متفق عليه قال ابن حجر وفي رواية لهما بنى الله له مثله في الجنة وفي أخرى للبخاري من بنى مسجدا قال بكير حسبت أنه قال يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة وروى أحمد خبر من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة وابن ماجه بسند صحيح من بنى لله مسجدا كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه أيضا وابن حبان في صحيحه قال الذهبي وإسناده جيد ومفحص القطاة بفتح الميم محل تبحثه برجلها وتصلحه لتبيض به بالأرض مأخوذ من الفحص وهو البحث ولو هنا للتقليل كما أثبته من معانيها ابن هشام الخضراوي وجعل منه اتقوا النار ولو بشق تمرة قال الزركشي والظاهر أن التقليل مستفاد من بعد لولا من لو قلت الأظهر أن الإستفادة من بعد لو لكن بإعانة لو فإن الكلام بدونها لا يفيد الإفادة التي معها والتقليل هنا يحصل بأدنى زيادة في مسجد تنزيلا لتتميمه منزلة ابتدائه حملا للناس على ذلك ويحتمل أن يراد به المبالغة وأما قوله


مثله فقال بعضهم المثلية بحسب الكمية والزيادة بحسب الكيفية فكم من بيت خير من مائة بيت ويوافقه قول ابن الجوزي مثله في الاسم لا في المقدار أي بني له بيت كما بنى بيتا فجزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره مع أن التفاوت حاصل قطعا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة العقبى ومن ثم روى أحمد بنى الله له في الجنة أفضل منه ورواه الطبراني بلفظ أوسع ويدل على الأفضلية حديث لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من
الدنيا وما فيها وروي عن عائشة مرفوعا من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة قلت يا رسول الله وهذه المساجد التي بطريق مكة قال وتلك وإنما خص القطاة لأنها تتخذ محلا لبيضها على بسيط الأرض لا على نحو شجر أو جبل بخلاف بقية الطيور وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من غدا إلى المسجد أي ذهب إليه في الغدوة وهو ما بين طلوع الفجر والزوال أو راح أي ذهب إليه في الرواح وهو ما بعد الزوال أعد الله أي هيأ له نزله بضم النون والزاي وتسكن وهو ما يقدم إلى الضيف من الطعام من الجنة قال السيوطي في حاشية البخاري النزل بضمتين المكان المهيأ للنزول وبسكون الزاي ما يهيأ للقادم من نحو الضيافة فمن على الأول للتبعيض وعلى الثاني للتبيين كلما غدا أو راح قال الطيبي النزل ما يهيأ للنازل وكلما غدا ظرف وجوابه ما دل عليه ما قبله وهو عامل فيه والمعنى كلما استمر غدوه ورواحه استمر اعداد نزله في الجنة فالغدو والرواح في الحديث كالبكرة والعشي في قوله تعالى ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا مريم المراد بهما الدوام قلت فعلى هذا تكون الحركة سبب البركة والذهاب موجب الثواب ويمكن أن يكون الذهاب إلى الطاعة علامة إعداد الله المثوبة فإن العبادات أمارات لا موجبات متفق عليه وعن أبي موسى أي الأشعري كما في نسخة قال قال رسول الله أعظم الناس أي أكثرهم أجرا في الصلاة أي في الإتيان إليها أبعدهم فأبعدهم الفاء للإستمرار كما في قوله


الأمثل فالأمثل قاله الطيبي ممشى مصدر أو مكان كذا قيل والثاني هو الظاهر والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي أي منفردا قاله ابن الملك أو مع إمام آخر قاله العسقلاني أو في أول الوقت ثم ينام أي ولا ينتظر الإمام وقال الطيبي أي من أخر الصلاة ليصليها مع الإمام لأعظم أجرا من الذي يصليها في
وقت الإختيار ولم ينتظر الإمام ويحتمل من انتظر الصلاة الثانية فهو أعظم أجرا من الذي لا ينتظر الصلاة وفي قوله ثم ينام غرابة لأنه جعل عدم انتظار الصلاة نوما والمنتظر وإن نام فهو يقظان وغيره نائم وإن كان يقظان لأنه يضيع تلك الأوقات كالنائم متفق عليه وعن جابر قال خلت البقاع بكسر الباء وضبط بعضهم بالضم سهو قلم حول المسجد أي أطرافه قريبا منه فأراد بنو سلمة بكسر اللام قبيلة من الأنصار وكان بينهم وبين المسجد مسافة بعيدة أن ينتقلوا قرب المسجد بنزع الخافض أي إلى مكان بقربه فبلغ ذلك أي انتقالهم المفهوم من أن ينتقلوا النبي بالإخبار أو الوحي فقال لهم بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد قالوا نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال يا بني سلمة دياركم بالنصب على الإغراء أي الزموا دياركم تكتب يروى بالجزم على جواب الزموا ويجوز الرفع على الإستئناف أو الحال لبيان الموجب آثاركم جمع أثر وأثر الشيء حصول ما يدل على وجوده قال تعالى ونكتب ما قدموا وآثارهم أي أجر خطاكم وثواب أقدامكم لكل خطوة درجة فما كان الخطا أكثر يكون الأجر أكثر دياركم تكتب آثاركم كرره للتأكيد قال الطيبي بنو سلمة بطن من الأنصار وليس في العرب سلمة بكسر اللام غيرهم كانت ديارهم على بعد من المسجد وكان يجهدهم في سواد الليل وعند وقوع الأمطار واشتداد البرد فأرادوا أن يتحولوا قرب المسجد فكره النبي أن تعرى جوانب المدينة فرغبهم فيما عند الله من الأجر على نقل الخطا والمراد بالكتابة أن تكتب في صحف الأعمال أي كثرة الخطأ سبب لزيادة الأجر أو


أن تكتب في كتب السير أي تكتب قصتكم ومجاهدتكم في العبادة في كتب سير السلف فيكون سببا لحرص الناس على الجد والإجتهاد ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة الحديث ا ه وفيه تنبيه على أن في الحديث معجزة له عليه السلام وإشارة إلى أن التكرار ليس للتأكيد بل بشارة إلى الكتابتين رواه مسلم قال ميرك وأخرج البخاري قريبا من معنى هذا الحديث من طريق أنس لا من طريق جابر ولا ينافي هذا الحديث والذي قبله ما ورد من إن شؤم الدار عدم سماعها للأذان لأن الشآمة من حيث إنه ربما أدى إلى فوات الوقت أو الجماعة والفضل من حيث كثرة الخطأ المستلزمة لكثرة الأجر فالحيثية مختلفة وقد صرح ابن العماد بأن الدار


البعيدة أفضل واستدل بما هنا وبخبر مسلم عن جابر كانت ديارنا بائنة عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد فنهانا رسول الله فقال إن لكم بكل خطوة درجة وروى مسلم أيضا أن بعض الصحابة كان أبعدهم دارا فقيل له ألا تركب قال ما سرني أن منزلي بجنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي فقال عليه السلام قد جمع الله لك ذلك كله وروى أحمد خبر فضل الدار البعيدة عن المسجد على القريبة كفضل الفارس على القاعد قال ابن حجر ومحل ذلك فيمن لم يفته ببعد داره مهم ديني كتعليم علم وتعلمه ونحوهما من فروض الكفايات وإلا فالقريبة أفضل في حقه كالضعيف عن المشي وعن أبي هريرة قال قال رسول الله سبعة أي أشخاص ولا مفهوم له إذ ورد ما يدل على الزيادة يظلهم الله أي يدخلهم في ظله أي رحمته يوم لا ظل أي لا قدرة ولا رحمة إلا ظله قال ابن الملك في شرح السنة أي يدخلهم في حراسته ورعايته وقيل بالمراد ظل العرش إذ جاء في بعض طرق الحديث في ظل عرشه ا ه وفيه إشكال لما ورد من دنو الشمس من الرؤوس المستلزم لكونها تحت العرش المستلزم لعدم الظل إذ لا يظهره إلا الشمس وأجاب ابن حجر بمنع دعوى أنه لا يظهره إلا هي وقال ألا ترى أن الجنة لا شمس فيها مع قوله عليه السلام إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها كذا فكما جاز للشجرة ظل مع عدم الشمس فكذلك العرش ا ه وحاصله أن الظل غير مختص بما يحجب عن نور الشمس بل عام في كل نور كنور القمر في الدنيا وأنوار الجنة في العقبى لكن لا خفاء في عدم ظهور الجواب ويمكن أن يقال إن المراد به أن يرتفع إلى ظل العرش من حضيض الفرش أو ظل العرش يغلب على الشمس بالنسبة إليه فلا يبقى لها تأثير الحرارة ومنه خبر جز يا مؤمن فإن نورك اطفأ لهيبي قال الراغب الظل ضد الصبح وهو أعم من الفيء ويعبر به عن العزة والمنعة يقال أظلني أي حرسني وجعلني


في ظله أي في عزه ومنعته قيل في ظله تأكيد وتقرير لأن قوله يظلهم لا يحتمل ظل غيره يعني أن الله تعالى يحرسهم من كرب الآخرة ويكنفهم في رحمته إمام عادل من يلي أمور المسلمين من الأمراء وغيرهم لأن الناس كانوا في ظله في الدنيا فجوزي بنظيره في الآخرة جزاء وفاقا وقدمه لأنه أفضل السبعة فإنهم داخلون تحت ظله وشاب نشأ أي نما وتربى في عبادة الله أي لا في معصيته فجوزي بظل العرش لدوام حراسة نفسه عن مخالفة ربه ورجل قلبه معلق بالمسجد وفي نسخة في المسجد قال العسقلاني قوله معلق في المسجد هكذا هو في الصحيحين وظاهره أنه من التعليق كأنه شبهه بمثل القنديل إشارة إلى طول الملازمة بقلبه ويحتمل أن يكون من العلاقة وهي شدة الحب ويدل عليه رواية أحمد معلق بالمسجد فجوزي لدوام محبة ربه وملازمته بيته بظل عرشه إذا خرج منه أي من المسجد حتى يعود إليه لأن المؤمن في المسجد كالسمك في الماء والمنافق في المسجد كالطير في القفص ورجلان مثلا تحابا في الله أي لله أوفى مرضاته اجتمعا عليه أي على الحب في الله إن اجتمعا وتفرقا عليه أي إن تفرقا يعني يحفظان الحب في الحضور والغيبة وقال الطيبي تفرقا عليه من مجلسهما وقيل التفرق بالموت وقال العسقلاني قوله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه وفي رواية الكشميهني اجتمعا عليه فكأن كل واحد منهما كان يحرس صاحبه عن مخالفة ربه فإن المؤمن مرآة المؤمن فجوزيا بذلك ورجل ذكر الله خاليا أي من الناس أو من الرياء أو مما سوى الله ففاضت عيناه أي سالت وجرت دموع عينيه وفي الإسناد مبالغة لا تخفى فجازاه الله على الملأ الأعلى ورجل دعته امرأة أي إلى الزنا بها ذات حسب قال ابن الملك الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه وقيل الخصال الحميدة له ولآبائه وجمال أي في غاية كمال فقال بلسانه أو قلبه إني بسكون الياء وفتحها أخاف الله أي مخالفته أو عقوبته أو سخطه ومن خاف سلم ورجل تصدق بصدقة فأخفاها قال ابن الملك هذا محمول على


التطوع لأن إعلان الزكاة أفضل حتى لا تعلم بفتح الميم وقيل بضمها شماله قيل فيه حذف أي لا يعلم من بشماله وقيل يراد المبالغة في إخفائها وإن شماله لو تعلم لما علمتها ولما بالغ في إخفاء عمله لله جازاه الله بإظهار فضله ما تنفق وجوز في الفعلين التذكير يمينه ووقع في مسلم لا تعلم يمينه ما تنفق شماله وهو مقلوب سهو عند المحققين قاله العسقلاني متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي ذكره ميرك
وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلاة الرجل أي ثواب صلاته في الجماعة تضعف بالتشديد ويجوز التخفيف قاله في الأزهار أي تزاد على صلاته يقال ضعف الشيء إذا زاد وضعفته وأضعفته وضاعفته بمعنى كذا في النهاية وقال ابن حجر إسناد الزيادة إليها مجاز عن ثوابها أو يقدر مضاف أي ثواب صلاة الرجل على ثواب صلاته وحده في بيته وفي سوقه عطف بإعادة الجار قال ابن حجر بل وفي المسجد أيضا كما علم من أدلة أخرى وخصا بالذكر لأن ذلك التضعيف إذا فات من بهما وإن احتاج إلى ملازمتهما فمن بغيرهما أولى بأن يفوته ا ه وفيه بحث والظاهر أن وجه تخصيصهما كون الغالب أن توجد الجماعة في المسجد دونهما ولذا أطلق تعليل التضعيف الآتي بالخروج إلى المسجد من غير تقييد بجماعة وقيل معناه أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت وفي السوق جماعة وفرادى وقال العسقلاني والذي يظهر أن المراد بمقابلة الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردا خمسا وعشرين ضعفا أي مثلا وفي رواية سبعا وعشرين وسيأتي الكلام عليهما في مبحث الجماعة قال ابن الملك المراد الكثرة لا الحصر قال العسقلاني قوله بخمس وعشرين وفي رواية الأصيلي خمسا وعشرين وقوله ضعفا كذا في الروايات التي وقفنا عليها وحكى الكرماني وغيره خمسا وعشرين درجة فيؤول الضعف بالدرجة أو بالصلاة وذلك أي التضعيف البعيد المرتب على القصد والنية أنه أي لأنه أو بأنه يعني الرجل أو الشأن إذا توضأ فأحسن الوضوء بأن جمع بين


العمل بالفرائض والسنن ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه أي من بيته إلى المسجد إلا الصلاة أي قصد الصلاة بجماعة لا شغل آخر جملة حالية مؤسسة لا مؤكدة كما قال الطيبي الجملة الحالية كالتعليل للحكم كأنه لما أضاف الصلاة إلى الرجل المعرف بلام الجنس أفاد صلاة الرجل الكامل الذي لا يلهيه أمر دنيوي عن ذكر الله في بيت الله تضعف أضعافا لأن مثله لا يقصر في شرائطها وأركانها وآدابها فإذا توضأ أحسن الوضوء وإذا خرج إلى الصلاة لا يشوبه شيء مما يكدره وإذا صلى لم يتعجل للخروج ومن هذا شأنه فجدير بأن يضاعف ثواب صلاته لم يخط قال العسقلاني بفتح أوله وضم الطاء وقوله خطوة بضم أوله ويجوز الفتح قال الجوهري هي بالضم ما بين القدمين وبالفتح المرة الواحدة وجزم اليعمري أنها هنا بالفتح قال القرطبي إنها في روايات مسلم بالضم إلا رفعت له بها


درجة أي إذا لم يكن عليه ذنوب وحط عنه بها خطيئة أي إذا كان عليه سيئات ويمكن أن يجمع له بين الرفع والحط وهو الظاهر والفضل واسع فإذا صلى لم تزل بالتأنيث ويذكر الملائكة تصلي عليه أي تدعو له بالخير وتستغفر من ذنوبه ما دام في مصلاه اللهم صل عليه جملة مبينة لقوله تصلي عليه وفي ذلك فخامة اللهم ارحمه قال الطيبي طلب الرحمة بعد طلب المغفرة لأن صلاة الملائكة استغفار لهم ولا يزال أحدكم في صلاة أي حكما أخرويا يتعلق به الثواب ما انتظر الصلاة أي ما دام ينتظرها فإن الأعمال بالنيات بل نية المؤمن خير من عمله وفي رواية قال إذا دخل المسجد كانت الصلاة تحبسه أي لا يمنعه من الخروج من المسجد غير انتظار الصلاة وفي رواية لمسلم لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه أي لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة وجاء في بعض الحكايات أن عبدا استأذن سيده أن يدخل المسجد ويصلي فأذن له ووقف خارج المسجد ينتظره فابطأ العبد عليه فقال له اخرج فقال ما يخليني أخرج فقال من هو فقال الذي لا يخليك تدخل وزاد أي في هذه الرواية في دعاء الملائكة اللهم اغفر له اللهم تب عليه أي وفقه للتوبة أو اقبلها منه أو ثبته عليها والمعنى لا تزال الملائكة داعين له ما دام في مصلاه أو منتظرا للصلاة ما لم يؤذ فيه أي أحدا من المسلمين بلسانه أو يده فإنه حدث معنوي ومن ثمة أتبعه بالحدث الظاهري فقال ما لم يحدث فيه أي حدثا حقيقيا وهو بسكون الحاء وتخفيف الدال المكسورة أي ما لم يبطل وضوءه لما روي أن أبا هريرة لما روى هذا الحديث قال له رجل من حضرموت وما الحدث يا أبا هريرة قال فساء أو ضراط نقله ابن الملك وهو في بعض طرق الحديث عند الترمذي ولعل سبب الإستفسار إطلاق الحدث على غير ذلك عندهم أو ظنوا أن الإحداث بمعنى الإبتداع وتشديد الدال خطأ كذا في النهاية وقال العسقلاني ما لم يؤذ بحدث كذا للأكثر بالفعل المجزوم على البدلية ويجوز الرفع على الإستئناف


وللكشميهني بحدث فيه بلفظ الجار والمجرور متعلقا بيؤذ والمراد بالحدث الناقض للوضوء ويحتمل أن يكون أعم من ذلك ا ه وقال ابن المهلب معناه أن الحدث في المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاءهم المرجو بركته وقيل إخراج الريح من الدبر لا يحرم لكن الأولى اجتنابه لأن الملائكة تتأذى بما يتأذى منه بنو آدم كما يأتي في الحديث ويؤخذ منه أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء الملائكة لا يمنع جواز الجلوس في المسجد وادعى بعضهم فيه الإجماع وفيه نظر فقد نقل عن ابن المسيب والحسن أنه كالجنب يمر فيه ولا يجلس وإن جلس فيه لعبادة كإعتكاف أو انتظار


صلاة أو ذكر كان مستحبا وإلا فمباحا وقيل يكره لخبر إنما بنيت المساجد لذكر الله قال ابن حجر ويجوز النوم فيه بلا كراهة عندنا لأن أهل الصفة كانوا يديمون النوم في المسجد وقيل يكره للمقيم دون الغريب وهو قريب من مذهب مالك وأحمد وقال جمع من السلف بكراهته مطلقا وخبر أنه عليه السلام خرج على ناس من أصحابه وهم رقود في المسجد فقال انقلبوا فإن هذا ليس للمرء مرقدا إسناده مجهول منقطع وخبر أبي ذر رآني عليه السلام نائما في المسجد فضربني برجله وقال لا أراك نائما فيه في إسناده مجهول أيضا فلا حجة فيه ا ه والجمع ممكن بأن يقال يكره لمن له مسكن دون غيره متفق عليه قال ميرك فيه نظر لأن قول اللهم تب عليه ليس في البخاري بل يعلم من شرح الشيخ ابن حجر أنه من زيادات ابن ماجه والله أعلم ويفهم من كلام الشيخ الجزري أن قوله لا يزال أحدكم الخ من أفراد مسلم ورواه أبو داود والترمذي أيضا تأمل والله أعلم وعن أبي أسيد بالتصغير على ما في شرح مسلم وأسماء الرجال للمصنف وقيل بفتح وكسر والأول هو الصواب كذا في المغني وقال ابن حجر في شرح الشمائل بفتح وكسر لا ضم وفتح خلافا لمن زعم وقال الطيبي أبو أسيد مالك بن ربيعة أنصاري ساعدي قال قال رسول الله إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك قال الطيبي لعل السر في تخصيص الرحمة بالدخول والفضل بالخروج أن من دخل اشتغل بما يزلفه إلى ثوابه وجنته فيناسب ذكر الرحمة وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق الحلال فناسب ذكر الفضل كما قال تعالى أي فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله أي رواه مسلم وأبو داود وكلاهما من حديث أبي حميد أو أبي أسيد على الشك والنسائي عنهما من غير شك وابن ماجه عن أبي حميد وحده كذا نقله ميرك عن الصحيح وفي خبر الحاكم وصححه إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي وليقل اللهم أجرني من الشيطان الرجيم وعند ابن السني إن أحدكم إذا


أراد أن يخرج من المسجد تداعت جنود إبليس أجلبت واجتمعت كما يجتمع النحل على
يعسوبها فإذا قام أحدكم على باب المسجد فليقل اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده فإنه إذا قالها لا يضره وعن أبي قتادة أن رسول الله قال إذا دخل أحدكم المسجد فليركع أمر استحباب لا وجوب خلافا للظاهرية ركعتين يعني تحية المسجد أو ما يقوم مقامهما من صلاة فرض أو سنة في غير وقت مكروه عندنا أو طواف قبل أن يجلس تعظيما للمسجد واستثنى الخطيب متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة ووقع في المشارق للصغاني أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة ورقم له بعلامة خ فوهم في موضعين قلت المراد بالموضع الأول أنه نسب الحديث إلى أبي هريرة والحال أنه منسوب إلى أبي قتادة وبالثاني أنه نسبه إلى البخاري فقط وهو منسوب إلى الصحيحين وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبخاري ومسلم والأربعة عن أبي قتادة وابن ماجه عن أبي هريرة وفي رواية العقيلي وابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين فإن الله جاعل له من ركعتيه في بيته خيرا وفي رواية إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين وفي رواية اعطوا المساجد حقها قالوا وما حقها يا رسول الله قال أن تصلوا ركعتين قبل أن تجلسوا وما يفعله بعض العوام من الجلوس أولا ثم القيام للصلاة ثانيا باطل لا أصل له ثم الظاهر من الحديث اختصاص ندبها بمريد الجلوس ويحتمل التقييد بالجلوس جري على الغالب ومن دخله وقت كراهة الصلاة أو وهو محدث قال أربع مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر زاد بعضهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فقد روي عن بعض السلف أن ذلك يعدل ركعتين في الفضل ويؤيده ما صح عن جابر بن زيد الإمام الكبير التابعي أنه قال إذا دخلت المسجد فصل فيه فإن لم تصل فاذكر الله فكأنك قد صليت ومن دخل المسجد الحرام وأراد


الطواف فليبدأ به وإلا فليصل خلافا لمن وهم خلاف ذلك من قولهم تحية المسجد الحرام طوافه ثم ظاهر الحديث أنها تفوت بالجلوس لكن روى ابن
حبان عن أبي ذر وصححه قال دخلت المسجد فإذا رسول الله جالس وحده فجلست إليه فقال يا أبا ذر إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان فقم فاركعهما قال فقمت فركعتهما وبه أخذ أن الزائر إذا دخل المسجد النبوي يصلي أولا ثم يزوره تقديما لحق الله تعالى وتعظيمه على حق رسول الله وتكريمه وعن كعب بن مالك قال كان النبي لا يقدم بفتح الدال أي لا يرجع من سفر إلا نهارا في الضحى وهو وقت تشرق الشمس قيل والحكمة في ذلك أنه وقت نشاط فلا مشقة على أصحابه في المجيء إليه بخلاف نصف النهار فإنه وقت نوم وراحة وبخلاف أواخره لأنه وقت اشتغال بأسباب العشاء ونحوه وبخلاف الليل فإنه يشق الحركة فيه فإذا قدم بدأ بالمسجد أي بدخوله فصلى فيه ركعتين تعظيما لأمر الله ثم جلس فيه قبل أن يدخل بيته ليزوره المسلمون شفقة على خلق الله متفق عليه ورواه أبو داود والنسائي قاله ميرك وروى عبد الحق وضعفه خبر وإذا دخل بيته فليصل فيه ركعتين وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من سمع رجلا ينشد بوزن يطلب ومعناه ضالة في المسجد متعلق بينشد أي يطلبها برفع الصوت قال الطيبي نشدت الضالة أنشدها نشدة ونشدانا طلبتها وأنشدتها بالألف إذا عرفتها من النشد رفع الصوت ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد من البيع والشراء ونحو ذلك وكان بعض السلف لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد تعليل للحكم ويحتمل أن يكون من جملة المقول لم تبن لهذا أي لنشدان الضالة ونحوه بل لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والوعظ حتى كره مالك البحث العلمي وجوزه أبو حنيفة


وغيره لأنه مما يحتاج الناس إليه لأن المسجد مجمعهم قاله ابن الملك قال ابن حجر ويستثنى من ذلك عقد النكاح فيه فإنه سنة للأمر به رواه الترمذي رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه قاله ميرك قال ابن حجر وفي رواية أنه عليه السلام سمع من ينشد في المسجد جملا أحمر فقال لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له وحسن الترمذي خبر إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا لا ردها الله عليك قال وكذا يندب أن يقال لمن أنشد شعرا مذموما فض الله فاك ثلاثا للأمر بذلك رواه ابن السني ولا بأس بإعطاء السائل فيه شيئا للحديث الصحيح هل أحد منكم أطعم اليوم مسكينا فقال أبو بكر دخلت المسجد فإذا أنا بسائل فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه وروى البيهقي أنه عليه السلام أمر سليكا الغطفاني بالصلاة يوم الجمعة في حال الخطبة ليراه الناس فيتصدقون عليه وأنه أمرهم بالصدقة وهو على المنبر قلت لا دلالة في الحديث على أنه كان سائلا وإنما الكلام فيه وقد قال بعض السلف لا يحل اعطاؤه فيه لما في بعض الآثار ينادي يوم القيامة ليقم بغيض الله فيقوم سؤال المسجد وفصل بعضهم بين من يؤذي الناس بالمرور ونحوه فيكره اعطاؤه لأنه إعانة له على ممنوع وبين من لا يؤذي فيسن اعطاؤه لأن السؤال كانوا يسألون على عهد رسول الله في المسجد حتى يروى أن عليا كرم الله وجهه تصدق بخاتمه وهو في الركوع فمدحه الله بقوله يؤتون الزكاة وهم راكعون المائدة وفيه أنه ليس في الحديث ولا الآية أن إعطاء علي كان في المسجد والظاهر أن الخلاف خلاف عصر وزمان لاختلاف السائلين والله أعلم وعن جابر قال قال رسول الله من أكل من هذه الشجرة في القاموس الشجر من النبات ما قام على ساق أو سما بنفسه دق أو جل قاوم الشتاء أو عجز عنه الواحدة بهاء فقول ابن حجر سميت بذلك تغليبا غير ظاهر نعم لو قال مجازا كان له وجه ولذا قال إذ


حقيقتها ماله ساق وأغصان وخلافه نجم قال تعالى أي والنجم والشجر يسجدان أي يعني على أحد التفاسير وإلا فقد قال مجاهد النجم الكوكب وسجوده طلوعه المنتنة أي الثوم ويقاس عليه البصل والفجل وماله رائحة كريهة كالكراث قال العلماء
ومن ذلك من به بخر مستحكم وجرح منتن فلا يقربن مسجدنا قيل النهي يتعلق بكل المساجد فالإضافة للملك أو التقدير مسجد أهل ملتنا لأن العلة وهي فإن الملائكة تأذى وفي نسخة صحيحة تتأذى أريد بهم الحاضرون موضع العبادات عامة توجد في سائر المساجد فيعم الحكم ويدل هذا التعليل على أنه لا يدخل المسجد وإن كان خاليا من الإنسان لأنه محل ملائكة فقوله مما يتأذى منه الانس يكون محمولا لا على تقدير وجودهم قال ابن حجر وفي رواية لمسلم من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا وفي رواية له أيضا مساجدنا وفي رواية أخرى فلا يأتين المساجد وفيها رد على من زعم اختصاصه بمسجده عليه السلام متفق عليه واللفظ لمسلم قاله ميرك قال النووي في شرح مسلم عقيب حديث لقد رأيت النبي إذا وجد ريحا من الرجل في المسجد أمر به فاخرج إلى البقيع هذا فيه إخراج من وجد منه ريح نحو البصل في المسجد إزالة للمنكر باليد لمن أمكنه وعن أنس قال قال رسول الله البزاق أي القاؤه وقد يقال بالسين والصاد المهملتين في المسجد أي في أرضه وجدرانه خطيئة أي إثم وفي رواية لأحمد سيئة وكالبزاق المخاط بل أولى وكفارتها أي إذا فعلها خطأ دفنها يعني إذا أزال ذلك البزاق أو ستره بشيء طاهر عقيب الإلقاء زال منه تلك الخطيئة قال ابن حجر ومعنى كون ذلك كفارته أن ذلك قاطع للتحريم الواقع لا أنه يرفعه من أصله خلافا لمن زعمه من المالكية ومن ثم قال في شرح مسلم إن ذلك باطل لمنافاته خبر الصحيحين المذكور وخبر رأيت رسول الله يفعله في المسجد ضعيف على أنه لا حجة فيه لما هو ظاهر أن فعله لا يستلزم إيصاله به وحكمة دفنه ببيتها خبر إذا انتخم أحدكم فليغيب نخامته أن تصيب


جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيه قال ابن العماد ولا خلاف إن من بصق بالمسجد استهانة به كفر متفق عليه وعن أبي ذر قال قال رسول الله عرضت علي أعمال أمتي أي إجمالا من
غير بيان عامليها ويحتمل تفصيلا والظاهر أن المراد أعمال الجوارح حسنها وسيئها بالرفع بدل من أعمال ووجدت في محاسن أعمالها جمع حسن بالضم والسكون على غير قياس الأذى أي المؤذي يعني إزالته واللام فيه للعهد الذهني وقيل للجنس يماط أي يزال عن الطريق صفة الأذى قاله الطيبي ووجدت في مساوي أعمالها جمع سوء على غير قياس والياء منقلبة عن الهمزة النخاعة بضم النون أي البزاقة التي تخرج من أصل الفم والمراد بها القاؤها وقيل المراد بها البصاق والنخامة هي البلغم تكون في المسجد صفة النخاعة لا تدفن قال ابن الملك الجملتان صفتان أو حالان أي متداخلتان أو مترادفتان رواه مسلم وابن حبان قاله ميرك وعن أبي هريرة قال قال رسول ا إذا قام أحدكم إلى الصلاة وفي رواية للبخاري إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبصق أمامه نهي وقيل نفي معناه النهي وظاهره أنه عام في المسجد وغيره أي لا يسقط البزاق أمامه نحو القبلة وتخصيص القبلة مع استواء جميع الجهات بالنسبة إلى الله تعالى لتعظيمها فإنما يناجي الله أي يخاطبه ما دام في مصلاه ومن يناجي أحدا مثلا لا يبصق نحوه ولا عن يمينه تعظيما لليمين وزيادة لشرفها فإن عن يمينه ملكا يكتب الحسنات التي هي علامة الرحمة فهو أشرف والتنكير للتعظيم وقد ورد أنه أمير على ملك اليسار يمنعه من كتابة السيئات إلى ثلاث ساعات لعله يرجع إلى الطاعات قال الطيبي يحتمل أن يراد ملك آخر غير الحفظة يحضر عند الصلاة للتأييد والإلهام والتأمين على دعائه فسبيله سبيل الزائر فيجب أن يكرم زائره فوق من يحفظه من الكرام الكاتبين ويحتمل أن يخص صاحبا ليميز بالكرامة تنبيها على ما بين الملكين من الرحمة كما بين اليمين والشمال أي من القوة والكرامة وتمييزا بين ملائكة الرحمة وملائكة


العذاب قال ابن حجر واستثنى بعضهم من المسجد النبوي مستقبل القبلة فإن بصاقه عن يمينه أولى لأنه عليه السلام عن يساره ا ه وهو وجيه كما لو كان على يساره جماعة ولم يتمكن منه تحت قدمه فإن الظاهر أنه حينئذ عن اليمين أولى تم كلامه والظاهر أنه إذا صلى داخل الكعبة أو الحجر فيتعين تحت قدمه إذا كان تحته ثوب أو يأخذه بكمه أو ذيله ليبصق وفي نسخة
بواو العطف مع كسر اللام وتسكن عن يساره أي على ثوبه إن كان في المسجد أو تحت قدمه إذا كان تحته ثوبه وفي رواية وتحت قدمه بالواو وفي أخرى بلا واو وقال ابن حجر وهذا إذا كان المصلي في غير المسجد أو فيه ولم يصل البزاق إلى شيء من أجزائه ويلحق بالصلاة في ذلك خارجها ولو غير المسجد خلافا للأذرعي كالسبكي ثم قيل المراد من هو خارجها مطلقا وقيل إن كان مستقبل القبلة بالنسبة لكراهة أمامه وذلك لما رواه عبد الرزاق وغيره عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه ليس في صلاة وعن معاذ ما بصقت عن يمين منذ أسلمت قال في فتح الباري وكأن الذي خصه بحالة الصلاة أخذ من تعليل النهي بأن عن يمينه ملكا وهو ظاهر أن قلنا المراد بالملك غير الكاتب وإلا فقد استشكل اختصاصه يعني بالمنع مع أن على اليسار ملكا آخر وأجاب جماعة من القدماء باحتمال اختصاصه بملك اليمين تشريفا له ولا يخفى ما فيه وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أم الحسنات البدنية فلا دخل لكاتب السيئات فيها ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة في هذا الحديث قال فإن عن يمينه كاتب الحسنات وفي الطبراني أنه يقوم بين يدي الله وملك عن يمينه وقرينه عن يسار فالبصاق حينئذ إنما يقع على القرين وهو الشيطان ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك فيدفنها بالرفع ويجزم لدفع الأذى وفي رواية أبي سعيد تحت قدمه اليسرى وهو يحتمل التقييد ويحتمل بيان للأفضل متفق عليه وعن عائشة أن رسول الله قال في مرضه الذي لم يقم منه قال الطيبي كأنه


عليه السلام عرف أنه مرتحل وخاف من الناس أن يعظموا قبره كما فعل اليهود والنصارى فعرض بلعنهم كيلا يعاملوا معه ذلك فقال لعن الله اليهود والنصارى وقوله اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد سبب لعنهم إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيما لهم وذلك هو الشرك الجلي وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء وذلك هو الشرك الخفي لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له فنهى النبي أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود أو لتضمنه الشرك الخفي كذا قاله بعض الشراح من أئمتنا ويؤيده ما جاء في رواية يحذر ما صنعوا وقال القاضي كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم ويجعلونها قبلة ويتوجهون في الصلاة نحوها فقد اتخذوها أوثانا فلذلك لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك أما من اتخذ مسجدا في جوار صالح أو صلى في مقبرة وقصد الإستظهار بروحه أو وصول أثر ما من أثر عبادته إليه لا للتعظيم له والتوجه نحوه فلا حرج عليه ألا ترى أن مرقد إسماعيل عليه السلام في المسجد الحرام عند الحطيم ثم أن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلى لصلاته والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالقبور المنبوشة لما فيها من النجاسة كذا ذكره الطيبي وذكر غيره أن صورة قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر تحت الميزاب وإن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا وفيه أن صورة قبر إسماعيل عليه السلام وغيره مندرسة فلا يصلح الاستدلال به وقال ابن حجر أشار الشارح إلى استشكال الصلاة عند قبر إسماعيل بأنها تكره في المقبرة وأجاب بأن محلها في مقبرة منبوشة لنجاستها وكله غفلة عن قولهم يستثنى مقابر الأنبياء فلا يكره الصلاة فيها مطلقا لأنهم أحياء في قبورهم وعلى التنزل فجوابه غير صحيح لتصريحهم بكراهة الصلاة في مقبرة غير الأنبياء


وإن لم تنبش لأنه محاذ للنجاسة ومحاذاتها في الصلاة مكروهة سواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه وفي شرح السنة اختلف في الصلاة في المقبرة فكرهها جماعة وإن كانت التربة طاهرة والمكان طيبا واحتجوا بهذا الحديث والذي بعده وقيل بجوازها فيها وتأويل الحديث أن الغالب من حال المقبرة اختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومها والنهي لنجاسة المكان فإن كان المكان طاهرا فلا بأس وكذلك المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وفي القارعة معنى آخر وهو أن اختلاف المارة يشغله عن الصلاة قال ابن حجر وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة بالمقبرة واختلفوا في هذا النهي هل هو للتنزيه أو للتحريم ومذهبنا الأول ومذهب أحمد التحريم بل وعدم انعقاد الصلاة لأن النهي عنده في الأمكنة يفيد التحريم والبطلان كالأزمنة متفق عليه


وعن جندب بضمهما وفتح الدال قال سمعت النبي يقول ألا للتنبيه وإن بالكسر على تقدير أنبهكم وأقول أن وروي بالفتح فالتقدير تنبهوا واعلموا أن من كان قبلكم أي اليهود والنصارى أو أعم منهما كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم من مشائخهم وعلمائهم مساجد أي بالمعنى السابق ألا فلا تتخذوا القبور مساجد كرر التنبيه بإقحام أداته بين السبب والمسبب مبالغة وكرر النهي أيضا كما كرر التنبيه بقوله إني أنهاكم عن ذلك رواه مسلم وعن ابن عمر قال قال رسول الله اجعلوا في بيوتكم بكسر الباء وضمها من صلاتكم أي بعض صلاتكم التي هي النوافل مؤداة في بيوتكم وقوله من صلاتكم مفعول أول وفي بيوتكم مفعول ثان قدم على الأول للإهتمام بشأن البيوت وأن من حقها أن يجعل لها نصيبا من الطاعات لتصير منورة لأنها مأواكم ومنقلبكم وليست كقبوركم التي لا تصلح لصلاتكم ولذا قال ولا تتخذوها أي بيوتكم قبورا بأن تتركوا الصلاة فيها كما تتركون في المقابر شبه المكان الخالي عن العبادة بالمقبرة والغافل عنها بالميت وقيل لا تجعلوا بيوتكم مواطن النوم لا تصلون فيها فإن النوم أخو الموت وقيل إن مثل ذاكر الله ومثل غير ذاكر الله كمثل الحي والميت الساكن في البيوت والساكن في القبور فالذي لا يصلي في بيته جعله بمنزلة القبر كما جعل نفسه بمنزلة الميت وقيل معناه لا تدفنوا فيها موتاكم لئلا يكدر عليكم معاشكم ومأواكم متفق عليه وفي رواية مسلم لا تتخذوا بيوتكم مقابر ذكره ميرك قيل الأفضل في النوافل فعلها في البيت لخبر مسلم أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ولسلامتها من الرياء ولعود بركتها إلى البيت وأهله وقيل فعلها في المسجد أفضل وقيل في النهار المسجد أفضل وفي الليل البيت أفضل وقيل إن كسل عن فعلها في البيت فالمسجد أفضل وهو غير ظاهر وورد أنه عليه السلام صلى بعض


النوافل في المسجد لبيان الجواز كركعتين بعد الجمعة صححه ابن حبان وكركعتين بعد المغرب أخرجه الترمذي تعليقا وزعم بعض الحنابلة حرمتها في المسجد وحكي عن أبي ثور لخبر افعلوها في بيوتكم
الفصل الثاني
عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما بين المشرق والمغرب قبلة يريد ما بين مشرق الشمس في الشتاء وهو مطلع قلب العقرب ومغرب الصيف وهو مغرب السماك الرامح والظاهر أنها قبلة أهل المدينة فإنها واقعة بين المشرق والمغرب وهي إلى الغربي أميل قاله الطيبي ويدل عليه قوله عليه السلام إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا قال الغزالي وهذا الحديث يؤيد القول بالجهة قال ابن حجر وبه أخذ جماعة من أصحابنا واختاره الأذرعي بل بالغ ابن العربي المالكي فزعم أن خلافه باطل قطعا واستدل له بالخبر المذكور وبأنه صح عن عمر وهو لا يقول إلا عن توقيف وأجاب أصحابنا بحمل الخبر على أهل المدينة ومن داناهم لأن ما بين المشرق والمغرب ليس قبلة على الإطلاق قطعا فتعين حمله على من ذكر ا ه وفيه بحث لا يخفى وقيل إنه أراد به قبلة من اشتبه عليه القبلة فإلى أي جهة صلى بالإجتهاد كفتة قال تعالى ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة وقيل المراد منه المتنقل على الدابة إلى أي جهة وفي القولين نظر إذ لا وجه فيهما للتقييد بما بين المشرق والمغرب وقال المظهر يعني من جعل من أهل المشرق أول المغارب وهو مغرب الصيف عن يمينه وآخر المشارق وهو مشرق الشتاء عن يساره كان مستقبلا للقبلة والمراد بأهل المشرق أهل الكوفة وبغداد وخورستان وفارس والعراق وخراسان وما يتعلق بهذه البلاد رواه الترمذي من طرق وصححها والحاكم وقال على شرط الشيخين وأقره الذهبي قاله ميرك


وعن طلق بن علي قال خرجنا وفدا الوفد جماعة قاصدة عظيما لشأن من الشؤون فهو حال أي قاصدين إلى رسول الله فبايعناه أي على التوحيد والرسالة والسمع والطاعة وصلينا معه أي صلاة أو صلوات وأخبرنا أن بأرضنا بيعة بكسر الباء وهي معبد النصارى لنا فاستوهبناه الفاء عطفت ما بعدها على المجموع أي خرجنا وفعلنا فاستوهبناه من فضل طهوره بفتح الطاء أي بقية ما يتطهر به قال ابن حجر من تبعيضية وهي وما بعدها في محل نصب بدل اشتمال من المفعول به فدعا بماء فتوضأ وتمضمض أي منه بعد الوضوء أو في أثنائه ثم صبه أي الماء المتضمض به زيادة على مطلوبهم فضلا لنا في أداوة ويمكن أن يكون المصبوب هو الماء الباقي المطلوب والأداوة ظرف صغير من جلد وأمرنا أي بالخروج فقال بيان الأمر أو أمرنا بمعنى أراد أمرنا فقال اخرجوا اذنا بالخروج فإذا أتيتم أرضكم أي دياركم فاكسروا بيعتكم أي غيروا محرابها وحولوه إلى الكعبة وقيل خربوها وانضحوا بفتح الضاد أي رشوا مكانها بهذا الماء ليصل إليها بركة فضل وضوئه فالإشارة إلى فضل الوضوء وقيل إنه إشارة إلى جنس الماء والمراد تطهيرها وغسلها بالماء عما بقي فيها واتخذوها أي البيعة يعني مكانها مسجدا قلنا إن البلد بعيد والحر بالنصب ويرفع شديد والماء بالوجهين ينشف بالتخفيف على صيغة المجهول يقال نشف الثوب العرق بالكسر ونشف الحوض الماء ينشفه إذا شربه فقال مدوه من الماء أي زيد وأفضل ماء الوضوء من الماء غيره وحاصله ما قاله ابن حجر أي صبوا عليه ماء آخر فإنه لا يزيده قال الطيبي الضمير في فإنه إما للماء الوارد أو المورود أي الوارد لا يزيد المورود الطيب ببركته إلا طيبا أو المورود الطيب لا يزيد بالوارد إلا طيبا ا ه ولا يخفى أن الأول بالسياق أقرب وبنسبة الزيادة أنسب وإن قال ابن حجر إن عكسه أولى إشارة إلى أن ما أصاب بدنه عليه السلام لا يطرقه تغير بل هو باق على غاية كماله الذي حصل له بواسطة ملامسته لتلك الأعضاء


الشريفة فكل ما مسه أكسبه طيبا ا ه ولا يخفى أن الإشارة مما اشترك فيه الوجهان وضبط طيبا بكسر الطاء وسكون الياء وقيل بفتح الطاء وتشديد الياء قال ابن حجر وفيه التبرك بفضله عليه السلام ونقله إلى البلاد ونظيره ماء زمزم فإنه عليه السلام كان يستهديه من أمير مكة ليتبرك به أهل المدينة ويؤخذ من ذلك أن فضلة وارثيه من العلماء والصالحين كذلك رواه النسائي أي عن هناد عن
ملازم عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه ورواه ابن حبان في صحيحه مطولا عن أبي خليفة حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا ملازم بالسند قال خرجنا ستة وفدا إلى رسول الله خمسة من بني حنيفة وسادس رجل من بني ضبيعة بن ربيعة حتى قدمنا على رسول الله فبايعناه وصلينا معه وأخبرناه بأن بأرضنا بيعة لنا واستوهبناه من فضل طهوره فدعا بماء فتوضأ منه وتمضمض ثم صبه لنا في أداوة ثم قال اذهبوا بهذا الماء فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم ثم انضحوا مكانها من هذا الماء واتخذوا مكانها مسجدا قلنا يا رسول الله البلد بعيد والماء ينشف قال فأمدوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيبا فخرجنا فتشاححنا على حمل الأداوة أينا يحملها فجعلها رسول الله لكل رجل منا يوما وليلة فخرجنا بها حتى قدمنا بلدنا فعملنا الذي أمرنا وراهب ذلك القوم رجل من طيء فنادينا بالصلاة فقال الراهب دعوة حق ثم هرب فلم ير بعد نقله ميرك عن التخريج وعن عائشة قالت أمر أي أذن رسول الله ببناء المسجد في الدور جمع دار وهو اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة والمراد المحلات فإنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة دارا أو محمول على اتخاذ بيت في الدار للصلاة وكالمسجد يصلي فيه أهل البيت قاله ابن الملك والأول هو المعول وعليه العمل ثم رأيت ابن حجر ذكر أن المراد به ههنا المحلات والقبائل وحكمة أمره لأهل كل محلة ببناء مسجد فيها أنه قد يتعذر أو يشق على أهل محلة الذهاب للأخرى فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة


فيه فأمروا بذلك ليتيسر لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مشقة تلحقهم وقال البغوي قال عطاء لما فتح الله تعالى على عمر رضي الله عنه الأمصار أمر المسلمين ببناء المساجد وأمرهم أن لا يبنوا مسجدين يضار أحدهما الآخر ومن المضارة فعل تفريق الجماعة إذا كان هناك مسجد يسعهم فإن ضاق سن توسعته أو اتخاذ مسجد يسعهم وأن ينظف بإزالة النتن والعذرات والتراب ويطيب بالرش أو العطر قال ابن حجر أي وأمر عليه السلام أيضا بشيء آخر يتعلق بالمسجد ويتعين المحافظة عليه وهو أن يطيب وينظف ا ه وتقديم يطيب ليس بطيب لمخالفته الرواية والدراية الموافقة للنسخ المصححة رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه قال ميرك وابن حبان في صحيحه قال ابن حجر وبه يعلم أنه يستحب تجمير المسجد بالبخور خلافا لمالك حيث كرهه فقد كان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر رضي الله عنه على المنبر واستحب بعض السلف تخليق المسجد بالزعفران والطيب وروي عنه عليه السلام فعله وقال الشعبي هو سنة وأخرج ابن أبي شيبة أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك وأنه يستحب أيضا كنس المسجد وتنظيفه وقد روى ابن أبي شيبة أنه عليه السلام كان يتتبع غبار المسجد بجريدة


وعن ابن عباس قال قال رسول الله ما أمرت ما نافية بتشييد المساجد أي برفعها وإعلاء بنائها أو تجصيصها لأنهما زائدان على قدر الحاجة قال ابن عباس وهو موقوف لكنه في حكم المرفوع لتزخرفنها بفتح اللام وهي لام القسم وبضم المثناة وفتح الزاي وسكون الخاء المعجمة وضم الفاء وتشديد النون وهي نون التأكيد والزخرفة الزينة وأصل الزخرف الذهب ثم استعمل في كل ما يتزين به وشرحه الطيبي في شرح المشكاة على أن اللام في لتزخرفنها لام التعليل للنفي قبله والمعنى ما أمرت بالتشييد ليجعل ذريعة إلى الزخرفة ثم قال ويجوز فتح اللام على أنها جواب القسم قلت وهذا هو المعتمد والأول لم تثبت به الرواية أصلا فلا يعتمد به وكلام ابن عباس فيه مفصول من كلام النبي في الكتب المشهورة وغيرها والله أعلم كذا نقله ميرك عن الشيخ كما زخرفت اليهود والنصارى وهذا بدعة لأنه لم يفعله عليه السلام وفيه موافقة أهل الكتاب في النهاية الزخرف النقوش والتصاوير بالذهب وفي شرح السنة كانت اليهود والنصارى تزخرف المساجد عند ما حرفوا أمر دينهم وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم في المراءاة بالمساجد وتزيينها وكان المسجد على عهد رسول الله باللبن وسقفه بالجريد وعمده خشب النخل زاد عمر رضي الله عنه فيه فبناه على بنيانه باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره وعمده بالحجارة المنقوشة وبالجص والنورة وسقفه بالساج رواه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري قاله ميرك قال ابن حجر وعلق أوله البخاري وروى الترمذي حديث ابنوا المساجد واتخذوها جما وهو بضم الجيم وتشديد الميم الذي لم يكن له شرف بضم ففتح جمع شرفة كغرفة وخبر ابن عمر نهانا أو نهينا أن نصلي في مسجد مشرف وخبر أبي نعيم إذا ساء عمل قوم زخرفوا مساجدهم وخبر أنس لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد وخبر البخاري إن عمر رضي الله عنه أمر ببناء المسجد وقال أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر


أو تصفر ومر ابن مسعود بمسجد مزخرف فقال لعن الله من فعل هذا وعن أنس قال قال رسول الله إن من أشراط الساعة جمع شرط
بالتحريك وهو العلامة قدم الخبر على المبتدأ للإهتمام به وزيادة الإنكار على فاعله لا للتخصيص ولا للحصر أي من علامات القيامة أن يتباهى الناس في المساجد أي في شأنها أو بنائها يعني يتفاخر كل أحد بمسجده ويقول مسجدي أرفع أو أزين أو أوسع أو أحسن رياء وسمعة واجتلابا للمدحة رواه أبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه وعنه أي عن أنس قال قال رسول الله عرضت علي الظاهر أنه في ليلة المعراج أجور أمتي أي ثواب أعمالهم حتى القذاة بالرفع أو الجر وهي بفتح القاف قال الطيبي القذاة هي ما يقع في العين من تراب أو تبن أو وسخ ولا بد في الكلام من تقدير مضاف أي أجور أعمال أمتي وأجر القذاة أي أجر إخراج القذاة إما بالجر وحتى بمعنى إلى والتقدير إلى إخراج القذاة وعلى هذا يخرجها الرجل من المسجد جملة مستأنفة للبيان وإما بالرفع عطفا على أجور فالقذاة مبتدأ أو يخرجها خبره وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أي يترتب على نسيان أعظم من سورة من ذنب نسيان سورة كائنة من القرآن فإن قلت هذا مناف لما مر في باب الكبائر قلت إن سلم أن أعظم وأكبر مترادفان فالوعيد على النسيان لأجل أن مدار هذه الشريعة على القرآن فنسيانه كالسعي في الإخلال بها فإن قلت النسيان لا يؤاخذ به قلت المراد تركها عمدا إلى أن يفضي إلى النسيان وقيل المعنى أعظم من الذنوب الصغائر إن لم تكن عن استخفاف وقلة تعظيم كذا نقله ميرك عن الأزهار أو آية أوتيها أي تعلمها رجل وفي نسخة الرجل وأو للتنويع ثم نسيها قال الطيبي شطر الحديث مقتبس من قوله تعالى كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى طه يعني على قول في الآية وأكثر المفسرين على أنها في المشرك والنسيان بمعنى ترك الإيمان وإنما قال أوتيها دون حفظها إشعارا بأنها كانت نعمة جسيمة أولاها الله ليشكرها فلما نسيها


فقد كفر تلك النعمة فبالنظر إلى هذا المعنى كان أعظم جرما وإن لم يعد من الكبائر واعترضه ابن حجر وقال قول الشارح وإن لم يعد من الكبائر عجيب مع تصريح أئمتنا بأن نسيان شيء منه ولو حرفا بلا عذر كمرض وغيبة عقل كبيرة ا ه والنسيان عندنا أن لا يقدر أن يقرأ بالنظر كذا في شرح شرعة الإسلام قال الطيبي فلما
عد إخراج القذاة التي لا يؤبه لها من الأجور تعظيما لبيت الله عد أيضا النسيان من أعظم الجرم تعظيما لكلام الله سبحانه فكان فاعل ذلك عد الحقير عظيما بالنسبة إلى العظيم فأزاله عنه وصاحب هذا عد العظيم حقيرا فأزاله عن قلبه رواه الترمذي وقال غريب نقله ميرك وأبو داود والمنذري وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه ذكره ميرك قال ابن حجر وأخرج الترمذي وأبو داود أيضا من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أجذم وعن بريدة قال قال رسول الله بشر المشائين جمع المشاء وهو كثير المشي في الظلم إلى المساجد قيل لو مشى في الظلام بضوء لدفع آفات الظلام فالجزاء بحالة وإلا فلا قاله ابن الملك بالنور متعلق ببشر التام يوم القيامة قال الطيبي في وصف النور بالتام وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة في قوله تعالى أي نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا أي وإلى وجه المنافقين في قوله تعالى انظرونا نقتبس من نوركم الحديد ا ه قال ابن عباس إذا طفى نور المنافقين على الصراط يقول المؤمنون ربنا أتمم لنا نورنا الآية رواه الترمذي وقال غريب نقله ميرك وأبو داود ورواه ابن ماجه عن سهل بن سعد وأنس قال المنذري رجال إسناد حديث بريدة ثقات ورواه ابن ماجه بلفظه من حديث أنس وعن أبي هريرة أن رسول الله قال إن الله ليضيء للذين يتحللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن وعن أبي الدرداء عن النبي قال من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد لقي الله عز وجل بنور يوم القيامة رواه


الطبراني في الكبير بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه ولفظه من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد آتاه الله نورا يوم القيامة وعن أبي أمامة عن النبي قال بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة يفزع
الناس ولا يفزعون رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده نظر وعن سهل بن سعد الساعدي قال قال رسول الله ليبشر المشاؤون في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد الخدري وزيد بن حارثة وعائشة وغيرهم والله أعلم قاله ميرك وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد أي يخدمه ويعمره وقيل المراد التردد إليه في إقامة الصلاة وجماعته وهذا هو التعهد الحقيقي وهو عمارته صورة ومعنى فأشهدوا له بالإيمان أي بأنه مؤمن قال ابن حجر وقد يستشكل قوله فأشهدوا له بحديث عائشة الذي فيه إنكاره عليه السلام قولها في طفل أنصاري مات طوبى له عصفور من عصافير الجنة ويمكن أن يجمع بحمل ما هنا على الأمر بالشهادة له بالإيمان ظنا وما في ذلك على القطع بأنه في الجنة ويؤيده ما في حديث ابن مظعون أنه عليه السلام أنكر على من قطع له بالجنة قال الطيبي التعهد والتعاهد الحفظ بالشيء وفي التعاهد المبالغة لأن الفعل إذا أخرج على زنة المبالغة دل على قوته كما في الكشاف في قوله تعالى يخادعون الله البقرة وورد في بعض الروايات وهي رواية للترمذي يعتاد بدل يتعاهد وهو أقوى سندا وأوفق معنى لشموله جميع ما يناط به المسجد من العمارة واعتياد الصلاة وغيرها ألا ترى إلى ما أشهد به النبي بقوله فأشهدوا له أي اقطعوا له القول بالإيمان لأن الشهادة قول صدر عن مواطأة القلب على سبيل القطع وقال ابن حجر بل التعهد أولى لأنه مع شموله لذلك يشمل تعهدها بالحفظ والعمارة والكنس والتطييب وغير ذلك كما يدل عليه


استشهاده عليه السلام بالآية الآتية فإن الله وفي نسخة تعالى يقول أي إنما يعمر مساجد الله أي أي بإنشائها أو ترميمها أو إحيائها بالعبادة والدروس من آمن بالله واليوم الآخر قال صاحب الكشاف عمارتها كنسها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وتعظيمها واعتيادها للعبادة والذكر وصيانتها عما لم تبن له المساجد من حديث الدنيا فضلا عن فضول الحديث رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي وكذا ابن
خزيمة والحاكم قال الترمذي حسن غريب وقال الحاكم صحيح وقال الذهبي في إسناده دراج وهو كثير المناكير نقله ميرك عن التخريج وعن عثمان بن مظعون وهو أخ رضاعي له عليه السلام قال حين أرسله جماعة من أهل الصفة ليستأذن لهم في الإختصاء لأنهم يشتهون النساء ولا طول لهم بذلك يا رسول الله أئذن لنا في الإختصاء أي سل الخصيتين لتزول عنا شهوة النساء إذ من شأنها أنها تقطع عن كل خير وتجلب كل محنة وضير ولذا قيل ضاع العلم في أفخاذ النساء فقال رسول الله ليس منا أي ممن يقتدي بسنتنا ويهتدي بطريقتنا من خصى بفتح الصاد أي سل خصية غيره وأخرجها ولا اختصى أي بنفسه بحذف من لدلالة ما قبله عليه يعني ولا من سل خصية نفسه قيل واحتيج لتقدير من لئلا يتوهم أن المنهي عنه الجمع بينهما وفيه نظر لأن لا المؤكدة للنفي تنفي ذلك الوهم وفيه نظر قال ابن حجر وكل من هذين حرام وفي معناه إطعام دواء لغيره أو أكله إن كان يقطع الشهوة والنسل دائما وكذا نادرا إن أطعم غيره بغير إذنه إن خصاء أمتي الصيام فإنه يكسر الشهوة وضررها كما أفاده قوله عليه السلام يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أي قاطع للشهوة مع ما فيه من سلامة النفس من التعذيب وقطع النسل ومن حصول الثواب بالصوم المقتضي لرياضة النفس المؤدية إلى إطاعتها لأمر مولاها فقال أي عثمان ائذن لنا في السياحة قال الطيبي السياحة مفارقة الأمصار والذهاب في الأرض كفعل عباد بني إسرائيل


ا ه فلا ينافي في سياحة السادة الصوفية لرؤية المشايخ وتحصيل العلوم والمعارف ولحصول الخمول وغيرها من المقاصد المرضية في الشريعة المصطفوية قال وفي نسخة فقال إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله وهو أفضل فإنه عبادة شاقة على النفس ونفعه متعد إلى الغير وهو يشمل الجهاد الأصغر والأكبر فقال ائذن لنا في الترهب أي في التعبد وإرادة العزلة والفرار من الناس إلى رؤوس الجبال كالرهبان وأصل الترهب من الرهب بمعنى الخوف كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا حتى إن منهم من خصى نفسه ووضع السلسلة في عنقه وغير ذلك فقال إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظار الصلاة بالإضافة ونصبه بأنه مفعول له للجلوس أي لإنتظار الصلاة فإن الجلوس في المسجد يتضمن فوائد الترهب مع زيادة الفضائل رواه أي البغوي في شرح السنة بسنده


المتصل من حديث سعد بن مسعود الصحابي أن عثمان بن مظعون أتى النبي فقال يا رسول الله ائذن لنا في الإختصاء وساقه بسند فيه مقال قاله ميرك وعن عبد الرحمن بن عائش بكسر الهمزة والشين المعجمة كذا في المفاتيح وفي التقريب بمثناة تحتية ثم معجمة الحضرمي يقال له صحبة ويعني به أن أصله ياء وفي المشتبه للذهبي مختلف في صحبته له حديث في الرؤية وفي نسخة عابس بعين مهملة وكسر موحدة وسين مهملة كذا في المغني قال ابن الملك وهذا الحديث مرسل لأن عبد الرحمن يرويه عن مالك بن يخامر عن معاذ قال قال رسول الله رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة الظاهر أن هذا الحديث مستند إلى رؤيا رآها رسول الله فإنه روى الطبراني بإسناده عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال احتبس علينا رسول الله صلاة الغدوة حتى كادت الشمس تطلع فلما صلى الغدوة قال إني صليت الليلة ما قضى ربي ووضعت جنبي في المسجد فأتاني ربي في أحسن صورة وعلى هذا لم يكن فيه إشكال إذ الرائي قد يرى غير المتشكل متشكلا والمتشكل بغير شكله ثم لم يعد ذلك بخلل في الرؤيا ولا في خلد الرائي بل له أسباب أخر تذكر في علم المنام أي التعبير ولولا تلك الأسباب لما افتقرت رؤيا الأنبياء عليهم السلام إلى تعبير وإن كان في اليقظة وعليه ظاهر ما روى أحمد بن حنبل فإن فيه فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة الحديث فذهب السلف في أمثال هذا الحديث إذا صح أن يؤمن بظاهره ولا يفسر بما يفسر به صفات الخلق بل ينفي عنه الكيفية ويوكل علم باطنه إلى الله تعالى فإنه يرى رسوله ما يشاء من وراء أستار الغيب بما لا سبيل لعقولنا إلى إدراكه لكن ترك التأويل في هذا الزمان مظنة الفتنة في عقائد الناس لفشو اعتقادات الضلال وإن تأول بما يوافق الشرع على وجه الإحتمال لا القطع حتى لا يحمل على ما لا يجوز شرعا فله وجه فقوله في أحسن صورة يحتمل أن يكون معناه رأيت ربي حال كوني في أحسن صورة وصفة من غاية


إنعامه ولطفه علي أو حال كون الرب في أحسن صورة وصورة الشيء ما يتميز به عن غيره سواء كان عين ذاته أو جزئه المميز له عن غيره أو صفته المميزة وكما يطلق ذلك في الجثة يطلق في المعاني يقال صورة المسألة كذا وصورة الحال كذا فصورته تعالى والله أعلم ذاته المخصوصة المنزهة عن مماثلة ما عداه من الأشياء البالغة إلى أقصى مراتب الكمال أو صفته المخصوصة به أي كان ربي أحسن إكراما ولطفا من وقت آخر كذا نقله الطيبي والتوربشتي وقال ابن حجر والظاهر أن


رواية حتى استيقظت تصحيف فإن المحفوظ من رواية أحمد والترمذي كما سيذكره المصنف حتى استثقلت ا ه ويؤيده أن تلك الرواية أصح من هذه قال بعضهم ويحتمل أن يكون معنى رأيت ربي علمته وعرفته في أحسن صورة وسمعت شيخنا الشيخ عطية السلمي ناقلا عن شيخه أبي الحسن البكري إن لله تعالى تجليات صورية مع تنزه ذاته الأحدية عن المثلية وبهذا يندفع كثير من المتشابهات القرآنية والحديثية والله أعلم قال أي ربي فيم أي في أي شيء يختصم أي يبحث الملأ أي الأشراف الذين يملؤن المجالس والصدور عظمة وإجلالا الأعلى يعني الملائكة المقربين وصفوا بذلك إما لعلو مكانهم وإما لعلو مكانتهم عند الله تعالى واختصامهم إما عبارة عن تبادرهم إلى إثبات تلك الأعمال والصعود بها إلى السماء وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها وإما عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل لإختصاصهم بها وشبه تقاولهم في ذلك وما يجري بينهم في السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين إيماء إلى أن في مثل ذلك فليتنافس المتنافسون وفي المصابيح زيادة يا محمد وهو زيادة شرف قلت أنت أعلم أي بما ذكر وغيره وزاد في المصابيح أي رب قال ابن الملك وإنما نادى بأي دون يا أدبا لأن يا ينادي به البعيد والله تعالى أقرب من حبل الوريد وأما ما ورد من النداء بيا في الدعوات فلهضم النفس واستبعادهم عن مظان الإجابة وهو اللائق بحال الدعاء ثم في المصابيح زيادة مرتين قال ابن الملك متعلق بقوله فيم يختصم أي جرى السؤال من ربي مرتين والجواب مني مرتين قال أي النبي فوضع أي ربي كفه بين كتفي بتشديد الياء وهو كناية عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه وإيصال الفيض إليه فإن من شأن المتلطف بمن يحنو عليه أن يضع كفه بين كتفيه تنبيها على أنه يريد بذلك تكريمه وتأييده فوجدت بردها أي راحة الكف يعني راحة لطفه بين ثديي بالتثنية أي قلبي أو صدري وهو كناية عن وصول ذلك الفيض إلى قلبه ونزول الرحمة وانصباب العلوم عليه وتأثره عنه


ورسوخه فيه واتقائه له يقال ثلج صدره وأصابه برد اليقين لمن تيقن الشيء وتحققه فعلمت أي بسبب وصول ذلك الفيض ما في السموات والأرض يعني ما أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار وغيرهما وهو عبارة عن سعة علمه الذي فتح الله به عليه وقال ابن حجر أي جميع الكائنات التي في السموات بل وما فوقها كما يستفاد من قصة المعراج والأرض هي بمعنى الجنس أي وجميع ما في الأرضين السبع بل وما تحتها كما أفاده إخباره عليه السلام عن الثور والحوت اللذين عليهما الأرضون كلها ا ه ويمكن أن يراد بالسموات الجهة العليا وبالأرض الجهة السفلى فيشمل الجميع لكن لا بد من التقييد الذي ذكرناه إذ لا يصح إطلاق الجميع كما هو الظاهر وتلا قيل التالي هو الله تعالى وكذلك أي كما نريك يا محمد أحكام الدين وعجائب ما في السموات والأرض نري إبراهيم مضارع في اللفظ ومعناه الماضي والعدول لإرادة حكاية الحال الماضية استعجابا واستغرابا أي أرينا إبراهيم


ملكوت السموات والأرض وهو فعلوت من الملك وهو أعظمه وهو عالم المعقولات أي الربوبية والألوهية ووفقناه لمعرفتهما وقيل التالي هو النبي ويؤيده قول الطيبي ثم استشهد بالآية يعني كما أن الله أرى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ملكوت السموات والأرض وكشف له ذلك فتح علي أبواب الغيوب قيل الخليل رأى الملكوت أولا ثم حصل له الإيقان بوجود منشئها والحبيب رأى المنشيء ابتداء ثم علم ما في السموات والأرض وبينهما بون بائن لأنه شتان بين من ينقل من المؤثر إلى الأثر وعكسه ومن ثم لما قال بعض العارفين ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله بعده عارضه عارف آخر بما هو أبلغ منه فقال ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله وليكون من الموقنين عطف على مقدر أي ليستدل به علينا قال ابن حجر ويصح أن يكون علة لمحذوف أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك والجملة معطوفة على الجملة قبلها رواه الدارمي أي مرسلا كما في نسخة قال ميرك بل معضلا فإن عبد الرحمن هذا مختلف في صحبته والصحيح أنه لم يدرك النبي بل رواه مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل كما في مسند أحمد وهو إسناد جيد وليس له سوى هذا الحديث وللترمذي نحوه أي نحو هذا اللفظ أي معناه عنه أي عن عبد الرحمن وعن ابن عباس عطف على عنه ومعاذ بن جبل وزاد أي الترمذي فيه أي في نحوه من الحديث قال أي الله تعالى سائلا مرة أخرى ذكره ابن الملك يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى وفي المصابيح بتأخير يا محمد قلت نعم في الكفارات وفي المصابيح بدون نعم وفي الرواية المعتمد بها عن معاذ بن جبل قلت في الدرجات والكفارات وسميت الخصال المذكورة كفارات لأنها تكفر ما قبلها من الذنوب والكفارات أي التي يختصم فيه الملأ الأعلى مبتدأ خبره قوله المكث بضم الميم وفتحها وفي القاموس المكث مثلثا ويحرك أي اللبث في المساجد بعد الصلوات أي بعد كل صلاة انتظارا لصلاة أخرى أو المراد به الإعتكاف أو مطلق التوقف للإعتزال عن الخلق والإشتغال بالحق


والمشي على الأقدام أي تواضعا إلى الجماعات أي ولو إلى غير المساجد وإبلاغ الوضوء بفتح الواو وتضم في المكاره أي في شدة البرد ولفظ المصابيح قال وما
هن قال ابن الملك استفهام عن تلك الكفارات والغرض منه إظهار علمه التفصيلي الذي علمه تعالى إياه وأن يخبر بها أمته لتفعلها قلت المشي على الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد خلف الصلوات وإبلاغ الوضوء أماكنه جمع مكان والوضوء بفتح الواو أي إيصال ماء الوضوء بطريق المبالغة مواضع الفروض والسنن وإنما خص هذه الأشياء بالذكر حثا على فعلها لأنها دائمة فكانت مظنة أن تمل كذا ذكره ابن الملك ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير كما دل عليه قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون النساء وفسرت الحياة الطيبة بحلاوة الطاعة وتوفيق العبادة وفسرها ابن عباس بالرزق الحلال وفسرت بالقناعة والرضا بالقسمة المقدرة وهو نهاية النعمة الدنيوية ومعنى إجزاء الأجر بأحسن العمل أن يجعل جميع أعماله المفضولة بمنزلة عمله الفاضل وهو غاية النعمة الأخروية ومقدمتها الموت بخير يعني على الإسلام والتوبة وحالة البشارة بالروح والريحان والجنة وكان من خطيئته ولفظ المصابيح ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكون من خطيئته الخ كيوم ولدته مبني على الفتح لإضافته إلى الماضي وإذا أضيف إلى المضارع اختلف في بنائه قاله الطيبي ومثال المضارع قوله تعالى قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم المائدة فقرأ نافع بالفتح والباقون بالرفع قال الطيبي أي كان مبرأ كما كان مبرأ يوم ولدته أمه أي ولدته فيه وأغرب ابن حجر فقال وكان خارجا كخروجه والتعبير به للمقابلة لإستحالة حقيقته هنا إذ المولود لا ذنوب له حتى يخرج منها ومن ثم عبر الشارح بمبرأ وآثرنا ذلك لأنه عبر به في قوله من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه أي بالتأويل المذكور أولا ا ه


ووجه غرابته تقديره ما يحتاج إلى تأويل وتركه ما لا يحتاج إلى تأويل وقال ابن الملك وغيره يعني من الصغائر وقال يا محمد إذا صليت فقل قال ابن حجر أي بعد صلاتك كما أفاده النظم ا ه والنظم لا ينافي أن يكون المعنى إذا صليت فقل في آخر صلاتك اللهم إني أسألك الخيرات وفي نسخة فعل الخيرات بكسر الفاء وقيل بفتحها وقيل الأول اسم والثاني مصدر والخيرات ما عرف من الشرع من الأفعال الحميدة والأفعال السعيدة وترك المنكرات وحب المساكين لكن الظاهر أنه كما قبله من إضافة المصدر إلى المفعول وهو تخصيص بعد تعميم لدخوله في الخيرات التي قوبلت بالمنكرات اهتماما بهذا الفرد منه كما خص الفتنة في جانب المنكرات بقوله فإذا أردت بعبادك فتنة أي ضلالة أو عقوبة دنيوية فاقبضني بكسر الباء أي توفني إليك غير مفتون أي غير ضال أو غير معاقب وقال الطيبي أي إذا أردت أن تضلهم فقدر موتي غير مفتون قال أي النبي والدرجات مبتدأ أي ما


ترفع به الدرجات هو إفشاء السلام أي بذله على من عرفه ومن لم يعرفه وإطعام الطعام أي اعطاؤه للأنام من الخاص والعام والصلاة بالليل والناس نيام ولفظ المصابيح ومن الدرجات أي مما يرفعها ويوصل إليها فمن للتبعيض إطعام الطعام وبذل السلام وأن يقام بالليل والناس نيام قال ابن الملك وإنما عدت هذه الأشياء منها لأنها فضل منه على ما وجب عليه فلا جرم استحق بها فضلا وهو علو الدرجات قل اللهم إني أسألك الطيبات أي الأقوال والأحوال الصالحة وفعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وتتوب علي وإذا أردت بعبادك فتنة في يوم فتوفني إليك غير مفتون ولفظ هذا الحديث كما في المصابيح كما بيناه في مواضعه لم أجده عن عبد الرحمن إلا في شرح السنة وعن أبي أمامة قال قال رسول الله ثلاثة أي أشخاص كلهم أي كل واحد منهم والإفراد باعتبار الكل ضامن أي ذو ضمان أي حفظ ورعاية كلابن وتامر على الله أو مضمون كما يقال هو عامر أي معمور كماء دافق أي مدفوق يعني وعد الله وعدا لا خلف فيه أن يعطيهم مرادهم وقال الطيبي الضامن بمعنى ذي الضمان فيعود إلى معنى الواجب أي واجب على الله تعالى يعني بمقتضى وعده أن يكلأه من مضاد الدين والدنيا رجل خرج غازيا أي حال كونه مريدا للغزو في سبيل الله فهو ضامن على الله أي واجب الحفظ والرعاية عليه تعالى كالشيء المضمون حتى يتوفاه أي يقبض روحه إما بالموت أو بالقتل في سبيل الله فيدخله الجنة أي مع الناجين أو يرده عطف على يتوفاه بما نال أي مع ما وجده من أجر يعني ثواب فقط أو غنيمة أي مع الأجر فأو للتنويع وقال ابن حجر أو هما فأو لمنع الخلق ويرد عليه أنه يلزم أن يوجد غنيمة بلا أجر وهو مرفوض لأنه خلاف المفروض فتأمل فإنه محل زلل وخطل وجاء في رواية حكاية عن الله تعالى من خرج مجاهدا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فأنا عليه ضامن أو هو علي ضامن شك الراوي أي فأنا عليه رقيب وحفيظ أو هو علي واجب الحفظ ورجل راح أي مشى


إلى المسجد فهو ضامن على الله أي يعطيه الأجر وأن لا يضيع سعيه أو واجب الوقاية والرعاية ورجل دخل بيته بسلام أي مسلما على أهله وقيل دخل بيته للسلامة وقيل معناه سالما من الفتن أي طالبا للسلامة
منها فإنه يأمن كقوله تعالى أدخلوها بسلام آمنين أي سالمين من العذاب ورد بأن آمنين يفيد ذلك فمعنى بسلام أن الملائكة تسلم عليهم أو يسلم بعضهم على بعض فهو ضامن على الله قال ابن الملك أي يعطيه البركة والثواب الكثير لما روي أنه عليه السلام قال لأنس إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك ا ه أو يسلم على نفسه إذا لم يكن في بيته أحد إذ السنة لمن دخل بيتا خاليا أن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولعل السر أنه لا يخلو من الملائكة وبعض الجن من المسلمين وإنما لم يذكر المضمون به في الأخيرين اكتفاء وقال الطيبي قيل المراد الذي يسلم على أهله إذا دخل بيته والمضمون به أن يبارك عليه وعلى أهله وقيل هو الذي يلزم بيته طالبا للسلامة وهربا من الفتن وهذا أوجه لأن المجاهدة في سبيل الله سفرا والرواح إلى المسجد حضرا ولزوم البيت اتقاء من الفتن أخذ بعضها بحجزة بعض فعلى هذا فالمضمون به هو رعاية الله تعالى وجواره عن الفتن رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه وعنه أي عن أبي أمامة قال قال رسول الله من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة حال أي قاصدا إلى المسجد مثلا لأداء الصلاة مكتوبة فأخبره مضاعف كأجر الحاج أو مثل أجره قال زين العرب أي كأصل أجره وقيل كأجره من حيث أنه يكتب له بكل خطوة أجر كالحاج وإن تغاير الأجران كثرة وقلة أو كمية وكيفية أو من حيث أنه يستوفي أجر المصلين من وقت الخروج إلى أن يرجع وإن لم يصل إلا في بعض تلك الأوقات كالحاج فإنه يستوفي أجر الحاج إلى أن يرجع وإن لم يحج إلا في عرفة المحرم شبه بالحاج المحرم لكون التطهر من الصلاة بمنزلة الإحرام من الحج لعدم جوازهما بدونهما ثم إن الحاج إذا كان محرما كان


ثوابه أتم فكذلك الخارج إلى الصلاة إذا كان متطهرا كان ثوابه أفضل قال الطيبي من خرج من بيته أي قاصدا إلى المسجد لأداء الفرائض وإنما قدرنا القصد ليطابق الحج لأنه القصد الخاص فنزل النية مع التطهير منزلة الإحرام وأمثال هذه الأحاديث ليست للتسوية كيف وإلحاق الناقص بالكامل يقتضي فضل الثاني وجوبا ليفيد المبالغة وإلا كان عبثا فشبه حال المصلي القاصد إلى المكتوبة بحال الحاج المحرم في الفضل مبالغة وترغيبا لئلا يتقاعد عن الجماعات ومن خرج إلى تسبيح الضحى أي صلاة الضحى وكل صلاة تطوع تسبيحة وسبحة قال الطيبي المكتوبة والنافلة وإن اتفقتا في أن كل


واحدة منهما يسبح فيها إلا أن النافلة جاءت بهذا الاسم أخص من جهة أن التسبيحات في الفرائض والنوافل سنة فكأنه قيل للنافلة تسبيحة على أنها شبيهة بالأذكار في كونها غير واجبة وقال ابن حجر ومن هذا أخذ أئمتنا قولهم السنة في الضحى فعلها في المسجد ويكون من جملة المستثنيات من خبر أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ا ه وفيه أنه على فرض صحة حديث المتن يدل على جوازه لا على أفضليته أو يحمل على من لا يكون له مسكن أو في مسكنة شاغل ونحوه على أنه ليس للمسجد ذكر في الحديث أصلا فالمعنى من خرج من بيته أو سوقه أو شغله متوجها إلى صلاة الضحى تاركا أشغال الدنيا لا ينصبه بضم الياء من الإنصاب وهو الإتعاب مأخوذ من نصب بالكسر إذا تعب وأنصبه غيره أي أتعبه ويروى بفتح الياء من نصبه أي أقامه قاله زين العرب وقال التوربشتي هو بضم الياء والفتح احتمال لغوي لا أحققه رواية إلا إياه أي لا يتعبه الخروج إلا تسبيح الضحى ووضع الضمير المنصوب موضع المرفوع أي لا يخرجه ولا يزعجه إلا هو كالعكس في حديث الوسيلة وأرجو أن أكون أنا هو قاله الطيبي وقيل هذا من باب الميل إلى المعنى دون اللفظ وهو باب جليل من علم العربية وجعل الكشاف منه قوله تعالى أي فشربوا منه إلا قليل منهم أي في القراءة الشاذة بالرفع إذ معنى ذلك فلم يطيعوه إلا قليل منهم وكذا هنا إذ معنى لا ينصبه إلا إياه لا يقصد ولا يطلب إلا أياه وقال ابن الملك وقع الضمير المنصوب موضع المرفوع لأنه استثناء مفرغ يعني لا يتعبه إلا الخروج إلى تسبيح الضحى فأجره كأجر المعتمر فيه إشارة إلى أن العمرة سنة وصلاة على أثر صلاة بكسر الهمزة ثم السكون أو بفتحتين أي عقيبها لا لغو بينهما أي بكلام الدنيا كتاب أي عمل مكتوب في عليين وهو علم لديوان الخير الذي دون فيه أعمال الأبرار قال تعالى أي كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون أي منقول من جمع علي فعيل من


العلو سمي به لأنه مرفوع إلى السماء السابعة تكريما ولأنه سبب الإرتفاع إلى أعلى الدرجات والعلية بتشديد اللام والياء الغرفة كذا قاله بعضهم وقيل أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب أي مداومة الصلاة من غير تخلل ما ينافيها لا شيء من الأعمال أعلى منها فكنى عن ذلك بعليين وقيل أي عمل كتاب أو مرفوع فيه أو سبب كتب اسم عامله في عليين وهو موضع يكتب فيه أعمال الصالحين رواه أحمد وأبو داود وسكت عليه وفي سنده القاسم أبو عبد الرحمن وفيه مقال قاله ميرك


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا أي لا تكونوا ساكتين بل كونوا ذاكرين إما بالجنان أو باللسان والجمع لأهل العرفان أو اغتنموا الرتع الحاصل فيها من أنواع العبادة وأصناف الذكر وفنون العلوم والمعارف ولذا قال علي كرم الله وجهه لو خيرت بين المسجد والجنة لأخترت المسجد ولعله لأنه يؤدي إلى كمال الرتبة في الجنة أو لأن فيه مخالفة النفس وموافقة القلب ورضا الرب قيل يا رسول الله السائل في الفصلين هو أبو هريرة الراوي وهو صريح في كتاب الترمذي قاله ميرك وما رياض الجنة قال المساجد لا ينافي الرواية الأخرى حلق الذكر لأنها تصدق بالمساجد وغيرها فهي أعم وخصت المساجد هنا لأنها أفضل وجعل المساجد رياض الجنة بناء على أن العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنة قيل وما الرتع يا رسول الله قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولرعاية المناسبة لفظا ومعنى وضع الرتع موضع القول لأن هذا القول سبب لنيل الثواب الجزيل والرتع هنا كما في قوله تعالى يرتع يوسف وهو أن يتسع في أكل الفواكه والمستلذات والخروج إلى التنزه في الأرياف والمياه كما هو عادة الناس إذا خرجوا إلى الرياض ثم اتسع واستعمل في الفوز بالثواب الجزيل وتلخيص معنى الحديث إذا مررتم بالمساجد فقولوا هذا القول قاله الطيبي ولذا قال بعض علمائنا من دخل المسجد وقت كراهة الصلاة فليقل هذه الكلمات فإنها تقوم مقام تحية المسجد ثم لا يخفى أن الرتع ليس منحصرا في هذه الأذكار بل المقصود هذه وأمثالها من الباقيات الصالحات التي هي سبب وصول الروضات ورفع الدرجات العاليات وقد قيل لو لمح في الرتع تناول ثمرة الشجرة التي غرسها الذاكر في رياض المسجد على ما ورد لقيت ليلة أسرى بي إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال يا محمد اقرىء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التراب عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله


والله أكبر لجاء أسلوبا بديعا وتلميحا عجيبا ثم في حلق الذكر إشارة إلى أن كل ذكر رتع وإنما خصت الكلمات المذكورة بالذكر لأن الباقيات الصالحات في الآية مفسرة بها ولحديث أنها أفضل الكلام ويؤيد ما ذكرنا حديث إذا دخلتم المسجد فعليكم بالإرتاع قالوا وما الإرتاع يا رسول الله قال الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل رواه الترمذي وقال غريب وفي سنده حميد المكي وفيه مقال نقله ميرك وورد المساجد سوق من سوق الآخرة فمن دخلها


كان ضيفا لله وجزاؤه المغفرة وتحيته الكرامة وعليكم بالإرتاع قالوا يا رسول الله وما الإرتاع قال الدعاء والرغبة إلى الله تعالى وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من أتى المسجد لشيء أي لقصد حصول شيء أخروي أو دنيوي فهو أي ذلك الشيء حظه ونصيبه كقوله عليه السلام إنما لكل امرىء ما نوى ففيه تنبيه على تصحيح النية في إتيان المسجد لئلا يكون مختلطا بغرض دنيوي كالتمشية والمصاحبة مع الأصحاب بل ينوي الإعتكاف والعزلة والإنفراد والعبادة وزيارة بيت الله واستفادة علم وإفادته ونحوها رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه وفي إسناده عثمان بن أبي العاتكة قال المنذري وضعفه غير واحد قال الذهبي قد ضعفه النسائي وغيره والله أعلم قال ابن حجر وورد من ألف المسجد ألفه الله عز وجل وورد أيضا أن بيوتي في أراضي المساجد وإن زواري منها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره وورد أيضا إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل أين جيراني أين جيراني فيقول الملائكة يا ربنا ومن ينبغي له أن يجاورك فيقول الله أين زوار المساجد وعن فاطمة زوج الحسن بن الحسن بنت الحسين عن جدتها فاطمة الكبرى أي البتول الزهراء بنت النبي لكبر فضلها وشأنها رضي الله عنها وفي نسخة عنهم قالت كان النبي إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وهو يحتمل قبل الدخول وبعده والأول أولى ثم حكمته بعد تعليم أمته أنه كان يجب عليه الإيمان بنفسه كما كان يجب على غيره فكذا طلب منه تعظيمها بالصلاة منه عليها كما طلب ذلك من غيره وقال رب وفي الرواية السابقة اللهم فالكل سنة اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفي تقديم الغفران على الفتح نكتة لا تخفى وإذا خرج صلى على محمد وسلم


وقال رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك وتقدم عن الطيبي نكتة في الفرق بالرحمة والفضل في الدخول والخروج وخطر ببالي والله أعلم أنه يمكن أن تكون النكتة هي أن الداخل لما كان متوجها إلى العبادة فطلب الرحمة الناشئة منها فإن رحمة الله قريب من المحسنين ولما كان الخارج متوجها إلى الأمور المباحة فحينئذ يناسب أن يطلب فضله تعالى من عنده من غير مباشرة عبادة وسبب رحمة وعناية رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه وفي روايتهما قالت إذا دخل المسجد وكذا إذا خرج قال بسم الله والسلام على رسول الله بدل صلى على محمد وسلم وقال الترمذي ليس إسناده بمتصل لأن فاطمة الصغرى بنت الحسين بن علي تروي هذا الحديث عن جدتها فاطمة الكبرى وهي ما أدركتها فقوله وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى جملة حالية أو استئنافية مبينة لعدم الإتصال وقال الشيخ الجزري الظاهر أنها سمعت من أبيها عنها فقد رواه ابن مردويه في الدعاء في مصنفه وأحسب بعضهم وصله نقله ميرك وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أي عبد الله بن عمرو بن العاص قال نهى رسول الله عن تناشد الأشعار أي المذمومة في المسجد قال التوربشتي التناشد أن ينشد كل واحد صاحبه نشيدا لنفسه أو لغيره افتخارا أو مباهاة أو على وجه التفكه بما يستطاب منه تزجية للوقت بما تركن إليه النفس أو لغيره فهو مذموم وأما ما كان منه في مدح الحق وأهله وذم الباطل وذويه أو كان منه تمهيد لقواعد الدين أو إرغام لمخالفيه فهو خارج عن الذم وإن خالطه التشبيب وقد كان يفعل ذلك بين يدي رسول الله ولا ينهى عنه لعلمه بالغرض الصحيح كذا نقله الطيبي وقال ابن الملك النهي عن ذلك خاص بغير الشعر الحسن لأن حسان أنشد بحضرة النبي في المسجد مستحسنا لما أنشده وقال ابن حجر وصح أن حسانا وكعب بن زهير كانا ينشدان الشعر في المسجد بحضرته عليه السلام ومر عمر


وحسان ينشد الشعر في المسجد فلحظه فقال كنت أنشده وفيه خبر منك ثم التفت إلى أبي هريرة فقال أنشدك الله أسمعت رسول الله يقول أجب عني اللهم أيده بروح القدس وروى أحمد في مسنده أنه عليه السلام قال الشعر كالكلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه وعلى هذا حملوا أيضا قوله عليه السلام لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلىء شعرا وقوله عليه السلام من رأيتموه ينشد في المسجد شعرا فقولوا افض الله فاك ثلاث مرات رواه ابن السني وفي رواية مختصر النهاية لا يفضض الله فاك أي لا يسقط أسنانك والفض الكسر وعن البيع والإشتراء فيه أي في المسجد وجوز علماؤنا للمعتكف الشراء بغير إحضار المبيع ومن البدع الشنيعة بيع ثياب الكعبة خلف المقام وبيع الكتب وغيرها في المسجد الحرام وأشنع منه وضع المحفات والقرب والدبش فيه سيما في أيام الموسم ووقت ازدحام الناس والله ولي أمر دينه ولا حول ولا قوة إلا به قال ابن حجر ويكره أيضا الجلوس فيه لحرفة إلا نسخ كتب العلم الشرعي وآلته ولو خاط فيه أحيانا فلا بأس ورأى عمر رضي الله عنه خياطا في المسجد فأمر بإخراجه فقيل يا أمير المؤمنين إنه يكنس المسجد ويغلق الباب فقال عمر إني سمعت رسول الله يقول جنبوا صناعكم مساجدكم رواه عبد الحق وضعفه وكان عطاء بن يسار إذا مر عليه من يبيع في المسجد قال عليك بسوق الدنيا فإن هذا سوق الآخرة وسمع عمر رضي الله عنه صوت رجل في المسجد فقال أتدري أين أنت وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة في المسجد أي نهى أن يجلس الناس على هيئة الحلقة يقال تحلق القوم إذا جلسوا حلقة حلقة وعلة النهي أن القوم إذا تحلقوا فالغالب عليهم التكلم ورفع الصوت وإذا كانوا كذلك لا يستمعون الخطبة وهم مأمورون باستماعها كذا قاله بعضهم وقال التوربشتي النهي يحتمل معنيين أحدهما أن تلك الهيئة تخالف اجتماع المصلين والثاني أن الإجتماع للجمعة خطب جليل لا يسع من حضرها أن يهتم بما سواها حتى يفرغ وتحلق


الناس قبل الصلاة موهم للغفلة عن الأمر الذي ندبوا إليه وفي شرح السنة في الحديث كراهة التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ولا بأس بعد ذلك وفي الأحياء يكره الجلوس للحلق قبل الصلاة قال الخطابي وكان بعضهم يروي نهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة بإسكان اللام وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة فقلت له إنما هو الحلق بفتحها جمع حلقة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ورواه ابن ماجه أيضا ذكره ميرك


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع أي يشتري في المسجد وحذف المفعول يدل على العموم فيشمل ثوب الكعبة والمصاحف والكتب والسبح فقولوا أي لكل منهما باللسان جهرا أو بالقلب سرا لا أربح الله تجارتك دعاء عليه أي لا جعل الله تجارتك ذات ربح ونفع وفيه إيماء إلى قوله تعالى فما ربحت تجارتهم ولو قال لهما معا لا أربح الله تجارتكما جاز لحصول المقصود وإذا رأيتم من ينشد أي يطلب برفع الصوت فيه أي في المسجد ضالة أي ساقطة فقولوا لا رد الله عليك وفي رواية لا ردها الله عليك لقلة أدبك حيث رفعت صوتك في المسجد وشوشت على المصلين أو المعتكفين ذكرهم أو حضورهم أو قالهم أو حالهم رواه الترمذي وقال حسن غريب نقله ميرك والدارمي ورواه أحمد والنسائي في اليوم والليلة وابن حبان وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ذكره ميرك قال ابن حجر ومر شطره الثاني عن مسلم وعن حكيم بن حزام بكسر حاء فزاي هو ابن أخي خديجة أم المؤمنين قاله الطيبي قال نهى رسول الله أن يستقاد أي يطلب القود أي القصاص وقتل القاتل بدل القتيل أي يقتص في المسجد لئلا يقطر الدم فيه وقال ابن حجر فيكره القود فيه إن لم يصبه نجس وإلا حرم وأن ينشد قيل بالتأنيث أي يقرأ فيه الأشعار أي المذمومة وأن تقام كذلك فيه الحدود أي سائرها أي تعميم بعد تخصيص أي الحدود المتعلقة بالله أو بالآدمي لأن في ذلك نوع هتك لحرمته ولإحتمال تلوثه بجرح أو حدث وقول ابن أبي ليلى تقام شاذ كذا ذكره ابن حجر قال ابن الملك لئلا يتلوث المسجد وفي شرح السنة قال عمر رضي الله عنه فيمن لزمه حد في المسجد أخرجوه وعن علي رضي الله عنه مثله رواه أبو داود في سننه في آخر كتاب الحدود قاله الطيبي وقال المنذري وفي إسناده عبد الله بن المهاجر والشعيبي البصري الدمشقي وقد وثقه غير واحد وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه


ولا يحتج به نقله ميرك وقال وقد روى له أصحاب السنن وصاحب جامع الأصول فيه أي الجامع عن حكيم متعلق برواه قال ابن حجر وفي سنده محمد بن عبد الله الشعيبي قال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وفيه أيضا زفر بن وثيمة جهله ابن القطان ووثقه ابن حزم والحاصل أنه حسن كما أفاده بعض الحفاظ وفي المصابيح عن جابر قال الطيبي ولم يوجد في الأصول الرواية عنه وقال ميرك صوابه عن حكيم بن حزام وعن معاوية بن قرة تابعي بصري سمع أباه وأنس بن مالك وعبد الله بن مغفل ذكره الطيبي عن أبيه أن رسول الله نهى عن هاتين الشجرتين إشارة إلى ما في الذهن يعني البصل والثوم ويمكن أن يكونا موجودين في المجلس فالإشارة حسية وقال من أكلهما وفي معناهما الكراث والفجل فلا يقربن مسجدنا أي مسجد ملتنا يعني ما دام معه الرائحة الخبيثة وقد تقدمت العلة بأن الملائكة تتأذى مما يتأذى به الناس وفيه إشارة إلى أن المسجد إن كان خاليا من الناس فلا يخلو من الملائكة قال الطيبي وهذه الجملة كالبيان للجملة الأولى أي أفاد هذا البيان أن التقدير نهى عن أكلهما وأفاد أيضا أن شرط النهي عن أكلهما اقترانه بقصد دخول المسجد مثلا مع بقاء ريحهما وأما أكلهما لا بهذه النية فلا يدخل تحت النهي وفي النهي عن القربان إشارة إلى أن النهي عن الدخول أولى وقال إن كنتم لا بد أي لا فراق ولا محالة ولا غنى بكم عن أكلهما لفرط حاجة أو شهوة وهذه الجملة معترضة بين اسم كان وخبرها وهو آكليهما يعني وأردتم دخول المسجد فأميتوهما طبخا الإماتة عبارة عن إزالة قوة رائحتهما أي أزيلوا رائحتهما بالطبخ وفي معناه إماتته وإزالته بغير الطبخ وإنما خرج مخرج الغالب رواه أبو داود وسكت عليه ورواه النسائي قاله ميرك وعن أبي سعيد قال قال رسول الله الأرض كلها مسجد أي يجوز


السجود فيها من غير كراهة إلا المقبرة بفتح الباء وضمها وقال ابن حجر بتثليثها وفي القاموس المقبرة مثلثة الباء وكمكنسة موضع القبور وقد تقدم حكمها والحمام قال ابن الملك فإن الصلاة تكره فيهما وقال شارح المنية وفي الفتاوى لا بأس بالصلاة في المقبرة إذا كان فيها موضع أعد للصلاة وليس فيه قبر رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث فيه اضطراب يعني من حيث الإرسال والإسناد وذكر أن سفيان الثوري أرسله وهو أصح وأثبت ا ه وقد رواه أبو داود مسندا أي الذي وصله ثقة أيضا فلا يضره إرساله كذا ذكره ميرك والدارمي قال ابن حجر وابن ماجه وسنده حسن وعن ابن عمر قال نهى رسول الله أن يصلى على بناء المفعول في سبعة مواطن في المزبلة بفتح الباء وقيل بضمها الموضع الذي يكون فيه الزبل وهو السرجين ومثله سائر النجاسات والمجزرة بكسر الزاي وتفتح قال في الصحاح المجزرة بكسر الزاي قال العسقلاني ويجوز فتحها واقتصر ابن حجر على الفتح وهو مخالف للرواية الصحيحة والنسخ المصححة وهي الموضع الذي تنحر فيه الإبل وتذبح البقر والشاء نهى عنها لأجل النجاسة فيها من الدماء والأرواث والمقبرة وقارعة الطريق فالإضافة للبيان أي وسطه فالمراد بها الطريق الذي يقرعه الناس والدواب بأرجلهم لإشتغال القلب بالخلق عن الحق ولذا شرط بعضهم أن يكون في العمران لا البرية وفي الحمام لأنه محل النجاسة ومأوى الشيطان وهو مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار ومنه مسلخه وهو محل سلخ الثياب أي نزعها والتعليل بأن دخول الناس يشغله وهو غير مطرد فلا ينظر إليه كذا ذكره ابن حجر ويمكن أن يقال الإعتبار للأغلب وفي معاطن الإبل جمع عطن وهو مبرك الإبل حول الماء قاله الطيبي وقال ابن الملك جمع معطن بكسر الطاء وهو الموضع الذي تبرك فيه الإبل عند الرجوع عن الماء ويستعمل في الموضع الذي تكون فيه الإبل بالليل أيضا ويؤيده خبر مسلم نهى عن الصلاة في مبارك الإبل وقال لأن هذه المواضع محال النجاسة


فإن صلى فيها بغير السجادة بطلت ومع السجادة تكره للرائحة الكريهة ا ه وهذا إذا لم تكن الإبل فيها وأما إذا كانت فسيأتي أن الصلاة مكروهة حينئذ مطلقا لشدة نفارها وفوق
ظهر بيت الله إذ نفس الإرتفاع إلى سطح الكعبة مكروه لإستعلائه عليه المنافي للأدب قال ابن الملك وإنما ذكر الظهر مع الفوق إذ لا تكره الصلاة على موضع هو فوق البيت كجبل أبي قبيس وذكر فوق لأن الحيطان كلها ظهر البيت وقال الطيبي اختلف في أن النهي الوارد عن الصلاة في المواطن السبعة للتحريم أو التنزيه والقائلون بالتحريم اختلفوا في الصحة بناء على أن النهي يدل على الفساد وفيه أربعة مذاهب يدل مطلقا لا يدل مطلقا يدل في العبادات دون المعاملات يدل إذا كان متعلق النهي نفس الفعل أو ما يكون لازما كصوم يوم العيد والصلاة في الأوقات المكروهة وبيع الربا ولا يدل إذا لم يكن كذلك كالصلاة في الدار المغصوبة والوادي وأعطان الإبل والبيع وقت النداء رواه الترمذي وقال إسناده ليس بذاك القوي نقله ميرك وابن ماجه قال ابن حجر وسنده حسن وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلوا في مرابض الغنم أي فوق السجادة إذا كانت ضرورة وهو جمع مربض بكسر الباء وهو مأوى الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل جمع عطن وهو مثل المعطن والفارق أن الإبل كثيرة الشراد شديدة النفار فلا يأمن المصلي في أعطانها أي معطانها من أن تنفر وتقطع الصلاة عليه أو تشوش قلبه فتمنعه عن الخشوع فيها بخلاف الغنم قال الطيبي وإليه أشار عليه السلام بقوله لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين وأوله ابن حبان بأنها خلقت معها قال وإلا لم يصل عليه السلام الوتر على بعيره أي فالعلة الصحيحة شدة نفارها المؤدي إلى قطع الصلاة أو منع الخشوع لا خلقها من الشياطين أي من مائهم وخرج بالإبل الغنم فلا تكره الصلاة عندها لأن نفارها لا يشوش الخشوع لأنها سكينة ولذا ورد فيها ما من نبي إلا رعى الغنم ويؤيده خبر الشافعي أنه قال


إذا أدركتم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها فإنها سكينة وبركة وإذا أدركتم الصلاة وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها فصلوا فإنها جن من جن خلقت ألا ترون أنها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها وتكره الصلاة في سائر محال الشياطين ومنها الوادي الذي نام فيه عليه السلام عن صلاة الصبح كما مر ومنها كل محل
حل به غضب كأرض ثمود وبابل وديار قوم لوط ومحسر بناء على أن العذاب نزل به قال ابن الملك فلو صلى والمكان طاهر يصح عند الأكثر وأصحاب الغنم كانوا ينظفون المرابض فأبيحت الصلاة فيها لذلك وإليه ذهب أبو حنيفة رواه الترمذي وقال حسن صحيح نقله ميرك وعن ابن عباس قال لعن رسول الله زائرات القبور في شرح السنة قيل هذا كان قبل الترخص فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء وقيل بل نهى النساء عن زيارة القبور باق لقلة صبرهن وكثرة جزعهن إذا رأين القبور ا ه ومراده بالترخص قوله عليه السلام كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها لأنها تذكر بالآخرة ويمكن حمل النهي على عجائز متطيبات أو متزينات أو على شواب ولو في ثياب بذلتهن لوجود الفتنة في خروجهن على قياس كراهة خروجهن إلى المساجد قال ابن الملك وفي بعض النسخ زوارات القبور جمع زوارة وهي للمبالغة تدل على أن من زار منهن على العادة فهي داخلة في الملعونات ا ه ويستثنى زيارة قبره عليه السلام عن هذا العموم عند الجمهور والمتخذين عليها المساجد قال ابن الملك إنما حرم اتخاذ المساجد عليها لأن في الصلاة فيها استتنانا بسنة اليهود ا ه وقيد عليها يفيد أن اتخاذ المساجد بجنبها لا بأس به ويدل عليه قوله عليه السلام لعن الله اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد والسرج جمع سراج والنهي عن اتخاذ السرج لما فيه من تضييع المال لأنه لا نفع لأحد من السراج ولأنها من آثار جهنم وإما للإحتراز عن تعظيم القبور كالنهي عن اتخاذ القبور مساجد كذا قاله بعض علمائنا رواه أبو داود والترمذي


وقال حديث حسن نقله ميرك والنسائي وعن أبي أمامة قال إن حبرا بفتح الحاء أشهر من كسرها قاله ابن الملك وذكر في الصحاح أن كسر الحاء أصح لكن المشهور في الإستعمال الفتح ليفرق بين العالم وبين ما يكتب به كذا في المفاتيح وقيل في الكسر وجهه أن العالم يكثر استعماله والله أعلم وكان يقال لابن عباس الحبر والبحر لسعة علمه قاله الطيبي أي عالما من اليهود سأل
رسول الله أي البقاع بكسر الباء جمع البقعة بالضم وهي موضع يجتمع فيه الناس مطلقا خير أي أفضل يعني كثير الخير فسكت عنه أي عن جوابه وقال أي في نفسه لا أنه نطق به كذا قاله الطيبي ولا مانع من أنه نطق به بل هو أظهر في المرام وأدفع لتوهم الإلزام ويدل عليه الروايات الآتية أسكت بصيغة المتكلم وفي نسخة بصيغة الأمر حتى يجيء جبريل فسكت أي إلى مجيء جبريل قال الطيبي فيه أن من استفتي عن مسألة لا يعلمها فعليه أن لا يعجل في الإفتاء ولا يستنكف عن الإستفتاء ممن هو أعلم منه ولا يبادر إلى الإجتهاد ما لم يضطر إليه فإن ذلك من سنة رسول الله وسنة جبريل وجاء جبريل عليه السلام فسأل أي النبي عنه أو فسأله النبي عنها فقال ما المسؤول عنها أي عن هذه المسألة بأعلم من السائل وتقدم في حديث جبريل ما يتعلق بهذه العبارة ولكن أسأل ربي تبارك أي تكاثر خيره وتوالى بره وتعالى أي ترفع عن كل ما لا يليق بكبريائه فالأول إثبات للنعوت الثبوتية والثاني نفي للصفات السلبية والمعنى لكني أرجع إلى حضرة ربي أسأله عن هذه المسألة فإنه أعلم ثم قال جبريل أي بعد رجوعه يا محمد إني دنوت أي قربت من الله دنوا فعول مصدر دنا ما دنوت منه قط يعني أذن لي أن أقرب منه تعالى أكثر مما قربت منه في سائر الأوقات قال ابن الملك ولعل زيادة تقريبه منه في هذه المرة لتعظيم النبي وقد يزيد المحب في احترام رسول الحبيب لأجل الحبيب تم كلامه أو لأنه تقرب إليه تعالى بطلب العلم ومن وعده تعالى أن من تقرب إليه شبرا تقرب إليه باعا


والله أعلم وفيه أن الملائكة يزدادون العلم والقرب من الله تعالى إلا أن الملك ترقية في العلم والقرب نادر بخلاف البشر قال وكيف كان أي دنوك يا جبريل قال كان بيني وبينه أي بين عرشه سبعون ألف حجاب من نور ظاهره التحديد وأعلم أن الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس وهو الخلق فهم محجوبون عنه تعالى بمعاني أسمائه وصفاته وأفعاله وأقرب الملائكة الحافون بالعرش وهم محجوبون بنور المهابة والعظمة والكبرياء والجلال وأما الآدميون فمنهم من حجب برؤية النعم عن المنعم وبمشاهدة الأسباب عن المسبب ومنهم من حجب بالشهوات المباحة أو المحرمة أو بالمال والنساء والبنين وزينة الحياة الدنيا والجاه ومنه قول الصوفية العلم حجاب قال بعض مشايخنا لكنه نوراني فأفاد أن الحجب على نوعين ظلماني وضده وقد أشار إليه الحديث بقوله من نور فقال أي الرب تبارك وتعالى شر البقاع أسواقها لأنها محل الغفلة والمعصية وخير البقاع مساجدها لأنها محل الحضور والطاعة قال الطيبي أجاب عن الشر والخير وإن كان السؤال عن الخير فقط تنبيها على بيت الرحمن وبيت الشيطان قلت والأشياء تتبين بأضدادها رواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر كذا


في أصل المصنف هنا بياض وألحق به ابن حبان عن ابن عمر ولذا قال الطيبي ذكر الراوي أي المخرج ملحق قال ابن حجر وفي نسخة أخرجه أحمد وأبو يعلى الموصلي والحاكم والحاصل أن ابن حبان أخرجه عن ابن عمر وأخرجه أحمد وصححه الحاكم من حديث جبير بن مطعم وأخرجه الطبراني من حديث أنس وإنه حديث صحيح وإن من قال لم يرد تكثير الحجب في حديث صحيح يحمل كلامه على ما جاء من ذلك في حديث المعراج كرواية سبعين حجابا غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام ثم حملت على رفرف أخضر يغلب ضوؤه ضوء الشمس حتى وصلت للعرش وكرواية ثم أي بعد انقطاع جبريل عنه وقوله هذا مقامي إن جاوزته احترقت زج بي في النور فخرق بي سبعين ألف حجاب ليس فيها حجاب يشبه حجابا فهاتان ونحوهما هي التي لم تثبت بخلاف ما نحن فيه ا ه والحاصل أن الحجاب الصوري لا يتصور في حقه تعالى بخلاف النوري المعنوي وما أحسن قول ابن عطاء الحق ليس بمحجوب وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصرا وكل حاصر لشيء فهو له قاهر وهو القاهر فوق عباده ومن كلامه أيضا مما يدلك على وجود قهره سبحانه إن حجبك عنه بما ليس بموجود معه ومن كلامه أيضا كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء وقال السيد جمال الدين هذا الحديث بهذا اللفظ لم أره مخرجا في شيء من الكتب المعتمدة المشهورة ولكن رأيت في تخريج أحاديث المصابيح للسلمي أنه قال وروى ابن حبان في صحيحه عن محارب بن دثار عن ابن عمر إن رجلا سأل النبي أي البقاع شر قال لا أدري حتى اسأل جبريل فسأل جبريل فقال لا أدري حتى أسأل ميكائيل فجاء فقال خير البقاع المساجد وشرها الأسواق قال ميرك شاه ثم رأيت في الترغيب والترهيب للمنذري عن عبد الله بن عمر إن رجلا سأل


النبي أي البقاع خير وأي البقاع شر قال لا أدري حتى أسأل جبريل فقال لا أدري حتى أسأل ميكائيل فجاء فقال خير البقاع المساجد وشر البقاع الأسواق رواه الطبراني في الكبير وابن حبان في صحيحه وروي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله لجبريل أي البقاع خير قال لا أدري قال فسل عن ذلك ربك قال فبكى جبريل وقال يا محمد وما لنا أن نسأله هو الذي يخبرنا بما نشاء فعرج إلى السماء ثم أتاه فقال خير البقاع بيوت الله في الأرض قال فأي البقاع شر فعرج إلى السماء ثم أتاه فقال شر البقاع الأسواق رواه الطبراني في الأوسط وعن جبير بن مطعم أن رجلا قال يا رسول الله أي البلدان أحب إلى الله وأي البلدان أبغض إلى الله قال لا أدري حتى أسأل جبريل فأتاه جبريل فأخبره أن أحب البقاع إلى الله المساجد وأبغض البلاد إلى الله الأسواق
رواه أحمد والبزار واللفظ له وأبو يعلى والحاكم وقال صحيح الإسناد ا ه وكلامه يدل على أن ذكر الحجب ليس في هذه الروايات فتصحيح ابن حجر غير صحيح على إطلاقه فتدبر وحاصله أن عدد السبعين غير صحيح لا نفس الحجاب فإنه ورد في حديث مسلم على ما مر في صدر الكتاب من رواية أبي موسى مرفوعا حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه
الفصل الثالث


عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول من جاء مسجدي هذا أي المسجد النبوي في المدينة المعطرة لم يأت أي حال كونه غير آت إلا لخير أي علم أو عمل يتعلمه أو يعلمه أو للتنويع وفيه دلالة ظاهرة على جواز التدريس في المسجد خلافا لما تقدم عن الإمام مالك ولعله منع رفع الصوت المشوش فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله من حيث أن كلا منهما يريد إعلاء كلمة الله العليا أو لأن العلم والجهاد كل واحد منهما قد يكون فرض عين وقد يكون فرض كفاية أو لأن كلا منهما عبادة نفعها متعد إلى عموم المسلمين ومن جاء لغير ذلك أي لغير ما ذكر من الخير وهو العلم والعمل الذي يشمل الصلاة والإعتكاف والزيارة قال الطيبي يوهم أن الصلاة داخلة في الغير وليس كذلك لأن الصلاة مفروغ عنها وأنها مستثناة من أصل الكلام فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره أي فهو متحسر محروم عما ينتفع به الناس في الدنيا من العلم والعمل والثناء الجميل وفي العقبى من الدرجات والجزاء الجزيل قال الطيبي شبه حالة من أتى المسجد لغير الصلاة والتعليم بحالة من ينظر إلى متاع الغير بغير اذنه ومع ذلك لم يقصد تملكه بوجه شرعي فإن ذلك محظور وكذلك إتيان المسجد لغير ما بني محظور لا سيما مسجد رسول الله ا ه لكن كون النظر المجرد إلى متاع الغير محظورا محل نظر ثم رأيت ابن حجر تعقبه بقوله إن المحظور المحرم ولا حرمة هنا بل يجوز النظر لمتاع الغير وإن لم يقصد تملكه ما لم يكن بإشراف من كوة ونحوها ولما نقل النووي قول الأحياء لو سقف المسجد بحرام


حرم الجلوس تحته لأنه انتفاع بالحرام قال فيه نظر والمختار أنه لا يحرم القعود وهو من باب الإنتفاع بضوء سراج غيره والنظر في مرآته إذا لم يستول عليهما وهما جائزان بلا خلاف وقوله وكذلك الخ ممنوع أيضا فإن من جملة ما لم يبن له دخوله لنحو المرور والنوم به ولا حظر في ذلك ا ه والمراد بالحظر الحرمة وإلا فالمرور مكروه من غير ضرورة بلا خلاف والنوم فيه تفصيل كما سبق لكنه مكروه لا محرم بالإجماع رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان وعن الحسن أي البصري مرسلا إذ هو تابعي قال قال رسول الله يأتي على الناس زمان يكون حديثهم أي كلامهم ومحادثتهم في مساجدهم في أمر دنياهم وهي موضوعة لأمر دينهم قال ابن الهمام في شرح الهداية الكلام المباح في المسجد مكروه يأكل الحسنات فلا تجالسوهم أي هؤلاء الناس الموصوفين بما ذكر وهو يحتمل الإطلاق والتقييد بالمسجد فليس لله فيهم أي في إتيانهم إلى المسجد وعبادتهم فيه حاجة هي كناية عن عدم قبول طاعتهم قال الطيبي هو كناية عن براءة الله تعالى وخروجهم عن ذمة الله سبحانه وإلا فالله تعالى منزه عن الحاجة مطلقا وفيه تهديد عظيم لأجل ظلمهم ووضعهم الشيء في غير موضعه لأن المسجد لم يبن إلا للعبادات قلت ويمكن أن يكون التقدير فليس لأهل الله في مجالستهم حاجة رواه البيهقي في شعب الإيمان وعن السائب بن يزيد قال كنت نائما في المسجد وفي نسخة صحيحة قائما قال ميرك ناقلا عن الشيخ كذا وقع في الأصول بالقاف وفي رواية نائما ويؤيدها رواية الإسماعيلي بلفظ مضطجعا فحصبني رجل أي رجمني بالحصباء وهي الحجارة الصغار فنظرت فإذا وفي نسخة بزيادة هو أي الرجل الحاصب عمر بن الخطاب فقال اذهب فأتني بهذين أي الرجلين المشار إليهما فجئته بهما فقال ممن أنتما أي من أي قبيلة وجماعة أو من أين أنتما أي من أي بلد قالا من أهل الطائف وهو يصلح جوابا لكل من السؤالين


قال لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما إذ لا عذر لكما حينئذ قاله الطيبي يعني أهل المدينة يعرفون حرمة مسجده عليه السلام أكثر من غيرهم فلا يسامحون مسامحة الغرباء إذ يمكن أن يكونوا قريبي العهد بالإسلام وبمعرفة الأحكام قال ميرك وزاد الإسماعيلي جلدا أي ضربا بالجلد ومن هذه الجهة تبين كون هذا الحديث له حكم الرفع لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توفيقي ترفعان جملة مستأنفة للبيان وقيل جواب عن سؤال مقدر كأنهما قالا لم توجعنا قال لأنكما ترفعان وقوله أصواتكما قال المالكي المضاف المثنى معنى إذا كان جزء ما أضيف إليه يجوز افراده نحو أكلت رأس شاتين وجمعه أجود نحو صغت قلوبكما والتثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال وإن لم يكن جزءه فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية نحو سل الزيدان سيفيهما وإن أمن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع كما في يعذبان في قبورهما كذا نقله ميرك وفيه أن المراد بالأصوات هنا الجمع حقيقة إذ لكل حرف صوت كما هو مقرر في محله في مسجد رسول الله أي خصوصا إذ مع شرافته له زيادة مزية أنه عليه السلام في قبره حي وقال تعالى لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الحجرات قال النووي يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره وقال ابن حجر سئل مالك عن رفع الصوت في المسجد بالعلم فقال لا خير فيه بعلم ولا بغيره ولقد أدركت الناس قديما يعيبون ذلك على من يكون بمجلسه وأنا أكره ذلك ولا أدري فيه خيرا قال ابن حجر وقد روى ابن أبي شيبة عن عمر أنه سمع رجلا رافعا صوته في المسجد فقال أتدري أين أنت قال وقال قوم لا كراهة فيه منهم أبو حنيفة واحتجوا بما مر في الوضوء من قوله عليه السلام ويل للأعقاب من النار ورد بأنه ليس في الحديث أنهم كانوا في المسجد بل سياقه صريح في أنهم كانوا في غير المسجد نعم صح عن كعب بن مالك وابن أبي حدرد في دين له عليه أنهما ارتفعت أصواتهما في المسجد ولم ينكر عليهما عليه السلام وقال ضع من دينك


الشطر وقد يجاب بأنه عليه السلام ترك الإنكار لبيان الجواز فلا يدل على انتفاء الكراهة ا ه كلامه وفيه نظر من وجوه منها نسبة نفي مطلق الكراهة إلى الإمام الأعظم وهو افتراء عليه إذ مذهبه كراهة رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر نعم جوز التدريس في المسجد والبحث فيه حيث لم يشوش على المصلين أو لم يكن هناك مصلون ومنها إسناد الإحتجاج إليه بالحديث المذكور فإنه لو فرض كونه في المسجد لا دلالة فيه على نفي الكراهة مطلقا إذ ليس فيه ما يشعر برفع الصوت وعلى التسليم نهي المنكر في المسجد ولو برفع الصوت لا يكره إجماعا ومنها جوابه عن حديث كعب فإنه لا يخلو عن بعد والأقرب أن يحمل على ما قبل نزول قوله تعالى لا ترفعوا أصواتكم الآية رواه البخاري


وعن مالك المراد به الإمام صاحب المذهب قال بنى عمر رضي الله عنه رحبة في ناحية المسجد أي فضاء في خارج المسجد قال في القاموس رحبة المكان وتسكن ساحته ومتسعه وقال الطيبي الرحبة بالفتح الصحراء بين أفنية القوم ورحبة المسجد ساحته قال أبو علي الدقاق ليس للحائض أن تدخل رحبة مسجد الجماعة متصلة كانت أو منفصلة وتحريك الحاء أحسن ا ه وفيه وأما في حديث علي رضي الله عنه وصف وضوء رسول الله في رحبة الكوفة فإنها دكان وسط مسجد الكوفة كان علي رضي الله عنه يقعد فيه ويعظ تسمى أي تلك الرحبة البطيحاء ولعلها فرش فيها البطحاء وقال أي عمر من كان يريد أن يلغط اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه قاله الطيبي والمراد من أراد أن يتكلم بما لا يعنيه أو ينشد شعرا أي لنفسه أو لغيره وقول ابن حجر أي شعرا مذموما ليس في محله لأنه لا يباح مطلقا أو يرفع صوته ولو بالذكر فليخرج إلى هذه الرحبة فإن الأمر فيها أسهل وأهون رواه أي مالك في الموطأ بالهمز والألف وقد سبق الإعتراض على مثل صنيع المصنف هذا وكان حقه في هذا المقام أن يقول وعن عمر أنه بنى رحبة ثم يقول رواه مالك وعن أنس قال رأى النبي نخامة بالضم في القبلة أي جدار المسجد الذي يلي القبلة وليس المراد بها المحراب الذي يسميه الناس قبلة لأن المحاريب من المحدثات بعده ومن ثم كره جمع من السلف اتخاذها والصلاة فيها قال القضاعي وأول من أحدث ذلك عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ عامل للوليد بن عبد الملك على المدينة لما أسس مسجد النبي وهدمه وزاد فيه ويسمى موقف الإمام من المسجد محرابا لأنه أشرف مجالس المسجد ومنه قيل للقصر محراب لأنه أشرف المنازل وقيل المحراب مجلس الملك سمي به لإنفراده فيه وكذلك محراب المسجد لإنفراد الإمام فيه وقيل سمي بذلك لأن المصلي يحارب فيه الشيطان قال الطيبي النخامة البزاقة التي تخرج من أقصى الحلق ومن مخرج الخاء المعجمة وهو كذا في النهاية وهو المناسب لقوله الآتي فلا يبزقن


لكن قوله من أقصى الحلق غير صحيح إذ الخاء المعجمة مخرجها أدنى الحلق وقال في
المغرب النخاعة والنخامة ما يخرج من الخيشوم عند التنحنح وفي القاموس النخاعة النخامة أو ما يخرج من الخيشوم فشق أي صعب ذلك أي ما ذكر من رؤية النخامة عليه حتى رؤي أي أثر المشقة في وجهه وهو مجهول رأى قال الطيبي الضمير الذي أقيم مقام الفاعل راجع إلى معنى قوله فشق ذلك عليه وهو الكراهة فقام بنفسه الشريفة فحكه بيده اللطيفة عوضا عن أمته الضعيفة وإشارة إلى أن سيد القوم خادمهم وتواضعا لربه جل جلاله ومحبة لبيته فقال إن أحدكم إذا قام في الصلاة أي دخل فيها سواء كان في المسجد أو غيره فإنما يناجي ربه أي يخاطبه بلسان القال كالقراءة والذكر والدعاء وبلسان الحال كأنواع أحوال الإنتقال ولذا قيل الصلاة معراج المؤمن وإن ربه بينه وبين القبلة في شرح السنة معناه أن يقصد ربه تعالى بالتوجه إلى القبلة فيصير بالتقدير كان مقصوده بينه وبين القبلة فأمر أن تصان تلك الجهة عن البزاق نقله الطيبي فلا يبزقن أحدكم قبل أي جهة قبلته لأنها أشرف الجهات والبزاق إلى القبلة دائما ممنوع فالشرطية لإفادة زيادة القبح ولكن أي ليبصق عن يساره أو تحت قدمه أي اليسار وقال النووي الأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه فيما إذا كان في غير المسجد وأما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه قال ابن حجر فيه نظر لأنه إذا كان في المسجد على شيء له مفروش فيه فله البزاق عليه في جنبه الأيسر أو تحت قدمه لأن الغرض أن البزاق إنما ينزل على فراشه ولا يصيب أجزاء المسجد منه شيء ا ه وما ذكره مفهوم من إطلاق قوله إلا في ثوبه فليس فيه نظر صحيح كما هو صريح فتأمل وتصويره عليه السلام بأخذ ردائه والإقتصار عليه لأن الناس لم يكونوا يفرشون تحتهم من ثيابهم شيئا ثم أخذ أي النبي طرف ردائه فبصق أي بزق فيه ثم رد بعضه أي بعض ردائه على بعض فقال أو يفعل هكذا أي مثل هذا الذي فعلته وإذا فعل هذا فليكن في جهة


اليسرى رواه البخاري وعن السائب بن خلاد هو وفي نسخة وهو رجل من أصحاب النبي ولعله ذكر ذلك لأنه لم يكن من مشاهير الصحابة أو كان ممن اختلف في صحبته قال إن رجلا أم قوما أي صلى بهم إماما ولعلهم كانوا وفدا فبصق في القبلة أي في جهتها ورسول الله ينظر أي يطالع فيه فقال رسول الله لقومه لما رأى منه قلة الأدب
حين فرغ لا يصلي لكم بإثبات الياء في شرح السنة أصل الكلام لا تصل لهم فعدل إلى النفي ليؤذن بأنه لا يصلح للإمامة وإن بينه وبينها منافاة وأيضا في الإعراض عنه غضب شديد حيث لم يجعله محلا للخطاب وكان هذا النهي في غيبته فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه فسأل عن سبب المنع فأخبروه بقول رسول الله فذكر أي الرجل ذلك أي منع القوم إياه عن الإمامة لرسول الله وقال ذكروا أنك منعتني عن الإمامة بهم أكذلك هو فقال أي رسول الله نعم أنا أمرتهم بذلك وحسبت أي قال الراوي وظننت أنه أي الرسول الله قال أي له زيادة على نعم إنك قد آذيت أي خالفت الله ورسوله وفيه تشديد عظيم قال تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا الأحزاب وذكر الله تعالى للتبرك أو لبيان أن إيذاء رسوله لمخالفة نهيه لا سيما بحضرته منزل منزلة إيذاء الله تعالى كذا ذكره ابن حجر وهذا منه مبني على جعل الإيذاء على حقيقته رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه قاله ميرك ثم قال ولحديث السائب بن خلاد شاهد من حديث عبد الله بن عمر وقال أمر رسول الله رجلا يصلي بالناس الظهر فتفل بالقبلة وهو يصلي للناس فلما كان صلاة العصر أرسل إلى آخر فاشفق الرجل الأول فجاء إلى النبي فقال يا رسول الله أنزل في شيء قال لا ولكنك تفلت بين يديك وأنت تؤم الناس فآذيت الله والملائكة رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد وعن معاذ بن جبل قال احتبس بصيغة المعلوم وروي مجهولا عنا رسول الله ذات غداة أي يوما أو صاحبة غداة وهي من أول النهار إلى الزوال أي ساعة


من أولها عن صلاة الصبح بدل اشتمال بإعادة الجار حتى كدنا أي قاربنا نتراى عين الشمس وضع موضع نرى للجمع قاله الطيبي والأظهر ما قاله ابن حجر أنه عدل عنه إلى ذلك لما فيه من كثرة الإعتناء بالفعل وسبب تلك الكثرة خوف طلوعها المفوت لأداء الصبح فخرج سريعا أي مسرعا أو خروجا سريعا فثوب أي أقيم بالصلاة وقول ابن حجر أي أقامها موهم فصلى رسول الله وتجوز أي خفف واقتصر على خلاف عادته سيما في الصبح لما يقتضيه الوقت في صلاته أي مع آداء الأركان فلما سلم دعا أي نادى بصوته فقال لنا أي رفع صوته بقوله لنا على مصافكم أي اثبتوا عليها جمع مصف وهو موضع الصف كما


أنتم أي على ما أنتم عليه أو ثبوتا مثل الثبوت الذي أنتم عليه قبل النداء من غير تغيير وتقديم وتأخير ثم انفتل أي انصرف من الصلاة أو اقبل من القبلة إلينا ثم قال أما بالتخفيف للتنبيه إني سأحدثكم السين لمجرد التأكيد ما حبسني عنكم ما موصولة الغداة نصب على الظرفية إني قمت من الليل أي بعضه فتوضأت وصليت ما قدر أي مقدار ما قدر أو يسر لي من صلاة التهجد فنعست بالفتح من النعاس وهو النوم القليل في صلاتي حتى استثقلت بصيغة المعلوم أو المجهول أي غلب علي النعاس أو برحاء الوحي فإذا أنا بربي إذا للمفاجأة أي فاجأ استثقالي رؤيتي تبارك وتعالى فيه إشارة إلى التنزيه عما لا يليق به في أحسن صورة أي صفة أو كان التجلي صوريا أو في أحسن صورة حال من ضمير المتكلم كما سبق الكلام عليه وظاهر هذا الحديث أن هذه الرؤية في النوم فلا يحتاج إلى تأويل فقال يا محمد قلت لبيك أي إجابة بعد إجابة وإطاعة بعد إطاعة إيماء إلى دوام العبودية والقيام بالعبادة في حق الربوبية رب بحذف حرف النداء وياء الإضافة قال فيم ما الإستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر حذف ألفها يختصم أي يبحث الملأ الأعلى أي الأشراف من الملائكة المقربين قلت لا أدري قالها ثلاثا أي قال تعالى هذه المقولة المترتب عليها جوابها ثلاثا وأجبت عنها بلا أدري تأكيدا للإعتراف بعدم العلم وفي تأخير قالها ثلاثا إيماء إلى ما قررناه قال فرأيته وضع كفه بين كتفي يحتمل أن يكون كناية عن تعلق القدرة والإرادة حتى وجدت برد أنامله أي لذة آثاره بين ثديي أي في صدري أو قلبي فتجلى أي انكشف وظهر لي كل شيء أي مما أذن الله في ظهوره لي من العوالم العلوية والسفلية مطلقا أو مما يختصم به الملأ الأعلى خصوصا وعرفت حقيقة الأمر وهو تأكيد لما قبله وقول ابن حجر أي عرفته عيانا يحتاج إلى بيان فقال يا محمد قلت لبيك رب أي أولا وآخرا قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات أي للسيئات قال ما هن وفي نسخة


صحيحة وما هن بزيادة الواو قلت مشى الأقدام إلى الجماعات أي للصلوات المكتوبات والجلوس في المساجد أي التي هي روضات الجنات بعد الصلوات أي المقضيات وإسباغ الوضوء بفتح الواو ويضم أي إكماله حين الكريهات أي وقت المكروهات من أيام البرودات أو أزمنة الغلاء في ثمن الماء قال ثم فيم أي فيم يختصم الملأ الأعلى أيضا وفيه إشارة إلى تقديم الكفارات قلت وفي نسخة
قال قلت في الدرجات أي في درجات الجنات العاليات قال وما هن بالواو قلت وفي نسخة قال قلت إطعام الطعام أي اعطاؤه للخاص والعام ولين الكلام أي لطفه مع الأنام والصلاة أي بالليل كما في نسخة والناس نيام الجملة حالية والنيام جمع نائم قال وفي نسخة ثم قال سل وفيه إشارة إلى أنه ينبغي أن تكون الدعوات بعد الطاعات قلت وفي نسخة قال قلت اللهم إني أسألك فعل الخيرات بكسر الفاء وقيل بفتحها أي المأمورات وترك المنكرات أي المنهيات وحب المساكين يحتمل الإضافتين والأنسب بما قبله إضافته إلى المفعول وأن تغفر لي ما فرط مني من السيئات وترحمني بقبول ما صدر عني من العبادات وإذا أردت فتنة أي ضلالة أو عقوبة في قوم أي جمع أو قبيلة فتوفني غير مفتون وهو إشارة إلى طلب العافية واستدامة السلامة إلى حسن الخاتمة وأسألك حبك قال الطيبي يحتمل أن يكون معناه أسألك حبك إياي أو حبي إياك أقول لا شك أن الأول أكمل فعليه المعول قال تعالى يحبهم ويحبونه قال الطيبي وعلى هذا يحمل قوله وحب من يحبك ولا يخفى أن الإضافة هنا إلى المفعول أنسب لأنه إلى التواضع أقرب قال الطيبي وأما قوله وحب عمل يقربني إلى حبك فيدل على أنه طالب لمحبته ليعمل حتى يكون وسيلة إلى محبة الله إياه فينبغي أن يحمل الحديث على أقصى ما يمكن من المحبة في الطرفين ولعل السر في تسميته بحبيب الله لا يخلو من هذا القول ا ه وقوله لا يخلو ظاهر ولا يخلو من احتمال آخر فقال رسول الله إنها أي هذه الرؤيا حق إذ رؤيا الأنبياء وحي فادرسوها أي


فاحفظوا ألفاظها التي ذكرتها لكم في ضمنها أو إن هذه الكلمات حق فادرسوها أي اقرؤها ثم تعلموها أي معانيها الدالة هي عليها قال الطيبي أي لتعلموها فحذف اللام أي لام الأمر رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن أي لذاته صحيح لغيره وقال بعضهم معناه أو صحيح على حذف حرف الترديد أي للتنويع يعني هو عند قوم حسن وعند آخرين صحيح ويؤيده سؤاله البخاري وجوابه الآتي وقال الطيبي أي له إسنادان هو بأحدهما حسن وبالآخر صحيح أو أراد بالحسن معناه اللغوي وهو ما تميل إليه النفس ولا تأباه وسألت محمد بن إسماعيل أي البخاري صاحب الصحيح عن هذا الحديث أي إسناده فقال هذا حديث صحيح


وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال كان رسول الله يقول إذا دخل المسجد أي أراد دخوله عند وصول بابه أعوذ أي أعتصم والتجىء بالله العظيم أي ذاتا وصفة وبوجهه أي ذاته الكريم أي المحسن إلى عباده فضلا عن عباده وسلطانه أي غلبته وقدرته وقهره على ما أراد من خلقه القديم أي الأزلي الأبدي من الشيطان مأخوذ من شطن أي بعد يعني المبعود من رحمة الله الرجيم فعيل بمعنى مفعول أي المطرود من باب الله أو المشتوم بلعنة الله والظاهر أنه خبر معناه الدعاء يعني اللهم احفظني من وسوسته واغوائه وخطواته وخطراته وتسويله وإضلاله فإنه السبب في الضلالة والباعث على الغواية والجهالة وإلا ففي الحقيقة إن الله هو الهادي المضل ولذا قال بعض العارفين لولا أن الله أمرني بالإستعاذة منه لما تعوذت منه فإنه أحقر وأصغر ويحتمل أن يكون التعوذ من صفاته وأخلاقه من الحسد والكبر والعجب والغرور والإباء والإغواء قال أي النبي كذا في نسخة صحيحة فإذا قال ابن حجر الفاء فصيحة أي فقال النبي إذا قال أي قائل ذلك أي القول المذكور وقال الطيبي أي فقال النبي إذا قال المؤمن ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم أي بقيته أو جميعه ويقاس عليه الليل أو يراد باليوم مطلق الوقت فيشمله قال ابن حجر إن أريد حفظه من جنس الشياطين تعين حمله على حفظه من كل شيء مخصوص كأكبر الكبائر أو من إبليس اللعين فقط بقي الحفظ على عمومه وما يقع منه من إغواء جنوده وإنما ذكرت ذلك لأنا نرى ونعلم من يقول ذلك ويقع في كثير من الذنوب فتعين حمل الحديث على ما ذكرته وإن لم أره ا ه وفيه أن الظاهر أن لام الشيطان للعهد والمراد منه قرينه الموكل على اغوائه وأن القائل ببركة ما ذكر من الذكر يحفظ منه في الجملة ذلك الوقت عن بعض المعاصي وتعيينه عند الله تعالى وبه يرتفع أصل الإشكال والله أعلم بالحال رواه أبو داود وعن عطاء بن يسار تابعي مشهور قال قال رسول الله اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد أي لا تجعل


قبري مثل الوثن في تعظيم الناس وعودهم للزيارة بعد بدئهم واستقبالهم نحوه في السجود كما نسمع ونشاهد الآن في بعض المزارات والمشاهد اشتد استئناف كأنه قيل لم تدعو بهذا الدعاء فأجاب بقوله اشتد غضب الله ترحما على أمته
وتعطفا لهم قاله الطيبي وتبعه ابن حجر والأظهر أنه إخبار عما وقع في الأمم السالفة تحذيرا للأمة المرحومة من أن يفعلوا فعلهم فيشتد غضبه عليهم على قوم وهم اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه مالك مرسلا أي بحذف الصحابي وعن معاذ بن جبل قال كان النبي يستحب بصيغة الفاعل الصلاة أي النافلة أو مطلقا في الحيطان أي في جنب الجدران لئلا يمر عليه مار أو لا يشغله شيء قال بعض رواته يعني البساتين لا شك أن الحيطان تجيء بمعنى البساتين أما كونها هنا مرادة فمحل بحث وقد أطال ابن حجر في حكمته بما لا طائل تحته والله أعلم رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن أبي جعفر قد ضعفه يحيى بن سعيد وغيره وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلاة الرجل أي منفردا كذا قيل والأظهر أن يكون أعم في بيته قال الطحاوي وغيره المراد بالصلاة غير النافلة لقوله عليه السلام أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة نقله الأبهري ولا يبعد أن المضاعفة تعم النافلة مع كونها في البيت أفضل والله أعلم بصلاة أي تحسب بصلاة واحدة وليس لها مضاعفة لأجل ذلك المكان وإن كان لها مضاعفة باعتبار آخر من مكان أو زمان أو جماعة ومن حيث أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلمه إلا الله وصلاته أي الفرض جماعة كذا قيل والعموم أظهر في مسجد القبائل أي مسجد الحي بخمس وعشرين صلاة أي بالإضافة إلى صلاته في بيته لا مطلقا لما تقدم وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه أي يصلى فيه الجمعة بخمسمائة صلاة أي بالنسبة إلى مسجد الحي وصلاته في المسجد الأقصى يعني مسجد بيت المقدس لبعد المسافة بينه وبين الكعبة وقيل هو


أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة لأنه بعيد من مكة وبيت المقدس أبعد
منه وقيل لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة يرحل إليه وقيل لبعده عن الأقذار والخبائث والمقدس المطهر عن ذلك بخمسين ألف صلاة أي بالنسبة إلى ما قبله وفي هامش أصل السيد جمال الدين بألف صلاة وعليها نسخة ظاهرة وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة أي بالإضافة إلى ما يليه وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة أي بالنسبة إلى مسجد المدينة على ما يدل عليه سياق الكلام فيحتاج إلى ضرب بعض الأعداد في بعض فإنه ينتج مضاعفة كثيرة كما تقدم وبه يجمع بين الروايات والله أعلم ثم رأيت ابن حجر وافقني كما سيأتي كلامه رواه ابن ماجه ورواته ثقات إلا أن أبا الخطاب الدمشقي لم يحضرني الآن ترجمته ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه كذا قاله المنذري وقال الذهبي أبو الخطاب ليس بمشهور وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني مجهول نقله ميرك وقال ابن حجر قيل إنه حديث منكر لأنه مخالف لما رواه الثقات وقد يقال يمكن الجمع بينه وبين ما رووه بأن روايتهم أن صلاة الجماعة تعدل صلاة المنفرد بخمس أو سبع وعشرين تحمل على أن هذا كان أولا ثم زيد هذا المقدار في المسجد الذي تقام فيه الجمعة وكذا ما جاء أن صلاة في المسجد الأقصى بألف في سائر المساجد وصلاة بمسجده عليه السلام بألف صلاة في المسجد الأقصى كان أولا ثم زيد فيهما فجعل الأول بخمسين ألفا في سائر المساجد والثاني بخمسين ألفا في الأقصى ومسجد مكة بمائة ألف في مسجده عليه السلام وحينئذ فتزداد المضاعفة على ما قدمناه أول الباب في مسجد مكة بأضعاف مضاعفة فتأمله ضاربا مائة ألف في خمسين ألف ألف ثم الحاصل في خمسين ألفا تجد صحة ما ذكرته وإيضاح ما حررته وعن أبي ذر قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أي جعل متعبدا لا أنه مبنى بجدران أول بضم اللام قال أبو البقاء وهي ضمة بناء لقطعه عن الإضافة مثل قبل وبعد والتقدير أول كل شيء


ويجوز الفتح مصروفا وغير مصروف نقله الأبهري وقوله مصروفا أي في غير هذا الموضع لأن الرسم ما يساعده هنا وقوله غير مصروف أي بالنصب على الظرفية وعدم انصرافه لوزن الفعل والوصفية نحو قوله تعالى والركب أسفل منكم قال المسجد الحرام فإنه جدده إبراهيم عليه السلام قلت ثم أي قال المسجد
الأقصى قال الطيبي إن داود وسليمان عليهما السلام رفعا قاعدة المسجد الأقصى بعد ما انهدم وزادا فيه قلت كم بينهما قال أربعون عاما قال الأبهري فيه إشكال لأن إبراهيم بني الكعبة وسليمان بني بيت المقدس يعني وهو بعد إبراهيم بأكثر من ألف عام على ما قاله أهل التواريخ والدليل على أن سليمان هو الذي بنى المسجد الأقصى ما رواه النسائي من حديث عبد الله سأل الله تعالى خلالا ثلاثا والأوجه في الجواب ما ذكره ابن الجوزي أن الإشارة في الحديث إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس فقد روينا أن الأول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بنى إبراهيم الكعبة قال الشيخ قد وجدت ما يشهد له فذكر ابن هشام في كتاب التيجان أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه وبناء آدم للبيت مشهور ا ه قال ابن حجر ورد على هذا المستشكل بأنه جهل التاريخ فإن سليمان مجدد لا مؤسس والذي أسسه هو يعقوب بعد بناء جده إبراهيم الكعبة بهذا المقدار واغتر أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه بفهم هذا الحديث على ظاهره أن بين إبراهيم وداود أربعين سنة ورد على من زعم أن بينهما ألف سنة وليس كما فهم وقال الحافظ الضياء المقدسي وجه الحديث أن هذين المسجدين بنيا قديما ثم خربا ثم بنيا وقيل استفيد من الحديث أن مسجد مكة أول مسجد وضع بالأرض ولا يلزم من ذلك أن يكون أول بناء وضع بها وقد اختلف العلماء في قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة


مباركا وهدى للعالمين آل عمران وسبب نزولها قول اليهود بيت المقدس أفضل من الكعبة وقول المسلمين عكسه فقيل معناه إنه أول بيت وضع مطلقا وعليه فقيل هو أول ما ظهر على وجه الماء حين خلق الله الأرض فخلقه قبلها بألفي عام ودحاها من تحته قال أبو هريرة كانت الكعبة على الماء عليها ملكان يسبحان الليل والنهار قبل الأرض بألفي سنة وقال ابن عباس وضع البيت في الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي سنة ثم دحيت الأرض من تحته وقال مجاهد لقد خلق الله تعالى موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى وقال كعب كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق السماء والأرض بأربعين سنة ومنها دحيت الأرض وقيل إن آدم حين أهبط استوحش فأوحى الله تعالى إليه ابن لي بيتا في الأرض واصنع حوله نحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي فبناه رواه أبو صالح عن ابن عباس وقيل اهبط مع آدم عليه السلام فلما كان الطوفان رفع فصار معمورا في السماء وبنى إبراهيم عليه الصلاة والسلام على أثره قاله قتادة وقيل معناه بناه آدم وحواء لما رواه البيهقي في دلائل النبوة عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا بعث الله تعالى جبريل إلى آدم وحواء وأمرهما ببناء الكعبة فبناه آدم ثم أمره بالطواف به وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت وضع للناس وقيل إنه كان قبله بيوت وأول من بناه شيث بن آدم وكان قبل أن يبنيه ياقوتة حمراء يطوف بها آدم ويأنس بها لأنها من الجنة ثم


دثر من الطوفان إلى أن بناه إبراهيم وقيل كانت قبله بيوت ولكنه أول مسجد وضع بالأرض لما رواه البيهقي في الدلائل أيضا أن عليا كرم الله وجهه سأله رجل عن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا أهو بيت بني في الأرض قال لا كان نوح قبله وكان في البيوت وكان إبراهيم قبله وكان في البيوت ولكنه أول بيت وضع فيه البركة والهدى ومن دخله كان آمنا فتبين على أن الوضع غير البناء وصحح بعض المتأخرين هذا القول ووجهه إنه المتيقن من الآية إذ وضع الله له هو جعله متعبدا فدلالة الآية على الأولية في الفضل والشرف أمر لا بد منه لأن المقصود الأولى من ذكر الأولية بيان الفضيلة ترجيحا له على بيت المقدس ولا تأثير لأوليته في البناء في هذا الفضل ونقل ابن الجوزي أن أول من بنى مسجدا في الإسلام عمار بن ياسر قال ابن حجر ذلك مسجد قباء ثم الأرض لك أيها المخاطب مسجد موضع صلاة فحيثما أدركتك الصلاة فصل وفي نسخة صحيحة فصله بهاء السكت قال الطيبي يعني سألت يا أبا ذر عن أماكن بنيت مساجد واختصت العبادة بها وأيها أقدم زمانا فأخبرتك بوضع المسجدين وتقدمهما على سائر المساجد ثم أخبرك بما أنعم الله علي وعلى أمتي من رفع الجناح وتسوية الأرض في أداء العبادة فيها متفق عليه وفي بعض طرق البخاري فأينما أدركتك الصلاة فصل فإن الفضل فيه وفي رواية عمرو بن شعيب بلفظ وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم ومر في حديث ابن عباس ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه وبه يبطل قول من قال معنى حديث جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وجعلت لغيري مسجدا لا طهورا لأن عيسى عليه السلام كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة ا ه ويمكن أن يقال جعل الله لعيسى مواضع محرابا له أو خص عيسى بالعموم لكونه تابعا لنبينا عليه الصلاة والسلام في آخر عمره


باب الستر
أي ستر العورة وسائر الأعضاء وهو بالفتح مصدر سترته إذا غطيته وبالكسر واحد الستور والأستار وهو متضمن لطهارة الثوب والبدن

الفصل الأول
عن عمرو بن أبي سلمة رضي الله عنهما هو ربيب النبي وأمه أم سلمة وأبوه صحابي قرشي مخزومي قال رأيت رسول الله يصلي في ثوب واحد مشتملا بالنصب في أكثر نسخ البخاري وفي رواية المستملي والحموي بالجر على المجاورة أو الرفع على الحذف كذا قاله الأبهري والمراد بقوله على الحذف أي حذف المبتدأ أي وهو مشتمل به أي بأن لفه ببدنه يعني اتزر ببعضه وألقى طرفيه على عاتقه وفي شرح المصابيح وروي مشتملا بالنصب أي في إزار طويل مشتملا قال الطيبي والإشتمال التوشح والمخالفة بين طرفي الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقدهما على صدره يعني لئلا يكون سدلا في بيت أم سلمة من أمهات المؤمنين واضعا طرفيه تفسير مشتملا على عاتقيه العاتق ما بين المنكب إلى أصل العنق متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي قاله ميرك وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد


قال ابن الأثير وفي رواية الصحيحين لا يصلي بإثبات الياء ووجهه أن لا نافية وهو خبر بمعنى النهي ذكره ميرك ليس على عاتقيه منه شيء الجملة المنفية حال قال النووي قال أكثر العلماء وقال ابن حجر قال العلماء حكمته أنه إذا اتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يأمن من أن تنكشف عورته بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو بيديه فيشتغل بذلك ولا يتمكن من وضع اليد اليمنى على اليسرى فتفوت السنة والزينة المطلوبة في الصلاة قال تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد الأعراف قلت في كل مما ذكر نظر ظاهر فتأمل وإنما اضطرهم إلى ما ذكروا جعل ضمير منه إلى ذلك الثوب والأظهر أنه يعود إلى مطلق الثوب فيفيد سنية وضع الرداء ونحوه من طرف الإزار وغيره على الكتف وكراهة تركه عند القدرة عليه ولذا زاد عليه السلام في رواية على إرادة المبالغة فإن لم يجد ثوبا يطرحه على عاتقه طرح حبلا حتى لا يخلو من شيء وفي رواية ارتدوا ولو بحبل ويؤيده ما جاء مفصلا ما رواه الشيخان عن جابر أنه عليه السلام قال له إذا صليت وعليك ثوب واحد فإن كان واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا فاتزر به ولفظ مسلم فإن كان واسعا فخالف بين طرفيه وإن كان ضيقا فاشدده على حقويك فتحصل منه أن الحكمة في ذلك أن لا يخلو العاتق من شيء لأنه أقرب إلى الأدب وأنسب إلى الحياء من الرب وأكمل في أخذ الزينة عند المطلب والله أعلم ثم قال النووي قال مالك وأبو حنيفة والشافعي والجمهور هذا النهي للتنزيه لا للتحريم فلو صلى في ثوب واحد ساتر عورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة وأما أحمد وبعض السلف فذهبوا إلى أنه لا تصح صلاته عملا بظاهر الحديث متفق عليه قال ميرك وفيه نظر من وجوه الأول إن قوله لا يصلين ليس فيهما بل فيهما لا يصلي والثاني أن قوله على عاتقيه ليس في البخاري وإنما فيه على عاتقه والثالث أن قوله منه ليس في البخاري وإنما هو من أفراد مسلم كما صرح


به الشيخ ابن حجر قال وفي غرائب مالك للدارقطني من طريق الشافعي بلفظ لا يصل بغير ياء ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء بلفظ لا يصلين ا ه أي بزيادة التأكيد قاله الأبهري وعنه أي عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول من صلى في ثوب أي واحد كما في نسخة صحيحة فليخالف يعني إذا كان واسعا فليخالف بين طرفيه أي
فليأتزر بأحد طرفيه وليجعل الآخر على عاتقه وقيل يضع طرفه اليمنى على اليسرى وبالعكس وقيل فليجعل كالمضطبع وأما إذا كان ضيقا فيشده على حقوبه رواه البخاري وعن عائشة قالت صلى رسول الله في خميصة في النهاية الخميصة ثوب من صوف أوخز معلمة سوداء وقيل لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة وكانت من لباس الناس قديما قال التوربشتي فعلى هذا قول عائشة لها أي للخميصة أعلام على وجه البيان والتأكيد ولا يبعد أن يكون من طريق التجريد فنظر إلى أعلامها نظرة أي نظر عبرة فلما انصرف أي عن الصلاة قال اذهبوا بخميصتي هذه وفي رواية فلما فرغ من صلاته قال ألهتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم قرشي عدوي كان أهداها إلى النبي وائتوني بانبجانية أبي جهم وإنما طلب أنبجانيته بدلها لئلا يتأذى برد هديته وهي بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتفتح وتشديد التحتية على ما في النسخ المصححة وقال ابن حجر بكسر الهمزة وفتحها وفيه أنه مخالف للمحفوظ من الرواية والدراية ففي المغني هي بفتح الهمزة كساء لا علم له وفي القاموس منبج كمجلس موضع وكساء منبجاني وانبجاني بفتح بائهما نسبة على غير قياس وفي النهاية المحفوظ في انبجانية كسر الباء ويروى بفتحها وهو منسوب إلى منبح بلدة معروفة بالشام وهي مكسورة الباء ففتحت في النسب وأبدلت الميم همزة وقيل منسوب إلى موضع يقال له انبجان وهو الأشبه لأن الأول فيه تعسف وهو كساء يتخذ من الصوف له حمل ولا علم له وهو من أدون الثياب الغليظة والهمزة فيها زائدة وقال الخطابي إنها منسوبة إلى آذربيجان وقد حذف بعض حروفها


وعرب قال القاضي وإنما أرسل إليه لأنه كان أهداها إياه فلما الهاه علمها أي شغله عن الصلاة بوقوع نظره إلى نقوش العلم وألوانه أي تفكر في أن مثل هذا للرعونة التي لا تليق به ردها إليه قال الأشرف فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرا ما في النفوس الطاهرة قيل وفيه إشارة إلى كراهة الأعلام التي يتعاطاها الناس على اردائهم وقد
نص عليها فإنها أي الخميصة ألهتني أي شغلتني آنفا بالمد ويقصر وقرىء بهما في السبعة قوله تعالى ماذا قال آنفا محمد أي في هذه الساعة عن صلاتي أي عن كمال حضورها متفق عليه قال ميرك فيه نظر لأنه ليس هذا الحديث في مسلم بهذا اللفظ وإنما هو لفظ البخاري ولفظ مسلم عن عائشة قالت قام رسول الله يصلي في خميصة ذات أعلام فنظر إلى أعلامها فلما قضى صلاته قال اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة وائتوني بانبجانيته فإنها ألهتني آنفا في صلاتي فانظر في اختلاف الألفاظ وفي رواية البخاري قال كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة فأخاف أن يفتتني أي يمنعني من الصلاة ويشغلني عن حضورها وقال ابن حجر أي يلهيني عن الصلاة لهوا أتم مما وقع منها وإلا فلا تنافي بين جزمه بوقوع الإلهاء بها ثم وخشية وقوعه بها هنا فتأمله وكأن ذلك هو حكمة التغاير بين الأسلوبين حيث عبر أولا بالإلهاء وثانيا بالفتنة ا ه وهو معنى حسن ويحتمل أن يكون المعنى فأخاف أن يوقعني في العذاب أو في فتنة تؤدي إليه قال تعالى ذوقوا فتنتكم الذاريات والأظهر أن يقال معنى ألهتني أرادت أن تلهيني فلا ينافي قوله فأخاف أن يفتنني بمعنى يلهيني بل يكون الثاني تفسيرا للأول ولذا قيل إنه عليه السلام لم يتأثر بها وإنما فعل ذلك تشريعا لأمته وخوفا عليهم من الإلهاء بالنظر إلى المخططات في صلاتهم لكن من زعم من الأمة أن قلبه لا يتأثر بذلك فقد جهل طريق السلوك لأنه لا يقاس الحدادون بالملوك وأماجزم ابن حجر بأن قلبه عليه السلام تأثر بذلك فغير صحيح وقول الأشرف


تأثيرا ما إشارة إلى أنه أدرك أنه يؤثر ثم قال ابن حجر قال بعض أئمتنا يسن لمن صلى في ذلك أو إليه أو عليه أن يغمض بصره حتى لا يختل خشوعه وحضوره قلت سبق منه أنه يكره أن يصلي فيه أو إليه أو عليه وتغميض العين في الصلاة من المكروهات فكيف يسن مكروه لدفع مكروه مع أن المكروه لا يندفع به والله أعلم وعن أنس قال كان قرام وهو بالكسر ستر رقيق فيه نقوش ورقم كذا قاله بعضهم وقال الطيبي القرام هو الستر الرقيق وقيل الصفيق من صوف ذي ألوان وقيل مطلق الستر القرام الستر الرقيق وراء الستر الغليظ ولذا أضافه في حديث آخر وقيل القرام ستر لعائشة سترت به جانب بيتها وهو يحتمل جانب الباب وجانب الجدار فقال أي لها


كما في نسخة النبي أميطي أي أزيلي عنا قرامك هذا فإنه الضمير للشأن أو القرام وفي نسخة فإنها فالضمير للقصة لا يزال تصاويره جمع تصوير بمعنى الصورة أي تماثيله أو نقوشه تعرض أي لي كما في نسخة يعني تظهر في صلاتي وتشغلني عنها رواه البخاري أي منفردا به قاله ميرك وعن عقبة بن عامر من قبيلة جهينة كان واليا على مصر لمعاوية قال أهدي على بناء المفعول لرسول الله فروج حرير بفتح الفاء وتشديد الراء هو القباء الذي شق من خلفه فلبسه قيل إنه كان قبل البعثة وقيل إنه كان بعد البعثة قبل التحريم ويجوز أن يحمل على أول التحريم لأنه جاء في رواية أخرى إنه عليه السلام صلى في قباء ديباج ثم نزعه وقال نهاني عنه جبريل فمعنى قوله ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له لما فيه من الرعونة أو لما جاءه الوحي بالنهي قال الطيبي قيل الأظهر أن هذا كان قبل التحريم فنزعه نزع الكاره لما فيه من الرعونة كما بدا له في الخميصة وقيل كان بعده وإنما لبسه استمالة لقلب من أهداه إليه وهو صاحب الاسكندرية أو صاحب دومة أو غيرها على اختلاف فيه ا ه كلامه وتبعه ابن حجر لكن لبسه مع كونه محرما للإستمالة غير صحيح سيما صلاته به مع أنه ينافيه نزعة نزع الكاره ثم قال لا ينبغي أي لا يليق هذا للمتقين أي للمؤمنين الكاملين قيل فيه دليل على أن ذلك كان قبل التحريم لأن المتقي وغيره سواء في التحريم ويمكن دفعه بأن المراد به المتقين عن الشرك ولا ينبغي بمعنى لا يجوز متفق عليه ورواه النسائي قاله ميرك
الفصل الثاني
عن سلمة بن الأكوع هو أسلمي مدني وكان من المبايعين تحت الشجرة مرتين


وكان من أشجع الناس راجلا قال قلت يا رسول الله إني رجل أصيد كأبيع أي اصطاد وفي نسخة كأكرم في النهاية روى أصيد أي له علة في رقبته لا يمكن التفات معها والمشهور أصيد من الإصطياد والثاني أنسب لأن الصياد يطلب الخفة وربما يمنعه الإزار من العدو خلف الصيد ذكره الطيبي وأغرب ابن حجر حيث ذكر المعنيين وما فرق بين اللفظين أفأصلي في القميص الواحد قال نعم أي صل فيه وأزرره بضم الراء أي أشدده ولو بشوكة قال الطيبي هذا إذا كان جيب القميص واسعا يظهر منه عورته فعليه أن يزره لئلا يكشف العورة قال في شرح شرعة الإسلام ومن آداب الصلاة زر القميص بناء على أن الصحيح أن ستر عورته عن نفسه ليس بشرط حتى لو كان محلول الجيب فنظر إلى عورته لا يعيد صلاته كذا في التبيين وفي شرح المنية أفتى بعض المشايخ بأنه إذا رأى عورته تفسد صلاته وهو ظاهر الحديث رواه أبو داود أي بهذا اللفظ وروى النسائي نحوه أي بمعناه وسنده حسن بل صححه الحاكم وعن أبي هريرة قال بينما رجل يصلي مسبل إزاره صفة بعد صفة لرجل أي مرسله أسفل من الكعب تبخترا وخيلاء قال ابن الأعرابي المسبل الذي يطول ثوبه ويرسله إلى الأرض يفعل ذلك تبخترا واختيالا ا ه وإطالة الذيل مكروهة عند أبي حنيفة والشافعي في الصلاة وغيرها ومالك يجوزها في الصلاة دون المشي لظهور الخيلاء فيه قال له رسول الله أي بعد صلاته لكون صلاته صحيحة فأراد أن يبين له أنها غير مقبولة فقال اذهب فتوضأ قيل لعل السر في أمره بالتوضؤ وهو طاهر أن يتفكر الرجل في سبب ذلك الأمر فيقف على ما ارتكبه من المكروه وأن الله ببركة أمر رسوله عليه السلام إياه بطهارة الظاهر يطهر باطنه من دنس الكبر لأن طهارة الظاهر مؤثرة في طهارة الباطن ذكره الطيبي فذهب وتوضأ ثم جاء فكأنه جاء غير مسبل إزاره فقال رجل يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ أي والحال أنه طاهر قال إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل أي قبولا كاملا صلاة رجل


مسبل إزاره ظاهر جوابه عليه السلام أنه إنما أعاده بالوضوء والله أعلم إنه لما كان يصلي وما تعلق القبول الكامل بصلاته والطهارة من شرائط الصلاة وأجزائها الخارجة
فسرى عدم القبول إلى الطهارة أيضا فأمره بإعادة الطهارة حثا على الأكمل والأفضل فقوله يصلي أي يريد الصلاة فالأمر بالوضوء قبل الصلاة وأما ما ذكره ابن حجر من أن ظاهر الحديث أنه أمر المسبل بقطع صلاته ثم بالوضوء فهو غير صحيح لقوله تعالى لا تبطلوا أعمالكم رواه أبو داود قال ميرك وفي إسناده أبو جعفر وهو رجل من أهل المدينة لا يعرف اسمه قاله المنذري وفي التقريب أبو جعفر المؤذن الأنصاري المدني مقبول من الثالثة نقله ميرك وأخرج الطبراني أنه عليه السلام أبصر رجلا يصلي وقد أسدل ثوبه فدنا منه عليه السلام فعطف عليه ثوبه وعن عائشة قالت قال رسول الله لا تقبل بالتأنيث أصح والمعنى لا تصح إذ الأصل في نفي القبول نفي الصحة إلا لدليل وقد قال تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد الأعراف قال ابن عباس يعني الثياب وقال تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا الأعراف قال ابن عباس وغيره هي طوافهم عراة والإجماع على وجوب ستر العورة في الصلاة وتفصيله في الفروع وسيأتي بعض مسائله صلاة حائض أي بالغة إلا بخمار أي ما يتخمر به من ستر رأس وهذا في الحرة قاله الطيبي وقال ابن الملك أراد بها الحرة التي بلغت سن الحيض وقيل الأصوب أن يراد بالحائض من شأنها الحيض ليتناول الصغيرة أيضا فإن ستر رأسها شرط لصحة صلاتها أيضا وفيه دليل على أن رأس الحرة عورة بخلاف الأمة رواه أبو داود والترمذي وقال حسن ورواه ابن ماجه والحاكم في مستدركه وقال صحيح نقله ميرك عن التصحيح وعن أم سلمة أنها سألت رسول الله أتصلي المرأة في درع أي قميص وخمار ليس عليها أي ليس تحت قميصها أو فوقه إزار أي ولا سراويل قال أي نعم إذا كان الدرع سابغا أي كاملا واسعا يغطي ظهور قدميها قال الأشرف فيه دليل على أن


ظهر قدمها عورة يجب ستره وفي شرح السنة قال الشافعي لو انكشف شيء مما سوى الوجه واليدين فعليها الإعادة نقله الطيبي ولا يخفى أن المراد باليدين الكفان وفي مختلفات قاضيخان ظاهر الكف وباطنه ليسا عورتين إلى الرسغين وفي ظاهر الرواية ظاهره عورة قال ابن الهمام والذراع عورة وعن أبي يوسف ليس بعورة وفي شرح المنية أن في القدمين اختلاف المشايخ والأصح أنهما ليستا بعورة كذا ذكره في المحيط وهو مختار صاحب الهداية والكافي ولا فرق بين ظهر الكف وبطنه خلافا لما قيل أن بطنه ليس بعورة وظهره عورة قلت ظاهر الحديث يؤيد ما قيل وقال في الخانية الصحيح أن انكشاف ربع القدم يمنع جواز الصلاة كسائر الأعضاء التي هي عورة رواه أبو داود أي مرفوعا قال ورواه جماعة موقوفا على أم سلمة ذكره ميرك وذكر أي أبو داود جماعة أي من الرواة وقفوه أي الحديث على أم سلمة قال الطيبي أي ذكر أبو داود أو أحد الرواة جماعة من المحدثين وقفوا هذا الحديث وقصروه على أم سلمة ا ه قلت الحديث المذكور بلفظه لا يمكن أن يكون موقوفا ولعل الموقوف معنى هذا الحديث وقيل معناه رواه أبو داود وذكر هو أن جماعة وقفوه على أم سلمة وحينئذ لا يضر وقفهم له عليها لأن من رفعه معه زيادة علم فيقدم وأيضا هذا الموقوف ليس من قبيل الرأي فهو في حكم المرفوع قال ابن حجر وعورة الرجل ما بين السرة والركبة ودليله قوله عليه السلام عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته والتقييد بالمؤمن للغالب وسنده حسن وإن كان فيه رجل مختلف فيه إلا أن له شواهد تجبره وهي أحاديث أربعة بمعناه وقيل العورة السوأتان فقط لما في مسلم أنه عليه السلام كان مكشوف الفخذ فدخل أبو بكر وعمر فلم يستره ثم دخل عثمان فستره وردوه بأن المكشوف حصل الشك فيه في مسلم هل هو الساق أو الفخذ فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ وعلى التنزل فهي واقعة حال احتملت أن المكشوف من ناحيته لا من ناحيتهما قلت ويمكن أن يقال حصل الكشف له حالة


الإستغراق والستر بعد ما أفاق وأما في خبر الصحيحين أنه عليه السلام أجرى فرسه في زقاق خيبر ثم حسر الإزار عن فخذه الشريف حتى رآه أنس فمحمول على أنه انحسر بنفسه لأجل الإجراء لروايتهما أيضا فانحسر الإزار وقد روى الترمذي من ثلاث طرق قال في كل منها أنه حسن أنه عليه السلام قال لجرهد بجيم وهاء مفتوحتين غط فخذك لأن الفخذ من العورة ويجب على كل مكلف ستر عورته وإن كان خاليا لخبر مسلم لا تمشوا عراة ولخبر أحمد والأربعة بسند حسن احفظ عورتك إلا من


زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا قال الله أحق أن يستحى منه من الناس ثم العاري والمستتر وإن استويا في نظر الله إليهما إلا أنه يرى الثاني متأدبا والأول تاركا للأدب ا ه وقوله يجب لا يصح على إطلاقه أو يقال الضرورات تبيح المحظورات لما جاء أن التسمية تستر العورة عن أعين الجن والأظهر استحباب التستر حالة الخلاء لا الوجوب والله أعلم وعن أبي هريرة أن رسول الله نهى عن السدل في الصلاة قبل هو إرسال اليد وقيل إرسال الثوب يصيب الأرض من الخيلاء وفي الفائق السدل إرسال الثوب من غير أن يضم جانبيه وفي النهاية هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك وكانت اليهود تفعله في صلاتهم فنهى عن التشبه بهم قال القاضي السدل منهي عنه مطلقا لأنه من الخيلاء وهو في الصلاة أشنع وأقبح وفي شرح المنية السدل أن يضع الثوب على كتفه ويرسل أطرافه على عضديه أو صدره وقيل أن يجعله على رأسه أو كتفه ويرسل أطرافه من جوانبه وفي فتاوى قاضيخان هو أن يجعل الثوب على رأسه أو على عاتقه ويرسل جانبيه أمامه على صدره والكل سدل فإن السدل في اللغة الإرخاء والإرسال وفي الشرع الإرسال بدون المعتاد وكراهته لنهي النبي عنه ا ه وحكمته والله أعلم اشتغال القلب بمحافظته والإحتياج بمعالجته ولهذا لو كان أحد طرفيه مغروزا أو مربوطا بطرف آخر بحيث لا يخاف عليه من الوقوع لا يكون مكروها وأن يغطي الرجل فاه أي فمه في الصلاة كانت العرب يتلثمون بالعمائم ويجعلون أطرافها تحت أعناقهم فيغطون أفواههم كيلا يصيبهم الهواء المختلط من حر أو برد فنهوا عنه لأنه يمنع حسن إتمام القراءة وكمال السجود وفي شرح السنة إن عرض له التثاؤب جاز أن يغطي فمه بثوب أو يده لحديث ورد فيه ذكره الطيبي والفرق ظاهر لأن المراد من النهي استمراره بلا ضرورة ومن الجواز عروضه ساعة لعارض قال في شرح المنية يكره للمصلي أن يغطي فاه أو أنفه ذكره قاضيخان إلا


عند التثاؤب والأدب عند التثاؤب أن يكظمه أي يمسكه ويمنعه من الإنفتاح إن قدر على ذلك لقوله عليه السلام إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع وفي رواية فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل فيه رواه مسلم وإن لم يقدر فلا بأس أن يضع يده أو كمه على فيه كذا روي عنه عليه الصلاة والسلام قيل الأولى أن تكون يده اليسرى لأنها لدفع الأذى قلت ولعل هذا في غير حالة القيام عند وضع اليدين فيضع ظهر يده اليمنى على فمه رواه أبو داود والترمذي وفيه نظر لأنه ليس في الترمذي وإن يغطي الرجل فاه كما


يعلم من كلام صاحب التخريج قال وقال الترمذي لا يعرف من حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعا إلا من حديث عسل وهو ابن سفيان التيمي اليربوعي كنيته أبو قرة ضعيف الحديث وقد رواه أبو داود من حديث سليمان الأعمش عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعا أيضا نقله ميرك عن التصحيح وقال ابن حجر رواه أبو داود بتمامه والترمذي شطره الأول وغيرهما وجزؤه الأخير صحيح كما مر وأما جزؤه الأول أعني النهي عن السدل فضعفه كثيرون قال النووي والمعتمد عليه في الإستدلال عموم النهي في الأحاديث الصحيحة عن إسبال الإزار ومن ثم قال أئمتنا يكره إطالة الثوب عن الكعبين وإن لم يصب الأرض ما لم يقصد خيلاء وإلا حرم وعن شداد بن أوس هو ابن أخي حسان بن ثابت وكان ذا علم وحلم نزل بيت المقدس ومات بالشام قال قال رسول الله خالفوا اليهود أي بالصلاة في نحو النعول فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم قال ابن الملك يعني يجوز الصلاة فيهما إذا كانا طاهرين ورواه أبو داود عن يعلى بن شداد عن أبيه يرفعه ولم يضعفه أبو داود ولا المنذري نقله ميرك عن التخريج وقال ورواه الحاكم أيضا وقال ابن حجر وصححه ابن حبان وقضيته ندب الصلاة في النعال والخفاف لكن قال الخطابي ونقل عن الإمام الشافعي أن الأدب خلع نعليه في الصلاة وينبغي الجمع بحمل ما في الخبر على ما إذا تيقن طهارتهما ويتمكن معهما من تمام السجود بأن يسجد على جميع أصابع رجليه وما في الإمام على خلاف ذلك ا ه وهو خطأ ظاهر لأنه يلزم منه أنه إذا لم يتيقن الطهارة ولم يمكن معه إتمام السجود أن يكون خلع النعل أدبا مع أنه حينئذ واجب فالأولى أن يحمل قول الشافعي على أن الأدب الذي استقر عليه آخر أمره عليه السلام خلع نعليه أو الأدب في زماننا عند عدم اليهود والنصارى أو عدم اعتيادهما الخلع ثم سنح لي أن معنى الحديث خالفوا اليهود في تجويز الصلاة مع النعال والخفاف فإنهم لا يصلون أي لا يجوزن الصلاة فيهما ولا يلزم منه الفعل وإنما


فعله عليه السلام كما في الحديث الآتي تأكيدا للمخالفة وتأييدا للجواز خصوصا على مذهب من يقول أن الدليل الفعلي أقوى من الدليل القولي وعن أبي سعيد الخدري قال بينما رسول الله يصلي بأصحابه إذ خلع أي
نزع نعليه أي من رجليه فوضعهما عن يساره صحت روايته بلفظ عن وفيه معنى التجاوز أي وضعهما بعيدا متجاوزا عن يساره وكذلك ألقى الأصحاب نعالهم تأسيا به عليه السلام قاله الطيبي وقال ابن الملك فيه تعليم للأمة بوضع النعال على اليسار دون اليمين قلت فيه دليل على جواز عمل قليل فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم هذا يدل على كمال متابعتهم فلما قضى رسول الله صلاته قال ما حملكم على القائكم نعالكم بالنصب قالوا رأيناك ألقيت نعليك فالقينا نعالنا قال القاضي فيه دليل على وجوب متابعته عليه السلام لأنه سألهم عن الحامل فأجابوه بالمتابعة وقررهم على ذلك وذكر المخصص فقال رسول الله إن جبريل أتاني أي لشدة اعتنائه تعالى به وبعبادته عليه السلام فاخبرني أن فيهما قذرا بفتحتين وفي رواية خبثا وفي أخرى قذرا أو أذى أو دم حلمة وهي بالتحريك القراد الكبير قال القاضي فيه دليل على أن المستصحب للنجاسة إذا جهل صحت صلاته وهو قول قديم للشافعي فإنه خلع النعل ولم يستأنف قال ومن يرى فساد الصلاة حمل القذر على ما تقذر عرفا كالمخاط قال ابن الملك فإخباره إياه بذلك كيلا تتلوث ثيابه بشيء مستقذر عند السجود قلت ويمكن حمله على المقدار المعفو من النجاسة وإخباره إياه ليؤديه على الوجه الأكمل ولعل وجه تأخير الإخبار إعلام بأنه عليه السلام لا يعلم من الغيب إلا بما يعلم أو ليعلم الأمة هذا الحكم من السنة والله أعلم ثم رأيت ابن حجر قال وأجاب أئمتنا عن خبر الباب بأن القذر المستقذر ولو طاهرا وبأن الدم قد يكون يسيرا وبأن رواية خبثا مفسرة برواية الدم إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر أي في نعله فإن رأى في نعليه أو أحدهما قذرا فليمسحه قال ابن الملك صيانة للمسجد عن


الأشياء القذرة وليصل فيهما قال القاضي فيه دليل على أن من تنجس نعله إذا دلك على الأرض طهر وجاز الصلاة فيه وهو أيضا قول قديم للشافعي ومن يرى خلافه أول بما ذكرنا نقله الطيبي وحاصل مذهبنا أنه إذا أصاب الخف أو نحوه من النعل نجاسة إن كان لها جرم خفيف ومسحه بالتراب أو بالرمل مسحه على سبيل المبالغة يطهر وكذلك بالحك وإن لم يكن لها جرم كالبول والخمر فلا بد من الغسل بالإتفاق رطبا كان أو يابسا رواه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري قاله ميرك والدارمي قال ابن حجر سنده حسن ولا دليل فيه على أن النجاسة يكفي مسحها منهما أو من غيرهما لأنه مختلف في رجاله وعلى تسليم صحته فهو كما دل عليه السياق في طين الشارع وهو معفو عنه ومسحه إنما هو لإذهاب قبح صورته وتقدير المسجد لا لكونه يطهره
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا صلى أحدكم أي أراد أن يصلي فلا يضع نعليه بالجزم جواب إذا عن يمينه ولا عن يساره أي من غير ضرورة لما تقدم في الحديث السابق فتكون بالتأنيث على الصحيح أي فتقع النعل عن يمين غيره قال الطيبي هو بالنصب جوابا للنهي أي وضعه عن يساره مع وجود غيره سبب لأن تكون عن يمين صاحبه يعني وفيه نوع إهانة له وعلى المؤمن أن يحب لصاحبه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه إلا أن لا يكون عن يساره وفي نسخة صحيحة على يساره أحد أي فيضعهما عن يساره وليضعهما بين رجليه أي قدامه إذا كان على يساره أحد وفي رواية أي زيادة لا بدلا قال ابن حجر وفي رواية أي إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدا ليجعلهما بين رجليه ا ه وإنما لم يقل أو خلفه لئلا يقع قدام غيره أو لئلا يذهب خشوعه لإحتمال أن يسرق أو ليصل فيهما أي إن كانا طاهرين رواه أبو داود وفي إسناده عبد الرحمن بن قيس قال المنذري ويشبه أن يكون هو الزعفراني البصري كنيته أبو معاوية ولا يحتج به نقله ميرك عن التخريج وروى ابن ماجه معناه
الفصل الثالث


عن أبي سعيد الخدري قال دخلت على النبي وفي نسخة على رسول الله فرأيته يصلي على حصير في الفائق فيه دليل على جواز الصلاة على شيء يحول بينه وبين الأرض سواء نبت من الأرض أم لا قلت لا دلالة فيه على العموم وقال القاضي عياض الصلاة على الأرض أفضل إلا لحاجة كحر أو برد أو نجاسة وفي شرح المنية الصلاة على الأرض وما أنبتته الأرض كالحصير أفضل لأنه أقرب إلى التواضع وفيه خروج عن خلاف
الإمام مالك فإن عنده يكره السجود على ما ليس من جنس الأرض يسجد عليه بدل بعض من كل من يصلي قال ورأيته يصلي في ثوب واحد متوشحا به أي واضعا طرفيه على عاتقيه رواه مسلم وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رأيت رسول الله يصلي حافيا أي تارة ومنتعلا أي أخرى من الإنتعال وفي نسخة صحيحة متنعلا من التنعل رواه أبو داود وعن محمد بن المنكدر من أكابر التابعين وكان مستجاب الدعوة قال صلى أي بنا كما في نسخة جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه وثيابه الواو للحال موضوعة على المشجب بكسر الميم وفتح الجيم عيدان يضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها ويوضع عليها الثياب لتنجر كذا في النهاية فقال له قائل تصلي في إزار واحد همزة الإنكار محذوفة أنكره إنكارا بليغا كأنه قيل قد صحبت النبي وما شعرت بسنته فتصلي في ثوب واحد وثيابك موضوعة على المشجب فلذلك زجره وسماه أحمق فقال إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك فيعلم أنه جائز وقال الأبهري المراد بالأحمق الجاهل والحمق وضع الشيء في غير موضعه مع العلم قاله في النهاية وأينا أي كيف تنكر ذلك رؤينا كان له ثوبان على عهد رسول الله وفي نسخة النبي في الفائق أجمعوا على أن الصلاة في الثوبين أفضل فلو أوجبناه لعجز من لا يقدر عليهما وفي ذلك حرج وأما صلاة النبي وأصحابه في ثوب واحد ففي وقت كان لعدم ثوب آخر وفي وقت كان مع وجوده لبيان الجواز نقله الطيبي قلت وفي وقت للمسامحة في صلاة النفل رواه البخاري قال ميرك وأخرج البخاري أيضا


من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن سائلا سأل رسول الله عن الصلاة في ثوب واحد فقال رسول الله أو لكلكم ثوبان قال الخطابي لفظه استخبار ومعناه إخبار عما هم عليه من قلة الثياب وحاصل معناه أنكم علمتم اتحاد أثوابنا ووجوب التستر فلم لم تعلموا جواز الصلاة فيه وعن أبي بن كعب قال الصلاة في الثوب الواحد سنة أي جائز بالسنة وإن كانت في الثوبين أفضل كما يأتي عن ابن مسعود فلا تنافي بينهما كنا نفعله أي ما ذكر من الصلاة في الثوب الواحد مع رسول الله أي مع فعله أو حال كوننا معه ويؤيد الثاني قوله ولا يعاب علينا أي وما نهانا فيكون تقريرا نبويا فثبت جوازه بالسنة إذ عدم الإنكار دليل الجواز لا دليل الندب فقال ابن مسعود إنما كان ذاك أي المذكور من الصلاة في الثوب الواحد من غير كراهة إذا كان وفي نسخة إذ كان في الثياب قلة أي في وقت كون الثياب قليلة فأما إذا وفي نسخة إذ وسع الله بتكثير الثياب شرطية جزاؤها فالصلاة في الثوبين أي الإزار والرداء أزكى أي أولى لأنه أقرب إلى الأدب في حضور المولى وقال الطيبي أي أطهر أو أفضل لأن الزكاة النمو الحاصل عن بركة الله تعالى أو طهارة النفس عن الخصال الذميمة وكلا المعنيين محتمل في الحديث أما الفضل فظاهر وأما التزكية فإن المصلي لا يأمن إذا صلى في ثوب واحد من كشف عورته بهبوب ريح أو حل العقد أو غيرهما بخلاف الثوبين ا ه وتبعه ابن حجر قلت وفي تعليله نظر إذ لا يختلف ما ذكر في الإزار أن يكون معه رداء أم لا فالأولى أن يقال أزكى بمعنى أنمى أي أكثر ثوابا أو بمعنى أظهر لأنه أبعد من الخصلة الذميمة التي هي أداء الصلاة على وجه الكراهة وفي خبر البيهقي إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق أن يتزين له فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى وروي أنه عليه السلام قال صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة كذا نقله ابن حجر عن ابن الرفعة لكن قال ابن الربيع صلاة بخاتم تعدل سبعين بغير


خاتم موضوع كما قاله شيخنا عن شيخه وكذا ما أورده الديلمي من حديث ابن عمر مرفوعا صلاة بعمامة تعدل بخمس وعشرين صلاة وجمعة بعمامة تعدل سبعين جمعة ومن حديث إنس مرفوعا الصلاة في العمامة بعشرة ا ه قال المنوفي فذلك كله باطل نقله الخطابي والله أعلم بالصواب رواه أحمد


باب السترة
هي بالضم ما يستتر به كائنا ما كان وقد غلب على ما ينصبه المصلي قدامه من عصا أو سجادة أو سوط أو غير ذلك من آدمي أو شجرة أو دابة مما يظهر به موضع سجود المصلي كيلا يمر مار بينه وبين موضع سجوده ويكفي قدر ذراع في غلظ أصبع قال النووي قال العلماء الحكمة في السترة كف البصر عما وراءها ومنع من يجتاز بقربه واختلف فيه قال أصحابنا ينبغي أن يدنو من السترة ولا يزيد على ثلاثة أذرع فإن لم يجد عصا ونحوها جمع حجارة أو ترابا وإلا فليبسط مصلى وإلا فليخط خطا وسترة الإمام سترة المأموم إلا أن يجد الداخل فرجة في الصف الأول فله أن يمر بين يدي الصف الثاني لتقصير أهل الصف الثاني ذكره الطيبي وفي شرح المنية يجوز ترك السترة في موضع يأمن المرور فيه
الفصل الأول
عن ابن عمر قال كان النبي يغدو إلى المصلى أي مصلى العيد والعنزة وهي بفتحتين أطول من العصا وأقصر من الرمح وفيها سنان كسنان الرمح وقيل رمح قصير وقيل هي مثل نصف الرمح بين يديه تحمل وتنصب أي تغرز بالمصلى بين يديه أي قدامه أي قبالة أحد حاجبيه لا بين عينيه فيصلي إليها قال ابن الملك وهذا يدل على أن المصلي ينبغي أن يبين موضع صلاته بسجادة أو يقف قريبا من اسطوانة المسجد أو يغرز عصا أو يخط خطا مثل شكل المحراب ا ه وقيل من جهة يمينه إلى الشمال وقيل


الخط لا يجزئه عن السترة رواه البخاري وروى الحاكم وصححه على شرط مسلم أنه عليه السلام قال يجزىء من السترة مثل مؤخرة الرحل وقال استتروا في صلاتكم ولو بسهم وعن أبي حجيفة هو وهب بن عبد الله السوائي بضم السين والمد قال رأيت رسول الله بمكة وهو بالأبطح بفتح الهمزة محل أعلى من المعلى إلى جهة منى وهو في اللغة مسيل واسع فيه دقاق الحصا والبطيحة والبطحاء مثله صار علما للمسيل الذي ينتهي إليه السيل من وادي منى وهو الموضع الذي يسمى محصبا أيضا في قبة حمراء من أدم بفتحتين جمع أديم أي جلد ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله بفتح الواو بقية الماء الذي توضأ به رسول الله أو ما فضل من أعضائه في الوضوء ورأيت الناس يبتدرون أي يتسابقون ذلك الوضوء أي إلى أخذ ماء وضوئه فمن أصاب أي أخذ منه أي من بلال شيئا من الماء أو صادف ووجد من ذلك الماء شيئا قليلا وقدرا يسيرا تمسح به أي مسح به وجهه وأعضاءه لينال بركته عليه السلام ومن لم يصب منه أي من بلل يد بلال أخذ من بلل يد صاحبه قيل هذا يدل على أن الماء المستعمل طاهر هذا من خصائصه ولذا حجمه أبو طيبة فشرب دمه نقله ابن الملك قلت يحتمل الحديث أن يكون المراد من الماء الماء المستعمل أو فضلة ماء الوضوء فمع الإحتمال لا يصلح للإستدلال مع أن الصحيح في المذهب طهارة الماء المستعمل وقال الإمام مالك بطهوريته وأغرب ابن حجر حيث فسر الوضوء ببقية الماء ثم قال وفي هذا أظهر دليل على طهارة الماء المستعمل ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها أي غرزها وخرج رسول الله في حلة هي بضم الحاء إزار ورداء ولا يسمى حلة حتى يكون ثوبين في النهاية جاء في الحديث أنه رأى رجلا عليه حلة قد اتزر بأحدهما وارتدى بالآخرة نقله الطيبي حمراء أي فيها خطوط حمر ولعلها كانت من البرود اليمانية قال المظهر قد نهى رسول الله عن لبس المعصفر وكره لهم الحمرة في اللباس وكان ذلك منصرفا إلى ما صبغ بعد النسج ذكره الطيبي قال ابن الملك


قيل تأويله أنه لم تكن تلك الحلة حمراء جميعها بل كان فيها خطوط حمر لأن الثوب الأحمر من غير أن
يكون فيه لون آخر مكروه للرجال لما فيه من المشابهة بالنساء وقال ابن حجر فيه أظهر دليل لمذهبنا أنه يجوز لبس الأحمر الصرف وإن كان قانيا لكنه مكروه للخلاف في تحريمه وإنما أخذ كثيرون من أئمتنا من الأحاديث حرمة لبس المعصفر والمزعفر لما فيه من التشبه بالنساء ولا فرق فيما ذكر بين ما صبغ قبل النسج وبعده خلافا لمن فرق مشمرا أي مسرعا والتشمير ضم الذيل ورفعه للغدو ويقال فلان شمر عن ساقه وتشمر في أمره أي خف وقال ابن حجر أي رافعا ثيابه إلى نحو نصف ساقيه وفيه أن ثيابه ما كانت طويلة حتى يرفعها وقد ثبت في الشمائل وغيرها أن إزاره كان إلى نصف ساقيه صلى إلى العنزة بالناس أي إماما بهم ركعتين إما صلاة الصبح أو غيرها من الرباعية لأنه كان مسافرا ورأيت الناس والدواب في العطف مناسبة معنوية يمرون فيه تغليب للعقلاء بين يدي العنزة أي وراءها والحال أنه يصلي قال ابن حجر يحتمل أنهم كانوا يمرون بينه وبينها فيوافق ما يأتي أن الصلاة لا يبطلها مرور شيء ويحتمل أنهم كانوا يمرون أمامها والظاهر الأول إذ هو الذي يحتاج الراوي إلى التنبيه عليه وأما الثاني فليس في ذكره كبير فائدة ا ه وفيه أن فائدته العلم بأن المرور من وراء السترة جائز ولا يقطع الصلاة وإلا فلا فائدة في غرز العنزة إذا كان الناس يمرون بينه وبينها بل يكون عبثا محضا سيما ولم يذكر الراوي منعهم من المرور لا باليد ولا بالتسبيح كما هو مقرر في محله وقد قال العلماء والمعنى في طلب السترة منعها لمن مر بين يديه وشغله عما هو مطلوب منه من الخشوع والخضوع والحضور والمراقبة وسيأتي حديث إذا وضع أحدكم بين يديه سترة فليصل ولا يبال من مر وراء ذلك متفق عليه قال ميرك ولفظه للبخاري وعن نافع عن ابن عمر أن النبي كان يعرض راحلته قال التوربشتي أي ينيخها بالعرض بينه وبين القبلة حتى تكون


معترضة بينه وبين من مر بين يديه من عرض العود على الإناء يعرض بضم الراء وكسرها وضعه عرضا وقال ميرك هو بفتح الياء وكسر الراء وروي بضم الياء وتشديد الراء ومعناه يجعلها معترضة بينه وبين القبلة كذا قاله النووي في شرح مسلم فيصلي إليها أي إلى راحلته متفق عليه وزاد البخاري أي عن نافع على ما قاله ابن الملك وابن حجر قلت لابن عمر أفرأيت أي أخبرني ظاهره أنه من كلام نافع والمسؤول ابن عمر لكن بين الإسماعيلي من طريق


عبيدة بن حميد عن عبيد الله بن عمر عن نافع أنه من كلام عبيد الله والمسؤول نافع فعلى هذا هو مرسل لأن فاعل يأخذ هو النبي ولم يدركه نافع كذا أفاده الشيخ ابن حجر في شرحه للبخاري كذا نقله السيد جمال الدين وقال نجله ميرك شاه فعلى هذا إيراد محيي السنة وصاحب المشكاة ليس بسديد لأنهما ذكرا في كتابيهما كلاما لم يذكر قائله فيهما مع أنه يوهم خلاف الواقع ا ه ولذا وقع فيهما الشارحان المتقدمان إذا هبت أي قامت للسير الركاب أي الإبل يسير عليها الراكب الواحد راحلة لا واحد لها من لفظها أي أخبرني كيف كان يفعل عند ذهاب الرواحل إلى المرعى وإلى أي شيء كان يصلي وفي القاموس الهب والهبوب ثوران الريح والإنتباه من النوم ونشاط كل سائر وسرعته وقول ابن حجر استعمال الهبوب في الذهاب مجاز نشأ عن غفلة من الحقيقة قال كان يأخذ الرحل فيعدله بالتشديد وفي نسخة بالتخفيف مع فتح الياء قال ميرك بتشديد الدال أي يسويه ويقومه كذا قاله شراح المصابيح وقال الشيخ ابن حجر يعدله بفتح الياء وسكون العين وكسر الدال أي يقيمه تلقاء وجهه ويجوز التشديد ا ه فيصلي إلى آخرته بالمد وكسر الخاء وفي نسخة بفتحات بلا مد ورجحها العسقلاني وقال ويجوز المد أي خلف الرحل وهو ما يستند إليه الراكب قال ابن حجر وينافي هذا قول الشافعي ولا يستتر بامرأة ولا دابة وجرى عليه في التتمة لكن بزيادة فقال لا يستحب له أن يستتر بآدمي أو حيوان لشبهه بعبادة عابدي الأصنام لكن في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى راحلته ا ه ومن ثم قال النووي ما قاله في المرأة ظاهر لأنها ربما شغلته وأما الدابة فقد ثبت أنه عليه السلام كان يعرض راحلته ويصلي إليها وكان ابن عمر يفعله فلعله لم يبلغ الشافعي ومذهبه اتباع الحديث فتعين العمل به إذ لا معارض له ا ه وفيه أنه إذا لم يكن له معارض فمن أين له النهي والتشبه بعبدة الصنم مدفوع فإنه إنما يكون في صورة المقابلة بالوجه ولذا ضرب


عمر بالدرة على مثل ذلك ولا يظهر تعليل ما قاله في المرأة أنها ربما شغلته لأن العلة مشتركة ولأنه عليه السلام كان يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة وتخصيص الكراهة بالمستيقظ يحتاج إلى دليل وتقييد إطلاق كلام الشافعي على غير البعير المعقول في غير المعاطن في غاية من البعد وأبعد من هذا كلام الأذرعي لعل مراده إذا خشي بول الدابة أو نفورها فيتنجس أو يتشوش وأغرب من هذا كلام ابن حجر ومنه يؤخذ أن كل ما كره استقباله كجدار مزوق أو نجس لا يحصل التستر به فلا يحرم المرور فإن الراحلة لا تخلو عن نجاسة كما لا يخفى


وعن طلحة بن عبيد الله قال قال رسول الله إذا وضع أحدكم بين يديه يعني سترة مثل مؤخرة الرحل بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء وتفتح وفي نسخة صحيحة بفتح الهمزة وتشديد الخاء المفتوحة وتكسر قال في النهاية آخرة الرحل بالمد الخشبة التي يستند إليها الراكب ومؤخرته بهمزة ساكنة لغة قليلة أنكرها بعضهم ولا تشدد ا ه وقوله لغة قليلة أنكرها بعضهم منكر لأنها لغة مشهورة وقراءة متواترة وهو الأصل فيها وإنما أبدل في مثلها ورش والسوسي مطلقا وحمزة وقفا اللهم إلا أن يقال المنكر مؤخرة مع قطع النظر عن قيدها وفي القاموس مؤخر ومؤخرة وتكسر خاؤهما مخففة ومشددة وفي المغرب هي الخشبة العريضة التي تحاذى رأس الراكب فليصل أي صلاة كاملة ولا يبال أي في قطع خشوعه من أي بمن أو ممن مر وراء ذلك من المرأة ونحوها ولا يدفع بالإشارة ونحوها وجوز أن يكون من فاعلا أي ولا يأثم من مر وراء ذلك من أنس أو جن أو دابة ففي من نوع تغليب رواه مسلم وعن أبي جهيم بالتصغير قيل هو عبد الله بن جهيم وقيل عبد الله بن الحرث بن الصمة الأنصاري قال قال رسول الله لو يعلم المار أي قاصد المرور ومريده بين يدي المصلي ظرف المار ماذا أي أي شيء عليه من الإثم بسبب مروره بين يديه سد مسد المفعولين ليعلم وقد علق عمله بالإستفهام ولعل حكمة إبهامه الدلالة على عظمة ذلك الإثم وأنه واصل إلى ما لا يقدر قدره كقوله تعالى فغشيهم من أليم ما غشيهم طه وفي رواية للبخاري ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه قال العلامة الكرماني جواب لو ليس هذا المذكور بل التقدير لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين ولو وقف أربعين لكان خيرا له قال وأبهم العدد تفخيما للأمر وتعظيما وقال ابن حجر معناه لو فرض أن في المرور بين يدي المصلي خيرا لكان الوقوف أربعين سنة خيرا من المرور


بين يديه ا ه وما أبعده عن المرمى إذ على تقدير تقديره لا وجه للتقييد بأربعين وغيره أصلا وتفوت المبالغة المطلوبة بل يفسد المعنى على مذهبه الذي يعتبر فيه المفهوم وأغرب من هذا أنه مع هذا قال واستفيد منه حرمة المرور بين يدي المصلي بل أقول لا يصح هذا التقدير من أصله إذ ينحل الكلام إلى أنه لو سلم فرض كون علم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم خيرا لكان الخ وهو ظاهر البطلان والله المستعان قال أبو النضر لا أدري قال أي أبو جهيم أربعين يوما أو شهرا أو سنة قال التوربشي قال الطحاوي المراد أربعون سنة لا يوما ولا شهرا نقله الطيبي وقال الشيخ ابن حجر ظاهر السياق أنه عين المعدود لكن الراوي تردد فيه قال الكرماني تخصيص الأربعين بالذكر لكون كمال طور الإنسان بأربعين كالنطفة والمضغة والعلقة وكذا بلوغ الأشد ويحتمل غير ذلك قال الشيخ ابن حجر وما رواه ابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة لكان أن يقف مائة عام خيرا له من الخطوة التي خطاها مشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر لا لخصوص العدد المعين والله أعلم نقله ميرك شاه متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة ورواه البزار ولفظه سمعت رسول الله يقول لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان لأن يقوم أربعين خريفا خيرا له من أن يمر بين يديه رجاله رجال الصحيح قال الترمذي وقد روي عن أنس أنه قال لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي كذا ذكره المنذري قال الطحاوي في مشكل الآثار إن المراد أربعين سنة واستدل بحديث أبي هريرة مرفوعا لو يعلم الذي يمر بين يدي أخيه معترضا وهو يناجي ربه حينئذ لكان أن يقف مكانه مائة عام خيرا من الخطوة التي خطاها ثم قال هذا الحديث متأخر عن حديث أبي جهيم لأن فيه زيادة الوعيد وذلك لا يكون إلا بعد ما أوعدهم بالتخفيف كذا نقله ابن الملك وفي شرح السنة إنما يكره المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن عنده حائل نحو


السترة فإنه لا يكره المرور من وراء الحائل وأيضا إنما يكره المرور عند عدم الحائل إذا مر في موضع سجوده وهو الأصح وهو مختار السرخسي وفي النهاية الأصح أنه لو صلى صلاة الخاشعين بأن يكون بصره حال قيامه إلى موضع سجوده لا يقع بصره على المار لا يكره وهو مختار فخر الإسلام وقيل هذا في الصحراء أما في المسجد الصغير فيكره مطلقا وأما الكبير فقيل هو كالصغير وقيل كالصحراء ورجح ابن الهمام ما ذكره في النهاية من غير تفصيل بين المسجد وغيره والله أعلم وعن أبي سعيد قال قال رسول الله إذا صلى أحدكم إلى شيء أي من


الأشياء المذكورة فيما تقدم يستره من الناس أي في الجملة أو يستر حاله ونظره ويبعده منهم ويميزه بالصلاة لهم فأراد أحد أن يجتاز من الجواز أي يعبر ويمر ويتجاوز بين يديه أي بينه وبين السترة فليدفعه أي ندبا وقيل وجوبا بالإشارة أو وضع اليد على نحره وفي شرح المنية ويدرأ المار إذا أراد أن يمر في موضع سجوده أو بينه وبين الستر بالإشارة أو التسبيح لا بهما معا ا ه وقد نقل القاضي عياض الإتفاق على أنه لا يحل له العمل الكثير في مدافعته ثم ظاهر الحديث دفع المار مطلقا من غير استثناء مجنون وصبي ويؤيده حديث ابن ماجه ولو قيل بضعفه عن أم سلمة قالت صلى رسول الله في حجرتي فمر بين يديه عبد الله أو عمر بن أبي سلمة فقال بيده فرجع ثم مرت زينب بنت أبي سلمة فقال بيده هكذا فمضت فلما فرغ قال هي أغلب وفي رواية هن أغلب فإن أبى أي امتنع فليقاتله أي فليدفعه بالقهر ولا يجوز قتله كذا قاله بعض علمائنا وقال ابن حجر فإن أبى إلا بقتله فليقاتل وإن أفضى إلى قتله إياه ومن ثم جاء في رواية فإن أبى فليقتله قال ابن الملك فإن قتله عملا بظاهر الحديث ففي العمد القصاص وفي الخطأ الدية قال وهذا إذا أراد المرور بينه وبين السترة وإن لم يكن بين يديه سترة فليس له الدفع لأن التفريط منه بتركها وفيه دليل على أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة ا ه وقال القاضي عياض فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قود عليه باتفاق العلماء وهل تجب الدية أو يكون هدرا فيه مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك نقله الطيبي فإنما هو شيطان من شياطين الإنس أو الجن أو فعله فعل شيطان لأنه يشوش المصلي قال الخطابي معناه أن الشيطان حمله عليه أو هو شيطان لأن الشيطان هو مارد من الجن والانس هذا لفظ البخاري ورواه أبو داود قاله ميرك شاه ولمسلم معناه واختلف فيما لو لم يجد طريقا سوى ما بين يدي المصلي والظاهر جواز دفعه لدفع أبي سعيد الخدري لمن أراد أن يمر بين يديه المرة بعد المرة مع


أنه لم يجد طريقا فلما عوتب روى الحديث المذكور لكن هذا الخلاف حيث لم يقصر المصلي بقارعة الطريق فإنه حينئذ حل المرور بين يديه لتقصيره حتى جوزوا له المرور إلى الفرجة بين يدي الصف الثاني لتقصيرهم بتركها وهذا الحكم عام يشمل المسجد الحرام وداخل الكعبة وأما قول ابن حجر ونحو الشارع وباب المسجد والدرب الضيق المحل الذي يغلب مرور الناس فيه في وقت تلك الصلاة ولو في المسجد كما هو ظاهر فليس بظاهر كما لا يخفى لأن المسجد محل العبادة ويختص بمن سبق إليه فليس لأحد أن يتعدى عليه وأما الشارع فموضوع لمرور العامة ويختص بمن يمر ولا يجوز التعدي عليه في مروره بدفعه ومنعه


وأمره بالوقوف ونحوه ولذا قيل أول بدعة أحدثت الطريق الطريق وفي معناه ظهرك وحاشاك فإذا صلى فيه أحد فتعدى عليهم بمنع المرور فلا حرمة له حينئذ فالفرق ظاهر مبطل لقياسه ثم قال فعلم أن الكعبة تكون سترة لمن صلى إليها في وقت فيه طواف الناس جدا بخلاف ما يكثر فيه ازدحامهم كالصلاة في الطريق وعليه تحمل الأحاديث المصرحة بجواز المرور بين يديه ا ه وفيه بحث لأنه إن كان هذا بالقياس على الصلاة في الطريق كما ذكره فهو قياس باطل كما سبق وإن كان بالأحاديث المخصصة لعموم أحاديث الباب فهو مسلم لكن يحتاج إلى ذكر تلك الأحاديث لينظر فيها اسنادا أو متنا لفظا ومعنى والله أعلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله تقطع بالتأنيث ويجوز التذكير الصلاة أي حضورها وكمالها وقد يؤدي إلى قطع الصلاة وفيه مبالغة في الحث على نصب السترة المرأة والحمار والكلب ووجه تخصيصها مفوض إلى رأي الشارع والله أعلم قال ميرك نقلا عن الأزهار المراد بقطعها بهذه الأشياء شغلها قلب المصلي عن الخضوع والحضور ولسانه عن التلاوة والذكر وبدنه عن محافظة ما يجب من أمر الصلاة لا بطلانها بدليل الأحاديث الثلاثة بعده وعليه الأكثر وذهب بعضهم إلى قطعها بهذه الأشياء وبعضهم بالحائض والكلب الأسود ويقي أي يحفظ ذلك أي القطع مثل مؤخرة الرحل وفيها أربع لغات تقدمت ومعناه العود الذي في آخر الرجل رواه مسلم قال ابن حجر وهو مقيد لرواية إطلاق قطع هذه الثلاثة لها لكنه مقيد للكلب بكونه أسود وفيها أنه عليه السلام سئل عن سبب اختصاصه بذلك فقال لأنه شيطان والحاصل أن الصلاة لا تبطل عندنا وعند كافة العلماء إلا الحسن وأحمد وإسحاق بمرور شيء أمامه سواء كانت له سترة ومر بينه وبينها أم لا ولو امرأة وحمارا أو كلبا ولو أسود للأخبار الصحيحة الدالة على ذلك وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة قال ابن الملك الإعتراض صيرورة الشيء حائلا بين


شيئين ومعناه ههنا وأنا مضطجعة كاعتراض الجنازة بفتح الجيم وكسرها قال الطيبي جعلت نفسها
بمنزلة الجنازة دلالة على أنه لم يوجد ما يمنع المصلي من حضور القلب ومناجاة الرب بسبب اعتراضها بين يديه بل كانت كالسترة الموضوعة لدفع المار وهذا التأويل موافق لما في الحديث السابق من تخصيص ذكر المرأة وقطعها صلاة الرجل لما فيه ما يقتضي ميل الرجال إلى النساء ا ه وقوله موافق غير مطابق بل مناقض له كما هو ظاهر إلا أن يقال المراد بالمرأة القاطعة إنما هي الأجنبية أو الموصوفة بالمرور أو في حالة النور والظهور وقال ابن حجر فيه دليل على أن مرور المرأة لا يفسد الصلاة إذ لا فرق بينه وبين اعتراضها المذكور لأن العلة أشغالها وهو موجود فيها متفق عليه قال ابن حجر وخبر لا تصلوا خلف النائم والمحدث ضعيف اتفاقا وعن ابن عباس قال أقبلت راكبا على أتان بفتح الهمزة وشذ كسرها قال العسقلاني يعني الحمار الانثى وأنا يومئذ قد ناهزت أي قاربت الإحتلام أي البلوغ ورسول الله يصلي بالناس أي إماما بمنى قال محيي السنة فيه لغتان الصرف والمنع ولهذا يكتب بالألف والياء والأجود صرفها وكتابتها بالألف وسميت بها لما يمنى بها من الدماء أي يراق ويصب كذا ذكره الطيبي إلى غير جدار قد نقل البيهقي عن الشافعي أن المراد بقول ابن عباس إلى غير جدار إلى غير سترة ويؤيده رواية البزار بلفظ والنبي يصلي المكتوبة ليس شيء يستره لكن البخاري أورد هذا الحديث في باب سترة الإمام سترة لمن خلفه وهذا مصير منه إلى أن الحديث محمول على أنه كان هناك سترة قال الشيخ ابن حجر كأن البخاري حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته عليه السلام أن لا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه ثم أيد بحديثي ابن عمر وأبي حجيفة المذكورين أول الباب وأوردهما عقيب حديث ابن عباس كذا ذكره ميرك وفي شرح الطيبي قال المظهر قوله إلى غير جدار أي إلى غير سترة والغرض من الحديث أن المرور بين يدي


المصلي لا يقطع الصلاة ا ه كلامه فإن قلت قوله إلى غير جدار لا ينفي شيئا غيره فكيف فسره بالسترة قلت إخبار ابن عباس عن مروره بالقوم وعن عدم جدار مع أنهم لم ينكروا عليه وأنه مظنة إنكار يدل على حدوث أمر لم يعهد قبل ذلك من كون المرور
مع عدم السترة غير منكر فلو فرض سترة أخرى لم يكن لهذا الإخبار فائدة ا ه قلت يمكن إفادته أن سترة الإمام سترة القوم كما فهم البخاري والله أعلم فمررت أي راكبا بين يدي بعض الصف أي الأول كما في البخاري ذكره العسقلاني فنزلت وأرسلت الأتان ترتع أي تأكل الحشيش وتتوسع في المرعى ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك أي مشيه بإتانه وبنفسه بين يدي بعض الصف علي أحد من النبي وأصحابه لا في الصلاة ولا بعدها وهو إما لكونه صغيرا أو لوجود سترة الإمام أو لكون المرور مطلقا غير قاطع قال ابن الملك رحمه الله والغرض منه أن مرور الحمار بين يديه لا يقطع الصلاة متفق عليه وهذا لفظ البخاري قاله ميرك
الفصل الثاني
عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا صلى أحدكم أي أراد الصلاة فليجعل تلقاء وجهه أي حذاءه لكن إلى أحد حاجبيه لا بين عينيه شيئا أي بناء أو شجرا أو عودا أو عمودا فإن لم يجد أي شيئا منصوبا فلينصب عصاه في شرح المنية ولو ألقى عصاه بين يديه ولم يغرزها قيل يجزئه عن السترة وقيل لا وفي الكفاية يضع طولا لا عرضا ليكون على مثال الغرز فإن لم يكن معه عصا فليخطط بضم الطاء خطا حتى يبين فصلا فلا يتخطى المار وهو دليل على جواز الإقتصار عليه وهو قول قديم للشافعي قاله الطيبي وهو رواية عندنا فقيل يخط خطا كالمحراب وقيل من جهة يمينه إلى شماله كذا في شرح المنية وقيل المختار أن يكون طولا من قدامة نحو القبلة وقال ابن الملك هذا هو المستحب وقال ابن عيينة رأيت شريكا صلى بنا فوضع قلنسوته بين يديه ثم لا يضره أي بعد استتاره ما مر أمامه أي أمام سترته رواه أبو داود وابن ماجه قال ابن عيينة لم


نجد شيئا نشد به هذا الحديث ولم يجىء إلا من هذا الوجه وقد أشار الشافعي إلى ضعفه واضطرابه قال أبو داود وسمعت أحمد بن حنبل سئل عن وصف الخط غير مرة فقال هكذا عرضا مثل الهلال وقال أبو داود وسمعت مسددا قال قال أبو داود الخط بالطول قال القاضي عياض وقد اختلف في الخط فقيل يكون مقوسا كهيئة المحراب وقيل قائما ممدودا بين يدي المصلي إلى القبلة وقيل من جهة يمينه إلى شماله قال ولم ير مالك وعامة العلماء الخط ا ه قال الأبهري منهم أبو حنيفة يعني في رواية وقال النووي قال جمهور أصحابنا باستحبابه قال ابن حجر صححه أحمد وابن المديني وابن المنذر وابن حبان وغيرهم وقال البيهقي لا بأس بالعمل وبه وإن اضطرب إسناده في مثل هذا الحكم إن شاء الله تعالى وجزم بضعفه النووي وقاس الأئمة على الخط المصلي كسجادة مفروشة وهو قياس أولوي لأن المصلي أبلغ في دفع المار من الخط السابق واختلف أن الترتيب للأكملية أو الأحقية وعن سهل بن أبي حثمة أنصاري أوسي ولد سنة ثلاث من الهجرة قال قال رسول الله إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن أي فليقرب بقدر إمكان السجود وهكذا بين الصفين منها أي من السترة على قدر ثلاثة أذرع أو أقل وبه قال الشافعي وأحمد نقله ابن الملك لأنه لما صلى في الكعبة جعل بينه وبين الحائط قريبا من ثلاثة أذرع لا يقطع الشيطان بالجزم جواب الأمر ثم حرك بالكسر لإلتقاء الساكنين عليه أي على أحدكم صلاته أي لا يفوت عليه حضورها بالوسوسة والتمكن منها رواه أبو داود قال ميرك ورواه النسائي قال ابن حجر وصححه الحاكم على شرط الشيخين واستفيد منه أن السترة تمنع استيلاء الشيطان على المصلي وتمكنه من قلبه بالوسوسة إما كلا أو بعضا بحسب صدق المصلي وإقباله في صلاته على الله تعالى وإن عدمها يمكن الشيطان من إزلاله عما هو بصدده من الخشوع والخضوع وتدبره القراءة والذكر قلت فانظر إلى متابعة السنة وما يترتب عليها من الفوائد الجمة وعن المقداد بن الأسود


قال ما رأيت رسول الله يصلي إلى عود كالعصا ولا عمود كالأسطوانة ولا شجرة إلا جعله على حاجبه أي جانبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له بضم
الميم أي لا يقصد صمدا أي قصدا مستويا بحيث يستقبله بما بين عينيه حذرا عن التشبه بعبادة الأصنام رواه أبو داود قال ابن حجر وأحمد لكن في إسناده من ضعف ومع ذلك هو حجة فيما نحن فيه لأنه من الفضائل وفي رواية للنسائي إذا صلى أحدكم إلى عمود أو سارية أو إلى شيء فلا يجعله بين عينيه وليجعله على حاجبه الأيسر وقد يؤخذ منه أن الأيسر أولى من الأيمن ويوجه بأنه مانع للشيطان الذي هو على الأيسر كما مر في بحث البصاق على الأيسر وعن الفضل بن عباس قال أتانا رسول الله ونحن في بادية لنا حال من المفعول ومعه عباس حال من الفاعل فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة لأنه لم يكن فيها مظنة المرور وحمارة لنا وكلبة التاء فيهما إما للوحدة أو للتأنيث تعبثان أي تلعبان بين يديه أي قدامه وهو يحتمل ما وراء المسجد أو موضع بصره فما بالى بذلك أي ما التفت إليه وما اعتده قاطعا رواه أبو داود أي بهذا اللفظ وللنسائي نحوه أي معناه وعن أبي سعيد قال قال رسول الله لا يقطع الصلاة شيء أي لا يبطلها شيء مر بين يدي المصلي وادرؤا أي ادفعوا المار ما استطعتم قيل حديث القطع بمرور المرأة وغيرها منسوخ بهذا الحديث ذكره ابن الملك لكنه يتوقف على معرفة التاريخ فإنما هو أي المار شيطان قال الطيبي يحتمل أن يراد بشيء الدفع أي لا يبطل الصلاة شيء من الدفع فادفعوا المار بقدر استطاعتكم وحذف المار لدلالة السياق عليه وأن يراد به أي بشيء المار والضمير المنصوب العائد محذوف قيل فيه دليل على أن المرأة والكلب والحمار لا يقطع وقيل يقطع للحديث السابق وقيل تقطعها المرأة الحائض والكلب الأسود وبه قالت عائشة رضي الله عنها رواه أبو داود

الفصل الثالث


عن عائشة قالت كنت أنام أي اضطجع على هيئة النائم بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته فإذا سجد أي أراد السجود غمزني قيل فيه إشارة إلى أن المس غير ناقض والأصل عدم الحائل قال الطيبي الغمز هو العصر والكبس باليد وغمزني جواب إذا وقوله فقبضت عطف عليه رجلي قال الشيخ كذا للأكثر بالتثنية وكذا قولها وإذا قام بسطتهما وللمستملي والحموي رجلي بالإفراد وكذا بسطتها ذكره الأبهري قالت والبيوت بالضم والكسر يومئذ أي حينئذ ليس فيها مصابيح فيه مقابلة الجمع بالجمع قال الطيبي وفائدة نفي المصابيح اعتذار من جعلها رجلها في موضع سجود رسول الله وأما قولها فإذا قام بسطتهما فلتقرير رسول الله إياها على تلك الحالة ا ه قلت ولعل عذرها في تلك الهيئة من الإضطجاع ضيق المكان أو الإعتماد على محبة صاحب المقام وأما عدم المصابيح فعذر لعدم حيائها وللإستمرار على بقائها متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لو يعلم أحدكم قيل آثر دخول لو على المستقبل مع قلته ليفيد تجدد العلم ماله أي من الإثم فحذف البيان ليدل الإبهام على ما لا يقادر قدره من الإثم قاله الطيبي في أن يمر بين يدي أخيه ذكر لمزيد التلطف بالمار حتى ينكف عن مروره إذ من شأن الأخ أن لا يؤذي أخاه بنوع من أنواع الأذى وإن قل


معترضا أي حال كون المار معترضا محل سجوده في الصلاة حال من أخيه كان لأن بفتح اللام يقيم وفي نسخة يقوم مائة عام ظرف يقيم خير له بالرفع من الخطوة بفتح الخاء وتضم التي خطا الخطوة بالضم وتفتح ما بين القدمين وبالفتح المرة قال الطيبي اسم كان ضمير عائد إلى أحدكم أو ضمير الشأن والجملة خبر كان واللام لام الإبتداء المقارنة بالمبتدأ المؤكدة لمضمون الجملة أو التي يتلقي بها القسم وهو أقرب وقيل اللام هي الداخلة على جواب لو أخرت عن محلها وهو كان إلى خبرها وهو إقامة مائة عام ولهذا التقدير المقتضي لكونه أو غل في التعريف كان الأصل أنه الاسم وخير هو الخبر لكنهما عكسا إبهاما على السامع ليظهر جودة فهمه وذكائه وقد جرى على الأصل في الأمرين في الخبر الذي عقب هذا فادخل اللام على كان وجعل المصدر المسبوك من أن والفعل هو الاسم وخيرا هو الخبر وتجوز زيادة كان هنا رواه ابن ماجه أي بإسناد صحيح وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما قاله ميرك وعن كعب الأحبار بالإضافة تابعي جليل قال لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يخسف به خيرا له بالنصب من أن يمر بين يديه وضبط بعض الفضلاء خيرا في الحديث الأول بالنصب وفي الثاني بالرفع ولم يظهر وجههما مع مخالفتهما للنسخ الحاضرة المصححة قال الطيبي المذكور في الحديثين ليس جواب لو بل هو دال على ما هو جوابها والتقدير لو يعلم المار ما عليه من الإثم لأقام مائة عام وكانت الإقامة خيرا له وفي الثاني لو يعلم ماذا عليه من الإثم لتمنى الخسف وكان الخسف خيرا له وفي رواية أهون عليه أي بدل خيرا له رواه مالك قال ميرك مقطوعا وعن ابن عباس قال قال رسول الله إذا صلى أحدكم إلى غير السترة فإنه يقطع صلاته أي حضورها الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة ويجزىء عنه بالهمز من الأجزاء أي ويكفي عن عدم سترته بالنسبة لتوفر خشوعه وخضوعه وفي أكثر


النسخ تجزىء بالتأنيث أي تجزىء الصلاة بلا سترة على المصلي إذا مروا بين يديه على قذفة أي رمية بحجر أي بأن يبعدوا عنه ثلاثة أذرع فأكثر قاله ابن حجر وهو يؤيد ما رجحه ابن الهمام فيما تقدم وروى الطحاوي ويكفيك إذا كانوا منك قدر رمية ولم يقطعوا عنك صلاتك أي يكفيك عن السترة إذا كانوا بعيدين عنك قدر رمية بحجر ولم يقطعوا عنك حينئذ صلاتك رواه أبو داود


باب صفة الصلاة
المراد بها جنس صفتها الشاملة للأركان والفرائض والواجبات والسنن والمستحبات قال ابن الهمام قيل الصفة والوصف في اللغة واحد وفي عرف المتكلمين بخلافه والتحرير أن الوصف ذكر ما في الموصوف من الصفة والصفة هي ما فيه ثم المراد هنا بصفة الصلاة الأوصاف النفسية لها وهي الأجزاء الفعلية الصادقة على الخارجية التي هي أجزاء الهوية من القيام الجزئي والركوع والسجود
الفصل الأول
عن أبي هريرة أن رجلا قال ميرك هذا الرجل هو خلاد بن رافع كما بينه ابن أبي شيبة وقال الأبهري هو علي بن يحيى راوي الخبر قاله الشيخ قال ابن حجر العسقلاني هو خلاد بن رافع الأنصاري وجاء أنه استشهد ببدر فعليه تكون القصة قبلها ولا تشكل عليه رواية أبي هريرة للقضية مع أنه إنما أسلم سنة سبع ووقعة بدر كانت في الثانية لأنه يحتمل أن أبا هريرة رواها عن بعض الصحابة الذين شاهدوها وما قيل أن المسيء صلاته رفاعة أخو خالد فهو اشتباه وإنما هو بدري أيضا فمردود بأنه هو راويها عن أخيه


خالد لا عن نفسه كما سيأتي في الفصل الثاني دخل المسجد ورسول الله جالس في ناحية المسجد وفي المصابيح جالس في المسجد أي في جانب منه قاله ابن الملك فصلى وفي رواية النسائي فصلى ركعتين والظاهر أنها تحية المسجد ثم جاء فسلم عليه مقدما حق الله على حق رسوله عليه السلام كما هو أدب الزيارة لأمره عليه السلام بذلك لمن سلم عليه قبل صلاة التحية فقال له ارجع فصل ثم ائت فسلم علي فقال له رسول الله وعليك السلام قيل عليك بلا واو يدل على أن ما قاله بعينه مردود إليه خاصة أي ويحتمل غيره وإذا أثبت الواو وقع الإشتراك معه والدخول فيما قاله لأن الواو لجمع الشيئين ارجع فصل فإنك لم تصل أي صلاة كاملة أو صحيحة فرجع فصلى ثم جاء فسلم أي عليه كما في نسخة وفيه استحباب تكرار السلام بالفصل أو لأن السلام المعتبر هو الذي يكون بعد الصلاة الكاملة أو الصحيحة فقال وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل قال ابن الملك النفي في قوله لم تصل نفي لكمال الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد ونفي لجوازها عند أبي يوسف قلت وكذلك عند الشافعي لكن تقريره على صلاته كرات يؤيد كونه نفي الكمال لا الصحة فإنه يلزم منه أيضا الأمر بعبادة فاسدة مرات فقال في الثالثة أو في التي بعدها أي في المرة الرابعة علمني يا رسول الله قال ابن الملك في شرح المشارق فإن قيل لم سكت النبي عن تعليمه أولا حتى افتقر إلى المراجعة كرة بعد أخرى قلنا لأن الرجل لما لم يستكشف الحال مغترا بما عنده سكت عن تعليمه زجرا له وإرشادا إلى أنه ينبغي أن يستكشف ما استبهم عليه فلما طلب كشف الحال بينه بحسن المقال ا ه واستشكل تقريره عليه السلام على صلاته وهي فاسدة ثلاث مرات على القول بأن النفي للصحة وأجيب بأنه أراد استدراجه بفعل ما جهله مرات لإحتمال أن يكون فعله ناسيا أو غافلا فيتذكر فيفعله من غير تعليم فليس من باب التقرير على الخطأ بل من باب تحقق الخطأ أو بأنه لم يعلمه أولا ليكون أبلغ في تعريفه


وتعريف غيره ولتفخيم الأمر وتعظيمه عليه وقال ابن دقيق العيد لا شك في زيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم لا سيما مع عدم الخوف فقال إذا قمت أي أردت القيام إلى الصلاة فأسبغ الوضوء بضم الواو ويفتح قال الطيبي أي أتممه يعني توضأ وضوءا تاما وقال ابن الملك مشتملا على فرائضه وسننه ثم استقبل القبلة فإنه من شروط الصلاة وفيه إيماء إلى أن الجهة كافية ويؤيده أنه عليه السلام قال ما بين المشرق والمغرب قبلة وما أبعد قول ابن حجر أي عين الكعبة لما مر أنه عليه السلام ركع ركعتين في وجهها وقال هذه


القبلة ا ه ولعل ترك سائر الشروط من طهارة الثوب والمكان وستر العورة اكتفاء بالشهرة فكبر أي تكبيرة الإفتتاح وهي شرط عندنا لقوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى الأعلى وركن عند الشافعي وترك ذكر النية مع أنها من الشروط لوضوحها ولعدم خصوصيتها بالصلاة قال ابن حجر كان حكمة الفاء ههنا دون ما قبلها وما بعدها أن التكبير يعقب الإستقبال غالبا بخلافه مع الوضوء وبخلاف التكبير وقراءة الفاتحة لما بينهما من الإفتتاح والتعوذ قلت ولعل فيه إيماء إلى قوله تعالى وربك فكبر المدثر فيتضمن الإشارة إلى المفعول المقدر والتكبير معناه التعظيم فيجوز بلفظ الله أكبر وبكل ما دل على تعظيمه تعالى لقوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى وحديث تحريمها التكبير وقوله عليه السلام في أوائل صلاته الله أكبر مع المواظبة عليه يدل على كونه واجبا لا على كونه ركنا خلافا للشافعي ومن تبعه ويحترز من مد همزة الجلالة ومن إشباع باء أكبر فإنه يكفر متعمد ذلك قال ابن حجر وخبر التكبير جزم لم يصح ا ه ومحله غير هذا المقام لأنه حالة الوقف لا يكون إلا مجزوما وقد تقدم ما يتعلق بمعنى أكبر والجمهور على أنه لا يجب مقارنة النية للتكبير خلافا للشافعي وبحث النية والتلفظ بها قد مر مستوعبا في أول الكتاب ثم اقرأ بما تيسر أي لك حال كونه معك وقال ابن الملك أي ما تعلمه وقال الأبهري الباء للإستعانة أي أوجد القراءة مستعينا بما تيسر أو زائدة ويؤيد الثاني رواية البخاري ما تيسر بدون الباء وقال الطيبي الجار والمجرور حال أتى بالباء وليس الباء في التنزيل دلالة على أن اقرأ يراد به الإطلاق أي أوجد القراءة باستعانة ما تيسر لك من القرآن وفي الحديث كما في آية فاقرؤا ما تيسر من القرآن المزمل دليل على أن قراءة الفاتحة ليست بركن وما دون الآية غير مراد إجماعا فتبقى الآية وبه أخذ أبو حنيفة وفي شرح السنة أراد بما تيسر معك من الفاتحة إذا كان يحسنها ببيان الرسول كقوله تعالى فما استيسر


من الهدى البقرة والمراد الشاة ببيان السنة وفيه دليل على وجوب القراءة في الركعات كلها كما يجب الركوع والسجود ذكره الطيبي وفيه أبحاث محلها كتب الفقه وأصوله ومن جملتها أنه عليه السلام صرح بأن المراد بالهدى الشاة ولم يرد عنه أنه قال المراد بما تيسر هو الفاتحة ومن ادعى فعليه البيان وأما ما ورد في رواية صححها أحمد والبيهقي وابن حبان من قوله عليه السلام ثم اقرأ بأم القرآن إنما يدل على الوجوب وبه نقول مع أن الواقعة لم تتكرر كما هو الظاهر فتحمل إحداهما على أنها رويت باللفظ والأخرى على أنها رويت بالمعنى ولكن فيه أن ما بينهما تفاوت فاحش في المعنى ففي تصحيح الرواية نظر ظاهر والله أعلم ثم القراءة ليست بفرض مطلقا عند أبي بكر الأصم وعندنا فرض في ركعتين لا على التعيين وأما تعيين


الأوليين فبطريق الوجوب وعند بعض العلماء القراءة فرض في ركعة وعند بعض في ثلاث ركعات ثم اركع الركوع والسجود فرضان بالإجماع والإطمئنان فيهما فرض عند الشافعي وأبي يوسف وسنة عند أبي حنيفة ومحمد وفي رواية صحيحة واجب عندهما حتى تطمئن راكعا حال مؤكدة قاله ابن حجر والظاهر أنها مقيدة نعم التأكيد ظاهر في قوله ثم ارفع أي رأسك حتى تستوي قائما القومة والجلسة بين السجدتين واجبتان عندهما وفرضان عند الشافعي وأبي يوسف والحديث لا يدل على الإطمئنان في القومة لكن جاء في رواية ابن حبان حتى تطمئن قائما والله أعلم بصحته وقال إمام الحرمين من الشافعية مع جلالته إنه عليه السلام لم يذكر الطمأنينة في الإعتدال والجلوس بين السجدتين وفيه أن الإطمئنان في الجلوس بين السجدتين مذكور في هذا الحديث المتفق عليه وأما قول ابن حجر أن هذا سهو منه إذ في قوله حتى يستوي قائما التصريح بوجوب القيام من الركوع مع الإستواء فيه وهذا هو الإعتدال والطمأنينة اللذان قلنا بوجوبهما فمبني على أنه لم يفرق بين الإعتدال والطمأنينة فتأمل فيهما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا حال مؤسسة ذكره ابن حجر ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا أي للإستراحة قال الطيبي كلمة حتى في هذه القرائن لغاية ما يتم به الركن فدلت على أن الطمأنينة داخلة فيه والمنصوب حال مؤكدة وقال التوربشتي من ذهب إلى أن الطمأنينة في الهيئات المذكورة فريضة تمسك بظاهر اللفظ ومن قال إنها سنة فإنه يؤوله بنفي الكمال وأن الأمر بالإعادة إنما كان لتركه فرضا من فروضها قلت قال ابن الهمام بترك الفرض تفرض الإعادة وبترك الواجب تجب وبترك السنة تستحب ثم قال التوربشتي فلما قال علمني وصف له كيفية إقامة الصلاة على نعت الكمال ولذلك بدأ في تعليمه بالأمر بإسباغ الوضوء ولم يأمر بالإعادة ولو لم يكن على طهر لقال ارجع فتوضأ قال النووي هذا الحديث محمول على بيان الواجبات


دون السنن فإن قيل لم يذكر فيه كل الواجبات من المجمع عليها كالنية والقعود في التشهد الأخير وترتيب أركان الصلاة والمختلف فيه كالتشهد الأول والصلاة على النبي فالجواب أن الواجبات المجمع عليها كانت معلومة عند السائل فلم يحتج إلى بيانها وكذلك المختلف فيه وفيه دليل على وجوب الإعتدال عن الركوع والسجود ووجوب الطمأنينة في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين وهو مذهب الجمهور ولم يوجبها أبو حنيفة وطائفة يسيرة وهذا الحديث حجة عليهم وليس عنه جواب صحيح قلت أما قوله كانت الواجبات معلومة عند السائل فغير معلوم بل بعيد جدا لأن السلف كانوا يعلمون العبادات على وجه الكمال وغالبهم لا يفرقون بين الفرائض والواجبات والسنن فرضا عن المجمع عليها والمختلف


فيها وعلى فرض التسليم يرد عليه أنه فلم ذكر بعض الواجبات المجمع عليها وترك بعضها مع أن بعض المذكورات أظهر من المحذوفات ثم كيف يستقيم قوله وكذلك المختلف فيه ومن جملته وجوب الإعتدال والطمأنينة والجلوس بين السجدتين فالصحيح ما ذهب إليه أئمتنا أنه كان تاركا لبعض السنن وأما وجه أنه ذكر بعض الشرائط والأركان وترك بعضها فمفوض إليه عليه السلام وأما الجواب الصحيح فتقدم عن الإمام التوربشتي مع أنه لو كان التعديل فرضا لما أقره عليه السلام إلى آخر الصلاة وليس في الحديث تصريح بما تركه ولا أنه واجب أو سنة والله أعلم ا ه يعني فإذا كان عليه السلام لم يصرح في هذا الحديث بالسبب الموجب للإعادة فلا حجة فيه لنا ولا علينا وفي رواية أي بدل قوله الأخير ثم اسجد حتى تطمئن جالسا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم افعل ذلك أي ما ذكر مما يمكن تكريره فخرج نحو تكبيرة الإحرام في صلاتك أي ركعاتك كلها متفق عليه قال ميرك واللفظ للبخاري وعن عائشة قالت كان رسول الله يستفتح الصلاة بالتكبير قال القاضي أي يبدؤها ويجعل التكبير فاتحها والقراءة بالنصب عطفا على الصلاة أي يبتدىء قراءة الفاتحة بالحمد بالرفع على الحكاية وإظهار ألف الوصل ويجوز حذف همزة الوصل وكذا جر الدال على الاعراب لله رب العالمين وهذا ظاهر في أنه كان يسر بالبسملة كما هو مذهبنا أو لا يأتي بها كما هو مذهب مالك وأما ما رواه أحمد من أنه عليه السلام كان يجهر أول الفاتحة بالبسملة وإن رواه عشرون صحابيا فمحمول على كونه بعض الأحيان للتعليم أو لبيان الجواز أو كان يسمعه من يليه من قربه نعم لو صح فهو حجة على مالك إن لم يكن له مرجح عند التعارض قال الطيبي أي يبتدىء القراءة بسورة الفاتحة ثم يقرأ السورة وذلك لا يمنع تقديم دعاء الإستفتاح أي كما استدل به مالك فإنه لا يسمى في العرف قراءة ولا يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة لأن المراد أنه يبدأ بقراءة السورة التي أولها الحمد لله


رب العالمين لا أنه يبدأ في القراءة بلفظ الحمد لله ا ه قلت الله أعلم بالمراد فدعواه لا تدفع الإيراد وكان إذا ركع لم يشخص من باب الإفعال أو التفعيل أي لم يرفع رأس أي عنقه
ولم يصوبه بالتشديد لا غير والتصويب النزول من أعلى إلى أسفل أي ولم ينزله ولكن قيل كان وجه الإستدراك بها أن نفي ذينك لا يقتضي البينية الآتية بل ربما اقتضى خلافها فبين أن المراد أنه كان إذا ركع يكون ركوعه بين ذلك وهذه الهيئة مستحبة بالإجماع بين ذلك أي التشخيص والتصويب بحيث يستوى ظهره وعنقه كالصفحة الواحدة ولتعدد ذا كما تقرر صح إضافة بين إليها ويلزم من تلك البينية استواء ظهره وعنقه كالصفحة وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما وكان إذا رفع رأسه من السجدة وفي نسخة عنقه من السجود لم يسجد حتى يستوي جالسا قال الطيبي فيه دليل على وجوب الإعتدال قلت يحتمل الحمل على وجه الكمال فلا يتم به الإستدلال وحديث البخاري صلوا كما رأيتموني أصلي لا يدل على فرضية جميع أفعاله عليه السلام لأن بعض أفعاله وأقواله سنن إجماعا وكان يقول أي يقرأ في كل ركعتين أي بعدهما التحية بالنصب وقيل بالرفع أي التحيات الخ ولا يبعد أن يكون التحية مبتدأ خبره في كل ركعتين وسمى الذكر المعين تحية وتشهدا لإشتمالة عليهما أي على التحية وهو الثناء الحسن وعلى التشهد لإشتماله على الشهادتين ثم التشهد واجب عندنا في القعدة الأولى والأخيرة وفي رواية سنة في الأولى وأما القعدة الأولى فواجبة عندنا والقعدة الأخيرة فرض وكان يفرش بكسر الراء وضمها رجله اليسرى وينصب بفتح الياء وكسر الصاد رجله اليمنى أي يضع أصابعها على الأرض ويرفع عقبها وسيأتي بيان اختلاف العلماء في هذه الهيئة مع اتفاقهم على أنها بأي كيفية سنة وكان ينهى أي تنزيها وقيل تحريما عن عقبة الشيطان بضم العين وسكون القاف أي الإقعاء في الجلسات وهو أن يضع إليتيه على عقبيه قاله الطيبي وقال النووي تفسير


المكروه بهذا غلط لرواية مسلم الإقعاء سنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وفسره العلماء بهذا وقال البيهقي ما صح من نهيه عليه السلام عن عقبة الشيطان يحتمل أن يكون واردا في الجلوس للتشهد الأخير فلا ينافي ما صح في الجلوس بين السجدتين ا ه واستحسنه النووي وعندنا لا فرق بين الإقعاء في الجلستين فإنه مكروه فيهما قال النووي في شرح المهذب روايات الإقعاء بهذا المعنى كلها ضعيفة وليس في النهي عنه حديث صحيح وقال في موضع آخر منه أحاديثه مع كثرتها ليس فيها شيء ثابت لكن قال بكراهته عامة أهل العلم ويكره الجلوس في الصلاة مادا رجليه ومتربعا وتربعه عليه السلام في بعض الأحيان لبيان الجواز وقيل التربع أفضل في الجلوس البدل عن القيام


ونقل عن الأئمة الثلاثة أخذا من حديث كان يصلي متربعا وقيل أفضلها التورك لأنه أهون وقيل واختاره بعض أئمتنا أفضلها أن ينصب ركبته اليمنى ويجلس على رجله اليسرى لأنه أبلغ في الأدب كذا ذكره ابن حجر وأغرب من عده أبلغ في الأدب والمعتمد في مذهبنا أن الأفضل هو الإفتراش فإنه لو كان هيئة أحسن وأفضل وأبلغ في الأدب وأكمل لداوم عليه السلام عليها وحيث لم يثبت عنه عليه السلام غيرها إلا التربع وهو يحتمل أن يكون عن عذر فالعدول عن هيئة جلوسه إلى نوع آخر في غاية من قلة الأدب وقيل الإقعاء أن يضع وركه على الأرض وينصب ركبتيه بحيث يكون قدماه عليها وجاء في رواية أن سبب النهي عنه ما فيه من التشبه بالكلاب والقردة وقيل عقبة الشيطان تقديم رجل على أخرى في القيام وقيل هي ترك عقبيه غير مغسولين في الوضوء وينهى أن يفترش أي في السجود الرجل أي لا المرأة لأن مبني أمرها على التستر قال الطيبي التقييد بالرجل يدل على أن المرأة تفترش ذراعيه أي نهى عن انضمامهما بالأرض في السجود افتراش السبع أي كافتراشه لما فيه من التهاون بأمر الصلاة بل ينبغي أن يضع كفه ويرفع مرفقه عن الأرض قاله ابن الملك وقال ابن حجر ومنه أخذ أئمتنا أنه يسن للرجل أن يرفع ذراعيه عن الأرض وأن يعتمد على راحتيه وجاء الأمر بذلك في صحيح مسلم وأنه يكره بسطهما ويوافقه خبر الصحيحين ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب نعم إن طول السجود فشق عليه اعتماد كفيه فله بلا كراهة وضع ساعديه على ركبتيه لخبر شكا أصحاب رسول الله مشقة السجود عليهم فقال استعينوا بالركب رواه جماعة موصولا وروي مرسلا وهو الأصح كما قال البخاري والترمذي ومع ذلك يعمل به لأنه في الفضائل وكان يختم الصلاة أي أفعالها بالتسليم أي تسليم الخروج والخروج بفعل المصلي فرض عندنا وبلفظ السلام واجب رواه مسلم وعن أبي حميد الساعدي واسمه عبد الرحمن قال في نفر أي وهو في جماعة أو في بمعنى مع على حد ادخلوا في أمم من


أصحاب النبي أنا أحفظكم أي أكثركم حفظا لصلاة رسول الله كأنه أخذ ذلك من طول ملازمته وقوة ضبطه وجودة حفظه دونهم رأيته إذا كبر أي أراد أن يكبر أو حين التكبير أو إذا شرع في التكبير لرواية الشيخين الآتية أنه عليه السلام كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة جعل يديه أي
رفع كما صرحت به بقية الروايات أي شرع في رفع يديه ولا منافاة بين الشروع الفعلي والقولي كما تقرر في الإبتداء بالتسمية وبغسل اليدين معا حذاء منكبيه بكسر الحاء أي مقابلهما والمنكب بفتح الميم وكسر الكاف مجمع عظم العضد والكتف قال القاضي اتفقت الأمة على أن رفع اليد عند التحريم مسنون واختلفوا في كيفيته فذهب مالك والشافعي إلى أنه يرفع المصلي يديه حذاء منكبيه لهذا الحديث ونحوه وقال أبو حنيفة يرفعهما حذو أذنيه أي للحديث الآتي وذكر الطيبي أن الشافعي حين دخل مصر سئل عن كيفية رفع اليدين عند التكبير فقال يرفع المصلي يديه بحيث يكون كفاه حذاء منكبيه وإبهاماه حذاء شحمتي أذنيه وأطراف أصابعه حذاء فرع أذنيه لأنه جاء في رواية يرفع اليدين إلى المنكبين وفي رواية إلى الأذنين وفي رواية فروع الأذنين فعمل الشافعي بما ذكرنا في رفع اليدين جمعا بين الروايات الثلاث قلت هو جمع حسن واختاره بعض مشايخنا قال البخاري في تصنيفه في الرد على منكري الرفع رواه عن النبي سبعة عشر من الصحابة ولم يثبت عن أحد منهم خلافه قال ابن حجر ومن ثم حكى فيه ابن المنذر وغيره الإجماع وخالف فيه الزيدية وهم لا يعتد بهم في الإجماع وفي الأم يكره تركه بل قال بعض أصحابنا يحرم تركه لكن رد بأنه مخالف لإجماع من قبله ورد بأن ابن سيرين وغيره من السلف قالوا به وهو رواية عن الأوزاعي واختلف هل شرع الرفع تعبدا أو لحكمة فقيل الإشارة إلى التوحيد وقيل أن يراه من لا يسمع التكبير فيقتدي به وقيل الإشارة إلى طرح أمر الدنيا والإقبال بكليته على عبادة المولى وقيل غير ذلك ثم قيل يرفعهما ثم يكبر


ويرسلهما مع آخر التكبير رواه أبو حميد الساعدي وقيل يرفعهما ثم يكبر وهما مرفوعتان ثم يرسلهما لرواية مسلم أنه عليه السلام رفع يديه حذو منكبيه ثم كبر وهما كذلك والتحقيق أن الخلاف إنما هو في الأكمل وأما أصل السنة فيحصل بكل ذلك والأصل في اختلاف الروايات في أنواع العبادات ترجيح إحداها على ما هو المشهور بين العلماء وبعضهم يرى أن الإختلاف في ذلك من الأمر المباح أقول وفي الحقيقة لا خلاف لأن النبي فعل هذه الأنواع بلا شك لصحة الروايات رحمة على الأمة وتخصيص كل بوقت لما تقتضيه المصلحة ولم يعرف ما داوم عليه أكثر ولا آخر ما فعله فرجح كل من الأئمة بما قام عنده من الدليل والظاهر أن الجمع بين الروايات فيما أمكن كقراءة وجهت وجهي وسبحانك اللهم كما قال أبو يوسف والجمع بين كبيرا وكثيرا كما قال به النووي يخرج عن ظاهر السنة والأظهر في الجمع أن يكون تارة وتارة أو يخص الأرجح بالفرض وغيره بالنفل والله أعلم وإذا ركع


أمكن يديه من ركبتيه في المغرب يقال مكنه من الشيء وأمكنه فيه أقدره عليه والمعنى مكنهما من أخذهما والقبض عليهما ويستحب أن يوجه أصابع يديه للقبلة لثبوته في السجود فالحق به ولأنها أشرف الجهات وأن يبسطها ويفرقها على ساقيه للإتباع رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي ثم هصر ظهره أي ثناه وخفضه حتى صار كالغصن المنهصر وهو المنكسر من غير بينونة والأصل في الهصر الكسر وقيل أي ثناه وعوجه ثنيا شديدا في استواء رقبته وظهره قال الطيبي وفي النهاية أي ثناه إلى الأرض وأصل الهصر أن تأخذ برأس العود فتثنية إليك وتعطفه فإذا رفع رأسه أي من الركوع استوى حتى يعود أي يرجع كل فقار وهي مفاصل الصلب واحدتها فقارة بالفتح مكانه أي موضعه ويستقر كل عضو في مقره فإذا سجد وضع يديه أي بعد وضع ركبتيه لخبر الترمذي الذي حسنه وصححه آخرون أنه عليه السلام كان يفعل كذلك فهذا مفصل وفيه زيادة لأن ذلك الحديث لم يبين متى وضع ركبتيه فوجب الأخذا بهذا قال الخطابي وهو أثبت من حديث تقديم اليدين على الركبتين وقال غيره حديث تقديم اليدين على الركبتين منسوخ بحديث كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين غير مفترش أي لذراعيه أي افتراش السبع وهو نصب على الحال أي غير واضع مرفقه على الأرض ولا قابضهما بالجر أي وغير قابض أصابع يديه بل يبسطهما قبل القبلة كذا قاله ابن الملك وقيل أي لا يضم أصابعهما أو أراد لا يضم الذراعين والعضدين إلى الجنبين بل يجافيهما قال ابن حجر يسن أن ينشر أصابع يديه ويسن أيضا كونها إلى القبلة للإتباع رواه البيهقي ومضمومة للإتباع أيضا رواه البخاري إيماء وابن حبان في صحيحه صريحا ومكشوفة لخبر خباب الآتي ومعتمدا على راحتيه لخبر مسلم وغيره واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة قال النووي ولا يحصل توجيهها للقبلة إلا أن يكون معتمدا على بطونهما ونقل الإمام عن الأئمة أنه يضعها من غير تحامل عليها شاذ مخالف للحديث


والمذهب فإذا جلس في الركعتين أي عقب الأوليين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى فإذا جلس في الركعة الآخرة وفي نسخة الأخيرة قدم أي أخرج رجله اليسرى من تحت وركه إلى جانب الأيمن ونصب الأخرى وفي نسخة اليمنى وقعد على مقعدته قال القاضي اختلفوا في كيفية الجلسات فقال أبو حنيفة يجلس فيهما مفترشا وقال مالك بل متوركا وقال الشافعي يتورك في التشهد الأخير ويفترش في الأول كما رواه الساعدي في هذا الحديث والحق بالتشهد الأول الجلسات الفاصلة بين السجودات لأنه يعقبها انتقالات والإنتقال من المفترش أيسر رواه البخاري قال ميرك والأربعة


وعن ابن عمر أن رسول الله كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أي يديه كذلك أي حذو منكبيه أخذ الشافعي بهذا الحديث وغيره أنه يسن لكل مصل أن يكبر ويرفع لسائر الإنتقالات وليس في غير التحريمة رفع يد عند أبي حنيفة لخبر مسلم عن جابر بن سمرة قال خرج علينا رسول الله فقال مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس وهو بضم المعجمة جمع شموس كصبور أي صعب اسكنوا في الصلاة وأجيب عن اعتراض البخاري بأن هذا الرفع كان في التشهد لأن عبد الله بن القبطية قال سمعت جابر بن سمرة يقول كنا إذا صلينا خلف النبي قلنا السلام عليكم السلام عليكم وأشار بيده إلى الجانبين فقال ما لهؤلاء يومؤن بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله بأن الظاهر أنهما حديثان لأن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له اسكن في الصلاة وبأن العبرة للفظ وهو قوله اسكنوا لا لسببه وهو الإيماء حال التسليم وفي شرح الهداية لابن الهمام اجتمع الإمام أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين فقال الأوزاعي مالكم لا ترفعون عند الركوع والرفع منه فقال لأجل أنه لم يصح عن رسول الله فيه شيء أي لم يصح معنى إذ هو معارض وإلا فإسناده صحيح فقال الأوزاعي كيف لم يصح وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه ابن عمر أن رسول الله كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه فقال أبو حنيفة حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود أن النبي كان لا يرفع يديه إلا عند الإفتتاح ثم لا يعود فقال الأوزاعي أحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه وتقول حدثني حماد عن إبراهيم فقال أبو حنيفة كان حماد أفقه من الزهري وكان إبراهيم أفقه من سالم وعلقمة ليس بدون ابن عمر أي في الفقه وإن كان لابن عمر صحبة فله فضل صحبته فالأسود له فضل كثير وعبد الله


عبد الله فرجح بفقه الرواة كما رجح الأوزاعي بعلو الإسناد وهو أي الترجيح بالفقه المذهب المنصور عندنا ا ه كلام ابن الهمام وروي عن عاصم بن كليب أن عليا رضي الله عنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة الصلاة ثم لا يرفع يديه ولا يفعل علي بعد النبي خلافه إلا بعد قيام الحجة عنده على نسخ ما كان النبي عليه وقيل
لإبراهيم أي النخعي عن حديث وائل أنه رأى النبي يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع من الركوع فقال إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله أي ابن مسعود خمسين مرة لا يفعل ذلك وقد روي عن مجاهد أنه قال صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى وظاهره أنه لم يترك بعد النبي ما كان قد يفعله إلا لما يوجب له ذلك من نسخ وقد روى الأسود قال رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود وإذا كان عمر وعلي وابن مسعود موضعهم من الصلاة مع رسول الله موضعهم على ذلك ثم ابن عمر بعدهم على مثله لم يكن شيء مما روي في القبول أولى مما روى عنه كذا في المقتصر من المختصر لمشكلات الآثار للطحاوي وقال سمع الله لمن حمده معناه قيل حمد من حمده واللام في لمن للمنفعة والهاء في حمده للكناية قيل للسكتة والإستراحة ذكره ابن الملك وقال الطيبي أي أجاب حمده وتقبله يقال اسمع دعائي أي اجب لأن غرض السائل الإجابة والقبول ا ه فهو دعا بقبول الحمد كذا قيل ويحتمل الإخبار ربنا لك الحمد وفي رواية لهما كان إذا قال سمع الله لمن حمده قال ربنا لك الحمد وفي أخرى لهما أيضا أنه قال حين رفع سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ومن هذا الحديث أخذ الشافعي أنه يسن لكل مصلي أن يجمع بينهما وقال أبو حنيفة يكتفي الإمام بالتسميع لخبر رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة قال رسول الله إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد الحديث ووجه الدلالة أنه عليه الصلاة والسلام قسم ما يقول الإمام والمأموم والقسمة تنافي الشركة وأما


الشركة بينهما في قوله آمين فثابتة بخبر قال ابن الهمام وحينئذ إن أقمنا ركن المعارضة كان هذا إن صح إذ قوله مقدم على فعله عند التعارض لأنه تشريع لا يحتمل الخصوصية بخلاف فعله وإن جمعنا رفعنا المعارضة بأن يحمل الجمع على حاله الإنفراد وإن كان الظاهر من الحديث أن ذلك في عموم صلاته ا ه ثم اعلم أنه جاء في رواية بزيادة الواو وفي رواية بزيادة اللهم مع الواو وبدونها قال ابن حجر وأما ما اعتيد من جهر المبلغ بربنا لك الحمد وإسراره بسمع الله لمن حمده فخلاف السنة عندنا وإن قال به الأئمة الثلاثة ثم ورد ربنا لك الحمد واللهم ربنا ولك الحمد وربنا ولك الحمد والأفضل الأخيران لأن الحديث وإن صح بكل منها لكن كل من الثاني والثالث أصح وأكثر رواه ومن زعم أنه لم يصح فيه شيء فقد سهى كيف وهو في البخاري مع ما فيه من الزيادة فإنه يجمع بين معنين الدعاء والاعتراف أي ربنا تقبل منا ولك الحمد على هدايتك إيانا لما يرضيك عنا بناء على أن الواو عاطفة لا زائدة خلافا للأصمعي وعطف الخبر على الإنشاء جوزه جمع من النحويين وغيرهم وبتقدير اعتماد ما عليه الأكثرون من امتناعه فالخبر هنا بمعنى إنشاء الحمد لا الإخبار بأنه موجود إذ ليس فيه كثير فائدة ولا يحصل به الإمتثال لما أمرنا به من الحمد نعم فيه التفات من الغيبة إلى الخطابة ووقع للشارح هنا في باب القراءة ما لا يرضاه الذائق المتأمل ومنه أن ربنا متعلق بسمع الله لمن حمده وهو عجيب لما تقرر إن سمع


الله لمن حمده ذكر الإنتقال وربنا لك الحمد ذكر الإستقرار وكان لا يفعل ذلك أي رفع اليدين في السجود انحطاطا ورفعا متفق عليه وعن نافع أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه وإذا ركع رفع يديه وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه وإذا قام من الركعتين أي الركعة الثانية إلى الركعة الثالثة قال ابن حجر أي من الأوليين بعد التشهد الأول رفع يديه ورفع قال ابن الصلاح المرفوع هنا ما اضيف إلى النبي خاصة من قول أو فعل أو تقرير سواء كان متصلا أو منقطعا أي أسند ذلك أي رفع اليدين في هذه المواضع ابن عمر إلى النبي أي قال أنه فعل ذلك قاله ابن الملك رواه البخاري وعن مالك بن الحويرث مصغرا قال كان رسول الله إذا كبر أي عند التحريم أي شرع في تكبيره رفع يديه أي شرع في رفعهما حتى يحاذي بهما اذنيه بضم الذال وتسكن أي بطرف إبهاميه شحمتهما وبأعلى أصابعه أعلاهما وإذا ركع رفعهما كذلك وإذا رفع رأسه من الركوع أي رفع يديه فقال عطف على رفع سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك أي فعل رسول الله مثل ما فعل عند التكبير ولا يبعد كون إذا ظرفية وقوله فعل مثل ذلك جملة استئنافية مؤكدة وفي رواية حتى يحاذي بهما أي بأعلى أصابعهما فروع اذنيه أي عاليهما قاله الطيبي وقال ابن الملك فرع كل شيء أعلاه وقيل فرع الأذن شحمته قال ميرك هذه الرواية من أفراد مسلم وكذا قوله حتى يحاذي بهما أذنيه من أفراد مسلم ففي قوله متفق عليه نظر نعم الرواية الأولى متفق عليها ورواها أبو داود وابن ماجه أيضا كذا يفهم من التخريج والتصحيح


وعنه أي عن مالك المذكور أنه رأى النبي يصلي فإذا كان في وتر أي فرد من صلاته أي عددها قال القاضي المراد بالوتر الركعة الأولى والثالثة من الرباعيات لم ينهض أي لم يقم حتى يستوي قاعدا أي حتى يقرب إلى القعود قاله ابن الملك وقيل أي يجلس للإستراحة ثم يقوم ولعله فعل ذلك لعذر أو لبيان الجواز قال القاضي هذا دليل على استحباب جلسة الإستراحة قال ابن حجر ودعوى الطحاوي أنها ليست في حديث وهم عجيب منه وأما حديث وائل بن حجر أنه عليه السلام كان إذا رفع رأسه من السجود استوى قائما فغريب وبفرض عدم غرابته محمول على بيان الجواز وقول أحمد أكثر الأحاديث على عدم التعرض لها نفيا وإثباتا لا يؤثر بعد صحة التعرض لها إثباتا كما علمت ا ه ولا يخفى أن قوله حتى يستوي قاعدا نفي لبيان جلسته كما علمت قال ابن الهمام ولنا حديث أبي هريرة قال كان النبي ينهض في الصلاة على صدور قدميه أخرجه الترمذي وقال عليه العمل عند أهل العلم وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه وأخرج نحوه عن علي وكذا عن ابن عمر وابن الزبير وكذا عن عمر وأخرج عن الشعبي قال كان عمر وعلي وأصحاب رسول الله ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم وأخرج عن النعمان بن أبي عياش أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله فكان إذا رفع أحدهم رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة نهض كما هو ولم يجلس فقد اتفق أكابر الصحابة الذين كانوا أقرب إلى رسول الله وأشد اقتفاء لأثره وألزم لصحبته من مالك بن الحويرث على خلاف ما قال فوجب تقديمه رواه البخاري وعن وائل بن حجر بضم الحاء وسكون الجيم ابن ربيعة بن وائل بن يعمر بفتح الياء والميم أبو هنيدة الحضرمي كان قيلا من أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم وفد على النبي ويقال إنه عليه الصلاة والسلام بشر أصحابه بقدومه وقال يأتيكم وائل بن حجر من حضرموت طائعا راغبا في الله وفي رسوله وهو بقية من أبناء الملوك


فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه وبسط له رداءه فأجلسه عليه وقال اللهم بارك في وائل وولده
وولد ولده روى عنه ولداه علقمة وعبد الجبار وجماعة والصحيح أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه والله أعلم كذا نقله ميرك عن التصحيح أنه رأى النبي رفع يديه حال أي نظر إلى النبي رافعا يديه حين دخل أي أراد الدخول في الصلاة كبر قال الطيبي كبر بالواو في بعض نسخ المصابيح عطفا على دخل وفي بعضها وفي صحيح مسلم وكتاب الحميدي وجامع الأصول بغير واو مقيدا بلفظ كذا فوقه وفيه وجهان أحدهما أن يكون حالا وقد مقدرة وأن يراد بالدخول الشروع فيها والعزم عليها بالقلب فيوافق معنى العطف ويلزم منه المواطأة يعني عمل الجارحة واللسان والقلب وثانيهما أن يكون كبر بيانا لدخوله في الصلاة ويراد بالدخول افتتاحها بالتكبير وعلى الأول يلزم اقتران النية بالتكبير ثم التحف بثوبه أي تستر به يعني أخرج يديه من الكم حين كبر للإحرام ولما فرغ من التكبير أدخل يديه في كميه قال ابن الملك ولعل التحاف يديه بكميه لبرد شديد أو لبيان أن كشف اليدين في غير التكبير غير واجب قلت فيه أنه عند التكبير أيضا غير واجب بل مستحب وقال ابن حجر يحتمل أنه بعد تكبيرة الإحرام سقط ثوبه عن كتفه فأعاده ويحتمل أنه كان نسيه ثم تذكره بعد إحرامه فأخذه والتحف به قلت الإحتمال الثاني بعيد جدا مع احتياجه إلى معالجة كثيرة قال ويؤخذ من الإحتمال الأول أنه يسن لمن فاتته سنة في صلاته تداركها إذا أمكنه بفعل قليل فإن الصلاة في الثوب أي الرداء سنة ومن الثاني أنه يسن لمن ترك سنة من سنن الصلاة المتقدمة عليها تداركها ولو في الصلاة إن أمكن بفعل قليل أيضا ومن ثم كان الذي يتجه فيمن دخل في الصلاة بلا سواك أنه يسن له تداركه فيها بفعل قليل ا ه وهو تفريع غير صحيح لأن ستر الكتف إنما استحب خارج الصلاة ليتحقق وقوعه فيها وليس كذلك المسواك مع أن السواك في الصلاة غير مشروع إجماعا وهو عمل كثير عند


البعض فإن من رآه يتسوك تيقن أنه في غير الصلاة وأيضا ينافي مقتضى ظاهر مذهبهم من أنه إذا ترك الإستفتاح أو التعوذ عن محله لا يتدارك بعده هذا ويدل على بطلان احتمالية قوله ثم وضع يده اليمنى على اليسرى أي حال كونه ملتحفا بثوبه لقوله فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب والظاهر أنه وضع من غير إرسال وهو المعتمد في المذهب وقيل إنه يرسل ثم يضع جمعا بين الروايتين وخروجا عن خلاف المذهبين وعلى كل فهو حجة على من قال بكراهة الوضع أو بترك سنيته المؤكدة فما قاله ابن حجر من أن فيه التصريح بمشروعيته وبأنه أولى من الإرسال خلاف الأولى لقول البغوي ويكره إرسالهما ولعدم ثبوت الإرسال في فعله عليه السلام وقوله أصلا ولو ثبت لكان أولى أن يحمل على الضرورة أو لبيان الجواز وسيأتي محل الوضع ثم رفعهما وكبر فركع أي انتهى رفعه وتكبيره بانتهاء ركوعه كما دل عليه الروايات السابقة كذا ذكره ابن حجر لكن يتعقب عليه الفاء التعقيبية فالأولى حمله على بيان الجواز فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه أي لما شرع في قوله ذلك شرع في


رفعهما كما علم من الروايات السابقة أيضا واستفيد منه إن سمع الله لمن حمده ذكر الرفع والإنتقال من الركوع إلى الإعتدال وإنه يسن الجهر به إن احتيج إليه للإمام والمبلغ فلما سجد سجد بين كفيه أي محاذيين لرأسه قال ابن الملك أي وضع كفيه بإزاء منكبيه في السجود وفيه أن إزاء المنكبين لا يفهم من الحديث ولا هو موافق للمذهب وأغرب ابن حجر أيضا حيث قال وفيه التصريح بأنه يسن للمصلي وضع كفيه على الأرض حذاء منكبيه اتباعا لفعله عليه السلام كما رواه أبو داود وسنده صحيح قلت على تقدير صحة سنده فمسلم مقدم لأنه في الصحة مسلم فهو أولى بالترجيح فيحمل رواية غيره على الجواز والله أعلم رواه مسلم من طريق عبد الجبار بن وائل عن علقمة ومولى لهم أنهما أخبراه عن أبيه وائل بن حجر وهو إسناد مستقيم وعن ابن معين أنه قال علقمة بن وائل عن أبيه مرسل مات أبوه وأمه حامل به والصحيح أن علقمة سمع من أبيه وأن الذي لم يسمع من أبيه هو عبد الجبار بن وائل ولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر كذا نقله الترمذي عن البخاري ذكره ميرك وعن سهل بن سعد أنصاري خزرجي من بني ساعدة وهو آخر من مات من الصحابة في المدينة وكان له خمس عشرة سنة حين مات النبي قال كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل أي والمرأة تابعة له وفي القاموس الرجل إنما هو إذا احتلم وشب أو هو رجل ساعة يولد ا ه والمراد هنا الأول وبه يظهر وجه وضع الرجل موضع ضمير الناس وقال الطيبي في وضع الرجل موضع ضمير الناس تنبيه على أن القائم بين يدي الملك الجبار ينبغي أن لا يهمل شريطة الأدب بل يضع يده على يده ويطأطىء رأسه كما يصنع بين يدي الملوك نقله ميرك وكتب تحته وفيه ما فيه يعني وفيه أن هذه النكتة لمطلق الوضع لا لذكر الرجل موضع ضمير الناس والله أعلم ولعله أراد أنه لا يقوم بهذا الأدب إلا من اجتمعت فيه صفات الرجولية الكاملة لا لتخصيص الحكم به لأن الناس يعمه ما لم يقم دليل خروجه اليد اليمنى على ذراعه أي


قرب ذراعه اليسرى قال ابن الهمام وعن علي ومن السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة رواه أبو داود وأحمد وقال النووي اتفقوا على تضعيفه لأنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو مجمع على ضعفه وفي وضع اليمنى على اليسرى فقط أحاديث في الصحيحين وغيرهما تقوم بها الحجة على مالك
وأما قوله تعالى فصل لربك وانحر الكوثر فمدلول اللفظ طلب النحر نفسه وهو غير طلب وضع اليدين عند النحر فالمراد نحر الأضحية على أن وضع اليدين على الصدر ليس هو حقيقة وضعها على النحر فصار الثابت هو وضع اليمنى على اليسرى وكونه تحت السرة أو الصدر كما قال الشافعي لم يثبت فيه حديث يوجب العمل فيحال على المعهود من وضعهما حال قصد التعظيم في القيام والمعهود في الشاهد تحت السرة ثم قيل كيفيته أن يضع الكف على الكف وقيل على المفضل وعن أبي يوسف يقبض باليمنى رسغ اليسرى وقال محمد يضعها كذلك ويكون الرسغ وسط الكف وقيل يأخذ الرسغ بالإبهام والخنصر يعني ويضع الباقي فيكون جمعا بين الأخذ والوضع وهو المختار ا ه فما ادعاه ابن حجر من أن سنة الوضع أن يكون بين سرته وصدره للحديث الصحيح أنه عليه السلام وضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره أي آخره فيكونان تحته بقرينة رواية تحت صدره غير صحيح وإلا فيحتاج إلى تصريح ثم قال وجاء عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى فصل لربك وانحر الكوثر أي وضع اليمنى على اليسرى تحت النحر ا ه وقد تقدم الجواب عنه ثم قال والسنة أن يقبض بكف اليمنى كوع اليسرى وهو العظم الذي يلي الإبهام وبعض رسغها وهو المفصل بين الكف والساعد وساعدها وبأصابعها مفصل اليسرى لأنه صح عنه عليه السلام أنه وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد وروى الشيخان أنه أخذ بيمينه يساره في الصلاة ومحل الوضع منها كل قيام فيه ذكر مشروع رواه البخاري وعن أبي هريرة قال كان رسول الله وفي نسخة النبي إذا قام إلى الصلاة يكبر أي للإحرام وهو من


شروط الصلاة عندنا لقوله تعالى أي وذكر اسم ربه فصلى أي حين يقوم وفيه دليل ظاهر أن القيام شرط لصحة الإحرام عند القدرة ثم يكبر حتى يركع التكبيرات التي للإنتقال من السنن المؤكدة ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه أي حين يشرع رفعه من الركعة أي من الركوع وبه تتم الركعة للمقتدي ثم يقول وهو قائم ربنا لك الحمد قال ابن الهمام اتفقوا على أن المؤتم لا يذكر التسميع وفي شرح
الأقطع عن أبي حنيفة يجمع بينهما الإمام والمأموم ا ه فالحديث محمول على المنفرد فإنه يجمع بينهما إجماعا وأما قول ابن حجر وفيه التصريح بأن سمع الله لمن حمده ذكر الإنتقال وربنا لك الحمد ذكر القيام فمدفوع لأن التقدير ثم يشرع في قول ربنا لك الحمد وهو قائم ثم يكبر حين يهوى بكسر الواو أي يهبط وينزل إلى السجود ثم يكبر حتى يرفع رأسه أي من السجود ثم يكبر حين يسجد أي حين يريد السجدة الثانية ثم يكبر حين يرفع رأسه قال ابن الهمام وفيه ترجيح مقارنة الإنتقال بالتكبير كما هو في الجامع الصغير وأن التسميع يذكر حالة الإنتقال من الركوع والتحميد حالة الإنتقال من القيام وعلى وفقه ذكر في جامع التمرتاشي وقال فيه فإن لم يأت بالتسميع حالة الرفع لا يأت به حالة الإستواء وقيل يأتي بهما ثم يفعل ذلك أي جميع ما ذكر ما عدا التحريمة في الصلاة كلها أي جميع ركعاتها حتى يقضيها أي يتمها ويؤديها ويكبر حين يقوم من الثنتين أي الركعتين الأوليين بعد الجلوس أي القعدة للتشهد الأول متفق عليه وفيه دلالة على سنية التكبيرات في المواضع المذكورة ومن ثم قال أحمد بوجوبها وكذا قال أيضا بوجوب التسبيحات ونحوها قال ابن حجر وقال جماعة لا تسن واستدلوا بأحاديث لكنها ضعيفة وعن جابر قال قال رسول الله أفضل الصلاة طول القنوت أي صلاة ذات طول القنوت في النهاية القنوت يرد لمعان كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام والسكوت فينصرف لفظ الحديث إلى ما يحتمل قال المظهر


تقدير هذا الحديث أفضل الصلاة صلاة فيها طول القنوت أي طول القيام والقراءة وقال الأشرف المراد بالقنوت القيام وفيه إضمار أي ذات طول قيام كذا نقله الطيبي وقال ابن الملك استدل به أبو حنيفة والشافعي على أن طول القيام أفضل من كثرة السجود ليلا كان أو نهارا وذهب بعضهم إلى أن الأفضل في النهار كثرة السجود وقال ابن حجر منه ومن كونه عليه السلام كان يطول القيام أكثر من غيره كالركوع والسجود ومن كون ذكره القرآن وهو أفضل من ذكرهما أخذ أئمتنا أن إطالة القيام أفضل قالوا والأفضل بعده إطالة السجود ثم الركوع لقوله عليه السلام أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد رواه مسلم وأيضا خرج منه
تطويل القيام للخبر والمعنى السابقين واختلف أصحابنا فيما لو طول أحد هذه الثلاثة أو نحوها كوقوف عرفة ومبيت مزدلفة ومنى على قدر الواجب هل يثاب على الكل ثواب الفرض أو النفل فقال كثيرون بالأول وهو الأليق لسعة الفضل وقال كثيرون بالثاني وهو الأرجح حيث أمكن تمييز الفرض من غيره بخلاف بعير مخرج عن خمس من الإبل رواه مسلم قال ميرك ورواه الترمذي
الفصل الثاني


عن أبي حميد الساعدي مصغرا قال أي أوقع قوله الآتي أنا أعلمكم في عشرة أي في محضر عشرة يعني بين عشرة أنفس وحضرتهم من أصحاب النبي أنا أعلمكم بصلاة رسول الله وفي نسخة صحيحة بصلاة النبي قالوا فاعرض بهمزة وصل أي إذا كنت أعلم فاعرض في النهاية يقال عرضت عليه أمر كذا أو عرضت له الشيء أظهرته وأبرزته إليه أعرض بالكسر لا غير أي بين علمك بصلاته عليه السلام إن كنت صادقا فيما تدعيه لنوافقك إن حفظناه وإلا استفدناه قال كان النبي وفي نسخة رسول الله إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذى بهما أي بكفيه منكبيه ويكون رؤوس الأصابع بحذاء أذنيه ثم يكبر قال ابن حجر ثم هنا بمعنى الواو لرواية البخاري السابقة حين يكبر وقدمت لأنها أصح وأشهر وفيه دليل على وجوب وقوع جميع تكبيرة الإحرام في القيام كما مر ثم يقرأ ولعل القرءة هنا تعم التسبيح ودعاء الإستفتاح أو التقدير ثم يأتي بدعاء الإفتتاح والتعوذ كما ثبت من روايات أخر ثم يقرأ الفاتحة ثم السورة كما ثبت من روايات أخر أيضا ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع ويضع راحتيه أي كفيه على ركبتيه ويفرج أصابعه كل التفريج ولا يندب التفريج إلا في هذه الحالة ولا الضم إلا حال السجود وفيما سواهما وهو حال الرفع عند التحريمة والوضع في التشهد يترك على ما عليه العادة من


غير تكلف ضم ولا تفريج كذا في شرح المنية ثم يعتدل أي في الركوع بأن يسوي رأسه وظهره حتى يصيرا كالصفحة وتفسيره قوله فلا يصبي بالتشديد أي لا ينزل رأسه أي عن ظهره في الغريبين صبى الرجل رأسه يصبيه إذا خفضه جدا من صبا الرجل إذا مال إلى النساء وفي نسخة إلى الصبا في النهاية وشدده للتكثير قلت الظاهر أنه للتعدية وقال الأزهري الصواب يصوب قلت إذا صح صبي لغة ورواية فلا معنى لقوله والصواب ولا يقنع من أقنع رأسه إذا رفع أي لا يرفعه حتى يكون أعلى من ظهره ثم يرفع رأسه أي إلى القامة بالإعتدال فيقول سمع الله لمن حمده ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلا حال من فاعل يرفع ثم يقول الله أكبر ثم يهوي أي بعد شروعه في التكبير أي ينزل إلى الأرض ساجدا أي قاصدا للسجود فيجافي أي يباعد في سجوده يديه أي مرفقيه عن جنبيه ويفتخ بالخاء المعجمة المفتوحة أصابع رجليه أي يثنيها ويلينها فيوجهها إلى القبلة وفي النهاية أي يلينها فينصبها ويغمز موضع المفاصل ويثنيها إلى باطن الرجل يعني حينئذ قال وأصل الفتخ الكسر ومنه قيل للعقاب فتخا لأنها إذا انحطت كسرت جناحها قال ابن حجر والمراد هنا نصبها مع الإعتماد على بطونها وجعل رؤوسها للقبلة لخبر الصحيحين أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولخبر البخاري السابق أنه عليه السلام سجد واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ومن لازمها الإستقبال ببطونها والإعتماد عليها ثم يرفع رأسه أي مكبرا ويثني بفتح الياء الأولى أي يعطف رجله اليسرى فيقعد عليها ثم يعتدل أي جالسا حتى يركع كل عظم في موضعه أي يستقر فيه وفي نسخة صحيحة إلى موضعه أي يعود إليه معتدلا أي في الجلوس وهو حال مؤكدة قال ابن حجر فيه وجوب الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه وفيه أنه لا دلالة على الوجوب فيه ثم يسجد أي بعد التكبير ثم يقول الله أكبر ويرفع أي رأسه من السجدة الثانية


ويثني رجله اليسرى أي يعوجها إلى باطن الرجل فيقعد عليها ثم يعتدل على ما في نسخة صحيحة حتى يرجع أي يعود كل عظم إلى موضعه قال ابن حجر فيه ندب جلسة الإستراحة في كل ركعة لا تشهد فيها ا ه ويمكن
حمله على العذر أو بيان الجواز للجمع بين الروايات ثم ينهض أي يقوم ثم يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك أي مثل ما صنع في الركعة الأولى إلا ما استثني ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة قال القاضي لم يذكر الشافعي رفع اليدين عند القيام إلى الركعة الأخرى لأنه بنى قوله على حديث ابن شهاب عن سالم وهو لم يتعرض له لكن مذهبه إتباع السنة فإذا ثبت لزم القول به ذكره الطيبي ثم يصنع ذلك أي ما ذكر من الكيفيات في بقية صلاته ثنائية كانت أو غيرها حتى إذا كانت السجدة التي فيها أي في عقبها التسليم أخر أي أخرج كما في نسخة صحيحة رجله اليسرى أي من تحت مقعدته إلى الأيمن وقعد متوركا على شقه الأيسر أي مفضيا بوركه اليسرى إلى الأرض غير قاعد على رجليه قال الطيبي التورك أن يجلس الرجل على وركه أي جانب إليته ويخرج رجله من تحته ثم سلم قالوا أي العشرة من الصحابة صدقت أي فيما قلت هكذا كان أي رسول الله يصلي رواه أبو داود وقال النووي إسناده على شرط مسلم ورواه ابن حبان في صحيحه ذكره ميرك والدارمي أي بهذا اللفظ وروى الترمذي وابن ماجه معناه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح أي حسن لذاته صحيح لغيره أو باعتبار إسنادين وفي رواية أي أخرى لأبي داود من حديث أبي حميد أيضا ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ووتر يديه أي عوجهما من التوتير وهو جعل الوتر على القوس فنحاهما عن جنبيه من نحى ينحي تنحية إذا أبعد يعني أبعد مرفقيه عن جنبيه حتى كان يده كالوتر وجنبه كالقوس وفي النهاية أي جعلهما كالوتر من قولك وترت القوس وأوترته شبه يد الراكع إذا مدها قابضا على ركبتيه بالقوس إذا أوترت قال في


الهداية يعتمد بيديه على ركبتيه ناصبا ساقيه قال ابن الهمام واحناؤهما شبه القوس كما يفعله عامة الناس مكروه ذكره في روضة العلماء وقال ثم سجد فأمكن أي أقدر انفه وجبهته الأرض بنزع الخافض أي منها وفي رواية من الأرض أي وضعهما على الأرض مع الطمأنينة وفي الهداية إن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة أي مع الكراهة وقالا لا يجوز الإقتصار على الأنف إلا من عذر قال ابن الهمام والمعتبر وضع
ما صلب من الأنف لا مالان وقال ابن حجر فيه وجوب وضع الجبهة وكونها على الأرض أي مكشوفة إن أمكن ووجوب التحامل عليها للخبر الصحيح إذا سجدت فمكن جبهتك ولا تنقر نقرا قلت لا دلالة في الحديثين على كشف الوجه أصلا فضلا عن وجوبه ثم قال وصح أيضا أنهم شكوا إليه عليه السلام حر الرمضاء في جباههم وأكفهم فلم يزل شكواهم أي في المجموع ومن ثم لم يجب كشف اليدين والركبتين والرجلين لخبر ابن ماجه أنه عليه السلام صلى في مسجد بني الأشهل وعليه كساء ملفع به يضع يديه عليه يقيه الحصا ا ه وفيه أن الحديث الأول لا دلالة فيه على مدعاه لإجماع أهل السنة أنه يجوز السجدة على السجادة فيحمل عدم إزالة الشكوى على عدم إجازة تأخير الظهر إلى آخر الوقت والله أعلم وأما قول ابن حجر وحكمة وجوب كشف الجبهة دون بقية الأعضاء لسهولته فيها دون البقية وحصول مقصود السجود به وهو غاية التواضع والخضوع لمباشرة أشرف ما في الإنسان لمواطىء الأقدام والنعال فهو مشترك الدلالة بين الوجوب والسنية التي قلنا بها ثم قال واكتفي ببعضها لمشقة وجوبها على كلها وفي حديث ضعيف أنه عليه السلام سجد على بعضها وبفرض صحته هو لبيان الجواز فلا ينافي قول الشافعي بكراهته وفي الحديث أيضا وجوب وضع أنفه وبه قال جماعة من الأئمة واحتج القائلون بعدم الوجوب كأصحابنا بحمل أخبار الأنف على الندب للأخبار الصحيحة المقتصرة على الجبهة ورده النووي بأن فيها زيادة ثقة ولا منافاة بينهما ونحى بالتشديد أي بعد


يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه قال ابن الهمام في مسلم من حديث وائل بن حجر أنه عليه السلام سجد ووضع وجههه بين كفيه ا ه ومن يضع كذلك يكون يداه حذاء أذنيه فيعارض ما في البخاري من حديث أبي حميد أنه عليه السلام لما سجد وضع كفيه حذو منكبيه ويقدم عليه بأن فليح بن سليمان الواقع في سند البخاري وإن كان الراجح تثبيته لكنه قد تكلم فيه فضعفه النسائي وابن معين وأبو حاتم وأبو داود ويحيى بن القطان والساجي وقد جاء في أحاديث متعددة أنه كان يضع يديه حذاء أذنيه ولو قال قائل إن السنة أن يفعل أيهما تيسر جمعا للمرويات بناء على أنه كان عليه السلام يفعل هذا أحيانا وهذا أحيانا إلا أن بين الكفين أفضل لأن فيه من تخليص المجافاة المسنونة ما ليس في الآخر كان حسنا وفرج أي فرق الرجل بين فخذيه غير حامل أي غير واضع بطنه على شيء من فخذيه حتى فرغ أي من سجوده ثم جلس أي مطلقا وعند الشافعي إذا جلس للتشهد الأول فافترش رجله اليسرى أي جلس على بطنها وأقبل بصدر اليمنى على قبلته أي وجه أطراف أصابع رجله اليمنى إلى القبلة قاله الطيبي


ونقل ميرك عن الأزهار أي جعل صدر الرجل اليمنى مقابلا للقبلة وذلك بوضع باطن الأصابع على الأرض مقابل القبلة مع تحامل قليل في نصب الرجل ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى وأشار بأصبعه يعني السبابة فعالة من السب فإن عادة العرب كانت عند السب والشتم الإشارة بالأصبع الذي يلي الإبهام قال ابن الهمام وفي مسلم كان عليه السلام إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى ولا شك أن وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتحقق حقيقة فالمراد والله أعلم وضع الكف ثم قبض الأصابع بعد ذلك عند الإشارة وهو المروي عن محمد في كيفية الإشارة قال يقبض خنصره والتي تليها ويحلق الوسطى والإبهام ويقيم المسبحة وكذا عن أبي يوسف في الأمالي وهذا فرع تصحيح الإشارة وعن كثير من المشايخ لا يشير أصلا وهو خلاف الدراية والرواية وعن الحلواني يقيم الأصبع عند لا إله ويضعها عند إلا الله ليكون الرفع للنفي والوضع للإثبات وينبغي أن تكون أطراف الأصابع على حرف الركبة لا مباعدة عنها قال ابن حجر وفيه تفصيل بينه بقية الروايات وجرى عليه أئمتنا حيث قالوا يسن وضع بطن كفيه على فخذيه قريبا من ركبتيه للإتباع رواه مسلم واستفيد منه أنه يسن رفع مسبحته اليمنى لكن مع انحنائها قليلا لخبر صحيح فيه إلى جهة القبلة لحديث فيه أيضا عند قوله إلا الله للإتباع رواه مسلم وغيره وبه يخص عموم خبر أبي داود كان يشير بأصبعه إذا دعا أو تشهد على أن التشهد حقيقة النطق بالشهادتين ويسن أن ينوي بإشارته حينئذ التوحيد والإخلاص فيه للإتباع رواه البيهقي بسند فيه مجهول ويسن أن لا يجاوز بصره إشارته للإتباع أيضا رواه أبو داود وبسند صحيح ويكره عندنا تحريك المسبحة لأنه عليه السلام كان يتركه وقيل يسن لأنه عليه السلام كان يفعله روى الخبرين البيهقي وصححهما ثم قال ويحتمل أن


يكون المراد بتحريكها في خبره رفعها لا تكرير تحريكها وهو احتمال ظاهر للجمع بين الحديثين وأما خبر تحريك الأصابع مذعرة للشيطان أي منفرة له فضعيف وفي أخرى له أي في رواية أخرى لأبي داود وفي إسناد هذه الرواية عبد الله بن لهيعة وفيه مقال نقله ميرك عن التخريج وإذا قعد في الركعتين أي الأوليين قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى وإذا كان في الرابعة أفضى أي أوصلها بوركه اليسرى إلى الأرض أي مس بمالان من الورك الأرض الجوهري أفضى بيده إلى الأرض إذا مسها ببطن راحته ذكره الطيبي وأخرج قدميه من ناحية واحدة وهي ناحية اليمنى وإطلاق الإخراج على اليمنى تغليب لأن المخرج حقيقة هو اليسرى


لا غير ذكره ابن حجر وفيه دليل للشافعي على سنية التورك في القعدة الثانية قاله ابن الملك وعندنا يحمل على وقوعه لعذر أو لبيان الجواز مع احتمال وقوعه بعد السلام وعن وائل بن حجر أنه أبصر النبي حين قام إلى الصلاة ظرف لقوله رفع يديه حال بتقدير قد أي رآه حال كونه رافعا يديه حين قام إلى الصلاة حتى كانتا أي كفاه بحيال منكبيه أي بحذائهما وحاذى عطف على كانتا أي قابل النبي إبهاميه أذنيه أي جعل إبهاميه محاذيين لأذنيه والمراد شحمتيهما لما سيأتي مصرحا ثم كبر ثم بمعنى الواو أو معنى كبر انتهى التكبير فيكون ابتداء الرفع والتكبير متقاربين رواه أبو داود من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه وعبد الجبار لم يسمع من أبيه قال الترمذي قلت لمحمد عبد الجبار سمع من أبيه قال لا ولد بعد أبيه بستة أشهر كذا في التخريج وقال المزي في تهذيب الكمال هذا القول ضعيف جدا فإنه قد صح أنه قال كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي ولو مات أبوه وهو حمل لم يقل هذا القول ذكره ميرك فقول ابن حجر بسند حسن غير مستحسن وفي رواية له أي لأبي داود قال ميرك وللنسائي كذا يفهم من التخريج يرفع إبهاميه إلى شحمة أذنيه أي شحمتيهما وهي ما لان من أسفلهما وهو مذهب أبي حنيفة ومختار الشافعي وعن قبيصة بفتح القاف ابن هلب بسكون اللام مع ضم الهاء كذا في المفاتيح قال الطيبي لأبيه صحبة عن أبيه قال البخاري اسم هلب يزيد وقيل سلامة بن عدي وإنما قيل له هلب لأنه كان أقرع فمسح النبي رأسه فنبت شعر كثير فسمى هلبا نقله ميرك عن التخريج قال كان رسول الله يؤمنا أي يصير إماما لنا فيأخذ شماله أي كوعه الأيسر بيمينه أي بكفه اليمنى قاله ابن الملك والأظهر بأصبعيه الإبهام والخنصر ويكون الكف على الكف وبقية الأصابع على الذراع وبه يجمع بين الأحاديث والروايات وهذا الوضع عند القيام وقال محمد عند القراءة رواه الترمذي وقال حديث حسن نقله ميرك وابن ماجه


وعن رفاعة بكسر الراء ابن رافع الأنصاري قال جاء رجل قال ابن حجر هو أخوه خلاد بن رافع كما مر الكلام عليه أول الباب فصلى في المسجد أي صلاة ناقصة أو فاسدة ثم جاء فسلم على النبي تقديما لحق الخالق على المخلوق فقال النبي أعد صلاتك فإنك لم تصل قال ابن الملك وذلك لعدم كمالها وتفاحش نقصانها فقال أي الرجل علمني يا رسول الله كيف أصلي وهو يحتمل تعدد القصة واتحادها قال إذا توجهت إلى القبلة وهو شرط بلا خلاف فكبر فإنه فرض بلا خلاف على خلاف في كونه شرطا أو ركنا ثم اقرأ بأم القرآن أي الفاتحة وما شاء الله أن تقرأ أي ما رزقك الله من القرآن بعد الفاتحة فقراءة آية فرض بالإجماع وأما سورة الفاتحة فالجمهور على أنها فرض وعندنا واجب لأنه ثبت بدليل ظني وأما ضم السورة وما قام مقامها فعندنا واجب وعند الشافعي ومن وافقه سنة والحديث حجة عليهم لأن الأصل في الأمر الوجوب والتعليق بالمشيئة إنما هو بالنسبة لقدر المقروء لا لأصله قال ابن حجر وبه قال جمع من الأئمة وأوجبوا قراءة ثلاث آيات وقال بعض أئمتنا ودليله قوي إذ لم يحفظ عنه عليه السلام النقص عنها قال ويجاب بحمل ذلك على التأكيد لا الوجوب للخبر الصحيح وهو قوله عليه السلام أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عنها عوضا ا ه وفيه بحث لأن معنى الحديث أن الفاتحة تقوم مقام الفرض والواجب جميعا وليس غيرها كذلك لأن غيرها يؤدى به الفرض فقط دون الواجب فهو يؤيد مذهبنا وإصطلاح أئمتنا قال الطيبي وضع ما شاء الله موضع ما شئت لأن مشيئته مسبوقة بمشيئة الله كما قال تعالى أي وما تشاؤون إلا أن يشاء الله أي فإذا ركعت فاجعل راحتيك أي كفيك على ركبتيك وهذا الجعل سنة اتفاقا ومكن ركوعك أي من أعضائك يعني تمم بجميع أعضائك قاله الطيبي وقال ابن الملك أي اركع ركوعا تاما مع الطمأنينة وقال ابن حجر أي تممه بفعل ما مر في الأعضاء وامدد أي ابسط ظهرك وهذه الكيفية مستحبة أيضا فإذا رفعت أي رأسك من


الركوع فأقم صلبك ومر تفسيره وارفع رأسك حتى
ترجع العظام برفعها وتنصب بناء على أنه لازم ومتعد أي تعود أو ترد أنت إلى مفاصلها وتقدم حكمه أيضا فإذا سجدت فمكن أي يديك قاله الطيبي للسجود أي اسجد سجودا تاما مع الطمأنينة قاله ابن الملك ووضع اليدين في السجود سنة عندنا وفرض عند الشافعي وقال ابن حجر معناه فمكن جبهتك من مسجدك فيجب تمكينها بأن يتحامل عليها بحيث لو كان تحتها قطن انكبس فإذا رفعت أي رأسك من السجود فاجلس على فخذك اليسرى أي ناصبا قدمك اليمنى وهو الإفتراش المسنون عندنا في مطلق القعدات وقال ابن حجر أي تنصب رجلك اليمنى كما بينه بقية الأحاديث السابقة ومن ثم كان الإفتراش بين السجدتين أفضل من الإقعاء المسنون بينهما كما مر لأن ذلك هو الأكثر من أحواله عليه السلام ا ه وفيه أن الأولى أن يحمل الأكثر على أنه المسنون وغيره إما لعذر أو لبيان الجواز ثم اصنع ذلك أي جميع ما ذكر في كل ركعة وسجدة أي ركوع وسجود وقال ابن حجر ويصح إبقاء الركعة على حقيقتها ويكون المراد بالسجدة سجدة التلاوة والشكر إذ يجب فيهما ما يجب في سجود الصلاة حتى تطمئن قال ابن الملك يريد به الجلوس في آخر الصلاة فإنه موضع الإستقرار يعني حتى تفرغ وقال ابن حجر راجع إلى جميع ما مر فيفيد وجوب الطمأنينة في الركوع والإعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين وهو مذهبنا كأكثر العلماء هذا لفظ المصابيح ورواه أبو داود أي هذا اللفظ مع تغيير يسير أي قليل في لفظه وروى النسائي والترمذي معناه وقال الترمذي هذا حديث حسن وقال ابن عبد البر هذا حديث ثابت نقله ميرك عن المنذري وفي رواية للترمذي قال ميرك فيه نظر فإن هذه الرواية ليست مخصوصة بالترمذي بل أخرجها أبو داود أيضا قال إذا قمت أي أردت القيام إلى الصلاة فوضع المسبب موضع السبب فتوضأ كما أمرك الله به أي في سورة المائدة ثم تشهد أي قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله بعد الوضوء فأقم أي


الصلاة قال ابن حجر وفي رواية وأقم وقيل معنى تشهد أذن لأنه مشتمل على كلمتي الشهادة فأقم على هذا يريد به الإقامة للصلاة كذا نقله ميرك عن الأزهار قال ابن حجر وفيه دلالة ظاهرة لمن قال بوجوب الأذان والإقامة على الكفاية وقيل أي احضر قلبك وانو وكبر فأقم الصلاة أو احضر قلبك واستقم فإن كان معك قرآن سواء كان أم القرآن أو غيرها فاقرأ أي ما تيسر وقال ابن حجر فاقرأ أي بأم القرآن إن حفظتها وإلا فسبع آيات بدلها بقدر حروفها متفرقة كانت أو متوالية ثم أغرب وقال وإنما حملناه على هذا التفصيل للحديث السابق أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضا عنها ا ه فإنه حجة عليه بظاهره فتأمل وإلا أي وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله أي قل الحمد لله وكبره أي قل الله أكبر وهلله أي


قل لا إله إلا الله وسيأتي تحقيق هذا المبحث في الفصل الثاني من باب القراءة في الصلاة قال ابن حجر ومنه أخذ أئمتنا أن من لم يعرف شيئا من القرآن يلزمه الذكر اتفاقا ثم اختلفوا هل يجب سبعة أنواع من الذكر بقدر حروف الفاتحة والأصح نعم لهذا الخبر وليكون كل نوع مكان آية وقال جمع لا لهذا الحديث فإنه كالنص في عدم وجوب سبعة أنواع ويرد بأن ظاهر الحديث وجوب ثلاثة أنواع ولم يقل به أولئك فالحديث إذا ليس فيه تمسك لإحدى المقالتين ا ه وهو تقرير عجيب وتحرير غريب مشتمل على تدافع وتناقض ثم قال وقد صح عند بعضهم لكن بين النووي ضعفه أن رجلا جاء إلى النبي فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزىء منه في صلاتي فقال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهذا مشتمل على خمسة أنواع بل سبعة والظاهر أنه كان يحفظ البسملة فهو بتقدير صحته دليل للراجح المذكور قلت وبتقدير وجود السادس أيضا ثم اركع وعن الفضل بن عباس قال قال رسول الله الصلاة مثنى مثنى قيل الصلاة مبتدأ ومثنى مثنى خبره والأول تكرير والثاني توكيد وقوله تشهد في كل ركعتين خبر بعد خبر كالبيان لمثنى مثنى أي ذات تشهد وكذا المعطوفات ولو جعلت أوامر اختل النظم وذهب الطراوة والطلاوة قاله الطيبي وقال التوربشتي وجدنا الرواية فيهن بالتنوين لا غير وكثير ممن لا علم له بالرواية يسردونها على الأمر وتراها تصحيفا قال ابن الملك يعني الصلاة ركعتين ركعتين وهذا في النوافل عند الشافعي إذ الأفضل عنده أن يسلم من كل ركعتين ليلا كان أو نهارا وعند أبي حنيفة الأفضل أن يصلي أربع ركعات بتسليمة ليلا كان أو نهارا ا ه وصاحباه معه في النهار ومع الشافعي في الليل أقول الظاهر أن معنى الحديث أن أقل الصلاة ركعتان فيفيد نهي القليل كما هو مذهبنا وتشهد بعدهما واجب ولا منع للزيادة ولا دلالة على سلام بعدهما ليصلح موضعا للخلاف


المذكور وإبقاء الجنس على أصله أولى من تقييده بالنافلة الموهم أن تكون الأوصاف الآتية من مختصاتها وتخشع التخشع السكون والتذلل وقيل الخشوع قريب المعنى من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في البصر والبدن والصوت وقيل الخضوع في الظاهر والخشوع في الباطن والأظهر أنهما بمعنى لقوله عليه السلام لو خشع قلبه لخشعت جوارحه قال ابن الملك وهو أي الخشوع في الظاهر والباطن طمأنينة الرجل بحيث لا يتحرك ولا يلتفت يمينا وشمالا ا ه والخشوع من كمال الصلاة قال تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاته


خاشعون المؤمنون وفي قوله تخشع اشارة إلى أنه إن لم يكن له خشوع فيتكلف ويطلب من نفسه الخشوع ويتشبه بالخاشعين وتضرع أي إلى الله في مختصر النهاية التضرع التذلل والمبالغة في السؤال وتمسكن وهو إظهار الرجل المسكنة من نفسه قاله ابن الملك أو معناه طلب السكون إلى الله وأمره وحكمه وقضائه وقدره أو اطمئنانه بذكره قال المظهر قوله تمسكن من المسكين مفعيل من السكون لأنه يسكن إلى الناس وزيادة الميم من الفعل شاذ ولم يروها سيبويه إلا في هذا وفي تمدرع نقله الطيبي وقيل تمسكن من السكينة وقيل معناه السكون والوقار والميم زائدة فيهما وأما قوله ثم تقنع يديك من إقناع اليدين رفعهما في الدعاء ومنه قوله تعالى مقنعي رؤوسهم إبراهيم أي ترفع بعد الصلاة يديك للدعاء فعطف على محذوف أي إذا فرغت منها فسلم ثم ارفع يديك سائلا حاجتك فوضع الخبر موضع الطلب قال المظهر فإن قلت لو جعلتها أوامر وعطفت أمرا على أمر وقطعت تشهد عن الجملة الأولى لاختلاف الخبر والطلب لكان لك مندوحة عن هذا التقدير قلت حينئذ خرج الكلام الفصيح إلى التعاظل في التركيب وهو مذموم وذكر ابن الأثير أن توارد الأفعال تعاظل ونقلنا عنه في التبيان شواهد نقله الطيبي وقوله تعاظل بالظاء المشالة ففي القاموس تعظلوا عليه اجتمعوا ويوم العظالى كحبارى معروف لأن الناس ركب بعضهم بعضا أو لأنه ركب الاثنان والثلاثة دابة يقول أي الراوي معناه ترفعهما أي لطلب الحاجة وقوله إلى ربك متعلق بقوله تقنع وقيل يقول فاعله النبي وترفعهما يكون تفسيرا لقوله ثم تقنع يديك مستقبلا ببطونهما وجهك أي ولو كان الدعاء استعاذة وتقول يا رب يا رب الظاهر أن المراد بالتكرير التكثير ومن لم يفعل ذلك أي ما ذكر من الأشياء في الصلاة فهو أي فعل صلاته كذا وكذا قال الطيبي كناية عن أن صلاته ناقصة غير تامة يبين ذلك الرواية الأخرى أعني قوله فهو خداج وفي رواية قال ميرك وفي سنده عبد الله بن نافع بن أبي العمياء قال


البخاري لم يصح حديثه كذا في التخريج فهو خداج بكسر المعجمة أي ناقص في الأجر والفضيلة قيل تقديره فهو ذات خداج أي صلاته ذات خداج أو وصفها بالمصدر نفسه للمبالغة والمعنى أنها ناقصة وفي الفائق الخداج مصدر خدجت الحامل إذا ألقت ولدها قبل وقت النتاج فاستعير والمعنى ذات نقصان فحذف المضاف وفي النهاية وصفها بالمصدر مبالغة كقوله فإنما هي إقبال وإدبار رواه الترمذي قال ابن حجر وسنده حسن

الفصل الثالث
عن سعيد بن الحرث بن المعلى اسم مفعول من التعلية في جامع الأصول يقال إن ابن المعلى قاضي المدينة من مشاهير التابعين قال صلى لنا أبو سعيد الخدري فجهر بالتكبير لكونه إماما حين رفع رأسه من السجود ليعلم ويتابع عليه وحين سجد أي ثانيا وحين رفع أي رأسه وفي البخاري حين قام من الركعتين أي الأوليين وقال هكذا رأيت النبي رواه البخاري وعن عكرمة تابعي جليل مولى لابن عباس قال صليت خلف شيخ بمكة قال ميرك هو أبو هريرة كما جاء مسمى في رواية أحمد والطبراني والطحاوي فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة قال الطيبي هذا العدد إنما يكون في الصلاة الرباعية بإضافة تكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام من التشهد الأول فقلت لابن عباس إنه أحمق أي جاهل فقال ثكلتك أي فقدتك أمك قد سبق أنها كلمة تعجب وظاهرها دعاء عليه وقد تذكر في موضع المدح والذم وههنا محمول على هلاكه ردا لقوله إنه أحمق أي أتقول في حق من اقتفى سنة أبي القاسم إنه أحمق سنة أبي القاسم خبر مبتدأ محذوف أي الخصلة التي أنكرتها منه سنة أبي القاسم وقد طبق ذكر الكنية هنا مفصل البلاغة ومحررها قاله الطيبي وكأنه أشار بهذه الكنية إلى عظيم التسجيل على عكرمة وأن ما حصل لورثته عليه السلام علما ومعرفة إنما هو لقسمته عليه السلام لخبر إنما أنا قاسم والله يعطي رواه البخاري


وعن علي أي زين العابدين ابن الحسين رضي الله عنهما مرسلا لأنه لم يدرك النبي قال ابن حجر مرسلا حال متقدمة على صاحبها ا ه وهو موافق لما في النسخ المصححة المضبوطة على صيغة المفعول لكن يحتمل أن يكون مرسلا بصيغة الفاعل فيكون حينئذ حالا متأخرة عن صاحبها قال كان رسول الله يكبر في الصلاة كلما خفض أي أراد الخفض إلى الركوع أو السجود ورفع أي وكلما رفع إلى القومة من الركوع فإنه يسمع ويحمد ثم يكبر للخفض فلم يزل بالتذكير وقيل بالتأنيث تلك أي تلك الصلاة المقترنة بذلك التكبير صلاته بالرفع وقيل بالنصب قال الطيبي يحتمل أن يكون اسم لم يزل مستكنا عائدا إلى النبي والجملة الاسمية خبرها وأن يكون تلك اسمها وصلاته خبرها إذا رويت منصوبة وبالعكس إذا رويت مرفوعة حتى لقى الله رواه مالك وعن علقمة تابعي مشهور قال قال لنا ابن مسعود ألا أصلي بكم صلاة رسول الله فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة مع تكبير الإفتتاح رواه الترمذي وقال وفي الباب عن البراء بن عازب وحديث ابن مسعود حسن وبه يقول غير واحد من التابعين وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وأبو داود والنسائي قال ابن الهمام وقد أخرج الدارقطني وابن عدي عن محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال صليت مع رسول الله وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة وروى الطحاوي ثم البيهقي من حديث الحسن بن عياش بسند صحيح عن الأسود قال رأيت عمر بن الخطاب رفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود وقال أبو داود ليس هو بصحيح على هذا المعنى يعني وإن كان سنده صحيحا لأن غير ابن مسعود روى عنه عليه السلام الرفع عند الركوع والإعتدال والقيام من التشهد الأول وقيل إنه نسي الرفع في هذه


المواضع الثلاثة وهو بعيد جدا وأبعد منه ما قيل إنه رضي الله عنه كان قصيرا إذ طوله قدر ذراع وإنه لكماله كان لا يرفع رأسه في صلاة فلم يعلم الرفع إلا عند التحريمة لأنه إذ ذاك غير داخل في الصلاة قال ميرك فيه نظر لأنه ليس في سنن أبي داود على هذا المعنى وإنما فيه ليس بصحيح فقط ا ه وقد استوعب الإمام ابن الهمام الكلام في هذا المقام فعليك بشرحه للهداية إن كان لك عناية إلى النهاية وعن أبي حميد الساعدي قال كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة فيه إشارة إلى اعتبار الجهة حيث لم يقل استقبل الكعبة ورفع يديه أي إلى حذاء أذنيه وقال الله أكبر رواه ابن ماجه وعن أبي هريرة قال صلى بنا رسول الله الظهر وفي مؤخر الصفوف رجل فأساء الصلاة قال الطيبي الفاء للسببية يعني أن تأخره كان سببا لإساءة الصلاة ولذا عنفه رسول الله بقوله إني لأرى ا ه وفيه بحث وقال ابن حجر قوله فأساء الصلاة أي أتى فيها بما يبطلها كما يدل له قوله ألا تتقي الله والفاء هنا الظاهر أنها زائدة لتزيين اللفظ ا ه والأظهر أنها للتعقيب والتقدير وفي مؤخر الصفوف رجل صلى معنا فأساء الصلاة فلما سلم أي النبي أو الرجل ناداه رسول الله يا فلان ألا تتقي الله أي مخالفته أو معاقبته وهو إبهام ويبينه قوله ألا ترى أي تنظر وتتأمل كيف تصلي بالخطاب وفي نسخة بنون المتكلم إنكم ترون بضم التاء أي تظنون أنه يخفى علي شيء مما تصنعون أي في صلاتكم أو مطلقا في بعض الأوقات والله قسم إني لأرى أي أبصر أو أعلم من خلفي بحرف الجر وفي نسخة بمن الموصولة كما أرى من بين يدي بكسر من وجر بين وفي نسخة بفتح من ونصب بين يدي على الظرفية قال ابن حجر أي في حال الصلاة لأنه عليه الصلاة والسلام كان يحصل له فيها قرة العين بما يفاض عليه فيها من غايات القرب وخوارق التجليات فتنكشف له حقائق الموجودات على ما هي عليه فيدرك من خلفه كما يدرك من أمامه لأنه


لباهر كماله لا يشغله جمعه عن فرقه فهو وإن استغرق في عالم الغيب لا يخفى عليه شيء من عالم الشهادة فعلم إن ما هنا لا ينافي قوله عليه السلام إني لا أعلم ما وراء جداري على تقدير صحته لأنه بالنسبة إلى خارج الصلاة وقيل بل كان له عينان بين كتفيه كسم الخياط يرى بهما كما يرى بعينيه الأصليتين مع أن في الحقيقة لا منافاة لأن المثبت هنا الرؤية البصرية والمنفي ثمة العلم أي بالمغيبات فلم يتواردا على شيء واحد وفي معنى هذا خبر الصحيحين عن أبي هريرة أيضا هل ترون قبلتي ههنا فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم إني لأرى من وراء ظهري وفيه رواية لمسلم عن أنس أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني أراكم من أمامي ومن خلفي ولا ينافي ذلك توقف الرؤية في حق المخلوق على حاسة وشعاع ومقابلة اتفاقا لأن محله في غير المعجزة وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها وقيل سبب رؤيته لمن وراءه أن صورهم كانت منطبعة في قبلته ورد بأن مثل هذا لا يتجاسر عليه إلا بنقل صحيح وقيل هي رؤية قلب وقيل وحي أو إلهام ورد بأن الصواب أنها رؤية مشاهدة بالبصر كما مر وخبر لا أعلم ما وراء جداري لا ينافي بناء على ما مر إخباره عليه السلام بمغيبات لا تحصى لأن ذاك على الأصل وهذا على خرق العادة بوحي أو إلهام قلت هذا مناقضة بل مصادرة في الكلام ثم قال ويؤيده أنه عليه السلام لما ضلت ناقته وقال بعض المنافقين إن محمدا يزعم أنه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته قال عليه السلام والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي وقد دلني ربي عليها وهي في موضع كذا وكذا حبستها شجرة بخطامها فذهبوا فوجدوها كما أخبر ا ه والحاصل أن أحوال الأنبياء والأولياء مختلفة ولهذا لم ير يعقوب ولده يوسف في البئر مع قربها إلى بلده ووجد ريح قميص يوسف من حين فصلت العير من مصر رواه أحمد


باب ما يقرأ بعد التكبير الأولى
باب ما يقال بعده ليشمل دعاء الإفتتاح ولعله أراد به التغليب والمراد التكبير الذي للإحرام

الفصل الأول
عن أبي هريرة قال كان رسول الله يسكت من الإسكات وهو لازم قال التوربشتي ضبطناه بفتح أوله وضم ثالثة من السكوت وقال الكرماني من الإسكات قلت وعليه أكثر النسخ وجمهور الشراح وهو الملائم للمصدر الآتي قال الجوهري يقال تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف فإذا انقطع كلامه قلت أسكت نقله القسطلاني بين التكبير وبين القراءة إسكاتة إفعالة من السكوت ولا يراد به ترك الكلام بل ترك رفع الصوت لقوله ما تقول في إسكاتك قاله الطيبي أو المراد به السكوت عن القراءة لا عن الذكر قاله الأبهري وهو الأظهر فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال التوربشتي الباء متعلقة بمحذوف قيل هو اسم فيكون ما بعده مرفوعا تقديره أنت مفدي بأبي وأمي وقيل هو فعل أي فديتك وما بعده منصوب وحذف هذا المقدر تخفيفا لكثرة الإستعمال وعلم المخاطب ذكره الطيبي إسكاتك بالنصب وقيل بالرفع بين التكبير وبين القراءة قال ابن حجر بين هذه زائدة لأنها لا تدخل إلا على متعدد ما تقول أي في وقت سكوتك من الجهر قال المظهر بالنصب مفعول فعل مقدر أي أسألك إسكاتك ما تقول فيه أو في إسكاتك ما تقول بنزع الخافض ذكره الطيبي وقال الشيخ ابن حجر هو بالرفع في روايتنا على الإبتداء نقله ميرك وروي بفتح الهمزة على الإستفهام وضم السين قال أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب أخرجه مخرج المبالغة لأن المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة وقيل تفيد البعد من الجانبين فكأنه قيل اللهم باعد بيني وبين خطاياي وباعد بين خطاياي وبيني والخطايا إما أن يراد بها اللاحقة فمعناه إذا قدر لي ذنب


فبعد بيني وبينه والمقصود ما سيأتي أو السابقة فمعناه المحو والغفران لما حصل منها وهو مجاز لأن حقيقة المباعدة إنما هو في الزمان والمكان وموقع التشبيه إن التقاء المشرق والمغرب مستحيل فكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية وكرر لفظ بين هنا ولم يكرر بين المشرق والمغرب لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الجار كذا قاله ميرك اللهم نقني أي طهرني من الخطايا أي التي تدنس القلوب وتسودها كما ينقى بصيغة المجهول الثوب الأبيض من الدنس أي الدرن والوسخ وفي تقييد الثوب بالأبيض مبالغة لا تخفى اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج بالسكون والبرد بفتحتين قال التوربشتي ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها تبيانا لأنواع المغفرة التي لا مخلص من الذنوب إلا بها أي طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس والأوزار ورفع الجنابة والإحداث قيل خص الثلج والبرد بالذكر لأنهما ماءان مقطوران على خلقتهما لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي ولم تخضهما الأرجل كسائر المياه التي خالطت التراب وجرت في الأنهار وجمعت في الحياض فهما أحق بكمال الطهارة فإن قلت الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار فلم ذكر ذلك قلت قال محيي السنة معناه طهرني من الذنوب وذكرها مبالغة في التطهير لا أنه يحتاج إليها قال الخطابي هذه أمثال ولم يرد أعيان هذه المسميات وإنما أراد بها التأكيد في التطهير والمبالغة في محوها عنه قال ابن دقيق العيد عبر بها عن غاية المحو فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة المحو بها كقوله تعالى أي واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أي قال الطيبي المطلوب من ذكر الثلح والبرد بعد ذكر الماء لطلب شمول الرحمة وأنواع المغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب


النار التي هي في غاية الحرارة من قولهم برد الله مضجعه أي رحمه ووقاه عذاب النار وقال ميرك وأقول الأقرب أن يقال جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدا ويحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة فالمباعدة للمستقبل والغسل للماضي والتنقية للحال وكأن تقديم المستقبل للإهتمام يدفع ما سيأتي قبل دفع ما حصل والله أعلم ا ه ويمكن أن تكون المباعدة فيما لم يقع مطلقا والتنقية في الحال والإستقبال والغسل فيما وقع مطلقا وتعدد آلة الغسل إشارة إلى أنواع المغفرة المتعلقة بالذنوب ومراتبها والله أعلم وهذا كله تعليم للأمة أو دعاء لهم أو باعتبار حسنات الأبرار سيئات المقربين وهو الأظهر متفق عليه قال ميرك ورواه أبو داود والترمذي والنسائي


وعن علي رضي الله عنه قال كان النبي إذا قام إلى الصلاة قيل أي النافلة لرواية النسائي إذا قام يصلي تطوعا الآتية في آخر الفصل الثالث ويعكر عليه ما في رواية ابن حبان كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة وما رواه الدارقطني كان إذا ابتدأ الصلاة الفريضة مع إطلاق رواية مسلم وغيره ولذا أجاب البعض بأنه كان في أول الأمر كذا في شرح المنية لابن أمير حاج وفي رواية كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال وجهت وفي حذف إني إيماء إلى أنه لم يرد به القراءة وجهي بسكون الياء وفتحها أي توجهت بالعبادة بمعنى أخلصت عبادتي لله قاله الطيبي وقيل صرفت وجهي وعملي ونيتي أو أخلصت قصدي ووجهتي وينبغي للمصلي عند تلفظه بذلك أن يكون على غاية من الحضور والإخلاص وإلا كان كاذبا وأقبح الكذب ما يكون والإنسان واقف بين يدي من لا يخفى عليه خافية للذي فطر السموات والأرض أي إلى الذي خلقهما وعملهما من غير مثال سبق وأعرضت عما سواه فإن من أوجد مثل هذه المحدثات التي هي على غاية من الإبداع والإتقان حقيق بأن تتوجه الوجوه إليه وإن تعول القلوب في سائر أحوالها عليه ولا يلتفت لغيره ولا يرجو إلا دوام رضاه وخيره وإنما جمع السموات لسعتها أو لإختلاف طبقاتها أو لتقدم وجودها أو لشرف جهتها أو لفضيلة جملة سكانها أو لأنها أفضل على الأصح عند الأكثر وإلا فالأرض سبع أيضا على الصحيح لقوله تعالى أي ومن الأرض مثلهن أي ولما ورد ورب الأرضين السبع حنيفا حال من ضمير وجهت أي مائلا عن كل دين باطل إلى الدين الحق ثابتا عليه وهو عند العرب غلب على من كان على ملة إبراهيم عليه السلام وقيل هو المسلم المستقيم قال الطيبي أي مائلا عن الأديان الباطلة والآراء الزائغة من الحنف وهو الميل يعني أصله الميل المطلق ثم نقل في العرف إلى ما ذكر عكس الإلحاد فإنه في الأصل لمطلق الميل ومنه اللحد وفي العرف الميل من الحق إلى الباطل أو مائلا عن كل جهة وقصد إلى الحضور والإخلاص في عبادة فاطر


السموات والأرض فهو حال مؤكدة لمعنى وجهت وجهي وزاد ابن حبان في روايته مسلما بعد حنيفا أي منقادا مطيعا
لأمره وقضائه وقدره وما أنا من المشركين فيه تأكيد وتعريض وقال ابن حجر تأكيد لما قبله أو تأسيس بجعل النفي عائدا إلى سائر أنواع الشرك الظاهر والخفي لكن لا يسوغ هذا إلا للخواص في بعض المنازلات إن صلاتي أي عبادتي وصلاتي وفيه شائبة تعليل لما قبله ونسكي أي ديني وقيل عبادتي أو تقربي أو حجي وجمع بينهما لقوله تعالى أي فصل لربك وانحر أي ومحياي بالفتح والسكون أي حياتي ومماتي بالسكون والفتح أي موتي لله أي هو خالقهما ومقدرهما وقيل طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير أو حياتي وموتي لله لا تصرف لغيره فيهما أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي وما أموت خالصة لوجه الله أو إرادتي من الحياة والممات خالصة لذكره وحضوره وقربه وللرضا بأمره وقضائه وقدره أو جميع أحوالي حياتي ومماتي وما بعده لله رب العالمين بدل أو عطف بيان أي مالكهم ومربيهم وهم ما سوى الله على الأصح لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله وبذلك أي بالتوحيد الكامل الشامل للاخلاص قولا واعتقادا أمرت وأنا من المسلمين أي المطيعين والمنقادين لله قال ابن حجر وسيأتي رواية وأنا أول المسلمين وكان يقول تلك تارة وهذه أخرى لأنه أول مسلمي هذه الأمة بل جاء أن النور الذي خلق منه سبق إيجاده قبل خلق الخلق بأزمنة طويلة والسنة لغيره أن يقول الأولى لا غير إلا أن يقصد الآية ثم لا فرق بين الرجل والمرأة فيما ورد من الأذكار والأدعية لحمله على التغليب أو إرادة الأشخاص اللهم أي يا ألله والميم بدل عن حرف النداء ولذا لا يجمع بينهما إلا في الشعر أنت الملك لا ملك ولا ملك لغيرك لا إله إلا أنت أي أنت المنفرد بالألوهية أنت ربي تخصيص بعد تعميم وقال ميرك في قوله لله رب العالمين إثبات الإلهية المطلقة لله تعالى على سبيل الحصر بعد إثبات الملك له كذلك في أنت


الملك لما دل عليه تعريف الخبر باللام ترقيا من الأدنى إلى الأعلى طبق قوله أي ملك الناس إله الناس أي وإنما أخر الربوبية في قوله أنت ربي لتخصيص الصفة وتقييدها بالإضافة إلى نفسه وإخراجها عن الإطلاق وأنا عبدك اعتراف له تعالى بالربوبية ولنفسه بالعبودية ظلمت نفسي أي بالغفلة عن ذكر ربي أو بوضع محبة الغير في قلبي واعترفت بذنبي أي بعملي خلاف الأولى أو بوجودي الذي منشأ ذنبي كما قيل وجودك ذنب لا يقاس به ذنب فاغفر لي ذنوبي أي تقصيراتي جميعا إنه بالكسر استئناف فيه معنى التعليل وفي نسخة بالفتح والضمير للشأن لا يغفر الذنوب أي جميعها إلا أنت فإنك أنت الغفار الغفور واهدني أي دلني ووفقني وثبتني وأوصلني لأحسن الأخلاق في عبادتك وغيرها من الأخلاق الظاهرة والباطنة لا يهدي لأحسنها إلا أنت فإنك أنت الهادي المطلق وعجز الخلق أمر محقق واصرف


عني أي أبعدني وامنعني واحفظني سيئها أي سيء الأخلاق لا يصرف عني فضلا عن غيري سيئها إلا أنت فإن غيرك غير قادر على شيء لبيك أي أدوم على طاعتك دواما بعد دوام وقيل أقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة من ألب بالمكان أقام به وقيل معناه اتجاهي إليك من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها فالحاصل أنه مصدر مثنى من لب أو ألب بعد حذف الزوائد مضاف إلى المخاطب وحذف النون بالإضافة وأريد بالتثنية التكرير من غير نهاية كقوله تعالى أي فارجع البصر كرتين أي أي كرة بعد كرة ومرة بعد مرة وسعديك أي ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة وهي الموافقة والمسارعة أو أسعد بإقامتي على طاعتك وإجابتي لدعوتك سعادة بعد سعادة والخير كله اعتقادا وقولا وفعلا في يديك أي في تصرفك وقيل هما كناية عن سعة طوله وكثرة فضله أو عن قدرته وإرادته لأنه لا يصدر شيء إلا عنهما وقال الطيبي أي الكل عندك كالشيء الموثوق به المقبوض عليه يجري بقضائك لا يدرك من غيرك ما لم تسبق به كلمتك والشر ليس إليك أي لا يتقرب به إليك أو لا يضاف إليك بل إلى ما اقترفته أيدي الناس من المعاصي أو ليس إليك قضاؤه فإنك لا تقضي الشر من حيث هو شر بل لما يصحبه من الفوائد الراجحة فالمقضي بالذات هو الخير والشر داخل في القضاء بالعرض قاله الطيبي وقيل معناه أن الشر ليس شرا بالنسبة إليه وإنما هو شر بالنسبة إلى الخلق وقيل الشر لا يصعد إليك لقوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب فاطر وقيل الشر لا يضاف إليك بحسن التأدب ولذا لا يقال يا خالق الخنازير وإن خلقها وهذا كقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام وإذا مرضت فهو يشفين الشعراء مضيفا المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه والخضر أضاف إرادة العيب إلى نفسه وما كان من باب الرحمة إلى ربه فقال أردت أن أعيبها الكهف و أراد ربك أن يبلغا أشدهما الكهف وفي هذا إرشاد إلى تعليم الأدب كذا قالوا ومنه قوله تعالى صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم اي


الفاتحة فتأمل فإنه دقيق ولم أر من ذكره قال ابن حجر تمسك المعتزلة به في نسبة الشر للعبد لتقديرهم متعلق الجار منسوبا وهو تحكم إذ هو كما يحتمل ذلك يحتمل تقديره مقربا أو مضافا أو صاعدا أو منسوبا والمراد غير ما فهموه أي ليس الشر منسوبا إليك على انفراده لأن قضية الأدب أن لا تضاف المحقرات إلى الله تعالى استقلالا بل تبعا أنا بك أي أعوذ وأعتمد وألوذ وأقوم بك وإليك أتوجه وألتجىء وأرجع وأتوب أو بك وجدت وإليك انتهى أمري فأنت المبدأ والمنتهى وقيل أستعين بك وأتوجه إليك وقيل أنا موقن بك وبتوفيقك علمت والتجائي وانتمائي إليك أو بك أحيا وأموت وإليك المصير أو أنا بك إيجادا وتوفيقا وإليك التجاء واعتصاما تباركت أي تعظمت وتمجدت أو جئت بالبركة أو تكاثر خيرك وأصل الكلمة للدوام والثبات وتعاليت عما أوهمه الأوهام ويتصور عقول الأنام ولا تستعمل هذه الكلمات إلا لله تعالى قاله ميرك وكذا ابن حجر أستغفرك أي أطلب المغفرة لما مض


وأتوب أي أرجع عن فعل الذنب فيما بقي متوجها إليك بالتوفيق والثبات إلى الممات وإذا ركع قال اللهم لك ركعت وبك آمنت وفي تقديم الجار إشارة إلى التخصيص ولك أسلمت أي لك ذللت وانقدت أو لك أخلصت وجهي أو لك خذلت نفسي وتركت أهواءها خشع أي خضع وتواضع أو سكن لك سمعي فلا يسمع إلا منك وبصري فلا ينظر إلا بك وإليك تخصيصهما من بين الحواس لأن أكثر الآفات بهما فإذا خشعتا قلت الوساوس قاله ابن الملك أو لأن تحصيل العلم النقلي والعقلي بهما وقدم السمع لأن المدار على الشرع وأعلم أن بعض الفضلاء فضل السمع ونسبه ابن القيم إلى أصحاب الشافعي وقيل إنه قول أكثر الفقهاء وبعضهم فضل البصر وهو منسوب إلى أصحاب أبي حنيفة ومنقول عن قتيبة وأكثر المتكلمين وتوقف في المسألة بعض المحققين كالإمام الرازي وغيره وقال الإمام النيسابوري الإشتغال بالتفضيل مما لا طائل فيه من التطويل ومخي فلا يعي إلا عنك كذا ذكره ابن حجر وفيه تأمل وعظمي وعصبي فلا يقومان ولا يتحركان إلا بك في طاعتك وهن عمد الحيوان وأطنابه واللحم والشحم غاد ورائح فإذا رفع رأسه أي من الركوع قال أي حال الرفع سمع الله لمن حمده كما في الروايات الصحيحة فإذا استقر في الإعتدال قال اللهم ربنا لك الحمد وفي رواية صحيحة ولك الحمد وسبق أنها الأفضل لدلالتها على زيادة لم يدل عليها حذفها ملء السموات بالنصب وهو أشهر كما في شرح مسلم صفة مصدر محذوف وقيل حال أي كونه مالئا لتلك الأجرام على تقدير تجسمه وبالرفع صفة الحمد والأرض وما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أي بعد السموات والأرض قاله الطيبي وقال ابن حجر أي بعد ذلك صفة لشيء كالكرسي والعرش وما فوقه وما تحت أسفل الأرضين مما لا يعلمه ولا يحيط به إلا خالقه وموجده والأظهر أن المراد بهما الجسمانيات العلويات والسفليات قال ابن الملك وهذا غاية الحمد لله تعالى حيث حمده ملء كل مخلوقاته الموجودة وملء ما يشاء من خلقه من المعدومات الممكنة


المغيبة وقال ميرك هذا يشير إلى الإعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ الجهد فإنه حمده ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما ثم ارتفع فأحال الأمر فيه على المشيئة وليس وراء ذلك للحمد منتهى ولهذه الرتبة التي لم يبلغها أحد من خلق الله استحق أن يسمى أحمد وإذا سجد قال اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي بالوجهين أي خضع وذل وانقاد للذي خلقه أي أوجده من العدم وصوره أحسن صورة
وشق سمعه أي طريق سمعه إذ السمع ليس في الأذنين بل في مقعر الصماخ وبصره تبارك الله أي تعالى وتعظم والرواية بحذف الفاء أحسن الخالقين أي المصورين والمقدرين فإنه الخالق الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد وغيره إنما يوجد صورا مموهة ليس فيها شيء من حقيقة الخلق مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته والله خلقكم وما تعلمون والله خالق كل شيء ثم يكون أي بعد فراغه من ركوعه وسجوده من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ما قدمت من سيئة وما أخرت من عمل أي جميع ما فرط مني قاله الطيبي وقيل ما قدمت قبل النبوة وما أخرت بعدها وقيل ما أخرته في علمك مما قضيته علي وقيل معناه إن وقع مني في المستقبل ذنب فاجعله مقرونا بمغفرتك وما أسررت أي أخفيت وما أعلنت تخصيص بعد تعميم كعكسه في قوله وما أسرفت أي جاوزت الحد مبالغة في طلب الغفران بذكر أنواع العصيان وما أنت أعلم به مني أي من ذنوبي التي لا أعلمها عددا وحكما أنت المقدم أي بعض العباد إليك بتوفيق الطاعات وأنت المؤخر أي بعضهم بالخذلان عن النصرة أو أنت المقدم لمن شئت في مراتب الكمال وغايات الجلال وأنت المؤخر لمن شئت عن معالي الأمور إلى سفسافها فنسألك أن تجعلنا ممن قدمته في معالم الدين ونعوذ بك أن تؤخرنا عن طريق اليقين أو أنت الرافع والخافض والمعز والمذل لا إله إلا أنت فلا مطلوب سواك ولا محبوب إلا إياك رواه مسلم قال ميرك ورواه الأربعة وابن حبان في صحيحه وزاد بعد قوله حنيفا مسلما


وفي رواية للشافعي والشر ليس إليك هذا الكلام إرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على الله تعالى وأن يضاف إليه في محاسن الأشياء دون مساويها وليس المقصود نفي شيء عن قدرته يعني أو إثبات شيء لغيره نقله السيد جمال الدين عن القاضي قال ميرك ومنه قوله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها الأعراف والمهدي من هديت أي لا مهدي إلا من هديته وترك مقابله وهو لا ضال إلا من أضللته لما تقدم من مراعاة الأدب أو هو من باب الإكتفاء بمقابلة كقوله تعالى سرابيل تقيكم الحر النحل فلا متمسك للمعتزلة كيف وقد قال تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء أنا بك أي وجدت وإليك انتهي


أي أنت المبدأ والمنتهى قاله الطيبي ولا منجى بالقصر لا غير وأغرب ابن حجر حيث قال لا منجى مقصور لا يجوز مده ولا قصره وكان حقه أن يقول لا يجوز همزة لا مدا ولا قصرا وهو مصدر ميمي أي أو اسم مكان أي لا موضع ينجو به اللائذ منك أي من عذابك ولا ملجأ الأصل فيه الهمز ومنهم من يلين همزته ليزدوج مع منجى نقله السيد جمال الدين عن القاضي أي لا ملاذ عند نزول