Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الجنائز
قال النووي الجنازة بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح ويقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت ويقال عكسه والجمع جنائز بالفتح لا غير


باب عيادة المريض
أي وجوبا وثوابا وثواب المرض
الفصل الأول
عن أبي موسى قال قال رسول الله أطعموا الجائع أي المضطر والمسكين والفقير وعودوا المريض أمر من العيادة وفكوا العاني أي الأسير وكل من ذل واستكان وخضع فقد عني كذا في النهاية وقيل أي أعتقوا الأسير أي الرقيق وقال ابن الملك أي خلصوا الأسير من يد العدو وهذه الأوامر للوجوب على الكفاية فإذا امتثل بعض سقط عن الباقين رواه البخاري قال ميرك والنسائي وعن أبي هريرة قال قال رسول الله حق المسلم على المسلم


خمس أي خصال كلهن فروض كفاية رد السلام أي جوابه وأما السلام فسنة وهو سنة أفضل من الفرض لما فيه من التواضع والتسبب لأداء الواجب وعيادة المريض واتباع الجنائز ويستثنى منهما أهل البدع وإجابة الدعوة للمعاونة وقيل للضيافة إذا لم يكن فيه معصية وتشميت العاطس بالشين المعجمة ويروى بالمهملة أي جوابه بيرحمك الله إذا قال الحمد لله في النهاية التشميت بالشين والسين الدعاء للعاطس بالخير والبركة والمعجمة أعلاهما واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة الله وقيل معناه أبعدك الله عن الشماتة بك في شرح السنة هذه كلها في حق الإسلام يستوي فيها جميع المسلمين برهم وفاجرهم غير أن يخص البر بالبشاشة والمساءلة والمصافحة دون الفاجر المظهر لفجوره قال المظهر إذا دعا المسلم المسلم إلى الضيافة والمعاونة يجب عليه طاعته إذا لم يكن ثمة ما يتضرر به في دينه من الملاهي ومفارش الحرير ورد السلام واتباع الجنائز فرض على الكفاية وأما تشميت العاطس إذا حمد الله وعيادة المريض فسنة إذا كان له متعهد وإلا فواجب ويجوز أن يعطف السنة على الواجب إن دل عليه القرينة كما يقال صم رمضان وستة من شوال ذكره الطيبي وفيه أنه ليس في هذا الحديث قرينة صارفة عن الوجوب متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله حق المسلم على المسلم ست أي خصال قيل ما هن يا رسول الله قال إذا لقيته فسلم عليه أي ابتداء وجوابا وإذا دعاك أي للإعانة والدعوة فأجبه وإذا استنصحك أي طلب منك النصيحة فانصح له والنصيحة إرادة الخير للمنصوح له وقال الراغب النصح تحري فعل أو قول فيه اصلاح صاحبه وإذا عطس بفتح الطاء ويكسر فحمد الله أي على نعمته لأن العطاس حيث لا عارض من زكاة ونحوه إنما ينشأ عن خفة البدن وخلوه عن الأخلاط المثقلة له عن الطاعة بخلاف التثاؤب فإنه إنما ينشأ عن ضد ذلك ولذا قال إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فشمته أي قل له يرحمك الله


وإذا مرض فعده ولو مرة وما اشتهر في مكة أن بعض الأيام لا يعاد المريض فيها فلا أصل له بل يبطله ما ورد في تفسير قوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله الجمعة إن المراد به العيادة
ونحوها وزعم أن السبت لا يعاد فيه مما أدخله يهودي على المسلمين لأنه كان يطب ملكا فأمره بالمجيء إليه يوم سبته فخشي عليه من قطعه فقال له إن دخول الطبيب على المريض يوم السبت لا يصلح قال ابن حجر وقول بعض أصحابنا تستحب في الشتاء ليلا وفي الصيف نهارا غريب اه ويمكن أن يوجه بأن المقصود من العيادة حصول التسلي والاشتغال بالأصحاب والأحباب حالة التخلي فإن لقاء الخليل شفاء العليل مع ما فيه من التوجه إلى الجناب العلى والتضرع بالدعاء الجلي والخفي ولما كان ليل الشتاء ونهار الصيف طويلا ناسب أن يشغلوه عما فيه من الألم ويخففوا عنه حمل السقم بالحضور بين يديه والتأنس بالكلام والدعاء والتنفيس لديه وهذا أمر مشاهد من ابتلى به لا يخفى عليه وإذا مات فاتبعه أي جنازته للصلاة عليه وللدفن أكمل قال السيد هذا الحديث لا يناقض الأول في العدد فإن هذا زائد والزيادة مقبولة والظاهر أن الخمس مقدم في الصدور ومن قال لفلان علي خمسة دراهم أو كانت ستة كان صادقا ولو قال مرة أخرى لفلان علي ستة دراهم كان أيضا صادقا والأمر للتسليم والعيادة للندب والاستحباب ولام فانصح له زائدة ولو لم يحمد الله لم يستحب التشميت ولذلك قال فحمد الله فشمته كذا قاله في الأزهار رواه مسلم وعن البراء بن عازب قال أمرنا النبي بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ورد السلام وإجابة الداعي وابرار المقسم أي الحالف يعني جعله بارا صادقا في قسمه أو جعل يمينه صادقة والمعنى أنه لو حلف أحد على أمر مستقبل وأنت تقدر على تصديق يمينه ولم يكن فيه معصية كما لو أقسم أن لا يفارقك حتى تفعل كذا وأنت تستطيع فعله فافعل كيلا يحنث وقيل هو


ابراره في قوله والله لتفعلن كذا قال الطيبي قيل هو تصديق من أقسم عليه وهو أن يفعل ما سأله الملتمس وأقسم عليه أن يفعله يقال بر وأبر القسم إذا صدقه ونصر المظلوم قال في شرح السنة هو واجب يدخل فيه المسلم والذمي وقد يكون ذلك بالقول وقد يكون بالفعل وبكفه عن الظلم ونهانا عن خاتم الذهب بفتح التاء ويكسر أي عن لبسه وعن الحرير أي الثوب المنسوج من الابريسم اللين والاستبرق المنسوج من الغليظ والديباج الرقيق وقيل الحرير المركب من الابريسم وغيره


مع غلبة الابريسم والمراد بها الأنواع والتفصيل لتأكيد التحريم والميثرة الحمراء بالياء الوطاء على السرج والمنهى عنها ما كانت من مراكب العجم من ديباج أو حرير ولعل النهي إنما ورد في الحمراء كذلك لكن ما كان من حرير أو ديباج فحرام على أي لون كان وما لم يكن منهما وكانت حمراء فمكروه لرعونتها كذا حرره السيد وقيل الميثرة ما غشيت السروج تتخذ من الحرير وقيل هي سروج من الديباج وهي وسادة تجعل أو توضع في السرج وهو مكروه إن كان من الحرير في النهاية الميثرة بكسر الميم مفعلة من الوثار يقال وثر وثارة فهو وثير أي وطيء لين وأصلها موثرة فقلبت الواو ياء لكسرة الميم وهي من مراكب العجم تعمل من حرير أو ديباج وتتخذ كالفراش الصغير وتحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته على الرحال والسروج قال الطيبي وصفها بالحمراء لأنها كانت الأغلب في مراكب العجم يتخذونها رعونة في شرح السنة إن كانت الميثرة من ديباج فحرام وإلا فالحمراء منهي عنها لما روى أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ميثرة الأرجوان وقال القاضي توصيفها بالحمرة لأنها كانت الأغلب في مراكب الأعاجم يتخذونها رعونة والقسى بفتح القاف وتشديد السين والياء في الفائق القسي ضرب من ثياب كتان مخلوط بحرير يؤتى به من مصر نسب إلى قرية على ساحل البحر يقال لها القس وقيل القس القز وهو رديء الحرير أبدلت الزاي سينا قال ابن الملك والنهي إما لغلبة الحرير أو لكونها ثيابا حمراء قال ميرك فإن قلت ما الفرق بين هذه الأربعة قلت الحرير اسم عام والديباج نوع منه والاستبرق نوع من الديباج والقسي ما يخالطه الحرير أو رديء الحرير وفائدة ذكر الخاص بعد العام بيان الاهتمام بحكمه ودفع توهم أن تخصيصه باسم مستقل ينافي دخوله تحت الحكم العام والاشعار بأن هذه الثلاثة غير الحرير نظرا إلى العرف وكونها ذوات أسماء مختلفة مقتضية لإختلاف مسمياتها وآنية الفضة والذهب أولى مع أنه صرح به في حديث آخر قال الخطابي


وهذه الخصال مختلفة المراتب في حكم العموم والخصوص والوجوب فتحريم خاتم الذهب وما ذكر معه من لبس الحرير والديباج خاص للرجال وتحريم آنية الفضة عام للرجال والنساء لأنه من باب السرف والمخيلة وفي رواية وعن الشرب بضم الشين ويفتح وفي معناه الأكل في الفضة والذهب بالطريق الأولى فإنه أي الشأن من شرب فيها في الدنيا أي ثم مات ولم يتب لم يشرب فيها في الآخرة قال المظهر أي من اعتقد حلها ومات عليه فإنه كافر وحكم من لم يعتقد ذلك خلاف فإنه ذنب صغير غلظ وشدد للرد والارتداع اه قال الطيبي قوله لم يشرب فيها كناية تلويحية عن كونه جهنميا فإن الشرب من أواني الفضة من دأب أهل الجنة لقوله تعالى قوارير قوارير من فضة الدهر فمن لم يكن هذا دأبه لم يكن من أهل الجنة


فيكون جهنميا فهو كقوله إنما يجرجر في بطنه نار جهنم اه والأظهر أن يقال إنه لم يشرب في الآخرة مدة عذابه أو وقت وقوفه وحسابه أو في الجنة مدة ينسى مدة شرابه ونظير ذلك ما صح في الحرير من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وفي الخمر من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة قيل ويمكن أن يخلق الله آنية وشرابا ولباسا غير ما ذكر لمن حرمه ويكون نقصا في مرتبته لا عقابا في حقه متفق عليه قال ميرك واللفظ للبخاري وقال مسلم وإفشاء السلام وهو يحتمل السلام ورده ورواه النسائي وابن ماجه وعن ثوبان قال قال رسول الله إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل من ابتداء شروع العيادة في خرفة الجنة بضم الخاء وسكون الراء أي في روضتها أو في التقاط فواكه الجنة ومجتناها في النهاية خرف الثمرة جناها والخرفة اسم ما يخرف من النخيل حين يدرك وفي حديث آخر عائد المريض على مخارف الجنة حتى يرجع والمخارف جمع مخرف بالفتح وهو الحائط من النخيل يعني أن العائد فيما يحوزه من الثواب كأنه على نخيل الجنة يخرف ثمارها قال القاضي وهو الحائط من النخيل يعني أن العائد فيما يحوزه من الثواب كأنه على نخيل الجنة يخرف ثمارها قال القاضي الخرفة ما يجتنى من الثمار وقد تجوز بها البستان من حيث أنه محلها وهو المعنى بها بدليل ما روى على مخارف الجنة أو على تقدير المضاف أي في مواضع خرفتها حتى يرجع قال ابن الملك شبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوز المخترف من الثمار أو المراد أنه بسعيه إليه يستوجب الجنة ومخارفها بإطلاق اسم المسبب على السبب رواه مسلم قال ميرك وأحمد وابن ماجه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله تعالى يقول يوم القيامة على لسان ملك أو بلا واسطة بالوحي العام أو بالإلهام في قلوب الأنام أو بلسان الحال معاتبا لابن


آدم في تلك الأحوال بما قصر في حق أوليائه بالأفضال يا ابن آدم مرضت فلم تعدني أراد به مرض عبده وإنما أضاف إلى نفسه تشريفا لذلك العبد فنزله منزلة ذاته والحاصل أن من عاد مريضا لله فكأنه زار الله قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين حال مقررة لجهة الإشكال الذي يتضمنه كيف أي المرض إنما يكون للمريض العاجز وأنت القاهرالقوي المالك فإن قيل الظاهر أن يقال كيف تمرض مكان كيف أعودك قلنا عدل عنه معتذرا إلى ما عوتب عليه وهو مستلزم لنفي المرض قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني أي لوجدت رضائي عنده وفيه إشارة إلى أن العجز والانكسار عنده تعالى مقدارا واعتبارا كما روى أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي قال الطيبي وفي العبارة إشارة إلى أن العيادة أكثر ثوابا من الإطعام والإسقاء الآتيين حيث خص الأول بقوله وجدتني عنده فإن فيه ايماء إلى أن الله تعالى أقرب إلى المنكسر المسكين اه وقيل العجز والانكسار ألصق وألزم هناك والعيادة أفضل من العبادة وإن كانتا في الصورة واحدة فالعيادة أزيد إما بنقطة وهي درجة أو بثمان مراتب فإن الباء اثنان والياء عشرة هذا وفيه إشارة إلى حديث لا يزال عبدي يتقرب الخ وقد قيل لم يرد في الثواب أعظم من هذا يا ابن آدم استطعمتك أي طلبت منك الطعام فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين أي والحال أنك تطعم ولا تطعم وأنت غني قوي على الإطلاق وإنما العاجز يحتاج إلى الإنفاق قال أما علمت أنه أي الشأن استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك أي ثواب إطعامه عندي يا ابن آدم استسقيتك أي طلبت منك الماء فلم تسقني بالفتح والضم في أوله قال يا رب كيف أسقيك بالوجهين وأنت رب العالمين أي مربيهم غير محتاج إلى شيء من الأشياء فضلا عن الطعام والماء قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما بالتخفيف للتنبيه إنك بكسر الهمزة وفي نسخة أما علمت أنك بفتح الهمزة لو


سقيته وجدت بلا لام هنا إشارة إلى جواز حذفها ذلك عندي فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وفي الحديث بيان أن الله تعالى عالم بالكائنات يستوي في علمه الكليات والجزئيات وأنه مبتل عباده بما شاء من أنواع الرياضات ليكون كفارة للذنوب ورفعا للدرجات العاليات رواه مسلم
وعن ابن عباس أن النبي دخل على أعرابي أي واحد من أهل البادية يعوده فيه كمال تواضعه المتضمن لرأفته ورحمته وتعليما لأمته وكان أي من عادته إذا دخل على مريض يعوده قال لا بأس بالهمز وابداله طهور أي لا مشقة ولا تعب عليك من هذا المرض بالحقيقة لأنه مطهرك من الذنوب إن شاء الله للتبرك أو للتفويض أو للتعليق فإن كونه طهورا مبني على كونه صبورا شكورا فقال أي النبي له أي للأعرابي لا بأس طهور إن شاء الله قال أي الأعرابي من جفاوته وعدم فطانته كلا أي ليس الأمر كما قلت أو لا تقل هذا فإن قوله كلا محتمل للكفر وعدمه يؤيده كونه أعرابيا جلفا فلم يقصد حقيقة الرد والتكذيب ولا بلغ حد اليأس والقنوط بل حمى تفور أي تغلي في بدني كغلي القدور على شيخ كبير أي بعقل قصير آيس من قدرة القدير تزيره القبور أي تحمله الحمى على زيارة القبور وتجعله من أصحاب القبور فقال النبي أي غضبا عليه فنعم بفتح العين وكسرها إذا وفي نسخة إذن أي أذن هذا المرض ليس بمطهر ك كما قلت أو ضخم إذا أبيت إلا اليأس وكفران النعمة فنعم إذا يحصل لك ما قلت إذ ليس جزاء كفران النعمة إلا حرمانها قال الطيبي الفاء مرتبة على محذوف ونعم تقرير لما قال يعني أرشدتك بقولي لا بأس عليك إلى أن الحمى تطهرك من ذنوبك فاصبر واشكر الله تعالى فأبيت إلا اليأس والكفران فكان كما زعمت وما اكتفيت بذلك بل رددت نعمة الله وأنت مسجع به قاله غضبا عليه رواه البخاري قال ميرك والنسائي في اليوم والليلة وعن عائشة قالت كان رسول الله إذا اشتكى أي مرض منا إنسان مسحه أي النبي ذلك المريض بيمينه ثم قال أي داعيا اذهب البأس أي أزل شدة المرض


وفي رواية للبخاري اللهم أذهب البأس وهو بإبدال الهمز هنا مراعاة للسجع في قوله رب الناس نصبا بحذف حرف النداء ثم رأيت العسقلاني قال البأس بغير همز للازدواج فإن أصله
الهمزة واشف أنت الشافي ولم يقل وأنت الممرض أدبا كما قيل في قوله وإذا مرضت فهو يشفين الشعراء ولما لم يفهم كل أحد هذا المعنى صرح الصديق بهذا المعنى وقال الذي أمرضني يشفيني وفي رواية للبخاري اشفه وأنت الشافي قال العسقلاني كذا لأكثر الرواة بالواو ورواه بعضهم بحذفها والضمير في اشفه للعليل أو هي هاء السكت ويؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن بشرطين أحدهما أن لا يكون في ذلك ما يوهم نقصا والثاني أن له أصلا في القرآن وهذا في ذلك فإن فيه وإذا مرضت فهو يشفين لا شفاء إلا شفاؤك هذا مؤكد لقوله أنت الشافي قال العسقلاني قوله لا شفاء بالمد مبني على الفتح والخبر محذوف والتقدير لنا أوله وقوله إلا شفاؤك بالرفع على أنه بدل من موضع لا شفاء ووقع في رواية للبخاري لا شافي إلا أنت وفيه إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي لا ينجع إن لم يصادف تقدير الله وقال الطيبي قوله لا شفاء خرج مخرج الحصر تأكيدا لقوله أنت الشافي لأن خبر المبتدأ إذا كان معرفا باللام أفاد الحصر لأن تدبير الطبيب ودفع الدواء لا ينجع في المريض إذا لم يقدر الله الشفاء وقوله شفاء لا يغادر سقما تكميل لقوله اشف والجملتان معترضتان بين الفعل والمفعول المطلق وقوله لا يغادر بالغين المعجمة أي لا يترك وسقما بفتحتين وبضم وسكون مرضا والتنكير للتقليل قال العسقلاني قوله شفاء منصوب بقوله اشف ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ أي هذا أو هو وفائدة التقييد أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر يتولد منه مثلا فكان يدعو بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء متفق عليه وعنها أي عن عائشة قالت كان إما زائدة أو فيها ضمير الشأن يفسره ما بعده إذا اشتكى أي شكا الإنسان الشيء بالنصب على


المفعولية أي العضو منه الضمير إلى الإنسان أي من جسده أو كانت به أي بالإنسان قرحة بفتح القاف وضمها ما يخرج من الأعضاء مثل الدمل أو جرح بالضم كالجراحة بالسيف وغيره قال النبي باصبعه أي أشار بها قائلا بسم الله أي أتبرك به تربة أرضنا أي هذه تربة أرضنا ممزوجة بريقة بعضنا وهذا يدل على أنه كان يتفل عند الرقية قال القرطبي فيه دلالة على جواز الرقي من كل الآلام وإن كان ذلك أمرا فاشيا معلوما بينهم قال ووضع النبي سبابته ووضعها عليه يدل على


استحباب ذلك عند الرقي قال النووي المراد بأرضنا جملة الأرض وقيل أرض المدينة خاصة لبركتها وكان النبي يأخذ من ريق نفسه على أصبعه بالسبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه فيمسح بها على الموضع الجريح والعليل ويتلفظ بهذه الكلمات في حال المسح قال الأشرف هذا يدل على جواز الرقية ما لم تشتمل على شيء من المحرمات كالسحر وكلمة الكفر اه ومن المحذور أن تشتمل على كلام غير عربي أو عربي لا يفهم معناه ولم يرد من طريق صحيح فإنه يحرم كما صرح به جماعة من أئمة المذاهب الأربعة لإحتمال اشتماله على كفر وقال التوربشتي الذي يسبق إلى الفهم من صنيعه ذلك ومن قوله هذا أن تربة أرضنا إشارة إلى فطرة آدم عليه الصلاة والسلام وريقة بعضنا إشارة إلى النطفة التي خلق منها الإنسان فكأنه يتضرع بلسان الحال ويعرض بفحوى المقال إنك اخترعت الأصل الأول من طين ثم أبدعت بنيه من ماء مهين فهين عليك أن تشفي من كان هذا شأنه وتمن بالعافية على من استوى في ملكك حياته ومماته وقال القاضي قد شهدت المباحث الطبية على أن الريق له مدخل في النضج وتبديل المزاج ولتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج الأصلي ودفع نكاية المضرات ولذا ذكر في تيسير المسافرين أنه ينبغي أن يستصحب المسافر تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائه حتى إذا ورد ماء غير ما اعتاده جعل شيئا منه في سقائه وشرب الماء منها ليأمن من تغير مزاجه ثم إن الرقي والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها اه وقد علم كل أناس مشربهم وكل إناء يرشح بما فيه وقوله باصبعه في موضع الحال من فاعل قال وتربة أرضنا خبر مبتدأ محذوف أي هذه والباء في بريقه متعلق بمحذوف وهو خبر ثان أو حال والعامل معنى الاشارة أي قال النبي مشيرا باصبعه ببسم الله هذه تربة أرضنا معجونة بريقة بعضنا قلنا بهذا القول أو صنعنا هذا الصنيع ليشفي سقيمنا قال الطيبي فعلى هذا بسم الله مقول القول صريحا ويجوز أن يكون بسم الله حالا


أخرى متداخلة أو مترادفة على تقدير قال متبركا بسم الله ويلزم منه أن يكون مقولا والمقول الصريح قوله تربة أرضنا اضافة تربة أرضنا وريقة بعضنا تدل على الاختصاص وأن تلك الريقة والتربة كل واحدة منهما يختص بمكان شريف بل بذي نفس شريفة قدسية طاهرة عن الأوزار اه وفي رواية للجماعة إلا الترمذي وريقة بعضنا فيكون التقدير مزجت إحداهما بالأخرى وقال العسقلاني ضبط ليشفى بضم أوله على البناء للمجهول وسقيمنا بالرفع ويفتح أوله على أن الفاعل مقدر وسقيمنا بالنصب على المفعولية بإذن ربنا أي بأمره على الحقيقة سواء كان بسبب دعاء أو دواء أو بغيره متفق عليه قال ميرك ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وانفرد البخاري بقوله بإذن ربنا وفي رواية له بإذن الله قلت ولهذا نسب الحديث في الحصن إلى مسلم فقط


وعنها أي عن عائشة قالت كان النبي إذا اشتكى أي مرض وهو لازم وقد يأتي متعديا فيكون التقدير وجعا نفث على نفسه في النهاية النفث بالفم وهو شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق بالمعوذات بكسر الواو وقيل بفتحها أي قرأها على نفسه ونفث الريق على بدنه وأراد المعوذتين وكل آية تشبههما مثل وإن يكاد وإني توكلت على الله أو أطلق الجمع على التثنية مجازا ومن ذهب إلى أن أقل الجمع اثنان فلا يرد عليه قال الطيبي أراد المعوذتين فيكون مبنيا على أن أقل الجمع اثنان أو الجمع باعتبار الآيات وقال العسقلاني أو هما والإخلاص على طريق التغليب وهو المعتمد وقيل الكافرون أيضا ومسح أي عليه وعلى أعضائه بيده قال العسقلاني وقع عند البخاري قال معمر قلت للزهري كيف ينفث قال ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه وجسده وقال الطيبي الضمير في عنه راجع إلى ذلك النفث والجار والمجرور حال أي نفث على بعض جسده ثم مسح بيده متجاوزا عن ذلك النفث إلى سائر أعضائه وفي الحديث دلالة على أن الرقية والنفث بكلام الله سنة فلما اشتكى أي شكا وجعه الذي توفي فيه كنت أنفث عليه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي قيل لعله ترك النفث بهما على نفسه في ذلك المرض لعلمه أنه آخر مرضه اه وفيه ما فيه متفق عليه قال ميرك ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وفي رواية لمسلم قالت كان إذا مرض أحد من أهل بيته نفث عليه بالمعوذات لم يذكر المسح فيحتمل أنه كان يفعله وتركت ذكره للعلم به من النفث ويحتمل أنه كان يتركه أحيانا اكتفاء بالنفث والأظهر الأول والجمع أفضل وعن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله وجعا يجده في جسده أي في بدنه ويؤخذ منه ندب شكاية ما بالإنسان لمن يتبرك به رجاء لبركة دعائه فقال له


رسول الله ضع أمر من الوضع يدك على الذي أي على الموضع الذي يألم أي يوجع من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله أي بغلبته وعظمته وقدرته أي بحوله وقوته من شر ما أجد أي من الوجع وأحاذر أي أخاف وأحترز وهو مبالغة أحذر قال الطيبي تعوذ من وجع هو فيه ومما يتوقع حصوله في المستقبل من الحزن والخوف فإن الحذر هو الاحتراز عن مخوف قال أي عثمان ففعلت أي ما قال لي فأذهب الله ما كان بي أي من الوجع والحزن ببركة صدق التوجع والامتثال رواه مسلم قال ميرك والأربعة وعن أبي سعيد الخدري أن جبريل بكسر الجيم وفتحها أتى النبي أي للزيارة أو للعيادة فقال يا محمد أشتكيت بفتح الهمزة للإستفهام وحذف همزة الوصل وقيل بالمد على إثبات همزة الوصل وابدالها ألفا وقيل بحذف الاستفهام فقال نعم وأغرب ابن حجر فقال الاستفهام المقدر فيه للتقرير ووجه غرابته أنه لو كان للتقرير لما احتاج إلى جواب ثم لا يلزم من إتيان جبريل إليه اطلاعه على ما لديه قال أي جبريل بسم الله أرقيك بفتح الهمزة وكسر القاف مأخوذ من الرقية من كل شيء يؤذيك بالهمز ويبدل عنه من شر كل نفس أي خبيثه أو عين بالتنوين فيهما وقيل بالإضافة حاسد وأو تحتمل الشك والأظهر أنها للتنويع قيل يحتمل أن يكون المراد بالنفس نفس الآدمي ويحتمل أن يراد بها العين فإن النفس تطلق على العين يقال رجل منفوس إذا كان يصيبه الناس بعينه ويكون قوله أو من عين حاسد من باب التوكيد بلفظ مختلف أو شك من الراوي كذا نقله ميرك عن التصحيح الله يشفيك بسم الله أرقيك كرره للمبالغة وبدأ به وختم به اشارة إلى أنه لا نافع إلا هو رواه مسلم قال ميرك والنسائي وابن ماجه أقول وزاد في الحصن الترمذي


وعن ابن عباس قال كان رسول الله يعوذ الحسن والحسين أعيذكما أي بهذا اللفظ وهذا تفسير وبيان ليعوذ بكلمات الله التامة قال التوربشتي الكلمة في لغة العرب تقع على كل جزء من الكلام اسما كان أو فعلا أو حرفا وتقع على الألفاظ المبسوطة وعلى المعاني المجموعة والكلمات ههنا محمولة على أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة لأن الاستعاذة إنما تكون بها ووصفها بالتامة لخلوها عن النواقص والعوارض بخلاف كلمات الناس فإنهم متفاوتون في كلامهم على حسب تفاوتهم في العلم واللهجة وأساليب القول فما منهم من أحد إلا وقد يوجد فوقه آخر إما في معنى أو في معان كثيرة ثم إن أحدهم قلما يسلم من معارضة أو خطأ أو نسيان أو العجز عن المعنى الذي يراد وأعظم النقائص التي هي مقترنة بها أنها كلمات مخلوقة تكلم بها مخلوق مفتقر إلى الأدوات والجوارح وهذه نقيصة لا ينفك عنها كلام مخلوق وكلمات الله تعالى متعالية عن هذه القوادح فهي لا يسعها نقص ولا يعتريها اختلال واحتج الإمام أحمد بها على القائلين بخلق القرآن فقال لو كانت كلمات الله مخلوقة لم يعذبها رسول الله إذ لا يجوز الاستعاذة بمخلوق من كل شيطان أي جن وإنس وهامة أي من شرهما وهي بتشديد الميم كل دابة ذات سم يقتل والجمع الهوام وأما ما له سم ولا يقتل فهو السامة كالعقرب والزنبور وقد يقع الهوام على ما يدب على الأرض مطلقا كالحشرات ذكره الطيبي عن النهاية ومن كل عين لامة بتشديد الميم أي جامعة للشر على المعيون من لمه إذا جمعه أو تكون بمعنى ملمة أي منزلة قال الطيبي في الصحاح العين اللامة هي التي تصيب بسوء واللمم طرف من الجنون ولامة أي ذات لم وأصلها من ألممت بالشيء إذا نزلت به وقيل لامة لإزدواج هامة والأصل ملمة لأنها فاعل ألممت اه قيل وجه اصابة العين أن الناظر إذا نظر إلى شيء واستحسنه ولم يرجع إلى الله وإلى رؤية صنعه قد يحدث الله في المنظور عليه بجناية نظره على غفلة ابتلاء لعباده ليقول المحق


أنه من الله وغيره من غيره ويقول إن أباكما أراد به الجد الأعلى وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يعوذ بها أي بهذه الكلمات إسماعيل وإسحاق ولديه فيه إشارة إلى أن الحسنين رضي الله عنهما منبع ذريته عليه الصلاة والسلام كما أن إسماعيل وإسحاق معدن ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام رواه البخاري وفي أكثر نسخ المصابيح بهما على لفظ التثنية قال الطيبي
الظاهر أنه سهو من الناسخ اه إلا أن يجعل كلمات الله مجازا من معلومات الله ومما تكلم به سبحانه من الكتب المنزلة أو الأولى جملة المستعاذ به والثانية جملة المستعاذ منه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من يرد الله به خيرا تنوينه للتنويع والجار والمجرور حال عنه أي خيرا ملتبسا به يصب على بناء المجهول وقيل على المعلوم وقوله منه بمعنى لأجله وضميره عائد إلى الخير قال ابن الملك روى مجهولا أي يصير ذا مصيبة وهي اسم لكل مكروه ومعلوما أي يجعله ذا مصيبة ليطهره بها من الذنوب وليرفع بها درجته وقال النووي ضبطوه بفتح الصاد وكسرها قال الطيبي الفتح أحسن للأدب كما قال وإذا مرضت فهو يشفين الشعراء وقال ميرك يصب مجزوم لأنه جواب الشرط أي من يرد الله به خيرا أوصل إليه مصيبة فمن للتعدية يقال أصاب زيد من عمر وأي أوصل إليه مصيبة قال القاضي المعنى من يرد الله له خيرا أوصل إليه مصيبة ليطهره من الذنوب ولرفع درجته والمصيبة اسم لكل مكروه يصيب أحدا وقال زين العرب أي نيل بالمصائب من الله وقال الفائق أي ينل منه المصائب فالضمير لمن وفي شرح السنة يبتليه بالمصائب فهو حاصل المعنى رواه البخاري وعنه أي عن أبي هريرة وعن أبي سعيد أي الخدري كما في نسخة عن النبي قال ما يصيب المسلم ما نافية ومن زائدة للإستغراق في قوله من نصب ولا وصب بفتحتينن فيهما والأول التعب والألم الذي يصيب البدن من جراحة وغيرها والثاني الألم اللازم والسقم الدائم على ما يفهم من النهاية ولا هم ولا حزن بضم الحاء وسكون


الزاي وبفتحهما ولا أذى ولا غم لا لتأكيد النفي في كلها قال ابن حجر الأذى كل ما لا يلائم النفس فهو أعم من الكل والظاهر أنه مختص بما يتأذى الإنسان من غيره كما أشار إليه قوله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا الأحزاب ومنه قوله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا آل عمران ومنه الحديث كل مؤذ في النار والهم الذي يهم الرجل أي يذيبه من هممت الشحم إذا أذبته والحزن هو الذي يظهر منه في القلب خشونة يقال مكان حزن أي خشن فالهم أخص والغم هو الحزن الذي يغم الرجل أي يصيره بحيث يقرب


أن يغمى عليه فالهم والحزن ما يصيب القلب من الألم بفوت محبوب إلا أن الغم أشدها والحزن أسهلها وقيل الهم يختص بما هو آت والحزن بما فات قال ميرك روى الترمذي أن وكيعا قال لم يسمع في الهم أن يكون كفارة إلا في هذا الحديث ومن غرائب فروع الشافعية ما ذكره ابن حجر قال أصحابنا إذا اشتد الهم بإنسان كان عذرا له في ترك الجمعة والجماعة لأنه أشد كثيرا من أعذارهما الواردة في السنة كالريح والمطر اه وهو قياس فاسد كما لا يخفى مع مخالفته لقوله أرحنا بها يا بلال ولما ورد من أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة حتى الشوكة بالرفع فحتى ابتدائية والجملة بعد الشوكة خبرها وبالجر فحتى عاطفة أو بمعنى إلى فما بعدها حال وقال الزركشي بالنصب على أنه مفعول فعل مقدر أي يجد الشوكة يشاكها الكشاف شكت الرجل شوكة أدخلت في جسده شوكة وشيك على ما لم يسم فاعله يشاك شوكا اه قيل فيه ضمير المسلم أقيم مقام فاعله وها ضمير الشوكة أي حتى الشوكة يشاك المسلم تلك الشوكة أي تجرح أعضاؤه بشوكة والشوكة ههنا المرة من شاكه ولو أراد واحدة النبات لقال يشاك بها والدليل على أنها المرة من المصدر جعلها غاية للمعاني في معنى لقول الطيبي وتابعه ابن حجر أن الضمير في يشاك مفعوله الثاني إلا كفر الله بها أي بمقابلتها أو بسببها من خطاياه أي بعضها والاستثناء من أعم الأحوال المقدرة متفق عليه وفيه تنبيه نبيه على أن السالك أن عجز عن مرتبة الرضا وهي التلذذ بحلاوة البلاء أن لا يفوته تجرع مرارة الصبر في حب المولى فإنه ورد المصاب من حرم الثواب وعن عبد الله بن مسعود قال دخلت على النبي وهو يوعك الوعك حرارة الحمى وألمها وقد وعكة المرض وعكا ووعكة فهو موعوك أي أشتد به فمسسته بيدي صحاح مسست الشيء بالكسر أمسه هي اللغة الفصيحة وحكى أبو عبيد مسست بالفتح أمسه بالضم فقلت يا رسول الله إنك لتوعك وعكا بسكون العين شديدا وهو بيان للواقع


وأما قوله ابن حجر كأنه إنما ذكر ذلك ليعلم جواب ما انقدح عنده من أن البلايا سبب لتكفير الذنوب وهو لا ذنب له فغير مطابق لقول الراوي فقلت لأن لك أجرين ومعارض لكلام نفسه هناك أنه جواب لما انقدح عنده بأن المصائب قد تكون لمجرد رفع الدرجات ومع هذا غير مطابق لجوابه عليه الصلاة والسلام أيضا كما قال الراوي فقال النبي أجل أي نعم فإنه تقرير لقول الراوي وعكا شديدا مع زيادة تحرير بقوله إني أوعك على بناء المجهول أي يأخذني الوعك كما يوعك رجلان يعني مثل ألم وعك رجلين منكم قال أي عبد الله فقلت ذلك أي وعك رجلين لأن لك أجرين يحتمل أن يكون المراد بالتثنية التكثير فقال أجل أي نعم ثم قال أي ما من مسلم يصيبه أذى أي ما يؤذيه ويتعبه من مرض فما سواه أي فما دونه أو غيره مما تتأذى به النفس إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها قال الطيبي شبه حال المريض وإصابة المرض جسده ثم محو السيئات عنه سريعا بحالة الشجرة وهبوب الرياح الخريفية وتناثر الأوراق منها فهو تشبيه تمثيلي ووجه الشبه الإزالة الكلية على سبيل السرعة قال ابن الملك وفيه إشارة عظيمة لأن كل مسلم لا يخلو عن كونه متأذيا متفق عليه قال ميرك ورواه النسائي وأخرج ابن سعد في الطبقات والبخاري في الأدب وابن ماجه والحاكم وصححه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعدة قال دخلت على رسول الله وهو محموم فوضعت يدي من فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى فوق القطيفة فقلت ما أشد حماك يا رسول الله قال إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر قلت أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون وإن كان الرجل وفي رواية النبي ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة فيجوبها فيلبسها وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطايا إليكم وعن عائشة قالت ما رأيت أحدا الوجع بالرفع عليه أشد من رسول الله أي من وجعه قال الطيبي الوجع مبتدأ وأشد خبره


والجملة بمنزلة المفعول الثاني ومن
زائدة أي ما رأيت أحدا أشد وجعا من رسول الله اه ولعله كان في نسخته من أحد بدل أحد إذ لا يصح أن تكون من في من رسول الله زائدة وأما قول ابن حجر أي ما رأيت أحدا أشد وجعا من الوجع على رسول الله فغير صحيح متفق عليه ورواه النسائي وابن ماجه ذكره ميرك وعنها أي عن عائشة قالت مات النبي بين حاقنتي وذاقنتي بكسر القاف فيهما قال التوربشتي الحاقنة الوهدة المنخفضة بين الترقوتين والذاقنة الذقن وقيل طرف الحلقوم وقيل ما يناله الذقن من الصدر والمعنى أنه توفي مستندا إلي فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد النبي أي كنت أظن أن شدة الموت تكون لكثرة الذنوب ولما رأيت شدة وفاته علمت أن شدة الموت ليست من المنذرات بسوء العاقبة بل لرفع الدرجات العالية وإن هون الموت ليس من المكرمات وإلا لكان هو أولى به رواه البخاري وعن كعب بن مالك قال قال رسول الله مثل المؤمن أي الكامل أو مطلقا كمثل الخامة بالخاء المعجمة وتخفيف الميم في النهاية الخامة الغصنة اللينة من الزرع وألفها منقلبة عن الواو وقيل الخامة الغصنة الرطبة من النبات لم يشتد بعد وقيل ما لها ساق واحد وقال القاضي أي طاقة من الزرع فهو صفة لخامة وقوله تفيئها الرياح صفة أخرى اه وهو بتشديد الياء وهمزة بعدها أي تميلها يمينا وشمالا قال التوربشتي وذلك أن الريح إذا هبت شمالا مالت الخامة إلى الجنوب وإذا هبت جنوبا فيأت في جانب الشمال وقيل فيأت الشجرة ألقت فيأها فالريح إذا أمالتها إلى جانب ألقي ظلها عليه فهو على حد يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل تصرعها بيان لما قبله أي تسقطها مرة في النهاية أي تميلها وترميها من جانب إلى جانب وتعدلها بفتح التاء وسكون العين وبضم التاء وتشديد الدال أي تقيمها أخرى أي تارة أخرى يعني يصيب المؤمن من أنواع المشقة من الخوف والجوع


والمرض وغيرها حتى يأتيه وفي نسخة حتى يأتي أجله أي يموت والحاصل أن المؤمن لا يخلو من علة أو قلة أو ذلة كما روى وكل ذلك من علامة السعادة قاله ابن الملك يعني بشرط الصبر والرضا والشكر وأخرج أحمد عن أبي بن كعب مرفوعا مثل المؤمن مثل الخامة تحمر مرة وتصفر أخرى ومثل المنافق أي الحقيقي أو الحكمي كمثل الأرزة بفتح الهمزة وسكون الراء بعدها زاي هذا هو الصحيح في ضبطها والمنقول في روايتها وقيل إنه يجوز فيها فتح الراء وهو شجر معروف يشبه الصنوبر وليس به كذا نقله ميرك عن التصحيح وأكثر الشراح أنه بالسكون شجر الصنوبر والصنوبر ثمرته وهو شجر صلب شديد الثبات في الأرض وقيل بفتح الراء الشجرة وبالسكون الصنوبر وقيل بفتح الراء شجرة الأرزن وفي النهاية الأرزة بسكون الراء وقيل بفتحها وقيل بوزن فاعلة وأنكرها أبو عبيدة شجرة الأرزن وهو خشب معروف وقيل هو الصنوبر وقال زين العرب وسوي بعض بين الفتح والسكون وقال هي شجرة الأرزن وهو غير مناسب هنا اه فكأنه ظن أن المراد بالأرزن نوع من الدخن والله أعلم قال في القاموس الأرزن ويضم شجر الصنوبر كالأرزة أو العرعر وبالتحريك شجر الأرزن وهو شجر صلب المجذية قال ميرك بضم الميم وإسكان الجيم وذال معجمة مكسورة وياء آخر الحروف مخففة وهي الثابتة القائمة التي لا يصيبها شيء أي من الميلان باختلاف الرياح حتى يكون انجعافها قال ميرك بالنون والجيم والعين المهملة والفاء بعد الألف قال الطيبي أي انقطاعها وانقلاعها وهو مطاوع من جعف مرة واحدة فكذلك المنافق والفاسق يقل لهم الأمراض والمصائب لئلا يحصل لهم كفارة ولا ثواب متفق عليه ورواه النسائي قاله ميرك وعن أبي هريرة قال قال رسول الله مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح اللام للجنس تميله بالتشديد وفي نسخة بالتخفيف وفيه ايماء إلى ما ورد أن رجلا قال يا رسول الله إني تزوجت امرأة ما مرضت قط فقال طلقها فإنها لا خير فيها ولعل الحكمة في ذلك ما جاء عنه


عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى أوحى إلى الدنيا أن تمرري وتكدري على أوليائي حتى يحبوا لقائي ومنه الحديث المشهور الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء الجملتان لوجه الشبه بينهما قال الطيبي التشبيه أما تمثيلي
وأما مفرق فيقدر للمشبه معان بإزاء ما للمشبه به وفيه إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن يرى نفسه عارية معزولة عن استعمال اللذات معروضة للحوادث ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة بسكون الراء وتفتح لا تهتز أي لا تتحرك حتى تستحصد على بناء المفعول وقال ابن الملك بصيغة الفاعل أي يدخل وقت حصادها فتقطع اه فكذلك المنافق يقل بلاؤه في الدنيا لئلا يخف عذابه في العقبى قال الطيبي دل على سوء الخاتمة متفق عليه قال ميرك ورواه الترمذي واللفظ له ولمسلم وعن جابر قال دخل رسول الله على أم السائب فقال مالك تزفزفين بالزايين بصيغة المعلوم والمجهول فإنه لازم ومتعد وفي نسخة صحيحة بالراءين المهملتين على بناء الفاعل قال الطيبي رفرف الطائر بجناحيه إذا بسطهما عند السقوط على شيء والمعنى مالك ترتعدين ويروي بالزاي من الزفزفة وهي الارتعاد من البرد والمعنى ما سبب هذا الارتعاد الشديد قالت الحمى أي النوع المركب من البلغم والصفراء الموجب لإنزعاج البدن وشدة تحركه لا بارك الله فيها مبتدأ وخبر والجملة تتضمن الجواب أو تقديره تأخذني الحمى أو الحمى معي والجملة بعده دعائية فقال لا تسبي الحمى أي بجميع أقسامها فإنها تذهب أي تمحو وتكفر وتزيل خطايا بني آدم أي مما يقبل التكفير كما يذهب الكير بالكسر خبث الحديد بفتحتين أي وسخه قال الطيبي كير الحداد وهو المبني من الطين وقيل الزق الذي ينفخ به النار والمبني الكور رواه مسلم وذكر السيوطي في كشف الغمى في أخبار الحمى عن الحسن مرفوعا قال إن الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة قال ابن المبارك هذا من جيد الحديث وعن أبي الدرداء قال حمى ليلة كفارة سنة وعن أبي أمامة


مرفوعا الحمى كير من جهنم وهي نصيب المؤمن من النار وفي حديث أن الحمى حمى أمتي من جهنم وعن أبي بن كعب أنه قال يا رسول الله ما جزاء الحمى قال تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق قال أبي اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجا في سبيلك ولا خروجا إلى بيتك ومسجد نبيك قال الراوي فلم يمش
أبي قط إلا وبه حمى وعن أبي موسى قال قال رسول الله إذا مرض العبد وفي معناه إذا كبر وقد جاء صريحا في رواية أو سافر أي وفات منه بذلك نفل كتب له بمثل ما كان يعمل أي من النوافل والباء زائدة كهي في قوله تعالى فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به البقرة مقيما صحيحا شابا قويا وفيه رد على قول الشافعية أن من ترك صلاة الجماعة لا يكتب له ثوابها ومما يدل على بطلان قولهم قوله حيث أخبر عن أقوام تخلفوا عنه في المدينة لعدم مؤنة السفر أنه يكتب لهم أجر الغزو والسفر معه رواه البخاري وقال ميرك وأبو داود وعن أنس قال قال رسول الله الطاعون شهادة لكل مسلم أي حكما وأما قول ابن حجر أي شهادة أخروية لكل مسلم فهو مخالف للرواية لأن الأصول على الإضافة والطاعون قروح تخرج مع لهيب في الآباط والأصابع وسائر البدن يسود ما حولها أو يخضر أو يحمر وأما الوباء الذي يفسد به الهواء فتفسد به الأمزجة والأبدان وقيل الطاعون هو الموت بالوباء بالمد والقصر والوباء الموت العام والمرض العام وأخرج أحمد عن أبي موسى مرفوعا فناء أمتي بالطعن والطاعون قيل يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله الشهداء أي في الجملة خمسة وهو جمع شهيد بمعنى فاعل لأنه يشهد مقامه قبل موته أو بمعنى مفعول لأن الملائكة تشهده أي تحضره مبشرة له المطعون أي الذي ضربه الطاعون ومات به والمبطون أي الذي


يموت بمرض البطن كالاستسقاء ونحوه وقيل من مات بوجع البطن قال القرطبي اختلف هل المراد بالبطن الاستسقاء أو الإسهال على قولين للعلماء والغريق أي الذي يموت من الغرق والظاهر أنه مقيد بمن ركب البحر ركوبا غير محرم وصاحب الهدم بفتح الدال وتسكن قال الطيبي الهدم ما يهدم به من جوانب البئر فيسقط فيه وقال ابن الملك أي الذي يموت تحت الهدم وهو بفتح الدال ما يهدم به وقال في النهاية الهدم بالتحريك البناء المهدوم فعل بمعنى المفعول وبالسكون الفعل نفسه وأما قول ابن حجر بسكون الدال ويفتح لكنه حينئذ يكون اسما للمهدوم ويصح إرادته هنا إلا أنه موهم فهو معارض بأن الفتح أكثر وهما بل في التحقيق لا يصح إرادة المعنى المصدري ولذا اختار الشراح الفتح والشهيد أي المقتول في سبيل الله قال الراغب سمي شهيدا لحضور الملائكة عنده إشارة إلى قوله تعالى تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا فصلت أو لأنهم يشهدون في هذه الحالة ما أعدلهم أو لأنهم تشهد أرواحهم عند الله قال ابن الملك وإنما أخره لأنه من باب الترقي من الشهيد الحكمي إلى الحقيقي واعلم الشهداء الحكمية كثيرة وردت في أحاديث شهيرة جمعها السيوطي في كراسة سماها أبواب السعادة في أسباب الشهادة منها ما ذكر ومنها صاحب ذات الجنب والحريق والمرأة تموت بجمع أي في بطنها ولد وقيل تموت بكرا ومنها المرأة في حملها إلى وضعها إلى فصالها ومنها صاحب السل أي الدق والغريب والمسافر والمصروع عن دابه في سبيل الله والمرابط والمتردي ومن تأكله السباع ومن قتل دون ماله وأهله أو دينه أو دمه أو مظلمته ومنها الميت في سبيل الله والمرعوب على فراشه في سبيل الله وعن علي رضي الله عنه من حبسه السلطان ظلما فمات في السجن فهو شهيد ومن ضرب فمات في الضرب فهو شهيد وكل مؤمن يموت فهو شهيد وعن أنس مرفوعا الحمى شهادة وعن أبي عبيدة بن الجراح قال قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله قال رجل قام إلى


إمام جائز فأمره بمعروف ونهاه عن منكر فقتله وعن أبي موسى من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة فهو شهيد وعن ابن عباس من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيد وعنه عليه الصلاة والسلام المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد وعن ابن مسعود مرفوعا أن الله كتب الغيرة على النساء والجهاد على الرجال فمن صبر منهن كان لها أجر شهيد وعن عائشة مرفوعا قال في كل يوم خمسا وعشرين مرة اللهم بارك لي في الموت
وفيما بعد الموت ثم مات على فراشه أعطاه الله أجر شهيد وعن ابن عمر مرفوعا من صلى الضحى وصام ثلاثة أيام من الشهر ولم يترك الوتر في حضر ولا سفر كتب له أجر شهيد ومنها التمسك بالسنة عند فساد الأمة ومنها من مات في طلب العلم والمؤذن المحتسب ومن عاش مداريا ومن جلب طعاما إلى المسلمين ومن سعى على امرأته وولده وما ملكت يمينه وغير ذلك مما يطول ذكره فكل من كثر أسباب شهادته زيد له في فتح أبواب سعادته متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي قاله ميرك وعن عائشة قالت سألت رسول الله عن الطاعون أي ما الحكمة فيه فأخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء أي من عباده الكافرين والمؤمنين وأن الله بفتح الهمزة على العطف وبكسرها على الاستئناف جعله رحمة أي سبب زيادة رجمة للمؤمنين أي الصابرين عليه ونظيره قوله تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا الإسراء وأما قول ابن حجر على من يشاء من الكافرين بدليل وأن الله الخ فغير ظاهر ليس هذه الجملة بيان لقوله جعله رحمة من أحد من زائدة أي ليس أحد يقع الطاعون صفة أحد والراجع محذوف أي يقع في بلده فيمكث أي ذلك الأحد في بلده قال الطيبي عطف على يقع وكذا ويعلم اه فكان في نسخته ويعلم بالواو وهو خلاف ما عليه الأصول وأما قول ابن حجر عطف على يمكث بحذف حرف العطف فهو غير مرضي صابرا محتسبا حالان من فاعل يمكث أي يصبر وهو قادر على الخروج متوكلا على الله طالبا لثوابه لا غير


كحفظ مال أو غرض آخر يعلم حال آخر أو بدل من يمكث أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له أي من الحياة والممات إلا كان له مثل أجر شهيد خبر ليس والاستثناء مفرغ رواه البخاري
وعن أسامة بن زيد أي ابن حارثة قال قال رسول الله الطاعون رجز بكسر الراء أي عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض قال الطيبي هم الذين قيل لهم ادخلوا الباب سجدا فخالفوا قال تعالى فأرسلنا عليهم رجزا من السماء الاسراء قال ابن الملك فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفا من شيوخهم وكبرائهم وأراد بالباب باب القبة التي صلى إليها موسى عليه السلام ببيت المقدس أو على من كان قبلكم شك من الراوي فإذا سمعتم به بأرض قال الطيبي الباء الأولى متعلقة بسمعتم على تضمين أخبرتم وبأرض حال أي واقعا في أرض فلا تقدموا عليه بضم التاء من الإقدام وفي بعض النسخ بفتح التاء والدار قال زين العرب المحفوظ ضم التاء وقال التوربشتي فتح التاء بعض الرواة وضم الدال من قولهم قدم يقدم ومنهم من فتح الدال من قولهم قدم من سفره يقدم قدوما والمحفوظ عند حفاظ الحديث ضم التاء من قولهم أقدم على الأمر اقداما قال ابن الملك أي لا تدخلوا عليه وروي أنه لما بلغ الحجر ديار ثمود المعذبين فيها منع أصحابه الدخول فيها ويؤيده قوله إذا مررتم بأرض قوم معذبين فأسرعوا لا يصيبكم ما أصابهم وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه قال ابن الملك فإن العذاب لا يدفعه الفرار وإنما يمنعه التوبة والاستغفار وقال الطيبي فيه أنه لو خرج لحاجة فلا بأس وقال بعضهم الطاعون لما كان عذابا نهى عن الإقدام فإنه تهور واقدام على الخطر والعقل يمنعه ونهى عن الفرار أيضا فإن الثبات فيه تسليم لما لم يسبق منه اختيار فيه ويحتمل أنه كره ذلك لما فيه من تضييع المرضى والموتى لو تحول الأصحاء عنهم وقال القاضي في الحديث النهي عن استقبال البلاء فإنه تهور وعن


الفرار فإنه فرار من القدر ولا ينفعه قال الخطابي أحد الأمرين تأديب وتعليم والآخر تفويض وتسليم متفق عليه قال ميرك ورواه الترمذي والنسائي وعن أنس قال سمعت النبي يقول قال الله تعالى إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه أي بفقد بصر عينيه وإنما سميا بذلك لأنه لا أحب عند الإنسان في حواسه منهما وإن
كان السمع أفضل من البصر على الأصح لأن فوائد السمع غالبها أخروي لأنه محل إدارك القرآن والسنة والعلوم وفوائد البصر غالبها دنيوي ثم صبر هي لتراخي الرتبة عوضته منهما أي بدلهما أو من أجل فقدهما الجنة أي دخولها مع الناجين أو منازل مخصوصة فيها يريد أي النبي بحبيبتيه عينيه والظاهر أن هذا التفسير من أنس رواه البخاري وفي حديث آخر عند غير البخاري فقد إحدى العينين فيه الجنة وفضل الله أوسع من ذلك وينبغي لمن ابتلى بذلك أن يتأسى بأحوال الأكابر من الأنبياء والأولياء الذين حصل لهم هذا البلاء فصبروا عليه ورضوا به بل عدوه نعمة ومن ثم لما ابتلى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنشد إن يذهب الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي للهدى نور
الفصل الثاني


عن علي قالت سمعت رسول الله يقول ما من مسلم يعود مسلما غدوة الغدوة بضم الغين ما بين صلاة الغدوة وطلوع الشمس كذا قال ابن الملك والظاهر أن المراد به أول النهار ما قبل الزوال إلا صلى عليه أي دعا له بالمغفرة سبعون ألف ملك حتى يمسي أي يغرب بقرينة مقابلته وأغرب ابن حجر فقال أي حتى ينتهي المساء وانتهاؤه بانتهاء نصف الليل ونسب القول إلى ثعلب وهو خلاف ما عليه جمهور اللغويين وإن عاده نافية بدلالة إلا ولمقابلتها ما عشية أي ما بعد الزوال أو أول الليل إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكأن له أي للعائد في كلا الوقتين خريف في الجنة أي بستان وهو في الأصل الثمر المجتنى أو مخروف من ثمر الجنة فعيل بمعنى المفعول رواه الترمذي وقال حسن غريب وأبو داود قال ميرك والنسائي


وعن زيد بن أرقم قال عادني بفتح الياء ويسكن النبي من وجع أي من رمد كما في رواية قاله ميرك كان بعيني بتشديد الياء وفي نسخة صحيحة بتخفيفها والمراد به الجنس قال في الأزهار فيه بيان استحباب العيادة وإن لم يكن المرض مخوفا كالصداع ووجع الضرس وإن ذلك عيادة حتى يحوز بذلك أجر العيادة ويحنث به خلافا للشيعة أقول وروي عن بعض الحنفية أن العيادة في الرمد ووجع الضرس خلاف السنة والحديث يرده ولا أعلم من أين تيسر لهم الجزم بأنه خلاف السنة مع أن السنة خلافه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وقد ترجم عليه أبو داود في سننه فقال باب العيادة من الرمد ثم أسند الحديث والله الهادي ذكره ميرك أقول يحمل قوله خلاف السنة على السنة المؤكدة ولا يرد الحديث إذ ليس فيه تصريح منه بأنه عيادة بل يحتمل أنه يكون زيارة وإنما قال الصحابي على زعم أنه عيادة أو على أنه مشابه بالعيادة فأطلقه مجازا مع أنه معارض بما أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعا ثلاثة ليس لهم عيادة العين والرمد والضرس وإن صحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير كما نقله ابن حجر ثم مبني الإيمان وحنثه عندنا على العرف والعادة لا على اللغة والسنة الثابتة وترجمة أبي داود لا تكون حجة على غيره قال في شرعة الإسلام ومن السنة أي المؤكدة أن يعود أخاه فيما اعتراه أي أصابه من المرض إلا في ثلاثة أمراض صاحب الرمد والضرس والدمل قال الشارح وبتقييدنا السنة بالمؤكدة يندفع ما يتوهم من المخالفة بين ما ذكره المصنف وبين ما ذكر في المصابيح من أن زيد بن أرقم قال عادني النبي من وجع كان بعيني فإنه محمول على أنه من السنن الغير المؤكدة وخلاصة الكلام أنه لا يلزم فيها العيادة لا أنه منهى عنها اه وقال ابن الملك وهذا يدل على أن من لم يقدر أن يخرج من بيته بعلة فعيادته سنة وقد عرفت ما فيه رواه أحمد وأبو داود قال ميرك وسكت عليه هو والمنذري ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين وعن


أنس قال قال رسول الله من توضأ فأحسن الوضوء أي أتى به كاملا وأما قول ابن حجر أي أتى به صحيحا فغير صحيح لأن من لم يأت به صحيحا لا يقال له في الشرع أنه توضأ وعاد أخاه المسلم ولعل الأمر بالطهارة للعيادة لأنها عبادة بنقطة زيادة
والزيادة على رعاية صاحب العيادة فيكون جامعا بين الامتثال لأمر الله والشفقة على خلق الله وقال الطيبي فيه أن الوضوء سنة في العبادة لأنه إذا دعا على الطهارة كان أقرب إلى الاجابة وقال زين العرب ولعل الحكمة في الوضوء هنا أن العيادة عبادة وأداء العبادة على وجه الأكمل أفضل هذا وهو حجة على الشافعية على ما ذكره ابن حجر من أنه لا يسن الوضوء لعيادة المريض ثم قال والاعتذار عنهم باحتمال أنهم لم يروا هذا الحديث بعيد مع كون السنة بين أعينهم أقول سبحان الله يستبعد أن فقهاء الشافعية لم يروا مثل هذا الحديث ويجوز كما تقدم عنه في مواضع أن الأحاديث الصحاح ما بلغت مثل أبي حنيفة ومالك وأحمد أئمة الحديث والفقه أصولا وفروعا ولكن كما ورد حبك الشيء يعمي ويصم محتسبا أي طالبا للثواب لا لغرض آخر من الأسباب بوعد ماض مجهول من المباعدة والمغالبة للمبالغة من جهنم مسيرة ستين خريفا أي سنة كما في رواية سمي بذلك لاشتماله عليه إطلاقا للبعض على الكل قال الطيبي كانت العرب يؤرخون أعوامهم بالخريف لأنه كان أوان جدادهم وقطافهم وإدراك غلاتهم إلى أن أرخ عمر رضي الله عنه بسنة الهجرة اه وتبعه ابن حجر مع اعتراضه عليه فيما سبق بما رددناه عليه والتحقيق أن الخريف على ما ذكر في القاموس وغيره كأمير ثلاثة أشهر بين القيظ والشتاء تخترق فيه الثمار وأرخ الكتاب وقته فقوله كانوا يؤرخون أعوامهم بالخريف معناه أنهم يجعلون الخريف آخر سنتهم أو أولها لما علله أو المعنى أنهم كانوا يطلقون الخريف على العام جميعا لما تقدم وما الدخل فيه لتاريخ عمر رضي الله عنه بالهجرة فإن سببه أن العرب كانوا يؤرخون لمعرفة مضي مدة السنين بأمر


غريب كان يقع في سنة من السنين كعام الفيل فغيره رضي الله عنه وجعل اعتبار التاريخ من سنة الهجرة واستمر الأمر على ذلك إلى تاريخ يومنا هذا والله أعلم رواه أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله ما من مسلم ما للنفي ومن زائدة يعود مسلما أي يزوره في مرضه فيقول أي العائد سبع مرات لعله إشارة إلى السبعة الأعضاء أسأل الله العظيم أي في ذاته وصفاته رب العرش العظيم فإنه أعظم مخلوقاته ومحيط بمكوناته وفي نسخة بنصب العظيم على أنه صفة الرب أن يشفيك بفتح أوله مفعول ثان ألا شفي على بناء المجهول أي ذلك المسلم المريض سريعا والحضر غالبي أو


مبني على شروط لا بد من تحققها إلا أن يكون قد حضر أجله أي فيهون الله عليه الموت ويحصل له شفاء الباطن حتى يلقى الله بقلب سليم رواه أبو داود والترمذي قال ميرك ورواه النسائي في اليوم والليلة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وعنه أي عن ابن عباس أن النبي كان يعلمهم من الحمى أي من أجلها ومن الأوجاع كلها أن يقولوا أي المرضى أو عوادهم بسم الله الكبير أي شأنه والعلي برهانه أعوذ بالله هذا لفظ ابن أبي شيبة في المصنف وفي أكثر الأصول نعوذ بالله العظيم من شر كل عرق بالتنوين نعار أي فوار الدم يقال نعر العرق ينفر بالفتح فيهما إذا فار منه الدم استعاذ لأنه إذا غلب لم يمهل وقيل سائل الدم وقيل مضطرب وقال الطيبي نعر العرق بالدم إذا ارتفع وعلا وجرح نعار ونعور إذا صوت دمه عند خروجه اه وقال الترمذي ويروي عرق نعار ومن شر حر النار رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث إبراهيم بن إسماعيل وهو يضعف في الحديث قال القرطبي هو متروك وقال السيوطي أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجه وابن أبي الدنيا وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه والبيهقي في الدعوات ولعدم اطلاع ابن حجر على ذلك قال يسن ذكر ذلك للعائد لأن الضعيف حجة في مثل ذلك اتفاقا وعن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله يقول من اشتكى أي شكا منكم شيئا أي من الوجع أو اشتكاه الضمير عائد إلى شيئا أخ له فليقل أي المشتكي أو أخوه العائد ربنا الله قال زين العرب في النسخ بالرفع وفي شرح قال إنه بالنصب والله بدل منه الذي صفة موضحة في السماء أي رحمته أو أمره أو ملكه العظيم أو الذي معبود في


السماء كما أنه معبود في الأرض قال تعالى وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله الزخرف وهذا مما اختلف فيه السلف والخلف بعد اتفاقهم على تنزيه الله تعالى عن ظاهره الموهم للمكان والجهة تقدس اسمك وفي نسخة أسماؤك أي تطهرت عما لا يليق بك قال الطيبي ربنا مبتدأ الله خبره الذي صفة مادحة عبارة عن مجرد العلو والرفعة لأنه منزه عن المكان ومن ثم نزه اسمه عما لا يليق فيلزم منه تقديس المسمى بطريق الأولى أمرك أي مطاع في السماء والأرض قال الطيبي كقوله تعالى وأوحى في كل سماء أمرها فصلت أي ما أمر به فيها ودبرها من خلق الملائكة والنيرات وغير ذلك كما رحمتك في السماء ما كافة مهيئة لدخول الكاف على الجملة في الفائق الأمر مشترك بين السماء والأرض لكن الرحمة شأنها أن تخص بالسماء دون الأرض لأنها مكان الطيبين المعصومين قال ابن الملك ولذلك أتى بالفاء الجزائية فالتقدير إذا كان كذلك فاجعل رحمتك في الأرض أي في أهلها اغفر لنا حوبنا بضم الحاء وتفتح أي ذنبنا وخطايانا أي كبائرنا وصغائرنا وعمدنا وخطأنا أنت رب الطيبين أي محبهم ومتولي أمرهم والإضافة تشريفية وهم المؤمنون المطهرون من الشرك أو المتقون الذين يجتنبون الأفعال الدنية والأقوال الردية انزل رحمة أي عظيمة من رحمتك أي الواسعة التي وسعت كل شيء قال الطيبي هذا إلى آخره تقرير للمعنى السابق وشفاء أي عظيما من شفائك أي من جملته وهو تخصيص بعد تعميم على هذا الوجع بالفتح والكسر قال الطيبي اللام في الوجع للعهد وهو ما يعرفه كل أحد أن الوجع ما هو ويجوز أن يشار به إلى شيئا فالجيم مفتوح وإلى من في من اشتكى فالجيم مكسور وقال ميرك ضبطه بعضهم بكسر الجيم وهو من به وجع أي بفتح الميم وقال بعض الشراح الفتح هو الرواية فيبرأ بالرفع أي فهو يتعافى وأما قول ابن حجر فيبرأ جواب ليقل فظاهره أنه منصوب وليس كذلك في الأصول رواه أبو داود قال ميرك ورواه النسائي في اليوم والليلة والحاكم في


المستدرك اه لكن الحاكم رواه عن فضالة بن عبيد وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله إذا جاء الرجل يعود مريضا فليقل اللهم اشف عبدك ينكأ بفتح الياء في أوله وبالهمزة في آخره مجزوما أي يجرح لك
عدوا أي الكفار أو إبليس وجنوده ويكثر فيهم النكاية بالإيلام وءقامة الحجة والإلزام بالجزم وروى بالرفع بتقدير فهو ينكأ من النكء بالهمزة من حد منع ومعناه الخدش وينكىء من النكاية من باب ضرب أي التأثير بالقتل والهزيمة كذا ذكره بعض الشراح لكن الرسم لا يساعد الأخير وفي الصحاح نكأت القرحة أنكأها نكأ إذا قشرتها وفي النهاية نكيت في العدو أنكى نكاية فإنا نأك إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهموا لذلك وقد يهمز قال الطيبي ينكأ مجزوم على جواب الأمر ويجوز الرفع أي فإنه ينكأ وقال ابن الملك بالرفع في موضع الحال أي يغزو في سبيلك أو يمشي بالرفع أي أو هو يمشي قال ميرك وكذا ورد بالياء وهو على تقدير ينكأ بالرفع ظاهر وعلى تقدير الجزم فهو وارد على قراءة من يتق ويصبر لك أي لأمرك وابتغاء وجهك إلى جنازة بالفتح ويكسر أي اتباعها للصلاة لما جاء في رواية إلى صلاة وهذا توسع شائع قال الطيبي ولعله جمع بين النكاية وتشييع الجنازة لأن الأول كدح في إسش نزال العقاب على عدو الله والثاني سعي في ايصال الرحمة إلى ولي الله اه أو لأن المقصود من المرض إما كفارة الذنوب ورفع الدرجات أو تذكير بالموت والآخرة والعقاب وهما حاصلان له بالعملين المذكورين رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه هو والمنذري ورواه ابن حبان والحاكم وعن علي بن زيد عن أمية بالتصغير قال السيد اسم امرأة والد علي بن زيد وليست بأمه قاله في التقريب فما وقع في بعض نسخ الترمذي عن أمه خطأ إلا أن يحمل على المسامحة أو المجاز أنها سألت عائشة عن قول الله عز وجل إن تبدوا كذا بلا واو قبل أن أي أن تظهروا ما في أنفسكم أي في قلوبكم من السوء بالقول أو الفعل أو تخفوه أي تضمروه مع الإصرار عليه


إذ لا عبرة بخطور الخواطر يحاسبكم به الله أي يجازيكم بسركم وعلنكم أي يخبركم بما أسررتم وما أعلنتم وعن قوله أي تعالى من يعمل أي ظاهرا وباطنا سوأ أي صغيرا أو كبيرا يجزيه أي في الدنيا أو العقبى إلا ما شاء ممن شاء فقالت أي عائشة ما سألني عنها أي عن هذه المسألة
أحد منذ سألت رسول الله أي عنها فقال هذه إشارة إلى مفهوم الآيتين المسؤل عنهما أي محاسبة العبادة أو مجازاتهم بما يبدون وما يخفون من الأعمال معاتبة الله العبد أي مؤاخذته العبد بما اقترف من الذنب بما يصيبه أي في الدنيا وهو صلة معاتبة ويصح كون الباء سببية من الحمى وغيرها مؤاخذة المعاتب وإنما خصت الحمى بالذكر لأنها من أشد الأمراض وأخطرها قال في المفاتيح العتاب أن يظهر أحد الخليلين من نفسه الغضب على خليله لسوء أدب ظهر منه مع أن في قلبه محبته يعني ليس معنى الآية أن يعذب الله المؤمنين بجميع ذنوبهم يوم القيامة بل معناها أنه يلحقهم بالجوع والعطش والمرض والحزن وغير ذلك من المكاره حتى إذا خرجوا من الدنيا صاروا مطهرين من الذنوب قال الطيبي كأنها فهمت أن هذه مؤاخذة عقاب أخروي فأجابها بأنها مؤاخذة عتاب في الدنيا عناية ورحمة اه ولذلك لما شقت الآية الأولى على الصحابة وأزعجتهم نزل عقبها لا يكلف الله نفسا إلا وسعها كما أنه لما شق عليهم اتقوا الله حق تقاته آل عمران وتفسيره عليه الصلاة والسلام لها بأن يذكر فلا ينسى ويطاع فلا يعصي ويشكر فلا يكفر نزل فاتقوا الله ما استطعتم التغابن ووقع في المصابيح هذه معاقبة الله بالقاف قال زين العرب اشارة إلى مفهوم الآية المسؤل عنها ويروي معاتبة الله من العتاب أي يؤاخذ الله معه أخذ العاتب قال شارح الرواية الأولى في جميع نسخ المصابيح وهي غير معروفة في الحديث ولا معنى لها وقال ابن حجر وروى متابعة الله ومعناها هنا صحيح خلافا لمن نازع فيه وأطال بما لا طائل تحته ولا شك أنه تصحيف وتحريف لعدم استناده إلى أصل أصلا ثم


جعله بمعنى تبعه أي طالبه تبعته في من البعد وأغرب حيث قال ومن ذلك خبر اتبعوا القرآن أي اقتدوا به والنكبة بفتح النون أي المحنة وما يصيب الإنسان من حوادث الدهر حتى البضاعة بالجر عطف على ما قبلها وبالرفع على الابتداء وهي بالكسر طائفة من مال الرجل يضعها في يد قميصه أي كمه سمي باسم ما يحمل فيه فيفقدها أي يتفقدها ويطلبها فلم يجدها لسقوطها أو أخذ سارق لها منه فيفزع لها أي يحزن لضياع البضاعة فيكون كفارة كذا قاله ابن الملك وقال الطيبي يعني إذا وضع بضاعة في كمه ووهم أنها غابت فطلبها وفزع كفرت عند ذنوبه وفيه من المبالغة ما لا يخفى حتى أي ولا يزال يكرر عليه تلك الأحوال حتى أن العبد بكسر الهمزة وفي نسخة بالفتح وأظهر العبد موضع ضميره إظهار الكمال العبودية المقتضي للصبر والرضا بأحكام الربوبية ليخرج من ذنوبه بسبب الابتلاء بالبلاء كما يخرج التبر بالكسر أي الذهب والفضة قبل أن يضربا دراهم ودنانير فإذا ضربا كانا عينا الأحمر أي الذهب يشوي في النار تشوية بالغة من الكير بكسر الكاف متعلق بيخرج رواه الترمذي


وعن أبي موسى أن النبي وفي نسخة صحيحة أن رسول الله قال لا يصيب عبدا التنوين للتنكير نكبة أي محنة وأذى والتنوين للتقليل لا للجنس ليصح ترتب ما بعدها عليها بالفاء وهو فما فوقها أي في العظم أو دونها في المقدار وأما قول ابن حجر فما فوقها في العظم أو دونها في الحقارة ويصح عكسه فغير صحيح لأنه خلاف معروف اللغة والعرف وأما قوله ونظيره قوله مثل ما بعوضة فما فوقها البقرة فممنوع لأن الآية ليس فيها إلا ذكر فوقها واختلفوا في معناه فالجمهور على أن المعنى فما فوقها في الكبر كالذباب والعنكبوت وقال أبو عبيدة أي فما دونها كما يقال فلان جاهل فيقال وفوق ذلك أي وأجهل قال الإمام الرازي وهو قول أكثر المحققين لكن مختار الكشاف والبيضاوي أن معناه ما زاد عليها في الجثة كالذباب أو في المعنى الذي جعلت فيه مثلا وهو الصغر والحقارة كجناحها قال البيضاوي ونظيره في الاحتمالين ما روى أن رجلا بمنى خر على طنب فسطاط فقالت عائشة رضي الله عنها سمعت رسول الله قال ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة فإنه يحتمل ما تجاوز الشوكة في الألم كالخرور وما زاد عليها في القلة كنخبة النملة لقوله عليه الصلاة والسلام ما أصاب المؤمن من مكروه فهو لخطاياه حتى نخبة النملة اه وهي بفتح النون وسكون الخاء المعجمة بعدها موحدة أي قرصتها والحديث الأول رواه البخاري وغيره وأما الثاني فقال العسقلاني لم أجده إلا بذنب أي يصدر من العبد وما يعفو الله ما موصولة أي الذي يغفره ويمحوه عنه أكثر مما يجازيه قال ميرك نقلا عن زين العرب أي لا تصيب العبد في الدنيا مصيبة إلا بسبب ذنب صدر منه وتكون تلك المصيبة التي لحقته في الدنيا كفارة لذنبه والذي يعفو الله عنه من الذنوب من غير أن يجازيه في الدنيا والآخرة أكثر وأحرى من ذلك فانظر إلى حسن لطف الله تعالى بعباده وقرأ أي النبي قاله ابن الملك وما أصابكم ما شرطية أو موصولة متضمنة


لمعنى الشرط من مصيبة أي من مرض وشدة وهلاك وتلف في أنفسكم وأموالكم وهذا يختص بالمذنبين وأما غيرهم فإنما تصيبهم لرفع درجاتهم فبما كسبت أيديكم الرواية بالفاء وقرأ نافع وابن عامر بحذفها في الآية أي بذنوب كسبتها أنفسكم فما
موصولة أو موصوفة ويمكن أن تكون مصدرية أي بكسبكم الآثام وانتساب الاكتساب إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها والمعنى ما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ويعفوا أي فضلا منه تعالى عن كثير أي كثير من الذنوب أو كثير من المذنبين وتكتب الألف بعد واو يعفو مع أنه مفرد على الرسم القرآني رواه الترمذي وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله إن العبد إذا كان على طريقة حسنة أي على جهة المتابعة الشرعية من العبادة أي نوع من أنواعها من النوافل بعد قيامه بالفرائض ثم مرض ولم يقدر على تلك العبادة قيل أي قال الله تعالى كما مر في الرواية الأخرى ودل عليه قوله هنا حتى أطلقه للملك الموكل به أي صاحب الحسنات أكتب له مثل عمله إذا كان طليقا أي مطلقا من المرض الذي عرض له غير مقيد به من أطلقه إذا رفع عنه القيد أي إذا كان صحيحا لم يقيده المرض عن العمل كذا ذكره ميرك حتى أطلقه بضم الهمزة أي أكتب إلى حين أرفع عنه قيد المرض أو أكفته بفتح الهمز وكسر الفاء أي أقبضه إلي في النهاية أي أضمه إلى القبر ومنه قيل للأرض كفأت قال المظهر أي أميته قيل الكفت الضم والجمع وهنا مجاز عن الموت قال ميرك رواه أحمد باسناد صحيح ليس فيه إلا عاصم القارىء روى له الأربعة وأخرج له الشيخان متابعة وعن أنس أن رسول الله قال إذا ابتلى المسلم ببلاء في جسده قال أي الله تعالى وفي نسخة قيل للملك الموكل أي صاحب يمينه أكتب له صالح عمله أي مثله الذي كان يعمل والظاهر من الحديث أنه يكتب له نفس العمل وقيل ثوابه والأول أبلغ فإنه يشمل التضاعف فإن شفاه أي الله تعالى غسله بالتشديد ويخفف أي نظفة وطهره من الذنوب لأن المرض كفرها والواو


تفسيرية أو تأكيدية أو تنويعية وإن قبضه أي أمر بقبضه
وأماته غفر له من السيئات ورحمه بقبول الحسنات أو تفضل عليه بزيادة المثوبات رواهما أي روى صاحب المصابيح الحديثين السابقين في شرح السنة قال ميرك والإمام أحمد كما يفهم من التخريج والتصحيح وعن جابر بن عتيك بفتح العين وكسر التاء كنيته أبو عبد الله الأنصاري شهد بدرا وجميع المشاهد بعدها ذكره المؤلف قال قال رسول الله الشهادة أي الحكمية سبع بل أكثر كما يعلم من أحاديث أخر سوى القتل في سبيل الله أي غير الشهادة الحقيقية المطعون شهيد قال الطيبي هو إلى آخره بيان للسبع بحسب المعنى والغريق شهيد إذا كان سفره طاعة وصاحب ذات الجنب شهيد وهي قرحة أو قروح تصيب الإنسان داخل جنبه ثم تفتح ويسكن الوجع وذلك وقت الهلاك ومن علاماتها الوجع تحت الأضلاع وضيق النفس مع ملازمة الحمى والسعال وهي في النساء أكثر والمبطون من إسهال أو استسقاء أو وجع بطن شهيد وصاحب الحريق أي المحرق وهو الذي يموت بالحرق شهيد والذي يموت تحت الهدم بفتح الدال ويسكن شهيد والمرأة تموت بجمع بضم الجيم ويكسر وسكون الميم شهيد في النهاية أي تموت وفي بطنها ولد وقيل تموت بكرا والجمع بالضم بمعنى المجموع كالذخر بمعنى المذخور وكسر الكسائي الجيم أي ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة أو غير مطموثة ذكره الطيبي وقال بعض الشراح الجمع بضم الجيم وكسرها والرواية بالضم أي تموت وولدها في بطنها وقيل هو الطلق وقيل بأن تموت بالولادة وقيل بسبب بقاء المشيمة في جوفها وهي المسماة بالخلاص وقيل معناه تموت بجمع من زوجها أي ماتت بكرا لم يفتضها زوجها رواه مالك وأبو داود والنسائي قال ميرك ورواه ابن ماجه وقال النووي هذا حديث صحيح وإن لم يخرجه الشيخان بلا خلاف وعن سعد قال سئل النبي أي الناس أشد أي أكثر أو أصعب بلاء أي


محنة ومصيبة قال الأنبياء أي هم أشد في الابتلاء لأنهم يتلذذون بالبلاء كما يتلذذ غيرهم بالنعماء ولأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية وليتوهن على الأمة الصبر على البلية ثم الأمثل أي الأشبه بهم أو الأفضل من غيرهم فالأمثل قال ابن الملك أي الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة يعني من هو أقرب إلى الله بلاؤه أشد ليكون ثوابه أكثر قال الطيبي ثم فيه للتراخي في الرتبة والفاء للتعاقب على سبيل التوالي تنزلا من الأعلى إلى الأسفل واللام في الأنبياء للجنس اه ويصح كونها للاستغراق إذ لا يخلو واحد منهم من عظيم محنة وجسيم بلية بالنسبة لأهل زمنه ويدل عليه قوله يبتلي الرجل على حسب دينه أي مقداره ضعفا وقوة ونقصا وكمالا قال الطيبي الجملة بيان للجملة الأولى واللام في الرجل للاستغراق في الأجناس المتوالية اه ويصح كونها للجنس بل هو الصحيح كما يدل عليه قوله على حسب دينه فإن كان تفصيل للابتلاء وقدره في دينه صلبا خبر كان أي شديدا واسمه ضمير راجع إلى الرجل والجار متعلق بالخبر اشتد بلاؤه أي كمية وكيفية وإن كان أي هو في دينه رقة الجملة خبر كان ويحتمل أن يكون رقة اسم كان أي ضعف قال الطيبي جعل الصلابة صفة له والرقة صفة لدينه مبالغة وعلى الأصل اه وكأن الأصل في الصلب أن يستعمل في الجثث وفي الرقة تستعمل في المعاني ويمكن أن يحمل على التفنن في العبارة هون على بناء المفعول سهل وقلل عليه أي البلاء قال ابن الملك ليكون ثوابه أقل أقول بل رحمة عليه ولطفا به فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولولا التخفيف في بلائه لخشي عليه الكفر من ابتلائه ولذا قال كاد الفقر أن يكون كفرا فما زال أي الرجل المبتلي قال الطيبي الضمير راجع إلى اسم كان الأول كذلك أي أبدا يصيب الصالح البلاء ويغفر ذنبه باصابته إياه حتى يمشي على الأرض كناية عن خلاصه من الذنوب فكأنه كان محبوسا ثم أطلق وخلي سبيله ماله أي عليه ذنب يختص به وربما يكون شفيعا لغيره


رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي وقال الترمذي هذا حديث صحيح وعن عائشة قالت ما أغبط بكسر الباء يقال غبطت الرجل أغبطه إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله وأن يدوم عليه ما هو فيه أي ما أحسد أحدا ولا أتمنى ولا أفرح لأحد بهون موت الهون بالفتح الرفق واللين أي بسهولة موت بعد الذي أي بعد الحال
الذي رأيت من شدة موت رسول الله وتقدم معنى الحديث رواه الترمذي والنسائي وعنها أي عن عائشة قالت رأيت النبي وهو بالموت أي مشغول أو ملتبس به والأحوال بعدها متداخلان وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه أي بالماء تبريد الحرارة الموت أو دفعا للغشيان وكربة أو تنظيفا لوجهه عند التوجه إلى ربه أو اظهار العجزة وتبرئته من حوله وقوته ثم يقول اللهم أعني على منكرات الموت أي على دفعها عني أو سكرات الموت أي شدائده جمع سكرة بسكون الكاف وهي شدة الموت وقيل السكر حالة تعرض بين المرء وعقله وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب وقد يعتري من الغضب والعشق ولو من حب الدنيا وقد يحصل من الخوف قال تعالى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى الحج وأما قول ابن حجر صح أنه كان يغمى عليه في مرضه من شدة المرض فاللائق بمقامه العلي وحاله الجلي أن يحمل الإغماء على معنى الغيبة بالشهود عند اللقاء وعلى معنى الفناء المترتب عليه البقاء بناء على ما اصطلح عليه السادة الصوفية الصفية والطائفة البهية السنية قيل أو للشك وبه جزم ابن حجر ويحتمل أن تكون للتنويع ويراد من منكرات الموت ما يقع من تقصير في تلك الحال من المريض أو وساوس الشيطان وخطراته وتزيين خطراته ومن سكرات الموت شدائده التي لا يطيقها المحتضر فيموت فزعا جزعا والمطلوب أنه لا يموت إلا أنه مسلم ومسلم محسن للظن بربه وفي هذا تعليم منه عليه الصلاة والسلام لأمته اللهم توفنا على ملته رواه الترمذي وابن ماجه قال ميرك ورواه النسائي في اليوم والليلة وعن أنس قال قال رسول الله إذا أراد الله أي قضى


وقدر بعبده الخير أي كله وفيه مبالغة لا تخفى عجل له العقوبة أي الابتلاء بالمكاره في الدنيا لأن عذاب الآخرة أشد وأبقى وإذا أراد أي الله كما في نسخة بعبده الشر أمسك أي أخر عنه ما
يستحقه من العقوبة بذنبه أي بسببه حتى يوافيه أي يجازيه جزاء وافيا به أي بذنبه قال الطيبي الضمير المرفوع راجع إلى الله تعالى والمنصوب إلى العبد ويجوز أن يعكس اه ولعل الموافاة حينئذ بمعنى الملاقاة قال والمعنى لا يجازيه بذنبه حتى يجيء في الآخرة متوافر الذنوب وافيها فيستوفي حقه من العقاب يوم القيامة أي إن لم يعف عنه رواه الترمذي من طريق سعد بن سنان عنه وقال حسن غريب من هذا الوجه نقله ميرك وقال فيه نظر قال الذهبي ليس بحجة وعنه أي عن أنس قال قال رسول الله إن عظم الجزاء بضم العين وسكون الظاء وقيل بكسر ثم فتح أي عظمة الأجر وكثرة الثواب مقرون مع عظم البلاء كيفية وكمية جزاء وفاقا وأجرا طباقا وإن الله عز وجل إذا أحب أي إذا أراد أن يحب قوما ابتلاهم فإن البلاء للولاء والابتلاء للأولياء فمن رضي أي بالبلاء فله الرضا أي فليعلم أن له الرضا من المولى أو فيحصل له الرضا في الآخرة والأولى قيل رضا العبد محفوف برضاءين لله تعالى سابقا ولاحقا وأنا أقول إنما اللاحق أثر السابق والله أعلم بالحقائق ومن سخط بكسر الخاء أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه فله السخط من الله أولا والغضب عليه آخرا واعلم أن الرضا والسخط حالان متعلقان بالقلب فكثير ممن له أنين من وجع وشدة مرض وقلبه مشحون من الرضا والتسليم لأمر الله هذا وقال الطيبي قوله إذا أحب الله قوما ابتلاهم جميعا وحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه لأن الفاء في فمن تفصيلية والتفصيل غير مطابق للمفصل لأن المفصل يشتمل على فريق واحد وهو أهل المحبة والتفصيل على فريقين أهل الرضا وأهل السخط قال ميرك أقول وللحديث محمل آخر وهو أن نزول البلاء علامة المحبة فمن رضي بالبلاء صار محبوبا


حقيقيا له تعالى ومن سخط صار مسخوطا عليه تأمل ثم قال الطيبي فهم منه أن رضا الله مسبوق برضاء العبد ومحال أن يرضى العبد عن الله تعالى إلا بعد رضاء الله تعالى كما قال تعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه البينة ومحال أن يحصل رضاء الله ولا يحصل رضا العبد في الآخرة كما قال تعالى يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية الفجر فعن الله الرضا أزلا وأبدا سابقا ولاحقا رواه الترمذي قال ميرك بسند الحديث الذي قبله وابن ماجه


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يزال البلاء بالمؤمن أي ينزل بالمؤمن الكامل أو المؤمنة أو للتنويع ووقع في أصل ابن حجر بالواو فقال الواو بمعنى أو بدليل أفراد الضمير وهو مخالف للنسخ المصححة والأصول المعتمدة في نفسه وماله وولده بفتح الواو واللام وبضم فسكون أي أولاده حتى يلقى الله أي يموت وما عليه من خطيئة بالهمزة والإدغام أي وليس عليه سيئة لأنها قد زالت بسبب البلاء رواه الترمذي وروى مالك نحوه أي بمعناه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده قال ميرك وكانت له صحبة وقد سماه ابن منده اللجلاج بن حكيم وفي التقريب والد محمد مجهول من الثالثة أخرج له أبو داود ولم يسم أباه لكن سماه ابن منده قال قال رسول الله إن العبد إذا سبقت له أي في علم الله أو في قضائه وقدره من الله منزلة أي مرتبة عالية في الجنة لم يبلغها بعمله لعجزه عن العمل الموصل إليها وفيه دليل على أن الطاعات سبب للدرجات قيل ودخول الجنة بفضل الله تعالى وايمان العبد والخلود بالنية ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده أو في الموضعين للتنويع باعتبار الأوقات أو باختلاف الأشخاص ثم صبره بالتشديد أي رزقه الصبر على ذلك مستفاد من قوله تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله النحل حتى يبلغه الله بالتشديد وقيل بالتخفيف قال الطيبي حتى هذه إما للغاية وإما بمعنى كي والمعنى حتى يوصله الله تعالى المنزلة أي المرتبة العليا التي سبقت له أي إرادتها من الله تعالى شأنه وتوالى إحسانه رواه أحمد وأبو داود وعن عبد الله بن شخير بكسر الشين وتشديد المعجمة قال قال رسول الله مثل بضم الميم وتشديد المثلثة أي صور وخلق ابن آدم وقيل مثل ابن آدم بفتحتين


وتخفيف المثلثة ويريد به صفته وحاله العجيبة الشأن وهو مبتدأ خبره الجملة التي بعده أي الظرف وتسعة وتسعون مرتفع به أي حال ابن آدم أن تسعة وتسعين منية متوجهة إلى نحوه منتهية إلى جانبه وقيل خبره محذوف والتقدير مثل ابن آدم مثل الذي يكون إلى جنبه تسعة وتسعون منية ولعل الحذف من بعض الرواة وإلى جنبه الواو للحال أي بقربه تسع وفي المصابيح تسعة وتسعون أراد به الكثرة دون الحصر منية بفتح الميم أي بلية مهلكة وقال بعضهم أي سبب موت إن أخطأته المنايا قال الطيبي المنايا جمع منية وهي الموت لأنها مقدرة بوقت مخصوص من المني وهو التقدير سمى كل بلية من البلايا منية لأنها طلائعها ومقدماتها اه أي إن جاوزته فرضا أسباب المنية من الأمراض والجوع والغرق والحرق وغير ذلك مرة بعد أخرى وقع في الهرم أي في مجمع المنايا ومنبع البلايا حتى يموت من جملة البرايا قال بعضهم يريد أن أصل خلقة الإنسان من شأنه أن لا تفارقه المصائب والبلايا والأمراض والأدواء كما قيل البرايا أهداف البلايا وكما قال صاحب الحكم ابن عطاء ما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار فإن أخطأته تلك النوائب على سبيل الندرة أدركه من الأدواء الداء الذي لا دواء له وحاصله أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فينبغي للمؤمن أن يكون صابرا على حكم الله راضيا بما قدره الله تعالى وقضاه فقد روى في الحديث القدسي من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليلتمس ربا سوائي رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وزاد ميرك حسن وعن جابر قال قال رسول الله يود أي يتمنى أهل العافية أي في الدنيا يوم القيامة ظرف يود حين يعطي على البناء للمفعول أهل البلاء الثواب مفعول ثان أي كثيرا أو بلا حساب لقوله تعالى إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر لو أن جلودهم كانت قرضت بالتخفيف ويحتمل التشديد للمبالغة والتأكيد أي قطعت في الدنيا قطعة قطعة بالمقاريض جمع المقراض ليجدوا ثوابا كما وجد أهل


البلاء قال الطيبي الود محبة الشيء وتمنى كونه له ويستعمل في كل واحد من المعنيين من المحبة والتمني وفي الحديث هو من المودة التي هي بمعنى التمني وقوله لو أن الخ نزل منزلة مفعول يود كأنه قيل يود أهل العافية ما يلازم لو أن جلودهم كانت مقرضة في الدنيا وهو الثواب المعطي قال
ميرك ويحتمل أن مفعول يود الثواب على طريق التنازع وقوله لو أن جلودهم حال أي متمنين أن جلودهم الخل أو قائلين لو أن جلودهم على طريقة الالتفات من التكلم إلى الغيبة اه وهذا كله تكلف بل تعسف والظاهر فيه ما قيل في جواب الإشكال الوارد في قوله تعالى تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا آل عمران وهو أن لو إنما دخلت على فعل محذوف تقديره تود لو ثبت أن بينها وأجيب أيضا بأن هذا من باب التأكيد اللفظي بمرادفه نحو فجاجا رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب قال ميرك وإسناده جيد والحديث حسن وعن عامر الرام بحذف الياء تخفيفا كما في المتعال لأنه كان حسن الرمي قوي الساعد قال ميرك ويقال الرامي صحابي روى له أبو داود وحده كذا قاله الشيخ الجزري وقال العسقلاني عامر الراوي صحابي له حديث يروي باسناد مجهول وقال الطيبي الرام بالتخفيف بمعنى الرامي ويقال عامر بن الرام والأول أصح ويذكر فيمن له رؤية ورواية قال ذكر رسول الله الأسقام أي الأمراض أو ثوابها فقال إن المؤمن إذا أصابه السقم بفتحتين وبضم فسكون ثم عافاه الله عز وجل منه أي من ذلك السقم كان أي السقم وفي الحقيقة الصبر عليه كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له أي تنبيها للمؤمن ليتوب ويتقي فيما يستقبل من الزمان قال الطيبي أي إذا مرض المؤمن ثم عوفي تنبه وعلم أن مرضه كان مسببا عن الذنوب الماضية فيندم ولا يقدم على ما مضى فيكون كفارة لها وأن المنافق وفي معناه الفاسق المصر إذا مرض ثم أعفي بمعنى عوفي والاسم منه العافية كان أي المنافق في غفلته كالبعير عقله أهله أي شدوه وقيدوه وهو كناية عن المرض استئناف مبين لوجه


الشبه ثم أرسلوه أي أطلقوه وهو كناية عن العافية فلم يدر أي لم يعلم لم أي لأي سبب عقلوه ولم أرسلوه يعني أن المنافق لا يتعظ ولا يتوب فلا يفيد مرضه لا فيما مضى ولا فيما يستقبل فأولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون فقال رجل يا رسول الله وما الأسقام قال الطيبي عطف على مقدر أى عرفنا ما يترتب على الأسقام وما الأسقام والله ما مرضت قط فقال قم أي تنح وابعد عنا فلست منا أي لست من أهل طريقتنا حيث لم تبتل ببليتنا وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام قال من سره أن ينظر إلى رجل من


أهل النار فلينظر إلى هذا لو كان الله يريد به خيرا لطهر به جسده وفي رواية أن الله يبغض العفريت النفريت الذي لا يرزأ في ولده ولا يصاب في ماله رواه أبو داود قال ميرك وفي اسناده راو لم يسم وعن أبي سعيد قال قال رسول الله إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله أي أذهبوا حزنه فيما يتعلق بأجله بأن تقولوا لا بأس طهور أو يطول الله عمرك ويشفيك ويعافيك أو وسعوا له في أجله فينفس عنه الكرب والتنفيس التفريج وقال الطيبي أي طمعوه في طول عمره واللام للتأكيد فإن ذلك أي تنفيسكم له لا يرد شيئا أي من القضاء والقدر وقال الطيبي أي لا بأس عليكم بتنفيسكم ويطيب بالتخفيف وفي نسخة بالتشديد بنفسه أي فيخف ما يجده من الكرب قال الطيبي الباء زائدة ويحتمل أن تجعل الباء للتعدية وفاعل يطيب ضمير راجع إلى اسم أن ويساعد الأول رواية المصابيح ويطيب نفسه قيل لهارون الرشيد وهو عليل هون عليك وطيب نفسك فإن الصحة لا تمنع من الفناء والعلة لا تمنع من البقاء فقال والله لقد طببت نفسي وروحت قلبي رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب قيل يستحب للمريض الاستياك إذا قرب نزعه وحديثه في الصحيحين عند موته وقيل إنه يسهل نزع الروح وكذا التطيب لأجل الملائكة وجاء فعله عن سلمان عند موته وكذا لبس الثياب النظيفة وجاء عن فاطمة وأبي سعيد الخدري وكذا الصلاة لقصة خبيب وكذا الاغتسال وجاء عن فاطمة رضي الله عنها وعن جميع أهل البيت
وعن سليمان بن صرد بضم الصاد وفتح الراء قال قال رسول الله من قتله بطنه إسناده مجازي أي من مات من وجع بطنه وهو يحتمل الاسهال والاستسقاء والنفاس قيل من حفظ بطنه من الحرام والشبه فكأنه قتله بطنه لم يعذب في قبره لأنه لشدته كان كفارة لسيئاته وصح في مسلم أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين أي إلا حقوق الآدميين والله أعلم رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب قال ميرك ورواه النسائي وابن حبان في صحيحه
الفصل الثالث


عن أنس قال كان غلام أي ولد يهودي قيل اسمه عبد القدوس يخدم
النبي بضم الدال ويكسر فمرض فأتاه النبي يعوده فيه دلالة على جواز عيادة الذمي في الخزانة لا بأس بعيادة اليهودي واختلفوا في عيادة المجوسي واختلفوا في عيادة الفاسق والأصح أنه لا بأس به فقعد عند رأسه وهو من مستحبات العيادة فقال له أسلم فنظر أي الولد إلى أبيه وهو أي أبوه عنده قال ميرك عن الشيخ في رواية أبي داود والإسماعيلي وهو عند رأسه فقال أطع أبا القاسم فأسلم في رواية النسائي فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله نقله ميرك عن الشيخ فخرج النبي وهو أي النبي يقول الحمد لله الذي أنقذه أي خلصه ونجاه من النار أي لو مات كافرا قال ميرك عن الشيخ في رواية أبي داود أنقذني من النار اه فيكون ضمير هو يقول راجعا إلى الغلام اللهم إلا أن تكون الرواية أنقذني بالباء فيكون المعنى أنقذه الله بسببي والله أعلم ثم ظاهر الحديث يؤيد مذهب الإمام أبي حنيفة حيث يقول بصحة إسلام الصبي وأغرب ابن حجر حيث قال هو وإن كان حقيقة في غير البالغ لكن المراد هنا البالغ فلا دليل في الحديث لصحة إسلام الصبي ثم قال وإنما صح إسلام علي كرم الله وجهه وهو صبي لما ذكره الأئمة أن الإسلام قبل الهجرة كان منوطا بالتمييز أقول فلا دليل النسخ بعدها من الحديث أو الكلام أو إجماع الأعلام ثم قال على أن قوله أنقذه من النار صريح في بلوغه إذ الأصح الذي عليه الأكثرون أن أطفال المشركين في الجنة وقوله عليه الصلاة والسلام وهم من آبائهم قبل أن يعلمه الله فلما أعلمه أخبر به اه وأنت ترى أن هذا غير صريح في المدعي فإن مسألة الأطفال خلافية وقد يوقف فيها الإمام الأعظم وأيضا لا دليل على أن هذا الحديث وقع بعد تقرر أن الأطفال في الجنة فيحمل على أنه قبل أن يعلمه الله تعالى إياه وعلى تقدير التسليم فالمراد أنقذه الله بي وبسببي لا بسبب آخر فترتب عليه زيادة رفعة درجته عليه الصلاة والسلام في


تكثير أمته أو المراد من قوله من النار الكفر المسمى نارا لأنه سببها أو يؤول إليها وأيضا بون بين ما يكون الشخص مؤمنا مستقلا في الجنة في المرتبة اللائقة به مخدوما معظما وبين ما يكون فيها تابعا لأهل الجنة خادما لغيره وليس في قوله أن أطفال المشركين في الجنة ما يمنع سبق عذابهم في النار والمسألة غير صافية والأدلة غير شافية ولذا تحير فيها العلماء وتوقف فيها إمام الفقهاء والله تعالى أعلم بحقيقة الأشياء رواه البخاري
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من عاد مريضا أي محتسبا نادى مناد أي ملك من السماء طبت دعاء له بطيب عيشه في الدنيا والأخرى وطاب ممشاك مصدر أو مكان أو زمان مبالغة قال الطيبي كناية عن سيره وسلوكه طريق الآخرة بالتعري عن رذائل الأخلاق والتخلي بمكارمها وتبوأت أي تهيأت من الجنة أي من منازلها العالية منزلا أي منزلة عالية عظيمة ومرتبة جسيمة بما فعلت وقال الطيبي دعاء له بطيب العيش في الأخرى كما أن طبت دعاء له بطيب العيش في الدنيا وإنما أخرجت الأدعية في صورة الأخبار إظهارا للحرص على عيادة الأخيار رواه ابن ماجه قال ميرك واللفظ له ورواه الترمذي وحسنه ابن حبان في صحيحه وعن ابن عباس قال إن عليا خرج من عند النبي في وجعه أي في زمن مرضه الذي توفي أي قبض روحه فيه فقال الناس يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله قال أصبح بحمد الله أي مقرونا بحمده أو ملتبسا بموجب حمده وشكره بارئا اسم فاعل من البرء خبر بعد خبر أو حال من ضمير أصبح والمعنى قريبا من البرء بحسب ظنه أو للتفاؤل أو بارئا من كل ما يعتري المريض من القلق والغفلة رواه البخاري وعن عطاء بن أبي رباح بفتح الراء تابعي جليل قال قال لي ابن عباس ألا أريك بضم الهمزة وكسر الراء امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال هذه المرأة السوداء قال العسقلاني في بعض الروايات أن اسمها شعيرة بمهملتين مصغرة وفي بعضها بالقاف بدل


العين وفي أخرى بالكاف وفي رواية أنها ماشطة خديجة أتت النبي استئناف بيان لكونها من أهل الجنة فقالت يا رسول الله إني أصرع بصيغة المجهول قال الأبهري الصرع علة تمنع الأعضاء الرئيسية عن اتصالها منعا غير تام وسببه ريح غليظ يحتبس في منافذ الدماغ أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء وقد يتبعه تشنج في الأعضاء فلا يبقى معه الشخص منتصبا بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة وقد يكون الصرع من الجن ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم وأنكر ذلك كثير من الأطباء وأني أتكشف بمثناة وتشديد المعجمة من التكشف قال العسقلاني وبالنون الساكنة مخففا من الانكشاف والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر فادع الله لي أي بالعافية التامة فقال إن شئت صبرت ولك الجنة فيه ايماء إلى جواز ترك الدواء بالصبر على البلاء والرضا بالقضاء بل ظاهره أن إدامة المرض مع الصبر أفضل من العافية لكن بالنسبة لي بعض الأفراد ممن لا يعطله المرض عما هو بصدده عن نفع المسلمين وأن ترك التداوي أفضل وإن كان يسن التداوي لخبر أبي داود وغيره قالوا أنتداوى فقال تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم وأنه لا ينافي التوكل إذ فيه مباشرة الأسباب مع شهود خالقها ولأنه فعله وهو سيد المتوكلين ومع ذلك ترك التداوي توكلا كما فعله أبو بكر رضي الله عنه فضيلة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت اصبر أي على الصرع فقالت إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا الله لها متفق عليه وعن يحيى بن سعيد قال إن رجلا جاءه الموت أي فجأة في زمن رسول الله فقال رجل هنيئا له مصدر لفعل محذوف مات ولم يبت بمرض استئناف مبين لموجب التهنئة والواو حالية فقال رسول الله ويحك في النهاية ويح كلمة ترحم وتوجع أي لا تمدح عدم المرض وإنما ترحم عليه لعذره في ظنه أن عدم المرض مكرمة ما يدريك أي أي شيء يعلمك أن فقد المرض مكرمة لو أن الله قال الطيبي لو للتمني لأن الامتناعية لا


تجاب بالفاء أي لا تقل هنيئا له ليت الله ابتلاه بمرض ويجوز أن يقدر لو ابتلاه الله لكان خيرا له فكفر عنه من سيئاته وعلى الأول ما يدريك معترضة وعلى الثاني
متصلة بما بعدها رواه مالك مرسلا لأن يحيى بن سعيد تابعي وكان إماما من أئمة الحديث والفقه عالما ورعا صالحا زاهدا مشهورا بالثقة والدين ذكره المؤلف وعن شداد بن أوس هو ابن أخي حسان بن ثابت قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء كان شداد ممن أوتي العلم والحكم ذكره المؤلف في الصحابة والصنابحي بضم الصاد المهملة وتخفيف النون والباء الموحدة والحاء المهملة منسوب إلى صنابح بن زاهر بطن من مراد اسمه عبد الله وقيل أبو عبد الله وقال ابن عبد البر الصواب عندي أن الصنابحي أبو عبد الله التابعي لا عبد الله الصحابي قال أبو عبد الله الصنابحي غير معروف في الصحابة والصنابحي قد أخرج حديثه مالك في الموطأ والنسائي في سننه كذا ذكره المصنف إنهما دخلا على رجل مريض يعودانه فقالا له كيف أصبحت فيه أن العيادة في أول النهار أفضل قال أصبحت بنعمة أي مصحوبا بنعمة عظيمة وهي نعمة الرضا والتسليم للقضاء قال شداد أبشر بكفارات السيئات أي المعاصي وحط الخطايا أي وضع التقصيرات في الطاعات والعبادات فإني سمعت رسول الله يقول إن الله عز وجل يقول إذا أنا فائدته تقديم الحكم وبيان مزيد الاعتناء به وأنه ينبغي أن يرضى به لعظم فائدته ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا نعت أو حال فحمدني على ما ابتليته أي به من مرض أو وجع فإنه يقوم من مضجعه أي مرقده ذلك أي الذي هو فيه والمراد من مرضه سمى باسم ملازمه غالبا وهو متجرد باطنا عن ذنوبه كيوم ولدته أمه بفتح الميم وفي نسخة بالجر أي كتجرده ظاهرا في وقت ولدته أمه من الخطايا قال الأبهري ظاهره أن المرض يكفر الذنوب جميعا إذا حمد المريض على ابتلائه لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر للحديث الذي تقدم في كتاب الصلاة من قوله كفارات إذا اجتنبت الكبائر فحملوا المطلقات


الواردة في التكفير على المقيد ويقول الرب تبارك وتعالى أنا قيدت عبدي أي حبسته بالمرض وابتليته أي امتحنته ليظهر منه الشكر أو الكفر فاجروا له أمر من الإجراء ما كنتم تجرون له أي من كتابة الأعمال وهو صحيح حال رواه أحمد قال ميرك عن المنذري ورواه الطبراني في الكبير والأوسط وله شواهد كثيرة
وعن عائشة قالت قال رسول الله إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها من العمل ابتلاه الله بالحزن أي بأسبابه وهو بضم فسكون وبفتحتين ليكفرها أي الذنوب عنه أي عن العبد بسبب الحزن وقد روى أن الله تعالى يحب كل قلب حزين رواه الطبراني والحاكم رواه أحمد قال ميرك ورواته ثقات إلا ليث بن سليم وعن جابر قال قال رسول الله من عاد مريضا يزل يخوض الرحمة أي يدخل فيها من حين يخرج من بيته بنية العبادة حتى يجلس أي عنده فإذا جلس اغتمس أي غاص وفي رواية استغرق فيها قال الطيبي شبه الرحمة بالماء إما في الطهارة أو في الشيوع والشمول رواه مالك أي بلاغا وأحمد أي مسندا ورواته رواة الصحيح والبزار وابن حبان في صحيحه ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة ورجاله ثقات وله شاهد من حديث كعب بن مالك قال قال رسول الله من عاد مريضا خاض في الرحمة فإذا جلس عنده استنقع فيها رواه أحمد أيضا باسناد حسن والطبراني في الكبير والأوسط ورواه فيهما أيضا من حديث عمرو بن حزم وزاد وإذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج وإسناده إلى الحسن أقرب وروى عن أنس قال سمعت رسول الله يقول أيما رجل يعود مريضا فإنما يخوض الرحمة فإذا قعد عند المريض غمرته الرحمة قال فقلت يا رسول الله هذا للصحيح الذي يعود المريض فما للمريض قال تحط عند ذنوبه رواه أحمد ورواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الصغير والأوسط وزاد فقال رسول الله إذا مرض العبد ثلاثة أيام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه كذا حرره ميرك وعن ثوبان أن رسول الله قال إذا أصاب أحدكم الحمى أي أخذته فإن الحمى قطعة


من النار أي لشدة ما يلقى المريض فيها من الحرارة الظاهرة والباطنة وقال الطيبي جواب إذا فليعلم أنها كذلك فليطفئها عنه بالماء أي البارد قال ويحتمل أن يكون
الجواب فليطفئها وقوله فإن الحمى معترضة فليستنقع في نهر جار بيان للإطفاء وليستقبل جريته بكسر الجيم ويفتح قال الطيبي ما أشد جرية هذا الماء بالكسر ولعل هذا خاص ببعض أنواع الحمى الصفراوية التي يألفها أهل الحجاز فإن من الحمى ما يكاد معها أن يكون الماء قاتلا فلا ينبغي للمريض إطفاؤها بالماء إلا بعد مشاورة طبيب حاذق ثقة فيقول أي حال الاستقبال بسم الله اللهم اشف عبدك وصدق رسولك أي اجعل قوله هذا صادقا بأن تشفيني ذكره الطيبي بعد صلاة الصبح ظرف ليستنقع وكذا قوله قبل طلوع الشمس ولينغمس وفي نسخة وليغمس بفتح الياء وكسر الميم فيه أي في النهر أو في مائه ثلاث غمسات بفتحتين ثلاثة أيام قال الطيبي قوله ولينغمس بيان لقوله فليستنقع جيء به لتعلق المرات فإذا لم يبرأ بفتح الراء في ثلاث أي ثلاث غمسات أو في ثلاثة أيام فخمس بالرفع قال الطيبي أي فالأيام التي ينبغي أن ينغمس فيها خمس أو فالمرات اه وفي نسخة بالجر ففي خمس فإن لم يبرأ في خمس فسبع بالوجهين فإن لم يبرأ في سبع فتسع كذلك فإنها أي الحمى لا تكاد أي تقرب تجاوز تسعا أي بعد هذا العمل بإذن الله عز وجل أي بإرادته أو بأمره لها بالذهاب وعدم العود رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب قال السيوطي ورواه أحمد وابن أبي الدنيا وابن السني وأبو نعيم ثم قال وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري والنسائي وابن أبي الدنيا وابن حبان وابن السني وأبو نعيم والحاكم عن أبي حمزة قال كنت أدفع الناس عن ابن عباس فاحتبست عنه أياما فقال ما حبسك قلت الحمى فقال قال رسول الله الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو بماء زمزم المشهور ضبط أبردوها بهمزة وصل والراء مضمومة أي أسكنوا حرارتها وحكى كسر الراء وحكى القاضي عياض بهمزة قطع مفتوحة وكسر


الراء من أبرد الشيء إذا عالجه فصيره باردا قال الجوهري إنها لغة رديئة وفي رواية مسلم وغيره عن عائشة فأطفؤها بالماء وأخرج أحمد وغيره عن فاطمة قالت أتينا رسول الله في نساء نعوده فإذا سقاء معلقة يقطر ماؤها عليه من شدة ما يجده من الحمى فقلت يا رسول الله لو دعوت الله أن يكشف عنك فقال إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم
الذين يلونهم اه وفيه إشارة إلى أن المراتب في كل مقام ثلاثة الأعلى والوسط والأدنى وعليه مدار منازل السائرين قال المازري يحتمل أن يكون الاغتسال للمحموم في وقت مخصوص فيكون من الخواص التي اطلع عليها ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب حيث يقولون إن اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك لأنه يجمع المسام ويحقن بالبخار المتخلل ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم فيكون ذلك سببا للتلف قال ويحتمل أن يكون ذلك لبعض الحميات دون بعض ولبعض الأماكن دون بعض ولبعض الأشخاص دون بعض وهذا أوجه وقال أبو بكر الرازي إذا كانت القوى قوية والحمى حارة والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق فإن الماء البارد ينفع شربه فإن كان العليل خصب البدن والزمان حارا وكان معتادا باستعمال الماء البارد اغتسالا فليؤذن له وقد نزل ابن القيم حديث ثوبان على هذه القيود فقال هذه الصفة تنفع في فصل الصيف في البلاد الحارة في الحمى العرضية أو الغب الخالصة التي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد الفاسدة فيطفئها بإذن الله تعالى فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمسي ووفور القوى في ذلك الوقت لكونه عقب النوم والسكون وبرد الهواء قال والأيام التي أشار إليها هي التي تقع بحران الأمراض الحارة غالبا لا سيما في البلاد الحارة والله أعلم قال الخطابي غلط بعض من ينتسب إلى العلم فانغمس في الماء لما أصابته الحمى فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه فأصابته علة صعبة كادت تهلكه فلما خرج من علته قال قولا سيئا لا


يحسن ذكره وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث وعن أبي هريرة قال ذكرت الحمى على صيغة المجهول أي وصفت شدتها عند رسول الله فسبها رجل فقال النبي لا تسبها بفتح الباء وفي نسخة بضمها فاعلم أنه يحب الفتح في نحو ردها بلا خلاف قال النيسابوري في شرح الشافية لأن الهاء لخفائها كالعدم فكان الألف واقعة بعد الدال اه فيتعين على الضم أن لا نافية بمعنى النهي فإنها تنفي الذنوب وهو أبلغ من تمحو كما تنفي النار أي تخرج خبث الحديد كناية عن المبالغة في تمحيصها من الذنوب رواه ابن ماجه وعنه أي عن أبي هريرة قال إن رسول الله عاد مريضا فقال أبشر فإن


الله تعالى يقول هي أي الحمى كما يفيده السياق ناري أسلطها على عبدي المؤمن قال الطيبي في إضافة النار إشارة إلى أنها لطف ورحمة ولذلك صرح بقوله عبدي ووصفه بالمؤمن وقوله أسلطها خبر أو استئناف في الدنيا خبر آخر أو متعلق بأسلطها لتكون أي الحمى حظه أي نصيبه بدلا من النار مما اقترف من الذنوب المجعولة له يوم القيامة ويحتمل أنها تصيبه من الحتم المقضي عليه في قوله تعالى وإن منكم إلا واردها مريم قال الطيبي والأول هو الظاهر وعندي أن الثاني هو الظاهر ويؤيده ما أخرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير والمنذر وابن أبي حاتم في التفسير والبيهقي في الشعب عن مجاهد في قوله تعالى وإن منكم إلا واردها قال الحمى في الدنيا حظ المؤمن من الورود في الآخرة وجاء عن الحسن مرفوعا أن لكل آدمي حظا من النار وحظ المؤمن منها الحمى تحرق جلده ولا تحرق جوفه وهي حظه منها اه نعم ينبغي أن يقيد المؤمن بالكامل لئلا يشكل بأن بعض العصاة من المؤمنين يعذبون بالنار رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان ورواه هناد بن السري وابن أبي الدنيا وابن جرير في تفسيره وابن عدي والحاكم وصححه ذكره السيوطي وعن أنس أن رسول الله قال إن الرب سبحانه وتعالى يقول وعزتي أي غلبتي وقوتي وجلالي أي عظمتي وقدرتي لا أخرج أحدا من الدنيا أريد أغفر له بالرفع وفي نسخة بالنصب قال الطيبي أي أريد أن أغفر فحذف أن والجملة إما حال من فاعل أخرج أو صفة للمفعول حتى أستوفي كل خطيئة أي جزاء كل سيئة اقترفها وكني عنه بقوله في عنقه بضمتين في ذمته حيث لم يتب عنها أي كل خطيئة باقية بسقم بفتحتين وضم وسكون متعلق باستوفى والباء سببية فلا تحتاج إلى تضمين معنى استبدل كما اختاره ابن حجر في بدنه إشارة إلى سلامة دينه واقتار أي تضييق في رزقه أي نفقته ولعل هذا هو السر في كون الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام قال ميرك الإقتار التضييق على الإنسان في الرزق يقال أقتر الله


رزقه أي ضيقه وقلله وقد أقتر الرجل فهو مقتر وقتر فهو مقتور
كذا في الطيبي فعلى هذا الاقتار مستعمل في جزء معناه على سبيل التجريد اه والنكتة دفع توهم أن يكون التضييق في صدره لأن المؤمن مشروح الصدر وبه يحصل له غنى المقتضى لاختيار الفقر على الغنى وللشكر على المحنة ما لم يشكر غيره على المحنة رواه رزين قال ميرك ولم أره في الأصول وعن شقيق تابعي جليل قال مرض عبد الله أي ابن مسعود فعدناه فجعل أي شرع يبكي فعوتب أي في البكاء فإنه مشعر بالجزع من المرض وهو ليس من أخلاق الأكابر فقال إني لا أبكي لأجل المرض لأني سمعت رسول الله يقول المرض كفارة وإنما أبكي أنه أي لأجل أنه أصابني أي المرض وقول ابن حجر ويصح كسران مخالف للرواية والدراية على حال قترة أي ضعف في العبادة ولم يصبني في حال اجتهاد أي في الطاعة البدنية فلو وقعت الإصابة حال الاجتهاد في العبادة لكانت سببا للزيادة لأنه أي الشأن يكتب للعبد من الأجر إذا مرض ما كان أي مثل جميع ما كان من الأعمال يكتب له قبل أن يمرض فمنعه المرض أي لا مانع آخر من الشغل والكبر رواه رزين وعن أنس قال كان النبي لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث أي مضي ثلاث ليال وعليه البغوي والغزالي وغيرهما وقال الجمهور العيادة لا تتقيد بزمان لإطلاق قوله عودوا المريض وأما حديث أنس يعني هذا الحديث فضعيف جدا تفرد به مسلمة بن علي وهو متروك وقد سئل عنه أبو حاتم فقال هو حديث باطل ووجدت له شاهدا من حديث أبي هريرة عند الطبراني وفيه أيضا راو متروك كذا ذكره العسقلاني وأما ما نقله ابن حجر من أن الحديث موضوع كما قاله الذهبي وغيره فغير صحيح أو مختص بسند خاص له فإن كثرة الطرق تدل على أن الحديث له أصل وقد ذكره السيوطي في جامعه الصغير وفي المقاصد عيادة المريض بعد ثلاث له طرق ضعاف يتقوى بعضها ببعض ولهذا أخذ بمضمونها جماعة ويمكن حمل الحديث على أنه ما كان يسأل عن أحوال من يغيب عنه إلا بعد ثلاث فبعد العلم


بها
كان يعوده ويمكن أنهم كانوا لم يظهروا المرض إلى ثلاثة أيام فقد ذكر في شرعة الإسلام أن في الحديث القدسي قال الله تعالى إذا اشتكى عبدي وأظهر ذلك قبل ثلاثة أيام فقد شكاني فيجب على كل مريض أن يصبر على مرضه ثلاثة أيام بحيث لا يظهره قبلها اه أو يحمل الحديث على زمان الاستحباب أو جواز التأخير إلى ثلاثة أيام وجاء أن يتعافى وأما المخصوصون والمتمرضون فلهم حكم آخر ولذا تستحب العيادة غبا إذا كان صحيح العقل فإذا غلب وخيف عليه يتعهده كل يوم رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات وفي سنده متروك وكذا رواه أبو يعلى بسند فيه ضعيف وعن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك قال الطيبي أي مره يدعو لك لأنه خرج عن الذنوب وأما قول ابن حجر ويصح جزمه على لغة من لا يحذف حرف العلة للجازم جوابا للأمر الواصل إليه على حد قل للذين آمنوا يقيموا الصلاة على أحد الأغاريب فيه فبعيد جدا لعدم ظهور السببية وإنما تكلف بعضهم في الآية لها لصراحة الجزم وأما أنه يتكلف الجزم ليتكلف السبب الناشىء عن تكلف السبب العادي فغير صحيح فإن دعاءه كدعاء الملائكة لأنه أشبههم في التنقي من الذنوب أو في دوام الذكر والدعاء والتضرع واللجأ رواه ابن ماجه قال ميرك ورواته ثقات مشهورون إلا أن ميمون بن مهران لم يسمع من عمر وعن ابن عباس قال من السنة تخفيف الجلوس وقلة الصخب بفتحتين ويسكن الثاني أي رفع الصوت في العيادة عند المريض قال الطيبي اضطراب الأصوات للخصام منهي من أصله لا سيما عند المريض فالقلة بمعنى العدم قال أي ابن عباس كذا في أصل العفيفي وفي أكثر النسخ ليس بموجود وقال رسول الله لما كثر لغطهم واختلافهم في النهاية اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه قوموا عني قال الطيبي وكان ذلك عند وفاته روى ابن عباس أنه لما احتضر رسول الله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي هلموا أكتب لكم


كتابا لن تضلوا بعده فقال عمر وفي رواية فقال
بعضهم رسول الله قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله ومنهم من يقول غير ذلك فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله قوموا عني متفق عليه قال ابن حجر وكأنه لما أراد الكتابة فوقع الخلاف ظهر له أن المصلحة في عدمها فتركها اختيارا منه كيف وهو عليه الصلاة والسلام لو صمم على شيء لم يكن لأحد عمر أو غيره أن ينطق ببنت شفة ولقد بقي حيا بعد هذه القضية نحو ثلاثة أيام ليس عنده عمر ولا غيره بل أهل البيت كعلي والعباس فلو رأى المصلحة في الكتابة بالخلافة أو غيرها لفعله على أنه اكتفى في الخلافة بما كاد أن يكون نصا جليا وهو تقديم أبي بكر رضي الله عنه للإمامة بالناس أيام مرضه ومن ثم قال علي كرم الله وجهه لما خطب لمبايعة أبي بكر على رؤوس الاشهاد رضيه رسول الله أرسل إليه أن صل بالناس وأنا جالس عنده ينظرني ويبصر مكاني ونسبة علي رضي الله عنه فارس الإسلام إلى التقية جهل بعظم مكانته وأنه ممن قال الله فيهم لا يخافون لومة لائم المائدة لقد قال أبو سفيان بن حرب إن شئت لأملأنها على أبي بكر خيلا ورجالا فاغلظ علي عليه سبا وزجرا إعلاما له ولغيره أن أبا بكر هو الخليفة الذي لا مرية في حقية خلافته رواه رزين وعن أنس قال قال رسول الله العيادة فواق ناقة بفتح الفاء وضمها بالرفع وفي نسخة بالنصب خبر المبتدأ أي أفضل زمان العيادة مقدار فواقها وهو قدر ما بين الحلبتين لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب يقال ما أقام عنده إلا فواقا وفي رواية سعيد بن المسيب مرسلا أي بحذف الصحابي واسناد الحديث إلى النبي أفضل العيادة سرعة القيام قال الطيبي أي أفضل ما يفعله العائد في العيادة أن يقوم سريعا قال ميرك والأظهر أن يقال أفضل العيادة عيادة فيها سرعة القيام وفي شرح الشرعة قيل نعم العيادة التخفيف في


العيادة وقيل العيادة لحظة ولفظة وعن بعضهم أنه قال عدنا
السري السقطي في مرض موته فأطلنا الجلوس عنده وكان به وجع بطن ثم قلنا له ادع لنا حتى نخرج من عندك فقال اللهم علمهم كيف يعودون المرضى وروى أنه دخل رجل على مريض فأطال الجلوس فقال المريض لقد تأذينا من كثرة من يدخل علينا فقال الرجل أقوم وأغلق الباب قال نعم ولكن من خارج وبعضهم لم يكتف بأمثال هذه الكنايات بل سلك طريق التصريح حيث روى أنه دخل ثقيل على مريض فأطال الجلوس ثم قال ما تشتكي قال قعودك عندي وروى أنه دخل قوم على مريض فأطالوا القعود وقالوا أوصنا فقالوا أوصيكم أن لا تطيلوا الجلوس إذا عدتم مريضا هذا ويستثنى منه ما إذا ظن أن المريض يؤثر التطويل لنحو صداقة أو تبرك أو قيام بما يصلحه ونحو ذلك رواه البيهقي في شعب الإيمان وعن ابن عباس أن النبي عاد رجلا فقال له ما تشتهي قال أشتهي خبز بر قال النبي من كان عنده خبز بر فليبعث أي به إلى أخيه فيه إشارة إلى ضيق عيشه وفقر أكثر أصحابه رضي الله عنهم ففي الشمائل عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله وعن أبي أمامة ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله خبز الشعير وعن ابن عباس قال كان رسول الله يبيت الليالي المتتابعة طاويا هو وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير ثم قال النبي إذا اشتهى مريض أحدكم شيئا فليطعمه أي فإنه قد يكون شفاء كما شوهد في كثير حيث صدقت شهوة المريض له لا سيما إن كان من مألوفه الذي انقطع عنه قال الطيبي هذا إما بناء على التوكل وأنه هو الشافي أو أن المريض قد شارف الموت رواه ابن ماجه وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال توفي أي مات رجل بالمدينة ممن ولد


بها قال ابن حجر أي من أهلها وفيه أنه فرق بينهما وظاهره تخصيص أهل المدينة من عموم ما اتفق عليه العلماء من أن الموت بالمدينة أفضل من مكة مع اختلافهم في أفضلية المجاورة فيهما فصلى عليه النبي فقال يا ليته مات بغير مولده قالوا ولم ذاك يا رسول الله قال إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره قال الطيبي أي إلى موضع قطع أجله وسمي الأثر أجلا لأنه يتبع العمر قال زهير والمرء ما عاش ممدود له أجل لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر وأصله من أثر مشيته فإن من مات لا يبقى له أثر فلا يرى لاقدامه أثر قال ميرك ويحتمل أن يكون المراد بمنقطع أثره محل قطع خطواته انتهى وقال بعضهم منقطع أثره هو قبره وفيه نظر في الجنة متعلق بقيس يعني من مات في الغربة يفسح في قبره ويفتح له ما بين قبره ومولده ويفتح له باب إلى الجنة رواه النسائي وابن ماجه وعن ابن عباس قال قال رسول الله موت غربة شهادة رواه ابن ماجه قال السيوطي ورواه أبو داود والبيهقي بلفظ موت الغريب شهادة وفي حديث آخر من مات غريبا مات شهيدا وفي حديث الغريب شهيد وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من مات مريضا مات شهيدا أو وقي أي حفظ فتنة القبر أي عذابه هكذا وقع مريضا في النسخ المقروءة ووقع في بعض


النسخ المغيرة غريبا بدل مريضا لكن وقع في صحيح ابن ماجه مرابطا مات شهيدا قال ابن حجر ونزاع ابن الجوزي فيه وقوله صوابه من مات مرابطا مردود وكذا قول غيره والمراد المريض بوجع البطن ليوافق الأحاديث المارة في المبطون ووجه رد هذا أن فيه تخصيصا بالوهم إذ لم يتواردا على شيء واحد حتى يدعي تعارض أو تخصيص وإنما حديث المبطون خاص وحديث من مات مريضا مات شهيدا عام ثم ذكر أن القرطبي قال هذا عام في جميع الأمراض لكن يقيد بالحديث الآخر من قتله بطنه لم يعذب في قبره أخرجه النسائي وغيره والمراد به الاستسقاء وقيل الإسهال والحكمة في ذلك أنه يموت حاضر العقل عارفا بالله فلم يحتج إلى إعادة السؤال عليه بخلاف من يموت بسائر الأمراض فإنهم تغيب عقولهم قلت لا حاجة إلى شيء من هذا التقييد فإن الحديث غلط فيه الراوي باتفاق الحفاظ وإنما هو من مات مرابطا لا من مات مريضا وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات لأجل ذلك اه فقول ابن حجر مردود ومردود وغدى بمعجمة ثم مهملة على بناء المفعول من الغدوة وريح من الرواح عليه حال برزقه نائب الفاعل أي جيء له برزقه حال كونه نازلا عليه من الجنة إشارة إلى قوله تعالى بل أحياء عند ربهم يرزقون آل عمران وقوله عز وجل ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا مريم فإن الغدوة والبكرة أول النهار والرواح والعشي آخره والمراد بهما الدوام كما قال الله تعالى أكلها دائم الرعد ويمكن أن يكون للوقتين المخصوصين رزق خاص لهم ثم المراد بالرزق هنا حقيقته لعدم استحالته وقد جاء في الأحاديث أن من المؤمنين من روحه في خيام أو قناديل وأجواف طيور خضر ونحوها خارجها أو تحت العرش ومنهم من روحه على شكل طائر تعلق في شجرها وتأكل من ثمرها كيف شاءت رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان وعن العرباض بكسر العين ابن سارية أن رسول الله قال يختصم بالتذكير والتأنيث الشهداء أي الذين قتلوا في سبيل الله وأطال ابن حجر هنا بما لا طائل تحته


والمتوفون بفتح الفاء المشددة على فرشهم أعم من الشهداء الحكمية وغيرهم إلى ربنا حال من المعطوف والمعطوف عليه أي منتهون ومتوجهون ومتحاكمون إلى ربنا عز
وجل في الذين يتوفون متعلق بيختصم من الطاعون أي بسببه فيقول الشهداء بيان الاختصام إخواننا خبر لمبتدأ هو هم أي المطعونون إخواننا في أشباهنا فيكونون معنا في مقامنا قتلوا كما قتلنا بيان المشابهة وبرهان المناسبة ويقول المتوفون أي على فرشهم إخواننا أي هم أمثالنا ماتوا على فرشهم كما متنا كسر الميم وضمها فيقول ربنا وفي نسخة تبارك وتعالى انظروا أي تأملوا ليتبين لكم الحكم وابصروا إلى جراحتهم بكسر الجيم ويفتح والخطاب للملائكة أو للفريقين المختصمين فإن أشبهت جراحهم جمع حراحة بالكسر جراح المقتولين فإنهم منهم يعني ملحق بهم في ثوابهم ومعهم أي في حشرهم ومقامهم وإن لم تشبه فإنهم من الميتين على فرشهم فإذا أي فنظروا فإذا جراحهم أي جراح المطعونين قد أشبهت جراحهم أي جراح المقتولين وفيه اشارة بقوة القياس والاعتبار حتى في دار القرار رواه أحمد والنسائي قال ميرك وله شاهد من حديث عقبة عن النبي قال يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون فيقول أصحاب الطاعون نحن شهداء فيقال انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دما كريح المسك فهم شهداء فيجدونهم كذلك رواه الطبراني في الكبير باسناد لا بأس به وعن جابر أن رسول الله قال الفار من الطاعون كالفار من الزحف قيل شبه به في أبطال أجر الشهادة لا في أنه كبيرة وقال الطيبي شبه به في ارتكاب الكبيرة والزحف الجيش الدهم الذي لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيبا من زحف الصبي إذا دب على أسته قليلا قليلا سمي بالمصدر والصابر فيه أي في الطاعون له أجر شهيد سواء مات به أو لا رواه أحمد بإسناد حسن ورواه البزار والطبراني نقله ميرك عن المنذري


باب تمنى الموت
أي حكم تمنيه وذكره أي فضل ذكر الموت

الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يتمنى أحدكم الموت نهى في صورة النفي مبالغة قال الطيبي الياء في قوله لا يتمنى مثبتة في رسم الخط في كتب الحديث فلعله نهى ورد على صيغة الخبر أو المراد منه لا يتمنى فأجرى مجرى الصحيح وقال ابن حجر الرفع كما هو في كتب الحديث فهو خبر بمعنى الأمر وفيه أنه سهو قلم وصوابه بمعنى النهي ومقوله كلا يمسه إلا المطهرون الواقعة أي على قول وأما قوله كالزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة النور بالرفع فمبني على قول ضعيف وقال ابن الملك في شرح المصابيح لا يتمنين بنون التأكيد وفي بعض النسخ بدونها ودون الياء وبالياء أيضا نهيا على صيغة الخبر أي لا يتمن أحدكم الموت من ضر أصابه وهذا لأن الحياة حكم الله تعالى عليه وطلب زوال الحياة عدم الرضا بالحكم اه والنفي بمعنى النهي أبلغ لإفادته أن من شأن المؤمن إنتفاء ذلك عنه وعدم وقوعه عنه بالكلية أو لما نهى عنه ينتهي فأخبر عنه بالنفي وأما ما قيل من أنه لو ترك على الأخبار المحض لكان أولى فغير صحيح من جهة إيهام الخلف في الخبر إذ كثيرا ما يوجد التمني وغيره ولأنه حينئذ لا يصلح استدلال الأئمة به على الكراهة وقال التوربشتي النهي عن تمني الموت وإن كان مطلقا لكن المراد به المفيد لما في حديث أنس لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه وقوله وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا إلى فعلى هذا يكره تمني الموت من ضر أصابه في نفسه أو ماله لأنه في معنى التبرم من قضاء الله تعالى ولا يكره التمني لخوف فساد في دينه إما محسنا قال ابن الملك بكسر الهمزة أصله إن ما فأدغمت وما زائدة عوضا عن الفعل المحذوف أي إن كان محسنا وقال المالكي تقديره إما أن يكون محسنا وإما أن يكون مسيئا فحذف يكون مع اسمها مرتين وأبقى الخبر وأكثر ذلك إنما يكون بعد أن ولو قال زين العرب كقوله الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا


فشر فلعله جواب إن الشرطية أن يزداد خيرا وقد ورد في الحديث طوبى لمن طال عمره وحسن عمله وفي لفظ خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم
أعمالا والحديث الأول رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية والثاني رواه الحاكم وأما ما نقله ابن حجر بلفظ خياركم من طال عمره وحسن عمله فلا أصل له وإنما هو ملفق من الحديثين والله أعلم قال ابن الملك لعل هنا بمعنى عسى وقال بعض شراح المصابيح الرواية المعتد بها كسر الهمزة في إما ونصب محسنا وروى بفتح الهمزة ورفع محسن بكونه صفة لمبتدأ محذوف وما بعده خبره وأما مسيئا فلعله أن يستعتب أي يسترضي يعني يطلب رضا الله عنه بالتوبة قال القاضي الاستعتاب طلب العتبى وهو الإرضاء وقيل هو الإرضاء رواه البخاري وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يتمنى أحدكم الموت أي بقلبه ولا يدع أي باللسان به أي بالموت من قبل أن يأتيه قال ابن الملك قوله لا يدع في أكثر النسخ بحذف الواو على أنه نهى قال الزين وجه صحة عطفه على النفي من حيث أنه بمعنى النهي وقال ابن حجر فيه إيماء إلى أن الأول نهى على بابه ويكون قد جمع بين لغتي حذف حرف العلة وإثباته إنه بكسر الهمزة والضمير للشأن وهو استئناف فيه معنى التعليل وأما قول ابن حجر يصح فتحها تعليلا وكسرها استئنافا فمبني على عدم ضبط لفظ الحديث عنده إذا مات أي أحدكم انقطع أمله أي رجاؤه من زيادة الخير قال الطيبي بالهمزة في الحميدي وجامع الأصول وفي شرح السنة بالعين اه وهو اعتراض على البغوي فلا يصح قول ابن حجر وفي رواية عمله ثم قوله متقاربان في غاية من البعد فإنهما متباينان وإنه أي الشأن لا يزيد المؤمن عمره بضم الميم ويسكن أي طول عمره إلا خيرا لصبره على البلاء وشكره على النعماء ورضاه بالقضاء وامتثاله أمر المولى في دار البلوى رواه مسلم وعن أنس قال قال رسول الله لا يتمنين أحدكم الموت من ضر بضم الضاد وتفتح أي من أجل ضرر مالي أو بدني أصابه فإنه يدل على الجزع في


البلاء وعدم الرضا بالقضاء فإن كان أي أحدكم لا بد أي ألبتة ولا محالة ولا فراق فاعلا أي مريدا أن يتمنى الموت
فلا يطلب الموت مطلقا بل ليقيده تفويضا وتسليما فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة أي مدة بقائها خيرا لي أي من الموت وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية والأزمنة خالية عن الفتنة والمحنة وتوفني أي أمتني إذا كانت الوفاة وفي نسخة صحيحة إذا كان الوفاة الممات خيرا لي أي من الحياة بأن يكون الأمر عكس ما تقدم وفي البعض الروايات زيادة واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر متفق عليه قال ميرك ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وقد أفتى النووي أنه لا يكره تمني الموت لخوف فتنة دينية بل قال أنه مندوب ونقل عن الشافعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهما وكذا يندب تمني الشهادة في سبيل الله لأنه صح عن عمر وغيره بل صح عن معاذ أنه تمناه في طاعون عمواس ومنه يؤخذ تمني الشهادة ولو بنحو طاعون وفي مسلم من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه ويندب أيضا تمني الموت ببلد شريف لما في البخاري أن عمر رضي الله عنه قال اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتى ببلد رسولك فقالت بنته حفصة أني يكون هذا فقال يأتي به الله إذا شاء أي وقد فعل فإن قاتله كافر مجوسي وعن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله من أحب لقاء الله قال الأشرف الحب هنا هو الذي يقتضيه الإيمان بالله والثقة بوعده دون ما يقتضيه حكم الجبلة وفي النهاية المراد باللقاء المصير إلى دار الآخرة وطلب ما عند الله أحب الله لقاءه ومن كره


لقاء الله كره الله لقاءه قال الطيبي وليس الغرض بلقاء الله الموت لأن كلا يكرهه فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله ومن أثرها وركن إليها كره لقاء الله لأنه يصل إليه بالموت دون لقاء الله وبه تبين أن الموت غير اللقاء لكنه معترض دون الغرض المطلوب فيجب أن يصبر عليه ويتحمل مشاقه ليصل بعده بالفوز إلى اللقاء قال ابن الملك وهذا على أنه تعالى لا يرى في الدنيا في اليقظة عند الموت ولا قبله وعليه الإجماع فقالت عائشة أو بعض أزواجه شك من الراوي أنا أي كلنا معشر بني آدم لنكره الموت أي بحسب الطبع وخوفا مما بعده قال ليس ذلك بكسر الكاف وفي نسخة بفتحها أي ليس الأمر كما ظننت يا عائشة إذ ليس كراهة المؤمن الموت لخوف شدته كراهة لقاء الله بل تلك لكراهة هي كراهة الموت لإيثار الدنيا على الآخرة والركون إلى الحظوظ العاجلة إذا بشر بعذاب الله وعقوبته عند حضور الموت ولكن المؤمن بالتشديد ويخفف إذا حضره الموت أي علامته أو وقته أو ملائكته بشر برضوان الله بكسر الراء وضمها وكرامته قال تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة الآيات الثلاث فصلت فليس شيء أي من الدنيا وزينتها حينئذ أحب إليه أي إلى المؤمن مما أمامه أي قدامه من المنزلة والكرامة عند الله فأحب لقاء الله أي بالضرورة أي طمعا للحسنى وزيادة وأحب الله لقاءه بالمحبة السابقة الأزلية التي أوجبت محبة العبد له تعالى كما قال يحبهم ويحبونه وإن الكافر إذا حضر على بناء المفعول أي حضرة الموت وملائكة العذاب وأنواعه ولعل حكمة البناء للمجهول هنا زيادة التهويل بحذف الفاعل ليشمل جميع ما ذكره وغيره بشر فيه تهكم نحو فبشرهم بعذاب أليم أو مشاكلة للمقابلة أو أريد المعنى اللغوي أي أخبر بعذاب الله له في القبر وعقوبته وهي أشد العذاب في النار وأبعد ابن حجر فقال إطناب لمزيد التهويل أو المراد بأحدهما الغضب وبالآخر العذاب


فليس شيء أي يومئذ أكره إليه مما أمامه أي قدامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه قال ابن الملك معناه يبعد عن رحمته ومزيد نعمته متفق عليه قال ميرك القطعة الأولى من الحديث إلى قوله كره الله لقاءه متفق عليه من حديث عبادة ورواها الترمذي والنسائي أيضا ومن قوله فقالت عائشة الخ من أفراد البخاري من حديث عبادة نعم أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة مرفوعا من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقلت يا نبي الله أكراهة الموت فكلنا نكره الموت قال ليس كذلك ولكن المؤمن فذكره فالأولى أن يقول المصنف في أول الحديث


عن عائشة حتى يحسن في آخره قوله متفق عليه وفي رواية عائشة والموت قبل لقاء الله يعني لا يمكن رؤية الله قبل الموت بل بعده أو المراد أن من أحب لقاء الله أحب الموت لأنه يتوصل به إلى لقائه وولا يتصور وجوده قبله وفيه دلالة على أن اللقاء غير الموت وأما ما وقع من أصل ابن حجر والموت قبل ذلك أي قبل اللقاء فهو خطأ مخالف للأصول وعن أبي قتادة أنه كان يحدث أن رسول الله مر بصيغة المجهول عليه بجنازة قال صاحب الكشاف الكسر أفصح فقال مستريح أي هو مستريح أو مستراح منه أو للتنويع أو للترديد واقتصر ابن حجر على الأول أي لا يخلو الميت عن أن يكون من أحد هذين القسمين فعلى الأول يراد بالميت الجنس استطرادا وعلى الثاني الشخص الحاضر قال الطيبي استراح الرجل وأراح إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء فقالوا يا رسول الله ما المستراح وما المستراح منه أي ما معناهما أو ما بمعنى من فقال العبد المؤمن يستريح أي يجد الراحة بالموت من نصب الدنيا أي تعبها بالأعمال التكليفية والأحوال الكونية التقديرية وأذاها أي من الحر والبرد أو أذى أهلها إلى رحمة الله أي ذاهبا وواصلا إليها ومن ثم قال مسروق ما غبطت شيئا بشيء كمؤمن في لحده أمن من عذاب الله واستراح من الدنيا قال أبو الدرداء أحب الموت اشتياقا إلى ربي وأحب المرض تكفير وأحب الفقر تواضعا لربي والعبد الفاجر هو أعم من الكافر يستريح منه أي من شره العباد من جهة أنه حين فعل منكرا أن منعوه آذاهم وعاداهم وإن سكتوا عنه أضر بدينهم ودنياهم والبلاد من العمارات والفلوات والشجر أي النباتات والدواب أي الحيوانات قال الطيبي استراح البلاد


والأشجار لأن الله تعالى بفقده يرسل السماء مدرارا ويحي به الأرض بعد ما حبس لشؤمه الأمطار وفي حديث أنس أن الحباري لتموت هزلا يذنب ابن آدم وخص الحبارى لأنه أبعد الطير نجعة أي طلبا للرزق وإنما تذبح بالبصرة وتوجد في حوصلتها الحبة الخضراء وبين البصرة وبين منابتها مسيرة أيام وجاء أن الحيوانات تلعن المذنبين بسبب حبس القطر عنها بذنوبهم متفق عليه قال ميرك ورواه النسائي وعن عبد الله بن عمر قال أخذ رسول الله بمنكبي وفي نسخة بتشديد الياء وأخذ المنكب للاهتمام والتنبيه فقال كن في الدنيا كأنك غريب أي لا تمل إليها فإنك مسافر عنها إلى الآخرة فلا تتخذها وطنا ولا تألف بمستلذاتها واعتزل عن الناس ومخالطتهم فإنك تفارقهم ولزم يدك اللازم ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا تتعلق بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله ووطنه وأما حديث حب الوطن من الإيمان فموضوع وإن كان معناه صحيحا لا سيما إذا حمل على أن المراد بالوطن الجنة فإنها المسكن الأول أو عابر سبيل أو فيه للتخيير والإباحة والأحسن أن تكون بمعنى بل شبه الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن يأويه ثم ترقى وأضرب عنه بقوله أو عابر سبيل لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغربة ويقيم فيها بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد الشاسع وكان ابن عمر يقول مخاطبة لنفسه أو لغيره إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء أي ليكن الموت في إمسائك وإصباحك نصب عينيك مقصرا للأمل مبادرا للعمل غير مؤخر عمل الليل إلى النهار وعمل النهار إلى الليل والظاهر أن هذا وما بعده من كلام ابن عمر موقوفا لكن ذكره في الإحياء مرفوعا قال ابن حجر وهذا معنى قوله في رواية أخرى وعد نفسك من أهل القبور اه وظاهر كلامه أن قوله وعد نفسك من كلامه موقوفا وليس كذلك لأن السيوطي في الجامع الصغير قال كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل


رواه البخاري عن ابن عمر وزاد أحمد والترمذي وابن ماجه وعد نفسك من أهل القبور وخذ من صحتك لمرضك قال الطيبي أي عمرك لا يخلو من صحة ومرض ففي الصحة سر سيرك القصد بل لا تقنع به وزد عليه ما عسى أن يحصل لك الفتور عنه بسبب المرض وفي قوله ومن حياتك لموتك إشارة إلى أخذ
نصيب الموت وما يحصل فيه من الفتور من السقم يعني لا تقعد في المرض عن السير كل القعود بل ما أمكنك منه فاجتهد فيه حتى تنتهي إلى لقاء الله تعالى رواه البخاري قال ميرك ورواه الترمذي والنسائي وعن جابر قال سمعت رسول الله قبل موته بثلاثة أيام يفيد كمال ضبط الراوي وأحكام المروي يقول لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله أي لا يموتن أحدكم في حال من الأحوال إلا في هذه الحالة وهي حسن الظن بالله يأن يغفر له فالنهي وإن كان في الظاهر عن الموت وليس إليه ذلك حتى ينتهي لكن في الحقيقة عن حالة ينقطع عندها الرجاء لسوء العمل كيلا يصادفه الموت عليها وفي الحديث حث على الأعمال الصالحة المقتضية لحسن الظن وفيه تنبيه على تأميل العفو وتحقيق الرجاء في روح الله وفي الحديث الصحيح أنا عند ظن عبدي بي فلا يظن بي إلا خيرا وفي رواية فليظن بي ما شاء قال النووي قد تتبعت الأحاديث الصحيحة في الخوف والرجاء فوجدت أحاديث الرجاء أضعاف أحاديث الخوف مع ظهور الرجاء فيها قلت لو لم يكن إلا حديث واحد وهو سبقت أو غلبت رحمتي على غضبي لكفى دليلا على ترجيح الرجاء ويعضده آية رحمتي وسعت كل شيء الأعراف بل هو أمر مشاهد في عالم الوجود من غلبة آثار الرجاء على آثار الخوف واتفق الصوفية على أن العبادة على وجه الرجاء أفضل من الطاعة على طريق الخوف وأن الأول عبادة الأحرار والثاني طاعة العبيد ولذا قال أفلا أكون عبدا شكورا قال الطيبي أي أحسنوا أعمالكم الآن حتى يحسن ظنكم بالله عند الموت فإن من ساء عمله قبل الموت يسوء ظنه عند الموت قال الأشرف الخوف والرجاء كالجناحين للسائرين إلى الله


سبحانه وتعالى لكن في الصحة ينبغي أن يغلب الخوف ليجتهد في الأعمال الصالحة وإذا جاء الموت وانقطع العمل ينبغي أن يغلب الرجاء وحسن الظن بالله لأن الوفادة حينئذ إلى ملك كريم رؤوف رحيم رواه مسلم

الفصل الثاني
عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله إن شئتم أنبأتكم أي أخبرتكم وعلقه بمشيئتهم لأنه ليس مما يجب تعلمه ولحثهم على التفرغ لسماعه ما أول ما يقول الله ما الأولى استفهامية والثانية موصولة للمؤمنين بلا واسطة أو بواسطة ملك أو رسول يوم القيامة وما أول ما يقولون أي المؤمنون له أي الله تعالى قلنا نعم يا رسول الله وهذا توطئة للتهيؤ بالإصغاء للكلام ليحصل الإدراك على الوجه التام قال إن الله يقول للمؤمنين هل أحببتم لقائي يحتمل أن يكون المراد باللقاء المصير إلى دار الآخرة وأن يكون بمعنى الرؤية وكلاهما صحيح قاله الأبهري وفي الثاني نظر فيقولون نعم يا ربنا استعطاف لمزيد عطائه ورضوانه فيقول لم قال ابن الملك أي لأي سهو أذيتم والصحيح لم أحببتم لقائي فيقولون رجونا عفوك ومغفرتك وفيه أن من حسن الظن بالله أحب لقاء الله ولعل حكمة الاستفهام مع علمه تعالى ببواطنهم أعلام السامعين بسبب محبتهم للقائه على حد أو لم تؤمن قال بلى أو المراد زيادة الانبساط والتلذذ بهم لسماع كلام الرب على البساط كقوله تعالى وما تلك بيمينك يا موسى طه فيقول قد وجبت لكم أي ثبتت ففي الحديث القدسي أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء رواه الطبراني والحاكم عن وائلة وقال تعالى إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه وإذا كره لقائي كرهت لقاءه رواه مالك والبخاري والترمذي عن أبي هريرة ومعناه أن محبة لقائه تعالى علامة محبة الله لقاءه لا إنها سبب لهذه فإن صفات الله تعالى قديمة وكذا حكم الكراهة التي هي بمعنى عدم الرضا ففي التنزيل يحبهم ويحبونه رضي الله عنهم ورضوا عنه رواه في شرح السنة وأبو نعيم في الحلية وقال المنذري رواه أحمد من طريق عبد الله بن زجر قال


ميرك وهو مختلف فيه ورواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد كذا في التصحيح
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله أكثروا ذكر هاذم اللذات بالذال المعجمة أي قاطعها وفي نسخة بالمهملة أي كاسرها قال ميرك صحح الشارح الطيبي بالدال المهملة حيث قال شبه اللذات الفانية والشهوات العاجلة ثم زوالها ببناء مرتفع ينهدم بصدمات هائلة ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهادم لئلا يستمر على الركون إليها ويشتغل عما يجب عليه من الفرار إلى دار القرار وأنشد زين العابدين فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها ويا آمنا من أن تدور الدوائر أتدري بماذا لو غفلت تخاطر فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر اه كلامه لكن قال الأسنوي في المهمات الهاذم بالذال المعجمة هو القاطع كما قاله الجوهري وهو المراد هنا وقد صرح السهيلي في الروض الأنف بأن الرواية بالذال المعجمة ذكر ذلك في غزوة أحد في الكلام على قتل وحشي لحمزة وقال الشيخ الجزري هادم يروي بالدال المهملة أي دافعها أو مخربها وبالمعجمة أي قاطعها واختاره بعض من مشايخنا وهو الذي لم يصحح الخطابي غيره وجعل الأول من غلط الرواة والله أعلم الموت بالجر عطف بيان وبالرفع خبر مبتدأ محذوف هو هو وبالنصب على تقدير أعني يعني أذكروه ولا تنسوه حتى لا تغفلوا عن القيامة ولا تتركوا تهيئة زاد الآخرة رواه الترمذي والنسائي وزاد فإنه لا يذكر في كثير إلا قلله ولا في قليل إلا كثره وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه وزاد فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه ذكره ميرك وقد جاء في الخبر الصحيح أيضا يا رسول الله من أكيس الناس وأحزم الناس فقال أكثرهم ذكرا للموت واستعدادا للموت أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة وعن ابن مسعود أن وفي نسخة قال أن نبي الله قال ذات يوم قيل ذات مقحم وقيل صفة لمدة وقيل مؤكدة كذات زيد لدفع توهم التجوز بإرادة مطلق


الزمان لأصحابه استحيوا من الله حق الحياء أي اتقوا الله حق تقاته قالوا إنا نستحي من الله لم
يقولوا حق الحياء اعترافا بالعجز عنه يا نبي الله يعني وأنت شاهد على ذلك والحمدلله أي على توفيقنا به قال ليس ذلك أي ليس حق الحياء أن تقولوا إنا نستحي وكان القياس ذلكم وكأنه نزلهم منزلة المفرد فيما ينبغي لهم من التعاضد والاتحاد ولكن من استحيي من الله حق الحيا أصله الهمزة ولكن خفف همزه بحذفها وقفا وهو المناسب هنا رعاية للسجع فليحفظ الرأس أي عن استعماله في غير خدمة الله بأن لا يسجد لصنم أو لأحد تعظيما له ولا يصلي للرياء ولا يخضع به لغير الله ولا يرفعه تكبرا وما وعى أي جمعه الرأس من اللسان والعين والأذن عما لا يحل استعماله وليحفظ البطن أي عن أكل الحرام وما حوى أي ما اتصل اجتماعه به من الفرج واليدين والرجلين والقلب فإن هذه الأعضاء متصلة بالجوف وحفظها بأن لا تستعمل في المعاصي بل في مرضاة الله تعالى قال الطيبي أي ليس حق الحياء من الله ما تحسبونه بل أن يحفظ نفسه بجميع جوارحه وقوله عما لا يرضاه فليحفظ رأسه وما وعاه من الحواس الظاهرة والباطنة واللسان والبطن وما حوى أي لا يجمع فيه إلا الحلال وليذكر الموت والبلى بكسر الباء من بلى الشيء إذا صار خلقا متفتتا يعني وليذكر صيرورته في القبر عظاما بالية ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فإنهما لا يجتمعان على وجه الكمال حتى للأقوياء فمن فعل ذلك أي جميع ما ذكر فقد استحيى من الله حق الحياء رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب قال النووي نقلا عن بعض الأكابر أنه يستحب الإكثار من ذكر هذا الحديث قلت وقريب منه ما روى ابن ماجه بسند حسن أنه أبصر جماعة يحفرون فبرا فبكى حتى بل التراب بدموعه وقال إخواني لمثل هذا فأعدوا وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله تحفة المؤمن الموت لأنه وسيلة السعادات الأبدية وذريعة الوصول إلى محضر القدس ومحفل الأنس فالنظر متوجه إلى


غايته معرض عن بدايته من الفناء والزوال والتمزق والاضمحلال أو لأن العبرة بروح الروح والقالب إنما هو بمنزلة القفص وفي النهاية التحفة طرفة الفاكهة وقد تفتح الحاء ثم تستعمل في غير الفاكهة من الألطاف قال الأزهري أصلها وحفة فأبدلت الواو تاء ذكره
الطيبي وفي القاموس التحفة بالضم الطرفة جمع تحف وقد أتحفه تحفة أو أصلها وحفة رواه البيهقي في شعب الإيمان ورواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد نقله ميرك عن المنذري وعن بريدة قال قال رسول الله المؤمن يموت بعرق الجبين قيل هو عبارة عن شدة الموت وقيل هو علامة الخير عند الموت قال ابن الملك يعني يشتد الموت على المؤمن بحيث يعرق جبينه من الشدة لتمحيص ذنوبه أو لتزيد درجته وقال التوربشتي فيه وجهان أحدهما ما يكابده من شدة السياق التي يعرق دونها الجبين والثاني أنه كناية عن كد المؤمن في طلب الحلال وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة حتى يلقى الله تعالى والأول أظهر رواه الترمذي وقال حسن نقله ميرك والنسائي وابن ماجه قال ميرك ورواه الحاكم وقال على شرطهما وأقره الذهبي وعن عبيد الله بالتصغير في النسخة المصححة وفي نسخة عبد الله ابن خالد وكتب ميرك في هامش كتابه صوابه عبيد بن خالد وذكر المصنف في أسماء رجاله عبد الله بن خالد السلمي المهاجري سكن الكوفة روى عنه جماعة من التابعين وفي المغنى عبيد بن خالد على االصواب وقيل هو عبدة بن خالد قال قال رسول الله موت الفجاءة بضم الفاء مدا وبفتحها وسكون الجيم قصرا قال الطيبي بالمد والقصر مصدر فجئه الأمر إذا جاء بغتة وقد جاء منه فعل بالفتح وفي النهاية فجئه الأمر فجاءة بالضم والمد وفجأة بالفتح وسكون الجيم من غير مد فاجاء مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب وفي القاموس فجئه كسمعه ومنعه فجأ وفجاءة هجم عليه وأما ما ذكره ابن حجر بضم الفاء مع القصر فليس له أصل في اللغة مع مخالفته للرواية ثم الموت شامل للقتل أيضا إلا الشهادة أخذة الأسف


بفتح السين وروى بكسرها في القاموس الأسف محركة أشد الحزن أسف كفرح وعليه غضب وسئل عن موت الفجأة فقال راحة المؤمن وأخذة أسف للكافر ويروى أسف ككتف أي أخذة سخط
أو ساخط اه وفي الفائق أي أخذة سخط من قوله تعالى فلما آسفونا أي أغضبونا انتقمنا منهم لأن الغضبان لا يخلو عن حزن ولهف فقيل له أسف حتى كثر ثم استعمل في موضع لا مجال فيه للحزن وهذه الإضافة فيه بمعنى من نحو خاتم فضة قال الزين لأن اسم الغضب يقع على الأخذة وقوع اسم الفضة على الخاتم قالوا روى في الحديث الأسف بكسر السين وفتحها فالكسر الغضبان والفتح الغضب أي موت الفجأة أثر من آثار غضب الله فلا يتركه ليستعد لمعاده بالتوبة وإعداد زاد الآخرة ولم يمرضه ليكون كفارة لذنوبه وقال ابن الملك قال تعالى أخذناهم بغتة الأنعام وهو خاص بالكفار لما روى أنه قال موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذة أسف للكافر وقال في المفاتيح روى آسف بوزن فاعل وهو الغضبان كذا ذكره الجزري رواه أبو داود قال ميرك فقال عن عبيد بن خالد رجل من أصحاب النبي قال مرة عن النبي ثم قال مرة عن عبيد يعني وقفه وقد روى هذا الحديث من حديث ابن مسعود وأنس وأبي هريرة وعائشة قال المنذري وحديث عبيد رجال اسناده ثقات والوقف لا يؤثر فيه فإن مثله لا يؤخذ بالرأي كيف وقد أسنده الراوي مرة والله أعلم وزاد البيهقي في شعب الإيمان ورزين في كتابه أخذة أسف وفي صحيحه أخذة الأسف بفتح السين وكسرها للكافر ورحمة بالرفع للمؤمن وعن أنس قال دخل النبي على شاب وهو في الموت أي في سكراته فقال كيف تجدك أي أطيبا أم مغموما قاله الزين وقال ابن الملك أي كيف تجد قلبك ونفسك في الانتقال من الدنيا إلى الآخرة أراجيا رحمة الله أو خائفا من غضب الله قال أرجو الله أي أجدني أرجو رحمته يا رسول الله وإني أي مع هذا أخاف ذنوبي قال الطيبي علق الرجاء بالله والخوف بالذنب وأشار بالفعلية إلى أن الرجاء حدث عند السياق وبالاسمية والتأكيد بأن إلى


أن خوفه كان مستمرا محققا فقال رسول الله لا يجتمعان بالتذكير أي الرجاء والخوف على ما في المفاتيح وغيره وبالتأنيث على ما ذكره الطيبي أي هاتان الخصلتان لا تجتمعان في قلب عبد أي من عباد الله في مثل هذا الموطن أي في هذا الوقت وهو زمان سكرات الموت ومثله كل زمان يشرف على الموت حقيقة أو حكما كوقت المبارزة
وزمان القصاص ونحوهما فلا يحتاج إلى القول بزيادة المثل وقال الطيبي مثل زائدة والموطن أما مكان أو زمان كمقتل الحسين رضي الله عنه اه وتبعه ابن حجر لكن قوله أما مكان ليس في محله كما لا يخفي ثم في الغريب جعل ابن حجر مثل هذا الموطن كمثلك لا يبخل وكمثله شيء والحال أن المثل في المثال الأول غير زائد لأنه أريد به المبالغة بقوله مثلك لا يبخل فأنت أولى بأن لا تبخل أو أريد به النفي بالطريق البرهاني كما هو أحد الأجوبة في قوله تعالى ليس كمثله شيء الشورى وهو مسلك دقيق وبالتأويل حقيق وقد حررناه مع سائر الأجوبة في المواضع اللائقة به إلا أعطاه الله ما يرجو أي من الرحمة وآمنه مما يخاف أي من العقوبة بالعفو والمغفرة رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب قال ميرك عن المنذري إسناده حسن ورواه ابن أبي الدنيا أيضا
الفصل الثالث


عن جابر قال قال رسول الله لا تمنوا الموت بحذف إحدى التاءين فإن هول المطلع بتشديد الطاء وفتح اللام اسم مكان الاطلاع أو زمانه أو مصدر ميمي حاصله أن ما يلقاه المريض عند النزع ويشرف عليه حينئذ شديد وإن من السعادة أي العظمى أن يطول عمر العبد بضم الميم ويسكن ويرزقه الله عز وجل الإنابة أي الرجوع إلى طاعة الله تعالى ودوام الحضور بالعصمة أولا أو بالتوبة آخرا في النهاية المطلع مكان الاطلاع من موضع عال يقال مطلع هذا الجبل من موضع كذا أي مأتاه ومصعده يريد به ما يشرف عليه من سكرات الموت وشدائده فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال أقول علل النهي عن تمني الموت أولا بتشديد المطلع لأنه إنما يتمناه قلة صبر وضجر فإذا جاء متمناه يزداد ضجرا على ضجر فيستحق مزيد سخط وثانيا بحصول السعادة في طول العمر لأن الإنسان إنما خلق لاكتساب السعادة السرمدية ورأس ماله العمر وهل رأيت تاجرا يضيع رأس ماله فإذا نما يربح قاله الطيبي وقال ميرك يجوز أن يكون المراد من المطلع زمان اطلاع ملك الموت


أو المنكر والنكير أو زمان اطلاع الله تعالى بصفة الغضب في القيامة أو زمان الاطلاع على أمور تترتب على الموت ولعله أوجه وأقرب وبالمقام أنسب رواه أحمد قال ميرك بإسناد حسن ورواه البيهقي أيضا وعن أبي أمامة قال جلسنا إلى رسول الله أي متوجهين إليه فذكرنا بالتشديد أي العواقب أو وعظنا ورققنا أي زهدنا في الدنيا ورغبنا في الأخرى وقال الطيبي أي رقق أفئدتنا بالتذكير فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء فقال يا ليتني مت بضم الميم وكسرها أي في الصغر أو قبل ذلك مطلقا حتى أستريح مما اقترفت فقال النبي وفي نسخة صحيحة رسول الله يا سعد أعندي بهمزة الاستفهام للإنكار تتمنى الموت يعني لتمنيه بعدي وجه في الجملة وأما مع وجودي فكيف يطلب العدم وقال ابن حجر نتمنى الموت وقد نهيت عن تمنيه لما فيه من النقص وعدم الرضا وفيه أن تمنيه لم يكن مبنيا على عدم الرضا منه رضي الله عنه بل خوفا على نفسه من نقصان في دينه وهو مستثنى كما صرح به العلماء فردد أي النبي ذلك أي يا سعد إلخ ثلاث مرات لتأكيد الإنكار أو لحمله على الاستفهام ثم قال يا سعد إن كنت أي لا وجه لتمني الموت فإنك إن كنت خلقت للجنة فما طال عمرك قال الطيبي ما مصدرية والوقت مقدر ويجوز أن تكون موصولة والمضاف محذوف أي الزمان الذي طال فيه عمرك اه ويحتمل أن تكون شرطية وحسن من عملك وفي نسخة بحذف من قال الطيبي من زائدة على مذهب الأخفش أو تبعيضية أي حسن بعض عملك اه ويمكن أن تكون بيانية من ضمير حسن فهو أي ما ذكر من طول العمر وحسن العمل قال الطيبي الفاء داخلة على الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط خير لك وحذف الشق الآخر من الترديد وهو وإن كنت خلقت للنار فلا خير في موتك ولا يحسن الإسراع إليه ولا يخفى ما في الحذف من اللطف والجملة جزاء لقوله إن كنت خلقت قال الطيبي فإن قيل هو من العشرة المبشرة فكيف قال إن كنت أجيب بأن المقصود التعليل لا الشك أي كيف تتمنى الموت عندي وأنا بشرتك


بالجنة أي لا تتمن لأنك من أهل الجنة وكلما طال عمرك زادت درجتك ونظيره في التعليل قوله تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنت
الأعلون إن كنتم مؤمنين آل عمران فقيل له الشهادة خير لك مما طلبت وهي إنما تحصل بالجهاد ويعضده ما ورد في المتفق عليه عن سعد أنه قال أخلف بعد أصحابي قال إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون اه والأظهر أن الترديد فرضى وتقديري مع احتمال أن البشارة تكون مقيدة بالاستمرار على حال وقت البشارة ولهذا ما أزالت عنهم الخوف من سوء الخاتمة ومن عذاب القبر وأهوال يوم القيامة وسبق عذاب النار وغير ذلك والله أعلم مع جواز أن هذا الحديث وقع له قبل البشارة رواه أحمد وعن حارثة بن مضرب اسم مفعول من التضريب العبدي الكوفي تابعي مشهور سمع عليا وابن مسعود وغيرهما ذكره المؤلف قال دخلت على خباب بالتشديد أي ابن الأرت بتشديد الفوقية تميمي سبى في الجاهلية وبيع بمكة ثم حالف بني زهرة وأسلم في السنة السادسة وهو أول من أظهر إسلامه فعذب عذابا شديدا لذلك وشهد بدرا والمشاهد كلها أو مات سنة سبع سبع وثلاثين منصرف على كرم الله وجهه من صفين فمر بقبره فقال رحم الله خبابا أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلى في جسمه أحوالا ولن يضيع الله أجره وقد اكتوى سبعا أي في سبع مواضع من بدنه قال الطيبي الكي علاج معروف في كثير من الأمراض وقد ورد النهي عن الكي فقيل النهي لأجل أنهم كانوا يرون أن الشفاء منه وأما إذا اعتقد أنه سبب وإن الشافي هو الله فلا بأس به ويجوز أن يكون النهي من قبل التوكل وهو درجة أخرى غير الجواز اه ويؤيده خبر لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون فقال لولا أني سمعت رسول الله يقول لا يتمن بصيغة النهي أحدكم الموت أي لضر نزل به لتمنيته أي لأستريح من شدة المرض الذي من شأن الجبلة البشرية أن تنفر منه ولا تصبر عليه ولقد رأيتني مع


رسول الله ما أملك درهما كأكثر الصحابة لأن الفتوحات العظيمة لم تقع إلا بعد ألا ترى أن عبد الله بن أبي سرح لما افتت
افرقية في زمن عثمان بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف دينار وقال الطيبي الواو قسمية واللام جواب القسم أقول لم يظهر وجه كونها قسمية قال القاضي في قوله تعالى ولقد علمتم الواقعة اللام موطئة للقسم قاله الشيخ زكريا في حاشيته وقال غيره للابتداء وقال عصام الدين لعل قول البيضاوي سهو من الناسخ والصواب واللام بتقدير القسم أي والله لقد علمتم إذا اللام الموطئة ما تدخل شرطا نازعه القسم في جزائه ليجعل جوابا اه وقال صاحب المغني في قوله تعالى ولقد كانوا عاهدوا الله الأحزاب يقدر لذلك وما أشبهه القسم ثم قال ومما يحتمل جواب القسم وإن منكم إلا واردها وذلك بأن تقدر الواو عاطفة على ثم لنحن أعلم فإنه وما قبله أجوبة لقوله تعالى فوربك لنحشرنهم مريم وهذا مراد ابن عطية من قوله هو قسم والواو تقتضيه أي هو جواب قسم والواو هي المحصلة لذلك لأنها عطفت وتوهم أبو حيان عليه ما لا يتوهم على صغار الطلبة وهو أن الواو حرف قسم فرد عليه بأنه يلزم منه حذف المجرور وبقاء الجار وحذف القسم مع كون الجواب منفيا بأن وإن في جانب بيتي بفتح الياء وسكونها الآن لأربعين اللام زائدة للتأكيد ألف درهم قال أي حارثة ثم أتى على بناء المفعول يكفنه فلما رآه أي ما هو عليه من الحسن والبهاء بكى قال الطيبي كأنه اضطر إلى تمني الموت أما من ضر أصابه فاكتوى بسببه أو غنى خاف منه والظاهر الثاني ولذلك عقبه بالجملة القسمية وبين فيها تغير حالتيه حالة صحبته رسول الله وحالته يومئذ ثم قاس حاله في جودة الكفن على حال عم رسول الله من تكفينه وقال لكن وفي نسخة ولكن حمزة لم يوجد له إلا بردة بالرفع على البدلية ملحاء أي فيها خطوط بيض وسود إذا جعلت أي البردة على رأسه قلصت بفتحتين أي قصرت وانكشفت عن قدميه وإذا جعلت على قدميه قلصت أي اجتمعت وانضمت وأكثر


ما يقال فيما يكون إلى فوق عن رأسه حتى مدت أي وضعت ممدودة على رأسه وجعل على قدميه الأذخر وهو حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب وهمزتها زائدة قال الطيبي فإن قلت لكن تستدعي المخالفة بالنفي والإثبات بين الكلامين لفظا أو معنى فأين المخالفة بينهما قلت المعنى إني تركت متابعة أولئك السادة الكرام وما اقتفيت أثرهم حيث هيأت لكفني مثل هذا الثوب النفيس لكن حمزة سار بسيرهم فما وجد ما يواريه حيث جعل على قدميه الأذخر اه وهذا يدل على أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر حيث تأسف سعد مع كمال سعادته على ما كان عليه الأولون من الصحابة من أنه لا فخر إلا في الفقر والاكتفاء بالقوت والسترة بالأمر الضروري لا غير وأن خلاف ذلك كحالته الآن غير كامل عندهم
رواه أحمد والترمذي إلا أنه أي الترمذي لم يذكر ثم أتى بكفنه إلى آخره وفي نسخة صحيحة والبيهقي في شعب الإيمان


باب ما يقال عند من حضره الموت
أي علامته
الفصل الأول
عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا قال رسول الله لقنوا موتاكم لا إله إلا الله أي ذكروا من حضره الموت منكم بكلمة التوحيد أو بكلمتي الشهادة بأن تتلفظوا بها أو بهما عنده لا أن تأمروه بها قال الطيبي أي من قرب منكم من الموت سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازا وعليه يحمل قوله إقرؤا على موتاكم يس وسيجىء ذكر فائدة التخصيص بكلمة التوحيد وسورة يس بعيد هذا اه قيل ويمكن الأمر بقراءة يس بعد الموت قال زين العرب وكذا التلقين يمكن حمله على ما بعد الدفن فإن إطلاق التلقين عليه أحق من المحتضر لأنه في المحتضر لا يخلو عن المجاز بخلاف ما بعد الدفن ولا بأس بإطلاق كليهما نقله ميرك وقوله إطلاق التلقين إلخ فيه أن التلقين المتعارف غير معروف في السلف بل هو أمر حادث فلا يحمل عليه قوله مع أن التلقين اللغوي حقيقة في المحتضر مجاز في الميت ولأن الأول أقرب إلى السماع وأوجب إلى الانتفاع وقد قال ابن حبان وغيره في الحديث المذكور أنه أراد به من حضره الموت وكذلك قال في قوله إقرؤا على موتاكم يس أراد به من حضره


الموت لا أن الميت يقرأ عليه كذا ذكره السيوطي في شرح الصدور أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس عن النبي قال افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله ولقنوهم عند الموت لا إله إلا الله فإنه من كان أول كلامه لا إله إلا الله ثم عاش ألف سنة ما سئل عن ذنب واحد أخرجه الحاكم في تاريخه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس وقال البيهقي غريب كذا في جمع الجوامع للسيوطي وسيأتي حديث من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ثم الجمهور على أنه يندب هذا التلقين وظاهر الحديث يقتضي وجوبه وذهب إليه جميع بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه رواه مسلم قال ميرك ورواه الأربعة وعن أم سلمة قالت قال رسول الله إذا حضرتم المريض أو الميت أي الحكمي فأو للشك أو الحقيقي فأو للتنويع ولا وجه لما جزم به ابن حجر من أنها للشك والمراد من الثاني هو الأول فقولوا خيرا أي للمريض اشفه وللميت اغفر له ذكره المظهر أولكم بالخير أو قولوا للمحتضر لا إله إلا الله فإنها خير ما يقال له اختاره ابن حجر لكن لا يلائمه قوله قال الملائكة يؤمنون بالتشديد أي يقولون آمين على ما تقولون أي من الدعاء خيرا أو شرا وقال ابن حجر أي من الأدعية الصالحة فعليه ترغيب وعلى الأول زيادة ترهيب رواه مسلم قال ميرك وكذا الأربعة وعنها أي عن أم سلمة قالت قال رسول الله ما من مسلم تصيبه بالتأنيث وفي نسخة بالتذكير مصيبة عظيمة أو صغيرة من أمر مكروه فيقول ما أمره الله به إنا بدل من ما أي إن ذواتنا وجميع ما ينسب إلينا لله ملكا وخلقا وإنا إليه راجعون


قال الطيبي فإن قلت أين الأمر في الآية قلت لما أمره بالبشارة وأطلقها ليعم كل مبشر به وأخرجه مخرج الخطاب ليعم كل أحد نبه على تفخيم الأمر وتعظيم شان هذا القول فنبه بذلك على كون القول مطلوبا وليس الأمر لا طلب الفعل وذلك أن قوله إنا لله تسليم وإقرار بأنه وما يملكه وما ينسب إليه عارية مستردة ومنه البدء وإليه الرجوع والمنتهى وإذا وطن نفسه على ذلك وصبر على ما أصابه سهلت عليه المصيبة وأما التلفظ بذلك مع الجزع فقبيح وسخط للقضاء اه والأقرب أن كل ما مدح الله في كتابه من خصلة يتضمن الأمر بها كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها وأما قوله التلفظ بذلك مع الجزع قبيح فمردود لأن ذلك من باب خلط العمل الصالح بالعمل السوء كالاستغفار مع الأصرار قال تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم التوبة اللهم ظاهره أنه من جملة ما أمره الله به قال ابن حجر وهو كذلك لقوله تعالى أدعوني إستجب لكم غافر وفيه أن المأمور به في الآية مطلق الدعاء وفي الحديث الدعاء الخاص فالأظهر أن حرف العطف محذوف قال ابن حجر ويحتمل بل هو الظاهر أن الله تعالى أعلم نبيه أن يعلم أمته أنه أمرهم أن يقولوا ذلك كله بخصوصه وحينئذ فلا يحتاج إلى تكلف ما ذكر فيهما اه والاحتمال مسلم والظاهر ممنوع أجرني بسكون الهمز وضم الجيم وبالمد وكسر الجيم في مصيبتي الظاهر أن في بمعنى باء السببية وأما قول ابن حجر أنها بمعنى مع كما في قوله تعالى ادخلوا في أمم فغير صحيح الأعراف كما لا يخفى قال الطيبي آجره يأجره إذا أثابه وأعطاه الأجر وكذلك قال الزين آجره الله يأجره ويأجره أثابه وأعطاه الأجر لكن الكسر مع القصر غير موجود في النسخ قال ميرك روى بالمد وكسر الجيم وبالقصر وضمها ونقل القاضي عياض عن أكثر أهل اللغة أنه مقصور لا يمد ومعنى أجره الله أعطاه أجره وجزاء صبره اه وقال ابن الملك هو بهمز الوصل قلت هذا سهو


منه لأن الهمزة الموجودة إنما هي فاء الفعل وهمزة الوصل سقطت في الدرج وأخلف لي خيرا منها أي اجعل لي خلفا مما فات عني في هذه المصيبة إلا خلف الله له خيرا منها قاله الطيبي قال النووي هو بقطع الهمزة كسر اللام يقال لمن ذهب ما لا يتوقع حصول مثله بأن ذهب والده خلف الله عليك منه بغير ألف أي كان الله خليفة منه عليك ويقال لمن ذهب له مال أو ولد أو ما يتوقع حصول مثله أخلف الله عليك أي رد الله عليك مثله فلما مات أبو سلمة تعني زوجها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي توفي سنة أربع على الأصح لانتفاض جرحه الذي جرح بأحد وهو من السابقين الأولين أسلم بعد عشرة أنفس قلت أي المسلمين خير من أبي سلمة قال الطيبي تعجب من تنزيل قوله إلا أخلف الله له خيرا منها على مصيبتها فيه تأييد لما قال أبو نعيم إنه أول من هاجر إلى المدينة وذكره أصحاب المغازي فيمن هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فهو أول من هاجر


بالظعينة إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة وكان أخا للنبي من الرضاعة وابن عمته استعظاما لأبي سلمة اه يعني على زعمها أول بيت استئناف فيه بيان للتعجب وتعليل له والتقدير فإنه أول بيت أي أول أهل بيت هاجر أي مع عياله إلى رسول الله بناء على المتابعة ثم إني قلتها أي كلمة الاسترجاع والدعاء المذكور بعدها فأخلف الله لي رسول الله أي بأن جعلني زوجته وكان عوض خير لي من زوجي أبي سلمة رواه مسلم وأبو داود والنسائي قاله ميرك وعنها أي عن أم سلمة قالت دخل رسول الله على أبي سلمة وقد شق بصره بفتح الشين وفتح الراء إذا نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه وضم الشين منه غير مختار نقله السيد عن الطيبي وقال النووي شق بصره بفتح الشين وضم الراء أي بقى بصره مفتوحا هكذا ضبطناه وهو المشهور وضبطه بعضهم بفتح الراء وهو صحيح أيضا والشين مفتوحة بلا خلاف نقله ميرك وحكى الجوهري عن ابن السكيت أنه يقال شق بصر الميت ولا يقال شق الميت بصره وهو الذي حضره الموت وصار ينظر إلى الشيء ولا يرتد إليه طرفه ذكره الجزري وكذا صاحب القاموس فأغمضه أي غمض عينيه لئلا يقبح منظره والإغماض بمعنى التغميض والتغطية ثم قال إن الروح إذا قبض قال الطيبي علة للإغماض أي أغمضته لأن الروح إذا فارق تبعه البصر أي في الذهاب فلم يبق لانفتاح بصره فائدة أو علة للشق أي المحتضر يتمثل له الملك المتولى لروحه فينظر إليه شزرا ولا يرتد طرفه حتى يفارقه الروح أو تضمحل بقايا قوى البصر ويبقى البصر على تلك الهيئة ويعضده ما روى أبو هريرة أنه قال قال رسول الله ألم تروا أن الإنسان إذا مات شخص بصره قالوا بلى قال فذلك حتى يتبع بصره نفسه أخرجه مسلم وغيره مستنكر من قدرة الله تعالى أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ حتى يبصر ما لم يبصر قلت ويؤيده فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ق فضج بالجيم المشددة أي رفع الصوت بالبكاء وصاح ناس من أهله فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير وفي رواية نسكتهم


بالنون والتاء فقال الخ قال المظهر أي لا تقولوا شرا ووائلا أو الويل لي وما أشبه ذلك قال الطيبي ويحتمل أن يقال أنهم إذا تكلموا في حق الميت بما لا يرضاه الله تعالى حتى يرجع تبعته إليهم فكأنهم دعوا على أنفسهم بشر ويكون المعنى
كما في قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم النساء أي بعضكم بعضا اه ويؤيد الأول قوله فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون أي في دعائكم من خير أو شر ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين بتشديد الياء الأولى أي الذين هداهم الله للإسلام سابقا والهجرة إلى خير الأنام واخلفه بهمزة الوصل وضم اللام من خلف يخلف إذا قام مقام غيره بعده في رعاية أمره وحفظ مصالحه أي كن خلفا أو خليفة له في عقبه بكسر القاف قال الطيبي أي في أولاده والأظهر من يعقبه ويتأخر عنه من ولد وغيره ولذا أبدل عن عقبه بقوله في الغابرين بإعادة الجار وقال الطيبي أي الباقين في الأحياء من الناس فقوله في الغابرين حال من عقبه أي أوقع خلافتك في عقبه كائنين في جملة الباقين من الناس واغفر لنا يصح أنها لتعظيم نفسه الشريفة وله ولغيره من الصحابة أو الأمة وله أي أبي سلمة خصوصا وكرر ذكره تأكيدا يا رب العالمين وافسح له أي وسع في قبره دعاء بعدم الضغطة ونور له فيه أي في قبره أراد به دفع الظلمة رواه مسلم الأخصر أنه كان يجمل ويقول روى الأحاديث الأربعة مسلم وعن عائشة قالت إن رسول الله حين توفي بصيغة المجهول وكذا قوله سجى أي غطى وستر ببرد حبرة بالإضافة وتركها والحبرة بوزن العنبة برد يمان كذا ذكره الجوهري وفي الغريبين الحبر من البرود ما كان موشى مخططا متفق عليه قال ميرك إلا أن مسلما قال بثوب حبرة وكذا رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد
الفصل الثاني
عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله من كان آخر كلامه برفع آخر


وقيل بنصبه لا إله إلا الله محله النصب أو الرفع على الخبرية أو الاسمية قال ميرك المراد مع قرينته فإنه بمنزلة علم لكلمة الإيمان كأنه قال من آمن بالله ورسوله في الخاتمة دخل الجنة قوله المراد مع قرينته فإنه بمنزلة علم الظاهر أو أنه بمنزلة علم فيجوز الاكتفاء به لفظا وإن كان يراد قرينته معنى وهو ظاهر إطلاق الحديث دخل الجنة ما قبل العذاب دخولا خاصا أو بعد أن عذب بقدر ذنوبه والأول الأظهر ليتميز به عن غيره من المؤمنين الذين لم يكن آخر كلامهم هذه الكلمة قال الطيبي فإن قلت كثير من المخالفين كاليهود والنصارى يتكلمون بهذه الكلمة فلا بد من ذكر قرينتها محمد رسول الله قلت إن القرينة صدور عن صدر الرسالة اه ولم يظهر وجهه فالأوجه في الجواب أنه لا بد من ذكر القرينة في متجدد الإسلام وأما المؤمن المشحون قلبه بمحبة سيد الأنام واعترافه بنبوته عليه الصلاة والسلام فيكتفي عنه بكلمة التوحيد المتضمن للنبوة والبعث وغيرهما في آخر الكلام والله تعالى أعلم بالمراد مع أنه قد يقال المراد به الشهادتان وإنه علم لهما والظاهر أن الكلام شامل للساني والنفساني لرواية وهو يعلم ولا شك أن الجمع أفضل والمراد على القلب من المعرفة رواه أبو داود قال السيوطي ورواه أحمد والحاكم وعن معقل بفتح الميم وكسر القاف بن يسار قال قال رسول الله اقرؤا سورة يس على موتاكم أي الذين حضرهم الموت ولعل الحكمة في قراءتها أن يستأنس المحتضر بما فيها من ذكر الله وأحوال القيامة والبعث قال التوربشتي يحتمل أن يكون المراد بالميت الذي حضره الموت فكأنه صار في حكم الأموات وأن يراد من قضى نحبه وهو في بيته أو دون مدفنه قال الإمام في التفسير الكبير الأمر بقراءة يس على من شارف الموت مع ورود قوله لكل شيء قلب وقلب القرآن يس إيذان بأن اللسان حينئذ ضعيف القوة وساقط المنة لكن القلب أقبل على الله بكليته فيقرأ عليه ما يزداد قوة قلبه ويستمد تصديقه بالأصول فهو إذن


عمله ومهمه قال الطيبي والسر في ذلك والعلم عند الله أن السورة الكريمة إلى خاتمتها مشحونة بتقرير أمهات الأصول وجميع المسائل المعتبرة التي أوردها العلماء في مصنفاتهم من النبوة وكيفية الدعوة وأحوال الأمم وإثبات القدر وإن أفعال
العباد مستندة إلى الله تعالى وإثبات التوحيد ونفى الضد والند وأمارات الساعة وبيان الإعادة والحشر وحضور العرصات والحساب والجزاء والمرجع والمآب فحقها أن تقرأ عليه في تلك الساعة رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وقال السيوطي ورواه ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وابن حبان وأخرج ابن أبي الدنيا والديلمي عن أبي الدرداء عن النبي قال ما من ميت يقرأ عند رأسه سورة يس إلا هون الله عليه اه وفي رواية صحيحة أيضا يس قلب القرآن لا يقرؤها عبد يريد الدار الآخرة إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه فاقروؤها على موتاكم قال ابن حبان المراد به من حضره الموت ويؤيده ما أخرجه ابن أبي الدنيا وابن مردويه ما من ميت يقرأ عنده يس إلا هون الله عليه وخالفه بعض محققي المتأخرين فأخذ بظاهر الخبر فقال بل يقرأ عليه بعد موته وهو مسجى وذهب بعض إلى أنه يقرأ عليه عند القبر ويؤيده خبر ابن عدي وغيره من زار قبر والديه أو أحدهما في كل جمعة فقرأ عندهما يس غفر له بعدد كل حرف منها وعن عائشة قالت إن رسول الله قبل بالتشديد عثمان بن مظعون بالظاء المعجمة أخ رضاعي قال المؤلف هاجر الهجرتين وشهد بدرا وكان حرم الخمر في الجاهلية وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة ولما دفن قال نعم السلف هو لنا ودفن بالبقيع وكان عابدا مجتهدا من فضلاء الصحابة وهو ميت حال من المفعول وهو أي النبي يبكي حتى سال دموع النبي على وجه عثمان قال ابن الملك يعلم من هذا أن تقبيل المسلم بعد الموت والبكاء عليه جائز رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه قال ميرك ورواه الحاكم بألفاظ متقاربة والمعنى واحد وقال الترمذي حسن


صحيح
وعنها أي عن عائشة قالت إن أبا بكر قبل النبي وهو ميت رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الترمذي وغيره وقال ميرك أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة وابن عباس أن أبا بكر قبل النبي بعد ما مات فالأولى إيراد هذا الحديث في الفصل الأول اه وفي رواية عنها عند أحمد أنه أتاه من قبل رأسه فحدر فاه فقبل جبهته ثم قال وانبياه ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال واصفياه ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته وقال واخليلاه وعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر فوضع فاه على جبين رسول الله فجعل يقبله ويبكي ويقول بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا كذا في المواهب وعن حصين بن وحوح بفتح أوله وسكون المهملة ففتح إن طلحة بن البراء قال المؤلف هو الأنصاري الذي قال النبي لما مات وصلى عليه اللهم الق طلحة وأنت تضحك إليه ويضحك إليك عداده في أهل الحجاز روى عنه حصين بن وحوح مرض فأتاه النبي يعوده فقال إني لا أرى بضم الهمز أي لا أظن طلحة إلا قد حدث أي ظهر به الموت فآذنوني بالمد وكسر الذال وسكون الهمزة وفتح الدال أي أعلموني به أي بموته حتى أصلي عليه كما في رواية وعجلوا أي غسله وتجهيزه وتكفينه ودفنه فإنه أي الشأن لا ينبغي لجيفة مسلم أي جثته أن تحبس أي تقام وتوقف قال الطيبي وصف مناسب للحكم بعدم الحبس وذلك أن المؤمن عزيز مكرم فإذا استحال جيفة ونتنا استقذره النفوس وتنبو عنه الطباع فينبغي أن يسرع فيما يواريه فيستمر على عزته فذكر الجيفة هنا كذكر السوأة في قوله تعالى كيف يواري سوأة أخيه المائدة السوأة الفضيحة لقبحها قال ميرك ليس في قوله جيفة مسلم دليل على نجاسته كما زعم بين ظهراني أهله أي بين أهله والظهر مقحم


والعرب تضع الإثنين مقام الجمع قال ميرك نقلا عن الأزهار يقال هو بين ظهراني أهله أي أقام بينهم على سبيل الاستظهار أو الاستناد إليهم كأنه بين ظهريهم ظهر منهم قدامه وظهر وراءه فهو بهم مكفوف من جانبه أو من جوانبه إذا قيل بين أظهرهم واستعمل في الإقامة بين القوم مطلقا والألف والنون زائدتان أي لا تتركوا الميت زمانا طويلا لئلا ينتن ويزيد حزن أهله عليه اه وبهذا التحقيق المعنوي ظهر بطلان قول ابن حجر والتثنية فيه لفظية فقط رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه
الفصل الثالث
عن عبد الله بن جعفر أي ابن أبي طالب ولد بأرض الحبشة وهو أول مولود ولد في الاسلام بها كان جوادا ظريفا عفيفا حليما يسمى بحر الجود وقيل لم يكن في الإسلام أسخى منه روى عنه خلق كثير ذكره المؤلف قال قال رسول الله لقنوا موتاكم أي المشرفين على الموت لا إله إلا الله الحليم أي الذي لا يعجل بالعقوبة الكريم أي الذي أعطى قبل المسألة سبحان الله أي منزه عن كل ما خطر ببالك فإنه وراء ذلك رب العرش إضافة تشريف لتنزهه عن المكان العظيم صفة للمضاف أو المضاف إليه والثاني أبلغ ووصفه بالعظمة لأنه أكبر المخلوقات ومحيط بالمكونات الحمدلله وفي نسخة والحمدلله أي على الحياة والممات رب العالمين أي خالقهم ومربيهم قالوا يا رسول الله كيف أي ذلك التلقين للأحياء أي للأصحاء أيحسن أم لا قال أجود وأجود أي أحسن وأحسن كرر للتأكيد والمبالغة قال الطيبي التكرار للاستمرار أي جودة مضمومة إلى جودة وهذا معنى الواو فيه رواه ابن ماجه قال السيوطي وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال سمعت من رسول الله كلمات من قالهن عند وفاته دخل الجنة لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات الحمد لله رب العالمين ثلاث مرات تبارك الذي بيده الملك يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله الميت أي جنسه والمراد من قرب موته تحضره الملائكة أي ملائكة الرحمة أو ملائكة العقوبة كذا قاله ابن حجر والأظهر إجتماع الطائفتين لإبهام جنس الميت ثم بعد العلم بالصلاح والفجور في آخر الأمر كل يعمل عليه فإذا كان الرجل صالحا أي مؤمنا أو قائما بحقوق الله تعالى وحقوق عباده والفاسق مسكوت عنه كما هو دأب الكتاب والسنة ليكون بين الرجاء والخشية وبه يندفع ما قاله ابن حجر أن مقابلته بالكافر تؤيد الأول مع أن لفظ الكافر ليس في هذا الحديث وإنما هو الرجل السوء وهو المناسب أن يكون مقابلا للصالح ولعل ذلك وجه العدول عن مؤمنا إلى صالحا وإن كان المراد بالرجل السوء الكافر لما يدل عليه سياق الكلام ومما يؤيد ما ذكرناه من أن الفاسق مسكوت عنه قوله تعالى فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون المؤمنون وكذلك قوله تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه الحاقة الآية وكذا قوله وأما الذين سعدوا هود الآية ونحو ذلك من الآيات والأحاديث قالوا أي ملائكة الرحمة اخرجي أي من جسدك الطيب فارجعي إلى ربك راضية مرضية أيتها النفس أي الروح الطيبة أي اعتقادا أو أخلاقا أو المطمئنة بذكر الله الآمنة برسول الله وأما الفرق بين النفس والروح على ما ذكره الصوفية فإنما هو أمر اعتباري لأنهم يكنون بالنفس عن مظهر الشر كقوله تعالى إن النفس لامارة بالسوء يوسف وبالروح عن مظهر الخير كقوله تعالى قل الروح من أمر ربي الإسراء كانت استئناف مبين للتعليل في الجسد الطيب أي أعمال إو بالإستسلام لأمر الله والانقياد لحكم الله قال الطيبي الظاهر كنت ليطابق النداء واخرجي لكن اعتبر اللام الموصولة أي النفس التي طابت كائنة في الجسد ويحتمل أن يكون صفة أخرى للنفس لأن المراد منها ليس نفسا معينة بل الجنس مطلقا اه وتبعه ابن حجر وفي كلا الوجهين مناقشة لأن الألف واللام في الصفة المشبهة


لم تكن موصولة عند الجمهور والنفس معينة عند النداء وحين الخطاب وإن كان عند إخباره لم تكن معينة وأما قول ابن حجر فكانت جواب عما يقال ما سبب طيبها فيقال سببية إنها لم تزل في الجسد الطيب السالم من الوقوع في المعاصي والمخالفات فغير صحيح بل الصواب قلبه فإن طيب الروح سبب
لطيب القالب لا عكسه كما أشار إليه بقوله إذا صلح القلب صلح الجسد كله الحديث ولأنه معدن التكليف ومنبع الخطاب في الدنيا وكذلك في الأخرى ومنه قولهم اخرجي فيه دلالة على أن الروح جسم لطيف يوصف بالدخول والخروج والصعود والنزول وهو خطاب ثان أو تأكيد لقوله حميدة أي محمودة جميلة أو حامدة شاكرة وأبشري بروح بفتح الراء أي راحة وريحان أي رزق أو مشموم والتنوين فيها للتعظيم والتكثير ورب أي وبملاقاة رب غير غضبان بعدم الانصراف وفي نسخة بالانصراف قال ابن حجر عدل إليه عن راض رعاية للفاصلة أي السجع وفيه أنه مع قطع النظر عن ذلك أبلغ مما عدل عنه فالعدل عنه أن لا عدول فتأمل قال الطيبي قوله روح أي إستراحة ولو روى بالضم كان بمعنى الرحمة لأنها كالروح للمرحوم قلت قد جاء الفتح أيضا بمعنى الرحمة قال تعالى ولا تيأسوا من روح الله يوسف وقيل البقاء أي هذان له معا وهو الخلود والرزق وقوله ورب هذا مقرر للأول على الطرد والعكس كقوله تعالى أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم الفاتحة ونحوه في المعنى قوله تعالى يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية الفجر وأما ما ذكره ابن حجر من أن الروح بضم الراء فمخالف للرواية فلا تزال أي النفس يقال لها ذلك أي ما تقدم من أنواع البشارة زيادة في سرورها بسماعها ما تقر به عينها حتى تخرج أي بطيبة ثم يعرج بصيغة المجهول بها إلى السماء أي الدنيا فيفتح لها أي بعد الاستفتاح أو قبله وأما قول ابن حجر أي تطلب الملائكة الذين معها أن يفتح لها فلا وجه له فكأنه توهم فيستفتح مكان يفتح فيقال أي يقول ملائكة السماء من هذا فيقولون وفي


نسخة صحيحة فيقال أي يقول ملائكة الرحمة الذين معه فلان أي هذا فلان أي روحه فيقال مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب وأغرب ابن حجر حيث قال وفيه أن الملائكة مع كونهم في العالم العلوي يعرفون كل إنسان باسمه وعمله اه ولا يخفي خطؤه إذ العلويون ما اطلعوا على اسمه إلا بالسؤال من ملائكة الرحمة وقاموا بصعود روحه وفتح باب سمائه على طيب عمله أدخلي أي في السموات العلى أو في عبادي أي محل أرواحهم حميدة أي محمودة أو حامدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا تزال أي هي يقال لها ذلك أي ما ذكر من الأمر بالدخول والبشارة بالصعود من سماء إلى سماء حتى تنتهي أي تصل إلى السماء التي فيها الله أي أمره وحكمه أي ظهور ملكه وهو العرش وقال الطيبي أي رحمته


بمعنى الجنة وتبعه ابن حجر وزاد الطيبي فقال ونحوه قوله تعالى وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله آل عمران فيطابق الحديث الآيتين وهما وادخلي جنتي الفجر وجنة نعيم الواقعة قلنا ما في دخولها الجنة التي هي فوق السموات وسقفها عرش الرحمن كما في حديث وصولها إلى الفلك الأطلس والمقام الأقدس ويناسبه ما ورد من أن أرواح المؤمنين تأوى إلى قناديل تحت العرش مع أن كون الجنة في سماء بعينها لا يعرف له خبر ولا أثر بل قال تعالى عرضها السموات والأرض آل عمران فإذا كان الرجل بالرفع وقيل بالنصب على أن كان تامة أو ناقصة السوء بفتح السين وضمها صفة الرجل وأما تجويز ابن حجر رفع الأول ونصب الثاني فمخالف للرواية ثم قوله بناء على إن كان تامة أي فإذا وجد أي وجده أعني الكافر أو الفاسق غير صحيح لأنه لا يشك أن الأوصاف الآتية إنما هي في حق الكافر بناء على ما سبق من عادة الكتاب والسنة بيان حال المؤمن والكافر والسكوت عن حال الفاجر لطفا ورحمة ليكون بين الخوف والرجاء قال أي ملك الموت أو رئيس ملائكة العذاب أو كل واحد منهم فيطابق ما سبق بصيغة الجمع اخرجي أيتها النفس الخبيثة أي اعتقادا أو أحوالا كانت في الجسد الخبيث أي أعمالا اخرجي ذميمة أي مذمومة وابشري قال الطيبي استعارة تهكمية كقوله تعالى فبشرهم بعذاب أليم التوبة أو على المشاكلة والإزدواج وحميم وغساق مقابل لروح وريحان بحميم أي ماء حار غاية الحرارة وغساق بتخفيف وتشديد ما يغسق أي يسيل من صديد أهل النار وقيل البارد المنتن وقيل لو قطرت في المشرق لنتنت أهل المغرب وعن الحسن الغساق عذاب لا يعلمه إلا الله وآخر أي وبعذاب آخر وفي نسخة بضم الهمز أي وبأنواع أخر من العذاب وأما قول ابن حجر أي وضرب أخر مذوقة ويصح فتح أوله أي ونوع آخر ففيه مسامحة لأن حقه أن يقول بمد أوله ثم جعله الجمع أصلا وتجويز المفرد خلاف ما عليه الأصول المعتمدة والنسخ المصححة من شكله أي مثل ما ذكر في


الحرارة والمرارة أزواج بالجر أي أصناف قال الطيبي قوله وأخر أي مذوقات أخر مثل الغساق في الشدة والفظاعة أزواج أجناس اه وتبعه ابن حجر ولا وجه لإرجاعه الضمير إلى الغساق وحده وإن كان هو أقرب مذكور فالصحيح ما ذكرنا من أن افراد الضمير باعتبار ما ذكر قال وآخر في محل الجر عطف على حميم قلت إنه ليس في محل الجر بل إنه مجرور بالفتحة لأنه غير منصرف قال وأزواج صفة لآخر وإن كان مفردا لأنه في تأويل الضروب والأصناف كقول الشاعر معي جياعا اه والظاهر أنه في تأويل النوع والصنف وقرأ أبو عمرو في الآية أخر بصيغة الجمع فما تزال يقال لها ذلك حتى تخرج بالكراهة ثم يعرج بها إلى السماء أي إظهارا للمذلة والإهانة فيفتح لها أي يستفتح لها لقوله تعالى لا يفتح لهم أبواب السماء الأعراف فيقال من هذا


فيقال فلان ظاهره إنه يعرفونهم بمجرد اسمه ويحتمل أن فلانا كناية عما يتميز به عن غيره ويعرف به جميع رسمه وأمره فيقال لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة أي مذمومة عند الله وعند الخلق فإنها أي القصة لا تفتح بالتأنيث وتذكر وبالتخفيف وتشدد لك أبواب السماء فترسل أي ترد وسيأتي أنها تطرح من السماء ثم تصير أي ترجع إلى القبر وتكون دائما محبوسة في أسفل السافلين بخلاف روح المؤمن فإنها تسير في ملكوت السماء والأرض وتسرح في الجنة حيث تشاء وتأوي إلى قناديل تحت العرش ولها تعلق بجسده أيضا تعلقا كليا بحيث يقرأ القرآن في قبره ويصلي ويتنعم وينام كنوم العروس وينظر إلى منازله في الجنة بحسب مقامه ومرتبته فأمر الروح وأحوال البرزخ والآخرة كلها على خوارق العادات فلا يشكل شيء منها على المؤمن بالآيات رواه ابن ماجه قال ميرك وإسناده صحيح وعنه أي عن أبي هريرة أن رسول الله قال إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها هذا تفضيل للمجمل السابق ويحتمل أنهما الكريمان الكاتبان ولا ينافي الجمع فيما مر أما على قول من يقول أقل الجمع اثنان فظاهر وأما على قول غيره فلاحتمال أن الحاضرين جمع والمفوض إليه منهم ذلك اثنان والبقية أو الكل يقولون لروحه أخرجي أيتها النفس أو القائل واحد ونسب إلى الكل مجازا كقوله تعالى فعقروها هود وكقولهم قتله بنو فلان ويؤيده حديث البراء الآتي قال حماد وهو ابن زيد أحد رواة هذا الحديث قاله الطيبي والأظهر أن يقال إنه راويه عن أبي هريرة فذكر أي رسول الله أو الصحابي وهو أبو هريرة وكان سبب ذلك نسيان راويه لفظ النبوة في هذا دون معناه فذكره بسياق يشعر بذلك من طيب ريحها أي أوصافا عظيمة من طيب ريحها وذكر أي ومن أنواع ذلك المسك قال الطيبي أي وذكر المسك لكن لم يعلم أن ذلك كان كالتشبيه أو الاستعارة أو غير ذلك اه وقال الأبهري الأظهر أن يقال وذكر أن طيب ريحها أطيب من ريح المسك قال أي


النبي ويقول أهل السماء أراد به الجنس أي كل سماء روح طيبة مبتدأ أو خبر لمحذوف هو هي وقوله جاءت يعني الآن من قبل الأرض بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهتها صفة ثانية صلى الله أي أنزل الرحمة عليك قال الطيبي في عليك التفات من الغيبة في قوله جاءت إلى الخطاب وفائدته مزيد اختصاص لها بالصلاة عليها
قلت ولمزيد التلذذ بخطابهم إياها قال ابن حجر وكراهة الصلاة إستقلالا على غير الأنبياء والملائكة محلها إن صدرت من غيرهم لا منهم لقول العلماء في صلاته على آل أبي أوفى إنه من تبرع صاحب الحق به اه والأظهر أنه من خصوصياتهم لقوله تعالى وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم التوبة ولقوله عز وجل هو الذي يصلي عليكم الأحزاب وعلى جسد كنت تعمرينه بضم الميم يعني على ظاهرك وباطنك وتقديم الباطن لأنه أهم والنظر إليه أتم قال الطيبي إستعارة شبه تدبيرها البدن بالعمل الصالح بعمارة من يتولى مدينة ويعمرها بالعدل والإحسان فينطلق على بناء المفعول وفي رواية فينطلقون به إلى ربه أي إلى موضع حكمه أو عرش ربه ومقام قربه وفي الحديث الآتي إلى السماء السابعة ثم يقول أي الرب سبحانه انطلقوا به أي الآن أي ليكون مستقرا في الجنة أو عندها إلى آخر الأجل ثم إلينا مرجعه بحكم الأزل والمراد بالأجل هنا مدة البرزخ قال الطيبي يعلم من هذا أن لكل أحد أجلين أولا وآخرا ويشهد له قوله تعالى ثم قضى أجلا وأجل مسمى الأنعام عند أي أجل الموت وأجل القيامة قال أي النبي وإن الكافر إذا خرجت روحه قال حماد وذكر أي النبي أو الصحابي من نتنها بسكون التاء أي عفنها وذكر لعنا أي مع النتن فإن البعد من لوازم النتن ويقول أهل السماء من الملائكة وغيرهم روح خبيثة جاءت أي قاربت السماء من قبل الأرض فيقال انطلقوا به إلى آخر الأجل قال الطيبي ذكر ههنا يقال وفي الأول يقول رعاية لحسن الأدب حيث نسب الرحمة إلى الله سبحانه ولم ينسب إليه الغضب كما في قوله تعالى أنعمت عليهم غير المغضوب


عليهم قال أبو هريرة فرد رسول الله ريطة وهي بفتح الراء وسكون الياء التحتانية كل ملاءة على طاقة واحدة ليست لفقتين أي طرف ريطة كانت عليه أي على بدنه عليه الصلاة والسلام على أنفه متعلق برد قال الطيبي كأنه عليه الصلاة والسلام كوشف بروح الكافر وشم من نتن ريح روحه هكذا أي كفعلى هذا وكان أبو هريرة وضع ثوبه على أنفه بكيفية خاصة صدرت منه قال ابن حجر ويحتمل أنه تمثيل أي فيها من النتن والقبح ما لو ظهر لأحدكم لغطى أنفه عنه كذلك اه وهو خروج عن ظاهر الحديث لغير باعث نقلي أو عقلي رواه مسلم


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا حضر المؤمن بصيغة المجهول أي حضره الموت وفي رواية إذا قبض أتت أي جاءته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء ولعل روحه تلف فيها وترفع إلى السماء والكفن الدنيوي يصحب الجسد الصوري فيقولون اخرجي أي أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية عن الله سابقا وبثواب الله لاحقا مرضيا عنك أي أولا وآخرا إلى روح الله بفتح الراء أي رحمته أو راحة منه وهو تفسير لقوله تعالى ارجعي إلى ربك الفجر وريحان أي رزق كريم أو مشموم عظيم ورب غير غضبان أي رؤوف رحيم فتخرج كأطيب ريح المسك قال الطيبي الكاف صفة لمصدر محذوف أي تخرج خروجا مثل ريح مسك يعبق فأرتها وهو قد فاق سائر أرواح المسك وأما قول ابن حجر فتخرج حال كونها مثل أطيب ريح المسك ودعوته أنه عند التأمل أوضح من كلام الشارح فغير واضح فضلا عن أن يكون أوضح حتى أنه أي المؤمن أو روحه بتقدير المضاف أو بدونه فإنه يذكر ويؤنث والمعنى حتى إنه من طيب روحه وعظمة ريحه ليناوله بعضهم بعضا أي يصعدون به من يد إلى تكريما وتعظيما وتشريفا لا كسلا وتعبا وتكليفا ولذا تناوبوه وإلا فأحدهم لا يعجز عن حمله حتى يأتوا وفي رواية فيشمونه وفي رواية فيشمونه حتى يأتوا به أبواب السماء أي بابا بعد باب وفي رواية باب السماء وهو منصوب بنزع الخافض أي إلى أن يأتوا به وهو غاية للمناولة وأما قول ابن حجر غاية ليخرج فخروج عن الظاهر بالغاية فيقولون أي بعض الملائكة لبعض ملائكة السماء على جهة التعجب من غاية عظمة طيبة ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض أي وصلت إليكم الآن منها فيأتون وفي رواية كلما أتوا سماء قالوا ذلك حتى يأتوا أي الملائكة الأولون أو المستقبلون السائلون به أي بروحه أرواح المؤمنين منصوب بنزع الخافض أي إلى مقر أرواحهم في عليين أو في الجنة أو على بابها أو تحت العرش بحسب منزلته فلهم الفاء للتعقيب والضمير للمؤمنين أو لأرواحهم أشد فرحا وفي رواية فلهم


أفرح قال الطيبي اللام لام الابتداء مؤكدة نحو قوله تعالى لهو خير للصابرين النحل وهم مبتدأ وأشد خبره ولا يبعد أن تكون جارة أي لهم فرح أشد فرحا فيكون الفرح فرحا على سبيل المبالغة به أي بقدومه من أحدكم أي من فرحه بغائبه أي المخصوص به يقدم عليه أي حال قدومه فيسألونه أي بعض أرواح المؤمنين ماذا فعل فلان أي كيف حاله وشأنه أي في
الطاعة ليفرحوا به ويدعوا له بالاستقامة أو في المعصية ليحزنوا عليه ويستغفروا له ماذا فعل فلان تأكيد أو المراد شخص آخر وهو اوظهر فيقولون أي بعض آخر من الأرواح وفي نسخة صحيحة فيقول أي بعضهم أو أحدهم دعوه أي اتركوه الآن وفي رواية حتى يستريح قال الطيبي أي يقول بعضهم لبعض دعوا القادم فإنه حديث عهد بتعب الدنيا فإنه أي القادم كان في غم الدنيا وفي نسخة صحيحة فإنه كان في غم الدنيا فكان زائدة أو ضمير فإنه للشأن وكان أي القادم في غم الدنيا إلى الآن ما استراح من همها فيقول أي لقادم في جواب السؤال الأول والجملة فيما بينهما معترضة قد مات أي فلان المسؤول أو فلان الثاني وهو الأقرب أما أتاكم أي أما جاءكم فيقولون وفي رواية فإذا قال لهم ما أتاكم فإنه قد مات يقولون أي أرواح المؤمنين قد ذهب به على بناء المجهول وقال الطيبي لا بد من تقدير الغاء كما في قول الشاعر من يفعل الحسنات الله يشكرها أي إذا كان الأمر كما قلت إنه مات ولم يلحق بنا فقد ذهب به اه وهو تكلف مستغنى عنه ويدل عليه ما روى بلفظ أو ما أوتى عليكم فيقولون أو قد هلك فيقول أي والله فيقولون نراه قد ذهب به إلى أمه الهاوية أي النار مأخوذ من قوله تعالى فأمه هاوية القارعة لأنهما مأوى المجرم ومقره كما أن الأم للولد كذلك ويدل عليه ما زيد في رواية فبئست الأم وبئست المربية قال الطيبي الأم المصير أطلق على المأوى على التشبيه لأن الأم مأوى الولد ومقره كقوله تعالى مأواكم النار العنكبوت والهاوية بدل أو عطف بيان وأما في الآية فخبر لأمه


وهي من أسماء النار كأنها النار العميقة تهوى أهل النار فيها مهوى بعيدا وأن الكافر إذا احتضر بصيغة المفعول أتته ملائكة العذاب بمسح الجوهري المسح بالكسر البلاس فيقولون اخرجي ساخطة أي كارهة غير راضية عن الله حيا وميتا مسخوطا أي مغضوبا عليك أي أزلا وأبدا إلى عذاب الله متعلق باخرجي عز أي غلب كلمه وأمره وجل أي قضاؤه وقدره فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتون بإثبات النون ورفعه على حكاية الحال الماضية على حد وزلزلوا حتى يقول الرسول في قراءة نافع بالرفع أي حتى أتوا بمعنى به كما في نسخة باب الأرض وفي نسخة إلى باب الأرض وفي رواية فينطلقون به إلى باب الأرض قال الطيبي أي باب سماء الأرض ويدل عليه الحديث السابق ثم عرج بها إلى السماء ويحتمل أن يراد بالباب باب الأرض فيرد إلى أسفل السافلين قلت وهذا هو


الصواب لما سيأتي صريحا في هذا الباب فيقولون أي ملائكة الأرض ما أنتن هذه الريح حتى وفي رواية كلما أتوا على أرض قالوا ذلك فيتعين أن يكون حتى غاية لقولهم ذلك وأما قول ابن حجر أو لسيرهم الذي دل عليه السياق ففي غاية من البعد يأتون به أرواح الكفار ومحلها سجين وهو موضع في قعر جهنم رواه أحمد والنسائي قال ميرك ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه وقال السيوطي والحاكم والبيهقي اه والروايات التي ذكرناها هي لفظ الحاكم وعن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله في جنازة رجل بفتح الجيم وتكسر من الأنصار فانتهينا أي وصلنا إلى القبر ولما يلحد بصيغة المفعول قبل أن يلحد ولما بمعنى لم وفيه توقع فجلس رسول الله وجلسنا حوله كان بتشديد النون وفي رواية وكان على رؤوسنا الطير قال الطيبي كناية عن إطراقهم رؤوسهم وسكوتهم وعدم التفاتهم يمينا وشمالا قال ميرك والطير بالنصب على أنه اسم كان أي على رأس كل واحد الطير يريد صيده فلا يتحرك وهذه كانت صفة مجلس رسول الله إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير يريد أنهم يسكتون فلا يتكلمون والطير لا يسقط إلا على ساكن وقال الجوهري قولهم كان على رؤوسهم الطير إذا سكنوا من هيبته وأصله أن الغراب إذا وقع على رأس البعير فيلتقط منه الحلمة والحلمتين فلا يحرك البعير رأسه لئلا ينفر عنه الغراب وفي يده عود ينكت بضم الكاف به في الأرض أي يؤثر بطرف العود الأرض فعل المتفكر المهموم ذكره الطيبي فرفع رأسه فقال إستعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين ظرف لقال أو ثلاثا شك من الراوي ثم قال إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع أي ادبار من الدنيا واقبال من الآخرة أي اتصال بها نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه إظهار اللطف والعناية أو انعكاسا من أنوار صاحب الهداية كان وجوههم الشمس أي وجه كل واحد منهم كالشمس وأما قول ابن حجر أخبر بها عن الجمع لأنه اسم جنس في الأصل فقول منطقي لا حقيقة له معهم كفن من


أكفان الجنة أي من حريرها وحنوط من حنوط الجنة أي مسكها وعنبره وعبيرها قال الطيبي الحنوط ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى
وأجسادهم حتى يجلسوا منه مد البصر أي قريبا منه مع كمال الأدب ينتظرون خروج الروح منه ثم يجىء ملك الموت عليه السلام كذا في النسخ المصححة حتى يجلس عند رأسه فيقول قال ابن حجر لا ينافي ظاهره ما مر أن القائل غيره لأنه لا مانع أنه وملائكة آخرين يقولون ذلك اه وفيه أنه ما مر أن القائل غيره وإنما مر أن الملائكة يقولون وهو يحتمل أن يكون كلهم يقولون والأظهر أن القائل رئيسهم كما أشرنا إليه سابقا ويدل عليه هذا الحديث لاحقا أيتها النفس الطيبة وفي رواية المطمئنة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان بكسر الراء وضمها أي ليس أمامك إلا المغفرة والرضوان وفيهما إشارة إلى بشارة دفع العذاب وكمال الثواب وهو معنى قوله ارجعي إلى ربك وأما قول ابن حجر أي إلى محلهما وهو الجنة فليس في محله قال أي النبي فتخرج أي روحه تسيل حال كما تسيل القطرة أي كسيلان القطرة في السهولة وهذا يؤيد ما عليه أكثر أهل السنة ممن تكلم على الروح إنها جسم لطيف سار في البدن كسريان ماء الورد في الورد من السقاء أي القربة وزاد في رواية وإن كنتم ترون غير ذلك أي من الشدة والحاصل أن لا منافاة بين اضطراب الجسد وسهولة خروج الروح بل قد يكون الأول سببا للثاني كما أن رياضة النفس وتضعيف البدن عند السادة الصفية الصوفية موجب لقوة الروح على العبادة والمعرفة وأما قول ابن حجر ولا ينافي ذلك ما مر أن المؤمن يشدد عليه عند النزع دون غيره لأن محله فيما قبل خروج الروح فليس في محله لأن حالة النزع هو وقت خروج الروح فبين كلاميه تناقض بين فيأخذها أي ملك الموت فإذا أخذها لم يدعوها بفتح الدال أي لم يتركوها في يده طرفة عين أدبا معه أو اشتياقا إليها قال الطيبي فيه إشارة إلى أن ملك الموت إذا قبض روح العبد سلمها إلى أعوانه الذين معهم كفن من أكفان الجنة


حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن من أكفان الجنة وفي ذلك الحنوط أي الجنتي ويخرج بالتذكير والتأنيث منها أي من الروح ريح أو شيء كأطيب نفحة مسك أي مثل أطيبها فالكاف مثلية قال الطيبي صفة موصوف محذوف هو فاعل يخرج أي يخرج منها رائحة كأطيب نفحة مسك وجدت أي تلك النفحة على وجه الأرض أي جميعها منذ خلقت الدنيا إلى فنائها قال أي النبي فيصعدون أي أعوان ملك الموت أو ملائكة الرحمة منهم أو من غيرهم بها فلا يمرون يعني بها هذا من كلام الصحابي أو الراوي وليس بموجود في رواية السيوطي على ملأ أي جمع عظيم من الملائكة أي الذين بين السماء والأرض إلا قالوا أي الملأ ما هذا الروح بفتح الراء أي الريح وضمها الطيب فيقولون أي ملائكة


الرحمة فلان بن فلان أي روحه أو روحه بأحسن أسمائه أي ألقابه وأوصافه التي كانوا أي أهل الدنيا يسمونه أي يذكرونه بها أي بتلك الأسماء في الدنيا حتى لا يزال الملائكة يسألون ويجابون كذلك حتى ينتهوا بها أي بتلك الروح إلى السماء الدنيا فيستفتحون له قال ابن حجر أنث باعتبار النسبة وذكر باعتبار الشخص اه والصحيح أنه يذكر ويؤنث ففي القاموس الروح بالضم ما به حياة الأنفس ويؤنث فتفتح بالتأنيث أي السماء ويجوز أن يذكر فالجار نائب الفاعل لهم قال ابن حجر أفرد الضمير لأنه المقصود بالاستفتاح ثم جمع إشارة إلى أنهم لا يفارقونه بل يستمرون معه اه وهو خلاصة كلام الطيبي والظاهر أن ضمير لهم للمستحقين من الملائكة وإنما وقع قوله له علة وصلة للفعل ولا دخل له في المقصود فالمطابقة بينهما ظاهرة ولا يبعد أن يعتبر فيه التغليب فيراعى الاستخدام حينئذ في قوله فيشيعه أي يستقبله ويصحبه بعد دخوله في السماء من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها أي تقربها وتدنو منها وهكذا حتى ينتهي به بصيغة المجهول والجار نائب الفاعل وفي نسخة لفظ به ساقط وينتهي بصيغة الفاعل إلى السماء السابعة أي الجنة إذ هي مجاورة لها والأظهر أن المراد بها نهاية السموات العلى والاقتراب إلى عرش الرحمن أو سدرة المنتهى فيقول الله عز وجل أكتبوا أي اثبتوا وأما قول ابن حجر أي أكتبوا الآن وإن كتب في سابق الزمان فمحتاج إلى دليل صحيح ونقل صريح كتاب عبدي الإضافة للتشريف ولذا قال في الكافر اكتبوا كتابه أي اجعلوا كتابه عبدي بكتابة اسمه في عليين أي في دفتر المؤمنين وديوان المقربين وقيل هو موضع فيه كتاب الأبرار فالمراد بكتاب العبد صحيفة أعماله وقال الأبهري أي في كتاب عبدي يعني أنه في عليين أو في عوال أو غرف من الجنة مآلا قال العسقلاني في فتاويه أرواح المؤمنين في عليين وأرواح الكفار في سجين ولكل روح بجسدها اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة الدنيا بل أشبه به


حال النائم وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين وبين ما نقله ابن عبد البر عن الجمهور إنها عند أفنية قبورها قال ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف وتأوى إلى محلها من عليين أو سجين قال وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر فالاتصال المذكور مستمر وكذا لو تفرقت الأجزاء اه وقال ابن القيم الروح من سرعة الحركة والانتقال الذي كلمح البصر ما يقتضي عروجها من القبر إلى السماء في أدنى لحظة وشاهد ذلك روح النائم فقد ثبت أن روح النائم تصعد حتى تخترق السبع الطباق وتسجد لله بين يدي العرش ثم ترد إلى جسده في أيسر زمان انتهى فعلى هذا يكون التقدير أكتبوا كتاب مقر عبدي في عليين وأعيدوه الآن إلى الأرض أي ليتعلق بالبدن على وجه الكمال ويتهيأ لجواب السؤال فإني


منها خلقتهم أي أجساد بني آدم وفيها أعيدهم أي أجسادهم وأرواحهم ومنها أخرجهم أي كملا تارة أي مرة أخرى قال أي النبي ولعل إعادة قال لطول الكلام أو لفصله بكلام غيره وهو غير موجود فيما نقله السيوطي في المواضع في هذا الحديث فتعاد روحه في جسده ظاهر الحديث أن عود الروح إلى جميع أجزاء بدنه فلا التفات إلى قول البعض بأن العود إنما يكون إلى البعض ولا إلى قول ابن حجر إلى نصفه فإنه لا يصح أن يقال من قبل العقل بل يحتاج إلى صحة النقل فيأتيه ملكان أي المنكر والنكير لكن في صورة مبشر وبشير فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم أي أرسل إليكم يعنون محمدا وفي العبارة فتنة للمؤمن وامتحان للموقن حيث أتيا بصيغة الجهالة ولم يذكراه بصفة النبوة والرسالة ولعل هذا بالنسبة إلى بعض الناس إذ ورد في بعض الأحاديث أنهما قالا له ومن نبيك فيقول هو رسول الله وفي رواية محمد نبي فيقولان له وما علمك أي بما قلت أو ما سبب علمك برسالته أو ما سبب إقرارك أمجرد التقليد في التصديق أو البرهان والتحقيق فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به أي بالكتاب أو بالرسول أو بما فيه وعلمت جميع ما ذكرت من معانيه وصدقت أي تصديقا قلبيا وما اكتفيت بالإيمان اللساني وهو أولى من قول ابن حجر أو تأكيد لما تقرر في محله أن التأسيس أولى من التأكيد عند أرباب التأييد فينادي مناد من السماء أي على لسان الحق أن صدق عبدي أن تفسيرية لأن في النداء معنى القول وجعلها مصدرية يخل بالمعنى لأنه يخل بأنه ينادي مناد بصدق عبدي فأفرشوه بقطع الهمزة أي أعطوه فراشا أو أفرشوا له فراشا فالهمزة لتأكيد التعدية ففي القاموس أفرش فلانا بساطا بسطه له كفرشه فرشا وفرشه تفريشا وأما قول ابن حجر أي أفرشوا قبره فغير صحيح لما ذكرناه ولما في القاموس أيضا فرشه فرشا وفراشا أي بسطه وتوضيحه أن المفروش لا يكون إلا


البساط والقبر ليس إلا مفروشا فيه وأما المستعمل في لسان أهل الزمان من العرب أفرشوا البيت فاتساع في الكلام وقولهم البيت مفروش أي مفروش فيه من الجنة أي من فرشها وألبسوه بهمزة القطع أي اكسوه من الجنة أي من ثيابها وافتحوا له أي لأجله بابا أي من القبر إلى الجنة أي جهتها وأما ما وقع في أصل ابن حجر من الجنة فمن سهو القلم قال فيأتيه من روحها بفتح الراء أي نسيمها وطيبها أي رائحتها وأما قول ابن حجر روحها مر بيانه فموهم جواز ضم الراء وليس كذلك وقوله وطيبها تأكيد فغفلة عن التحقيق الثابت بالتأييد فيفسح بالتخفيف


وتشدد أي يوسع له في قبره مد بصره وهو مختلف باختلاف البصر المرتب على اختلاف البصيرة قال أي النبي ويأتيه أي المؤمن رجل أي شيء على صورة رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح كناية عن حسن عمله وخلقه فيقول أبشر بالذي يسرك أي بما يجعلك مسرورا يعني مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ببال بشر قال تعالى وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا الإنسان وأما تقدير ابن حجر أي يسرك ربك فغفلة عن مرجع الضمير كما هو ظاهر أنه محتاج إلى تقدير به أيضا وإذا صح الكلام بلا تقدير فلا يقدر والنسبة المجازية غير عزيزة في الكتاب والسنة واللغة العربية ومنه قوله تعالى بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين البقرة هذا أي الوقت يومك أي زمانك المحمود الذي كنت توعد أي به في الدنيا قال تعالى هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون يس فيقول أي المؤمن له من أنت حيث آنست الغريب وبشرت بالخير العجيب قال الطيبي لما سره بالبشارة قال له إني لا أعرفك من أنت حتى أجازيك بالثناء والمدح ثم قال وقوله من أنت متضمن معنى المدح مجملا وفيه نظر إلا أن يقال أنه بمعونة المقام وقرينة الحال ثم قال والفاء في فوجهك لتعقيب البيان بالمجمل على عكس قول الشقي للملك من أنت الوجه أي وجهك هو الكامل في الحسن والجمال والنهاية في الكمال وحق لمثل هذا الوجه أن يجىء بالخير ويبشر بمثل هذه البشارة وقوله يجىء بالخير جملة استئنافية وقيل الموصول مقدر أي وجهك الوجه الذي يجىء بالخير فيقول أي المصور بصورة الرجل أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة التكرار للإلحاح في الدعاء حتى أرجع إلى أهلي أي من الحور العين والخدم ومالي يحتمل أن تكون ما موصولة أي مالي من القصور والبساتين وغيرهما من حسن المآل ومما يطلق عليه اسم المال أو المراد بالأهل أقاربه من المؤمنين وبما لي ما يشمل الحور والقصور قال الفقيه أبو الليث يعني إلى الجنة وقال الطيبي لعله عبارة عن طلب إحيائه لكي


يرجع إلى الدنيا ويزيد في العمل الصالح والإنفاق في سبيل الله حتى يزيد ثوابا ويرفع في درجاته اه وتبعه ابن حجر وفيه أن حمل الساعة على غير القيامة في غاية من الغرابة وقال ميرك الأصوب أن يقال طلب إقامة القيامة لكي يصل إلى ما أعد له من الثواب والدرجات ويؤيده ما ذكر في الكافر حكاية عنه رب لا تقم الساعة لكي يهرب به عما يعد له من العقاب قال يعني النبي وهذا
موجود في النسخ كلها وفي الروايات جميعها لأنه أول القصة الثانية وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة أي من ملائكة العذاب سود الوجوه إظهارا للغضب بما يناسب عمله أو انعكاسا من قبله معهم المسوح جمع المسح بالكسر وهو اللباس الخشن فيجلسون منه مد البصر انتظار الخروج روحه ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة أي خبيثة الخصال غير مرضية الأعمال اخرجي إلى سخط من الله أي إلى آثار غضب الله من أنواع عقابه قال أي النبي فتفرق بحذف إحدى التاءين أي الروح في جسده قال الطيبي أي كراهة الخروج إلى ما يتسخن عينه من العذاب الأليم كما أن روح المؤمن تخرج وتسيل كما تسيل القطرة من السقاء فرحا إلى ما تقر به عينه من الكرامة اه وتسخين العين كناية عن الخوف كما أن قرة العين عبارة عن السرور ولذا قالوا دمع الحزن حار ودمع الفرح بارد فينتزعها أي ملك الموت يستخرج روحه بعنف وشدة ومعالجة كما ينزع بالبناء للمجهول في رواية كما ينتزع السفود كتنور أي الشوك أو الحديدة التي يشوى بها اللحم من الصوف المبلول قال الطيبي شبه نزع روح الكافر من أقصى عروقه بحيث يصحبه العروق كما قال في الرواية الأخرى وتنزع نفسه مع العروق بنزع السفود وهو الحديدة التي يشوى بها اللحم فيبقى معها بقية من المحروق فيستصحب عند الجذب شيئا من ذلك الصوف مع قوة وشدة وبعكسه شبه خروج روح المؤمن من جسده بترشح الماء وسيلانه من القربة المملوءة


ماء مع سهولة ولطف فيأخذها أي ملك الموت فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين أي مبادرة إلى الأمر حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج بالتذكير والتأنيث منها أي من روح الكافر عند خروجها من جسده كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها افتضاحا لها وإظهارا لرداءتها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه أي يذكرونه بأشنع أوصافه التي كان يسمى وفي نسخة كانوا أي أهل السماء يسمون أي يسمونه وفي نسخة السيد بفتح الميم فالضمير أن لي الكافر بها أي


بتلك الأسماء في الدنيا حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا أي القربى فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله أي استشهادا على ذلك قوله تعالى الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح بالتأنيث مع التشديد قراءة الجمهور ومع التخفيف قراءة البصري وبالتذكير والتخفيف قراءة حمزة والكسائي لهم أي للكفار أبواب السماء أي شيء منها ولا يدخلون الجنة حتى يلج أي يدخل الجمل في سم الخياط أي خرقه وثقبه قال الطيبي سم الأبرة مثل في ضيق المسلك والجمل مثل في عظم الجرم فهو تعليق بالمحال اه وذلك بأن دخول ذلك الجرم العظيم مع بقائه على عظمته في ذلك الخرق الضيق جدا مع بقائه على ضيقه محال عقلا قال ابن حجر فكذلك دخولهم الجنة محال لذلك اه وهو غير صحيح لأن دخولهم الجنة ليس محالا لذاته إنما هو محال لغيره وهو أن الله تعالى أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به ولا يدخل الكافر الجنة أبدا وأما العقل فيجوزه لولا النقل نعم العقل الكامل أيضا لا يجوز التسوية بين المؤمن والكافر ولذا ذم الله تعالى الكفار بقوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات الجاثية الآية وبقوله عز وجل أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ص فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين قيل هو موضع فيه كتاب الفجار من قعر النار في الأرض حال لازمة أو بدل بإعادة الجار بدل كل من بعض السفلى أي السابعة وفيه إشارة إلى محل جهنم وهو الأشهر من خلاف طويل فيه لكن قال بعض المحققين الجامعين بين المعقول والمنقول لم يصح في ذلك شيء فينبغي لنا الإمساك عنه فتطرح أي ترمى روحه طرحا أي رميا شديدا ثم قرأ رسول الله أي اعتضادا للمبالغة ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى أو للتنويع أو للتخيير في التمثيل أي ترمى به الريح في مكان سحيق أي بعيد أو عميق قال الطيبي أي عصفت به الريح أي هوت به في بعض


المطارح البعيدة وهذا استشهاد مجرد لقوله في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا لا أنه بيان لحال الكافر حينئذ لأنه شبه في الآية من يشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء التي توزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذي يغويه ويطرح به في وادي الضلالة بالريح الذي هو يهوى بما عصف به في بعض المهاوي لمتلفة فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك
فيقول هاه هاه بسكون الهاء الأخير فيهما وهو كلام المبهوت المتخير في الجواب ولذا صرح وقال لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان أي له كما في نسخة ما هذا الرجل الذي بعث فيكم أي أرسل إليكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب أي كذب في نفي الدراية عنه مطلقا بل عرف الله وأشرك به وتبين له الدين وما تدين به وظهرت رسالة النبي بالمعجزات عنده وما أطاعه أو الكذب باعتبار أن معنى لا أدري لم يكن لي قابلية دراية بالأمور المذكورة وهذا كذب محض منهم فإنهم تركوا هذا العلم باختيارهم والله أعلم فأفرشوه من النار وفي رواية السيوطي وألبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها أي يأتيه بعض حرها في قبره وأما تمامه ففي الآخرة قال تعالى ولعذاب الآخرة أشد وأبقى طه وقال عز وجل ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر وأما قول ابن حجر فيأتيه عذاب عظيم فتقدير من غير تحرير وتقرير وسمومها أي شدة حرارتها وظاهر المقابلة أن سمومها ممزوج بالنتن والعفونة ويضيق بالتشديد عليه قبره حتى تختلف فيه أي في قبره أو في بدنه أضلاعه أي عظام جنبيه وأما ضغطة القبر لبعض المؤمنين بل الأكابر الموحدين كسعد بن معاذ سيد الأنصار الذي حمل جنازته سبعون ألف ملك واهتز لموته عرش الرحمن فإنما هو ضمة للأرض كمعانقة الأم المشتاقة لولدها وأما قول ابن حجر أي دائما أو غالبا وأن الجمع بين الضيق والضم من خصائص الكفار فعن التحقيق بعيد


وبالنسبة إلى الأكابر غير سديد والله الموفق ويأتيه رجل أي له قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسؤوك هذا يومك أي اليوم الذي كنت توعد أي في الدنيا كما مر فيقول من أنت فوجهك الوجه أي الكامل في القبح يجىء بالشر وفي رواية الذي يجىء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث أي المركب من خبث عقائدك وأعمالك وأخلاقك فالمعاني تتجسد وتتصور في قوالب المباني فيقول رب لا تقم الساعة وفي رواية نحوه أي معنى هذا اللفظ وزاد أي الراوي فيه أي في نحوه إذا خرج روحه أي روح المؤمن


صلى عليه أي دعا له كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء أريد بها الجنس وفتحت بالتخفيف ويشدد أي له كما في نسخة أبواب السماء ليس من أهل باب أي من أبواب كل سماء ألا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه بالبناء للمفعول أي يعرج الملائكة به ويصح كونه بناء للفاعل أي يعرج الله أي يأمر بعروجه من قبلهم بكسر القاف وفتح الباء أي من جهتهم أي ليتبركوا به ويتشرفوا بمشايعته وناهيك بهذا تشريفا وتعظيما وجزاء وتكريما وتنزع بصيغة المجهول نفسه أي روحه يعني الكافر مع العروق إشارة إلى كراهة خروجه وشدة الجذب في نزع روحه وكمال تعلقه بجيفة بدنه فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء أي سماء الدنيا وتغلق أي دونه أبواب السماء أي جميعها ليس من أهل باب أي من أبواب سماء الدنيا وأما ما وقع في أصل ابن حجر من أهل سماء فسهو قلم ألا وهم يدعون الله أن لا يعرج روحه بصيغة المجهول ويصح أن يكون للفاعل أي أن لا يصعد روحه من قبلهم كراهة لظاهره وباطنه وأما قول ابن حجر ومر في المؤمن بروحه والفرق واضح فليس بظاهر إلا من جهة المعنى دون طريقة المبنى إلا إذا صحت الرواية بالبناء للفاعل فيكون إشارة إلى وحدته وفي المؤمن إيماء إلى جمع من الملائكة في صحبته رواه أحمد قال ميرك وهو حديث حسن وقال السيوطي ورواه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في كتاب عذاب القبر والطيالسي وعبد في مسنديهما وهناد بن السري في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم وغيره من طرق صحيحة اه وأراد بقوله عبد عبد بن حميد أول من كتب في التفسير وعن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه قال الطيبي هو كعب بن عمرو بن عوف المازني الأنصاري شهد بدرا قال أي عبد الرحمن لما حضرت كعبا الوفاة أتته أي كعبا أم بشر بنت البراء بن معرور أنصاري خزرجي أول من بايع ليلة العقبة الثانية قبل قدوم النبي المدينة بشهر ومعرور بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم


الراء الأولى فقالت يا أبا
عبد الرحمن كنية كعب إن لقيت أي بعد موتك فلانا أي روحه الظاهر أنها تعني أباها البراء ثم رأيت ما يدل على أن المراد به ولدها بشر وهو ما أخرج ابن أبي الدنيا عن أبي لبيبة قال لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت أمه وجدا شديدا فقالت يا رسول الله لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة فهل تتعارف الموتى فأرسل إلى بشر بالسلام قال نعم والذي نفسي بيده إنهم يتعارفون كما يتعارف الطير في رؤوس الأشجار وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر فقالت يا فلان عليك السلام فيقول وعليك فتقول اقرأ على بشر مني السلام فأقرأ عليه السلام وفي رواية فاقرئه مني السلام فقال أي لها كما في رواية غفر الله لك يا أم بشر نحن أشغل من ذلك فقالت يا أبا عبد الرحمن أما سمعت رسول الله يقول أن أرواح المؤمنين في طير خضر قال الطيبي جواب عن اعتذاره بقوله نحن أشغل أي لست ممن يشتغل عما كلفتك بل أنت ممن قال فيه رسول الله كيت وكيت تعلق بضم اللام بشجر الجنة أي تتعلق بأشجارها وتمتع بأثمارها وفي حديث أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر ترعى في الجنة وتأكل من ثمارها وتشرب من مياهها وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش قال القرطبي وذهب بعض العلماء إلى أن أرواح المؤمنين كلهم في الجنة يعني أنه غير مختص بالشهداء ولذلك سميت جنة المأوى لأنها تأوى إليها الأرواح وهي تحت العرش فيتنعمون بنعيمها ويشمون بطيب ريحها قال الطيبي الجوهري علقت الإبل العضاة تعلق بالضم إذا تشبثتها وتناولتها بأفواهها ومنه الحديث أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ورق الجنة اه كلامه ولعل الظاهر أن يقال تعلق من شجر الجنة وتعديته بالباء تفيد الاتصال لعله كنى به عن الأكل لأنها إذا اتصلت بشجر الجنة وتشبثت بها أكلت من ثمرها قال النووي وفيه أن الجنة مخلوقة موجودة وهو مذهب أهل السنة وقال القاضي عياض وفيه أن الأرواح باقية لا تفني فينعم المحسن ويعذب


المسيء وقد جاء به القرآن والآثار اه وفي رواية فقالت أما سمعت رسول الله يقول أن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت ونسمة الكافر في سجين قال بلى قالت فهو ذاك وفي نسخة فهو ذلك رواه ابن ماجه والبيهقي في كتاب البعث والنشور قال السيوطي والطبراني بسند حسن
وعنه أي عن عبد الرحمن عن أبيه أي كعب أنه كان يحدث أن رسول الله قال إنما نسمة المؤمن قال النووي النسمة تطلق على ذات الإنسان جسما وروحا على الروح مفردة وهو المراد هنا لقوله حتى يرجعه الله في جسده طير وفي رواية طائر قال الطيبي وفي رواية في جوف طير خضر وفي أخرى كطير خضر وفي أخرى بحواصل طير وفي أخرى في صورة طير بيض قال القاضي عياض والأشبه أو الأصح قول من قال طيرا أو صورة طير وهو الأكثر لا سيما مع قوله في حديث ابن مسعود وتأوى إلى قناديل تحت العرش وليس هذا بمستبعد إذ ليس للأقيسة والعقول فيه حكم ومجال فإذا أراد الله أن يجعل من ذلك شيئا قال له كن فيكون وقيل إن المنعم والمعذب جزء من البدن يبقي فيه الروح فهو الذي يؤلم ويعذب ويتلذذ وينعم ويقول رب ارجعون ويسرح من شجر الجنة في جوف طير أو في صورته وفي قناديل تحت العرش كل ذلك غير مستحيل في قدرة الله تعالى وقيل المراد من نسمة المؤمن أرواح الشهداء لأن هذا صفتهم لقوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون آل عمران أما غيرهم فإنما يعرض عليه مقعده بالغدوة والعشي وقيل بل المراد جميع المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب لعموم الحديث تعلق بالتأنيث والتذكير قال السيوطي تعلق بضم اللام أي تأكل العلقة بضم المهملة وهي ما يتبلغ به من العيش أي تسرح في شجر الجنة حتى يرجعه الله في جسده أي يرده إليه ردا كاملا في بدنه يوم يبعثه رواه مالك والنسائي والبيهقي في كتاب البعث والنشور قال السيوطي والنسائي بسند صحيح ورواه الترمذي بلفظ أن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر


الجنة وقال القرطبي في حديث كعب نسمة المؤمن طائر يدل على أن نفسها يكون طائرا أي على صورته لا أنها تكون فيه ويكون الطائر ظرفا لها وكذا في رواية عن ابن مسعود عند ابن ماجه أرواح الشهداء عند الله كطير خضر وفي لفظ عن ابن عباس تحول في طير خضر ولفظ ابن عمرو في صور طير بيض وفي لفظ عن كعب أرواح الشهداء طير خضر قال القرطبي وهذا كله أصح من رواية جوف طير وقال القابسي أنكر العلماء رواية في حواصل طير خضر لأنها حينئذ تكون


محصورة مضيقا عليها ورد بأن الرواية ثابتة والتأويل محتمل لأنه لا مانع من أن تكون في الأجواف حقيقة ويوسعها الله لها حتى تكون أوسع من الفضاء كذا نقله السيوطي في شرح الصدور وعندي أن هذا الإيراد من أصله ساقط لأن التضييق والانحصار لا يتصور في الروح وإنما يكون في الجسد والروح إذا كانت لطيفة يتبعها الجسد في اللطافة فتسير بجسدها حيث شاءت وتتمتع بما شاءت وتأوي إلى ما شاء الله لها كما وقع لنبينا في المعراج ولا تباعد من الأولياء حيث طويت لهم الأرض وحصل لهم أبدان مكتسبة متعددة وجدوها في أماكن مختلفة في آن واحد والله على كل شيء قدير وهذا في هذا العالم المبنى على الأمر العادي غالبا فكيف وأمر الروح وأحوال الآخرة كلها مبنية على خوارق العادات وإنما ركب للأرواح أبدان لطيفة عارية بدلا عن أجسادهم الكثيفة مدة البرزخ وسيلة لتمتع الأرواح باللذات الحسية من الأكل والشرب وغيرهما ليقع النعيم على الوجه الأكمل وعلى طبق الحال الأول وليس المراد أن أرواح المؤمنين في أجواف طير أحياء بأرواح أخرجني يلزم منه محذور عقلي وهو كون الروحين في جسد واحد وقال ابن دحية في التنوير قال قوم من المتكلمين هذه رواية منكرة وقالوا لا يكون روحان في جسد واحد وإن ذلك محال وقولهم جهل بالحقائق واعتراض على السنة الثابتة فإن معنى الكلام بين فإن روح الشهيد الذي كان في جوف جسده في الدنيا يجعل في جوف جسد آخر كأنه صورة طائر فيكون في هذا الجسد الآخر كان في الأول وذلك مدة البرزخ إلى أن يبعثه الله يوم القيامة كما خلقه وإنما الذي يستحيل في العقل قيام حياتين بجوهر واحد فيحيا الجوهر بهما جميعا وأما روحان في جسد فليس بمحال إذ لم تتداخل الأجسام فهذا الجنين في بطن أمه وروحه غير روحها وقد اشتمل عليهما جسد واحد وهذا أن لو قيل لهم إن الطائر له روح غير روح الشهيد وهما في جسد واحد فكيف وإنما قيل في أجواف طير خضر أي في صورة طير كما تقول رأيت ملكا في


صورة إنسان وهذا في غاية البيان والله المستعان وعن محمد بن المنكدر قال المؤلف تابعي كبير من مشاهير التابعين جمع بين العلم والزهد والعبادة قال دخلت على جابر بن عبد الله هو وأبوه من أكابر الصحابة وهو يموت أي في سياق الموت ونزعه فقلت اقرأ على رسول الله رواه ابن ماجه قال السيوطي وأخرج البخاري عن خالدة بنت عبد الله بن أنيس قالت جاءت أم أنيس بنت أبي قتادة بعد موت أبيها بنصف شهر إلى عبد الله بن أنيس وهو مريض فقالت يا عم اقرأ أبي السلام كذا في شرح الصدور


باب غسل الميت وتكفينه أي آدابهما

الفصل الأول
عن أم عطية اسمها نسيبة بضم النون وفتح السين المهملة وسكون الياء وفتح الباء الموحدة بنت كعب وقيل بنت الحارث الأنصارية بايعت النبي فتمرض المرضى وتداوي الجرحى ذكره المؤلف قالت دخل علينا أي معشر النساء رسول الله ونحن نغسل بنته قيل هي زوجة أبي العاص بن الربيع أكبر أولاده توفيت سنة ثمان من الهجرة وقيل أم كلثوم زوجة عثمان توفيت سنة تسع من الهجرة وسيأتي تحقيق ذلك في آخر هذا الفصل فقال أغسلنها ثلاثا أو خمسا وفي رواية كما سيأتي أو سبعا أو فيه للترتيب دون التخيير إذ لو حصل النقاء بالأول استحب التثليث وكره التجاوز عنه وإن حصل بالثانية أو بالثالثة استحب التخميس وإلا فالتسبيع كذا ذكره القاضي وابن الملك وغيرهما قال زين العرب أقول فيه نظر لأن أو هنا تدل على التخيير بين أحد الأمور المذكورة وما ذكره الشارح مستفاد من خارج عن الأمر بأحد الأمور وذلك لا ينفي التخيير أو أكثر من ذلك بكسر الكاف خطاب من يتلقى الكلام عنه وفي نسخة بفتح الكاف على أن المراد خطاب العام أو نزلت أم عطية منزلة لرجل في قيامها بهذا الأمر إن رأيتن ذلك أي الأكثر قال الطيبي خطاب لأم عطية ورأيت من الرأي أي أن احتجتن إلى أكثر من ثلاث أو خمس للانقاء لا للتشهي فافعلنه اه وقوله خطاب لام عطية الظاهر أنه أراد الخطاب في ذلك لأن رأيتن


خطاب للنساء فيكون من قبيل قوله ذلك يوعظ به من كان منكم فإنها كانت رئيستهم فخصت بالخطاب أولا ثم عممن ويمكن أن يكون الخطاب في رأيتن أيضا لها إما على التعظيم أو تنزيلا منزلة الجماعة حيث مدار رأيهن على رأيها والله أعلم بماء وسدر متعلق بأغسلنها قال القاضي هذا لا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلان والمستحب استعماله في الكرة الأولى ليزيل الأقذار ويمنع عنه تسارع الفساد ويدفع الهوام قال ابن الهمام الحديث يفيد أن المطلوب المبالغة في التنظيف لا أصل التطهير وإلا فالماء كاف فيه ولا شك أن تسخين الماء كذلك مما يريد في تحقيق المطلوب فكان مطلوبا شرعيا وعند الشافعي لا يغلى قيل يبدأ بالقراح أولا ليبتل ما عليه من الدرن بالماء أولا فيتم قلعه بالماء والسدر ثم يحصل تطييب البدن بعد النظافة بماء الكافور والأولى أن يغسل الأوليان بالسدر كما هو ظاهر كتاب الهداية وأخرج أبو داود عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية يغسل بالسدر مرتين والثالث بالماء والكافور وسنده صحيح واجعلن في الآخرة أي المرة الآخرة كافورا أو شيئا شك من الراوي من كافور وهو لدفع الهوام فإذا فرغتن أي من غسلها فآذنني بالمد وكسر الذال وتشديد النون الأولى أمر لجماعة النساء من الإيذان وهو الاعلام والنون الأولى أصلية ساكنة والثانية ضمير فاعل وهي مفتوحة والثالثة للوقاية نقله ميرك عن الأزهار ويجوز فيه إسكان الهمز وفتح الذال لكن لم نجده في نسخة فلما فرغنا آذناه بالمد أي أعلمناه بالفراغ فألقى إلينا حقوه في النهاية أي إزاره المشدود به خصره والحقو في الأصل معقد الإزار ثم سمي به الإزار لمجاورته فقال أشعرنها أي الميتة إياه أي الحقو والخطاب للغاسلات في النهاية أي اجعلنه شعارها والشعار الثوب الذي يلي الجسد لأنه يلي شعره قال الطيبي أي اجعلن هذا الحقو تحت الأكفان بحيث يلاصق بشرتها والمراد إيصال البركة إليها وفي رواية أغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو


سبعا وظاهر الحديث أنه لا يزاد على السبع لأنه نهاية ما ورد في عدد التطهير وأما قول ابن حجر أو تسعا وهكذا واقتصر على السبع لأن الغالب النقاء بها بل بدونها فمحل بحث وابدأن بميامنها أي من اليد والجنب والرجل ومواضع الوضوء منها والواو لمطلق الجمع فيقدم مواضع الوضوء المفروضة فلا مضمضة ولا استنشاق عندنا قال ابن الهمام واستحب بعض العلماء أن يلف الغاسل على أصبعه خرقة يمسح بها أسنانه ولهاته وشفتيه ومنخريه وعليه عمل الناس اليوم والمختار أن يمسح رأسه ولا يؤخر غسل رجليه من الغسل ولا يقدم غسل يديه بل يبدأ بوجهه بخلاف الجنب لأنه يتطهر بهما والميت يغسل بيد غيره وقالت أم عطية في جملة حديثها فضفرنا بالتخفيف شعرها بفتح العين وتسكن


والضفر فتل الشعر قال الطيبي ممن الضفيرة وهي النسج ومنه مضفر الشعر وإدخال بعضه في بعض ثلاثة قرون قال ابن الملك أي أقسام قال الطيبي لعل المراد بفتل شعرها ثلاثة قرون مراعاة عادة النساء في ذلك الوقت أو مراعاة سنة عدد الوتر كسائر الأفعال فألقيناها أي الضفائر خلفها أي وراء ظهرها اه وفي رواية فضفرنا ناصيتها وقرنها ثلاثة قرون وفي أخرى فمشطناها ثلاثة قرون وهو بالتخفيف أيضا ذكر في اختلاف الأئمة أن أبا حنيفة قال تترك على حالها من غير تضفير متفق عليه إلا قولها فألقيناها خلفها فإنه للبخاري فقط والحديث رواه الأربعة أيضا قاله ميرك وعن عائشة قالت إن رسول الله كفن في ثلاثة أثواب يمانية بتخفيف الياء بيض سحولية بفتح السين وبضم قال ابن الهمام فتح السين هو المشهور وعن الأزهري الضم قرية باليمين وقال النووي الفتح أشهر وهو رواية الأكثر في الفائق يروى بفتح السين وضمها فالفتح منسوب إلى سحول وهو القصار لأنه يسحلها أي يقصرها أو إلى سحول وهي قرية باليمن وأما الضم وهو جمع سحل فهو الثوب الأبيض النقي ولا يكون إلا من قطن وفيه شذوذ لأنه نسب إلى الجمع وقيل اسم قرية بالضم أيضا من كرسف بضم الكاف والسين أي من قطن ليس فيها قميص ولا عمامة قال في المواهب الصحيح أن معناه ليس في الكفن قميص أصلا وقيل أنه كفن في ثلاثة أثواب خارج عن القميص والعمامة وترتب على هذا اختلافهم في أنه هل يستحب أن يكون في الكفن قميص وعمامة أم لا فقال مالك والشافعي وأحمد يستحب أن تكون الثلاثة لفائف ليس فيها قميص ولا عمامة وقال الحنفية الأثواب الثلاثة إزار وقميص ولفافة اه واستحب بعضهم العمامة وقال النووي قال أبو حنيفة ومالك يستحب قميص وعمامة والمعنى ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة وإنهما زائدان فليس بمعنى سوى وهو ضعيف إذ لم يثبت أنه كفن في قميص وعمامة قلت ولم يثبت أنه ما كفن فيهما أيضا فالمسألة متنازع فيها وهذا الحديث محتمل مع أن نسبة هذا


القول إلى أبي حنيفة غير صحيح على إطلاقه فإنما استحسن العمامة بعض مشايخنا قال أي النووي وفي الحديث دليل على أن القميص الذي غسل فيه النبي نزع عنه عند تكفينه لأنه لو لم ينزع لأفسد الأكفان لرطوبته أقول ليس في الحديث دليل بل الدليل أمر عقلي خارج
عن الحديث قال ابن الهمام فإن حمل على أن المراد أن ليس القميص من هذه الثلاثة بل خارج عنها كما قال مالك لزم كون السنة أربعة أثواب وهو مردود بما في البخاري عن أبي بكر قال لعائشة في كم ثوب كفن رسول الله فقالت في ثلاثة أثواب وإن عورض بما رواه ابن عدي في الكامل عن جابر بن سمرة قال كفن النبي في ثلاثة أثواب قميص وإزار ولفافة فهو ضعيف وما رواه محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي إن النبي كفن في حلة يمانية وقميص مرسل والمرسل وإن كان حجة عندنا لكن ما وجه تقديمه على حديث عائشة فإن أمكن أن يعادل حديث عائشة بحديث القميص بسبب تعدد طرقه منها الطريقان اللذان ذكرنا وما أخرج عبد الرزاق عن الحسن البصري نحوه مرسلا وما روى أبو داود عن ابن عباس قال كفن رسول الله في ثلاثة أثواب قميصه الذي مات فيه وحلة نجرانية وهو مضعف بيزيد بن زياد ثم يرجح بعد المعادلة بأن الحال في تكفينه أكشف للرجال ثم البحث وإلا ففيه تأمل وقد ذكروا أنه عليه الصلاة والسلام غسل في قميصه الذي توفي فيه فكيف يلبسونه الأكفان فوقه وفيه بللها والله سبحانه أعلم أقول يمكن أن يقال بتعدد قميصه ففسخ أحدهما عند الغسل وغسل بالآخرة ثم كفن في اليابس ويؤيده ما سيأتي أنه جعل قميصه كفنا لعبد الله بن أبي قال والحلة في عرفهم مجموع ثوبين إزار ورداء وليس في الكفن عمامة عندنا واستحسنها بعضهم لما روى عن ابن عمر أنه كان يعممه ويجعل العذبة على وجهه متفق عليه قال ابن الهمام رواه أصحاب الكتب الستة وعن جابر قال قال رسول الله إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن بالتشديد ويخفف كفنه في شرح السنة أي


فليختر من الثياب أنظفها وأتمها وأبيضها على ما روته الستة ولم يرد به ما يفعله المبذرون أشرا ورياء وسمعة لما سيأتي عن علي رضي الله عنه قال التوربشتي وما يؤثره المبذرون من الثياب الرفيعة منهي عنه بأصل الشرع لإضاعة المال رواه مسلم وروى ابن عدي أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتزاورون في قبورهم
وعن عبد الله بن عباس قال إن رجلا كان مع النبي فوقصته ناقته الوقص كسر العنق أي أسقطته فاندق عنقه وهو محرم فمات قال الحافظ ابن حجر يعني العسقلاني وكان وقوع المجرم المذكور عند الصخرات من عرفة ذكره في المواهب فقال رسول الله أغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه وفي لفظ في ثوبين وكذا في نسخة أي إزاره وردائه اللذين لبسهما في الإحرام استدل به على أن كفن الكفاية ثوبان قال ابن الهمام كفن الكفاية أقل ما يجوز عند الاختيار وفي حال الضرورة بحسب ما يوجد اه وحمل الحديث على حال الضرورة خلاف الظاهر قال صاحب الهداية وإن اقتصر على ثوبين جاز قال ابن الهمام لما روى عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال أبو بكر لثوبيه اللذين كان يمرض فيهما اغسلوهما وكفنوني فيهما فقالت عائشة ألا نشتري لك جديدا قال لا الحي أحوج إلى الجديد من الميت وزاد في رواية إنما هو لمهلة وهي بتثليث الميم صديد الميت وفي الفروع الغسيل والجديد سواء في الكفن ذكره في التحفة ثم قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية والإزار من القرن إلى القدم واللفافة كذلك لا إشكال إن اللفافة من القرن إلى القدم وأما كون الإزار كذلك فلا أعلم وجه مخالفة إزار الميت إزار الحي من السنة وقد قال عليه الصلاة والسلام في ذلك المحرم كفنوه في ثوبيه وهما ثوبا إحرامه إزاره ورداؤه ومعلوم أن إزاره من الحقو وكذا حديث أم عطية وقيل الصواب ليلى بنت قائف قالت كنت فيمن يغسل أم كلثوم بنت رسول الله فكان أول ما أعطانا الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد في الثوب


الآخر رواه أبو داود وروى حقوه في حديث غسل زينب وهذا ظاهر في أن إزار الميت كإزار الحي من الحقو فيجب كونه في المذكر كذلك لعدم الفرق في هذا وقد حسنه النووي وإن أعله ابن القطان لجهالة بعض الرواة وفيه نظر إذ لا مانع من حضور أم عطية غسل أم كلثوم بعد زينب وقول المنذري أم كلثوم توفيت وهو عليه الصلاة والسلام غائب معارض بقول ابن الأثير في كتاب الصحابة إنها ماتت سنة تسع بعد زينب بسنة وصلى عليها عليه الصلاة والسلام ويشده ما روى ابن ماجه عن أم عطية قالت دخل علينا رسول الله ونحن نغسل ابنته أم كلثوم فقال اغسلنها الحديث كما ذكر في أول الباب وهذا سند صحيح وما في مسلم من قوله مثل ذلك في زينب لا ينافيه لما قلنا آنفا ولا تمسوه من


المس وروى من الإمساس بطيب قال ميرك كذا في جميع النسخ الحاضرة وفي أصل سماعنا بفتح المثناة الفوقانية وبفتح الميم من الثلاثي المجرد لكن قال الشيخ ابن حجر في شرح صحيح البخاري بضم أوله وكسر الميم من أمس اه وفي القاموس بالكسر أمسه ومسسته كنصرته ولا تخمروا بالتشديد أي لا تغطوا ولا تستروا رأسه قال المظهر ذهب الشافعي وأحمد إن المحرم يكفن بلباس إحرامه ولا يستر رأسه ولا يمس طيبا فإنه يبعث أي يحشر يوم القيامة ملبيا أي قائلا لبيك اللهم لبيك ليعلم الناس أنه مات محرما قال ومذهب أبي حنيفة ومالك إن حكمه حكم سائر الموتى متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة وسنذكر حديث خباب بتشديد الموحدة قتل قال الطيبي مجهول حكاية ما في الحديث بدل من قوله حديث خباب أي سنذكر اللفظ وهو قتل قال الطيبي مجهول حكاية ما في الحديث بدل من قوله حديث خباب أي سنذكر هذا اللفظ وهو قتل مصعب بن عمير أي إلى آخره في باب جامع المناقب إن شاء الله تعالى هذا اعتذار قولي واعتراض فعلى على صاحب المصابيح زعما من المؤلف إن حديث خباب أليق بذلك الباب مع أنه ليس كذلك ومن المقرر أن تغيير التصنيف خلاف الصواب وها أنا أذكر الحديث على ما في الكتاب قال خباب بن الأرت قتل مصعب بن عمير يوم أحد فلم نجد شيئا نكفنه فيه إلا نمرة وهي بفتح النون وكسر الميم شملة مخططة بخطوط بيض في سود كنا إذا غطينا أي سترنا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه فقال ضعوها مما يلي أي يقرب رأسه واجعلوا على رجليه الأدخر اه وهذا كحديثه عن حمزة فيما تقدم وهما دليلان على أن كفن الضرورة ثوب واحد وعلى أن ستر جميع الميت واجب
الفصل الثاني
عن ابن عباس قال قال رسول الله البسوا بفتح الباء أمر ندب من


ثيابكم من تبعيضية أو بيانية مقدمة البياض أي ذات البياض وفي رواية البيض فلا تجوز فإنها أي الثياب البيض من خير ثيابكم الظاهران من زائدة قال ابن حجر لأن اللون الأبيض أفضل الألوان وفيه أن الأبيض لا يسمى ملونا هذا وقد لبس غير الأبيض كثير البيان جوازه أو لعدم تيسره وكفنوا فيها موتاكم الأمر فيه للاستحباب قال ابن الهمام وأحبها البياض ولا بأس بالبرد والكتان للرجال ويجوز للنساء الحرير والمزعفر والمعصفر اعتبارا للكفن باللباس في الحياة ومن خير أكحالكم الإثمد بكسر الهمزة والميم حجر للكحل قاله في القاموس والمشهور أنه الأصفهاني فإنه ينبت بضم الياء وكسر الباء الشعر بفتح العين وسكونها أي شعر الهدب ويجلو البصر أي يزيد في نوره والأفضل عند النوم اتباعا له ولأنه أشد تأثيرا وأقوى سريانا حينئذ وقال الطيبي وإنما أبرز الأول في صورة الأمر اهتماما بشأنه وإنه من السنة المندوب إليها وأخبر عن الثاني للإيذان بأنه من خير دأب الناس وعادتهم وجمع بينهما المناسبة الزينة يتزين بهما المتميزون من الصلحاء اه وفيه إشعار منه أن الاكتحال ليس بمندوب وتبعه عصام الدين في شرح الشمائل وهو مردود لأنه واظب عليه فإنه كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة في كل عين ثلاثا وأمر في أحاديث كثيرة باكتحلوا وقد صرح أصحاب الشافعي وغيرهم بإنه يستحب فلا وجه جعله في المباح الذي لا يترتب عليه ثواب وأما قول ابن حجر عطف على جملة البسوا وغاير مع أن كلا مأمور به اهتماما بشأن الأول من حيث أنه لاحظ فيه للمأمور بخلاف الأخير فمحل نظر رواه أبو داود والترمذي قال ميرك وقال حديث حسن صحيح وروى وفي نسخة ورواه ابن ماجه إلى موتاكم وعن علي قال قال رسول الله لا تغالوا بحذف إحدى التاءين وفي نسخة صحيحة بضم التاء واللام أي لا تبالغوا ولا تتجاوزوا الحد في الكفن أي في كثرة ثمنه قال الطيبي وأصل الغلاء مجاوزة القدر في كل شيء يقال غاليت الشيء بالشيء وغلوت فيه أغلوا


إذا جاوزت فيه الحد اه وفيه أن الحد الوسط في الكفن وهو المستحب المستحسن فإنه يسلب أي يبلى سلبا سريعا قال الطيبي استعير السلب لبلى الثوب مبالغة في السرعة رواه أبو داود قال ميرك بإسناد فيه مقال وحسنه النووي والمنذري قاله ابن الملقن
وعن أبي سعيد الخدري إنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد بضمتين جمع جديد فلبسها ثم قال لسمعت رسول الله يقول الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها في النهاية قال الخطابي أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث في ظاهره وقد روى في حديث الكفن أحاديث قال وقد تأوله بعض العلماء على المعنى وأراد به الحالة التي يموت عليها من الخير والشر وعمله الذي يختم يقال فلان ظاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب وجاء في تفسير قوله تعالى وثيابك فطهر المدثر أي عملك فأصلح ويقال فلان دنس الثياب إذا كان خبيث النفس والمذهب وهو كالحديث الآخر يبعث العبد على ما مات عليه قال الهروي وليس قول من ذهب إلى الأكفان بشيء لأن الإنسان إنما يكفن بعد الموت قال التوربشتي وقد كان في الصحابة رضي الله عنهم من يقصر فهمه في بعض الأحيان عن المعنى المراد والناس متفاوتون في ذلك فلا يعد في أمثال ذلك عليهم وقد سمع عدي بن حاتم حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود فعمد إلى عقالين أسود وأبيض فوضعهما تحت وسادته قال الطيبي وقد رأى بعض أهل العلم الجمع بين الحديثين فقال البعث غير الحشر فإذا كان كذلك فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر على العرى والحفاء قال الشيخ ولم يصنع هذا القائل شيئا فإنه ظن أنه نصر السنة وقد ضيع أكثر مما حفظ فإنه سعى في تحريف سنن كثيرة ليسوي كلام أبي سعيد وقد روينا عن أفضل الصحابة إنه أوصى أن يكفن في ثوبيه وقال إنما هما للمهل والتراب ثم إنه قال في هذا الحديث الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها وليس لهم أن يحملوها على الأكفان لأنها بعد الموت اه وفيه أنه يمكن حمل كلام الصديق على


المهل ابتداء وكلام أبي سعيد على خلقه انتهاء فلا منافاة بينهما قال القاضي العقل لا يأبى حمله على ظاهره حسب ما فهم منه الراوي إذ لا يبعد إعادة ثيابه البالية كما لا يبعد إعادة عظامه الناخرة فإن الدليل الدال على جواز إعادة المعدوم لا تخصيص له بشيء دون شيء غير أن عموم قوله يحشر الناس عراة حمل جمهور أهل المعاني وبعثهم على أن أولوا الثياب بالأعمال التي يموت عليها من الصالحات والسيئات فإن الرجل يلابسها كما يلابس الملابس فاستعير لها الثياب قال زين العرب ويمكن الجمع بأن الحشر غير البعث فجاز كون هذا بالثياب وذاك بالعرى أو المراد اكتساؤه به حين فراغه من الحساب اه والأظهر أن يقال يحشرون عراة أولا ثم يلبسون كما ورد أنه أول من يكسى إبراهيم ثم يبعثون إلى موقف الحساب قال الطيبي وأما العذر من جهة الصحابي فإن يقال عرف مغزى الكلام لكنه سلك مسلك الإبهام وحمل الكلام على غير ما يترقب ونحوه فعل رسول الله في قوله


تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم التوبة حيث قال أزيد على السبعين إظهارا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليهم اه ويمكن أن الصحابي أيضا حمل المحل على المعنى وجعل تبديل ثيابه الوسخة والعتيقة بثيابه النظيفة أو الجديد من جملة أعماله الحسنة فإنه استقبال للملائكة المكرمة وتهيىء للقدوم على أرواح الحضرات المعظمة ولذا يستحب أن يكون على الطهارة فقد أخرج الطبراني عن أنس أن النبي قال من أتاه ملك الموت وهو على وضوء أعطى الشهادة فالنظافة الظاهرة لها تأثير بليغ في استجلاب الطهارة الباطنة مع أنه لا معنى لقولهم يبعث على عمله الذي يختم به إلا هذا بأن يكون على عمل الطاعة والرضا بالقضاء والتسليم بين يدي الرب الكريم وحسن الظن بفضله العظيم ومما يؤيده أنه ما وصى أن تجعل تلك الثياب أكفانا له مع أن كثيرا من العلماء قالوا أن الملبوس أولى قال ابن حجر وهو المعتمد من مذهبنا لأن مآله للبلى ويؤيده ما صح عن أبي بكر رضي الله عنه أنه اختار الخلق وقال الحي أولى بالجديد من الميت ثم علل ذلك بأن الكفن إنما هو لدم الميت وصديده والظاهر أن هذا تواضع منه وأنه أشار إلى جواز كفن الخلق أيضا والله تعالى أعلم رواه أبو داود قال ميرك ورواه البيهقي وروى المرفوع منه فقط ابن حبان في صحيحه وعن عبادة بن الصامت عن رسول الله قال خير الكفن الحلة أي الإزار والرداء فوق القميص وهو كفن السنة أو بدونه وهو كفن الكفاية وفي النهاية الحلة واحد الحلل وهي برود اليمن ولا يسمى حلة حتى يكون ثوبين من جنس واحد اه وهي نوع مخطط من ثياب القطن على ما قاله بعضهم قال المظهر اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن من برود اليمن بدليل هذا الحديث والأصح أن الأبيض أفضل لحديث عائشة رضي الله عنها كفن في السحولية وحديث ابن عباس كفنوا فيها موتاكم اه وفيه أن الحلة على ما في القاموس إزار ورداء أو غيره فمع هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال وقال ابن الملك


الأكثرون على اختيار البيض وإنما قال ذلك في الحلة لأنها كانت يومئذ أيسر عليهم وخير الأضحية الكبش الأقرن قال الطيبي ولعل فضيلة الكبش الأقرن على غيره لعظم جثته وسمنه في الغالب رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه هو والمنذري ورواه الترمذي قال وقال غريب وابن ماجه أي كلاهما عن أبي أمامة
رضي الله عنه وعن ابن عباس قال أمر رسول الله بقتلى أحد جمع قتيل والباء بمعنى في أي أمر في حقهم أن ينزع عنهم الحديد أي السلاح والدروع والجلود مثل الفرو والكساء غير الملطخ بالدم وأن يدفنوا بثيابهم ودمائهم أي المتلطخة بالدم ثم لا يغسل الشهيد ولا يصلى عليه لكرمه فإنه مغفور عند الشافعي وأما عند أبي حنيفة فلا يغسل ولكن يصلى عليه ذكره الطيبي ولا يخفى ضعف تعليله رواه أبو داود قال ميرك وفي سنده أبو عاصم الواسطي ضعفوه وعطاء بن السائب تغير بآخره وقال ابن الهمام وفي ترك غسل الشهيد أحاديث منها ما أخرج البخاري وأصحاب السنن عن الليث بن سعد عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله أنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ويقول أيهما أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة أمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلهم زاد البخاري ولم يصل عليهم قال النسائي لا أعلم أحدا تابع الليث من أصحاب الزهري على هذا الإسناد ولم يؤثر عند البخاري تفرد الليث بالإسناد المذكور ثم قال ابن الهمام وإنما معتمد الشافعي ما في البخاري عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام لم يصل على قتلى أحد وهذا معارض بحديث عطاء بن أبي رباح أن النبي صلى على قتلى أحد أخرجه أبو داود في المراسيل فيعارض حديث جابر عندنا ثم يترجح بأنه مثبت وحديث جابر ناف ونمنع أصل المخالف في تضعيف المرسل ولو سلم فعنده إذا اعتضد برفع معناه قبل وقد روى الحاكم عن جابر قال فقد رسول الله حمزة حين فاء الناس من القتال فقال


رجل رأيته عند تلك الشجرة فجاء رسول الله نحوه فلما رآه ورأى ما مثل به شهق أي تردد البكاء في صدره كمنع وضرب وسمع قاله في القاموس وبكى فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب ثم جيء بحمزة فصلى عليه ثم بالشهداء فيوضعون إلى جانب حمزة فصلى عليهم ثم يرفعون ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم وقال حمزة سيد الشهداء عند الله يوم القيامة مختصر وقال صحيح الإسناد وفي سنده من تكلم فيه فلا يقصر عن درجة الحسن وهو حجة استقلالا فلا أقل من صلاحيته عاضد الغيرة وأسند أحمد عن ابن مسعود قال كان النساء يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على
جرحى المشركين إلى أن قال فوضع النبي حمزة وجيء برجل من الأنصار فوضع في جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة ثم جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه ثم رفع فصلى عليه يومئذ سبعين صلاة وهذا لا ينزل عن درجة الحسن وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال انصرف المشركون عن قتلى أحد إلى أن قال ثم قدم رسول الله حمزة فكبر عليه عشرا ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة وكانت القتلى يومئذ سبعين وهذا أيضا لا ينزل عن الحسن ثم لو كان الكل ضعيفا ارتقى الحاصل إلى درجة الحسن
الفصل الثالث


عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أي إبراهيم كما في نسخة إن عبد الرحمن بن عوف أتى أي جيء بطعام أي للافطار وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير مني قاله تواضعا وهضما لنفسه أو من حيثية اختيار الفقر والصبر وإلا فقد صرح العلماء بأن العشرة المبشرة أفضل من بقية الصحابة كفن في بردة استئناف فيه معنى التعليل إن غطى رأسه أي ستر بها بدت أي ظهرت رجلاه وإن غطى رجلاه بدا رأسه وسيأتي في حديثه جامع المناقب أنه غطى بها رأسه وجعل على رجليه الأذخر وأراه أي أظنه قال أي عبد الرحمن وقتل حمزة وهو خير مني من جهة الشهادة في ركابه أو اختيار الله تعالى له الفقر ويؤيد الثاني منهما قوله ثم بسط أي وسع وكثر لنا أراد نفسه وبقية مياسير الصحابة الذين اتسعت لهم الدنيا بواسطة الغنائم أو التجارة من الدنيا ما بسط أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا وفي نسخة ما أعطيناه أي من المال الكثير ولقد خشينا أن تكون بالتأنيث والتذكير حسناتنا أي ثوابها عجلت أي أعطيت عاجلا لنا قال الطيبي أي خفنا أن ندخل في زمرة من قيل فيه


من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا الإسراء اه أو قوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها الأحقاف كما صدر عن سيدنا عمر وهذا لما كان الخوف غالبا عليهم وإلا فمعنى الآية الأولى من كانت همته العاجلة ولم يرد غيره تفضلنا عليه في الدنيا ما نشاء لا ما يشاء لمن نريد لا لكل من يريد ومعنى الثانية أذهبتم ما كتب لكم من الطيبات أي أذهبتموه في دنياكم فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها والمراد بالحظ الاستمتاع باللهو والتنعم الذي يشغل الرجل الإلتذاذ به عن الدين وتكاليفه حتى يعكف همته على استيفاء اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين ويقطع أوقاته باللهو والطرب ولا يعبأ بالعلم والعمل ولا يحمل على النفس مشاقهما وأما التمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده ويقوى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل وكان ناهضا بالشكر فهو عن ذلك بمعزل وقد روى أن النبي أكل هو وأصحابه أي تمرا وشربوا عليه ماء فقال الحمدلله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ثم جعل يبكى أي من أجل ذلك حتى ترك الطعام أي مع شدة احتياجه إليه لأن الخوف إذا غلب منع الميل إلى اللذة وذهبت عنه الشهوة بالمرة رواه البخاري وعن جابر قال أتى رسول الله أي جاء عبد الله بن أبي رئيس المنافقين باستدعاء ولده المؤمن أو بناء على وصية والده بعدما أدخل حفرته أي قبره فأمر به فاخرج أي من قبره فوضعه على ركبتيه فنفث فيه أي في وجهه أو في فيه من ريقه وألبسه قميصه وكل هذا مداراة وملاطفة وحسن معاشرة ومؤالفة وإشارة خفية إلى أن هذه الأمور الحسية لا تنفع منفعة كلية مع العقائد الدنية والأخلاق الردية ولهذا لما طلب أحد المريدين من تاج العارفين أبي يزيد البسطامي قدس الله سره السامي أن يعطيه فروته ليجعلها للكفن كسوته فقال له أبو يزيد لو دخلت في جلدي وأحاط بك جسدي ما نفعك وعذبك الله إن


شاء من حيث لا أدري ولو دريت لا أملك نفسي فضلا عن غيري وإنما ينفع الاعتقاد والاجتهاد والله رؤوف
بالعباد قال أي جابر وكان أي عبد الله بن أبي كسا عباسا أي حين أسر ببدر قميصا لأنه كان عريانا وفي معالم التنزيل للبغوي قال سفيان قال أبو هارون وكان على رسول الله قميصان فقال له ابن عبد الله ألبس قميصك الذي يلي جلدك وروى عن جابر رضي الله عنه قال لما كان يوم بدر وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي إياه فلذلك نزع النبي قميصه الذي ألبسه قال ابن عيينة كانت له عند النبي يد فأحب أن يكافئه وروى أن النبي كلم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال رسول الله وما يغنى عنه قميصي وصلاتي من الله والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه روى أنه أسلم ألف من قومه لما رأوه يتبرك بقميص النبي اه قال الخطابي هو منافق ظاهر النفاق وأنزل في كفره ونفاقه آيات من القرآن تتلى فاحتمل أنه فعل ذلك قبل نزول قوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره التوبة وأن يكون تأليفا لابنه وإكراما له وكان مسلما بريئا من النفاق وأن يكون مجازاة له لأنه كان كسا العباس عم النبي قميصا فأراد أن يكافئه لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها وفي الحديث دليل على جواز التكفين بالقميص وإخراج الميت من القبر بعد الدفن لعلة أو سبب كذا ذكره الطيبي ولعله أراد بالعلة السبب المتقدم وبالسبب الحادث قال البغوي في تفسيره قال أهل التفسير بعث عبد الله بن أبي ابن سلول إلى رسول الله وهو مريض فلما دخل عليه رسول الله قال له أهلكك حب اليهود أي حب الجاه عندهم فقال يا رسول الله إني لم أبعث إليك لتؤنبني أي توجعني وتعيرني ولكن بعثت إليك تستغفر لي وسأله أن يكفنه في قميصه وأن يصلي عليه أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل يعني البخاري


حدثنا يحيى بن بكير حدثني الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب إنه قال لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دعى رسول الله فلما قام رسول الله وثبت عليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا أعدد عليه قوله فتبسم رسول الله وقال أخر عني يا عمر فلما أكثرت عليه قال إني خيرت فاخترت لو أعلم إني أن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليه قال فصلى رسول الله ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة ولا تصل على أحد منهم مات أبدا التوبة إلى قوله وهم فاسقون التوبة قال أي عمر فعجبت من جرأتي على رسول الله يومئذ والله ورسوله أعلم متفق عليه وقد ثبت أن عبد الله بن أبي لما قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وقف له ولده على باب المدينة مسلا سيفه وقال لئن لم تقل إنك الأذل ورسول الله الأعز ضربت عنقك بهذا فقال ذلك فمكنه من دخولها فسبحان من يخرج الحي من الميت والعزيز من الذليل وفيه دليل أي دليل على كمال قدرة الجليل


باب المشي بالجنازة
المشي أي آدابه بالجنازة أي بالسرير أو بالميت في المغرب الجنازة بالكسر السرير وبالفتح الميت وقيل هما لغتان وقيل بالكسر الميت والسرير الذي يحمل عليه الميت وبالفتح هو السرير لا غير والصلاة عطف على المشي عليها أي على الجنازة أي الميت
الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله أسرعوا بالجنازة وضابط الإسراع أخذا من خبر ضعيف أنه نهى عن شدة السير بها فقال ما دون الخبب بأن يكون مشيه بها فوق المشي المعتاد ودون الخبب وهو شدة المشي مع تقارب الخطأ قال الشافعي في الأم ويمشي بها على أسرع سجية مشي لا الإسراع الذي يشق على من يشيعها إلا أن يخاف تغيرها أو انفجارها فيعجلوا بها ما قدروا فإن تك صالحة أي فإن تكن الجنازة صالحة أو مؤمنة قال المظهر الجنازة بالكسر الميت وبالفتح السرير فعلى هذا أسند الفعل إلى الجنازة وأريد بها الميت فخير أي فحالها خير أو فلها خير تقدمونها بالتشديد إليه أي فإن كان حال ذلك الميت حسنا طيبا فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيبة عن قريب وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم وقال الطيبي جعلت الجنازة عن الميت ووضعت بأعماله الصالحة ثم عبر عن الأعمال الصالحة بالخير وجعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدمة


على ذلك الخير فكنى بالجنازة عن العمل الصالح مبالغة في كمال هذا المعنى ولما لاحظ في جانب العمل الصالح هذا قابل قرينته بوضع الشر عن رقابهم وكان أثر عمل الرجل الصالح راحة له فأمر بإسراعه إلى ما يستريح إليه وأثر عمل الرجل الغير الصالح مشقة عليهم فأمر بوضع جيفته عن رقابهم فالضمير في إليه راجع إلى الخير باعتبار الثواب والإكرام فمعناه قريب مما مر من قوله مستريح أو مستراح منه وقال المالكي في التوضيح إليها بالتأنيث وقال أنث الضمير العائد إلى الخير وهو مذكر فكان ينبغي أن يقول فخير قدمتموها إليه لكن المذكر يجوز تأنيثه إذا أول بمؤنث كتأويل الخير الذي يقدم النفس الصالحة بالرحمة أو بالحسنى أو باليسرى وقال الكرماني فخير تقدمونها إليه خير لمبتدأ محذوف أي فهي خير تقدمونها إليه أو هو مبتدأ أي فثمة خير تقدمون الجنازة إليه يعني حاله في القبر حسن طيب فأسرعوا بها حتى يصل إلى تلك الحالة قريبا وقوله فشر تضعونه أي أنها بعيدة عن الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها ويؤخذ منه ترك مصاحبة أهل البطالة وغير الصالحين متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة وعن أبي سعيد قال قال رسول الله إذا وضعت الجنازة أي بين يدي الرجال وهيئت ليحملوها فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت أي بلسان الحال أو بلسان المقال قدموني أي أسرعوا بي إلى منزلي لما يرى في الجنة العالية من المراتب الغالية في الأزهار والمراد من كلام الميت على السرير أما الحقيقة فإنه تعالى قادر وهو كإحيائه في القبر ليسئل بل قد أثبت السمع للميت قبل إتيان الملكين حيث قال أنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان أو المجاز باعتبار ما يؤول إليه بعد الإدخال والسؤال في القبر اه والثاني لا يظهر وجهه فالمعول هو الأول وقد أخرج أحمد والطبراني وابن أبي الدنيا والمروزي وابن منده عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال إن الميت يعرف من يغسله ومن يحمله ومن يكفنه ومن يدليه في حفرته اه


وتجويزنا أن يكون هذا المقال بلسان الحال لا ينافي معرفته وقدرته على لسان المقال والله أعلم بالحال وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها أي لأقاربها أو لمن يحملها يا ويلها أي ويل الجنازة قال الطيبي أي يا ويلي وهلاكي احضر فهذا أوانك فعدل عن حكاية قول الجنازة إلى ضمير الغائب حملا على المعنى كراهية إضافة الويل إلى نفسه أين تذهبون بها يسمع صوتها ووقع في أصل ابن حجر يستمع
من باب الافتعال وهو مخالف للرواية والدراية فقال الظاهر أنه بمعنى يسمع كل شيء أي حتى الجماد وهو صريح في أن القول حقيقي إلا أن يحمل السماع على الفهم فيكون كقوله تعالى ولكن لا تفقهون تسبيحهم الإسراء إلا الإنسان بالنصب على الإستثناء ولو سمع الإنسان أي حقيقة السماع لصعق أي لمات أو غشى عليه ففيه بيان حكمة عدم سماع الإنسان من أنه يختل نظام العالم ويكون الإيمان شهوديا لا غيبيا ولذا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا وقيل الغفلة مانعة من الرحلة رواه البخاري وعنه أي عن أبي سعيد قال قال رسول الله إذا رأيتم الجنازة فقوموا قال القاضي الأمر بالقيام إما لترحيب الميت وتعظيمه وإما لتهويل الموت وتفظيعه والتنبيه على أنه حال ينبغي أن يضطرب ويقلق من رأى ميتا استشعارا منه ورعبا ولا يثبت على حاله لعدم المبالاة وقلة الاحتفال ويشهد له قوله إنما الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا اه ويحتمل أن يكون الأمر بالقيام للصلاة عليها ويدل عليه قوله فمن تبعها أي بعد الصلاة فلا يقعد حتى توضع أي عن أعناق الرجال قصدا للمساعدة وقياما بحق الأخوة المصاحبة أو حتى توضع في اللحد للاحتياج في الدفن إلى الناس وليكمل أجره في القيام بخدمته ويؤيد الأول ما رواه الترمذي عن أحمد وإسحاق قالا من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن أعناق الرجال ويعضده رواية الثوري حتى توضع بالأرض ولأنها ما دامت على أعناقهم هم واقفون فقعودهم مخالفة لهم ويشعر بالتميز عنهم والتكبر عليهم قال بعض علمائنا


إذا لم يرد الذهاب معها فالقيام مكروه عند الأكثر قال جمع هو مخير بينه وبين القعود وقال بعض هما مندوبان وقال صاحب التتمة يستحب القيام للأحاديث الصحيحة الواردة فيه وقال الجمهور الأحاديث منسوخة بحديث علي الآتي متفق عليه قال ميرك
ورواه الترمذي والنسائي وعن جابر قال مرت جنازة فقام لها رسول الله وقمنا معه فقلنا يا رسول الله إنها أي الميتة يهودية أو الجنازة جنازة يهودية فقال إن الموت فزع بفتحتين مصدر وصف به للمبالغة أو تقديره ذو فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا ظاهره الأمر بالقيام الحقيقي لمجرد رؤية الجنازة وأما ما قاله ابن الملك من أن أمره بالقيام عند رؤيتها لإظهار الفزع والخوف عن نفسه فإنه أمر عظيم ومن لم يقم فهو علامة غلظ قلبه وعظم غفلته فالمراد بالقيام تغير الحال في قلبه وفي ظاهره لا حقيقته فلا حقيقة له متفق عليه قال ميرك فيه نظر من وجهين أحدهما أن جملة أن الموت فزع من أفراد مسلم عن البخاري والثاني أن لفظ البخاري أن جنازة يهودي زاد في رواية فقال أليست نفسا اه وفي بعض الروايات إنكم لستم تقومون لها إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس وعن علي قال رأينا رسول الله قام أي لرؤية الجنازة فقمنا تبعا له أي أولا وقعد أي ثبت قاعدا فقعدنا أي تبعا له آخرا يعني أي يريد علي بالقيام والقعود في الجنازة أي في رؤيتها رواه مسلم قال ميرك ورواه الأربعة أيضا وفي رواية مالك وأبي داود قام في الجنازة أي لها ثم قعد بعد قال ميرك وكأنه اعتراض على صاحب المصابيح حيث أورد الحديث في الصحاح بلفظ مالك وأبي داود دون لفظ مسلم والجواب من قبل صاحب المصابيح أنه يحتمل أنه اختار لفظ أبي داود لأنه أصرح في النسخ من عبارة مسلم كما لا يخفى وإنما أورده لبيان أن الأمر بالقيام للجنازة المفهوم من الحديث السابق منسوخ لا لأنه المقصود من الباب تأمل اه وفي شرح السنة عن الشافعي حديث علي كرم الله وجهه ناسخ لحديث أبي سعيد إذا رأيتم


الجنازة فقوموا وقال أحمد وإسحاق إن شاء قام وإن شاء لم يقم وعن بعض أصحاب النبي أنهم كانوا يتقدمون الجنازة فيقعدون قبل أن تنتهي إليهم الجنازة قال القاضي الحديث يحتمل معنيين الأول أنه كان يقوم للجنازة ثم يقعد بعد قيامه إذا تجاوزت عنه قال ابن الملك ليعلم الناس أن اتباعها غير واجب بل يستحب الثاني أنه كان
يقوم أياما ثم لم يكن يقوم بعد ذلك وعلى هذا يكون فعل الأخير قرينة وأمارة على أن الأمر الوارد في ذينك الخبرين للندب ويحتمل أن يكون نسخا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر بالقيام والأول أرجح لأن احتمال المجاز أقرب من النسخ اه وتبعه ابن الملك حيث قال والمختار أنه غير منسوخ فيكون الأمر بالقيام للندب وقعوده لبيان الجواز لعدم تعذر الجمع اه وقد صرح الطحاوي بأنه منسوخ وأتى بأدلته وقال وبه نأخذ وقال ابن الهمام أما القاعد على الطريق إذا مرت به أو على القبر إذا جيء به فلا يقوم لها وقيل يقوم واختير الأول لما روى عن علي رضي الله عنه كان رسول الله أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس وبهذا اللفظ لأحمد تم كلامه والحديث بعينه سيأتي في الفصل الثالث وهو نص في الاحتمال الثاني الذي ذكره القاضي من النسخ وقوله أمرنا بالجلوس ينافي أن يكون القيام بعد النسخ مندوبا والله أعلم قال ابن حجر وقال أئمتنا هما مندوبان قال النووي وهو المختار لصحة الأحاديث بالأمر بالقيام ولم يثبت في القعود شيء إلا حديث علي رضي الله عنه وليس صريحا في النسخ لاحتمال أن القعود فيه لبيان الجواز اه وفيه أنه لا مطابقة بين المدعي والدليل قال واعترض على النووي بأن الذي فهمه علي كرم الله وجهه الترك مطلقا وهو الظاهر على أن فهم الصحابي لا سيما مثل على باب مدينة العلم مقدم على فهم غيره لأنه يساعده من القرائن الخارجية ما لا يدركه غيره ولهذا أمر بالقعود من رآه قائما واحتج بالحديث وهو كما في مسلم قام النبي مع الجنازة حتى توضع وقام


الناس معه ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود وفي رواية أنه رأى ناسا قياما ينتظرون الجنازة أن توضع فأشار إليهم بدرة معه أو سوط أن اجلسوا فأتى رسول الله ثم جلس بعد ما كان يقوم وبهذا اتضح ما ذهب إليه الشافعي من نسخهما اه وأنت ترى أن هذا الحديث إنما يفيد منع القيام حتى توضع اه والكلام إنما هو في القيام عند رؤية الجنازة ابتداء والظاهر أن هذا قضية أخرى ونسخ لحكم آخر ويؤيده ما سيأتي من أنه كان إذا تبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد فعرض له حبر من اليهود فقال له أنا هكذا نصنع يا محمد قال فجلس رسول الله وقال خالفوهم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من اتبع وفي نسخة صحيحة من تبع جنازة مسلم إيمانا أي بالله ورسوله وأغرب ابن حجر حيث قال تصديقا بثوابه وجعل لفظ


بالله متنا والحال أنه ليس كذلك فهو مخالف للرواية والدراية للاستغناء عن تفسيره بقوله واحتسابا أي طلبا للثواب قال ابن الملك لا للرياء وتطييب قلب أحد اه وفيه نظر لأن إدخال السرور في قلب المؤمن أفضل من عمل الثقلين وورد أن من عزى مصابا فله مثل أجره ونصبهما على العلة وقيل إنهما حالان أي مؤمنا ومحتسبا وكان معه أي استمر مع جنازته حتى يصلي عليها أي على الجنازة ويفرغ من دفنها وروى الفعلان على بناء المفعول فإنه يرجع من الأجر حال قال الطيبي أي كائنا من الثواب فمن بيانية تقدمت على المبين بقيراطين أي بقسطين ونصيبين عظيمين في النهاية القيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشرة في أكثر البلاد وأهل الشام يجعلونه جزأ من أربعة وعشرين والياء فيه بدل من الراء فإن أصله قراط قيل لأنه يجمع على قراريط وهو شائع مستمر وقد يطلق ويراد به بعض الشيء قال التوربشتي وذلك لأنه فسر بقوله كل قيراط مثل أحد وذلك تفسير للمقصود من الكلام للفظ القيراط والمراد منه على الحقيقة أنه يرجع بحصتين من جنس الأجر فبين المعنى بالقيراط الذي هو حصة من جملة الدينار قال ابن الملك أي لو صور جسما يكون مثل جبل أحد اه ولا ينافي ما ورد في رواية أن أصغرهما كأحد لأنهما يختلفان باختلاف أحوال المتبعين ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن أي الجنازة فإنه يرجع بقيراط متفق عليه قال ميرك واللفظ للبخاري اه وفي رواية متفق عليها أيضا من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل وما القيراطان قال مثل الجبلين العظيمين وفي رواية لمسلم أصغرهما كأحد وفي أخرى له أيضا حتى توضع في اللحد وورد في رواية عند أحمد في مسنده تقييده بقيود أخرى وهي الحمل والجثو في القبر وأذن الولي في الانصراف وجرى على الأخير قوم والجمهور ما اعتبروا هذه التقييدات لأن الحديث لم يصح أوله علة شذوذ أو نحوه عندهم وروى الطبراني مرفوعا من تبع جنازة حتى يقضي


دفنها كتب له ثلاثة قراريط أي واحد للصلاة واثنان للتشبيع
وعنه أي عن أبي هريرة إن النبي نعى للناس النجاشي أي أخبرهم بموته في القاموس نعاه له نعوا ونعيا أخبره بموته والنجاشي بالتشديد فياؤه للنسبة وتخفيفها فياؤه أصلية وبكسر نونه وهو أفصح من فتحها وهو ملك الحبشة وأما تشديد الجيم فخطأ والسين تصحيف واسمه أصحمة بوزن أربعة وحاؤه مهملة وقيل معجمة وهو ممن آمن به ولم يره وكان ردأ للمسلمين المهاجرين إليه مبالغا في الإحسان إليهم اليوم ظرف نعى أي في اليوم الذي مات فيه وهو كما قاله جماعة في رجب سنة تسع وقيل قبل فتح مكة قال ابن الملك كان النجاشي مسلما يكتم إيمانه من قومه الكفار وذلك معجزة منه لأنه كان بينهما مسيرة شهر وخرج بهم إلى المصلى في الهداية ولا يصلى على ميت في مسجد جماعة لقوله عليه الصلاة والسلام من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له وروى فلا شيء له رواه أبو داود وابن ماجه قال ابن الهمام في الخلاصة مكروه سواء كان القوم والميت في المسجد أو كان الميت خارج المسجد والقوم كلهم أو بعضهم في المسجد اه وهذا الإطلاق في الكراهة بناء على أن المسجد إنما بنى لصلاة المكتوبة وتوابعها من النوافل والذكر وتدريس العلم وقيل لا يكره إذا كان الميت خارج المسجد وهو بناء على أن الكراهة لاحتمال تلويث المسجد ثم هي كراهة تحريم أو تنزيه روايتان ويظهر لي أن الأولى كونها تنزيهية إذ الحديث ليس هو نهيا غير مصروف ولا قرن الفعل بوعيد ظني بل سلب الأجر وسلب الأجر لا يستلزم ثبوت استحقاق العقاب لجواز الإباحة قلت ويؤيده رواية فلا شيء عليه وإن كانت لا تعارض المشهور قال وقد يقال إن الصلاة نفسها سبب موضوع للثواب فسلب الثواب مع فعلها لا يكون إلا باعتبار ما يقترن بها من إثم يقاوم ذلك الثواب قال وفيه نظر لا يخفى قلت الأظهر أن يحمل النفي على الكمال كما في نظائره والدليل عليه ما في مسلم عن عائشة والله لقد صلى النبي على ابني بيضاء


في المسجد سهيل وأخيه وقال الخطابي ثبت أن أبا بكر وعمر صلى عليهما في المسجد ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما وفي تركهم الإنكار دليل الجواز اه وهو لا ينافي كراهة التنزيه فصف بهم وكبر أربع تكبيرات ذهب الشافعي إلى جواز الصلاة على الغائب وعند أبي حنيفة لا يجوز لأنه يحتمل أن يكون حاضرا لأنه تعالى قادر على أن يحضره وخصوصيته به عليه الصلاة والسلام متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة اه وفي رواية في الصحيح أيضا بيان ذلك النعي وهي أنه قال قد مات اليوم عبد صالح يقال له أصحمة فقوموا عليه وفي أخرى عند ابن شاهين والدارقطني أنه قال قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي


فقال بعضهم يأمرنا أن نصلي على علج من الحبشة فأنزل الله تعالى وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله آل عمران إلى آخر السورة وفي أخرى لأبي هريرة أصبحنا ذات يوم عند رسول الله فقال إن أخاكم أصحمة النجاشي قد توفي فصلوا عليه قال فوثب رسول الله فوثبنا معه حتى جاء المصلى فقام فصففنا فكبر أربع تكبيرات قال ابن حجر وفي هذه الأحاديث أوضح حجة للشافعي من جواز الصلاة على الميت الغائب عن البلد ومقبرتها ودعوى أن الأرض انطوت حتى صارت الجنازة بين يديه لا يلتفت إليه لأن مثل هذا لا يثبت بالإحتمال وعلى التسليم فبالنسبة للصحابة فهي صلاة غائب قطعا قلت هذا لا يضر فإنه يجوز أن لا يرى المقتدى جنازة الميت الموضوعة بالاتفاق كما هو مشاهد في المسجد الحرام معه وإذا ثبت الأول يلزم منه ثبوت الثاني وأما الإحتمال فمؤيد بما روى من الأحاديث الدالة على الإستدلال منها ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني ناقلا عن أسباب النزول للواحدي بغير إسناد عن ابن عباس قال كشف للنبي عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه ومنها ما ذكره المحقق الإمام ابن الهمام وهو ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عمران بن الحصين أنه قال إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا وصلوا عليه فقام عليه وصفوا خلفه فكبر أربعا وهم لا يظنون أن جنازته بين يديه فهذا اللفظ يشير إلى أن الواقع خلاف ظنهم لأنه هو فائدته المعتد بها فإما أن يكون سمعه منه عليه الصلاة والسلام أو كوشف له وإما أن ذلك خص به النجاشي فلا يلحق به غيره وإن كان أفضل منه كشهادة خزيمة مع شهادة الصديق فإن قيل قد صلى على غيره من الغيب وهو معاوية بن معاوية المزني ويقال الليثي نزل جبريل عليه الصلاة والسلام بتبوك فقال يا رسول الله إن معاوية بن المزني مات بالمدينة أتحب أن أطوي لك الأرض فتصلي عليه قال نعم فضرب بجناحه على الأرض فرفع له سريره فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل


صف سبعون ألف ملك ثم رجع فقال عليه الصلاة والسلام بم أدرك هذا قال بحبه قل هو الله أحد وقراءته إياها جائيا وذاهبا وقائما وقاعدا وعلى كل حال رواه الطبراني من حديث أبي أمامة وابن سعد في الطبقات من حديث أنس وصلى على زيد وجعفر لما استشهدا بمؤتة على ما في مغازي الواقدي حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة حدثني عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن أبي بكر قال لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معتركهم فقال عليه الصلاة والسلام أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى استشهد وصلى عليه ودعا له وقال استغفروا له دخل الجنة وهو يسعى ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فمضى حتى استشهد وصلى عليه رسول الله ودعا له وقال استغفروا له دخل الجنة فهو يطير فيها بجناحين حيث شاء قلنا إنما ادعينا الخصوصية بتقدير أن لا يكون رفع له سرير ولا هو مرئي له وما ذكر بخلاف ذلك هذا مع ضعف الطرق فما في المغازي مرسل من الطرفين وما في الطبقات ضعيف بالعلاء وهو ابن زيد ويقال ابن زيد اتفقوا على ضعفه وفي رواية الطبراني بقية بن الوليد


وقد عنعنه ثم دليل الخصوصية إنه لم يصل على غائب إلا على هؤلاء ومن سوى النجاشي صرح فيه بأنه رفع له وكان بمرأى منه مع أنه قد توفي خلق منهم رضي الله عنهم غيبا في الأسفار كأرض الحبشة والغزوات وكان يصلي الصلاة على كل من توفي من أصحابه حريصا حتى قال لا يموتن أحدكم إلا آذنتموني به فإن صلاتي عليه رحمة له وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان زيد بن أرقم قال المؤلف في فصل الصحابة يكنى أبا عمرو الأنصاري الخزرجي يعد في الكوفيين سكنها ومات بها وروى عنه عطاء وغيره يكبر على جنائزنا أربعا وأنه كبر على جنازة خمسا فسألناه فقال كان رسول الله أي أحيانا أو أولا يكبر خمسا قال النووي دل الإجماع على نسخ هذا الحديث لأن ابن عبد البر وغيره نقلوا الإجماع على أنه لا يكبر اليوم إلا أربعا وهذا دليل على أنهم أجمعوا بعد زيد بن أرقم والأصح أن الإجماع يصح مع الخلاف اه ويحتمل أنه سها فكبر خمسا ثم استدل على صحة صلاته بأنه كبر خمسا إذ ليس في الحديث تصريح بأن ابن أرقم ليس قائلا بالنسخ قال ابن الملك وبه قال حذيفة ولم يعمل به واحد من الأئمة لكن لو كبر خمسا لا تبطل صلاته على الأصح اه ونقل البغوي فيه الإجماع قال ابن حجر أي إجماع الأكثر رواه مسلم قال ميرك ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وعن طلحة بن عبد الله بن عوف قال صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب أي بعد التكبيرة الأولى فقال أي إنما قرأت الفاتحة أو رفعت صوتي بها كما في رواية لتعلموا أنها أي قراءة الفاتحة سنة قال الطيبي أي ليست بدعة قال الأشرف الضمير المؤنث لقراءة الفاتحة وليس المراد بالسنة إنها ليست بواجبة بل ما يقابل البدعة أي


إنها طريقة مروية وهذا التأويل على مذهب الشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة ليست بواجبة اه يعني أن الفاتحة لو قرئت مكان الثناء لقامت مقام السنة وفي شرح ابن الهمام قالوا لا يقرأ الفاتحة إلا أن يقرأها بنية الثناء ولم تثبت القراءة عن رسول الله وفي موطأ مالك عن نافع أن ابن عمر كان لا يقرؤها في الصلاة على الجنازة اه وبهذا يعلم ضعف قوله أي إنها طريقة مروية وأما خبر أبي أمامة وسنده على شرط الشيخين أنه قال السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة فتأويله كما تقدم وليس هذا من قبيل قول الصحابي من السنة كذا فيكون في حكم المرفوع كما توهم ابن حجر فتدبر رواه البخاري قال ميرك ورواه أبو داود والترمذي والنسائي والشافعي وعن عوف بن مالك قال صلى على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول أي بعد التكبيرة الثالثة وهذه الجملة لمجرد التأكيد أو لبيان أنه حفظ من دعائه بسماعه له منه لا عنه ولا ينافي هذا ما تقرر في الفقه من ندب الأسرار لأن الجهر هنا للتعليم لا غير اللهم اغفر له بمحو السيئات وارحمه بقبول الطاعات وهذا أحسن من قول ابن حجر تأكيد أو أعم وعافه أمر من المعافاة والهاء ضمير وقيل للسكت والمعنى خلصه من المكروهات وقال الطيبي أي سلمه من العذاب والبلايا واعف عنه أي عما وقع منه من التقصيرات وأغرب ابن حجر فقال عافه أي سلمه من كل مؤذ واعف عنه تأكيد أو أخص أي سلمه من خطر الذنوب وفي النهاية العفو والعافية والمعافاة متقاربة فالعفو محو الذنوب والعافية أن يسلم من الأسقام والبلايا والمعافاة وهي أن يعافيك الله من الناس ويعافيهم منك ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم ذكره الطيبي ولا يخفى أن ما ذكر في العافية والمعافاة من المعنى غير ملائم للميت بل ما ذكره في العافية لا يناسب الحي أيضا فإنه وأتباعه دعوا بالعافية ولم يسلموا من الأسقام والبلية بل أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل بل السلامة من


الأسقام كانت عندهم من العيوب العظام فينبغي أن تحمل الأسقام على سيء الأسقام كالبرص والجنون والجذام أو المراد بالعافية أن لا يجزع في الآلام ويصبر ويشكر ويرضى بقضاء الملك العلام ويقوم بما يجب عليه من تكاليف الأحكام وأكرم نزله بضم
الزاي ويسكن أي رزقه وهو في الأصل ما يقدم من الطعام إلى الضيف أي أحسن نصيبه من الجنة ووسع مدخله بفتح الميم وضمها أي قبره قال ميرك بفتح الميم كذا في المسموع من أفواه المشايخ والمضبوط في أصل سماعنا وضبطه الشيخ الجزري في مفتاح الحصن بضم الميم وكلاهما صحيح بحسب المعنى اه لأن معناه مكان الدخول أو الإدخال وإنما اختار الشيخ الضم لأن الجمهور من القراء قرؤوا بالضم في قوله تعالى وندخلكم مدخلا كريما وانفراد الإمام نافع بالفتح والضم أيضا بحسب المعنى أنسب لأن دخوله ليس بنفسه بل بإدخال غيره واغسله بالماء والثلج والبرد بفتحتين أي طهره من الذنوب بأنواع المغفرة كما أن هذه الأشياء أنواع المطهرات من الدنس ونقه بهاء الضمير أو السكت من الخطايا تأكيد لما قبله كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس بفتحتين أي الوسخ للمعقول بالمحسوس وهو تأكيد لما قبله على ما ذكره ابن حجر أو المراد بأحدهما الصغائر وبالآخر الكبائر أو المراد بأحدهما حق الله وبالآخر حق العباد بدله أي عوضه دارا خيرا من داره وأهلا أي خدما خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه أي من الحور العين ونساء الدنيا أيضا فلا يشكل إن نساء الدنيا يكن في الجنة أفضل من الحور لصلاتهن وصيامهن كما ورد في الحديث وأما قول ابن حجر وخيرا ليست على بابها من كونها أفعل تفضيل إذ لا خيرية في الدنيا بالنسبة للآخرة فليس على بابه الكلام في النسبة الحقيقية لا في النسبة الإضافية قال تعالى والآخرة خير وأبقى الأعلى وقال عز وجل والآخرة خير لمن اتقى النساء وادخله الجنة أي ابتداء وأعذه أي أجره من عذاب القبر أو من عذاب النار ظاهره أنه شك من الراوي ويمكن أن يكون أو


بمعنى الواو ويؤيده ما في نسخة بالواو وفي رواية وقه بهاء الضمير أو السكت أي احفظه فتنة القبر أي التحير في جواب الملكين المؤدي إلى عذاب القبر وعذاب النار قال أي عوف حتى تمنيت أن أكون أنا تأكيد للضمير المتصل ذلك الميت بالنصب على الخيرية رواه مسلم قال ميرك ورواه النسائي قال ابن الهمام ورواه الترمذي قال البخاري وغيره وهذا الدعاء أصح شيء ورد في الدعاء على الميت وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة لما توفي سعد بن أبي وقاص أي في


قصره بالعقيق على عشرة أمثال من المدينة وحمل إليها على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع وذلك في أمره معاوية قلت ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه أي سألت عائشة أن يصلى عليه في المسجد لتصلي هي عليه أيضا فانكر ذلك عليها أي فأبوا عليها وقالوا يصلى على الميت في المسجد فقالت والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء اسم للام في المسجد سهيل بالتصغير وفي نسهخة سهل وأخيه قال الطيبي اسمه صهل ماتا سنة تسع وبيضاء أمها واسمها دعد بنت الجحدم واسم أبيهما عمرو بن وهب قال ميرك غظ الطيبي في اسم أبيهما لأن اسم أبيهما وهب بن ربيعة كما في الاستيعاب وغيره وتوفي سنة تسع من الهجرة ذهب الشافعي إلى قول عائشة وأبو حنيفة وأصحابه يكرهون ذلك وقالوا إن الصحابة كانوا متوافرين فلو لم يعلموا بالنسخ لما خالفوا حديث عائشة ه كلام الطيبي أو حملوه على عذر كمطر أو على الخصوصية أو على الجواز وعملوا بالأفضل في حق سعد سيما وكان مظنة تلويث المسجد النبوي لاتيانه من المسافة البعيد وتحريكه على الأعناق السعيدة وأما قول ابن حجر فيه أوضح حجة القول الشافعي الأفضل إدخال الميت المسجد للصلاة عليه فمردود لأنه لم كان أفضل لكان أكثر صلاته عليه الصلاة والسلام على الميبت في المسجد ولما امتنع جل الصحابة عنه وإنما الحديث يفيد الجواز في الجملة وما أظن أن ا لشافعي يقول بأنه الأفضل مع خلاف الامام الأكمل وقد نازع جماعة من المتأخرين الشافعية في الاستحباب بأنه كان للجنائز موضع معروف خارج المسجد والغالب منه صلى الله عليه وسلم الصلاة عليها ثمة ودفعة ابن حجر بما لا يصلح نقلا ولا يصح عقلا ثم ناقض كلامه وعارض مرامه بقوله وأما خير أبي داود وغيره من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له فضعيف باتفاق المحدثين والذي في جميع أصول أبي داود المعتمدة فلا شيء عليه ولو صح وجب حمله على هذا جمعا بين الروايات أو المراد فلا أجر له كامل رواه مسلم قال


ميرك ورواه أبو داود وعن سمرة بن جندب بضم الدال وفتحها قال صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم
على امرأة ماتت في نفاسها أي حين ولادتها فقام أي وقف للصلاة وسطها أي حذاء وسطها بسكون السين وبفتح قال الطيبي الوسط بالسكون يقال فيما كان متفرق الأجزاء كالناس والدواب وغير ذلك وما كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح وقيل كل منهما يقع موقع الآخر وكأنه أشبه وقال صاحب المغرب الوسط بالفتح كالمزكز للدائرة وبالسكون داخل الدائرة وقيل كل ما يصلح فيه بين فبالفتح ومالا فبالسكون ه ثم الإمام يقف بحذاء صدر الميت عندنا سواء كان رجلا أو امرأة وعند الشافعي يقف عند رأس الرجل وعجز المرأة لما روي عن نافع أبي غالب قال كنت في سكة المربد فمرت جنازة معها ناس كثيرة قالوا جنازة عبد الله بن عمر فتبعتها فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق على رأسه خرقة تقية من الشمس فقلت من هذا الدهقان وهو بالكسر والضم رئيس الاقليم معرب قالوا أنس ابن مالك قال فلما وضعت الجنازة قام أنس فصلى عليها وأنا خلفه لا يحول بيني وبينه شيء فقام عند رأسه وكبر أربع تكبيرات ولم يطل ولم يسرع ثم ذهب يقعد فقالوا يا ابا حمزة المرأة الأنصارية فقربوها وعليها نعش أخضر فقام عند عجيزتها فصلى عليها نحو صلاته على الرجل يكبر عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة قال نعم إلى أن قال أبو غالب فسألت عن صنيع أنس في قيامه في المرأة عند عجيزتها فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش فكان يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم مختصر من لفظ أبي داود ورواه الترمذي قلنا يعارض هذا بما روي أحمد أن أبا غالب قال صليت خلف أنس على جنازة فقام حيال صدر وما في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها لا ينافي وفخذاه ويحتمل أنه وقف كما قلنا لأنه مال إلى العورة في حقها فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين كذا حققه ابن الهمام متفق عليه قال ميرك


ورواه الأربعة وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر دفن ليلا أي في ليل من الليالي
فقال متى دفن هذا قالوا البارحة أي الليلة الماضية قال أفلا آذنتموني بالمد أي أدفنتموه فلا أعلمتموني قالوا دفناه في ظلمة الليل فكرهنا وفي نسهة وكرهنا أن نوقظك أي نتبهك من النوم فقام فصففنا خلفه فصلى عليه قال المظهر فيه مسائل جواز الدفن بالليل أي تبقريره والصلاة على القبر بعد الدفن واستحباب صلاة المييت بالجماعة ه ولا خلاف في المسألتين المتطرفتين إلا ما شذ به الحسن البصري وتبعه بعض الشافعية ومما يرد عليهم ما صح أيضا أن ناسا رأوا في المقبرة نارا فأتوها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر زجر رءسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه إلا أن يضطر إنسان إذى ذلك فالنهي فيه إنما هو عن دفنه قبل الصلاة عليه وإنما الخلاف بين العلماء في تكررار الصلاة قال ابن الهمام وما في الحديث من الصف وفي الصحيحين عن الشعبي قال أخبرني من شهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى على قبر مبنوذ وصفهم فكبر أربعا قال الشيباني من حدثك هذا قال ابن عباس دليل على ان لمن لم يصل ان يصلي على القبر وإن لم يكن الولي وهو خلاف مذهبنا ولا مخلص إلا بادعاء أنه لم يكن صلى عليها أصلا وهو في غاية من البعد من الصحابة ه والأقرب أن يحمل على الاختصاص به صلى الله عليه وسلم ووقعت صلاة غيره تبعا له عهده عليه السلام لا يسقط فرض الجنازة إلا بصلاته فيؤول إلى أن صلاة الجنازة في حقه فرض عين وفي حق غيره فرض كفاية والله ولي الهداية وبه يظهر وجه ما في رواية صحيحة أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر مسكينة غير ليلة دفنها وفي مرسل صحيح لسعيد بن المسيب ومرسله في حكم الموصول حتى عند الشافعي أيضا أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ام سعد بعد شهر لأنه كان غائبا حين موتها متفق عليه قال ميرك واسم صاحب القبر فيه طلحة بن البراء بن


عمير العلوي حليف الأنصار روي حديثه أبو داود مختصرا والطبراني مطولا وفي روايته من الزيادة فجاء حتى وقف على قبره فصف الناس معه ثم رفع يديه فقال اللهم الق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه والضحك كناية عن الرضا والله أعلم وعن أبي هريرة أن امراة بفتح أن وقيل بكسرها سواداء كانت تقم المسجد
بضم القاف وتشديد الميم أي تكنسه وتطهره من القمامة أو شاب أي كان يقم روفعه على أنه عطف على محل اسم عن أن مرويا وإلا فعلى المجموع وفي المصابيح أن أسود كان يقم قال ابن الملك يريد به الواحد من سوادان العرب وقيل اسم رجل فققدها وفي نسخة فققده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه أو عنها بناء على الشلك في الأول فقالوا أي بعضهم قال ميرك في رواية البيهقي أن الذي باشر جواب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه مات أي أو ماتت قال أي النبي صلى الله عليه وسلم أفلا كنتم آذنتموني أي أخبرتموني بموته لا صلى عليه قال أي أبو هريرة حكاية ع ما وقع منهم في جواب قوله أفلا الخ فكأنهم أي المخاطبين صغروا أي حقروا أمرها أو أمره أي وعظموا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتكليفه للصلاة عليه فقال دلوني أمر من الدلالة على قبره أو قبرها فدنوه بضم اللام المشددة فصلى عليها أو عليه ثم قال إن هذه القبور قال ابن الملك المشار إليها القبور التي يمكن أن يصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم مملوءة ظلمة بالنصب على التمييز على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم قال الطيبي وهو كاسلوب الحكيم أي ليس النظر في الصلاة على الميت إلى حقارته ورفعة شأنه بل هي بمنزلة الشفاعة قال ابن الملك وبهذا الحديث ذهب الشافعي إلى جواز تكرار الصلاة على الميبت قلنا صلاته صلى الله عليه وسلم كانت لتنوير القبر وذا لا يوجد في صلاة غيره فلا يكون التكرار مشروعا فيها لأن الفرض منها يؤدي مرة متفق عليه رواه أبو داود وابن ماجه ولفظه مسلم قال ميرك اعلم ان


جملة هذا القبور إلى آخر الحديث من أفراد مسلم وعن كريب بالتصغير مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس أنه مات له أي لعبد الله بن بقديد بالتصغير موضع قريب بعسفان أو بعسفان بضم العين شك من الراوي وهو أولى من قول ابن حجر شك من كريب وهما موضعان بين الحرمين فقال يا كريب انظر ما اجتمع له ما موصولة بينها من الناس ويمكن أن يكون ما بمعنى من قال أي كريب فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فاخبرته أي بهم أو باجتماعهم فقال أي ابن عباس تقول


بالخطاب أي تظن وأما قول ابن حجر فقال كريب يقول لي ابن عباس فمخالف للرواية والدرابة هم أربعون قال أي كريب نعم وظاهر الكلام أن يقول قلت ففيه تجريد قال أي ابن عباس فاخرجوه أي الميت فإني سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول ما من رجل مسلم يموت فيقوم أي للصلاة على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا قيل وحكمه خصوص هذا العدد إنه ما اجتمع أربعون قط إلا كان فيهم ولي الله تعالى إلا شفعهم الله أي قبل شفاعتهم فيه أي في حق ذلك الميبت رواه مسلم قال ميرك ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وعن عائشة عن النبي وفي نسخة صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ميت أي مسلم كما في رواية تصلي عليه أمة أي جماعة من المسلمين يبلغون أي في العدد مائة كلهم يشفعون أي يدعون له إلا شفعوا بتشديد الفاء على بناء المفعول أي قبلت شفاعتهم فيه أي في حقه قال التوربشتي لا تضاد بين حديثي عائشة وكريب لأن السبيل في أمثال هذا المقام أن يكون الأقل من العددين متأخرا عن الأكثر لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة لمعنى لم يكن من سنته النقصان من الفضل الموعود بعد ذلك بل يزيد تفضلا فيدل على زيادة فضل الله وكرمه على عباده ه ويحتمل أن يكون المراد بهما الكثرة إذ العدد لا مفهوم له رواه مسلم قال ابن الهمام ورواه الترمذي والنسائي ه وفي الحديث الصحيح ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة الترمذي والنسائي ه وفي الحديث الصحيح ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين ألا أوجب أي غفر له كما في رواية وفي الحديث دلالة على أنه يتأكد للرجال فعل صلاة الجنازة وإنما صلوا عليه صلى الله عليه وسلم أفراد الرجال حتى فرغوا ثم الصبيان كذلك ثم النساء كذلك ثم العبيد كذلك كما رواه البيهقي وغيره وحكى ابن عبد البر اجماع أهل السير على صلاتهم عليه أفرادا وبه يرد إنكار ابن دحية لذلك قال الشافعي العظيم أمره وتنافسهم في أن لا ينوي الإمامة في الصلاة


عليه أحد وقال غيره ولأنه لم يكن تعين أمام ليؤم القوم فلو تقدم واحد في الصلاة لصار مقدما في كل شيء وتعين للخلافة وقيل صلوا عليه جماعة وأمهم أبو بكر رضي الله عنه وقيل جماعات لرواية مسلم
أنهم صلوا عليه أفذاذا بالمعجمة أي جماعات بعد جماعات وقال ابن حجر ويرد بأن رواية غير مسلم أفرادا بالراء أو إرسالا وكل منهما بيبن أن المراد من أفذاذا بتسليم صحته بمعنى جماعات ه ويمكن دفعه بأن المراد بالإفراد والإرسال هو معنى الأفذاذ بمعنى أنه لم تكن جماعة منفردة بل كانت جماعات منفردات فإن الرسل محركة القطيع من كل شيء أو من الإبل والغنم وجمعه إرسال على ما في القاموس وفي النهاية إرسالا أي أفواجا وفرقا مقطعة يتبع بعضهم بعضا وعن أنس قال مروا أي الصحابة يجنازة فأثنوا عليها أي ذكروها بأوصاف حميدة وأخلاق سديدة فقوله خيرا تأكيد أو دفع لما يتوهم من عل فقال النبي صلى الله عليه وسلم وجبت أي ثبتت له الجنة يعني على تقدير صحة ما أثنوا عليه أو إن كان مات عليه ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا قال الطيبي استعمال الثناء في الشر مشاكلة أو تهكم ه ويمكن أن يكون أثنوا في الموضعين بمعنى وصوفا فيحتاج حينئذ إلى القيد ففي القاموس الثناء وصف يمدح أو ذم أو خاص بالمدح قال النووي فإن قيل كيف مكنوا من الثناءس بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري في النهي عن سب الأموات قلت النهي إنما هو في حق غير المنافقين والكفار وغير المتظاهر فسقه وبدعته وأما هؤلاء فلا يحرم سبهم تحذيرا من طريقتهم ه وفي الغاسق والمبتدع الميتين ولو كانا متظاهرين بحث لأن جواز دمهما حال حياتهما لكي ينزجرا أو يحتزر الناس عنهما وأما بعد الحجاج وخصوص المبتدعة بأعيانهم هذا مع أنه ليس في الحديث ما يدل على سبهم فالأولى أن يعارض بقوله صلى الله عليه وسلم لا تذكروا هلكاكم إلا بخير ويدفع بحمل المذمومين على الكفار والمنافقين قال ابن الملك ويحتمل أن يكون قبل وردو النهي فقال


وجبت أي حقت له النار يعني على تقدير الصحة والموت عليه قال المظهر هذا الحكم ليس عاما في كل جزم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة والنار فبناء على أنه أطلعه الله على ذلك فقال عمر ما وجبت أي ما المراد بقولك وجبت في الموضعين وأراد التصريح بما يعلم من قيام القرينة فقال وفي نسخة صحيحة قال هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة وهذا أي الآخر أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار قال زين العرب الثناء بالخير والشر غير


موجب لجنة ولا نار بل ذلك علامة كونهما من أهلها قال الطيبي لا ارتياب ان قول رسول اله صلى الله عليه وسلم وجبت بعد ثناء الصحابة رضي الله عنهم حكم عقب وصفا مناسبا وهو يشعر بالعلية وكذا الوصف بقوله أنتم أي أيها الصحابة أو أيها المؤمنون شهداء الله في الأرض لأن الاضافة ت للتشريف وإنهم بمكان ومنزلة ت عالية عند الله وهو أيضا كالتزكية من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وإظهار عدالتهم بعد أداء شهادتهم لصاحب الجنازة فينبغي أن يكون لها أثر ونفع في حقه وإن الله تعالى يقبل شهادتهم لصاحب الجنازة فينبغي أن يكون لها أثر ونفع في كالدعاء والشفاعة فيوجب لهم الجنة والنار على سبيل الوعد والوعيد لأن وعده حق لا بد من وقوعه فهو كالواجب إذ لا أثر للعمل ولا الشهادة في الوجوب وإلى معنى الحديث يرمز قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا البقرة أي جعلناكم عدو لا خيار الشهود لتشهدوا على غيركم ويكون الرسول رقيبا عليكم ومزكيا لكم ويبين عدالتكم وقال ابن الملك قيل المستفاد من الحديث إن لشهادتهم مدخلا في نفعهم وإلا لم يكن للنثاء فائدة ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال حين أثنوا على جنازة جاء جبريل وقال يا محمد أن صاحبكم ليس كما يقولون غنه كان يعلن كذا ويسر كذا ولكن الله صدقهم فيما يقولون وغفر له ما لا يعلمون قلت وكان هذا نتيجة ستر الله عليه ولهذا نحن مأمورون بستر المعاصي والأظهر أن هذا أمر غالبي فإن الله تعالى ينطق الألسنة في حق كل إنسان بما يعلمه من سريرته التي لا يطلع عليها غيره ولذا قيل ألسنة الخلق أقلام الحق وليس المراد أن من خلق للجنة يصير للنار بقولهم ولا عكسه إذ قد يقع عليه الثناء بالخير أو الشر وفي باطن الأمر خلافه وإنما المراد أن الثناء علامة مطابقة للواقع غالبا والله أعلم قال المظهر ليس معنى قوله صلى الله عليه وسلم أنتم شهداء الله إن ما يقول


الصحابة والمؤمنون في حق شخص من استحقاقة الجنة أو النار يكون كذلك لأن من يستحق الجنة لا يصير من أهل النار بقولهم ولا من يستحق النار يصير من أهل الجنة بقولهم بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيرا رأوا منه الصلاح والخيرات في حياته والخيرات والصلاح علامة كون الرجل من أهل الجنة والذي أثنوا عليه شرا رأوا منه الشر والفساد والشر والفساد من علامة أهل النار ألا ترى أنه لا يجوز أن يقطع بكون أحد من أهل الجنة أو من أهل النار وإن شهد له جماعة كثيرة بل يرجى الجنة لمن شهد له بالخير ويخالف النار لمن شهد له جماعة بالشر متفق عليه قال ميرك واللفظ للبخاري وروي أبو داود والنسائي نحوه من حديث أبي هريرة وفي رواية المؤمنون يحتمل أن تكون اللام للعهد والمراد بهم الصحابة فيوافق ما سبق من قوله أنتم ويحتمل أن تكون للجنس والخطاب في أنتم للأمة الموجودين أولا واللاحقين آخرا شهداء الله الاضافة تشريفية ومشعرة بأنهم عند الله بمنزلة في قبول شهادتهم في الأرض فيه إشارة إلى انهم بمنزلة الملائكة المقربين المطلعيين على أعمال العباد في السماء


وعن عمر رضي الله عنه قال قال رسول اله صلى الله عليه وسلم أيما مسلم شهد له أربعة بخير أي أثنوا عليه بجميل وقال ابن الملك فقيل يحتمل أنه يريد بشهادتهم صلاتهم عليه ودعاءهم وشفاعتهم له فيقبل الله ذلك أدخله الله الجنة أي بفضله وسبب خيره وصلاحه وربما يكون له ذنب فيغفر الله ذنبه ويدخله الجنة بتصديق ظن المؤمنين في كونه صالحا ولذا قيل ألسنة الخلق أقلام الحق فيتضمن الحديث ترغيبا وترهيبا قلنا وثلاثة أي وما حكم ثلاثة قال وثلاثة أي وكذلك ثلاثة وقيل وهو وما قبله عطف تلفين قلنا واثنان قال واثنان ثم لم نسأله عن الواحد هذا يؤيد ما قدمنا ثم الحكمة في الاقتصار على الاثنين لأنهما نصاب الشهادة غالبا وفيه إيماء إلى رد ما قيل إن المراد بالشهادة الصلاة فإن صلاة الواحد كفاية رواه البخاري وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الأموات أي باللعن والشتم وإن كانوا فجارا أو كفارا إلا إذلا كان موته بالكفر قطعيا كفرعون وأبي جهل وأبي لهب فإنهم قد أفضوا أي وصلوا إلى ما قدموا وفي نسخة إلى ما قدموه أي من جزاء أعمالهم أو مجازاة ما عملوه من الخير والشر والله تعالى و المجازي فإن شاء عفا عنهم إن كانوا مسلمين وإن شاء عذبهم بأن كانوا كافرين أو فاجرين فما لكم وإياهم ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه وإنما جوز ذم بعض الأحياء لما يترتب عليه من فائدة ما رواه البخاري وقال ميرك والنسائي وعن جابر أن رسول اله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد جمع قتيل في ثوب واحد أي من الكفن للضرورة ولا يلزم منه تلاقي بشرتهما إذ يمكن حيلولتهما بنحو


أعلم قال الطيبي أي في قبر واحد لا في ثوب واحد إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى ا بشرتاهما بل ينبغي أن يكون على كل واحد منهما ثيابة المتطلخة بالدم وغير المتلطخة ولكن يضجع أحدهما بجنب الآخر في قبر واحد قال الخطابي يجوز دفن ميتين فصاعدا في ثوب واحد عند الضرورة كفى قبر نقله ميرك عن الأزمهار ثم الأظهر أن قوله في ثوب واحد حال أي كان يجمع بين الرجلين حال كونهما أي كل واحد منهما في ثوب واحد وهو ثوبه الذي لابسه من غير زيادة وأما جمعهما في قبر واحد فيستفاد من قوله ثم يقول أيهم اكثر أخذا أي حفظا أو قراءة للقرآن فإذا أشير إلى أحدهما قدمه أي ذلك الأحد في اللحد بفتح اللام وبضم وسكون الحاء أي الشق في عرض القبر جانب القبلة فإن القرآن أمام لكل مسلم فيكون كذلك قارئه فيستحق التقدم في الدنيا والأخرى والمراتب العليا في جنة المأوى وقال أي النبي صلى الله عليه وسلم أنا شهيد أي شاهد ومثن على هؤلاء يوم القيامة قال المظهر أي أنا شفيع لهم وأشهد أنهم بذلوا أرواحهم في سبيل الله ه وأشار إلى أن علي بمعنى اللام عللى كل شهيد المجادلة كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد المائدة فالمراد أنا حفيظ عليهم أراقب أحوالهم وأصونهم عن المكاره ه كذا ذكره الطيبي وهو غير صحيح المعنى بالنسبة إلى القتلى كما لا يخفى وأمر بدفنهم بدمائهم الباء الثانية للمصاحبة ولم يصل عليهم في الأصول المعتمدة بكسر اللام وهو الظاهر من عطفه على أمر وأما قول ابن حجر وفي رواية للبخاري أيضا بفتح اللام فالله أعلم بصحته قال الطيبي فعلم أن الشهيد لا يصلى عليه قلت هو معارض بما تقدم ورجح الصلاة إما لاثباتها أو للاحتياط فيها أو للرجوع إلى الأصل عند الساقط والله أعلم قال وأما صلاته صلى الله عليه وسلم على حمزة فلمزيد رأفته قلت إنمايتم هذا في الجملة لو كانت صلا ته منحصرة في حمزة وإنما صلى على جميع الشهداء كما سبق ومزية حمزة لمزيد الرحمة أنه صلى عليه


سبعين مرة وقد ثبت أنه أعاد الصلاة عليهم بأن صلى عليهم بعد ثمان سنين صلاته على الميت وكأنه كان توديعا لهم وأما تأويل الصلاة بالدعاء فغير صحيح لقوله صلاته على الميت فإنه لدفع إرادة المجاز فأندفع قول ابن حجر بالدعاء فغير صحيح لقوله صلاته للميت باتفاق منا وهو واضح ومن المخالف إذ لا يصلى عند القبر عنده بعد ثلاثة أيام ه فإنه محمول عندنا على خصوصياته صلى الله عليه وسلم ولم يغسلوا هذا مما اتفق عليه العلماء ويوافقه خبر أحمد أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن تغسيلهم وعلله بأن كل جرح أو كلم أو دم يفوح مسكا يوم القيامة وصح أن حنظلة قتل وهو جنب فلم يغسله صلى الله عليه وسلم قال رأيت الملائكة تغسله فلو وجب غسله لما سقط إلا بفعلنا رواه البخاري

الفصل الثاني


عن المغيرة بن شعبة وعن جابر بن سمرة قال أتي بصيغة المجهول النبي صلى الله عليه وسلم بفرس معرور أي عار من السرج ونحوه قال الطيبي اعرورى الفرس أي ركبة عريانا فالفارس معرور والفرس معروري هذا هو القياس لكن الرواية صحت بالكسر ه وفي مختصر النهاية فرس معروري على المفعول لا سرج عليه ولا غيره أعرورى الفرس واعروريته ركبته عريانا لا زم ومتعد ه ويمكن أن يكون التقدير وهو أي الآتي بالفرس معرور وقال النووي هو بفتح الراء منونا وأما قول ابن حجر وبه يرد قول بعضهم الرواية بالكسر والقياس الفتح فمردود ووجهه لا يخفى على طبع معقول وذوق مقبول فركبه أي النبي صلى الله عليه وسلم حين انصرف من جنازة ابن الدحداح بفتح الدال وكونه ابن الدحداح كذا هو عن أبي داود والترمذي من طرق عن شعبة وعن عبد بن حميد وأحمد أبي الدحداد وفي أخرى أم الدحداح وأبو الدحداح هذا لم يعرف له اسم ولا نسب غير أنه حليف الأنصار وبشكل على رواية أبي الدحداح ما أخرجه أبو نعيم أنه عاش إلى زمن معاوي نعم ثابت بن الدحداح مات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكنى أبا الدحداح لكن قال في الأصابة الحق أنه غير هذا قال ابن الملك يدل على جواز الركوب عند الانصراف من الجنازة وفيه أنه غير هذا قال ابن الملك يدل على جواز الركوب عند الانصراف من الجنازة وفيه أنه يجوز ركوبه صلى الله عليه وسلم لعذر لكن سيأتي دليل قولي على الجواز مطلقا وقال العلماء لا يكره الركوب في الرجوع من الجنازة اتفاقا لانقضاء العبادة ونحن نمشي حوله أي بعضنا قدامه وبعضنا وراءه وبعضنا يمينه وبعضها شماله رواه مسلم قال ميرك ورواه أبو داود والترمذي والنسائي بمعناه
الفصل الثاني
عن المغيرة بن شعبة أي الثقفي أسلم عام الخندق وقدم مهاجرا نزل الكوفة


ومات بها سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة وهو أميرها لمعاوية بن أبي سفيان وروى عنه نفر ذكره المؤلف في الصحابة ولم يذكر مغيرة غيره إن النبي قال الراكب يسير خلف الجنازة أما محمول على العذر أو مقيد بحال الرجوع لما سيأتي والماشي يمشي خلفها وهو الأفضل عندنا وأمامها وهو الأفضل عند الشافعي وعن يمينها وعن يسارها وهما جائزان قريبا منها أي كلما يكون أقرب منها في الجوانب الأربعة فهو أفضل لمساعدة في الحمل عند الحاجة ولزيادة التذكر في أمر الآخرة والسقط بتثليث السين والكسر أشهر ما بدا بعض خلقه وفي القاموس السقط مثلثة الولد لغير تمام اه وهو أتم بالمراد في هذا المقام ويؤيده قوله يصلي عليه قال المظهر إنما يصلي عليه إذا استهل صارخا ثم مات عند أبي حنيفة والشافعي وقال أحمد يصلي عليه إذا كان له أربعة أشهر وعشر في البطن ونفخ فيه الروح وإن لم يستهل قال ابن الهمام الإستهلال أن يكون منه ما يدل على الحياة من حركة عضو أو رفع صوت والمعتبر في ذلك خروج أكثره حيا حتى لو خرج أكثره وهو يتحرك صلي عليه وفي الأقل لا وقد روى النسائي عن المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر إذا استهل الصبي صلي عليه وورث قال النسائي وللمغيرة بن مسلم غير حديث منكر ورواه الحاكم عن سفيان عن أبي الزبير قال هذا إسناد صحيح وعن جابر رفعه الطفل لا يصلى عليه ولا يورث حتى يستهل أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم قال الترمذي روى موقوفا ومرفوعا وكان الموقوف أصح وأنت سمعت غير مرة أن المختار في تعارض الوقف والرفع تقديم الرفع لا الترجيح بالأحفظ والأكثر بعد وجود أصل الضبط والعدالة وأما معارضته بما رواه الترمذي من حديث المغيرة وصححه أنه عليه الصلاة والسلام قال السقط يصلى عليه إلخ فساقطة إذ الحصر مقدم على الإطلاق عند التعارض ويدعى لوالديه أي إن كانا مسلمين بالمغفرة وفي رواية بالعافية والرحمة نقل ميرك عن الأزهار أنه ليس المراد به


الاقتصار على ذلك بل يجب له ويستحب لهما بقوله اللهم اجعله شفيعا لأبويه وسلفا وذخرا وعظة واعتبارا وثقل به موازينهما وافرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده واغفر لهما وله اه ويستحب عندنا بعد التكبيرة الأولى أن يقرأ سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره وبعد الثانية الصلاة على النبي كما في التشهد وبعد الثالثة اللهم اغفر لحينا إلى
آخره كما سيأتي وإن كان صغيرا اللهم اجعله لنا فرطا واجعله لنا ذخرا واجعله لنا شافعا مشفعا رواه أبو داود وفي رواية أحمد والترمذي قال ميرك وقال حسن صحيح والنسائي وابن ماجه قال الراكب خلف الجنازة أي يسير ولصحة إسناده حكى الرافعي في شرح المسند كالخطابي الاتفاق على أن الأفضل للراكب أن يسير خلف الجنازة ومن الغريب قول النووي في الروضة والمجموع عن جماهير العلماء أن الأفضل أمامها وإن كان راكبا لعذر أو غير عذر لما صح أنه كان يمشي أمام الجنازة اه ووجه الغرابة ظاهر لأنه ما ورد أنه تقدم على الجنازة راكبا ولو ورد وصح كان معارضا يحتاج إلى مرجح والماشي حيث شاء منها أي يمشي حيث أراد من الجهات أي في حوالها والطفل يصلي عليه في القاموس الطفل بالكسر الصغير من كل شيء والمولود وفي المصابيح عن المغيرة بن زياد أي بدل عن المغيرة بن شعبة قال التوربشتي والقاضي قوله عن المغيرة بن زياد سهو ولعله من خطأ الناسخ إذ ليس في عدد الصحابة والتابعين أحد بهذا الاسم والنسب وقال ميرك والحديث روى في سنن أبي داود عن زياد بن جبير عن أبيه عن المغيرة بن شعبة فما في المصابيح خبط من الكتاب وعن الزهري عن سالم عن أبيه أي عبد الله بن عمر قال رأيت رسول الله وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة قال الطيبي بهذا الحديث استدل الشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة بالحديث الآتي وعلة المشي خلف الجنازة انتباه الناس واعتبارهم بالنظر إليها وقدامها كأنهم شفعاء الميت إلى الله تعالى والشفيع يمشي قدام المشفوع له قلت ويزاد في الأول ليكون


مستعدا للمساعدة والمعاونة في حمل الجنازة عند الحاجة وإيماء إلى أنهم كالمودعين وإشارة إلى أنه من السابقين وإنهم من اللاحقين قال ابن الهمام الأفضل للمشيع للجنازة المشي خلفها ويجوز أمامها إلا أن يتباعد عنها أو يتقدم الكل فيكره ولا يمشي عن يمينها ولا عن شمالها أقول هذا مخالف
للأحاديث ولعله محمول على النهي التنزيهي لإدراك العمل بالأفضل قال ويكره لمشيعها رفع الصوت بالذكر والقراءة ويذكر في نفسه وعند الشافعي المشي أمامها أفضل وقد نقل فعل السلف على الوجهين والترجيح بالمعنى هو يقول هم شفعاء والشفيع يتقدم ليمهد المقصود ونحن نقول هم مشيعون فيتأخرون والشفيع المتقدم هو الذي لا يستصحب المشفوع له في الشفاعة وما نحن فيه بخلافه بل قد ثبت شرعا إلزام تقديمه حالة الشفاعة له أعني حالة الصلاة فثبت شرعا عدم اعتبار ما اعتبره رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه قال وفي نسخة قال الترمذي وأهل الحديث كأنهم يرونه مرسلا قال ابن الملك ليس إسناده بقوي اه وهو غير صحيح لأنه قال ميرك عبارة الترمذي وأهل الحديث كأنهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح وبينهما بون بعيد وأورد الترمذي الطريق المتصل في كتابه من طريق ابن عيينة وغيره عن الزهري والطريق المرسل عن معمر عن الزهري قال كان النبي وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة اه وحكى الترمذي عن البخاري أن المرسل أصح وقال النسائي هذا خطأ والصواب مرسل وقال ابن الملك حديث الزهري في هذا مرسل أصح من حديث ابن عيينة الذي رفعه وقال غير هؤلاء سفيان بن عيينة من الحفاظ الأثبات وقد أتى بزيادة على من أرسله فوجب قبولها وقد تابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وزياد بن سعد وغيرهما وقال البيهقي وممن وصله واستقر على وصله ولم يختلف عليه سفيان بن عيينة وهو حجة ثقة كذا في التصحيح وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله الجنازة متبوعة أي حقيقة وحكما فيمشي خلفها ولا يتقدم عليها ولا


تتبع بفتح التاء والباء وبرفع العين على النفي وبسكونها على النهي وفي نسخة بتشديد التاء الثانية أي لا تتبع هي الناس فلا تكون عقيبهم وهو تصريح بما علم ضمنا ويؤيده ما قد ورد بلفظ امشوا خلف الجنازة قال الطيبي مؤكدة لما قبلها أي متبوعة وغير تابعة وقوله ليس معها من تقدمها تقرير بعد تقرير والمعنى لا يثبت له الأجر اه أي الأجر الأكمل فيؤيد المذهب المنصوص أن المشي وراءها أفضل وما في الحديث السابق من المشي أمام الجنازة واقعة حال فاحتمل أنهم فعلوه للأفضلية أو لبيان الجواز أو لعارض اقتضى في خصوص تلك الأزمان والله المستعان رواه الترمذي وأبو داود


وابن ماجه قال ميرك كلهم من طريق أبي ماجد عن ابن مسعود قال الترمذي وأبو ماجد الراوي رجل مجهول قلت جهل الراوي المتأخر لا يضر للمجتهد حيث ثبت الحديث عنده وقال به وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من تبع جنازة وحملها ثلاث مرار قال ابن الملك يعني يعاون الحاملين في الطريق ثم يتركها ليستريح ثم يحملها في بعض الطريق يفعل كذلك ثلاث مرات فقد قضى ما عليه من حقها بيان لما قال ميرك أي من جهة المعاونة لا من دين وغيبة ونحوهما اه وقد عد فيما مر أول كتاب الجنائز أن من جملة الحقوق التي للمؤمن على المؤمن أن يشيع جنازته قال غير واحد من العلماء المتأخرين ومحله في غير مبتدع وفاسق معلن كظالم ومكاس تنفيرا عن حالته القبيحة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وقد روى أي المصنف وفي نسخة بصيغة المجهول في شرح السنة أن النبي حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين بفتح العين أي عمودي الجنازة قاله الطيبي قال ميرك نقلا عن الأزهار هذا مذهب الشافعي بأن يحملها ثلاثة يقف أحدهم قدامها بين العمودين واثنان خلفها كل واحد منهما يضع عمودا على عاتقه هذا عند حمل الجنازة من الأرض ثم لا بأس بأن يعاونهم من شاء كيف شاء والأفضل عند أبي حنيفة التربيع بأن يحملها أربعة يأخذ كل واحد عمودا على عاتقه اه وروى ابن سعد في الطبقات بسند ضعيف أنه حمل جنازة سعد بن معاذ من بيته بين العمودين خرج به من الدار قال الواقدي والدار يكون ثلاثين ذراعا قال النووي في الخلاصة ورواه الشافعي بسند ضعيف اه إلا أن الآثار في الباب ثابتة عن الصحابة وغيرهم قال ابن الهمام بعد ما سرد تلك الآثار قلنا هذه موقوفات والمرفوع منها ضعيف ثم هي وقائع حال فاحتمل كون ذلك فعلوه لأنه سنة أو لعارض اقتضى في خصوص تلك الأوقات وقد قال ابن مسعود من اتبع الجنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة وروى محمد بن الحسن أنبأنا أبو حنيفة حدثنا منصور بن المعتمر قال من السنة حمل الجنازة بجوانب السرير


الأربعة ورواه ابن ماجه ولفظه من اتبع الجنازة فليأخذ بجوانب السرير كلها فإنه
من السنة فوجب الحكم بأن هذا هو السنة وإن خلافها أن نحقق من بعض السلف فلعارض ولا يجب على المناظر تعيينه وعن ثوبان قال خرجنا مع النبي وفي نسخة مع رسول الله في جنازة فرأى ناسا ركبانا يحمل على أنهم كانوا قدام الجنازة أو طرفها لئلا ينافي ما سبق من قوله يسير الراكب خلف الجنازة أي حالة المراجعة فقال ألا تستحيون أن بالكسر ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب في الأزهار الركوب خلف الجنازة لأنه تنعم وتلذذ وهو غير لائق في مثل هذه الحالة قلت حمل فعل الصحابة على هذا لا سيما في حضرته وهو ماش مستبعد جدا قال والجمع بين هذا الحديث وبين قوله يسير الراكب خلف الجنازة إن ذلك في حق المعذور بمرض أو شلل أو عرج ونحو ذلك وهذا في حق غير المعذور اه وجمعنا السابق أجمع من جمعه اللاحق ثم قال حديث ثوبان بأن يدل على أن الملائكة تحضر الجنازة والظاهر أن ذلك عام مع المسلمين بالرحمة ومع الكفار باللعنة قال أنس مرت جنازة برسول الله فقام فقيل إنها جنازة يهودي فقال إنا قمنا للملائكة رواه النسائي اه وفيه إيماء إلى ندب القيام لتعظيم الفضلاء والكبراء رواه الترمذي وابن ماجه أي بهذا اللفظ وروى أبو داود نحوه أي بمعناه وهو أنه أتى بدابة وهو مع جنازة فأبى أن يركب فلما انصرف أتى بدابة فركب فقيل له فقال أن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت قال الترمذي وقد روى عن ثوبان موقوفا لكن يرجح المرفوع كما تقدم مع أن هذا الموقوف في حكم المرفوع لأن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي وعن ابن عباس أن النبي قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب قال ابن الملك وبه قال الشافعي قلت مع عدم تعيين دلالته على أن القراءة كانت على الميت أو في الصلاة


عليه وبعد أي تكبيرة من تكبيراتها الحديث ضعيف لا يصح الاستدلال به رواه الترمذي وقال ليس إسناده بذلك القوي اه قال ميرك يشير إلى أن في سنده أبا شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي وهو ضعيف منكر الحديث وأبو داود قال ميرك ولفظه عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال صليت على الجنازة مع ابن عباس قرأ بفاتحة الكتاب فقال إنها من السنة اه فنسبة الحديث مرفوعا إلى أبي داود غير صحيح وابن ماجه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء قال ابن الملك أي ادعوا له بالإعتقاد والإخلاص اه ويمكن أن يكون معناه اجعلوا الدعاء خالصا له في القلب وإن كان عاما في اللفظ وأغرب صاحب الأزهار على ما نقله ميرك عنه أنه قال فيه دليل على وجوب تخصيص الميت بالدعاء ولا يكفي التعميم وهو الأصح اه وقال ابن حجر الدعاء للميت بخصوصه بعد التكبيرة الثالثة ركن ويرده أن أكثر الأحاديث الصحيحة وردت بلفظ العموم مع أن وجوب الدعاء مطلقا غير ثابت عندنا رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه وابن ماجه قال ابن حجر وصححه ابن حبان وعنه أي عن أبي هريرة قال كان رسول الله إذا صلى على الجنازة قال اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا أي حاضرنا وغائبنا قال ميرك وجه الجمع بين تعميم هذا الحديث وتخصيص ما مر الجمع بين الدعاءين للميت خاصة وللمسلمين عامة اه لا منع من الجمع لكن الكلام في الورود وإذا ورد ففي الوجوب وصغيرنا وكبيرنا قال ابن حجر الدعاء في حق الصغير لرفع الدرجات اه ويدفعه ما ورد أنه صلى على طفل لم يعمل خطيئة قط فقال اللهم قه عذاب القبر وضيقه ويمكن أن يكون المراد بالصغير والكبير الشاب والشيخ فلا إشكال وتكلف ابن الملك وغيره ونقل التوربشتي عن الطحاوي أنه سئل عن معنى الاستغفار للصبيان مع أنه لا ذنب لهم فقال معناه السؤال من الله أن يغفر له ما


كتب له في اللوح المحفوظ أن يفعله بعد البلوغ من الذنوب حتى إذا كان فعله كان مغفورا وإلا فالصغير غير مكلف لا حاجة له إلى الاستغفار اه وسيأتي زيادة تحقيق لهذا المبحث في أواخر الفصل الثالث من هذا الباب والله أعلم بالصواب وذكرنا وأنثانا قال الطيبي المقصود من القرائن الأربع الشمول والإستيعاب فلا يحمل على التخصيص نظرا إلى مفردات التركيب كأنه قيل اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات كلهم أجمعين فهي من الكناية الزبدية يدل عليه جمعه في قوله اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام أي الإستسلام والإنقياد للأوامر والنواهي ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان أي التصديق القلبي إذ لا نافع حينئذ غيره اللهم لا تحرمنا قال ابن حجر بضم أوله وفتحه أقول الفتح هو الصحيح وهو الموجود في النسخ المصححة وفي القاموس الضم لغة أجره قال ابن الملك أي أجر الإيمان أقول الصواب أجر الميت أو أجر المؤمن ولا تفتنا بعده أي لا تجعلنا مفتونين بعد الميت بل اجعلنا معتبرين بموته عن موتنا ومستعدين لرحلتنا وفي المصابيح ولا تضلنا قال ابن الملك وفي بعض النسخ ولا تفتنا أي لا تلق علينا الفتنة بعد الإيمان والمراد بها ههنا خلاف مقتضى الإيمان رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال ميرك وقال حسن صحيح ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وابن ماجه ورواه النسائي عن إبراهيم الأشهلي عن أبيه وانتهت روايته أي رواية النسائي عند قوله وأنثانا وفي رواية أبي داود فأحيه على الإيمان وتوفه على الإسلام وفي آخره استروح ابن حجر فقال ومعناهما صحيح أيضا فإنهما وإن اختلفا مفهوما اتحدا ما صدقا اه وكأنه ما فهم تحقيق الطيبي وتدقيقه الآتي ولا تضلنا بعده قال الطيبي فإن قلت ما الحكمة في تأخير الإيمان عن الإسلام في الرواية الأولى وتقديمه عليه في الثانية قلت التنبيه على أنهما يعبران عن الدين كما هو مذهب السلف الصالح ويحتمل أن يقال ورد الإسلام بمعنيين أحدهما الإنقياد وإظهار


الأعمال الصالحة وهو دون الإيمان وفي الرواية الأولى أشير إلى ترجيح الأعمال في الحياة والإيمان عند الممات قلت في العبارة مناقشة لا تخفى قال وهذه مرتبة العوام والثاني إخلاص العمل والإستسلام وهذه مرتبة الخواص والرواية الثانية مشيرة
إلى هذا اه والأظهر أن يقال الإسلام ثمرات الإيمان من الأقوال والأفعال والأحوال فيناسب حال الحياة القيام بتكاليف الأثقال والإيمان حقيقة التصديق والإعتقاد على وجه التحقيق فيلائمه حال الممات فإنه عاجز عن الإتيان بأركان الإسلام والله أعلم بحقيقة المراد فالرواية المشهورة هي العمدة والرواية الأخرى إما من تصرفات الرواة نسيانا أو بناء على زعم أنه لا فرق بين التقديم والتأخير وجواز النقل بالمعنى أو يقال فأحيه على الإيمان أي وتوابعه من الأركان وتوفه على الإسلام أي على الإنقياد والتسليم لأن الموت مقدمة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والله بكل شيء عليم وعن واثلة بن الأسقع قال صلى بنا رسول الله على رجل من المسلمين فسمعته يقول اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك أي أمانك لأنه مؤمن بك وحبل جوارك بكسر الجيم قيل عطف تفسيري وقيل الحبل العهد أي في كنف حفظك وعهد طاعتك وقيل أي في سبيل قربك وهو الإيمان والأظهر أن المعنى أنه متعلق ومتمسك بالقرآن كما قال تعالى واعتصموا بحبل الله آل عمران وفسره جمهور المفسرين بكتاب الله تعالى والمراد بالجوار الأمان والإضافة بيانية يعني الحبل الذي يورث الإعتصام به الأمن والأمان والإسلام والإيمان والمعرفة والإتقان وغير ذلك من مراتب الإحسان ومنازل الجنان قال تعالى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها البقرة وفي النهاية كان من عادة العرب أن يحيف بعضهم بعضا وكان الرجل إذا أراد السفر أخذ عهدا من سيد كل قبيلة فيأمن به ما دام مجاورا أرضه حتى ينتهي إلى آخر فيأخذ مثل ذلك فهذا حبل الجوار أو هو من الإجارة


والأمان والنصرة والحبل الأمان والعهد قال الطيبي الثاني أظهر وقوله وحبل جوارك بيان لقوله في ذمتك نحو أعجبني زيد وكرمه والأصل أن فلانا في عهدك فنسب إلى الجوار ما كان منسوبا إلى الله تعالى فجعل للجوار عهدا مبالغة في كمال حمايته فالحبل مستعار للعهد لما فيه من التوثقة وعقد القول بالإيمان المؤكدة فقه بالضمير أو بهاء السكت من فتنة القبر وعذاب النار أي امتحان السؤال فيه أو من أنواع عذابه من الضغطة والظلمة وغيرهما وأنت أهل الوفاء أي بالوعد فإنك لا تخلف الميعاد قال الطيبي تجريد لاستعارة الحبل للعهد لأن الوفاء يناسب العهد والحق أي أنت أهل بأن تحق بالحق وأهله والمضاف مقدر أي أنت أهل الحق أو أنت أهل الثبوت بما ثبت عنك إشارة إلى قوله تعالى هو أهل التقوى وأهل المغفرة المدثر أي هو أهل أ


يتقى شركه ويرجى مغفرته اللهم اغفر له وارحمه لا ريب أن المقصود من صلاة الجنازة هو الدعاء على الميت بالخصوص سواء حصل في ضمن العموم أو غيره إنك أنت الغفور أي كثير المغفرة للسيئات الرحيم كثير المرحمة بقبول الطاعات والتفضل بتضاعف الحسنات رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه وأقره المنذري وابن ماجه وعن ابن عمر قال قال رسول الله أذكروا قال ميرك الأمر للندب محاسن جمع حسن على غير قياس موتاكم جمع ميت فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة وكفوا أمر للوجوب أي امتنعوا عن مساويهم جمع سوء على خلاف القياس أيضا قال الطيبي قد سبق إن ذكر الصالحين محاسن الموتى ومساويهم مؤثر في حال الموتى فأمروا بنفع الغير ونهوا عن ضرره وأما غير الصالحين فأثر النفع والضرر راجع إليهم فعليهم أن يسعوا في نفع أنفسهم ودفع الضرر عنهم اه وقوله ونهوا عن ضرره مناقض بتقريره سابقا إلا أن يحفظ التاريخ بتأخير هذا الحديث عنه مع أنه يمكن الجمع بأن الأول عند قرب الموت والثاني بعد تحققه أو الأول محمول على اجتماع الصالحين على ذمه والنهي عن الإنفراد ونظيره شهادة الأربع والأقل بالقذف والله أعلم قال حجة الإسلام غيبة الميت أشد من الحي وذلك لأن عفو الحي واستحلاله ممكن ومتوقع في الدنيا بخلاف الميت وفي الأزهار قال العلماء وإذا رأى الغاسل من الميت ما يعجبه كاستنارة وجهه وطيب ريحه وسرعة انقلابه على المغتسل استحب أن يتحدث به وإن رأى ما يكره كنيته وسواد وجهه أو بدنه أو انقلاب صورته حرم أن يتحدث به رواه أبو داود والترمذي قال ميرك ورواه ابن حبان في صحيحه وعن نافع تابعي أبي غالب عطف بيان قال الطيبي كان الكنية كانت أشهر وأعرف فجيء بها بيانا لنافع قال صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل أي عبدالله بن عمر على ما سبق فقام حيال رأسه بكسر الحاء أي حذاء ومقابله ثم جاؤوا بجنازة امرأة من


قريش وفيما تقدم امرأة أنصارية فالقضية أما متعددة وأما متحدة فتكون المرأة قرشية أنصارية فقالوا أي أولياؤها يا أبا حمزة كنية أنس صل عليها فقام حيال وسط السرير بسكون الوسط وفتحه فقال له العلاء بن زياد هكذا بحذف حرف الإستفهام رأيت رسول الله قام على الجنازة أي من المرأة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه قال نعم في الأزهار أخذ الشافعي بهذا الحديث وقال أبو حنيفة يقف عند صدر الميت رجلا كان أو امرأة وقال مالك يقف عند وسط الرجل وعند منكبي المرأة بعكس الحديث نقله ميرك وقد تقدم الحديث بأبسط من هذا وسبق الكلام فيه من ابن الهمام على وجه التمام وقد استفيد من نقل الأزهار هذا أن الشافعي ومالكا في طرفي التناقض والتدافع وإن أبا حنيفة على حد الوسط والتمانع ويمكن الجمع بأن القصد هو الصدر الذي هو الوسط ولكن على جهة التقدير لا على وجه التحقيق فتارة وقع من بعض السلف وقوفهم إلى ما يلي الرأس وأخرى إلى ما يلي الرجل فحصل الخلاف بمقتضى الإختلاف وأما قول النووي وزعم أنه وقف عند صدره غلط صريح فمردود بأن أحمد رواه صريحا وسنده حسن إن لم يكن صحيحا رواه الترمذي وابن ماجه أي بهذا اللفظ وفي رواية أبي داود ونحوه أي بمعناه مع زيادة وقد تقدمت في نقل ابن الهمام وفيه أي في كتاب أبي داود فقام أي أنس عند عجيزة المرأة بفتح مهملة وكسر جيم قال الطيبي العجيزة والعجز وهي للمرأة خاصة والعجز مؤخر الشيء
الفصل الثالث
عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال المؤلف هو في الطبقة الأولى من تابعي الكوفيين قال كان سهل بن حنيف بالتصغير وقيس بن سعد صحابيان جليلان أنصاريان قاله ابن حجر قاعدين بالقادسية بكسر الدال وتشديد الياء موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلا فمر عليهما بجنازة فقاما فقيل لهما إنهما أي الجنازة من أهل الأرض قال الطيبي الأرض ههنا كناية عن الرذالة والسفالة قال تعالى ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إل


الأرض الأعراف أي مال إلى السفالة ولذلك قال أحد الرواة تفسيرا أي من أهل الذمة وقيل أي ممن لا تصعد روحه إلى السماء وترد إلى الأرض فقالا إن رسول الله مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي يحتمل أنه للجنس فلا ينافي ما مر أنها يهودية أو أنهما واقعتان وفي بعض الروايات أو يهودية وفي بعضها يهودية فقال أليست نفسا قال الطيبي أراد أن هذا الموت فزع كما مر في حديث جابر اه أو التعظيم لخالق النفس أو للملائكة الذين يصحبونها وقد ثبت نسخ القيام برواية علي كرم الله وجهه ولعل العذر عدم علمهما بالنسخ أو بعد العلم عملا بالجواز متفق عليه وعن عبادة بن الصامت قال كان رسول الله إذا تبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد بفتح اللام وتضم وسكون الحاء الشق وفي جانب القبلة من القبر فعرض له أي ظهر حبر بفتح الحاء وتسكر أي عالم من اليهود فقال أي الحبر له أنا أي معشر اليهود هكذا نصنع يا محمد قال أي عبادة فجلس رسول الله أي بعد ما كان واقفا أو بعد ذلك وقال جمعا بين الدليل الفعلي والقولي خالفوهم فبقي القول بأن التابع لم يقعد حتى توضع عن أعناق الرجال هو الصحيح وفيه إشارة إلى أن كل سنة تكون شعار أهل البدعة تركها أولى رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب وبشر بن رافع الراوي بسكون الباء أحد رواة هذا الحديث ليس بالقوي وعن علي قال كان رسول الله أمرنا أمر وجوب أو ندب بالقيام في الجنازة أي في حال رؤيتها وقبل دفنها وبه يندفع قول ابن حجر وهو صريح في النسخ لا يقبل تأويلا ثم جلس بعد ذلك وأمرنا تأييدا للفعل بالقول بالجلوس وظاهره كراهة القيام بعد ذلك وقيل الأمر للاباحة رواه أحمد


عن محمد بن سيرين بعدم الإنصراف بناء على القول باعتبار المزيدتين مطلقا قال إن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس رضي الله عنهم فقام الحسن لعدم بلوغه النسخ أو حمل النسخ على الوجوب وجوز الإستحباب ولم يقم ابن عباس عملا بالنسخ وحملا للأمر بالجلوس فيما تقدم على الندب أو على الإباحة فقال الحسن أليس قد قام رسول الله لجنازة يهودي أي فكيف وهذا جنازة مسلم قال نعم ثم جلس أي قال نعم قام رسول الله أولا ثم جلس أي ثانيا يعني الفعل الثاني ناسخ للأول سيما وقد أكده بالأمر بالجلوس على ما سبق وهذا المعنى متعين لا يصح غيره فلا وجه لقول الطيبي الظاهر أن يكون ثم جلس من كلام ابن عباس أي فعل رسول الله كلا من ذلك لكن كان جلوسه متأخرا فيكون كما سبق من حديث علي كرم الله وجهه اه إذ مقتضى مقابلة الظاهر أن يكون ثم جلس من كلام ابن سيرين والضمير للحسن وهو غير مستحسن لعدم حصول الجواب من ابن عباس بل يكون مصادفة وموافقة وحينئذ ليس لقوله ثم جلس فائدة ولو جعل الضمير في جلس لابن عباس على أنه أقرب لكان تحصيلا للحاصل والله أعلم قال ابن حجر وإنما قال الحسن لأنه لم يبلغه النسخ ولذا أنكر على ابن عباس تركه للقيام لكن لما ذكر ابن عباس ما يدل على النسخ ترك الأنكار كما هو شأن الكمل أنه لا قصد لهم إلا محض ظهور الحق أو تذكر كلام والده رضي الله عنه رواه النسائي وعن جعفر بن محمد أي الباقر عن أبيه أي علي بن الحسين إن الحسن بن علي كان جالسا فمر عليه بجنازة فقام الناس أي بعضهم الذين لم يبلغهم النسخ أو كانوا قائلين بالإستحباب أو الجواز حتى جاوزت أي تعدت الجنازة من مقابلتهم فقال الحسن إنما مر بجنازة يهودي وكان رسول الله على طريقها جالسا وكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي إيماء إلى أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه فقام أي عن الطريق لهذا فهذا إنكار منه رضي الله عنه على قيام الناس للجنازة عكس ما سبق منه من الإنكار على ابن عباس على عدم


القيام ولعل هذا متأخر فيكون بعد تفحصه المسألة وتقررها عنده أن قيامه إنما كان لهذه العلة لأنه اختلفت علل القيام فجعلت تارة للفزع وأخرى كرامة للملائكة وأخرى كراهية رفعة جنازة اليهودي على رأسه والأخرى لم تعتبر شيئا من ذلك لاختلاف المقامات ويمكن جمع العلل بمعلول واحد إذ العمل بالنيات أو كان إنكاره على ابن عباس لأنه كان على الطريق وإنكاره على الناس لأنهم لم يكونوا على الطريق والله أعلم رواه النسائي وعن أبي موسى أن رسول الله قال إذا مرت بك أيها الصالح للخطاب جنازة يهودي قدم لتقدم ملتهم أو للترقي وهو الأظهر أو نصراني أو مسلم أو فيهما للتنويع فقوموا لها أفراد الخطاب أولا والجمع ثانيا إشارة إلى تعظيم أبي موسى وعموم الحكم ونظيره قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن الطلاق الآية أو الجمع للتعظيم أو كاف الخطاب لارادة عموم المخاطب كقوله تعالى ذلك يوعظ به من كان منكم البقرة فلستم لها تقومون أي في الحقيقة إنما تقومون لمن معها من الملائكة أي ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب قد يقال هذا مشكل لأنه أثبت القيام لها ثم نفاه عنها وقد يجاب بأنه أثبته لها باعتبار الصورة ونفاه عنها باعتبار باطن الأمر والحقيقة وإنكار البليغ على رعاية الإعتبارات والحيثيات سائغ شائع ومنه قضية الرضا بالقضاء واجب والرضا بالكفر كفر مع أن الكفر من جملة القضاء ومنه قوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى الأنفال هذا ولا ينافيه ما مر من تعليل القيام بأنه لكون الموت فزعا تارة وأخرى بكراهة رفع جنازة يهودية رأس رسول الله وأخرى لم تعتبر شيئا من العلل لأنه لا مانع من أن يكون للشيء الواحد علل متعددة فيذكر في كل مقام ما يليق به من الكلام رواه أحمد


وعن مالك بن هبيرة بالتصغير قال سمعت رسول الله يقول ما من مسلم يموت فيصلى عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب أي ذلك الفعل على الله تعالى مغفرته وعدا منه وفضلا وقد جاء في رواية إلا غفر الله له والتعبير بالإيجاب نظر الكون وعد الله لا يخلف فهو واجب لغيره صحيح زيادة للتطميع في حسن الرجاء فلا ينافي أنه يجب على كل أحد أن يعتقد أنه لا يجب على الله شيء قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا المائدة ثم هو خبر ما والمستثنى منه أعم عام الأحوال وفيه دلالة ظاهرة على معنى تأثير الثنايا بالمغفرة قاله الطيبي وفيه بحث إذ الفرق بين الثناء عليه والدعاء له واضح فكان مالك أي ابن هبيرة إذا استقل أهل الجنازة أي عدهم قليلا جزأهم بالتشديد أي فرقهم وجعل القوم الذين يمكن أن يكونوا صفا واحدا ثلاثة صفوف لهذا الحديث وفي جعله صفوفا إشارة إلى كراهة الإنفراد قال ابن الملك في شرح الوقاية ذكر الكرماني أن أفضل الصفوف في صلاة الجنازة آخرها وفي غيرها أولها إظهارا للتواضع ولتكون شفاعته أدعى إلى القبول ولا يدعو للميت بعد صلاة الجنازة لأنه يشبه الزيادة في صلاة الجنازة رواه أبو داود وفي رواية الترمذي بالإضافة قال كان مالك بن هبيرة إذا صلى أي أراد الصلاة على جنازة فتقال الناس عليها أي المنتظرين تفاعل من القلة أي رآهم قليلا وفي نسخة يرفع الناس أي صار الناس قليلا جزأهم ثلاثة أجزاء أي قسمهم ثلاثة أقسام أي شيوخا وكهولا وشبابا أو فضلاء وطلبة العلم والعامة ثم قال أي استدلالا لفعله قال رسول الله من صلى عليه ثلاثة صفوف وأقل الصف أن يكون اثنين على الأصح أوجب أي الله تعالى على ذاته بمقتضى وعده مغفرة ذنب عبده وروى ابن ماجه نحوه أي معناه


وعن أبي هريرة عن النبي في الصلاة على الجنازة اللهم أنت ربها أي سيدها ومالكها ومربيها ومصلحها وأنت خلقتها ابتداء وأنت هديتها إلى الإسلام المشتمل على الإيمان انتهاء وأنت قبضت روحها أي أمرت بقبض روحها وقال بعض العارفين نسبة القبض إلى الله حقيقية حيث قال الله يتوفى الأنفس حين موتها الزمر والنسبة إلى ملك الموت مجازية حيث قال عز وجل قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم السجدة وأنت أعلم بسرها وعلانيتها بتخفيف الياء أي باطنها وظاهرها حتى منها جئنا أي حضرنا شفعاء أي بين يديك داعين له بالمغفرة فاغفر له فإنك مجيب الدعوات وقاضي الحاجات رواه أبو داود ورواه النسائي إلا أن لفظة فاغفر لها وعن سعيد بن المسيب بفتح التحتية ويكسر وهو من سادات التابعين قال صليت وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط أي أبدا قال ابن حجر صفة كاشفة إذ لا يتصور في غير بالغ عمل ذنب اه ويمكن أن يحمل على المبالغة في نفي الخطيئة عنه ولو صورة فسمعته أي أبا هريرة يقول أي في صلاته اللهم أعذه أي أجره من عذاب القبر قال القاضي يحتمل أن يكون أبو هريرة اعتقد شيئا سمعه من رسول الله من أن عذاب القبر أمر عام للصغير والكبير وإن الفتنة تسقط عن الصغير لعدم التكليف في الدنيا وقال ابن عبد البر عذاب القبر غير فتنة القبر ولو عذب الله عباده أجمعين كان غير ظالم لهم يعني لا يطلب له دليل من العمل لأنه لا يسئل عما يفعل قال وقال بعضهم ليس المراد بعذاب القبر هنا العقوبة ولا السؤال بل مجرد الألم بالغم والحسرة والوحشة والضغطة وذلك يعم الأطفال وغيرهم كذا ذكره السيوطي في حاشية الموطأ رواه مالك وعن البخاري تعليقا أي بلا إسناد في الطيبي قال في الإرشاد والتعليق مستعمل فيما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر واستعمله بعضهم في حذف كل الإسناد كما هنا مقاله قال رسول الله كذا قال ابن عباس كذا قال سعيد بن المسيب كذا عن أبي


هريرة قال أي البخاري نقلا عن الحسن يقرأ الحسن أي كان يقرأ على الطفل فاتحة الكتاب أي بعد التكبيرة الأولى مقام الثناء وهذا الحديث مع قطع النظر عن تأويله لا يصلح أن يكون حجة للشافعي فإن الحسن من جملة المجتهدين وغايته الموافقة ويقول أي بعد التكبيرة الثالثة اللهم اجعله أي الطفل لنا سلفا بفتحتين في النهاية قيل هو من سلف المال كأنه قد أسلفه وجعله ثمنا للأجر والثواب الذي يجازي على الصبر عليه وقيل سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته ولهذا سمى الصدر الأول من التابعين السلف الصالح وفرطا في النهاية أجرا يتقدمنا وفي الصحاح الفرط بالتحريك هو الذي يتقدم القوم الواردة فيهيىء الأرسان والدلاء ويرد الحياض ويستقى لهم وذخرا بضم الذال وسكون الخاء أي ذخيرة وأجرا أي ثوابا جزيلا قال ميرك عبارة البخاري هكذا وقال الحسن يقرأ أي يصلي على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول اللهم اجعله لنا فرطا وسلفا وأجرا اه فعلى المصنف أن يقول وعن الحسن أنه قال الخ ثم يقول في آخره رواه البخاري عنه تعليقا فإن البخاري من جملة المخرجين لا من جملة الرواة الذين التزم المصنف ذكرهم وأيضا يفهم من رواية البخاري أن الحسن كان يأمر بذلك ومن ايراد المصنف يفهم أنه كان يفعله وبين العبارتين فرق ظاهر وأيضا فإن لفظة ذخرا ليست في رواية البخاري كما ترى مع أن في عبارة المصنف تقديما وتأخيرا أيضا تأمل ولعل في نسخة المصنف من البخاري وكان الحسن يقرأ على الطفل وصحف قال بكان فوقع فيما وقع وعن جابر أن النبي قال الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل في النهاية إستهلال الصبي تصويته عند ولادته وهذا مثال والمدار على ما يعلم به حياته وقد تقدم عن ابن الهمام ما ينفعك في هذا المقام رواه الترمذي وابن ماجه إلا أنه أي ابن ماجه لم يذكر ولا يورث وصححه ابن حبان والحاكم وقال أنه على شرط الشيخين ولفظه إذا استهل السقط صلى عليه وورث لكن اعترض على


تصحيحهما له النووي في شرح المهذب وبين أنه ضعيف
وعن أبي مسعود الأنصاري وهو عقبة بن بدر البصري شهد العقبة الثانية ولم يشهد بدرا عند جمهور أهل العلم بالسير وقيل إنه شهدها والأول هو الأصح ذكره المصنف قال نهى رسول الله أن يقوم أي من أن يقف الإمام فوق شيء والناس خلفه أي خلف ذلك الشيء يعني أسفل منه ويعلم النهي من العكس بالطريق الأولى رواه الدارقطني في المجتبى اسم لكتاب له في كتاب الجنائز فيه إيماء إلى وجه مناسبة ذكره في هذا الباب مع أن الأنسب ذكره في باب الإمامة من هذا الكتاب قال ابن الهمام ولا تجوز الصلاة والميت على دابة أو أيدي الناس لأنه كالإمام واختلاف المكان مانع من الإقتداء وقال في موضع آخر وشرط صحتها إسلام الميت وطهارته ووضعه أمام المصلى فلهذا القيد لا تجوز على غائب ولا حاضر على دابة وغيرها ولا موضع يتقدم عليه المصلى وهو كالإمام من وجه


باب دفن الميت

الفصل الأول
عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه أي مات ألحدوا بكسر همزة الوصل وفتح الحاء وبقطعها وكسر الحاء لي أي لأجلي لحدا مفعول مطلق من بابه أو من غيره أو مفعول به على تجريد في الفعل أي اجعلوا
لي لحدا في النهاية اللحد الشق الذي يعمل في جانب القبر لوضع الميت لأنه قد أميل عن وسط القبر إلى جانبه يقال لحدت وألحدت وأصل الإلحاد الميل قال النووي ألحدوا هو بوصل الهمزة وفتح الحاء ويجوز بقطع الهمزة وكسر الحاء وفيه استحباب اللحد ونصب اللبن فإنه فعل ذلك برسول الله باتفاق الصحابة وقد نقلوا أن عدد لبناته تسع اه وفي هذا الحديث نوع من الإعجاز له أو صنف من الكرامة للصحابة فإنه أمرهم باللحد له ثم اختلف الأصحاب واتفق رأيهم على أن أي الحفارين من صاحب اللحد والشق سبق فالعمل له واختار الله تعالى له اللحد كما سيأتي وقد قال اللحد لنا ثم قوله لحدا بفتح اللام على ما في الأصول وقال ابن حجر بفتح اللام وضمها والتحقيق أن الأول متعين في المعنى المصدري وأما المعنى الأسمي فمشترك فيهما والفتح أفصح كما أشار إليه صاحب القاموس حيث قال اللحد ويضم الشق يكون في عرض القبر ولحد القبر كمنع وألحده عمل له لحدا والميت دفنه وانصبوا بكسر الصاد أي أقيموا علي أي فوقي اللبن بكسر الباء في القاموس اللبن ككتف المضروب من الطين مربعا للبناء ويقال فيه بالكسر وبكسرتين نصبا أي نصبا مرصوصا على وجه العادة كما صنع برسول الله أي بقبره رواه مسلم قال ميرك ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد وقال ابن الهمام وهو رواية ابن سعد أنه عليه الصلاة والسلام ألحد وروى ابن حبان في صحيحه عن جابر أنه ألحد ونصب عليه اللبن نصبا ورفع قبره من الأرض نحو شبر ثم قال والسنة عندنا اللحد إلا أن تكون ضرورة من رخو الأرض فيخاف أن ينهار اللحد فيصار إلى الشق بل ذكر لي أن بعض الأرضين من الرمال يسكنها بعض الأعراب لا


يتحقق فيها الشق أيضا بل يوضع الميت ويهال عليه نفسه وعن ابن عباس قال جعل في قبر رسول الله قطيفة حمراء في النهاية القطيفة هي كساء له خمل وهو المهذب ومنه الحديث تعس عبد القطيفة أي الذي يعمل لها ويهتم بتحصيلها قال النووي وهذه القطيفة ألقاها شقران مولى من موالي رسول الله وقال كرهت أن يلبسها أحد بعده وقد نص الشافعي وغيره من الفقهاء على كراهة وضع القطيفة والمخدة ونحوهما تحت الميت في القبر فقيل إن ذلك من خواصه فلا يحسن في غيره اه وقال الدارقطني نقلا عن وكيع إن ذلك من خصائصه عليه الصلاة والسلام قال التوربشتي وذلك أنه كما فارق أهل الدنيا في بعض أحكام حياته فارقهم في بعض أحكام مماته فإن الله تعالى حرم على الأرض لحوم الأنبياء وحق لجسد عصمه الله عن البلى والإستحالة أن يفرش له في قبره لأن المعنى الذي يفرش للحي له لم يزل عنه بحكم


الموت وليس الأمر في غيره على هذا النمط اه وقال بعضهم تنازع علي والعباس فقصد شقران بوضعها دفع ذلك ذكره ابن حجر وهو بعيد جدا وقال الشيخ العراقي في ألفيته في السيرة وفرشت في قبره قطيفة وقيل أخرجت وهذا أثبت وكأنه أشار إلى ما قال ابن عبد البر في الإستيعاب أنها أخرجت قبل إهالة التراب والله أعلم بالصواب رواه مسلم وعن سفيان هو ابن دينار كوفي من أتباع التابعين التمار بتشديد الميم الذي يبيع التمر إنه رأى قبر النبي مسنما بتشديد النون المفتوحة قال الطيبي هو أن يجعل كهيئة السنام وهو خلاف تسطيحه وقال السيد جمال الدين المسنم المحدب كهيئة السنام خلاف المسطح وهو المربع قال في الأزهار احتج مالك وأبو حنيفة وأحمد بهذا الحديث على أن التسنيم في شكل القبور أفضل من التسطيح وقال الشافعي التسطيح أفضل لأن القاسم بن محمد قال رأيت قبر رسول الله وأبي بكر وعمر مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء أي مبسوطة بالرمال ولا يكون إلا مسطحا وروى أنه سطح قبر ابنه ورش عليه الماء قال السيد والظاهر أن قبر رسول الله غير عما كان في القديم وجعل مسنما لأن جداره سقط في زمن الوليد بن عبد الملك وقيل في زمن عمر بن عبدالعزيز اه وتبعه ابن حجر وهو غير ظاهر ولا يظن بهم هذا الظن وفي شرح الهداية لابن الهمام قال أبو حنيفة حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبي أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها وروى ابن الحسن أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم قال أخبرني من رأى قبر النبي وقبر أبي بكر وعمر ناشزة من الأرض وعليها فلق من مدر أبيض رواه البخاري وقال ابن الهمام ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ولفظه عن سفيان دخلت البيت الذي فيه قبر النبي وقبر أبي بكر وعمر مسنمة وما عورض به مما روى أبو داود عن القاسم بن محمد قال دخلت على عائشة فقلت يا أمت أكشفي لي عن قبر رسول الله وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء ليس


معارضا لهذا حتى يحتاج إلى الجمع بأدنى تأمل وأيضا ظهر أن القاسم أراد أنها مسنمة برواية أبي حفص بن شاهين في كتاب الجنائز بسنده عن جابر قال سألت ثلاثة كلهم له في قبر رسول الله أب سألت أبا جعفر محمد بن علي وسألت القاسم بن محمد بن أبي بكر وسألت سالم بن عبد الله اخبروني عن قبور آبائكم في بيت عائشة فكلهم قالوا إنها مسنمة اه ومما يؤيد مذهبنا إنها مسنمة أن التسطيح صار شعارا لروافض وكأنهم أخذوا من أمر على تسوية المشرف في الخبر


الآتي ولا دلالة فيه لا على التسطيح كما قاله ابن حجر ولا على التسنيم كما قاله غيره بل فيه مبالغة للزجر على البناء وإلا فلا يجوز تسويته بالأرض حقيقة إذ السنة أن يعلم القبر وأن يرفع شبرا كقبره عليه الصلاة والسلام كما رواه ابن حبان في صحيحه وعن أبي الهياج بتشديد التحتية الأسدي بفتح السين ويسكن قال قال لي علي ألا أبعثك بتشديد اللام للتحضيض وقيل بفتحها للتنبيه على ما بعثني عليه أي أرسلني إلى تغييره ولذا عدى بعلي قال التوربشتي أي ألا أرسلك للأمر الذي أرسلني له رسول الله وإنما ذكر تعديته بحرف على لما في البعث من معنى الاستعلاء والتأمير أي هلا أجعلك أميرا على ذلك كما أمرني رسول الله أن لا تدع أن مصدرية ولا نافية خبر مبتدأ محذوف أي هو أن لا تدع وقيل أن تفسيرية ولا ناهية أي لا تترك تمثالا أي صورة إلا طمسته أي محوته وأبطلته والاستثناء من أم الأحوال في الأزهار قال العلماء التصوير حرام والمحو واجب حيث لا يجوز الجلوس في مشاهدته ولا قبرا مشرفا هو الذي بنى عليه حتى ارتفع دون الذي أعلم عليه بالرمل والحصباء أو محسومة بالحجارة ليعرف ولا يوطأ إلا سويته في الأزهار قال العلماء يستحب أن يرفع القبر قدر شبر ويكره فوق ذلك ويستحب الهدم ففي قدره خلاف قيل إلى الأرض تغليظا وهذا أقرب إلى اللفظ أي لفظ الحديث من التسوية وقال ابن الهمام هذا الحديث محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء العالي وليس مرادنا ذلك بتسنيم القبر بل بقدر ما يبدو من الأرض ويتميز عنها والله سبحانه أعلم رواه مسلم قال ميرك ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وعن جابر قال نهى رسول الله أن يجصص القبر وأن يبني عليه قال في الأزهار النهي عن تجصيص القبور للكراهة وهو يتناول البناء بذلك وتجصيص وجهه والنهي في البناء للكراهة إن كان في ملكه وللحرمة في المقبرة المسبلة ويجب الهدم وإن كان مسجدا


وقال التوربشتي يحتمل وجهين أحدهما البناء على القبر بالحجارة وما يجري مجراها والآخران يضرب عليها خباء ونحوه وكلاهما منهى لعدم الفائدة فيه قلت فيستفاد منه أنه إذا كانت الخيمة لفائدة مثل أن يقعد القراء تحتها فلا تكون منهية قال ابن الهمام واختلف في إجلاس القارئين ليقرؤوا عند القبر والمختار عدم الكراهة اه ثم قال التوربشتي ولأنه من صنيع أهل الجاهلية أي كانوا يظللون على الميت إلى سنة قال وعن ابن عمر أنه رأى فسطاطا على قبر أخيه عبد الرحمن فقال أنزعه يا غلام وإنما يظله عمله وقال بعض الشراح من علمائنا ولإضاعة المال وقد أباح السلف البناء على قبر المشايخ والعلماء المشهورين ليزورهم الناس ويستريحوا بالجلوس فيه اه وأن يقعد عليه بالبناء للمفعول كالفعلين السابقين قيل للتغوط والحديث وقيل للأحداد وهو أن يلازم القبر ولا يرجع عنه وقيل مطلقا لأن فيه استخفافا بحق أخيه المسلم وحرمته كذا قاله بعض علمائنا وقال الطيبي المراد من القعود هو الجلوس كما هو الظاهر وقد نهى عنه لما فيه من الإستخفاف بحق أخيه المسلم وحمله جماعة على قضاء الحاجة ونسبوه إلى زيد بن ثابت والأول هو الصحيح لما أخرجه الطبراني والحاكم عن عمارة بن حزم قال رآني رسول الله جالسا على قبر فقال يا صاحب القبر إنزل من على القبر لا تؤذي صاحب القبر ولا يؤذيك وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه سئل عن الوطء على القبر قال كما أكره أذى المؤمن في حياته فإني أكره أذاه بعد موته رواه مسلم وعن أبي مرثد بفتح الميم والمثلثة الغنوي بفتحتين قال قال رسول الله لا تجلسوا على القبور قال ابن الهمام وكره الجلوس على القبر ووطؤه وحينئذ فما يصنعه الناس ممن دفنت أقاربه ثم دفنت حواليه خلق من وطء تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه ويكره النوم عند القبر وقضاء الحاجة بل أولى ويكره كل ما لم يعهد من السنة والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائما كما كان


يفعل رسول الله في الخروج إلى البقيع ويقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أسأل الله لي ولكم العافية ولا تصلوا أي مستقبلين إليها لما فيه من التعظيم البالغ لأنه من مرتبة
المعبود فجمع بين الإستحقاق العظيم والتعظيم البليغ قاله الطيبي ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم فالتشبه به مكروه وينبغي أن تكون كراهة تحريم وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة وهو مما ابتلى به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها وأما قول ابن حجر مستقبلين إليها وعندها فغير ظاهر من الحديث بل مناف لمفهوم إليها فتأمل رواه مسلم قال ميرك ورواه الترمذي وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لأن يجلس أحدكم على جمرة أي من النار فتحرق بضم التاء وكسر الراء ثيابه فتخلص بضم اللام أي تصل إلى جلده قال الطيبي جعل الجلوس على القبر وسراية مضرته إلى قلبه وهو لا يشعر بمنزلة سراية النار من الثوب إلى الجلد خير له أي أحسن له وأهون من أن يجلس على قبر الظاهر عمومه وأما قول ابن حجر أي لمسلم ولو جوز أن يختص فمحتاج إلى دليل مخصص مع أنه منقوض بما سيأتي من كلامه فإن الميت تدرك روحه ما يفعل به فيحس ويتأذى كما يتأذى الحي اه ولا شك أن الجزء الذي يتعلق به الروح لا يبلى لا سيما عجب الذنب كما صح في الأحاديث في الأزهار نقلا عن بعض العلماء الأولى أن يحمل من هذه الأحاديث ما فيه التغليظ على الجلوس للحدث فإنه يحرم وما لا تغليظ فيه على الجلوس المطلق فإنه مكروه وهذا تفصيل حسن والاتكاء والإستناد كالجلوس المطلق نقله السيد جمال الدين قال ابن حجر وظاهره حرمة القعود عليه ومثله الاتكاء عليه والإستناد ودوسه وجرى على ذلك في شرح مسلم عن الأصحاب لكن الذي عليه الشافعي والجمهور كراهة ذلك تنزيها وغلط ما في شرح مسلم وإن انتصر له بعضهم بأنه الأصح المختار للخبر وليس كما قال لأن أبا هريرة راوي الحديث وتفسير


راويه مقدم على تفسير غيره وقد فسر في الحديث القعود للبول والغائط على أن ابن وهب رواه في مسنده
عن النبي بلفظ من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط وهذا حرام إجماعا فليس الكلام فيه قال ولا يكره دوسه لحاجة كحفر أو قراءة عليه أو زيارة ولو لأجنبي للإتباع صححه ابن حبان ولأنه مع الحاجة ليس فيه انتهاك حرمة الميت بخلافه مع عدم الحاجة هذا كله قبل البلى أما بعده فلا حرمة ولا كراهة مطلقا لعدم احترامه أيضا اه وفي اعتبار الحاجة لغير الحفر نظر ظاهر وكذا في تقييده بما قبل البلى لمعارضته ظاهر النصوص والله أعلم رواه مسلم قال ميرك ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه
الفصل الثاني
عن عروة بن الزبير قال كان بالمدينة رجلان أي حفاران للقبور أحدهما يلحد بفتح الياء والحاء أي يحفرا للحد وهو أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري والآخر لا يلحد بل يفعل الشق وهو أبو عبيدة بن الجراح أحد العشرة المبشرة وكان يفعل الضريح وهو الشق في وسط القبر فقالوا أي اتفق الصحابة بعد موت النبي أيهما جاء أولا بالتنوين منصوبا وفي نسخة أول بالفتح والضم قيل الرواية في أول بالضم لأنه مبنى كقبل ويجوز الفتح والنصب عمل عمله أي من اللحد أو الشق في قبر النبي فجاء الذي يلحد أي قبل الآخر كما سبق في علم الله تعالى من اختياره لمختاره فلحد بفتح الحاء لرسول الله أي لقبره أو لحد قبره لأجله رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة قال السيد ظاهره الإرسال لأن عروة تابعي يروي عن عائشة خالته وغيرها وقد قال في الأزهار رواه ابن ماجه مسندا إلى عائشة فكان المصنف لم يطلع عليه في ابن ماجه وإلا لم يقل رواه في شرح السنة تأمل اه ويمكن أن يكون لفظ ابن ماجه غير اللفظ المذكور فلهذا لم ينسب إليه وعن ابن عباس قال قال رسول الله اللحد لنا والشق لغيرنا قال زين


العرب تبعا للتوربشتي أي اللحد آثر وأولى لنا والشق آثر وأولى لغيرنا أي هو اختيار من كان قبلنا من أهل الإيمان وفي ذلك بيان فضيلة اللحد وليس فيه نهى عن الشق لأن أبا عبيدة مع جلالة قدره في الدين والأمانة كان يصنعه ولأنه لو كان منهيا لما قالت الصحابة أيهما جاء أولا عمل عمله ولأنه قد يضطر إليه لرخاوة الأرض وقال الطيبي ويمكن أنه عنى بضمير الجمع نفسه أي أوثر لي اللحد وهو إخبار عن الكائن فيكون معجزة اه قال السيد هذا التوجيه بعيد جدا لقوله الشق لغيرنا تأمل وجه التأمل أن يقال لا يبعد أن يكون المعنى والشق اختير لغيرنا ممن كان قبلنا والأظهر أن تكون الصيغة للمتكلم مع الغير والمعنى اللحد اختير لي ولمن شاء الله بعدي وقبلي والشق لغيرنا سواء كان ممن قبلنا أو من بعدنا أو اللحد لنا معشر الأنبياء والشق جائز لغيرنا وهو أوجه من التوجيه السابق لما يلزم منه بحسب الظاهر كراهة الشق حيث قالوا الشق اختياره من كان قبلنا من أهل الأديان رواه الترمذي قال السيد وقال غريب وأبو داود والنسائي وابن ماجه أي كلهم عن ابن عباس ورواه أحمد عن جرير بن عبد الله أي البجلي وقال النووي ضعيف واعترض عليه بأن ابن السكن رواه في صحاحه وعن هشام بن عامر أي ابن أمية بن الخشخاش النجاري الأنصاري كان يسمى في الجاهلية شهابا فغير النبي اسمه فسماه هشاما واستشهد أبوه عامر يوم أحد وسكن هشام البصرة ومات فيها ذكره السيد أن النبي قال يوم أحد أي وقت انتهاء غزوته عند إرادة دفن الشهداء احفروا بهمزة وصل وأخذ منه بعض الشافعية ومنعوا الدفن في الفساقي وبينوا أن فيه مفاسد فليجتنب ما أمكن وأوسعوا بقطع الهمزة وأعمقوا كذلك وفي القاموس أعمق البئر جعلها عميقة قال المظهر أي اجعلوا عمقه قدر قامة رجل إذا مد يده إلى رؤوس أصابعه قال ابن حجر وأعمقوا بالمهملة وقيل بالمعجمة من التغميق قلت ما قيل لا يصح هنا لمخالفته للرواية والدراية أما أولا فلما ضبط في الأصول


المصححة ولوجود الهمزة وأما ثانيا فلأنه لا يناسب المقام فإن صاحب القاموس ذكر أن العمق محركة ركوب الندى الأرض
غمقت الأرض مثلثة فهي غمقة كفرحة ذات ندى أو قريبة من المياه وفي النهاية أرض غمقة قريبة من المياه والبروز وأحسنوا أي أحسنوا إلى الميت في الدفن قاله في الأزهار وقال زين العرب تبعا للمظهر أي اجعلوا القبر حسنا بتسوية قعره ارتفاعا وانخفاضا وتنقيته من التراب والقذاة وغيرهما وادفنوا الاثنين بهمزة وصل لا بالنقل كما يتوهم وقولهم كل سر جاوز الاثنين شاع منسوب إلى اللحن والثلاثة بالنصب أي من الأموات في قبر واحد قال السيد الأمر فيه للاباحة ضرورة ولا يجوز بدونها اه والأمر في الأول للوجوب وفي الباقي للندب وقدموا أكثرهم قرآنا أي إلى جدار اللحد ليكون أقرب إلى الكعبة في الأزهار الأمر للندب وفيه إرشاد إلى تعظيم المعظم علما وعملا قلت حيا وميتا فيكون دائما إماما وأما ما قال ابن الهمام واعلم أن الصلاة الواحدة كما تكون على ميت واحد تكون على أكثر فإذا اجتمعت الجنائز إن شاء استأنف لكل ميت صلاة وإن شاء وضع الكل وصلى عليهم صلاة واحدة وهو في كيفية وضعهم بالخيار إن شاء وضعهم بالطول سطرا احدا ويقف عند أفضلهم وإن شاء وضعهم واحدا وراء واحد إلى جهة القبلة وترتيبهم بالنسبة إلى الإمام كترتيبهم في صلاتهم خلفه حال الحياة فيقرب منه الأفضل فالأفضل ويبعد عنه المفضول فالمفضول وكل من بعد منه كان إلى جهة القبلة أقرب قال ولو اجتمعوا في قبر واحد فوضعهم على عكس هذا فيقدم الأفضل فالأفضل إلى القبلة كما فعل عليه الصلاة والسلام في قتلى أحد من المسلمين اه والظاهر أن الأقربية هنا على بابها وأما قياس ابن حجر هذا الحديث على حديث الإمامة ففاسد لأن هناك صارفين عن ظاهره أولهما تقديم الصديق في الإمامة مع قوله أقرؤكم أبي وثانيهما تعليل العلماء بأن الأفقه بمسائل الصلاة أولى لكثرة احتياج الإمام بها في شرائطها والقراءة ركن واحد


من أركانها والله أعلم رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح نقله ميرك وأبو داود والنسائي إلى آخره وروى ابن ماجه إلى قوله وأحسنوا وعن جابر قال لما كان يوم أحد جاءت عمتي في الأزهار نقلا عن الغوامض عمة جابر هذه فاطمة بنت عمرو بن حرام الأنصاري ذكره السيد بأبي الباء للتعدية لتدفنه في مقابرنا أي في المدينة فنادى منادي رسول الله ردوا القتلى جمع القتيل وهو المقتول أي الشهداء إلى مضاجعهم أي مقاتلهم والمعنى لا تنقلوا الشهداء من مقتلهم بل ادفنوهم حيث


قتلوا وكذا من مات في موضع لا ينقل إلى بلد آخر قاله بعض علمائنا وقال في الأزهار الأمر في قوله ردوا القتلى للوجوب وذلك أن نقل الميت من موضع إلى موضع يغلب فيه التغير حرام وكان ذلك زجرا عن القيام بذلك والإقدام عليه وهذا أظهر دليل وأقوى حجة في تحريم النقل وهو الصحيح نقله السيد والظاهر أن نهي النقل مختص بالشهداء لأنه نقل ابن أبي وقاص من قصره إلى المدينة بحضور جماعة من الصحابة ولم ينكروا كما تقدم والأظهر أن يحمل النهي على نقلهم بعد دفنهم لغير عذر ويؤيده لفظ مضاجعهم ولعل وجه تخصيص الشهداء قوله تعالى قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم آل عمران وفيه حكمة أخرى وهو اجتماعهم في مكان واحد حياة وموتا وبعثا وحشرا ويتبرك الناس بالزيارة إلى مشاهدهم ويكون وسيلة إلى زيارة جبل أحد حيث قال أحد جبل يحبنا ونحبه قال المظهر فيه دلالة على أن الميت لا ينقل من الموضع الذي مات فيه قال الأشرف هذا إذا كان في الابتداء أي ابتداء أحد وأما بعده فلا لما روي أن جابرا جاء بأبيه عبد الله الذي قتل بأحد بعد ستة أشهر إلى البقيع ودفنه بها قال الطيبي رحمه الله لعل الظاهر أنه إن دعت ضرورة إلى النقل نقل وإلا فلا لما روينا عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن صعصعة إنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبرهما وكان قبرهما مما يلي السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جرح ويده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين أحد وبين الحفر عنهما ست وأربعون سنة قلت وهذا القول هو القول لأنه لا يظن بجابر أنه ينقل بعد النهي عن أن ينقل قال ابن الهمام ولا ينبش بعد إهالة التراب لمدة طويلة ولا قصيرة إلا لعذر قال في التجنيس والعذر أن يظهر أن الأرض مغصوبة أو


يأخذها شفيع ولذا لم يحول كثير من الصحابة وقد دفنوا بأرض الحرب إذ لا عذر ومن الأعذار أن يسقط في اللحد مال ثوب أو درهم لأحد واتفقت كلمة المشايخ في امرأة دفن ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر فأرادت نقله أنه لا يسعها ذلك فتجويز شواذ بعض المتأخرين لا يلتفت إليه ولم نعلم خلافا بين المشايخ في أنه لا ينبش وقد دفن بلا غسل أو بلا صلاة فلم يبيحوه لتدارك فرض لحقه يتمكن به منه أما إذا أرادوا نقله قبل الدفن أو تسوية اللبن فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين قال في التجنيس لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار وقال السرخسي قول محمد بن سلمة ذلك دليل على أن نقله من بلد إلى بلد مكروه والمستحب أن يدفن كل في مقبرة البلدة التي مات بها ونقل عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت حين


زارت قبر أخيها عبد الرحمن وكان مات بالشام وحمل منها ولو كان الأمر فيك إلي ما نقلتك ولدفنتك حيث مت ثم قال في التجنيس في النقل من بلد إلى بلد لا إثم لما نقل أن يعقوب عليه الصلاة والسلام مات بمصر ونقل عنه إلى الشام وموسى عليه الصلاة والسلام نقل تابوت يوسف عليه الصلاة والسلام بعد ما أتى عليه زمان من مصر إلى الشام ليكون مع آبائه اه ولا يخفى أن هذا شرع من قبلنا ولم تتوفر فيه شروط كونه شرعا لنا إلا أنه نقل عن سعد بن أبي وقاص أنه مات في ضيعة على أربعة فراسخ من المدينة فحمل على أعناق الرجال إليها اه وفيه أنه نقل حين موته لا بعد دفنه فلا دخل له في القضية ويمكن أن يحمل نقل يعقوب ويوسف عن عذر وأيضا فلا تنافي بين الاثم والكراهة إذ الكراهة محمولة على التنزيه وهو خلاف الأولى إلا لعارض قال صاحب الهداية وذكر أن من مات في بلدة يكره نقله إلى أخرى لأنه اشتغال بما لا يفيد بما فيه تأخير دفنه وكفى بذلك كراهة قلت فإذا كان يترتب عليه فائدة من نقله إلى أحد الحرمين أو إلى قرب قبر أحد من الأنبياء أو الأولياء أو ليزوره أقاربه من ذلك البلد وغير ذلك فلا كراهة إلا ما نص عليه من شهداء أحد أو من في معناهم من مطلق الشهداء والله أعلم رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي والدارمي ولفظه أي لفظ الحديث والمراد هذا اللفظ للترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح نقله ميرك ولفظ الترمذي وقد صححه عن جابر أمرنا رسول الله بقتلى أحد أن يردوا إلى مضاجعهم وكانوا نقلوا إلى المدينة قال ابن حجر وبهذا الحديث الصحيح يرد قول بعضهم أمره بردهم كان أولا وأما بعد فلا لما روى أن جابرا جاء بأبيه إلى البقيع بعد ستة أشهر اه وهو مردود لأن هذا الجمع مقبول بل متعين عند أرباب المنقول والمعقول عن ابن عباس قال سل بتشديد اللام على صيغة المجهول في النهاية هو إخراج الشيء بتأن وتدريج أي جر بلطف رسول الله أي في القبر من قبل رأسه بكسر القاف وفتح الباء أي


من جهة رأسه وجانبه والضمير راجع إليه ولا وجه لجعله إلى الميت كما فعله ابن الملك رواه الشافعي أي عن الثقة عنده عن عمرو بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس ورواه البيهقي من طريقه نقله السيد وفيه إشارة إلى شائبة من الضعف فقول ابن حجر
وسنده صحيح يحتاج إلى تصحيح لأنه ما ثبت أنه حسن فكيف يكون صحيحا قال صاحب الهداية عند الشافعي يسل سلا قال ابن الهمام هو بأن يوضع السرير في مؤخر القبر حتى يكون رأس الميت بإزاء موضع قدميه من القبر ثم يدخل رأس الميت القبر ويسل كذلك أو تكون رجلاه موضع رأسه ثم يدخل رجلاه ويسل كذلك وقد قيل كل منهما والمروى للشافعي الأول قال أخبرنا الثقة عن عمرو بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس قال سل رسول الله من قبل رأسه وقال أخبرنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد وربيعة وأبي النضر لاختلاف بينهم في ذلك أن النبي سل من قبل رأسه وكذلك أبو بكر وعمرو إسناد أبي داود صحيح وهو ما أخرج عن أبي إسحاق السبيعي قال أوصاني الحرث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد هو الخطمي فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجل القبر وقال هذا من السنة وروى أيضا من طرق ضعيفة قلنا إدخاله عليه الصلاة والسلام مضطرب فيه فكما روى ذلك روى خلافه أخرج أبو داود في المراسيل عن حماد بن سليمان عن إبراهيم هو النخعي أن النبي أدخل القبر من قبل القبلة ولم يسل سلا وأخرج ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد أنه عليه الصلاة والسلام أخذ من قبل القبلة واستقبل استقبالا وعلى هذا لا حاجة إلى ما دفع به الاستدلال الأول من إن سله للضرورة وحينئذ نقول تعارض ما رواه وما رويناه فتساقطا ولو ترجح الأول كان للضرورة كما قلنا وغاية فعل غيره أنه فعل صحابي ظن السنة ذلك وقد وجدنا التشريع المنقول عنه عليه الصلاة والسلام في الحديث المرفوع خلافه وكذا عن بعض أكابر الصحابة منه ما أخرجه ابن أبي شيبة أن عليا كبر على يزيد بن المكفف أربعا وأدخله من قبل القبلة وأخرج عن ابن الحنفية


أنه ولى ابن عباس فكبر عليه أربعا وأدخله من قبل القبلة فالأولى العمل بالحديث الثاني وهو قول المصنف وعنه أي عن ابن عباس أن النبي دخل قبرا أي قبر ميت ليدفنه ليلا قال ابن الملك يدل على أن دفن الميت ليلا لا يكره فأسرج ماض مجهول له أي للميت أو للنبي بسراج أقيم مقام الفاعل والباء زائدة أي أسرج على طرف القبر ليضيء القبر فأخذ أي النبي الميت من قبل القبلة في الأزهار احتج أبو حنيفة بهذا الحديث على أن الميت يوضع في عرض القبر في جانب القبلة بحيث يكون مؤخر الجنازة إلى مؤخر القبر ورأسه إلى


رأسه ثم يدخل الميت القبر وقال الشافعي والأكثرون يسل من قبل الرأس بأن يوضع رأس الجنازة على مؤخر القبر ثم يدخل الميت القبر للاجماع بعد ذلك عليه قلت لعله أراد بالإجماع اتفاق حفاري بلده أو أهل مذهبه وقال أي النبي في حق الميت رحمك الله دعاء أو أخبار أن كنت أن مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت على فعل من أفعال المبتدأ ولزمها اللام الفارقة بينها وبين النافية أي إنك كنت لأواها بتشديد الواو أي كثير التأوه من خشية الله أو كثير التضرع من محبة الله أو كثير البكاء من خوف أو كثير الدعاء لطلب رحمة الله في النهاية الأواه المتأوه المتضرع وقيل هو الكثير البكاء أو الكثير الدعاء تلاء بتشديد اللام أي كثير التلاوة أو كثير المتابعة للقرآن والمعنى يستحق بهما الرحمة الكاملة والمغفرة الشاملة رواه الترمذي وقال في شرح السنة إسناده ضعيف قال الشيخ الجزري كأنه يشير إلى كون المنهال بن خليفة في إسناده وقد ضعفه ابن معين وقال ابن الهمام قال الترمذي حديث حسن اه مع أن فيه الحجاج بن أرطأة ومنهال بن خليفة وقد اختلفوا فيهما وذلك يحط الحديث عن درجة الصحيح لا الحسن اه وقال الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في الحلية أن الرجل المقبور كان عبد الله ذا البجادين نقله السيد وفي القاموس البجاد ككتاب كساء مخطط ومنه عبد الله ذو البجادين دليل النبي اه وقد ذكر السيوطي رحمه الله حديث ذي البجادين بطرق ثم قال فهذه طرق متعددة تقتضي ثبوت الحديث وبه يتبين ضعف قول ابن حجر ولم يلتفتوا إلى تحسين الترمذي لأنه ذكر فيه ما اتفقوا على ضعفه ثم قال قال الشافعي وأصحابه مع أنه لا يمكن إدخاله من قبل القبلة لأن شق قبره المكرم كان لاصقا بالجدار القبلى ولحده تحت الجدار فلا موضع هناك يوضع فيه وحينئذ يسقط تعلق أبي حنيفة بهذا الحديث قلت مع قطع النظر عن المطابقة بين الحديث والدليل إنما هو دليل على أن سله إنما كان للضرورة فتأمل وأنصف ولا تتبع المتعسف قال السيوطي


وغالب طرقه عن ابن مسعود قال والله لكأني أرى رسول الله في غزوة تبوك وهو في قبر عبد الله ذي البجادين وأبو بكر وعمر يقول أدنيا مني أخاكما وأخذه من قبل القبلة حتى أسنده في لحده ثم خرج رسول الله وولاهما العمل فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعا يديه يقول اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه وكان ذلك ليلا فوالله لقد رأيتني ولوددت أني مكانه وعن ابن عمر أن النبي كان إذا أدخل روى مجهولا ومعلوما الميت
بالرفع أو النصب القبر مفعول ثان قال أي النبي عملا أو تعليما بسم الله أي وضعته أو وضع أو أدخله وبالله أي بأمره وحكمه أو بعونه وقدرته وعلى ملة رسول الله أي على طريقته الجامعة الشاملة ودينه وشريعته الكاملة قال الطيبي قوله أدخل روى معلوما ومجهولا والثاني أغلب فعلى المجهول لفظ كان بمعنى الدوام وعلى المعلوم بخلافه لما روى أبو داود عن جابر قال رأى ناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله في القبر وهو يقول ناولوني صاحبكم فإذا هو بالرجل الذي يرفع صوته بالذكر قال ميرك وفيه نظر لأنه على تقدير المعلوم يحتمل الدوام أيضا وعلى تقدير المجهول يحتمل عدمه أيضا كما لا يخفى أقول وفيه أن إدخاله عليه الصلاة والسلام الميت بنفسه الأشرف لم يكن دائما بل كان نادرا لكن قوله بسم الله يمكن أن يكون دائما مع إدخاله وإدخال غيره تأمل وفي رواية وعلى سنة رسول الله أي شريعته وطريقته فهي بمعنى الأولى منه رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روى مرفوعا وموقوفا ذكره ميرك وابن ماجه أي كلهم الروايتين وروى أبو داود الثانية أي الرواية الثانية ورواه النسائي مرفوعا وموقوفا قاله ميرك وقال ابن الهمام روى ابن ماجه قال بسم الله وعلى ملة رسول الله زاد الترمذي بعد بسم الله وبالله ورواه أبو داود من طرق أخر بدون الزيادة ورواه الحاكم ولفظه إذا وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا بسم الله وعلى ملة رسول الله وصححه وفيه طرق


عديدة وعن جعفر أي الصادق بن محمد عن أبيه أي محمد الباقر مرسلا لأنه لم يدرك النبي وحذف الصحابي والغالب روايته عن جابر أن النبي حثى كرمى أي قبض التراب ورماه على الميت المراد به الجنس ثلاث حثيات أي حفنات وروى أحمد بإسناد ضعيف إنه يقول مع الأولى منها خلقناكم ومع الثانية وفيها نعيدكم ومع الثالثة ومنها نخرجكم تارة أخرى بيديه جميعا قال ابن الملك فالسنة لمن حضر الميت على رأس القبر أن يحثى التراب ويرميه في القبر بعد نصب اللبن وفي التحبير للقشيري قيل لبعضهم في المنام ما فعل الله بك قال وزنت حسناتي فرجحت السيئات على الحسنات فسقطت صرة في كفة الحسنات فرجحت فحلت الصرة فإذا فيها كف تراب ألقيته في قبر مسلم


ذكره في المواهب وإنه أي النبي رش أي الماء على قبر ابنه إبراهيم قال ابن الملك ويسن حيث لا مطر رش القبر بماء بارد وطاهر طهور تفاؤلا بأن الله يبرد مضجعه ووضع عليه حصباء وهي بالمد الحصى الصغار ففي القاموس الحصباء الحصى والحصى صغار الحجارة وفي النهاية الحصباء الصغار قال ابن الملك وهو يدل على أن وضع الحصا عليه سنة لئلا ينبشه سبع وليكون علامة له اه وفي لعلة الأولى بحث رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة وروى الشافعي من قوله رش قال الشيخ الجزري رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر مرسلا في حديثين أحدهما إلى جميعا والآخر أنه رش وقدم حديث الرش على حديث حتى وذكر له البيهقي من حديث عامر بن ربيعة عن أبيه أن النبي دفن عثمان بن مظعون وحثى بيديه ثلاث حثيات وهو ضعيف قال ميرك كذا في التصحيح وهو خلاف ما نقله المصنف فتأمل اه وروى البزار أنه أمر بالرش في قبر عثمان بن مظعون وروى ابن ماجه أنه أمر به في قبر سعد بن معاذ قال ابن حجر ودليل الحثى جيد ودليل وضع الحصى ضعيف ومع ذلك يعمل به فيسن وضعها على القبر اه وفيه أشكالا أحدهما أن حديث الحثى والرش واحد وحديث الرش بانفراده ضعيف وثانيهما أن القاعدة المقررة في مذهب الشافعي أن الحديث الضعيف لا يعمل به إلا في فضائل الأعمال ولا شك أن هذا ليس من ذلك القبيل وعن جابر قال نهى رسول الله أن يجصص بالتذكير وتؤنث القبور قيل لعل ورود النهي لأنه نوع زينة ولذلك رخص بعضهم التطيين منهم الحسن البصري وقال الشافعي لا بأس أن يطين القبر ذكره الطيبي وأن يكتب عليها قال المظهر يكره كتابة اسم الله ورسوله والقرآن على القبر لئلا يهان بالجلوس عليه ويداس بالانهدام وقال بعض علمائنا وكذا يكره كتابة اسم الله والقرآن على جدار المساجد وغيرها قال ابن حجر وأخذ أئمتنا أنه يكره الكتابة على القبر سواء اسم صاحبه أو غيره في لوح عند رأسه أو غيره قيل ويسن كتابة اسم الميت


لا سيما الصالح ليعرف عند تقادم الزمان لأن النهي عن الكتابة منسوخ كما قاله الحاكم أو محمول على الزائد على ما يعرف به حال الميت اه وفي قوله يسن محل بحث والصحيح أن يقال أنه يجوز وأن توطأ أي بالأرجل لما فيه من الاستخفاف قال في الأزهار النهي عن التجصيص والكتابة والوطء للكراهة والوطء لحاجة كزيارة ودفن ميت لا يكره نقله
السيد وفي وطئه للزيارة محل بحث رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح وقد روى من غير وجه عن جابر نقله ميرك وعنه أي عن جابر قال رش بصيغة المجهول قبر النبي قال الطيبي لعل ذلك إشارة إلى استنزال الرحمة الإلهية والعواطف الربانية كما ورد في الدعاء اللهم اغسل خطاياه بالماء والثلج والبرد وقالوا سقى الله ثراه وبرد مضجعه أو إلى الدعاء بالطراوة وعدم الدروس قال ميرك ولعل الحكمة فيه أن القبر إذا رش بالماء كان أكثر بقاء وأبعد عن التناثر والاندراس قلت هذا أمر ظاهر حسي لا يحتاج إلى نقل وهو مأخوذ من العبارة وأما ما ذكره الطيبي من الإشارة فهو في غاية من اللطافة ونهاية من اشرافة ونظيره إن أحدا من المريدين بني بيتا ثم ضيف شيخه فقال له الشيخ لأي شيء فتحت الطاقة قال لدخول الهواء وشمول الضياء فقال هذا أمر ظاهر حاصل لا محالة لكن كان ينبغي أن تقصد بالإسالة سماع الأذان ويكون الباقي تبعا له وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بالرفع وفي نسخة بالنصب بقربة بدأ أي ابتدأ في الرش من قبل رأسه لشرفه واستمر حتى انتهى إلى رجليه وظاهره إنه مرة ويحتمل مرات رواه البيهقي في دلائل النبوة وفي وجه روايته في الدلائل خطأ وعن المطلب بن أبي وداعة بفتح الواو قال الطيبي هو قرشي أسلم يوم فتح مكة وكذا ذكره المؤلف قال ميرك أعلم أن هذا الحديث رواه أبو داود ولم ينسب المطلب راويه وكذا في المصابيح وقع غير منسوب والمصنف جعله منسوبا إلى أبي داود من عند نفسه وأخطأ في ذلك قال الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح السلمي في تخريجه


رواه أبو داود من حديث المطلب بن عبد الله المدني وهو المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي وهو تابعي يروى عن أبي هريرة وعائشة وابن عمر وابن عباس ففي الحديث إرسال وهو الظاهر من السياق حيث قال المطلب قال الذي يخبرني عن رسول الله إلى آخره والدليل على خطأ المصنف ما رواه ابن سعد في الطبقات فقال حدثنا محمد بن عمر حدثنا كثير بن يزيد عن المطلب بن عبدالله بن حنطب قال لما مات عثمان بن مظعون دفن بالبقيع فأمر رسول الله بشيء فوضع عند رأسه وقال هذا علامة قبره يدفن إليه يعني من مات بعده اه قال مات عثمان بن مظعون بالضاء المعجمة أخرج بجنازته كأنه من باب حذف العاطف أي


وأخرج جنازته فدفن وقوله أمر النبي جواب لما كذا قيل والأظهر أن جواب لما هو أخرج لوقوعه في محله وأمر حذف عاطفه ويدل عليه الحديث المذكور في الحاشية السابقة لما مات عثمان بن مظعون ودفن بالبقيع فأمر رسول الله رجلا أن يأتيه بحجر أي كبير لوضع العلامة وفي رواية بصخرة فلم يستطع أي ذلك الرجل وحده حملها قال ابن الملك تأنيث الضمير على تأويل الصخرة فقام إليها رسول الله وحسر أي كشف وأبعد كمه عن ذراعيه أي ساعديه وفي النهاية أخرجهما عن كميه اه وهو حاصل المعنى وفي الأزهار فيه أن حسر الذراع لحاجة غير مكروه ولا ترك أدب بمرأى الناس إذ فيه صيانة الثوب عن الأدناس قال المطلب قال الذي يخبرني عن رسول الله كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله حين حسر أي كشف الثوب عنهما ثم حملها أي وحده فوضعها عند رأسه أي رأس قبر عثمان وقال أي رسول الله أعلم مضارع متكلم من الأعلام بها أي أعلم الناس بهذه الحجارة قبر أخي واجعل الصخرة علامة لقبر أخي وسماه أخا تشريفا له أو لأنه كان قرشيا أو لأنه أخوه من الرضاعة وهو الأصح قيل إنه أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا وهاجر مرتين وشهد بدرا وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين وأدفن إليه أي إلى قربه وقال الطيبي أي أضم إليه في الدفن من مات من أهلي في الأزهار يستحب أن يجعل على القبر علامة يعرف بها لقوله أعلم بها قبر أخي ويستحب أن يجمع الأقارب في موضع لقوله وأدفن إليه من مات من أهلي وكان عثمان أخاه من الرضاعة وأول من دفن إليه إبراهيم ابنه وقال الطيبي سماه أخاه لقرابة بينهما لأنه كان قرشيا وهو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب القرشي الجمحي وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية وقال لا أشرب ما يضحك بي من هو دوني وقال السلمي وكان عثمان من أهل الصفة وهو أول من دفن بالبقيع ومن هاجر بالمدينة وقيل أول من تبعه من أهل النبي إبراهيم ابن النبي وقال لزينب بنته بعد أن ماتت إلحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون وأما ما


نقله ابن حجر من أنه قال في إبراهيم وأخته زينب لما توفيا ألحقا بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون فغير محفوظ بالنسبة إلى إبراهيم ثم قال قال بعض متقدمي أئمتنا ويسن وضع أخرى عند رجله لأنه وضع حجرين على قبر عثمان بن مظعون ورد بأن المحفوظ في حديث عثمان حجر واحد كما تقرر اه وفيه أنه لا دلالة في الحديث المذكور على أن الحجر واحد أو متعدد فكيف يصلح للرد على من أثبت التعدد مع أن القاعدة المقررة عند التعارض على تسليم ثبوت الواحد أن زيادة الثقة مقبولة وإن المثبت مقدم على النافي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ والله الموفق رواه أبو داود قال ميرك وفي إسناده كثير بن زيد مولى الأسلميين تكلم فيه غير واحد اه فما قاله ابن حجر من أن سنده جيد محتاج إلى الانتقاد لأنه مخالف لما قاله النقاد


وعن القاسم بن محمد أي ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت يا أماه بسكون الهاء وهي عمته لكن قال يا أماه لأنها بمنزلة أمه أو لكونها أم المؤمنين أكشفي لي أي أظهري وارفعي الستارة عن قبر النبي وفي نسخة رسول الله وصاحبيه أي ضجيعية وهما العمران القمران المنوران بجنب البدر المنير أو شمس الظهير فكشفت لي أي لأجلي أو لرؤيتي عن ثلاثة قبور لا مشرفة أي مرتفعة غاية الارتفاع وقيل أي عالية أكثر من شبر ولا لاطئة بالهمزة الياء أي مستوية على وجه الأرض يقال لطأ بالأرض أي لصق بها مبطوحة صفة لقبور قال ابن الملك أي مسواة مبسوطة على الأرض اه وفيه إنها تكون حينئذ بمعنى لاطئة وتقدم نفيها والصواب أن معناها ملقاة فيها البطحاء ففي القاموس تبطيح المسجد القاء الحصى فيه وفي النهاية بطح المكان تسويته وبطح المسجد ألقى فيه البطحاء وهو الحصا الصغار اه وبه يظهر أنه لا دليل للشافعية بهذا الحديث على التسطيح وبطل قول ابن حجر وهو صريح في أن القبور الثلاثة مسطحة لا مسنمة وإن ابن حبان صحح أن قبره كان مرتفعا شبرا قلت كونه مرتفعا شبرا لا ينافي كونه مسنما وقد تقدم تصريح سفيان أنه رأى قبر النبي مسنما ببطحاء العرصة أي برمل العرصة وهي موضع وقال الطيبي العرصة جمعها عرصات وهي كل موضع واسع لا بناء فيه والبطحاء مسيل واسع فيه دقاق الحصى والمراد بها هنا الحصى لإضافتها إلى العرصة وقوله الحمراء صفة للبطحاء أو العرصة قال الطيبي أي كشفت لي عن ثلاثة قبور لا مرتفعة ولا منخفضة لاصقة بالأرض مبسوطة مسواة والبطح أن يجعل ما ارتفع من الأرض مسطحا حتى يسوى ويذهب التفاوت قال السيد وفيه بحث ولعل مراده ما قلنا أولا أو أنه يلزم من كلامه أن لا يكون للقبور صورة متميزة عن الأرض وهو خلاف الإجماع لأن الخلاف في أنها مسنمات أو مربعات وقد سبق الكلام من ابن الهمام على تحقيق المقام ثم قال السيد والأولى أن يقال معناه ألقى


فيها بطحاء العرصة الحمراء رواه أبو داود قال السيد قيل هذا حديث صحيح وقيل حسن وعن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله في جنازة رجل
من الأنصار فانتهينا إلى القبر أي فوصلنا ولما أي لم يلحد بعد أي لم يفرغ من حفر اللحد بعد مجيئنا فجلس النبي مستقبل القبلة لقوله أشرف المجالس ما استقبل به القبلة رواه الطبراني عن ابن عباس وجلسنا معه أي حوله كما في رواية حتى يلحد قال بعض علمائنا وأما عند زيارة الميت فيجلس أو يقف مستقبل القبر رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه هو والمنذري والنسائي وابن ماجه وزاد في آخره كان على رؤوسنا الطير إشارة إلى الإطراق قال السيد قد تقدم هذا الحديث مطولا في باب ما يقال عند من حضره الموت في الفصل الثالث منه وكان المصنف ذهل عن إيراد صاحب المصابيح له في هذا الباب فأورده هناك في الفصل الثالث اه وفيه أن ما أورده مطولا فيه فوائد كثيرة منها هذه الجملة وأيضا أورده بألفاظ أخر يحصل بها المغايرة فلا تكرار حقيقة وعن عائشة أن رسول الله قال كسر عظم الميت ككسره حيا يعني في الإثم كما في رواية قال الطيبي إشارة إلى أنه لا يهان ميتا كما لا يهان حيا قال ابن الملك وإلى أن الميت يتألم قال ابن حجر ومن لازمه أنه يستلذ به الحي اه وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته رواه مالك وأبو داود قال ميرك وسكت عليه وابن ماجه قال ميرك ورواه ابن حبان في صحيحه اه وقال ابن القطان سنده حسن
الفصل الثالث
عن أنس قال شهدنا أي حضرنا بنت رسول الله أي أم كلثوم قاله ابن


حجر تدفن أي في حال دفنها ورسول الله جالس جملة حالية على القبر أي شفيره فرأيت عينيه تدمعان أي تسيلان دمعا فقال هل فيكم من أحد من زائدة لم يقارف في النهاية قارف الذنب إذا أتاه ولاصقة وقارف امرأته إذا جامعها وفي جامع الأصول لم يقارف أي لم يذنب ذنبا ويجوز أن يراد الجماع فكنى عنه ذكره الطيبي الليلة أي البارحة بقرينة السؤال نقل ميرك قال الراوي يعني لم يقارف الذنب قال أهل اللغة قرف على نفسه ذنوبا كسبها وقارف فلان الشيء إذا دناه وفي حديث عائشة كان يصبح جنبا من قراف أي خلاط وجماع وكل شيء قارفته فقد فارقته قيل إنما قال النبي ذلك إرادة أن يعلم أن عثمان وكان تحته بنت النبي التي توفيت هل خالط امرأته أي الأخرى تلك الليلة فلم يقل عثمان لم أقارف أنا كذا في شرح البخاري للحافظ إسماعيل الأصفهاني وضعفه ظاهر فقال أبو طلحة أنا ظاهره أن المراد بالمقارفة الجماع وإن كانت الحكمة مجهولة عندنا فإن الجزم بعدم مقارفة الذنب مستبعد من الأكابر قال فانزل في قبرها فنزل في قبرها الظاهر لأن يدفنها فيه فيكون من خصوصياته أو إشارة إلى بيان الجواز ويمكن أن يكون نزوله للمساعدة والمحرم دفنها قال ابن الهمام لا يدخل أحدا من النساء القبر ولا يخرجهن إلا الرجال لأن مس الأجنبي لها بحائل عند الضرورة جائز في حياتها فكذا بعد موتها فإذا ماتت ولا محرم لها دفنها أهل الصلاح من مشايخ جيرانها فإن لم يكونوا فالشباب الصلحاء أما إن كان لها محرم ولو من رضاع أو صهرية نزل وألحدها قال النووي ولا يشكل هذا الحديث على قولهم أن المحارم والزوج أولى من صالح الأجانب لاحتمال أنه وعثمان كان لهما عذر فمنعهما نزول القبر نعم يؤخذ من الخبر أنه لو كان ثمة صلحاء وأحدهم بعيد العهد بالجماع قدم وأخرج أحمد أن رقية لما ماتت قال لا يدخل القبر رجل قارف الليلة فلم يدخل عثمان قال ابن حجر وظاهره مع ما مر أن عثمان وقع له ذلك في كل من زوجتيه رقية وأم كلثوم اه


وفيه أنه لا دلالة في حديث الأصل إنها أم كلثوم فيحمل المجمل على المبين وأما تعليله بأنه اطلع على جماع عثمان تلك الليلة فكنى عن منعه بقوله أيكم لم يقارف فسكت فصدق ما بلغه فأمر أبا طلحة لما نفى ذلك عن نفسه أن يتولى إدخالها وإنما منع من دخول القبر لأنه لفرط شهوته قارف تلك الليلة فخشي إن نزل أن يتذكر شيئا فيذهب عن الإتيان بكمال المندوبات التي تفعل بالميت في القبر فعلى تقدير صحته مناف لأن يقع متعددا من عثمان رضي الله عنه رواه البخاري


وعن عمرو بن العاص قال لابنه أي عبد الله وهو أي عمرو في سياق الموت أي صدده قال الطيبي السياق النزع وأصله السواق إذا أنا مت بضم الميم وكسرها فلا تصحبني أي لا تترك أن يكون مع جنازتي نائحة أي صائحة بالبكاء ونادبة بالنداء فإنه يؤذي الميت والحي ويشغل المشيع عن ذكر الموت وفناء الدنيا وفكرته صيرهم في أمر العقبى ولا نار أي للمباهاة والرياء كما كان عادة الجاهلية وبقيت إلى الآن في مكة منها بقية قال ابن حجر ولأنها من التفاؤل القبيح وفيه إنها سبب للتفاؤل القبيح لا أنها بعضه كما هو ظاهر فإذا دفنتموني أي أردتم دفني فشنوا بضم الشين المعجمة وتشديد النون أي صبوا وكبوا علي التراب شنا في النهاية الشن الصب بسهولة ثم أقيموا حول قبري لعله للدعاء بالتثبيت وغيره قدر ما ينحر جزور أي بعير وهو مؤنث اللفظ وإن أريد به المذكر فيجوز تذكير ينحر وتأنيثه ويقسم لحمها حتى استأنس بكم أي بدعائكم وأذكاركم وقراءتكم واستغفاركم وقد ورد في خبر أبي داود أنه كان إذا فرغ من دفن الرجل يقف عليه ويقول استغفروا الله لأخيكم واسألوا له التثبيت وفي رواية التثبت فإنه الآن يسأل وأغرب ابن حجر وقال وبهذا الخبر وقول عمر اعتضد حديث التلقين المشهور فمن ثم عملوا به وإن كان ضعيفا فقول ابن عبد السلام أن التلقين بدعة ليس في محله اه وهو ليس في محله لأن المعتضد ينبغي أن يكون في معنى المعتضد وليس هنا كذلك ثم ثوله على أن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل وإن لم يعتضد إجماعا كما قاله النووي محلة الفضائل الثابتة من كتاب أو سنة وأما حديث لقنوا موتاكم فقد تقدم تحقيقه وأعلم من غير وحشة ماذا أراجع أي أجاوب به رسل ربي أي سؤال الملكين رواه مسلم وعن عبد الله بن عمر قال سمعت النبي يقول إذا مات أحدكم فلا تحبسوه أي لا تؤخروا دفنه من غير عذر قال ابن الهمام يستحب الإسراع بتجهيزه كله من حين يموت وأسرعوا به إلى قبره وهو تأكيد وإشارة إلى سنة الاسراع في


الجنازة قال
صاحب الهداية دون الخبب قال ابن الهمام وهو ضرب من العدو دون العنق والعنق خطو فسيح فيمشون به ما دون دون العنق ولو مشوا به الخبب لأنه ازدراء بالميت أخرج أبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال سألنا رسول الله عن المشي مع الجنازة فقال ما دون الخبب وهو مضعف وأخرج الستة قال عليه الصلاة والسلام أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك غير صالحة فشر تضعونه عن رقابكم وليقرأ بالتذكير ويؤنث وبسكون اللام ويكسر عند رأسه فاتحة البقرة أي إلى الملحون وعند رجليه بخاتمة وفي نسخة خاتمة البقرة أي من آمن الرسول الخ قال الطيبي لعل تخصيص فاتحتها لاشتمالها على مدح كتاب الله وإنه هى للمتقين الموصوفين بالحلال الحميدة من الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وخاتمتها لاحتوائها على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وإظهار الاستكانة وطلب الغفران والرحمة والتولي إلى كنف الله تعالى وحمايته رواه البيهقي في شعب الإيمان وقال والصحيح أنه موقوف عليه أي على ابن عمر قال النووي في الأذكار قال محمد بن أحمد المروزي سمعت أحمد بن حنبل يقول إذا دخلتم المقابر فاقرؤا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم والمقصود من زيارة القبور للزائر الاعتبار وللمزور الانتفاع بدعائه اه وفي الإحياء للغزالي والعاقبة لعبد الحق عن أحمد بن حنبل نحوه وأخرج الخلال في الجامع عن الشعبي قال كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرؤون القرآن وأخرج أبو محمد السمرقندي في فضائل قل هو الله أحد عن علي مرفوعا من مر على المقابر وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطى من الأجر بعدد الأموات وأخرج أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في فوائده عن أبي هريرة قال قال رسول الله من دخل المقابر ثم قرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد و ألهاكم التكاثر ثم قال إني جعلت


ثواب ما قرأت من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له إلى الله تعالى وأخرج القاضي أبو بكر بن عبد الباقي الأنصاري في مشيخته عن سلمة بن عبيد قال قال حماد المكي خرجت ليلة إلى مقابر مكة فوضعت رأسي على قبر فنمت فرأيت أهل المقابر حلقة حلقة فقلت قامت القيامة قالوا لا ولكن رجل من اخواننا قرأ قل هو الله أحد وجعل ثوابها لنا فنحن
نقتسمه منذ سنة وأخرج عبد العزيز صاحب الخلال بسنده عن أنس أن رسول الله قال من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات وقال القرطبي حديث اقرؤا على موتاكم يس هذا يحتمل أن تكون هذه القراءة عند الميت في حال حياته ويحتمل أن تكون عند قبره كذا ذكره السيوطي في شرح الصدور ثم قال اختلف في وصول ثواب القرآن للميت فجمهور السلف والأئمة الثلاثة على الوصول وخالف في ذلك إمامنا الشافعي مستدلا بقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى النجم وأجاب الأولون عن الآية بأوجه أحدها إنها منسوخة بقوله تعالى والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم الطور أدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء الثاني إنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام فأما هذه الأمة فلها ما سعت وما سعى لها قاله عكرمة الثالث أن المراد بالإنسان هنا الكافر فأما المؤمن فله ما سعى وسعى له قاله الربيع بن أنس الرابع ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل فأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء قاله الحسين بن فضل الخامس أن اللام في الإنسان بمعنى على أي ليس على الإنسان إلا ما سعى واستدلوا على الوصول بالقياس على الدعاء والصدقة والصوم والحج والعتق فإنه لا فرق في نقل الثواب بين أن يكون عن حج أو صدقة أو وقف أو دعاء أو قراءة بالأحاديث المذكورة وهي وإن كانت ضعيفة فمجموعها يدل على أن لذلك أصلا وإن المسلمين ما زالوا في كل مصر وعصر يجتمعون ويقرؤون لموتاهم من غير نكير فكان


ذلك إجماعا ذكر ذلك كله الحافظ شمس الدين ابن عبد الواحد المقدسي الحنبلي في جزء ألفه في المسألة ثم قال السيوطي وأما القراءة على القبر فجزم بمشروعيتها أصحابنا وغيرهم قال النووي في شرح المهذب يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن ويدعو لهم عقبها نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب وزاد في موضع آخر وإن ختموا القرآن على القبر كان أفضل وعن أبي أبي مليكة بالتصغير قال لما توفى عبد الرحمن بن أبي بكر أي الصديق بالحبشي في النهاية بضم الحاء وسكون الباء وكسر الشين وتشديد الياء موضع قريب من مكة وقال الجوهري جبل بأسفل مكة وهو موضع تفسير من الراوي يحتمل القولين فحمل أي نقل إلى مكة فدفن بها فلما قدمت عائشة أي مكة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر أي أخيها فقالت أي منشدة مشيرة إلى أن طول الاجتماع في الدنيا بعد زواله يكون كأقصر زمن وأسرعه كما هو شأن الفاني جميعه قال تعالى كأنهم يوم يرون ما يوعدون ل


يلبثوا إلا ساعة من نهار الأحقاف ولذا قيل الدنيا ساعة فاجعلها طاعة وكنا أي أنا وإياك في حال حياتك متقاربين ومتصاحبين ومتحابين كندماني جذيمة بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة وفي نسخة بالتصغير قال الطيبي وجذيمة هذا كان ملكا بالعراق والجزيرة وضم إليه العرب وهو صاحب الزباء اه وفي القاموس الزباء ملكة الجزيرة وتعد من ملوك الطوائف أي كنديمية وجليسيه وأنيسيه قيل ندماناه الفرقدان حقبة بالكسر أي مدة لا وقت لها من الدهر أي الزمان حتى قيل أي إلى أن قال الناس إنهما لن يتصدعا أي لن يتفرقا أبدا توهما أن طول ذلك الاجتماع يدوم فلما تفرقنا أي بالموت كأني ومالكا هو أخو الشاعر الميت لطول اجتماع أي عنده لم نبت ليلة أي ساعة من الليل معا أي مجتمعين لما تقرر أن الفاني إذا انقطع صار كأنه لم يكن قال تعالى كان لم يغنوا فيها وكان لم تغن بالأمس يونس وقيل اللام في طول بمعنى مع أو بعد كما في قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس الإسراء ومنه صوموا لرؤيته أي بعدها قال الشمني في شرح المغني وهذا البيت لتميم بن نويرة يرثي أخاه مالكا الذي قتله خالد بن الوليد ثم قالت أي عائشة والله لو حضرتك أي وقت الدفن وقال ميرك أي حضرت وفاتك وقال الطيبي ودفنك ما دفنت بصيغة المجهول إلا حيث مت أي منعتك أن تنقل وقد نقل بحث النقل فيما سبق وكأنها رضي الله عنها ذهبت إلى منع النقل مطلقا وقال ابن حجر لأن النبي دعا أن كل من هاجر من مكة لا يميت الله إياه في مكة اه وهو تعليل غريب ولو شهدتك أي حضرت وفاتك ما زرتك أي ثانيا قال الطيبي لأن النبي لعن زورات القبور وقال ابن حجر كذا قيل وإنما يتجه إن كانت لم تعلم بنسخ ذلك قلت الناسخ قوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وقال بعضهم الرخصة إنما هي للرجال فلعلها ذهبت إلى هذا القول ويؤيده إنها ما جوزت خروج النساء إلى المساجد مع تجويزه معللة بأنه عليه الصلاة والسلام لو علم فساد نساء لزمان لمنعهن من


الخروج لأن أمهات المؤمنين كن معتدات أبدا فلا يجوز خروجهن من البيت إلا لحاجة كالحج ومجرد لزيارة ليس كذلك وفيه بحث ظاهر رواه الترمذي وعن أبي رافع قال سل رسول الله سعدا هذا عند الشافعي وأما عندنا فه
محمول على الضرورة أو الجواز ورش أي أمر بالرش على قبره ماء رواه ابن ماجه وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى على جنازة ثم أتى القبر فحثى عليه أي رمى على قبره بالتراب من قبل رأسه ثلاثا أي ثلاث حثيات وهو من باب إعانة الخيرات ولو ببعض الفعلات رواه ابن ماجه وعن عمر بن حزم بفتح الحاء وسكون الزاي قال رآني النبي متكئا على قبر فقال لا تؤذ صاحب القبر أي لا تهنه أو لا تؤذه أي بالضمير موضع الظاهر وهو شك من الراوي رواه أحمد


باب البكاء
بالمد على الأفصح أي جوازه على الميت أي بدون نياحة
الفصل الأول
عن أنس قال دخلنا مع رسول الله على أبي سيف اسمه البراء واسم أم سيف زوجته خولة بنت المنذر أنصارية كذا في التخريج وقال الطيبي اسمها ريان مرضعة لإبراهيم ابن النبي القين بفتح القاف وسكون الياء أي الحداد وكان أي أبو سيف
ظئرا بكسر الظاء مهموز ويجوز إبداله وهو المرضعة لإبراهيم ومعناه في الحديث إنه كان زوج مرضعة إبراهيم وصاحب لبنها توفي إبراهيم وله ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا كذا في التخريج وتقدم أنه كان ابن ثمانية أشهر والله أعلم وقيل الظئر المربي والمرضع يستوي فيه المذكر والمؤنث والأصل فيه العطف وسمي زوج المرضعة ظئرا لأن اللبن منه فصار بمنزلة الأب في العطف وفي النهاية الظئر المرضعة غير ولدها ويقال للذكر أيضا فأخذ رسول الله إبراهيم فقبله وشمه أي وضع أنفه ووجهه على وجهه كمن يشم رائحة وهذا يدل على أن محبة الأطفال والترحم بهم سنة قاله ابن الملك روى أنه قال رجل لي عشرة صبيان ما قبلت واحدا منهم فقال لا أملك لك إن كان الله نزع الرحمة من قلبك ثم دخلنا عليه بعد ذلك أي بأيام وإبراهيم يجود بنفسه أي يموت وقيل يتحرك ويتردد في الفراش لكونه في النزع فجعلت أي صارت عينا رسول الله تذرفان بكسر الراء بعد سكون الذال المعجمة أي تسيلان دمعا في النهاية ذرفت العين إذا جرى دمعها فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت عطف على مقدر أي الناس يبكون وأنت يا رسول الله تبكي كما نبكي قال الطيبي وأنت تفعل كذا وتنفجع للمصائب كالناس استغرب منه ذلك لدلالته على العجز عند مقاومة المصيبة والصبر عليها وأجاب بأن الحالة التي تشاهدها رقة ورحمة على المقبوض لا ما توهمت من قلة الصبر فقال يا ابن عوف إنها أي الدمعة أو الحالة التي تشاهدها رحمة أي أثر رحمة ثم اتبعها أي تلك المرة من البكاء بأخرى أي بمرة أخرى وقال الطيبي أي اتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى أو اتبع


الكلمة الأولى وهي قوله إنها رحمة بكلمة أخرى فقال إن العين تدمع والقلب بالنصب ويرفع يحزن بفتح الزاي وما في بعض النسخ من ضم الزاي فخطأ فاحش فإنه بالضم متعد وبالفتح لازم والمعنى إن من شأنهما ذلك ولا يمنعان مما خلقا لهما خصوصا إذا كان على جهة الرحمة فإنه يترتب عليها المثوبة قال الطيبي ويحتمل أن يكون قوله إنها رحمة كلمة مجملة فعقبها بالتفصيل وهي قوله إن العين تدمع والقلب يحزن وينصر هذا التأويل قوله في الحديث الآتي هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده أي هذه الدمعة التي تراها في العين أثر رحمة جعلها الله في قلوب عباده ولا نقول أي مع ذلك إلا ما يرضي ربنا وفي نسخة بضم الياء وكسر الضاد ونصب ربنا وإنا بفراقك أي بسبب مفارقتك إيانا يا إبراهيم لمحزونون أي طبعا وشرعا وفيه إشارة إلى إن من لم يحزن فمن قساوة قلبه ومن لم يدمع فمن قلة رحمته فهذا الحال أكمل عند أرباب الكمال من حال من مات له ولد من المشايخ فضحك فإن العدل أن يعطى كل ذي حق حقه متفق عليه قال ميرك ورواه أبو داود وفي رواية سندها حسن يا رسول الله أتبكي أو لم تنه عن البكاء فقال لا ولكني نهيت عن النوح


وعن أسامة بن زيد قال أرسلت ابنة النبي أي زينب كما صرح به ابن أبي شيبة وصوبه غيره إليه عليه الصلاة والسلام إن ابنا لي قبض أي قرب قبضه وموته وقال الطيبي أي دخل في حالة القبض ومعالجة النزع وفي النهاية قبض المريض إذا توفي وإذا أشرف على الموت ثم قيل هو علي بن أبي العاص ورد بأنه عاش حتى ناهز الحلم ومثله لا يقال له صبي عرفا بل لغة ويجاب بأن الوضع اللغوي يكفي هنا وقيل الصواب أنه أمامة بنت أبي العاص كما ثبت في مسند أحمد فاتنا أي أحضرنا فأرسل أي النبي أحدا يقرأ السلام عليها ويقول تسلية لها إن لله ما أخذ وله ووقع في الحصن ولله وهو مع مخالفة القياس خلاف ما في الأصول ما أعطى ما في الموضعين مصدرية أو موصولة والعائد محذوف فعلى الأول التقدير لله الأخذ والإعطاء وعلى الثاني لله الذي أخذه من الأولاد وله ما أعطى منهم أو ما هو أعم من ذلك وفي تقديم الجار إشارة إلى الاختصاص بالملك الجبار وقدم الأخذ على الإعطاء مع أن الأخذ متأخر في الواقع لما يقتضيه المقام والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه فإن أخذه أخذ ما هو له فلا ينبغي الجزع لأن من يستودع الأمانة لا ينبغي له الجزع إذا استعيدت ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت وثوابهم على المصيبة أو ما هو أعم من ذلك وكل عنده بأجل مسمى قال ميرك أي كل من الأخذ والاعطاء أو من الأنفس أو ما هو أعم من ذلك وهي جملة ابتدائية معطوفة على الجملة المذكورة وقال الطيبي أي كل من الأخذ والاعطاء عند الله مقدر مؤجل قال ميرك ويجوز في كل النصب عطفا على اسم أن فينسحب التأكيد عليه أيضا أقول لكن لا يساعده الرسم والرواية قال ومعنى العندية العلم فهو من مجاز الملازمة والأجل يطلق على الحد الأخير وعلى مجموع العمر فلتصبر أي هي ولتحتسب أي تطلب الأجر قال الطيبي يجوز أن يكون أمرا للغائب المؤنث أو الحاضر على قراءة من قرأ فبذلك فلتفرحوا فعلى هذا


المبلغ من رسول الله ما تلفظ به في الغيبة اه وفيه إشارة إلى أن الصبر يورث الثواب والجزع يفوته عن المصاب وهذا الحديث أصل في التعزية ولذا قال الجزري في الحصن فإذا عزى أحدا يسلم ويقول إنا لله الخ قال وكتب إلى معاذ يعزيه في ابن له بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليكم فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله عز وجل الهنيئة وعواريه المستودعة متع بها إلى أجل معدود ويقبضها لوقت معلوم ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى والصبر إذا ابتلى فكان ابنك من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة متعك به في غبطة وسرور وقبضه منك بأجر كثير الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبت فاصبر ولا يحبط جزعك أجرك فتندم واعلم أن الجزع لا يرد شيئا ولا يدفع حزنا وما هو نازل فكان والسلام رواه الحاكم وابن مردويه عن معاذ بن جبل قال الحاكم حسن غريب ومن الأمور الغريبة والقضايا العجيبة إنه في أثناء كتابتي هذا الكتاب وقع من قضاء رب الأرباب إن مات لي ابن اسمه حسن وفي الصورة والسيرة حاوي الفواضل وجامع الفضائل حسن الله مثواه وزين مضجعه ومأواه فحصل لي بهذا الحديث تعزية كاملة وتسلية شاملة ونرجو من الله حسن الخاتمة مع الإثابة التامة فأرسلت أي ابنته إليه أي مرة أخرى تقسم عليه أي تحلف عليه ليأتينها بالنون المؤكدة فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت كبراء الصحابة وفضلاؤهم ورجال أي آخرون ممن هم دونهم فرفع بصيغة المجهول إلى رسول الله الصبي الظاهر أنه رفع الصبي على يد أحد منهم وقال ابن الملك أي وضعه أحد في حجره ونفسه أي روحه تتقعقع أي تضطرب وتتحرك ولا تثبت على حالة واحدة كذا في النهاية ففاضت أي سالت عيناه والنسبة مجازية والمعنى نزل الدمع من عيني رسول الله فقال سعد أي المذكور


يارسول الله ما هذا البكاء أي منك فقال هذه أي الدمعة رحمة أي أثر من آثارها وقال ابن الملك أي التبكية من رقة القلب جعلها أي خلق الله الرحمة في قلوب عباده قال ميرك ظن سعد أن جميع أنواع البكاء حرام وإنه نسى فأعلمه عليه الصلاة والسلام إن مجرد البكاء ودمع العين ليس بحرام ولا مكروه بل هو رحمة وفضيلة وإنما المحرم النوح والندب وشق الجيوب وضرب الخدود فإنما وفي نسخة بالواو يرحم الله من عباده الرحماء جمع رحيم بمعنى الراحم أي وإنما يرحم الله من عباده من اتصف بأخلاقه ويرحم عباده ومن في من عباده بيانية حال من المفعول وهو الرحماء قدمها إجمالا وتفصيلا ليكون أوقع اه كلام الطيبي والأظهر أن من تبعيضية أي إنما يرحم من جملة عباده الرحماء فمن لا يرحم لا يرحم متفق عليه قال ميرك ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه اه وجاء في حديث مشهور الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء رواه


أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم عن ابن عمر فأرباب الكمال متخلقون بأخلاق ذي الجلال والجمال متصفون بالرحمة العامة الشاملة والرحمة الخاصة الفاضلة وعن عبد الله بن عمر قال اشتكى أي مرض سعد بن عبادة شكوى مصدر أو مفعول به أي مرضا له أي حاصلا له فأتاه النبي يعوده حال من الفاعل أو المفعول أي يقصد عيادته مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود من أجلاء أصحابه فلما دخل عليه وحده أي صادفه في غاشية أي شدة من المرض أو في غشيان وإغماء من غاية المرض حتى ظن أنه مات فقال أي مستفهما بحذف أداة الاستفهام قد قضى على بناء المفعول أي مات وفي نسخة صحيحة على بناء الفاعل قال التوربشتي الغاشية الداهية من شر أو مكروه أو مرض المراد بها ههنا ما كان يتغشاه من كرب الوجع الذي به لا حال الموت لأنه برىء من ذلك المرض وقال ابن الملك وعاش بعد النبي وتوفي في خلافة عمر رضي الله عنهما وقال الخطابي المراد بالغاشية القوم الحضور عنده الذين هم غاشيته أي يغشونه للخدمة أو الزيارة قال ميرك كذا نقله عنهما وقال الطيبي ويحتمل أن يكون المراد بالغاشية الثوب الذي يلقى على المريض أو الميت ولذا سأل قد قضى قالوا لا يا رسول الله فبكى النبي أي رحمة عليه وتذكرا لما صدر له من الخدمة بين يديه فلما رأى القوم بكاء النبي بكوا وفي نسبة البكاء إلى الرؤية إشارة إلى أنه لم يكن إلا الدمعة فقال تنبيها لهم على ما يجوز وما لا يجوز ألا تسمعون قال ابن الملك أي أو ما سمعتم أو ما علمتم اه والظاهر أن لا تسمعوا ما أقول لكم إن الله بكسر الهمزة استئناف أو بيان للمقول المقدر وفي نسخة بفتح الهمزة على أنه مفعول به لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب بل يثاب بهما إذا كانا على جهة الرحمة ولكن يعذب بهذا أي إذا قال ما لا يرضى الرب بأن قال شرا من الجزع والنياحة وأشار إلى لسانه يعني المراد بالمشار إليه هنا اللسان الذي يضر به الإنسان أو يرحم أي


بهذا إن قال خيرا بأن استرجع مثلا أو استغفر أو ترحم وما أفاده الحديث من جواز البكاء ولو بعد الموت لكن من غير نوح ورفع صوت نقل جماعة فيه الإجماع قال ابن حجر ولكن الأولى تركه للخبر الصحيح فإذا وجبت فلا تبكين باكية في الأذكار عن الشافعي وأصحابه أن البكاء بعد الموت مكروه لهذا الخبر بل قال جماعة إنه يفيد تحريمه ويرده ما روى مسلم أنه زار قبر ابنه فبكى وأبكى من حوله وما روى البخاري أنه بكى على قبر بنت له فينبغي أن يحمل نهيهن على بكاء خاص لهن ولا عبرة باللامفهوم ولعل فائدة القيد الإشارة إلى أنه عفا الله عما سلف والله أعلم ومما يؤيده أن البكاء بالدمع ليس أمرا اختياريا ولا يتعلق الأمر والنهي بالأمور الجبلية الا ضطرارية كما هو معلوم من القواعد الدينية وإن الميت يعذب ببكاء أهله أي مع رفع الصوت عليه قال النووي وفي رواية ببعض بكاء أهله وفي رواية ببكاء الحي وفي رواية يعذب في قبره ما نيح عليه وفي رواية من يبك عليه يعذب وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله رضي الله عنهما وأنكرت عائشة رضي الله عنها ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه عليهما وأنكرت أن يكون ذلك من قول النبي واحتجت بقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى الأنعام قالت وإنما قال النبي في يهودية إنها تعذب وهم يبكون عليها تعني تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء واختلف العلماء فيه فذهب الجمهور إلى أن الوعيد في حق من أوصى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته وصيته فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه تسببه وأما من بكوا عليه وناحوا من غير وصية فلا لقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى قال الخطابي يشبه أن يكون هذا إذا أوصى بالبكاء عليه وقيل أراد بالميت المشرف على الموت فإنه يشتد عليه الحال ببكائهم وصراخهم وجزعهم عنده وقيل هذا في بعض الأموات كان يعذب في زمان بكائهم عليه وهذا الوجه ضعيف لما في رواية يعذب في قبره بما نيح عليه وفي أخرى


الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسياه جبذ الميت وقيل له أنت عضداها أنت ناصرها أنت كاسيها اه وهذا صريح أنه إنما يعذب إذا كان أوصى أو كان بفعلهم يرضى ولهذا أوجب داود ومن تبعه الوصية بترك البكاء والنوح عليه وبهذا الذي ذكرنا يظهر وجه قوة قول الجمهور ووجه ضعف قول الشافعي إن ما قالته أشبه أن يكون محفوظا بدليل الكتاب والسنة قال تعالى لتجزى كل نفس بما تسعى طه ثم أعلم أنهم أجمعوا كلهم أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد الدمعة وسيأتي أقوال أخر في الفصل الثالث من هذا الباب والله أعلم بالصواب متفق عليه وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ليس منا أي من أهل سنتنا


وطريقتنا أو ليس من أئمتنا وأهل ملتنا والمراد الوعيد والتغليظ الشديد من ضرب الخدود جمعه لمقابلة الجمع بالجمع فإن من مفرد اللفظ مجموع المعنى وشق الجيوب بضم الجيم وكسر وفي معناه طرح العمامة وضرب الرأس على الجدر وقطع الشعر ودعا بدعوى الجاهلية أي بدعائهم يعني قال عند البكاء ما لا يجوز شرعا مما يقول به الجاهلية كالدعاء بالويل والثبور وكوا كهفاه واجبلاه متفق عليه قال ميرك ورواه الترمذي والنسائي وعن أبي بردة أي عامر بن عبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري أحد التابعين المشهورين المكثرين سمع أباه وعليا وغيرهما كان على قضاء الكوفة بعد شريح فعزله الحجاج قاله المؤلف قال أغمى على أبي موسى الأشعري فأقبلت امرأته أم عبد الله أي شرعت وجعلت وصارت تصيح برنة قال النووي هو بفتح الراء وتشديد النون صوت مع البكاء فيه ترجيع ثم أفاق أي أبو موسى فقال ألم تعلمي أي ما حدثتك وكان يحدثها إن رسول الله قال أنا بريء قال الطيبي وكان يحدثها حال والعامل قال ومفعول ألم تعلمي مقول القول أي ألم تعلمي أن رسول الله قال أنا برىء فتنازعا فيه ممن حلق أي شعره أو رأسه لأجل المصيبة وصلق وفي المصابيح بالسين وهو لغة على ما في النهاية أي رفع صوته بالبكاء والنوح أو قال ما لا يجوز شرعا وقيل الصلق اللطم والخدش وخرق بالتخفيف أي قطع ثوبه بالمصيبة وكان الجميع من صنيع الجاهلية وكان ذلك في أغلب الأحوال من صنيع النساء قال ابن الملك وكان من عادة العرب إذا مات لأحدهم قريب أن يحلق رأسه كما أن عادة بعض العجم قطع بعض شعر الرأس وقيل أراد به التي تحلق وجهها للزينة قلت هذا الأخير بعيد من المقام متفق عليه ولفظه لمسلم وعن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله أربع أي خصال أربع كائنة


في أمتي حال كونهن من أمر الجاهلية أي من أمورهم وخصالهم المعتادة طبع عليهن كثير من الأمة لا يتركونهن أي غالبا قال الطيبي المعنى أن هذه الخصال تدوم في الأمة لا يتركونهن بأسرهم تركهم لغيرها من سنن الجاهلية فإنهن إن تتركهن طائفة جاءهن آخرون الفخر أي الافتخار في الأحساب أي في شأنها وسببها والحسب ما يعده الرجل من الخصال التي تكون فيه كالشجاعة والفصاحة وغير ذلك وقيل الحسب ما بعده الإنسان من مفاخر آبائه قال ابن السكيت الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن لآبائه شرف والشرف والمجد لا يكون إلا بالآباء في الفائق الفخر تعداد الرجل من مآثره ومآثر الآباء ومنه قولهم من فات حسبه لم ينتفع بحسب أبيه أي التفاخر والتكبر والتعظم بعد مناقبه ومآثر آبائه وتفضيل الرجل نفسه على غيره ليحقره لا يجوز والطعن في الأنساب أي إدخال العيب في أنساب الناس والمعنى تحقير الرجل آباء غيره وتفضيل آبائه على آباء غيره لا يجوز قال المظهر اللهم إلا بالإسلام والكفر قلت إلا إذا أراد أذى مسلم وقال الطيبي ويجوز أن يكنى بالطعن في أنساب الغير عن الفخر بنسب نفسه فيجتمع له الحسب والنسب وأن يحمل على الطعن في نسب نفسه اه وفي كل منهما نظر ومحل الأول إذا كان مراده أذى غيره بالتصريح أو الكناية أو يكون اثباته كذبا في نفس الأمر بخلاف ما إذا كان تحدثا بنعمة ربه ومحل الثاني أن يكون نسيبا في نفس الأمر ويطعن فيكون داخلا في وعيد لعن الله الخارج عنا من غير سبب والداخل فينا من غير نسب أما إذا كان بعض قومه يدعى الشرف مثلا بالزور فيجب عليه أن يطعن في نسب نفسه حينئذ ليظهر الحق ويذهب الباطل والله أعلم والاستسقاء أي طلب السقيا بالنجوم أي بسببها قال الطيبي أي طلب السقيا أي توقع الأمطار عن وقوع النجوم في الأنواء كما كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا اه والمعنى أن اعتقاد الرجل نزول المطر بظهور نجم كذا حرام وإنما يجب أن يقال مطرنا بفضل الله تعالى


والنياحة بالرفع وهي الرابعة وهو قول واويلاه واحسرتاه والندبة عد شمائل الميت مثل واشجاعاه واأسداه واجبلاه وقال أي النبي النائحة أي التي صنعتها النياحة إذا لم تتب قبل موتها أي قبل حضور موتها قال التوربشتي وإنما قيد به ليعلم أن من شرط التوبة أن يتوب وهو يأمل البقاء ويتمكن من تأتي العمل الذي يتوب عليه ومصداق ذلك قوله تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات النساء الآية اه وبهذا قول بعض أئمتنا أن توبة اليأس من الكافر غير مقبولة ومن المؤمن مقبولة كرامة لإيمانه ومما يؤيده إطلاق قوله إن الله يقيل توبة العبد ما لم يغرغر رواه أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر تقام مجهول من الإقامة وهي الإيقاف يوم القيامة بين أهل الموقف للفضيحة قال الطيبي أي تحشر ويحتمل إنها تقام على تلك


الحالة بين أهل النار وأهل الموقف جزاء على قيامها في المناحة وهو الأمثل وعليها سربال أي قميص مطلي من قطران بفتح القاف وكسر الطاء طلاء يطلى به وقيل دهن يدهن به الجمل الأجرب وما ضبطناه هو المحفوظ في الحديث وعليه القراءة في الآية أيضا إلا ما شذ وفي القاموس القطران بالفتح والكسر وكظر بأن عصارة الأبهل وأما قول ابن حجر بكسر الطاء وسكونها فقاصر من جهة الرواية والدراية قال الطيبي القطران ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فيدهن به الأبل الجرباء فيحرق الجرب بحرارته وحدته والجلد وقد تبلغ حرارته الجوف ودرع عطف على سربال قال الطيبي درع الحديد يؤنث ودرع المرأة قميصها والسربال القميص مطلقا من جرب أي من أجل جرب كائن بها قال الطيبي أي يسلط على أعضائها الجرب والحكة بحيث يغطى جلدها تغطية الدرع فتطلى مواقعه بالقطران لتدواي فيكون الدواء أدوى من الداء لاشتماله على لذع القطران وإسراع النار في الجلود واللون الوحش قال التوربشتي خصت بدرع من الجرب لأنها كانت تجرح بكلماتها المحرقة قلوب ذوات المصيبات وتحك بها بواطنهن فعوقبت في ذلك المعنى بما يماثله في الصورة وخصت أيضا بسرابيل من قطران لأنها كانت تلبس الثياب السود في المأتم فألبسها الله تعالى السرابيل لتذوق وبال أمرها فإن قلت ذكر الخلال الأربع ولم يرتب عليها الوعيد سوى النياحة فما الحكمة فيه قلت النياحة مختصة بالنساء وهن لا ينزجرن من هجرانهن انزجار الرجال فاحتجن إلى مزيد الوعيد رواه مسلم قال ميرك ورواه ابن ماجه وابن حبان من قول النائحة الخ قال ابن حجر وأخذ أئمتنا من هذه الأحاديث تحريم النوح وتعديد محاسن الميت بنحو واكهفاه مع رفع الصوت والبكاء وتحريم ضرب الخد وشق الجيب ونشر الشعر وحلقه ونتفه وتسويد الوجه وإلقاء التراب على الرأس والدعاء بالويل والثبور قال إمام الحرمين وآخرون والضابط أنه يحرم كل فعل يتضمن إظهار جزع ينافي الانقياد والتسليم لقضاء الله تعالى


قالوا ومن ذلك تغيير الزي ولبس غير ما جرت العادة بلبسه أي وإن اعتيد لبسه عند المصيبة وعن أنس قال مر النبي بامرأة تبكى أي برفع صوت عند قبر فقال اتقي الله هذا توطئة لما بعده أي خافي عقابه أو مخالفته بترك النياحة واصبري حتى تؤجري قالت أي جاهلة بمن يخاطبها وظانة أنه من آحاد الناس وغافلة عما قيل انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال إليك اسم فعل أي ابعد وتنح عني ولا تلمني وما أبعد تقدير ابن حجر وتقريره وتحريره حيث قال أي تباعد عني لأمرين كوني امرأة وأنت ذكر أجنبي وكون حالك ليس كحالي فإنك لم تصب على بناء المجهول أي لم تبتل بمصيبتي أي بعينها أو بمثلها على زعمها ولم تعرفه الجملة حال أي ولم تعرف النبي أو ولم تعرفه أنه النبي فقيل لها أي بعد ما ذهب عليه الصلاة والسلام إنه النبي فندمت على ما جاوبت به النبي فأتت باب النبي فلم تجد عنده أي عند بابه بوابين كما هو عادة الملوك الجبابرة فقالت لم أعرفك أي فلا تأخذ علي قال الطيبي كأنهما لما سمعت إنه رسول الله توهمت إنه على طريقة الملوك فقالت اعتذارا لم أعرفك فقال إنما الصبر أي الكامل المرضى المثاب عليه عند الصدمة أي الجملة الأولى وابتداء المصيبة وأول لحوق المشقة وإلا فكل أحد يصبر بعدها قال الطيبي إذ هناك سورة المصيبة فيثاب على الصبر وبعدها تنكسر السورة ويتسلى المصاب بعض التسلي فيصير الصبر طبعا فلا يثاب عليها اه أما إذا لم يصر الصبر طبعا ثم تذكر المصيبة ثم صبر ولو طال العهد فيثاب كما سيأتي في الحديث ولكن الدرجة الأعلى عند الصدمة الأولى متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي ذكره ميرك وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد ذكرا كان أو أنثى صغيرا كان أو كبيرا فيلج بالنصب والرفع النار قال ابن الملك أي لا يدخلها والمعنى هنا نفي الاجتماع لا اعتبار السببية وقال الأشرف إنما ينصب الفاء الفعل المضارع إذا كان بين ما قبلها وما بعدها


سببية ولا سببية هنا إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سببا لولوج أبيهم النار فيحمل الفاء على معنى واو الجميعة أي لا يجتمع هذان موت ثلاثة أولاد وولوج النار إلا تحلة القسم وهو استثناء من قوله فيلج قال الطيبي إن كانت الرواية بالنصب فلا محيد عن ذلك والرفع يدل على أنه لا يوجد ولوج عقب موت الأولاد إلا مقدارا يسيرا ومعنى فاء التعقيب كمعنى الماضي في قوله تعالى ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار الإسراف وفي إن ما سيكون بمنزلة الكائن وإن ما أخبر به الصادق عن المستقبل كالواقع وأغرب ابن حجر وقال السببية ليست ممتنعة بل صحيحة وزعم امتناعها مبنى على النظر لمطلق الولوج وهو غفلة عن إن ما بعدها ليس مطلقا بل الولوج المقيد بأنه لا يزيد على تحلة القسم وذلك مسبب عن موتهم بلا شك فاتضح الإتيان بالفاء وعجيب من الشارح كيف خفي عليه ذلك وقول الطيبي إن كانت الرواية بالنصب فلا محيد عن ذلك أعجب اه والصواب أن الإستثناء ليس قيدا بل استدراك لئلا ينافي الحكم الحديثي المعنى القرآني ولما كان هذا الحكم أمرا مقضيا ومعلوما دينيا لم يذكره في الحديث الآتي ففيه دلالة صريحة وإشارة صحيحة إن الإستثناء ليس قيدا للحكم أصلا وهو الذي فهمه أهل العربية وصلا وفصلا وإن كانوا من العجم والمعترض عليهم من العرب نسبا وأصلا في النهاية أراد بالتحلة قوله تعالى وإن منكم إلا واردها مريم الآية وقال ميرك نقلا عن التخريج الورود هو العبور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم عافانا الله منها اه في النهاية أي لا يدخل النار إلا أن يمر عليها من غير لحوق ضرر اه فالاستثناء منقطع وقال بعض الشراح من علمائنا التحلة بكسر الحاء مصدر كالتحليل وتحليل القسم جعله صدقا فمعنى إلا تحلة القسم قيل إلا مقدار ما يبرأ لله تعالى قسمه فيه بقوله وإن منكم إلا واردها يعني لا يدخل النار لكن يمر عليها من غير لحوق ضرر منها به وقيل إلا زمانا يسيرا يمكن فيه تحلة القسم


فالإستثناء متصل كما هو الأصل فيه ثم جعل ذلك مثلا لكل شيء يقل وقته والعرب تقول فعلته تحلة القسم أي لم أفعل إلا مقدار ما حللت به يميني ولم أبالغ اه وفي الحديث إشكال وهو إنه لا قسم في الآية ظاهرا ولعله مأخوذ مما بعده من قوله كان على ربك حتما مقضيا مريم أي حتمه وقضى به على نفسه بأن وعد به وعدا مؤكدا لا يمكن خلفه وقيل أقسم عليه وقيل القسم في صدر الكلام مضمر أي والله ما منكم إلا واردها وقد قدمنا الكلام على ما يتعلق به المقام والله أعلم بالمرام والصحيح إنه معطوف على المقسم عليه السابق في قوله تعالى فوربك لنحشرنهم الآية ثم رأيت التوربشتي قال قيل القسم مضمر بعد قوله وإن منكم إلا واردها أي وإن منكم والله لا واردها وقيل موضع القسم مردود إلى قوله فوربك لنحشرنهم والشياطين مريم قال الطيبي لعل المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من الكلام فإن قوله تعالى كان على ربك حتما مقضيا تذييل وتقرير لقوله وإن منكم إلا واردها فهو بمنزلة القسم بل هو أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات ولفظ كان وعلى وتأكيد الحتم بالمقضي متفق عليه


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله لنسوة اسم جمع من الأنصار أي من نسائهم وفائدة ذكره كمال استحضار القضية لا أن هناك خصوصية لا يموت لاحداكن ثلاثة من الولد بفتحتين اسم جنس ويضم الواو ويسكن اللام فتحتسبه بالرفع لا غير أي تطلب إحداكن بموته ثوابا عند الله بالصبر عليه وتعتده فيما يدخر لها في الآخرة قال الطيبي أي فتصير راجية لرحمة الله وغفرانه وليس هذه الفاء كما في فيلج بل هي للتسبب بالموت وحرف النفي منصب على السبب والمسبب معا إلا دخلت الجنة أي دخولا أوليا وهو لا ينافي في الولوج تحلة القسم والاستثناء من أعم الأحوال فقالت امرأة منهن أو اثنان عطف تلقيني أي هل يمكن أن تقول أو اثنان يا رسول الله قال أو اثنان قال ابن حجر هذا على حد قال ومن ذريتي قال ومن كفر اه والمثال الأول صحيح وأما الثاني فخطأ رواية ودراية بيان الأولى أن المفسرين أطبقوا على أن من كفر إما عطف على من آمن أي وارزق من كفر أو مبتدأ تضمن معنى الشرط وبيان الثانية أن التلقين والعرض لا يكون إلا من النازل بالنسبة إلى العالي دون العكس فإن الله هو المتعالي رواه مسلم وفي رواية لهما أي للشيخين وفيه اضمار قبل الذكر إلا أنه علم بقرينة مسلم فإنهما متقارنان غالبا ثلاثة لم يبلغوا الحنث يعني في اللفظ المتقدم ثلاثة مطلق وفي رواية لهما ثلاثة مقيد بهذا الوصف قال ميرك حق العبارة أن يقول متفق عليه واللفظ لمسلم وفي رواية لهما فإن أصل الحديث مروى في البخاري أيضا لكن من رواية أبي سعيد انتهى وفيه أنه حيث قال المصنف في صدر الحديث وعن أبي هريرة فكيف يقول متفق عليه في النهاية أي لم يبلغوا مبلغ الرجال حتى يجري عليهم القلم فيكتب عليهم الحنث والاثم انتهى وفسر بعضهم الحنث بالبلوغ وبعضهم بالذنب وهو أظهر وقال ابن الملك أي الحد الذي يكتب عليهم الحنث أي الذنب والظاهر أن هذا القيد ليس احترازيا بل أكمليا فإن شفاعتهم أرجى والصبر عليهم أقوى


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله يقول الله ما لعبدي أي ليس لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفية أي مختاره ومحبوبه من الولد أو الوالد أو غيرهما في النهاية صفي الرجل الذي يصافيه الود ويخلصه له فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وقيل إنه ولد لا يكون له غيره قلت أو مثله من أهل الدنيا ظاهره إفادة العموم لا تقييد خصوص الولد قال الطيبي وإنما قيده بأهل الدنيا ليؤذن بأن الصفي إذا كان من أهل الآخرة كان جزاؤه وراء الآخرة وهو رضوان الله ورضوان من الله أكبر انتهى وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته وجعله بيانا للواقع ثم احتسبه أي صبر عليه طالبا للثواب وضمير المفعول للصنع كذا قاله ابن الملك والظاهر أن الضمير للمصدر المفهوم من قبضت أي أحتسب قبض صفيه وموت حبيبه أي طلب الثواب الجزيل بالصبر الجميل على مفارقة الخليل وبالرضا على قضاء الرب الجليل إلا الجنة بالنصب والرفع أي ماله جزاء إلا الجنة ويؤخذ من هذا الحديث أن الثواب المترتب على الثلاثة والاثنين مرتب على الواحد كما في رواية أخرى رواه البخاري


الفصل الثاني
عن أبي سعيد الخدري قال لعن رسول الله النائحة يقال ناحت المرأة على الميت إذا ندبته أي بكت عليه وعددت محاسنه وقيل النوح بكاء مع صوت والمراد بها التي تنوح على الميت أو على ما فاتها من متاع الدنيا فإنه ممنوع منه في الحديث وأما التي تنوح على معصيتها فذلك نوع من العبادة وخص النائحة لأن النوح يكون من النساء غالبا ويحتمل أن تكون التاء للمبالغة فيكون المراد من يكثر منه ذلك وأما ما وقع ذلك منه أحيانا فلا يخل بعدالته كما في الكذب ونحوه فلا يكون محل اللعن المشعر بأنه من الكبائر اللهم إلا أن يحمل على التغليظ والزجر والمستمعة أي التي تقصد السماع ويعجبها كما أن المستمع والمغتاب شريكان في الوزر والمستمع والقارىء مشتركان في الأجر رواه أبو داود قال ميرك وفي سنده محمد بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده والثلاثة ضعفاء


وعن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله عجب أي أمر غريب وشأن عجيب للمؤمن أي الكامل وقيل معناه طوبى له وقال الطيبي أصله أعجب عجبا فعدل من النصب إلى الرفع للثبات كقولك سلام عليك قيل ومن ثم كان سلام إبراهيم في قوله قالوا سلاما قال سلام أبلغ من سلام الملائكة ثم بين العجب بقوله إن أصابه خير حمد الله أي أثنى عليه بأوصاف الجمال على وجه الكمال وشكر على نعمة الخير ودفع الشر وإن أصابته مصيبة أي بلية ومحنة حمد الله بأوصاف الكبرياء والجلال وصبر على حكم ربه المتعال وفيه إشارة إلى أن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر قال تعالى إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور إبراهيم وفي تقديم الشكر في الحديث إشارة إلى كثرة النعم وسبقتها وفي تقديم الصبر في الآية إيماء إلى قوة احتياج العبد إلى الصبر فإنه على أنواع ثلاث صبر على الطاعة وصبر على المعصية وصبر في المصيبة وفي إسناد الفعل إلى الخير والشر نكتة خفية رمز إلى أن الأمر بيد الله يصيب به من يشاء من عباده فالتسليم أسلم والله أعلم وقال ابن الملك قوله إن أصابته مصيبة حمد الله أي حمده عندها لعلمه بما يثاب عليه من الثواب العظيم والثواب نعمة فحمد الله لذلك يدل على أن الحمد محمود عند النعمة وعند المصيبة اه وقد يقال معناه حمده على سائر نعمه ولذلك ذكره في الحالين لقوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إبراهيم أو حمده على أن المصيبة ليست في دينه أو على أنه ما وقع أكبر أو أكثر منها وكم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي قال المظهر وتحقيق الحمد عند المصيبة لأنه يحصل بسببها ثواب عظيم وهو نعمة تستوجب الشكر عليها قال الطيبي وتوضيحه قول القائل فإن مس بالنعماء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبه الأجر ويحتمل أن يراد بالحمد الثناء على الله بقوله إنا لله وإنا إليه راجعون اه وما أبعد ابن حجر عن التحقيق حيث قال إنه من باب عطف المرادف مع اعترافه بأن الشكر أخص من الحمد لغة واصطلاحا


فالمؤمن يؤجر بالهمز ويبدل فيهما أي المؤمن الكامل يثاب في كل أمره أي شأنه من الصبر والشكر وغيرهما حتى في أمور المباح قيل المراد بالأمر هنا الخير فالمباح ينقلب خيرا بالنية والقصد حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته أي فمها قال الطيبي الفاء جزاء شرط مقدر يعني إذا أصابته نعمة فحمد أجر وإذا أصابته مصيبة فصبر أجر فهو مأجور في كل أموره حتى في الشهواتية ببركة إيمانه وإذا قصد بالنوم زوال التعب للقيام إلى العبادة عن نشاط كان النوم طاعة وعلى هذا الأكل وجميع المباحات قلت ومنه قوله إنما الأعمال بالنيات وقول بعضهم نوم العالم عبادة وقول


آخرين نوم الظالم عبادة رواه البيهقي في شعب الإيمان قال ميرك ورواه النسائي في اليوم والليلة من طريق عمرو بن سعد بن أبي وقاص يرفعه قال ابن معين في عمرو بن سعد كيف يكون من قتل الحسين ثقة اه أقول رحم الله من أنصف والعجب ممن يخرج حديثه في كتبهم مع علمهم بحاله تم كلام ميرك وفيه إنه قد يقال إنه لم يباشر قتله ولعل حضوره مع العسكر كان بإكراه أو ربما حسن حاله وطاب مآله ومن الذي يسلم من صدور معصية عنه ومن ظهور ذلة منه فلو فتح هذا الباب أشكل الأمر على ذوي الألباب لا سيما والحديث ظاهر صحته مبنى ومعنى ولا يتعلق به حكم من الأحكام دينا ودنيا حتى يتفحص عن الرواة ولا يقبل إلا من الثقات ولذا أغمضوا عن الحديث الضعيف إذا كان في فضائل الأعمال والله أعلم بالأحوال مع أن رجال الصحيحين قد يوجد فيهم من صرحوا بأنه خارجي أو رافضي وإنما استثنوا في صحة الرواية عن المبتدعة من يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته وعن أنس قال رسول الله ما من مؤمن إلا وله مختص به بابان أي من السماء كما في نسخة باب يصعد بفتح الياء ويضم أي يطلع ويرفع منه عمله أي الصالح أي إلى مستقر الأعمال وهو محل كتابتها في السماء بعد كتابتها في الأرض وفي إطلاقة العمل إشعار بأن عمله كله صالح وباب ينزل بصيغة الفاعل أو المفعول منه رزقه أي الحسي أو المعنوي إلى مستقر الأرزاق من الأرض فإذا مات بكيا أي البابان عليه أي على فراقه لأنه انقطع خيره منهما بخلاف الكافر فإنهما يتأذيان بشره فلا يبكيان عليه قاله ابن الملك وهو ظاهر موافق لمذهب أهل السنة على ما نقله البغوي إن للأشياء كلها علما بالله ولها تسبيح ولها خشية وغيرها وقيل أي بكى عليه أهلهما وقال الطيبي الكشاف هذا تمثيل وتخييل مبالغة في فقدان من درج وانقطع خيره وكذلك ما روى عن ابن عباس من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الأرض ومساعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل ونفي ذلك في قوله تعالى فما بكت عليهم السماء


والأرض الدخان تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه بكت عليه السماء والأرض اه وهو مخالف لظاهر الآية والحديث ولا وجه لعدول لمجرد مخالفته ظاهر العقول فذلك أي مفهوم الحديث أو مصداقه قوله تعالى فما بكت عليهم أي على الكفار السماء أي بابها والأرض أي مكانها المختص به لعدم طلوع العمل الصالح إلى السماء ولظهور العمل السيء في مكانه من الأرض وفيه تعريض بأن المؤمنين على خلافهم ببكائهما عليهم رواه الترمذي وعن ابن عباس قال قال رسول الله من كان له فرطان بفتحتين أي ولدان لم يبلغا أوان الحلم بل ماتا قبله من أمتي بيان لمن يقال فرط إذا تقدم وسبق فهو فارط وفرط والفرط هنا الولد الذي مات قبله فإنه يتقدم ويهيىء لوالديه نزلا ومنزلا في الجنة كما يتقدم فراط القافلة إلى المنازل فيعدون لهم ما يحتاجون إليه من الماء والمرعى وغيرهما أدخله الله بهما الجنة أي مع الناجين أولا بالصبر عليهما أو بالشفاعة منهما لما ورد لا يزال السقط محبنطئا على باب الجنة حتى يقول الله خذ بيدي أبويك وأدخلهما الجنة والمحبنطىء على ما في النهاية بالهمز وتركه المتغضب المستبطىء للشيء وقيل الممتنع امتناع طلبة لا امتناع إباء فقالت عائشة فمن كان له فرط من أمتك أي فما حكمه أو فهل له هذا الثواب قال ومن كان له فرط أي فكذلك يا موفقة أي في الخيرات وللأسئلة الواقعة موقعها شفقة على الأمة فقالت فمن لم يكن له فرط من أمتك أي فما حاله قال فإنا فرط أمتي أي سابقهم وإلى الجنة بالشفاعة سائقهم بل أنا أعظم من كل فرط فإن الأجر على قدر المشقة لن يصابوا أي أمتي بمثلي أي بمثل مصيبتي لهم فإن مصيبتي أشد عليهم من سائر المصائب فأكون أنا فرطهم أما بالنسبة إلى من رآه فالمصيبة ظاهرة وقد أنشدت فاطمة الزهراء رضي الله عنها ماذا على من شم تربة أحمدإن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت على مصائب لو أنهاصبت على الأيام صرت لياليا وأما بالاضافة إلى من بعده


فالمصيبة العظمى والمحنة الكبرى حيث ما كان لهم إلا مرارة الفقد من غير حلاوة الوجد ولهذا بموته يتسلى عن موت كل محبوب وفقد كل مطلوب ونعم ما قال من قال من أرباب احوال ولو كان في الدنيا بقاء لساكن لكان رسول الله فيها مخلدا وما أحد ينجو من الموت سالما وسهم المنايا قد أصاب محمدا وقد عزانا الله قبل ارتحاله ومغيب شمس جماله بقوله كل نفس ذائقة الموت آل عمران تلويحا وبقوله إنك ميت وإنهم ميتون الزمر تصريحا وهذا من


قضائه المحتوم وقدره المقسوم فموته مصيبة عامة ومحنة تامة أفزعت الفؤاد وقطعت الأكباد وأوحشت البلاد والعباد سواء الحاضر والباد فنحن بقضائه راضون وقائلون إنا لله وإنا إليه راجعون رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله إذا مات ولد العبد أي المؤمن فإنه الفرد الأكمل قال الله تعالى لملائكته أي ملك الموت وأعوانه قبضتم على تقدير الاستفهام نظير تجاهل العارف بالمرام ولد عبدي أي روحه فيقولون نعم فيقول ثانيا إظهارا لكمال الرحمة كما أن الوالد العطوف يسأل الفصاد هل فصدت ولدي مع أنه بأمره ورضاه قبضتم ثمرة فؤاده قيل سمى الولد ثمرة فؤاده لأنه نتيجة الأب كالثمرة للشجرة فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدي أي مما يدل على جزعه وصبره وكفره وشكره فيقولون حمدك أي حتى على البلية التي من عندك واسترجع أي أظهر رجوع الخلق كلهم إلى أمرك بقضائك وقدرك وقال إنا لله وإنا إليه راجعون و إنا إلى ربنا لمنقلبون وغاية الأمر أن بعضنا سابقون والباقون لاحقون فيقول الله ابنوا لعبدي أي هذا بيتا أي عظيما في الجنة وسموه أي ذلك البيت بيت الحمد أضاف البيت إلى الحمد الذي قاله عند المصيبة لأنه جزاء ذلك الحمد قال الطيبي رجع السؤال إلى تنبيه الملائكة على ما أراد الله سبحانه وتعالى من التفضل على عبده الحاضر لأجل تصبره على المصائب أو عدم تشكيه بل إعداده إياها من جملة النعماء التي تستوجب الشكر عليها ثم استرجاعه وإن نفسه ملك الله وإليه المصير في العاقبة قال أولا ولد عبدي أي فرع شجرته ثم ترقي إلى ثمرة فؤاده أي نقاد خلاصته فإن خلاصة الإنسان الفؤاد والفؤاد إنما يعتد به لما هو مكان اللطيفة التي خلق لها وبها شرفه وكرامته فحقيق لمن فقد مثل النعمة الخطيرة وتلقاها بمثل ذلك الحمد أن يكون محمودا حتى المكان الذي يسكن فيه فلذلك سمى بيت الحمد رواه أحمد والترمذي وقال حسن غريب نقله ميرك


وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله من عزى مصابا أي ولو بغير موت بالمأتى لديه أو بالكتابة إليه بما يهون المصيبة عليه ويحمله على الصبر بوعد الأجر أو بالدعاء له بنحو وأعظم الله لك الأجر والهمك الصبر ورزقك الشكر فله أي للمعزى مثل أجره أي نحو المصاب على صبره لأن الدال على الخير كفاعله كما في الحديث الصحيح وقيل أن من حمله على العزاء بالمد وهو الصبر فله لأجل هذه التعزية ثواب مثل ثواب المصاب لأجل صبره في المصيبة وقيل التعزية التأسي والتصبر عند المصيبة بأن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون ويقول المعزى أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك بالمد وغفر لميتك رواه الترمذي وابن ماجه قال ميرك ورواه البيهقي وفي سنده ضعف وقال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث علي بن عاصم الراوي بسكون الياء وقال أي الترمذي ورواه بعضهم عن محمد بن سوقة بضم السين وسكوت الواو بهذا الاسناد موقوفا أي علي ابن مسعود لكن له حكم المرفوع ويعضد خبر ابن ماجه بسند حسن مرفوعا ما من مسلم يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة وقوله قوموا إلى أخينا نعزيه وعن أبي برزة قال قال رسول الله من عزى ثكلى الثكل فقدان الولد والرجل ثكلان أي من عزى المرأة التي مات ولدها أي التي لا يعيش لها ولد كسي بصيغة المجهول بردا أي ألبس ثوبا عظيما في الجنة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب قال ميرك وليس إسناده بالقوى كذا في مبدأ الترمذي وعن عبد الله بن جعفر أي ابن أبي طالب قال لما جاء نعي جعفر بفتح النون وكسر العين وتشديد الياء أي خبر موته بمؤتة وهي موضع عند تبوك سنة ثمان وفي نسخة بفتح النون وسكون العين قيل النعي والنعي الأخبار بالموت والنعي أيضا الناعي وفي


القاموس نعاه له نعوا ونعيا أخبره بموته والنعي كغنى الناعي والمنعى قال النبي أي لأهل بيت النبوة اصنعوا لآل جعفر طعاما أي يتقوتون به يسمى الآن بمكة رفعة بضم الراء ولا يفعلونه إلا بعد الدفن عند دخول الليل فقد أتاهم أي من موت جعفر ما يشغلهم بفتح الياء والغين وقيل بضم الأول وكسر الثالث لقاموس شغله كمنعه شغلا ويضم وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة والمعنى جاءهم ما يمنعهم من الحزن عن تهيئة الطعام لأنفسهم فيحصل لهم الضرر وهم لا يشعرون قال الطيبي دل على أنه يستحب للأقارب والجيران تهيئة طعام لأهل الميت اه والمراد طعام يشبعهم يومهم وليلتهم فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم وقيل يحمل لهم طعام إلى ثلاثة أيام مدة التعزية ثم إذا صنع لهم ما ذكر سن أن يلح عليهم في الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط جزع واصطناعه من بعيد أو قريب للنائحات شديد التحريم لأنه إعانة على المعصية واصطناع أهل البيت له لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة بل صح عن جرير رضي الله عنه كنا نعده من النياحة وهو ظاهر في التحريم قال الغزالي ويكره الأكل منه قلت وهذا إذا لم يكن من مال اليتيم أو الغائب وإلا فهو حرام بلا خلاف رواه الترمذي وقال حسن صحيح نقله ميرك وأبو داود وابن ماجه قال ميرك ورواه النسائي

الفصل الثالث
عن المغيرة بن شعبة قال سمعت رسول الله يقول من نيح عليه مجهول ناح فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة قال الطيبي الباء سببية وما مصدرية أي بسبب النياحة أو موصولة فالباء للآلة أي بما نيح به عليه مثل واجبلاه كما سيأتي متفق عليه وعن عمرة بفتح العين بنت عبد الرحمن أنها قالت سمعت عائشة وذكر لها


أي لعائشة إن عبد الله بن عمر يقول إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه تقول حال من عائشة قيل مفعول ثان لسمعت وما بينهما جملة معترضة وجوز الطيبي أن يكون حالا من الفاعل أو المفعول يغفر الله لأبي عبد الرحمن كنية عبد الله وهذا من الآداب الحسنة المأخوذة من قوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم التوبة فمن استغرب من غيره شيئا ينبغي أن يوطىء ويمهد له بالدعاء إقامة لعذره فيما وقع منه وإنه لم يتعمد ومن ثم زادت على ذلك بيانا واعتذارا بقولها أما بالتخفيف للتنبيه أو للافتتاح يؤتى بها لمجرد التأكيد إنه أي ابن عمر لم يكذب أي حاشاه الله وهو البالغ في الصدق ولكنه نسى أي مورده الخاص أو أخطأ في ارادته العام وقال ابن حجر ولكنه نسي المروى عنه بالكلية فأتى بغيره وأخطأ منه إلى غيره فالفرق أن الأول لا شعور فيه أصلا وهذا فيه شعور به وإنما انتقل الذهن عنه إلى غيره اه وبعده لا يخفى مع عدم ملائمته بقولها إنما مر رسول الله على يهودية يبكى عليها فقال إنهم أي اليهود ليبكون عليها وإنها أي اليهودية لتعذب في قبرها أي لكفرها أو بالبكاء عليها وفي معناها كل كافر وفاجر يعذب ولا يخفى أن هذا الاعتراض وارد لو لم يسمع الحديث إلا في هذا المورد وقد ثبت بألفاظ مختلفة وبروايات متعددة عنه وعن غيره غير مقيدة بل مطلقة دخل هذا الخصوص تحت ذلك العموم فلا منافاة ولا معارضة فيكون اعتراضها بحسب اجتهادها قال ميرك نقلا عن التصحيح اختلفوا في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه فقيل إذا أوصى الميت بذلك فيعذب بسببه بقدر وصيته وقيل هذا القول في حق ميت خاص كان يهوديا كما قالت عائشة وقيل إنهم كانوا يذكرون في بكائهم ونوحهم من أخباره ومن جملتها ما يكون مذموما شرعا فالمعنى أنه يعذب بما يقع في البكاء من الألفاظ قال وعندي والله أعلم أن يكون المراد بالعذاب هو الألم الذي يحصل للميت إذا سمعهم يبكون أو بلغة ذلك فإنه يحصل له تألم بذلك والله أعلم وقد روينا أن


امرأة من أهل العراق مات لها ولد فوجدت عليه وجدا شديدا ثم رحلت في بعض مقاصدها إلى المغرب فحضر يوم العيد وعادتها في بلدها أن تخرج كل يوم عيد إلى المقابر تبكي على ولدها فلما لم تكن في بلدها خرجت إلى مقابر تلك البلدة ففعلت كما كانت تفعل وأكثرت البكاء والويل ثم نامت فرأت أهل المقبرة قد هاجوا يسأل بعضهم بعضا هل لهذه المرأة عندنا ولد فقالوا لا فقالوا كيف جاءت عندنا تؤذينا ببكائها ثم ذهبوا وضربوها ضربا وجيعا فلما استيقظت وجدت ألم ذلك الضرب فلا شك أن أرواح الأموات تألم من المؤذيات وتفرح من اللذات في البرزخ كما كانت في الدنيا وقد ورد أن الموتى يعلمون أحوال الأحياء وما نزل بهم من شدة ورخاء وورد أنهم يفتخرون بالزيارات ويألمون بانقطاعها ولما كان البكاء والعويل في حال الحياة تتأذى به الأرواح وتنقبض كان كذلك بعد الموت والمراد بالتعذيب المنفى الذي أشارت إليه عائشة مستدلة بالآية هو عذاب الآخرة والله أعلم اه وأقول لا شك في تأذي الأرواح بما تتأذى الأشباح وهو محمل حسن وتأويل مستحسن لولا أنه يعكر عليه ما سبق في الحديث المتفق عليه من تقييد العذاب بقوله يوم القيامة مع أنه لا منع من الجمع بين هذا وبين ما تقدم من الرواية متفق عليه وعن عبد الله بن أبي مليكة بالتصغير قال توفيت بنت لعثمان بن عفان قيل أنه منصرف بمكة فجئنا لنشهدها أي لنحضر صلاتها ودفنها وحضرها ابن عمرو ابن عباس أي وقد حضراها أيضا فإني لجالس بينهما قال الطيبي الظاهر أن يقال وإني لجالس ليكون حالا والعامل حضروا الفاء تستدعي الاتصال بقوله فجئنا لنشهدها نقله السيد جمال الدين وقال ميرك وقع في البخاري بالواو اه وقال ابن حجر تبعا لظاهر كلام الطيبي قوله فإني جالس عطف على فجئنا اه ولا يخفى عدم ظهور اتصاله بقوله فجئنا لنشهدها أيضا وإلا لكان الأمر سهلا بأن يقال جملة وحضرها إعتراضية بينهما فالأظهر أن الفاء دخلت على مقدرة تقديره فبعد حضورها إني


لجالس بينهما إشعارا بكمال الاطلاع على ما نقل عنهما فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان وهو أي ابن عمر مواجهة أي مقابل ابن عثمان ألا تنهي أي أهلك عن البكاء أي بالصياح والنياح فإن رسول الله قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فقال ابن عباس أي معترضا على ابن عمر بأن عائشة خالفته كأبيه وإن البكاء قد يكون ضروريا وهو لا يكلف به ذكره ابن حجر وفيه أن الثاني خارج عن المبحث إجماعا وخلاف عائشة غير مذكور هنا وأبوه موافق له أما في الكل أو في البعض لقوله قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك أي العموم وهو أن يكون بصوت أو ندبة عند المشرف على الموت أو يروى أي بعض ذلك الكلام لأن في روايته ببعض بكاء أهله كما سيأتي ثم


حدث أي روى ابن عباس ما سمعه من عمر رضي الله عنه فقال صدرت أي رجعت مع عمر من مكة سائرا حتى إذا كنا بالبيداء بفتح الموحدة وسكون التحتية موضع قريب من ذي الحليفة فإذا هو أي عمر بركب أي جماعة من الركبان تحت ظل سمرة بفتح السين وضم الميم نوع شجر فقال أي عمر لي اذهب فانظر أي تحقق من هؤلاء الركب أي كبيرهم أو أميرهم فنظرت فإذا هو صهيب أي ومن معه قال أي ابن عباس فأخبرته أي عمر به أو بالخبر فقال ادعه بضم الهاء ويجوز إسكانها أي اطلب صهيبا فرجعت إلى صهيب فقلت أي لصهيب ارتحل أي من مكانك فالحق بفتح الحاء أي اتبع أمير المؤمنين أي أمره أو الإجتماع به وهذا توطئة للمصاحبة والخصوصية الخالصة والمواخاة السالفة بين عمر وصهيب فإنه من أكابر الصحابة ولهذا قال فلما إن زائدة أصيب عمر أي جرح في المحراب ونقل إلى بيته مع الأصحاب بعد دخولهم المدينة بقليل بضرب ذلك المجوسي له بخنجره ضربات متعددة وهو يصلى بالناس الصبح فسقط وحمل إلى بيته وضرب به كثيرين وهو يشق الصفوف حتى ألقى عليه برنس خشية من خنجره المسلول بيده لكل من والاه فلما أحس اللعين بذلك قتل نفسه وكمل عبد الرحمن بن عوف الصلاة للناس ودخل الناس على عمر يتعرفون الخبر دخل أي عليه صهيب يبكي حال يقول بدل اشتمال من يبكي واأخاه واصاحباه ليس في هذا نوح نظير ما صدر عن فاطمة رضي الله عنها من قولها واأبتاه جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه لما تقرر من أن شرط النوح أن يقترن برفع صوت فقال عمر يا صهيب أتبكي علي أي بالصوت والندبة وقد قال رسول الله إن الميت أي مطلقا أو المشرف على الموت ليعذب ببعض بكاء أهل عليه أقول هذا أحسن ما ورد في الحديث من أنواع رواياته لأنه قابل لجميع ما ذكر من تأويلاته وإن كان ظاهر إيراد عمر أنه أراد البعض ما كان على وجه الندبة وطريقة النوحة على الميت حكما أو حقيقة فإنه قابل أن يكون المراد بالبعض ما يكون عن وصيته أو من نحو يهودية فإن


العيرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقال ابن حجر أي وهم الذين أوصاهم دون من لم يوصهم وهذا لا ينافي رواية ابن عمر ببكاء أهله لأنه محمول على ما إذا أوصاهم كلهم فمآل الروايتين إلى شيء واحد وحينئذ فلا اعتراض على ابن عمر لأن كلا منه ومن أبيه نقل اللفظ الذي سمعه من النبي اه وفيه أن الحمل المفهوم مخالف لما فهم عمر رضي الله عنه من العموم ثم المراد بأهل الميت أعم من أقاربه وأصحابه كما يدل عليه فهم عمر رضي الله عنه فالأظهر أن يراد بالميت المحتضر وبالعذاب تشويش خاطره ممن حوله بغير ذكر الله من الأمور العادية فإنه حينئذ في مراقبة الأحوال


الأخروية ولذا قال الصديق الأكبر ليتني كنت أخرس إلا عن ذكر الله إذ المناسب حينئذ الدعاء والذكر تهوينا أو تلقينا والله أعلم فقال ابن عباس فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك أي الكلام أو الحديث لعائشة رضي الله عنها فقالت يرحم الله عمر فيه إشارة إلى أنه وقع منه سهو يحتاج إلى عفو وفيه من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى عفا الله عنك التوبة قال الطيبي استغربت من عمر ذلك القول فجعلت قولها يرحم الله عمر تمهيدا ودفعا لما يوجب من نسبته إلى الخطأ لا أي ليس كذلك والله ما حدث رسول الله إن الميت بكسر الهمزة وتفتح ليعذب ببكاء أهله عليه أي مطلقا ولا مقيدا بالبعض وهذا النفي المؤكد بالقسم منها بناء على ظنها وزعمها أو مقيد بسماعها وإلا فمن حفظ حجة على من لم يحفظ والمثبت مقدم على النافي وكيف والحديث روى من طرق صحيحة بألفاظ صريحة إنه بعمومه لا ينافي ما قالت بخصوصه ولكن أي الذي حدث به جملة إن الله الخ وفي نسخة ولكن قال إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه فيه أن النفي منها رضي الله عنها هنا مناقض لما قالت سابقا من أن الحديث ورد في يهودية كانوا يبكون عليها وهي تعذب في قبرها وقالت أي تأكيدا لقولها أولا حسبكم القرآن بسكون السين المهملة أي كافيكم القرآن في تأييد ما ذهبت من الخبر ولا تزر وازرة وزر أخرى الجملة بدل كل أو بعض من القرآن أو خبر مبتدأ محذوف هو هو قال الطيبي الوزر والوقر احوان ووزر الشيء إذا حمله والوازرة صفة النفس والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته لا تؤخذ نفس بذنب نفس كما تأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولي والجار بالجار اه ولا يخفى أن الآية بظاهرها تنفي ما ذكرت من أن الكافر يعذب ببكاء أهله عليه قال ابن عباس عند ذلك أي عند قول عائشة أو عند نقله عنها مؤيدا لها ومصداقا لكلامها والله بالرفع مع الواو وهو حاصل معنى الآية بلفظ وإنه هو أضحك وأبكى قال ميرك أي أن


العبرة لا يملكها ابن آدم ولا تسبب له فيها فكيف يعاقب عليها فضلا عن الميت اه وتبعه ابن حجر وحاصله جواز عموم البكاء وهو خلاف الإجماع مع مناقضته لما ثبت عن ابن عباس إنه قال في قوله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها الكهف من أن الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة على ما نقل عنه البغوي في المعالم ثم قال ميرك قال الداودي معناه أن الله أذن في الجميل من البكاء فلا يعذب بما أذن فيه اه وهو خارج عن البحث كما لا يخفى ثم قال وقال الطيبي غرضه تقرير لنفي ما ذهب إليه ابن عمر من أن الميت يعذب ببكاء الأهل وذلك


أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله يظهرها فيه فلا أثر لها في ذلك اه وفيه أن الكل من عند الله خلقا ومن العبد كسبا كما هو مقرر والشرع قد اعتبر ما يترتب عليه من الأثر كسائر أفعال البشر ألا ترى أن الضحك والتبسم في وجه المؤمن من الحسنات وعلى المؤمن على وجه السخرية من السيئات وكذلك الحزن والسرور تارة يكونان من الأحوال السنية يثاب الشخص بهما وتارة من الأفعال الدنية يعاقب عليهما كما هو مقرر في علم الأخلاق والتصوف وزبدته في الأحياء ثم قال الطيبي فإن قلت كيف لم يؤثر ذلك في حق المؤمن وقد أثر في حق الكافر قلت لأن المؤمن الكامل لا يرضى بالمعصية مطلقا سواء صدرت منه أو من غيره بخلاف الكافر ومن ثم قالت الصديقة رضي الله عنها حسبكم القرآن أي كافيكم أيها المؤمنون من القرآن هذه الآية ولا تزر وازرة وزر أخرى الأنعام إنها في شأنكم وما ذكر رسول الله إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه في شأن الكفار أقول لا دلالة لقولها على هذا المدعى مع أن العبرة بعموم ألفاظ الآيات والأحاديث في المعنى لا لخصوص الأسباب في المبنى وأغرب ابن حجر وجعل الخلاف بين عائشة وبين غيرها من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لفظيا مع أن لهم أقوالا مختلفة المباني لا يمكن حينئذ جمعها في واحد من المعاني ثم قال واعتذر بأن الفاروق رضي الله عنه كان الغالب عليه الخوف فقال ذلك لسوء ظنه بنفسه والصديقة رضي الله عنها كانت في مقام الرجاء وحسن الظن بالله في حق المؤمنين فقالت ذلك ولكل وجهة هو موليها اه وهذا بإشارات الصوفية أشبه وإنما الكلام فيما صدر عن مشكاة صدر النبوة وما يتعلق به من أحكام الشريعة والله أعلم قال ابن أبي مليكة فما قال ابن عمر شيئا أي شيئا من القول أو شيئا آخر قال الطيبي أي فعند ذلك سكت ابن عمر وأذعن قلت لا دلالة في السكوت على الإذعان بل ترك المجادلة كما هو شأن أرباب العرفان متفق عليه قال ابن حجر وفيه أن المجتهد أسير


الدليل وإن له لأجل ذلك أن يخطىء غيره وأن يحلف على خطائه وإن كان أجل منه وأوسع علما إذ عمر كذلك مع عائشة رضي الله عنها اه وفيه دليل صريح ونقل صحيح يصلح للرد على بعض المنتسبين إلى فقه الشافعي ومن أهل زماننا المعترضين علينا ممن لم يخرج عن حضيض التقليد ولم يتخلص من قيد التقييد ولم يبرز في ميدان التحقيق والتأييد عند اعتراضنا على ابن حجر إذا وقع له كلام غير سديد بأن مثلك لا يجوز له الاعتراض على شيخ الإسلام مفتي الآنام ابن حجر الذي هو جبل من جبال العلم عند الأئمة الأعلام


وعن عائشة قالت لما جاء النبي قتل ابن حارثة أي زيد وجعفر أي ابن أبي طالب وابن رواحة أي جاءه خبر شهادتهم جلس أي في المسجد يعرف فيه أي في وجهه الوجيه الحزن أي أثره وهو بضم الحاء وسكون الزاي وبفتحهما هم قوت المحبوب والجملة حال أي حزينا بمقتضى البشرية وظاهر الحديث أن جلوسه في المسجد كان للعزاء لكن قال ابن الهمام يجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام وهو خلاف الأولى ويكره في المسجد اه فلعله محمول على الاختصاص أو لبيان الجواز أو كان جلوسه في المسجد اتفاقيا وأنا أنظر من صائر الباب أي من ذي صير أي شق له كلابن وتامر ولذا قيل تعني أي تريد عائشة بصائر الباب شق الباب بفتح الشين أي خرقه وهذا تفسير للراوي عنها فأتاه رجل فقال أي الرجل إن نساء جعفر أي أهل جعفر وذكر أي الرجل بكاءهن الجملة في محل النصب على الحالية سادة مسد الخبرية قال الطيبي حال من المستتر في فقال وحذفت رضي الله عنها خبران من القول المحكى عن نساء جعفر بدلالة الحال يعني إن ذلك الرجل قال إن نساء جعفر فعلن كذا وكذا مما حظره الشرع من البكاء الشنيع والنوح الفظيع فأمره أن ينهاهن فذهب ثم أتاه الثانية أي المرة الثانية لم يطعنه أي في ترك البكاء في المرة الأولى قال الطيبي حكاية لمعنى قول الرجل أي فذهب ونهاهن ثم أتى النبي وقال نهيتهن فلم يطعنني يدل عليه قوله في المرة الثالثة والله غلبننا فقال إنههن بهمزة وصل مكسورة وفتح الهاء أمر من النهي أي امنعهن من البكاء فأتاه الثالثة أي فذهب إليهن ونهاهن ولم يطعنه أيضا فأتاه المرة الثالثة قال والله غلبننا يا رسول الله كما ورد في حديثهن أغلب فزعمت بالغيبة أي قالت عمرة فزعمت عائشة قال الطيبي أي ظنت وقال ابن حجر أخبرت قال النووي الزعم يطلق على القول المحقق وعلى الكذب والمشكوك فيه وينزل في كل موضع على ما يليق به اه وظني أنه منها بمعنى الظن ويؤيده ما في نسخة بالتكلم أي قالت عائشة فزعمت أي ظننت إنه قال فاحث


بضم الثاء أمر من الحثي وهو الرمي في أفواههن التراب في النهاية احثوا التراب في وجوه المداحين كناية عن الخيبة وقيل المراد الحقيقة اه فيكون المراد إن كنتم قادرين على ذلك والظاهر أنه ههنا كناية عن تركهن على حالهن لعدم نفع النصيحة بهن في حال ضجرهن وجزعهن فقلت أرغم الله أنفك في النهاية رغم أنفه لصق بالرغام وهو التراب ثم استعمل في الذل والعجز عن الالتصاق والانقياد على كره قال الطيبي أي قالت عائشة للرجل أذلك الله فإنك آذيت رسول الله وما كففتهن عن البكاء اه وهذا معنى قولها رضي الله عنها لم تفعل ما أمرك رسول الله


أي على وجه الكمال في الزجر وإلا فقد قام بالأمر حيث نهاهن عن الضجر وما أبعد قول ابن حجر حيث صرف الأمر إلى الحثي في أفواههن ولم تترك رسول الله من العناء بفتح العين المهملة أي تعب الخاطر من سماع ارتكابهن الكبائر أو الصغائر وعدم انزجارهن بالزواجر متفق عليه وعن أم سلمة من أمهات المؤمنين قالت لما مات أبو سلمة أي زوجها الأول قلت غريب أي هو ميت في بلاد الغربة لأنه كان مكيا من أصحاب الهجرة وفي أرض غربة بالإضافة وهو تأكيد أو المراد بقولها لها غريب أي ليس له أحد من أقاربه وهو أما مجاز أو تشبيه بليغ لأبكينه بتشديد النون أي والله لأبكين عليه بكاء أي شديدا يتحدث عنه بصيغة المجهول أي يتحدث الناس به ويتعجبون منه لكمال شدته ولعل هذا منها كان قبل علمها بتحريم النياحة فكنت قد تهيأت للبكاء عليه أي بالقصد والعزيمة وتهيئة أسباب الحزن من الثياب السود وغيرها قال الطيبي الفاء متصلة بقوله قلت أي قلت عقيب ما تهيأت للبكاء ولا يجوز أن يتصل بالقول إلا مع الواو ليكون حالا اه وغفل ابن حجر عن ذلك التحقيق فقال هو عطف على قلت أي عقب قولي ذلك وقع مني تمام التهيىء إذ أقبلت امرأة ظرف لتهيأت وأبعد ابن حجر حيث قال ظرف لقلت أي جاءتني من قبالتي امرأة تريد أن تسعدني أي مساعدتي في البكاء ومعاونتي في النداء فاستقبلها أي تلك المرأة رسول الله أي بعد علمه بما هي قاصدة له فقال أتريدين أي أيتها المرأة بإعانتك على المعصية أن تدخلي الشيطان أي أن تكوني سببا لدخول الشيطان بيتا أخرجه الله أي الشيطان منه أي من ذلك البيت وأبعده من إغواء أهله مرتين قال السيد جمال الدين يحتمل أن يراد بالمرة الأولى يوم دخوله في الإسلام والمرة الثانية يوم خروجه من الدنيا مسلما وأن يراد به التكرير أي أخرجه الله إخراجا بعد إخراج كقوله تعالى ثم ارجع البصر كرتين الملك وقوله تعالى الطلاق مرتان البقرة أي مرة بعد مرة كذا قاله الطيبي أقول ويحتمل أن يراد


بالمرة الأولى يوم هاجر من مكة إلى الحبشة وبالمرة الثانية يوم هاجر إلى المدينة فإنه من ذوي الهجرتين اه أقول ويحتمل أن يكون مرتين متعلق بقال أي أعاد هذا الكلام لكمال الاهتمام مرتين والله أعلم وكففت عطف على مقدر أي فانزجرت ومنعت نفسي عن البكاء فلم أبك أي البكاء المذموم على الوجه المعلوم رواه مسلم
وعن النعمان بضم النون ابن بشير صحابيان قال أغمي على عبد الله بن رواحة هو من النقباء والصحابة الأجلاء فجعلت أخته عمرة تبكي واجبلاه قال الطيبي حال والقول محذوف أي قائلة واجبلاه توطئة لها كقوله تعالى لسانا عربيا الأحقاف واكذا واكذا كنايتان عن نحو سيداه وسنداه تعدد عليه أي بأوصافه الجميلة بدل من تبكي أو بيان له فقال حين أفاق ما قلت شيئا لا قيل لي استثناء مفرغ كذلك أي أنت وفي نسخة كذاك بلا لام أي لما قلت واجبلاه قيل أنت جبل أي كهف يلجؤون إليك على سبيل التهكم والوعيد الشديد قال الطيبي هذا الحديث ينصر مذهب عمر رضي الله عنه في حديث ابن أبي مليكة وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته وهو قوله لأنا لا نعلم أحدا أخذ بظاهره وإنما هو مؤول بما قدمته وتلك التأويلات لا يأتي منها شيء هنا فتعين ما ذكرته قلت سيأتي في كلام السيوطي ما يقوى الطيبي ثم قال ابن حجر فإن قلت ما وجه توبيخه بهذا مع إنه لم يرض به ولا أمر قلت إخباره بذلك حتى ينزجر الناس عن فعل شيء من ذلك بالكلية اه ولا يخفى عدم صلاحيته للجواب والله أعلم بالصواب زاد في رواية فلما مات لم تبك عليه أي أخته من جنس هذا البكاء رواه البخاري وعن أبي موسى قال سمعت رسول الله يقول ما من ميت أي حقيقي أو مشرف على الموت يموت قال الطيبي هو كقول ابن عباس يمرض المريض أو تضل الضالة فسمى المشارف للموت والمرض والضلال ميتا ومريضا وضالة وهذه الحالة هي الحالة التي ظهرت على عبد الله بن رواحة اه وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته فيقوم أي فيشرع باكيهم فيقول واجبلاه واسيداه ونحو ذلك


نحو سنداه ومعتمداه إلا وكل الله به ملكين يلهزانه بفتح الهاء أي يضربانه ويدفعانه وفي النهاية اللهز الضرب بجمع اليد في الصدر يقال ألهزه بالرمح أي طعنه في الصدر ويقولان أهكذا كنت أي توبيخا وتقريعا رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب حسن ورواه ابن ماجه والحاكم قال السيوطي في شرح الصدور بعد ما ذكر أحاديث أن الميت يعذب ببكاء الحي عليه اختلف العلماء في ذلك على مذاهب أحدها أنه على ظاهره مطلقا وهو رأى عمر بن الخطاب وابنه الثاني لا مطلقا الثالث أن الباء للحال أي أنه يعذب حال بكائهم عليه والتعذيب عليه من ذنب لا بسبب البكاء الرابع أنه خاص بالكافر والقولان عن عائشة الخامس أنه خاص بمن كان النوح من سنته وطريقته وعليه البخاري السادس أنه فيمن أوصى به كما قال القائل إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنت معبد السابع أنه فيمن لم يوص بتركه فتكون الوصية بذلك واجبة إذا علم أن من شأن أهله أن يفعلوا ذلك الثامن أن التعذيب بالصفات التي يبكون بها عليه وهي مذمومة شرعا كما كان أهل الجاهلية يقولون يا مرمل النسوان يا ميتم الأولاد يا مخرب الدور التاسع أن المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة له بما يندب به أهله اه العاشر ما أخرجه البخاري عن عمرو لفظه أن الميت يعذب بالنياحة عليه في قبره اه وتقدم قول آخر أن المراد بالعذاب تألم الميت بسبب بكاء أهله عليه على وجه مذموم كما يتألم بسائر المعاصي الصادرة عنهم ويفرح بالأعمال الصالحة الكائنة منهم والحاصل أن الميت إذا كان له تسبب في هذه المعصية ولو بتقصير في الوصية أو رضي بهذه القضية فالعذاب على حقيقته وإلا فمحمول على تألمه سواء عند نزعه أو موته ويستوي فيه الكافر والمؤمن وبهذا يحصل الجمع بين قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى الأنعام وبين الأحاديث المطلقة في هذه البلية الكبرى وعن أبي هريرة قال مات ميت من آل رسول الله هي زينب بنت رسول الله كما سيأتي في الحديث الآتي


فاجتمع النساء يبكين عليه أي على الميت فقام عمر ينهاهن أي الأقارب ويطردهن أي الأجانب بضربهن كما سيأتي فقال رسول الله دعهن أي اتركهن يا عمر فإن العين دامعة أي بالطبع وقد وافقه الشرع والقلب بالنصب والرفع مصاب أي أصابه المصيبة فلا بد له أن ينقلب إلى الحزن كما أنه ينقلب عند حصول النعمة إلى الفرح فهو السبب في بكاء العين وضحكها والعهد بالوجهين أي زمان المصيبة قريب أي منهن فالصبر صعب عليهن ولذا قال الصبر أي الكامل عند الصدمة الأولى والواو لمطلق الجمع وعكس فيه الترتيب الطبيعي لأن قرب العهد يورث شدة الحزن للقلب وهي تورث دمع العين إيثارا لذكر ما يظهر ويعلم على ما يخفى ثم الظاهر أن بكاءهن كان بصوت لكن لا برفعه فنها عن عمر سد الباب الذريعة حتى لا ينجر إلى النياحة المذمومة لا سيما في الحضرة النبوية فأمره بتركهن وأظهر عذرا لهن في أفعالهن ويمكن أن يكون مع عمر


لضربهن كما في الحديث الآتي فمنعه ظاهر لا إشكال فيه وقال ابن حجر هو محمول على أنه لم يصدر منهن إلا مجرد البكاء فمنعهن منه عمر كأنه للتمسك بقوله فإذا وجبت فلا تبكين باكية فأمره بالإمساك عنهن وذكر له عذرهن الدال على أن محل الكراهة حيث لا غلبة أما مع غلبة الحزن فلا كراهة اه وفيه أن مجرد البكاء غير مكروه إجماعا وقد صدر البكاء عنه عند موت ابنه إبراهيم حيث قال العين تدمع والقلب يحزن فالنهي في الحديث الذي أورده محمول على البكاء المذموم ولا اعتبار بالمفهوم من الظرف الذي وقع قيدا اتفاقيا أو غالبيا والله أعلم وسيأتي مزيد تقرير ومزيد تحرير في الحديث الذي يليه مما يؤيد ما ذكرنا ويقويه رواه أحمد كذا في نسخة والنسائي وعن ابن عباس قال ماتت زينب بنت رسول الله فبكت النساء وجعل عمر بضربهن بسوطه فأخره رسول الله أي عنهن بيده وفيه إشعار أنه لا يجوز الضرب على النياحة بل ينبغي النصيحة ولذا أخره وقال مهلا بسكون الهاء أي أمهلهن مهلا أو أعطهن مهلا قال السيد مهلا مصدر عامله محذوف كذا في الطيبي وقال في النهاية وفي حديث علي كرم الله وجهه إذا سرتم إلى العدو فمهلا مهلا فإذا وقعت العين على العين فمهلا مهلا الساكن الرفق والمتحرك التقدم أي إذا سرتم فتأنوا وإذا لقيتم فاحملوا قال الجوهري المهل بالتحريك التؤدة والتباطؤ يقال مهلته وأمهلته أي سكنته وأخرته ومهلا يستوى فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث اه وفي القاموس المهل ويحرك والمهملة بالضم السكينة والرفق اه وبه يتبين أن المهل فيه لغتان السكون وهو الأصل وأشار إليه في القاموس بقوله ويحرك وكان صاحب النهاية اقتصر على السكون نظرا إلى رواية الحديث فاقتصار ابن حجر على التحريك مخالف للرواية والدراية يا عمر والمعنى لا تبادر حتى يتبين لهن الحكم وفيه إشارة إلى قوله تعالى أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة النحل ثم قال إياكن ونعيق الشيطان أي صياحه بالنياحة


وأضيف إليه لحمله عليه من نعق الراعي بغنمه دعاها لتعود إليه ومنه قوله تعالى كمثل الذي ينعق البقرة ثم قال أي النبي مبينا له أتم البيان إنه أي الشأن مهما كان في القاموس مهما بسيط لا مركب من مه وما ولا من ما خلافا لزاعميهما أهو اختلف في إنها اسم شرط أو حرف شرط وهو في هذا المقام ظرف لفعل الشرط أي مهما كان البكاء من العين أي من الدمع ومن القلب أي من الحزن فمن الله عز وجل أي محمود ومرضى من جهته وصادر من خلقته ومن الرحمة أي وناشىء من رحمة صاحبه وما كان ما شرطية أيضا من اليد كالضرب على الخد وقطع الثوب ونتف الشعر ومن اللسان أي بطريق الصياح وعلى وجه النياح أو يقول مما لا يرضى به الرب فمن الشيطان أي من إغوائه أو برضائه قال الطيبي مهما حرف الشرط تقول مهما تفعل أفعل قيل إن أصلها ماما فقلبت الألف الأولى هاء ومحله رفع بمعنى أيما شيء كان من العين فمن الله فإن قلت نسبة الدمع إلى العين والقول من اللسان والضرب باليدان كان بطريق الكسب فالكل يصح من العبد وإن كان من طريق التقدير فمن الله فما وجه اختصاص البكاء بالله قلت الغالب في البكاء أن يكون محمودا فالأدب أن يسند إلى الله تعالى بخلاف قول الخنا والضرب باليد عند المصيبات فإن ذلك مذموم اه وتبعه ابن حجر قال ميرك ولعل إسناد البكاء إلى الله تعالى لأجل إن الله راض به ولا يؤاخذ به بخلاف ما صدر من اللسان واليد عند المصيبة فإن الشيطان راض بهما والرحمن يؤاخذ بهما وليس في الحديث إسناد ما صدر منهما للعبد حتى يقال كان بطريق الكسب فالكل من العبد وإن كان بطريق التقدير فالكل من الله تعالى تأمل اه وهي مناقشة لطيفة ومجادلة شريفة وبيانها أن ترديد الطيبي ليس على الطريق العرفي فإنه لا مرية إن الكل بتقدير الله تعالى أولا ويكسب العبد ثانيا فمحل السؤال ومورد الإشكال أنه كيف نسب بعضها إلى الرحمن وبعضها إلى الشيطان فيجاب أن بعضها مباح أو محمود فينسب إلى الله لإباحته


إياه أو لرضاه فيترتب عليه الثواب وبعضها معصية فينسب إلى الشيطان حيث تسبب بالإغواء وحصل له به الرضا فيستوجب عليه العذاب هذا وقد يقال إن دمع العين وحزن القلب ليسا من الأفعال الاختيارية فلا إشكال في نسبتهما إلى الصفات الألوهية والله أعلم بالحقائق الحديثية رواه أحمد وعن البخاري تعليقا أي بلا إسناد قال لما مات الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم ضربت امرأته القبة أي الخيمة على قبره سنة الظاهر أنه لاجتماع الأحباب للذكر والقراءة وحضور الأصحاب للدعاء بالمغفرة والرحمة وأما حمل فعلها على العبث المكروه كما فعله ابن حجر فغير لائق بصنيع أهل البيت ثم رفعت بالبناء للفاعل أي أمرت المرأة برفعها ويجوز كونه للمفعول أي رفعت الخيمة فسمعت أي المرأة صائحا أي هاتفا غيبيا يقول ألا بالتخفيف للتنبيه هل وجدوا ما فقدوا فأجابه آخر بل يئسوا والظاهر سئموا ولكن لما كان في صورة اليأس قال يئسوا فانقلبوا أي رجعوا وقال السيوطي أخرج


ابن أبي الدنيا عن سواد بن مصعب الهمداني عن أبيه أن أخوين كانا جارين له وكان كل واحد يجد بصاحبه وجدا لا يرى مثله فخرج الأكبر إلى أصفهان فمات الأصغر فاختلف إلى قبره سبعة أشهر فإذا هاتف يهتف من خلفه يوما يا أيها الباكي على غيره نفسك أصلحها ولا تبكه إن الذي تبكي على أثره توشك أن تسلك في سلكه قال فالتفت فلم ير خلفه أحدا فاقشعر وحم فرجع إلى أهله فلم يلبث إلا ثلاثا حتى مات فدفن إلى جنبه اه وكان من حق المصنف أن يذكر من يرويه البخاري عنه أولا وينسب الحديث إليه معنعنا ثم يقول بعد تمام الحديث رواه البخاري تعليقا وعن عمران بن حصين وأبي برزة قالا خرجنا مع رسول الله في جنازة فرأى قوما أي من أهل الميت قد طرحوا أرديتهم أي وضعوها من أكتافهم يمشون حال من فاعل طرحوا أو صفة بعد صفة لقوما في قمص بضمتين جمع قميص يؤخذ منه أن الشعار المعروف في ذلك الزمن هو الرداء فوق القميص قال الطيبي حال متداخلة لأن يمشون حال من الواو في طرحوا أو هو من الواو في يمشون وقال السيد ويحتمل أن تكون أحوالا مترادفة من مفعول رأي فإن قوله قد طرحوا حال منه ويمشون حال أخرى اه وهو غير صحيح لأن قوما نكرة وشرط ذي الحال أن يكون معرفة أو نكرة موصوفة فلا يبقى مسوغ هنا حينئذ فقال رسول الله أبفعل الجاهلية أي من تغيير الزي المألوف عند الموت تأخذون الهمزة للإنكار ومحله الفعل وقدم الجار لبيان محط الإنكار أو بصنيع الجاهلية أو للتنويع أو للشك تشبهون أي تتشبهون فحذف إحدى التاءين لقد هممت وفي نسخة قال لقد هممت أي قصدت أن ادعو عليكم أي بالمضرة دعوة مفعول مطلق ترجعون على بنائه للفاعل وقيل للمفعول أي تصيرون أو تردون بتلك الدعوة في غير صوركم أي بالمسخ قال الطيبي هو محمول على تضمين الرجوع معنى صار كما في قوله تعالى ولتعودن في ملتنا الأعراف اه وفيه أن الصيرورة هي بمعنى الرجوع ومنه قوله تعالى وإليه المصير التغابن فلا تضمين والظاهر أن يقال ضمن


الرجوع معنى العود فعدى بفي ثم ضمن العود معنى التصيير كما في الآية فإن العود حقيقة لا يصح في هذا المقام فتأمل في الكلام فإنه مزلة الأقدام ومعثرة الأقدام قال أو تحمل الصورة على الصفة والحالة أي ترجعون إلى غير الفطرة كما كنتم عليه اه ولا يظهر وجه التقابل بين القولين الأبان يقال مراده أن في بمعنى إلى لكن لا دخل للصورة على أنه بمعنى الصفة أولا بهذا القول بل هو قول مقابل فيما يقال إن المسخ هل هو صوري أو معنوي قال ميرك ويحتمل أن يكون المراد ترجعون إلى بيوتكم في غير صوركم وفي غير صوركم حال فلا حاجة إلى الوجهين اه وهو وجه حسن وتقدير مستحسن قال أي الراوي وفيه إيهام فإن الراوي اثنان فيحتمل أن يكون المراد قال كل منهما ويحتمل قال الراوي الشامل لهما أو لأحدهما فأخذوا أرديتهم ولم يعودوا أي لم يرجعوا بعد ذلك لذلك أي إلى ذلك الفعل أو لم يرجعوا في ذلك الفعل لأجل ذلك القول الصادر منه وهو أظهر والله أعلم قال الطيبي فإذا ورد في مثل أدنى تغيير من وضع الرداء عن المنكب هذا الوعيد البليغ فكيف ما يشاهد من الأمور الشنيعة قال ابن حجر والحديث نص فيما يفعله المترسمون برسوم الفقهاء من أهل مكة فإنه إذا مات لهم ميت تركوا المناديل التي على أكتافهم المنزلة في الأصل منزلة الأردية المألوفة في الزمن الأول فكما أن أولئك استحقوا ذلك الوعيد الشديد فهؤلاء يستحقونه على ترك مناديلهم المنزلة منزلة الأردية اه وقد يقال لبس الرداء سنة بخلاف المنديل على الكتف فإنه إما مباح أو بدعة قال بعض علمائنا إنه مكروه فوضعه لا يكون مكروها فضلا عن أن يكون عليه وعيد شديد مع أن أهل مكة محملا آخر يمكن حمله على الصواب وهو جعلهم هذا علامة تبين المصاب وأيضا عند اجتماع الناس على تعزيتهم إياه لا يمكن بقاء المنديل على كتفه ألبتة فإنه ينطرح بنفسه عند الزحام وقد وقع لي بالخصوص في تعزية ولدي وثمرة كبدي بالمسجد الحرام فأخذته من كتفي وناولته لبعض


الخدام فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن رواه ابن ماجه وعن ابن عمر قال نهى رسول الله أن تتبع بالتخفيف وتشدد على بناء المجهول أي تشيع جنازة معها رانة بتشديد النون نائحة صائحة وفي معناها إذا كان معها أمر آخر من المنكرات وهذا أصل أصيل في عدم الحضور عند مجلس فيه المحظور رواه أحمد وابن ماجه وعن أبي هريرة أن رجلا قال له أي لأبي هريرة مات ابن لي أي صغير فوجدت أي حزنت عليه حزنا شديدا هل سمعت من خليلك صلوات الله عليه وفي


نسخة وسلامه شيئا يطيب بأنفسنا بالتخفيف مع فتح أوله فالياء للتعدية وبالتشديد فالباء للتأكيد كما في قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وهزي إليك بجذع النخلة وهذه الزيادة أعني زيادة الباء في المفعول أمر مطرد عند أرباب العربية على ما ذكره المغني وأما قول ابن حجر الباء زائدة عند من يرى زيادتها في الاثبات كالأخفش فوهم منه لانتقاله من الباء إلى من أي يسليها عن موتانا أي من الصغار قال نعم سمعته قال صغارهم أي صغار المسلمين دعاميص الجنة في النهاية جمع دعموص وهي دويبة تغوص في الماء وتكون في مستنقع الماء والدعموص أيضا الدخال في الأمور أي أنهم سياحون في الجنة دخالون في منازلها لا يمنعون من موضع كما أن الصبيان في الدنيا لا يمنعون من الدخول على الحرم ولا يحتجب منهم يلقى أحدهم أي أحد الصغار أباه أي فكيف أمه ولعل الاقتصار من أبي هريرة بمقتضى المقام أو منه عليه الصلاة والسلام إكتفاء بالدليل البرهاني على المرام فيأخذ بناحية ثوبه أي بطرفه فلا يفارقه حتى يدخله الجنة رواه مسلم وأحمد واللفظ له أي لأحمد ولعل المصنف لهذا ذكر أحمد لأنه ملتزم أنه لا يذكر بعد الشيخين أحدا من المخرجين لظهور صحة الحديث إذا كان في الصحيحين وعن أبي سعيد قال جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك أي فازوا وظفروا به ونحن محرومات من اغتنامه واكتسابه قال الطيبي أي أخذوا نصيبا وافرا من مواعظك فاجعل لنا من نفسك بسكون الفاء أي من أجل انتفاع ذاتك وبركات كلماتك يوما ولو كانت الرواية بفتح الفاء لكان وجها وجيها وعلى المقصود تنبيها نبيها والمعنى اجعل لنا من أجل سماع أحاديثك النفيسة وأقاويلك الأنيسة يوما أي وقتا من الأوقات أو يوما من أيام الأسبوع أو شهرا أو سنة أو يوما لا أقل منه وقال الطيبي قوله يوما أي نصيبا إطلاقا للمحل على الحال ومن نفسك حال من يوما ومن ابتدائية أي اجعل لنا من نفسك نصيبا ما في بعض


الأيام نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله أقول يحتمل تعلقه بما قبله أو بما بعده أو يتنازعان فيه قال ميرك قوله نأتيك فيه آب من حمل اليوم على النصيب قلت أبي الآباء حيث قدر في بعض الأيام واندفع به قول ابن حجر فيه نوع من الاستخدام لأن المراد باليوم ما مر وههنا حقيقة الزمن ثم قال ميرك ولا أدري ما الباعث عليه
قلت لا أدري نصف العلم ونصفه الآخر أن تدري أن لا معنى بحسب الظاهر لقوله اجعل لنا يوما من نفسك فلا بد له من تأويل فأوله بما ظهر له كما أوله غيره بما ظهر له ثم قال الصواب أن المراد عين لنا من عندك يوما في الأسبوع نأتيك فيه لاستماع حديثك قلت ورود النفس بمعنى عند غير معروف لغة وعرفا فالتخطئة غير صواب نعم هذا حاصل المعنى لكن لا بد من مراعاة المبنى ولذا قال العلامة الكرماني على ما نقله ميرك عنه الجعل يستعمل متعديا إلى مفعول واحد بمعنى فعل وإلى مفعولين بمعنى صير والمراد هنا لازمه وهو التعيين ويوما مفعول به لا مفعول فيه ومن في من نفسك ابتدائية متعلقة باجعل يعني هذا الجعل منشؤه اختيارك يا رسول الله لا اختيارنا ويحتمل أن يكون المراد من وقت نفسك باضمار الوقت والظرف صفة يوما وهو ظرف مستقر على هذا الاحتمال اه يعني ومن تبعيضية أي اجعل لنا معشر النساء وقتا ما من الأوقات المختصة بذاتك الأشرف فإنه عليه الصلاة والسلام على ما ذكره الترمذي في الشمائل جزاء أوقاته فجعل جزأ الله وجزأ لأهله وجزأ لنفسه وجزأ للناس وهذا المعنى أظهر والله أعلم فقال اجتمعن بكسر الميم في يوم كذا أي في نهار كذا و في وقت كذا أو في وقت كذا في يوم كذا في مكان كذا أي من المسجد أو البيت وكذا أي من وصفه بمقدمه أو مؤخره فاجتمعن بفتح الميم فأتاهن رسول الله فعلمهن مما علمه الله ولعل مأتاهن عنده كان متعذرا فعين لهن زمانا معينا ومكانا مبينا فأتاهن فلا ينافي ما قاله العلماء من أن العلم يؤتى ولا يأتي أو نزل تعيين الزمان والمكان لهن


وإتيانهن فيهما منزلة إتيانهن العلم ثم قال ما منكن امرأة تقدم بين يديها من ولدها بفتحتين ويضم الأول ويسكن الثاني أي من أولادها من البنين والبنات ثلاثة إلا كان أي تقدمهم وموتهم وأما قول ابن حجر إلا كان الولد بمعنى الثلاثة فغير ظاهر مبنى ومعنى لها أي للمرأة حجابا أي ساترا من النار فقالت امرأة منهن يا رسول الله أو اثنين عطف تلقيني وإعادتها أي المرأة هذه الكلمة مرتين أو قالت يا رسول الله قل أو اثنين أو قل واثنين ثم قال أي النبي واثنين واثنين واثنين ثلاث مرات للتوكيد والواو بمعنى أو ولعل توقفه عليه الصلاة والسلام كان انتظارا للوحي أو الإلهام أو نظرا في أدلة الأحكام رواه البخاري وعن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ما من مسلمين أي من الوالدين


يتوفى لهما ثلاثة أي من الولد إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهما وهو لا ينافي سببية أولادهما قال الطيبي إياهما تأكيد للضمير المنصوب في أدخلهما اه والأظهر أنه مفعول للمصدر فقالوا يا رسول الله أو اثنان عطف التماس قال أو اثنان قالوا أو واحد قال أو واحد ولعل الحكمة في التقييد بالثلاثة أولا لأنه أكمل الأحوال وليلجئهم في إلحاق الناقص بالكامل إلى السؤال ثم قال أي تتميما ومبالغة في ثواب الولد مؤكدا بالقسم والذي نفسي بيده أي روحي أو حياتي بتصرف إرادته وقبض قدرته إن السقط بالكسر أشهر من أختيه وهو مولود غير تام ليجر أمه أي ليسحبها بسرره بفتحتين وكسرها لغة في السين وهو ما تقطعه القابلة من السرة كما في القاموس وفي النهاية ما يبقى بعد القطع اه والأول أظهر لأن الله تعالى يعيد جميع أجزاء الميت كالأظفار المقلوعة والأشعار المقطوعة والقلقة وغيرها إلى الجنة وفيه إشارة بالغة إلى أن هذا الطفل الذي ليس له بالقلب كبير تعلق إذا كان هذا ثوابه فكيف بثواب من تعلق به تعلقا كليا حتى صار أعز من النفس عندها وأما تفسير ابن حجر السرر بالمصران المتصل بسرته وبطن أمه فغريب مخالف للعلة إذا احتسبته أي إذا عدت أمه موته ثوابا وصبرت على فراقه احتسابا رواه أحمد أي من أول الحديث وروى ابن ماجه من قوله والذي نفسي بيده وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله من قدم ثلاثة من الولد قال ابن حجر أي من قدم بين يديه ونسبة لتقديم إليه مجاز لأنه سببه اه وفيه أن الأب والأم سببان لوجوده لا لتقديمه بالموت عليه فالظاهر أن معناه من قدم صبر ثلاثة من الولد عند فقدهم واحتسب ثوابهم عند ربهم أو المراد بالتقديم لازمه وهو التأخر أي من تأخر موته عن موت ثلاثة من أولاده لمقدمين عليه لم يبلغوا الحنث أي الذنب أو البلوغ والظاهر أن هذا قيد للكمال لأن الغالب أن يكون القلب عليهم أرق والصبر عنهم أشق وسفاعتهم أرجى وأسبق كانوا له حصنا حصينا أي


حصارا محكما وحاجزا مانعا من النار فقال أبو ذر قدمت اثنين أي فما حكمه قال واثنين أي وكذا من قدم اثنين وقال الطيبي فقال أبو ذر زد يا رسول الله في البشارة فإني قدمت اثنين أي ومن قدم اثنين وقد أطال ابن حجر في التقدير حيث قال فقال أبو ذر يا رسول الله هل يحصل ذلك لمن قدم اثنين فإني قدمت اثنين قال يحصل لك ذلك وإن قدمت اثنين اه وهو مع ذلك غير مطابق بين السؤال والجواب بحسب العموم والخصوص قال أبي بن كعب أبو المنذر بدل أو عطف بيان أو مدح خبر لمبتدأ محذوف سيد القراء بشهادته حيث قال أقرؤكم أبي قدمت واحدا قال وواحدا رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن قرة المزني أن رجلا كان يأتي النبي ومعه ابن له فقال له النبي أتحبه أي حبا بالغا حيث يصحبك دائما فقال يا رسول الله أحبك الله كما أحبه وفيه غاية من المبالغة في كثرة محبته لولده حيث جعلها مشبهة لمحبة الله وأوردها بصيغة الدعاء ففقده أي ابنه معه النبي أو فقده أيضا فقال ما فعل بصيغة الفاعل ابن فلان أي ما جرى له من الفعل قالوا يا رسول الله مات أي ابنه فقال رسول الله أي عند حضور أبيه أما تحب أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته أي ابنك ينتظرك ليشفعك وليدخلها معك وفيه إشارة إلى خرق العادة من تعدد الأجساد المكتسبة حيث أن الولد موجود في كل باب من أبواب الجنة وقال الطيبي ينتظرك أي مفتحا لك مهيئا لدخولك كما قال تعالى جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ص صلى الله عليه وسلم فاستعير للفتح الانتظار مبالغة اه وبعده لا يخفى فقال رجل يا رسول الله له خاصة أي هذا الحكم أم لكلنا أي أم هو عامة لجميعنا معشر المسلمين قال وفي نسخة فقال بل لكلكم أي كافة رواه أحمد وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله إن السقط بالكسر أي الولد الساقط قبل ستة أشهر ليراغم أي يجادل ويخاصم ربه قال الطيبي هذا تخييل على نحو


قوله إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال مه فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك فقالت بلى الحديث اه وفيه أن لا ضرورة إلى التخييل مع إمكان حمل هذا الحديث على التحقيق بلا مانع وصارف من دليل عقلي أو نقلي وأما حديث الرحم فمن أحاديث الصفات والرحم معنى من المعاني فأما أن يترك على حاله ولا يتصرف في منواله كما هو طريق السلف أو يؤول على دأب الخلف مع أن المحققين على أن المعاني لها حقائق ثابتة في علم الله تعالى أو يجعلها الله تعالى صورا وأجساما ويجعلها ناطقة وسائلة ومجيبة وأمثال ذلك إذا أدخل أي إذا أراد أن يدخل وأما قول ابن حجر أو على ظاهره فغير ظاهر لأنه غير ملائم لقوله الآتي أدخل أبويك أبويه النار فيقال أيها السقط المراغم ربه أدخل أبويك أي كن سببا لدخول أبويك الجنة فيجرهما بسرره حتى يدخلهما الجنة رواه ابن ماجه وعن أبي أمامة عن النبي قال يقول الله تبارك وتعالى ابن آدم بالنصب على حذف حرف النداء وفي نسخة يا ابن آدم إن صبرت أي على البلاء واحتسبت أي طلبت الثواب من المولى وأغرب ابن حجر حيث قال الظاهر أنه عطف تفسير لأنه يلزم من الصبر المحمود احتساب الثواب ووجه الغرابة لا يخفى على أولى الألباب عند الصدمة أي الحملة الأولى لم أرض لك ثوابا دون الجنة أي غير نعيمها رواه ابن ماجه وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال ما من مسلم ولا مسلمة يصاب أي يبتلى بمصيبة فيذكرها وإن وصلية طال عهدها أي بعد زمانها فيحدث أي يجدد لذلك أي لأجل ذلك الابتلاء وقيل أو عنده فاللام للتوقيت استرجاعا بالقول أو الفعل إلا جدد الله تبارك وتعالى أي أثبت له عند ذلك أي الاسترجاع ثوابا جديدا بينه قوله فأعطاه مثل أجرها أي مثل ثواب تلك المصيبة يوم أصيب بها أي وقت ابتلائه بتلك المصيبة ابتداء وصبره وتسليمه بقضائه تعالى رضا رواه أحمد أي في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا انقطع شسع أحدكم بكسر الشين المعجمة وسكون المهملة أحد سيور النعل وهو الذي يدخل بين الأصبعين ويدخل طرفه من الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام والزمام السير الذي يعقد فيه الشسع فليسترجع أمر ندب فإنه أي انقطاع الشسع من المصائب أي من جملتها وروى أنه استرجع حين انطفأ سراج له ولعل المراد من انقطاع الشسع أقل أفراد المصيبة وأما قول ابن حجر نبه بالشسع على ما فوقه بالأولى وعلى ما دونه بطريق التساوي فيسن ذكر الاسترجاع في الجميع فغير صحيح لأن تساوي الشيء لا يتحقق مع ما دونه وعن أم الدرداء قالت سمعت أبا الدرداء يقول سمعت أبا القاسم يقول إن الله تبارك وتعالى قال يا عيسى إني باعث أي خالق ومظهر من بعدك أمة أي جماعة عظيمة أو أمة لنبي والمراد بهم صلحاء أمة محمد إذا أصابهم ما يحبون حمدوا الله أي عليه وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا أي طلبوا الثواب من الله وصبروا أي على حكم الله ولا حلم أي والحال أنهم لا حلم لهم ولا عقل أي كسبيان أو كاملان قبل ذلك يحملهم على ما سبق منهم وفي الهدى لابن القيم ولا علم بدل ولا عقل في الموضعين فقال أي عيسى يا رب كيف يكون هذا لهم أي ما ذكر من الكمال لهم ولا حلم ولا عقل لأن الحلم هي الصفة المعتدلة تمنع الإنسان عن العجلة وتبعثه على التأمل في القضايا والأحكام حتى يقوم بمقتضى المقام فيشكر عند الأنعام ولا يبطر عن الأنعام ويصبر على المحبة ولا يجزع عند المصيبة والعقل يمنعه ويعقله عما لا ينبغي فيكون مانعا له من الكفران وحاملا وباعثا له على حمد الملك المنان وبه يعلم الإنسان إن الأمر كله بيد الله والخير فيما اختاره الله فيصبر على ما قدره وقضاه وأما إذا لم يكن لهم حلم ولا عقل فأمرهم غريب وحالهم عجيب قال أعطيهم من حلمي وعلمي أي اللدنيين عند المنحة والمحنة ليشكروا حال السراء ويصبروا حال الضراء على وجه الكمال ويكونوا


جامعين لمظهرية الجمال والجلال قال الطيبي قوله ولا حلم ولا قل قيل هو مؤكد لمفهوم احتسبوا وصبروا لأن الاحتساب أن يحمله على العمل والاخلاص وابتغاء مرضاة الله لا الحلم والعقل وحينئذ يتوجه السؤال أي كيف يصبر ويحتسب من لا عقل ولا حلم له فأجاب بأنه إن فنى حلمه وعقله يتحلم ويتعقل بحلم الله وعلمه وفي وضع علمي موضع العقل إشارة إلى عدم جواز نسبة العقل إليه تعالى عن صفات المخلوقين علوا كبيرا وهو القوة المتهيئة لقبول العلم اه أو ملكة تحمل صاحبها على الأخلاق السنية وتمنعه عن الأحوال الدنية وللعلماء في ماهيته وتعاريفه عبارات أخصرها أنه صفة أو قوة يدرك بها الضروريات أو النظريات عند سلامة الآلات رواهما أي هذا الحديث والذي قبله البيهقي في شعب الإيمان


باب زيارة القبور
أي جوازها وفضلها وآدابها
الفصل الأول
عن بريدة أي ابن الحصيب الأسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها بايع بيعة الرضوان ومات برو غازيا من يزيد بن معاوية ذكره الطيبي قال قال رسول الله نهيتكم أي قبل هذا وأما ما وقع في أصل ابن حجر بلفظ كنت نهيتكم فليس من أصل المشكاة وإنما هو في بعض الروايات لغيره مسلم كما سنذكره عن زيارة القبور فزوروها الأمر للرخصة أو للاستحباب وعليه الجمهور بل ادعى بعضهم الإجماع بل حكى ابن عبد البر عن بعضهم وجوبها قال في شرح السنة الإذن في زيارة القبور للرجال خاصة عند عامة أهل العلم وأما النساء فقد روى أبو هريرة إنه لعن زوارات القبور رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص في زيارة القبور فلما رخص عمت الرخصة لهن فيه أقول هذا المبحث موقوف على


التاريخ وإلا فظاهر هذا الحديث العموم لأن الخطاب في نهيتكم كما أنه عام للرجال والنساء على وجه التغليب أو إصالة الرجال فكذلك الحكم في فزوروها مع أن ما قيل من أن الرخصة عامة لهن واللعن قبل الرخصة مبنى على الاحتمال أيضا وقيل يكره لهن الزيارة لقلة صبرهن وجزعهن اه قال ابن الملك وأما اتباع الجنازة فلا رخصة لهن فيه وقال ميرك هذا من الأحاديث التي جمع الناسخ والمنسوخ وهو صريح في نسخ الرجال عن زيارتها قال النووي واجمعوا على أن زيارتها سنة لهم وهل تكره للنساء وجهان قطع الأكثرون بالكراهة ومنهم من قال لا يكره إذا أمنت الفتنة وينبغي للزائر أن يدنو من القبر بقدر ما كان يدنو من صاحبه في الحياة لو زاره وقال الطيبي الفاء متعلق بمحذوف أي نهيتكم عن زيارة القبور فإن المباهاة بتكثير الأموات فعل الجاهلية وأما الآن فقد دار رحى الإسلام وهدم قواعد الشرك فزوروها فإنها تورث رقة القلب وتذكر الموت والبلى وغير ذلك من الفوائد وعلى هذا النسق الفاآن في فأمسكوا وفأشربوا اه ومما يؤيده حديث كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة رواه ابن ماجه عن ابن مسعود وروى الحاكم بسند صحيح عن أنس كنت نهيتكم عن زيارة القبور إلا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجرا وفي لفظ له نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت وروى الطبراني عن أم سلمة بسند حسن ولفظه نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن لكم فيها عبرة فهذه الأحاديث بتعليلاتها تدل على أن النساء كالرجال في حكم الزيارة إذا زرن بالشروط المعتبرة في حقهن ويؤيده الخبر السابق أنه عليه الصلاة والسلام مر بالمرأة فأمرها بالصبر ولم ينهها عن الزيارة وأما خبر لعن الله زوارات القبور فمحمول على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره مما اعتدنه وفي قوله فإنها تدمع العين في الحديث السابق دليل ونهيتكم أي أول الأمر عن لحوم الأضاحي


بتشديد الياء وتخفف أي عن ادخارها وإمساكها وكان النهي لأجل الفقراء المحتاجين وقد وقع قحط بالبادية فدخل أهلها المدينة فوق ثلاث أي ليال وقال ابن حجر أي من الأيام ولعله توهم أن الرواية بالتاء والحال أن الأمر ليس كذلك فأمسكوا أي لحومها مطلقا فالأمر للرخصة وهو الظاهر من اطلاق الحديث أو المراد أمسكوا لحومها الباقية بعد إعطاء ثلثها الفقراء وإهداء ثلثها لأغنياء استحبابا وقال ابن حجر أي لحومها الباقية بعد ما يجب التصدق به منها وهو قدر له موقع لاتافه جدا وهذا يحتاج إلى دليل خارجي ما بدا بالألف أي ظهر لكم أي مدة بدو الإمساك قال الطيبي نهاهم أن يأكلوا ما بقى من لحوم أضاحيهم فوق ثلاث ليال وأوجب عليهم التصدق به فرخص لهم الإمساك ما شاؤا ونهيتكم عن النبيذ أي عن إلقاء التمر والزبيب وغيرهما من


الحلاوي في الماء إلا في سقاء أي قربة فإنه جلد رقيق لا يجعل الماء حارا فلا يصير مسكرا عن قريب بخلاف سائر الظروف فإنها تجعل الماء حارا فيصير النبيذ مسكر فرخص لهم شرب النبيذ من كل ظرف ما لم يصر مسكرا فقال فاشربوا في الأسقية أي الظروف والأواني كلها فيه تغليب لما عرف من تعريف السقاء ولا تشربوا مسكرا قال الطيبي وذلك أن السقاء يبرد الماء فلا يشد ما يقع فيه اشتداد ما في الظروف والأواني فيصير خمرا والحاصل أن المنهى هو المسكر لا الظروف بعينها رواه مسلم قال ميرك ورواه الترمذي مطلقا وقال حسن صحيح وعن أبي هريرة قال زار النبي قبر أمه أي بالأبواء بين مكة والمدينة فبكى أي على فراقها أو على عذابها أو على موته بموتها قال ابن الملك يدل على جواز البكاء عند حضور المقابر وأبكى من حوله قيل زيارته أمه مع أنها كافرة تعليم منه للأمة حقوق الوالدين والأقارب فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي قال ابن الملك لأنها كافرة والاستغفار للكافرين لا يجوز لأن الله لن يغفر لهم أبدا واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي بناء على المجهول مراعاة لقوله فلم يؤذن لي ويجوز أن يكون بصيغة الفاعل ذكر ابن الجوزي في كتاب الوفاء أن رسول الله بعد وفاة أبيه كان مع أمه آمنة فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخوالها بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم ومنهم أبو أيوب ثم رجعت به إلى مكة فلما كانوا بالأبواء توفيت فقبرها هناك وقيل لما افتتح رسول الله مكة زار قبرها بالأبواء ثم قام مستعبرا فقال إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته بالإستغفار لها فلم يأذن لي ونزل ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى التوبة الآية وأغرب ابن حجر حيث قال ولعل حكمة عدم الإذن في الإستغفار لها إتمام النعمة عليه بإحيائها له بعد ذلك حتى تصير من أكابر المؤمنين أو الإمهال إلى إحيائها


لتؤمن به فتستحق الإستغفار الكامل حينئذ اه وفيه أن قبل الإيمان لا تستحق الإستغفار مطلقا ثم الجمهور على أن والديه ماتا كافرين وهذا الحديث أصح ما ورد في حقهما وأما قول ابن حجر وحديث إحيائهما حتى آمنا به ثم توفيا حديث صحيح وممن صححه الإمام القرطبي والحافظ بن ناصر الدين فعلى تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضا لحديث مسلم مع أن الحفاظ طعنوا فيه ومنعوا جوازه أيضا بأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعا كما يدل عليه الكتاب والسنة وبأن الإيمان المطلوب من المكلف إنما هو الإيمان الغيبي وقد قال تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه الأنعام وهذا الحديث الصحيح أيضا في رد ما تشبث به بعضهم بأنهما كانا من أهل الفترة ولا عذاب عليهم مع اختلاف في المسألة وقد صنف السيوطي رسائل ثلاثة في نجاة والديه وذكر الأدلة من الجانبين فعليك بها إن أردت بسطها فزوروا القبور فإنها أي القبور أو زيارتها تذكر الموت يعني وذكر الموت يزهد في الدنيا ويرغب في العقبى رواه مسلم ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه قال ميرك حديث أبي هريرة في زيارة النبي ذكره الحافظ الكبير وأبو الحجاج المزي في الأطراف وهو لم يوجد في نسخ رواياتنا بالصحيح المشرقية قال النووي في شرحه هذا الحديث وجد في رواية أبي العلاء بن ماهان لأهل المغرب ولا يوجد في نسخة بلادنا من طريق عبد الغافر بن محمد الفارسي اه وقد رواه محيي السنة من طريق عبد الغافر من صحيح مسلم فلعله يوجد في بعض النسخ ولولا ذلك لم يذكره المزي في الأطراف وقبر أم النبي بالأبواء توفيت مرجعها من زيارة أخوال أبيه بني النجار بالمدينة وعمر النبي ست سنين ومر به النبي عام الحديبية سنة ست من الهجرة فزاره ويروى أنه زاره في ألف نعت أي في ألف نفس مصمتين بالسلاح كذا قاله الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح وعن بريدة أي ابن الحصيب قال كان رسول الله يعلمهم أي الصحابة إذا خرجوا إلى المقابر أي للزيارة أن يقولوا عند وصولهم


إليها السلام عليكم وفي رواية أحمد سلام عليكم قال الطيبي في محل النصب على أنه مفعول ثان لمفعولي يعلم أي يعلمهم كيفية التسليم عليهم قال الخطابي فيه والسلام على الموتى كالسلام على الأحياء في تقديم الدعاء على الاسم خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من تقديم الاسم على الدعاء قال الحماسي عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما يؤيده قوله تعالى رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت هود وقوله عز وجل سلام على آل ياسين الصافات ونحوه وفيه أبلغ الرد بل لبعض الشافعية


وغيرهم أن الأولى عليكم السلام لأنهم ليسوا أهلا للخطاب مع ظهور بطلان تعليلهم ولا فرق من حيث الخطاب بين تقدمه وتأخره على أن الصواب أن الميت أهل للخطاب مطلقا لما سبق من حديث ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام وأما قوله لمن قال عليك السلام إن عليك السلام تحية الموتى فإخبار عن عادتهم السابقة أو المراد بالموتى كفار الجاهلية أي تحية موتى القلوب فلا تفعلوه أهل الديار بالنصب على النداء ويؤيده ما في الرواية الآتية بياء النداء وقال ابن حجر نصبه على الاختصاص أفصح وبالجر على البدل من الضمير قال الطيبي سمى موضع القبور دارا لاجتماعهم فيه كالأحياء في الديار من المؤمنين بيان لأهل الديار والمسلمين ذكره للتأكيد باعتبار تغاير الوصفين أو المراد بالمسلمين المخلصين لوجهه تعالى وإنا إن شاء الله بكم للاحقون وفي نسخة لاحقون قيل معناه إن شاء الله تعالى وقيل إن شرطية ومعناه لاحقون بكم في الموافاة على الإيمان وقيل هو للتبرك والتفويض كقوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين الفتح وقيل هو للتأديب عن أحمد بن يحيى استثنى الله تعالى فيما يعلم ليستثنى الخلق فيما لا يعلمون وأمر بذلك في قوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله الكهف ذكره الطيبي وقيل التعليق باعتبار اللحوق بخصوص أهل المقبرة ذكره الطيبي نسأل الله لنا ولكم العافية أي الخلاص من المكاره رواه مسلم قال ميرك ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه اه وزاد ابن ماجه وأنا بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم اه ولا بأس أن يزيد واغفر لنا ولهم وفي رواية زيادة أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع والأولى أن يقول ذلك قبالة وجه الميت قبل جلوسه كما في رواية الفصل الثاني عن ابن عباس قال مر النبي بقبور بالمدينة فأقبل عليهم أي على أهل القبور وفيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن


يكون وجهه لوجه الميت وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضا وعليه عمل عامة المسلمين خلافا لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه حالة الدعاء يستقبل القبلة كما علم من أحاديث أخر في مطلق الدعاء اه وفيه أن كثيرا من مواضع الدعاء ما وقع استقباله للقبلة منها ما نحن فيه ومنها حالة الطواف والسعي ودخول المسجد وخروجه وحال الأكل والشرب وعيادة المريض وأمثال ذلك فيتعين أن يقتصر الاستقبال وعدمه على المورد إن وجدوا لا فخير المجالس ما استقبل القبلة كما ورد به الخبر وأما ما فعله بعض السلف بعد الزيارة النبوية من استقبال القبلة للأدعية فهو أمر زائد لا مسطور فيه للأئمة بوجهه قال المظهر واعلم أن زيارة الميت كزيارته في حال حياته يستقبله بوجهه فإن كان في الحياة إذا زاره يجلس منه على البعد لكونه عظيم القدر فكذلك في زيارته يقف أو يجلس على البعد منه وإن كان يجلس منه على القرب في حياته كذلك يجلس بقربه إذا زاره اه وإذا زاره يقرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ثلاث مرات ثم يدعو له ولا يمسحه ولا يقبله فإن ذلك من عادة النصارى وقال بعض العلماء لا بأس بتقبيل قبر الوالدين فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم قدم مغفرة الله له على مغفرته للميت إعلاما بتقديم دعاء الحي على الميت والحاضر على الغائب أنتم سلفنا بفتحتين في النهاية هو من سلف المال كأنه أسلفه وجعله ثمنا للأجر على الصبر عليه وقيل سلف الإنسان من تقدمه بالموت من الآباء وذوي القرابة ولذا سمى الصدر الأول من التابعين بالسلف الصالح اه وتعقبه ابن حجر بأن الصدر الأول من الصحابة والتابعين وتابعيهم هم السلف الصالح اه وهو مردود بأنه لا مشاحة للاصطلاح والصحابة مخصوصون بالنسبة الشريفة والسلف الصالح لا شك إنهم التابعون والخلف الصالح هم التبع والمصنف جعل في أول الكتاب السلف عبارة عن الصحابة لأنهم السلف حقيقة والخلف من بعدهم من التابعين وأتباعهم ووهم ابن حجر


هناك فنبهت على ذلك ونحن بالأثر بفتحتين وفي نسخة بكسر الهمزة وسكون المثلثة يعني تابعون لكم من ورائكم لاحقون بكم رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب

الفصل الثالث
عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله كلما كان ليلتها من رسول الله من متعلقة بالليلة بمعنى النصيب أو المحذوف أي التي تخصها منه قال الطيبي كلما ظرف فيه بمعنى الشرط والعموم جوابه يخرج وهو العامل فيه وهذا حكاية معنى قولها لا لفظها أي كان من عادته أنه إذا بات عندها أن يخرج من آخر الليل إلى البقيع أي بقيع الغرقد وهو موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها في النهاية هو المكان المتسع ولا يسمى بقيعا إلا وفيه شجر أو أصولها والغرقد شجر والآن بقيت الإضافة دون الشجرة فيقول السلام عليكم دار قوم قيل الدار مقحم أو التقدير يا أهل دار قوم مؤمنين وأتاكم بالقصر أي جاءكم قال ابن الملك وإنما قال أتاكم لأن ما هو آت كالحاضر اه أو لتحققه كأنه وقع وفي نسخة بالمد أي أعطاكم تحقيق لقوله تعالى ربنا وآتنا ما وعدتنا آل عمران ما توعدون أي ما كنتم توعدون به من الثواب أو أعم منه ومن العذاب غدا فهو متعلق بما قبله ويحتمل تعلقه بما بعده وهو قوله مؤجلون أي أنتم مؤخرون وممهلون إلى غد باعتبار أجوركم استيفاء واستقصاء فالجملة مستأنفة مبينة أن ما جاءهم من الموعود أمور إجمالية لا أجور تفصيلية قال الطيبي إعرابه مشكل إن حمل على الحال المؤكدة من واو توعدون على حذف الواو والمبتدأ كان فيه شذوذ إن قال ابن حجر وهو سائغ إذا دل عليه السياق كما هنا وفيه بحث قال الطيبي ويجوز حمله على الإبدال من ما توعدون أي أتاكم ما تؤجلونه أنتم والأجل الوقت المضروب والمحدود في المستقبل لأن ما هو آت بمنزلة الحاضر اه وهو كما قال ابن حجر بعيد تكلف جدا بل السياق ينبو عنه وإنا إن شاء الله بكم أي يا أهل المقبرة بالخصوص لاحقون لقوله تعالى وما تدري نفس بأي أرض تموت لقمان قيل أي تدفن اللهم اغفر


لأهل بقيع الغرقد أي مقبرة المدينة وفيه أن الدعوة الإجمالية على وجه العموم كافية رواه مسلم وعنها أي عن عائشة قالت كيف أقول يا رسول الله تعني أي تريد عائشة رضي الله عنها بالسؤال كيفية المقال في زيارة القبور قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وفيه تغليب الرجال على النساء ويرحم الله المستقدمين أي الذين تقدموا علينا بالموت منا أي معشر المؤمنين والمستأخرين أي المتأخرين في الموت والسين فيهما


لمجرد التأكيد أي الأموات منا والأحياء وقدم الأموات ههنا لاقتضاء المقام واستنساق الكلام أو مراعاة ما ورد في كلام العلام وإن كان معنى الآية يراد به العام ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين وإنا إن شاء الله بكم أي أيها السابقون للاحقون بلا مين رواه مسلم ورواه النسائي وابن ماجه كذا في الحصن قال السيوطي وأخرج العقيلي عن أبي هريرة قال قال أبو رزين يا رسول الله إن طريقي على الموتى فهل من كلام أتكلم به إذا مررت عليهم قال قل السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وإنا إن شاء الله بكم لاحقون قال أبو رزين يسمعون قال يسمعون ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا قال أبا رزين ألا ترضى أن يرد عليك بعددهم من الملائكة اه وقوله لا يستطيعون أن يجيبوا أي جوابا يسمعه الحي وإلا فهم يردون حيث لا نسمع وأخرج ابن عبد البر في الإستذكار والتمهيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه ألا عرفه ورد عليه السلام صححه عبد الحق وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام وعرفه وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام وإن ولم يعرفه وعن محمد بن النعمان تابعي يرفع الحديث أي باسقاط الصحابي إلى النبي قال من زار قبر أبويه أو أحدهما عطف على أبويه في كل جمعة أي كل يوم جمعة أو في كل أسبوع غفر له أي في معصيته وكتب برا بفتح الباء بمعنى بارا في طاعته رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسلا وقد تقدم معناه وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور أي مطلقا فزوروا وفي نسخة فزوروها فإنها أي زيارة القبور أو القبور أي رؤيتها تزهد في الدنيا قال ذكر الموت هادم اللذات ومهون الكدورات ولذا قيل إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور


هذا أحد معنييه وتذكر الآخرة وتعين على الاستعداد لها رواه ابن ماجه
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله لعن زوارات القبور ولعل المراد كثيرات الزيارة رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال أي الترمذي قد رأى أي ذهب بعض أهل العلم إن هذا أي اللعن كان قبل أن يرخص النبي في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء وهذا هو الظاهر وقال بعضهم إنما كره أي النبي وروى بصيغة المجهول زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن وفي نسخة وكثرة عجزهن قال الطيبي صوابه وكثرة جزعهن تم كلامه أي قال المصنف كلام الترمذي وعن عائشة رضي الله عنها قالت كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله أي قبره أو دفن فيه رسول الله أي وأبوها وإني واضع بالتنوين والظاهر واضعه فكأنه نزل منزلة حائض أو التذكير باعتبار الشخص ويجوز إضافته إلى قولها ثوبي أي بعض ثيابي ولذا أفرد هنا وجمع فيما سيأتي وأقول أي في نفسي لبيان عذر الوضع وقال الطيبي القول بمعنى الاعتقاد وهو كالتعليل لوضع الثوب إنما هو أي الكائن هنا زوجي وأبي أي إنما هو زوجي والآخر أبي أو الضمير للشأن أي إنما الشأن زوجي وأبي مدفونان فيه أو الضمير للبيت أي إنما هو مدفن زوجي وأبي على تقدير مضاف فلما دفن عمر رضي الله عنه معهم فيه اختيار أن أقل الجمع اثنان فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر قال الطيبي فيه أن احترام الميت كاحترامه حيا رواه أحمد وفي شرح الصدور للسيوطي أخرج ابن أبي شيبة عن عقبة بن عامر الصحابي قال لأن أطأ على جمرة أو على حد سيف حتى تخطف رجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر رجل وما أبالي أفي القبور قضيت حاجتي أي من البول والغائط أم في السوق بين ظهرانيه والناس ينظرون وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن سليم بن غفرانه مر على مقبرة وهو حاقن قد غلبه البول فقيل له لو نزلت فبلت قال سبحان الله والله إني لأستحي من الأموات كما أستحي من الأحياء