Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الزكاة
هي في اللغة الطهارة وقال تعالى قد أفلح من تزكى الأعلى والنما يقال زكى الزرع إذا نمى سمى بها نفس المال المخرج حقا لله تعالى في عرف الشارع قال تعالى وآتوا الزكاة ومعلوم أن متعلق الإيتاء هو المال وفي عرف الفقهاء هو نفس فعل الإيتاء لأنهم يصفونه بالوجوب ومتعلق الأحكام الشرعية هو أفعال المكلفين ومناسبة اللغوي أنه سبب له إذ يحصل به النماء بالأخلاف منه تعالى في الدارين قال تعالى وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه سبأ والطهارة للنفس من دنس البخل ووسخ المخالفة وللمال بإخراج حق الغير منه إلى مستحقه أعني الفقراء ثم هي فريضة محكمة وسببها المال المخصوص أعني النصاب النامي تحقيقا أو تقديرا ولذا يضاف إليه ويقال زكاة المال وشرطها الإسلام والحرية والبلوغ والعقل والفراغ من الدين ثم قيل فرضت زكاة الفطر مع فرض الصوم في السنة الثانية من الهجرة وفرض غيرها بعد ذلك في تلك السنة والمعتمد أن الزكاة فرضت بمكة إجمالا وبينت بالمدينة تفصيلا جمعا بين الآيات التي تدل على فرضيتها بمكة وغيرها من الآيات والأدلة والله أعلم

الفصل الأول
عن ابن عباس أن رسول الله بعث معاذا بضم الميم أي أرسل إلى اليمن أي أميرا أو قاضيا فقال إنك تأتي قوما أهل كتاب يريد بهم اليهود والنصارى قال الطيبي


قيد قوله قوما بأهل الكتاب ومنهم أهل الذمة وغيرهم من المشركين تفضيلا لهم أو تغليبا على غيرهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله لأن فيهم مشركين وإن محمدا رسول الله فإن موحديهم قد يكونون لرسالته منكرين قال ابن الملك هذا يدل على وجوب دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال لكن هذا إذا لم تبلغهم الدعوة أما إذا بلغتهم فغير واجبة لأنه صح أن النبي أغار بني المصطلق وهم غافلون فإن هم أطاعوا لذلك أي انقادوا أي للاسلام فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة قال الأشرف تبعا لزين العرب يستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع كما ذهب إليه بعض الأصوليين بل بالأصول فقط وذلك لتعليقه الإعلام بالوجوب على الإطاعة للإيمان وقبول كلمتي الشهادة بدار الجزاء ذكره الطيبي وفيه أنه لا إشعار لأن المترتب الإعلام بمعنى التكليف بالإتيان بتلك الأعمال في الدنيا وهذا لا يخاطب به الكفار لأن القائل بتكليفهم بها إنما يقول أنه بالنسبة للآخرة فقط حتى يعاقب عليها بخصوصها كما دل عليه قوله فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة فصلت وقالوا لم نك من المصلين المدثر الآيتين ذكره ابن حجر وهو كلام حسن لكن قوله فيه دليل على أن الوتر ونحوه كالعيدين ليس بواجب ليس في محله إذ لا دلالة في الحديث نفيا وإثباتا على ما ذكره أنه لم يقل بفرضية الوتر والعيدين أحد إجماعا والمفهوم غير معتبر عندنا بل مفهوم العدد ساقط الاعتبار اتفاقا مع أن المقام يقتضي بيان الأحكام إجماعا ولهذا اقتصر من المؤمن به على الشهادتين اقتصارا ومن الصلوات على الخمس مع فرضية صلاة الجنازة كفاية في صورة وعينا في أخرى اتفاقا وأيضا صلاة الوتر من توابع صلاة العشاء ملحقة بها فذكرها مشعر بذكرها ويحتمل إنها وجبت بعد هذه القضية أو لم يذكرها كما لم يذكر الصوم مع أنه فرض قبل الزكاة والله أعلم فإن هم أطاعوا لذلك أي لوجوب الصلاة فأعلمهم ليكون الحكم تدريجيا على وفق


ما نزل به التكليف الإلهي من أن العبادة البدنية أيسر من الإطاعة المالية أي فأخبرهم إن الله قد فرض عليهم أي بعد حولان الحول وشروطه المعتبرة في الوجوب صدقة أي زكاة لأموالهم تؤخذ من أغنيائهم قال الطيبي فيه دليل على أن الطفل يجب في ماله الزكاة اه وزاد ابن حجر المجنون وفيه أن الضمير راجع إلى المكلفين وهو غير داخل فيهم فترد على فقرائهم أي إن وجدوا وكره النقل وسقط بالإجماع وفيه إشارة إلى براءة ساحته وصحابته عليه السلام من الطمع لدفع توهم اللئام لأنه خلاف دأب الكرام قال الطيبي فيه دليل على أن المدفوع عين الزكاة وفيه أيضا إن نقل الزكاة عن بلد الوجوب لا يجوز مع وجود المستحقين فيه بل


صدقة كل ناحية لمستحقي تلك الناحية واتفقوا على أنه إذا نقلت وأديت بسقط الفرض إلا عمر بن عبد العزيز رحمه الله فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان اه وفيه أن فعله هذا لا يدل على مخالفة للإجماع بل فعله إظهارا لكمال العدل وقطعا للإطماع ثم ظاهر الحديث إن دفع المال إلى صنف واحد جائز كما هو مذهبنا بل له أن يقتصر على شخص واحد فالحديث محمول على مقابلة الجمع بالجمع وفي الهداية ولولا حديث معاذ لقلنا بجواز دفع الزكاة إلى الذمي أي كما قلنا بجواز دفع الصدقة إليهم لما روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مرسلا قال رسول الله تصدقوا على أهل الأديان كلها قال ابن الهمام حديث لا تحل الصدقة لغني مع حديث معاذ يفيد منع غنى الغزاة والغارمين عنها فهو حجة على الشافعي في تجويزه لغنى الغزاة إذا لم يكن له شيء في الديوان ولم يأخذ من الفىء ثم المعتبر في الزكاة مكان المال وفي صدقة الفطر مكان الرأس المخرج عنه في الصحيح مراعاة لا يجاب الحكم في محل وجود سببه ويكره نقلها إلى بلد آخر إلا إلى قريبه أو إلى أحوج من أهل بلده قال ابن الهمام ووجهه ما قدمناه من دفع القيم من قول معاذ لأهل اليمن ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله بالمدينة ويجب كون محله كون من المدينة أحوج أو ذلك ما يفضل بعد اعطاء فقرائهم وأما النقل للقرابة فلما فيه من صلة الرحم زيادة على قربة الزكاة فإن هم أطاعوا لذلك أي للانفاق فإياك وكرائم أموالهم جمع كريمة أي احترس زمن أخذ الأعلى من أصناف أموالهم إلا تبرعا منهم ففيه أمر بالعدل الوسط المرعى فيه جانب الأغنياء وحق الفقراء قال الطيبي رحمه الله فيه دليل على أن تلف المال يسقط الزكاة ما لم يقصر في الأداء وقت الإمكان أي بعد الوجوب واتق دعوة المظلوم أي في هذا وغيره بأن تأخذ ما ليس بواجب عليه أو تؤذيه بلسانك فإنه أي الشأن ليس بينها


وبين الله أي قبوله لها حجاب أي مانع بل هي معروضة عليه تعالى وقيل هو كناية عن سرعة القبول قال الطيبي رحمه الله هذا تعليل للإتقاء وتمثيل للدعوة لمن يقصد إلى السلطان متظلما فلا يحجب عنه متفق عليه ورواه الأربعة وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ما من صاحب ذهب ولا
فضة لا يؤدي منها حقها قال التوربشتي الضمير لمعنى الذهب والفضة دون لفظهما إذ لم يرد بهما الشيء الحقير بل وافية من الدنانير والدراهم وأما على تأويل الأموال وأما عودا إلى الفضة فإنها أقرب ويعلم حال الذهب منها أيضا وقيل أراد كل واحدة منهما والذهب مؤنث لأنه بمعنى العين وقد جاء في الحديث على وفق التنزيل والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم التوبة واكتفى ببيان صاحبها عن بيان حال صاحب الذهب أو لأن الفضة أكثر انتفاعا في المعاملات من الذهب وأشهر في أثمان الأجناس ولذا اكتفى به في قوله وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وهو معنى قوله إلا إذا كان يوم القيامة استثناء من أعم الأحوال صفحت بتشديد الفاء أي جعلت الفضة ونحوها له أي لصاحبها صفائح قال السيد جمال الدين وهي ما طبع عريضا وقرئت مرفوعا على أنه مفعول ما لم يسم فاعله لقوله صفحت ومنصوبا على أنه مفعول ثان وفي الفعل ضمير الذهب الفضة وأنث إما بالتأويل السابق وإما على التطبيق بينه وبين المفعول الثاني الذي هو هو انتهى وهو كلام الطيبي بعينه من نار أي يجعل له صفائح من نار أو يجعل الذهب والفضة صفائح من نار أي يجعل صفائح كأنها نارا وكأنها مأخوذة من نار يعني كأن صفائح الذهب والفضة لفرط إحمائها وشدة حرارتها صفائح النار فتكوى بها وهذا التأويل يوافق ما في التنزيل حيث قال تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون التوبة فجعل عين الذهب والفضة هي المحمى عليها في نار جهنم وهذا هو المعنى بقوله فأحمي


عليها بصيغة المجهول والجار والمجرور نائب الفاعل أي أوقد عليها ذات حمى وحر شديد من قوله تعالى نار حامية القارعة ففيه مبالغة ليست في فأحميت في نار قاله الطيبي والضمير في عليها إلى الفضة فالفاء تفسيرية وقيل الضمير إلى الصفائح النارية أي تحمى مرة ثانية في نار جهنم ليشتد حرها فالفاء تعقيبية فيكوى بها أي بتلك الفضة أو بتلك الصفائح جنبه وجبينه وظهره قيل لأنه أزور عن الفقير وأعرض عنه وعبس له وجهه وبشره وولاه عند الإلحاح ظهره فيكوى بماله أعضاؤه التي آذى الفقير بها وقيل لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرئيسة التي هي الدماغ والقلب والكبد وقيل المراد الجهات الأربع التي هي من مقاديم البدن ومؤخره وجنباه كلما ردت أي عن بدنه إلى النار أعيدت أي أشد ما كانت قال الطيبي أي كلما بردت ردت إلى نار جهنم ليحمى عليها والمراد منه الاستمرار وقال ابن الملك يعني إذا وصل كي هذه الأعضاء من أولها إلى آخرها أعيد الكي إلى أولها حتى وصل إلى آخرها اه ويمكن أن يكون الضمير في ردت راجعا إلى الأعضاء أي كلما ردت الأعضاء بالتبديل بعد الإحراق والقرب من الإفناء أعيدت الصفائح عليها فيكون موافقا لقوله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب له أي لمانع الزكاة في يوم وهو يوم القيامة كان مقداره


خمسين ألف سنة أي على الكافرين ويطول على بقية العاصين بقدر ذنوبهم وأما المؤمنون الكاملون فهو على بعضهم كركعتي الفجر وأشار إليه بقوله عز وجل يوم عسير على الكافرين غير يسير المدثر حتى يقضى على بناء المفعول أي يحكم بين العباد وفيه إشارة إلى أنه في العذاب وبقية الخلق في الحساب ولذا قيل الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب فيرى على صيغة المجهول من الرؤية أو الأراءة وقوله سبيله مرفوع على الأول ومنصوب بالمفعول الثاني على الثاني وفي نسخة فيرى بالعلوم من الرؤية أي هو سبيله قال النووي رحمه الله ضبطناه بضم الياء وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار يومئذ مقهور لا يقدر أن يروح إلى النار فضلا عن الجنة حتى يعين له أحد السبيلين إما إلى الجنة إن لم يكن له ذنب سواء وكان العذاب تكفيرا له وإما إلى النار إن كان على خلاف ذلك وفيه رد على من يقول إن الآية مختصة بأهل الكتاب ويؤيده القاعدة الأصولية إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مع أنه لا دلالة في الحديث على خلوده في النار وبهذا يعلم ضعف قول ابن حجر أيضا إما إلى الجنة إن كان مؤمنا بأن لم يستحل ترك الزكاة وإما إلى النار إن كان كافرا بأن استحل تركها قيل يا رسول الله فالإبل أي هذا حكم النقود فالإبل ما حكمها أو عرفنا حكم النقدين فما حكم الإبل فالفاء متصل بمحذوف قال ولا صاحب إبل بالرفع أي يوجد ويكون وقيل بالجر عطفا على قوله من صاحب ذهب والحاصل أنه ليس جوابا للسؤال لفظا لوجود الواو بل جواب له معنى فإنه من باب تلقين العطف لكن معنى لا لفظا لا يؤدي صفة أي لا يعطى صاحب الإبل منها حقها أي الواجب عليه فيها ومن حقها أي المندوب ومن تبعيضية حلبها قال النووي بفتح اللام هي اللغة المشهورة وحكى سكونها وهو غريب ضعيف وإن كان هو القياس يوم ورودها قيل الورد الإتيان إلى الماء ونوبة الإتيان إلى الماء فإن الإبل تأتي الماء في كل ثلاثة أو أربعة


وربما تأتي في ثمانية قال الطيبي ومعنى حلبها يوم ورودها أن يسقى ألبانها المارة وهذا مثل نهيه عليه الصلاة والسلام عن الجذاذ بالليل أراد أن يصرم بالنهار ليحضرها الفقراء وقال ابن الملك وحصر يوم الورد لاجتماعهم غالبا على المياه وهذا على سبيل الاستحباب وقيل معناه ومن حقها أن يحلبها في يوم شربها الماء دون غيره لئلا يلحقها مشقة العطش مشقة الحلب وأعلم أن ذكره وقع استطرادا وبيانا لما ينبغي أن يعتني به من له مروءة لا لكون التعذيب يترتب عليه أيضا لما هو مقرر من أن العذاب لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم اللهم إلا أن يحمل على وقت القحط أو حالة الاضطرار أو على وجوب ضيافة المال وهذا معنى ما قيل إن حقها الأول أعم من الثاني وقيل يحتمل أن التعذيب عليهما معا تغليظ إلا إذا كان يوم القيامة استثناء مفرغ من أعم الأحوال بطح أي ألقى ذلك الصاحب على وجهه لها أي لتلك الإبل وفي نسخة له أي لابله أو لفعله أو أقيم مقام الفاعل قال


التوربشتي وفي بعض النسخ له بالتذكير وهو خطأ رواية ودراية لأن الضمير المرفوع في الفعل لصاحب الإبل والمجرور للابل ليستقيم ولأن المبطوح المالك لا الإبل قال الطيبي أما التمسك بالرواية فمستقيم وأما بالمعنى فلم لا يجوز أن يذكر الضمير لإرادة الجنس أو لتأويل المذكور على أنه يجوز أن يرجع الضمير لصاحب الإبل ويكون الجار والمجرور قائما مقام الفاعل كما في قوله تعالى يسبح له فيها بالغدو والآصال بقاع أي في أرض واسعة مستوية قرقر أي أملس وقيل أي مستوي فيكون صفة مؤكدة أوفر ما كانت أي أكثر عددا وأعظم سمنا وأقوى قوة في شرح السنة يريد كمال حال الإبل التي وطئت صاحبها في القوة والسمن ليكون أثقل لوطئها قال الطيبي أوفر مضاف إلى ما المصدرية والوقت مقدر وهو منصوب على الحال من المجرور في لها والعامل بطح وقوله لا يفقد أي الصاحب منها أي من الإبل فصيلا أي ولدا بل واحدا تأكيد والجملة مؤكدة لقوله أوفر تطؤه حال أو استئناف بيان أي تضربه وتدوسه الإبل بأخفافها أي بأرجلها وتعضه بفتح العين أي تقرضه وتقطع جلده بأفواهها أي بأسنانها كلما مر عليه أولاها أي أولى الإبل رد عليه أخراها قالوا الظاهر أن يقال عكس ذلك كما في بعض الروايات لمسلم وهو كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها وتوجيه ما في الكتاب أنه مرت الأولى على التتابع فإذا انتهى إلى الأخرى إلى الغاية ردت من هذه الغاية وتبعها ما كان يليها فما يليها إلى أولها فيحصل الغرض من الاستمرار والتتابع على طريق الطرد والعكس فهو أولى من العكس والحاصل أنه يحصل هذا مرة بعد أخرى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فكأنهم ليسوا من العباد حيث لم يرحموا فقراء البلاد من الزهاد والعباد فيرى أي فيعلم سبيله إما إلى الجنة إن مات على الإيمان وإما إلى النار إن مات على الكفران قيل يا رسول الله فالبقر والغنم أي كيف حال صاحبها قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها أي من أجلها


فلا يلزم أن يكون من جنسها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها وفي نسخة له بقاع قرقر لا يفقد منها أي من ذواتها وصفاتها شيئا قال الطيبي أي قرونها سليمة ليس فيها عقصاء أي ملتوية القرنين ولا جلحاء أي لا قرن لها ولا عضباء أي مكسورة القرن ونفي الثلاثة عبارة عن سلامة قرونها ليكون أجرح للمنطوح وظاهر الحديث أن هذه الصفات فيها معدومة في العقبى وإن كانت موجودة لها في الدنيا وظاهر البعث أن يعيد الله تعالى الأشياء على ما كانت


عليه في الحالة الأولى كما هو مفهوم من الكتاب والسنة ولعله يخلقها أولا كما كانت ثم يعطيها القرون ليكون سببا لعذابه على وجه الشدة والله أعلم تنطحه بفتح الطاء وتكسر في القاموس نطحه كمنعه وضربه أصابه بقرنه فقوله بقرونها إما تأكيد وإما تجريد وتطأ بأظلافها جمع ظلف وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل يا رسول الله فالخيل قال فالخيل قال الطيبي جواب على أسلوب الحكيم وله توجيهان فعلى مذهب الشافعي معناه دع السؤال عن الوجوب إذ ليس فيه حق واجب ولكن اسأل عما يرجع من اقتنائها على صاحبها من المضرة والمنفعة وعلى مذهب معناه لا تسأل عما وجب فيها من الحقوق وحده بل اسأل عنه وعما يتصل بها من المنفعة والمضرة إلى صاحبها فإن قيل كيف يستدل بهذا الحديث على الوجوب قلت بعطف الرقاب على الظهور لأن المراد بالرقاب الذوات إذ ليس في الرقاب منفعة للغير كما في الظهور وبمفهوم الجواب الآتي في الحمر من قوله عليه الصلاة والسلام ما أنزل علي في الحمر شيء وأجاب القاضي عنه بأن معنى قوله ثم لم ينس حق الله في رقابها أداء زكاة تجارتها اه قال ابن حجر أي فالخيل ما حكمها أيجب فيها زكاة فيعاقب تاركها لذلك أولا فلا قال فالخيل أحكامها ثلاثة أخرى أي غير ما مر فلا زكاة فيها حتى يعاقب تاركها هذا ما يدل عليه السياق الذي يكاد أن يقرب من الصريح عند من له أدنى مسكة من إنصاف فهو من جملة أدلة مذهبنا أنه لا زكاة فيها قلت أما ما ذكره من السياق فهو من المكابرة عند الحذاق لأن سوق الكلام إلى هذا المقام بل محض المقصود والمراد هو وجوب الزكاة في النقود والحيوانات ثم على تقدير تقريره لا يكون الجواب مطابقا بل ولا يكون دليلا لأحد مطلقا فلهذا حمله المحققون على أسلوب الحكيم ونزلوه على كل مذهب بما يقتضيه الطبع السليم ثم


قال وأما قول القائلين بوجوبها فيها التقدير وأحكامها ثلاثة غير الزكاة فهو مما ينبو عنه اللفظ فلا يسمع اه وهل هذا مناقضة بين كلامية ومدافعة بين تقديرية لأن التقدير الثاني هو عين الأول عند من له سمع وقلب فتأمل وأما قوله فلا زكاة فيها فباطل من عنده تقوية لمذهبه ثم أطال بما لا طائل تحته مع ما فيه من أنواع الزلل وأصناف الخطل أعرضنا عن ذكرها خوفا من السآمة والملل ثلاثة أي ربطها على ثلاثة أنحاء هي أي الخيل لرجل وزر أي ثقل وإثم وهي لرجل ستر أي لحاله في معيشته لحفظه عن الاحتياج والسؤال وهي لرجل أجر أي ثواب


عظيم قال الطيبي رحمه الله في قوله فالخيل ثلاثة فيه جمع وتفريق وتقسيم أما الجمع فقوله ثلاثة وأما التفريق فقوله فأما التي هي له وزر فرجل الظاهر أن يقال فخيل ربطها أو يقال وأما الذي له وزر فرجل والأظهر أن يكون التقدير فخيل رجل ربطها رياء بالهمز ويبدل أي ليرى الناس عظمته في ركوبه وحشمته وفخرا أي يفتخر باللسان على من دونه من أفراد الإنسان ونواء بكسر النون والمد والواو بمعنى أو أي منازعة ومعاداة على أهل الإسلام قال ابن الملك وفي رواية ربطها تغنيا وتعففا أي إستغناء بها وطلبا لنتاجها وتعففا عن السؤال يعني ليركبها عند الحاجة ولا يسأل مركوبا من أحد اه كلامه وأنت لا يخفى عليك ما ذكره ليس موجبا للوزر بل للستر بلا خلاف فالصواب أن محل هذه الرواية في الرجل الثاني كما سيأتي فهي أي تلك الخيل له وزر أي على ذلك القصد فهي جملة مؤكدة مشعرة باهتمام الشارع به والتحذير عنه وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله قال ابن الملك ليجاهد والصواب ما قاله الطيبي من أنه لم يرد به الجهاد بل النية الصالحة إذ يلزم التكرار اه وأيضا إذا أراد به الجهاد فتكون له أجرا فكيف يقال إنها له ستر وقال الطيبي يعضده رواية غيره ورجل ربطها تغنيا وتعففا أي إستغناء بها وتعففا عن السؤال أو هو أن يطلب بنتاجها العفة والغني أو يتردد عليها متاجرة ومزارعة فتكون سترا له يحجبه عن الفاقة ثم لم ينس حق الله في ظهورها أي بالعارية للركوب أو الفحل ولا رقابها قال الطيبي إما تأكيد وتتمة للظهور وإما دليل على وجوب الزكاة فيها اه والثاني هو الظاهر لأن الحمل على التأسيس أولى من التأكيد إذ الأصل في العطف المغايرة فيكون كالإبل فيها حقان فهي له ستر أي حجاب يمنعه عن الحاجة للناس وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام فيه إشارة إلى أن المراد به الجهاد فإن نفعه متعد إلى أهل الإسلام في مرج بفتح الميم وسكون الراء أي مرعى في


النهاية هو الأرض الواسعة ذات نبات كثير يمرج فيها الدواب أي تسرح والجار متعلق بربط وروضة عطف تفسير أو الروضة أخص من المرعى وفي نسخة المصابيح بلفظ أو قال ابن الملك شك من الراوي فما أكلت أي الخيل من ذلك المرج بيان مقدم أو الروضة من شيء أي من العلف والأزهار قل أو كثر إلا كتب له عدد ما أكلت أي الذي أكلته من العشب والزرع حسنات بالرفع نائب الفاعل ونصب عدد على نزع الخافض أي بعدد مأكولاتها وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات لأن بها بقاء حياتها مع أن أصلها قبل الاستحالة غالبا من مال مالكها ولا تقطع أي الخيل طولها بكسر الطاء وفتح الواو أي حبلها الطويل الذي شد أحد طرفيه في يد الفرس والآخر في وتداو غيره لتدور فيه وترعى من جوانبها ولا تذهب لوجهها


فاستنت بتشديد النون أي عدت ومرجت ونشطت لمراحها أو نشاطها ولا راكب عليها شرفا أي شوطا أو ميدانا أو موضعا عاليا من الأرض أو ذهابا إلى إخراج المرج أو مع العود إلى محلها أو شرفين وإنما سمى شرفا لأن الدابة تعدو حتى تبلغ شرفا من الأرض أي مرتفعا فتقف عند ذلك وقفة ثم تعدو ما بدالها إلا كتب الله له عدد آثارها أي بعدد خطاها وأرواثها أي في تلك الحالة حسنات ولعله أراد بالروث هنا ما يشمل البول أو أسقطه للعلم به منه ولا مر بها أي جاوزها صاحبها على نهر بفتح الهاء وسكونها فشربت منه أي الخيل ولا يريد أي والحال أن صاحبها لا ينوى أن يسقيها بفتح الياء وضمها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات قال الطيبي فيه مبالغة في اعتداد الثواب لأنه إذا اعتبر ما تستقذره النفوس وتنفر عنه الطباع فكيف بغيرها وكذا إذا احتسب ما لا نية له فيه وقد ورد وإنما لكل امرىء ما نوى فما بال ما إذا قصد الاحتساب فيه قال ابن الملك فالحاصل أنه يجعل لمالكها بجميع حركاتها وسكناتها وفضلاتها حسنات قيل يا رسول الله فالحمر بضمتين جمع حمار أي ما حكمها قال ابن الملك أي هل تجب فيها الزكاة قال ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية بالرفع والنصب الفاذة بالذال المعجمة المشددة أي المنفردة في معناها الجامعة لجميع الخيرات قال ابن الملك يعني ليس في القرآن آية مثلها في قلة الألفاظ وجمع معاني الخير والشر قال الطيبي سميت جامعة لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع الطاعات فرائضها ونوافلها واسم الشر على ما يقابلها من الكفر والمعاصي صغيرها وكبيرها وأما قول ابن حجر أي الجامعة أو المنفردة فمبنى على سهو في أصله من سقوط لفظ الجامعة من متن الحديث وهو مخالف للأصول فمن يعمل مثقال ذرة أي مقدار نملة أو ذرة من الهباء الطائر في الهواء خيرا يره أي يرى ثوابه وجزاءه ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فلو أعان واحدا على بر بركوبها يثاب ولو استعان بركوبها على فعل معصية يعاقب


فقد روى الأصفهاني عن ابن عباس مرفوعا النادم ينظر من الله الرحمة والمعجب ينظر من الله المقت واعلموا يا عباد الله أن كل عامل سيندم عمله ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله وسوء عمله وإنما الأعمال بخواتيمها والليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة ولا يغترن أحدكم بحلم الله فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة رواه مسلم قالوا الظاهر


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من آتاه الله أي أعطاه مالا فلم يؤد زكاته مثل بالتشديد على صيغة المجهول أي صور وجعل له ماله يوم القيامة شجاعا بضم الشين ويكسر أي على صورة شجاع أي الحية الذكر قال الطيبي وهو نصب مجرى المفعول أي صور ماله شجاعا أو ضمن مثل معنى التصيير أي صير ماله على صورة شجاع أقرع أي الذي لا شعر على رأسه لكثرة سمه وطول عمره له زبيبتان أي نقطتان سودا وإن فوق العينين وهو أخبث الحيات وقيل الزبيبتان الزبدان في الشدقين بطوقه على بناء المجهول أي يجعل الشجاع طوقا في عقبه ويطوق ذلك الرجل شجاعا وهو الموافق لقوله تعالى سيطوقون ما بخلوا به آل عمران يوم القيامة ثم يأخذ أي الشجاع ذلك البخيل بلهزميته بكسر اللام وسكون الهاء يعني شدقيه تفسير من الراوي وهو بكسر الشين وسكون الدال أي بطرفي فمه قال الطيبي اللهزمة اللحي وما يتصل به من الحنك وفسر بالشدق وهو قريب منه اه وقيل هما عظمان ناتئان تحت الأذنين وقيل مضغتان عليفتان تحتهما ثم يقول أنا مالك أنا كنزك أي جزاؤه أو منقلبه قال الطيبي وفيه نوع تهكم لمزيد غصته وهمه لأنه شر أتاه من حيث كان يرجو خيرا ثم تلا أي النبي ولا تحسبن الذين يبخلون بالغيبة والخطاب وكسر السين وفتحها مع الأول والفتح مع الثاني الآية أي بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة آل عمران رواه البخاري وعن أبي ذر عن النبي قال ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم أو للتقسيم لا يؤدي حقها أي لا يعطى زكاتها إلا أتى بها على صيغة المجهول يوم القيامة أي حال كونها أعظم ما تكون بالتأنيث وقيل بالتذكير وقيل أعظم حال وما مصدرية والإضافة


غير محضة أي أقواه وأسمنه والضمير راجع إلى لفظ ما وأما قول ابن حجر عطف مرادف أو أخص فبعيد من التحقيق فإن بينهما مباينة على التدقيق تطؤه بأخفافها أي تدوسه بأرجلها جزاء لتكبره وتنطحه أي تضربه بقرونها جزاء لإبائه وامتناعه فغلب الإبل في الأول لأنها أشرف الثلاثة ولذا بدأ بذكرها وغلب الأخيران في الثاني لكثرتهما كلما جازت أي مرت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس ثم إما مع فريق الجنة وإما مع فريق النار متفق عليه وعن جرير بن عبد الله قال قال رسول الله إذا أتاكم المصدق بتخفيف الصاد أي آخذ الصدقة وهو العامل فليصدر عنكم بضم الدال أي يرجع وهو عنكم راض الجملة حال قال الطيبي ذكر المسبب وأراد السبب لأنه أمر للعامل وفي الحقيقة أمر للمزكى والمعنى تلقوه بالترحيب وأداء زكاة أموالكم ليرجع عنكم راضيا وإنما عدل إلى هذه الصفة مبالغة في استرضاء المصدق وإن ظلم كما سيجىء في الحديث رواه مسلم قال ميرك ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وعن عبد الله بن أبي أوفى قال كان النبي إذا أتاه قوم بصدقتهم ليفرقها عنهم قال اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى قال ابن الملك الصلاة بمعنى الدعاء والتبرك قيل يجوز على غير النبي قال الله تعالى في معطى الزكاة وصل عليهم التوبة وأما الصلاة التي لرسول الله فإنها بمعنى التعظيم والتكريم فهي خاصة له اه وهو مأخوذ من قول الطيبي قيل لفظ الصلاة لا يجوز


أن يدعى بها لغير النبي لكن يجوز أن يدعى بمعناه اه قال ابن حجر اختلفوا في الدعاء له ولغيره بلفظ الصلاة فقيل يكره وإن أراد بها مطلق الرحمة وقيل يحرم وقيل خلاف الأولى وقيل يسن وقيل يباح إن أراد بالصلاة مطلق الرحمة ويكره إن أراد بها مقرونة بالتعظيم اه والمانعون يجعلون هذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام ثم الظاهر أن الآل مقحم ويدل عليه الرواية الآتية اللهم صل عليه أو المراد بآله هو وأهل بيته فيعم الدعاء لأنه إذا دعا لآله لأجله فهو يستحق الدعاء بطريق الأولى كما قيل في قوله تعالى أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر متفق عليه ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ذكره ميرك وفي رواية قال ميرك هذه الرواية من أفراد البخاري إذا أتى الرجل النبي بصدقته قال اللهم صل عليه أي باللفظ المتقدم أو غيره قال ابن الملك يدل على أن المستحب للساعي أن يدعو لمعطى الزكاة فيقول أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت وجعله لك طهورا وقوله آجرك الله بالمد والقصر وهو أجود وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام دعا لمن أتاه بصدقته فقال اللهم بارك فيه وفي أهله وعن أبي هريرة قال بعث رسول الله عمر أي أرسله عاملا على الصدقة فقيل أي فجاء واحد إلى رسول الله وقال له منع ابن جميل بفتح وكسر قال المؤلف في فضل الصحابة ابن جميل له ذكر في كتاب الزكاة لا يعرف اسمه اه والمشهور أنه منافق فلا يعد من الصحابة ثم التقدير منع ابن جميل الزكاة وأما قول ابن حجر أي امتنع من إعطائها فحل المعنى لكنه مخل للمبنى وخالد بن الوليد والعباس فقال رسول الله ما ينقم بكسر القاف ويفتح أي ما ينكر نعمة الله ابن جميل إلا أنه أي لأنه كان أو ما يكره إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله وهذا مما لا يكره ولا يصلح أن يكون علة لكفران النعمة فيكون المراد به المبالغة على حد ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من ضراب الكتائب ولهذا قيل التقدير ما ينقم شيئا إلا إغناء الله


وقيل ما يغضب على طالب الصدقة إلا
كفران أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله وأسند الإغناء إلى نفسه أيضا لأنه كان سببا لدخوله في الإسلام ووجد أن الغنيمة وقال الطيبي قيل معنى الحديث إنه ما حمله على منع الزكاة إلا الإغناء وهو كفران النعمة وقال زين العرب يقال نقمت على الرجل أنقم بالكسر إذا عبت عليه ونقمت الأمر ونقمته بالفتح والكسر إذا كرهته وفي المغرب نقم منه وعليه كذا إذا عابه وأنكر عليه وكرهه أقول فمعنى الحديث ما ينقم ويغضب في منع الزكاة ويكره إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا وضع موضع الضمير تأكيدا ومبالغة أي تظلمونه بطلب الزكاة منه إذ ليس عليه زكاة لأنه قد احتبس أي وقف أدراعه جمع الدرع وأعتده بضم التاء جمع عتاد وهو ما أعده الرجل من السلاح والدواب وآلات الحرب في سبيل الله وأنتم تظلمونه بأن تعدوها من عروض التجارة فتطلبون الزكاة منه وفيه دليل على جواز احتباس آلات الحرب حتى الخيل والإبل والثياب والبسط وعلى جواز وقف المنقولات كما قال به محمد وعلى أنه يصح من غير إخراجه من يد الواقف قال الطيبي وفيه دليل أيضا على وجوب الزكاة في أموال التجارة وإلا لما اعتذر النبي عند مطالبة زكاة مال التجارة على خالد بهذا القول وقد تعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته وقيل تظلمونه بدعوى منع الزكاة منه والحال أنه قد وقف تبرعا سلاحه في سبيل الله أو قصد باحتباسها إعدادها للجهاد دون التجارة وقيل تظلمونه بطلب ما زاد على الواجب فإنه قد احتبس الأدراع والأعتد في سبيل الله فكيف يمنع الزكاة التي هي من فرائض الله المؤكدة وقيل بدعوى أنه غني وقد احتبس من رهن أسلحته المحتاج إليها في سبيل الله أو لأجل مرضاة الله ففي تعليلية وأما العباس فهي أي صدقة العباس للسنة الذاهبة علي ومثلها معها أي مثل تلك الصدقة في كونها فريضة عام آخر لا في السنين والقدر قيل أخر عنه زكاة عامين لحاجة بالعباس وتكفل بها


عنه ويعضده ما في جامع الأصول أنه عليه الصلاة والسلام أوجبها عليه وضمنها إياه ولم يقبضها وكانت دينا على العباس لأنه رأى به حاجة قال ابن حجر فإن قلت هذا ممتنع على الساعي قلت أحوال النبي في مثل ذلك كانت من خصائصه فلا يقاس به غيره اه ولا مانع إذا رأى الخليفة مثل هذا في بعض رعاياه رعاية لحاله مع المحافظة على عدم فوت ماله وقيل تأويله أنه عليه الصلاة والسلام أخذ منه الزكاة سنتين تقديما عام شكا العامل ويؤيده ما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال إنا تسلفنا من العباس صدقة عامين وروى إنا تعجلنا والجمع بين الروايتين بالحمل على وقوع القضيتين ثم قال يا عمر أما شعرت بفتح العين والهمزة استفهامية وما نافية أي ما علمت إن عم الرجل صنو أبيه بكسر الصاد وسكون النون أي مثله ونظيره إذ يقال لنخلتين نبتا من أصل واحد صنوان ولأحدهما صنو والمعنى أما تنبهت أنه عمي وأبي فكيف تتهمه بما ينافي حاله لعل له عذرا وأنت تلومه وقيل المعنى لا تؤذه رعاية لجانبي متفق عليه قال ميرك واللفظ لمسلم


وعن أبي حميد بالتصغير الساعدي قال استعمل النبي رجلا من الأزد بفتح الهمزة قبيلة من بطون قحطان يقال له ابن اللتبية بضم اللام وسكون التاء فوقها نقطتان وقد تفتح نسبة إلى بني لتب قبيلة معروفة واسمه عبد الله قال النووي رحمه الله هو بضم اللام وسكون التاء ومنهم من فتحها قالوا وهو خطأ والصواب بإسكانها وقال ابن الأثير في الجامع بضم اللام وفتح التاء والمعنى جعله عاملا على الصدقة وساعيا في أخذها فلما قدم أي المدينة بعد رجوعه من العمل قال هذا إشارة لبعض ما معه من المال لكم وهذا إشارة لبعض آخر أهدي لي فخطب النبي أي الناس ليعلمهم وليحذرهم من فعله فحمد الله أي شكره شكرا جزيلا وأثنى عليه أي ثناء جميلا ثم قال أما بعد أي بعد الحمد والثناء فإني أستعمل رجالا منكم أي أجعلهم عمالا على أمور مما ولاني الله أي جعلني حاكما فيه فيأتي أحدهم أي من العمال وروعى فيه الإجمال ولم يبين عينه سترا وتكرما عليه فيقول هذا لكم وهذه أنث لتأنيث الخبر وهي هدية أهديت لي أي أعطيت لي أو أرسلت إلي هدية فهلا جلس أي لم لم يجلس في بيت أبيه أو بيت أمه أو للتنويع أو للشك وهذا تغيير لشأنه وتحقير له في حد ذاته يعني إنما عرض له التعظيم من حيث عمله فينظر بالنصب على جواب قوله فهلا جلس أي فيرى أو ينتظر أيهدى له أي شيء في بيته الأصلي أم لا لعدم الباعث العرضي قال ابن الملك يعني لا يجوز للعامل أن يقبل هدية لأنه لا يعطيه أحد شيئا إلا لطمع أن يترك بعض زكاته وهذا غير جائز اه ويمكن أنه يعطى لغير هذا الغرض أيضا لكن حيث أنه يعطى من حيثية العمل وله أجرة العمل من هذا المال فليس له أن يأخذ من جهتين فهو أحد الشركاء وما أعطى له يكون داخلا من جملة المال والذي نفسي أي ذاتي أو روحي بيده أي بقبضة تصرفه لا يأخذ أحد أي خفية أو علانية منه أي مال الصدقة شيئا أي إصالة أو تبعا إلا جاء به يوم القيامة أي صار سببا لمجيئه يحمله حال أو استئناف بيان على رقبته


أي تشهيرا وافتضاحا قيل في الآية وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم الأنعام وأجيب بأن الظهور يشمل ما هو قريب منها أو ذاك في أوزار الكفار وهذا في
أوزار الفجار لمزيد قبحها باعتبار أن فيها حق الله وحق عباده إن كان أي المأخوذ بعيرا له أي للبعير رغاء بضم الراء صوت للبعير قال الطيبي أي فله رغاء فحذف الفاء من الجملة الاسمية وهو سائغ لكنه غير شائع اه أو بقرا له خوار بضم المعجمة صوت البقر أو شاة بالنصب تيعر بفتح التاء وسكون الياء وكسر العين وفتحها أي تصيح ليعلم أهل العرصات فيكون أشهر في فضيحته وأكثر في ملامته ثم رفع يديه أي وبالغ في رفعهما حتى رأينا عفرة إبطيه أي بياضهما والعفرة بالضم بياض ليس بخالص ولكن كلون العفر بالتحريك أي التراب أراد منبت الشعر من الإبطين لمخالطة بياض الجلد سواد الشعر ولا يخفى إن ذلك إنما يكون عند نتف الشعر أو حلقه أو باعتبار ما يرى من البعد ثم قال اللهم هل بلغت أي الوعيد أو ما أمرتني به اللهم هل بلغت كرر ذلك تأكيدا للحجة عليهم والظاهر أن الاستفهام للتقرير وقيل هل بمعنى قد متفق عليه قال الخطابي وفي قوله هلا جلس في بيت أمه أو أبيه كذا في الأصل وهو إما كذا في روايته وإما نقل بالمعنى ولكن مقتضى المقام تقديم الأب فإنه مشعر بزيادة الإكرام فيكون قوله في الحديث أو بيت أمه محمولا على التنزل أو على تقدير أن ليس له أب معروف ففيه تهجين لحاله فينظر أيهدى إليه وهذا أيضا تفسير له أو نقل معنوي أو رواية أم لا دليل على أن كل أمر يتذرع بالذال المعجمة على بناء المفعول أي يتوسل به إلى محظور فهو محظور أي ممنوع ومحرم ويدخل في ذلك القرض يجر المنفعة والدار المرهونة يسكنها المرتهن بلا كراء والدابة المرهونة يركبها أو يرتفق بها من غير عوض وكل دخيل بالرفع وقيل بالنصب أي كل عقد يدخل في العقود ويضم إلى بعضها ينظر أي فيه هل يكون حكمه عند الانفراد كحكمه عند الاقتران أم لا فعلى الأول ويصح وعلى


الثاني لا يصح كما إذا باع من أحد متاعا يساوي عشرة بمائة ليقرضه ألفا مثلا يدفع ربحه إلى ذلك الثمن ومن رهن دارا بمبلغ كثير وأجره بشيء قليل فقد ارتكب محظورا قال الطيبي ولما علم رسول الله أن بعض أمته يرتكبون هذا المحظور بالغ حيث قال اللهم هل بلغت مرتين هكذا أي نقله البغوي عنه في شرح السنة وعليه الإمام مالك وفرع على هذا الأصل في الموطأ أمثلة منها أن الرجل يعطى صاحبه الذهب الجيد ويجعل معه رديئا ويأخذ منه ذهبا متوسطا مثلا بمثل فقال هذا لا يصلح لأنه أخذ فضل جيده من الردىء ولولاه لم يبايعه اه فما قاله في الكلية الأولى فهو موافق لمذهبنا ومذهب الشافعي لأن من القواعد المقررة أن


للوسائل حكم المقاصد فوسيلة الطاعة طاعة ووسيلة المعصية معصية وأما ما قاله من الكلية الثانية فإنما يليق بمذهب من منع الحيل الموصلة إلى الخروج عن الربا أو غيره كمالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهما ممن يرى إباحة الحيل لا ينظرون إلى هذا الدخيل لأن النبي علم عامله على خيبر وقد قال له إنه يشتري صاع تمر جيد بصاعي ردىء حيلة تخرجه عن الربا وهي أن يبيع الردىء بدراهم ويشتري بها الجيد فافهم إن كل عقد توسط في معاملة أخرجها عن المعاملة المؤدية إلى الربا جائز هذا وقد حكى الغزالي إن من أعطى غيره شيئا وليس الباعث عليه إلا الحياء من الناس كان سئل بحضرتهم شيئا فأعطاه إياه ولو كان وحده لم يعطه الإجماع على حرمة أخذه مثل هذا لأنه لم يخرج عن ملكه لأنه في الحقيقة مكره بسبب الحياء فهو كالمكره بالسيف وقال غيره من أعطى غيره شيئا مداراة عن عرضه حكمه كذلك وكذا من أعطى حاكما أو ساعيا أو أميرا شيئا علم المعطى من حاله أنه لا يحكم له بالحق أولا يأخذ منه الحق إلا أن أخذ شيئا ففي كل هذه الصور وما أشبهها لا يملك الآخذ لقوله هدايا العمال غلول ولضعف دلالة الإعطاء على الملك أثر القصد المخرج له عن مقتضاه بخلاف العقد فإنه دال قوي على الملك فلم يؤثر فيه قصد قارئه على أن القصد ههنا صالح وهو التخلص عن الربا وفي تلك الصور فاسد وهو أخذ مال الغير بغير حق وعن عدي بن عميرة بفتح فكسر قال قال رسول الله من استعملناه منكم أي جعلناه عاملا على عمل فكتمنا أي أخفى علينا مخيطا بكسر الميم وسكون الخاء أي إبرة فما فوقه أي فشيئا يكون فوقه في الصغر أو الكبر قال الطيبي الفاء في قوله فما فوقه للتعقيب على التوالي وما فوقه يحتمل أن يكون المراد به الأعلى أو الأدنى كما في قوله تعالى بعوضة فما فوقها البقرة وذكر هذا الحديث في باب الزكاة استطرادا لمناسبته للحديث السابق في ذكر العمل والخيانة كان أي ذلك الكتمان غلولا بضم المعجمة أي خيانة في الغنيمة


يأتي به أي بما غل يوم القيامة تفضيحا له قال تعالى ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة آل عمران رواه مسلم
الفصل الثاني
عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية والذين يكنزون الذه
والفضة أي يجمعونها أو يدفنونها ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم كبر بضم الباء أي شق وصعب ذلك أي ظاهر الآية من العموم على المسلمين لأنهم حسبوا أنه يمنع جمع المال مطلقا وإن كل من تأثل مالا جل أو قل فالوعيد لاحق به فقال عمر رضي الله عنه أنا أفرج بتشديد الراء أي أزيل الغم والهم عنكم وآتى بالفرج لكم فإن مع العسر يسرا وليس عليكم في الدين من حرج وقد بعث رحمة للعالمين بالحنيفية السمحاء المتوسطة بين طرفي الإفراط والتفريط فانطلق أي فذهب عمر إلى رسول الله فقال يا نبي الله إنه أي الشأن كبر أي عظم على أصحابك هذه الآية أي حكمها والعمل بها لما فيها من عموم منع الجمع فقال أي النبي إن الله لم يفرض الزكاة ليطيب بالتذكير أو التأنيث أي ليحل الله بأداء الزكاة لكم ما بقى من أموالكم قال تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها التوبة ومعنى التطييب أن أداء الزكاة إما أن يحل ما بقي من ماله المخلوط بحق الفقراء وإما أن يزكيه من تبعة ما لحق به من إثم منع حق الله تعالى وحاصل الجواب إن المراد بالكنز منع الزكاة لا الجمع مطلقا وإنما فرض المواريث عطف على قوله إن الله لم يفرض الزكاة قال الطيبي رحمه الله وهذه الزيادة ليست في المصابيح لكنها موجودة في سنن أبي داود كأنه قيل إن الله لم يفرض الزكاة إلا لكذا ولم يفرض المواريث إلا ليكون طيبا لمن يكون بعدكم والمعنى لو كان الجمع محظورا مطلقا لما افترض الله الزكاة ولا الميراث وقوله وذكر كلمة من كلام الراوي يعني ابن عباس أي وذكر كلمة أخرى في هذا المقام لا أضبطها والجملة معترضة بين الفعل وعلته وهو قوله لتكون أي وإنما فرض المواريث لتكون المواريث طيبة لمن بعدكم فقال أي ابن عباس فكبر عمر أي


قال الله أكبر فرحا بكشف الحال وردفع الأشكال ثم قال أي النبي له أي لعمر ألا أخبرك يحتمل أن تكون إلا للتنبيه وأن تكون الهمزة استفهامية ولا نافية بخير ما يكنز المرء أي بأفضل ما يقتنيه ويتخذه لعاقبته ولما بين أن لا وزر في جمع المال بعد أداء الزكاة ورأى فرحهم بذلك رغبهم عن ذلك إلى ما هو خير وأبقى وهو التقلل والاكتفاء بالبلغة المرأة الصالحة أي الجميلة ظاهرا وباطنا قال الطيبي المرأة مبتدأ والجملة الشرطية خبره ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف والجملة الشرطية بيان قيل فيه إشارة إلى أن هذه المرأة أنفع من الكنز المعروف فإنها خير ما يدخرها الرجل لأن النفع فيها أكثر لأنه إذا نظر أي الرجل إليها سرته أي جعلته مسرورا بجمال صورتها وحسن سيرتها وحصول حفظ الدين بها وقد روى مرفوعا من تزوج فقد حصن ثلثي دينه وقد يؤدي حسن صورتها إلى مشاهدة التجليات


الإلهية التي هي من أعلى مقاصد الصوفية ومن ثمة لما قيل للجنيد في ابتداء أمره ألا تتزوج فقال إنما تصلح المرأة لمن ينظر إلى جمال الله فيها وإذا أمرها بأمر شرعي أو عرفي أطاعته وخدمته وإذا غاب عنها حفظته وفي رواية زيادة في نفسه أي له حق زوجها من بضعها وأنعامه عليها وكذا بيت زوجها وماله وولده فهذه منافع كثيرة قال القاضي لما بين لهم أنه لا حرج عليهم في جمع المال وكنزه ما داموا يؤدون الزكاة ورأى استبشارهم به رغبهم عنه إلى ما هو خير وأبقى وهي المرأة الصالحة الجميلة فإن الذهب لا ينفعك إلا بعد الذهاب عنك وهي ما دامت معك تكون رفيقك تنظر إليها فتسرك وتقضي عند الحاجة إليها وطرك وتشاورها فيما يعن لك فتحفظ عليك سرك وتستمد منها في حوائجك فتطيع أمرك وإذا غبت عنها تحامي مالك وتراعي عيالك ولو لم يكن لها إلا أنها تحفظ بذرك وتربى زرعك فيحصل لك بسببها ولد يكون لك وزيرا في حياتك وخليفة بعد وفاتك لكان لها بذلك فضل كثيرا اه وهو كلام حسن ويمكن أن يقال لما بين أن جمع المال مباح لهم ذكر أن صرفه إلى ما ينفع في الدين والدنيا خير وأبقى ففيه إشارة خفية إلى كراهة جمع المال ولذا قال الدنيا دار من لا دار له ويجمعها من لا عقل له والحاصل أن أكثر العلماء قالوا المراد بالكنز المذموم ما لم تؤذ زكاته وإن لم تدفن فإن أديت فليس يكنزون دفن لما في حديث سنده حسن ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكى فليس بكنز وفي البخاري عن ابن عمر بسند متصل إن الوعيد على الكنز إنما كان قبل وجوب الزكاة قال النووي وأما قول ابن جرير أن الكنز في الآية ما لم ينفق منه في الغزو وقول أبي داود إنه الدفن فهو غلط والله أعلم رواه أبو داود بإسناد صحيح ولم يعترضه المنذري قاله ميرك وعن جابر بن عتيك بفتح العين وكسر التاء الفوقية قال قال رسول الله سيأتيكم ركيب تصغير ركب وهو اسم جمع للراكب فلذا صغر على لفظه ولو كان جمعا لراكب كما قيل لقيل رويكبون أي سعاة وعمال


للزكاة مبغضون بفتح الغين المشددة أي يبغضون طبعا لا شرعا لأنهم يأخذون محبوب قلوبهم وقيل معناه أنه قد يكون بعض العمال سيء الخلق والأول أوجه فإذا جاؤوكم فرحبوا بهم أي قولوا لهم مرحبا وأهلا وسهلا وأظهروا الفرح بقدومهم وعظموهم وخلوا أي اتركوا بينهم وبين ما يبتغون أي ما
يطلبون من الزكاة قال ابن الملك يعني لا تمنعوهم وإن ظلموكم لأن مخالفتهم مخالفة السلطان لأنهم مأمورون من جهته ومخالفة السلطان تؤدي إلى الفتنة اه وهو كلام المظهر بناء على أنه عم الحكم في جميع الأزمنة قال الطيبي وفيه بحث لأن العلة لو كانت هي المخالفة لجاز الكتمان لكنه لم يجز لقوله في الحديث أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون قال لا فإن عدلوا أي في أخذ الزكاة فلأنفسهم أي فلهم الثواب وإن ظلموا بأخذ الزكاة أكثر مما وجب عليكم أو أفضل أي على الفرض والتقدير أو على زعمكم فعليهم وفي المصابيح فعليها أي فعلى أنفسهم إثم ذلك الظلم ولكم الثواب بتحمل ظلمهم وأرضوهم أي اجتهدوا في أرضائهم ما أمكن بأن تعطوهم الواجب من غير مطل ولا غش ولا خيانة فإن تمام زكاتكم أي كمالها رضاهم بالقصر وقد يمد أي حصول رضائهم وليدعوا بسكون اللام وكسرها لكم وهو أمر ندب لقابض الزكاة ساعيا أو مستحقا أن يدعو للمزكي ويصح أن تكون اللام المفتوحة للتعليل والتقدير ارضوهم لتتم زكاتكم وليدعوا وفيه إشارة إلى أن الاسترضاء سبب لحصول الدعاء ووصول القبول قال الطيبي وما ذكره في المعنى في قوله مبغوضون أوجه لأن في قوله سيأتيكم الخ إشعارا بأنهم عمال رسول الله وينصره شكوى القوم منهم في الحديث الذي يليه ومن المعلوم أن رسول الله لا يستعمل ظالما فالمعنى أنه سيأتيكم عمال يطلبون منكم زكاة أموالكم والنفس مجبولة على حب المال فتبغضونهم وتزعمون أنهم ظالمون وليسوا بذلك وقوله وإن عدلوا وإن ظلموا مبنى على هذا الزعم ولو كانوا ظالمين في الحقيقة كيف يأمرهم بالدعاء لهم بقوله ويدعوا لكم رواه أبو


داود قال ميرك وفي إسناده ثابت بن قيس الغفاري قال ابن معين ضعيف وقال أحمد ثقة وعن جرير بن عبد الله قال جاء ناس يعني من الأعراب تفسير من الراوي عن جرير إلى رسول الله فقالوا إن ناسا من المصدقين بتخفيف الصاد وكسر الدال المشددة أي عاملي الزكاة يأتونا فيظلمونا بتخفيف النون وتشديدها فيهما فقال أرضوا بقطع الهمزة مصدقيكم قالوا يا رسول الله وإن ظلمونا أي نرضيهم ولو كانوا ظالمين علينا قال أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم على بناء المجهول أي وإن اعتقدتم أنكم مظلومون بسبب حبكم أموالكم ولم يرد إنهم وإن كانوا مظلومين حقيقة يجب إرضاؤهم بل المراد أنه يستحب


إرضاؤهم وإن كانوا مظلومين حقيقة لقوله فإن تمام زكاتكم رضاؤهم قال الطيبي لأن لفظة أن الشرطية هنا تدل على الفرض والتقدير لا على الحقيقة ونحوه قوله اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي رواه أبو داود قال ميرك وأصله في مسلم وعن بشير بن الخصاصية بتشديد الياء تحتها نقطتان كذا في جامع الأصول قال الطيبي وقيل بالتخفيف وهو بشير بن معبد وقيل بشير بن يزيد وهو المعروف بابن الخصاصية بتشديد الياء وهي أمه وقيل منسوبة إلى خصاص وهي قبيلة من أزد قال قلنا إن أهل الصدقة أي أهل أخذ الصدقة من العمال يعتدون علينا أي يظلمون ويتجاوزون ويأخذون أكثر مما وجب علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون قال لا قال ابن الملك وإنما لم يرخص لهم في ذلك لأن كتمان بعض المال خيانة ومكر ولأنه لو رخص لربما كتم بعضهم على عامل غير ظالم رواه أبو داود وعن رافع بن خديج قال قال رسول الله العامل على الصدقة بالحق متعلق بالعامل أي عملا بالصدق والصواب أو بالإخلاص والإحتساب كالغازي في سبيل الله أي في تحصيل بيت المال واستحقاق الثواب في تمشية أمر الدارين حتى يرجع أي العامل إلى بيته رواه أبو داود والترمذي وقال حسن ذكره ميرك وعن عمرو بن شعيب أي ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه عن جده قيل إن أراد جده محمدا فالحديث مرسل لأن محمدا لم يلق النبي وإن أراد جد شعيب وهو عبد الله فشعيب لم يدرك جده عبد الله ولهذه العلة لم يذكر حديثه في صحيحي البخاري ومسلم لأنه يرويه هكذا عن أبيه عن جده وقيل إن شعيبا أدرك جده ذكره الطيبي


وقد قدمناه أيضا وأما قول ابن حجر عن جده أي جد أبيه وهو عبد الله أو جد عمرو فيكون الحديث مرسلا وكل محتمل لكن الأصح الأول فمبنى على القول الضعيف الذي يفيد الإتصال وإلا فالصحيح أن حديثه يحكم عليه بالانقطاع عن النبي قال لا جلب بفتحتين أي لا يقرب العامل أموال الناس إليه لما فيه من المشقة عليهم بأن ينزل الساعي محلا بعيدا عن الماشية ثم يحضرها وإنما ينبغي له أن ينزل على مياههم أو أمكنة مواشيهم لسهولة الأخذ حينئذ ويطلق الجلب أيضا على حث فرس السباق على قوة الجري بمزيد الصياح عليه لما يترتب عليه من أضرار الفرس ولا جنب بفتحتين أي لا يبعد صاحب المال المال بحيث تكون مشقة على العامل وقال ابن حجر أي لا ينزل الساعي بأقصى محال أهل الصدقة يأمر بالأموال أن تجنب إليه أي تحضر اه وهو نوع من أنواع الجلب كما لا يخفى فلا ينبغي حمله على هذا المعنى وقد أغرب حيث ذكرها هذا المعنى أولا مؤديا بقيل تبعا للطيبي ثم قال ووجه النهي عن هذا واضح أيضا فلعل تضعيفه إنما هو من حيث الوضع اللغوي لا غير اه ولا شك أن المعنى اللغوي أيضا أنسب ويطلق أيضا على السياق بأن يجنب فرسا إلى الفرس الذي سابق عليه فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب قيل وكان وجه النهي عنه أن السباق إنما هو لبيان اختبار قوة الفرس وبهذا الفعل لا يعرف قوة واحد من الفرسين فرب فرس تواني أولا أو في الأثناء ثم سبق ثم قال الطيبي وكلا اللفظين مشترك في معنى السباق والزكاة والقرينة الموضحة لأداء المعنى الثاني قوله ولا تؤخذ بالتأنيث وتذكر صدقاتهم إلا في دورهم أي منازلهم وأماكنهم ومياههم وقبائلهم على سبيل الحصر لأنه كنى بها عنه فإن أخذ الصدقة في دورهم لازم لعدم بعد الساعي عنها فيجلب إليه ولعدم بعد المزكى فإنه إذا بعد عنها لم يؤخذ فيها اه وتبعه ابن حجر وحاصله أن آخر الحديث مؤكد لأوله أو إجمال لتفصيله لكن القاعدة المقررة أن التأسيس أولى من التأكيد تفيد أن النفي في


صدر الحديث يتعلق بأمر السباق من الفعلين ثم الجامع بين المسألتين المناسبة اللغوية والمعنوية وهي عدم الضرر والأضرار من الملة الحنيفية والله أعلم بالأسرار النبوية رواه أبو داود وعن ابن عمر قال قال رسول الله من استفاد مالا أي وجده وحصله واكتسبه ابتداء فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول قال ابن الملك يعني من وجد مالا وعنده نصاب من ذلك الجنس مثل أن يكون له ثمانون شاة ومضى عليها ستة أشهر ثم حصل له أحد وأربعون شاة بالشراء أو بالإرث أو غير ذلك لا يجب عليه للأحد والأربعين


حتى يتم حولها من وقت الشراء أو الإرث لأن المستفاد لا يكون تبعا للمال الموجود وبه قال الشافعي وأحمد وعند أبي حنيفة ومالك يكون المستفاد تبعا له فإذا تم الحول على الثمانين وجب الشاتان يعني في الكل كما أن النتاج تبع للأمهات رواه الترمذي وذكر أي سمى الترمذي جماعة أي بأسمائهم إنهم بدل اشتمال أي ذكر أن جماعة عددهم وقفوه أي هذا الحديث على ابن عمر أي لم يرفعه ابن عمر إلى رسول الله كما في المتن بل وقفه وقال من استفاد مالا الخ وفي المصابيح الوقف على ابن عمر أصح قال ميرك حديث ابن عمر من استفاد مالا الخ رواه الترمذي مرفوعا من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال وروى موقوفا من غير طريق عبد الرحمن بن زيد على ابن عمر والموقوف أصح وعبد الرحمن بن زيد ضعيف في الحديث ضعفه أحمد بن حنبل وابن المديني وغيرهما وهو كثير الغلط هكذا عبارة الترمذي والذي نقل عنه المصنف ليس فيه تأمل اه وأما قول ابن حجر عند قوله وقفوه لكن القاعدة الحديثية الأصولية إن الحكم لمن رفع لأن معه زيادة علم تقوي من وصله وأن الحكم له فمحله إذا كان الطريقان صحيحين أو حسنين والحديث ليس كذلك وأما قوله ولذا اعتمده الأئمة وجعلوا الدليل لما اتفقوا عليه أن الحول فيما ذكر شرط لوجوب الزكاة فمتى خرج عن ملكه وإن عاد فورا بطل الحول الأول ويستأنف حولا آخر وحينئذ فهو خارج عن معنى الحديث فتأمل قال ابن الهمام روى مالك والنسائي عن نافع أن رسول الله قال من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول وأخرج أبو داود عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي كرم الله وجهه عن النبي قال إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وساق الحديث وفيه بعد قوله ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك فلا أدري أعلي يقول فبحساب أو رفعه إلى النبي وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول الحارث وإن كان مضعفا لكن عاصم ثقة وقد روى الثقة أنه رفعه


معه فوجب قبول رفعه ورد تصحيح وقفه وروى هذا المعنى من حديث ابن عمر ومن حديث أنس وعائشة رضي الله عنهم ثم قال قال الشافعي لا يضم المستفاد بل يعتبر فيه حول على حدته فإذا تم الحول زكاة سواء كان نصابا أو أقل بعد أن يكون عنده نصاب من جنسه لقوله عليه الصلاة والسلام من استفاد الحديث وقوله عليه الصلاة والسلام لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول بخلاف الأولاد والأرباح لأنها متولدة من الأصل نفسه فينسحب حوله عليها وما نحن فيه ليس كذلك قلنا لو قدر تسليم ثبوته فعمومه ليس مرادا للاتفاق على خروج الأولاد والأرباح ودليل الخصوص مما يعلل ويخرج بالتعليل ثانيا فعللنا بالمجانسة فقلنا إخراج الأولاد والأرباح من ذلك ووجوب ضمها إلى حول الأصل لمجانستها


إياه لا للتولد فيجب أن يخرج المستفاد إذا كان مجانسا أيضا فيضم إلى ما عنده مما يجانسه فكان اعتبارنا أولى لأنه أدفع للحرج اللازم على تقدير قوله في أصحاب الغلة الذين يستغلون كل يوم درهما أو أقل أو أكثر فإن في اعتبار الحول لكل مستفاد من درهم ونحوه حرجا عظيما وشرع الحول للتيسير فيسقط اعتباره وعلى هذا لا حاجة إلى جعل اللام في الحول للحول المعهود قيامه للأصل كما في النهاية بل يكون للمعهود كونه اثني عشر شهرا كما قاله الشافعي غير أنه خص منه ما ذكرنا وهذا لأنه يعم المستفاد ابتداء وهو النصاب الأصلي أعني أول ما استفاده وغيره والتخصيص وقع في غيره وهو المجانس وبقي تحت العموم الأصلي الذي لم يجانس ولا يصدق في الأصلي إلا إذا كان الحول مرادا به المعهود المقدر وعن علي رضي الله عنه أن العباس سأل رسول الله في تعجيل صدقته قبل أن تحل بكسر الحاء أي تجب الزكاة وقيل قبل أن تصير حالا بمضي الحول وأما قول ابن حجر قبل أن يتم حولها فهو حاصل المعنى لا تحقيق المبنى فرخص له أي العباس في ذلك قال ابن الملك وهذا يدل على جواز تعجيل الصدقة بعد حصول النصاب قبل تمام الحول اه وكذا على جواز تعجيل الفطرة بعد دخول رمضان اتفاقا بيننا وبين الشافعية قال ابن حجر ولا يجوز ذلك قبل تمام النصاب ولا قبل دخول رمضان لأن من قواعدهم أن ماله سببان يقدم على أحدهما لا عليهما وزكاة المال لها سببان ملك النصاب وتمام الحول وزكاة الفطر لها سببان دخول رمضان وإدراك جزء من أول ليلة العيد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي قال ابن الهمام فيه خلاف مالك هو يقول الزكاة إسقاط الواجب ولا إسقاط قبل الوجوب وصار كالصلاة قبل الوقت بجامع أنه أداء قبل السبب إذ السبب هو النصاب الحولي ولم يوجد قلنا لا نسلم اعتبار الزائد على مجرد النصاب جزأ من السبب بل هو النصاب فقط والحول تأجيل في الأداء بعد أصل الوجوب فهو كالدين المؤجل وتعجيل المؤجل صحيح فالأداء


بعد النصاب كالصلاة في أول الوقت لا قبله وكصوم المسافر رمضان لأنه بعد السبب ويدل على صحة هذا الاعتبار ما في أبي داود والترمذي من حديث علي رضي الله عنه أن العباس سأل النبي في تعجيل زكاته قبل أن يحول عليه الحول مسارعة إلى الخير فأذن له ذلك
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي خطب الناس فقال ألا للتنبيه من ولي يتيما بفتح الواو وكسر اللام وفي نسخة بضم الواو وتشديد اللام المكسورة أي صار ولي يتيم له مال أي عظيم بأن يكون نصابا ولما حمله ابن حجر على مطلق المال قال في قوله حتى يأكله أي معظمه إذ ما دون النصاب لا يمكن أن تأكل الصدقة منه شيئا فليتجر بتشديد الفوقية أي بالبيع والشراء فيه أي في مال اليتيم قال الطيبي فليتجر به كقولك كتبت بالقلم لأنه عدة للتجارة فجعله ظرفا للتجارة ومستقرها وفائدة جعل المال مقرا للتجارة أن لا ينفق من أصله بل يخرج النفقة من الربح وإليه ينظر قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم النساء إلى قوله وارزقوهم فيها النساء ولا يتركه بالنهي وقيل بالنفي حتى تأكله الصدقة أي تنقصه وتفنيه لأن الأكل سبب الإفناء قال ابن الملك أي بأخذ الزكاة منها فينقص شيئا فشيئا وهذا يدل على وجوب الزكاة في مال الصبي وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وعند أبي حنيفة لا زكاة فيه اه وسيأتي جوابه رواه الترمذي وقال في إسناده مقال لأن المثنى على صيغة المفعول ابن الصباح بتشديد الموحدة ضعيف أي في الحديث وقال التوربشتي لأن في روايته تدليسا وتعمية وإبهاما وذلك أنه يحتمل أن يروي هو عن شعيب وشعيب عن أبيه وهو عن عبد الله جد شعيب وهو عن رسول الله ويحتمل أن عمر أن يرويه عن شعيب وهو عن جده فلا يكون متصلا اه وأما قول ابن حجر ورد بأن الضعيف هو وصله وأما إرساله فسنده صحيح فغير صحيح بل مردود عليه لأنه ما ثبت للحديث طريقان أحدهما صحيح والآخر ضعيف ليصح هذا القول بل ضعف هذا الحديث لاحتمال الاتصال والإرسال كون الراوي


مدلسا هذا الحديث لاحتمال الاتصال في الحديث مع أن علة الضعف على ما ذكره الترمذي ليست إلا كون المثنى ضعيفا والحديث منحصر في هذا الوجه وفي صرح الإمام أحمد بأن هذا الحديث ليس بصحيح وإلا فالمرسل إذا كان صحيحا حجة عندنا وعند الجمهور خلافا للشافعي فيما لم يعتضد وأما قوله وقد اعتضد بعموم الخبرين الصحيحين خبر يؤخذ من أغنائهم وخبر فرضها رسول الله على المسلمين فممنوع لأن الأحكام العامة محمولة على المكلفين بإجماع الأمة قال ابن الهمام أما الحديث فضعيف قال الترمذي إنما يروى الحديث من هذا الوجه وفي إسناده مقال لأن المثنى يضعف في الحديث وقال صاحب التلقيح قال مهنى سألت أحمد بن حنبل عن هذا
الحديث فقال ليس بصحيح وللحديث طريقان آخران عند الدارقطني وهما ضعيفان باعترافه وقد قال عليه الصلاة والسلام رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه وأما ما روي عن عمر وابنه وعائشة رضي الله عنهم من القول بالوجوب في مال الصبي والمجنون لا يستلزم كونه عن سماع إذ يمكن الرأي فيه فيجوز كونه بناء عليه فحاصله قول صحابي عن اجتهاد عارضه رأى صحابي آخر قال محمد بن الحسن في كتاب الآثار أنا أبو حنيفة حدثنا ليث بن سليم عن مجاهد عن ابن مسعود قال ليس في مال اليتيم زكاة وليث كان أحد العلماء العباد وقيل اختلط في آخر عمره ومعلوم أن أبا حنيفة لم يكن ليذهب فيأخذ عنه حال اختلاطه ويرويه وهو الذي شدد أمر الرواية ما لم يشدده غيره على ما عرف وروى مثل قول ابن مسعود عن ابن عباس تفرد به ابن لهيعة ما قدمناه غير مرة اه ملخصا
الفصل الثالث


عن أبي هريرة قال لما توفى بصيغة المفعول أي مات النبي واستخلف أبو بكر بصيغة المفعول على الصحيح أي جعل خليفة بعده أي بعد وفاته وكفر من كفر أما تغليظ أو لأنهم أنكروا وجوب الزكاة وإنكار وجوب المجمع عليه إذا كان معلوما من الدين بالضرورة كفر اتفاقا بل قال جماعة إن إنكار المجمع عليه كفر وإن لم يكن معلوما أو المعنى قاربوا الكفر أو شابهوا الكفار أو أراد كفران النعمة من العرب قال الطيبي يريد غطفان وفزارة وبني سليم وغيرهم منعوا الزكاة فأراد أبو بكر أن يقاتلهم فاعترض عمر بقوله الآتي وأبو بكر جعلهم كفارا إما لأنهم أنكروا وجوب الزكاة وأتوا بشبهة في المنع فيكون تغليظا وعمر أجراه على ظاهره وأنكر على أبي بكر اه ويدل على الثاني ما روى أنهم قالوا إنما كنا نؤدي زكاتنا لمن كانت صلاته سكنا لنا والآن قد ذهب ذلك بوفاته عليه السلام فلا نؤديها لغيره أي لما أن عزم على قتالهم قال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما كيف تقاتل الناس أي من أهل الإيمان وقد قال رسول الله أمرت أن أقاتل الناس حتى


يقولوا لا إله إلا الله كناية عن الإسلام أو المراد بالناس المشركين فمن قال لا إله إلا الله يعني كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله للإجماع على أنه لا يعتد في الإسلام بتلك وحدها عصم بفتح الصاد أي حفظ ومنع مني أي من تعرضني أنا ومن اتبعني ماله ونفسه إلا بحقه أي بحق الإسلام كما في رواية قال الطيبي أي لا يحل لأحد أن يتعرض لماله ونفسه بوجه من الوجوه إلا بحقه أي بحق هذا القول أو بحق أحد المذكورين وحسابه أي جزاؤه ومحاسبته على الله بأنه مخلص أم لا قال الطيبي يعني من قال لا إله إلا الله وأظهر الإسلام نترك مقاتلته ولا نفتش باطنه هل هو مخلص أم لا فإن ذلك إلى الله تعالى وحسابه عليه فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بالتشديد والتخفيف بين الصلاة والزكاة أي المقرونتين في القرآن أو الموجودتين في حديث آخر حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وهذا أظهر في استدلال أبي بكر فإن الزكاة حق المال أو كما أن الصلاة حق النفس قاله الطيبي وقال غيره يعني الحق المذكور في قوله إلا بحقه أعم من المال وغيره قال الطيبي كأن عمر حمل قوله بحقه على غير الزكاة فلذلك صح استدلاله بالحديث فأجاب أبو بكر بأنه شامل للزكاة أيضا أو توهم عمر أن القتال للكفر فأجاب بأنه لمنع الزكاة لا للكفر اه ولا مستدل للشافعية فيه بأن تارك الصلاة يقتل فإن الفرق ظاهر بينه وبين القتال لقوم تركوا شعار الإسلام يترك ركن من أركانه ألا ترى أن الإمام محمدا من أصحابه جوز القتال لقوم تركوا الآذان فضلا عن الأركان والله المستعان فقال ابن الهمام ظاهر قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم التوبة الآية يوجب حق أخذ الزكاة مطلقا للإمام وعلى هذا كان رسول الله والخليفتان بعده فلما ولى عثمان وظهر تغير الناس كره أن يفتش السعاة على الناس مستور أموالهم ففوض الدفع إلى الملاك نيابة عنه ولم يختلف الصحابة في ذلك عليه وهذا لا يسقط طلب


الإمام أصلا ولهذا لو علم أن أهل بلدة لا يؤدون زكاتهم طالبهم بها والله لو منعوني أي بالمنعة والغلبة عناقا بفتح العين أي الأنثى لم تبلغ سنة من ولد المعز وذكرها مبالغة قال النووي في رواية عقالا وذكروا فيه وجوها أصحها وأقواها قول صاحب التحرير إنه ورد مبالغة لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد فيقتضي قلة وحقارة فاندفع ما قاله ابن حجر من قوله ودليل وجوبها في الصغار قول أبي بكر رضي الله عنه والله لو منعوني عناقا ووافقه عليه الصحابة فكان إجماعا قال ابن الهمام يدل على نفيه ما في أبي داود والنسائي عن سويد بن غفلة قال أتاني مصدق رسول الله فأتيته فجلست إليه فسمعته يقول في يعني كتابي إن لا آخذ راضع لبن الحديث قال وحديث أبي بكر لا يعارضه لأن أخذ العناق لا يستلزم الأخذ من الصغار ولأن ظاهر ما قدمناه في حديث في صدقة الغنم إن العناق يقال على الجذعة والثنية ولو مجازا فارجع إليه فيجب الحمل عليه دفعا للتعارض ولو سلم جاز أحدها بطريق القيمة لا أنها هي نفس الواجب ونحن نقول به أو هو على طريق المبالغة


لا التحقيق يدل عليه إن في الرواية الأخرى عقالا مكان عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها أي على ترك منعها أو لأجل منعها ولا دلالة في الحديث أصلا على ما قاله الشافعية أخذا من الحديث من أنه يجب على الإمام أخذ الزكاة من مانعيها قهرا عليهم لأن الحديث إنما هو في قتال من منع الزكاة لإنكارها أو شبهة في وجوبها حتى يرجع إلى الحق وأما من انقاد إلى أحكام الإسلام من الصلاة والزكاة ونحوهما فحسابه به على الله في فعلها وتركها مع أنه لا بد من اعتبار النية في العبادة وهي غير صحيحة في المقهور قال عمر فوالله ما هو أي الشأن ألا رأيت أي علمت إن الله شرح صدر أبي بكر للقتال وفتح قلبه بالإلهام غيرة على أحكام الإسلام فعرفت أنه أي رأي أبي بكر أو القتال هو الحق وهذا إنصاف منه رضي الله عنه ورجوع إلى الحق عند ظهوره مع أنه مظهر نطق الحق ومنبع عين الصدق وبهذا يظهر كمال الصديق والفرق بينه وبين الفاروق حيث سلك الصديق طريق التدقيق وسبيل التحقيق على وفق التوفيق قال الطيبي المستثنى منه غير مذكور أي ليس الأمر شيئا من الأشياء الأعلمي بأن أبا بكر محق فهذا الضمير يفسره ما بعده نحو قوله تعالى إن هي إلا حياتنا الدنيا الأنعام متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله يكون كنز أحدكم وهو المال المكنوز أي المجموع أو المدفون من غير إخراج الزكاة وفي معناه كل مال حرام يوم القيامة شجاعا أي يصير حية وينقلب ويتصور أو يكون جزاؤه شجاعا أقرع يفر منه صاحبه أي صاحب الكنز أو صاحب الشجاع والإضافة لأدنى ملابسة وهو أي الشجاع يطالبه ولا يتركه حتى يلقمه من الألقام أصابعه لأن المانع الكانز يكتسب المال بيديه قال السيد جمال الدين وهو يحتمل احتمالين أحدهما أن يلقم الشجاع أصابع صاحب المال على أن يكون أصابعه بدلا من الضمير وثانيهما أن يلقم صاحب المال الشجاع أصابع نفسه أي يجعل أصابع نفسه لقمة الشجاع تأمل اه ولعل وجه


التأمل ما حققه الطيبي من بقية ما يتعلق بالحديث حيث قال ذكر فيما تقدم أن الشجاع يأخذ يلهزمتيه أي شدقيه وخص هنا بألقام الأصابع ولعل السر فيه أن المانع يكتسب المال بيديه ويفتخر بشدقيه فخصه بالذكر اه والأظهر أن يقال كل يعذب بما هو الغالب عليه ويحتمل أن مانع الزكاة يعذب بجميع ما مر في الأحاديث فيكون ماله تارة يجعل صفائح ويكوى بها وتارة يصور شجاعا أقرع يطوقه وتارة
يتبعه ويفر منه حتى يلقمه أصابعه والله أعلم رواه أحمد وعن ابن مسعود عن النبي ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل الله يوم القيامة في عنقه شجاعا ثم قرأ علينا مصداقه أي ما يصدقه ويوافقه من كتاب الله الظاهر أنه حال من مصداقه أو من بيان له وما بعده يدل بعض من الكل وأما جعل ابن حجر من للتبعيض فغير ظاهر كما لا يخفى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الآية وقد تقدمت وفيها سيطوقون ما يخلوا به يوم القيامة رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه قال ميرك بإسناد صحيح ورواه ابن خزيمة في صحيحه وعن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله يقول ما خالطت الزكاة مالا قط أي بأن يكون صاحب مال من النصاب فيأخذ الزكاة أو بأن لم يخرج من ماله الزكاة إلا أهلكته أي نقصته أو أفنته أو قطعت بركته قال الطيبي يحتمل محقته واستأصلته لأن الزكاة كانت حصنا له وأخرجته من كونه منتفعا به لأن الحرام غير منتفع به شرعا رواه الشافعي والبخاري في تاريخه والحميدي وزاد أي الحميدي قال أي البخاري أو في تفسير الحديث يكون قد وجب عليك صدقة فلا تخرجها فيهلك الحرام الحلال فكأنها تعينت واختلطت وقد احتج به من يرى تعلق الزكاة بالعين أي لا بالذمة وفيه أنه لا يظهر وجه الاستدلال مع احتمال الحقيقة والمجاز في مخالطة المال والحلال أن الحمل على الحقيقة إذا أمكن لا يجوز غيره من الاحتمال وإرادة الجمع بينهما من الممتنع عند أرباب الكمال ولذا قال الطيبي فإن قلت هذا الحديث ظاهر في معنى


المخالطة فإنها معنى ومبنى تستدعي شيئين
متمايزين يختلط أحدهما بالآخر فأين هذا المعنى من قول من فسرها بإهلاك الحرام الحلال قلت لما جعل الزكاة متعلقة بعين المال لا بالذمة جعل قدر الزكاة المخرج من النصاب معينا ومشخصا فيستقيم الخلط بما بقي من النصاب قلت هذا الكلام مع مصادرته المستلزمة للدور الحال منه التكلف الناشىء عن الاضطراب لا يخفى على ذوي البصائر وأولي الألباب والله أعلم بالصواب هكذا في المنتقى الظاهر أنه أراد قوله قد احتج وروى البيهقي في شعب الإيمان أي هذا الحديث عن أحمد بن حنبل بإسناده إلى عائشة وقال أحمد في خالطت أي في لفظ خالطت الواقع في صدر الحديث تفسيره أي معناه وتأويله قال الطيبي وهو مقول قول أحمد إن الرجل يأخذ الزكاة وهو موسر أو غني شك للراوي قال ابن حجر أو للتنويع بناء على أن الغني أخص من اليسار اه وهو محتاج إلى بيان ودليل وبرهان وإنما هي أي الزكاة للفقراء أي ولأمثالهم وغلبوا لأنهم أكثر من البقية أو لكون الفقر شرطا في غالب بقيتهم ولابن حجر هنا مباحث لا طائل تحتها فأعرضت عن ذكرها


باب ما تجب فيه الزكاة

الفصل الأول
عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ليس فيما دون خمسة أوسق جمع وسق بفتح الواو وسكون السين على ما في النهاية والقاموس وأما قول ابن حجر بفتح
أوله أفصح من كسره فغير مشهور والله أعلم به وهي ستون صاعا وكل صاع أربعة أمداد وكل مد رطل وثلث رطل عند الحجازيين وهو قول الشافعي وأبي يوسف وعند أبي حنيفة كل مد رطلان والرطل مائة وثلاثون درهما كذا ذكره ابن الملك قال الطيبي قيل الوسق حمل البعير كما أن الوقر حمل البعير والبغال وقدر بستين صاعا اه ويؤيده أنه ورد ستون صاعا في حديث صححه ابن حبان وحسنه المنذري لكن ضعفه النووي قال ابن الهمام وقال بعض أئمتنا خمسة أوسق قدر ثمانمائة من وكل من مائتا درهم وستون درهما من التمر بالتاء المثناة وفي رواية لمسلم بالمثلثة كذا حققه ابن الهمام صدقة قال المظهر هذا دليل لمذهب الشافعي وكذا الحال في الزبيب والحبوب وعند أبي حنيفة يجب في القليل والكثير من الحبوب والتمر والزبيب وغيرها من النبات قال الطيبي وإنما خصت هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لأن الأول والثالث باعتبار بلاد العرب والثاني عام وقال ابن الملك فيه حجة لأبي يوسف ومحمد في عدم وجوب حتى تبلغ خمسة أوسق وأوله أبو حنيفة بأن المراد منه زكاة التجارة لأن الناس كانوا يتبايعون بالأوساق وقيمة الوسق أربعون درهما وأما قول ابن حجر واستدل أصحابه لذلك بما لا يقاوم هذا الحديث بل ولا يقاربه فمردود بما سنذكره وليس فيما دون خمسة أواق بفتح الهمزة جمع أوقية بالهمزة المضمومة وتشديد الياء والجمع قد يشدد فيقال أواقي كبخاتي جمع بختية وقد يخفف ويقال أواق وهي أربعون درهما في الشرع وهي أوقية الحجاز وأهل مكة كذا ذكره ابن الملك وقال الطيبي كانت الأوقية قديما عبارة عن أربعين درهما وهي في غير الحديث نصف سدس الرطل وهي جزء من اثني عشر جزأ ويختلف باختلاف البلاد والهمزة زائدة قال ابن الهمام وهي من الوقاية


لأنها تقي صاحبها الحاجة وقال العسقلاني أواق بالتنوين وبإثبات التحتانية مشددا ومخففا جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء التحتانية وحكى وفيه بحذف الألف وفتح الواو اه وأما قول ابن حجر وهمزتها زائدة ومن ثمة جاء في حديث وقية فالظاهر أنه غير ثابت بدليل أن العسقلاني عبر عنه بحكي ثم مقدار الوقية في هذا الحديث أربعون درهما بالاتفاق من الورق بكسر الراء وسكونها أي الفضة مضروبة كانت أو غيرها صدقة والاقتصار عليها لأنها الأغلب وأما نصاب الذهب فعشرون مثقالا ولا زكاة فيما دونها وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة روي بالإضافة وروي بتنوين خمس فيكون ذود بدلا عنها لكن الرواية المشهورة هي الأولى والمراد منه خمس إبل من الذود لا خمس أذواد كذا في شرح المشارق لابن الملك قال الطيبي الذود من الابل قيل ما بين الاثنين إلى التسع وقيل ما بين الثلاث إلى العشرة واللفظ مؤنث لا واحد له من لفظه قال ابن الهمام وقد استعمل هنا في الواحد على نظير استعمال الرهط في قوله تعالى تسعة رهط اه وقال الطيبي قال أبو عبيد الذود من الاناث دون


الذكور والحديث عام لأن الزكاة تجب فيهما قيل أن إضافة الخمس إلى الذود من حقها أن تضاف إلى الجمع لأن فيه معنى الجمعية وقيل روى خمس منونا فيكون ذود بدلا عنه ومن الابل صفة مؤكدة لذود بخلاف الورق ومن التمر فإنها مميزتان متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة قال ابن الهمام رواه البخاري في حديث طويل ومسلم ولفظه ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق ثم أعاده من طريق آخر وقال في آخره غير أنه قال بدل تمر تمر بالمثلثة فعلم أن الأول بالمثناة وزاد أبو داود فيه الوسق ستون مختوما وابن ماجه والوسق ستون صاعا ولأبي حنيفة ما أخرجه البخاري عنه عليه الصلاة والسلام فيما سقت السماء والعيون أوكان عثريا العشر وفيما سقى بالنضج نصف العشر وروى مسلم عنه عليه الصلاة والسلام فيما سقت الأنهار والغيم العشر وفيما سقى بالنضج نصف العشر وفيه من الآثار أيضا ما أخرج عبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز قال فيما أنبتت الأرض من قليل وكثير العشر وأخرج نحوه عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحاصل أنه تعارض عام وخاص فمن يقدم الخاص مطلقا كالشافعي قال بموجب حديث الأوساق ومن يقدم العام أو يقول يتعارضان ويطلب الترجيح إن لم يعرف التاريخ وإن عرف فالمتأخر ناسخ وإن كان العام كقولنا يجب أن يقول بموجب هذا العام هنا لأنه لما تعارض مع حديث الأوساق في الإيجاب فيما دون الخمسة أوسق كان الإيجاب أولى للاحتياط فمن تم له المطلوب في نفس الأصل الخلافي تم له هنا ولولا خشية الخروج عن الغرض لأظهرنا صحته مستعينا بالله وإذا كان كذلك فهذا البحث يتم على الصاحبين لالتزامهما الأصل المذكور وما ذكروه من حمل مرويهما على زكاة التجارة طريقة الجمع بين الحديثين انتهى كلام المحقق ابن الهمام والله أعلم بالمراد وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ليس على المسلم قال ابن حجر يؤخذ منه إن شرط وجوب زكاة المال بأنواعها الإسلام ويوافقه قول الصديق في كتابه الآتي


على المسلمين قلت هذا حجة على من يقول إن الكفار مخاطبون بالشرائع في الدنيا بخلاف من يقول أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة بالنسبة للعقاب عليها في الآخرة كما أفهمه قوله تعالى فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وقالوا لم نك نطعم المسكين وعليه جمع من أصحابنا وهو الأصح عند الشافعية صدقة في عبده ولا في فرسه أي اللذين لم يعدا للتجارة وبه قال مالك والشافعي وغيرهما وأوجبها أبو حنيفة في أناثي الخيل دينارا في كل فرس أو يقومنها صاحبها ويخرج من كل مائتي درهم خمسة دراهم كذا ذكره ابن حجر وقال ابن الملك هذا حجة لأبي يوسف ومحمد في عدم وجوب الزكاة في الفرس وللشافعي في عدم وجوبها في الخيل والعبيد مطلقا في قوله القديم وذهب أبو حنيفة إلى وجوبها في الفرس والعبد إذا لم يكن للخدمة وحمل العبد على العبد للخدمة والفرس على فرس الغازي اه وفي فتاوى قاضيخان قالوا الفتوى على قولهما وههنا أبحاث شريفة ذكرها ابن الهمام فراجعه إن كنت تريد تحقيق الكلام قال ميرك أخرجه البخاري وفي رواية قال كذا في نسخة صحيحة أي النبي ليس في عبده صدقة إلا صدقة الفطر بالرفع على البدلية وبالنصب على الاستثنائية متفق عليه قال ميرك إلا قوله إلا صدقة الفطر فإنه من أفراد مسلم وعن أنس أن أبا بكر كتب له أي لأنس هذا الكتاب أي المكتوب الآتي لما وجهه أي حين أرسله أبو بكر إلى البحرين موضع معروف قريب البصرة سمى به لأنه بين بحرين بسم الله الرحمن الرحيم بدل من الكتاب بمعنى اسم المفعول وهو واضح لأن المراد كتب له هذه النقوش التي هي بسم الله إلخ هذه أي المعاني الذهنية الدالة عليها النقوش اللفظية الآتية فريضة الصدقة بالإضافة أي مفروضة الصدقة التي فرض رسول الله على المسلمين أي فرضها عليهم بأمره تعالى وقال الطيبي فرض أي بين وفصل اه وفيه إيماء إلى ما قال بعض المحققين إن الزكاة فرضت جملة بمكة وفصلت بالمدينة جمعا بين الأدلة إذ بعض الآيات المكية يدل على


وجوب الزكاة والتي عطف على التي عطف تفسير أي الصدقة التي أمر الله بها أي بتلك الصدقة رسول الله وفيه إرشاد إلى أن المستفاد من الأول لم ينشأ عن الإجتهاد بل عن أمر الله له بعينه ولا بدع أن يكون المأمور الإجمالي بالنص
وتفصيل الأمور بالإجتهاد كما في الصلاة والحج وغيرهما على ما هو الظاهر والمتبادر من قوله لتبين للناس ما نزل إليهم وكان الطيبي لاحظ هذا المعنى وفسر قوله فرض بقوله بين وفصل وغفل ابن حجر عن هذه النكتة فخلط بين التفسيرين حيث قال أي أوجبها وبينها وفصلها ثم تقدير الكلام على كل تقدير وتحرير وتقرير فإذا كانت الصدقة واجبة بأمر الله ومبينة بقول رسول الله فمن سئلها على بناء المفعول أي طلبها من المسلمين على وجهها حال من المفعول الثاني في سئلها أي كائنة على الوجه المشروع بلا تعد فليعطها بدليل قوله ومن سئل فوقها أي فوق حقها قال الطيبي أي أزيد من واجبها كمية أو كيفية وتكون المسئلة إجماعية إجمالا لا اجتهادية فإنها حينئذ يقدم الساعي فلا يعط أي شيئا من الزيادة أو لا يعط شيئا إلى الساعي بل إلى الفقراء لأنه بذلك يصير خائنا فتسقط طاعته وهذا يدل على أن المصدق إذا أراد أن يظلم المزكى فله أن يأباه ولا يتحرى رضاه ودل حديث جرير وهو قوله ارضوا مصدقيكم وإن ظلمتم على خلاف ذلك وأجاب الطيبي بأن اولئك المصدقين من الصحابة وهم لم يكونوا ظالمين وكان نسبة الظلم إليهم على زعم المزكى أو جريان على سبيل المبالغة وهذا عام فلا منافاة بينهما اه وقد يجاب بأن الأول محمول على الإستحباب وهذا محمول علء الرخصة والجواز أو الأول إذا كان يخشى التهمة والفتنة وهذا عند عدمهما في شرح السنة فيه دليل على إباحة الدفع عن ماله إذا طولب بغير حقه وفيه دليل على جواز إخراج صدقة الأموال الظاهرة بنفسه دون الإمام وفيه دليل على أن الإمام والحاكم إذا ظهر فسقهما بطل حكمهما اه وفي الأخير نظر إذ لا دلالة فيه أكثر مما إذا طلب منه أكثر مما


عليه لا يعطى الزائد بل يعطى الواجب وهذا صريح في بقاء ولايتهما وإن فسقا بطلب غير الواجب في أربع وعشرين قال الطيبي استئناف بيان لقوله هذه فريضة الصدقة وكأنه أشار بهذه إلى ما في الذهن ثم أتى به بيانا له قال ابن الملك في أربع خبر مبتدأ محذوف أي الواجب أو المفروض أو المعطى في أربع وعشرين من الإبل تميز قال ابن الهمام بدأ بها لأنها كانت جل أموالهم أو أنفسها فما دونها من الغنم بيان للأم في الواجب لأنه بمعنى الذي من كل خمس شاة أي الواجب من الغنم في أربع وعشرين إبلاء عن كل خمس إبل شاة وقال الطيبي من الأولى ظرف مستقر لأنه بيان لشاة توكيدا كما في قوله خمس ذود من الإبل والثانية لغو ابتدائية متصلة بالفعل المحذوف أي ليعط في أربع وعشرين شاة كائنة من الغنم لأجل كل خمس من الإبل وقيل من الغنم خبر لمبتدأ محذوف أي الصدقة في أربع وعشرين من الإبل من الغنم وقوله من كل خمس شاة مبتدأ أو خبر بيان للجملة المتقدمة وقال العسقلاني في شرح البخاري قوله من الغنم كذا للأكثر ووقع في رواية ابن السكن بإسقاط من وصوبها بعضهم وقال عياض من أثبتها فمعناه زكاتها أي الإبل من الغنم ومن للبيان لا للتبعيض ومن حذفها فالغنم مبتدأ والخبر مضمر في قوله في أربع وعشرين وإنما قدم الخبر لأن العرض بيان المقادير التي تجب فيها الزكاة وإنما تجب بعد وجود النصاب فحسن


التقديم كذا ذكره السيد جمال الدين فإذا بلغت أي الإبل أو الأربع والعشرون خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض قيل هي التي تمت لها سنة سميت بذلك لأن أمها تكون حاملا والمخاض الحوامل من النوق ولا واحد لها من لفظها بل واحدتها خلفة وإنما أضيفت إلى المخاض والواحدة لا تكون بنت نوق لأن أمها تكون في نوق حوامل تجاورهن تضع حملها معهن كذا حققه الطيبي وأما ما ذكره ابن الملك من أن أمها صارت مخاضا أي حاملا بأخرى فليس بسديد اللهم إلا أن يقال المخاض وجع الولادة فيكون التقدير ذات مخاض وإنما قال أنثى توكيدا كما قال تعالى نفخة واحدة الحاقة ولئلا يتوهم أن البنت ههنا والابن في ابن لبون كالبنت والابن في بنت طبق وابن آوى يشترك فيهما الذكر والأنثى كذا ذكره الطيبي وحاصله أن وصف البنت بالأنثى لئلا يتوهم أن المراد منه الجنس الشامل للذكر والأنثى كالولد إذ في غير الآدمي قد يطلق البنت والابن ويراد بهما الجنس كما في ابن عرس وبنت طبق وهي سلحفاة تبيض تسعا وتسعين بيضة على ما في القاموس ثم هذا الحكم مما أجمع عليه وأما روى عن علي أن فيها خمس شياه وفي ست وعشرين بنت مخاض فلم يصح كالخبر المروى في ذلك فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى وهي مالها سنتان وقال الطيبي أي التي دخلت في الثالثة سميت بها لأن أمها تكون ذات لبن ترضع به أخرى غالبا فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة بكسر الحاء وتشديد القاف أي مالها ثلاث سنين طروقة الجمل بفتح الطاء فعولة بمعنى مفعولة أي مركوبة للفحل والمراد أن الفحل يعلو مثلها في سنها وفي النهاية هي التي دخلت في الرابعة وسميت بذلك لأنها استحقت أن تركب وتحمل ويطرقها الجمل قيل فيه دلالة على أنه لا شيء في الأوقاص وهي ما بين الفريضتين فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة بفتح الجيم والذال المعجمة مالها أربع سنين وإنما سميت بذلك لأنها سقطت أسنانها والجذع


السقوط وقيل لتكامل أسنانها وقال التوربشتي يقال للإبل في السنة الخامسة أجذع وجذع اسم له في زمن ليس سن ينبت ولا يسقط والأنثى جذعة فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون في الحديث دليل على أن لا شيء في الأوقاص فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل قال ابن الهمام تقدير النصاب والواجب أمر توقيفي ثم قال وأعلم أن الواجب في الإبل هو
الإناث أو قيمتها بخلاف البقر والغنم فإنه يستوى فيهما الذكورة والأنوثة فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة قال القاضي دل الحديث على استقراء الحساب بعد ما جاوز العدد المذكور يعني أنه إذا زاد الإبل على مائة وعشرين لم تستأنف الفريضة وهو مذهب أكثر أهل العلم وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة تستأنف فإذا زادت على المائة والعشرين خمس لزم حقتان وشاة وهكذا إلى بنت مخاض وبنت لبون على الترتيب السابق واحتجوا بما روى عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه في حديث الصدقة فإذا زادت الإبل على عشر ومائة ترد الفرائض إلى أولها وبما روى أنه عليه الصلاة والسلام كتب كتابا لعمرو بن حزم في الصدقات والديات وغيرها وذكر فيه أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة وقد ذكر ابن الهمام في شرح الهداية كتب الصدقات من رسول الله منها كتاب الصديق ومنها كتاب عمر بن الخطاب أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه ومنها كتاب عمرو بن حزم أخرجه النسائي في الديات وأبو داود في مراسيله وقد بسط ابن الهمام الكلام على ما يتعلق بالمقام فراجعه إن كنت تريد تمام المراد ثم قال وفي شرح الكنز قد وردت أحاديث كلها تنص على وجوب الشاة بعد المائة والعشرين ذكرها في الغاية اه وبه يندفع ما قاله ابن حجر من أن الرواية بذلك لا تقاوم حديث البخاري فإنا نقول الحديث إذا تعددت طرقه وصح وله مسند منها يرجح على البخاري لا سيما وقد تعلق اجتهاد المجتهد قبل أن يخلق


الله البخاري ولا عبرة بالضعف الناشىء بعد المجتهد على تقدير وقوعه ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها أي مالكها وصاحبها أن يتطوع بها مبالغة في نفي الوجوب والإستثناء منقطع وقيل متصل إطلاقا للصدقة على الواجب والمندوب تأكيدا لما قبله كما فهم مما سبق فإذا بلغت خمسا ففيها شاة ومن بلغت عنده من الإبل يتعين إن من زائدة على مذهب الأخفش داخلة على الفاعل أي ومن بلغت إبله صدقة الجذعة بالنصب والإضافة قال الطيبي أي بلغت الإبل نصابا يجب فيه الجذعة اه وفي نسخة برفع صدقة بتنوينها ونصب الجذعة وفي نسخة بالإضافة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها أي القصة أو ألحقة أو ضمير مبهم تقبل منه الحقة تفسير ويجعل ضميره راجع إلى من معها أي مع الحقة للمستحقين شاتين أن استيسرتا له قال ابن حجر ذكرين أو أنثيين أو أنثى وذكر من الضأن مالها سنة ومن المعز مالها سنتان أو


عشرين درهما جبرا وعشر ضعيف قال الطيبي فيه دليل على جواز النزول والصعود من السن الواجب عند فقده إلى سن آخر يليه وعلى أن جبر كل مرتبة بشاتين أو عشرين درهما وعلى أن المعطي مخير بين الدراهم والشاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة بأن كانت ستا وأربعين وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة بدل من الضمير الذي هو اسم إن أو فاعل تقبل فالضمير للقصة ويعطيه المصدق أي العامل أو المستحق إن قبض لنفسه عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون اعرابه كما سبق وفي أصل ابن حجر فإنها أي بنت اللبون تقبل منه اه وهو مخالف لما في الأصول من ذكر بنت لبون بعد قوله تقبل منه ويعطى أي المالك شاتين أو عشرين درهما قال الطيبي رحمه الله فيه دليل على أن الخيرة في الصعود والنزول من السن الواجب إلى المالك اه وعلل بأنهما شرعا تخفيفا له ففوض الأمر إلى اختياره ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست أي بنت اللبون عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطى أي الصاحب معها أي مع بنت المخاض ومعها حال مما بعده لأنه صفة له تقدمت عليه عشرين درهما قال الطيبي أي عشرين درهما كائنة مع بنت المخاض فلما قدم صار حالا أو شاتين ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست أي بنت المخاض عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين فإن لم تكن بالتأنيث والتذكير عنده بنت مخاض على وجهها بأن فقدها حسا أو شرعا قال ابن الملك يحتمل معناه ثلاثة أوجه إما أن لا يكون عنده بنت مخاض أصلا أو لا تكون صحيحة بل مريضة فهي كالمعدومة أو لا تكون عنده بنت مخاض متوسطة بل له بنت مخاض على غاية الجودة وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه أي بدلا من بنت مخاض قهرا على الساعي وليس معه شيء أي لا يلزمه مع ابن لبون


شيء آخر من الجبران قال ابن الملك تبعا للطيبي رحمه الله وهذا يدل على أن فضيلة الأنوثة تجبر بفضل السن وفي صدقة الغنم قال ابن الهمام سميت به لأنه ليس له آلة الدفاع فكانت غنيمة لكل طالب ثم الضأن والماعز سواء في
الحكم خبر مقدم في سائمتها بدل بإعادة الجار أو حال أي لا في معلوفتها والسائمة هي التي ترعى في أكثر السنة قال ابن الهمام والسائمة التي ترعى ولا تعلف في الأهل وفي الفقه هي تلك مع قيد كون ذلك لقصد الدر والنسل حولا أو أكثر فلو أسميت أي الإبل للحمل والركوب لم تكن السائمة المستلزمة شرعا لحكم وجوب الزكاة بل لا زكاة فيها ولو أسامها للتجارة كان فيها زكاة التجارة لا زكاة السائمة اه وفي شرح السنة فيه دليل على أن الزكاة إنما تجب في الغنم إذا كانت سائمة فأما المعلوفة فلا زكاة فيها ولذلك لا تجب الزكاة في عوامل البقر والإبل عند عامة أهل العلم وإن كانت سائمة وأوجبها مالك في عوامل البقر ونواضح الإبل اه قال ابن حجر في حديث أبي داود الذي صححه الحاكم وحسنه الترمذي النص على السوم في الإبل أيضا وفي الخبر الصحيح ليس في البقر العوامل صدقة إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة مبتدأ فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه فإذا زادت على ثلثمائة أي وبلغت أربعمائة ذكره الطيبي وقال ابن الملك وقيل إذا زادت واحدة ففيها أربع اه وفي شرح السنة معناه أن تزيد مائة أخرى فتصير أربعمائة فيجب أربع شياه وهو قول عامة أهل العلم وقال الحسن بن صالح إذا زادت على ثلثمائة واحدة ففيها أربع شياه اه وبه قال النخعي ففي كل مائة شاة فإذا كانت سائمة الرجل وكذا المرأة ناقصة من أربعين شاة تمييز واحدة بالنصب إما على نزع الخافض أي بواحدة أو مفعول ناقصة أو عطف بيان لها وبالرفع على تقدير وهي واحدة من أربعين شاة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها أي تطوعا ولا تخرج على بناء


المجهول في الصدقة أي الزكاة هرمة بكسر الراء أي التي أضربها كبر السن وقال ابن الملك كالمريضة ولا ذات عوار بفتح العين ويضم أي صاحبة عيب ونقص كذا في النهاية وقال ابن حجر فهو من عطف العام إذ العيب يشمل المرض والهرم وغيرهما ومن فسرهما بالنقص والعيب أراد التأكيد إذا النقص والعيب متحدان اه والصحيح أن العيب أعم من النقص مع أن الهرم ليس معيبا في اللغة ولو كان معيبا في الشرع وقال ابن الملك هذا إذا كان كل ماله أو بعضه سليما فإن كان كله معيبا فإنه يأخذ واحدا من وسطه ولا تيس أي فحل الغنم قال الشراح أي إذا كانت كل الماشية أو بعضها إناثا لا يؤخذ الذكر إلا في


موضعين ورد بهما السند الأول أخذ التبيع من ثلاثين من البقر والثاني أخذ ابن اللبون من خمس وعشرين من الإبل مكان بنت المخاض عند عدمها فأما إذا كانت ماشيته كلها ذكورا فيؤخذ الذكر وقيل لا يؤخذ التيس لأن المالك يقصد منه الفحولة فيتضرر بإخراجه وقال بعضهم لنتنه وفساد لحمه فهو مرغوب عنه وقال القاضي لأن الواجب هي الأنثى إلا ما شاء المصدق بتخفيف الصاد وتشديد الدال وروى أبو عبيد بفتح الدال وهو المالك وجمهور المحدثين بكسرها وهو العامل فعلى الأول يختص الإستثناء بقوله ولا تيس إذ ليس للمالك أن يخرج ذات عور في صدقته وعلى الثاني معناه أن العامل يأخذ ما شاء مما يراه أصلح وأنفع للمستحقين فإنه وكيلهم ويحتمل تخصيص ذلك بما إذا كانت المواشي كلها معيبة هذا كلام الشراح قال الطيبي هذا إذا كان الإستثناء متصلا ويحتمل أن يكون منقطعا والمعنى لا يخرج المزكى الناقص والمعيب لكن يخرج ما شاء المصدق من السليم والكامل وقال ابن حجر وقيل بتشديدها أي المالك بأن تمحضت ماشيته كلها معيبة أو ذكورا فالإستثناء متصل راجع للكل أيضا وعجيب ممن حمله إلى المالك وجعله راجعا إلى التيس فقط اه وهو غير متجه عند التحقيق وبالله التوفيق ولا يجمع نفي مجهول بين متفرق ولا يفرق بالتشديد ويخفف بين مجتمع خشية الصدقة نصب على العلة راجعة إليهما أي مخافة تقليلها وتكثيرها قاله الطيبي أو خشية فوت الصدقة وتقليلها قال بعضهم والحاصل أن التقدير خشية وجوب الصدقة أو كثرتها إن رجع للمالك وخشية سقوط الصدقة أو قلتها إن رجع إلى الساعي قال بعض علمائنا النهي للساعي عن جمع المتفرقة مثل أن يجمع أربعين شاة لرجلين لأخذ الصدقة وتفريق المجتمعة مثل أن يفرق مائة وعشرين لرجل أربعين أربعين ليأخذ ثلاث شياه وهذا قول أبي حنيفة والنهي للمالك أن يجمع أربعينه مثلا إلى أربعين لغيره لتقليل الصدقة وأن يفرق عشرين له مخلوطة بعشرين لغيره لسقوطها وهذا قول الشافعي وفي شرح السنة


هذا نهي للمالك والساعي جميعا نهى رب المال عن الجمع والتفريق قصدا إلى تكثير الصدقة قال الطيبي ويتأتى هذا في صور أربع أشار إليها القاضي بقوله الظاهر أنه نهي للمالك عن الجمع والتفريق قصد إلى سقوط الزكاة أو تقليلها كما إذا كان له أربعون شاة فيخلطها بأربعين لغيره ليعود واجبة من شاة إلى نصفها وكما إذا كان له عشرون شاة مخلوطة بمثلها ففرقها لئلا يكون نصابا فلا يجب شيء وهو قول أكثر أهل العلم وقد نهى الساعي أن يفرق المواشي على المالك فيزيد الواجب كما إذا كان له مائة وعشرون شاة وواجبها شاة ففرقها الساعي أربعين أربعين ليأخذ ثلاث شياه وأن يجمع بين متفرق لتجب فيه الزكاة أو تزيد كما إذا كان لرجلين أربعون شاة متفرقة فجمعها الساعي ليأخذ شاة أو كان لكل واحد منهما مائة وعشرون فجمع بينهما ليصير الواجب ثلاث شياه وهو قول من لم يعتبر الخلطة ولم يجعل لها تأثيرا كالثوري وأبي حنيفة قال الطيبي رحمه الله وظاهر قوله وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية يعضد الوجه الأول اه وهو مدفوع إذ يتصور في المشاركة أيضا وقوله بالسوية أي


بالعدالة بمقتضى الحصة فيشمل أنواع المشاركة ولا يحتاج إلى ما قاله ابن حجر رحمه الله من أنه خرج مخرج الغالب إن الشركة تكون مناصفة قال ابن الملك مثل إن كان بينهما خمس إبل فأخذ الساعي وهي في يد أحدهما شاة فإنه يرجع على شريكه بقيمة حصته على السوية وفيه دلالة على أن الساعي إذا ظلم وأخذ منه زيادة على فرضه فإنه لا يرجع على شريكه وقال بعض الشراح من علمائنا قوله ما كان الخ أي الواجب الذي أخذه الساعي من الخليطين فإنهما يتراجعان أما الرجوع على مذهب أبي حنيفة وهو القائل بأن لا تأثير للخلطة في حكم الصدقة والمعتبر هو الملك خلافا للشافعي فمثل أن يأخذ الساعي شاتين من جملة مائة وعشرين شائعة بين رجلين أثلاثا قبل الأغنام فالمأخوذ من صاحب الثلثين شاة وثلث وواجبه في الثمانين شاة والمأخوذ من صاحب الثلث ثلثا شاة وواجبه في أربعين شاة فصاحب الثلثين يرجع بالسوية على صاحبه بثلث شاة حتى ترجع حصته من ثمانين شاة إلى تسع وسبعين وحصة صاحبه من أربعين إلى تسع وثلاثين وأما على مذهب الشافعي فمثل أن يكون لأحد الخليطين خلطة الجوار ثلاثون بقرا وللآخر أربعون وأخذ الساعي تبيعا من صاحب الثلثين وسنة من صاحب الأربعين فيرجع الأول بأربعة أسباع تبيع على الثاني ويرجع الثاني بثلاثة أسباع المسنة على الأول ولو أخذ بالعكس رجعا بالعكس وإن أخذ من أحدهما رجع على صاحبه بحصته وفي خلطة الشيوع يرجع إن لم يكن المأخوذ من جنس المال وإلا فلا انتهى كلامه قال ابن الهمام وقد اشتمل كتاب الصديق وكتاب عمر على هذه الألفاظ وهي ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع مخافة الصدقة ولا بأس ببيان المراد إذا كان مبنى بعض الخلاف وذلك إذا كان النصاب بين شركاء وصحت الخلطة بينهم باتحاد المسرح والمراح والراعي والفحل والمحلب تجب الزكاة فيه عنده أي عند الشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام لا يجمع بين متفرق الحديث وفي


عدم الوجوب تفريق المجتمع وعندنا لا يجب وإلا لوجبت على كل واحد فيما دون النصاب لنا هذا الحديث ففي الوجوب الجمع بين الأملاك المتفرقة إذ المراد الجمع والتفريق في الأملاك لا الأمكنة ألا يرى أن النصاب المفرق في أمكنة مع وحدة الملك يجب فيه ومن ملك ثمانين شاة ليس للساعي أن يجعلها نصابين بأن يفرقها في مكانين فمعنى لا يفرق بين مجتمع أنه لا يفرق الساعي بين الثمانين مثلا أو المائة والعشرين ليجعلها نصابين وثلاثة ولا يجمع بين متفرق أي لا يجمع مثلا بين الأربعين المتفرقة بالملك بأن تكون مشتركة ليجعلها نصابا والحال أن الكل عشرين قال وما كان بين خليطين الخ قالوا أراد به إذا كان بين رجلين إحدى وستون مثلا من الإبل لأحدهما ست وثلاثون وللآخر خمس وعشرون فأخذ المصدق منها بنت لبون وبنت مخاض فإن كل واحد يرجع على شريكه بحصة ما أخذه الساعي من ملكه زكاة شريكه والله أعلم وعلى هذا فالمراد من قوله مخافة الصدقة مخافة ثبوت الصدقة فيما لا صدقة فيه أي


لا يفعل ذلك التفريق والجمع كيلا تثبت الصدقة فيما لا صدقة فيه واجبة كما لو فرق بين الثمانين حيث تجب ثنتان والواجب فيها ليس إلا واحدة أو جمع بين العشرين لرجلين لتجب واحدة والواقع أن لا وجوب فيها وفي الرقة بكسر الراء وتخفيف القاف أي الدراهم المضروبة أصله ورق وهو الفضة حذف منه الواو وعوض عنها التاء كما في عدة ودية ربع العشر بضم الأول وسكون الثاني وضمهما فيهما يعني إذا كانت الفضة مائتي درهم فربع العشر خمسة دراهم ومر أن الاقتصار عليها للغالب قال الزركشي عن ابن عبد البر لا يصح خبر الدينار أي المثقال أربعة وعشرون قيراطا قال هذا وإن لم يصح ففي قول جماعة من العلماء به وإجماع الناس على معناه ما يغني عن الإسناد فيه قال ابن حجر والمثقال اثنان وسبعون حبة من حب العشير المعتدل وخمسا حبة والدرهم خمسون حبة وخمسا حبة فالتفاوت بينه وبين المثقال ثلاثة أعشار المثقال اه والذي ذكره علماؤنا أن عشرة دراهم زنة سبعة مثاقيل والمثقال عشرون قيراطا والقيراط خمس شعيرات متوسطات فإن لم تكن أي الرقة التي عنده إلا تسعين أي درهما ومائة أي دراهم والمعنى إذا كانت الفضة ناقصة عن مائتي درهم فليس فيها شيء أي لا يجب إجماعا إلا أن يشاء ربها أي يريد أن يعطي مالكها على سبيل التبرع فإنه لا مانع له فيها في شرح السنة هذا يوهم إنها إذا زادت على ذلك شيئا قبل أن تتم مائتين كانت فيه الصدقة وليس الأمر كذلك وإنما ذكر تسعين لأنه آخر فصل من فصول المائة والحساب إذا جاوز المائة كان تزكية بالفصول والعشرات والمئات والألوف فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين بدليل قوله ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة قال الطيبي أراد أن دلالة هذا الحديث على أقل ما نقص من النصاب إنما يتم بحديث ليس فيما دون خمس أواق صدقة ويسمى هذا في الأصول النص المقيد بمفارقة نص آخر وينصره الحديث الآتي عن علي رضي الله عنه وليس في تسعين ومائة


شيء فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم ونحوه قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف فإنه يدل على أن أقل الحمل ستة أشهر ولكن إذا ضم معه قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين البقرة رواه البخاري قال ميرك مقطعا في عشرة مواضع وهو كتاب مستفيض مشهور رواه أبو داود والنسائي وأحمد والدارقطني وقال ابن الهمام رواه البخاري في ثلاثة أبواب ورواه أبو داود في سننه حديثا واحدا وزاد فيه وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية وقد يوهم


لفظ بعض الرواة فيه الإنقطاع لكن الصحيح أنه صحيح قاله البيهقي وأخرج الدارقطني من حديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه السلام كان يأخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار ومن الأربعين دينارا دينارا وعن عبد الله بن عمر عن النبي قال فيما سقت السماء أي المطر والسيل والأنهار والعيون بالضم والكسر أو كان عثريا بفتح العين والمثلثة المفتوحة المخففة وقيل بالتشديد وغلط وقيل بإسكانها وهو ضعيف في النهاية هو من النخل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة وقيل هو العذى وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر قال القاضي والأول ههنا أولى لئلا يلزم التكرار وعطف الشيء على نفسه أي الثاني هو المشهور وإليه ذهب التوربشتي وقيل ما يزرع في الأرض تكون رطبة أبدا لقربها من الماء من عثر على الشيء يعثر عثورا وعثرا أي طلع عليه لأنه تهجم على الماء فنسب إلى العثرة العشر أي يجب عشره وما سقى بالنضح أي وفيما سقى ببعير أو ثور أو غير ذلك من بئر أو نهر والنضح في الأصل مصدر بمعنى السقي في النهاية والنواضح هي الإبل التي يستقى عليها والواحد ناضح اه وقال ابن حجر والأنثى ناضحة اه وفيه بحث ويسمى هذا الحيوان سانية نصف العشر لما فيه من المؤنة رواه البخاري قال ميرك ورواه الأربعة اه وجاء في خبر مسلم فيما سقت الأنهار والغيم أي المطر عشر وفيما سقى بالسانية نصف العشر وفي حديث أبي داود بسند صحيح فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا أي ما يشرب بعروقه لقربه من الماء العشر وفيما سقى بالسواني أو النضح نصف العشر وعن أبي هريرة قال قال رسول الله العجماء أي البهيمة وهي في الأصل تأنيث الأعجم وهو الذي لا يقدر على الكلام سمي بذلك لأنها تتكلم جرحها بضم الجيم وفتحها المفهوم من النهاية نقلا عن الأزهري إنه بالفتح لا غير لأنه مصدر وبالضم الجراحة


والمراد إتلافها قال عياض إنما عبر بالجرح لأنه الأغلب وقيل هو مثال نبه به على ما عداه جبار بضم الجيم أي هدر قال الطيبي ولا بد من تقدير مضاف ليصح حمل المبتدأ على الخبر أي فعل العجماء هدر باطل اه وهو غفلة عن وجود جرحها فإنها معه لا تحتاج إلى تقدير نعم الجملتان المتأخرتان تحتاجان إلى تقدير كما لا يخفى يعني إذا أتلفت البهيمة شيئا ولم يكن معها قائد ولا سائق وكان نهارا فلا ضمان وإن كان معها أحد فهو ضامن لأن الإتلاف حصل بتقصيره وكذا إذا كان ليلا لأن المالك قصر في ربطها إذ العادة أن تربط الدواب ليلا وتسرح نهارا كذا ذكره الطيبي وابن الملك والبئر بهمز ويبدل جبار أي البئر المحفورة بلا تعد إذا وقع فيها أحد أوانها على الحافر فلا ضمان على الحافر في الأول وللأمر في الثاني والمعدن جبار كالبئر في الوجهين قال ابن الملك إذا حفر أحد بئرا في ملكه أو موات ووقع فيها أحد أو دابة لا ضمان على حافرها أما إذا حفر على الطريق أو في ملك الغير بغير إذنه فالضمان على عاقلة الحافر وكذا إذا حفر واحد موضعا فيه ذهب أو فضة ليخرج منه ووقع فيه أحد أو دابة لا ضمان عليه لأنه غير متعد وكذلك الفيروزج والطين وغير ذلك وقال الطيبي رحمه الله إذا استأجر حافرا لحفر البئر واستخراج المعدن فانهار عليه لا ضمان وكذا إذا وقع فيه إنسان فهلك إن لم يكن الحفر عدوانا وإن كان ففيه خلاف وفي الركاز بكسر الراء الخمس قال الطيبي الركاز المعدن عند أهل العراق من أصحاب أبي حنيفة لما روى أنه عليه الصلاة والسلام سئل عنه فقال الذهب الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت ودفين أهل الجاهلية عند أهل الحجاز وهو الموافق لاستعمال العرب والمناسب لوجوب الخمس فيه قيل والمعنى الأول أنسب بذكر انهيار المعدن وقال ابن الملك اللغة تحتملها لأن كلا مركوز في الأرض أي ثابت ويقال ركزه أي دفنه قيل الحديث على رأى الحجاز وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه قال ابن


الهمام الركاز يعم المعدن والكنز لأنه من الركز مرادا به المركوز أعم من كون راكزه الخالق أو المخلوق فكان إيجابا فيهما ولا يتوهم عدم إرادة المعدن بسبب عطفه عليه بعد إفادة إنه جبار أي هدر لا شيء فيه وإلا لتناقض فإن الحكم المعلق بالمعدن ليس هو المعلق به في ضمن الركاز ليختلف بالسلب والإيجاب إذ المراد به أن إهلاكه أو الهلاك به للأجير الحافر له غير مضمون لا أنه لا شيء فيه نفسه وإلا لم يجب شيء أصلا وهو خلاف المتفق عليه إذ الخلاف إنما هو في كميته لا في أصله وأما ما روي عن أبي هريرة أنه قال قال رسول الله في الركاز الخمس قيل وما الركاز يا
رسول الله قال الذهب الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت الأرض رواه البيهقي وذكره في الإمام فهو وإن سكت عنه في الإمام مضعف بعبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري ثم اعلم أن المستخرج من المعدن ثلاثة أنواع جامد يذوب وينطبع كالنقدين والحديد ونحوه وما ليس بجامد كالماء والقير والنفط وجامد لا ينطبع كالجص والنورة والزرنيخ وسائر الأحجار كالياقوت والملح ولا يجب الخمس إلا في النوع الأول وعند الشافعي لا يجب إلا في النقدين متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة
الفصل الثاني


عن علي قال قال رسول الله قد عفوت عن الخيل والرقيق أي إذا لم يكونا للتجارة وفي الخيل السائمة خلاف تقدم قال الطيبي عفوت مشعر بسبق ذنب من إمساك المال عن الإنفاق أي تركت وجاوزت عن أخذ زكاتهما مشيرا إلى أن الأصل في كل مال أن تؤخذ منه الزكاة اه وفيه إيماء إلى أن الأمر مفوض إليه عليه الصلاة والسلام والمعنى إذا عفوت عنهما وعن أمثالهما مما هو أكثر الأموال فهاتوا صدقة الرقة أي زكاة الفضة وهي قليلة من كل أربعين درهما درهم وليس في تسعين ومائة شيء بيان للنصاب فإذا بلغت أي الرقة مائتين ففيها أي بعد حول أي الواجب خمسة دراهم رواه الترمذي وأبو داود في رواية لأبي داود عن الحارث الأعور أي ابن عبد الله الهمداني قال الطيبي هو أبو زهير وهو ممن اشتهر بصحبة علي وقيل لم يسمع عنه إلا أربعة أحاديث وقد تكلم فيه الأئمة عن علي قال زهير بالتصغير أحد رواة الحديث أحسبه أي أظنه مرويا عن النبي أنه قال أي علي أو النبي قال ابن الهمام روى أبو داود عن عاصم بن ضمرة والحارث عن زهير قال أحسبه قال ورواه الدارقطني مجزوما ليس فيه قال زهير قال ابن القطان هذا سند صحيح هاتوا أي


في كل حول ربع العشر أي من الفضة وبيانه من كل أربعين درهما وليس عليكم شيء أي من الزكاة حتى تتم بالتأنيث والتذكير أي تبلغ أي الرقة أو الورق مائتي درهم قال الطيبي نصبه على الحالية أي بالغة مائتين كقوله تعالى فتم ميقات ربه أربعين ليلة فإذا كانت أي الرقة أو الورق مائتي درهم قال ابن الهمام سواء كانت مسكوكة أو لا وفي غير الذهب والفضة لا تجب الزكاة ما لم تبلغ قيمته نصابا مسكوكا من أحدهما لأن لزومهما مبني على التقوم والعرف أن يقوم بالمسكوك وكذا نصاب السرقة احتياطا للدرء ففيها أي حينئذ خمسة دراهم فما زاد أي على أقل نصاب فعلى حساب ذلك أي يؤدي زكاته كما علم من الأول أيضا وأعيد هنا لمزيد التأكيد لما جبلت النفوس عليه من الشح ومنع الزكاة قال الطيبي دل على أنه لا عفو في الدراهم وقال ابن الملك وهذا يدل على أنه تجب الزكاة في الزائد على النصاب بقدره قل أو كثر وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا زكاة في الزائد عليه حتى يبلغ أربعين درهما وحمل الحديث على أن يكون الزائد على المائتين هو الأربعين جمعا بين الأحاديث قال ميرك إن الرواية الأولى من حديث علي رواها أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق عاصم بن ضمرة عنه قال الشيخ الجزري وعاصم تكلم فيه لكن قال الشيخ ابن حجر إسناده حسن والرواية الثانية رواها أبو داود من حديث عاصم المذكور والحرث وتكلموا فيهما وذكر أبو داود أن الحديث روى موقوفا اه أقول وثق عاصما المذكور ابن معين وابن المديني والعجلي وأحمد بن حنبل وقال النسائي ليس به بأس وقال الشيخ ابن حجر صدوق وقال الذهبي هو وسط وأما الحارث فالأكثرون على تضعيفه وقوى أمره بعضهم ولحديثه شواهد في الأحاديث الصحيحة وليس فيه ما يخالف حديث الثقات إلا قوله فما زاد فعلى حساب ذلك اه قال الطيبي ورواية الحارث والأعور ليست في المصابيح ورواها أبو داود وليس في رواية الترمذي وأبي داود فما زاد فعلى حساب ذلك وفي الغنم في


كل أربعين بدل من في الغنم بإعادة الجار شاة تمييز للتأكيد كما في قوله تعالى ذرعها سبعون ذراعا الحاقة قال الطيبي وليس شاة ههنا تمييزا مثله في قوله في كل أربعين درهما درهم لأن درهما بيان مقدار الواحد من أربعين ولا يعلم هذا من الرقة فيكون شاة هنا لمزيد التوضيح ونظر فيه ابن حجر شاة مبتدأ مؤخر وفي الغنم خبره ثم الظاهر أن لفظ كل زائدة أو المراد بها استغراق أفراد الأربعين ليفيد تعلق الزكاة بكل من أربعين أو الواجب شاة مبهمة قال ابن الصلاح وظواهر الأحاديث تدل للثاني والحاصل أنها ليست مثلها في كل أربعين درهما درهم وإلا لفسد المعنى إذ لا تتكرر الزكاة هنا يتكرر الأربعين إجماعا ثم لا شيء فيما زاد على الأربعين إلى عشرين ومائة فإن زادت واحدة فشاتان إلى مائتين فإن زادت أي واحدة والغنم على مائتين فثلاث شياه إلى ثلثمائة


فإذا وفي نسخة فإن زادت أي الشاة على ثلثمائة أي وبلغت أربعمائة ففي كل مائة شاة فإن لم تكن بالتأنيث والتذكير إلا تسع وثلاثون فليس عليك فيها شيء وفي البقر في كل ثلاثين أي بقرا تبيع أي ماله سنة وسمى به لأنه يتبع أمه بعد والأنثى تبيعه وفي الأربعين أي من البقر مسنة أي ماله سنتان وطلع سنها قال ابن الهمام لا تتعين الأنوثة في هذا الباب ولا في الغنم بخلاف الإبل لأنها لا تعد فضلا فيهما بخلاف الإبل ثم قال ابن حجر ولا شيء فيما زاد على الأربعين حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان ثم يتغير الفرض بزيادة عشر فعشر ففي كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع اه وهو رواية أسد بن عمرو عنه وهو قول أبي يوسف ومحمد لقول معاذ في البقر لا شيء في الأوقاص سمعته من رسول الله وأما على قول الإمام ففيما زاد يحسب إلى ستين وفيها ضعف ما في ثلاثين ففي الواحدة ربع عشر مسنة أو ثلث عشر تبيع وعلى هذا لأنه لا نص في ذلك ولا يجوز نصب النصب بالرأي فيجب بحسابه وهذا هو المعتمد في المذهب عند صاحب الهداية ومن تبعه وليس على العوامل ولو بلغت نصابا شيء فعلى بمعنى في أو التقدير على صاحب العوامل وهي جمع عاملة من البقر والإبل في الحرث والسقي وفي المسألة خلاف مالك ذكره الطيبي وفي معناه الحوامل قال ابن الهمام ثم لا يخفى أن العوامل تصدق على الحوامل والمثيرة فالنفي عنها نفي عنها وقد روى في خصوص اسم المثيرة حديث مضعف في الدارقطني ليس في المثيرة صدقة قال البيهقي الصحيح أنه موقوف اه والمثيرة على ما في البقر تثير الأرض ثم الظاهر من الحديث كما اقتضاه السياق أن العوامل من البقر وقد صرح بها في رواية صحيحة ومع ذلك يلحق بها الإبل قياسا وإن أسامها المالك كل الحول قال ابن حجر ومدة العمل المؤثرة نحو ثلاثة أيام في السنة اه وفيه بحث والظاهر أن العبرة بالغلبة وعن معاذ بالضم أن النبي لما وجهه أي جعله متوجها إلى اليمن عاملا على الزكاة وغيرها أمره أن يأخذ من


البقر وفي نسخة من البقرة والمراد الجنس قال ابن الهمام البقر من بقر إذا شق سمى به لأنه يشق الأرض وهو اسم جنس والتاء في بقرة للوحدة فيقع على الذكر والأنثى لا للتأنيث من كل ثلاثين أي بقرة تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين
مسنة يعني أو مسنا رواه أبو داود والترمذي والنسائي والدارمي قال ميرك وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي سن وذكر أن بعضهم رواه مرسلا وقال هذا أصح قاله الشيخ الجزري وقال الشيخ ابن حجر زعم ابن بطال أن حديث معاذ هذا متصل صحيح وفيه نظر لأن مسروقا راويه عن معاذ لم يلق معاذا وإنما حسنه الترمذي بشواهده ففي الموطأ من طريق طاووس عن معاذ نحوه وطاووس عن معاذ منقطع أيضا وفي الباب عن علي عند أبي داود أيضا كأنه يشير إلى الحديث قبله وقال ابن الهمام أخرج أصحاب السنن الأربعة عن مسروق عن معاذبن جبل كان رسول الله لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة ومن كل حالم يعني محتلما دينارا أو عدله من المغافر ثياب تكون باليمن حسنه الترمذي ورواه بعضهم مرسلا وهذا أصح ويعني بالدينار من الحالم الجزية ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأعله عبد الحق بأن مسروقا لم يلق معاذا وصرح ابن عبد البر بأنه متصل وأما ابن حزم فقال في أول كلامه أنه منقطع وإن مسروقا لم يلق معاذا وقال في آخره وجدنا حديث مسروق إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر ومسروق عندنا بلا شك أدرك معاذا بسنة وعقله وشاهد أحكامه يقينا وأفتى في زمن عمر رضي الله عنه وأدرك النبي وهو رجل كان باليمن أيام معاذ ينقل الكافة من أهل بلده عن معاذ في أخذه لذلك على عهد النبي اه وحاصله أنه يجعل بواسطة بينه وبين معاذ وهو ما فشا من أهل بلده أن معاذا أخذ كذا وكذا والحق قول ابن القطان أنه يجب أن يحكم بحديثه عن معاذ على قول الجمهور في الإكتفاء بالمعاصرة ما لم يعلم عدم


اللقاء وأما على ما شرطه البخاري وابن المديني من العلم باجتماعهما ولو مرة فكما قال ابن حزم والحق خلافه وعلى كلا التقديرين يتم الإحتجاج به على ما وجهه ابن حزم اه كلام المحقق والله الموفق وبهذا يتحقق إن ما جزم به ابن حجر بقوله وهو صحيح غير صحيح على إطلاقه ثم قال ورواه الدارقطني والبزار من حديث بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاووس عن ابن عباس قال بعث رسول الله معاذا إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة قالوا فالأوقاص قال ما أمرني رسول الله فيها بشيء وسأله إذا قدمت عليه فلما قدم علي رسول الله سأله فقال ليس فيها شيء قال المسعودي والأوقاص ما بين الثلاثين إلى أربعين والأربعين إلى ستين وفي السند ضعف وفي المتن أنه رجع فوجده حيا وهو موافق لما في معجم الطبراني وفي سنده مجهول وفيه أي في معجم الطبراني حديث آخر أن معاذا قال


بعثني رسول الله أصدق أهل اليمن فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة وفي الستين مسنة وتبيعا وأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن تبلغ مسنة أو جذعا وهو مرسل واعترض أيضا بأن معاذا لم يدركه عليه الصلاة والسلام حيا وفي الموطأ عن طاووس أن معاذا الحديث وفيه فتوى النبي قبل أن يقدم معاذ وطاووس لم يدرك معاذا وأخرج في المستدرك عن ابن مسعود قال كان معاذ بن جبل شابا جميلا حليما سمحا من أفضل شباب قومه ولم يكن يمسك شيئا ولم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين فلزمه غرماؤه حتى تغيب عنهم أياما في بيته فاستأذنوا عليه رسول الله فأرسل في طلبه فجاء ومعه غرماؤه فساق الحديث إلى أن قال فبعثه إلى اليمن قال له لعل الله أن يجبرك ويؤدي عنك دينك فخرج معاذ إلى اليمن فلم يزل به حتى توفي رسول الله ثم رجع معاذا الحديث بطوله قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين وفي مسند أبي يعلى أنه ندم فسجد للنبي فقال له النبي يا معاذ ما هذا قال وجدت اليهود والنصارى باليمن يسجدون لعظمائهم وقالوا هذه تحية الأنبياء فقال عليه الصلاة والسلام كذبوا على أنبيائهم لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها وفي هذا أن معاذا أدركه عليه الصلاة والسلام حيا اه ولعل الجمع بتعدد الواقعة والله أعلم وعن أنس قال قال رسول الله المعتدي أي الساعي المتجاوز عن قدر الواجب في الصدقة أي في أخذها كمانعها أي في الوزر وقيل المالك المتعدي بكتم بعضها أو وصفها على الساعي حتى أخذ منه ما لا يجزئه أو ترك عنه بعض ما هو عليه كمانعها من أصلها في الإثم وفيه أن المعتدى بما ذكر مانع حقيقة فكيف يصح التشبيه ودفع بأنه لما كان هذا المخادع في صورة المعطى حيث لم يطلق عليه عرفا أنه مانع فشبه به ليعلم قبح ما هو عليه وقيل المعتدي هو الذي يعطيها غير مستحقها وقيل أراد الساعي إذا أخذ خيار المال فإن المالك ربما يمنعها في السنة


الأخرى فكان ظلما للفقراء فيكون هو في الإثم كالمانع وقيل هو الذي يجاوز الحد في الصدقة بحيث لا يبقي لعياله شيئا وقيل هو الذي يعطي ويمن ويؤذي فالإعطاء مع المن والأذى كالمنع عن أداء ما وجب عليه قال تعالى قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى في شرح السنة معنى الحديث أن على المعتدى في الصدقة من الإثم ما على المانع فلا يحل لرب المال كتمان المال وإن اعتدى عليه الساعي قال الطيبي يريد أن المشبه به في الحديث ليس بمطلق بل مقيد بقيد الإستمرار في المنع فإذا فقد


القيد فقد التشبيه رواه أبو داود والترمذي قال ميرك ورواه ابن ماجه كلهم من طريق سعد بن سنان وقال الترمذي غريب من هذا الوجه وقد تكلم أحمد بن حنبل في سعد بن سنان اه وهو كندي بصري تكلم فيه غير واحد قال الترمذي لم يروه غيره وهو ضعيف وعن أبي سعيد الخدري إن النبي قال ليس في حب ولا تمر أي ولا زبيب صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق تقدم بيانه رواه النسائي قال ميرك بل رواه مسلم أيضا فكان ينبغي إيراده في الفصل الأول وعن موسى وهو أبو عيسى ابن طلحة أي ابن عبد الله التيمي القرشي أحد العشرة المبشرة تابعي سمع أباه وجماعة من الصحابة قال عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي قال بعضهم أخذا من كلام الطيبي إن تعلق عن النبي بقوله عن موسى بن طلحة كان الحديث مرسلا لأنه تابعي ويكون قوله قال عندنا كتاب معاذ بن جبل معترضا ولا معنى له قلت بل معناه إن كتابه بهذا المضمون أو موافق للرواية لفظا ومعنى ويؤيده قوله قال ويقويه قول المؤلف مرسل قال وإن تعلق بقوله عندنا كتاب معاذ كان حالا من ضمير كتاب في الخبر أي صادرا عن النبي فلا يكون الحديث مرسلا بل يكون هذا وجادة اه لكن يتوقف كونه وجادة على ثبوت كون الكتاب بخط معاذ واشترطوا فيها الأذن بالرواية وحينئذ هو من باب المرسل لكن فيه ثبوت الإتصال للارتباط المفيد ثبوت النسبة في الجملة وإن لم يكن كافيا لمن شرط الإتصال على وجه الكمال كالصحيحين ونحوهما فكونه وجادة لا ينافي كونه مرسلا فتأمل ثم رأيت الطيبي قال هذا من باب الوجادة لأنه من باب نقل من كتاب الغير من غير إجازة ولا سماع ولا قراءة اه فعلى هذا ينافي كونه مرسلا لعدم صحة الوجادة فإطلاقه الوجادة إنما هو باعتبار اللغة لا الإصطلاح فلا منافاة والله أعلم قال ابن الهمام وما قيل أن موسى هذا ولد في عهد النبي وسماه لم يثبت إنه أي معاذا قال إنما أمره أي النبي معاذا أن يأخذ الصدقة أي الزكاة وهي العشر أو نصفه من الحنطة والشعير والزبيب والتمر


قال ابن الملك معناه أنه لا تجب الزكاة إلا في هذه الأربعة فقط بل تجب عند الشافعي فيما تنبته الأرض إذا كان قوتا وعندنا فيما تنبته الأرض قوتا كان أولا وإنما أمره بالأخذ من هذه الأربعة لأنه لم يكن ثمة غيرها اه وسبقه المظهر بذلك وقال الطيبي هذا إن صح بالنقل فلا كلام وإن فرض أن ثمة شيئا غير هذا الأربعة مما تجب الزكاة فيه فمعناه إنما أمره أن يأخذ الصدقات من المعشرات من هذه الأجناس وغلب الحنطة والشعير على غيرهما من الحبوب لكثرتهما في الوجود وإصالتهما في القوت واختلف فيما تنبت الأرض مما يزرعه الناس وتغرسه فعند أبي حنيفة تجب الزكاة في الكل سواء كان قوتا أو غير قوت فذكر التمر والزبيب عنده للتغليب أيضا مرسل قال ميرك فيه شائبة الإتصال بواسطة الوجادة إن صح إن الكتاب بخط معاذ رواه في شرح السنة وفي معناه الخبر الصحيح لا تؤخذ الصدقة إلا من هذه الأربعة الشعير والحنطة والتمر والزبيب والحصر فيه إضافي لخبر الحاكم وصححه فيما سقت السماء والسيل والبعل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر وهذا ظاهر في عموم المقتات وغيرها وأما قول ابن حجر فأما القثاء والبطيخ والرمان والقضب أي بالمعجمة الساكنة وهي الرطبة فعفو عفا عنه رسول الله أي لم يوجب فيه شيئا فمحتاج إلى دليل وبرهان وتوضيح وبيان وعن عتاب بفتح العين وتشديد الفوقية ابن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين أسلم يوم الفتح واستعمله على مكة وعمره نيف وعشرون سنة وأقره أبو بكر إلى أن مات بها يوم مات أبو بكر وكان من سادة قريش وهو المعنى بقوله تعالى واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا النساء أن النبي قال في زكاة الكروم أي في كيفية زكاتها وهي بضمتين جمع الكرم وهو شجر العنب قال ابن حجر ولا ينافي تسمية العنب كرما خبر الشيخين لا تسموا العنب كرما فإن الكرم هو المسلم وفي رواية فإنما الكرم قلب المؤمن لأنه نهي تنزيه على أن تلك التسمية من لفظ الراوي فلعله لم يبلغه


النهي أو خاطب به من لا يعرفه إلا به قال العلماء إنما سمت العرب العنب كرما لكثرة حمله وسهولة قطفه وكثرة منابعه إذ هو فاكهة وقوت ويتخذ منه خل ودبس وغير ذلك والخمر كرما لأنها كانت تحثهم على الكرم فنهى الشرع عن تسمية العنب كرما لتضمنه مدحها فتشوق إليها النفوس وكان اسم الكرم بالمؤمن وبقلبه أليق وأعلق لكثرة خيره ونفعه واجتماع الأخلاق والصفات
الجميلة فيه اه وفيه إن محل النهي إنما هو مظنة الإحتمالين وأما قول الراوي بل الظاهر أنه كلامه في زكاة الكروم فليس من قبيل ذلك إنها تخرص أي تحرز وتخمن كما تخرص النخل ثم تؤدي زكاته أي المخروص زبيبا قال المظهر وتبعه ابن الملك أي إذا ظهر في العنب والتمر حلاوة يقدر الحازر أن هذا العنب إذا صار زبيبا كم يكون فهو حد الزكاة إن بلغ نصابا كما تؤدي زكاة النخل تمرا رواه الترمذي وأبو داود قال ميرك والنسائي وابن ماجه أيضا كلهم من طريق سعيد بن المسيب عن معاذ قال أبو داود لم يسمع من معاذ ولا أدركه وقال ابن حجر الحديث حسنه الترمذي وصححه الحاكم وابن ماجه لكن بين النووي في مجموعه أنه من مراسيل ابن المسيب قلت لا منافاة بين أن يكون الحديث مرسلا وسنده صحيحا أو حسنا وإنما الخلاف في الإحتجاج به إذا كان صحيحا أو حسنا فالجمهور يجعلون المرسل حجة والشافعي لا يجعله حجة إلا إذا اعتضد ثم قال النووي والأصح فيها إنما يعتد بها إذا اعتضدت بإسناد أو إرسال من جهة أخرى أو بقول بعض الصحابة أو أكثر العلماء وقد وجد ذلك هنا ثم قال ما حاصله أن حكمة جعل النخل فيه أصلا مقيسا عليه أن خيبر فتحت الأول سنة سبع وبها نخل وقد بعث إليهم النبي عبد الله بن رواحة فخرصها فلما فتح الطائف وبها العنب الكثير أمر بخرصه كخرص النخل المعروف عندهم ذكره صاحب البيان وهو الأحسن أو أن النخل كانت عندهم أكثر وأشهر وعن سهل بن أبي حثمة بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة حدث أي روى وأخبر أن رسول الله كان يقول إذا خرصتم


أي أيها السعاة فخذوا أي زكاة المخروص إن سلم المخروص من آفة ودعوا أي اتركوا الثلث بضم اللام وسكونه أي توسعة عليه لنفسه ولجيرانه قال الطيبي فخذوا جواب للشرط ودعوا عطف عليه أي إذا حرصتم فبينوا مقدار الزكاة ثم خذوا ثلثي ذلك المقدار واتركوا الثلث لصاحب المال حتى يتصدق به وفي المصابيح حذف فخذوا وجعل فدعوا جوابا لعدم اللبس قال القاضي الخطاب مع المصدقين أمرهم أن يتركوا للمالك ثلث ما خرصوا عليه أو ربعه توسعة عليه حتى يتصدق به هو على جيرانه ومن يمر به ويطلب منه فلا يحتاج إلى أن يغرم ذلك من ماله وهذا قول قديم للشافعي وعامة أهل الحديث وعند أصحاب الرأي لا عبرة بالخرص لإفضائه إلى الربا


وزعموا أن الأحاديث الواردة فيه كانت قبل تحريم الربا ويرده حديث عتاب فإنه أسلم يوم الفتح وتحريم الربا كان مقدما اه كلامه وحديث جابر الطويل في الصحيح صريح بأن تحريم الربا كان في حجة الوداع قال ابن حجر بهذا أخذ الشافعي في قوله القديم واختاره جماعة من أصحابه فقال يترك الساعي له نخلة أو نخلات يأكلها أهله ثم رجع عن ذلك في القديم وقال لا يترك له شيئا وأجاب عن الحديث بأن المراد دعوا له ذلك ليفرقه بنفسه على نحو أقاربه وجيرانهم لطمعهم في ذلك منه فإن لم تدعوا أي له الثلث فدعوا الربع قال ابن الملك وبه قال الشافعي في القديم وعند أبي حنيفة والشافعي في الجديد ومالك لا يترك شيء من الزكاة وتأويل الحديث عنه هم أنه إنما كان في يهود خيبر فإنه ساقاهم على أن لهم نصف الثمرة ولرسول الله نصفها فأمر الخارص أن يترك الثلث أو الربع مسلما لهم ويقسم الباقي نصفا لهم ونصفا له رواه الترمذي وأبو داود قال ميرك وسكت عليه هو والمنذري وإسناده صحيح ورجاله ثقات والنسائي قال ميرك وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد وعن عائشة قالت كان النبي يبعث أي يرسل عبد الله بن رواحة إلى يهود أي في خيبر فيخرص النخل بضم الراء أي يحزرها حين يطيب بالتذكير والتأنيث أي يظهر في الثمار الحلاوة قبل أن يؤكل منه قال الطيبي وفي رواية أخرى لأبي داود قالت كان رسول الله يبعث ابن رواحة فيخرص النخل حين يطيب الثمار قبل أن يؤكل منه ثم يخير يهود بين أن يأخذه الخرص أو يدفعوه إليه به لكي يحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق وهذه زكاة أموال المسلمين الذين تركوها في أيدي اليهود يعملون فيها اه وفيه إشارة إلى دفع ما يرد عليه من أن الكافر لا زكاة عليه فبينه ابن رواحة لم يخرص عليهم إلا حصة الغانمين دفعوا إليهم نخله ليعملوا فيه بحصته من التمر رواه أبو داود أي في كتاب الزكاة وفي إسناده رجل مجهول لكن أخرج هو أيضا في كتاب البيوع شاهدا له من حديث


جابر ورجاله ثقات وأما قول ابن حجر وسنده حسن فغير صحيح إلا أن يقال حسن لغيره
وعن ابن عمر قال قال رسول الله في العسل في كل عشرة أزق بفتح الهمزة وضم الزاي وتشديد القاف أفعل جمع قلة زق بكسر الزاي مفرده وهو ظرف من جلد يجعل فيه السمن والعسل وغيرهما وهذا دليل على وجوب العشر في العسل وبه قال أبو حنيفة والشافعي في القديم وأحمد وفي الجديد لا عشر فيه وعليه مالك ذكره ابن الملك رواه الترمذي وقال أي الترمذي في إسناده مقال أي محل قول أو قول قال الطيبي أي موضع قول للمحدثين أي تكلموا فيه وطعنوا في صحته ولا يصح عن النبي في هذا الباب أي باب زكاة العسل كثير شيء قال الطيبي أي ما يعول عليه قال ابن الهمام بعد ما ذكر أحاديث دالة على أن في العسل العشر ومن جملتها ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر وإن النبي أخذ من العسل العشر ومن جملة الألفاظ أن رسول الله كان يؤخذ في زمانه من العسل العشر من كل عشر قرب قربة من أوسطها ما لم يدل دليل على اعتبار النصاب فيه وغاية ما في حديث القرب أنه كان أداؤهم من كل عشر قرب قربة وهو فرع بلوغ عسلهم هذا المبلغ أما النفي عما هو أقل من عشر قرب فلا دليل فيه عليه وأما حديث الترمذي فضعيف وعن زينب امرأة عبد الله أي ابن مسعود قالت خطبنا رسول الله فقال يا معشر النساء تصدقن أي أخرجن زكاة أموالكن ولو من حليكن بضم الحاء وكسرها فكسر اللام وتشديد التحتية واحدة حلى بفتح فسكون ما تحلى أي تزين به لبسا أو غيره دل ظاهر الحديث على وجوب الزكاة في الحلى المباح ولذا قال في الحديث الآتي فأديا زكاته فقول ابن حجر ليس في الحديث تصريح بوجوب الزكاة في الحلى ليس بصحيح وبه قال أبو حنيفة وهو القول القديم للشافعي وقال أحمد لا زكاة في الحلى المباح وهو قول الشافعي في الجديد فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة أي لمحبة الدنيا الباعثة على ترك الزكاة والصدقة


للعقبى رواه الترمذي قال ميرك ورجاله موثقون وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إن امرأتين أتتا رسول الله وفي أيديهما سواران قال الطيبي الظاهر أسورة لجمع اليد والمعنى أن في يدي كل واحدة منهما سوارين من ذهب فقال لهما تؤديان أي أتؤديان زكاته أي الذهب أو ما ذكر من السوارين قال الطيبي الضمير فيه بمعنى اسم الإشارة كما في قوله تعالى لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك قالتا لا فقال لهما رسول الله أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار قالتا لا قال فأديا زكاته قال ابن الملك يدل أيضا على وجوب الزكاة في الحلى قال الأشرف وتأويل الحديثين أن المراد التطوع أو المراد بالزكاة الإعارة اه وهما في غاية من البعد إذ لا وعيد في ترك التطوع والإعارة مع أنه لا يصح إطلاق الزكاة على العارية لا حقيقة ولا مجازا قال أو لعله كان كثيرا بالإسراف أو لعله كان متخذا من ذهب أو فضة فقد بقيت فيه زكاة اه وهما أبعد من الأول قال الطيبي ويمكن أن يراد بالصدقة التطوع ويدل عليه حديث العيد فإنهن حينئذ لم يخرجن ربع العشر من الحلى عليهن بل كن يرمين ما كان عليهن من الحلى في حجر بلال اه وفيه أنه لا ينافي في صدقة الفرض سواء كانت بمقدار الفرض أو زائدا عليه قال ولئن سلم فلو هنا للمبالغة أي تصدقن من كل ما يجب فيه الصدقة حتى مما يجب فيه من الحلى ومن ثم علله بقوله فإنكن أكثر أهل النار اه ولا يخفى بعد مثل هذا في كلام الشارع وهو حمل لو على المبالغة ولا يراد بها حقيقتها بل الظاهر أن لو هنا مثل قوله اتقوا النار ولو بشق تمرة أي اتقوها بما قدرتم عليه قل كشف تمرة أو كثر ويؤيده التعليل بقوله فإنكن أكثر أهل النار ولا يخفى ضعف تعليل الطيبي به رواه الترمذي وقال هذا حديث قد روى المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب نحو هذا قال الطيبي وضع اسم الإشارة موضع المضمر الراجع إلى الحديث وأراد بنحو هذا معناه والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث قال ميرك


أورد الترمذي في جامعه هذا الحديث أولا من طريق قتيبة عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثم قال قد روى المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب إلخ ولهذا يظهر وجه تقريب ذكر ابن لهيعة وتضعيفه وإنما وقع الإجمال والإغلاق في نقل
صاحب المشكاة ولا يصح في هذا الباب عن النبي شيء قال ابن الملقن بل رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح ذكر ميرك قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية وتجب الزكاة في حليهما أي الذهب والفضة سواء كان مباحا أو لا حتى يجب أن يضم الخاتم من الفضة وحلية السيف والمصحف وكل ما انطلق عليه الاسم والمنقولات من العمومات والخصوصيات تصرح به فمن ذلك حديث على عنه هاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهم رواه أصحاب السنن الأربعة وغيره كثير ومن الخصوصيات ما أخرج أبو داود والنسائي أن امرأة أتت النبي ومعها ابنة لها وفي يد بنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها أتعطين زكاة هذا قالت لا قال أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار قال فخلعتهما فألقتهما إلى النبي فقالت هما لله ولرسوله قال أبو الحسن القطان في كتابه إسناده صحيح وقال المنذري في مختصره إسناده لا يقال فيه ثم بينه رجلا رجلا وفي رواية الترمذي أتت امرأتان فساقه وتضعيف الترمذي وقوله لا يصح في هذا الباب مؤول وإلا فخطأ قال المنذري لعل الترمذي قصد الطريقين اللذين ذكرهما وإلا فطريق أبي داود لا مقال فيها وقال ابن القطان بعد تصحيحه لحديث أبي داود وإنما ضعف الترمذي هذا الحديث لأن عنده فيه ضعيفين ابن لهيعة والمثنى بن الصباح ومنها ما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال دخلنا على عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل علي رسول الله فرأى في يدي فتخات ورق فقال ما هذا يا عائشة فقلت صنعتهن أتزين لك بهن يا رسول الله قال أتؤدين زكاتهن فقلت لا قال هن حسبك من النار وأخرجه الحاكم وصححه ومنها ما أخرج أبو داود عن أم سلمة الحديث كما


سيأتي قال وفي هذا المطلوب أحاديث كثيرة مرفوعة غير إنا اقتصرنا منها على ما لا شبهة في صحته والتأويلات المنقولات عن المخالفين مما ينبغي صون النفس عن إحضارها والإلتفات إليها وفي بعض الألفاظ ما يصرح بردها اه كلام المحقق ملخصا ومن جملة تأويلاتهم ما ذكره ابن حجر من أن الحلى كان محرما أول الإسلام فوجبت زكاته حينئذ لتحريمه فلما أبيح زالت زكاته وعن أم سلمة قالت كنت ألبس أوضاحا من ذهب في النهاية هو جمع وضح


بفتحتين نوع من الحلى يعمل من الفضة سمى به لبياضه فقلت يا رسول الله أكنز هو أي استعمال الحلى كنز من الكنوز الذي توعد على اقتنائه في القرآن أم لا فقال ما بلغ أي الذي بلغ أن تؤدي زكاته أي نصابا فزكي على صيغة المجهول فليس بكنز رواه مالك وأبو داود قال ميرك وإسناده جيد قاله الشيخ الجزري وقال ابن العربي رجاله رجال البخاري اه وأقول وأخرجه الحاكم وصححه ابن القطان أيضا اه وأقول هذا حديث صحيح صريح في المقصود والله الموفق وعن سمرة بن جندب أن رسول الله كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي أي من المال الذي نعده أي نهيئه للبيع أي للتجارة وخص لأنه الأغلب قال الطيبي وفيه دليل على أن ما ينوى به القنية لا زكاة فيه رواه أبو داود قال ابن الهمام رحمه الله سكت عليه هو والمنذري وهذا تحسين منهما وصرح ابن عبد البر بأن إسناده حسن اه وفيه دلالة ظاهرة بوجوب زكاة التجارة ويدل لها أيضا خبر الحاكم بسندين صحيحين على شرط الشيخين عن أبي ذر أنه قال في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته والبز أمتعة البزاز والسلاح وليس فيه زكاة عين فصدقته زكاة التجارة وأمر عمر رضي الله عنه كما رواه جماعة من يبيع الأدم بأن يقومه ويخرج زكاته وصح عن ابنه رضي الله عنهما أنه قال ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة ورواية لا زكاة فيها عن ابن عباس ضعيفة وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد أي عن كثيرين من علمائهم أن رسول الله أقطع أي خص لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية بفتح القاف والباء مجرورة بالإضافة وهي منسوبة إلى قبل اسم موضع قال النووي المحفوظ عند أصحاب الحديث بفتح القاف والباء اه ولعل غير المحفوظ كسر القاف وسكون الموحدة قال الطيبي والإقطاع ما يجعله الإمام لبعض الأجناد والمرتزقة من قطعة أرض ليرتزق من ريعها في النهاية الإقطاع يكون تمليكا وغيره وفي حديث أبيض أنه استقطعه الملح أي سأله أن يجعل له


إقطاعا يتملكه ويستبد به وينفرد اه قال ابن الملك يعني أعطاه ليعمل فيها ويخرج
الذهب والفضة لنفسه وهذا يدل على جواز إقطاع المعادن ولعلها كانت باطنة فإن الظاهرة لا يجوز إقطاعها وهي من ناحية الفرع بضم الفاء وسكون الراء وبالعين المهملة خلافا لمن وهم فيه وضبط بالمعجمة وهو أيضا موضع واسع بعينه بينه وبين المدينة خمسة أيام أو أقل وفيه مساجد النبي وبه قرى كثيرة وهو بأعلى المدينة بين الحرمين من درب الماشي كذا ذكره ابن الملك وغيره فتلك المعادن لا يؤخذ بالتذكير والتأنيث منها إلا الزكاة إلى اليوم أي لا يؤخذ منها الخمس قال المظهر أي الأربع العشر كزكاة النقدين وهو مذهب مالك وأحد أقوال الشافعي وأما أبو حنيفة وقول للشافعي فيوجبان الخمس في المعدن والقول الثالث للشافعي إن وجده بتعب ومؤنة يجب فيه ربع العشر وإلا فالخمس رواه أبو داود قال ابن الهمام رواه مالك في الموطأ قال ابن عبد البر هذا منقطع في الموطأ وقال أبو عبيد في كتاب الأموال
الفصل الثالث


عن علي رضي الله عنه أن النبي قال ليس في الخضروات بفتح الخاء قال ابن الهمام كالرياحين والأوراد والبقول والخيار والقثاء والبطيخ والباذنجان وأشباه ذلك صدقة لأنها لا تقتات والزكاة تختص بالقوت كما مر وحكمته إن القوت ما يقوم به بدن الإنسان لأن الأقتيات من الضروريات التي لا حياة بدونها فوجب فيه حق لأرباب الضرورات ولا في العرايا جمع عرية فعيلة بمعنى فاعلة أو مفعولة وهي النخلة التي يعطيها مالكها لغيره ليأكل ثمرها عاما أو أكثر وفي القاموس وأعراه النخلة وهب ثمرتها عاما والعرية النخلة المعراة والتي يأكل ما عليها وما عزل عن المساومة عند بيع النخل اه صدقة لأنها في الغالب تكون دون النصاب أو لأنها خرجت عن ملك مالكها قبل الوجوب بطريق صحيح ولا في أقل من خمسة أوسق صدقة لما مر أنه قليل فلا تتشوف الفقراء إلى المواساة منه ولا في الإبل أو البقر العوامل للمالك أو غيره صدقة لأنها بالعمل صارت غير مقتناة للنماء كما مر ولا في الجبهة صدقة قال أبو سعيد الصقر الجبهة الخيل والبغال والعبيد والذي في القاموس وغيره إنها الخيل قال في الفائق سميت بذلك لأنها خيار البهائم كما يقال وجه
السلعة لخيارها ووجه القوم وجبهتهم لسيدهم وقال بعضهم هي خيار الخيل ثم رأيت صاحب النهاية أشار إلى أن ما قاله الصقر فيه بعد وتكلف رواه الدارقطني وعن طاووس أن معاذ بن جبل أتى بوقص بفتح القاف البقر فقال لم يأمرني فيه النبي بشيء أي بأخذ شيء رواه الدارقطني والشافعي وقال أي الشافعي رحمه الله الوقص ما لم يبلغ الفريضة أي ما لم يجب فيه شيء ابتداء كأربع الإبل ودون ثلاثين البقر وأربعين الغنم أو في الأثناء كما بين الخمس والعشر في الأول والثلاثين والأربعين في الثاني والأربعين والمائة والإحدى والعشرين في الثالث والأشهر إطلاقه على المعنى الثاني كما مر في حديث أبي بكر مع بيان قدر أكثر وقص الثلاثة وقيل الوقص في البقر خاصة والله أعلم


باب صدقة الفطر
ويقال صدقة الفطرة وزكاة الفطر أو الفطرة كأنها من الفطرة التي هي الخلقة فوجوبها عليها تزكية للنفس أي تطهير لها وتنقية لعملها ويقال للمخرج هنا فطرة بكسر الفاء وهي مولدة لا عربية ولا معربة بل اصطلاحية للفقهاء فهي حقيقة شرعية على المختار كالصلاة والزكاة وفرضت هي وصوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة أما رمضان ففي شعبان وأما هي فقال غير واحد إنها في السنة الثانية أيضا وقال بعض الحفاظ قبل العيد بيومين وقال البغداديون من أصحابنا إن زكاة الفطر وجبت بموجب زكاة الأموال من نصوص الكتاب والسنة بعمومها فيها وقال البصريون منهم إن وجوبها سابق على وجوب زكاة الأموال واعتد به بعض الحفاظ وقيل إن زكاة الأموال فرضت قبل الهجرة ويدل لفرضها قبل الزكاة خبر قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه أمرنا رسول الله بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة فلم يأمرنا ولم ينهنا أي اكتفاء بالأمر السابق ولأجل ذلك قال ونحن نفعله أي نخرجها وحكمة إيجابها آخر الصوم على ما يأتي ووجوبها مجمع عليه كما حكاه ابن المنذر والبيهقي واعترض بأن جمعا حكوا الخلاف فيها عن بعض الصحابة وغيرهم وتبعهم ابن اللبان من أصحابنا لكن في الروضة إن ما قاله غلط صريح وفي المجموع سبقه عليه الأصم وهو لا
يعتد به في الإجماع
الفصل الأول


عن ابن عمر قال فرض رسول الله زكاة الفطر قال الطيبي دل على إنها فريضة والحنفية على أنها واجبة أقول لعدم ثبوتها بدليل قطعي فهو فرض عملي لا اعتقادي قال ابن الهمام وما يستدل به على الوجوب ما استدل به الشافعي على الإفتراض فإن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية في كلام الشارع متعين ما لم يقم صارف عنه والحقيقة الشرعية غير مجرد التقدير خصوصا في لفظ البخاري ومسلم في هذا الحديث أنه عليه السلام أمر بزكاة الفطر ومعنى لفظ فرض هو معنى لفظ أمر والأمر الثابت بظني إنما يفيد الوجوب ولا خلاف في المعنى فإن الإفتراض الذي يثبتونه ليس على وجه يكفر جاحده فهو معنى الوجوب الذي نقول به غايته أن الفرض في اصطلاحهم أعم من الواجب في عرفنا فأطلقناه على أحد جزأيه اه وفيه دليل لمذهبنا ولما رأى الحنفية الفرق بين الفرض والواجب بأن الأول ما ثبت بقطعي والثاني ما ثبت بظني قالوا أن الفرض هنا بمعنى الواجب وفيه نظر لأن هذا قطعي لما علمت أنه مجمع عليه فالفرض فيه باق على حاله حتى على قواعدهم فلا يحتاج لتأويلهم الفرض هنا بالواجب اه وفيه أن الإجماع على تقدير ثبوته إنما هو في لزوم هذا الفعل وأما أنه على طريق الفرض أو الواجب بناء على اصطلاح الفقهاء المتأخرين فغير مسلم لا سيما والأحاديث متعارضة في التعبير بالفرض والوجوب وأما قوله ووجوبها مجمع عليه كما حكاه المنذري والبيهقي فمنقوض بأن جمعا حكوا الخلاف فيها عن بعض الصحابة وغيرهم وتبعهم ابن اللبان من الشافعية وسبقه إليه الأصم هذا وابن المسبب والحسن البصري إنها لا تجب إلا على من صلى وصام وعن علي كرم الله وجهه إنها لا تجب إلا على من أطاق الصوم والصلاة وعن عطاء وربيعة والزهري إنها لا تجب إلا على أهل البادية فثبت بهذا النزاع عدم صحة الإجماع والحديث ظني ومدلوله غير قطعي حال كونها صاعا من تمر أو صاعا من شعير وفي الخيرأن الصاع ثمانية أرطال وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه ولم يصح رجوع أبي


يوسف
إلى قول مالك ومن تبعه كالشافعي وتضعيف البيهقي له على تقدير صحته مبنى على حدوث الضعف بعد تعلق اجتهاد المجتهد به وهو غير مضر ثم أو للتخيير بين النوعين وما في معناهما فليس ذكرهما لحصر الإعطاء منهما قال الطيبي دل على أن النصاب ليس بشرط أي للإطلاق وإلا فلا دلالة فيه نفيا وإثباتا فعند الشافعي تجب إذا فضل عن قوته وقوت عياله ليوم العيد وليلته قدر صدقة الفطر أقول وهذا تقدير نصاب كما لا يخفى إلا أن علماءنا قيدوا هذا الإطلاق بأحاديث وردت تفيد التقييد بالغنى وصرفوه إلى المعنى الشرعي والعرفي وهو من يملك نصابا منها قوله عليه الصلاة والسلام لا صدقة إلا عن ظهر غنى رواه الإمام أحمد في مسنده قال ابن الهمام وذكره البخاري في صحيحه تعليقا وتعليقاته المجزومة لها حكم الصحة ورواه مرة بغير هذا اللفظ ولفظ الظهر مقحم كظهر القلب وظهر الغيب في المغرب وهو حجة على الشافعي في قوله تجب على من يملك زيادة على قوت يومه لنفسه وعياله وأما ما روى أحمد عن أبي ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه أن رسول الله قال أدوا صاعا من قمح أو صاعا من بر شك حماد عن كل اثنين صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو مملوك غني أو فقير أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما يعطى فقد ضعفه ولو صح لا يقاوم ما رويناه في الصحة مع أن ما لا ينضبط كثرة من الروايات المشتملة على التقسيم المذكور ليس فيه الفقير فكانت تلك رواية شاذة فلا تقبل خصوصا مع نبو قواعد الصدقات والحديث الصحيح عنها على العبد والحر قال الطيبي جعل وجوب الفطرة على السيد كالوجوب على العبد قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية وشرطت الحرية ليتعلق التمليك إذ لا يملك إلا المالك ولا ملك لغير الحر فلا يتحقق منه الركن وقول الشافعي إنها على العبد ويتحمله السيد ليس بذاك لأن المقصود الأصلي من التكليف أن يصرف المكلف نفس منفعته لمالكه وهو الرب تعالى ابتلاء له لتظهر طاعته من عصيانه


ولذا لا يتعلق التكليف إلا بفعل المكلف فإذا فرض كون المكلف لا يلزمه شرعا صرف تلك المنفعة التي هي فيما نحن فيه فعل إلا عطاء وإنما يلزم شخصا آخر لزم انتفاء الابتلاء الذي هو مقصود التكليف في حق ذلك المكلف وثبوت الفائدة بالنسبة إلى ذلك الآخر لا تتوقف على الإيجاب على الأول لأن الذي له ولاية الإيجاد والإعدام يمكن أن يكلف ابتداء السيد بسبب عبد ملكه له من فضله فوجب لهذا الدليل العقلي وهو لزوم انتفاء مقصود التكليف الأول أن يحمل ما ورد من لفظ على في نحو قوله على كل حر وعبد على معنى عن كقوله إذا رضيت على بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها وهو كثير هذا لو لم يجىء شيء من ألفاظ الروايات بلفظ عن كيلا ينافيه الدليل العقلي


فكيف وفي بعض الروايات صرح به على ما قدمناه والذكر والأنثى والصغير والكبير وهو يعم الحاضر والغائب حال كونهما من المسلمين قال الطيبي حال من العبد وما عطف عليه فلا يجب على المسلم فطرة العبد الكافر قال صاحب الهداية يجب للإطلاق ولحديث رواه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعا أدوا صدقة الفطر عن كل صغير وكبير ذكر أو أنثى يهودي أو نصراني حر أو مملوك نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير قال ابن الهمام أما الحديث فضعيف وأما الآخر فإن الإطلاق في الصحيح يوجبها في الكافر والتقييد في الصحيح أيضا بقوله من المسلمين لا يعارضه لما عرف من عدم حمل المطلق على المقيد في الأسباب لأنه لا تزاحم فيها فيمكن الأخذ بهما فيكون كل من المطلق والمقيد سببا بخلاف ورودهما في حكم واحد هذا وتجب الفطرة على الزوجة دون زوجها عندنا وبه قال الثوري خلافا للشافعي وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة قال الطيبي أمر استحباب لجواز التأخير عن الخروج عند الجمهور إلى الغروب وفي جواز التأخير عن اليوم خلاف وقال ابن حجر ومما يدل على كون الأمر ندبا خبر الحسن من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات وبهذا يندفع قول بعض السلف أن الأمر ههنا للوجوب وإن قواه جمع من أئمتنا اه ولا يخفى أن خبر الحسن يفيد الوجوب إلا أن جماعة ادعوا أن إخراجه قبل صلاة العبد أفضل إجماعا ثم مما يؤيد كون الأمر للندب جواز التقديم أيضا قال ابن الهمام بعد قول صاحب الهداية فإن قدموها على يوم الفطر جاز لأنه أدى بعد تقرر السبب يعني الرأس الذي يمونه ويلي عليه فأشبه تعجيل الزكاة وفيه حديث البخاري عن ابن عمر فرض رسول الله صدقة الفطر إلى أن قال في آخره وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين وهذا مما لا يخفى على النبي بل لا بد من كونه بإذن سابق فإن الإسقاط قبل الوجوب مما لم يعقل فلم يكونوا يقدمون عليه إلا بسمع والله أعلم وقال عند قوله


هو الصحيح احتراز عن قول خلف وكذا الشافعي بجواز تعجيلها بعد دخول رمضان لا قبله لأنها صدقة الفطر ولا فطر قبل الشروع في الصوم وعما قيل في النصف الأخير لا قبله وعما قيل في العشر الأخير لا قبله وقال الحسن بن زياد لا يجوز التعجيل أصلا اه وكأنه أخذ بظاهر هذا الحديث وبما رواه الحاكم في علوم الحديث عن ابن عمر وقال أمرنا رسول الله أن نخرج صدقة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو عبد صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من قمح وكان يأمرنا أن نخرجها قبل الصلاة وكان رسول


الله يقسمها قبل أن ينصرف إلى المصلى ويقول أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم اه وفي رواية أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم ولعل الأمر بالإغناء لئلا يتشاغل الفقير بالمسألة عن الصلاة والجمهور حملوا أمره وفعله على الإستحباب لما تقدم متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة إلى قوله من المسلمين وعن أبي سعيد الخدري قال كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام قال الطيبي أي بر بقرينة قوله أو صاعا من شعير قال علماؤنا إن المراد بالطعام المعنى الأعم فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام وإن أردت تحقيق المراد فعليك بشرح ابن الهما فإنه بسط الكلام في هذا المقام أو صاعا من تمر قال ميرك نقلا عن الأزهار اختلف العلماء في أن أو في هذا الحديث لتخيير المؤدي من هذه الأشياء أو لتعيين واحد منها وهو الغالب فيه قولان أحدهما أنه للتخيير وبه قال أبو حنيفة والثاني أنه لتعيين أحد هذه الأشياء بالغلبة وهو غالب قوت البلد على الأصح وبه قال الأكثرون ومعناه كنا نخرج هذه الأنواع بحسب أقواتنا ومقتضى أحوالنا اه وقال ابن الملك أو هذه للتنويع لا للتخيير فإن القوت الغالب لا يعدل عنه إلى ما دونه في الشرف اه وهو خلاف المذهب أو صاعا من أقط بفتح الهمزة وكسر القاف هو الكشك إذا كان من اللبن قال الثوري وغيره وهو لبن يابس غير منزوع الزبد وقد ضبط بعضهم الأقط بتثليث الهمزة وإسكان القاف قال ابن الملك في الأقط خلاف وظاهر الحديث يدل على جوازه أو صاعا من زبيب وفي رواية نصف صاع وهو رواية عن أبي حنيفة رواها الحسن عنه وصححها أبو اليسر وفي رواية نصف صاع متفق عليه قال ميرك ورواه أحمد والشافعي

الفصل الثاني


عن ابن عباس قال أي ابن عباس والمعنى أنه قال للناس في آخر رمضان ظرف قال ويحتمل أن يكون ظرف قوله أخرجوا صدقة صومكم فرض رسول الله هذه الصدقة صاعا من تمر أو شعير أو نصف صاع من قمح أي حنطة وبه قال أبو حنيفة خلافا للثلاثة ويؤيده حديث معاوية حيث قال في خطبته بالمدينة أرى نصف صاع من حنطة تعدل صاعا من تمر والظاهر أن هذا مرفوع حكما ويحتمل كونه من اجتهاده والله أعلم على كل حر أو مملوك ذكر أو أنثى صغير أو كبير رواه أبو داود والنسائي قال ميرك كلاهما من حديث الحسن عن ابن عباس وقال الحسن لم يسمع منه قلت فيكون الحديث مرسلا وهو حجة عند الجمهور فقول ابن حجر الحديث ضعيف مبني على قواعد مذهبه ومما يدل على حسن إسناده سكوت أبي داود بعد إيراده وعنه أي عن ابن عباس قال فرض رسول الله زكاة الفطر طهر الصيام أي تطهير الصوم وقيل الصيام جمع صائم كالقيام جمع قائم وفي المصابيح طهرة الصائم أي تطهيرا لذنوبه من اللغو وهو ما لا يعني وقيل الباطل وقال الطيبي المراد به القبيح والرفث أي الفحش من الكلام قال الطيبي هو في الأصل ما يجري من الكلام بين الرجل والمرأة تحت اللحاف ثم استعمل في كل كلام قبيح اه فيحمل قوله في تفسير اللغو على القبيح الفعلي أو العطف تفسيري قال ابن الملك وهذا لأن الحسنات يذهبن السيئات تمسك به من


لم يوجب الفطرة على الأطفال لأنهم إذا لم يلزمهم الصيام لم يلزم طهرته والأكثرون على إيجابها عليهم ولعلهم نظروا إلى أن علة الإيجاب مركبة من الطهرة والطعمة رعاية لجانب المساكين وذهب الشافعي بهذا أيضا إلى أن شرط وجوبها أن يملك ما يفضل عن قوت يومه لنفسه وعياله لاستواء الغني والفقير في كونها طهرة أقول كما أنه شرط ما ذكر شرطنا النصاب لما تقدم من الأدلة جمعا بين الأحاديث ما أمكن وفيه إيماء إلى تفضيل الفقراء فكانت أعمالهم مطهرة وذنوبهم مغفورة من غير صدقة وإشارة إلى أن أكثر وقوع اللغو والرفث إنما هو من الأغنياء وطعمة للمساكين أي ليكون قوتهم يوم العيد مهيئا تسوية بين الفقير والغنى في وجدان اقوت ذلك اليوم وفيه دلالة ظاهرة على أن الطهرة على الأغنياء من الصائمين والطعمة للفقراء والمساكين كما هو مقتضى التقسيم سيما على مذهب الشافعي في تعريف المسكين رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه هو والمنذري يعني فسنده حسن بل قال الحاكم صحيح على شرط البخاري قال ابن الهمام ولا يخفى أن ركن صدقة الفطر هو نفس الأداء إلى المصرف وسبب شرعيتها ما نص عليه في رواية أبي داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو أو الرفث وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ورواه الدارقطني وقال ليس في روايته مجروح اه وفي خبر حسن غريب شهر رمضان معلق بين السماء والأرض لا يرفع إلا بزكاة الفطر
الفصل الثالث
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي بعث مناديا في فجاج مكة بكسر الفاء أي في طرقها وهي الواسعة متعلق ببعث ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى حر أو عبد صغير أو كبير مدان أي هي مدان فهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ


محذوف والجملة بيان لصدقة أو خبر بعد خبر من قمح تمييز أو سواه أي من غير القمح وأو للتخيير أو للتنويع أو صاع شك من الراوي من طعام أي سوى القمح وهو يؤيد التأويل الذي قدمناه من أن الطعام يراد به المعنى الأعم وقال ابن حجر شك في أي اللفظين سمع اه وهو يحتمل أن يكون بدلا من قوله مدان أو سواه رواه الترمذي وقال غريب نقله ميرك ثم أعلم أن الأحاديث والآثار تعارضت في مقدار الحنطة ففي بعضها مدان وفي بعضها صاع وفي بعضها نصف صاع فإن أردت تحقيق الكلام فعليك بشرح الهداية لابن الهمام وعن عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير بالتصغير عن أبيه أورد الذهبي في الكاشف عبد الله بن ثعلبة بن صعير بلا لفظ أبي وكذا أورده المزي في تهذيب الكمال لكن قال ويقال ابن أبي صعير أبو محمد المدني الشاعر حليف بني زهرة مسح رسول الله وجهه ورأسه زمن الفتح اه وقال الشيخ ابن حجر في التقريب في العين المهملة عبد الله بن ثعلبة بن صعير بالمهملتين ويقال ابن أبي صعير له رؤية ولم يثبت له سماع مات سنة سبع أو تسع وثمانين وقد قارب التسعين وقال في حرف الثاء المثلثة ثعلبة بن صعير أو ابن أبي صعير بمهملتين مصغر العذري بضم المهملة وسكون المعجمة ويقال ثعلبة بن عبد الله بن صعير ويقال عبد الله بن ثعلبة بن صعير مختلف في صحبته والله أعلم نقله ميرك ثم قال وحديثه هذا مضطرب وفي إسناده النعمان بن راشد وقد تفرد بروايته قال البخاري وهو يهم كثيرا وقال مهما ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن صعير فقال ليس بصحيح إنما هو مرسل يرويه معمر وابن جريح عن الزهري مرسلا اه قال المؤلف هو عبد الله بن ثعلبة المازني العذري ولد قبل الهجرة بأربع سنين ومات سنة تسع وثمانين ورأى النبي عام الفتح ومسح وجهه روى عنه ابنه عبد الله والزهري ذكره في حرف العين في فصل الصحابة ولم يذكره في حرف المثلثة قال قال رسول الله صاع من بر أي الفطرة صاع موصوف بأنه من بر أو قمح شك من


الراوي عن كل اثنين أي مجزىء صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى أما غنيكم أي وجوبها عليه فيزكيه الله التزكية بمعنى التطهير أو التنمية أي يطهر حاله وينمى ماله وأعماله بسببها وأما فقيركم أي بالإضافة إلى أكابر الأغنياء على مذهبنا وأما على مذهب الشافعي فمن ملك صدقة الفطر زيادة على قوت نفسه وعياله ليوم العيد وليلته وهو يرد عليهم
في الفرق بين الفقير والمسكين فيرد أي الله عليه أكثر مما أعطاه أي هو المساكين وفي نسخة بصيغة المجهول في فيرد ويرفع أكثر والأول أكثر وفي هذا تسلية لمن يكون قليل المال بوعد العوض والخلف في المال رواه أبو داود وسكت عنه فيكون حسنا فقول ابن حجر هذا حديث ضعيف منكر من القول قال ابن الهمام هو حديث مروى في سنن أبي داود والدارقطني ومسند عبد الرزاق وقد اختلف في الاسم والنسبة والمتن فالأول أهو ثعلبة بن أبي صعير أو هو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير أو عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه والثاني أهو العدوى أو العذري فقيل العدوى نسبة إلى جده الأكبر عدي وقيل العذري وهو الصحيح ذكره في المغرب وغيره وقال أبو علي الغساني في تقييد المهمل العذري بضم الذال المعجمة والراء هو عبد الله بن ثعلبة بن صعير أبو محمد حليف بني زهرة أي النبي وهو صغير والعدوى تصحيف والثالث أهو أدوا صدقة الفطر صاعا من تمر أو قمح عن كل رأس وهو صدقة الفطر صاع من بر أو قمح عن كل اثنين قال في الإمام ويمكن أن يصرف رأس إلى اثنين اه لكن تبعده رواية بين اثنين وهي من طرقه الصحيحة التي لا ريب فيها طريق عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة قال خطب رسول الله الناس قبل يوم الفطر بيوم أو يومين فقال أدوا صاعا من بر أو قمح بين اثنين أو صاعا من تمر أو شعير عن كل حر وعبد صغير أو كبير وهذا سند صحيح وفي غير هذه من أين يجاء بالرأي


باب من لا تحل له الصدقة
قيل هي منحة لثواب الآخرة والهدية أن يملك الرجل تقربا إليه وإكراما له ففي الصدقة نوع ترحم وذل للآخذ ولذلك حرمت على النبي بخلاف الهدية وأيضا لما كان آمرا بالصدقات ومرغبا في المبرات فتنزه عن الأخذ منها براءة لساحته عن الطمع فيها وعن التهمة بالحث عليها ولذا قال تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم إيماء إلى أن المصلحة راجعة إليهم وإنه سفير محض مشفق عليهم وهو يحتمل أن يكون بأمر الله تعالى أو باجتهاد صدر من مشكاة صدره الأنور وقلبه الأزهر


الفصل الأول
عن أنس قال مر النبي بتمرة أي ملقاة في الطريق فقال لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة أي من تمرها لأكلتها تعظيما لنعمة الله تعالى والحديث يدل على حرمة الصدقة على النبي وعلى جواز أكل ما وجد في الطريق من الطعام القليل الذي لا يطلبه مالكه وعلى أن الأولى بالمتقى أن يجتنب عما فيه تردد وفي الأحياء روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه أرق ليلة فقالت له بعض نسائه أرقت يا رسول الله قال أجل وجدت تمرة فخشيت أن تكون من الصدقة وفي رواية فأكلتها فخشيت وأما ما روى أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا ينادي على عنبة التقطها فضربه بالدرة وقال إن من الورع ما يمقت الله عليه فمحمول على أنه تبين له من فعل ذلك إنه إنما يقصد به الرياء والسمعة وإظهار الورع هنالك ولخروجه بتصنيعه عما عرف من أحوال الصحابة إنهم كانوا يتوضؤون ويمشون حفاة ويصلون من غير نظر إلى أن في الطريق نجاسة أو لا وقد أتى النبي بجنبة وجبة من المشركين فأكل وليس هذا ولو نظر أحد للاحتمالات البعيدة لم يجد على وجه الأرض حلا ولذا قال بعضهم لا يتصور الحلال بيقين إلا في الماء النازل من السماء المتلقى باليد مما في الهواء متفق عليه قال ميرك ورواه أبو داود وعن أبي هريرة قال أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة أي الزكاة فجعلها في فيه أي فمه فقال النبي كخ كخ بكسر الكاف وفتحها وسكون الخاء قيل وبكسر فتنوين فارسية معربة وهي كلمة يزجر بها الصبي والصبية عن تعاطي المستقذر بمعنى


اترك وارم والتكرير للتأكيد ليطرحها أي التمرة من فيه ثم قال أما شعرت أي أما علمت كما في رواية أنا أي معشر بني هاشم لا نأكل الصدقة قال ابن حجر وهذا يستعمل في أمر واضح وإن لم يعلمه المخاطب أي كيف خفى هذا عليك مع ظهوره فهو أبلغ في الزجر من لا تفعل وفيه مخاطبة من لا تمييز له كما يدل عليه كخ كخ إذ لا يستعمل إلا في غير المميز وفائدته إعلام الحاضرين بالحكم ليذيع ويشتهر قال ابن الملك وهذا يدل على أنه وجب على الآباء نهى الأولاد عما لا يجوز في الشرع اه ولذا قال علماؤنا يحرم على الآباء والأمهات إلباس الصبي الحرير والحلي من الذهب والفضة خلافا للشافعي وقد أورد الغزالي هذا الحديث في الإحياء عند ذكر ورع المتقين وقال ابن حجر يحرم عليه الصدقة الواجبة والمندوبة وأما على آلة فالمفروضة لا غير وسيأتي كلام أئمتنا متفق عليه وعن عبد المطلب بن ربيعة قال قال رسول الله إن هذه الصدقات أي أنواع الزكاة وأصناف الصدقات إنما هي أوساخ الناس الجملة خبر لقوله هذه كما في قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا الكهف فلا يحتاج إلى تقدير خبر كما اختاره ابن حجر ولا إلى القول بأنها بدل مما قبلها وبأنها زائدة ونحوها وإنما سماها أوساخا لأنها تطهر أموالهم ونفوسهم قال تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم فهي كغسالة الأوساخ ففي الكلام تشبيه بليغ وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد زيد لا لتأكيد لا النافية وكذا اللام الثانية قال ميرك فيه دليل على أن الصدقة تحرم عليه وعلى آله سواء كان بسبب العمل أو بسبب الفقر والمسكنة وغيرهما وهذا هو الصحيح عندنا وقال ابن الملك الصدقة لا تحل للنبي فرضا كانت أو نفلا وكذا المفروضة لآله أي أقربائه وأما التطوع فمباح لهم قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية ولا تدفع إلى بني هاشم هذا ظاهر الرواية وروى أبو عصمة عن أبي حنيفة أنه يجوز في هذا الزمان وإنما كان ممتنعا في ذلك


الزمان وعنه وعن أبي يوسف يجوز أن يدفع بعض بني هاشم إلى بعض زكاتهم قال الشمني وبنو هاشم هم بنو الحارث والعباس ابنا عبد المطلب جد النبي وبنو علي وجعفر وعقيل أولاد أبي طالب عم النبي لا بنو أبي لهب لأن حرمة الصدقة أولا في الآباء إكراما لهم ثم سرت إلى الأبناء ولا إكرام لأبي لهب رواه مسلم قال ميرك في
قصة طويلة وأخرج البخاري تحريم الصدقة على آل النبي من حديث أبي هريرة اه قال ابن الهمام روى مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث قال اجتمع ابن ربيعة والعباس بن عبد المطلب فقالا لو بعثنا هذين الغلامين وللفضل ابن عباس إلى رسول الله فأمرهما على هذا الصدقة فأصابا منها ما يصيب الناس فقال علي لا ترسلوها فانطلقنا حتى دخلنا على رسول الله وهو يومئذ عند زينب بنت جحش فقلنا يا رسول الله قد بلغنا النكاح وأنت أبر الناس وأوصل الناس وجئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون قال فسكت طويلا ثم قال إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ادعوا إلي محمية بن جزء رجلا من بني أسد كان رسول الله يستعمله على الأخماس ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب فأتياه فقال لمحمية أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا قال ابن الهمام وهذا ما وعدناك من النص على عدم حل أخذها للعامل الهاشمي ولفظه للطبراني لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء إنما هي غسالة أيدي الناس وإن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم وهو يوجب تحريم صدقة بعضهم على بعض وكذا ما روى البخاري عنه عليه الصلاة والسلام نحن أهل البيت لا تحل لنا الصدقة ثم لا يخفى أن هذه العمومات تنظم الصدقة النافلة والواجبة فجروا على موجب ذلك في الواجبة فقالوا لا يجوز صرف كفارة اليمين والظهار والقتل وجزاء الصيد وعشر الأرض وغلة الوقف إليهم وأما الصدقة النافلة فقال في النهاية ويجوز النفل بالإجماع وكذا يجوز النفل للغني كذا في الفتاوى العتابية اه وصرح في الكافي بدفع


صدقة الوقف إليهم على أنه بيان المذهب من غير نقل خلاف فقال وأما التطوع والوقف فيجوز الصرف إليهم لأن المؤدي في الواجب يطهر نفسه بإسقاط الفرض فيتدنس به المؤدي كالماء المستعمل وفي النفل يتبرع بما ليس عليه فلا يتدنس به المؤدي كمن تبرد بالماء اه والحق الذي يقتضيه النظر إجراء صدقة الوقف مجرى النافلة فإن ثبت في النافلة جواز الدفع يجب دفع الوقف وإلا فلا إذ لا شك في أن الواقف متبرع بتصدقه بالوقف إذ لا إنفاق واجب وكان منشأ الغلط وجوب دفعها على الناظر وبذلك لم تصر صدقة واجبة على المالك بل غاية الأمر أنه وجوب اتباع شرط الواقف على الناظر فوجوب الأداء هو نفس هذا الوجوب فلنتكلم في النافلة ثم يعطى مثله للوقف ففي شرح الكنز لا فرق بين الصدقة الواجبة والتطوع ثم قال وقال بعض يحل لهم التطوع فقد أثبت الخلاف على وجه يشعر بترجيح حرمة النافلة وهو الموافق للعمومات فوجب اعتباره فلا تدفع إليهم النافلة إلا على وجه الهبة مع الأدب وخفض الجناح تكرمة لأهل بيت رسول الله وأقرب الأشياء إليك حديث لحم بريرة الذي تصدق به عليها لم يأكله حتى اعتبره هدية منها فقال هو عليها صدقة ولنا منها هدية والظاهر أنها كانت صدقة نافلة


وعن أبي هريرة قال كان رسول الله إذا أتى بطعام أي جىء به سأل عنه أي عن الطعام أو عن الآتي به أهدية أي فقال أهو هدية أم صدقة فإن قيل أي له صدقة أي هو قال لأصحابه أي من غير آله كلوا ولم يأكل وإن قيل هدية ضرب بيده الباء للتعدية أي شرع ومد يده إليه سريعا من غير تحام عنه فأكل معهم وفارقت الصدقة الهدية حيث حرمت عليه تلك وحلت له هذه بأن القصد من الصدقة ثواب الآخرة وذلك ينبىء عن عز المعطي وذل الآخذ في احتياجه إلى الترحم عليه والرفق إليه ومن الهدية التقرب إلى المهدى إليه وإكرامه بعرضها عليه ففيها غاية العزة والرفعة لديه وأيضا فمن شأن الهدية مكافأتها في الدنيا ولذا كان عليه الصلاة والسلام يأخذ الهدية ويثيب عوضها عنها فلا منة ألبتة فيها بل لمجرد المحبة كما يدل عليه حديث تهادوا تحابوا وأما جزاء الصدقة ففي العقبى ولا يجازيها إلا المولى متفق عليه وعن عائشة قالت كان في بريرة أي حصل بسببها ثلاث سنن أي أحكام ومسائل شرعية جعلتها مكانا ومقرا للمسائل لأنها وجدت بوجودها وهي اسم جارية اشترتها عائشة وأعتقتها وزعم بائعوها أن الولاء لهم وكانت حال عتقها متزوجة عبدا اسمه مغيث كما في البخاري ذكره ابن حجر إحدى السنن إنها عتقت بفتح العين والتاء أي صارت معتوقة فخيرت في زوجها أي بين فسخ نكاحه وإمضائه فالمرأة إذا كانت أمة وزوجها عبد فعتقت تكون مخيرة إن شاءت فسخت وإن شاءت لا وهي المسألة الأولى وقال رسول الله أي في قضيتها وهي قصة مشهورة الولاء بفتح الواو لمن أعتق أي لا لمن باع ولو شرط أن الولاء له فمن أعتق عبدا أو أمة كان ولاؤه له أي وهذه هي المسألة الثانية ودخل رسول الله أي على عائشة والبرمة أي القدر من الحجر ويستعمل بمعنى القدر مطلقا تفور


أي تغلي ملتبسة بلحم والجملة حالية فقرب بالتشديد على صيغة المجهول إليه خبز وأدم بضم الهمز وسكون الدال ويضم بمعنى الأدام وهو ما يؤتدم به الخبز أي يطيب أكله به ويتلذذ الأكل بسببه من أدم البيت بضمتين جمع أدام فلما لم يؤت إليه عليه الصلاة والسلام مما في البرمة فقال ألم أر برمة فيها لحم الاستفهام للتقرير قالوا بلى ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة قال هو أي اللحم عليها أي على بريرة صدقة ولنا هدية قال الطيبي إذا تصدق على المحتاج بشيء ملكه فله أن يهدي به إلى غيره اه وهو معنى قول ابن الملك فيحل التصدق على من حرم عليه بطريق الهدية وهذه هي المسألة الثالثة متفق عليه قال ميرك هذا لفظ مسلم ورواه البخاري مقطعا وعنها أي عن عائشة قالت كان رسول الله يقبل الهدية ويثيب عليها أي يجازي ويعطى الجزاء والعوض من أثاب إذا أعطى الثواب رواه البخاري قال ميرك ورواه أحمد والترمذي في الشمائل وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لو دعيت إلى كراع أي إلى كراع غنم أو أي قربة لأجبت ولو أهدي إلى ذراع من كرباس أو شاة لقبلت قال الطيبي الكراع هو مستدق الساق من الغنم والبقر بمنزلة الوظيف من الفرس والبعير وقيل كراع موضع بين مكة والمدينة والأول مبالغة في الإجابة مع القلة والثاني مع البعد وقال ابن الملك يعني لو دعاني أحد إلى ضيافة كراع غنم لأجبت الداعي وهذا حث على التواضع وإجابة الدعوة وحسن المعاشرة قال القاضي من حمله على كراع الغميم وهو موضع بين مكة والمدينة فقد غلط فكان ابن حجر غفل عن ذلك حيث قال يحتمل أن يراد به كراع الغميم أمام عسفان وهو موضع بين عسفان وقديد وقال زين العرب المراد بالذراع ذراغ الغنم وغيرها أو ذراع الكرباس وهو ترغيب في قبول الهدية قال السيد جمال الدين إدخال هذا الحديث في باب


من لا تحل له الصدقة فيه خفاء وتأمل اه فتأملنا فوجدنا وجهه إنه لما ذكر الصدقة والهدية في الحديث السابق أورد هذا الحديث لتعلقه بالهدية كما يقال الشيء بالشيء يذكر ويسمى استطرادا رواه البخاري قال ميرك والنسائي وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ليس المسكين أي المذكور في قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين التوبة والمعنى ليس المسكين شرعا المسكين عرفا وهو الذي يطوف أي يدور ويتردد على الناس في أصل ابن حجر على الأبواب ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان جملة حالية قال ابن الملك أي ليس المسكين من يتردد على الأبواب ويأخذ لقمة فإن من فعل هذا ليس بمسكين لأنه يقدر على تحصيل قوته والمراد ذم من هذا فعله إذا لم يكن مضطرا وقال الطيبي فينبغي أن لا يستحق الزكاة وقيل ليس المراد نفي استحقاقه بل إثبات المسكنة لغير هذا المتعارف بالمسكنة وإثبات استحقاقه أيضا اه وهذا القيل هو القول لأن كلا منهما مصرف الزكاة حيث لا شيء لهما لكن الثاني أفضل وهذا معنى قوله ولكن المسكين وفي نسخة بتشديد النون أي الكامل في المسكنة الذي لا يجد غني أي شيئا أو مالا يغنيه أي عن غيره ويكفيه ولا يفطن به بصيغة المجهول أي لا يعلم باحتياجه فيتصدق بالرفع والنصب مجهولا عليه ولا يقوم أي لا يتعرض فيسأل الناس بالرفع والنصب معلوما بل يخفى حال نفسه وفي الحديث إشارة إلى ما في الكلام القديم للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا البقرة أي أصلا وفيه حجة لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك ومن تبعهما من أن المسكين هو الذي لا يملك شيئا فهو أسوأ حالا من الفقير لأنه يملك مالا يكفيه وأما ما ذكره بعض الشافعية من أن عليه الصلاة والسلام تعوذ من الفقر في حديث الصحيحين وسأل المسكنة في حديث الترمذي فمدفوع لأن حديث الترمذي قيل ضعيف بل قال البيهقي


روى أنه تعوذ من المسكنة أيضا ثم حمل ذلك على أنه استعاذ من فتنة الفقر والمسكنة اللذين يرجع معناهما إلى غاية القلة المؤدية إلى ما ورد كاد الفقر أن يكون كفرا أو أراد به فقر القلب والحاصل أنه استعاذ من فتنة الفقر دون حال الفقر كما أنه استعاذ في الصحيحين من فتنة الغني لا من حال الغني وقد تحمل المسكنة التي سألها على التواضع اللازم لأهلها بأن لا يحشر في زمرة الأغنياء المتكبرين متفق عليه رواه أبو داود والنسائي
الفصل الثاني
عن أبي رافع واسمه أسلم روى عنه ابنه عبد الله وهو كاتب علي بن أبي طالب أي مولى النبي إن رسول الله بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة أي أرسله ساعيا ليجمع الزكاة ويأتي بها إليه قال ابن الملك فلما أتى أبا رافع في طريقه فقال لأبي رافع اصحبني أي ائت معي إلى النبي كيما تصيب نصب بكي وما زائدة أي لتأخذ منها أي من الصدقة بسبب ذهابك معي أو بأن أقول له ليعطي نصيبك من الزكاة والظاهر أنه طلب منه المرافقة والمصاحبة والمعاونة عند السفر لا بعد الرجوع كما يدل عليه جواب فقال لا أي لا أصحبك حتى أتى أي أجىء رسول الله فاسأله أي استأذنه أو أسأله هل يجوز لي أم لا فانطلق إلى النبي فسأله أي عن ذلك فقال إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم أي عتقاءهم من أنفسهم أي فحكمهم كحكمهم لخبر الولاء لحمة كلحمة النسب وهذا دليل لمن قال بحرمة الصدقة على موالي من تحرم الصدقة عليه وهذا هو المشهور في المذهب وأغرب ابن الملك حيث قال والمشهور أنها لا تحرم على موالي بني هاشم وبني المطلب لانتفاء السبب ووجه الجمع بينهما أنه قال تنزيها وصما لهم على التشبيه بساداتهم اه وكأنه غفل عن المذهب وتبع الطيبي في المطلب لكن كلام الطيبي أطيب حيث قال ظاهر الحديث أن الصدقة لا تحل لموالي بني هاشم وبني المطلب لكن قال الخطابي يشبه أن يكون هذا نهي تنزيه له فإن رسول الله كان يكفي مؤنته اه وهو تأويل من غير معارضة


دليل رواه الترمذي قال ميرك وصححه وأبو داود والنسائي ورواه أحمد وابن حبان في صحيحه وفي نقل ابن الهمام والشمني فقال مولى القوم من أنفسهم وأنا لا تحل لنا الصدقة قال الترمذي حديث حسن صحيح وكذا صححه الحاكم وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله لا تحل الصدقة لغني في المحيط الغني على ثلاثة أنواع غني يوجب الزكاة وهو ملك نصاب حولي تام وغني يحرم الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية وهو ملك ما يبلغ قيمة نصاب من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية وغني يحرم السؤال دون الصدقة وهو أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته ولا لذي مرة بكسر الميم وتشديد الراء القوة أي ولا لقوي على الكسب سوي أي صحيح البدن تام الخلقة فيه نفى كمال الحل لا نفس الحل أو لا تحل له بالسؤال قال ابن الملك أي لا تحل الزكاة لمن أعضاؤه صحيحة وهو قوي يقدر على الإكتساب بقدر ما يكفيه وعياله وبه قال الشافعي قال الطيبي وقيل المعنى ولا لذي عقل وشدة وهو كناية عن القادر على الكسب وهو مذهب الشافعي والحنفية على أنه إن لم يكن له نصاب حلت له الصدقة رواه الترمذي قال ميرك وقال حسن وذكر أن شعبة لم يرفعه ورواه سفيان مرفوعا وأبو داود والدارمي ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال ابن الهمام ولهذا الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة كلهم يروونه عن رسول الله وعن عبد الله بن عدي الخيار وفي نسخة ابن الخيار وقال الطيبي قرشي


نوفلي يقال أنه ولد في عهد رسول الله ويعد في التابعين وروى عن عمر وعثمان رضي الله عنهما قال أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي وهو في حجة الوداع بفتح الواو أشهر في السماع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها أي فطلباه أن يعطيهما شيئا من الصدقة فرفع فينا النظر أي البصر كما في رواية وخفضه فرآنا جلدين بسكون اللام وكسرها أي قويين فقال إن شئتما أعطيتكما أي منها ووكلت الأمر إلى أمانتكما لكن تكونان في خطر الأخذ بغير حق إن كنتما قويين كما دل عليه حالكما أو غنيين ولا حظ أي لا نصيب فيها لغني ولا لقوي مكتسب قال الطيبي أي لا أعطيكما لأن في الصدقة ذلا وهوانا فإن رضيتما بذلك أعطيتكما أو لا أعطيكما لأنها حرام على القوي المكتسب فإن رضيتما بأكل الحرام أعطيكما قاله توبيخا وقال ابن الهمام الحديث دل على أن المراد حرمة سؤالهما لقوله وإن شئتما أعطيتكما فلو كان الأخذ محرما غير مسقط عن صاحب المال لم يفعله رواه أبو داود والنسائي أي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عدي في شرح ابن الهمام قال صاحب التنقيح حديث وقال الإمام أحمد ما أوجده من حديث هو أحسنها إسنادا فهذا مع حديث معاذ يفيد منع غني الغزاة والغارمين عنها فهو حجة على الشافعي في تجويزه لغني الغزاة إذا لم يكن له شيء في الديوان ولم يأخذ من الفىء وعن عطاء بن يسار تابعي جليل مرسلا أي بحذف الصحابي قال قال رسول الله لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أي لمجاهد منقطع عن الغزو أو الحج ويؤيده أنه فسر أحمد سبيل الله في الآية بسفر الحج للخبر الصحيح إن الحج سبيل الله واختاره محمد من أصحابنا لكن في الإستدلال المذكور بحث للجمهور أو لعامل عليها أي على الصدقة من نحو عاشر وحاسب وكاتب أو لغارم أي من استدان ليصلح بين طائفتين في دية أو دين تسكينا للفتنة وإن كان غنيا أو لرجل أي غني اشتراها أي الزكاة من الفقير بماله أو لرجل أي غني كان له جاره مسكين فتصدق على


المسكين فأهدى المسكين
للغني رواه مالك وأبو داود أي من طريق زيد بن أسلم هكذا مرسلا وروى أيضا أبو داود عن عطاء عن أبي سعيد مرفوعا بمعناه وفي رواية عن زيد بن أسلم حدثني الليث عن النبي ورواه ابن ماجه مسندا قال ابن عبد البر وصل هذا الحديث جماعة من رواية زيد بن أسلم ذكره ميرك وقال ابن حجر صحيح أو حسن وفي رواية لأبي داود عن أبي سعيد أو ابن السبيل أعلم أني تتبعت روايات أبي داود فهي ثلاث منها حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله قال الحديث ومنها حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله بمعناه قال أبو داود ورواه ابن عيينة عن زيد كما قال مالك ورواه الثوري عن زيد قال حدثني الليث عن النبي ومنها حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا الفريابي حدثنا سفيان عن عمران البارقي عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله عز وجل أو ابن السبيل أو جار فقير بتصدق عليه فيهدى لك أو يدعوك وبهذا يتضح لك ما في كلام المصنف من الإبهام ثم قال ابن الهمام قيل لم يثبت هذا الحديث ولو ثبت لم يقو قوة ترجح حديث معاذ فإنه رواه أصحاب الكتب الستة مع قرينة من الحديث الآخر يعني قوله لا تحل الصدقة لغني ولو قوي قوته ترجح حديث معاذ بأنه مانع وما رواه مبيح مع أنه داخله التأويل عندهم حيث قيد للأخذ له بأن لا يكون له شيء من الديوان ولا أخذ من الفىء وهو أعم من ذلك وذلك يضعف الدلالة بالنسبة إلى ما لم يدخله وعن زياد بن الحرث الصدائي بضم الصاد ممدودا قال أتيت النبي فبايعته فذكر أي زياد أو النبي حديثا طويلا فأتاه أي أتى النبي رجل فقال أعطني من الصدقة فقال له رسول الله إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم


فيها أي إلى أن حكم في الصدقات هو أي الله تعالى وهو لمجرد التأكيد فجزأها بتشديد الزاي فهمز أي فقسم أصحابها ثمانية أجزاء أي أصناف فإن كنت من تلك الأجزاء أي أجزاء مستحقيها أو من أصحاب تلك الأجزاء أي من الأصناف الثمانية أعطيتك أي حقك قال الطيبي قيل في التجزئة دلالة على وجوب التفريق في الأصناف وأغرب ابن الملك حيث قال وهذا يدل على أنه يفرق على أهل السهام بحصصهم وهو مع كونه خلاف المذهب ليس فيه دلالة إلا على أن الزكاة لا تصرف إلا إلى هذه المصارف لا إنها تصرف إلى جميع هذه المصارف ولذا قال علماؤنا فتصرف إلى الكل أو البعض قال الشمني روى ذلك الطبري في تفسيره عن ابن عباس وعمر وحذيفة وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وأبي العالية وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وبه قال مالك وأحمد لقوله لمعاذ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ولأنه عليه الصلاة والسلام أمر لسلمة بن صخر البياضي بصدقة قومه وبسط فيه الكلام المحقق ابن الهمام وانتصر له الفخر الرازي في هذا المقام وأجاب عنه ابن حجر بما لا نظام له في المرام رواه أبو داود قال ميرك وفي سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وقد تكلموا فيه
الفصل الثالث
عن زيد بن أسلم قال شرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبنا فأعجبه أي وافق هوى نفسه فأنكره بالاستدلال القلبي أو بالإلهام الغيبي وقال الغزالي سأل عمر رضي الله عنه إذ رابه فإنه أعجبه طعمه ولم يكن على ما كان يألفه كل ليلة وهذا من أسباب الريبة وحمله على الورع فسأل الذي سقاه من أين هذا اللبن فأخبره أنه ورد أي مر على ماء أي مكان ماء وأغرب ابن حجر في قوله أي مكان فيه ماء كذا قاله شارح وهو غير محتاج وما المانع أنه ورد الماء نفسه وإن كان من لازم وروده محله اه ووجه غرابته لا تخفى وقد سماه أي عينه باسمه فإذا للمفاجأة نعم بفتحتين من نعم الصدقة وهم أي الرعاة أو أهل


النعم يسقون أي النعم فحلبوا من ألبانها أي فأعطوني هذا فأخذته فجعلته في سقائي بكسر السين فهو هذا فأدخل عمر يده أي في فمه أو حلقه فاستقاءه أي فتقيأه حتى أخرجه من جوفه قال الطيبي هذا غاية الورع والتنزه عن الشبه قال ابن حجر كان الشارح لم يستحضر قول أئمته إن كل من أكل أو شرب حراما لزمه أن يتقيأه إن أطاقه وإن عذر في تناوله اه وفيه أنه لا دلالة في الحديث على كون ذلك اللبن حراما لأن القابض إذا أخذه على وجه الاستحقاق وأهداه لغير المستحق على فرض أن عمر غير مستحق فلا شك في حليته كما تقدم في حديث بريرة أنه لها صدقة ولنا هدية فكان المعترض لم يتفطن لهذا وظن أن اللبن حرام وأيضا لا فائدة في استقائه إذ لا يمكن رده إلى صاحبه وإنما هو تنقية الباطن من أثر الحرام أو الشبهة وهذا لا شبهة أنه ورع قال الغزالي في الأحياء وإنما تقيأ ما شربه مع الجهل حتى لا ينبت منه لحم يثبت ويبقى وقال في موضع آخر ولا ينبغي أن يقال أنه لا يدري فلا يضره لأن الحرام إذا أكل وحصل في المعدة أثر في قساوة القلب وإن لم يعرفه صاحبه ولذا تقيأ عمر رضي الله عنه لأنه شرب على جهل وهذا وإن أفتينا بأنه حلال للفقير فإنما أحللناه بحكم الحاجة إليه فهو كالخنزير والخمر إذا أحللناه للضرورة ولا يلتحق بالطيبات اه رواه مالك والبيهقي في شعب الإيمان


باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له

الفصل الأول
عن قبيصة بفتح القاف وكسر الموحدة ابن مخارق بضم الميم وكسر الراء قال تحملت حمالة بفتح الحاء وتخفيف الميم ما يتحمله عن غيره من دية أو غرامة لدفع وقوع حرب يسفك الدماء بين فريقين ذكره ابن الملك وغيره من علمائنا قال الطيبي أي ما يتحمله الإنسان من المال أي يستدينه ويدفعه لاصلاح ذات البين فتحل له الصدقة إذا لم تكن
الحمالة في المعصية فأتيت رسول الله أسأله فيها أي في الحمالة بمعنى لأجلها فقال أقم أمر من الإقامة بمعنى اثبت واصبر حتى تأتينا الصدقة أي يحضرنا مالها فنأمر لك بها أي بالصدقة أو بالحمالة ثم قال يا قبيصة إن المسألة أي السؤال والشحذة لا تحل إلا لأحد ثلاثة في شرح ابن الملك قالوا هذا بحث سؤال الزكاة وأما سؤال صدقة التطوع فمن لا يقدر على كسب لكونه زمنا أو ذا علة أخرى جاز له السؤال بقدر قوت يومه ولا يدخر وإن كان قادرا عليه فتركه لاشتغال العلم جازت له الزكاة وصدقة التطوع فإن تركه لاشتغال صلاة التطوع وصيامه لا تجوز له الزكاة ويكره له صدقة التطوع فإن جلس واحد أو جماعة في بقعة واشتغلوا بالطاعة ورياضة الأنفس وتصفية القلوب يستحب لواحد منهم أن يسأل صدقة التطوع وكسرات الخبز لهم واللباس لأجلهم رجل بالجر بدل من أحد وقال ابن الملك من ثلاثة بالرفع خبر مبتدأ محذوف تحمل حمالة فحلت له المسألة أي جازت بشرط أن يترك الإلحاح والتغليظ في الخطاب حتى يصيبها أي إلى أن يجد الحمالة أو يأخذ الصدقة ثم يمسك أي عن المسألة يعني إذا أخذ من الصدقات ما يؤدي ذلك الدين لا يجوز أخذ شيء آخر منها كذا ذكره ابن الملك وفيه نظر ورجل بالوجهين أصابته جائحة أي آفة وحادثة مستأصلة من جاحه يجوحه إذا استأصله وهي الآفة المهلكة للثمار والأموال اجتاحت أي استأصلت وأهلكت ماله من ثمار بستانه أو غيره من الأموال فحلت له المسألة أي سؤال المال من الناس حتى يصيب قواما أي إلى أن يدرك ما


تقوم به حاجته الضرورية من عيش أي معيشة من قوت ولباس أو قال شك من الراوي سدادا من عيش وبالكسر هو الصواب ما يسد به الفقر ويدفع ويكفي الحاجة ورجل بالوجهين أي غني أصابته فاقة أي حاجة شديدة اشتهر بها بين قومه حتى يقوم أي على رؤوس الأشهاد ثلاثة من ذوي الحجى بكسر الحاء وفتح الجيم أي العقل الكامل من قومه لقد أصابت فلانا فاقة أي يقوم ثلاثة قائلين هذا القول والمراد المبالغة في ثبوت الفاقة قال الصغاني هكذا وقع في كتاب مسلم يقوم والصحيح يقول باللام وكذا أخرجه أبو داود وكذا في المصابيح وأجيب بأن تقدير القول مع القيام آكد وأغرب ابن حجر حيث قال وبما تقرر في معنى يقوم اندفع قول الصغاني ووجه غرابته أن كلام الصغاني في تصحيح الرواية لا في تصحيح الدراية مع أن عدم الاحتياج إلى التقدير أظهر في مقام التقرير هذا وقد أبعد من قال أن يقوم بمعنى يقول وصححه ابن حجر ووجه بعده أن القول يأتي بمعنى الفعل لا العكس كما في هذا المحل فتأمل قال ابن الملك وهذا على سبيل الإستحباب والإحتياط ليكون أدل على براءة لسائل عن التهمة في ادعائه وأدعى للناس إلى سرعة إجابته وخص بكونهم من قومه لأنهم هم العالمون بحاله وهذا من باب التبيين


والتعريف إذ لا مدخل لعدد الثلاث من الرجال في شيء من الشهادات عند أحد من الأئمة وقيل إن الإعسار لا يثبت عند البعض إلا بثلاثة لأنها شهادة على النفي فثلثت على خلاف ما اعتيد في الإثبات للحاجة وقال السيد جمال الدين نقلا عن التخريج أخذ بهذا الحديث بعض أصحابنا وقال الجمهور يقبل من عدلين وحملوا الحديث على الإستحباب وهذا محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم المال فحلت له المسألة أي فيسبب هذه القرائن الدالة على صدقة في المسألة صارت حلالا له حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ويختلف فاعل قال باختلاف من وقع له الشك فتأمل فما سواهن أي هذه الأقسام الثلاثة من المسألة يا قبيصة سحت بضمتين وبسكون الثاني وهو الأكثر هو الحرام الذي لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها يأكلها أي يأكل ما يحصل له بالمسألة قاله الطيبي والحاصل يأكل حاصلها صاحبها سحتا نصب على التمييز أو بدل من الضمير في يأكلها وجعله ابن حجر قال ابن الملك وتأنيث الضمير بمعنى الصدقة والمسألة رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من سأل الناس أموالهم أي شيئا من أموالهم يقال سألته الشيء وعن الشيء قاله الطيبي فنصبه لنزع الخافض أو على أنه مفعول به وقيل بدل اشتمال تكثرا مفعول له أي ليكثر ماله للاحتياج فإنما يسأل جمرا أي قطعة من نار جهنم يعني ما أخذ سبب للعقاب بالنار وجعله جمرا للمبالغة فهذا كقوله إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا النساء وما يوجب نارا في العقبى وعارا في الدنيا ويجوز أن يكون جمرا حقيقة يعذب به كما ثبت لمانعي الزكاة فليستقل أي من السؤال أو الجمر أو ليستكثر أي ليطلب قليلا أو كثيرا وهذا توبيخ له أو تهديد والمعنى سواء استكثر منه أو استقل رواه مسلم وعن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ما يزال الرجل يسأل


الناس أي من غير استحقاق بلسان القال أو بيان الحال حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم بضم الميم وكسرها مع سكون الزاي بعدها عين مهملة وحكى فتح الميم أيضا والضم هو المحفوظ عند المحدثين أي قطعة يسيرة من اللحم قال الطيبي أي يأتي يوم القيامة ولا جاه له ولا قدر من قولهم لفلان وجه في الناس أي قدر ومنزلة أو يأتي فيه وليس على وجهه لحم أصلا أما عقوبة له وأما اعلاما بعمله اه وذلك بأن يكون علامة له يعرفه الناس بتلك العلامة أنه كان يسأل الناس في الدنيا فيكون تفضيحا لحاله وتشهيرا لمآله وإذلالا له كما أذل نفسه في الدنيا وأراق ماء وجهه بالسؤال ومن دعاء الإمام أحمد اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك فصن وجهي عن مسألة غيرك متفق عليه وعن معاوية قال قال رسول الله لا تلحفوا في المسألة مصدر بمعنى السؤال أي لا تبالغوا ولا تلحوا من ألحف في المسألة إذا ألح فيها فوالله لا يسألني أي بالإلحاف أحد منكم شيئا فتخرج بالتأنيث والتذكير منصوبا ومرفوعا وبالنسبة مجازية سيبية في الإخراج له مسألته مني شيئا وأنا له أي لذلك الشيء يعني لإعطائه أو لذلك الإخراج الدال عليه يخرج كاره والجملة حالية فيبارك بالنصب مجهولا لا أي فإن يبارك له فيما أعطيته أي على تقدير الإلحاف قال الطيبي نصبه على معنى الجمعية أي لا يجتمع إعطائي كارها مع البركة اه وفي نسخة بالرفع فيقدر هو فيكون كقوله تعالى ولا يؤذن لهم فيعتذرون المرسلات قال الغزالي من أخذ شيئا مع العلم بأن باعث المعطى الحياء منه أو من الحاضرين ولولا ذلك لما أعطاه فهو حرام إجماعا ويلزمه رده أورد بدله إليه أو إلى ورثته رواه مسلم قال النووي في شرحه اتفق العلماء على النهي عن السؤال لغير ضرورة واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين أصحهما أنها حرام لظاهر الأحاديث والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط أن لا يذل نفسه ولا يلح في السؤال ولا يكلف بالمسؤول فإن فقد أحد الشروط


فحرام بالإتفاق
وعن الزبير بن العوام بفتح العين وتشديد الواو وهو أحد العشرة المبشرة قال قال رسول الله لأن يأخذ أحدكم حبله أي فيجمع حطبا ثم يربط به فيأتي بحزمة حطب على ظهره قال ابن الملك الحزمة بضم الحاء قدر ما يحمل بين العضدين والصدر ويستعمل فيما يحمل على الظهر من الحطب فيبيعها قيل منصوب على تقدير أن أي فإن يبيع تلك الحزمة أي بسبب الحزمة وثمنها فيكف الله بها وجهه أي يمنع عن إراقة ماء وجهه بالسؤال خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه أي يستوى الأمران في أنه خير له منه رواه البخاري وأبلغ من هذا حديث من تواضع لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه وعن حكيم بن حزام بكسر الحاء بعده زاي وأبلغ من هذا رسول الله أي شيئا فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال لي أي بعد السؤال الثالث أو بعد ما فنى المال أو من غير سؤال يا حكيم إن هذا المال أي المال الذي بأيدي الناس أو جنسه أو نوعه الحاصل من غير كد وتعب خضر بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين أي طري ناعم مرغوب فيه غاية الرغبة حلو أي لذيذ عند النفس تميل إليه بالطبع غاية الميل وقيل الخضر في العين طيب والحلو يكون في الفم طيبا إذ لا تمل العين من النظر إلى الخضر بل يقوي النظر إليه قوة البصر ولا يمل الفم من أكل الحلو وكذلك النفس حريصة بجمع المال لا تمل عنه فقيل إنه تشبيه بليغ من حيث زهرتها وبهجتها وبهائها ثم شرعة فنائها مع ما في الأموال من زيادة عنائها وخسة شركائها فمن أخذه أي المال أخذا ملتبسا بسخاوة نفس أي من الآخذ يعني بلا سؤال ولا إشراف ولا طمع أو بسخاوة نفس وانشراح صدر من المعطي بورك له فيه لأنه ناظر في أخذه إلى ربه ممتثل لأمره ثم بشكره متقو به على طاعته لاحظ له في قبوله إلا رضا الله ورسوله كما يشير إليه قوله تعالى من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق يحمل على هذا الحال حديث نعم المال الصالح للرجل الصالح


وخبر ذهب أهل الدثور بالأجور ومن أخذه بإشراف نفس يحتمل الوجهين أي بطمع أو حرص أو تطلع لم يبارك فيه قيل الإشراف النظر إلى شيء يعني بكراهيته من غير طيب نفس بالإعطاء وقال ابن الملك أي نفس المعطى واختياره من غير تعريض من السائل بحيث لو لم يعطه لتركه ولم يسأله أو المراد نفس السائل بأن يكون ذلك كناية عن عدم الإعطاء أو عن إنفاق الصدقة وعدم إمساكها وكان أي السائل الآخذ الصدقة في هذه الصورة لما يسلط عليه من عدم البركة وكثرة الشره والنهمة كالذي يأكل ولا يشبع أي كذي آفة يزداد سقما بالأكل وهو معبر عنه بجوع البقر وفي معناه مرض الإستسقاء واليد العليا أي المعطية أو المتعففة خير من اليد السفلى وهي الآخذة أو السائلة وقيل السفلى المانعة قال حكيم أي بعد ما سمع في السؤال من نقص الحال وعدم بركة المال في المآل فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ بسكون الراء قبل الزاي أي لا أنقص أحدا أي مال أحد بالسؤال عنه والأخذ منه بعدك أي بعد سؤالك هذا أو بعد قولك هذا شيئا مفعول ثان لارزأ بمعنى أنقص حتى أفارق الدنيا أي إلى أن أموت متفق عليه وعن ابن عمر أن رسول الله قال وهو على المنبر وهو أي والحال أنه يذكر الصدقة أي فضلها والحث عليها أو حكم أخذها أو سؤالها والتعفف عن المسألة قال الطيبي هو الكف عن الحرام وعن السؤال عن الناس اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة أي المعطية قال الطيبي هكذا وقع في صحيح مسلم والبخاري وكذا ذكره أبو داود أكثر الروايات وفي رواية له وقال ابن عمر المتعففة من العفة ورجح هذه الرواية بأن الكلام في التعفف والسؤال والمعنى صحيح على الروايتين فإن المنفقة أعلى من الآخذة والمتعففة أعلى من السائلة قيل الإنفاق يدل على التعفف مع زيادة ويناسب التحريض على الصدقة فرواية الشيخين أولى وأصح رواية ودراية اه والتفسير يحتمل أن يكون مرفوعا وموقوفا ويؤيد الثاني قول ابن حجر وروى أبو


داود هذا التفسير عن أكثر الرواة فقال الخطابي الأرجح ما في أبي داود عن ابن عمر أن العليا هي المتعففة والسفلى هي السائلة لأن السياق في ذكر المسألة والتعفف عنها وأغرب ابن حجر في قوله مردود بل الراجح الذي عليه
الجمهور وهو الرواية الأولى كما قاله النووي لأنه لا منافاة بينهما حيث يمكن جمعهما باعتبار الحالتين لأصحابهما مع أنه إنما أراد الترجيح لرواية المتعففة على المنفقة في هذا المقام لنظام المرام لا لما يترتب عليه أحكام أئمة الأنام والسفلى هي السائلة قال الشيخ أبو النجيب السهروردي في آداب المريدين وأجمعوا أي الصوفية على أن الفقر أفضل من الغنى إذا كان مقرونا بالرضا فإن احتج محتج بقول النبي اليد العليا خير من اليد السفلى وقال اليد العليا هي المعطية واليد السفلى هي السائلة قيل له اليد العليا تنالها الفضيلة بإخراج ما فيها واليد السفلى تنالها المنقصة بحصول الشيء فيها اه وتوضيحه إن الغنى بإعطاء بعض المال تقرب إلى الله تعالى باختيار الفقر والفقير بأخذ بعض المال مال إلى الغني فتنقص حاله ويخشى مآله وفي هذا مبالغة عظيمة ودلالة جسيمة على أفضلية الفقير الصابر على الغني الشاكر لأنه إذا كان حال السائل بهذه المثابة فكيف حال المتعفف والآخذ عند الحاجة والفاقة والظاهر أن المراد بالسائل إذا لم يكن مضطر وإما إذا وجب عليه السؤال وغلب عليه الحال فانقلب المقال ولهذا قال بعض العارفين أعني خواجه عبيد الله السمرقندي قدس الله سره لما سئل الفقير الصابر أفضل أم الغني الشاكر فقال بل الفقير الشاكي وهو إما أراد المبالغة أو الشكاية الضرورية أو الإشارة إلى قوله تعالى حكاية إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله يوسف والله أعلم متفق عليه وعن أبي سعيد الخدري قال إن أناسا وفي نسخة بترك الهمزة أي جماعة من الأنصار سألوا رسول الله أي شيئا فأعطاهم أي إياه ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد بكسر الفاء والدال المهملة أي فنى ما عنده فقال ما


يكون عندي من خير أي مال ومن بيان لما وما خبرية متضمنة للشرط أي كل شيء من المال موجود عندي أعطيكم فلن أدخره عنكم ولم أمنعه منكم ومن يستعف وفي بعض النسخ بالفك أي من يطلب من نفسه العفة عن السؤال قال الطيبي أو يطلب العفة من الله تعالى فليس السين لمجرد التأكيد كما اختاره ابن حجر يعفه الله أي يجعله عفيفا من الإعفاف وهو إعطاء العفة وهي الحفظ عن المناهي
يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة وهي كنز لا يفنى ومن يستغن أي يظهر الغني بالإستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنيا من التعفف يغنه الله أي يجعله غنيا أي بالقلب ففي الحديث ليس الغني عن كثرة العرض إنما الغني غني النفس ومن يتصبر أي يطلب توفيق الصبر من الله لأنه قال تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله النحل أو يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقة وهو تعميم بعد تخصيص لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة والمعصية والبلية أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو حاله لغير ربه يصبره الله بالتشديد أي يسهل عليه الصبر فتكون الجمل مؤكدات ويؤيد إرادة معنى العموم قوله وما أعطى أحد عطاء أي معطى أو شيئا هو خير أي أفضل لاحتياج السالك إليه في جميع المقامات وأوسع أي أشرح للصدر من الصبر وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة البقرة ومعنى كونه أوسع أنه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد فإن قيل الرضا أفضل منه كما صرحوا به أجيب بأنه غايته التي لا يعتد به إلا معها فليس أجنبيا عنه كما يرشد إليه قوله إنا وجدناه صابرا ص صلى الله عليه وسلم إذ المراد به في حقه ونحوه ما يكون معه رضا وإلا فهو مقام ناقص جدا وفي هذا المعنى قال تعالى فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل الأحقاف واصبر لحكم ربك فإنك


بأعيننا الطور واصبر وما صبرك إلا بالله النحل قال الطيبي في رواية عطاء خير أي هو خير كما في رواية البخاري وفي رواية خيرا بالنصب على أنه صفة عطاء وقال ميرك كذا في جميع نسخ المشكاة الحاضرة ووقع في نسخ مسلم ما أعطى أحد عطاء خير بلا لفظ هو وهو مقدر وفي رواية خيرا بالنصب كما يفهم من شرح مسلم للإمام النووي ففي قول صاحب المشكاة في آخر الحديث متفق عليه تساهل والله أعلم وعن عمر بن الخطاب قال كان النبي يعطيني العطاء قيل كان ذلك أجر عمله في الصدقة كما يدل عليه حديث ابن الساعدي في الفصل الثالث فأقول أعطه الضمير للعطاء أو للسكت أفقر إليه مني أي أحوج فقال خذه فتموله أي اقبله وأدخله في مالك أي
أن كنت محتاجا وتصدق به أي على أفقر منك إن كان فاضلا عنك عما لا بدلك منه فما جاءك من هذا المال إشارة إلى جنس المال أو المال الذي أعطاه وأنت غير مشرف قال الطيبي الإشراف الإطلاع على شيء والتعرض له والمقصود منه الطمع أي والحال إنك غير طامع له ولا سائل فخذه أي فاقبله وتصدق به إن لم تكن محتاجا ومالا أي وما لا يكون كذلك بأن لا يجيئك هنالك إلا بتطلع إليه واستشراف عليه فلا تتبعه نفسك من الإتباع بالتخفيف أي فلا تجعل نفسك تابعة له ولا توصل المشقة إليها في طلبه حكى أن الإمام أحمد بن حنبل اشترى شيئا من السوق فحمله بنان الحمال فلما دخل البيت وكان الخبز منشورا ليبرد أمر ولده أن يعطى قرصا لبنان فعرض عليه فامتنع ولم يأخذه فلما خرج أمره أن يلحقه ويعطيه فأخذه فتعجب الولد من امتناعه أولا وأخذه ثانيا فسأل الإمام فقال نعم لما دخل ورأى العيش وقع منه إشراف على مقتضى الطبع البشرى فامتنع لذلك ولما خرج وجاءه الخبز من غير إشراف في تلك الحالة أخذه متفق عليه وفي حديث من أتاه من هذا المال شيء من غير سؤال ولا إشراف نفس فرده فكأنما رده على الله ومن ثم قيل بوجوب قبوله
الفصل الثاني


عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله المسائل جمع المسألة وجمعت لاختلاف أنواعها والمراد هنا سؤال أموال الناس كدوح مثل صبور للمبالغة من الكدح بمعنى الجرح فالأخبار به عن المسائل باعتبار من قامت به أي سائل الناس أموالهم جارح لهم بمعنى مؤذيهم على ما ذكره ابن حجر أو جارح وجهه وهو الأظهر فتدبر وبضم الكاف جمع كدح وهو أثر مستنكر من خدش أو عض والجمع هنا أنسب ليناسب المسائل يكدح بها الرجل أي يجرح ويشين بالمسائل وجهه ويسعى في ذهاب عرضه بالسؤال بريق ماء وجهه فهي كالجراحة له والكدح قد يطلق على غير الجرح ومنه قوله تعالى إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه الإنشقاق فمن شاء أي الإبقاء أبقى على وجهه أي ماء


وجهه من الحياء بترك السؤال والتعفف ومن شاء أي عدم الإبقاء تركه أي ذلك الإبقاء إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أي حكم وملك بيده بيت المال فيسأل حقه فيعطيه منه إن كان مستحقا قال الطيبي واختلف في عطية السلطان والصحيح إن غلب في يده الحرام من ذلك الجنس لم تحل وإلا حلت يعني حرم سؤاله والأخذ منه كما اختاره الغزالي واعتمده النووي في شرح مسلم لكنه بالغ في رده في شرح المهذب فيكره ذلك سؤالا وأخذا وقد اختلف السلف في قبول عطاء السلطان فمنعه قوم وأباحه آخرون أو في أمر لا يجد منه أي من أجله بدا أي علاجا آخر غير السؤال أو لا يوجد من السؤال فراقا وخلاصا كما في في الحمالة والجائحة والفاقة بل يجب حال الاضطرار في العرى والجوع قال الغزالي وكذا يجب السؤال على من استطاع الحج فتركه حتى أعسر قال ابن حجر لأنه أوقع نفسه في ورطة الفسق لو مات قبل الحج فلزمه أن يخرج عن هذه الزلة المقتضية للفسق بسؤال الأغنياء ما يؤدي به هذا الواجب وبهذا يندفع نزاع بعضهم للغزالي في الوجوب رواه أبو داود والترمذي والنسائي وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله من سأل الناس وله ما يغنيه أي عن السؤال ويكفيه بقدر الحال جاء يوم القيامة ومسألته أي أثرها في وجهه خموش أي جروح أو خدوش أو كدوح بضم أوائلها ألفاظ متقاربة المعاني جمع خمش وخدش وكدح فاو هنا أما لشك الراوي إذ الكل يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح ولعل المراد بها آثار مستنكرة في وجهه حقيقة أو أمارات ليعرف ويشهر بذلك بين أهل الموقف أو لتقسيم منازل السائل فإنه مقل أو مكثر أو مفرط في المسألة فذكر الأقسام على حسب ذلك والخمش أبلغ في معناه من الخدش وهو أبلغ من الكدح إذ الخمش في الوجه والخدش في الجلد والكدح فوق الجلد وقيل الخدش قشر الجلد يعود والخمش قشره بالأظفار والكدح العض وهي في أصلها مصادر لكنها لما جعلت أسماء للآثار جمعت قيل يا


رسول الله وما يغنيه أي كم هو أو أي مقدار من المال يغنيه قال خمسون درهما أو قيمتها أي قيمة الخمسين من الذهب قال الطيبي قيل ظاهره
إن من ملك خمسين درهما أو قيمتها من جنس آخر فهو غني يحرم عليه السؤال وأخذ الصدقة وبه قال ابن المبارك وأحمد وإسحاق والظاهر أن من وجد قدر ما يغديه ويعشيه على دائم الأوقات أو في أغلبها فهو غني كما ذكر في الحديث الآتي سواء حصل له ذلك بكسب يد أو تجارة لكن لما كان الغالب فيهم التجارة وكان هذا القدر أعني خمسين درهما كافيا لرأس المال قدر به تخمينا وبما يقرب منه في الحديث الثالث أعني الأوقية وهي يومئذ أربعون درهما فلا نسخ في هذه الأحاديث وقيل حديث ما يغنيه منسوخ بحديث الأوقية وهو بحديث خمسين وهو منسوخ بما روى مرسلا من سأل الناس وعنده عدل خمس أواق فقد سأل إلحافا وعليه أبو حنيفة اه وتقدم أن في مذهبه من ملك مائتي درهم يحرم عليه أخذ الصدقة ومن ملك قوت يومه يحرم عليه السؤال ففرق بين الأخذ والسؤال فما نسب إليه غير صحيح والأنسب بمسألة تحريم السؤال أن يكون أمر النسخ بالعكس بأن نسخ الأكثر فالأكثر إلى أن تقرر أن من عنده ما يغديه ويعشيه يحرم عليه السؤال فيكون الحكم تدريجيا بمقتضى الحكم كما وقع في تحريم الخمر وأما في العبادات فوقع التدريج في الزيادات لما تقتضيه الحكم الإلهيات على وفق الطباع والمألوفات رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وعن سهل بن الحنظلية قال قال رسول الله من سأل وعنده ما يغنيه أي من السؤال وهو قوته في الحال فإنما يستكثر من النار يعني من جمع أموال الناس بالسؤال من غير ضرورة فكأنه جمع لنفسه نار جهنم قال النفيلي بضم النون وفتح الفاء وهو عبد الله بن محمد شيخ أبي داود والسجستاني منسوب إلى أحد آبائه وهو أحد رواته أي الحديث في موضع آخر أي في رواية أخرى زيادة على الأولى وما الغني الظاهر قيل وما الغني الذي لا تنبغي بالتأنيث والتذكير معه المسألة


قال أي النبي كما هو الظاهر قدر ما يغديه ويعشيه أي قدر كفايتهما بمال أو كسب لم يمنعه عن علم أو حال التغذية إطعام طعام الغدوة
والتعشية إطعام طعام العشاء قال الطيبي يعني من كان له قوت هذين الوقتين لا يجوز له أن يسأل في ذلك اليوم صدقة التطوع وأما في الزكاة المفروضة فيجوز للمستحق أن يسألها بقدر ما يتم به نفقة سنة له ولعياله وكسوتهما لأن تفريقها في السنة مرة واحدة وقال أي النفيلي في موضع آخر أي في الجواب عما يغنيه أن يكون له شبع يوم بكسر الشين وسكون الموحدة وفتحها وهو الأكثر أي ما يشبعه من الطعام أول يومه وآخره قال ابن الملك بسكون الباء ما يشبع وبفتح الباء المصدر وفي القاموس الشبع بالفتح وكعنب ضد الجوع وبالكسر وكعنب اسم ما أشبعك أو ليلة ويوم شك من الراوي رواه أبو داود عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد سبق أن إبهام الصحابي لا يضر لأن الأصح بل الصواب أن الصحابة كلهم عدول ومن وقع له منهم زلة وفقه الله للتوبة ببركة ما حل عليه من الصحبة ولو باللحظة قال قال رسول الله من سأل منكم وله أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتية أي أربعون درهما من الفضة أو عدلها بكسر العين ويفتح أي ما يساويها من ذهب ومال آخر فقد سأل إلحافا أي إلحاحا وإسرافا من غير إضطرار رواه مالك وأبو داود والنسائي قال ميرك وسكت عليه أبو داود وأقره المنذري وفي الحديث قصة وله شاهد عند النسائي من حديث أبي سعيد وعن حبشي بضم الحاء وسكون الموحدة ابن جنادة بضم الجيم قال الطيبي هو أبو الجنوب من بني بكر بن هوازن رأى النبي في حجة الوداع وله صحبة وعدوه في أهل الكوفة قال قال رسول الله إن المسألة لا تحل لغتي أي بما يكفيه ليومه ولا لذي مرة بكسر الميم أي قوة بأن لا يكون به علة سوى أي صحيح سليم الأعضاء على الكسب إلا لذي فقر استثناء من الأخير مدقع أي شديد من أدقع لصق بالدقعاء وهو التراب أو غرم بضم الغين أي دين مفظع أي شنيع مثقل قال الطيبي رحمه


الله والمراد ما استدان لنفسه وعياله في مباح وقال ابن حجر أو لمعصية وصرفه في مباح أو وتاب اه
ويمكن أن يكون المراد به ما لزمه من الغرامة بنحو دية وكفارة ومن سأل الناس أي واحد منهم ليثرى من الإثراء به أي بسبب السؤال أو بالمأخوذ ماله بفتح اللام ورفعه أي ليكثر ماله من أثرى الرجل إذا كثرت أمواله كذا قاله بعض الشراح وفي النهاية الثرى المال وأثرى القوم كثروا وكثرت أموالهم وفي القاموس الثروة كثروة العدد من الناس والمال وثرى القوم كثروا ونموا المال كذلك وثرى كرضى كثر ماله كاثرى إذا عرفت ذلك فاعلم أن في أكثر النسخ ماله بفتح اللام وهو خلاف ما عليه أهل اللغة من أن أثرى لازم فيتعين رفعة اللهم إلا أن يقال ما موصولة وله جار ومجرور وفي بعض النسخ ليثرى بالتشديد من باب التفعيل وهو يحتمل اللزوم كأثرى ويحتمل التعدية على القياس وإن لم يكن مسموعا والله أعلم كان أي السؤال أو المال أو عقاب ذلك الحال خموشا بالضم أي عبسا في وجهه يوم القيامة أي على رؤوس الأشهاد ورضفا بفتح فسكون أي حجرا محميا يأكله من جهنم أي فيها قيل المراد به التحريق والتعذيب على وجه التحقيق ولعل الخمش عذاب لوجهه لتوجهه إلى غيره تعالى بغير إذنه وأكل الحجر عذاب للسانه وفمه في السؤال من المخلوق المتضمن للشكاية من مولاه تعالى ولذا ورد كاد الفقر أن يكون كفرا فمن شاء فليقل أي هذا السؤال أو ما يترتب عليه من النكال ومن شاء فليكثر وهما أمر تهديد ونظيره قوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا الكهف رواه الترمذي وعن أنس أن رجلا من الأنصار أتى النبي يسأله حال أو استئناف بيان فقال أما في بيتك شيء بهمزة استفهام تقريري وما نافية وكان الهمزة سقطت من أصل ابن حجر فقال فيه حذف حرف الإستفهام فقال بلى جلس أي فيه جلس وهو بكسر مهملة وسكون لام كساء غليظ يلي ظهر البعير تحت القتب نلبس بفتح الباء بعضه أي بالتغطية لدفع البرد ونبسط


بعضه أي بالفرش وقعب بفتح فسكون أي قدح نشرب فيه من الماء من تبعيضية أو زائدة على مذهب الأخفش قال ائتني بهما أي بالحلس والقعب فأتاه أي بهما كما في نسخة فأخذهما رسول الله بيده وقال من يشتري هذين أي المتاعين فيه غاية التواضع وإظهار المرحمة للعلم بأنه إذا خرج عليهما رغب فيهما بأكثر من ثمنهما مع ما فيه
من التأكيد في هذا الأمر الشديد قال رجل أنا آخذهما بضم الخاء ويحتمل كسرها بدرهم قال من يزيد على درهم مرتين ظرف لقال أو ثلاثا شك من الراوي قال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري فيه دليل على جواز بيع المعاطاة وقال اشتر بكسر الراء وفي لغية بسكونها بأحدهما أي أحد الدرهمين طعاما فانبذه بكسر الباء أي اطرحه إلى أهلك أي ممن يلزمك مؤنته واشتر بالآخر قدوما بفتح القاف وضم الدال أي فأسا فائتني به فأتاه به أي بعد ما اشتراه فشد فيه رسول الله عودا أي ممسكا بيده أي الكريمة ثم قال اذهب فاحتطب أي اطلب الحطب واجمع وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما أي لا تكن هنا هذه المدة حتى لا أراك وهذا مما أقيم فيه المسبب مقام السبب والمراد نهي الرجل عن ترك الإكتساب في هذه المدة لا نهي نفسه عن الرؤية فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما أي حبوبا فقال رسول الله هذا خير لك من أن تجىء المسألة أي إذا كانت على غير وجهها أو مطلقا لأن السؤال دل في التحقيق ولو أين الطريق نكتة أي حال كونها علامة قبيحة أو أثرا من العيب في وجهك يوم القيامة إن المسألة لا تصلح أي لا تحل ولا تجوز ولا تصح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أي شديد أو لذي غرم أي غرامة أو دين مفظع أي فظيع وثقيل وفضيح قال ابن الملك هذا لفظ الحديث لكن الحكم جواز السؤال لأداء الدين وإن كان قليلا فتحل له الصدقة فيعطى من سهم الغارمين اه وفيه ما فيه من أن لفظ الحديث مخالف للحكم أو الحكم يخالفه وهذا خلف مع أنه


خلاف المذهب إذ الحكم جواز أخذ الزكاة لأداء الدين لا جواز السؤال كما تقدم وقوله من سهم الغارمين مبنى على مذهب الشافعي خلافا للمذهب كما هو معلوم من الخلاف المرتب أو لذي دم موجع بكسر الجيم وفتحها أي مؤلم والمراد دم يوجع القاتل وأولياءه بأن تلزمه الدية وليس لهم ما يؤدي به الدية ويطلب أولياء المقتول منهم وتنبعث الفتنة والمخاصمة بينهم وقيل هو الذي يوجع أولياء المقتول فلا تكاد ثائرة الفتنة تطفأ فيما بينهم فيقوم له من يتحمل الحمالة وقد ذكر ذلك فيما سبق وقيل هو أن يتحمل الدية فيسعى فيها ويسأل حتى يؤديها إلى أولياء المقتول لتنقطع الخصومة وليس


له ولأوليائه مال ولا يؤدي أيضا من بيت المال فإن لم يؤدها قتلوا المتحمل عنه وهو أخوه أو حميمه فيوجعه قتله رواه أبو داود قال الشيخ الجزري رواه الأربعة من حديث أنس مطولا وقال الترمذي لا يعرف إلا من حديث الأخضر بن عجلان قال ابن معين صالح وقال أبو حاتم يكتب حديثه ذكره ميرك وروى ابن ماجه إلى قوله يوم القيامة وعن ابن مسعود قال رسول الله من أصابته فاقة أي حاجة شديدة وأكثر استعمالها في الفقر وضيق المعيشة فأنزلها بالناس أي عرضها عليهم وأظهرها بطريق الشكاية لهم وطلب إزالة فاقة منهم قال الطيبي يقال نزل بالمكان ونزل من علو ومن المجاز نزل به مكروه وأنزلت حاجتي على كريم وخلاصته إن من اعتمد في سدها على سؤالهم لم تسد فاقته أي لم تقض حاجته ولم تزل فاقته وكلما تسد حاجة أصابته أخرى أشد منها ومن أنزلها بالله بأن اعتمد على مولاه أوشك الله أي أسرع وعجل له بالغناء بفتح الغين والمد أي الكفاية وفي نسخة بالغنى قال شراح المصابيح رواية بالغني بالكسر مقصورا على معنى اليسار تحريف للمعنى لأنه قال يأتيه الكفاية عما هو فيه إما بموت عاجل قيل بموت قريب له غني فيرثه ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق أو غنى بكسر وقصر أي يسار آجل أي بأن يعطيه مالا ويجعله غنيا قال الطيبي هو هكذا أي بالغين أكثر نسخ المصابيح وجامع الأصول وفي سنن أبي داود والترمذي أو غني آجل بهمزة ممدودة وهو أصح دراية لقوله تعالى إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله النور اه وفيه بحث تأمل رواه أبو داود والترمذي
الفصل الثالث
عن ابن الفراسي بكسر الفاء إن الفراسي هو من بني فراس بن غنم بن مالك


بن كنانة وله صحبة ذكره الطيبي رحمه الله قال لرسول الله وفي نسخة قال قلت لرسول الله أسأل بحذف حرف الإستفهام أي وأطلب يا رسول الله فقال النبي لا أي لا تسأل الناس شيئا من المال وتوكل على الله في كل حال وإن كنت أي سائلا لا بد أي لك منه ولا غنى لك عنه فسل بالوجهين أي اطلب الصالحين لأن الصالح لا يعطي إلا من الحلال ولا يكون إلا كريما ورحيما ولا يهتك العرض ولأنه يدعو لك فيستجاب ولذا كان فقراء بغداد يسألون الإمام أحمد ومن غريبه ما وقع أن أهل بيت الإمام احتاجوا إلى الخميرة في حال العجن مرة فطلبوا من بيت ولده وكان قد تولى القضاء ومن صلاحه وتقواه يرقد عند بابه في الليل قائلا لعله احتاج إلى ولما خبزوا انكشف للإمام أن فيه شبهة فسألهم فحكوا له بالقضية فامتنع من أكله وتبعوه ثم قالوا هل نعطيه للفقراء قال نعم ولكن بشرط إظهار عيبه فلم يأخذه الفقراء فرموه في البحر من غير أمره فلما اطلع على فعلهم إمتنع من أكل الحوت مدة حياته رضي الله عنهم أجمعين رواه أبو داود والنسائي وعن ابن الساعدي قال استعملني عمر أي جعلني عاملا على الصدقة أي على أخذها وجمعها وحفظها فلما فرغت منها أي من أخذها وأديتها إليه أي إلى عمر أمر لي بعمالة بضم العين وفي القاموس مثلثة أجرة العمل فقلت إنما عملت لله وأجري بالوجهين على الله قال خذ ما أعطيت بصيغة المفعول فإني قد عملت أي على الصدقة على عهد رسول الله فعملني بتشديد الميم أي أعطاني أجرة العمل والمعنى أراد إعطاءها أو أمر لي بالعطاء فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأله فكل أي حال كونك فقيرا أو تصدق أي حال كونك غنيا رواه أبو داود وفيه جواز أخذ العوض من بيت المال على العمل العام وإن كان فرضا كالقضاء والحسبة والتدريس بل يجب على الإمام كفاية هؤلاء ومن في معناهم في مال بيت المال وظاهر هذا الحديث وغيره مما سبق وجوب قبول ما أعطيه الإنسان من غير سؤال ولا إشراف


نفس وبه قال أحمد وغيره وحمل الجمهور الأمر على الإستحباب أو الإباحة والله أعلم
وعن علي أنه سمع يوم عرفة رجلا يسأل الناس فقال أي علي أفي هذا اليوم وفي هذا المكان أي أفي زمان إجابة الدعاء ومكان قبول الثناء وحصول الرجاء يسأل من غير الله أي شيئا حقيرا مثل الغداء أو العشاء قال الطيبي أي هذا المكان وهذا اليوم ينافيان السؤال من غير الله ويلحق بذلك السؤال في المساجد إذ لم تبن إلا للعبادة اه ونظيره ما وقع للشيخ أبي العباس المرسى قدس الله سره أنه خرج من المدينة عازما لزيارة سيدنا حمزة فتبعه رجل فانفتح للشيخ باب التربة من غير مفتاح فدخل فرأى رجالا من رجال الغيب فسأل الله العفو و العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة قال فرحمت على رفيقي فقلت له أدركت وقت الإجابة فاطلب مقصودك من الله تعالى فسأل دينارا فرجعت فلما دخلت باب المدينة ناوله رجل دينارا فدخلت على شيخي السيد أبي الحسن الشاذلي فقال للرجل قبل نقل القضية يا دني الهمة أدركت وقت الإجابة وسألت دينارا لم لا سألت العفو والعافية مثل أبي العباس ويقرب منه ما حكى عن الشيخ بهاء الدين النقشبندي أنه سئل ما رأيت في حجك من العجائب فقال رأيت شابا باع واشترى في سوق منى كذا وكذا من الدراهم والدنانير ولم يغفل عن الله ساعة ورأيت شيخا كبيرا متعلقا بالملتزم طالبا من الله تعالى الدنيا وقال بعض العارفين من طلب من الله غير الله أغلق عليه باب الإجابة فخفقه أي ضربه بالدرة بكسر الدال وتشديد الراء في القاموس هي التي يضرب بها وقال الطيبي الخفق الضرب بالشيء العريض رواه رزين وعن عمر قال تعلمون خبر بمعنى الأمر وفي نسخة صحيحة تعلمن قال الطيبي أي لتعلمن وفيه شذوذ أن إيراد اللام في أمر المخاطب وحذفها مع كونها مرادة كما في قوله محمد تغد نفسك وقيل يحتمل أن يكون تعلمن جواب قسم مقدر واللام المقدرة هي المفتوحة أي والله لتعلمن أيها الناس أن الطمع أي في الخلق فقر أي حاضر أو


يجر إليه وإن الإياس بمعنى اليأس من الناس غني وإن المرء تفسير لما تقدم إذا يئس وفي نسخة صحيحة إذا أيس عن شيء استغنى عنه ولذا قيل اليأس إحدى الراحتين وقال السيد أبو الحسن الشاذلي لما طلب منه علم الكيمياء هو في كلمتين اطرح الخلق عن نظرك واقطع طمعك عن الله أن يعطيك غير ما قسم لك رواه رزين وعن ثوبان قال الطيبي هو أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن من السراة
موضع بين مكة واليمن أصابه سبي فاشتراه النبي ولم يزل معه حضرا وسفرا حتى توفي رسول الله فخرج إلى الشام ونزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وتوفي بها سنة أربع وخمسين قال قال رسول الله من يكفل بفتح الياء وضم الفاء مرفوعا قال الطيبي من استفهامية وفي نسخة بصيغة الماضي من التكفيل أي من يضمن ويلتزم لي ويتقبل مني أن لا يسأل الناس شيئا أي من السؤال أو من الأشياء فأتكفل بالنصب والرفع أي أتضمن له بالجنة أي أولا من غير سابقة عقوبة وفيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة فقال ثوبان أنا أي تضمنت أو أتضمن فكان أي ثوبان بعد ذلك لا يسأل أحدا شيئا أي ولو كان به خصاصة واستثنى منه إذا خاف على نفسه الموت فإن الضرورات تبيح المحظورات بل قيل إنه لو لم يسأل حتى يموت يموت عاصيا رواه أبو داود والنسائي وعن أبي ذر قال دعاني رسول الله أي إلى المبايعة الخاصة وهو يشترط علي أي والحال أنه يقول لي على جهة الاشتراط أبايعك على أن لا تسأل الناس شيئا بفتح اللام وكسرها وعلى الأول أكثر النسخ قال الطيبي إن مفسرة داخلة على النهي لما في يشترط من معنى القول قيل ويحتمل أن تكون مصدرية قلت نعم أي بايعتك على ذلك قال أي النبي للمبالغة ولا سوطك أي ولا تسأل أحدا أن يناوله لك إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه أي بنفسك وفي هذا النزول حصول علو رواه أحمد


باب الإنفاق وكراهية الإمساك

الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله لو كان لي مثل أحد بضمتين جبل معروف بالمدينة ذهبا تمييز لسرني أي أعجبني وجعلني في سرور أن لا يمر عليه ثلاث ليال وعندي منه شيء قال ابن الملك الواو فيه للحال يعني لسرني عدم مرور ثلاث ليال والحال أن يكون فيها شيء منه عندي والنفي في الحقيقة راجع إلى الحال إلا شيء قال الطيبي وجه الرفع أن قوله شيء في حيز النفي أي لسرني أن لا يبقى منه شيء إلا شيء أرصده بضم الهمزة أي أحفظه وأعده لدين أي لإداء دين كان علي لأن أداء الدين مقدم على الصدقة وكثير من جهلة العوام وظلمة الطغام يعملون الخيرات والمبرات والعمارات وعليهم حقوق الخلق ولم يلتفتوا إليها وكثير من المتصوفة غير العارفة يجتهدون في الرياضات وتكثير الطاعات والعبادات وما يقومون بما يجب عليهم من الديانات رواه البخاري وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما من يوم ما نافية ومن زائدة لتأكيد الإستغراق والمعنى ليس يوم يصبح العباد فيه صفة يوم إلا ملكان مبتدأ خبره ينزلان أي فيه وهذه الجملة مع ما يتعلق بها في محل الخبر وهو مستثنى من محذوف أي على وجه إلا هذا الوجه ذكره الطيبي فيقول أحدهما أي لمن أنفق ماله في الخيرات اللهم أعط منفقا أي من محله في محله وأطلق مبالغة في مدح الإنفاق خلفا أي عوضا عظيما وهو العوض الصالح أو عوض في الدنيا وبدلا من العقبى لقوله تعالى وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين سبأ ويقول الآخر أي للآخر الذي لم ينفق في مرضاة المولى اللهم أعط ممسكا أي عن خيره لغيره تلفا أي لماله حسا أو معنى وفي إيراده بلفظ الإعطاء مشاكلة متفق عليه وعن أسماء بنت الصديق الأكبر قالت قال رسول الله أنفقي أي في مرضاة الله تعالى ولا تحصي أي ولا يبقى شيئا للادخار فإن من أبقى شيئا أحصاه وقيل معناه ولا تعدي ما أنفقتيه فتستكثريه فيكون ذلك سببا لانقطاع إنفاقك وهو معنى قوله


فيحصي الله عليك بالنصب جوابا للنفي أي فيقل الرزق عليك بقطع البركة ويجعله كالشيء المعدود أو فيحاسبك عليه في الآخر قال الطيبي وأصل الإحصاء الإحاطة بالشيء حصرا وعددا والمراد هنا عد الشيء للقنية والإدخار للإعتداد وترك الإنفاق منه في سبيل الله اه فقوله فيحصى الله عليك من باب المشاكلة أو على طريق التجريد ولا توعي فيوعى الله عليك الإيعاء حفظ الشيء في الوعاء أي لا تمنعي فضل المال عن الفقير فيمنع الله عنك فضله ويسد عليك باب المزيد أرضخي بفتح الضاد الرضخ العطية القليلة أي أعطى ما استطعت أي ما قدرت عليه وإن كان قليلا وأنفقي شيئا وإن كان يسيرا ولا تجعليه حقيرا فإنه ربما يكون عند الله كثيرا وفي ميزان القبول كبيرا قال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة عز وجل وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين الأنبياء وقال جل عظمته وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما النساء وقال ابن الملك وإنما أمرها بالرضخ لما عرف من حالها إنها لا تقدر أن تتصرف في مالها ولا في مال زوجها بغير إذنه إلا في الشيء اليسير الذي جرت العادة فيه بالتسامح من قبل الزوج كالكسرة والتمرة وبالطعام الذي يفضل في البيت ولا يصلح للادخار لتسارع الفساد إليه متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله قال الله تعالى أنفق يا ابن آدم أي مما ينفد أنفق عليك مما لا ينفد إيماء إلى قوله تعالى ما عندكم ينفد وما عند الله باق النحل والمعنى أنفق الأموال الفانية في الدنيا لتدرك الأحوال العالية في العقبى وقيل معناه أعطى الناس ما رزقك حتى أنا أرزقك أي في الدنيا والعقبى إشارة إلى قوله تعالى وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه متفق عليه وعن أبي أمامة قال قال رسول الله يا ابن آدم أن تبدل الفضل أي إنفاق الزيادة على قدر الحاجة والكفاف فإن مصدرية مع مدخولها مبتدأ خبره خير لك أي في الدنيا والأخرى وفي التعبير بالفضل دون مطلق المال إشعار


بأنه لا ينبغي له أن يضيع المال ففي الخبر كفى بالمرء اثما أن يضيع من يقوت وقد جاء رجل بمثل البيضة من ذهب فقال
يا رسول الله خذها فهي للصدقة وما أملك غيرها فاعرض عنه عليه الصلاة والسلام إلى أن أعاد عليه القول ثلاث مرات ثم أخذها ورماه بها رمية لو أصابته لا وجعته ثم قال يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يتكفف وجوه الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غني والمراد إما غني مالي فضلا عما أعطاه وإما غني قلبي متكل على فضل مولاه ولهذا لما تصدق أبو بكر بجميع ماله قرره لما عرف من كمال حاله وأراد عمر ذلك فأمره بإمساك بعض ماله وإن تمسكه أي ذلك الفضل وتمنعه شر لك أي عند الله وعند الناس ولا تلام على كفاف بالفتح وهو من الرزق القوت وهو ما كف عن الناس وأغنى عنهم والمعنى لا تذم على حفظه وإمساكه أو على تحصيله وكسبه ومفهومه إنك إن حفظت أكثر من ذلك ولم تتصدق بما فضل عنك فأنت مذموم وبخيل وملوم وابدأ أي ابتدىء في إعطاء الزائد على قدر الكفاف بمن تعول أي بمن تمونه ويلزمك نفقته رواه مسلم قال ميرك ورواه الترمذي وأخرج البخاري منه قوله وابدأ بمن تعول من حديث ابن عمر وغيره وعن أبي هريرة قال قال رسول الله مثل البخيل والمتصدق أي صفتهما كمثل رجلين عليها جنتان بضم الجيم وتشديد النون أي وقايتان من حديد ويروى بالباء الموحدة وكذا في شرح السنة روى بها وقيل الصحيح ههنا النون بلا خلاف لأن الدرع لا يسمى الجبة بالباء كذا قاله الطيبي ويرده قول بعض المحققين إنه بالنون تصحيف وقال بعضهم الجنة بالضم ما استترت به من سلاح والمراد هنا درعان شبه بهما صفتا البخل والتصدق اللتان جبل الإنسان عليهما كما يشير إليه قوله تعالى ومن يوق شح نفسه الحشر روى جبتان بالباء وهو تصحيف إذ لم يعهد جبة حديد ولما في بعض الروايات عليهما درعان ولقوله كل حلقة بمكانها اللهم إلا أن يراد بالجنتان الواقيتان اللتان يشملان الدرعين قد اضطرت أيديهما بضم


الطاء أي شدت وعصرت وضمت وألصقت وفي نسخة بفتح الطاء ونصب أيديهما على أن ضمير الفعل إلى جنس الجنة المفهوم من التثنية إلى ثديهما بضم الثاء وسكون الدال جمع ثدي بفتح الثاء ويكسر وتشديد الياء والثدي خاص بالمرأة أو عام كذا في القاموس ويعني بهما جنبي الصدر وتراقيهما بفتح التاء جمع الترقوة
وهو أسفل الكتف وفوق الصدر فجعل المتصدق أي طفق وشرع وأراد كلما تصدق بصدقة أي هم يتصدق انبسطت أي توسعت جنته عنه أي عن المتصدق وجعل البخيل كلما هم بصدقة أي قصد إليها وعزم عليها قلصت بفتح اللام أي انضمت والتصقت جنته عليه وأخذت كل حلقة بسكون اللام وفتحها بمكانها اشتدت والتصقت الحلق بعضها ببعض والباء زائدة أي ضاقت غاية التضييق والمعنى أن الجواد إذا هم بالصدقة اتسع لذلك صدره وطاوعته يداه فامتدتا بالعطاء والبخيل يضيق صدره وتنقبض يداه عن الإنفاق فجعل بمعنى طفق وكلما تصدق يدل على خبره أي طفق السخي يتسع صدره كذا حققه الطيبي وخلاصته أن السخي إذا هم بخير سهل عليه والبخيل عكسه متفق عليه وعن جابر قال قال رسول الله اتقوا الظلم أي المشتمل على الشح وغيره من الأخلاق الدنية والأفعال الردية فإن الظلم ظلمات يوم القيامة قال الطيبي محمول على ظاهره فيكون الظلم ظلمات على صاحبه لا يهتدى بسببها كما أن المؤمنين يسعى نورهم بين أيديهم أو المراد بها الشدائد كما في قوله تعالى قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر الأنعام أي شدائدهما واتقوا الشح أي البخل الذي هو نوع من الظلم وقيل الشح بخل الرجل من مال غيره والبخل هو المنع من مال نفسه وقيل البخل يكون في المال والشح يكون فيه وفي غيره من معروف أو طاعة فهو أشد منعا من البخل وقيل الشح بخل مع الحرص وهو أنسب وأفرد الشح بالذكر تنبيها على أنه أعظم أنواع فإنه منشأ المفاسد العظيمة ونتيجة محبة الدنيا الذميمة قال تعالى ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون الحشر فإن الشح أهلك من كان قبلكم فداؤه قديم


وبلاؤه عظيم قال ابن الملك هلاكهم كونهم معذبين به وهو يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في العقبى حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم قيل إنما كان الشح سببا لذلك لأن في بذل المال ومواساة الإخوان التحاب والتواصل وفي الإمساك والشح التهاجر والتقاطع وذلك يؤدي إلى التشاجر والتعادي من سفك الدماء واستباحة المحارم من الفروج والأعراض والأموال وغيرها رواه مسلم
وعن حارثة بن وهب قال قال رسول الله تصدقوا أي اغتنموا التصدق عند وجود المال وعند حصول من يقبله واقبلوا منه الفقير في أخذه منكم فالمعنى تصدقوا قبل أن لا تتصدقوا على سنن حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه أي الشأن يأتي عليكم أي على بعضكم زمان يمشي الرجل بصدقته أي يذهب بها فلا يجد من يقبلها قيل هو زمان المهدي ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام وقيل زمان إشراط الساعة كما ورد لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها يقول الرجل أي الفقير والمعنى كل رجل عرضت عليه وكان من قبل مستحقا لها لو جئت بها أي بالصدقة بالأمس أي قبل ذلك من الزمن الماضي حال فقري لقبلتها فأما اليوم أي الآن فلا حاجة لي بها وهو إما لغناه الصوري من إصابة المال أو لغناه المعنوي من حصول الزهد في الدنيا ووصول الكمال قال ابن الملك يعني يصير الناس كلهم أغنياء في ذلك الزمان راغبين في الآخرة وتاركين للدنيا يقنعون بقوت يوم ولا يدخرون المال للمآل متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رجل يا رسول الله أي الصدقة أي أنواعها أعظم أجرا أي أجزل ثوابا وأجل وأكمل مآبا قال أن تصدق بتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين وقيل بتشديدها على الإبدال والإدغام وأنت صحيح شحيح والمعنى أعظمها صدقتك والجملة حال أي وهو أن تصدق في حال صحتك واختصاص المال بك وشح نفسك وذلك أشد مراغمة لنفسك كذا ذكره الطيبي وقال ابن الملك قوله شحيح تأكيد وبيان للصحيح لأن الرجل في حال صحته يكون شحيحا


تخشى الفقر خبر بعد خبر أو حال بعد حال أو استئناف بيان أي تقول في نفسك لا تتلف مالك كيلا تصير فقير أفتحتاج إلى الناس وتأمل الغني بضم الميم بمعنى تطمع وترجو أي وتقول أترك مالك في بيتك تكون غنيا ويكون لك
عز عند الناس بسبب غناك ولا تمهل بالنصب عطفا على أن تصدق ويجوز الجزم على أن لا للنهي أي ولا تؤخر الصدقة أو ولا تمهل نفسك حتى إذا بلغت الحلقوم والمراد أن تقرب لروح بلوغ الحلقوم قلت لورثتك لفلان أي لأجل فلان وهو كناية عن الموصى له كذا إشارة إلى الموصى به ولفلان أي لغيره كذا أي من المال بالوصية والتكرير يفيد التكثير والجملة مبتدأ وخبر وقال ابن حجر أي أوصيت لفلان كذا فيحتاج أن يقول بكذا والمعنى إنك حينئذ تصرف المال إلى الخيرات وقد كان لفلان قيل جملة حالية أي وقد صار المال الذي تتصرف فيه في هذه الحالة ثلثاه حقا للوارث وأنت تتصدق بجميعه فكيف يقبل منك وقال الطيبي قيل إشارة إلى المنع عن الوصية لتعلق حق الوارث أي وقد كان لفلان الوارث اه ويمكن أن يقال معناه وكان أي عندي لفلان كذا من المال فيكون الذم على الإمهال إلى تلك الحال فإن فعل الخير في حال الصحة عمل أرباب الكمال ورد الحقوق لا ينبغي فيه الإهمال لأن الخطر كثير في المال ويدل عليه صدر هذا الحديث والحديث الثاني في الفصل الثاني متفق عليه وعن أبي ذر قال انتهيت إلى النبي أي وصلت إليه وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني وهو ممن اختار الفقر على الغني قال تقوية لقلبه وتسلية لنفسه وتجلية لروحه وتحلية لسره هم الأخسرون أي الأكثرون تجارة في المال هم الأكثرون خسارة في المآل قال ابن الملك هم ضمير عن غير مذكور لكن يأتي تفسيره وهو قوله هم الأكثرون وأغرب ابن حجر بقوله هم ضمير مبهم يفسره خبره وهو الأخسرون ورب الكعبة قسم يناسب المقام فقلت فداك أبي وأمي بفتح الفاء في جميع النسخ لأنه ماض خبر بمعنى الدعاء ويحتمل كسر الفاء والقصر لكثرة الاستعمال أي يفديك أبي


وأمي وهما أعز الأشياء عندي من هم فيه لطافة لا تخفى والمعنى من الأخسرون الذين أجملتهم قال هم الأكثرون أموالا لعل جمع التمييز لإرادة الأنواع أو لمقابلة الجمع بالجمع أي الأخسرون مآلاهم الأكثرون مالا قال ابن الملك يعني من كان ماله أكثر خسرانه أكثر إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا هكذا في النسخ المصححة ثلاث مرات أي الأمن أشار بيده إلى الجوانب في صرف
ماله إلى الخيرات ولعل التثليث إشارة إلى اليمين واليسار والأمام لكن قوله من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله يأبى عن ذلك ظاهرا فإنه بيان لقوله هكذا فيكون المراد بالثلاث الجمع لأنه أقل مراتب الجمع ولذا قال ابن الملك لا من تصدق به من جوانبه الأربع على المحتاجين أي فليس من الخاسرين بل من الفائزين ويمكن أن يراد بالثلاث القدام والخلف واحدا لجانبين وعلى نسخة التثنية فالمراد بها التكرير والتكثير قال الطيبي يقال قال بيده أي أشار وقال بيده أي أخذ وقال برجله أي ضرب وقال بالماء على يده أي صبه وقال بثوبه أي رفعه فيطلقون القول على جميع الأفعال اتساعا وقال في الحديث بمعنى أشار بيده إشارة مثل هذه الإشارة ومن بيان الإشارة والأظهر أن يتعلق بالفعل لمجىء عن والتقدير مبتدأ من بين يديه ومن خلفه ومجاوزا عن يمينه وشماله وقليل ما هم هم مبتدأ أو قليل خبره وما زائدة مؤكدة للقلة أي المستثنون قليل أو من يفعل ذلك قليل وهو مقتبس من قوله تعالى إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ص صلى الله عليه وسلم قليل ما هم وإيماء إلى قوله تعالى وقليل من عبادي الشكور سبأ وإشارة إلى أفضلية الفقر لأنه طريق أسلم والله أعلم متفق عليه
الفصل الثاني


عن أبي هريرة قال قال رسول الله السخي وهو الذي اختار رضا المولى في بذله على الغني قريب من الله أي رحمته كذا قيل أو قريب منه في التخلق بصفة الكرم قريب من الجنة بصرف المال فيما يجب عليه في الحال ويوجب له حسن المآل قريب من الناس بالإحسان إلى الفقراء وفي الحقيقة هم الناس أو بالسخاوة إلى الخاص والعام أو لأن السخي يحبه جميع الناس ولو لم يحصل لبعضهم نفع من سخاوته كمحبة العادل بعيد من النار لأن السخي لم يرتض بأخذ مال الحرام وصرفه في غير المقاصد العظام وإلا فيكون مسرفا ولذا قيل لا خير في سرف ولا سرف في خير والبخيل وهو الذي لا يؤدي الواجب عليه بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار وتبين الأشياء بأضدادها ولجاهل سخي أراد به ضد العابد وهو من يؤدي الفرائض دون النوافل لأن ترك الدنيا رأس


كل عبادة وإنما عبر عنه بالجاهل لأنه أراد به أنه مع كونه جاهلا غير عالم بما لم يجب عليه وجوب عين أحب إلى الله من عابد أي كثير النوافل سواء يكون عالما أم لا بخيل لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة وأيضا البخيل الشرعي هو من ترك الواجب الشرعي المالي والسخي ضده ولا شك أن من قام بالفرائض وترك النوافل أفضل ممن قام بالنوافل وترك الفرائض وأكثر الناس مبتلون بهذا البلاء ولذا قال بعض العارفين إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول وهذا الذي قررنا أولى من قول الطيبي يفهم منه أن جاهلا غير عابد أحب من عالم عابد رعاية لمطابقة فيا لها من حسنة غطت خصلتين ذميمتين ويالها من سيئة غطت حسنتين كريمتين رواه الترمذي وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة وإلا من حديث سعيد بن محمد هو الوراق الكوفي يكنى أبا الحسن ضعفه الأئمة وقال الدارقطني متروك وعن أبي سعيد قال قال رسول الله لأن يتصدق المرء أي لتصدقه في حياته أي صحته بدرهم أي مثلا وقال الطيبي رحمه الله المراد التقليل خير له من أن يتصدق بمائة أي مثلا وقال الطيبي رحمه الله جاء في بعض الروايات بماله بدل بمائة والمراد التكثير والمعنى بماله كله وهو أبلغ في مقام كماله سواء حمل الدرهم على حقيقته أو على التمثيل في قلته وأما ما ذكره ابن حجر من أنه جاء في بعض النسخ بماله وإنه تحريف فليس في محله عند موته أي احتضار موته فكأنه ميت قاله الطيبي أو المراد أن تصدقه في حال حياته ولو قليلا خير من تصدق أهله عليه في وقت مماته ولو كثيرا رواه أبو داود وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله مثل الذي يتصدق عند موته أي احتضاره أو يعتق أي عند موته وفي معناه عند موت مملوكه كالذي يهدي إذا شبع كسمن قال الطيبي في هذا الإهداء نوع استخفاف بالمهدي إليه اه والأظهر أن المراد أنه مرتبة


ناقصة لأن التصدق والإعتاق حال الصحة أفضل كما أن السخاوة عند المجاعة أكمل رواه أحمد والنسائي والدارمي والترمذي وصححه وعن أبي سعيد قال قال رسول الله خصلتان لا تجتمعان في مؤمن أي كامل قال ابن الملك خبر موصوف والمبتدأ البخل بضم الباء وسكون الخاء وبفتحها وسوء الخلق بضمهما وسكون الثاني أي لا ينبغي أن يجتمعا فيه أو المراد بلوغ النهاية فيهما بحيث لا ينفك عنهما ولا ينفكان عنه فأما من فيه بعض هذا أو بعض ذلك أو ينفك عنه في بعض فإنه بمعزل عن ذلك وقال ابن حجر خصلتان مبتدأ سوغه إبدال المعرفة منه في قوله البخل وسوء الخلق والخبر لا يجتمعان اه وإغلاقه لا يخفى والظاهر أن لا يجتمعان صفة مخصصة مسوغة لكون المبتدأ نكرة والخبر قوله البخل وسوء الخلق رواه الترمذي وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة بن موسى اه وصدقة بن موسى ضعيف ذكره ميرك ويؤيده حديث النسائي لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا فيمكن أن يحمل سوء الخلق على ما يخالف الإيمان فإن الخلق الحسن هو ما به امتثال الأوامر واجتناب النواهي وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال قال رسول الله لا يدخل الجنة أي دخولا أوليا خب بفتح الخاء ويكسر أي خداع يفسد بين الناس بالخداع ولا بخيل يمنع الواجب من المال ولا منان من المنة أي يمن على الفقراء بعد العطاء أو من المن بمعنى القطع لما يجب أن يوصل وقيل لا يدخل الجنة مع هذه الصفة حتى يجعل طاهرا منها إما بالتوبة عنها في الدنيا أو بالعقوبة بقدرها تمحيصا في العقبى أو بالعفو عنه تفضلا وإحسانا ويؤيده قوله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل الحجر رواه الترمذي وعن أبي هريرة قال قال رسول الله شر ما في الرجل من الخصال الذميمة شح هالع أي جازع يحمل على الحرص على تحصيل المال والجزع على ذهابه


كما قال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا المعارج وقيل الشح أبلغ من البخل لأن البخل منع ما وجب بذله من المال والشح منع كل واجب من المال والأفعال والأقوال وجبن خالع أي شديد كأنه يخلع قلبه من شدة خوفه من المحاربة مع الكفار ويمنعه من الدخول في عمل الأبرار وخص الرجل إما لأنهما ممدوحان للنساء في نوع منهما أو لأن مذمة الرجال بهما فوق مذمة النساء بهما رواه أبو داود أي من طريق موسى بن علي بضم العين عن أبيه عن عبد العزيز بن مروان عن أبي هريرة قال الحافظ محمد بن طاهر وهو إسناد متصل وسنذكر حديث أبي هريرة لا يجتمع الشح والإيمان أي الكامل أو أريد به الزجر والتهديد في كتاب الجهاد لم يظهر وجه تحويله عن محله الأليق الأسبق إن شاء الله تعالى
الفصل الثالث
عن عائشة رضي الله عنها أن بعض أزواج النبي ورضى عنهن قلن للنبي أينا أسرع بك لحوقا أي بالموت بعدك ومنه قوله لفاطمة إنك أول أهلي لحوقا بي فضحكت قال أطولكن يدا أي أكثركن صدقة وأعظمكن إحسانا فإن اليد تطلق ويراد بها المنة والنعمة والإحسان ومنه قوله اللهم لا تجعل لفاجر علي يدا يحبه قلبي وكذا قول الشاطبي إليك يدي منك الأيادي تمدها فأخذوا الظاهر فأخذن وعدل إلى أخذوا تعظيما كما في قوله تعالى وكانت من القانتين التحريم وقول الشاعر وإن شئت حرمت النساء سواكم ذكره الطيبي والشاهد الثاني أظهر كما لا يخفى لأن مسوغ ذلك التغليب للجن


الأشرف ولا تغليب هنا لأن الكل نسوة قصبة يذرعونها أي ويقيسون أيديهن بها بناء على فهمهن أن المراد باليد الجارحة وكانت سودة أطولهن يدا أي في الحس فعلمنا بعد أي بعد هذا حين ماتت زينب أولا وكانت أكثرهن صدقة إنما كان بالفتح طول يدها بالرفع الصدقة بالنصب كذا في النسخ المصححة وعكس العسقلاني قال الطيبي أي فهمنا أولا ظاهرة ولما فطنا بمحبتها الصدقة علمنا أنه لم يرد باليد إلا العطاء اه وفيه تأمل وكانت الواو للحال أسرعنا لحوقا به زينب كذا في نسخة قال ميرك وقع في بعض نسخ المشكاة هنا بعد قوله لحوقا به زيادة لفظ زينب ملحقا وليس بصحيح لأن في عامة نسخ البخاري وقع بحذفها كما صرح به الشيخ ابن حجر في شرحه اه وهو يوهم أن سودة كانت أسرع لحوقا بالنبي وهذا وهم باطل بالإجماع وإن كانت سودة أطولهن جارحة والصواب ما ذكره مسلم في صحيحه وهو المعروف عند أهل الحديث إنها زينب فالصحيح تقدير زينب أو وجوده قال الكرماني يحتمل أن يقال أن في الحديث اختصارا أو اكتفاء لشهرة القصة لزينب أو يؤول الكلام بأن الضمير راجع إلى المرأة التي علم رسول الله إنها أول من يلحق به وكانت كثيرة الصدقة قلت الأول هو المعتمد كذا في فتح الباري وأنت عرفت أن هذا اختصار مخل فالأولى أن الأخيرين أحق والثالث أدق وكانت أي زينب تحب الصدقة أي إعطاءها وكانت لها صناعة واكتساب معيشة باليد وهذا معنى آخر لليد فأطولكن يدا بمعنى أفضلكن يدا حيث إنها تأكل من كسب يدها وتتصدق بيدها من كد يدها رواه البخاري وفي رواية مسلم أي عن عائشة قالت قال رسول الله أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا وفيه إشارة إلى أن طول الحياة كان في حياته أفضل وأما بعد موته فالموت أكمل ولهذا قال بلال غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه قالت أي عائشة وكانت أي جماعة النساء من أمهات المؤمنين يتطاولن أي يتقايسن طول أيديهن أيتهن بالضم أطول يدا قال الطيبي رحمه الله محله النصب على أنه حال أو مفعول به أي


يتطاولن ناظرات أيتهن قيل وجه رواية البخاري أن الحاضرات كانت بعض أزواجه وإن سودة توفيت قبل عائشة في سنة أربع وخمسين وعائشة في سنة ثمان أو سبع وخمسين ووجه رواية مسلم أن الحاضرات جميعهن وإن زينب توفيت في سنة عشرين قبل جميع الأزواج اه وفيه مناقشة لا تخفى قالت أي عائشة فكانت وفي نسخة بالواو أي ظهرت أطولنا يدا أي بالصدقة زينب وكانت امرأة قصيرة ذكره العسقلاني
لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق أي تدبغ الجلود بيدها ثم تبيعها وتتصدق بثمنها وفيه إيماء إلى أن طول اليد كناية عن قصر الطمع وكف النفس المتعدي قال الطيبي تعليل بمنزلة البيان لقولها يتطاولن وإن المراد المعنوي لا الصوري وعن أبي هريرة أن رسول الله قال قال رجل أي ممن كان قبلكم في نفسه أو لبعض أصحابه أو في ندائه حال دعائه لأتصدقن أي الليلة بصدقة أي عظيمة واقعة موقعها ليتعلق بها قبول عظيم فخرج أي من بيته بصدقته أي التي نوى بها ليعطيها مستحقها فوضعها في يد سارق من غير أن يعلم به أنه سارق غير مستحق لها فأذاع السارق بأنه تصدق عليه الليلة فأصبحوا أي الناس يتحدثون بعضهم من السارق أو بالهام الخالق والمعنى فصار الناس متحدثين أو معناه دخلوا في الصباح حال كونهم قائلين تعجبا أو إنكارا تصدق الليلة ظرف على سارق نائب الفاعل أو هو بصدقة فقال اللهم لك الحمد على سارق أي على تصدقي على سارق قال الطيبي لما جزم بوضعها في موضعها كما دل عليه تنكير بصدقة جوزي بوضعها في يد سارق فحمد الله وشكره على أنه لم يتصدق على من هو أسوأ حالا منه وقيل هو تعجب من فعل نفسه كما تعجبوا من فعله فذكر الحمد في موضع التعجب كما يذكر التسبيح في موضعه لأتصدقن بصدقة أي أخرى لعلها تقع في محلها فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون أي تعجبا أو إنكارا تصدق الليلة على زانية فقال اللهم لك الحمد على زانية لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون تصدق أي الليلة


كما في نسخة على غني قال اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني فذلك فذلكة وفيه إشارة إلى حمده تعالى وثنائه تفويضا وتسليما لقضائه فجوزي على ذلك المقام بتمام نظام المرام فأتي فأري في المنام فقيل له أي صدقاتك مقبولة وكلها في موضعها موضوعة أما صدقتك على سارق فلا تخلو عن مثوبة متضمنة لحكمة فلعله أن
يستعف عن سرقته أما مطلقا أو مدة الإكتفاء وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها وفيه إيماء إلى أن الغالب في السارق والزانية أنهما يرتكبان المعصية للحاجة وهو أحد معاني ما ورد كاد الفقر أن يكون كفرا وأما الغني فلعله يعتبر أي يتعظ ويتذكر فينفق مما أعطاه الله أعلم أنه إذا دفع الزكاة إلى من ظنه فقيرا ثم ظهر أنه غني لا يعيدها خلافا لأبي يوسف ولكن لا يسترد ما أداه وهل يطيب للقابض إذا ظهر الحال لا رواية فيه واختلف فيه وعلى القول بأن لا يطيب يتصدق وقيل يرده للمعطى على وجه التمليك ليعيد الأداء لأبي يوسف أنه ظهر خطؤه بيقين مع إمكان الوقوف على الصواب فصار كما لو توضأ بماء أو صلى في ثوب ثم تبين أنه نجس ولهما ما روى البخاري عن معن بن يزيد قال بايعت رسول الله أنا وأبي وجدي وخطب علي فانكحني وخاصمت إليه وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله فقال يا يزيد لك ما نويت ولك ما أخذت يا معن اه وهو وإن كان واقعة حال يجوز فيها كون تلك الصدقة كانت نقلا لكن عموم لفظ ما في قوله عليه الصلاة والسلام لك ما نويت يفيد المطلوب كذا حققه ابن الهمام متفق عليه ولفظه للبخاري أي ولمسلم معناه وعنه أي عن أبي هريرة عن النبي قال بينا بأشباع الفتحة ألفا أي بين أوقات رجل بفلاة أي بصحراء واسعة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق بقطع همز ووصله حديقة فلان وهي بستان يدور عليه حائط وفلان كناية منه عليه الصلاة والسلام عن اسم صاحب الحديقة كما سيأتي


بيانه صريحا فتنحى ذلك السحاب أي تبعد عن مقصده فافرغ ماءه في حرة وهي أرض ذات حجارة سود فإذا شرجة بسكون الراء مسيل الماء إلى السهل من الأرض من تلك الشراج بكسر الشين أي الواقعة في تلك الحرة قد استوعبت أي بالأخذ ذلك الماء أي النازل من السحاب الواقع في الحرة كله تأكيد فتتبع أي ذلك الرجل الماء أي أثره فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء أي من مكان إلى مكان من
حديقته بمسحاته بكسر الميم وهي المجرفة من الحديد أو غيره فقال أي الرجل له أي لصاحب الحديقة يا عبد الله ما اسمك أي المخصوص قال فلان الاسم بالرفع وقيل بالنصب قال الطيبي هو صرح باسمه لكن رسول الله كنى عنه بفلان ثم فسر بقوله الاسم الذي سمع في السحابة ولعل العدول عن التصريح إلى الكناية للإشارة إلى أن معرفة الأسماء المبهمة في بعض المواضع ليست من الأمور المهمة فقال له أي للرجل يا عبد الله لم تسألني عن اسمي فقال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول أي ذلك الصوت يعني صاحبه للسحاب وفي نسخة ويقول إسق حديقة فلان لاسمك قال الطيبي أي قلت أنا فلان لاسمك المخصوص ويدله فإن الهاتف صرح بالاسم والكناية من السامع فما تصنع فيها أي في حديقتك من الخير حتى تستحق هذه الكرامة قال أما بتشديد الميم إذ قلت وفي نسخة إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها أي من زرع الحديقة وثمرها فأتصدق بثلثه بضمتين وسكون الثاني وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها أي وأصرف في الحديقة للزراعة والعمارة ثلثه رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة أنه سمع النبي يقول إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى منصوبات على البدلية من ثلاثة فأراد الله أن يبتليهم أي يمتحنهم ليعرفوا أنفسهم أي ليعرفهم الناس أو ليعلم تعالى أحوالهم علم ظهور كما يعلمها علم بطون قال الطيبي هو خبر أن عند من يجوز دخول الفاء في خبرها ومن لم يجوز قدر الخبر أي فيما أقص عليكم فقوله فأراد تفسير للمجمل ولو رفع أبرص وما


عطف عليه بالخبرية تعين للتفسير اه يعني أن رفعها بتقدير أحدهم أبرص أو منهم أبرص فبعث إليهم ملكا أي في صورة رجل مسكين كما دل عليه قوله الآتي في صورته وهيئته فأتى الأبرص فقال أي الملك أي شيء أحب إليك أي من الأحوال قال لون حسن كالبياض وجلد حسن أي ناعم طري ويذهب عني بالرفع كقوله أحضر الوغى وفي نسخة على صيغة المجهول أي يزول عني الذي قد
قذرني الناس بكسر المعجمة أي كرهوا مخالطتي من أجله وهو البرص قال أي النبي فمسحه أي الملك فذهب عنه قذره بفتحتين وأعطى لونا حسنا وجلدا حسنا قال أي الملك فأي المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر شك إسحاق قال الطيبي هو إسحاق بن عبد الله أحد رواة هذا الحديث أقول والإبل أرجح بقرينة قوله الآتي فأعطني ناقة بصيغة الجزم إلا أن الأبرص أو الأقرع استثناء من الشك قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر أي لم يشك إسحاق في هذا بل في التعيين قاله في الطيبي قال أي النبي فأعطي أي طالب الإبل لا الأبرص كما جزم به ابن حجر ناقة عشراء بضم العين وفتح الشين والمد التي أتى على حملها عشرة أشهر ثم أطلق على الحامل مطلقا فقال أي الملك بارك الله لك فيها قال فأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حسن بفتح العين وتسكن ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه قال وأعطى شعرا حسنا فقال فأي المال أحب إليك قال البقر فاعطي بقرة حاملا قال بارك الله لك فيها قال فأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله إلي بصري فأبصر بالنصب والرفع به الناس قال فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب إليك قال الغنم فأعطي شاة والدا قيل هي التي عرف منها كثرة النتاج وقيل الحامل فأنتج بصيغة الفاعل من الإنتاج قال الطيبي هكذا الرواية ومعناه تولى الولادة والمشهور نتج والناتج للإبل كالقابلة للنساء وقال ابن حجر أي استولد الناقة والبقرة هذان أي الأبرص والأقرع وولد فعل ماض معلوم من التوليد بمعنى


الإنتاج هذا أي الأعمى فكان لهذا أي للأبرص واد من الإبل ولهذا أي للأقرع واد من البقر ولهذا أي للأعمى واد من الغنم قال أي النبي ثم إنه أي الملك أتى الأبرص في صورته أي التي جاء الأبرص عليها أول مرة وهيئته قال الطيبي ولا يبعد أن يكون الضمير راجعا إلى الأبرص لعله يتذكر حاله ويرحم عليه بماله والأول أظهر
في الحجة عليه حيث جاءه في صورته التي تسبب في جماله وحصول كثرة ماله فقال أي له رجل مسكين أي أنا قد انقطعت بي الحبال أي الأسباب في سفري قال الطيبي الباء للتعدية قال السيد جمال الدين فيه تأمل لأن المعنى لا يساعد التعدية والأصوب أن يقال الباء بمعنى من كما في قوله تعالى يشرب بها عباد الله الإنسان اه والأظهر أن الباء للسببية والملابسة كما في قوله تعالى وتقطعت بهم الأسباب البقرة والحبال بكسر المهملة بعدها موحدة جمع الحبل وهو العهد والزمان والوسيلة وكل ما ترجو فيه خيرا أو فرجا أو تستدفع به ضررا والحبل ههنا السبب فكأنه قال انقطعت بي الأسباب وفي شرح الشيخ ابن حجر العسقلاني أي الأسباب التي يقطعها في طلب الرزق ولبعض رواه مسلم الحبال بالمهملة والتحتانية جمع حيلة أي لم تبق لي حيلة ذكره السيد جمال الدين وقال ابن الملك وفي بعض نسخ البخاري الجبال بالجيم وهو جمع جبل أي طال سفري وقعدت عن بلوغ حاجتي فلا بلاغ أي كفاية لي اليوم إلا بالله أي إيجادا وإمدادا ثم بك أي سببا وإسعادا وفيه من حسن الأدب ما لا يخفى حيث لم يقل وبك وثم التراخي الرتبة والتنزل في المرتبة قال الطيبي أمثال ذلك من الملائكة ليست أخبارا بل من المعاريض الكلام كقول إبراهيم إني سقيم اه وكقولهم إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ص صلى الله عليه وسلم الآية أسألك أي مقسما عليك أو متوسلا إليك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال أي الإبل بعيرا مفعول أسألك أي أطلب منك بعيرا أتبلغ به في سفري أي إلى مقصودي أو وطني فقال الحقوق كثيرة أي حقوق


المال كثيرة علي ولم أقدر على أدائها أو حقوق المستحقين كثيرة فلم يحصل لك البعير وقد أراد به دفعه وهو غير صادق فيه فقال إنه أي الشأن كأني أعرفك ونكتة التشبيه المغالطة لتمكنه المكابرة ألم تكن أبرص أي قد كنت أبرص يقذرك الناس بفتح الذال أي يكرهونك ويستقذرونك وهو حال كقوله فقيرا أو هذا خبر ثان وهو الأظهر لقوله فأعطاك الله أي مالا أو جمالا ومالا فقال إنما ورثت هذا المال كابرا حال عن كابر أي كبيرا آخذا عن كبير أو كبيرا بعد كبير والمعنى حال كوني أكبر قومي سنا ورياسة ونسبا وآخذا عن آبائي الذين هم كذلك حساو نعم من قال من أرباب الحال كان الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا وهذا من باب الإكتفاء في الجواب فإنه يلزم عرفا من التكذيب في شيء تكذيبه في آخر فقال أي الملك له إن كنت كاذبا أورد بصيغة الماضي لأنه أراد المبالغة في الدعاء عليه كذا في فتح الباري ووجهه غير ظاهر وقيل ذكر أن دون إذا مع أن كذبه كان مقطوعا به عند الملك لقصد التوبيخ وتصوير أن الكذب في مثل هذا المقام يجب أن يكون إلا على


مجرد الغرض والتقدير اه وفيه ما فيه والأظهر أنه عدل عن إذا كذبت إلى قوله إن كنت كاذبا بصيغة الماضي وبالوصف الدال على المتصف بالكذب غالبا للإشارة إلى أن مثل هذا يستحق الدعاء عليه ولا يبعد أو تكون إن بمعنى إذ كما قيل في قوله تعالى وخافون إن كنتم مؤمنين آل عمران فصيرك الله إلى ما كنت من البرص والفاقة أي جعلك حقيرا فقيرا قال وأتى الأقرع في صورته لم يقل هنا وهيئته اختصارا أو اكتفاء فقال له مثل ما قال لهذا أي لهذاك ورد عليه مثل ما رد على هذا فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت قال ميرك فإن قلت لم دخل الفاء في الجزاء وهو فعل ماض قلت هو دعاء اه أي هذا في معنى الدعاء فلذا جاز دخول الفاء وإن جعل خبرا يكون التقدير فقد صيرك الله قال وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل أي مسافر انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال اعترافا وتحدثا بنعمة الله قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا أجهدك بفتح الهمزة والهاء وفي نسخة بضم الهمزة وكسر الهاء أي لا أستفرغ طاقتي اليوم بشيء أي بمنع شيء أخذته لله تعالى كذا قاله الطيبي ولا يخفى أن هذا المعنى لا يناسب المقام بل الأولى أن يقال معناه لا أشق عليك في رد شيء تطلبه مني أو تأخذه من مالي كما نقله الشيخ ابن حجر العسقلاني عن القاضي عياض والله أعلم ذكره السيد جمال الدين فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم أي أنت ورفيقاك والمعنى اختبرتم هل تذكرون سوء حالتكم وشدة خدمتكم أولا وتشكرون نعمة ربكم عليكم آخرا فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك بصيغة المجهول فيهما متفق عليه وعن أم بجيد بضم الموحدة وفتح الجيم اسمها حواء بنت يزيد بن السكن قالت قلت يا رسول الله أن المسكين أي جنسه ويحتمل العهد ليقف على


بابي أي ويسأل شيئا مني ويكرر سؤاله عني حتى أستحيي ولأجل أن الوقوف على الباب يفتح باب الحياء وبسيف الحياء يحرم أخذ العطاء كان بعض أصحابنا من الفقراء يسأل على الأبواب ويقول يا فتاح يا رزاق من غير أن يقف على الباب فلا أجد في بيتي ما ادفع أي شيئا أضع في يده فقال رسول الله ادفعي في يده أي لا ترديه خائبا ولو ظلفا أي ولو كان ما يدفع به ظلفا وهو للبقر والشاة والظبي وشبهه بمنزلة القدم منا يعني شيئا يسيرا وقوله محرقا مبالغة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وعن مولى لعثمان قال أهدي لأم سلمة بضعة بضم الباء وتكسر أي قطعة من لحم وهي مطبوخة وكان النبي يعجبه اللحم جملة معترضة فقالت للخادم وهو واحد الخدم يقع على الذكر والأنثى لجريه مجرى الأسماء وهو هنا أنثى لقوله ضعيه أي اللحم في البيت لعل النبي يأكله فوضعته أي الخادم في كوة البيت بفتح الكاف وتضم أي في نقبة وطاقة وجاء سائل فقام على الباب فقال أي السائل تصدقوا أي يا أهل البيت بارك الله فيكم فقالوا بارك الله فيك فيه تعريض بالسؤال بلفظ الدعاء من السائل والتعريض بهما من المسؤول فذهب السائل فدخل النبي فقال يا أم سلمة عندكم فيه تعظيم أو تغليب أو إلتفات والإستفهام مقدر أي أعندكم شيء أطعمه أي آكله فقالت نعم قالت للخادم اذهبي فأتي أي فهاتي رسول الله بذلك اللحم بكسر الكاف ويفتح فذهبت فلم تجد في الكوة إلا قطعة مروة بسكون الراء أي حجر أبيض براق وقيل هي ما يقدح منه النار فقال النبي فإن ذلك اللحم بكسر الكاف وفتحها عاد أي صار مروة لما بكسر اللام وتخفيف الميم وبفتح اللام وتشديد الميم لم تعطوه أي منه السائل رواه البيهقي في دلائل النبوة


وعن ابن عباس قال قال رسول الله ألا أخبركم بشر الناس منزلا أي مرتبة عند الله قيل نعم أي قالوا بلى قال الذي يسئل بالله على بناء المجهول ولا يعطى بصيغة المعلوم به أي بالله أو بهذا السؤال قال الطيبي الباء كالباء في كتبت بالقلم أي يسئل بواسطة ذكر الله أو للقسم والإستعطاف أي بقول السائل أعطوني شيئا بحق الله وهذا مشكل إلا أن يكون السائل متهما بحق الله ويظن أنه غير مستحق وقال ابن حجر أي مقسما عليه بالله استعطافا إليه وحملا له على الإعطاء بأن يقال له بحق الله أعطني كذا لله ولا يعطى مع ذلك شيئا أي والصورة أنه مع قدرة علم اضطرار السائل إلى ما سأله وعلى هذا حمل قول الحليمي أخذا من هذا الحديث وغيره أن رد السائل بوجه الله كبيرة اه وفي نسخة يسأل بصيغة المعلوم فيقدر الذي في قوله ولا يعطى به رواه أحمد وعن أبي ذر أنه استأذن على عثمان أي للدخول فأذن له وبيده عصاه الواو للحال والضمير لأبي ذر فقال عثمان يا كعب أي كعب الأحبار إن عبد الرحمن أي ابن عوف توفي وترك مالا أي كثيرا بحيث جاء ربع ثمنه ثمانين ألف دينار فما ترى فيه أي فما تقول في حق المال أو صاحبه وهو الأظهر والمعنى هل تضر كثرة ماله في نقص كماله فقال أي كعب إن كان شرطية ويحتمل أن تكون مخففة يصل فيه أي ماله ووقع فيه أصل ابن حجر فيها فقال أي في الأموال التي تركها حق الله فلا بأس عليه أي لا كراهة فيه ولا نقص له فرفع أبو ذر عصاه فضرب أي بها كعبا ضرب تأديب حملا على التهذيب قال الطيبي فإن قيل كيف يضربه وقد علم أنه ليس بكنز بعد إخراج حق الله منه أجيب بأنه إنما ضربه لأنه نفى البأس بالكلية وليس كذلك فإنه يحاسب ويدخل الجنة بعد فقراء المهاجرين أي بخمسمائة سنة وحاصلة أن المقام الأعلى هو صرف المال في مرضاة المولى كما هو طريق أكثر الأنبياء والأصفياء إلا أن فيه إشكالا وهو أن كعبا أشار إلى هذا المعنى إجمالا بقوله لا بأس فإنه لا يستعمل إلا في الرخصة دون


العزيمة ومع هذا لا يظهر وجه الإهانة لا سيما في حضرة الخليفة ولعل أبا ذر غلت عليه الجذبة المؤدية إلى الضربة وقد يجاب بأنه أراد بلا بأس نفي الحرمة أو الكراهة كما هو اصطلاح الشافعية والأول أظهر ولعل هذا الفعل وأمثاله مما
صدر عنه في جذبة حاله أمر عثمان بعد ذلك بإخراجه من المدينة إلى ربزة حتى توفي بها رضي الله عنهما وقال أي أبو ذر سمعت رسول الله يقول ما أحب لو أن لي هذا الجبل لعله جبل أحد أو غيره أو أراد الجنس ذهبا أنفقه حال ويتقبل مني أذر مفعول أحب على حذف إن ورفع الفعل قاله الطيبي أي أحب أن أترك خلفي منه ست أواقي بتشديد الياء ويجوز تخفيفها وحذفها ولعله أحب ترك أقل من هذا المقدار للتجهيز والتكفين أو لدين غائب أنشدك بالله أي أقسم به عليك يا عثمان أسمعته أي هذا الحديث ثلاث مرات ظرف لأنشدك أولا سمعته قال نعم وحاصله أن أبا ذر كان قائلا بأن الفقير الصابر وأفضل على ما عليه الجمهور خلافا لمن قال أن الغني الشاكر هو الأفضل وأدلة الأولين أظهر والتسليم أسلم والله أعلم رواه أحمد وكان قياس دأب المصنف أن يجمع بين الحديثين بقوله رواهما أحمد وعن عقبة بن الحارث قال صليت وراء النبي بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس أي متوجها ألى بعض حجر نسائه بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة ففزع الناس من سرعته أي من أجل إسراعه فخرج عليهم أي فرجع عليهم واطلع على ما لديهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته يعني وفزعوا من حالته قال ذكرت شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني أي يمنعني تأخير قسمته عن مقام الزلفى ويلهيني عن الحضور عند المولى كما في حديث البجانية أبي جهم فأمرت أي أهل البيت بقسمته رواه البخاري وفي رواية له قال كنت خلفت بتشديد اللام أي تركت خلفي في البيت تبرا من الصدقة فكرهت أن أبيته بتشديد الياء أي أتركه حتى يدخل عليه الليل وعن عائشة إنها قالت كان لرسول الله عندي في مرضه ستة دنانير أو


سبعة بالتنوين وتركه فأمرني رسول الله أن أفرقها بالتشديد فشغلني وجع رسول الله أي عن تفريقها ثم سألني عنها أي قائلا ما فعلت الستة أو السبعة بالرفع قال الطيبي وإذا روى بالنصب كان فعلت على خطاب عائشة اه والتقدير ما فعلت بالستة أو السبعة يعني هل فرقتها أو ما فرقتها قالت لا والله أي ما فرقتها ولعل وجه القسم تحقيق التقصير ليكون سببا لقبول العذر لقد كان شغلني وجعك أي عن تفريقها فدعا بها ثم وضعها في كفه فقال ما ظن نبي الله وفي نسخة بالإضافة لو لقى الله عز وجل وهذه أي الدنانير عنده أي ثابتة وباقية قال الطيبي أي هذه منافية لحال البنوة اه يعني لكمالها رواه أحمد وعن أبي هريرة إن النبي دخل على بلال وعنده صبرة بضم الصاد وسكون الموحدة أي كومة من تمر فقال ما هذا أي التمر يا بلال قال شيء ادخرته لغد أي لحاجتي في مستقبل من الزمان فقال أما تخشى أن ترى له أي لهذا الشيء أو التمر غدا أي يوم القيامة بخارا في نار جهنم أي أثرا يصل إليك فهو كناية عن قربه منها يوم القيامة أي جميع زمانها أو هو تأكيد لغد أنفق بلال أي يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا أي فقرا وإعداما وهذا أمر إلى تحصيل مقام الكمال وإلا فقد جوز إدخار المال سنة للعيال وكذا الضعفاء الأحوال قيل وما أحسن موقع ذي العرش في هذا المقام أي أتخشى أن يضيع مثلك من هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض اه أو ذو العرش كناية عن الرحمن كقوله تعالى الرحمن على العرش استوى طه أي أتخاف أن يخيب أملك ويقلل رزقك من رحمته عمت أهل السماء والأرض والمؤمن والكافر والطيور والدواب قال الطيبي الذي يقتضيه مراعاة السجع أن يوقف على إقلالا بالإسكان أو يقال يا بلالا للازدواج كما قيل الغدايا والعشايا أقول هذا من التكلف في السجع المنهى عنه في الشرع وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله السخاء شجرة أي كشجرة في الجنة لعل شبهه بها في عظمها وكونها ذات أغصان وشعب كثيرة اه ويمكن أن


يكون صفة السخاء مصورة شجرة في الجنة وقيل جنس الشجرة الدنيوية نوعان متعارف وهي شجرة السخاء الثابت أصلها في الجنة وفرعها في الدنيا فمن أخذ بغصن منها في الدنيا أوصله إلى أصل الجنة في العقبى كما أشار إليه بقوله فمن كان سخيا أي في علم الله أو في الدنيا أخذ بغصن منها أي بنوع من أنواع السخاء فلم يتركه الغصن أي ولو آخر الأمر حتى يدخله الجنة والشح أي البخل شجرة في النار فمن كان شحيحا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار أي أولا رواهما أي هذا الحديث والذي قبله البيهقي في شعب الإيمان وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله بادروا أي الموت أو المرض أو غيركم بالصدقة أي بإعطائها للمستحقة فإن البلاء لا يتخطاها أي لا يتجاوزها بل يقف دونها أو يرجع عنها قال الطيبي تعليل للأمر بالمبادرة وهو تمثيل قيل جعلت الصدقة والبلاء كفرسي رهان فأيهما سبق لم يلحقه الآخر ولم يخطه والتخطي تفعل من الخطو اه وفيه أنه يلزم منه أنه لا ندفع الصدقة البلاء الواقع وهو خلاف إطلاق ما ورد من أن الصدقة تدفع البلاء ولذا قال الطيبي والأولى أنه جعل الصدقة سترا وحجابا بين يدي المتصدق ولا يتخطاها البلاء حتى يصل إليه رواه رزين


باب فضل الصدقة
هي ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة واجبا كان أو تطوعا سميت بذلك لأنها تنبىء عن صدق رغبة صاحبها في مراتب الجنات أو تدل على تحقيق تصديق صاحبها في إظهار الإيمان
الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله من تصدق بعدل ثمرة بفتح العين ويكسر أي بمثلها صورة أو قيمة من كسب أي صناعة أو تجارة أو زراعة أو غيرها ولوارثا وهبة طيب أي حلال ولا يقبل الله إلا الطيب جملة معترضة بين الشرط والجزاء وفيه إشارة إلى أن غير الحلال غير مقبول وإن الحلال المكتسب يقع بمحل عظيم وكان شيخنا العارف بالله الولي الشيخ علي المتقي رحمه الله يحكى أن أحدا من الصالحين كان يكتسب ويتصدق بالثلث وينفق الثلث ويصرف الثلث في المكتسب فجاءه أحد من أرباب الدنيا وقال يا شيخ أريد أن أتصدق فدلني على المستحق فقال حصل المال من الحلال ثم أنفق فإنه يقع في يد المستحق فألح عليه الغني فقال اخرج فإذا لقيت أحدا حن عليه قلبك فاعطه فخرج فرأى شيخا كبيرا أعمى فقيرا فأعطاه ثم مر عليه يوما آخر فسمع أن الأعمى يحكي إلى من بجنبه أنه مر علي شخص بالأمس فأعطاني كذا وكذا فانبسطت وصرفت البارحة في الشرب مع فلانة المغنية فجاء إلى الشيخ وحكى له بالواقعة فأعطاه الشيخ من دراهم كسبه درهما وقال له إذا خرجت من البيت فأول من يقع نظرك عليه فادفع الدرهم إليه فخرج فرأى شخصا من ذوي الهيآت يظهر منه آثار الغني فخاف منه أن يعطيه لكن لما كان بأمر الشيخ عرض عليه ودفع إليه فلما أخذه رجع من طريقه وتبعه الغني إلى أن رآه دخل في خرابة وخرج من باب آخر ورجع إلى البلد فدخل وراءه في تلك الخراية فلم ير فيها إلا حمامة ميتة فتبعه وأقسم عليه أن يخبره بما وقع له من الحال فذكر أن معه أولادا صغارا وكانوا في غاية من المجاعة فحصل له اضطراب فخرج دائرا فرأى الحمامة فأخذها لهم فلما حصل له من الفتوح رد الحمامة إلى مكانها فعرف تحقيق معنى كلام الشيخ فإن الله


يتقبلها بيمينه يدل على حسن القبول ووقوع الصدقة منه موقع الرضا على أكمل الحصول لأن الشيء المرضي يتلقى باليمين في العادة ثم يربيها لصاحبها التربية كناية عن الزيادة أي يزيدها ويعظمها حتى تثقل في الميزان كما يربى أحدكم فلوه بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو أي المهر وهو ولد الفرس وفي نسخة صحيحة بكسر الفاء وسكون اللام وهو لغة ففي القاموس الفلو بالكسر وكعدو وسمو الجحش والمهر إذا فطما أو بلغا السنة حتى تكون بالتأنيث أي الصدقة أو ثوابها أو تلك التمرة مثل الجبل أي في الثقل قيل هذا تمثيل لزيادة التفهيم وخصه بالفلو لأن زيادته بينه وفي الحديث اقتباس من قوله تعالى يمحق الله الربا ويربي الصدقات البقرة المراد بالربا جميع الأموال المحرمات والصدقات تقيد بالحلالات متفق عليه وفي رواية النسائي إلا أخذها الرحمن عز وجل بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن ولعل ذكر الرحمن للإشعار بأن هذا من فضل رحمته وسعة كرمه وقال القاضي عياض لما كان


الشيء الذي يرتضى يتلقى باليمين استعملت اليمين في مثل هذا أقول وهذا الحديث عند السلف من المتشابهات والله أعلم بحقيقة الحالات مع اعتقادنا التنزيه عن جميع أنواع التشبيه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما نقصت صدقة ما نافية ومن في قوله من مال زائدة أو تبعيضية أو بيانية أي ما نقصت صدقة مالا أو بعض مال أو شيئا من مال بل تزيد أضعاف ما يعطى منه بأن ينجبر بالبركة الخفية أو بالعطية الجلية أو بالمثوبة العلية وما زاد الله عبدا يعفو أي بسبب عفوه عن شيء مع قدرته على الإنتقام إلا عزا قال الطيبي فإنه إذا عرف بالعفو ساد وعظم في القلوب وزاد عزه أو المراد عز الثواب وكذا المراد من الرفع في قوله وما تواضع أحد لله بأن أنزل نفسه عن مرتبة يستحقها لرجاء التقرب إلى الله دون غرض غيره إلا رفعه الله إما رفعة في الدنيا وإما رفعه في الأخرى قلت ولا منع من الجمع كما نقله النووي عن العلماء رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من أنفق زوجين أي شفعا من جنس قال ابن الملك الزوج يطلق على الاثنين وعلى الواحد منهما لأنه زوج من آخر وهو المراد هنا اه فالمراد من الزوجين الاثنان من جنس واحد لا الصنفان كما توهم ابن حجر فتدبر قال الطيبي كدرهمين أو دينارين أو مدين من الطعام وما أشبه ذلك وسئل أبو ذر في بعض الروايات ما الزوجان قال فرسان أو عبدان أو بعيران ويحتمل أن يراد التكرير والمداومة على الصدقة وهو الأولى والمعنى أنه يشفع صدقته بأخرى اه ويمكن أن يراد بهما صدقتان إحداهما سر والأخرى علانية لقوله تعالى الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون البقرة قيل أي صلاتين أو صومين حملا للحديث على جميع أعمال البر وهو بعيد جدا إلا أن يحمل على أن الصلاة والصوم النافلة للفقراء بمنزلة الصدقة للأغنياء من شيء من الأشياء أي الزوجان غير مقيد


بصنف من الأصناف ونوع من الأنواع في سبيل الله أي في مرضاته من أبواب الخير وقيل مخصوص بالجهاد قال النووي والأول أصح وأظهر يعني وأعم وأتم وأشهر فتدبر دعي من أبواب الجنة أي دعته الخزنة من جميع أبوابها وفيه تنبيه أنه عمل عملا يوازي الأعمال يستحق بها الدخول من تلك الأبواب على أجمل الأحوال ويمكن أن يكون التقدير من أحد أبوابها لما سيجىء أن الصدقة لها باب ويقويه سؤال الصديق وللجنة أبواب أي ثمانية كما في الأحاديث الصحيحة قال الطيبي ذكره استطرادا وفيه أن المناسبة ظاهرة جدا وهو أن كل باب منها يسمى بباب عبادة من أمهات الطاعة يدخل منها من غلب عليه تلك العبادة ومن استكثر منها كلها بوصف الزيادة دعي من جميع الأبواب الواردة تكريما لأرباب الوفادة كما أشير إليه بقوله فمن كان من أهل الصلاة أي ممن يكثر النفل ذكره الطيبي أو ممن يحسنها دعي من باب الصلاة أي أولا وهو أفضل الأبواب يعني قيل يا عبد الله أدخل الجنة من هذا الباب ومن كان من أهل الجهاد أي يغلب عليه الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان أي من باب الصيام المسمى بباب الريان ضد العطشان قيل وهو باب يسقى الصائم فيه شرابا طهورا قبل وصوله إلى وسط الجنة ليزول عطشه وقال الطيبي إن كان اسما للباب فلا كلام وإلا فهو من الرواء بضم الراء وهو الماء الذي يروي يقال روي يروي فهو ريان أي الصائم بتعطشه في الدنيا يدخل من باب الريان ليأمن العطش اه وروى الحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن للجنة بابا يقال له باب الضحى فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى هذا بابكم فادخلوه برحمة الله ذكره ابن القيم في الهدى وجاء في حديث آخر باب التوبة وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس وباب الراضين وجاء في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب إنهم يدخلون من باب


الأيمن قال عياض ولعله الثامن فقال أبو بكر ما على من دعي من تلك الأبواب من
ضرورة ما نافية ومن زائدة وهي اسم ما أي ليس ضرورة واحتياج على من دعي من باب واحد من تلك الأبواب إن لم يدع من سائرها لحصول المقصود وهو دخول الجنة وهذا نوع تمهيد قاعدة السؤال في قوله فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها أي سألت عن ذلك بعد معرفتي بأن لا ضرورة ولا احتياج لمن يدعي من باب واحد إلى الدعاء من سائر الأبواب إذ يحصل مراده بدخول الجنة قال نعم أي يكون جماعة يدعون من جميع الأبواب تعظيما وتكريما لهم لكثرة صلاتهم وجهادهم وصيامهم وغير ذلك من أبواب الخير وأرجو أن تكون منهم لأنه رضي الله عنه كان جامعا لهذه الخيرات كلها كما سيأتي في الحديث الآتي وفي رواية قال أبو بكر يا رسول الله ذلك الذي لا توى بفتح الفوقية والقصر أي لا ضياع ولا هلاك ولا خسارة متفق عليه وفي رواية النسائي دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير أي لك على زعمه وفائدة ذلك إظهار تعظيمه وتفخيمه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من أصبح منكم اليوم صائما من استفهامية وأصبح بمعنى صار وخبره صائما أو بمعنى دخل في الصباح فتكون تامة وصائما حال من ضميره قال أبو بكر أنا يوقف عليه بالألف وأما وقفه بالنون المفتوحة فلحن عامي قال الطيبي ذكر أنا هنا للتعيين في الأخبار لا للاعتداد بنفسه كما يذكر في مقام المفاخرة وهذا هو الذي كرهه الصوفية وقد ورد قل إنما أنا بشر مثلكم الكهف وما أنا من المتكلفين ص صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك وأما رده عليه الصلاة والسلام على جابر حيث أجاب بعد دق الباب بأنا قائلا أنا فلعدم التعيين في مقام الأخبار اه والحاصل أن قول أنا من حيث هو ليس بمذموم وإنما هو يذم باعتبار أخباره بما يفتخر به كقول إبليس أنا خير منه الأعراف ونحو ذلك من نحو أنا العالم وأنا الزاهد وأنا العابد بخلاف أنا الفقير الحقير العبد المذنب وأمثال ذلك قال فمن تبع منكم


اليوم جنازة أي قبل الصلاة أو
بعدها قال أبو بكر أنا قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا قال أبو بكر أنا فيه جواز قول أنا كآية وأنا أول المسلمين الأنعام وحديث أنا سيد ولد آدم ففيه رد لكراهة طائفة هذا القول لكن إنما محلها إذا صدر عن إثبات النفس ورعونتها وتوهم كمال ذاتها وحقيقتها كما صدر عن إبليس حيث قال أنا خير منه وأما حديث جابر في الصحيح أتيت النبي في دين كان على أبي فدققت الباب فقال من ذا فقلت أنا فقال أنا أنا كأنه كرهها فسبب كراهته له الإقتصار عليه المؤدي إلى عدم تعريفه نفسه ثم لو عرفه بصوته لما استفهمه فسقط ما ذكره ابن حجر من السؤال والجواب هنا من أصله والله أعلم قال فمن عاد منكم اليوم مريضا قال أبو بكر أنا فقال رسول الله ما اجتمعن أي هذه الخصال الأربعة المذكورة على الترتيب المذكور في يوم واحد كذا قاله ابن الملك وكان الترتيب أخذه من الفاء التعقيبية وهو غير لازم إذ يمكن حمل التعقيب على السؤال كما ذكروا في ثم أنه قد يكون للتراخي في السؤال أو التقدير إذا ذكرتم هذا فمن فعل هذا والحاصل أن هذه الخصال ما وجدت وحصلت في يوم واحد في امرىء إلا دخل الجنة أي بلا محاسبة وإلا فمجرد الإيمان يكفى لمطلق الدخول أو معناه دخل الجنة من أي باب شاء كما تقدم والله أعلم رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله يا نساء المسلمات قال الطيبي في إعرابه وجوه ثلاثة الأول نصب النساء وجر المسلمات على الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته ويقدر عند البصرية موصوف أي نساء الطوائف المسلمات والثاني ضم النساء على النداء ورفع المسلمات على لفظه والثالث نصبه على محله لا تحقرن بفتح حرف المضارعة وبالنون الثقيلة أي لا تستحقر إهداء شيء أو تصدقه جارة أي فقيرة أو غنية منكن أو من غيركن وهي مؤنث الجار وقيل جارة المرأة مرأة زوجها لجارتها أي لأجلها وإن كانت من الأكابر ولو فرسن شاة بكسر الفاء والسين أي ولو أن تهدى أو تصدق


فرسن شاة وهو لحم بين ظلفي الشاة وأريد به المبالغة أي ولو شيئا يسيرا وأمرا حقيرا لقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة ولأمره عز وجل بالإحسان إلى الجار بقوله
والجار ذي القربى والجار الجنب النساء والمعنى لا تمتنع احداكن من الهدية أو الصدقة لجارتها احتقارا للموجود عندها وقيل يجوز أن يكون الخطاب لمن أهدى إليهن فالمعنى لا تحقرن إحداكن هدية جارتها بل تقبلها وإن كانت قليلة وفيه حث على الهدية واستجلاب القلوب بالعطية متفق عليه وعن جابر وحذيفة قالا قال رسول الله كل معروف إما ما عرف من جملة الخيرات من عطية مال أو خلق حسن أو ما عرف فيه رضا الله من الأقوال والأفعال صدقة أي ثوابه به كثواب صدقة متفق عليه قال ميرك ظاهره يقتضي أن كلا من البخاري ومسلم أخرجه من حديث جابر وحذيفة معا وليس كذلك فقد أخرجه البخاري من حديث جابر ومسلم من حديث حذيفة فحديث جابر من أفراد البخاري وحديث حذيفة من أفراد مسلم وأصل الحديث مع قطع النظر عن الروايتين متفق عليه وعن أبي ذر قال قال رسول الله لا تحقرن أي أنت من المعروف شيئا قال الطيبي المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والإحسان إلى الناس وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لم ينكروه ومن المعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم وتلقى الناس بوجه طلق ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق ضد العبوس وهو الذي فيه البشاشة والسرور فإنه يصل إلى قلبه سرور ولا شك أن إيصال السرور إلى قلب مسلم حسنة رواه مسلم وعن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله على كل مسلم أي يجب


عليه صدقة أي شكرا لنعمة الله تعالى عليه قالوا فإن لم يجد أي ما يتصدق به قال فليعمل بيديه أي فليكتسب مالا يعمل بيديه فينفع نفسه ويدفع ضرره عن الناس ويتصدق أي أن فضل عن نفسه قالوا فإن لم يستطع أو لم يفعل شك من الراوي أي فإن لم يقدر على العمل قال فيعين ذا الحاجة الملهوف صفة ذا أي المتحير في أمره الحزين أو الضعيف أو المظلوم المستغيث ثم أنه يحتمل أن تكون الإعانة بالفعل أو بالمال أو بالجاه أو بالدلالة أو النصيحة أو الدعاء قالوا فإن لم يفعله قال فيأمر بالخير وهو يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإفادة العلمية والنصيحة العملية قالوا فإن لم يفعل قال فيمسك أي نفسه أو الناس عن الشر بالإعتزال وغيره فإنه له صدقة أي فإن الإمساك عن الشر له تصدق به على نفسه أو لأنه إذا أمسك عن الشر كان له أجر كالتصدق متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله كل سلامى وهو بضم السين وهو عظم الأصبع من الناس أي من كل واحد منهم عليه أي على كل سلامى والمعنى على كل واحد من الناس بعدد كل مفصل من أعضائه صدقة أوجب الصدقة على السلامي مجازا وفي الحقيقة على صاحبه قال الطيبي قيل سلامي جمع سلامية وهي الأنملة من الأصابع وقيل واحدة وجمعه سواء ويجمع على سلاميات وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان والمعنى على كل مفصل من أعضائه صدقة شكر الله تعالى على أن جعل في أعضائه مفاصل تقدر بها على القبض والبسط قيل وخص مفاصل الأصابع لأنها العمدة في الأفعال قبضا وبسطا كل يوم بالنصب على الظرفية أي في كل يوم تطلع فيه الشمس صفة تخص اليوم عن مطلق الوقت بمعنى النهار يعدل بالغيبة والخطاب بتقدير أن يعدل مبتدأ وقوله بين الإثنين ظرف له والخبر صدقة أي عدله وإصلاحه بين الخصمين ودفعه الظالم عن المظلوم صدقة ويعين الرجل أي إعانته الرجل على دابته أي دابة الرجل أو المعين فيحمل عليها أي نفسه أو متاعه أو يرفع شك أو تنويع عليها متاعه صدقة والكلمة


الطيبة أي مطلقا أو مع الناس صدقة وكل خطوة بفتخ الخاء المرة الواحدة وبالضم ما بين القدمين يخطوها إلى الصلاة أو ما في
معناها من الطواف والعبادة وتشييع الجنازة وطلب العلم ونحوها صدقة ويميط الأذى أي يزيله عن الطريق كالشوكة والعظم والقذر وقيل المراد أذى النفس عن نفسه أو عن الناس صدقة وأي صدقة متفق عليه وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله خلق كل إنسان من بني آدم بيان لإفادة التعميم على ستين وثلثمائة مفصل بالإضافة وهو بكسر الصاد ويفتح ملتقى العظمين في البدن فمن كبر الله أي عظمه أو قال الله أكبر وحمد الله أي أثنى عليه أو شكره وهلل الله أي وحده أو قال لا إله إلا الله وسبح الله أي نزهه عما لا يليق به من الصفات السلبية أو قال سبحان الله واستغفر الله أي بالتوبة أو اللسان وعزل أي بعد ونحى حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما أو للتنويع ولعل في ترك ذكر نحو الروث حسن الأدب أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر أي باليد أو باللسان أو بالإنكار بالجنان عدد تلك الستين أي بعددها نصب بنزع الخافض متعلق بالأذكار وما بعدها أو بفعل مقدر يعني من فعل الخيرات المذكورة ونحوها عدد تلك الستين والثلاثمائة قال الطيبي رحمه الله أضيف الثلاث وهي معرفة إلى مائة وهي نكرة واعتذر بأن اللام زائدة فلا اعتداد بها ولو ذهب إلى أن التعريف بعد الإضافة كما في الخمسة عشر بعد التركيب لكان وجهان حسنا اه يعني فمن فعل الخير بعدد تلك المفاصل جزاؤه فإنه يمشي بالمعجمة قاله القاضي وفي نسخة بالمهملة قال في الأزهار وكذا في شرح مسلم يمسى من الإمساء أو من المشي وكلاهما صحيح يومئذ أي وقت إذ فعل ذلك وقد زحزح نفسه أي أبعدها وتحلفا عن النار وفي نسخة على صيغة المفعول ورفع النفس والجملة حال رواه مسلم وعن أبي ذر قال قال رسول الله إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة


بالرفع على المبتدأ والخبر صدقة قال النووي روى صدقة بالرفع على الإستئناف وبالنصب عطف على اسم أن وعلى النصب يكون كل تكبيرة مجرورا فيكون من العطف على عاملين مختلفين فإن الواو قامت مقام الباء اه وكذا قوله وكل تحميده صدقة وكل تهليلة صدقة إلخ قال الطيبي جعل هذه الأمور صدقة تشبيها لها بالمال في إثبات الجزاء وعلى المشاكلة وقيل إنها صدقة على نفسه وأمر بمعروف صدقة أسقط المضاف هنا اعتمادا على ما سبق ذكره الطيبي ونهي عن منكر وفي نسخة بصيغة المنكر صدقة أي صدقة على صاحبك بالنصحية وإرادة المنفعة سواء قبلها أم لا وفي بضع أحدكم بضم الموحدة الفرج أي في مجامعة أحدكم حلاله صدقة وقال الطيبي البضع الجماع وفي إعادة الظرف دلالة على أن الباء في قوله إن بكل تسبيحة صدقة ثابتة وهي بمعنى في وإن نزعت عن بعض النسخ وإنما أعيدت لأن هذا النوع من الصدقة أغرب وقال ابن الملك وإنما لم يقل ببضع أحدكم إشارة إلى أنه إنما يكون صدقة إذا نوى فيه عفاف نفسه أو زوجته أو حصول ولد صالح اه وهو كذلك في نفس الأمر لكن الإشارة غير ظاهرة ولعدم ظهور هذا المعنى قالوا أي بعض الصحابة يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته أي أيقضيها ويفعلها ويكون له فيها أجر والأجر غير معروف في المباح قال أرأيتم أي اخبروني لو وضعها أي شهوة بضعة في حرام أكان عليه فيه أي في الوضع وزر قال الطيبي أقحم همزة الإستفهام على سبيل التقرير بين لو وجوابها تأكيدا للاستخبار في أرأيتم فكذلك أي فعلى ذلك القياس إذا وضعها في الحلال وعدل عن الحرام مع أن النفس تميل إليه وتستلذ به أكثر من الحلال فإن لكل جديد لذة والنفس بالطبع إليها أميل والشيطان إلى مساعدتها أقبل والمؤنة فيها عادة أقل كان له أجر وفي نسخة أجرا بالنصب فالأجر ليس في نفس قضاء الشهوة بل في وضعها موضعها كالمبادرة إلى الإفطار في العيد وكأكل السحور وغيرهما من الشهوات النفسية الموافقة للأمور الشرعية ولذا قيل الهوى إذا


صادف الهدى فهو كالزبدة مع العسل ويشير إليه قوله تعالى ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله القصص هذا ما سنح لي وخطر ببالي والله أعلم رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله نعم الصدقة اللقحة بكسر اللام
ويجوز فتحها أي الناقة ذات اللبن القريبة العهد بالنتاج الصفي صفة اللقحة أي الغزيرة اللبن منحة بكسر الميم أي عطية بالنصب على التمييز وقيل على الحال والمنح إعطاء ذات لبن فقيرا ليشرب مدة ثم يردها إلى صاحبها إذا ذهب درها وهو المعنى بقوله المنحة مردودة وقيل أصلها أن تكون في العارية ثم سمى به كل عطية وقيل بالعكس والشاة الصفي منحة تغدو أي تذهب ملتبسة بإناء وتروح بآخر أي يحلب من لبنها ملء إناء وقت الغدوة وملء إناء آخر وقت الرواح وهو المساء والجملة صفة مادحة لمنحة أو استئناف جواب عمن سأل عن سبب كونها ممدوحة ولعل بعض أسخياء العرب كانوا يذمون هذه العطية لأنها مخالفة لطبع الكرام على طريق السجية فمدحها ردا عليهم بأن مالا يدرك جله لا يترك كله وإن القليل له أجر جزيل وثناء جميل متفق عليه وعن أنس قال قال رسول الله ما من مسلم يغرس بكسر الراء أي يغرز غرسا بفتح الغين المعجمة ويكسر أو يزرع زرعا أو للتنويع لا للشك ونصبهما على المصدرية أو على المفعولية فيأكل منه أي مما ذكر من المغروس أو المزروع إنسان ولو بالتعدي أو طير أو بهيمة أي ولو بغير اختياره إلا كانت له صدقة متفق عليه قال الطيبي الرواية برفع الصدقة على أن كانت تامة اه وفي نسخة بالنصب على أن الضمير راجع إلى المأكول وأنث لتأنيث الخبر وفي رواية لمسلم عن جابر وما سرق منه له صدقة أي يحصل له مثل ثوب تصدق المسروق والحاصل أنه بأي سبب يؤكل مال المسلم يحصل له الثواب وفيه تسلية له بالصبر على نقصان المال فإن أجره بغير حساب وعن أبي هريرة قال قال رسول الله غفر لامرأة مومسة بكسر الميم


الثانية وفتحها أي الفاجرة من الومس وهو الحكاك مرت بكلب أي على كلب كائن على رأس ركي أي بئر وقيل بئر لم تطو يلهث يقال لهث الكلب إذا خرج لسانه من العطش والتعب كاد يقتله العطش أي قارب أن يهلكه فنزعت خفها أي خلعته فأوثقته أي شدته بخمارها بدلا من الحبل والدلو فنزعت أي جذبت بهما له أي للكلب من الماء أي ماء البئر فغفر لها بذلك تأكيد للخبر قيل إن أي ائن لنا في البهائم أي في إحسانها أجرا قال في كل ذات كبد رطبة أي حيوان أجر قيل إن الكبد إذا ظمئت ترطبت وكذا إذا ألقيت على النار وقيل هو من باب وصف الشيء بما يؤول إليه أي كبد يرطبها السقي ويصيرها رطبة وقد ورد كبد حرى تأنيث حران قال المظهر في إطعام كل حيوان وسقيه أجر إلا أن يكون مأمورا بقتله كالحية والعقرب قال ابن الملك وفي الحديث دليل على غفران الكبيرة من غير توبة وهو مذهب أهل السنة قيل وفي الحديث تمهيد فائدة الخير وإن كان يسيرا متفق عليه وعن ابن عمرو وأبي هريرة قالا قال رسول الله عذبت امرأة في هرة أي في شأنها وبسببها ولأجلها ففي تعليلية سببية أمسكتها أي ربطتها المرأة ومنعتها من الصيد حتى ماتت أي الهرة من الجوع قيل هذه المعصية صغيرة وإنما صارت كبيرة بإصرارها ذكره ابن الملك وفيه أنه لا دلالة في الحديث على إصرارها ويجوز التعذيب على الصغيرة كما في العقائد سواء اجتنب مرتكبها الكبيرة أم لا لدخولها تحت قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء خلافا لبعض المعتزلة فيما إذا اجتنب الكبيرة لظاهر قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم النساء وعنه أجوبة عند أهل السنة ليس هنا محلها فلم تكن تطعمها ولا ترسلها فتأكل بالنصب على جواب النفي من خشاش الأرض بفتح الخاء المعجمة ويجوز كسرها وضمها أي هوامها وحشراتها وفيه تفخيم أمر الذنب وإن كان صغيرا متفق عليه


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق أي ظاهره لا في جنبيه فقال لأنحين بتشديد الحاء أي لأبعدن هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم بالرفع على أنه استئناف فيه معنى التعليل أي لكيلا يؤذيهم فأدخل ماض مجهول الجنة بالنصب على أنه مفعول ثان أي فنحاه فأدخل الجنة كذا قدره بعضهم قال الطيبي رحمه الله يمكن أن إدخاله الجنة بمجرد النية الصالحة وإن لم ينحه وأن يكون قد نحاه متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله لقد رأيت رجلا يتقلب أي يمشي ويتبختر أي يتردد ويتنعم في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق في تعليلية أي لأجلها وبسببها كانت تؤذي الناس أي يتأذون بها وفيه مبالغة على قتل المؤذي وإزالته بأي وجه يكون رواه مسلم وعن أبي برزة قال قلت يا نبي الله علمني شيئا أنتفع به روى مجزوما جوابا للأمر ومرفوعا صفة لشيء أي أنتفع يعمله قال أعزل الأذى عن طريق المسلمين قيل هو من كبار الصحابة فنبه بأدنى شعب الإيمان على أعلاها أي لا تترك بابا من الخير قلت هو في المعنى كحديث المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وكحديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولذا قيل أي أذي نفسك أو الأذى هو هوى النفس فإنها معدنه ومنبعه قال بعضهم وجودك ذنب لا يقاس به ذنب وفيه إيماء إلى أن الاحتماء أولى من


استعمال الدواء والتخلية مقدمة على التحلية بل مقدمة للتحلية رواه مسلم وسنذكر حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه اتقوا النار تمامه ولو بشق تمرة أي بنصفها والمعنى ادفعوها عن أنفسكم بالخيرات ولو كان الاتقاء بتصدق بعض تمرة يعني لا تستقلوا شيئا من الصدقة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة أي يطيب بها قلب المسلم أو بكلمة من كلمات الأذكار فإنها بمنزلة صدقة الفقير في باب علامات النبوة إن شاء الله تعالى أي في ضمن حديث طويل لعدي مذكور في الباب لكن لفظه فمن لم يجد فبكلمة طيبة وكان صاحب المصابيح أتي ببعض الحديث أو بحديث مستقل هنا مناسبة لهذا الباب فعده المؤلف من باب التكرار فأسقطه واكتفى بذكره في ذلك الباب والله أعلم بالصواب
الفصل الثاني
عن عبد الله بن سلام قال لما قدم النبي المدينة جئت أي إليه لاطلع عليه وأسلم لديه فلما تبينت وجهه أي أبصرت وجهه ظاهرا وقيل تأملت وتفرست بأمارات لائحة في سيماه وأصل معناه تكلفت في البيان عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب بالإضافة وينون أي بوجه ذي كذب فإن الظاهر عنوان الباطن فكان أول ما قال بالرفع وينصب يا أيها الناس خطاب العام بكلمات جامعة للمعاملة مع الخلق والحق أفشوا السلام أي أظهروه وأكثروه على من تعرفونه وعلى من لا تعرفونه وأطعموا الطعام أي لنحو المساكين والأيتام وصلوا الأرحام أي ولو بالسلام وصلوا بالليل أي أوله وآخره والناس نيام لأنه وقت الغفلة فلأرباب الحضور مزيد المثوبة أو لبعده عن الرياء والسمعة تدخلوا الجنة بسلام أي من الله أو من ملائكته من مكروه أو تعب ومشقة رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي


وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله اعبدوا الرحمن أي الذي علمكم القرآن وأطعموا الطعام أي للخاص والعام وأفشوا السلام أي للأنام تدخلوا الجنة بسلام أي في خير مقام رواه الترمذي وابن ماجه وعن أنس قال قال رسول الله إن الصدقة لتطفىء غضب الرب وتدفع ميتة السوء أي لتمنع من إنزال المكروه والبلاء في الحال وتدفع سوء الخاتمة في المآل والميتة بالكسر أصلها موتة فقلبت واوها ياء لسكونها وانكسار ما قبلها وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان في الموت والسوء بفتح السين ويضم والمراد ما لا تؤمن غائلته ولا تحمد عاقبته كالفقر المدقع والوصب الموجع والأغلال التي تفضى به إلى كفران النعمة ونسيان الذكر وقيل موت الفجأة والحرق والغرق والتردي والهدم ونحو ذلك وفي حاشية ميرك قال الشارح الأول المراد بالميتة السوء الحالة التي يكون عليها عند الموت كالفقر المدقع والوصب الموجع والألم المفلق والإغلال التي تفضى إلى كفران النعمة والأهوال التي تشغله عماله وعليه وموت الفجأة التي هو أخذة الأسف ونحوها وقال الطيبي نقلا عن المظهر أراد به ما تعوذ منها رسول الله في دعائه اللهم إني أعوذبك من الهدم وأعوذ بك من التردي ومن الغرق والحرق والهرم وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك من أن أموت لديغا ثم قال ويجوز أن يحمل إطفاء الغضب على المنع من إنزال المكروه في الدنيا كما ورد لا يرد القضاء إلا الصدقة وموت السوء على سوء الخاتمة ووخامة العاقبة من العذاب في الآخرة كما ورد الصدقة تطفىء الخطيئة وقد سبق أنه من باب إطلاق السبب على المسبب وقد تقرر أن نفي المكروه لإثبات ضده أبلغ من العكس فكأنه نفي الغضب وأراد الرضا ونفي الميتة السوء وأراد الحياة الطيبة في الدنيا والجزاء الحسنى في العقبى وعليه قوله تعالى فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون النحل رواه الترمذي


وعن جابر قال قال رسول الله كل معروف أي في الشرع أو كل إحسان إلى نفسك أو غيرك صدقة وإن من المعروف أي من جملة أفراده إن تلقى أخاك أي المسلم بوجه بالتنوين طلق بفتح الأول وسكون الثاني وقيل بتثليث الأول وسكون ثانية وبفتح وكسر ويقال طليق أي ضاحك مستبشر وإن تفرغ من الإفراغ أي تصب من دلوك أي عند استقائك في إناء أخيك لئلا يحتاج إلى الإستقاء أو لاحتياجه إلى الدلو والدلاء رواه أحمد والترمذي أي من طريق محمد بن المنكدر عن جابر قال الترمذي حسن صحيح كذا نقله الجزري وفي كثير من نسخ الترمذي حسن فقط وليس في سنده غير المنكدر بن محمد بن المنكدر قال الذهبي فيه لين وقد وثقه أحمد كذا ذكره ميرك وعن أبي ذر قال قال رسول الله تبسمك في وجه أخيك أي على وجه الإنبساط صدقة أي إحسان إليه أو لك فيه ثواب صدقة وأمرك بالمعروف صدقة ونهيك عن المنكر صدقة والصدقات مختلفة المراتب وإرشادك الرجل في أرض الضلال أضيفت إلى الضلال كأنها خلقت به وهي التي لا علامة فيها للطريق فيضل فيها الرجل لك صدقة زيد لك في هذه القرينة والتي بعدها لمزيد الإختصاص ونصرك أي إعانتك الرجل الرديء البصر بالهمز ويدغم أي الذي لا يبصر أصلا أو يبصر قليلا لك صدقة وضع النصر موضع القياد مبالغة في الإعانة كأنه ينصره على كل شيء يؤذيه وإماطتك أي إزالتك الحجر والشوك والعظم أي ونحوها عن الطريق أي طريق المسلمين لك صدقة وإفراغك أي صبك من دلوك في دلو أخيك أي بعض الماء لك صدقة فكيف إذا لم يكن لأخيك دلو أو أعطيته ماء من دلوك رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن سعد بن عبادة قال يا رسول الله إن أم سعد أراد به نفسه ماتت فأي


الصدقة أفضل أي لروحها قال الماء إنما كان الماء أفضل لأنه أعم نفعا في الأمور الدينية والدنيوية خصوصا في تلك البلاد الحارة ولذلك من الله تعالى بقوله وأنزلنا من السماء ماء طهورا الفرقان كذا ذكره الطيبي وفي الأزهار الأفضلية من الأمور النسبية وكان هناك أفضل لشدة الحر والحاجة وقلة الماء فحفر أي سعد وفي نسخة صحيحة قال أي الراوي عن سعد فحفر بئرا بالهمز ويبدل وقال أي سعد هذه أي هذه البئر صدقة لأم سعد رواه أبو داود والنسائي قال ميرك روى أبو داود من طريق إبي إسحاق السبيعي عن رجل عن سعد بن عبادة بهذا اللفظ ففيه رجل مجهول وروى هو أيضا من طريق سعيد بن المسيب إن سعدا وهو ابن عبادة أتى النبي فقال أي الصدقة أعجب إليك قال الماء ومن هذا الطريق أخرجه النسائي أيضا وقد رواه ابن حبان أيضا من هذا الطريق ثم أخرج أبو داود من طريق سعيد بن المسيب والحسن البصري كلاهما عن سعد بن عبادة نحوه وهذا إسناد منقطع فإن سعيدا والحسن لم يدركا سعد بن عبادة وعن أبي سعيد قال قال رسول الله أيما مسلم ما زائدة وأي مرفوع على الإبتداء كسا أي ألبس مسلما ثوبا على عرى بضم فسكون أي على حالة عرى أو لأجل عرى أو لدفع عرى وهو يشمل عرى العورة وسائر الأعضاء كساه الله من خضر الجنة أي من ثيابها الخضر جمع أخضر من باب إقامة الصفة مقام الموصوف وفيه إيماء إلى قوله تعالى يلبسون ثيابا خضرا الكهف وفي رواية الترمذي من حلل الجنة ذكره المنذري ولا منافاة وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع فأطعمه الله من ثمار الجنة فيه إشارة إلى أن ثمارها أفضل أطعمتها وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ بفتحتين مقصورا وقد يمد أي عطش سقاه الله من الرحيق المختوم أي من خمر الجنة أو شرابها والرحيق صفوة الخمر والشراب الخالص الذي لا غش فيه والمختوم هو المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه ولم يصل إليه غير أصحابه وهو عبارة عن نفاسته وقيل الذي يختم بالمسك مكان الطين والشمع ونحوه وقال


الطيبي هو الذي يختم أوانيه لنفاسته وكرامته وقيل المراد منه أن آخر ما يجدون منه في الطعم رائحة المسك من قولهم ختمت الكتاب أي انتهيت إلى آخره اه وفيه إيماء إلى قوله تعالى يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك المطففين
والمعنى الأخير هو الذي عند أرباب الذوق فإن ختم الأواني بمعنى منعها لايلائم مقام الجنة التي لا مقطوعة ولا ممنوعة وفيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من خمر لذة للشاربين وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين رواه أبو داود والترمذي وعن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله إن في المال لحقا سوى الزكاة وذلك مثل أن لا يحرم السائل والمستقرض وأن لا يمنع متاع بيته من المستعير كالقدر والقصعة وغيرهما ولا يمنع أحدا الماء والملح والنار كذا ذكره الطيبي وغيره والظاهر أن المراد بالحق ما ذكره في الآية المستشهد بها غير الزكاة من صلة الرحمن والإحسان إلى اليتيم والمسكين والمسافر والسائل وتخليص رقاب المملوك بالعتق ونحوه ثم تلا أي قرأ اعتضادا أو استشهادا ليس البر بالرفع والنصب إن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب الآية أي ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة البقرة قال الطيبي رحمه الله وجه الإستشهاد أنه تعالى ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة فدل ذلك على أن في المال حقا سوى الزكاة قيل الحق حقان حث يوجبه الله تعالى على عباده حق يلتزمه العبد على نفسه الزكية الموقاة من الشح المجبول عليه الإنسان اه وهذا مستفاد من قوله تعالى الموفون بعهدهم إذا عاهدوا البقرة يعني إذا عاهدوا الله بطريق النذر الموجب للوفاء به شرعا وبالإلتزام العرفي السلوكي المقتضى وفاءه مرؤة وعرفا رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي قال ميرك وضعفه الترمذي بقطع هذا الحديث وقال الأصح أنه من قول الشعبي


وعن بهيسة بضم الموحدة وفتح الهاء لها صحبة ذكره المؤلف عن أبيها قالت قال أي أبوها يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الماء أي عند عدم احتياج
صاحب الماء إليه وإنما أطلق بناء على وسعه عادة قال يا نبي الله تفنن في العبارة ما الشيء الذي لا يحل منعه أي بعد الماء قال الملح لكثرة احتياج الناس إليه وبذله عرفا قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه أي بعده قال أن تفعل الخير مصدرية أي فعل الخير جميعه خير لك لقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة الخير لا يحل لك منعه فهذا تعميم بعد تخصيص وإيماء إلى أن قوله لا يحل بمعنى لا ينبغي رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه وأقره المنذري فالحديث حسن صالح عنده وعن جابر قال قال رسول الله من أحيا أرضا ميتة أي زرع أرضا يابسة فله فيها أي في نفس إحيائها أجر وما أكلت العافية وهي كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر من عفوته أي أتيت أطلب معروفه وعافية الماء واردته وفي بعض الروايات العوافي أي طوالب الرزق منه أي من حاصل الأرض وريعها أو من المأكول أو من النبات فهو له صدقة أي إذا كان له راضيا وشاكرا أو متحملا صابرا رواه النسائي والدارمي وفي نسخة رواه الدارمي والأول هو الصحيح لقول ميرك كلاهما من طريق هشام بن عروة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن جابر قاله الشيخ الجزري وعن البراء قال قال رسول الله من منح أي أعطى منحة لبن تقدم معناها والإضافة فيها بيانية كذا قيل والأظهر إن في المنحة تجريدا بمعنى مطلق العطية ليصح العطف بقوله أو ورق بكسر الراء وسكونها وهي قرض الدراهم لأن المنحة مردودة وقيل أي من أعطى عطية ولعل وجه عدم ذكر الذهب أنه ذهب أهل الكرم فكأنه غير موجود أو يعلم حكمه بطريق الأولى على سبيل الأعلى قال علي أو هدى بتخفيف الدال أي دل السائلة زقاقا بضم الزاي أي سكة وطريقا أي عرف ضالا أو ضريرا طريقا وقيل إلى سكته أو بيته بناء على أن هدى


متعد إلى مفعولين أو إلى مفعول ويروى بتشديد الدال إما مبالغة في الهداية أو من الهدية أي تصدق بزقاق من النخل وهو السكة والصف من أشجاره أو جعله
وقفا كان له أي ثبت له مثل عتق رقبة أي كان ما ذكر له مثل إعتاق رقبة ووجه الشبه نفع الخلق والإحسان إليهم وفي المصابيح كعدل رقبة أو نسمة وفي رواية كان له مثل عتق رقبة قال الشارح أي كمثل عبد وأمة وأو للشك والنسمة الإنسان أو عدل رقبة أن ينفرد بعتقها والنسمة أن يعين في فكاكها رواه الترمذي قال ميرك وقال صحيح حسن غريب وعن أبي جري بضم الجيم وفتح الراء وتشديد الياء جابر بن سليم بالتصغير قال أتيت المدينة فرأيت رجلا يصدر الناس أي يرجعون عن رأيه ويعملون بما يأمرهم به ويجتنبون عما ينهاهم عنه قال الطيبي أي ينصرفون عما رآه ويستصوبونه شبه المنصرفين عنه بعد توجههم إليه لسؤال مصالحهم ومعاشهم ومعادهم بالواردة إذا صدروا عن المنهل بعد الري لا يقول شيئا إلا صدروا عنه أي عملوا به صفة كاشفة موضحة للمقصود قلت من هذا قالوا هذا رسول الله قال قلت عليك السلام يا رسول الله مرتين إما لعدم سماعه أو لعدم جوابه تأديبا له قال لا تقل نهي تنزيه عليك السلام أي ابتداء عليك السلام تحية الميت أي في زمان الجاهلية حيث لا شعور لهم بالأمور الشرعية وقال الطيبي أراد أنه ليس مما يحيا به الأحياء لأنه شرع له أن يحيى صاحبه وشرع له أن يحييه فلا يحسن أن يوضع ما وضع للجواب موضع التحية وإن جاز أن يحيوا بتقديم السلام كقوله عليه السلام عليكم دار قوم مؤمنين اه ويوضحه كلام بعض علمائنا أنه لم يرد به أنه ينبغي أنه يحيا الميت بهذه الصيغة إذ قد سلم على الأموات بقوله السلام عليكم وإنما أراد به إن هذا تحية تصلح أن يحيا بها الميت لا الحي وذلك لمعنيين أحدهما أن تلك الكلمة شرعت لجواب التحية ومن حق المسلم أن يحيى صاحبه بما شرع له من التحية فيجيب صاحبه بما شرع له من الجواب فليس له أن يجعل الجواب مكان


التحية وأما في حق الميت فإن الغرض من التسليم عليه أن تشمله بركة السلام والجواب غير منتظر هنالك فله أن يسلم عليه بكلتا الصيغتين والآخران إحدى فوائد السلام أن يسمع المسلم المسلم عليه ابتداء لفظ السلام
ليحصل الأمن من قبل قلبه فإذا بدأ بعليك لم يأمن حتى يلحق به السلام بل يستوحش ويتوهم أنه يدعو عليه فأمر بالمسارعة إلى إيناس الأخ المسلم بتقديم السلام وهذا المعنى غير مطلوب في الميت فساغ للمسلم أن يفتتح من الكلمتين بأيتهما شاء وقيل إن عرف العرب إذا سلموا على قبر أن قالوا عليك السلام فقال عليك السلام تحية الميت على وفق عرفهم وعادتهم لا إنه ينبغي أن يسلم على الأموات بهذه الصيغة اه فعلى الأخير يحمل على عرف خاص أو على جهل الرجل بالعرف والجاهل بمنزلة الميت فما أحسن موقع كلامه عليك السلام تحية الميت ولا يبعد أن يكون عليك السلام جوابا له وتحية الميت خبر المبتدأ محذوف ويمكن أن يقصد به هذا وهذا والله أعلم قل السلام عليك أي إذا سلمت فإنه أفضل قلت أنت رسول الله فقال أنا رسول الله الذي خبر مبتدأ مقدر هو هو وهو يحتمل الإحتمالين الآتيين أو صفة لله أو لرسول الله على نسخة الضم بناء على صيغة المتكلم في دعوته في المواضع الثلاثة الآتية فيكون قوله أنا رسول الله مقرونا بدلالة المعجزة وإن كانت رسالته معلومة عندهم بالتواتر وظهور أنواع دلائل النبوة وأصناف شمائل الرسالة أو لكون المراد من سؤاله معرفة الشخص المسمى بوصف الرسالة الموصوف بدعوى النبوة لا إثباتها بالمعجزة وهذا محمل فتح التاء على الخطاب مع أنه يمكن أن يقدر بي بعد دعوته أي بالتوسل إلى أو بعد كشفه أي بسببي والله أعلم إن أصابك ضر بضم الضاد ويفتح فدعوته أي أنت بوسيلتي أو أنا كشفه أي أزال الله ذلك الضر عنك وإن أصابك عام سنة أي سنة قحط لا تنبت الأرض شيئا فدعوته أنبتها لك أي صيرها ذات نبات لك وإذا كنت بأرض قفر وفي نسخة بالإضافة أي فلاة خالية من الماء


والشجر فهي المفازة المهلكة أو فلاة أي مفازة بعيدة عن العمران فهي المفازة الخطرة فأو للتنويع ويحتمل أن تكون للشك فضلت راحلتك أي فحادت ومالت عن الطريق أو غابت عنك وهو الأظهر لقوله فدعوته ردها عليك قلت أعهد إلي أي أوصني ومنه قوله تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان يس قال لا تسبن أحدا أي لا تشتمه وإنما عهد عليه الصلاة والسلام عدم السب بعلمه أنه كان الغالب على حاله ذلك فنهاه عنه قال فما سببت بعده أي بعد عهده أحدا حرا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة أي لا إنسانا ولا حيوانا سدا للباب وإن كان يجوز سب إنسان مخصوص علم موته بالكفر فإنه لا ضرر في عدم سبه والأفضل الاشتغال بذكر الرحمن حتى عن لعن الشيطان فإن خطور ما سوى الله في الخاطر نقصان قال أي النبي ولا تحقرن شيئا من المعروف أي من الأعمال الصالحة أو من أفعال الخير والبر والصلة ولو كان قليلا أو صغيرا وإن تكلم أخاك قيل أي وكلم أخاك تكليما فحذف الفعل العامل وأضيف المصدر


إلى الفاعل أي تكليمك أخاك ثم وضع الفعل مع أن موضع المصدر وهو معطوف على النهي كذا في الشرح وهو تكلف ذكره الطيبي وقال غيره قوله وإن تكلم أخاك أما عطف على شيء وإن ذلك من المعروف مستأنف علة له أو مبتدأ وإن ذلك خبره وأنت منبسط أي بشاش إليه وجهك بالرفع على أنه فاعل منبسط والجملة حال والمعنى إنك تتواضع له وتطيب الكلام حتى يفرح قلبه بحسن خلقك إن ذلك بكسر الهمزة على الإستئناف التعليلي وفي نسخة بفتحها للعلة والمعنى أن ما ذكر من التكليم مع انبساط الوجه من جملة المعروف الذي لا ينكر ولا يحقر فلا يترك وارفع إزارك إلى نصف الساق أي ليكن سروالك وقميصك قصيرين فإن أبيت رفع إزارك إلى نصف الساق فارفعه إلى الكعبين ولا تتجاوز عنهما وإياك وإسبال الإزار أي اجتنبه فإنها أي هذه الفعلة أو الخصلة التي هي الإسبال من إرسال الثوب وإرخائه من المخيلة بفتح الميم وكسر الخاء أي لكبر والعجب وإن الله لا يحب المخيلة وإن أمرؤ شتمك أي سبك ولعنك وعيرك أي لامك وعيرك بما يعلم فيك أي من عيبك سواء يكون فيك أم لا فلا تعيره بما تعلم فيه أي فضلا عما لا تعلم فيه فإنما وبال ذلك أي إثم ما ذكر من الشتم والتعيير عليه أي على ذلك المرء ولا يضرك شيء رواه أبو داود قال الجزري والمنذري والترمذي أيضا والنسائي مختصرا وروى الترمذي منه أي من الحديث حديث السلام أي صدر الحديث وهو ما يتعلق بالسلام قال ميرك قال الترمذي حسن صحيح ويفهم من كلام المنذري والشيخ الجزري أن الحديث بتمامه عند الترمذي أيضا لكن اللفظ لأبي داود وفي رواية أي للترمذي فيكون لك أجر ذلك ووباله عليه قال ميرك هذه الرواية للترمذي أيضا فالأولى أن يقول المؤلف وفي رواية له قلت وفيه دلالة على أن الحديث في الترمذي بكماله وعن عائشة رضي الله عنها قالت إنهم ذبحوا شاة أي أصحاب النبي قاله ابن الملك أو أهل البيت رضي الله عنهم وهو الأظهر فقال النبي ما بقي منها على الإستفهام أي أي شيء بقي


من الشاة قالت ما بقي أي منها كما في نسخة صحيحة إلا كتفها أي التي لم يتصدق بها قال بقى كلها غير كتفها بالنصب والرفع أي ما تصدقت به فهو باق وما بقى عندك فهو غير باق إشارة إلى قوله تعالى ما عندكم ينفد وما عند الله باق النحل رواه الترمذي وصححه
وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله يقول ما من مسلم كسا مسلما ثوبا أي إزارا أو رداء أو غيرهما إلا كان في حفظ قال الطيبي أي في حفظ أي حفظ من الله ما دام عليه أي على المسلم منه أي من الثواب خرقة أي قطعة يسيرة قال ابن الملك وإنما لم يقل في حفظ الله ليدل التنكير على نوع تفخيم وشيوع وهذا في الدنيا وأما في الآخرة فلا حصر ولا عدل لثوابه اه ويمكن أن يراد بالحفظ معنى الستر فيوافق ما ورد من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والتنوين للتعظيم أو للتنويع لأنه إنما يكون على وفق الثوب وقدره وحال معطيه وآخذه رواه أحمد والترمذي أي من طريق حصين بن مالك عن ابن عباس وقال حسن غريب من هذا الوجه اه كلامه وحصين بن مالك هو البجلي الكوفي قال أبو زرعة ليس به بأس وعن عبد الله بن مسعود يرفعه أي يرفع الحديث إلى النبي ولو لم يقل هذا لأوهم أن يكون الحديث موقوفا على ابن مسعود لقوله بعده قال ثلاثة ولم ينسبه إلى النبي يحبهم الله فإن ظهر علامة إنهم يحبون الله أو محبة الله لهم أنتجت لهم التوفيق على أعمالهم رجل قام من الليل أي والناس نائمون يتلو كتاب الله فكأنه يكلم الله ويكلمه في خلوة وهذا علامة محبة الله ورجل يتصدق بصدقة أي صدقة نفل بيمينه وفيه إيماء إلى الأدب في العطاء بأن يكون باليمين رعاية للأدب وتفاؤلا باليمن والبركة أو بمن يكون على يمينه يخفيها أي يخفي تلك الصدقة غاية الإخفاء خوفا من السمعة والرياء مبالغة في قصد ابتغاء المحبة والرضا أراه بضم الهمزة من الإراءة أي أظنه قال أي النبي أو ابن مسعود من شماله أي يخفيها من شماله أريد به كمال المبالغة أو ممن في جهة شماله ورجل


كان في سرية أي في جيش صغير فانهزم أصحابه فاستقبل العدو أي وقاتلهم لتكون كلمة الله هي العليا ومناسبة الجمع بين الثلاثة أنهم مجاهدون فالأول يجاهد في نفسه ويمنعها عن النوم والغفلة والراحة ويخالف أقرانه بالسهر والتلاوة والثاني يجاهد في ماله ويخرجه ويعطيه من غير أن يشعر به إخوانه ويخالف غالب أهل زمانه في أنهم لا يعطون أو لا يخلصون والثالث يجاهد في بذل روحه حيث لا طمع للنفس في الغنيمة ومدح الناس له بالشجاعة ويخالف


أصحابه في الإنهزام والمناسبة الثابتة أيضا بين الأول والثالث تستفاد من الحديث الوارد عنه ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الغازين والثاني دخيل بينهما يلحق بهما حيث يفعل الخير والناس عنه غافلون وعن طريقه عادلون رواه الترمذي وقال هذا حديث غير محفوظ قال الطيبي أي ضعيف أحد رواته أبو بكر بن عياش كثير الغلط أي في الحديث مع كونه أما ما في رواية القراءة قال ميرك وروى الترمذي من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن منصور عن ربعي بن جرش عن ابن مسعود وقال هذا غريب غير محفوظ والصحيح ما روى شعبة وغيره عن منصور عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر عن النبي وأبو بكر بن عياش كثير الغلط هكذا عبارة الترمذي في جامعه وتطبيق ما نقله عنه المؤلف لا يخلو عن تكلف تأمل وأعلم أن مقصود الترمذي إن أبا بكر بن عياش غلط في شيخ منصور واسم الصحابي أيضا وأراد بحديث شعبة بإسناده عن أبي ذر الحديث الذي بعده وهو حديث صحيح أخرجه الترمذي وصححه وأبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد وابن خزيمة في صحيحه والنسائي والله أعلم وعن أبي ذر قال قال رسول الله ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله فأما الذين يحبهم الله فرجل أي معطى رجل أتى قوما وقال الطيبي رحمه الله أي صاحب قوم فسألهم الله أي مستعطفا بالله قائلا أنشدكم بالله أعطوني ولم يسألهم لقرابة أي ولم يقل أعطوني بحق قرابة بينه وبينهم فمنعوه أي الرجل العطاء فتخلف رجل بأعيانهم الباء للتعدية أي بأشخاصهم وتقدم فأعطاه سرا وقيل أي تأخر رجل من بينهم إلى جانب حتى لا يروه بأعيانهم من أشخاصهم وقال الطيبي أي ترك القوم المسؤول عنهم خلفه وتقدم فأعطاه سرا والمراد من الأعيان الأشخاص أي سبقهم بهذا الخير فجعلهم خلفه وفي رواية الطبراني فتخلف رجل عن أعيانهم وهذا أشد معنى والأول أوثق سندا والمعنى أنه تخلف عن أصحابه حتى خلا بالسائل فأعطاه سرا قيل ويحتمل أن يكون بأعيانهم متعلقا بمحذوف


أي تخلف عنهم مستترا بظلالهم وأعيانهم أي أشخاصهم قال المظهر إنما أحبه الله لتعظيم اسمه وتصدقه حين خالفه القوم في ذلك اه والأظهر أن سبب زيادة المحبة له ولصاحبيه الآتيين مخالفة
الخلق وموافقة الحق مع الإخلاص والصدق لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه تقرير لمعنى السر وقوم أي وقائم قوم ساروا ليلتهم إذا كان النوم أحب إليهم أي ألذ وأطيب مما يعدل به أي من كل شيء يقابل ويساوى بالنوم فوضعوا رؤوسهم أي فناموا فقام أي من النوم أو عنه ذلك الرجل يتملقني أي يتواضع لدي ويتضرع إلي قال الطيبي رحمه الله الملق بالتحريك الزيادة في التودد والدعاء والتضرع قيل دل أول الحديث على أنه من كلامه وآخره على أنه من كلامه تعالى ووجه بأن مقام المناجاة يشتمل على أسرار ومناجاة بين المحب والمحبوب فحكى الله تعالى لنبيه ما جرى بينه وبين عبده فحكى النبي ذلك لا بمعناه إذ لا يقال يتملق الله وليس هذا من الالتفات في شيء ويتلو آياتي أي يقرأ ألفاظها ويتبعها بالتأمل في معانيها ورجل كان في سرية أي جيش فلقي العدو فهزموا أي أصحابه فأقبل بصدره أي خلاف من ولى دبره بتولية ظهره حتى يقتل أو يفتح له أو حتى يفوز بإحدى الحسنيين والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني يحتمل أن يراد بالشيخ الشيبة ضد الشباب وأن يراد به المحصن ضد البكر كما في الآية المنسوخة الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم والفقير المختال أي المتكبر ويستثنى منه تكبره على المتكبر فإنه صدقة والغني الظلوم أي كثير الظلم في المطل وغيره وإنما خص الشيخ وأخويه بالذكر لأن هذه الخصال فيهم أشد مذمة وأكثر نكرة رواه الترمذي والنسائي وعن أنس قال قال رسول الله لما خلق الله الأرض أي أرض الكعبة ودحيت وبسطت من جوانبها وبقيت كلوحة على وجه الماء جعلت أي شرعت تميد بالدال المهملة أي تميل وتتحرك وتضطرب شديدة ولا تستقر حتى قالت الملائكة لا ينتفع الأنس بها


فخلق الجبال وقيل أولها أبو قبيس فقال بها عليها أي أمر وأشار بكونها واستقرارها عليها فاستقرت أي الجبال عليها أو فثبتت الأرض في مكانها أو لا مادت ولا مالت عن حالها ومحلها وهذا القول والأمر يحتمل أن يكون بلفظه كن ويحتمل أن يراد به مجرد تعلق الإرادة كما حقق في قوله تعالى إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
يس وهذا المسلك عندي دقيق وبالقبول حقيق خلافا لما قاله الشراح في هذا المقام فقال الطيبي قد مر مرارا أن القول يعبر به عن كل فعل وقرينة اختصاصه إقتضاء المقام فالتقدير ألقى بالجبال على الأرض كما قال تعالى وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم لقمان فالباء زائدة في المفعول كما في قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة وإيثار القول على الإلقاء والإرسال لبيان العظمة والكبرياء وإن مثل هذا الأمر العظيم يتأتى من عظيم قدرته بمجرد القول وقيل ضمن القول معنى الأمر أي أمر الجبال قائلا أرسى عليها وقيل أي ضرب بالجبال على الأرض حتى استقرت وقيل القول بمعنى الأمر والمفعول محذوف أي أمر الله تعالى الملائكة بوضع الجبال على الأرض اه والأخير مع مخالفته للمنقول حيث ورد فأصبحت الملائكة فرأوا الجبال عليها يرده قوله فعجبت الملائكة من شدة الجبال فقالوا يا رب هل من خلقك أي مخلوقاتك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد فإنه يكسر الحجر ويقلع به الجبال فقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار فإنها تلين الحديد وتذيبه فقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء لأنه يطفئها فقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الماء قال نعم الريح من أجل أنها تفرق الماء وتنشفه وقال الطيبي فإن الريح تسوق السحاب الحامل للماء فقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم ابن آدم تصدق صدقة بيمينه يخفيها من شماله قيل أشديته والله أعلم أما باعتبار أنه سخر نفسه التي جبلت على غرائز لا تدفعها النار


والماء والريح ولا تحمل على ما تأباه بالتشدد ولا تنقلب عما ترومه بالإحتيال فهي أشد من كل شديد ومع ذلك قد سخرها حيث منعها عن إظهار الصدقة إيثارا للسمعة وحبا للثناء أو باعتبار أنه قهر الشيطان أو باعتبار أنه حصل رضا الرحمن وقيل إنما كانت الصدقة أشد من الريح الأشد مما قبلها لأن صدقة السر تظفىء غضب الرب الذي لا يقابله شيء في الصعوبة والشدة فإذا عمل الإنسان عملا توسل إلى اطفائه كان أشد وأقوى من هذه الأجرام وقال الطيبي فإن من جبلة ابن آدم القبض والبخل الذي هو من طبيعة الأرض ومن جبلته الاستعلاء وطلب انتشار الصيت وهما من طبيعتي النار والريح فإذا رغم بالإعطاء جبلته الأرضية وبالإخفاء جبلته النارية والريحية كان أشد من الكل رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وذكر حديث معاذ الصدقة تطفىء الخطيئة أي تزيل الذنوب وتمحوها كما قال تعالى إ
الحسنات يذهبن السيآت هود في كتاب الإيمان أي في حديث طويل هناك فيكون من باب إسقاط المكرر
الفصل الثالث


عن أبي ذر قال قال رسول الله ما من عبد مسلم ينفق أي يتصدق من كل مال له أي من كل ماله زوجين أي اثنين أو صنفين في سبيل الله أي في ابتغاء وجهه ومرضاة ربه أو ينفق في سبيل طاعته من الحج والغزو وطلب العلم ونحوها إلا استقبلته حجبة الجنة بفتحتين جمع صاحب أي بوابو أبوابها كلهم يدعوه أفرد الضمير للفظ كل أو المعنى كل واحد منهم يدعوه إلى ما عنده أي من النعم العظام والمنح الفخام أو إلى باب هو واقف عنده بالإستدعاء والعرض والغرض أن يتشرف بدخوله منه قلت وكيف ذلك أي كيف ينفق زوجين مما يتملكه بالعدد المخصوص قال إن كانت إبلا الضمير راجع إلى كل مال باعتبار الجماعة أو باعتبار الخبر فإن الإبل مؤنث فبعيرين وإن كانت بقرة أي بقرا فبقرتين رواه النسائي وعن مرثد بن عبد الله قال الطيبي هو أبو الخير مرثد بن عبد الله المزني المصري سمع عقبة بن عامر وأبا أيوب وابن عمرو بن العاص قال حدثني بعض أصحاب رسول الله أنه سمع رسول الله يقول إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته قال الطيبي هذا من التشبيه المقلوب المحذوف الأداة لأن الأصل أن الصدقة كالظل في أنها تحميه عن أذى الحر يوم القيامة اه والأظهر أن معناه ظل المؤمن يوم القيامة صدقته الكائنة في الدني


أي إحسانه إلى الناس وهو إما بأن تجسد صدقته أو يجسم ثوابها وقد تخص الصدقة بما لها ظل حقيقي كثوب وخيمة كما ورد في بعض الأخبار رواه أحمد وعن ابن مسعود قال قال رسول الله من وسع على عياله في النفقة يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته أي باقيها أو جميعها قال سفيان أي الثوري فإنه المراد عند الإطلاق في اصطلاح المحدثين أنا أي نحن وأصحابنا قد جربناه أي الحديث لنعلم صحته أو جربنا الوسع فوجدناه أي جزاءه كذلك أي على توسيع العام رواه رزين أي عن ابن مسعود وحده وروى البيهقي في شعب الإيمان عنه أي عن ابن مسعود وعن أبي هريرة وأبي سعيد وجابر أي عن الأربعة كلهم وأعاد لفظ عن لئلا يعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار على ما هو الأفصح وضعفه أي البيهقي حديثه ونقل ميرك عن المنذري في الترغيب أن هذا الحديث رواه البيهقي من طرق وعن جماعة من الصحابة وقال هذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوة اه قال العراقي له طرق صحح بعضها وبعضها على شرط مسلم وأما حديث الاكتحال يوم عاشوراء فلا أصل له وكذا سائر الأشياء العشرة ما عدا الصوم والتوسيع وعن أبي أمامة قال قال أبو ذر يا نبي الله أرأيت أي أخبرني الصدقة بالرفع مبتدأ والخبر جملة ماذا هي أي أي شيء ثوابها قال أضعاف أي هي يعني ثوابها أضعاف أي من عشرة مضاعفة أي إلى سبعمائة وعند الله المزيد أي الزيادة تفضلا لقوله تعالى والله يضاعف لمن يشاء البقرة قال الطيبي الجملة الإستفهامية خبر


بالتأويل أي الصدقة أقول فيها ماذا هي والسؤال عن حقيقة الصدقة لا يطابق الجواب بقوله أضعاف لكنه وارد على أسلوب الحكيم أي لا يسأل عن حقيقتها فإنها معلومة واسأل عن ثوابها ليرغبك فيها اه وفيه مع قطع النظر عن تكلفه أن الأمر المعلوم لا يسئل عنه حتى ينهى عن سؤاله ويعدل عنه إلى جواب آخر ثم قال الطيبي قولهم أرأيت زيدا ماذا صنع بمعنى أخبرني ليس من باب التعليق بل يجب نصب زيد ومعنى أرأيت أخبر وهو منقول من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل أبصرته وشاهدت حاله العجيبة أو عرفتها أخبرني عنها ولا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة وقد يؤتى بعده بالمنصوب الذي كان مفعولا به كما ذكرنا وقد يحذف نحو أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك ولا بد من استفهام ظاهر أو مقدر وليس لجملة ما صنع محل من الإعراب كما توهم أنه مفعول ثان بل هي لبيان الحال المستخبر عنها لما قال رأيت زيدا قال المخاطب عن أي حال من أحواله تسأل فقال ما صنع كما في الرضى فعلى هذا يجب نصب الصدقة في قوله أرأيت اه وفيه أن الرواية برفعها فيتعين توجيهها بأن يقال هي وما بعدها في موضع المفعولين قال صاحب الكشاف في قوله تعالى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى القلم فإن قلت ما متعلق أرأيت قلت الذي ينهى مع الجملة الشرطية وهما في موضع المفعولين قال أبو حيان وما قرره الزمخشري ههنا ليس بجار على ما قررناه أي في الأنعام فمن ذلك أنه ادعى إن جملة الشرطية في موضع المفعول الواحد والموصول هو الآخر وعندنا أن المفعول الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كقوله تعالى أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب النجم وهو في القرآن كثير فتخرج هذه الآية على ذلك القانون إلخ وقال في الإعلان أرأيت بمعنى أخبرني لا يعلق عند سيبويه وقال غيره كثيرا ما يعلق اه فكلام الرضى إنما هو محمول على ثبوت نصب زيدا ولذا قال في الإعلان اختلفوا في الجملة الإستفهامية


الواقعة بعد المنصوب بأرأيتك نحو أرأيتك زيدا ما صنع فالجمهور على أن زيدا مفعول أول والجملة بعده في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني ولا يجوز التعليق في هذه وإن جاز في غيرها من أخواتها نحو علمت زيدا من هو وقال السفاقسي في قوله تعالى أرأيتك هذا الذي كرمت علي الإسراء هنا وجوه أحدها للزمخشري أن التي بمعنى أخبرني إنما تدخل على جملة ابتدائية يكون الخبر فيها استفهاما فإن لم يصرح به فمقدر اه وهو صريح في المقصود كما لا يخفى رواه أحمد


باب أفضل الصدقة

الفصل الأول
عن أبي هريرة وحكيم بن حزام بكسر الحاء بعده زاي قال قال رسول الله خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى قال الطيبي أي كانت عفوا قد فضل عن ظهر غني كان صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال أو أراد غني يعتمد ويستظهر به على النوائب وقال غيره الظهر زائدة وقيل ظهر غني عبارة عن تمكن المتصدق عن غني ما مثل قولهم هو على ظهر سير أي متمكن منه وتنكير غني ليفيد أن لا بد للمتصدق من غني ما إما غني النفس وهو الإستغناء عما بذل بسخاوة النفس ثقة بالله تعالى كما كان لأبي بكر رضي الله عنه وأما غنى المال الحاصل في يده والأول أفضل اليسارين لقوله عليه الصلاة والسلام ليس الغني عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس وإلا لا يستحب له أن يتصدق بجميع ماله ويترك نفسه وعياله في الجوع والشدة ولذا ختم الكلام بقوله وابدأ بمن تعول أي بمن تلزمك نفقته رواه البخاري أي عنهما ورواه مسلم عن حكيم وحده فالحديث متفق عليه وعن أبي مسعود قال قال رسول الله إذا أنفق المسلم نفقة على أهله أي من الزوجة والأقارب وهو يحتسبها أي يعتدها مما يدخر عند الله أو يطلب الحسبة وهي الثواب كانت له أي نفقته صدقة أي عظيمة أو مقبولة أو نوعا من الصدقة متفق عليه


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله دينار مبتدأ صفته أنفقته في سبيل الله أي في الجهاد أو الحج أو طلب العلم ودينار أنفقته في رقبة أي في فكها أو إعتاقها ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك قال الطيبي دينار وما عطف عليه مبتدأ وخبره الجملة التي هي أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك قيل لأنه فرض وقيل لأنه صدقة وصلة رواه مسلم وعن ثوبان قال قال رسول الله أفضل دينار يراد به العموم ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه على دابته أي دابة مربوطة في سبيل الله من نحو الجهاد ودينار ينفقه على أصحابه أي حال كونهم مجاهدين في سبيل الله يعني الإنفاق على هؤلاء الثلاثة على الترتيب أفضل من الإنفاق على غيرهم ذكره ابن الملك ولا دلالة في الحديث على الترتيب لأن الواو لمطلق الجمع إلا أن يقال الترتيب الذكرى الصادر من الحكيم لا يخلو عن حكمة فالأفضل ذلك إلا أن يوجد مخصص ولذا قال ابدؤا بما بدأ الله تعالى به إن الصفا والمروة من شعائر الله رواه مسلم وعن أم سلمة قالت قلت يا رسول الله ألي أجر بسكون الياء وفتحها أن أنفق بفتح الهمزة أي في إنفاقي وفي نسخة بأن الشرطية على بني أبي سلمة قال ابن حجر أبو سلمة هو عبد الله بن عبد الأسد زوج أم سلمة قبل النبي ولها من أبي سلمة أولاد عمر


ومحمد وزينب ودرة إنما هم بني أي حقيقة أو حكما فقال أنفقي عليهم فلك أجر ما أنفقت عليهم متفق عليه وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت قال رسول الله تصدقن يا معشر النساء أي جماعتهن ولو من حليكن بضم الحاء وكسرها وتشديد الياء جمع الحلى بفتح الحاء وسكون اللام كما في نسخة وهو ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة قالت فرجعت إلى عبد الله فقلت إنك رجل خفيف ذات اليد أي قليلها وإن رسول الله قد أمرنا بالصدقة أي باعطائها أو بالتصدق فأته أي فاحضره فاسأله وفي نسخة فسله أي هل يجزئني أن أتصدق عليك وعلى أولادك أم لا فإن كان ذلك أي التصدق عليك يجزي بفتح الياء وكسر الزاي أي يغني ويقضي وفي نسخة بضم الياء والهمزة في آخرها أي يكفي عني أي تصدقت عليكم وأديتها إليكم وإلا أي وإن لم تجزئني صرفتها أي عنكم إلى غيركم أي من المستحقين قالت قال لي عبد الله بل ائتيه أنت ولعل امتناعه لأن سؤاله ينبىء عن الطمع قالت فانطلقت أي فذهبت فإذا امرأة من الأنصار أي واقفة أو حاضرة بباب رسول الله المفهوم من حديث البزار أن المراد بالباب باب المسجد حاجتي حاجتها مبتدأ وخبر أي عينها أو تشبيه بليغ والأول أبلغ قالت أي زينب وكان رسول الله قد ألقيت عليه المهابة بفتح الميم أي أعطى الله رسوله هيبة وعظمة يهابه الناس ويعظمونه ولذا ما كان أحد يجترىء على الدخول عليه قال الطيبي كان دل على الاستمرار ومن ثم كان أصحابه في مجلسه كان على رؤوسهم الطير وذلك عزة منه عليه الصلاة والسلام لا كبر وسوء خلق وإن تلك العزة ألبسها الله تعالى إياه لا من تلقاء نفسه قالت أي زينب فخرج علينا بلال فقلنا له ائت رسول الله فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزىء الصدقة عنهما على أزواجهما


وعلى أيتام في حجورهما بضم الحاء جمع حجر بالفتح والكسر يقال فلان في حجر فلان أي في كنفه ومنعه والمعنى في تربيتهما ولا تخبره من نحن إرادة الإخفاء مبالغة في نفي الرياء أو رعاية للأفضل وهذا أيضا يصلح أن يكون وجها لعدم دخولهما قالت فدخل بلال على رسول الله فسأله فقال له رسول الله من هما قال امرأة من الأنصار وزينب فقال له رسول الله أي الزيانب قال ابن الملك وإنما لم يقل أية لأنه يجوز التذكير والتأنيث قال الله تعالى وما تدري نفس بأي أرض تموت لقمان اه بل قيل التأنيث أفصح قال امرأة عبد الله هذا يؤيد اصطلاح المحدثين إنه إذا أطلق عبد الله فهو ابن مسعود لا ابن عمر ولا ابن عباس ولا ابن الزبير ولا ابن عمرو بن العاص مع أنهم كلهم أجلاء لكنه أجل فالمطلق يصرف إلى الأكمل وقد قال علماؤنا إنه أفقه الصحابة بعد الخلفاء الأربعة قيل وإنما أخبره بلال عنهما مع أنهما نهيا عنه لأنه كان واجبا عليه بعد استخبار النبي لأن إجابته فرض دون غيره فقال رسول الله لهما أي لكل منهما أجران أجر القرابة أي الصلة وأجر الصدقة متفق عليه واللفظ لمسلم قال الشمني رواه الجماعة إلا أبا داود اعلم أنه لا يدفع الرجل زكاته إلى امرأته باتفاق ولا تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها عند أبي حنيفة للاشتراك بينهما في المنافع عادة وقال أبو يوسف ومحمد تدفع وقال ابن الهمام لهما ما في الصحيحين والنسائي عن زينب الحديث ورواه البزار في مسنده فقال فيه فلما انصرف وجاء إلى منزله يعني النبي جاءته زينب امرأة عبد الله فاستأذنت عليه فأذن لها فقالت يا رسول الله إنك أمرتنا اليوم بالصدقة وعندي حلي لي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدق به عليهم فقال صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم قال ابن الهمام ولا معارضة لازمة بين هذه والأولى في شيء بأدنى تأمل وقوله ولدك يجوز كونه مجازا عن الربائب وهم الأيتام في الرواية الأخرى وكونه حقيقة


فالمعنى أن ابن مسعود إذا تملكها أنفقها عليهم والجواب أن ذلك كان في صدقة نافلة لأنها هي التي كان عليه الصلاة والسلام يتخول بالموعظة والحث عليها وقوله وهل يجزىء وإن كان في عرف الفقهاء الحادث لا يستعمل غالبا إلا في الواجب لكن كان في ألفاظهم لما هو أعم من النفل لأنه لغة الكفاية فالمعنى هل يكفي التصدق عليه في تحقيق مسمى الصدقة وتحقيق مقصودها من التقرب إلى الله تعالى
وعن ميمونة بنت الحارث أنها أعتقت وليدة أي جارية مولودة في ملكها مملوكة في زمان رسول الله أي من غير إعلامه فذكرت ذلك أي الإعتاق لرسول الله فقال لو أعطيتها وفي نسخة صحيحة أما إنك لو أعطيتها بكسر التاء وفي نسخة بإشباع الكسر حتى تولدت ياء أخوالك جمع الخال لأنهم كانوا محتاجين إلى خادم من ضيق الحال كان أعظم لأجرك لأنه كان صدقة وصلة متفق عليه وعن عائشة قالت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدى أي أولا أو زيادة قال إلى أقربهما منك بابا أي لا جدارا رواه البخاري ولعل وجهه أنه أكثر اختلاطا وأظهر اطلاعا فيكون بحسن العشرة وظهور المودة أولى وقد قال تعالى وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب النساء فدل على أن الجار الأقرب بمزيد الإحسان أنسب وليس المراد إنحصار الإهداء إلى الأقرب كما هو ظاهر الحديث لما في الآية والحديث الآتي وهو قوله وعن أبي ذر قال قال رسول الله إذا طبخت مرقة أي فيها لحم أولا فأكثر ماءها أي على المعتاد لنفسك وتعاهد جيرانك جمع الجار يعني تفقدهم بزيادة طعامك وتجدد عهدك بذلك وتحفظ به حق الجوار قال ابن الملك إنما أمره بإكثار الماء في مرقة الطعام حرصا على إيصال نصيب منه إلى الجار وإن لم يكن لذيذا رواه مسلم

الفصل الثاني


عن أبي هريرة قال يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال جهد المقل بضم الجيم ويفتح قال الطيبي الجهد بالضم الوسع والطاقة وبالفتح المشقة وقيل هما لغتان أي أفضل الصدقة ما يحتمله حال القليل المال والجمع بينه وبين ما تقدم أن الفضيلة تتفاوت بحسب الأشخاص وقوة التوكل وضعف اليقين اه وقيل المراد بالمقل الغني القلب ليوافق قوله أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غني وقال ابن الملك أي أفضل الصدقة ما قدر عليه الفقير الصابر على الجوع أن يعطيه والمراد بالغني في قوله أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غني من لا يصبر على الجوع والشدة توفيقا بينهما فمن يصبر فالإعطاء في حقه أفضل ومن لا يصبر فالأفضل في حقه أن يمسك قوته ثم يتصدق بما فضل اه وحاصل ما ذكروه أن تصدق الفقير الغني القلب ولو كان قليلا أفضل من تصدق الغني بكثرة المال ولو كان كثيرا فهو من أدلة أفضلية الفقير الصابر على الغني الشاكر وإن عبادة الأول مع قلتها أفضل من الثاني مع كثرتها فكيف بتساويهما ويحتمل أن يكون المراد من الحديث ما ورد في حديث مرفوعا سبق درهم مائة ألف درهم رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها رواه النسائي عن أبي ذر وهو والحاكم وابن حبان عن أبي هريرة على ما في الجامع الصغير للسيوطي وابدأ أي أيهما المتصدق أو المقل بمن تعول رواه أبو داود وعن سليمان بن عامر كذا في النسخ مصغرا وقال ميرك صوابه سلمان مكبرا بلا ياء وسليمان سهو من الكتاب أو من صاحب الكتاب والله أعلم بالصواب انتهى وقال المؤلف في أسماء رجاله هو سلمان بن عامر الضبي عداده في البصريين قال بعض العلماء


ليس في الصحابة من الرواة ضبى غيره انتهى كلامه وقد ذكره بعد سلمان الفارسي فدل على أن السهو من الكتاب لأنه لو كان من صاحب الكتاب لذكره في عداد سليمان بن صرد وسليمان بن الأكوع وسليمان بن بريدة قال قال رسول الله الصدقة على المسكين صدقة أي واحدة وهي على ذي الرحم ثنتان أي متعدد صدقة وصلة يعني أن الصدقة على الأقارب أفضل لأنه خيران ولا شك أنهما أفضل من واحد رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وعن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي فقال عندي دينار أي وأريد أن أنفقه قال أنفقه على نفسك قال عندي آخر قال أنفقه على ولدك قال عندي آخر قال أنفقه على أهلك قال الطيبي إنما قدم الولد على الزوجة لشدة افتقاره إلى النفقة بخلافها فإنه لو طلقها لأمكنها أن تتزوج بآخر اه والأظهر أن يقال لأن نفقة الزوجة تقبل الإنفكاك عن اللزوم بخلاف نفقة الولد سيما إذا كان صغيرا فقيرا قال عندي آخر قال أنفقه على خادمك قال عندي آخر قال أنت أعلم بحال من يستحق الصدقة من أقاربك وجيرانك وأصحابك رواه أبو داود والنسائي وعن ابن عباس قال قال رسول الله ألا أخبركم يحتمل الإستفهام والتنبيه في الإعلام بخير الناس أي بمن هو من خير الناس إذ ليس الغازي أفضل من جميع الناس مطلقا وكذلك بشر الناس إذ الكافر شر منه كذا قيل والأظهر أن المراد بالناس هم المؤمنون لأنهم المقصودون منهم ومع هذا فلا شك أن قاتل الناس شر منه ولعل نكتة


الإطلاق المبالغة في الحث على الأول والتحذير عن الثاني رجل بالرفع على تقدير هو وبالجر على البدلية ممسك صفة رجل أي آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أي متهيىء للقتال مع أعداء الله ألا أخبركم الذي يتلوه أي يتبعه ويقربه في الخيرية رجل معتزل بالوجهين أي متباعد عن الناس منفرد عنهم إلى موضع خال من البوادي والصحارى في غنيمة له أي مثلا وهو تصغير غنم بمعنى قطيع من الغنم يؤدي حق الله فيها ألا أخبركم بشر الناس رجل يسأل منه على صيغة المفعول أي يطلب بالله أي بالقسم به بأن يقول الفقير لشخص أعطني بالله ولا يعطى على البناء للفاعل أي الرجل المسؤول منه به أي بالله قال ابن الملك يسأل بصيغة الفاعل ولا يعطى بصيغة المفعول أي يسأل مالك لنفسه بالله ولا يعطى بالله إذا سئل به اه وهو غير صحيح فتأمل نعم يحتمل أن يكون الفعلان على بناء الفاعل ويقدر الموصول في الثاني فيكون المعنى من شر الناس من يسأل بالله أي باليمين والإلحاح لأنه إيقاع للناس في الحرج ولأنه قد يعطى بسبب الحياء فيكون أخذه حراما ومن لا يعطى بالله أي بالقسم والحلف مع القدرة على السؤال حيث ترك تعظيم الله تعالى وعدل عن الترحم على الفقير الظاهر من حالة الإضطرار والإفتقار الملجىء إلى اليمين سيما إذا كان المسؤول من تجب عليه الزكاة والصدقة رواه الترمذي أي من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس وقال حديث حسن ذكره ميرك والنسائي والدارمي وعن أم بجيد بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون الياء كذا ذكره الطيبي والقاموس والعسقلاني وأما قول ابن حجر بالنون فغير صحيح ثم هي حواء بنت زيد بن السكن الأنصارية وهي مشهورة بكنيتها كانت من المبايعات ذكره المؤلف قالت قال رسول الله ردوا السائل قال ابن الملك وفي بعض النسخ لا تردوا السائل أي لا تجعلوه محروما بل أعطوه شيئا ولو بظلف بكسر المعجمة للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس محرق من الإحراق أراد المبالغة في رد السائل بأدنى ما تيسر ولم يرد


صدور هذا الفعل من المسؤول منه فإن الظلف المحرق غير منتفع به إلا إذا كان الوقت زمن القحط رواه مالك والنسائي أي بهذا اللفظ وكذا الإمام أحمد في مسنده والحاكم في تاريخه عن الحواء بنت
السكن وروى الترمذي وأبو داود معناه وعن ابن عمر قال قال رسول الله من استعاذ أي من سأل منكم الإعاذة مستغيثا بالله فأعيذوه قال الطيبي أي من استعاذ بكم وطلب منكم دفع شركم أو شر غيركم عنه قائلا بالله عليك أن تدفع عني شرك فأجيبوه وادفعوا عنه الشر تعظيما لاسم الله تعالى فالتقدير من استعاذ منكم متوسلا بالله مستعطفا به ويحتمل أن تكون الباء صلة استعاذ أي من استعاذ بالله فلا تتعرضوا له بل أعيذوه وادفعوا عنه الشر فوضع أعيذوا موضع أدفعوا ولا تتعرضوا مبالغة ومن سأل بالله فأعطوه أي تعظيما لاسم الله وشفقة على خلق الله ومن دعاكم أي إلى دعوة فأجيبوه أي إن لم يكن مانع شرعي ومن صنع إليكم معروفا أي أحسن إليكم إحسانا قوليا أو فعليا فكافئوه من المكافأة أي أحسنوا إليه مثل ما أحسن إليكم لقوله تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان الرحمن و أحسن كما أحسن الله إليك القصص فإن لم تجدوا ما تكافئوه أي بالمال والأصل تكافئون فسقط النون بلا ناصب وجازم إما تخفيفا أو سهوا من الناسخين كذا ذكره الطيبي والمعتمد الأول لأن الحديث على الحفظ معول ونظيره كما تكونوا يول عليكم على ما رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة فادعوا له أي للمحسن يعني فكافئوه بالدعاء له حتى تروا بضم التاء أي تظنوا وبفتحها أي تعلموا أو تحسبوا أن قد كافأتموه أي كرروا الدعاء حتى تظنوا قد أديتم حقه قال ابن الملك وقد جاء من حديث آخر من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء قلت رواه النسائي والترمذي وابن حبان عن أسامة مرفوعا قال فدل هذا الحديث على أن من قال لأحد جزاك الله خيرا مرة واحدة فقد أدى العوض وإن كان حقه كثيرا وكانت عادة أم المؤمنين عائشة رضي


الله عنها إذا دعا لها السائل تجيبه بمثل ما يدعو لها ثم تعطيه من المال فقيل لها تعطين السائل وتدعين بمثل ما يدعو لك فقالت لو لم أدع له لكان حقه بالدعاء لي علي أكثر من حقي عليه بالصدقة فادعو له بمثل ما يدعو لي حتى أكافىء دعاءه بدعائي لتخلص لي الصدقة رواه أحمد وأبو داود والنسائي
وعن جابر قال قال رسول الله لا يسأل بوجه الله أي بذاته إلا الجنة بالرفع أي لا يسأل بوجه الله شيء إلا الجنة مثل أن يقال اللهم إنا نسألك بوجهك الكريم أن تدخلنا جنة النعيم ولا يسأل روي غائبا نفيا ونهيا مجهولا ورفع الجنة ونهيا مخاطبا معلوما مفردا ونصب الجنة قال الطيبي أي لا تسألوا من الناس شيئا بوجه الله مثل أن تقولوا أعطى شيئا بوجه الله أو بالله فإن اسم الله أعظم من أن يسئل به متاع الدنيا بل اسألوا به الجنة أو لا تسألوا الله متاع الدنيا بل رضاه والجنة الوجه يعبر به عن الذات رواه أبو داود
الفصل الثالث


عن أنس قال كان أبو طلحة أي زوج أمه أكثر الأنصار بالمدينة مالا تمييز من نخل بيان وكان أحب أمواله بالرفع إليه بيرحا بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء وبالحاء المهملة كذا ضبطه العسقلاني ثم قال وجاء في ضبطه أوجه كثيرة جمعها ابن الأثير في النهاية فقال يروى بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها وبالمد والقصر فهذه ثمان لغات وفي رواية ابن سلمة بريحا بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية وفي سنن أبي داود باريحا مثله لكن بزيادة ألف اه وفي المغرب البراح المكان الذي لا سترة فيه من شجر أو غيره كأنها زالت وبيرحا فيعلى منه وهي بستان لأبي طلحة الأنصاري بالمدينة وعن شيخنا أنه قال رأيت محدثي مكة يرونها بيرحا وحاء اسم رجل أضيف إليه البئر والصواب الرواية الأولى وفي المقدمة اختلف في ضبطه فقيل بلفظ البئر والإضافة لمثل حرف الهجاء فعلى هذا فحركات الإعراب في الراء وأنكر ذلك أبو ذر وإنما هي بفتح الراء على كل حال وقال الصوري هي بفتح الراء والياء في كل حال فخلصنا على أربعة أقوال وحكى بالمد والقصر فيها فتصير ثمانية وقال الطيبي بيرحاء وبيرحاء بالمد فيهما وبيرحا بالقصر قيل فيعلا من البراح وهي الأرض


الظاهرة اه فتحصل من مجموع المنقول أن الوجه المعتمد ما ضبطناه أولا وعليه أكثر النسخ وفي بعضها بكسر الياء وضم الراء ثم في النسخ المصححة برفع أحب على أنه اسم كان والخبر بيرحا ونصبه لفظي أو تقديري وفي بعضها بنصب أحب على أنه الخبر وبئر حاء اسم مؤخر وكانت أي البقعة أو البئر مستقبلة المسجد أي مسجد رسول الله وكان رسول الله يدخلها أي البقعة التي هي البستان أو بستان البئر ويشرب من ماء فيها أي في البقعة أو في البئر طيب أي حلو الماء أو حلال لا شبهة فيه قال أنس فلما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر أي الجنة قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقيل التقوى وقيل الطاعة وقيل الخير وقال الحسن لن تكونوا أبرارا حتى تنفقوا مما تحبون أي من أحب أموالكم إليكم قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال يا رسول الله إن الله تعالى يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب مالي إلي بيرحا وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها أي خيرها وذخرها أي نتيجتها المدخرة وفائدتها المدخرة يعني لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيوية الفانية بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية عند الله فضعها أي أصرفها يا رسول الله حيث أراك الله أي في مصرف علمك الله إياه وفي المعالم بلفظ حيث شئت فقال رسول الله بخ بخ بفتح الباء وسكون المعجمة وكسرها مع التنوين وكرر للمبالغة قال في الصحاح هي كلمة يقولها المتعجب من الشيء وتقال عند المدح والرضا بالشيء فإن وصلت خفضت ونونت وفي المقدمة فيها لغات إسكان الخاء وكسرها منونا وبغير تنوين وبضمها منونا وبتشديدها مضموما ومنونا واختار الخطابي إذا كرر تنوين الأولى وتسكين الثانية ذلك أي ما ذكرته أو التذكير لأجل الخبر وهو قوله مال رابح بالموحدة أي ذو ربح كلابن وتامر وقيل فاعل بمعنى مفعول أي مربوح ويروى بالياء أي رائح عليك نفعه ذكره الطيبي وقوله بالياء يعني باعتبار الأصل وإلا فلا يقرأ إلا بالهمزة المبدل عنها كقائل وبائع


وعائشة وفي المعالم بخ ذاك مال رابح ذاك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها أي صدقة في الأقربين أي من الفقراء والمساكين ليكون جمعا بين الصلة والصدقة قال الطيبي دل على أن الصدقة عليهم أفضل فقال أبو طلحة أفعل أي أنا بأمرك يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في
أقاربه وبني عمه يحتمل التخصيص والتفسير متفق عليه قال شيخنا الشيخ عطية أنزله الله الدرجة العلية حديث أنس رواه الشيخان ومالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم وفي رواية لمسلم وغيره إنه قسمه بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب وفي رواية لأحمد وغيره يا رسول الله لو استطعت أن أسره لم أعلنه وعنه أي عن أنس قال قال رسول الله أفضل الصدقة أن تشبع كبدا جائعا قال الطيبي نعم المؤمن والكافر والناطق وغيره اه وتقدم المستثنى رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب النفقة
باب بالسكون والتنوين قال ابن الملك في بعض النسخ باب النفقة وفي بعضها باب ما تنفقه المرأة من مال زوجها
الفصل الأول
عن عائشة قالت قال رسول الله إذا أنفقت المرأة أي تصدقت من طعام بيتها غير مفسدة نصب على الحال أي غير مسرفة في التصدق وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك صريحا أو دلالة وقيل هذا جار على عادة أهل الحجاز فإن عاداتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم بأن يضيفوا الأضياف ويطعموا السائل والمسكين والجيران فحرض رسول


الله أمته على هذه العادة الحسنة والخصلة المستحسنة كان لها أجرها بما أنفقت أي سبب إنفاقها ولزوجها أجره بما كسب أي بكسبه وتحصيله وللخازن أي الذي كانت النفقة في يده مثل ذلك أي الأجر ولا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا أي من النقص أو من الأجر قاله الطيبي أي من طعام أعد للأكل وجعلت متصرفة وجعلت له خازنا فإذا أنفقت المرأة منه عليه وعلى من يعوله من غير تبذير كان لها أجرها وأما جواز التصدق منه فليس في هذا الحديث دلالة عليه صريحا نعم الحديث الآتي دل على جواز التصدق بغير أمره وقال محيي السنة عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه وكذا الخادم والحديث الدال على الجواز أخرج على عادة أهل الحجاز يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق والإنفاق عند حضور السائل ونزول الضيف كما قال عليه الصلاة والسلام لا توعى فيوعى الله عليك متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا أنفقت المرأة أي تصدقت من كسب زوجها أي من ماله من غير أمره أي مع علمها برضى الزوج أو محمول على النوع الذي سومحت فيه من غير إذن فلها نصف أجره قيل هذا مفسر بما إذا أخذت من مال زوجها أكثر من نفقتها وتصدقت به فعليها غرم ما أخذت أكثر منها فإذا علم الزوج ورضى بذلك فلها نصف أجره بما تصدقت من نفقتها ونصف أجره له بما تصدقت به أكثر من نفقتها لأن الأكثر حق الزوج متفق عليه وعن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله الخازن المسلم الأمين الذي يعطى ما أمر به أي من الصدقة ونحوها كاملا حال من المفعول أو صفة لمصدر محذوف موفرا بفتح الفاء المشددة أي تاما فهو تأكيد وبكسرها حال من


الفاعل أي مكملا عطاءه طيبة أي راضية غير شحيحة به أي بالعطاء نفسه فيدفعه عطف على يعطى إلى الذي أمر له به فيه شروط أربعة شرط الإذن لقوله ما أمر به وعدم نقصان ما أمر به فلقوله كاملا موفرا طيب النفس بالتصدق إذ بعض الخزان والخدام لا يرضون بما أمروا به من التصدق وإعطاء من أمر له لا إلى مسكين آخر فالخازن مبتدأ وما بعده صفات له وخبره أحد المتصدقين بصيغة التثنية أي المالك والخازن وفي نسخة صحيحة بصيغة الجمع وقد صح رواية الجمع أيضا كما في رياض الصالحين وقال العسقلاني رحمه الله ضبط في جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية قال القرطبي ويجوز الكسر على الجمع أي هو متصدق من المتصدقين متفق عليه وعن عائشة قالت إن رجلا قيل هو سعد بن عبادة قال للنبي إن أمي قال ميرك هي عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد وكانت من المبايعات توفيت سنة خمس من الهجرة افتلتت بصيغة المجهول من الافتلات وقوله نفسها بالنصب في الأكثر على أنه مفعول ثان وبالرفع على نيابة الفاعل والفلتة البغتة والأصل أفلتها الله نفسها أي اختلسها نفسها معدى إلى مفعولين ثم ترك ذكر الفاعل وبني للمفعول كما تقول اختلست الشيء واستلبته وقيل أخذت نفسها فلتة أي ماتت فجأة ولم تقدر على الكلام وأظنها لو تكلمت أي لو قدرت على الكلام تصدقت أي من مالها بشيء وأوصت بتصدق شيء من مالها فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم قيل لا يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء ذكره الطيبي متفق عليه


الفصل الثاني
عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله يقول في خطبته عام حجة الوداع بفتح الواو وتكسر لا تنفق نفي وقيل نهى في المصابيح إلا لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها أي صريحا أو دلالة قيل يا رسول الله ولا الطعام قال ذلك أي الطعام أفضل أموالنا أي أنفسنا وفي نسخة أموال الناس يعني فإذا لم تجز الصدقة بما هو أقل قدرا من الطعام بغير إذن الزوج فكيف تجوز بالطعام الذي هو أفضل رواه الترمذي وعن سعد قال لما بايع رسول الله النساء قامت امرأة جليلة أي عظيمة القدر أو طويلة القامة كأنها من نساء مضر وهي قبيلة فقالت يا نبي الله أنا كل بفتح الكاف أي ثقل وعيال على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم أي من غير أمرهم قال الرطب بفتح الراء وسكون الطاء ما يسرع إليه الفساد من اللبن والمرق والفاكهة والبقول ونحو ذلك وقع فيها المسامحة بترك الاستئذان جريا على العادة المستحسنة بخلاف اليابس ذكره الطيبي تأكلنه وتهدينه أي ترسلنه هدية رواه أبو داود

الفصل الثالث
عن عمير مولى أبي اللحم أي مملوكه سمى به لأنه كان لا يأكل اللحم وقيل كان لا يأكل ما ذبح على الأصنام وكان اسمه عبد الله ذكره الطيبي والأظهر أن وجه تسميته أنه أبي اللحم أن يعطيه مولاه إلى المسكين كما يدل عليه قوله قال أمرني مولاي أن أقدد لحما بتشديد الدال من القد وهو الشق طولا فجاءني مسكين فأطعمته منه فعلم بذلك مولاي فضربني فأتيت رسول الله فذكرت ذلك له فدعاه فقال لم ضربته قال يعطي طعامي من غير أن
آمره أي بغير إذني إياه فقال الأجر بينكما أي لو أردت أو رضيت قال الطيبي لم يرد به إطلاق يد العبد بل كره صنيع مولاه في ضربه على أمر تبين رشده فيه فحث السيد على اغتنام الأجر والصفح عنه فهذا تعليم وإرشاد لأبي اللحم لا تقرير لفعل العبد وفي رواية قال كنت مملوكا فسألت رسول الله أتصدق من مال موالي بتشديد الياء بشيء أي تافه أو مأذون فيه عادة قال نعم والأجر بينكما نصفان رواه مسلم


باب من لا يعود في الصدقة
أي لا حقيقة ولا صورة
الفصل الأول
عن عمر بن الخطاب قال حملت بتخفيف الميم أي أركبت شخصا على فرس أي للغزو في سبيل الله قال الطيبي أي جعلت فرسا حمولة من لم يكن له حمولة من المجاهدين وتصدقت بها عليه فأضاعه أي الفرس الذي كان عنده يعني أساء سياسته والقيام بتربيته وعلفه حتى صار كالشيء الضائع الهالك فأردت أن أشتريه أي الفرس منه وظننت أنه يبيعه برخص بضم الراء وسكون الخاء وهو إما لتغير الفرس أو لأنه لقيه رخيصا أو لكوني منعما عليه فسألت النبي فقال لا تشتره بهاء الضمير أو السكت وهو نهي تنزيه ولا تعد في صدقتك أي صورة وإن أعطاكه وصلية بدرهم الجار متعلق بقوله لا تشتره أو بقوله أعطاكه قال ابن الملك وذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر


الحديث والأكثرون على إنها كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره وهو أن المتصدق عليه ربما يسامح المتصدق في الثمن بسبب تقدم إحسانه فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي سومح فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه قال الطيبي فيه تنفير عظيم لأنه ينبىء عن الخسة والدناءة والخروج عن المرؤة وفي رواية لا تعد في صدقتك أي ولو في الصورة فإن العائد في صدقته أي حقيقة كالعائد في قيئه متفق عليه وفي المعالم للبغوي عن حمزة بن عبد الله بن عمر خطرت على قلب عبد الله بن عمر هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون آل عمران قال ابن عمر فذكرت ما أعطاني الله فما كان شيء أعجب إلى من فلانة هي حرة لوجه الله وقال لو أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها وعن بريدة قال كنت جالسا عند النبي إذ أتته امرأة أي جارية فقالت يا رسول الله إني تصدقت أي قبل ذلك على أمي بجارية أي بتمليكها لها هبة أو صدقة وإنها أي أمي ماتت أي فهل آخذها وتعود في ملكي أم لا قال وجب أجرك أي بالصلة وردها أي الجارية عليك الميراث النسبة مجازية أي ردها الله عليك بالميراث وصارت الجارية ملكا لك بالإرث وعادت إليك بالوجه الحلال والمعنى أن ليس هذا من باب العود في الصدقة لأنه ليس أمرا اختياريا قال ابن الملك أكثر العلماء على أن الشخص إذا تصدق بصدقة على قريبه ثم ورثها أحلت له وقيل يجب صرفها إلى فقير لأنها صارت حقا لله تعالى اه وهذا تعليل في معرض النص فلا يعقل قالت يا رسول الله إنه أي الشأن كان عليها صوم شهر أي قضاؤه أفأصوم عنها أي حقيقة أو حكما قال صومي عنها أي بالكفارة قال الطيبي جوز أحمد أن يصوم الولي عن الميت ما كان عليه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة بهذا ولم يجوز مالك والشافعي وأبو حنيفة رحمهم الله اه بل يطعم عنه وليه لكل يوم صاعا من شعير أو نصف صاع من بر عند أبي حنيفة وكذا لكل صلاة وقيل لصلوات كل يوم قالت إنها لم تحج قط أفأحج عنها قال


نعم حجي عنها أي سواء وجب عليها أم لا أوصت به أم لا قال ابن الملك يجوز أن يحج أحد عن الميت بالإتفاق رواه مسلم

فارغة