Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الصوم
هو لغة الإمساك مطلقا ومنه قوله تعالى إني نذرت للرحمن صوما مريم أي إمساكا عن الكلام وشرعا إمساك عن الجماع وعن إدخال شيء بطنا له حكم الباطن من الفجر إلى الغروب عن نية كذا عرفه ابن الهمام ثم قال وهذا ثالث أركان الإسلام شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجبا لشيئين أحدهما ناشيء عن الآخر سكون النفس الأمارة وكسر شهوتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والإذن والفرج فإن به تضعف حركتها في محسوساتها ولذا قيل إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء وإذا شبعت جاعت كلها والناشيء عن هذا صفاء القلب عن الكدر فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيها وبصفائه تناط المصالح والدرجات ومنها كونه موجبا للرحمة والعطف على المساكين فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في عموم الساعات فتسارع إليه الرقة عليه والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء ومنها موافقة الفقراء يتحمل ما يتحملون أحيانا وفي ذلك رفع حاله عند الله كما حكى عن بشر الحافي أنه دخل عليه رجل في الشتاء فوجده جالسا يرعد وثوبه معلق على المشجب فقال له في مثل هذا الوقت تنزع الثوب أو معناه فقال يا أخي الفقراء كثير وليس لي طاقة مواساتهم بالثياب فأواسيهم بتحمل البرد كما يتحملون اه ولهذا كان يقول بعض الأولياء العارفين عند كل أكلة اللهم لا تؤاخذني بحق الجائعين وقد ثبت أن سيدنا يوسف عليه السلام ما كان يشبع من الطعام في سنة القحط مع كثرة المأكول عنده في ذلك العام لئلا ينسى أهل الجوع والفاقة وليتشبه بهم في الخاصة والحاجة ثم كانت فرضية صوم رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة


كذا ذكره الشمني وقيل لم يفرض قبله صوم وقيل كان ثم نسخ فقيل عاشوراء وقيل الأيام البيض قال ابن حجر وصح أنه لما فرض استنكروه وشق عليهم فخيروا بين الصوم وإطعام مسكين عن كل يوم كما في أول الآية ثم نسخ بما في آخرها فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة ولما فرض كان يباح بعد الغروب تعاطي المفطر ما لم يحصل نوم أو يدخل وقت العشاء وإلا حرم ثم نسخ ذلك وأبيح تعاطيه إلى طلوع الفجر

الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا دخل رمضان أي وقت شهره وهو مأخوذ من الرمضاء في القاموس رمض يومنا كفرح اشتد حره وقدمه احترقت من الرمضاء للأرض الشديدة الحرارة وسمى شهر رمضان به لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق زمن الحر أو من رمض الصائم اشتد حر جوفه أو لأنه يحرق الذنوب ورمضان إن صح أنه من أسماء الله تعالى فغير مشتق أو راجع إلى معنى الغافر أي يمحو الذنب ويمحقها فتحت بالتخفيف وهو أكثر كما في التنزيل وبالتشديد لتكثير المفعول أبواب السماء قيل فتحها كناية عن تواتر نزول الرحمة وتوالب طلوع الطاعة ويؤيده رواية أبواب الرحمة قال الزركشي إلا أن يقال إن الرحمة من أسماء الجنة قال والأظهر أنه على الحقيقة لمن مات فيه أو عمل عملا لا يفسد عليه وفي رواية فتحت أبواب الجنة وهو كناية عن فعل ما يؤدي إلى دخولها وغلقت بالتشديد أكثر أبواب جهنم وهو كناية عن امتناع ما يدخل إليها لأن الصائم يتنزه عن الكبائر ويغفر له ببركة الصيام الصغائر وقد ورد الصيام جنة قال التوربشتي فتح أبواب السماء كناية عن تنزيل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول وغلق أبواب جهنم عبارة عن تنزيه أنفس الصوام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث على المعاصي بقمع الشهوات فإن قيل ما منعكم أن تحملوا على ظاهر المعنى قلنا لأنه ذكر على سبيل المن على الصوام وإتمام النعمة عليهم


فيما أمروا به وندبوا إليه حتى صار الجنان في هذا الشهر كأن أبوابها فتحت ونعيمها أبيحت والنيران كأن أبوابها غلقت وأنكالها عطلت وإذا ذهبنا فيه إلى الظاهر لم يقع المن موقعه ويخلو عن الفائدة لأن الإنسان ما دام في هذه الدار فإنه غير ميسر لدخول إحدى الدارين وجوز الشيخ محيي الدين النووي رحمة الله الوجهين في فتح أبواب السماء وتغليق أبواب جهنم أعني الحقيقة والمجاز أقول يمكن أن يكون فائدة الفتح
توفيق الملائكة على استحماد فعل الصائمين فإن ذلك من الله بمنزلة عظيمة وأيضا إذا علم المكلف المعتقد ذلك بأخبار الصادق يزيد في نشاط ويتلقاه بأريحيته وينصره حديث عمر في الفصل الثالث أن الجنة تزخرفت لرمضان الحديث ذكره الطيبي وسلسلت الشياطين أي قيدت بالسلاسل مردتهم وقيل كناية عن امتناع تسويل النفوس واستعصائها عن قبول وساوسهم إذ بالصوم تنكسر القوة الحيوانية التي هي مبدأ الغضب والشهوات الداعيين إلى أنواع السيئات وتنبعث القوة العقلية المائلة إلى الطاعات كما هو مشاهد أن رمضان أقل الشهور معصية وأكثرها عبادة وفي رواية فتحت أبواب الرحمة أي وغلقت أبواب جهنم إلى آخره قاله الطيبي متفق عليه قال ميرك إلا رواية أبواب السماء فإنها من أفراد البخاري وإلا رواية أبواب الرحمة فإنها من أفراد مسلم والرواية المتفق عليها فتحت أبواب الجنة ورواها النسائي اه وقال النووي قيل الأصل أبواب الجنة والروايتان الأخريان من تصرف الرواة تم كلامه فكان حق المصنف أن يجعل الرواية المتفق عليها أصلا ثم يقول وفي رواية فتحت أبواب السماء وفي رواية فتحت أبواب الرحمة ثم يذكر وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين وعن سهل بن سعد أي الساعدي الأنصاري كان اسمه حزنا فسماه عليه الصلاة والسلام سهلا ذكره المؤلف وهما صحابيان قال قال رسول الله في الجنة ثمانية أبواب أي طبقات على طبق عبادات ويمنع الجار حمل الباب على بابه إلا أن يقال التقدير في سور الجنة ثمانية


أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم من أصحاب الأعمال الصادرة من أهل الإيمان عنده تعالى معلوم منها باب يسمى الريان إما لأنه بنفسه ريان لكثرة الأنهار الجارية إليه والأزهار والأثمار الطرية لديه أو لأن من وصل إليه يزول عنه عطش يوم القيامة ويدوم له الطراوة والنظافة في دار المقامة قال الزركشي الريان فعلان كثير الري نقيض العطش سمي به لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم واكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه وقيل لأنه أشق ما فيه عطش الكبد لا سيما في شدة الحر إذ كثيرا ما يصبر على الجوع دون العطش ثم قيل ليس المراد به المقتصر على شهر رمضان بل ملازمة النوافل من ذلك وكثرتها لا يدخله أي لا يدخل باب تلك الطبقة أو لا يدخل منه أي من ذلك الباب إلا الصائمون والمعنى الأول أظهر فإنه بعدم دخول تلك الطبقة يكون ناقص المرتبة بخلاف المعنى الثاني فإنه قد يدخل من باب آخر متفق عليه


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من صام رمضان أي أيامه وفيه أنه لا يكره أن يقال رمضان بدون شهر وكرهه بعض العلماء لخبر أنه من أسماء الله وهو شاذ لأن الخبر الضعيف لا يثبت اسم الله إيمانا نصب على أنه مفعول له أي للإيمان وهو التصديق بما جاء به النبي والإعتقاد بفرضية الصوم قاله الطيبي وقيل تصديقا لثوابه وقيل نصبه على الحال أي مصدقا له أو على المصدرية أي صوم إيمان أو صوم مؤمن وكذا قوله واحتسابا أي طلبا للثواب منه تعالى أو إخلاصا أي باعثه على الصوم ما ذكر لا الخوف من الناس ولا الإستحياء منهم ولا قصد السمعة والرياء عنهم وقيل معنى احتسابا إعتداده بالصبر على المأمور به من الصوم وغيره وعن النهي عنه من الكذب والغيبة ونحوه طيبة نفسه به غير كارهة له ولا مستثقلة لصيامه ولا مستطيلة لأيامه غفر له ما تقدم من ذنبه أي من الصغائر ويرجى له عفو الكبائر ومن قام رمضان أي لياليه أو معظمها أو بعض كل ليلة بصلاة التراويح وغيرها من التلاوة والذكر والطواف ونحوها وقال ابن الملك غير ليلة القدر تقديرا أي لما سيأتي التصريح بها تحريرا أو معناه أدى التراويح فيها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر أي سواء علم بها أو لا إيمانا أي بوجودها واحتسابا لثوابها عند الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وقد سبق في كلام النووي أن المكفرات إن صادفت السيئات تمحوها إذا كانت صغائر وتخففها إذا كانت كبائر وإلا تكون موجبة لرفع الدرجات في الجنات وقال الطيبي رتب على كل من الأمور الثلاثة أمرا واحدا وهو الغفران تنبيها على أنه نتيجة الفتوحات الإلهية ومستتبع للعواطف الربانية قال تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله الفتح الآية وفي أصل المالكي من يقم قال وقع الشرط مضارعا والجواب ماضيا لفظا لا معنى ونحوه قول عائشة رضي الله عنها إن أبا بكر رضي الله عنه رجل أسيف متى يقم مقامك رق والنحويون يستضعفون ذلك ويراه


بعضهم مخصوصا بالضرورة والصحيح الحكم بجوازه مطلقا لثبوته في كلام أفصح الفصحاء وكثرة صدوره عن فحول الشعراء أقول نحوه في التنزيل من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه الأنعام و من تدخل النار فقد أخزيته آل عمران و إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما التحريم قال ابن الحاجب في الأمالي جواب الشرط فقد صغت قلوبكما من حيث
الأخبار كقولهم إن تكرمني اليوم فقد أكرمتك أمس فالإكرام المذكور شرط وسبب للأخبار بالإكرام الواقع من المتكلم لانفس الإكرام فعلى هذا يحمل الجواب في الآية أي أن تتوبا إلى الله يكن سببا لذكر هذا الخبر وهو صفت قلوبكما وصاحب المفتاح أول المثال بقوله فإن تعتد بإكرامك لي الآن فاعتد بإكرامي إياك أمس وتأويل الحديث من يقم ليلة القدر فليحتسب قيامه وليعلم أن الله قدحكم بغفرانه قبل متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله كل عمل ابن آدم أي كل عمل صالح لابن آدم يضاعف أي ثوابه فضلا منه تعالى الحسنة مبتدأ وخبر أي جنس الحسنات الشامل لأنواع الطاعات مضاعف ومقابل بعشر أمثالها لقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام وهذا أقل المضاعفة وإلا فقد يزاد إلى سبعمائة ضعف بكسر الضاد أي مثل بل إلى أضعاف كثيرة كما في التنزيل من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة البقرة وقوله والله يضاعف لمن يشاء وقال بعضهم التقدير حسنته واللام عوض عن العائد إلى المبتدأ وهو كل أو العائد محذوف أي الحسنة منه وقال القاضي أراد بكل عمل الحسنات من الأعمال فلذلك وضع الحسنة موضع الضمير الراجع إلى المبتدأ في الخبر أي الحسنات يضاعف أجرها من عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى إلا الصوم فإن ثوابه لا يقادر قدره ولا يحصى حصره إلا الله لاشتماله على خصوصيات لا توجد في غيره ولذلك يتولى جزاءه بنفسه ولا يكله إلى ملائكة قدسه قال الطيبي هو مستثنى عن كلام غير محكى دل عليه ما قبله قيل يحتمل أن يكون أول


الكلام حكاية إلا أنه لم يصرح بذلك في صدره بل في وسطه اه وهو أظهر مما قبله ويحتمل أنه لما أفاد الجملة المتقدمة أتاه الوحي أو الإلهام من الله تعالى بالإستثناء فحكاه بألفاظه المنزلة قال الطيبي رحمه الله واختص بهذه الفضيلة لوجهين الأول إنه سر لا يطلع عليه العباد بخلاف سائر العبادات فيكون خالصا لوجه الله تعالى وإليه أشير بقوله تعالى فإنه لي لأن الصوم لا صورة له في الوجود بخلاف سائر العبادات إذ كثيرا ما يوجد الإمساك المجرد عن الصوم فلا مقوم له إلا النية التي لا يطلع عليها غيره تعالى ولو أظهر بقوله أنا صائم فإنه لا يدل على حقيقته وتصحيح نيته وأنا أجزي به أي وأنا العالم بجزائه وإلي أمره


ولا أكله إلى غيري والثاني أنه يتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقصان مع ما فيه من الصبر على الجوع والعطش وسائر العبادات راجعة إلى صرف المال واشتغال البدن بما فيه رضاه فبينه وبينها أمد بعيد وإليه يشير بقوله تعالى يدع شهوته أي يترك ما اشتهته نفسه من محظورات الصوم وطعامه تخصيص بعد تعميم أو الشهوة كناية عن الجماع والطعام عبارة عن سائر المفطرات وقدم الجماع اهتماما بشأنه فإنه أقبح مفسداته من أجلي أي من جهة أمري وقصد رضائي وأجري وفيه إيماء إلى اعتبار النية والإخلاص في الصوم وإشعار بأن الصوم لا رياء فيه أصلا لأن غاية ما يقوله المرائي أنا صائم وهو لا يوجب رياء في أصل الصوم إنما الذي وقع به الرياء الأخبار عن الصوم لا غير وقال ابن الملك قوله فإنه لي أي لم يشاركني فيه أحد ولا عبد به عبدي وهذا لأن جميع العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى قد عبد بها المشركون آلهتهم ولم يسمع أن طائفة منهم عبدت آلهتها بالصوم ولا تقربت به إليها في عصر من الأعصار اه وصوم المستخدمين لنحو الجن أو النجوم ليس لذواتهم بل ليتخلوا عن الكدورات الجسمانية حتى يقدروا على ملاقاة الصور الروحانية للصائم فرحتان أي مرتان من الفرح عظيمتان إحداهما في الدنيا والأخرى في الأخرى فرحة عند فطرة أي إفطاره بالخروج عن عهدة المأمور أو بوجدان التوفيق لإتمام الصوم أو بالأكل والشرب بعد الجوع والعطش أو بما يرجو من حصول الثواب وقد ورد ذهب الظمأ وثبت الأجر أو بما جاء في الحديث من أن للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة وفرحة عند لقاء ربه أي بنيل الجزاء أو حصول الثناء أو الفوز باللقاء ولخلوف فم الصائم بفتح لام الابتداء تأكيدا وبضم الخاء المعجمة من خلف فمه إذا تغير رائحة فمه خلوفا بالضم لا غير قال الزركشي ومنهم من فتح الخاء قال الخطابي وهو خطأ أي ما يخلف بعد الطعام في فم الصائم من رائحة كريهة بخلاف المعتاد أطيب أي أفضل وأرضى وأحب عند الله من ريح


المسك عندكم لأن رائحة فم الصائم من أثر الصيام وهو عبادة يجزى بها الله تعالى بنفسه صاحبها كذا قاله ابن الملك وقال بعض علمائنا فضل ما يستكره من الصيام على أطيب ما يستلذ من جنسه ليقاس عليه ما فوقه من آثار الصوم ونتائجه اه وفيه إشارة إلى أنه لا يلزم من هذه العبارة عدم إزالة الخلوف بالسواك وغيره كما استدل الشافعي بهذا الحديث على أن السواك بعد الزوال مكروه لأن نظيره قول الوالدة لبول ولدي أطيب من ماء الورد عندي وهو لا يستلزم عدم غسل البول فكذا هذا وسيأتي بسط هذه المسألة إن شاء الله تعالى في أثناء باب تنزيه الصوم والصيام جنة بضم الجيم أي وقاية كالقوس والمراد أنه حجاب وحصن للصائم من المعاصي في الدنيا ومن النار


في العقبى وإذا وفي نسخة صحيحة فإذا أي إذا عرفت ما في الصوم من الفضائل الكاملة والفوائد الشاملة كان يوم صوم أحدكم يرفع يوم على أن كان تامة وقيل بالنصب فالتقدير إذا كان الوقت يوم صوم أحدكم فلا يرفث بضم الفاء ويكسر قال الزركشي بتثليث الفاء وهو كذلك في القاموس ولا يصخب بفتح الخاء المعجمة أي لا يرفع صوته بالهذيان وإنما نهى عنهما ليكون صومه كاملا فالمعنى ليكن الصائم صائما عن جميع المناهي والملاهي وفي رواية للبخاري ولا يجهل قال الزركشي وهو العمل بخلاف ما يقتضيه العلم اه فهو تعميم بعد تخصيص فإن سابه أحد أي ابتدأه بسب أو شتم أو قاتله أي أراد قتله بحرب أو ضرب أو مخاصمة ومجادلة فليقل إني امرؤ صائم وهو إما باللسان لينزجر خصمه فكأنه قال له إذا كنت صائما لا يجوز لي أن أخاصمك بالشتم والهذيان فلا يليق بك أن تعارضني في هذا الوقت لأنه على خلاف المروءة إعادة فيندفع خصمه أو معناه فلا ينبغي منك التطاول علي بلسانك أو بيدك لأني في ذمة الله تعالى ومن يخفر الله في ذمته يهلكه ولا مني بأن أغضب وأجازيك أو يقول في نفسه ليعلم أنه لا يجوز له الفحش والغضب اه وفي رواية للبخاري فليقل إني صائم مرتين قال الزركشي أي بقلبه ولسانه لتكون فائدة ذكره بقلبه كف نفسه عن مقاتلته خصمه وذكره بلسانه كف لخصمه عن الزيادة وهو من أسرار الشريعة متفق عليه
الفصل الثاني
عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت بالتشديد ويخفف أي قيدت الشياطين ومردة الجن جمع مارد كطلبة وجهلة وهو المتجرد للشر ومنه الأمر لتجرده من الشعر وهو تخصيص بعد تعميم أو عطف تفسير وبيان كالتتميم وقال الطيبي المارد هو العاتي الشديد وتصفيد الشياطين إما في أيام رمضان خاصة وإما فيها وفيما بعدها من الأيام اه كلام المختصر وفيه أنه إن أراد بالأيام ضد


الليالي فيرده هذا الحديث بعينه حيث قال إذا كان أول ليلة وإن أراد بها الأوقات فهو صحيح لكن لا معنى لقوله وإما فيها إلخ هذا ثم رأيت الطيبي ذكر في الشرح روى البيهقي عن الإمام أحمد عن الحليمي إنه قال يحتمل أن يكون المراد به أيامه خاصة وأراد الشياطين التي هي مسترقة السمع ألا تراه قال مردة الشياطين لأن شهر رمضان كان وقتا لنزول القرآن إلى سماء الدنيا وكانت الحراسة قد وقعت بالشهب كما قال تعالى وحفظناها الحجر والتصفيد في شهر رمضان مبالغة للحفظ ويحتمل أن يكون المراد به أيامه وبعده والمعنى أن الشياطين لا يتخلصون فيه من إفساد الناس ما يتخلصون إليه في غيره لاشتغال أكثر المسلمين بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن وسائر العبادات اه ويرد على الإحتمال الأول ما تقدم وأيضا يلزم منه اختصاص هذا الوصف بأيام نزول الوحي وهو زمن حياته عليه الصلاة والسلام وهو مع بعده وكونه خلاف ظاهر تصفيد ينافي الإطلاق ولا يلائمه بقية الأوصاف الآتية على طريق الإستحقاق وقيل الحكمة في تقييد الشياطين وتصفيدهم كيلا يوسوسوا في الصائمين وأمارة ذلك تنزه أكثر المنهمكين في الطغيان عن المعاصي ورجوعهم بالتوبة إلى الله تعالى وأما ما يوجد من خلاف ذلك في بعضهم فإنها تأثيرات من تسويلات الشياطين أغرقت في عمق تلك النفوس الشريرة وباضت في رؤوسها وقبل قد خص من عموم صفدت الشياطين زعيم زمرتهم صاحب دعوتهم لمكان الأنظار الذي سأله من الله فأجيب إليه فيقع ما يقع من المعاصي بتسويله وإغوائه ويمكن أن يكون التقييد كناية عن ضعفهم في الإغواء والإضلال وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب كالتأكيد لما قبله وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ولعلها أبواب مخصوصة منهما أو أبوابهما في غير رمضان قد تفتح وتغلق بخلافها في هذا الزمن المبارك تعظيما لشأنه وفيه إشارة إلى أن الأزمنة الشريفة والأمكنة اللطيفة لها تأثير في كثرة الطاعة وقلة المعصية ويشهد


به الحس والمشاهدة فلتغتنم الفرصة ويشير إلى هذا المعنى قوله وينادي مناد أي بلسان الحال أو ببيان المقال من عند الملك المتعال يا باغي الخير أي طالب العمل والثواب أقبل أي إلى الله وطاعته بزيادة الاجتهاد في عبادته وهو أمر من الإقبال أي تعال فإن هذا أوانك فإنك تعطي الثواب الجزيل بالعمل القليل أو معناه يا طالب الخير المعرض عنا وعن طاعتنا أقبل إلينا وعلى عبادتنا فإن الخير كله تحت قدرتنا وإرادتنا ويا باغي الشر أي يا مريد المعصية أقصر بفتح الهمزة وكسر الصاد أي أمسك عن المعاصي وارجع إلى الله تعالى فهذا أوان قبول التوبة وزمان الاستعداد للمغفرة ولعل طاعة المطيعين وتوبة المذنبين ورجوع المقصرين في رمضان من أثر النداءين ونتيجة إقبال الله تعالى على الطالبين ولهذا ترى أكثر المسلمين صائمين حتى الصغار الجواري بل غالبهم الذين يتركون الصلاة يكونون حينئذ مصلين مع أن الصوم أصعب من الصلاة وهو يوجب ضعف البدن الذي يقتضي الكسل عن العبادة وكثرة النوم عادة ومع ذلك ترى المساجد معمورة وبإحياء الليالي مغمورة والحمدلله ولا حول ولا قوة إلا بالله ولله عتقاء أي كثيرون من


النار فلعلك تكون منهم وذلك قال الطيبي أشار بقوله ذلك أما للبعيد وهو النداء وأما للقريب وهو لله عتقاء كل ليلة أي في كل ليلة من ليالي رمضان رواه الترمذي وابن ماجه قال الجزري كلاهما من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذا إسناد صحيح قال ميرك وهذا لا يخلو عن تأمل فإن أبا بكر بن عياش مختلف فيه والأكثر على أنه كثير الغلط وهو ضعيف عن الأعمش ولذا قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من رواية أبي بكر وسألت محمد بن إسماعيل يعني البخاري عن هذا الحديث فقال حدثنا الحسن بن الربيع عن أبي الأحوص عن الأعمش عن مجاهد قوله قال وهذا أصح عندي من حديث أبي بكر يعني كونه موقوفا على مجاهد اه كلام الترمذي لكن يفهم من كلام الشيخ ابن حجر العسقلاني أن الحديث المرفوع أخرجه ابن خزيمة والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وقال اللفظ لابن خزيمة ونحوه للبيهقي من حديث ابن مسعود وقال فيه فتحت أبواب الجنة فلم يغلق باب منها الشهر كله اه كلامه ويقوى رفع الحديث إن مثل هذا لا يقال بالرأي فهو مرفوع حكما والله أعلم تم كلام ميرك وفيه أولا أن ابن عياش ولو كان كثير الغلط عند الأكثر ضابط عند الأقل ومنهم الجزري ولذا قال إسناده صحيح وأما قوله وهو ضعيف عن الأعمش فلا يخلو عن غرابة لأن الضعيف ضعيف سواء عن الأعمش أو غيره وقوله ولذا قال الترمذي غريب الخ لا يدل على ضعفه بل على غرابته حيث أنه أورده مرفوعا مخالفا لمن أورده موقوفا والغرابة لا تنافي الحسن والصحة كما هو مقرر في الأصول ولذا قال البخاري وهذا أي كونه موقوفا عن مجاهد أصح أي من كونه مرفوعا مع ما وقع فيه من النزاع وتحصل آخر الأمر أن كونه مرفوعا أصح هذا وأبو بكر بن عياش هو تلميذ الإمام عاصم أحد القراء السبعة وهو الذي سمى شعبة ويقدم على حفص في القراءة وقد فاق أقرانه في الفضائل لكن اختلف في كونه ضعيفا لقلة ضبطه في الحديث والله أعلم رواه أحمد عن رجل إشارة إلى


ضعفه لجهالة راويه ولكن تقدم أنه صح من طرق أخرى فلا يضر وقال الترمذي هذا حديث غريب أي إسنادا كما ذكر والله أعلم

الفصل الثالث
عن أبي هريرة قال قال رسول الله أتاكم أي جاءكم رمضان أي زمانه أو أيامه شهر مبارك بدل أو بيان والتقدير هو شهر مبارك وظاهره الأخبار أي كثر خيره الحسي والمعنوي كما هو مشاهد فيه ويحتمل أن يكون دعاء أي جعله الله مباركا علينا وعليكم وهو أصل في التهنئة المتعارفة في أول الشهور بالمباركة ويؤيد الأول قوله اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان إذ فيه إيماء إلى أن رمضان من أصله مبارك فلا يحتاج إلى الدعاء فإنه تحصيل الحاصل لكن قد يقال لا مانع من قبول زيادة البركة فرض الله عليكم صيامه أي بالكتاب والسنة وإجماع الأمة تفتح فيه أبواب السماء استئناف بيان ويحتمل أن يكون حالا وهو بصيغة المجهول وبالتأنيث في الأفعال الثلاثة ويجوز تذكيرها وبتخفيف الفعلين الأولين ويشددان وتعلق فيه أبواب الجحيم وفي نسخة الحميم وهو تصحيف وتغل بتشديد اللام من الإغلال فيه مردة الشياطين يفهم من هذا الحديث أن المقيدين هم المردة فقط وهو معنى لطيف يزول به الإشكال السابق فيكون عطف المردة على الشياطين في الحديث المتقدم عطف تفسير وبيان ويحتمل أن يكون تقييد عامة الشياطين بغير الإغلال والله أعلم بالأحوال لله فيه أي في ليالي رمضان على حذف مضاف أو في العشر الأخير منه يعني غالبا وإلا فهي مبهمة في جميع رمضان أو في جميع السنة كما هو مذهبنا ولذا لو قال أحد لامرأته أنت طالق في ليلة القدر لا تطلق حتى يمضي عليها السنة كلها ليلة خير من ألف شهر أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ومن حرم بصيغة المجهول خيرها بالنصب قال الطيبي يقال حرمه الشيء يحرمه حرمانا وأحرمه أيضا أي منعه إياه اه وفي القاموس أحرمه لغية أي من منع خيرها بأن لم يوفق لإحيائها ولو بالطاعة في طرفيها لما ورد أن من صلى العشاء


والصبح بجماعة فقد أدرك حظه من ليلة القدر وأما ما وقع في شرح مسلم من أنه لا ينال فضلها إلا من أطلعه الله عليها فالمراد منه
فضلها الكامل فقد حرم أي منع الخير كله كما سيجىء صريحا ففيه مبالغة عظيمة والمراد حرمان الثواب الكامل أو الغفران الشامل الذي يفوز به القائم في إحياء ليلها قال الطيبي اتحد الشرط والجزاء دلالة على فخامة الجزاء أي فقد حرم خيرا لا يقادر قدره رواه أحمد والنسائي قال ميرك ورواه البيهقي كلهم عن أبي قلابة عن أبي هريرة ولم يسمع منه فيما أعلم قاله المنذري وعن عبد الله بن عمرو بالواو رضي الله عنهما أن رسول الله قال الصيام أي صيام رمضان والقرآن أي قراءة القرآن قال الطيبي القرآن هنا عبارة عن التهجد والقيام بالليل كما عبر به عن الصلاة في قوله تعالى وقرآن الفجر الإسراء وإليه الإشارة بقوله ويقول القرآن منعته النوم بالليل اه وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته يشفعان للعبد وتتجسد المعاني والأعمال ويحتمل ببيان الحال يقول الصيام أي رب أي يا رب إني منعته الطعام والشهوات من عطف الأعم بالنهار فشفعني بالتشديد أي اقبل شفاعتي فيه أي في حقه ويقول القرآن ما كان القرآن كلامه تعالى غير مخلوق لم يقل أي رب واخطأ ابن حجر خطأ فاحشا حيث قدر هنا أي رب فإنه مخالف لمذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة لا يقال أراد بالقرآن المقروء فإنا نقول لا يصح التقدير الموهم للتضليل المحوج إلى التفسير والتأويل لا سيما مع القاعدة المقررة أن المراد لا يدفع الإيراد وكلام غير المعصوم لا يؤول فتأمل فإنه هو المعول وقد قال بعض المحققين من الشافعية فإن قلت هل يجوز أن يقال القرآن مخلوق ومرادا به اللفظي فالجواب لا لما فيه من الإيهام المؤدي إلى الكفر وإن كان المعنى صحيحا بهذا الاعتبار كما أن الجبار في أصل اللغة النخلة الطويلة ويمتنع أن يقال الجبار مخلوق مرادا به النخلة للإيهام اه والله أعلم ثم رأيت في كلام ابن حجر نقلا عن ابن


عباس أنه سمع رجلا يقول يا رب القرآن فقال مه أما علمت أن القرآن منه أي أنه صفته القديمة القائمة بذاته فلا يجوز أن يوصف بالمربوبية المقتضية لحدوثه وانفصاله عن الذات تعالى الله عن ذلك اه وهو صريح في المدعى والحمدلله على ما أولى وهو له أولى في الآخرة والأولى منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان بالتشديد مجهولا أي يقبل شفاعتهما وهذا دليل على عظمتهما ولعل شفاعة رمضان في محو السيئات وشفاعة القرآن في علو الدرجات قال الطيبي الشفاعة والقول من الصيام والقرآن إما أن يؤول أو يجري على ما عليه النص وهذا هو النهج القويم والصراط المستقيم فإن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل عن إدراك العوالم الإلهية ولا سبيل لنا إلا الإذعان والقبول ومن أول قال استعيرت الشفاعة والقبول للصيام والقرآن لإطفاء غضب الله


وإعطاء الكرامة ورفع الدرجات والزلفى عند الله رواه البيهقي في شعب الإيمان قال ميرك ورواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله محتج بهم في الصحيح ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع وغيره بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم كذا ذكره المنذري وعن أنس بن مالك قال دخل رمضان فقال رسول الله إن هذا الشهر الإشارة للتعظيم والمشار إليه محسوس عند أرباب التكريم كما نقل عن سيدي عبد القادر روح الله روحه الكريم قد حضركم أي فاغتنموا حضوره بالصيام في نهاره والقيام في ليله وفيه ليلة أي واحدة مبهمة من لياليه خير من ألف شهر أي فالتمسوها في كل ليلة رجاء أن تدركوها من حرمها أي خيرها وتوفيق العبادة فيها ومنع عن القيام ببعضها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها أي حتى يتخلف عنها إلا كل محروم برفع كل على البدلية ويجوز نصبه على الإستثناء أي كل ممنوع من الخير لاحظ له من السعادة ولا ذوق له من العبادة رواه ابن ماجه قال المنذري وإسناده حسن إن شاء الله تعالى ورواه الطبراني في الأوسط عن أنس ولفظه قال سمعت رسول الله يقول هذا رمضان قد جاءكم يفتح فيه أبواب الجنة ويغلق فيه أبواب النار وتغل فيه الشياطين فبعد المن أدركه رمضان فلم يغفر له إذا لم يغفر له فمتى نقله ميرك وعن سلمان الفارسي بكسر الراء قال خطبنا رسول الله وهو يحتمل خطبة الجمعة وخطبة الموعظة في آخر يوم من شعبان فقال أي بعد أن حمد الله وأثنى عليه كما هو المعهود من حاله في خطبة وكأن سلمان حذف ذلك اختصارا قلت ما اختصره بل اقتصره وبينه وأظهره بقوله خطبنا فإن الخطبة هي الحمد والثناء كما هو مشهور عند العلماء والفقهاء أيها وفي نسخة يا أيها الناس قد أظلكم بالظاء المشالة أي أشرف عليكم وقرب منكم شهر عظيم أي قدره لأنه سيد الشهور كما في حديث وقال الطيبي أي شارفكم وألقى


ظله عليكم ونقل عن محيي السنة أنه بالطاء المهملة ففي النهاية أطل علينا بالمهملة أشرف وأظلكم رمضان بالمعجمة أي أقبل عليكم ودنا منكم كأنه ألقى عليكم ظله اه وعبارته أحسن من عبارة الطيبي كما لا يخفى شهر مبارك أي على من يعرف قدره شهر فيه ليلة أي عظيمة وفي أصل ابن حجر ليلة القدر وهو سهو خير من ألف شهر جعل الله صيامه أي صيام نهاره فريضة أي فرضا قطعيا وقيام ليلة أي احياءه بالتراويح ونحوها تطوعا أي سنة مؤكدة فمن فعله فاز بعظيم ثوابه ومن تركه حرم الخير وعوقب بعتابه من تقرب أي إلى الله فيه أي في نهاره وفي ليلة بخصلة من الخير أي من أنواع النفل كان كمن أي ثوابه كثواب من أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فريضته فيه بدنية أو مالية كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه أي من الأشهر وهذا فيما سوى الحرم إذ حسناته عن مائة ألف في غيره وهو شهر الصبر لأن صيامه بالصبر عن المأكول والمشروب ونحوهما وقيامه بالصبر على محنة السهر وسنة السحور عند السحر ولذا أطلق الصبر على الصوم في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة البقرة وفيه إشارة لطيفة بأن باقي الأشهر شهور الشكر فيكون إيماء إلى قوله تعالى أياما معدودات البقرة أي زمانا قليلا تسهيلا للصائمين وتسلية للقائمين والصبر أي كماله المتضمن للشكر كما حرره الغزالي من أن وجودهما على وجه الكمال متلازمان وفي التحقيق متعانقان وبكل طاعة وخصلة حميدة متعلقان فإن الإيمان نصفان نصفه صبر ونصفه شكر فترك المعصية صبر وامتثال الطاعة شكر ثوابه الجنة أو يقال الصبر على الطاعة وعن المعصية جزاؤه الجنة لمن قام به مع الناجين وأما قول ابن حجر أي من غير مقاساة لشدائد الموقف فأمر زائد غير مفهوم من الحديث فلا ينبغي الجراءة عليه وشهر المواساة أي المساهمة والمشاركة في المعاش والرزق وأصله الهمزة فقلبت واوا تخفيفا قاله الطيبي وفيه تنبيه على الجود والإحسان على جميع أفراد الإنسان لا سيما على الفقراء


والجيران وشهر يزاد في رزق المؤمن وفي نسخة صحيحة يزاد فيه رزق المؤمن سواء كان غنيا أو فقيرا وهذا أمر مشاهد فيه ويحتمل تعميم الرزق بالحسي والمعنوي وفي الحديث تشجيع على الكرم وتحضيض على ما ذكر قبله وبعده من فطر بتشديد الطاء فيه صائما أي أطعمه أو سقاه عند إفطاره من كسب حلال كما في الرواية الآتية كان أي التفطير له أي للمفطر مغفرة لذنوبه وعتق رقبته أي المفطر من النار أي سببا لحصولهما وفي نسخة برفع المغفرة والعتق فالمعنى حصل له مغفرة وعتق وكان له أي وحصل للمفطر مثل أجره أي مثل ثواب الصائم من غير أن ينتقص من باب الإفتعال من أجره أي من أجر الصائم شيء وهو زيادة إيضاح وإفادة تأكيدللعلم بعدم النقص من لفظ


مثل أجره أولا قلنا يا رسول الله أليس كلنا نجد ما نفطر الصائم بالتكلم بالفعلين وفي نسخة بالغيبة فيهما أي لا يجد كلنا ما يشبعه وإنما الذي يجد ذلك بعضنا فما حكم من لا يجد ذلك فقال رسول الله يعطى الله هذا الثواب أي من جنس هذا الثواب أو هذا الثواب كاملا عند العجز عن الإشباع من فطر صائما على مذقة لبن بفتح الميم وسكون الذال المعجمة أي شربة لبن يخلط بالماء أو تمرة وفي تقديم المذقة إشارة أي أنها أفضل من التمرة أما لفضيلة اللبن أو للجمع بين النعمتين أو شربة من ماء وأو للتنويع في الموضعين وأما قول ابن حجر وكلكم يقدر على واحدة من هذه الثلاثة فغير صحيح بإطلاقه ومن أشبع صائما سقاه الله ولعل الإكتفاء بالإشباع في الشرط لأنه أفضل أو لكونه أصلا في الدنيا وبالإسقاء في الجزاء لكون الاحتياج إليه أكثر بل لا احتياج إلا إليه في العقبى من حوضي أي الكوثر في القيامة شربة لا يظمأ أي بيدها حتى يدخل الجنة أي إلى أن يدخلها ومن المعلوم أن لا ظمأ في الجنة لقوله تعالى وإنك لا تظمأ فيها طه لكأنه قال لا يظمأ أبدا وهو أي رمضان شهر أوله رحمة أي وقت رحمة نازلة من عند الله عامة ولولا حصول رحمته ما صام ولا قام أحد من خليقته لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا الحمدلله الذي هدانا لهذا وما كنا نهتدي لولا أن هدانا الله وأوسطه مغفرة أي زمان مغفرته المترتبة على رحمته فإن الأجير قد يتعجل بعض أجرة قرب فراغه منه وآخره وهو وقت الأجر الكامل عتق أي لرقابهم من النار والكل بفضل الجبار وتوفيق الغفار للمؤمنين الأبرار للأعمال الموجبة للمغفرة والرحمة والعتق من النار ومن خفف أي في الخدمة عن مملوكه فيه أي في رمضان رحمة عليه وإعانة له بتيسير الصيام إليه غفر الله له أي لما فعله قبل ذلك من الأوزار وأعتقه من النار جزاء لاعتاقه المملوك من شدة العمل قال ميرك ورواه ابن خزيمة في صحيحه وقال إن صح الخبر ورواه من طريقة البيهقي ورواه أبو


الشيخ ابن حبان في الثواب باقتصار عنهما وفي رواية لأبي الشيخ قال رسول الله من فطر صائما في شهر رمضان من كسب حلال صلت عليه الملائكة ليالي رمضان كلها وصافحه جبريل ليلة القدر ومن صافحه جبريل عليه السلام يرق قلبه وتكثر دموعه قال فقلت يا رسول الله من لم يكن عنده قال فقبضه من طعام قلت أفرأيت إن لم يكن عنده لقمة خبز قال فمذقة لبن قلت أفرأيت إن لم يكن عنده قال فشربة من ماء قال المنذري وفي أسانيدهم علي بن زيد بن جدعان ورواه ابن خزيمة والبيهقي أيضا باختصار عنه في حديث أبي هريرة وفي إسناده كثير بن زيد


وعن ابن عباس قال كان رسول الله إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير أي محبوس ممن يستحق الحبس لحق الله أو لحق العبد بتخليصه منه تخلقا بأخلاق الله تعالى فإن الإطلاق في معنى الإعتاق وأما قول ابن حجر أي محبوس على كفره بعد أسره ليختار فيه المن أو القتل مثلا فهو محمول على مذهب الشافعي فإن الذكر الحر المكلف إذا أسر تخير الإمام بين القتل والمن والفداء والإسترقاق وهو منسوخ عند الحنفية أو مخصوص بحرب بدر فإنه يتعين القتل أو الإسترقاق عندهم هذا خلاصة ما في البيضاوي وقال صاحب المدارك وحكم أساري المشركين عندنا القتل والإسترقاق والمن والفداء المذكوران في الآية فمنسوخ بقوله تعالى اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة لأن سورة براءة من آخر ما نزل أو المراد بالمن أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا أو يمن عليهم فيخلوا بقبولهم الجزية وبالفداء أن يفادى بأساراهم أسارى المشركين فقد رواه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة رضي الله عنه وهو قولهما والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره لئلا يعودوا حربا علينا وعند الشافعي رحمه الله للإمام أن يختار أحد الأمور الأربعة القتل والإسترقاق والمن والفداء بأسارى المسلمين اه فاللائق بالمتكلم في الحديث أن يحمله على الوجه الأحسن وهو المتفق عليه لا على احتمال يخالفه بعض العلماء مع أنه ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام بالعموم فضلا عن خصوص رمضان أنه أعتق كافرا وأرسله قط فكيف يحمل على هذا المعنى استمراره الحقيقي أو العرفي المستفاد من كان المفهوم أنه في أول كل رمضان والله المستعان وأعطي كل سائل أي زيادة على معتاده وإلا فلا كان عنده لا في غير رمضان أيضا فقد جاء في صحيح مسلم إنه ما سئل شيئا إلا أعطاه فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخشى الفقر وروى البخاري من حديث جابر ما سئل رسول الله عن شيء قط فقال لا وكذا عند مسلم أي ما


طلب منه شيء من أمر الدنيا فمنعه قال الفرزدق ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله معناه لم يقل لا منعا للعطاء ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارا كما في قوله تعالى قلت لا أجد ما أحملكم عليه التوبة ولا يخفى الفرق بين قول لا أجد ما أحملكم التوبة وبين لا أحملكم اه وفي حديث ابن عباس عند الشيخين قال كان النبي أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل


فيدارسه القرآن فلرسول الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وأورد ابن حجر هنا سؤالا وجوابا بينهما تعارض يناقض صوابا وعن ابن عمران النبي قال إن الجنة تزخرف أي تزين بالذهب ونحوه لرمضان أي لأجل قدومه من رأس الحول إلى حول قابل أي يبتدأ التزين من أول السنة منتهيا إلى سنة آتية أول الحول غرة المحرم وحاصله أن الجنة في جميع السنة من أولها إلى آخرها مزينة لأجل رمضان وما يترتب عليه من كثرة الغفران ورفع درجات الجنان ما قبله وما بعده من الزمان ولا يبعد أن يجعل رأس الحول مما بعد رمضان ولعله اصطلاح أهل الجنان ويناسبه كونه يوم عيد وسرور ووقت زينة وحبور ثم رأيت ابن حجر قال لعل المراد هنا بالحول بأن تبتدىء الملائكة في تزينها أول شوال وتستمر إلى أول رمضان فتفتح أبوابها حينئذ ليطلع الملائكة على ما لا يطلعون عليه قبل إعلاء ما لهم بعظم شرف رمضان وشرف هذه الأمة ومجازاتهم على صومهم بمثل هذا النعيم المقيم الظاهر الباهر اه والأظهر أن ابتداء الزينة من أول رمضان كما يدل عليه حديث فتحت أبواب الجنة إلخ لأن الزينة المتعارفة تكون في أوائل أمر الفرح وقد تكون بعد الفرح والمناسب هنا الأول ولا يبعد أن يراد باللام في قوله لرمضان وقتية ومن بيانية ويؤيده ما ورد من أنه ترفع أعمال السنة في شعبان ثم ما به التمييز بين رمضان وغيره بأمور زائدة على الزينة في خصوصه من فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النيران وأمثالهما مما لا يعلمه إلا الله والله سبحانه وتعالى أعلم قال أي النبي وإنما أعاد قال لئلا يتوهم أنه مقول ابن عمر فتدبر فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح تحت العرش أي هبت ريح من تحت العرش فنثرت رائحة عطرة طيبة قال ابن حجر تحت العرش أي في الجنة لأن سقف الجنة عرش الرحمن كما في الحديث وفيه أنه لا يلزم من كونه سقفا بمعنى أعلاها وإنه ليس فاصل بينه وبينها أن يكون هبوب الريح في الجنة بل الظاهر أن الريح تنزل من تحت


العرش مبتدأ باعتبار ظهورها في الجنة من ورق الجنة أي من ورق شجرها مبتدأ على الحور العين أي منتزه على رؤوسهن ولعلها أثر خلوف فم الصائم الذي هو عند الله أطيب من المسك فيقلن يا رب اجعل لنا من عبادك أي الصالحين الصائمين القائمين أزواجا تقر بفتح القاف وتشديد الراء أي تتلذذ بهم أي بطلعتهم وصحبتهم أعيننا أي أبصارنا أو ذواتنا وتقر أعينهم بنا قال الطيبي هو من القر بمعنى البرد وحقيقة قولك قر الله
عينيه جعل دمع عينيه باردا وهو كناية عن السرور فإن دمعته باردة أو من القرار فيكون كناية عن الفوز بالبغية فإن من فاز بها قر نفسه ولا يستشرف عينه إلى مطلوبه لحصوله روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في شعب الإيمان قال ميرك لحديث ابن عمر شاهد من حديث ابن مسعود الغفاري أخرجه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي من طريقه وأبو الشيخ في كتاب الثواب ولفظه سمعت رسول الله ذات يوم وأهل رمضان فقال لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان فقال رجل من خزاعة يا نبي الله حدثنا فقال إن الجنة لتزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق أشجار الجنة فينظر الحور العين إلى ذلك فيقلن يا رب اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجا تقر أعيننا بهم وأعينهم بنا قال فما من عبد يصوم يوما من رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة كما نعت الله عز وجل حور مقصورات في الخيام قال ابن خزيمة في القلب من جرير بن أيوب يعني أحد رواته شيء قال المنذري وجرير بن أيوب البجلي واه والله أعلم أقول وللحديث شاهد آخر من حديث ابن عباس أخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب والبيهقي أيضا قال المنذري وليس في إسناده ممن أجمع على ضعفه فاختلاف طرق الحديث يدل على أن له أصلا وعن أبي هريرة عن النبي أنه قال يغفر لأمته أي لكل الصائمين منهم قال الطيبي هذا حكاية معنى ما تلفظ به لا لفظه أي الذي هو يغفر


لأمتي في آخر ليلة في رمضان وفي نسخة من رمضان والمراد مغفرته الكاملة ورحمته الشاملة فلا ينافي ما سبق من أن أوسطه مغفرة قيل يا رسول الله أهي ليلة القدر قال لا هذا بظاهر رد على من اختار أن ليلة القدر هي ليلة تسع وعشرين إذ قد تكون آخر ليلة منه ويمكن تأويله بأن يقال لا أي ليس سبب المغفرة كونها ليلة القدر بل سببها كونها آخر ليلة ويمكن أن تكون هي ليلة القدر وأن تكون غيرها من بقية ليالي عشر الأخير ويؤيده قوله ولكن بالتشديد ويخفف العامل أي ولكن سببها أن العامل إنما يوفى أي يعطى وافيا أجره بالنصب على أنه مفعول ثان وفي نسخة بالرفع على أنه نائب الفاعل والمفعول الثاني مقدر أي إياه إذا قضى عمله أي أحكمه وفرغ منه وقال الطيبي استدراك لسؤالهم عن سبب المغفرة كأنهم ظنوا أن الليلة الأخيرة هي ليلة القدر بسبب المغفرة فبين أن سببها هو إفراغ العبد عن العمل وهو مطرد في كل
عمل اه والأظهر وضع الزمان موضع السبب لأن ليلة القدر نفسها ليست سببا بل هي زمان العبادة وهي سبب المغفرة وفي قضى بمعنى فرغ مجاز المشارفة أو لأنه قد نوى حينئذ صوم اليوم الآتي فكأنه صام ولا يبعد أن يراد بآخر ليلة في رمضان أو من رمضان ليلة العيد والنسبة بأدنى ملابسة كما في عيد رمضان والله المستعان رواه أحمد


باب رؤية الهلال
أي الأحكام المتعلقة بها
الفصل الأول
عن ابن عمر قال قال رسول الله لا تصوموا أي يوم ثلاثي شعبان عن رمضان كما يدل عليه السياق حتى تروا الهلال أي حتى يثبت عندكم رؤية هلال رمضان بشهادة عدلين أو أكثر ويثبت بعدل احد عند أبي حنيفة أيضا إذا كان في السماء غيم وعند الشافعي أيضا في أصح قوليه وعند أحمد سواء كان في السماء غيم أم لا وعند مالك لا تثبت أصلا قاله ابن الملك وقال القاضي أي لا تصوموا على قصد رمضان إلا أن يثبت وهو أن يرى هو أو من يثق عليه والمنفرد بالرؤية إذا لم يحكم بشهادته يجب عليه عندنا أن يصوم ويسر بإفطار عيده اه ويصوم عندنا معشر الحنفية أولا ولا يفطر يوم عيد إحتياطا وقيل معنى قول أبي حنيفة لا يفطر لا يأكل ولا يشرب ولكن لا ينوي الصوم والتقرب به إلى الله تعالى لأنه يوم عيد في حقه للحقيقة التي عنده قال ابن الهمام ولا يخفى أن التعليل بالإحتياط ينافي تأويل قوله بذلك وقيل أن أيقن أفطر ويأكل سرا وعلى القول بأنه لا يفطر لو أفطر قضى ثم


منهم من قال لا كفارة عليه بلا خلاف ومنهم من حكى في لزومها الخلاف بعد رد شهادته وقبله والصحيح عدم لزومها فيهما ويحمل معنى الحديث لا تصوموا بنية رمضان حتى يتحقق عندكم رؤية الهلال ولا تفطروا حتى تروه أي هلال شوال قال ابن الملك حتى تثبت رؤيته بشهادة عدلين لا بأقل بالإتفاق وظاهر عموم هذا النهي كالأحاديث الآتية يرد على الشافعية حيث قالوا المنفرد بالرؤية في أول رمضان يسر بفطره في عيده ولو لم ير هلال شوال لئلا يتعرض لعقوبة الحاكم وأما قول ابن حجر والنهي فيهما للتحريم على الأصل وهو بالنظر لعموم الناس كما يدل عليه واو الجمع أما من رآه وحده ولم يشهد به أو لم يقبل أو أخبره به من اعتقد صدقه فيلزم العمل بمقتضى رؤيته وإن لم يثبت رمضان ولا شوال على العموم اه فلا يصلح أن يكون جوابا لسؤالنا كما هو ظاهر على أرباب الفهوم فتأمل حق التأمل فإن غم أي غطى الهلال في ليلة الثلاثين عليكم أي أوله أو آخره قال الطيبي أي ستر الهلال بغيم من غممت الشيء إذا غطيته وفي غم ضمير الهلال ويجوز أن يكون مسندا إلى الجار والمجرور وبمعنى إن كنتم مغموما عليكم وترك ذكر الهلال للاستغناء عنه فاقدروا بكسر الدال ويضم وفي المغرب الضم خطأ له أي للهلال والمعنى قدر والهلال الشهر المستقبل وقال الطيبي أي فاقدروا عدد الشهر الذي كنتم فيه ثلاثين يوما إذ الأصل بقاء الشهر ودوام خفاء الهلال ما أمكن أي قبل الثلاثين والمعنى اجعلوا الشهر ثلاثين قال الزركشي يعني حققوا مقادير أيام شعبان حتى تكملوا ثلاثين يوما اه وفي شرح السنة معناه التقدير بإكمال العدد يقال قدرت الشيء أقدره قدرا بمعنى قدرته تقديرا قال ابن الملك ذهب بعض إلى أن المراد به التقدير بحساب القمر في المنازل أي اقدروا منازل القمر فإنه يدلكم على أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون اه وفي شرح السنة قال ابن شريح فاقدروا خطاب لمن خصه الله بهذا العلم وقوله فأكملوا العدة خطاب للعامة اه وهو


مردود لحديث إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب فإنه يدل على أن معرفة الشهر ليست إلى الكتاب والحساب كما يزعمه أهل النجوم وللاجماع على عدم الاعتداد بقول المنجمين ولو اتفقوا على أنه يرى ولقوله تعالى مخاطبا لخير أمة أخرجت للناس خطابا عاما فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة ولقوله بالخطاب العام صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ولما في نفس هذا الحديث لا تصوموا حتى تروه ولما في حديث أبي داود والترمذي عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال الصوم يوم يصومون والفطر يوم يفطرون بل أقول لو صام المنجم عن رمضان قبل رؤيته بناء على معرفته يكون عصيا في صومه ولا يحسب عن صومه إلا إذا ثبت الهلال على خلاف فيه ولو جعل عيد الفطر بناء على زعمه الفاسد يكون فاسقا وتجب عليه الكفارة في قول وهو الصحيح وإن استحل افطاره فرضا عن عده واجبا صار كافرا ومن الغريب ما نقله صاحب النهاية عنه إنه قال فأملوا العدة خطاب


للعامة وأغرب منه عمل صاحب النهاية نقل كلامه والسكوت عليه الموهم قبول قوله فإنه لا ينبغي لأحد أن ينقل كلامه إلا بنية الرد عليه وفي رواية قال الشهر تسع وعشرون ليلة أي الشهر قد يكون كذلك أو أقله ذلك وقيل أي هذا محقق وفيه حث على طلب الهلال ليلة الثلاثين فلا تصوموا أي على قصد رمضان حتى تروه أي الشهر يعني تعلموا كماله أو تبصروا هلاله لقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة فإن غم أي أمر الشهر أو هلاله عليكم أي بغيم ونحوه فأكملوا أي أتموا العدة مفعول به أي عدة شعبان كما في رواية البخاري ثلاثين أي يوما وهو منصوب على الظرف وقيل التقدير أكملوا هذه العدة وثلاثين بدل منه بدل الكل متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صوموا لرؤيته أي لأجل رؤية الهلال فاللام للتعليل والضمير للهلال على حد حتى توارت بالحجاب ص صلى الله عليه وسلم إكتفاء بقرينة السياق ولقوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس النساء أي لأبوي الميت وقال الطيبي اللام للتوقيت كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس الإسراء أي وقت دلوكها وفيه أن الصوم بعد الرؤية بزمان طويل يتحقق وإن الإقامة بعد تحقق الدلوك فلا جامع بينهما ولهذا قال ابن الملك في الآية اللام بمعنى بعد أي بعد دلوكها أي زوالها كما في قولك جئته لثلاث خلون من شهر كذا يبينه حديث أبي البختري في الفصل الثالث مدة للرؤية قال القاضي عياض رحمه الله الفياض أي أطال الله مدته إلى الرؤية وقوله جئته لثلاث خلون من شهر كذا ويحتمل أن يكون بمعنى بعد اه والأخير هو الأظهر لأن الأول يرد وأفطروا أي اجعلوا عيد الفطر لرؤيته أي لأجلها أو بعدها أو وقتها فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان أي أتموا عدده ثلاثين أي فكذا رمضان بطريق الأولى قال ابن الهمام إذا صام أهل مصر رمضان على غير رؤية بل بإكمال شعبان ثمانية وعشرين ثم رأوا هلال شوال إن كانوا أكملوا عدة شعبان عن رؤية هلاله إذ لم يروا هلال رمضان


قضوا يوما واحدا حملا على نقصان شعبان غير أنه اتفق إنهم لم يروا ليلة الثلاثين وإن أكملوا شعبان عن غير رؤية قضوا يومين احتياطا لاحتمال نقصان شعبان مع ما قبله فإنهم لما لم يروا هلال شعبان كانوا بالضرورة
مكملين رجب متفق عليه قال ابن الهمام وعند أبي داود والترمذي وحسنه فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا قال ابن حجر وبهذه الرواية الأخيرة والتي قبلها كرواية فإن أغمى عليكم الشهر فعدوا ثلاثين ثم صوموا ورواية فاقدروا له ثلاثين ورواية فإن أغمى عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صوموا ورواية كان يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يوصم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام وهذه روايات صحيحة لا تقبل التأويل ردوا قول أحمد في إحدى الروايتين عنه وطائفة قليلة معنى اقدروا ضيقوا له وقدروه تحت السحاب فيجب عندهم صوم يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين مغيمة وقول ابن سريج وآخرين قدروا بحساب المنازل قال أئمتنا من قال بتقديره تحت السحاب فهو منابذ لصريح ما في الروايات ومن قال بحساب المنازل فيرد عليه خبر الصحيحين أنا أمة الآتي وزعم بعض الحنابلة إن ما مر عن أحمد عليه إجماع الصحابة وهم اه أقول على تقدير صحة إجماعهم أو قول بعضهم أو فعل بعضهم فيحمل على أنه من باب الاحتياط وجوبا على مقتضى مذهب أحمد واستحبابا على مقتضى مذهبنا من أن الأفضل صوم ذلك اليوم للخواص الذين يعرفون كيفية النية الخالصة من الترديد بأن ينوي صوما مطلقا ولا يقول عن رمضان ولا إنه إن كان من رمضان فمنعه وإلا فعن غيره فإنه مكروه وأما إن قال إن كان من رمضان فأنا صائم وإلا فلا يصح صومه ثم إذا صح صومه واتفق أنه من رمضان فيقع عندنا خلافا للشافعية وعن ابن عمر قال قال رسول الله إنا أي معاشر العرب أمة أي جماعة أمية قيل الأمي منسوب إلى أمة العرب فإنهم غالبا كانوا لا يكتبون ولا


يقرؤن وإطلاق الأمي من قبل نبيهم والقرن الذي بعث فيه ثم صار الآخر تبعا للأول في النسبة والحكم أو منسوب إلى الأم لأنه باق على الحال التي ولدته أمه ولم يتعلم قراءة ولا كتابة وقيل منسوب إلى أم القرى وهي مكة أي أنا أمة مكية لا نكتب ولا نحسب بضم السين وهذا الحكم بالنظر لأكثرهم أو المراد لا نحسن الكتابة والحساب وأغرب ابن حجر حيث قال أي منسوبون إلى الأم لبقائهم على الحالة التي ولدتهم عليها من عدم إحسان الكتابة والحساب ووجه الغرابة إن الحالة هي عدم الكتابة لا عدم إحسانها قال ابن الملك أي لا نعرف الكتابة وحساب النجوم


حتى نعتمد على علم النجوم وسير القمر ونعرف الشهر بذلك اه وفيه شائبة من الجواز بالعمل بالنجوم وهو مردود كما صرح به نفسه سابقا قال الطيبي أنا كناية عن جيل العرب وقوله لا نكتب ولا نحسب بيان لقوله أمية وهذا البيان ثم الإشارة باليد ثم القول باللسان ينهيك على أن الإستقصاء في معرفة الشهر لا إلى الكتاب والحساب كما عليه أهل النجامة اه فالمعنى أن العمل على ما يعتاده المنجمون ليس من هدينا وسنتنا بل علمنا يتعلق برؤية الهلال فإنا نراه مرة تسعا وعشرين ومرة ثلاثين كما قال الشهر مبتدأ هكذا مشارا بها إلى نشر الأصابع العشر وهكذا ثانيا وهكذا ثالثا خبره بالربط بعد العطف وعقد الإبهام أي أحد الإبهامين أو التقدير من إحدى اليدين أو إبهام اليمين على أن اللام عوض عن المضاف إليه وهو الأظهر في الثالثة أي في المرة الثالثة من فعله هكذا فصار الجملة تسعة وعشرين ثم قال الشهر أي تارة أخرى هكذا وهكذا وهكذا قال الطيبي أي عقد الإبهام في المرة الأولى في الثالثة ليكون العدد تسعا وعشرين ولم يعقد الإبهام في المرة الثانية ليكون العدد ثلاثين وإليه أشار بقوله يعني تمام الثلاثين ثم زاد الراوي البيان فقال يعني مرة تسعا وعشرين ومرة ثلاثين اه وفيه إيهام أن يعني الأول ليس من كلام الراوي وليس كذلك بل هو تفسير منه لفعله عليه الصلاة والسلام هكذا وهكذا وهكذا في المرة الأخيرة فالتقدير قال الراوي يعني أي يريد النبي بكونه هنا لم يعقد الإبهام في الثالثة تمام الثلاثين ثم زاد البيان فبين الكيفية في المرتين جميعا فالتقدير قال الراوي أيضا زيادة في الإيضاح تأسيا به يعني أي يريد بمجموع ما ذكره أن الشهر يكون مرة تسعا وعشرين ومرة ثلاثين قال ابن حجر وإنما بالغ في البيان بما ذكر مع الإشارة المذكورة ليبطل الرجوع إلى ما عليه الحساب والمنجمون وبه يبطل ما مر عن ابن سريج ومن وافقه ثم قال أكثر أئمتنا لا يعمل بحساب المنجم وهو من يرى أن أول الشهر


طلوع النجم الفلاني والمراد بقوله تعالى وبالنجم هم يهتدون النحل الإهتداء في نحو أدلة القبلة في السفر ولا بحساب الحاسب وهو من يعرف منازل القمر وتقديره مسيره لكن لكل منهما أن يعمل بمعرفة نفسه ثم اختلفوا في أن ذلك هل يجزئه فلا يلزمه قضاء أو لا فيلزمه والذي عليه الأكثرون الأول اه فتأمل فإنه موضع زلل ولعله مقيد بأول رمضان ثم إنه أراد بهما أنه بحسب ما يرى الهلال لا على الترتيب والتعاقب في ذلك فإن النووي وابن عبد البر صرحا بأن الشهر قد ينقص أربعة أشهر متوالية لا خمسة قال ابن حجر وكأنهما اعتمدا في ذلك على الإستقراء ومع ذلك الظاهر أنه لو وقع خلاف ذلك عمل به متفق عليه قال ميرك وفيه تأمل فإن قوله الشهر هكذا وهكذا إلى قوله ومرة ثلاثين لفظ مسلم ولفظ البخاري الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعا وعشرين ومرة ثلاثين قال الشيخ ابن حجر هكذا ذكره آدم شيخ البخاري مختصرا وفيه اختصار عما رواه غندر عن شعبة أخرجه مسلم عن ابن المثنى وغيره عن غندر ثم ذكر لفظ المذكور عن مسلم والله أعلم وفي الحديث إيماء إلى أنه عليه الصلاة والسلام كما أدى ما وجب بتبليغه بالعبارة أداه أيضا بالإشارة واستفيد منه أن إيماء الأخرس بعرف نكاحه


وطلاقه ونحوهما كاللسان في معرض البيان وعن أبي بكرة قال قال رسول الله شهرا عيد أي شهر رمضان وشهر ذي الحجة وإنما سمي شهر رمضان شهر عيد بطريق المجاورة أو لأن عيده من أحكامه ولذا سمي عيد الفطر لا ينقصان أي غالبا عن الثلاثين أو لا ينقصان ثوابا ولو نقصا عددا أو لا ينقصان معا في سنة واحدة أو في سنة معينة أرادها وليس المراد إنهما لا ينقصان حسا كما أجمعوا عليه ولا عبرة بمخالفة بعض الشيعة لأنه مخالف للمشاهدة كما ترى ومناف لما صح عن جماعة من الصحابة صمنا مع رسول الله تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين ومن ثم قال بعض الحفاظ صام رسول الله تسع رمضانات منها رمضانان فقط ثلاثون كذا في شرح ابن حجر رمضان وذو الحجة بدلان أو بيانان قال التوربشتي فيه وجوه فمنهم من قال لا ينقصان معا في سنة واحدة وحملوه على غالب الأمر ومنهم من قال إنه أراد تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة وإنه لا ينقص في الأجر والثواب عن عشر رمضان أقول فالمعنى إنه لا ينقص ثواب العمل في أحدهما عن العمل في الآخر ثم قال ومن قائل ثالث إنهما لا يكونان ناقصين في الثواب وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب وهذا الوجه أقوم وأشبهها بالصواب اه فثواب تسع وعشرين كثواب ثلاثين منهما كذا قاله الطيبي وغيره وفيه بحثان الأول إنه كيف يستوى الكثير والقليل في العبادة وقد قال تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام والثاني إن ذا الحجة ليس في نقصانه توهم نقصانه الثواب حتى يقال ثواب ذي الحجة ناقص العدد ككامله وقد يجاب عن الأول بأن الثواب الاجمالي الوارد في رمضان كقوله من صام رمضان غفر له يكون على وجه الكمال سواء تم أو نقص الهلال ويمكن أن يكون هذا أيضا جوابا عن الثاني ووجه الاختصاص التفضل الإلهي الخاص بهذين الشهرين وفي النهاية أي لا ينقصان في الحكم إذ لا جناح بسبب الخطأ في العيد أي إنه لا يعرض في قلوبكم شك إذا صمتم تسعا وعشرين يوما أو إن وقع في الحج خطأ


لم يكن في نسككم نقص قال ابن حجر أي لا ينقص ثواب الحجة عن ثواب رمضان لأن فيه المناسك والعشر وقيل أن ثوابهما المترتب عليهما من حيث الصيام والقيام والحج وغير ذلك ومن ثم خصا بالذكر لأنهما ليسا كغيرهما في الفضائل التي يتوهم نقصها بنقصهما لا لاختصاص ذلك بهما بل كل شهر يثبت عليه فضيلة فهي حاصلة له تم أو نقص لا ينقص أو لا ينقصان ثوابا وإن نقص عددهما كما صوبه النووي وغيره فكل فضيلة ثبتت لرمضان أو الحجة فهي حاصلة نقص أو تم وقال الطيبي ظاهر سياق


الحديث في بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في سائرها وليس المراد أن ثواب الطاعة في سائرها قد ينقص دونها فينبغي أن يحمل على الحكم ورفع الجناح والحرج بما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعيدين وجواز احتمال الخطأ فيهما ومن ثم لم يقل شهرا رمضان وذي الحجة متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يتقدمن أحدكم رمضان قال ابن الهمام نهي تنزيه ومرجعه إلى خلاف الأولى ولا يكون كالصلاة في الأرض المغصوبة بل دون ذلك بصوم يوم أو يومين قال ابن الملك وإنما نهى عنه حذرا من الشبه بأهل الكتاب وقال ابن حجر وبه يخص أمره عليه الصلاة والسلام بسرر الشهر وهو بفتح المهملة وكسرها آخره هذا وما صح عن عمار بن ياسر أنه قال من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم كان المعتمد من مذهبنا حرمة صوم يوم الشك بل وما قبله كما يأتي اه وسيأتي الجواب عنه في حديث عمار رضي الله عنه اه وقال المظهر يكره صوم آخر شعبان يوما أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما أي نذرا معينا أو نفلا معتادا أو صوما مطلقا غير مقيد برمضان فليصم ذلك اليوم أي ذلك الوقت فإنه يجوز له ذلك قال الطيبي قيل العلة ترك الاستراحة الموجبة للنشاط في صوم رمضان وقيل اختلاط النفل بالفرض فإنه يورث الشك بين الناس فيتوهمون أنه رأى هلال رمضان فلذلك يصوم فيوافقه بعض الناس على ظن أنه رأى الهلال ثم هذا النهي في النفل وأما القضاء والنذر فيهما ضرورة لأنهما فرض وتأخيره غير مرضي وأما الورد فتركه ليس بسديد لأن أفضل العبادات أدومها وتركه عند من ألف به شديد وقيل العلة لزوم التقدم بين يدي الله ورسوله فإنه عليه الصلاة والسلام قيد الصوم بالرؤية فهو كالعلة للحكم أقول وكذا قال تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة قال فمن تقدم صومه فقد طعن في هذه العلة أقول ينبغي أن يقول فكأنه حاول الطعن قال وإليه أشار بقوله عليه الصلاة والسلام من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم اه يعني


إذا صام بنية رمضان أو بنية على طريق الترديد بأن ينوى إن كان غدا من رمضان فأنا صائم عنه وإلا فعن غيره فإنه حينئذ يكون متقدما بين يدي الله ورسوله فأما إذا صام نفلا أو نحوه فلا يكون داخلا في الوعيد
ولا في النهي الأكيد ويومىء إلى هذا القول قوله لا يتقدمن على أن حديث من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم عليه الصلاة والسلام إنما هو من قول عمار بن ياسر والظاهر أنه إذا تقدم بثلاثة أيام فلا يكون داخلا تحت النهي متفق عليه قال ابن الهمام رواه الستة في كتبهم
الفصل الثاني


عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا انتصف شعبان أي إذا مضى النصف الأول منه فلا تصوموا أي بلا انضمام شيء من النصف الأول أو بلا سبب من الأسباب المذكورة وفي رواية فلا صيام حتى يكون رمضان والنهي للتنزيه رحمة على الأمة أن يضعفوا عن حق القيام بصيام رمضان على وجه النشاط وأما من صام شعبان كله فيتعود بالصوم ويزول عنه الكلفة ولذا قيده بالانتصاف أو نهى عنه لأنه نوع من التقدم والله أعلم قال القاضي المقصود استجمام من لا يقوى على تتابع الصيام فاستحب الإفطار كما استحب إفطار عرفة ليتقوى على الدعاء فأما من قدر فلا نهي له ولذلك جمع النبي بين الشهرين في الصوم اه وهو كلام حسن لكن يخالف مشهور مذهبه أن الصيام بلا سبب بعد نصف شعبان مكروه وفي شرح ابن حجر قال بعض ائمتنا يجوز بلا كراهة الصوم بعد النصف مطلقا تمسكا بأن الحديث غير ثابت أو محمول على من يخاف الضعف بالصوم ورده المحققون بما تقرر أن الحديث ثابت بل صحيح وبأنه مظنة للضعف وما نيط بالمظنة لا يشترط فيه تحققها رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي قال ابن الهمام أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا بقى النصف من شعبان فلا تصوموا قال حسن صحيح لا يعرف إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ وقال ابن حجر ولا نظر لقول أحمد إنه منكر لأن أبا داود سكت عليه في سننه مع نقله عنه في غيرها الانكار فكأنه لم يرتضه ووجهه أن أحمد قال عن راويه أنه ثقة لا ينكر من حديثه إلا هذا ولم يبين سبب إنكاره فلم يقدح ذلك في رده قال ابن الهمام ومعناه عند بعض أهل العلم أن يفطر الرجل حتى إذا انتصف شعبان أخذ في الصوم


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله أحصوا بفتح الهمزة أمر من الإحصاء وهو في الأصل العد بالحصا أي عدوا هلال شعبان أي أيامه لرمضان أي لأجل رمضان أو للمحافظة على صوم رمضان وقال ابن الملك أي لتعلموا دخول رمضان قال الطيبي الإحصاء المبالغة في العد بأنواع الجهد ولذلك كنى به عن الطاقة في قوله عليه الصلاة والسلام استقيموا ولن تحصوا اه ويمكن أن يقال معناه ولن تعدوا استقامتكم شيئا معتدا به لأن المدار على فضل الله تعالى قال ابن حجر أي اجتهدوا في إحصائه وضبطه بأن تنحروا مطالعة وتتراءوا منازله لأجل أن تكونوا على بصيرة في إدراك هلال رمضان على حقيقته حتى لا يفوتكم منه شيء رواه الترمذي وعن أم سلمة أم المؤمنين قالت ما رأيت النبي أي ما علمته يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان أي فإنه كان يصوم شعبان كله أو معظمه في أكثر الزمان وسيأتي بسط معنى هذا الحديث في باب صيام التطوع إن شاء الله تعالى وكان المناسب إيراد هذا الحديث بذلك الباب والله أعلم بالصواب رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وعن عمار بن ياسر قال أي موقوفا من صام اليوم الذي يشك فيه على بناء المجهول قال الطيبي لم يقل يوم الشك وأتى بالموصول للمبالغة تنبيها على أن صوم يوم يشك فيه أدنى يوجب عصيان من كنيته أبو القاسم الذي يقسم حكم الله بين عباده بحسب قدرهم واقتدارهم فكيف بمن صام يوما الشك فيه قائم ثابت ونحوه قوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار هود أي إلى الذين أونس منهم أدنى الظلم فكيف بالظالم المستمر عليه قال ابن الملك هو محمول على أنه صام ناويا من رمضان فقد


عصى أبا القاسم قال ابن الهمام الشك هو استواء طرفي الإدراك من النفي والاثبات وموجبه هنا أن يغم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فيشك في اليوم الثلاثين أمن رمضان هو أو من شعبان أو يغم من رجب هلال شعبان فأكملت عدته ولم يكن رؤى هلال رمضان فيقع الشك في الثلاثين من شعبان أهو الثلاثون أو الحادي والثلاثون ومما ذكر فيه من كلام غير أصحابنا ما إذا شهد من ردت شهادته وكأنهم لم يعتبروا ذلك لأنه إن كان في الصحو فهو محكوم بغلطه عندنا لظهوره فمقابلة موهوم لا مشكوك وإن كان في غيم فهو شك وإن لم يشهد به أحد ثم قال ومذهبنا إباحته ومذهب الشافعي كراهته لم يوافق صوما له ومذهب أحمد وجوب صومه بنية رمضان في أصح الروايتين عنه ذكره ابن الجوزي في التحقيق ثم هذا في عين يوم الشك فأما صوم ما قبله ففي التحفة قال والصوم قبل رمضان بيوم أو يومين مكروه أي صوم كان لقوله عليه الصلاة والسلام لا تتقدموا رمضان الحديث قال وإنما كره عليه الصلاة والسلام ذلك خوفا من أن يظن إنه زيادة على صوم رمضان إذا اعتادوا ذلك وعن هذا قال أبو يوسف يكره وصل رمضان بست من شوال ولا يخفى أن استدلال صاحب الهداية برواية أن تصوموا غدا واحتمال ابن الهمام مبنى على رواية فليصوموا فلا معارضة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي قال ميرك كلهم من طريق صلة بن زفر عن عمار وقال الترمذي حسن صحيح ورواه البخاري تعليقا بصيغة الجزم ورواه الحاكم وقال على شرط الشيخين كذا في التصحيح ورواه الخطيب والطبراني عن ابن عباس موقوفا قال ابن حجر وصححه الأئمة وقول الصغاني أنه موضوع ليس في محله ثم هذه العبارة من الصحابي لا تقال من قبل الرأي قال ابن الهمام وإنما يحصل العلم الموجب بأخبار رجلين أو رجل وامرأتين أو واحد عدل وعندهما لا يشترط العدالة ولا البلوغ ولا الحرية ثم قال والمراد بالعدل في ظاهر الرواية من ثبتت عدالته وفي رواية الحسن تقبل شهادة المستور وبه أخذ


الحلواني فحاصل الخلاف المحقق في المذهب هو اشتراط ظهور العدالة أو الاكتفاء بالستر ثم قال وهذا الحديث قد يتمسك به لرواية النوادر في قبول المستور لكن الحق أن لا يتمسك به بالنسبة إلى هذا الزمان لأن ذكره الإسلام بحضرته عليه الصلاة والسلام حين سأله عن الشهادتين إن كان هذا أول إسلامه فلا شك في ثبوت عدالته لأن الكافر إذا أسلم أسلم عدلا إلى أن يظهر خلافه منه وإن كان إخبارا عن حالة السابق فكذلك لأن عدالته قد ثبتت بإسلامه فيجب الحكم ببقائها ما لم يظهر الخلاف ولم يكن الفسق غالبا على أهل الإسلام في زمانه عليه الصلاة والسلام فتعارض الغلبة ذلك الأصل فيجب التوقف إلى ظهورها وقال ابن الهمام وإنما ثبت موقوفا على عمار وذكره البخاري تعليقا عنه فقال وقال صلة عن عمار من صام يوم الشك الخ وأصل الحديث ما رواه أصحاب السنن الأربعة في كتبهم وصححه الترمذي عن صلة بن زفر قال كنا


عند عمار في اليوم الذي يشك فيه فأتى بشاة مصلية فتنحى بعض القوم فقال عمار من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم ثم قال وهو حديث موقوف لا يعارض حديث السرر كما سيأتي والأولى حمله على إرادة صومه عن رمضان وكأنه فهم من الرجل المتنحى قصد ذلك فلا تعارض حينئذ أصلا وعن ابن باس قال جاء إعرابي أي واحد من الأعراب وهم سكان البادية إلى النبي فقال إني رأيت الهلال يعني وكان غيما وفيه دليل على أن الإخبار كاف ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة ولا إلى الدعوى يعني هلال رمضان أي قال الحسن في حديثه يعني رمضان ذكره ابن الهمام فبهذا ظهر ضعف قول ابن الظاهر أن القائل ابن عباس فقال أتشهد أن لا إله إلا الله قال نعم قال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال ابن الملك دل على أن الإسلام شرط في الشهادة اه وفي الفصل بين الشهادتين إشارة إلى تفضيل المقدمة الأولى من القضيتين قال يا بلال أذن في الناس أي ناد في محضرهم وأعلمهم أن يصوموا أي بأن يصوموا غدا وفي رواية ابن الهمام فليصوموا وفي عدم تقييده برمضان إشعار إلى مذهبنا من أنه يصح أداؤه بنية مطلق الصوم واستدل صاحب الهداية بقيد الغد على جواز النية في النهار وقال ابن الهمام محتمل لكونه شهد في النهار أو الليل فلا يحتج به اه ولا يخفى أن استدلال صاحب الهداية برواية أن يصوموا غدا واحتمال ابن الهمام مبنى على رواية فليصوموا فلا معارضة قال المظهر دل الحديث على أن من لم يعرف منه فسق تقبل شهادته وعلى أن شهادة الواحدة مقبولة في هلال رمضان اه وأنت تعلم أن الصحابة كلهم عدول رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وصححه الحاكم وذكر البيهقي أنه جاء من طرق موصولا ومن طرق مرسلا وإن كانت طرق الاتصال صحيحة وعن ابن عمر قال تراءى الناس الهلال قال المظهر الترائي أن يرى بعض


القوم بعضا والمراد منه هنا لاجتماع للرؤية لقوله فأخبرت أي وحدي رسول الله إني رأيته أي الهلال فصام وأمر الناس بصيامه أي بصيام رمضان رواه أبو داود والدارمي قال ميرك نقلا عن التصحيح ورواه الحاكم وقال على شرط مسلم ورواه البيهقي اه وصححه ابن حبان وقال النووي إسناده على شرط مسلم واستفيد من هذا أن الحق ما ذهب إليه الشافعي من ثبوت رؤية هلال رمضان بواحد احتياطا وزعم جمع من متأخري أئمتنا أن الشافعي رجع عن القول بالواحد إلى موافقة أكثر العلماء إنه لا بد من اثنين كبقية الشهور وأصحابه أدرى بنصوصه من غيرهم ومن ثم أول بعض أكابرهم ما أوهم ذلك بأنه إنما رجع إلى الاثنين بالقياس لما لم يثبت عنده في المسألة سنة كما دل عليه كلامه في المختصر فلما صح أنه قبل شهادة الأعرابي وحده وشهادة ابن عمر وحده كان مذهبه قبول الواحد وكيف يظن به أنه يترك الحديث للقياس مع قوله إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي الحائط قال النووي ومحل الخلاف ما لم يحكم بشهادة الواحد حاكم يراه والأوجب الصوم ولم ينقض الحكم إجماعا
الفصل الثالث


عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله يتحفظ من شعبان أي يتكلف في عد أيام شعبان لمحافظة صوم رمضان ما لا يتحفظ من غيره لعدم تعلق أمر شرعي بغيره إلا شهر الحج وهو نادر لا يحتاج إليه كل أحد في كل سنة مع أن ضبطه قد يبتنى على ضبطه ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه أي شعبان عد ثلاثين يوما ثم صام رواه أبو داود وعن أبي البختري بفتح الموحدة والمثناة بينهما معجمة ساكنة ثقة ثبت فيه تشيع قليل كثير الإرسال كذا في التقريب فما كان من حديثه سماعا فمقبول وما كان عن كذا فهو ضعيف ذكره في المقدمة وفي بعض النسخ بضم المثناة قال الطيبي اسمه أسعد بن فيروز الكوفي قال خرجنا أي من بلدنا للعمرة أي لأجلها وقصدها وتحصيلها فلما نزلنا ببطن نخلة قرية مشهورة شرقي مكة تسمى الآن بالمضيق قاله ابن حجر تراءينا الهلال أي اجتمعنا


لرؤية الهلال لكمال ظهوره أو أرى بعضنا بعضا لخفاء نظره أو عدم علمه بمسقط قمره قال ابن الهمام الإشارة إلى الهلال تكره لأنه فعل أهل الجاهلية فيه أنه يحتاج إلى الإشارة عند إلاراءة فتحمل الكراهة على وقت عدم الضرورة فقال بعض القوم هو ابن ثلاث أي صاحب ثلاث ليال لعلو درجته وقال بعض القوم هو ابن ليلتين فلقينا أي نحن ابن عباس بالنصب وفي نسخة بالرفع وفتح الياء في لقينا والمعنى هو لقينا والأول أصح لفظا ومعنى فإن فيه رعاية الأدب فقلنا أي له إنا أي معشر القوم رأينا الهلال أي مرتفعا جدا فقال بعض القوم هو ابن ثلاث وقال بعض القوم هو ابن ليلتين فقال أي ابن عباس أي ليلة بالرفع وفي نسخة صحيحة بالنصب وهو أفصح من أية ليلة رأيتموه أي الهلال فيها قلنا ليلة كذا أي رأيناه ليلة كذا وهو الاثنين مثلا وكذا وهو ليلة الثلاثاء فقال إن رسول الله مدة للرؤية أي جعل مدة رمضان زمان رؤية الهلال ذكره الطيبي وأما قول ابن حجر أي لوقتها فغير ظاهر لأنه إن أراد أن اللام للتوقيت فلا وجه للجمع بينهما وإن أراد أن اللام بمعنى بعد فلا وجه لذكر الوقت فإن المعنى يتم بدونه فهو أي رمضان لليلة رأيتموه قال ابن بمعنى بإضافة فقليلة إلى الجملة وفي النسخ المصححة بالتنوين ويدل عليه ما سبق من قوله أي ليلة رأيتموه غايته أنه يقدر فيها فيهما والمعنى رمضان حاصل لأجل رؤية الهلال في تلك الليلة ولا عبرة بكبره بل ورد أن انتفاخ الأهلة من علامات الساعة وأما قول ابن حجر فهو حاصل وقت ليلة الرؤية فغير صحيح لإضافته الوقت إلى الليلة وهي الوقت أيضا وفي رواية عنه أي عن أبي البختري قال أهللنا رمضان في النهاية أهل المحرم بالحج إذا لبى ورفع صوته ومنه إهلال الهلال واستهلاله إذا رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته اه فمعناه رأينا هلال رمضان وقال ابن أي تراءيناه كما في الرواية الأولى ونحن بذات عرق بكسر العين وسكون الراء قال ابن حجر فوق بطن نخلة بنحو يوم إذ هي على


مرحلتين من مكة وبطن نخلة على مرحلة ذكره ابن حجر فأرسلنا رجلا إلى ابن عباس يسأله فقال أي فسأله عما وقع بيننا مما سبق فقال ابن عباس قال رسول الله إن الله قد أمده لرؤيته قال القاضي عياض معناه أطال مدته إلى الرؤية أي أطال مدة شعبان إلى زمان رؤية هلال رمضان وأما قول ابن حجر وأوضح منه أن يقال
معناه إن الله جعل ابتداء مدته حاصلا بعد رؤيته فغير واضح بل فاسد لأن الضمير في أمده راجع إلى شعبان وفي لرؤيته إلى رمضان وعلى تقدير أن يكون الضميران لرمضان كما وهم لا معنى لأمد رمضان لرؤية رمضان ولا دلالة على الابتداء في الحديث أصلا ولو قلنا أن اللام بمعنى بعد فالمعنى أطال مدة رمضان بعد رؤية هلاله لصح المعنى في الجملة لكن لا يصلح جوابا لابن عباس عن سؤالهم إياه فتدبر فإن أغمى عليكم يقال أغمى عليه الخبر أي استعجم مثل غم أي فإن أخفى عليكم بنحو غيم فأكملوا العدة أي عدد شعبان ثلاثين يوما رواه مسلم قال ابن حجر ولا ينافي هذه الرواية ما قبلها لاحتمال أنهم تراءوه بذات عرق وتنازعوا فيه فأرسلوا يسألونه فأجابهم بذلك فلما وصلوا بطن نخلة رأوه فسألوه شفاها فأجابهم بما يطابق الجواب وحاصلهما أنه لا بد في الحكم بدخول رمضان ليلة ثلاثي شعبان من رؤية هلاله واستفيد من قوله لليلة رأيتموه أن لا عبرة برؤية الهلال قبل الغروب وإنه لو رؤى ليلة ثلاثي شعبان أو رمضان نهارا قبل الزوال أو بعده لم يحكم لليلة الماضية ولا المستقبلة فلا يفطره من رمضان ولا يمسكه من شعبان بل أن رؤى بعد الغروب حكم به للمستقبلة وإلا فلا للخبر السابق صوموا لرؤيته ولما صح أن عمر رضي الله عنه أرسل إلى جند له بالعراق أن هذه الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان إنهما رأياه بالأمس وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن ناسا رأوا هلال الفطر نهارا فأتم صيامه إلى الليل وقال لا حتى يرى من حيث يرى بالليل وفي رواية لا يصلح أن


نفطر حتى تروه ليلا من حيث يرى قال البيهقي وروينا في ذلك عن عثمان وابن مسعود قال غيره وعن علي وأنس ولا مخالف لهم وروى مالك بلاغا أن الهلال رؤى زمن عثمان بعشى فلم يفطر حتى أمسى وقال جمع من السلف أن رؤى قبل الزوال فللماضية أو بعده فللمستقبلة ولم يقل أحد أنه لو رؤى يوم التاسع والعشرين يكون لماضية لاستحالة كون الشهر ثمانية وعشرين اه وبه يتأيد المعتمد من مذهبنا أن صوم يوم الشك حرام ويندفع اعتماد ما نقل عن نص الشافعي وجمهور أصحابه أن صومه مكروه لا حرام اه وفي اندفاع الاعتماد يحتاج إلى أمر يصح فيه الاستناد ثم قال وإنما لم يسن صومه إذا أطبق الغيم لقول أحمد بوجوبه لأن الخلاف إذا خالف سنة صحيحة لا يراعى اه وفيه أن هذا مجازفة صريحة والحق مذهبنا المتوسط الأعدل فتأمل لئلا تقع في الوجل


باب في مسائل متفرقة
باب أي في مسائل متفرقة من كتاب الصوم
الفصل الأول
عن أنس قال قال رسول الله تسحروا أمر ندب كما أجمعوا عليه أي تناولوا شيئا ما وقت السحر لحديث تسحروا ولو بجرعة ماء وقد صححه ابن حبان وقيل إنه ضعيف لكنه يعمل به في فضائل الأعمال في القاموس السحر هو قبيل الصبح وفي الكشاف هو السدس الأخير من الليل وقيل وقته يدخل بنصف الليل فإن في السحور الرواية المحفوظة عند المحدثين فتح السين وهو ما يتسحر به من الطعام والشراب بركة لأن فيه أجرا عظيما بإقامة السنة ولكونه يستعين به الصائم على صومه لقيام ذلك الأكل مقام أكل يومه في النهاية أكثر ما يروى بالفتح وقيل الصواب بالضم لأنه المصدر والأجر في الفعل لا في الطعام اه ويمكن أن يقال الصواب بالفتح لأن الفعل إنما يثاب عليه لكونه موافقا لاستعمال السنة فإذا أثيب على أثره فبالأولى على نفسه فيفيد من المبالغة ما لا يخفى كما ورد في الحديث مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء مع أن تفسير البركة بالثواب غريب وسيأتي هلم إلى الغذاء المبارك في الحديث قال ابن الهمام قيل المراد بالبركة حصول التقوى به على صوم لغد بدليل ما روى عنه عليه الصلاة والسلام استعينوا بمقابلة النهار على قيام الليل وبأكل السحور على صيام النهار أو المراد زيادة الثواب لاستنانه بسنن المرسلين قال عليه الصلاة والسلام فرق ما بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكلة السحر ولا منافاة فليكن المراد بالبركة كلا من الأمرين والسحور ما يؤكل في السحر وهو السدس الأخير من الليل وقوله في النهاية هو على حذف مضاف تقديره في أكل السحور بركة بناء على ضبطه بضم السين جمع سحر فأما على فتحها وهو الأعرف في الرواية فهو اسم للمأكول في السحر اه وفيه أن السحور جمع سحر غير معروف والظاهر أن تقدير المضاف على رواية فتح السين إشارة إلى أن البركة في أكل السحور


لا في نفس السحور كما قيل ويدل على ما قلنا قوله عليه الصلاة والسلام وبأكل السحور في نفس الحديث المتقدم في كلامه والله أعلم متفق عليه وعن عمرو بن العاص قال قال رسول الله فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب ما زائدة أضيف إليها الفصل بمعنى الفرق قال التوربشتي هو بالصاد المهملة والمعجمة تصحيف أكلة السحر بفتح الهمزة المرة قاله ميرك وقال زين العرب الأكلة بالضم اللقمة وهو كذا في نسخة وقال التوربشتي والمعنى أن السحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب لأن الله تعالى أباحه لنا إلى الصبح بعد ما كان حراما علينا أيضا في بدء الإسلام وحرمه عليهم بعد أن يناموا أو مطلقا ومخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر لتلك النعمة فقول ابن الهمام إنه من سنن المرسلين غير صحيح رواه مسلم وعن سهل قال قال رسول الله لا يزال الناس بخير أي موصوفين بخير كثير أو المراد بالخير ضد الشر والفساد ما عجلوا الفطر أي ما داموا على هذه السنة ويسن تقديمه على الصلاة للخبر الصحيح به قال التوربشتي فإن في التعجيل مخالفة أهل الكتاب فإنهم يؤخرونه إلى اشتباك النجوم أي اختلاطها ثم صار عادة لأهل البدعة في ملتنا اه قال بعض علماؤنا ولو أخر لتأديب النفس ومواصلة العشائين بالنفل غيرمعتقد وجوب التأخير لم يضره ذلك قول بل يضره حيث يفوته السنة وتعجيل الإفطار بشربة ماء لا ينافي التأديب والمواصلة مع أن في التعجيل إظهار العجز المناسب للعبودية ومبادرة إلى قبول الرخصة من الحضرة الربوبية ثم رأيت التوربشتي قال وهذه الخصلة التي لم يرضها رسول الله وأقول يشابه هذا التأخير تقديم صوم يوم أو يومين على صوم رمضان وفيه أن متابعة الرسول هي الطريق المستقيم من تعوج عنها فقد ارتكب المعوج من الضلال ولو في العبادة اه ويؤيده ما صح أن الصحابة


كانوا أعجل الناس إفطارا وأبطأهم سحورا متفق عليه وزاد أحمد وأخروا السحور وعن عمر قال قال رسول الله إذا أقبل الليل أي ظلامه من ههنا أي جانب الشرق وأدبر النهار أي ضياؤه من ههنا أي جانب الغرب وغربت بفتح الراء أي غابت الشمس أي كلها قال الطيبي وإنما قال وغربت الشمس مع الاستغناء عنه لبيان كمال الغروب كيلا يظن أنه يجوز الإفطار لغروب بعضها اه وقال بعض العلماء إنما ذكر هذين ليبين أن غروبها عن العيون لا يكفي لأنها قد تغيب ولا تكون غربت حقيقة فلا بد من إقبال الليل قال ابن حجر أي وقد يقبل الليل ولا تكون غربت حقيقة فلا بد من حقيقة الغروب اه وهو غريب غير صحيح بخلاف الأول فإنه مقصور ولذا اقتصر العلماء على ذكره لكن فيه إن القيد الثاني مستغنى عنه حينئذ وإنما كان يتم كلامهم لو كان غربت مقدما فيرجع الحكم إلى ما حققه الطيبي فقد أفطر الصائم أي صار مفطرا حكما وإن لم يفطر حسا كذا في النهاية وشرح السنة بدليل الاحتياج إلى نية الصوم للغد وإن لم يأكل ويشرب وقيل دخل في وقت الإفطار قال أبو عبيد فيه رد على المواصلين أي ليس للمواصل فضل على الآكل لأن الليل لا يقبل الصوم وقال الطيبي ويمكن أن يحمل الأخبار على الانشاء إظهارا للحرص على وقوع المأمور به متفق عليه قال ابن حجر إي إذا أقبل الليل فليفطر الصائم وذلك أن الخيرية منوطة بتعجيل الأفطار فكأنه قد وقع وحصل وهو يخبر عنه ونحوه قوله تعالى هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله الصف أي آمنوا وجاهدوا وما ذكر من أن الصوم ينقضي ويتم بتمام الغروب هو مما أجمعوا عليه وعن أبي هريرة قال نهى رسول الله عن الوصال في الصوم أي تتابع الصوم من غير إفطار بالليل والحكمة في النهي أنه يورث الضعف والسآمة والقصور عن أداء غيره من الطاعات فقيل النهي للتحريم وقيل للتنزيه قال القاضي والظاهر الأول اه ويؤيد


الثاني ما روته عائشة رضي الله عنها أنه نهاهم عن الوصال رحمة لهم الحديث كما في رياض الصالحين وقيل هو صوم السنة من غير أن يفطر الأيام المنهية ويرده ما ورد عليه السؤال فقال له رجل إنك تواصل يا رسول الله قال وأيكم مثلي بكسر الميم إني إإستئناف مبين لنفي المساواة بعد نفيها بالاستفهام الإنكاري أبيت يطعمني ربي قال الطيبي أما خبر وأما حال إن كان تامة ويسقيني بفتح الياء ويضم قال القاضي أراد بقوله وأيكم مثلي الفرق بينه وبين غيره لأنه تعالى يفيض عليه ما يسد مسد طعامه وشرابه من حيث أنه يشغله عن الإحساس بالجوع والعطش ويقويه على الطاعة ويحرسه عن الخلل المفضي إلى ضعف القوي وكلال الأعضاء قال الطيبي هذا أحد قولي الخطابي والقول الآخر ذكر في شرح السنة وهو أن يحمل على الظاهر بأن يرزقه الله تعالى طعاما وشرابا ليالي صيامه فيكون ذلك كرامة له والقول الأول أرجح لأن الاستفهام في قوله أيكم مثلي يفيد التوبيخ المؤذن بالبعد البعيد وكذلك لفظة مثلي لأن معناه من هو على صفتي ومنزلتي وقربي من الله تعالى ومن ثمة اتبعه بقوله أبيت اه وهو ظاهر وحاصله أن الحمل على أنه يأتيه طعام وشراب من عنده تعالى كرامة له عليه الصلاة والسلام يدفعه قوله رأيكم مثلي كما أنه يضعفه أيضا قولهم إنك تواصل فإن الوصال مع تناول الطعام والشراب من المحال متفق عليه
الفصل الثاني
عن حفصة أم المؤمنين قالت قال رسول الله من لم يجمع بالتخفيف ويشدد قيل الإجماع والإزمع والعزم بمعنى وهو أحكام النية وقيل هو العزم التام وحقيقته جمع رأيه عليه أي من لم ينو الصيام وقال الطيبي يقال أجمع الأمر وعلى الأمر وأزمع عليه وأزمعه أيضا إذا صمم عزمه ومنه قوله تعالى وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم يوسف أي أحكموه بالعزيمة والمعنى من لم يصمم لعزم على الصوم قبل الفجر فلا صيام له وظاهر الحديث أنه لا يصح الصوم بلا نية قبل الفجر فرضا كان أو نفلا وإليه ذهب ابن عمر


وجابر بن زيد ومالك والمزني وداود وذهب الباقون إلى جواز النفل بنية من النهار وخصصوا هذا الحديث بما روى عن عائشة أنها قالت كان النبي يأتيني فيقول أعندك غداء فأقول لا فيقول إني صائم وفي رواية إني اذن لصائم وأذن للاستقبال وهو جواب وجزاء اه والغداء بفتح المعجمة وبالدال المهملة اسم لما يؤكل قبل الزوال ومن ثمة لم تجز النية بعد الزوال ولا معه والصحيح أن توجد النية في أكثر النهار الشرعي فيكون قبل الصحوة الكبرى قال ابن حجر وفي قول الشافعي وغيره أن نية صوم النفل تصح قبل الغروب لما صح عن فعل حذيفة واتفقوا على اشتراط التبييت في فرض لم يتعلق بزمان معين كالقضاء والكفارة والنذر المطلق واختلفوا فيما له زمان معين كرمضان والنذر المعين فكذا عند الشافعي وأحمد وعند أبي حنيفة رحمه الله يجوز بنية قبل نصف النهار الشرعي قال الطيبي إلا أن مالكا وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين عنه قالوا لو نوى أول ليلة من رمضان صيام جميع الشهر أجزأه لأن الكل كصوم يوم وهو قياس على الزكاة لا يقابل النص رواه الترمذي وأبو داود والنسائي والدارمي وقال الترمذي وقد روى عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح وقال النسائي الصواب أنه موقوف ولم يصح رفعه قال أبو داود ورواه الليث وإسحاق بن حازم ويحى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم مرفوعا قال الدارقطني رفعه عبد الله بن أبي بكر بن حزم وهو من الثقات الإثبات وروى الخطابي قال وزيادات الثقات مقبولة وقال البيهقي عبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه وهو من الثقات الاثبات وروى الدارقطني عن عائشة عن النبي من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له وقال رواته كلهم ثقات كذا قاله الشيخ الجزري وقال الشيخ ابن حجر اختلف في رفع الحديث ووقفه ورجح الترمذي والنسائي وقفه بعد أن اطنب النسائي في تخريج طرقه وحكى الترمذي في العلل عن البخاري وقفه وعمل بظاهر الاسناد جماعة فصححا رفعه منهم ابن خزيمة وابن حبان


والحاكم وابن حزم كذا ذكره ميرك وقال أبو داود وقفه على حفصة معمر بسكون العين بين فتحتي الميمين والزبيدي بالتصغير قال الطيبي هو محمد بن الوليد صاحب الزهري وابن عيينة ويونس أي ابن يزيد الأيلي بفتح الهمزة وسكون الياء تحتها نقطتان وباللام قال الطيبي نسبة إلى بلدة بالشام ذكره في الجامع كلهم عن الزهري قال النووي الحديث صحيح قال ورواه أصحاب السنن وغيرهم بأسانيد كثيرة رفعا ووقفا وصحة وضعفا لكن كثير منها صحيح معتمد عليه لأن معها زيادة علم برفعة فوجب قبوله وقد قال الدارقطني في بعض طرقه الموصولة رجال إسناده كلهم أجلة ثقات قال ابن حجر وإذا ثبت صحة الحديث واستحضرت القاعدة المقررة أن النفي إذا أطلق إنما ينصرف لنفي الحقيقة دون نفي كمالها علم منه وجوب النية ورد قول عطاء ومجاهد وزفر لا تجب


لرمضان نية لتعينه وعدم انعقاد غيره فيه قال ابن الهمام روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة واختلفوا في لفظه لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل يجمع بالتشديد والتخفيف يبيت ولا صيام لمن لم يفرضه من الليل رواية ابن ماجه واختلفوا في رفعه ووقفه والأكثر على وقفه ولنا ما في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع أنه عليه الصلاة والسلام أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء يصومه قريش في الجاهلية وكان عليه الصلاة والسلام يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان قال عليه الصلاة والسلام من شاء صامه ومن شاء تركه قال الطحاوي فيه دليل على أنه كان أمر إيجاب قبل نسخة برمضان إذ لا يؤمر بإمساك من أكل بقية اليوم إلا في يوم مفروض الصوم بعينه ابتداء بخلاف قضاء رمضان إذا أفطر فيه فعلم أن من تعين عليه صوم يوم ولم ينوه ليلا أنه تجزئة نيته نهارا قال ثم يجب تقديم ما رويناه على مرويه لقوة ما في الصحيحين بالنسبة إلى ما رواه بعد ما نقلنا فيه من الاختلاف في صحة رفعه فيلزم إذ قدم كون المراد به نفي الكمال كما في أمثاله من نحو لا وضوء لمن لم يسم وغيره كثير اه ملخصا وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا سمع النداء أي أذان الصبح أحدكم والإناء أي الذي يأكل منه أو يشرب منه في يده جملة حالية فلا يضعه أي الإناء حتى يقضي حاجته منه أي بالأكل والشرب وهذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع وقال ابن الملك هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح أما إذا علم أنه قد طلع أوشك فيه فلا وقال الخطابي هذا مبنى على قوله عليه الصلاة والسلام أن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم وفيه أنه لا يظهر حينئذ فائدة القيد قال أو يكون معناه أن يسمع النداء وهو شاك في الصبح لتغيم الهواء مثلا فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع لعلمه أن دلائل الفجر معدومة ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له


أيضا فأما إذا علم طلوعه فلا حاجة إلى أذان الصارخ فإنه مأمور بالإمساك إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود وقال الطيبي يشعر دليل الخطاب بأنه لم يفطر إذا لم يكن الاناء في يده وقد سبق أن تعجيل الإفطار مسنون لكن هذا من مفهوم اللقب فلا يعمل به وتعقبه ابن حجر بان الصواب أنه ليس من مفهوم اللقب والتقييد بالجملة الحالية له مفهوم إتفاقا اه يعني عند الشافعية وإلا فعند الحنفية لا اعتبار بالمفهوم إلا في المسألة لا في الأدلة وقال ابن حجر تبعا للطيبي إيماء ويصح أن يراد من الحديث طلب تعجيل الفطر أي إذا سمع أحدكم نداء المغرب وصادف ذلك أن الإناء في يده


لحالة أخرى فليبادر بالفطر منه ولا يؤخر إلى وضعه وبهذا يندفع قول الشارح ووجه اندفاعه أن قوله والإناء في يده ليس للتقييد بل للمبالغة في السرعة اه وهو في غاية من البعد مع أن قوله لحاجة أخرى يرده صريح الحديث حتى يقضي حاجته منه فالصواب أنه قيد احترازي في وقت الصبح مشعر بأن بالإمكان سرعة أكله وشربه لتقارب وقته واستدراك حاجته واستشراف نفسه وقوة نهمته وتوجه شهوته بجميع همته مما يكاد يخاف عليه إنه لو منع منه لما امتنع فأجازه الشارع رحمة عليه وتدريجا له بالسلوك والسير إليه ولعل هذا كان في أول الأمر ويشير إليه ما وقع من الخلاف في الصبح المراد في الصوم فقد ذكر الشمني أن المعتبر أول طلوع الصبح عند جمهور العلماء وقبل استنارته وهو مروى عن عثمان وحذيفة وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش قال مسروق لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت قال شمس الأئمة الحلواني الأول أحوط والثاني أرفق اه ولعل هذا الحديث مبني على الرفق والله تعالى أعلم ويؤيده لفظ التبين في الآية قال ابن حجر وأما ما نقل عن جمهور الصحابة أن المراد بالفجر في الآية الإسفار فهو مما كاد الإجماع أن ينعقد على خلافه وأغرب منه ما نقل عن الأعمش وإسحاق أنه يحل تعاطي المفطر إلى طلوع الشمس قال النووي وما أظن أن ما نقل عن هذين الإمامين يصح عنهما اه ولا يخفى أنه مخالف للنص وهو قوله تعالى حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر البقرة فالقائل بطلوع الشمس يكفر رواه أبو داود قال ميرك وسكت عليه هو والمنذري وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله قال الله تعالى أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا أي أكثرهم تعجيلا في الإفطار لما قدمناه وقال الطيبي ولعل السبب في هذه المحبة المتابعة للسنة والمباعدة عن البدعة والمخالفة لأهل الكتاب اه وفيه إيماء إلى أفضلية هذه الأمة لأن متابعة


الحديث توجب محبة الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران وإليه الإشارة بالحديث الآتي لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون وسببه والله تعالى أعلم أن هذه الملة الحنيفية سمحاء سهلة ليس فيها حرج ليسهل قيامهم بها والمداومة عليها ولذا قيل عليكم بدين العجائز بخلاف أهل الكتاب فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فغلبوا ولم يقدروا أن يقيموا الدين وقال ابن الملك ولأنه إذا أفطر قبل الصلاة يؤديها عن حضور قلب وطمأنينة نفس ومن كان بهذه الصفة فهو أحب إلى الله ممن لم يكن كذلك اه ولذا قيل الطعام


الممتزج بالصلاة خير من الصلاة المختلطة بالطعام رواه الترمذي وقال حديث حسن ورواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما نقله ميرك وعن سلمان بن عامر قال قال رسول الله إذا أفطر أحدكم فليفطر الأمر للندب على تمر أي على تمرة إكتفاء بأصل السنة وإلا فأدنى كمالها ثلاث كما سيأتي مع أن التمر اسم جنس فإنه أي التمر بركة أي ذو بركة وخير كثير أو أريد به المبالغة ولعل الحكمة فيه أن الحلاء يسرع القوة إلى القوى وفيه إيماء إلى حلاوة الإيمان وإشارة إلى زوال مرارة لعصيان قال الطيبي أي فإن الإفطار على التمر فيه ثواب كثير وبركة وفيه أنه يرد عليه عدم حسن المقابلة بقوله فإنه طهور وقال ابن الملك الأولى أن تحال علته إلى الشارع وأما ما يجري في الخاطر وهو أن التمر حلو وقوت والنفس قد تعبت بمرارة الجوع فأمر الشارع بإزالة هذا التعب بشيء هو قوت وحلو وقال ابن حجر ومن خواص التمر أنه إذا وصل إلى المعدة إن وجدها خالية حصل به الغذاء وإلا أخرج ما هناك من بقايا الطعام وقول الأطباء أنه يضعف البصر محمول على كثيره المضر دون قليله فإنه يقويه فإن لم يجد أي التمر ونحوه من الحلويات فليفطر على ماء فإنه أي الماء طهور أي بالغ في الطهارة فيبتدأ به تفاؤلا بطهارة الظاهر والباطن قال الطيبي أي لأنه مزيل المانع من أداء العبدة ولذا من الله تعالى على عباده وأنزلنا من السماء ماء طهورا الفرقان وقال ابن الملك يزيل العطش عن النفس اه ويؤيد قوله عليه الصلاة والسلام عند الإفطار ذهب الظمأ كما سيأتي رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي ولم يذكر أي أحد قوله فإنه بركة غير الترمذي وفي نسخة لم يذكروا بصيغة الجمع فغير منصوب على الاستثناء وفي رواية أخرى أي لهم أوله وهذا غير موجود في أكثر النسخ قال ابن حجر ونحوه خبر الترمذي وصححوه إذا كان أحدكم صائما فليفطر على التمر فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإنه طهور وهذا الترتيب لكمال السنة لأصلها


اه وفيه بحث لا يخفى لأنه إن كان التمر موجودا وبدأ بالماء
أو اقتصر عليه فلا شك في مخالفة السنة وإن لم يكن موجودا فأتى بالسنة فالترتيب معتبر كما في أمثاله من الآيات القرآنية والأحكام الحديثية ويؤكده الحديث الآتي وهو قوله وعن أنس قال كان النبي يفطر أي في صيامه قبل أن يصلى أي المغرب وفيه إشارة إلى كمال المبالغة في استحباب تعجيل الفطر وأما ما صح أن عمر وعثمان رضي الله عنهما كانا برمضان يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود ثم يفطران بعد الصلاة فهو لبيان جواز التأخير لئلا يظن وجوب التعجيل ويمكن أن يكون وجهه أنه عليه الصلاة والسلام كان يفطر في بيته ثم يخرج إلى صلاة المغرب وإنهما كانا في المسجد ولم يكن عندهما تمر ولا ماء أو كانا غير معتكفين ورأيا الأكل والشرب لغير المعتكف مكروهين لكن إطلاق الأحاديث ظاهر في استثناء حال الإفطار والله أعلم على رطبات فإن لم يكن رطبات بالرفع أي موجودة أو أن لم تحصل فتميرات بالجر أي فليفطر عليها وفي نسخة بالرفع أي فتميرات عوضها فإن لم يكن تميرات حسا أي شرب حسوات بفتحتين أي ثلاث مرات من ماء في النهاية الحسوة بالضم الجرعة من الشراب بقدر ما يحسى مرة واحدة وبالفتح المرة اه والظاهر منه ترجيح الضم فلا أقل من جوازه وفي القاموس حسا زيد الماء شربه شيئا بعد شيء والحسوة بالضم الشيء القليل منه المرة من الحسو والفتح أفصح وقيل تقديم التمر في الشتاء والماء في الصيف لرواية به به وقيل الحكمة في ذلك أن لا يدخل جوفه أولا شيء مما مسته النار وقضيته تقديم الزبيب على الماء قيل بل الحلو كله قال ابن حجر وكله ضعيف أقول إن لم يكن التمر موجودا فقياس صحيح بل ورد أيضا في حديث كما سبق وإلا فمعارضته بالنص صريح وقول من قال السنة بمكة تقديم زمزم على التمر أو خلطه به مردود بأنه خلاف الأتباع وبأنه صام عام الفتح أياما كثيرة بمكة ولم ينقل عنه أنه خالف عادته التي هي تقديم التمر على الماء


ولو كان لنقل رواه الترمذي وأبو داود وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الدارقطني قال ميرك ورواه أبو يعلى ولفظه كان رسول الله يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار وعن أنس قال قال رسول الله من وجد تمرا فليفطر عليه ومن لا فليفطر على الماء فإنه له طور رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما
وعن زيد بن خالد قال قال رسول الله من فطر صائما قال ابن الملك التفطير جعل أحد مفطرا أي من أطعم صائما اه أي عند افطاره أو جهز غازيا أي هيأ أسبابه من الفرس والسلاح والنفعة فله مثل أجره أي الصائم أو الغازي وأو للتنويع وهذا الثواب لأنه من باب التعاون على التقوى والدلالة على الخير قال الطيبي نظم الصائم في سلك الغازي لانخراطهما في معنى المجاهدة مع اعداء الله وقدم الجهاد الأكبر رواه البيهقي في شعب الإيمان ومحيي السنة أي صاحب المصابيح في شرح السنة وقال صحيح قال الجزري ورواه النسائي بلفظه جملة والترمذي وابن ماجه مقطعا وقال الترمذي في كل منهما حسن صحيح وقال ميرك وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما من حديث زيد بن خالد الجهني عن النبي قال من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء قال الترمذي حديث حسن صحيح ولفظ ابن خزيمة والنسائي من جهز غازيا أو جهز حاجا أو خلفه في أهله أو فطر صائما كان له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء وكأن المصنف لم يقف على هذين الطريقين فعزا الحديث إلى البيهقي وشرح السنة والعزو إلى أصحاب السنن أولى وأصوب والله أعلم فيه أنه إنما نسب إليهما لأن لفظهما مغاير للفظ الطريقين فإن الأول مختصر والثاني مطول مع قطع النظر عن مخالفة بقية الألفاظ وعن ابن عمر قال كان النبي إذا أفطر أي بعد الإفطار قال ذهب الظمأ بفتحتين قال النووي في الأذكار الظمأ مهموز الآخر مقصور وهو العطش وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرا لأني رأيت من


اشتبه عليه فتوهمه ممدودا اه وفيه أنه قرىء لا يصيبهم ظمأ بالمد والقصر وفي القاموس ظمى كفرح ظمأ وظماء وظماءة عطش أو أشد العطش ولعل كلام النووي محمول على أنه خلاف الرواية لا أنه غير موجود في اللغة وابتلت العروق أي بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش وأما قول ابن حجر هو مؤكد لما قبله فاسترواح لأن منها نعمة مستقلة نعم لو عكس العطف لكان تأكيدا كما هو ظاهر في الجملة وثبت الأجر أي زال التعب وحصل الثواب وهذا حث على العبادات فإن التعب يسر لذهابه وزواله والأجر كثير


لثباته وبقائه قال الطيبي ذكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ أي استلذاذ ونظيره قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن أن ربنا لغفور شكور فاطر إن شاء الله متعلق بالأخير على سبيل التبرك ويصح التعليق لعدم وجوب الأجر عليه تعالى ردا على المعتزلة ولئلا يجزم كل أحد فإن ثبوت أجر الأفراد تحت المشيئة ويمكن أن يكون أن بمعنى إذ فتتعلق بجميع ما سبق رواه أبو داود ورواه النسائي والحاكم على ما في الحصن عن معاذ بن زهرة تابعي يروى عنه حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي ذكره الطيبي قال إن النبي كان إذا أفطر قال أي دعا وقال ابن الملك أي قرأ بعد الإفطار ومنه اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت قال الطيبي قدم الجار والمجرور في القرينتين على العامل دلالة على الاختصاص إظهارا للاختصاص في الافتتاح وإبداء لشكر الصنيع المختص به في الاختتام رواه أبو داود مرسلا قال في التقريب معاذ بن زهرة ويقال أبو زهرة مقبول من الثالثة فأرسل حديثا فوهم من ذكره في الصحابة قال ميرك عبارة أبي داود هكذا عن معاذ بن زهرة بلغه أن النبي قرأه لا يقال لمثله أنه كان إذا أفطر إلى آخره ومعاذ بن زهرة بن حبان في الثقات وانفرد بإخراج حديثه هذا أبو داود وليس له سوى هذا الحديث اه قال ابن حجر وهو مع إرساله حجة في مثل ذلك على أن الدارقطني والطبراني روياه بسند متصل لكنه ضعيف وهو حجة أيضا وروى ابن ماجه أن للصائم عند فطره دعوة لا ترد وورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول يا واسع الفضل اغفر لي وأنه كان يقول الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت اه وأما ما اشتهر على الألسنة اللهم لك صمت وبك آمنت وعلى رزقك أفطرت فزيادة وبك آمنت لا أصل لها وإن كان معناها صحيحا وكذا زيادة وعليك توكلت ولصوم غد نويت بل النية باللسان من البدعة الحسنة
الفصل الثالث
عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يزال الدين ظاهرا أي غالبا وعاليا


أو واضحا ولائحا ما عجل الناس الفطر أي مدة تعجيلهم الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون أي الفطر إلى اشتباك النجوم وتبعهم الأرفاض في زماننا قال الطيبي في هذا التعليل دليل على أن قوام الدين الحنيفي على مخالفة الأعداء من أهل الكتاب وإن في موافقتهم تلفا للدين قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم المائدة رواه أبو داود وابن ماجه وعن أبي عطية قال دخلنا أنا ومسروق كلاهما تابعي على عائشة فقلنا يا أم المؤمنين رجلان مبتدأ من أصحاب محمد صفة وهي مسوغة لكون المبتدأ نكرة والخبر جملة قوله أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة أي يختار تأخيرهما والظاهران الترتيب الذكرى يفيد الترتيب الفعلي في العملين وإلا قالوا ولا تمنع تقديم الإفطار على الصلاة على تقدير تأخيرهما أيضا قالت أيهما يعجل الافطار ويعجل الصلاة قلنا عبد الله بن مسعود قالت هكذا صنع رسول الله والآخر أبو موسى قال الطيبي الأول عمل بالعزيمة والسنة والثاني بالرخصة اه وهذا إنما يصح لو كان الاختلاف في الفعل فقط أما إذا كان الخلاف قوليا فيحمل على أن ابن مسعود اختار المبالغة في التعجيل وأبو موسى اختار عدم المبالغة فيه وإلا فالرخصة متفق عليها عند الكل والأحسن أن يحمل عمل ابن مسعود على السنة وعمل أبي موسى على بيان الجواز كا سبق من عمل عمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين وأما قول ابن حجر وكان عذر أبي موسى أنه لم يبلغه فعل النبي فعذر بارد والله أعلم وعن العرباض بكسر العين ابن سارية قال دعاني رسول الله إلى


السحور بفتح السين ويجوز ضمها في رمضان فقال عطف أو تفسير وبيان هلم أي تعال في النهاية فيه لغتان فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجمع والاثنين بلفظ واحد مبنى على الفتح وبنو تميم يثنى ويجمع ويؤنث اه وجاء التنزيل بلغة الحجاز قل هلم شهداءكم الأنعام أي أحضروهم إلى الغداء المبارك والغداء مأكول الصباح وأطلق عليه لأنه يقوم مقامه وصحفه بعضهم وضبطه بالمعجمة وكسر أوله رواه أبو داود والنسائي قال ميرك ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما وعن أبي هريرة قال قال رسول الله نعم سحور المؤمن بفتح السين لا غير التمر قال الطيبي وإنما مدح التمر في هذا الوقت لأن في نفس السحور بركة وتخصيصه بالتمر بركة على بركة إذا فطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة ليكون المبدوء به والمنتهى إليه البركة رواه أبو داود وصححه ابن حبان


باب تنزيه الصوم
أي في بيان ما يدل على ما يجب تبعيد الصوم عما يبطله من الصوم أو يبطل ثوابه أو ينقصه
الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله من لم يدع أي لم يترك قول الزور أي الباطل وهو ما فيه إثم والإضافة بيانية وقال الطيبي الزور الكذب والبهتان أي من لم يترك القول الباطل من قول الكفر وشهادة الزور والافتراء والغيبة والبهتان والقذف والسب والشتم واللعن أمثالها مما يجب على الإنسان إجتنابها ويحرم عليه ارتكابها والعمل بالنصب به أي بالزور يعني الفواحش من الأعمال لأنها في الإثم كالزور قال الطيبي هو العمل بمقتضاه من الفواحش وما نهى الله عنه فليس لله حاجة أي إلتفات ومبالاة وهو مجاز عن عدم القبول بنفي السبب وإرادة نفي المسبب في أن يدع أي يترك طعامه وشرابه فإنهما مباحان في الجملة فإذا تركهما وارتكب أمرا حراما من أصله استحق المقت وعدم قبول طاعته في الوقت فإن المطلوب منه ترك المعاصي مطلقا لا تركا دون ترك وكان هذا مأخذ من قال إن التوبة عن بعض المعاصي غير صحيحة والصحيحة صحتها كما هو مقرر في محلها بناء على الفرق بين الصحة والقبول فإنه لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة بخلاف العكس قال القاضي المقصود من الصوم كسر الشهوة وتطويع الامارة فإذا لم يحصل منه ذلك لم يبال بصومه ولم ينظر إليه نظر عناية فعدم الحاجة عبارة عن عدم الالتفات والقبول وكيف يلتفت إليه والحال أنه ترك ما يباح من غير زمان الصوم من الأكل والشرب وارتكب ما يحرم عليه في كل زمان قال الطيبي وفي الحديث دليل على أن الكذب والزور أصل الفواحش ومعدن المناهي بل قرين الشرك قال تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور الحج وقد علم أن الشرك والزور مضاد للإخلاص وللصوم بالاختصاص فيرتفع بما يضاده روا البخاري وفي معناه حديث الحاكم الذي صححه ليس الصيام من الأكل والشرب فقط إنما الصيام من اللغو والرفث ويؤخذ منه أن يتأكد اجتناب المعاصي على


الصائم كما قيل في الحج لكن لا يبطل ثوابه من أصله بل كماله فله ثواب الصوم وإثم المعصية وأما ما نقله البيهقي عن الشافعي واختاره بعض أصحابه من أنه يبطل بذلك ثوابه من أصله فيحتاج إلى دليل معين وتعليل مبين وأما قول ابن حجر يتأكد على الصائم أي من حيث الصوم فلا ينافي كونه واجبا عليه من جهة أخرى أن يكف لسانه وسائر جوارحه من المباحات وآكد من ذلك كف ما ذكر عن المعاصي باسرها فغير صحيح إذ الإجماع قائم على أن الكف عن المباحات غير واجب بل قوله يكره له شم الرياحين والنظر إليها ولمسها محتاج إلى نهي وارد مقصود كما هو مقرر وعن عائشة قالت كان رسول الله يقبل في شرح السنة رخص في قبلة الصائم عمر وأبو هريرة وعائشة وقال الشافعي لا بأس بها إذا لم تحرك الشهوة وقال ابن عباس يكره للشاب ويرخص للشيخ ويباشر أي بعض نسائه يلصق البشرة بالبشرة وقال ابن


الملك أي يلمس نساءه بيده وهو صائم أي حال كونه صائما زاد مسلم في رمضان قال الشمني وعندنا كره القبلة واللمس والمباشرة في ظاهر الرواية إن خاف على نفسه الجماع أو الإنزال وقال محمد تكره القبلة مطلقا لأنها لا تخلو عن الفتنة اه فلا ينبغي أن يقاس به عليه الصلاة والسلام في ذلك لقولها رضي الله عنها وكان أملككم من ملك إذا قدر على شيء أو صارحا كما عليه لأربه بفتح الهمزة والراء على المشهور هو الحاجة وتريد به الشهوة وقد يروى بكسر الهمزة وسكون الراء ويفسر تارة بأنه الحاجة وتارة بأنه العقل وتارة بأنه العضو وأريد ههنا العضو المخصوص كذا ذكر في شرح السنة والفائق ورده التوربشتي بأنه خارج عن سنن الأدب قال الطيبي ولعل ذلك مستقيم لأن الصديقة رضي الله عنها ذكرت أنواع الشهوة مترقية من الأدنى إلى الأعلى فبدأت بمقدمتها التي هي القبلة ثم ثنت بالمباشرة من نحو المداعبة والمعانقة وأرادت أن تعبر عن المجامعة فكنت عنها بالأرب وإلى عبارة أحسن منها اه وفيه أن المستحسن إذ أن الأرب بمعنى الحاجة كناية عن المجامعة وأما ذكر الذكر فغير ملائم للأنثى كما لا يخفى لا سيما في حضور الرجال ثم المعنى أنه كان أغلبكم وأقدركم على منع النفس مما لا ينبغي أن يفعل قال ابن الملك أرادت بملكه عليه حاجته قمعه الشهوة فلا يخاف الإنزال بخلاف غيره وعلى هذا فيكره لغيره القبلة والملامسة باليد وقيل المعنى إنه كان قادرا على حفظ نفسه عنهما لأنه غالب على هواه ومع ذلك كان يقبل ويباشر وغيره قلما يصير على تركهما لأن غيره قلما يملك هواه فعلى هذا لا يكونان مكروهين لغيره عليه الصلاة والسلام أيضا ويؤيده ما صح أن عمر رضي الله عنه هش أي نشط وارتاح فقبل فأتى النبي قائلا صنعت أمرا عظيما فقال أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم متفق عليه قال ابن الهمام وعن أم سلمة أن النبي كان يقبلها وهو صائم متفق عليه وعنها أي عن عائشة قالت كان رسول الله يدركه الفجر أي


الصبح في رمضان أي في بعض الأحيان وهو جنب سمي به لكون الجنابة سببا لتجنب الصلاة والطواف ونحوهما في حكم الشرع وذلك بإنزال الماء أو بالتقاء الختانين وفي معناه الحائض والنفساء من غير حلم بضم الحاء وسكون اللام ويضم وهو صفة مميزة أي من غير احتلام
بل من جماع فإن الثاني أمر اختياري فيعرف حكم الأول بطريق الأولى بل ولو وقع الاحتلام في حال الصيام لا يضر مع أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام سالمون من الاحتلام لأنه علامة تأتي الشيطان في حال المنام قال ابن حجر وإنما احتاجت عائشة لقولها من غير حلم مع أن الأنبياء لا يحتلمون لأن هذا النفي ليس على إطلاقه بل المراد أنهم لا يحتلمون برؤية جماع لأن ذلك من تلاعب الشيطان بالنائم وهم معصومون عن ذلك وأما الاحتلام بمعنى نزول المني في النوم من غير رؤية وقاع فهو غير مستحيل عليهم لأنه ينشأ عن نحو امتلاء البدن فهو من الأمور الخلقية أو العادية التي يستوي فيها الأنبياء وغيرهم وفيه أن الاحتمال غير مقيد في موضع الاستدلال فيغتسل ويصوم ظاهر الحديث قول عامة العلماء من أصبح جنبا اغتسل وأتم صومه وقيل يبطل وقال إبراهيم النخعي يبطل الفرض دون النفل كذا ذكره ابن الملك وهو منقول عن شرح السنة وقال البيضاوي في قوله تعالى فالآن باشروهن البقرة الآية في تجويز المباشرة إلى الصبح الدلالة على جواز تأخير الغسل إليه وصحة صوم المصبح جنبا قال الطيبي لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى الانفجار لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الصبح اه وقال جمع منهم أبو هريرة لكنه رجع عنه يجب الغسل من ذلك قبل الفجر لخبر البخاري من أصبح جنبا فلا صوم له وأجابوا عنه بأنه منسوخ واستحسنه ابن المنذر أو محمول على من أصبح مجامعا واستدام الجمع متفق عليه وعن ابن عباس قال قال رسول الله احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم قال الشيخ الجزري مراد ابن عباس إنه احتجم في حال اجتماع الصوم مع الاحرام لما رواه أبو داود من حديثه أيضا


أنه عليه الصلاة والسلام احتجم صائما محرما ورواه الترمذي بلفظ وهو محرم صائم قال ابن حجر وقول ابن عباس راويه وهو صائم يبطل ما قيل إنما احتجم لأنه كان مسافرا والمسافر له الفطر بالحجامة وغيرها ووجه إبطاله له أنه أثبت له الصوم مع الحجامة إذ لا يقال أكل وهو صائم اه وفيه بحث قال المظهر يجوز للمحرم الحجامة بشرط أن لا ينتف شعرا وكذا للصائم من غير كراهة عند أبي حنيفة ومالك والشافعي وقال أحمد يبطل صوم الحاجم والمحجوم ولا كفارة عليهما وقال عطاء يبطل صوم المحجوم وعليه الكفارة ذكره الطيبي وقال الأوزاعي يكره له مخافة الضعف وسيأتي دليلهم والكلام عليه متفق عليه


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من نسى أي إنه في الصوم وهو صائم فأكل أو شرب وفي رواية البخاري فأكل وشرب فليتم صومه وإطلاقه يدل على مذهبنا من وجوب اتمامه فرضا أو نفلا فاندفع تقييد ابن حجر بقوله وجوبا عليه إن كان فرضا وفي رواية سندها صحيح أو حسن من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة وللخبر المشهور ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه قال ابن الهمام واختلفوا فيما إذا أكل ناسيا فقيل له أنت صائم فلم يتذكر واستمر ثم تذكر فإنه يفطر عند أبي حنيفة وأبي يوسف لأنه أخبر بأن الأكل حرام عليه وخبر الواحد حجة في الديانات فكان يجب أن يلتفت إلى تأمل الحال وقال زفر والحسن لا يفطر قال ابن الملك إطلاق الحديث يدل على أنه لا يفطر وإن كان الأكل والشرب كثيرا وقال مالك يبطل الصوم وهو قول للشافعي ثم لما لم يكن أكله وشربه باختياره المقتضى لفساد صومه بل لأجل انسائه تعالى له لطفا به وتيسيرا عليه بدفع الحرج عن نفسه علله بقوله فإنما أطعمه الله وسقاه في شرح النقاية للشمني قال مالك عليه القضاء دون الكفارة وقال الأوزاعي والليث يجب القضاء في الجماع دون الأكل والشرب وقال أحمد يجب القضاء والكفارة في الجماع دون الأكل والشرب لنا ما روى ابن حبان وابن خزيمة في صحيحهما والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي قال من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة وأما إن أفطر خطأ أو مكرها فإنه يقضي فقط وهو قول مالك وقال الشافعي لا يقضي فيهما لقوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به الأحزاب وقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولنا أن المفطر وصل إلى جوفه فيفسد صومه وهو القياس في الناسي إلا أنا نزلناه فيه للحديث السابق وصار كما إذا أكره على أن يأكل بيده وأجيب عن الآية والحديث أن المراد بهما نفي المأثم ورفعه كذا ذكره الشمني متفق عليه قال ابن الهمام


الحديث في الصحيحين وغيرهما وحمله على أن المراد بالصوم اللغوي فيكون أمرا بالإمساك بقية يومه كالحائض إذا طهرت في أثناء اليوم ونحوه مدفوع أولا بأن الاتفاق على أن الحمل على المفهوم الشرعي حيث أمكن في لفظ
الشارع وجب وثانيا بأن نفس اللفظ يدفعه وهو قوله فليتم صومه وصومه إنما كان الشرعي فإتمام ذلك إنما يكون بالشرعي وثالثا بأن في صحيح ابن حبان وسنن الدارقطني أن رجلا سأل رسول الله فقال إني كنت صائما فأكلت وشربت ناسيا فقال عليه الصلاة والسلام أتم صومك فإن الله أطعمك وسقاك وفي لفظ ولا قضاء عليك ورواه البزار بلفظ الجماعة وزاد فيه فلا تفطر وعنه أي عن أبي هريرة قال بينما نحن جلوس أي جالسون أو ذوو جلوس عند النبي إذ جاءه رجل قال التوربشتي الرجل على ما ضبطنا هو سلمة بن صخر الأنصاري البياضي وقيل سليمان أو سلمة وهو أصح وكان قد ظاهر من امرأته خشية أن لا يملك نفسه ثم وقع عليها في رمضان كذا وجدناه في عدة من كتب أصحاب الحديث وعند الفقهاء أنه أصابها في نهار رمضان فقال يا رسول الله هلكت أي بحصول الذنب لي وفي المصابيح وأهلكت أي زوجتي بأن حصلت لها ذنبا قال أي النبي مالك أي شيء حصل أو وقع لك وفي المصابيح ما شأنك أي أي شيء أمرك وحالك قال أي الرجل وقعت على امرأتي أي جامعتها وزاد في المصابيح في رمضان وأنا صائم كذا نقله ابن الملك وقال الطيبي في أكثر نسخ المصابيح واقعت على امرأتي في نهار رمضان قال ابن حجر وبهذا أخذ أئمتنا فقالوا إنما تجب الكفارة الآتية بالجماع إن كان في أداء رمضان لا غير لأنه يميز عن غيره بخصائص كثيرة وكذا الكفارة واجبة على المرأة خلافا للشافعي وفي الهداية أن قوله عليه الصلاة والسلام من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر قال ابن الهمام الله أعلم وهو غير محفوظ وما في الصحيحين عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام أمر رجلا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا


علق الكفارة بالإفطار فإن قيل لا يفيد المطلوب لأنه حكاية واقعة حال لا عموم لها فيجب كون ذلك الفطر بأمر خاص لا بالأعم فلا دليل فيه أنه بالجماع أو بغيره فلا متمسك به لأحد بل قام الدليل على أن المراد به جماع الرجل وهو السائل لمجيئه مفسرا كذلك برواية من نحو عشرين رجلا عن أبي هريرة قلنا وجه الاستدلال به تعليقها بالافطار في عبارة لراوي عن أبي
هريرة إذا أفاد أنه فهم من خصوص الأحوال التي شاهدها في قضائه عليه الصلاة والسلام أو سمع ما يفيد أن إيجابها عليه باعتبار خصوص الإفطار فيصح التمسك به وهذا كما قالوا في أصولهم في مسألة ما إذا نقل الراوي بلفظ ظاهرة العموم فإنهم اختاروا اعتباره ومثلوه بقول الراوي وقضى بالشفعة للجار لما ذكرنا من المعنى فهذا مثله بلا تفاوت لمن تأمل ولأن الحد يجب عليها إذا طاوعته فالكفارة أولى على نظير ما ذكرناه آنفا فتكون ثابتة بدلالة نص حدها ثم قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية ولنا أن الكفارة تعلقت بجناية الإفطار يعني وهو أعم من أن يكون جماعا أو غيره قال ابن الهمام مأخوذ من ذلك الحديث الذي ذكره من أفطر في رمضان من قول أبي هريرة وروى الدارقطني عن أبي هريرة أن رجلا أكل في رمضان فأمره النبي أن يعتق الحديث وأعله بأبي معشر وأخرجه الدارقطني أيضا في كتاب العلل في حديث الذي وقع على امرأته عن سعيد بن المسيب أن رجلا أتى النبي فقال يا رسول الله أفطرت في رمضان متعمدا الحديث وهذا مرسل سعيد وهو مقبول عند كثير ممن لا يقبل المرسل وعندنا هو حجة مطلقا وأيضا دلالة نص الكفارة بالجماع تفيده للعلم بأن من علم استواء الجماع والأكل والشرب في أن ركن الصوم الكف عن كلها ثم علم لزوم عقوبة على من فوت الكف عن بعضها جزم بلزومها على من فوت الكف عن البعض الآخر حكما للعلم بذلك الاستواء غير متوقف فيه على أهلية الاجتهاد أعني بعد حصول العلمين يحصل العلم الثالث ويفهم كل عالم بهما أن المؤثر في لزومها


تفويت الركن لا خصوص ركن اه وحاصله أن هذا قياس جلي في غاية الوضوح لا خفي يحتاج إلى ترتيب مقدمات من مقيس ومقيس عليه وإلى معرفة القياس ودقائقه المحتاج إلى إدراك جامعه وفارقه والله أعلم فقال رسول الله هل تجد رقبة أي عبدا أو أمة تعتقها أي كفارة لهذا الذنب قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال هل تجد بدون الفاء إطعام ستين مسكينا قال لا قال القاضي وكذا في شرح السنة رتب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني فدل على الترتيب وقال مالك بالتخيير فإن المجامع مخير بين الخصال الثلاث عنده قال ابن حجر الكفارة مرتبة ككفارة الظهار المذكور في سورة المجادلة وهو قول الشافعي والأكثرين وقال مالك إنها مخيرة كالكفارة المذكورة في سورة المائدة لرواية أبي داود أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا وأجابوا بأن أو كما لا تقتضي الترتيب لا تمنعه كما بينته الروايات الآخر وحينئذ فالتقدير أو يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عن الصوم ورواتها أكثر وأشهر فقد رواها عشرون صحابيا وهي حكاية لفظ النبي ورواة هذا اثنان وهو لفظ الراوي وخبر أنه مخير بين عتق ونحر بدنة ضعيف وإن أخذ به الحسن اه وأعلم أن الفاء في أصلنا الموافق للنسخ


المصححة في الثاني غير موجود وأما في أصل البخاري فموجود في بعض النسخ وفي بعضها مفقود وأما الفاء في أول فموجود اتفاقا وهو يكفي للدلالة على الترتيب لعدم القائل بالفصل والله أعلم قال اجلس ومكث النبي بضم الكاف وفتحها أي لبث وتوقف وأما قول ابن حجر وسكت بالسين والتاء فتصحيف لمخالفته الأصول المعتمدة فبينا نحن على ذلك أي ما ذكر من الجلوس والمكث أتى النبي أي جىء بعرق فيه تمر والعرق أي بفتحتين قال الزركشي ويروى بإسكان الراء المكتل بكسر الميم أي الزنبيل الضخم بسكون الخاء أو العظيم قيل المنسوج من نسائج الخوص في المغرب يسع ثلاثين صاعا وقيل خمسة عشر وفي شرح السنة هو مكتل يسع خمسة عشر صاعا فيكون ستين مدا لأن الصاع أربعة أمداد فدل على أن طعام الكفارة لكل مسكين مد قال أين السائل أي عن المسألة قال أنا أي أنا هو أو أنا السائل قال خذ هذا فتصدق به أي على الفقراء فقال الرجل أعلى أفقر مني بهمزة الاستفهام وقال الزركشي في حاشية البخاري هو على حذف همزة الاستفهام والمجرور متعلق بمحذوف أي أتصدق به على أكثر حاجة مني يا رسول الله وفيه نوع استعانة واستغاثة به ثم بين أفقريته بقوله المؤكد بقسمه بناء على ظنه فوالله ما بين لابتيها أي المدينة يريد أي يعني الرجل باللابتين الحرتين أي في طرفي المدينة من الشرقية والغربية والحرة على ما في النهاية الأرض ذات الحجارة السود والمعنى ما بين أطرافها أهل بيت أي جماعة مجتمعون في بيت واحد أفقر مني بالرفع على الوصفية وبالنصب على الخبرية قال الزركشي أهل مرفوع على أنه اسم ما وأفقر خبره أن جعلتها حجازية وبالرفع إن جعلتها تميمية بأفقر فضحك النبي حتى بدت أي ظهرت أنيابه جمع ناب وهو الذي بعد الرباعية ثم قال أطعمه أهلك وفي رواية صحيحة فلا تفطر فيه دليل على أن العبرة بحال الأداء لا الفعل إذ لم يكن له حال ارتكاب المحظور شيء فلما تصدق عليه وصار قادرا أمره بالإطعام وهو قول أكثر العلماء


وأظهر قولي الشافعي فلما ذكر حاجته أخره عليه إلى الوجد وقال الزهري كان هذا خاصا بذلك الرجل وقيل منسوخ والتأويل الأول أولى من الأخيرين إذ لا دليل عليهما كذا ذكره الطيبي متفق عليه قال ابن الهمام رواه أصحاب الستة لكن قال في آخره حتى بدت ثناياه وفي لفظ أنيابه وفي لفظ نواجذه ثم قال خذه فأطعمه أهلك وفي لفظ لأبي داود زاد الزهري وإنما كان هذا رخصة له خاصة ولو أن رجلا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير قال المنذر قول الزهري ذلك دعوى لا دليل عليها وعلى ذلك ذهب سعيد بن جبير إلى عدم وجوب الكفارة على من أفطر في رمضان بأي شيء أفطر قال لانتساخه بما في آخر الحديث بقوله كلها أنت وعيالك اه وجمهور العلماء على قول
الزهري وأما رفع المصنف يعني صاحب الهداية يجزئك ولا يجزي أحدا بعدك فلم ير في شيء من طرقه وكذا لم يوجد فيها لفظ الفرق بالفاء بل بالعين وهو مكتل يسع خمسة عشر صاعا على ما قيل قلنا وإن لم يثبت فغاية الأمر أنه أخر عنه إلى الميسرة إذا كان فقيرا في الحال عاجزا عن الصوم بعد ما ذكر له ما يجب عليه كذا قال الشافعي وغيره والظاهر أنه خصوصية لأنه وقع عند الدارقطني في هذا الحديث فقد كفر الله عنك ولفظ وأهلكت ليس في الكتب الستة وجاء في حديث الدارقطني والبيهقي وضعفه الحاكم اه ملخصا
الفصل الثاني


عن عائشة أن النبي كان يقبلها وهو صائم أي في رمضان وغيره ويمص بفتح الميم ويجوز ضمه لسانها رواه أبو داود قال ميرك في التصحيح إعلم أن في إسناد هذا الحديث محمد بن دينار الطاحي البصري قال ابن معين ضعيف وقال ابن مرة ليس به بأس ولم يكن له كتاب وقال غيره ضعيف وقال ابن عدي قوله ويمص لسانها في المتن لا يقوله إلا محمد بن دينار وهو الذي رواه وفي إسناده أيضا سعد بن أوس قال ابن معين بصري ضعيف قيل أن ابتلاع ريق الغير يفطر إجماعا وأجيب على تقدير صحة الحديث إنه واقعة حال فعلية محتملة أنه كان يبصقه ولا يبتلعه وكان يمصه ويلقى جميع ما في فمه في فمها والواقعة الفعلية إذا احتملت لا دليل فيها اه ولا يخفى أن الوجه الثاني مع بعده إنما يتصور فيما إذا كانت غير صائمة والله أعلم وعن أبي هريرة أن رجلا سأل النبي عن المباشرة للصائم قيل هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج وقيل هي القبلة واللمس باليد فرخص له وأتاه آخر فسأله أي عنها فنهاه قال أبو هريرة فتأملنا حالهما فإذا الذي رخص له أي فيها شيخ وأما الذي نهاه أي عنها شاب فيه إشارة إلى أنه أجابهما بمقتضى الحكمة إذ الغالب على الشيخ سكون الشهوة وأمن الفتنة فأجاز له بخلاف الشاب فنهاه اهتماما له واختلف في أن هذا النهي


للتنزيه أو للتحريم رواه أبو داود قال ابن الهمام سنده جيد وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من ذرعه القيء بالذال المعجمة أي غلبه وسبقه في الخروج وهو صائم فليس عليه قضاء لأنه لا تقصير منه ولو استقاء أي من تسبب لخروجه عمدا أي عالما بالتحريم مختارا قاله ابن حجر والظاهر أنه احتراز عن النسيان كما هو مذهبنا إذ الجهل ليس بعذر وكذا الخطأ والإكراه فليقض قال ابن الملك والأكثر على أنه لا كفارة عليه وفي شرح السنة عمل بظاهر هذا الحديث أهل العلم فقالوا من استقاء فعليه القضاء ومن ذرعه فلا قضاء عليه لم يختلفوا فيه وقال ابن عباس وعكرمة بطلان الصوم مما دخل وليس مما خرج قال ابن الهمام روى أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا أحمد بن منيع حدثنا مروان بن معاوية عن رزين البكري قال حدثتنا مولاة لنا يقال لها سلمى من بكر بن وائل أنها سمعت عائشة رضي الله عنها تقول دخل علي رسول الله فقال يا عائشة هل من كسرة فأتته بقرص فوضعه على فيه فقال يا عائشة هل دخل بطني منه شيء كذلك قبلة الصائم إنما الإفطار مما دخل وليس مما خرج ولجهالة المولاة لم يثبته بعض أهل الحديث ولا شك في ثبوته موقوفا على جماعة ففي البخاري تعليقا قال ابن عباس وعكرمة الفطر مما دخل وليس مما خرج وأسند عبد الرزاق إلى ابن مسعود قال إنما الوضوء مما خرج وليس مما دخل والفطر مما دخل وليس مما خرج وروي من قول علي قال البيهقي وعلى كل حال يكون مخصوصا بحديث الاستقاء إذ الفطر فيه باعتبار أنه يعود بشيء وإن قل حتى لا يحس به رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي قال ابن الهمام رواه أصحاب السنن الأربعة واللفظ للترمذي وقال الترمذي هذا حديث غريب وفي نقل ابن الهمام حسن غريب لا نعرفه أي من حديث هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا إلا من حديث عيسى بن يونس وقال محمد يعني البخاري لا أراه بضم الهمزة أي لا أظنه محفوظا قال الطيبي الضمير راجع إلى الحديث وهو


عبارة عن كونه منكرا اه وهذا منه منكر إذ قال ابن الهمام قال البخاري لا أراه محفوظا لهذا يعني للغرابة ولا يقدح في
ذلك بعد تصديقه الراوي فإنه هو الشاذ المقبول وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وابن حبان ورواه الدارقطني وقال رواته كلهم ثقات ثم قد تابع عيسى بن يونس عن هشام بن حسان حفص بن غياث رواه ابن ماجه ورواه الحاكم وسكت عليه ورواه مالك في الموطأ موقوفا على ابن عمر ورواه النسائي من حديث الأوزاعي موقوفا على أبي هريرة ووقفه عبد الرزاق على أبي هريرة وعلى أيضا وما روى في سنن ابن ماجه أنه عليه الصلاة والسلام خرج في يوم كان يصومه فدعا بإناء فشرب فقلنا يا رسول الله هذا يوم كنت تصومه قال أجل ولكن قيئت مجمول على ما قبل الشروع أو عروض الضعف ثم الجمع بين آثار الفطر مما دخل وبين آثار القيء إن في القيء يتحقق رجوع شيء مما يخرج وإن قل فلاعتباره يفطر وفيما إذا ذرعه أن تحقق ذلك أيضا لكن لا صنع له فيه ولغيره من العباد فكان كالنسيان لا الإكراه والخطأ اه قال الشمني لو تقيأ دون ملىء الفم لا يقضي عند أبي يوسف لعدم الخروج حكما ويقضي عند محمد لإطلاق الحديث وعن معدان بفتح الميم ابن طلحة أن أبا الدرداء حدثه أي أخبره أن رسول الله قاء أي عمدا لما تقدم من أن من ذرعه ليس عليه قضاء فأفطر يعني عن صوم التطوع وهذا محمول على أنه كان لعذر من مرض أو ضعف لقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم قال أي معدان فلقيت ثوبان هو مولى اشتراه عليه الصلاة والسلام وأعتقه في مسجد دمشق بكسر الدال وفتح الميم ويكسر وهو لا ينصرف وقيل منصرف أي في مسجد الشام فقلت أن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله قاء فأفطر قال أي ثوبان صدق أي أبو الدرداء وأنا صببت أي سكبت له أي للنبي وضوءه بالفتح أي ماء وضوئه قال ميرك احتج به أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المبارك والثوري على أن القيء ناقض الوضوء وحمله الشافعي على غسل الفم والوجه أو على استحباب الوضوء والثاني


أولى من الأول لأن كلام الشارع إذا أمكن حمله على المعنى الشرعي لا ينبغي العدول عنه إلى المعنى اللغوي ولو قرينة السياق تقضي بأن الماء المصبوب للتنظيف نعم يتوقف الاستدلال به للنقض على تحقق الوضوء السابق مع أن الأصل في فعله الخارج عن القرينة أن الحمل على الندب على الخلاف المذكور في أصول الفقه وقال ابن الهمام قيل رواية أبي الدرداء حكاية قيء النبي لا يعلم إنه عليه الصلاة والسلام لأي علة أفطر للقيء أو لغيره وقد علم


من قوله من ذرعه القيء الحديث أن القيء لا يكون سببا للفطر فظهر أن السبب غيره وهو عود ما قاء أو وصول الماء إلى الجوف عند غسل الفم وقول ثوبان صدق تصديق للقيء والإفطار لا تصديق كون الإفطار للقيء رواه أبو داود والترمذي والدارمي قال ميرك ورواه النسائي وقال الترمذي وقد جود حسين المعلم هذا الحديث وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب وعن عامر بن ربيعة قال رأيت النبي ما لا أحصي أي مقدارا لا أقدر على إحصائه وعده لكثرته وقوله يتسوك مفعول ثان لأنه خبر على الحقيقة وما موصوفة ولا أحصى صفتها وهي ظرف ليتسوك مرات لا أقدر على عدها قاله الطيبي قال ميرك ولعل حمل الرؤية على معنى العلم فجعل يتسوك مفعولا ثانيا ويحتمل أن تكون بمعنى الأبصار ويتسوك حينئذ حال وقوله وهو صائم حال أيضا أما مترادفة وأما متداخلة والله تعالى أعلم أقول هذا الاحتمال أظهر من ذلك المقال والتداخل متعين في الحال قال المظهر لا يضر السواك للصائم في جميع النهار بل هو سنة عند أكثر أهل العلم وبه قال مالك وأبو حنيفة لأنه مطهر وقال ابن عمر يكره بعد الزوال لأن خلوف الصائم أثر العبادة والخلوف يظهر عند خلو المعدة من الطعام وخلو المعدة يكون عند الزوال غالبا وإزالة أثر العبادة مكروه وبه قال الشافعي وأحمد قال الشمني لا يكره للصائم استعمال السواك سواء كان رطبا أو مبلولا قبل الزوال أو بعده وهو قول مالك وقال أبو يوسف يكره بالرطب والمبلول وقال الشافعي يكره بعد الزوال لأن فيه إزالة الخلوف المحمود بقوله عليه الصلاة والسلام لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ولنا ما روى ابن ماجه والدارقطني من حديث عائشة قالت قال رسول الله من خير خصال الصائم السواك والخلوف بضم الخاء المعجمة على الصحيح تغير رائحة الفم من خلو المعدة وذلك لا يزال بالسواك قال ابن الهمام بل إنما يزيل أثره الظاهر عن السن من الاصفرار وهذا لأن سبب الخلوف خلو المعدة من الطعام والسواك لا


يفيد شغلها بطعام ليرتفع السبب ولهذا روي عن معاذ مثل ما قلنا روى الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال سألت معاذ بن جبل أتسوك وأنا صائم قال نعم قلت أي النهار أتسوك قال أي النهار شئت غدوة وعشية قلت إن الناس
يكرهونه عشية ويقولون إن رسول الله قال لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فقال سبحان الله لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لا بد بقي الصائم خلوف وإن استاك وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمدا ما في ذلك من الخير شيء بل فيه شر إلا من ابتلى ببلاء لا يجد منه بدا قال وكذا الغبار في سبيل الله لقوله عليه الصلاة والسلام من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار إنما يؤجر عليه من اضطر إليه ولم يجد عنه محيصا فأما من ألقى نفسه عمدا فماله في ذلك من الأجر شيء قيل ويدخل في هذا أيضا من تكلف الدوران تكثيرا للمشي إلى المساجد نظرا إلى قوله عليه الصلاة والسلام وكثرة الخطأ إلى المساجد ومن تصنع في طلوع الشيب لقوله عليه الصلاة والسلام من شاب شيبة في الإسلام إنما يؤجر عليهما من بلى بهما وفي المطلوب أيضا أحاديث مضعفة نذكر منها شيئا للاستشهاد والتقوية وإن لم يحتج إليه في الإثبات منها ما رواه البيهقي عن إبراهيم بن عبد الرحمن ثنا إسحاق الخوارزمي قال سألت عاصما الأحول أيستاك الصائم بالسواك الرطب قال نعم أتراه أشد رطوبة من الماء قلت أول النهار وآخره قال نعم قلت عمن رحمك الله قال عن أنس عن النبي وروى ابن حبان عن ابن عمر قال كان النبي يستاك آخر النهار وهذا هو الصحيح عن ابن عمر من قوله قلنا كفى ثبوته عن ابن عمر مع تعدد الضعيف فيه مع عمومات الأحاديث الواردة في فضل السواك وأما ما روى الطبراني عنه عليه الصلاة والسلام إذا صمتم فاستاكوا بالغدوة ولا تستاكوا بالعشى فإن الصائم إذا يبست شفتاه كانت له نورا يوم القيامة فحديث ضعيف لا يقاوم ما قدمنا اه وبه بطل قول ابن حجر ليس فيه دليل لقول أبي حنيفة


ومالك بعدم كراهة تسوكه قبل الزوال ووجه بطلانه أن المانع لا يحتاج إلى دليل لا سيما إذا ورد عن الشارع أحاديث مطلقة شاملة لما قبل الزوال وما بعده وخصوصا إذا ورد عن الصحابة فعلهم وإفتاؤهم على جوازه بعد الزوال وكيف يصلح بعد هذا كله أن يكون حديث الخلوف دليلا للشافعي ومن تبع على منع السواك بعد الزوال وصرف الإطلاق إلى ما قبل الزوال من غير دليل صريح أو تعليل صحيح وهل هو إلا مبالغة في فضيلة الصوم كما يبالغ أحد ويقول لعرق فلان الذي يحصل حال كده في آخر النهار عندي أحسن من ماء الورد فيكون فيه دلالة على كراهة إزالة العرق بالاغتسال رواه الترمذي وأبو داود وقال الترمذي حسن اه وقد أخرجه أحمد وابن خزيمة


وعن أنس قال جاء رجل إلى النبي قال اشتكيت عيني بالتشديد وفي نسخة بالتخفيف أي أشكو من وجع عيني أفأكتحل وأنا صائم أي حال كوني صائما قال نعم فيه جواز الاكتحال بلا كره للصائم وبه قال الأكثرون وقال مالك وأحمد وإسحاق مكروه نقله ميرك ولعل الخلاف فيما إذا لم يكن عن عذر وقال المظهر الاكتحال ليس بمكروه للصائم وإن ظهر طعمه في الحلق عند الأئمة الثلاثة وكرهه أحمد رواه الترمذي وقال ليس إسناده بالقوي وقال ولا يصح عن النبي في هذا الباب شيء نقله ميرك وأبو عاتكة الراوي يضعف وقال ابن الهمام مجمع على ضعفه وأخرج الترمذي عن عائشة قالت اكتحل النبي وهو صائم وفي إسناده من هو مجمع على ضعفه وأخرجه البيهقي مرفوعا بسند ضعيف وأخرجه أبو داود موقوفا على أنس فهذه عدة طرق وإن لم يحتج بواحد منها فالمجموع يحتج به لتعدد الطرق وأما ما في أبي داود أنه أمر بالأثمد عند النوم وقال ليتقه الصائم فضعيف قال ابن حجر ويوافقه خبر البيهقي والحاكم أنه عليه الصلاة والسلام كان يكتحل بالأثمد وهو صائم لكن ضعفه في المجموع وقال الترمذي وخبر ابن عمر رضي الله عنهما خرج علينا رسول الله وعيناه مملؤتان من الكحل وذلك في رمضان وهو صائم في إسناده من اختلف في توثيقه وعن بعض أصحاب النبي قال في المواهب الجهالة بالصحابي لا تضر أي لأن الصحابة كلهم عدول قال لقد رأيت النبي بالعرج بفتح العين وسكون الراء موضع بين مكة والمدينة وقال موضع بالمدينة وقال ابن حجر محل قريب من المدينة يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر شك من الراوي أي من أجل دفع أحدهما قال ابن الملك وهذا يدل على أن لا يكره للصائم أن يصب على رأسه الماء وأن ينغمس فيه وإن ظهرت برودته في باطنه قال ابن الهمام ولو اكتحل لم يفطر سواء وجد طعمه في حلقه أو لا لأن الموجود في حلقه أثره داخلا من المسام والمفطر الداخل من المنافذ


كالمدخل والمخرج لا من المسام الذي هو جميع البدن للاتفاق فيمن شرع في الماء يجد برده في باطنه أنه لا يفطر وإنما كره أبو حنيفة رحمه الله ذلك أعني الدخول في الماء والتلفف بالثوب المبلول لما فيه من إظهار الضجر في إقامة العبادة لا لأنه قريب من الإفطار اه فكان الإمام حمل فعله عليه الصلاة والسلام على إظهار العجز والتضرع عند حصول الآلام وعلى ارتكاب الحكمة في دفع المضرة بالتعلق بالأسباب إستعانة للقيام بواجب العبودية لرب الأرباب وإشارة إلى مشاركته الأمة الآمنة في العوارض البشرية ميلا إليهم وتسهيلا عليهم وحاصل الكلام أن كلام الإمام محمول على كراهة التنزيه وخلاف الأولى وهو عليه الصلاة والسلام فعل ذلك لبيان الجواز من إظهار العجز للرحمة على ضعفاء الأمة رواه مالك وأبو داود أي من طريق أبي بكر بن عبد الله عن بعض أصحاب النبي وأخرجه النسائي مختصرا ذكره ميرك فقول ابن حجر رواه مالك وأبو داود وغيرهما من طرق صحيحة غير صحيح لانحصار الطريق في واحد وعن شداد بن أوس أن رسول الله أتى رجلا أي مر عليه بالبقيع أي بمقبرة المدينة وهو أي الرجل يحتجم وهو أي النبي آخذ بصيغة الفاعل بيدي إشارة إلى كمال قربه منه عليه الصلاة والسلام لثماني عشرة بسكون الشين ويكسر خلت أي مضت من رمضان وهذا يدل على كمال حفظ الراوي وضبطه بذكر المكان والزمان حاله فقال وفي نسخة قال أفطر الحاجم والمحجوم قال الطيبي عمل بظاهر الحديث أحمد وإسحاق وقال ابن الهمام رواه الترمذي وهو معارض ثم تأويله أنهما كانا يغتابان أو أنه منسوخ رواه أبو داود وابلن ماجه والدارمي قال ابن الهمام وروى النسائي وابن حبان والحاكم وصححوه قال الشيخ الإمام محيي السنة أي صاحب المصابيح رحمة الله عليه وفي نسخة صحيحة رحمه الله وتأوله أي هذا الحديث بعض من رخص في الحجامة وهم الجمهور فبعضهم قالوا أي تعرضا للإفطار كما يقال هلك فلان أي تعرض للهلاك المحجوم للضعف أي لحصول الضعف له


بالحجامة فيحمله على الفطر والحاجم لأنه لا يأمن من أن يصل شيء أي
من الدم إلى جوفه بمص الملازم بإضافة المصدر إلى مفعوله وهو بفتح الميم جمع الملزمة بكسر الميم قارورة الحجام التي يجتمع فيها الدم وسميت بذلك لأنها تلزم على المحل وتقبضه قال ميرك وفيه وجه آخر وهو أنه عليه الصلاة والسلام مر بهما مساء فقال ذلك فكأنه عذرهما بذلك أي قد أمسيا ودخلا في وقت الإفطار ووجه آخر وهو إنه مر بهما وهما يغتابان فقال إفطرا أي بطل أجرهما بالغيبة كالإفطار وقد رواه البيهقي في بعض طرقه والمراد بطلان كمال أجره لا أصل ثوابه كما سبق وذكر السيد عن القاضي إنه ذهب إلى ظاهر الحديث جمع من الأئمة وقالوا يفطر الحاجم والمحجوم منهم أحمد وإسحاق وقال قوم منهم مسروق والحسن وابن سيرين تكره الحجامة للصائم ولا يفسد الصوم بها وحملوا الحديث على التشديد وإنهما نقصا أجر صيامهما وأبطلاه بارتكاب هذا المكروه وقال الأكثرون لا بأس بها إذ صح عن ابن عباس إن رسول الله احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم وإليه ذهب مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وقالوا معنى قول أفطر تعرض للإفطار كما هو مشروح في المتن اه وذكر بعض العلماء إن ذكر ابن عباس حجامة رسول الله عام حجة الوداع وكان سنة عشر وحديث أفطر الحاجم والمحجوم سنة الفتح سنة ثمان وفي حديث شداد بن أوس إنه قال ذلك بالمدينة فليحمل على أنه قاله تارة بمكة وتارة بالمدينة وإن احتجامه عليه الصلاة والسلام وهو صائم كان في حجة الوداع وروي أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي فقال أفطر هذا ثم رخص بعد في الحجامة وكان أنس يحتجم قال الدارقطني رواته ثقات ولا أعلم له علة قال الحازمي وفيه تصريح بنسخ الأول قال ابن الهمام ولا بأس بسوق نبذة تتعلق بذلك روى أبو داود وابن ماجه من حديث ثوبان أن رسول الله أتى على رجل يحتجم في رمضان فقال أفطر الحاجم والمحجوم رواه الحاكم وابن حبان وصححاه ونقل في المستدرك عن


الإمام أحمد إنه قال هو أصح ما روى في الباب ثم ذكر الحديث السابق ثم قال ونقل الترمذي في علله الكبرى عن البخاري إنه قال كلاهما عندي صحيح يعني حديثي ثوبان وشداد وكذا عن ابن المديني ورواه الترمذي من حديث رافع بن خديج عنه عليه الصلاة والسلام قال أفطر الحاجم والمحجوم وصححه وله طرق كثيرة غير هذا وبلغ أحمد أن ابن معين ضعفه وقال إنه حديث مضطرب وليس فيه حديث يثبت فقال إن هذا مجازفة وقال بعض الحفاظ متواتر وقال بعضهم ليس ما قاله ببعيد ومن أراد ذلك فلينظر إلى مسند أحمد ومعجم الطبراني والسنن الكبرى للنسائي وأجاب القائلون بأن الحجامة لا تفطر بأمرين أحدهما ادعاء النسخ وذكروا فيه ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم ورواه الدارقطني عن ثابت عن أنس قال أول ما كرهت الحجامة للصائم إن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي فقال أفطر هذان ثم رخص النبي بعد في


الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم قال الدارقطني رواته ثقات ولا أعلم له علة وما روى النسائي عن أبي سعيد الخدري إن رسول الله رخص في القبلة للصائم ورخص في الحجامة للصائم وروى الطبراني عن أنس أن النبي احتجم بعد ما قال أفطر الحاجم والمحجوم وكذا في مسند أبي حنيفة عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن أنس بن مالك قال احتجم النبي بعد ما قال الحديث وهو صحيح وطلحة هذا احتج به مسلم وغيره ثم قال وأما رواية احتجم وهو محرم صائم وهي التي أخرجها ابن حبان وغيره عن ابن عباس فأظهر سندا وأظهر تأويلا إما بإنه لم يكن قط محرما ألا وهو مسافر والمسافر يباح له الإفطار بعد الشروع كما اعترف به الشافعي فيما قدمناه وهو جواب ابن خزيمة أو أن الحجامة كانت مع الغروب كما قاله ابن حبان إنه روى من حديث أبي الزبير عن جابر إنه عليه الصلاة والسلام أمر أبا طيبة أن يأتيه مع غيبوبة الشمس فأمره أن يضع المحاجم مع إفطار الصائم فحجمه ثم سأله كم خراجك قال صاعان فوضع عنه صاعا اه والثاني التأويل بأن مراده ذهاب ثواب الصوم بسبب إنهما كانا يغتابان ذكره البزار فإنه بعد ما روى حديث ثوبان أفطر الحاجم والمحجوم أسند إلى ثوبان أنه قال إنما قال رسول الله أفطر الحاجم والمحجوم لأنهما كانا يغتابان وروى العقيلي في ضعفائه عن عبد الله بن مسعود قال مر النبي على رجلين يحجم أحدهما الآخر فاغتاب أحدهما ولم ينكر عليه الآخر فقال أفطر الحاجم والمحجوم قال عبد الله لا للحجامة ولكن للغيبة لكن أعل بالاضطراب فإن في بعضها إنما منع إبقاء على أصحابه خشية الضعف تم كلام المحقق مختصرا وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة كسفر ولا مرض أي مبيح للافطار من عطف الأخص على الأعم لم يقض عنه أي عن ثواب ذلك اليوم صوم الدهر كله أي صومه فيه فالإضافة بمعنى في نحو مكر الليل وكله للتأكيد وإن صامه أي ولو صام الدهر كله قال الطيبي أي لم يجد فضيلة


الصوم المفروض بصوم النفل وإن سقط قضاؤه بصوم يوم واحد وهذا على طريق المبالغة والتشديد لذلك أكده بقوله وإن صامه أي حق الصيام قال ابن الملك وإلا فالإجماع على أنه يقضي يوما مكانه وقال ابن حجر وما اقتضاه ظاهره أن صوم الدهر كله بنية القضاء عما أفطره من رمضان لا يجزئه قال به علي وابن مسعود والذي عليه أكثر العلماء أنه يجزئه يوم بدل يوم وإن كان ما أفطره في غاية الطول والحر وما صامه بدله في غاية القصر والبرد وأوجب بدل اليوم


ربيعة اثني عشر يوما لأن السنة اثنا عشر شهرا وابن المسيب ثلاثين يوما والنخعي ثلاثة آلاف يوم ولا يكره قضاء رمضان في زمن وشذ من كرهه في شهر ذي الحجة ومن أفطر لغير عذر يلزمه القضاء فورا عقب يوم عيد الفطر ولعذر يسن له ذلك ولا يجب اه والظاهر أن الصلاة في معنى الصوم فإنه لا فرق بينهما بل هي أفضل منه عند جمهور العلماء والله أعلم رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي والبخاري في ترجمة باب أي في تفسيره كما يقال باب الصلاة باب الصوم ذكره الطيبي وقال الترمذي سمعت محمدا يعني البخاري يقول أبو المطوس بكسر الواو المشددة الراوي لا أعرف له غير هذا الحديث قال ولا أدري سمع أبو المطوس من أبي هريرة أم لا وقال ابن خلف القرطبي هو حديث ضعيف لا يحتج بمثله نقله ميرك وأما قول ابن حجر ومن ثم كان إسناده غريبا وإن سكت عليه أبو داود وحينئذ فلا حجة فيه لمن أخذ بظاهره وبفرض صحته فهو محمول على التشديد فغفلة له من أنه لا يلزم من كون الإسناد غريبا أن يكون الحديث ضعيفا وعلى تقدير ضعفه من طريق الترمذي لا يلزم أن يكون ضعيفا من طريق أبي داود فإنه إذا سكت يدل على حسنه لا سيما وقد أخرجه أحمد وغيره فوجه ضعف الحديث إنه من طريق واحد للكل ووقع الشك في اتصال سنده فتأمل وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله كم من صائم ليس له أي حاصل أو حظ من صيامه أي من أجله إلا الظمأ بالرفع أي العطش ونحوه من الجوع واختار الظمأ بالذكر لأن مشقته أعظم وكم من قائم أي في الليل ليس له من قيامه أي أثر إلا السهر أي ونحوه من تعب الرجل وصفار الوجه وضعف البدن قال الطيبي فإن الصائم إذا لم يكن محتسبا أو لم يكن مجتنبا عن الفواحش من الزور والبهتان والغيبة ونحوها من المناهي فلا حاصل له إلا الجوع والعطش وإن سقط القضاء وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة وأداؤها بغير جماعة بلا عذر فإنها تسقط القضاء ولا يترتب عليها الثواب اه قال ابن الملك وكذا جميع


العبادات إذا لم تكن خالصة اه كالحج والزكاة فإنه لا يحصل له بهما إلا خسارة المال وتعب البدن في المال والظاهر أنه أريد به المبالغة وإن النفي
محمول على نفي الكمال أو المراد به المرائي فإنه ليس له ثواب أصلا رواه الدارمي قال ميرك ورواه ابن ماجه ولفظه رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ورواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري ولفظه رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر ورواه البيهقي ولفظه رب قائم حظه من القيام السهر ورب صائم حظه من الصيام الجوع والعطش وذكر بصيغة المجهول حديث لقيط بن صيرة بفتح الصاد وكسر الموحدة قال الطيبي هو أبو رزين لقيط بن عامر صبرة صحابي مشهور وتوهم بعضهم أنهما شخصان في باب سنن الوضوء والحديث قوله بالغ في الاستنشاق ألا أن يكون صائما ذكره الطيبي وهو اعتراض من صاحب المشكاة على صاحب المصابيح وهو في محله كما لا يخفى لأن إيراد الحديث في الباب الموضوع للحكم السابق منه أولى
الفصل الثالث
عن أبي سعيد أي الخدري كما في نسخة قال قال رسول الله ثلاث أي خصال لا يفطرن الصائم الحجامة بكسر الحاء أي الاحتجام وقد علمت الخلاف فيما سبق من الكلام والقيء أي إذا غلبه لما تقدم في الحديث والاحتلام أي ولو تذكر المنام ورأى المني في أيام الصيام لأنه وإن كان فى معنى الجماع لكن حيث أنه ليس باختياره لا يضره بالإجماع رواه الترمذي وقال هذا حديث غير محفوظ وعبد الرحمن بن زيد الراوي يضعف في الحديث قال ميرك ورواه الدارقطني والبيهقي ورواه أبو داود عن رجل من أصحاب النبي قال أبو حاتم حديث أبي داود أشبه بالصواب وقال أبو زرعة إنه أصح اه قال ابن الهمام ورواه البزار من حديث ابن عباس قال قال رسول الله ثلاث لا يفطرن الصائم القيء والحجامة والاحتلام قال وهذا من أحسنها إسنادا وأصحها


وأخرجه الطبراني من حديث ثوبان فقد ظهر أن هذا الحديث يجب أن يرتقي إلى درجة الحسن وضعف رواته إنما هو من قبل الحفظ لا العدالة فالتظافر دليل الإجادة في خصوصه وعن ثابت البناني بضم الموحدة قال الطيبي هو ثابت بن أسلم تابعي مشهور من أعلام البصرة صحب أنس بن مالك أربعين سنة قال سئل أنس بن مالك كنتم ولفظ ابن الهمام أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله قال لا أي ما كنا نكرهها إلا من أجل الضعف أي للمحجوم رواه البخاري وهو موقوف لكنه في حكم المرفوع كما هو في الأصول على أن هذه الصيغة ظاهرة في إجماع الصحابة وهو لا يكون إلا عن سند فيكون حجة لما ذهب إليه أكثر العلماء على ما تقدم والله أعلم وعن البخاري تعليقا قال كان ابن عمر يحتجم وهو صائم ثم تركه أي الاحتجام إحتياطا أو خوفا من الضعف فكان يحتجم بالليل قال ميرك حق الإيراد على ما اصطلح عليه المصنف أن يقول أولا وعن ابن عمر إنه كان يحتجم إلخ ثم يقول رواه البخاري تعليقا وعن عطاء تابعي جليل قال إن مضمض أي الصائم ثم أفرغ أي صب ما في فيه أي جميع ما في فمه من الماء بيان لما الموصولة لا يضيره أي لا يضر صومه من ضار لغة بمعنى ضر أن يزدرد ريقه أي يبتلعه وما بقي في فيه أي فمه عطف على ريقه وقيل ما نافية والجملة حالية قال ابن بطال أظن أنه سقطت كلمة ذا عن الناسخ وكان أصله وماذا بقي في فيه كذا قاله العلامة الكرماني في شرح صحيح البخاري وقال الشيخ ابن حجر في شرحه هذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن ابن جريج قلت لعطاء الصائم يتمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم قال لا يضره وماذا بقي في فيه وكذا أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج اه فيفهم منه أن القول ما قال ابن بطال والله الموفق ذكره ميرك وقد


صرح ابن الهمام وغيره من علمائنا أنه لا يضر الصائم إن دخل غبار أو دخان أو ذباب حلقه لأنه لا يمكن الاحتراز عن هذه الأشياء كما لا يمكن الاحتراز عن البلل الباقي في المضمضة ولا يمضغ العلك بكسر العين الذي يمضغ بفتح الضاد وضمها عند ابن سيده ولا نافية أو ناهية في القاموس مضغه كمنعه لاكه بسنه والعلك صمغ الصنوبر والأرزة والفستق والسرو والينبوت والبطم وهو أجودها مسخن مدربا هي وفي نسخة ويمضغ العلك قال ميرك كذا وقع عند رواة البخاري يحذف كلمة لا وهو أوفق بالسياق كما لا يخفى تأمل اه والظاهر أنه أراد بالسياق أن سوق الكلام السابق في الرخصة فينبغي أن يكون الكلام بالإثبات لا بالنفي أو النهي لكن قد يقال فرق بين المتعاطفين حيث رخص في ازدراد الأول ونهى عن ابتلاع الثاني فبهذا المعنى يناسب عدم الإثبات فالنفي بمعنى النهي والنهي نهي تنزيه وهذا المعنى أثبت ولهذا قال علماؤنا وكره مضغ شيء علكا كان أو غيره الإطعام صبي ضرورة لأن الضرورة تبيح الممنوع فأولى أن تبيح المكروه ولو تغير ريق الخياط بخيط مصبوغ وابتلعه إن صار ريقه مثل صبغ الخيط فسد صومه والألم يفسد اه كلامهم وهو يشير إلى أن الاعتبار بالغلبة والله أعلم وإن ازدرد ريق العلك بالكسر وفي نسخة بالفتح قال ابن حجر يصح هنا كسر العين وفتحها أي الريق المتولد من العلوك أو من مضغه لا أقول أنه يفطر بالتشديد فالضمير راجع إلى الازدراد وفي نسخة بالتخفيف فالضمير إلى الصائم وفي كلامه إشعار بأن في المسألة خلافا قال ابن حجر وإنما لم يفطر لأنه لم ينزل إلى الجوف عين أجنبية وإنما النازل إليه محض الريق لا غير ولكن ينهى أي نهى تنزيه عنه أي عن الازدراد والمفهوم من كلام ابن حجر أن الضمير راجع إلى مضغ العلك حيث قال وإلى هذا ذهب أئمتنا أيضا فقالوا يسن للصائم أن يحترز عن مضغ العلك فإن فعل كره لأنه يجمع الريق فإن ابتلعه أفطر في وجه قال وعبارة شرح المهذب قال أصحابنا ولا يفطر


بمجرد العلك ولا بنزول الريق منه إلى جوفه فإن تفتت فوصل من جرمه شيء إلى جوفه عمدا أفطر وإن شك في ذلك لم يفطر ولو نزل طعمه أو ريحه دون جرمه لم يفطر لأن ذلك الطعم لمجاورة الريق له إن ابتلع الريق وفيه طعمه أفطر وليس بشيء اه وقال علماؤنا رحمهم الله وكره مضغ شيء سواء كان علكا أم غيره قال ابن الهمام وقيل إذا لم يكن ملتئما بأن لم يمضغه أحد إن كان أبيض وكذا إذا كان أسود والأبيض يتفتت قبل المضغ فيصل إلى الجوف وإطلاق محمد عدم الفساد محمول على ما إذا لم يكن كذلك للقطع بأنه معلل بعدم الوصول فإذا فرض في بعض العلك معرفة الوصول منه عادة وجب الحكم فيه بالفساد لأنه كالمتيقن ووجه الكراهة أنه تعرض للفساد وتهمة الإفطار وعنه عليه الصلاة والسلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم وقال علي إياك وما سبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره لكن يستحب للنساء لقيامه مقام السواك في حقهن فإن بنيتهن ضعيفة قد لا تحتمل السواك فيخشى على اللثة والسن منه وهذا قائم مقامه فيفعلنه اه وهو وجه آخر لكراهته في حق الرجال لأنه حينئذ تشبه بالنساء رواه البخاري في ترجمته


باب صوم المسافر
أي في بيان حكم الصوم للمسافر من جواز فعله وتركه وبيان الأفضل منهما
الفصل الأول
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت إن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي أصوم في السفر أي فما حكمه أي فهل علي جناح في الصوم أو ضده أو يقدر الاستفهام وكان أي حمزة كثير الصيام وسيأتي أنه كان صائم الدهر فالجملة معترضة لبيان الحال الحامل له على هذا السؤال فقال إن شئت أي أردت الصيام فصم لقوله تعالى وأن تصوموا خير لكم البقرة وفي تقديم هذا الحكم إيماء إلى أنه أفضل قال ابن الملك الأكثر على أن صومه أفضل لتبرئة الذمة وإن شئت أي اخترت الإفطار فأفطر بهمزة قطع فإنه رخصة من الله تعالى لقوله عز وجل ومن كان مريضا أو على سفر البقرة أي وأفطر فعدة من أيام أخر البقرة أي فعليهما قضاء عدد تلك الأيام قال في شرح السنة هذ التخيير قول عامة أهل العلم إلا ابن عمر فإنه قال إن صام في السفر قضى في الحضر وإلا ابن عباس فإنه قال لا يجوز الصوم في السفر وإليه ذهب داود بن علي من المتأخرين وكأنهم تعلقوا بظاهر الآية ثم اختلفوا في الأفضل منهما فقال بعضهم الصوم أفضل وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وقال بعضهم الفطر أفضل


ويروى ذلك عن ابن عمر وقال بعضهم أفضل الأمرين أيسرهما لقوله تعالى يريد الله بكم اليسر البقرة وأما الذي يجهده الصوم في السفر ولا يطيقه فإفطاره أولى لقوله عليه الصلاة والسلام حين رأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه ليس من البر الصيام في السفر قال الشافعي وجه قوله ليس من البر الصيام في السفر وقوله عليه الصلاة والسلام أولئك العصاة فيمن بلغ له أن صاموا إن هذا فيمن لم يقبل قلبه رخصة الله تعالى فأما من رأى الفطر مباحا وقوي على الصوم فصام فهو أحب إلي اه وسيأتي في حديث الشيخين عن ابن عباس أنه قائل بالتخيير فما روي عنه وعن ابن عمر ينبغي أن يحمل على صوم العصاة وبهذا يندفع ما ذهب إليه الشيعة وبعض الظاهرية من عدم جواز الصوم مطلقا مستدلين بقولهما هذا ما ظهر لي في هذا المقام وأما قول ابن حجر ابن عباس معذور لعدم إطلاعه على حديث التخيير بخلافهم فإنهم اطلعوا عليه وتركوه لغير مقنع فغير مقنع وأما قوله واختار الشافعي وأصحابه أن أفضلهما أيسرهما بعد نقله أن أكثر العلماء على أن الصوم أفضل فمخالف لما في شرح السنة من أن الشافعي مع الجمهور وإن كان القول بأن الأيسر هو الأفضل يرجع في التحقيق إلى قول الأكثر فتدبر ولهذا قال ابن دقيق العيد قوله عليكم برخصة الله التي رخص لكم دليل على أنه يندب التمسك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها وترك التنطع والتعمق ومن لم يشق عليه الصوم فهو له أفضل مسارعة لبراءة الذمة ولفضيلة الوقت اه ويؤيده ما وقع في عبارة علمائنا وصوم سفر لا يضره أحب وفي الهداية قال الشافعي الفطر أفضل قال ابن الهمام الحق أن قوله كقولنا ولم يحك ذلك عنه إنما هذا مذهب أحمد متفق عليه هذا لفظ البخاري وسيأتي لفظ مسلم وعن أبي سعيد الخدري قال غزونا أي جاهدنا الكفار مع رسول الله فيه تجريدا وتأكيد لأن الغزوة لا تكون إلا معه بخلاف السرية لست عشرة أي ليلة مضت من شهر رمضان قال ابن الملك في الحديث دلالة على غلط من قال إن أحدا


إذا أنشأ السفر في أثناء رمضان لم يجز له أن يفطر فمنا من صام وهم الأقوياء ومنا من أفطر وهم الضعفاء أو خدام الكبراء فلم يعب بفتح الياء وكسر العين أي لم يلم وفي رواية فلا يجد أي لا
يغضب ولا يعترض الصائم على المفطر لأنه عمل بالرخصة ولا المفطر على الصائم لعمله بالعزيمة رواه مسلم وفي رواية له يرون إن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن ويرون إن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن وروى أيضا كنا نسافر مع رسول الله فيصوم الصائم ويفطر المفطر ولا يعيب بعضهم على بعض وروى الشيخان عن أبي الدرداء خرجنا مع رسول الله في شهر رمضان في حر شديد ما فينا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة قال ابن حجر وهذه غير غزوة الفتح لأن ابن رواحة استشهد قبلها بمؤتة وغير غزوة بدر لأن أبا الدرداء حضر هذه ولم يكن أسلم يوم بدر اه وفيه إنه لم يعرف أنه سافر أيام رمضان غير هاتين الغزوتين قال ابن الهمام وفي الصحيح ما روى عن أبي الدرداء خرجنا مع رسول الله في بعض غزواته في حر شديد حتى أن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله اه ولم يذكر رمضان ولفظ مسلم في رواية قال خرجنا مع رسول الله في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة وفي رواية قال أبو الدرداء لقد رأيتنا مع رسول الله في بعض أسفاره في يوم شديد الحر حتى أن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما منا أحد صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة ولفظ البخاري يوافق الرواية الأخيرة لمسلم والربيع نسب الرواية الأولى إلى الشيخين والله أعلم وعن جابر قال كان رسول الله في سفر فرأى زحاما بكسر الزاء أي مزاحمة في الاجتماع على غرض الاطلاع ورجلا هو أبو إسرائيل واسمه قيس وقيل قشير وقيل قيصر وهو أصح ذكر ميرك قد ظلل عليه أي جعل عليه ظل اتقاء عن الشمس أو إبقاء عليه للإفاقة لأنه سقط من شدة


الحرارة أو من ضعف الصوم أو من الإغماء وقيل ضرب على رأسه مظلة كالخيمة وشبهها وقيل ظلل عليه بالقيام على رأسه من جوانبه قال في التتمة إنه كان في غزوة تبوك في ظل شجرة هكذا هو في مسند الشافعي وقال الشيخ ابن حجر هو
في غزوة الفتح كما بين في رواية أخرى والله أعلم وهو يدل على بلوغ العطش النهاية وحرارة الصوم الغاية فقال ما هذا أي ما هذا الزحام أو التظليل قالوا صائم أي ثمة صائم سقط للضعف ويحتمل أن يكون ما بمعنى من أي من هذا الساقط نقله ميرك عن الأزهار فقال ليس من البر الصوم قال الزركشي من زائدة لتأكيد النفي وقيل للتبعيض وليس بشيء وروى أهل اليمن ليس من أمبر أمصيام في أمفسر فأبدلوا من اللام ميما وهي لغة قليلة قال ابن الهمام رواه عبد الرزاق عن كعب بن عاصم الأشعري وفي نسخة المصابيح الصيام بدل الصوم أي الذي يؤدي إلى هذه الحالة في السفر لأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه وقال تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر البقرة قال الخطابي الحديث محمول على ما إذا أدى الصوم إلى تلك الحالة التي شاهدها النبي بدليل صيامه عليه الصلاة والسلام في السفر عام الفتح وخير حمزة الأسلمي قال الشمني وصوم سفر لا يضر أحب من الفطر وبهذا قال مالك والشافعي وقال أحمد والأوزاعي الفطر أحب مطلقا لهذا الحديث ولنا أن الصوم هو العزيمة في حق الكل لقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة والأخذ بالعزيمة أفضل وأيضا رمضان أفضل الوقتين فالأداء فيه أفضل قال ميرك فيه دليل على أن الفطر مع القوة أفضل من الصوم مع العجز كما قال الشافعي والأكثرون وفيه دليل على أن خدمة الصلحاء خير من النوافل ذكره الشيخ في العوارف متفق عليه وعن أنس قال كنا مع النبي في السفر فمنا الصائم أريد به الجنس ومنا المفطر فنزلنا منزلا في يوم حار فسقط الصوامون بصيغة المبالغة أي ضعفوا عن الحركة ومباشرة حوائجهم لأجل ضعفهم وقام المفطرون أي


بالخدمة فضربوا الأبنية أي قام المفطرون ونصبوا الخيام وسقوا الركاب أي الإبل التي يسار عليها فقال رسول الله ذهب المفطرون اليوم بالأجر أي بالثواب الأكمل لأن الإفطار كان في حقهم حينئذ أفضل وفي ذكر اليوم إشارة إلى عدم إطلاق هذا الحكم وقال الطيبي أي إنهم مضوا واستصحبوا الأجر ولم يتركوا لغيرهم شيئا منه على طريقة المبالغة يقال ذهب به إذا استصحبه ومضى به
معه اه يعني بالأجر كله أو بكل الأجر مبالغة هذا وما ذكره الطيبي من أنه كقوله تعالى ذهب الله بنورهم البقرة الكشاف يقال ذهب به إذا استصحبه ومضى معه وهو مذهب المبرد غير صحيح في الآية لأن معناها أذهبه فلم يبق لهم منه شيء ولاستحالة المضى والإستصحاب مع نورهم في حقه تعالى متفق عليه وعن ابن عباس قال خرج رسول الله من المدينة إلى مكة أي عام الفتح فصام حتى بلغ عسفان بضم العين وسكون السين المهملتين اسم موضع قريب من المدينة ذكره ابن الملك وهو سهو قلم أو خطأ قدم والصواب أنه موضع على مرحلتين من مكة ثم دعا بماء أي طلبه فرفعه إلى يده الجار والمجرور حال أي رفع الماء منتهيا إلى أقصى مديده قال الزركشي كذا لأكثرهم وعند ابن السكن إلى فيه وهو الأظهر إلا أن إلى في رواية الأكثرين بمعنى على فيستقيم الكلام اه وبه بطل قول بعضهم الصواب رواية أبي داود فرفعه إلى فيه وإن ذكر يده هنا تصحيف اه وقد جاء إلى بمعنى مع كقوله تعالى من أنصاري إلى الله الصف و أيديكم إلى المرافق المائدة ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم النساء كما قاله ابن الملك وغيره فيكون المعنى فرفعه مع يده ليروه ويقتدوا به لكن قال الرضى وغيره التحقيق إنها في هذه الثلاثة لانتهاء الغاية كما هو الأصل وهو الأصل ولذا اخترناه كما أشرنا إليه والمعنى فرفعه رفعا بليغا منتهيا إلى رفع يده قال الطيبي التضمين أي انتهى الرفع إلى أقصى غايتها ويمكن أن يكون بمعنى في للظرفية كقوله تعالى يجمعنكم إلى يوم القيامة الأنعام أي


فرفعه حال كونه في يده ليراه الناس أي وليعلموا جوازه أو ليختاروا متابعته فأفطر قال الطيبي دل على أن من أصبح صائما في السفر جاز أن يفطر اه وتبعه ابن حجر وقال فيه أظهر ولعل ذا مؤول ليس فيه دلالة ما على أنه كان صائما ذلك اليوم مطلقا بل المعنى إنه صام من المدينة إلى غسفان فأفطر أي منه واستمر مفطرا حتى قدم مكة وهو إما لبيان الجواز أو لحصول عذر حادث وهو التهيؤ للقتال إن احتيج إليه في الاستقبال والله أعلم بالحال وذلك أي ما ذكر من الصوم والإفطار كان في رمضان فكان ابن عباس يقول قد صام رسول الله وأفطر يعني في رمضان سنة
ثمان حال السفر فمن شاء صام ومن شاء أفطر أي لا حرج على أحدهما في شرح السنة لا فرق عند عامة أهل العلم بين من ينشىء السفر في شهر رمضان وبين من يدخل عليه شهر رمضان وهو مسافر وقال عبيدة السلماني إذا أنشأ السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار لظاهر قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة وهذا الحديث حجة على القائل ومعنى الآية الشهر كله فأما من شهد بعضه فلم يشهد الشهر اه والأظهر أن معنى الآية فمن شهد منكم شيئا منه من غير مرض وسفر واختلف أي يوم خرج للفتح فقيل لعشر خلون من رمضان بعد العصر وقيل لليلتين خلتا من رمضان وهو الأصح متفق عليه وفي رواية لمسلم عن جابر أنه أي النبي شرب بعد العصر يعني على الوصف المتقدم من رفع الماء إلى يده ليعلم الناس أن الافطار في السفر جائز وهذا أقرب في الدلالة على ما قال الطيبي مع أنه ليس نصا في المقصود كما لا يخفى
الفصل الثاني


عن أنس بن مالك الكعبي وزاد ابن ماجه رجل من بني عبد الله الأشعري وغلط في ذلك بأن الصواب أنه من بني عبد الله بن كعب على ما جزم به البخاري في ترجمته وجرى عليه أبو داود فقال رجل من بني عبد الله بن كعب أخوه قشير فهو كعبي لا قشيري خلافا لما وقع لابن عبد البر لأن كعبا له ابنان عبد الله جد أنس هذا وقشير وهو أخو عبد الله وبهذا يظهر ما في كلام الطيبي هو أبو أمامة الكعبي ويقال له القشيري والعقيلي والعامري أسند حديثا واحدا في صوم المسافر والحامل والمرضع سكن البصرة وأما أبو حمزة أنس بن مالك خادم النبي فهو أنصاري تجاري خزرجي يسند أحاديث كثيرة قال قال رسول الله إن الله وضع عن المسافر قال ابن حجر فيه حجة لما عليه الشافعي إن القصر جائز لا


واجب لأن وضع بمعنى أسقط وإسقاط الشيء يقتضي إسقاط وجوبه الأخص لا جوازه الأعم اه وهو مردود لأن موضوع وضع ليس بالمعنى الذي ذكر لا لغة ولا اصطلاحا أما لغة فظاهر وأما الاصطلاح الشرعي فقد ورد أن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان أي كلفتهما وما يترتب عليهما من الحرج والاثم وكذا قوله تعالى ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم المائدة وقد قال ابن الهمام واعلم أن من الشارحين أي للهداية من يحكى خلافا بين المشايخ في أن القصر عندنا عزيمة أو رخصه وينقل اختلاف عبارتهم في ذلك وهو غلط لأن من قال رخصة عنى رخصة الإسقاط وهو العزيمة وتسميتها رخصة مجاز وهذا بحث لا يخفى على أحد اه وقد تقدم دليل مذهبنا الصريح في المقصود ومنه حديث عائشة في الصحيحين قالت فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر فمعنى وضع أي رفع ابتداء عن المسافر شطر الصلاة أي نصف الصلاة الرباعية ولا قضاء والصوم بالنصب أي وجوبه عن المسافر لكن عليه القضاء إذا أقام قال الطيبي وإنما ذكر عن المسافر بعد الصوم ليصح عطف عن المرضع عليه لأن شطر الصلاة ليس موضوعا عن المرضع وعن المرضع ولم تدخله التاء للاختصاص مثل حائض والحبلى لكن يقضيان ولا فدية عليهما عندنا وقال الشافعي وأحمد يجب عليهما الفدية وقال مالك يجب على الحامل دون المرضع كذا نقله ابن الملك وقال الطيبي عند الشافعي أن أفطرتا خوفا على أنفسهما قضتا ولا فدية وإن خافتا على الولد فعليهما الفدية أيضا كما في الكفارات اه ولنا أن الفدية ثبتت في الشيخ الفاني على خلاف القياس فلا يلحق به غيره قال الخطابي قد يجمع نظم الكلام أشياء ذات عدد مسوقة في الذكر متفرقة في الحكم رواه أبو داود والترمذي وصححه وغيره والنسائي وابن ماجه وكذا أحمد وعن سلمة بن المحبق بفتح الموحدة المشددة ويكسر قال الطيبي بكسر الباء وأهل الحديث يفتحونها قلت قول المحدثين أقوى من اللغويين وأحرى كما لا يخفى


قال قال رسول الله من كان له حمولة بفتح الحاء أي مركوب كل ما يحمل عليه من إبل أو حمار أو غيرهما وفعول يدخله الهاء إذا كان بمعنى مفعول أي من كان له دابة تأوى أي تأويه فإن أوى لازم ومتعدعلى لفظ واحد وأما قول ابن حجر من أوى بالمد والقصر لازم ومتعد فغير صحيح مخالف للطيبي حيث قال وإن كان الأكثر في المتعدى بالمد وفي الحديث يجوز الوجهان والمعنى تؤوي صاحبها أو تأوي بصاحبها إلى شيع بكسر الشين وسكون
الموحدة ما أشبعك وبفتح الباء المصدر والمعنى الأول هنا أظهر والثاني يحتاج إلى تقدير مضاف وهو في الرواية أكثر يعني من كانت له حمولة تأويه إلى حال شبع ورفاهية أو إلى مقام يقدر على الشبع فيه ولم يلحقه في سفره وعناء ومشقة وعناء وأما ما زاده ابن حجر من قوله ومسكن يقيه الحر والبرد فغير مفهوم من الحديث وغير معتبر في الشرط كما هو مقرر في الشرع فليصم رمضان حيث أدركه أي رمضان قال الطيبي الأمر فيه محمول على الندب والحث على الأولى والأفضل للنصوص الدالة على جواز الإفطار في السفر مطلقا وقال المظهر يعني من كان راكبا وسفره قصير بحيث يبلغ إلى المنزل في يومه فليصم رمضان وقال داود يجوز الإفطار في السفر أي قدر كان رواه أبو داود قال ميرك وفي سنده عبد الصمد بن حبيب الأزدي ضعفه أحمد وقال البخاري منكر الحديث ولا بعد هذا الحديث شيئا وقال العقبى لا يعرف هذا الحديث إلا به ولا يتابع عليه كذا في التصحيح وقال الشيخ ابن حجر ضعفه أحمد وقال ابن معين لا بأس به اه وصح الحديث أنه ضعيف وليس له طريق واحد فلا يحسن قول ابن حجر وفيه الرد على من زعم جواز الفطر في قصير السفر كطويله اه والأولى رده بما ذكر في باب صلاة المسافر
الفصل الثالث


عن جابر أن رسول الله خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم بضم الكاف وفتح الغين المعجمة واد بالحجاز منتهاه قريب من عسفان سمي ذلك المنتهى كراعا لأنه يشبه كراع الغنم وهو ما دون الركبة من الساق ذكره ابن حجر وفي النهاية هو اسم موضع بين مكة والمدينة والكراع جانب مستطيل من الحرة تشبيها بالكراع والغميم بالفتح واد بالحجاز فصام الناس عطف على فصام أي صام هو وأصحابه ثم دعا بقدح من ماء فرفعه أي القدح أو الماء حتى نظر الناس إليه عليه الصلاة والسلام ثم شرب أي ليتابعه الناس بما اقتضى رأيه الذي فوق كل قياس فقيل له أي للنبي بعد ذلك أي بعد إفطاره إن بعض الناس ظنا منهم إن إفطاره كان لبيان الجواز


قد صام أفرد الضمير للفظ البعض ثم رجع لمعناه فقال أولئك العصاة حيث عملوا بالظن مع القدرة على اليقين بالسؤال منه عليه الصلاة والسلام أولئك العصاة كرره تأكيدا أو تشديدا قال الطيبي التعريف في الخبر للجنس أي الكاملون في العصيان فإن النبي إنما رفع قدح الماء ليراه الناس فيتبعوه في قبول رخصة الله تعالى فمن صام فقد بالغ في عصيانه اه وهو محمول على الزجر والتغليظ لأن الظاهر إن هذا وقع منهم بناء على خطأ في اجتهادهم إذ لم يقع أمر صريح بإفطارهم قال النووي وهذا محمول على من تفرد بالصوم وإنهم أمروا بالفطر أمرا جازما لمصلحة بيان جوازه وقال ابن الهمام محمول على ما استضروا به بدليل ما ورد في صحيح مسلم في لفظ منه فقيل له أن الناس قد شق عليهم الصوم ورواه الواقدي في المغازي وفيه وكان أمرهم بالفطر فلم يقبلوا والعبرة وإن كان بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لكن يحمل عليه دفعا للمعارضة بين الأحاديث فإنها صريحة في الصوم في السفر رواه مسلم وعن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله صائم رمضان في السفر أي مع احتمال المشقة المضرة كالمفطر في الحضر أي كوزر المفطر في حال كمال القدرة قال ميرك يفهم منه منع الصوم في السفر كمنع الإفطار في الحضر قلت هذا ظاهر الحديث ومشى عليه الظاهرية وإنما أولناه جمعا بينه وبين الأحاديث الواردة على خلاف ذلك صريحا وذهب إليها جمهور العلماء وقيل إنهما متساويان في أن أحدهما تارك الرخصة والآخر تارك العزيمة ذكره الطيبي وفيه أنهما لا يستويان إذ ترك الرخصة مباح وترك تلك العزيمة حرام والله أعلم رواه ابن ماجه قال ابن الهمام عن عبد الله بن موسى التيمي عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه وأخرجه البزار عن عبد الله بن عيسى المديني حدثنا أسامة بن زيد به ثم قال هذا حديث أسنده أسامة بن زيد وتابعه يونس ورواه ابن أبي ذؤيب وغيره عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه


موقوفا على عبد الرحمن ولو ثبت مرفوعا كان خروجه عليه الصلاة والسلام حين خرج فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأمر الناس بالفطر دليلا على نسخة اه والكديد ما بين الحرمين قال ابن الهمام واعلم أن هذا في الصحيحين عن ابن عباس خرج عليه الصلاة والسلام عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر قال الزهري وكان
الفطر آخر الأمرين قال ابن الهمام وهذا مما يتمسك به القائلون بمنع الصوم لا غيرهم باعتبار ما كان آخر الأمر فالحاصل التعارض بحسب الظاهر والجمع ما أمكن أولى من إهمال أحدهما واعتبار نسخة من غير دلالة قاطعة فيه والجمع بما قلنا من حمل ما ورد من نسبة من لم يفطر إلى العصيان وعدم البر وفطره بالكديد على عروض المشقة خصوصا وقد ورد ما قدمناه من نقل وقوعها فيجب المصير إليه وأحاديث الجواز أقوى ثبوتا واستقامة مجىء وأوفق لكتاب الله سبحانه وتعالى بعد قوله فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر البقرة فعلل التأخير إلى إدراك العدة بإرادة اليسر والعسر أيضا لا يتعين في الفطر بل قد يكون اليسر في الصوم إذا كان قويا عليه غير مستضربه لموافقة الناس فإن في الائتساء تخفيفا أو لأن النفس توطنت على هذا الزمان ما لم تتوطن على غيره فالصوم فيه أيسر عليهما وبهذا التعليل علم أن المراد بقوله فعدة من أيام أخر البقرة ليس معناه أنه يتعين ذلك بل المعنى فأفطر فعليه عدة أو المعنى فعدة من أيام يحل له التأخير إليها لا كما ظنه أهل الظواهر وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال يا رسول الله إني أجد بي قوة أي زائدة على الصيام في السفر فهل علي جناح أي إثم أو بأس بالصوم أو الفطر قال هي أي الإفطار رخصة وتأنيث الضمير لتأنيث الخبر من الله عز وجل فإن الصوم عزيمة منه تعالى لقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة وقال الطيبي قوله هي رخصة الضمير راجع إلى معنى السؤال أي هل على إثم أن أفطر فائته


باعتبار الخبر كما في قوله من كانت أمك ويحتمل أن السائل قد سمع أن الإفطار في السفر عصيان كما في حديث جابر أولئك العصاة فسأل هل علي جناح أن أصوم لأني قوى عليه فقال لا لأن الإفطار رخصة فلفظ الحسن يقوى الوجه الأول فإن العصيان إنما هو في رد الرخصة لا في إتيانها وقال ابن حجر يحتمل أن مراده فهل علي جناح في االفطر لأني قوي والرخصة للضعيف أو في الصوم لأن الفطر رخصة وقد تكون واجبة وقوله هي أي تلك الفعلة أو الخصلة المذكورة وهي الإفطار في السفر وأنث ضميره وهو رخصة أي تسهيل من الله عز وجل لعباده دفعا للمشقة عليهم وما جعل عليكم في الدين من حرج وتأنيث الضمير فتأنيث الخبر فمن أخذ بها أي بالرخصة فحسن أي فعله حسن مرضى لا جناح عليه للحديث الآخر إن الله يحب أن يؤتى رخصة كما يحب أن يؤتى عزائمه ومن أحب أن يصوم وفي مغايرة العبارة بين الشرطين إشارة لطيفة إلى أفضلية الصوم فلا جناح عليه كان ظاهر المقابلة أن يقول فحسن أو فأحسن لقوله تعالى وأن تصوموا خير لكم البقرة بل مقتضى كون الأول رخصة والثاني عزيمة أن يعكس في الجزاء بأن يقال في الأول فلا جناح عليه وفي الثاني فحسن لكن أريد المبالغة لأن الرخصة إذا كانت حسنا فالعزيمة أولى بذلك ولعله عليه السلام علم بنور النبوة إن مراد السائل بقوله فهل علي جناح أي في الصوم ويدل عليه المقدمة المتقدمة من قوله إني أجد بي قوة على الصيام وكذا ما سبق من حديثه في أول الباب والله تعالى أعلم بالصواب رواه مسلم


باب القضاء
أي حكمه وآدابه
الفصل الأول
عن عائشة رضي الله عنها قالت كان أي الأمر والشأن يكون علي الصوم أي قضاؤه من رمضان وقال الطيبي الصوم اسم كان وعلي خبره ويكون زائدة كما في قوله إن من أفضلهم كان زائدة ذكر الطيبي وتبعه ابن حجر وقال نحو وما علمي بما كانوا يعملون وتنظيره غير صحيح كما لا يخفى وكذا قوله ويصح كونها غير زائدة لأنها تأتي بمعنى حضر أي كان الصوم من رمضان يحضر على أي وقت قضائه بأن أكون طاهرة صحيحة اه وفيه أنه يصير التقدير كان الصوم يحضر الصوم أو مرجع كان إلى غير مذكور ولو قيل بزيادة كان كان له وجه من استحضار الحال الماضية لكنه لا يلائمه قولها فما أستطيع أي ما أقدر أن أقضي إلا في شعبان قال يحيى بن سعيد أحد رواة الحديث زيادة


على غيره في الرواية عنها قاله ابن حجر والظاهر أنه تفسير منه الشغل قال النووي هكذا في النسخ بالألف واللام مرفوع على أنه فاعل أن يمنعني الشغل اه والظاهر يمنعها الشغل من النبي أو بالنبي ومن للتعليل أي لأجله والباء للسببية والمراد أنها كانت مهيئة نفسها لرسول الله لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك ذكره الطيبي والحاصل أنها كانت لا تصوم حتى القضاء كيلا تفوت على النبي استمتاعه بها فتؤخر القضاء إلى شعبان لأنه غاية الإمكان في تأخيره من الزمان وقال الأشرف تعني أن النبي كان يصوم أكثر شعبان على ما روي أنه كان يصوم شعبان إلا قليلا ولا يحتاج إليها فيه وفيه أن الاحتياج إليها قد يكون في الليالي ثم أو للشك من أحد الرواة عن يحيى على ما هو الظاهر ويمكن أن يكون للتنويع والشغل مبتدأ والتقدير الشغل المانع لقضاء الصوم كان ثابتا من جهته أو اشتغالها بخدمته هو المانع من القضاء وقال الزركشي هو بالرفع بفعل مضمر أي أوجب لك الشغل أو مني الشغل وهذا من البخاري بيان أن هذا ليس من قول عائشة بل مدرج من قول غيرها واستشكله بعضهم برواية مسلم فما نقدر أن نقضيه مع رسول الله فإنه نص في كونه من قولها وفيه نظر اه متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يحل للمرأة أن تصوم أي نفلا لئلا يفوت على الزوج الاستمتاع بها وزوجها شاهد أي حاضر معها في بلدها إلا باذنه تصريحا أو تلويحا وظاهر الحديث إلاق منع صوم النفل فهو حجة على الشافعية في استثناء نحو عرفة وعاشوراء وإنما لم يلحق بالصوم في ذلك صلاة التطوع لقصر زمنها وفي معنى الصوم الاعتكاف لا سيما على القول بأن الاعتكاف لا يصح بدون الصوم وأما قول أصحاب الشافعي يجوز رجوعه عن الإذن لها في الاعتكاف المندوب لأنه لا يجب بالشروع فيه وكذا الصوم فو في غاية من البعد إذ لا يتجه حينئذ للإذن ولمخالفة ظاهر قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم ولا يبعد أن يحمل قوله لا يحل على معنى لا ينبغي


أن تصوم قضاء رمضان أو قضاء صوم النفل إذا كان الوقت متسعا ليكون مناسبا لعنوان الباب والله أعلم بالصواب ولا تأذن بالنصب في النسخ المصححة عطفا على تصوم أي ولا يحل لها أن تأذن أحدا من الأجانب أو الأقارب حتى النساء ولا مزيدة للتأكيد وقال ابن حجر يصح رفعه خبرا يراد به النهي وحرمه على النهي في بيته أي في دخول بيته إلا بإذنه وفي معناه العلم برضاه رواه مسلم
وعن معاذة العدوية أنها قالت لعائشة ما بال الحائض أي ما شأنها وإنما لم يدخله التاء للاختصاص تقضي الصوم أي الذي فاتها أيام حيضها ولا تقضي الصلاة مع أنهما فرضان تركا لعلة واحدة وهي الحيض وفي معناه النفاس قالت عائشة كان أي الشأن يصيبنا ذلك بكسر الكاف ويفتح أي الحيض فنؤمر أي نحن معاشر النساء بقضاء الصوم لعله لندرته وقلته ولا نؤمر بقضاء الصلاة لكثرتها الموجبة للحرج في شرح الطيبي قيل من الأسلوب الحكيم أي دعى السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من متابعة النص والانقياد للشارع وفيه إنه إنما يتم إذا كانت السائلة غير عالمة بأصل المسألة والظاهر خلافه فكان الجواب إعتراف بالعجز عن معرفة العلة واغتراف من بحر العبودية بالتعبد في أمور الملة فلا أدري نصف العلم قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا البقرة ويقال إنما السائلة أرادت العلة المعلومة من جهته عليه الصلاة والسلام فبينت المسؤولة أن المسموع منه عليه الصلاة والسلام هذا لا غير والله أعلم وهذا لا ينافي ما علل أن قضاء الصوم لا يشق لأنه لا يكون في السنة إلا مرة بخلاف قضاء الصلاة فإنه يشق كثيرا لأنه يكون غالبا في كل شهر ستا أو سبعا وقد يمتد إلى عشر فيلزم قضاء صلوات أربعة أشهر من السنة وذلك في غاية المشقة وأما قول ابن حجر أن التقدير دعي السؤال عن العلة لأنها خفية لا أهلية لك فيها إلى فهمها فهو في غاية من البعد عن فقهه إذ الصحابيات ما كن عن فهم مثل هذا خاليات ونظير قوله قول العلامة التفتازاني حيث قال في


قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج البقرة أنه من أسلوب الحكيم لأن الصحابة ما كانوا يدركون دقائق الحكم المتعلقة بالهيئة وقد تعقبه شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي بأن هذا خطأ فاحش لأن من جملة السائلين معاذ بن جبل الذي قال عليه الصلاة والسلام في حقه إنه أعلم الصحابة بالحلال والحرام وهو من الأعلام الكرام وفيهم علي كرم الله وجهه الذي هو باب لمدينة العلم رواه مسلم وعن عائشة قالت قال رسول الله من مات وعليه صوم أي قضاء صوم قال ابن حجر لا فرق في ذلك بين أداء رمضان وقضائه والنذر والكفارة صام أي كفر عنه وليه قال الطيبي تأويل الحديث أنه يتدارك ذلك وليه بالإطعام فكأنه صام والولي كل قريب


على المختار وذهب إلى ظاهره ابن عباس وقيل هو قول أحمد وإسحاق وإن صام أجنبي بإذن الولي جاز عند من يجوز صوم الولي وقال داود هذا في النذر وفي قضاء رمضان يطعم عنه وليه ولا يصوم وقال ميرك قد اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب فذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عنه وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه وأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليه وذهب آخرون إلى أن الولي يصوم عنه عملا بظاهر هذا الحديث وبه قال أحمد وهو أحد قولي الشافعي وصححه النووي ونقله عن جماعة من محققي الشافعية وقال من يقول بالصيام يجوز له الإطعام ويجعل الولي مخيرا بين الصيام والإطعام اه وإنما أولوا الحديث لأن القياس وفتوى الصحابة يخالفانه وكذا الحديث الآتي وهو وإن كان موقوفا فهو في حكم المرفوع ثم لا بد من الإيصاء عندنا في لزوم الإطعام على الوارث خلافا للشافعي وإن أوصى فإنما يلزم الوارث إخراجه إذا كان يخرج من الثلث فإن زاد على الثلث لا يجب على الوارث فإن أخرج كان متطوعا عن الميت ويحكم بجواز اجزائه كذا قاله ابن الهمام وهذا كله إذا فاته شيء بعد إمكان قضائه وأما من فاته شيء من رمضان قبل إمكان القضاء فلا تدارك له ولا إثم وأجمع العلماء على ذلك إلا طاوسا وقتادة فإنهما يوجبان التدارك بالصوم أو الكفارة ولو مات قبل إمكان القضاء متفق عليه وروى أحمد وأبو داود أنه جاءت إليه عليه الصلاة والسلام امرأة قرابة لامرأة ماتت وعليها نذر شهر فذكرت له ذلك فقال صومي عنها
الفصل الثاني


عن نافع عن ابن عمر عن النبي قال من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه على بناء المجهول مكان كل يوم من أيام الصيام الفائتة وكذا في كل صلاة وقيل في صلاة كل يوم مسكين أي نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو قيمة أحدهما رواه الترمذي وقال والصحيح أنه موقوف على ابن عمر قال ميرك نقلا عن التصحيح وقال لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه والصحيح الخ وقال النووي هذا الحديث ليس بثابت ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين الحديث الذي قبله بحمله على جواز الأمرين قلت يأبى عن هذا
الحمل الحديث الآتي عنه وقال ابن الملقن هذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه بإسناد ضعيف والمحفوظ وقفه على ابن عمر قاله الترمذي والدارقطني والبيهقي اه ولا يخفى أن هذا الموقوف في حكم المرفوع فإن مثله لا يقال من قبل الرأي
الفصل الثالث


عن مالك بلغه أن ابن عمر كان يسأل على صيغة المجهول هل يصوم أحد عن أحد أو يصلي أحد عن أحد فيقول لا يصوم أحد عن أحد أي بدلا عنه ولا يصلي أحد عن أحد في شرح السنة هذا مذهب الشافعي و أصحاب أبي حنيفة وذهب قوم إلى أنه يصوم عنه وليه وبه قال أحمد وقال الحسن إن صام عنه ثلاثون رجلا كل واحد يوما جاز واتفق أهل العلم على أنه لا كفارة للصلاة وهو قول الشافعي وقال أصحاب أبي حنيفة إنه يطعم عنه وقال قوم يصلي عنه اه فكأنه أراد بالاتفاق إتفاق الشافعية فإنهم اختلفوا في الصوم رواه أي مالك في الموطأ وتقدم الكلام على ما يرد على المصنف في هذه العبارة قال ابن الهمام وجه قول الشافعي ما في الصحيحين عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي فقال إن أمي ماتت وعليها صوم شر أفأقضيه عنها فقال لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها قال نعم قال فدين الله أحق قلنا الاتفاق على صرفه عن ظاهره فإنه لا يصح في الصلاة الدين وقد أخرج النسائي عن ابن عباس وهو راوي الحديث في سننه الكبرى أنه قال لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد وفتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ ونسخ الحكم يدل على إخراج المناط عن الاعتبار وقد روى عن ابن عمر رضي الله عنهما نحوه أخرجه عبد الرزاق وذكره مالك بلاغا في الموطأ قال مالك ولم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة أن أحدا منهم أمر أحدا يصوم عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد اه وهذا مما يؤيد النسخ وإنه الأمر الذي استقر عليه الشرع آخر اه وأما ما روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال إن من البر بعد البر بالوالدين أن تصلي لهما مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك مع أنه حديث معضل مرسل قيل المراد إنه يدعو لهما قال المحب


الطبري من متأخري الشافعية ويصل للميت ثواب كل عبادة فعلت عنه واجبة أو مندوبة وكتب أصحابنا الحنفية خاصة على أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغير صلاة أو غيرها بل عبارة كثير منهم إن هذا مذهب أهل السنة والجماعة


باب صيام التطوع
أي فعله تقربا إلى الله تعالى عن طوع ورغبة لا عن تكليف مرتب على رهبة والله أعلم
الفصل الأول
عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله أي أحيانا يصوم أي النفل متتابعا حتى نقول لا يفطر أي أبدا قال التوربشتي الرواية في نقول بالنون وقد وجدت في بعض النسخ بالتاء على الخطاب كأنها تقول أنت أيها السامع لو أبصرته والرواية أيضا بنصب اللام وهو الأكثر في كلامهم ومنهم من رفع المستقبل في مثل هذا الموضع وقال ابن الملك ويجوز بياء الغائب أيضا أي يقول القائل اه وفيه تفكيك الضمير واختلف في تجويزه والأظهر عدم جوازه سيما في جملة واحدة من الكلام ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر قط هذا بمنزلة استثناء من الكلام السابق إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر ثاني مفعولي رأيت والضمير في منه له صياما تمييز في شعبان متعلق بصياما والمعنى كان رسول الله يصوم في شعبان وفي غيره من الشهور سوى رمضان وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه كذا ذكره الطيبي وقال بعض الشراح قوله في شهر يعني به غير شعبان وهو حال من المستكن في أكثر وفي شعبان حال من المجرور في منه العائد إلى الرسول الله أي ما رأيته كائنا في غير شعبان أكثر صياما منه كائنا في شعبان مثل زيد قائما أحسن منه قاعدا أو كلاهما ظرف أكثر الأول باعتبار الزيادة


والثاني باعتبار أصل المعنى ولا تعلق له برؤيته وإلا يلزم تفضيل الشيء علي نفسه باعتبار حالة واحدة وفي رواية قالت كان يصوم شعبان كله قيل أي في أول الأمر كان وفي نسخة كان يصوم شعبان إلا قليلا قال النووي الثاني تفسير للأول وبيان قولها كله أي غالبه اه وهو تأويل بعيد حمله عليه قولها في الرواية الأولى قط إلا رمضان وقيل المراد أنه يصومه كله في سنة وأكثره في سنة أخرى فالمعنى على العطف اه وهو أقرب لظاهر اللفظ وقيل كان يصوم تارة من أوله وتارة من آخره وتارة بينهما قال الطيبي ولفظ كله تأكيد لإفادة الشمول ورفع التجوز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض مناف له ولو جعل كان الثاني وما يتعلق به استئنافا ليكون بيانا للحالتين حالة الإتمام وحالة غيره لكان أحسن وأعذب فلو عطف بالواو لم يحمل هذا التأويل متفق عليه وعن عبد الله بن شقيق قال قلت لعائشة أكان النبي يصوم شهرا كله قالت ما علمته صام شهرا كله إلا رمضان ولا أفطره أي شهرا كله تأكيد له حتى يصوم منه أي بعضه حتى مضى لسبيله كناية عن الموت واللام في لسبيله مثلها في قولك لقيته لثلاث بقين من الشهر تريد مستقبلا لثلاث أي كان حاله ما ذكر إلى أن مات وفيه إشارة إلى أنه بعث لأداء الرسالة فلما أداها مضى إلى مأواه ومستقره قال الطيبي حتى الأولى بمعنى كي كقولك سرت حتى أدخل البلد بالنصب إذا كان دخولك مترقبا لما يوجد كأنك قلت سرت كي أدخلها وكان متقضيا إلا أنه في حكم المستقبل من حيث إنه في وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقبا وتحريره إن حتى الأولى غاية عدم الصوم باستمرار الإفطار استعقب للصوم والثانية غاية لعدم علمه بالحالتين من الصيام والإفطار والاستمرار هو مستفاد من النفي الداخل على الماضي والحديث وارد على هذا لأنه عليه الصلاة والسلام حين عزم أن لا يصوم الشهر كله كان مترقبا أن يصوم بعضه وحتى الثانية غاية لما تقدمه من الجمل كلها رواه مسلم وعن عمران بن حصين عن


النبي إنه أي النبي سأله أي عمران أو سأل
رجلا شك من الراوي وعمران يسمع جملة حالية فقال أي النبي يا أبا فلان أما صمت الهمزة للاستفهام وما نافية من سرر شعبان بفتح السين ويكسر وكذا السرار على ما في رواية أخرى قال شاعرهم شهور ينقضين وما شعرنا لانصاف لهن ولا سرار أي آخره في القاموس السرار كسحاب من الشهر آخر ليلة منه كسرره وسرره وفي مختصر النهاية قال الأزهري هو آخر ليلة لستر الهلال بنور الشمس قال السيوطي قال البيهقي في سننه الصحيح إن سرره آخره وإنه أراد به اليوم أو اليومين الذي يستر القمر وقال الفارسي إنه الأشهر وقيل روى صوموا الشهر وسره فقيل أوله وقيل مستهله وقيل وسطه وسر كل شيء جوفه قال الفارسي وقال روى هل صمت من سرة هذا الشهر كأنه أراد وسطه لأن السرة وسط قامة الإنسان قال الطيبي السرر ليلتان من آخر الشهر سمي اليومان الأخيران من الشهر سرر أو سرار الاستتار القمر في ليلتهما قال لا قال فإذا أفطرت أي اليومين الأخيرين من شعبان وقيل إذا فرغت من رمضان فصم يومين لقضائهما أو بدلا عنهما وهو أمر ندب إن كان المراد به حقيقة التعقيب وإلا فأمر وجوب على التوسع في البعدية قالوا كان هذا الرجل أوجب على نفسه صوم يومين من آخر الشهر بنذر فلما فاته قال له إذا أفطرت من رمضان فصم يومين وقيل لعل ذلك كان عادة له فبين له أن صيامه غير داخل في النهي عن صوم يوم أو يومين قبل رمضان فلما فاته استحب له النبي أن يقضيه متفق عليه قال ابن الهمام ومما استدل به الإمام أحمد على وجوب يوم الشك ما في الصحيحين أنه عليه السلام قال لرجل هل صمت من سرر شعبان قال لا قال فإذا أفطرت فصم يوما مكانه وفي لفظ فصم يوما وفي الصحيحين أيضا قوله عليه الصلاة والسلام صم يوما وأفطر يوما وإنه صوم داود وسرار الشهر آخره لاستتار القمر فيه قاله المنذري وغيره واعلم أن السرار قد يقال على الثلاث اخيرة من ليالي الشهر لكن دل قوله صم يوما على أن المراد


صوم آخرها لا كلها وإلا قال صم ثلاثة أيام مكانها وكذا قوله من سرر الشهر لإفادة التبعيض وعندنا هذا يفيد استحباب صومه لا وجوبه لأنه معارض بنهي التقدم بصيام يوم أو يومين فيحمل على كون المراد التقدم بصوم رمضان جمعا بين الأدلة وهو واجب ما أمكن ويصير حديث السرر للاستحباب اه يعني للخواص مخفيا عن العوام
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله أي صيامه والإضافة للتعظيم المحرم بالرفع صفة المضاف قال الطيبي أراد بصيام شهر الله صيام يوم عاشوراء اه فيكون من باب ذكر الكل وإرادة البعض ويمكن أن يقال أفضليته لما فيه من يوم عاشوراء لكن الظاهر أن المراد جميع شهر المحرم وفي خبر أبي داود وغيره صم من المحرم واترك صم من المحرم واترك صم من المحرم واترك وأما حديث صوم رجب فقال بعض الحفاظ إنها موضوعة قال ابن حجر قال ائمتنا أفضل الأشهر لصوم التطوع المحرم ثم بقية الحرم رجب وذي الحجة وذي القعدة وأفضل الصلاة بعد الفريضة أي توابعها من السنن المؤكدة ويدخل في الفريضة الوتر لأنه فرض عملي واجب علمي صلاة الليل أو يقال صلاة الليل أفضل من الرواتب من حيثية المشقة والكلفة والبعد من الرياء والسمعة أو بالنسبة إليه على القول باستمرار الوجوب لديه أو لأنه كان فريضة ثم صار سنة بالنسخ وقيل هذه السنة أفضل السنن والله أعلم وقال النووي الحديث حجة أبي إسحاق المروزي من أصحابنا ومن وافقه على أن صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب لأنها تشبه الفرائض وقال أكثر العلماء الرواتب أفضل والأول أقوى وأوفق لنص هذا الحديث قال الطيبي ولعمري أن صلاة التهجد لو لم يكن فيها فضل سوى قوله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمود الإسراء وقوله تتجافى جنوبهم عن المضاجع السجدة إلى قوله فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين السجدة وغيرهما من الآيات لكفاه مزية اه وقيل المراد من صلاة الليل الوتر فلا إشكال رواه


مسلم وعن ابن عباس قال ما رأيت النبي يتحرى التحري طلب الأحرى والأولى وقيل التحري طلب الصواب والمبالغة في طلب شيء صيام يوم منصوب بنزع الخافض أي ما رأيته يبالغ في الطلب ويجتهد في صيام يوم فضله بتشديد الضاد المعجمة على غيره إلا هذا اليوم أي صيامه يوم عاشوراء بدل أو منصوب بتقدير أعني قال الطيبي
وهو اليوم العاشر من المحرم قيل ليس فاعولاء بالمد في كلامهم غيره وقد يلحق به تاسوعاء وذهب بعضهم أنه أخذ من العشر الذي هو إظماء الإبل ولهذا زعموا أنه يوم التاسع والعشر ما بين الوردين وذلك ثمانية أيام وإنما جعل التاسع لأنها إذا وردت الماء ثم لم ترد ثمانية أيام فوردت التاسع فذلك العشر ووردت تسعا إذا وردت اليوم الثامن وفلان يحم ربعا إذا حم اليوم الثالث وعاشوراء من باب الصفة لم يرد لها فعل والتقدير يوم مدته عاشوراء أو صفته عاشوراء اه قال الزركشي وزنه فاعولاء والهمزة فيه للتأنيث وهو معدول عن عاشر للمبالغة والتعظيم اه أي عاشر وإنما عاشر وهذا الشهر بالنصب أي أيامه عطف على هذا اليوم يعني شهر رمضان تفسير من الراوي عن ابن عباس وهذا من باب الترقي أو تقديمه للاهتمام به أو لتقديمه في أصل وجوب الصوم أو لكونه من أول السنة قال الطيبي قوله فضله في بعض نسخ المصابيح فضله بسكون الضاد ويؤيده رواية شرح السنة ما كان النبي يتحرى صوم يوم يبتغي فضله إلا صيام رمضان وهذا اليوم عاشوراء فقيل فضله بدل من صيام أي يتحرى فضل صيام يوم على غيره وبه يعلم أن المبدل منه ليس في نية الطرح دائما قال المظهر هذا المبدل هنا ليس في حكم المنحى لاستدعاء الضمير ما يرجع إليه نحو قولك زيدا رأيت غلامه رجلا صالحا أي ما رأيته يبالغ في تفضيل يوم على يوم إلا عاشوراء ورمضان وذلك لأن رمضان فريضة وقال ابن الهمام يستحب صوم يوم عاشوراء ما لم يظن إلحاقه بالواجب اه وأما قول ابن حجر الأصح عند أكثر أصحابنا إنه لم يجب على هذه الأمة أصلا كما يصرح به حديث


الصحيحين إن هذا اليوم يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه من شاء فليصم ومن شاء فليفطر فمدفوع لما في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع أنه عليه الصلاة والسلام أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس إن من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء وكان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان عليه الصلاة والسلام يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان قال عليه الصلاة والسلام من شاء صامه ومن شاء تركه فهذا صريح في الرد عليه ودليل على أنه كان أمر إيجاب قبل نسخة برمضان إذ لا يؤمر من أكل بإمساك بقية اليوم إلا في يوم مفروض الصوم بعينه وفيه بيان واضح أن ما رواه الشيخان أولا إنما كان وقوعه آخرا والله أعلم وعاشوراء كانت فريضة ثم نسخت برمضان يعني ولا شك أن سنة كانت فريضة أفضل من سنة لم تكن كذلك كذا قاله ابن الملك ثم قال الطيبي وفي أكثر النسخ فضله بتشديد الضاد فقيل بدل من يتحرى والحمل على الصفة أولى لأن هذا اليوم مستثنى ولا بد من مستثنى منه وليس ههنا إلا قوله يوم وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم والمعنى ما رأيته عليه الصلاة والسلام يتحرى في صيام يوم من الأيام صفته إنه مفضل على غيره إلا صيام هذا اليوم فإنه كان


يتحرى في تفضيل صيامه ما لم يتحر في تفضيل غيره وهذا الشهر عطف على هذا اليوم ولا يستقيم إلا بالتأويل إما أن يقدر في المستثنى منه فصيام شهر فضله على غيره وهو من اللف التقديري وأما أن يعتبر في الشهر أيامه يوما فيوما موصوفا بهذا الوصف اه قيل لعل هذا على فهم ابن عباس وإلا فيوم عرفة أفضل الأيام ودفع بأن الكلام في فضل الصوم في اليوم لا في فضل اليوم مطلقا مع أن اليوم أيضا مختلف فيه متفق عليه وعنه أي عن ابن عباس قال حين صام رسول الله يوم عاشوراء روى أنه لما قدم المدينة مهاجرا من مكة رأى اليهود يصومون يوم العاشر من المحرم فسألهم عنه فقالوا هذا يوم نعظمه أظفر الله فيه موسى عليه الصلاة والسلام وبني إسرائيل على فرعون فقال النبي نحن أولى بموسى أي بموافقته فصام عليه الصلاة والسلام ذلك اليوم وأمر بصيامه أي أصحابه أولا بالوجوب ثم بعد النسخ بالندب فلما كانت السنة العاشرة من الهجرة قالوا أي الصحابة يا رسول الله إنه أي يوم عاشوراء فتقدير ابن حجر هذا موضع أنه مخالف للأصول الصحيحة يوم يعظمه اليهود والنصارى أي وتجب مخالفتهم فكيف نوافقهم على تعظيمه فقال رسول الله لئن بقيت أي في الدنيا أو لئن عشت إلى قابل أي إلى عام قابل وهو السنة الآتية لأصومن التاسع أي فقط أو مع العاشر فيكون مخالفة في الجملة والأول أظهر ومع هذا ما كان تاركا لتعظيم اليوم الذي وقع فيه نصرة الدين لأنهم كانوا يصومون شكرا ويجوز تقديم الشكر سيما على وجه المشارفة على مثل زمان وقوع النعمة فيه بل صوم العاشر أيضا فيه التقدم عليه إذ الفتح كان في أثناء النهار والصوم ما يصح إلا من أوله ولو أراد عليه الصلاة والسلام مخالفتهم بالكلية لترك الصوم مطلقا والله أعلم قال الطيبي لم يعش رسول الله إلى القابل بل توفي في الثاني عشر من ربيع الأول فصار اليوم التاسع من المحرم صومه سنة وإن لم يصمه لأنه عزم على صومه قال التوربشتي قيل أراد بذلك أن يضم إليه يوما


آخر ليكون هديه مخالفا لأهل الكتاب وهذا هو الوجه لأنه وقع موقع الجواب لقولهم إنه يوم يعظمه اليهود وروي عن ابن عباس إنه قال صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود وإليه ذهب الشافعي وبعضهم إلى أن المستحب صوم التاسع فقط وقال ابن الهمام يستحب صوم يوم عاشوراء ويستحب أن يصوم قبله يوما أو بعده يوما فإن أفرده فهو مكروه للتشبه باليهود اه وروى أحمد خبر صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا
قبله يوما وبعده يوما وظاهره إن الواو بمعنى أو لأن المخالفة تحصل بأحدهما وأخذ الشافعي بظاهر الحديث فيجمعون بين الثلاثة والله أعلم رواه مسلم وعن أم الفضل وهي امرأة العباس بنت الحارث إن ناسا أي جماعة من الناس تماروا أي شكوا وتباحثوا واختلفوا عندها يوم عرفة أي بعرفات في صيام رسول الله أي ذلك اليوم فقال بعضهم هو صائم بناء على عادته أو على حسن الظن به وقال بعضهم ليس بصائم على طريق المنع بناء على الأصل أو استدلالا بالوقت الذي صيامه يقتضي الضعف المانع عن قوة الطاعة والعبادة ولما يوجب متابعته عليه الصلاة والسلام من الحرج العام غير مختص بذلك العام فأرسلت بصيغة المتكلم إليه بقدح لبن لعلمي بمحبته عليه الصلاة والسلام له حيث يقوم مقام الأكل والشرب ولذا كان إذا أكل طعاما قال اللهم بارك لي فيه وأطعمني خيرا منه وإذا كان لبنا قال اللهم بارك لي فيه وزدني منه أو لمناسبة الزمان والمكان وهو واقف على بعيره بعرفة الظاهر أنه كان وقت الدعاء فشربه أي على رؤوس الملأ الأعلى على إعلاء لإظهار الحكم المشتمل على رحمته للعالمين قال ابن الملك أستحب الأكثر افطار يوم عرفة ليتقوى على الدعاء وقال المظهر صوم يوم عرفة سنة لغير الحاج أما الحاج فليس بسنة له عند الشافعي ومالك وغيرهما كيلا يضعف عن الدعاء بعرفة وقال إسحاق بن راهويه سنة له أيضا وقال أحمد سنة له إن لم يضعف وقال ابن الهمام صوم يوم عرفة لغير الحاج مستحب وللحاج إن كان يضعفه عن


الوقوف والدعوات فالمستحب تركه وقيل يكره وهي كراهة تنزيه لأنه بإخلاله بالأهم في ذلك الوقت اللهم إلا أن يسىء خلقه فيوقعه في محظور وكذا صوم يوم التروية لأنه يعجزه عن أداء أفعال الحج وقال ابن حجر صومه للحاج خلاف الأولى بل قال النووي في نكتة أنه مكروه أي للنهي عنه وما قيل إن في إسناده مجهولا يرده أن ابن خزيمة صححه وقال الحاكم إنه على شرط البخاري وأقره الذهبي متفق عليه وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت رسول الله صائما في العشر أي


العشر الأول من ذي الحجة قط قيل دل الحديث المشهور وهو ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقبيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر على أن صوم تسعة أيام من أول ذي الحجة سنة فكيف لا يصوم وقول عائشة ما رأيت إلخ لا ينافي كونها سنة إذ جاز أنه عليه الصلاة والسلام يصوم ولا تعلم هي وإذا تعارض النفي والإثبات فالإثبات أولى ذكره الطيبي وفيه أن الاثبات أولى على فرض الإثبات وأما على احتماله فلا مع بعد أنه عليه الصلاة والسلام يصوم وهي لا تعلم ومن جملة الأيام أوقات نوبتها وقولها قط ينفي القول بحمل الرؤية على الرؤية العلمية وأيضا عدم صيامه لا ينافي كونها سنة لأنها كما تثبت بالفعل تثبت بالقول وقد حث النبي ورغب في صيامها بما ذكر من الثواب ولعله كان يحصل له عليه الصلاة والسلام فيها ما يقتضي إختيار الفطر على الصوم ولذا ما كان يصوم يوما ويفطر يوما مع أنه قال أحب الصيام إلى الله صيام داود عليه الصلاة والسلام وسيأتي في الحديث الآتي بعض ما يناسب المقام ثم رأيت أنه روى أحمد وأبو داود والنسائي أنه كان يصوم تسع الحجة فهو محمول على أنه كان يصومها أحيانا وقد جاء في حديث البيهقي سيد الشهور رمضان وأعظمها حرمة ذو الحجة ولهذا قال الغزالي وغيره إن ذا الحجة أفضل الأشهر الحرم خلافا لمن قال أنه رجب أو المحرم والله أعلم رواه مسلم وعن أبي قتادة أن رجلا أتى النبي فقال كيف تصوم أي أنت فغضب رسول الله أي ظهر أثر الغضب على وجهه من قوله أي من قول الرجل وسوء سؤاله قال النووي قال العلماء سبب غضبه كراهة مسألته لأنه خشي من جوابه مفسدة وهي إنه ربما يعتقد السائل وجوبه أو يستقله أو يقتصر عليه والنبي إنما لم يبالغ في الصوم لأنه كان مشتغلا بمصالح المسلمين وحقوق أزواجه وأضيافه ولئلا يقتدى به كل أحد فيتضرر بعضهم


وكان حق السائل أن يقول كيف أصوم أو كم أصوم فيخص السؤال بنفسه ليجاب بمقتضى حاله كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم اه وأيضا كان صومه لم يكن على منوال واحد بل كان يختلف باختلاف الأحوال فتارة يكثر الصوم وتارة يقله ومثل هذا الحال لا يمكن أن يدخل تحت المقال فيتعذر جواب السؤال ولذا وقع لجماعة من الصحابة إنهم سألوا عن عبادته لله تعالى فتقالوها فبلغه فاشتد غضبه عليهم وقال أنا أتقاكم لله وأخوفكم منه يعني ولا يلزم منه كثرة العبادة بل حسنها ومراعاة شرائطها وحقائقها ودقائقها وتقسيمها في أوقاتها اللائقة بها فلما رأى عمر غضبه أي على السائل وخاف من دعائه عليه خاصة ومن السراعية على غيره عامة لقوله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة الأنفال قال إعتذارا منه واسترضاء منه لقوله تعالى حكاية أليس منكم رجل رشيد هود أي حتى يأتي بكلام سديد رضينا بالله أي بقضائه ربا وبالإسلام أي بأحكامه دينا وبمحمد أي بمتابعته نبيا والمنصوبات تمييزات ويمكن أن تكون حالات مؤكدات نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله وذكر غضب الله تزيين للكلام وتعيين بأن غضبه تعالى يوافق غضبه عليه الصلاة والسلام فجعل عمر يردد أي يكرر هذا الكلام وهو رضينا إلخ حتى سكن غضبه عليه الصلاة والسلام فقال عمر يا رسول الله كيف من أي حال من يصوم الدهر كله أي هل هو محمود أو مذموم أنظر حسن الأدب حيث بدأه بالتعظيم ثم سأل السؤال على وجه التعميم ولذا قيل حسن السؤال نصف العلم قال لاصام ولا أفطر أي لا صام صوما فيه كمال الفضيلة ولا أفطر فطرا يمنع جوعه وعطشه أو قال لم يصم ولم يفطر في شرح السنة معناه الدعاء عليه زجرا له ويجوز أن يكون إخبارا قال المظهر يعني هذا الشخص كأنه لم يفطر لأنه لم يأكل شيئا ولم يصم لأنه لم يكن بأمر الشارع اه وهذا كخبر الصحيحين لا صام من صام الأبد لا صام من صام الأبد وأما خبر من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين فرواه


البيهقي وجعله العمدة في نفي الكراهة التي قال بها بعض الحنفية وزعم أنه دليل لها ظاهر الفساد إذ معنى ضيقت عليه أي عنه فلا يدخلها أو لا يكون له فيها موضع وقيل إخبار لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد رياضة ولا كلفة يتعلق بها مزيد ثواب فكأنه لم يصم وحيث لم ينل راحة المفطرين ولذتهم فكأنه لم يفطر قال مالك
والشافعي وهذا في حق من أدخل المنهى في الصوم وأما من لم يدخلها فلا بأس عليه في صوم ما عداها لأن أبا طلحة الأنصاري وحمزة بن عمرو الأسلمي كانا يصومان الدهر سوى هذه الأيام ولم ينكر عليهما رسول الله أو علة النهي أن ذلك الصوم يجعله ضعيفا فيعجز عن الجهاد وقضاء الحقوق فمن لم يضعف فلا بأس عليه قال ابن الهمام يكره صوم الدهر لأنه يضعفه أو يصير طبعا له ومبنى العبادة على مخالفة العادة قال كيف من يصوم يومين ويفطر يوما بأن يجعل العبادة غالبة على العادة قال ويطيق بتقدير الاستفهام أي أتقول ذلك ويطيق ذلك أحد فيه إشارة إلى أن العلة في نهي صوم الدهر إنما هو الضعف فيكون المعنى إنه أن أطاقه أحد فلا بأس أو فهو أفضل قال أي عمر كيف من يصوم يوما ويفطر يوما قال ذلك صوم داود يعني وهو في غاية من الاعتدال ومراعاة لجانبي العبادة والعادة بأحسن الأحوال ولذا قال بعض العلماء اجتهد في العلم بحيث لا يمنعك من العمل واجتهد في العمل بحيث لا يمنعك عن العلم فخير الأمور أوساطها وشرها تفريطها وإفراطها وكذا ورد أفضل الصيام صيام داود عليه الصلاة والسلام قال كيف من يصوم يوما ويفطر يومين إبقاء للبدن عن الضعف ليتقوى على سائر العبادات قال وددت بكسر الدال أي أحببت وتمنيت أني مع كمال قوتي طوقت على بناء المفعول أي جعلني الله مطيقا ذلك أي الصيام المذكور وقال الطيبي أي لم تشغلني الحقوق عن ذلك حتى أصوم فإنه كان يطيق أكثر من ذلك فكان يواصل وقال أبيت الحديث اه وفيه أن السؤال عن الصيام المذكور في جميع الاحوال ولم يكن على وجه المداومة ذلك الوصال


وهذا بظاهره يدل على أنه أفضل مما ورد في الصحيحين أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وفيهما أيضا لا أفضل من ذلك لكن قال ابن عبد السلام أي لا أفضل لك لأن صوم الدهر أفضل لأن الحسنة بعشر أمثالها ثم قال رسول الله أي بعد ذلك الجواب على جهة التفضيل والتبرع من غير السؤال ثلاث أي صوم الإنسان ثلاثة أيام حذف التاء منها نظر إلى لفظ المميز فإنه مؤنث وقيل بحذف المعدود وقال الطيبي حذف التاء اعتبارا بالليالي الكشاف في قوله تعالى أربعة أشهر وعشرا قيل عشرا ذهابا إلى الليالي والأيام داخلة معها ولا تراهم يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام يقول صمت عشرا ولو ذكرت خرجت من كلامهم اه ونوقش بأن ما ذكره في الآية من تغليب الليالي ظاهر لأنها معدودة من العدة وفي صمت


عشرا نظر ظاهر لأن الليالي لا اعتبار لها في الصوم بوجه لأنها لا تقبله فلا وجه له فيها ويمكن دفعه بأنه الملابسة بينهما لا سيما على القول بأنه لا بد من إدراك جزء من الليالي في طرفي يوم الصوم قال ابن حجر فإن قيل إنه سماعي قلنا الصوم الشرعي لا يعرف إلا من الشارع فلا دخل للغة فيه أقول معرفة الصوم الشرعي من الشارع لا يمنع استعمال اللغة حيث قال صمت عشرا أن إيراد الليالي بالمعنى المجازي فتأمل من كل شهر قيل هو أيام البيض وقيل أي ثلاث يجد هذا الثواب وهو الصحيح لحديث عائشة الآتي ورمضان أي وصوم رمضان من كل سنة منتهيا إلى رمضان القياس انصرافهما لكن ضبط في النسخ المصححة غير متصرفين فهذا صيام الدهر أي المحمود كله أي حكما لقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام كذا قيل ولا يخفى أن الكلية الحكمية إنما هي في غير رمضان وإنما ذكر رمضان لدفع توهم دخوله في كل شهر المعنى أن صيامه كصيامه في الثواب لكنه من غير تضعيف على حد قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن قيل ثلاث مبتدأ خبره قوله فهذا صيام الدهر والفاء زائدة أو ما دل عليه هذه الجملة وقال الطيبي أدخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط وذلك أن ثلاث مبتدأ ومن كل شهر صفة أي صوم ثلاثة أيام يصومها الرجل من كل شهر صيام الدهر كله قال ابن الهمام ويستحب صوم أيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ما لم يظن إلحاقه بالواجب صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر أي الله أو الصيام السنة التي قبله أي ذنوبها والسنة التي بعده قال إمام الحرمين والمكفر الصغائر قال القاضي عياض وهو مذهب أهل السنة والجماعة وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو رحمة الله قلت رحمة الله تحتمل أن تكون بمكفر وبغيره وقال النووي قالوا المراد بالذنوب الصغائر وإن لم تكن الصغائر يرجى تخفيف الكبائر فإن لم تكن رفعت الدرجات قال المظهر وقيل تكفير السنة الآتية أن يحفظه من الذنوب فيها


وقيل أن يعطيه من الرحمة والثواب قدرا يكون كفارة للسنة الماضية والقابلة إذا جاءت واتفقت له ذنوب وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله في النهاية الاحتساب في الأعمال الصالحة هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو فيها قال الطيبي كان الأصل أن يقال أرجو من الله أن يكفر فوضع موضعه احتسب وعداه بعلي الذي للوجوب على سبيل الوعد مبالغة لحصول الثواب رواه مسلم


وعنه أي عن أبي قتادة قال سئل رسول الله عن صوم الإثنين أي يومه وهو بهمزة الوصل وإنما نبهت عليه وإن كان ظاهرا لأن كثيرا من أهل الفضل يقرؤنه بقطع الوصل ولا يعرف الفصل بين الوقف والوصل بل ولا يدري كيفية الابتداء مع ادعائه الإنتماء إلى الإنتهاء ثم السؤال يحتمل احتمالين أن يكون من كثرة صيامه عليه السلام فيه وأن يكون من مطلق الصيام وخصوص فضله من بين الأيام فقال فيه ولدت وفيه أنزل أي الوحي علي يعني حصل لي فيه بدء الكمال الصوري وطلوع الصبح المعنوي المقصود الظاهري والباطني والتفضل الإبتدائي والإنتهائي فوقت يكون منشأ للنعم الدنيوية والأخروية حقيق بأن يوجد فيه الطاعة الظاهرية والباطنية فيجب شكره تعالى علي والقيام بالصيام لدي لما أولى من تمام النعمة إلي وقال الطيبي إختيار للإحتمال الثاني أي فيه وجود نبيكم وفيه نزول كتابكم وثبوت نبوته فأي يوم أولى بالصوم منه فاقتصر على العلة أي سل عن فضيلته لأنه لا مقال في صيامه فهو من الأسلوب الحكيم اه وفيه أن الظاهر أن السؤال عن العلة فيطابق الجواب السؤال وعلى تقدير أن يكون السؤال عن نفس الصوم فالمعنى هل فيه فضل فحينئذ ما ذكره أيضا فضل الخطاب لا من الأسلوب الحكيم في الحوادث وفي الحديث دلالة على أن الزمان قد يتشرف بما يقع فيه وكذا المكان ولذا قيل شرف المكان بالمكين رواه مسلم وعن معاذة العدوية أنها سألت عائشة أكان رسول الله يصوم من كل شهر ثلاثة أيام قالت نعم أي وهذا أقل ما كان يقتصر عليه فقلت لها من أي أيام الشهر احتراز من أيام الأسبوع كان يصوم أي هذه الثلاثة من أولها أو أوسطها وآخرها متصلة أو منفصلة قالت لم يكن يبالي أي يهتم للتعيين من أي أيام الشهر يصوم أي كان يصومها بحسب ما يقتضي رأيه الشريف رواه مسلم


وعن أبي أيوب الأنصاري أنه حدثه أي أن أبا أيوب حدث الراوي عنه أو حدث الحديث ثم بينه بقوله إن رسول الله قال على سبيل البدل قلت والأول هو المعول والمراد بالراوي عنه المذكور في السند ويؤيده ما في نسخة وعن ابن عمرو بن ثابت عن أبي أيوب الخ من صام رمضان ثم اتبعه بهمزة قطع أي جعل عقبه في الصيام ستا أي ستة أيام والتذكير لتأنيث المميز أو باعتبار لياليه من شوال وهو يصدق على التوالي والتفرق كان كصيام الدهر قال الطيبي وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها فأخرجه مخرج التشبيه للمبالغة والحث على صيام الست اه وفيه إنما يفيد المبالغة لو كان الست يقوم بانفراده مقام بقية السنة وأما بالانضمام إلى رمضان فلا يظهر وجه التشبيه للمبالغة لأنه صيام الدهر حكما بناه على أن الحسنة بعشر أمثالها كما بينه خبر النسائي بسند حسن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة اللهم إلا أن يقال كصيام الدهر فرضا على ما قاله ابن حجر معللا بقوله وإلا فلا يختص ذلك بما ذكر لما مر من حصوله بثلاثة أيام من كل شهر أي نفلا اه وفي تعليله نظر لأنه لا يلزم من تخصيص الشارع على شيء تخصيص الحكم به إذ مراده بيانه ترغيبا في شأنه وإنما كلا منافي التشبيه بناء على المشهور أو أغلب أن المشبه به ينبغي أن يكون أقوى من المشبه فلو أريد كصيام الدهر حقيقة لتعين المبالغة وهو الظاهر من كلام صاحب البلاغة والله أعلم وفي الحديث إيماء إلى أن صوم الدهر المحمود إنما هو إذا أفطر الأيام المنهى عنها وإلا فمذموم حرام ثم الفرق بين هذا وبين الحديث السابق أن رمضان محسوب في هذا الحديث بخلاف الأول فتأمل قال الشيخ محيي السنة قد استحب قوم صيام ستة أيام من شوال والمختار أن يصومها في أول الشهر متتابعة أي بين الأيام الستة بعد يوم العيد ولا دلالة للحديث على ذلك إذ التتابع المفهوم من الحديث أن يكون بين رمضان وبين الست وهو ممنوع حقيقة لنهي صوم يوم العيد


فإما أن يحمل على مجاز المشارفة فإنه تتابع حكما مع وجود الفصل بيوم أو المراد به البعدية المطلقة ويدل عليه حديث ابن ماجه وغيره عن ثوبان مرفوعا من صام ستة أيام بعد الفطر كأنه صيام السنة ثم قال وإن فرقها جاز وحكى مالك الكراهة في صيامها عن أهل العلم قال النووي قال مالك في الموطأ ما رأيت أحدا من أهل العلم يصومها قالوا يكره لئلا يظن وجوبها اه قال ابن الهمام صوم ست من شوال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته وعامة المشايخ لم يروا به بأسا واختلفوا فقيل الأفضل وصلها بيوم الفطر وقيل بل تفريقها في الشهر وجه


الجواز أنه قد وقع الفصل بيوم الفطر فلم يلزم التشبه بأهل الكتاب ووجه الكراهة أنه قد يفضى إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة ولذا سمعنا من يقول يوم الفطر نحن إلى الآن لم يأت عيدنا أو نحوه فأما عند الأمن من ذلك فلا بأس لورود الحديث اه والظاهر أن التفريق أفضل فإنه يبعد به عن التشبيه الموهوم واعتقاد اللزوم ويلتئم به كلام أهل العلوم كما هو معلوم ثم لا يخفى أن ثواب صوم الدهر يحصل بانضمام ست إلى رمضان ولو لم يكن في شوال فكان وجه التخصيص المبادرة إلى تحصيل هذا الأمر والمسارعة إلى محصول هذا الأمر ويدل على هذا المعنى الذي ذكرناه حديث ابن ماجه الذي قدمناه والله أعلم رواه مسلم قال الشيخ الجزري حديث أبي أيوب هذا لا يشك في صحته ولا يلتفت إلى كون الترمذي جعله حسنا ولم يصححه وقوله في سعد بن سعيد راويه فقد جمع الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي طرقه وأسنده عن قريب ثلاثين رجلا رووه عن سعد بن سعيد أكثرهم ثقات حفاظ وتابع سعدا في روايته أخواه عبد ربه ويحيى وصفوان بن سليم وغيرهم ورواه أيضا عن النبي أبو هريرة وجابر وثوبان والبراء بن عازب وابن عباس وعائشة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين اه قال ميرك أحا حديث أبي هريرة فرواه البزار والطبراني وإسنادهما حسن وقال المنذري أحد طرقه عند البزار صحيح وأما حديث جابر فرواه الطبراني وأحمد والبزار والبيهقي أيضا وأما حديث ثوبان فرواه ابن ماجه والنسائي وابن خزيمة في صحيحه وابن حبان ولفظه عند ابن ماجه من صام ستة أيام بعد الفطر كان كصيام السنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأما لفظ البقية فقريب منه وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني وأحمد والبزار والبيهقي وأما حديث عائشة فرواه الطبراني أيضا وعن أبي سعيد الخدري قال نهى رسول الله أي نهي تحريم عن صوم يوم الفطر وهو أول يوم من شوال والنحر أراد به الجنس أي أيام النحر وفيه تغليب لأن صيام أيام التشريق أيضا


حرام وبيانه أن أيام النحر ثلاثة وأيام التشريق ثلاثة والمجموع أربعة لأن العاشر من ذي الحجة نحر فقط ويومان بعده نحر وتشريق ويوم بعدهما تشريق فقط قال ابن الملك اتفقوا على حرمة صوم يوم العيد قال الطيبي هذا الحديث مروي من حيث
المعنى والذي يتلوه مروي من حيث اللفظ وما نص عليه اه وسببه أن الراوي للمرويين واحد وقد تبعه ابن حجر لكن ليس بلازم لاحتمال تعدد السماع قال ولعل العدول عن قوله نهى عن صوم العيدين إلى ذكر الفطر والنحر للاشعار بأن علة الحرمة هي الوصف بكونه يوم فطر ويوم نحر والصوم ينافيهما اه وفيه أن العيد أيضا ليس ببعيد أن يفيد فإن الصوم فيه كأنه إعراض عن ضيافة الله تعالى لخلقه وفيه أيضا محافظة على انتهاء رمضان دفعا لتوهم وجوب الزيادة وفي شرح السنة اتفق أهل العلم على أن صوم العيد لا يجوز وفي شرح السنة اختلف العلماء في جواز صيام أيام التشريق للمتمتع إذا لم يجد الهدى واتفقوا على حرمته لغيره اه ولا فرق في ظاهر الحديث بين المتمتع وغيره ولا يجوز صوم المتمتع عندنا إلا قبل العيد قال ابن حجر أما المتمتع المذكور فمعتمد مذهبنا أنه كذلك فيحرم صومه ولا يصح وللشافعي قول أنه يصح واختاره غير واحد من أتباعه لصحة الحديث فيه اه وفيه أنه يحتاج إلى بيانه وإنه لو صح الحديث لكان مذهبه بناء على قوله المشهور ولو نذر صومه لم ينعقد عند الأكثر وعند أصحاب أبي حنيفة ينعقد وعليه صوم يوم آخر متفق عليه وعنه أي عن أبي سعيد قال قال رسول الله لا صوم أي جائز في يومين أي وقتين أو نوعين من الأيام أو عيدين الفطر بدل وهو يوم واحد والأضحى وهو أربعة أيام متفق عليه وعن نبيشة بضم النون وفتح الموحدة بعدها ياء ساكنة فشين معجمة فهاء الهذلي بضم الهاء وفتح الذال المعجمة قال قال رسول الله أيام التشريق وهي ثلاثة أيام تلى عيد النحر كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي أي يقددونها ويبسطونها في الشمس ليجف لأن لحوم الأضاحي كانت تشرق فيها


بمنى وقيل سميت به لأن الهدى والضحايا لا
تنحر حتى تشرق الشمس أي تطلع كذا في النهاية أيام أكل وشرب وفيه تغليب لأن يوم النحر أيضا يوم أكل وشرب بل هو الأصل والبقية أتباعه قال ابن الملك اتفقوا على حرمة صومها وإنما حرم صوم يوم العيد وأيام التشريق لأن الناس أضياف الله فيها وقال ابن الهمام ويكره صوم يوم النيروز والمهرجان لأن فيه تعظيم أيام نهينا عن تعظيمها فإن وافق يوما كان يصومه فلا بأس وذكر الله بالجر وهذا إشارة إلى قوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات البقرة قال الأشرف وإنما عقب الأكل والشرب بذكر الله لئلا يستغرق العبد في حظوظ نفسه وينسى في هذه الأيام حق الله تعالى رواه مسلم ورواه أحمد قال ابن الهمام وروى الطبراني بسنده عن ابن عباس أن رسول الله أرسل أيام منى صائحا يصيح أن لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال أي أيام وقاع وأخرجه الدارقطني من طريق أبي هريرة وأخرج أيضا عن عبد الله بن حذافة السهمي قال بعثني رسول الله على راحلة أيام منى أنادي أيها الناس إنها أيام أكل وشرب وبعال وأخرج ابن أبي شيبة في الحج وإسحاق بن راهويه أنه بعث رسول الله عليا ينادي أيام منى أيام أكل وشرب وفي صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام قال أيام التشريق أيام أكل وشرب زاد في طريق آخر وذكر الله اه ملخصا وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يصوم أحدكم يوم الجمعة نفى معناه نهى وهو للتنزيه إلا أن يصوم قبله يوما أو أكثر أو يصوم بعده ولو يوما قال ابن الهمام ولا بأس بصوم يوم الجمعة منفردا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال الشيخ التوربشتي قد سئلت عن وجه النهي عن صوم يوم الجمعة منفردا فأعملنا الفكر فيه مستعينا بالله تعالى فرأينا أن الشارع لم يكره أن يصام منضما إلى غيره وكره أن يصام وحده فعلمنا أن علة النهي ليست للتقوى على إتيان الجمعة وإقام الصلاة والذكر كما رآه بعض


الناس إذ لا مزية في هذا المعنى بين من صام الجمعة والسبت وبين من صام الجمعة وحده فعلمنا أنه بمعنى آخر وذلك المعنى والله أعلم لا يخلو من أحد الوجهين على ما تبين لنا أحدهما أن نقول كره تعظيمنا يوم الجمعة باختصاصه بالصوم لأن اليهود يرون اختصاص السبت بالصوم تعظيما له والنصارى يرون اختصاص الأحد بالصوم تعظيما له ولما كان موقع الجمعة من هذه الأمة موقع اليومين من إحدى الطائفتين أحب أن يخالف هدينا هديهم فلم ير أن نخصه بالصوم والآخر أن نقول أن النبي لما وجد الله سبحانه قد استأثر الجمعة بفضائل لم يستأثر بها غيرها من الأيام على ما ورد في الأحاديث الصحاح وجعل الاجتماع فيه للصلاة فرضا مفروضا على العباد في البلاد ثم غفر لهم ما اجترحوا من الآثام من الجمعة إلى الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام ولم ير في باب فضيلة الأيام مزيدا على ما خص الله به الجمعة فلم ير أن يخصه بشيء من الأعمال سوى ما خصه به اه وهو غاية التحقيق ونهاية التدقيق والوجه الأول هو المعقول لأنه على المقصود أولى لكن لا يظهر وجه نهي اختصاص ليلته من بين الليالي بالقيام مع أنه منهى عنه كاختصاص يومه بالصيام ولعل الوجه أن لا تقتصر أمته على صيام نهاره من بين الأيام وأن لا تنحصر همتهم على قيام ليلته من بين الليالي فإنه كان يجر إلى هجران سائر الأوقات عن إتيان الطاعات والعبادات بل أراد الشارع أن يأخذوا من كل وقت حظهم من الصيام والقيام ولا يخصوا كل نوع من العبادة ببعض الأيام كما هو دأب العوام هذا والاعتراف بالعجز عن إدراك الحكم الربوبية أولى والاعتراف للتعبد بالأخذ بظواهر الأحكام أعلى وأغلى متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام قال ابن حجر أي صلاة والظاهر أن القيام أعم في المعنى المراد من بين الليالي قال النووي في هذا الحديث نهي صريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي وهذا متفق عليه واستدل به


العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة المسماة بالرغائب وقد صنف العلماء مصنفات في تقبيحها وتضليل واضعها اه ولعل وجه النهي عن زيادة العبادة على
العادة في ليلة الجمعة إبقاء للقوي على القيام بوظائف يوم الجمعة والله أعلم ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام قال الطيبي يوم نصب مفعول به كقوله ويوم شهدناه والاختصاص لازم ومتعد وفي الحديث متعد قال المالكي المشهور في اختص أن يكون موافقا لخص في التعدي إلى مفعول وبذلك جاء قوله تعالى يختص برحمته من يشاء آل عمران وقول عمر بن عبد العزيز ولا يختص قوما وقد يكون اختص مطاوع خص فلا يتعدى كقولك خصصتك بالشيء فاختصصت به اه وكان محل هذا الكلام صدر الحديث وهو لا تختصوا ليلة الجمعة كما لا يخفى لكن تبعناه مراعاة للفظ ولعل في نسخته تقديم وتأخير فيكون أيضا محافظة على أصله وأما قول ابن حجر يوم الجمعة مفعول به نحو قوله تعالى يخافون يوما النور فالظاهر أن تقديره عذاب يوم لأن اليوم لا يخاف


وقولهم يوم محذوف أي مخوف فيه أو على المجاز مبالغة إلا أن يكون في صوم تقديره إلا أن يكون يوم الجمعة واقعا في يوم صوم يصومه أحدكم أي من نذر أو ورد والظاهر أن الإستثناء من ليلة الجمعة كذلك ولعله ترك ذكره للمقايسة والله أعلم ووجه النهي عن الاختصاص قد تقدم وقال المظهر هنا قيل علة النهي ترك موافقة اليهود في يوم واحد من بين الأسبوع يعني عظمت اليهود السبت فلا تعظموا الجمعة خاصة بصيام وقيام وأقول لو كانت العلة مخالفة اليهود لكان الصوم أولى لأنهم يستريحون فيه ويتمتعون بالأكل والشرب ومصداقه حديث أم سلمة في الفصل الثالث من هذا الباب اه وفيه أن المقصود وجود المخالفة لهم في تعظيم يومهم المعظم عندهم بأي نوع من أنواع الاختصاص ولو كان عبادة ومخالفة لهم من وجه آخر مع أنه ورد لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وظاهره أن النهي لمخالفتهم ولعلهم طائفتان والله أعلم ثم قال ولكن العلة ورود النص وتخصيص كل يوم بعبادة ليس ليوم آخر فإن الله تعالى قد استأثر الجمعة بفضائل لم يستأثر بها غيرها فجعل الاجتماع فيه للصلاة فرضا على العباد في البلاد فلم ير أن يخصه بشيء من الأعمال سوى ما خص به ثم خص بعض الأيام بعمل دون ما خص به غيره ليختص كان منها بنوع من العمل ليظهر فضيلة كل ما يختص به اه فيه أن استيثار الجمعة بفضائل كثيرة لا يقتضى منع الصوم فيها ليس من الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد مع أن النهي ليس على إطلاقه نعم لو كان النهي مطلقا لكان الوجه أن يقال نهاهم تهويلا وتسهيلا للأمر عليهم كما قيل في كراهة صوم يوم عرفة أو يقال تشبيها بيوم العيد فإن الجمعة عيد المؤمنين من الفقراء والمساكين ولذا سمى في الجنة بيوم المزيد لحصول الحسنى والزيادة فيه للمريد لكن حيث استثنى الشارع ضم يوم قبله أو بعده تحيرت الأفكار واضطربت النظار والله أعلم بالأسرار رواه مسلم وجاء في خبر مسلم أيضا أن جابرا سئل أنهى النبي عن صوم يوم


الجمعة قال نعم ورب الكعبة وورد في خبر صحيح يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده وأخرجه الحاكم بلا استثناء قال الذهبي في إسناده مجهول لكن له شاهد في الصحيحين وفي حديث ضعيف يوم الجمعة عيدنا أهل الإسلام فيتحصل من مجموع الأحاديث أنه عليه الصلاة والسلام نهى تهوينا على أمته فإنه رحمة للعالمين ولما كلفوا بعبادات فيه خاف عليهم أن يضموا إليها الصوم فيعجزوا عنها بالكلية وهذه الحكمة في كون هذه الملة هي السمحاء الحنيفية فمنعهم عن إفراده بالصوم نظرا إلى أنه عيد لهم فيناسبه الأكل والشرب المنافي للعيد المقتضى للإعانة على الطاعة فكأنهم جعلوا اليوم يومين والوقت عيدين فاستحقوا للأجر مرتين لئلا يعلم أهل الكتاب مع ما فيه من المخالفة للمخالفين كما سبق ولذا قيل العلة فيه أن لا يبالغ في تعظيمه كاليهود في السبت


والنصارى في الأحد وقيل لئلا يعتقد وجوبه فيكون حينئذ نظير النهي عن صم يوم الشك حيث لا يكره إذا كان وافق يوما اعتاده أو ضم إليه يوما قبله أو لم يقصد به رمضان فيظهر حينئذ وجه قوله عليه الصلاة والسلام إلا أن يصوم يوما قبله أو بعده أو يكون في صوم يصومه أحدكم وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله من صام يوما في سبيل الله أي من جمع بين الصوم ومشقة الغزو أو معناه من صام يوما لوجه الله بعد الله وجهه أي ذاته عن النار سبعين خريفا أي مقدار مسافة سبعين سنة متفق عليه في النهاية الخريف الزمان المعروف ما بين الصيف والشتاء ويراد به السنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة فإذا انقضى الخريف انقضى السنة قال الطيبي وإنما خص بالذكر دون سائر الفصول لأنه زمان بلوغ حصول الثمار وحصاد الزرع وسعة العيش قال ابن حجر كان قائل هذا فهم أن المراد من الخريف ما هو مشهور عند العرب وهو فصل الصيف دون الخريف عند أهل الحساب وهو ما أوله الميزان لأن هذا ليس فيه شيء من ذلك اه وهو غريب منه إذ كيف يخفى مثل هذا على الفاضل العلامة ولم يوجد في بلاده فلاح ولا جلف إلا ويعرف الخريف من الصيف مع أن كلام صاحب النهاية نهاية في الدلالة على أنه لم يرد الصيف ولا شك أن ظهور الأزهار والثمار لا يكون مبتدأ إلا من أول الحمل منتهيا إلى الصيف فإذا دخل الخريف خرف الثمار أي جنى وهذا هو وجه التشبيه ففي القاموس خريف كأمير ثلاثة أشهر بين القيظ والشتاء يخترف فيه الثمار فهذه كتب لغة العرب ناطقة بأن الخريف عندهم ما أوله الميزان وهو زمان انتهاء الأثمار والفواكه وكأنه بانتهائه ينتهي السنة لأن ما بعده ليس إلا البرد وهو عدو لا يعد زمانه من العمر وأما ما ذكره من أن الخريف عند العرب هو الصيف فلا يعرف له أصل ولعله بناء على أنه وقت كثرة الفواكه وعين زمان إكثار الثمار ولا مشاحة في الاصطلاح لو صح وأما المعروف عند أهل الحساب وغيرهم من العرب والعجم


ما ذكرنا والله أعلم ثم العجمي لو أخطأ في معرفة كلام العرب ليس بعجيب إنما الغريب من العربي أن لا يفهم كلامه ولا يرتب نظامه ولذا مدحوا بقوله لو كان العلم في الثريا لناله رجال من فارس ولقد ظهر مصداق قوله عليه الصلاة والسلام المتضمن لكرامته أن العلوم الشرعية فضلا عن سائر الفضائل العقلية انتهت تحقيقاتها إلى علماء العجم من أئمة التفسير والحديث والفقه والعقائد وغير ذلك حتى قيل انتقل العلم من العرب إلى العجم ثم لم يعد إليهم


وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله يا عبد الله يحتمل العلمية الوصفية ألم أخبر على بناء المجهول أنك تصوم النهار أي ولا تفطر وتقوم الليل أي جميعه ولا تنام فقلت بلى يا رسول الله قال الطيبي جواب عما يلزم من قوله ألم أخبر لأنه عليه الصلاة والسلام إنما أخبر عما فعله من الصيام والقيام كأنه قيل ألم تصم النهار ألم تقم الليل فقال بلى اه وكأنه يقول إن إن الصحابي لم يدر أنه هل أخبر أم لا فكيف يقول بلى فإن معناه بلى أخبرت والظاهر أن الاستفهام للتقرير وحمل المخاطب على الإقرار فقال بلى سواء يكون المخبر الوحي أو غيره لمطابقته الواقع في نفس الأمر قال فلا تفعل فإنه مضر لك لأنهما يؤديان إلى ضعف البدن المفضي إلى ترك بعض العبادات الضرورية ولو في آخر الأمر من العمر صم وقت النشاط وهو لا يكون إلا في بعض الأيام أو وقت طغيان النفس لتنكسر سورتها وأفطر وقت السآمة والملالة وخمود النفس وكسر شهوتها أو صم أيام الفواضل لإدراك الفضائل وأفطر في غيرها لتقوية البدن وتحسين الأخلاق والشمائل وقم أول الليل وآخره ونم ما بينهما واسمع نصيحة الطبيب الحبيب من غير معرفة العلة فكيف وقد بينها بقوله فإن لجسدك عليك حقا بمحافظة الأكل والشرب والقيام والنيام لأنه يحصل بصيام الأيام وقيام الليالي على وجه الدوام إنحلال للقوى واختلال للبدن عن النظام فلا يجوز ذلك إضاعته بتفريطه واضراره بإفراطه بحيث تعجز عن أداء العبادات وقضاء الحقوق في الحالات والحاصل اعتدل في الأمور كلها وأن لعينك قيل لباصرتك وقيل لذاتك عليك حقا والأول أولى لأن التأسيس أقوى من التأكيد ثم من المعلوم نقصان قوة الباصرة من النوم والسهر وأن لزوجك أي لامرأتك عليك حقا أي من الاستمتاع فيفوت بالصيام والقيام الاضطجاع والانتفاع وأن لزورك بفتح الزاي وسكون الواو أي لأصحابك الزائرين وأحبائك القادمين عليك حقا أي وتعجز بالصيام والقيام عن حسن معاشرتهم والقيام بخدمتهم


ومجالستهم إما لضعف البدن أو لقوة سوء الخلق قال في النهاية الزور في الأصل مصدر وضع موضع الاسم كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم وقد يكون الزور جمع الزائر كركب جمع راكب اه والأول هو الأظهر من صام الدهر لعدم لحوق مشقة ما يجدها غيره باعتياده الصوم قال القاضي فكأنه لم يصم لأنه
إذا اعتاد ذلك لم يجد منه رياضة وكلفة يتعلق بها مزيد ثواب قال الطيبي هذا التأويل يخالف سياق الحديث لأن السياق في رفع التشديد ووضع الإصر ألا ترى كيف نهاه أولا عن صوم الدهر كله ثم حثه على صوم داود فالأولى أن يجري لا صام على الأخبار لأنه ما امتثل أمر الشارع ولا أفطر لأنه لم يطعم شيئا كما سبق في حديث أبي قتادة اه والتعليل بصيامه الأيام المنهية في غاية من البعد لعلمهم بحرمة صيامها والشارع ما ينفي صوم الدهر مطلقا لإحتمال صيام الأيام المنهية لأنه لو أراد هذا المعنى لأكد النهي عن صيامها بالخصوص فالأظهر كما يدل عليه السياق من السباق واللحاق سواء كان إخبارا أو دعاء أنه للحوقه ضرر الضعف عن سائر الحقوق الواجبة ولعل هذا هو وجه الحكمة في إيجاب صوم شهر فقط على الأمة ولذا قال يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر البقرة وقال وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج وقال عليكم بالملة الحنيفية السمحاء وروى عليكم بدين العجائز ولا تشددوا فيشدد الله عليكم وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى من الأدلة صوم ثلاثة أيام من كل شهر مبتدأ خبره صوم الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها كله أي حكما وهو بالجر تأكيد للدهر صم أي أنت بالخصوص ومن هو في المعنى مثلك وبهذا يندفع توهم التكرار المستفاد مما قبله كل شهر منصوب بنزع الخافض أي من كل شهر ثلاثة أيام ظرف قيل هي أيام البيض واقرأ القرآن أي جميعه في كل شهر أي مرة قلت إني أطيق أكثر من ذلك أي مما ذكر من صيام الثلاثة وختم الشهر قال صم أفضل الصوم صوم داود نصبه على البدل أو البيان أو بتقدير أعني ويجوز رفعه دون جره بفساد


المعنى صيام يوم وإفطار يوم برفعهما على أنهما خبر لمبتدأ محذوف هو هو وفي نسخة بالنصب وهو ظاهر وأقرأ القرآن في كل سبع ليال مرة أي مرة من الختم وفي اختيار الليالي على الأيام إشارة إلى أفضليتها للقراءة ولا تزد على ذلك أي على المذكور من الصوم والختم أو لا تزد على ذلك من السؤال ودعوى زيادة الطاقة متفق عليه قال ميرك ورواه الأربعة باختلاف ألفاظ والمعنى واحد
الفصل الثاني
وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان أي أحيانا رسول الله يصوم


الإثنين بكسر النون على أن إعرابه بالحرف على القيام وهو الرواية المعتبرة كذا ذكره ميرك في شرح الشمائل وفي نسخة بفتحها والخميس بالنصب رواه الترمذي والنسائي وحسنه الترمذي وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام كان يتحرى حقوقهما قيل وسمي الإثنين لأنه ثاني الأسبوع والخميس لأنه خامسه كذا نقله النووي عن أهل اللغة قال ابن حجر هو مبني على أن أول الأسبوع الأحد ونقله ابن عطية عن الأكثرين لكن قال السهيلي الصواب أن أول الأسبوع هو السبت وهو قول العلماء كافة اه فعليه يوجه تسميتهما بذلك نظير ما لحظه ابن عباس في قوله أن عاشوراء تاسع المحرم على ما مر فيه أقول ما مر فيه مبني على ما مر فيه ولا يصح ما مر فيه أن يكون علة هنا لأنها تنافيه والصواب أن وجه إطلاق الأحد والإثنين على اليومين بناء على ابتداء خلق العالم كما هو مقرر في قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام الأعراف وقد بينها الشارع في أحاديث أن أولها الأحد وهو لا ينافي الخلاف في الأسبوع أن أوله الأحد أو السبت والظاهر أن الأول مبني على اللغة المطابقة للسنة والثاني مبني على العرف فالخلاف لفظي والله أعلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله تعرض الأعمال أي على الملك المتعال يوم الإثنين والخميس بالجر فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم أي طلبا لزيادة رفعة الدرجة قال ابن الملك وهذا لا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام يرفع عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل للفرق بين الرفع والعرض لأن الأعمال تجمع في الأسبوع وتعرض في هذين اليومين رواه الترمذي وقد حسنه وفي حديث مسلم تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل مؤمن إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا قال ابن حجر ولا ينافي هذا رفعها في شعبان فقال إنه شهر ترفع فيه الأعمال وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم لجواز رفع أعمال الأسبوع مفصلة وأعمال


العالم مجملة قلت وفيه إيماء إلى أن شعبان آخر السنة وأن أولها رمضان عند الله باعتبار الآخرة كما قدمناه في حديث تزخرف الجنة لرمضان من أول الحول والذي يلوح لي الآن أن ليلة النصف هي التي تعرض فيها أعمال السنة الماضية كما أنها تكتب فيها جميع ما يقع في السنة الآتية ولذا قال قوموا ليلها وصوموا نهارها ومقتضى هذا أن يكون أول السنة العبادية أول النصف الأخير من شعبان وهو مقدمة تزيين رمضان كما
هو في عرف أهل الزمان حيث يسمون تلك الأيام أيام النزاهة ويختارون التمشية والنزاهة ويعدون الصيام من أشد الكراهة تقوية لرمضان والله المستعان وعن أبي ذر قال قال رسول الله يا أبا ذر إذا صمت أي أردت الصوم وأما قول ابن حجر أي عملا بما علمته من أن صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله فلا دلالة له في الحديث من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة بسكون الشين فيها وتكسر وهي أيام الليالي البيض وفيه دلالة على متابعة الأفضل فإن الجمع بين كونها ثلاثة وكونها البيض أكمل رواه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان وعن عبد الله بن مسعود قال كان رسول الله يصوم من غرة كل شهر أي أوله ثلاثة أيام قيل لا منافاة بين هذا الحديث وحديث عائشة وهو أنه لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم لأن هذا الراوي وجد الأمر على ذلك في غالب ما اطلع عليه من أحوال النبي فحدث بما كان يعرف من ذلك وعائشة رضي الله عنها اطلعت من ذلك على ما لم يطلع عليه هذا الراوي فحدثت بما علمت فلا تنافي بين الأمرين اه وفي القاموس الغرة من الهلال طلعته فيمكن أن يقال كلما طلع هلال صام ثلاثة أيام ولا يلزم منه أن يكون الصوم من أوله فيوافق بقية الحديث وقلما كان يفطر يوم الجمعة بضم الميم ويسكن قال المظهر تأويله أنه كان يصومه منضما إلى ما قبله أو إلى ما بعده أو أنه مختص بالنبي كالوصال قال القاضي أو أنه كان يمسك قبل الصلاة ولا يتغدى إلا بعد أداء الجمعة كما روي


عن سهل بن سعد الساعدي اه فمعنى الإفطار أكل الفطور وهو ما يؤكل أول النهار لا الإفطار الذي ضد الصوم وهو بعيد من السياق والسباق بل ظاهره الإطلاق المؤيد لمذهبنا أنه لا يكره إفراد صومه إذ الاختصاص لا يثبت بالاحتمال رواه الترمذي والنسائي أي تمام الحديث ورواه أبو داود إلى ثلاثة أيام
وعن عائشة قالت كان رسول الله يصوم من الشهر أي من أحد الشهور السبت والأحد والإثنين بكسر النون وفتحها بناء على أن إعرابه بالحرف أو الحركة ومن الشهر الآخر الثلاثاء بفتح المثلثة ويضم والأربعاء بكسر الموحدة ويفتح ويضم وكلاهما ممدود والخميس مراعاة للعدالة بين الأيام فإنها أيام الله تعالى ولا ينبغي هجران بعضها لإنتفاعنا بكلها قال الطيبي وقد ذكر الجمعة في الحديث السابق فكان يستوفي أيام الأسبوع بالصيام وقال ابن الملك أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين سنة صوم جميع الأسبوع وإنما لم يصم جميع هذه الستة متوالية كيلا يشق على الأمة اقتداء به رحمة لهم وشفقة عليهم رواه الترمذي وعن أم سلمة أم المؤمنين قالت كان رسول الله يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها بالرفع الاثنين بضم النون وكسرها وفتحها والخميس بالحركات الثلاث على التبعية قال الأشرف الظاهر الإثنان فقيل أعرب بالحركة لا بالحرف وقيل المضاف محذوف مع إبقاء المضاف إليه على حاله وتقديره أولها يوم الاثنين اه وقيل أنه علم كالبحرين والإعلام لا تتغير عن أصل وضعها باختلاف العوامل وقال الطيبي أولها منصوب لكن بفعل مضمر أي اجعل أولها الاثنين والخميس يعني والواو بمعنى أو وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتي حيث قال صوابه أو الخميس والمعنى أنها تجعل أول الأيام الثلاثة الاثنين أو الخميس وذلك لأن الشهر إما أن يكون افتتاحه من الأسبوع في القسم الذي بعد الخميس فتفتح صومها في شهرها ذلك بالإثنين وإما أن يكون بالقسم الذي بعد الإثنين فتفتح شهرها ذلك بالخميس وكذلك وجدت الحديث فيما يرويه من


كتاب الطبراني اه وأما تعبير ابن حجر عن هذا المعنى بقوله أي أولها أول اثنين يلي الهلال أن هل بالجمعة أو السبت أو الأحد أو أول خميس يليه أن هل بالثلاثاء أو الأربعاء فقاصر عن المقصود لخروج ما إذا هل بالإثنين أو الخميس فتأمل ثم لغفلته عن هذا المعنى لقصور تصوره في المبنى قال وكان القياس أن الأفضل صوم الهلال وتالييه إلا أن يجاب بأنه قصد بيان فضلي الإثنين والخميس بجعل مفتتح صوم يوم الثلاثة الإثنين تارة والخميس أخرى اه وأنت قد علمت مما سبق من كلام الشراح أن هذا هو القصد وأنه شامل صوم الهلال وتالييه


أيضا فما صح القياس ولا احتياج إلى الجواب والله الموفق للصواب ويمكن أن يكون التقدير اجعل أوله الإثنين من شهر فلا احتياج إلى أن يقال الواو بمعنى أو رواه أبو داود والنسائي وعن مسلم القرشي بضم القاف وفتح الراء نسبة إلى قريش قال سألت أو سئل رسول الله بالرفع أو النصب عن صيام الدهر فقال وفي نسخة صحيحة قال إن لأهلك عليك حقا هذا اجمال لما سبق وفيه وفيما قبله إشعار بأن صوم الدهر من شأنه أن يفتر الهمة عن القيام بحقوق الله وحقوق عباده فلهذا كره وأما من لم يؤثر فيه فإنه لا يكره له صومه بل يستحب له ذلك وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث وبين ما فعله بعض السلف الكرام والمشايخ العظام صم رمضان والذي يليه قيل أراد الست من شوال وقيل أراد به شعبان وكل أربعاء بالمد وعدم الانصراف وخميس بالجر والتنوين فإذا بالتنوين أنت قد صمت الدهر أي مرات قال الطيبي هذا لفظ الترمذي وأبي داود والفاء جزاء شرط محذوف أي إن فعلت ما قلت لك فقد صمت وإذن جواب جيء لتأكيد الربط كله أي حكما ولعل هذا الحديث متقدم على ما سبق من حصول صوم الدهر بثلاثة من كل شهر لأنه عليه الصلاة والسلام كان يخبر أولا بالجزء القليل ثم بالثواب الجزيل إعظاما للمنة عليه وعلى الأمة وإلا فيقارب مقتضى هذا الحديث أن يصير صوم الدهر مرتين حكما فتدبر رواه أبو داود والترمذي وعن أبي هريرة أن رسول الله نه أي نهي تنزيه عن صوم يوم عرفة بعرفة أي في عرفات أي لئلا يضعف عن الدعاء ولئلا يسيء خلقه مع الرفقاء وفي معناه من يكون مثله وله من أهل الحضر قال ابن الملك وليس هذا نهي تحريم روي عن عائشة أنها كانت تصوم وقال عطاء أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف رواه أبو داود وقال الحاكم إنه على شرط البخاري وأقره الذهبي وصححه ابن خزيمة


وعن عبد الله بن بسر بضم الموحدة وسكون السين عن أخته الصماء بتشديد الميم اسمها بهية وتعرف بالصماء أن رسول الله قال لا تصوموا يوم السبت أي وحده إلا فيما افترض بصيغة المجهول عليكم أي ولو بالنذر قال الطيبي قالوا النهي عن الإفراد كما في الجمعة والمقصود مخالفة اليهود فيهما والنهي فيهما للتنزيه عند الجمهور وما افترض يتناول المكتوب والمنذور وقضاء الفوائت وصوم الكفارة وفي معناه ما وافق سنة مؤكدة كعرفة وعاشوراء أو وافق وردا وزاد ابن الملك وعشر ذي الحجة أو في خير الصيام صيام داود فإن المنهي عنه شدة الاهتمام والعناية به حتى كأنه يراه واجبا كما تفعله اليهود قلت فعلى هذا يكون النهي للتحريم وأما على غير هذا الوجه فهو للتنزيه بمجرد المشابهة قال الطيبي واتفق الجمهور على أن هذا النهي والنهي عن إفراد الجمعة نهي تنزيه لا تحريم فإن لم يجد أحدكم الإلحاء عنبة بكسر اللام أي قشر حبة واحدة من العنب استعارة من قشر العود وقيل المراد بالعنبة شجرة العنب وهي الحبة قال التوربشتي اللحاء ممدود وهو قشر الشجر والعنبة هي الحبة من العنب وأما قول ابن حجر المراد شجرة العنب لا حبتها فخطأ فاحش لعدم صحة نفي إرادة الحبة مع أنها أظهر في المبالغة لا سيما دعوى المراد فيما يحتمل من الكتاب والسنة باطلة والقول بها مجازفة بل لو بولغ في هذا المقام بأن المراد بالعنبة هي الحبة من العنب لا قشر الشجرة لصح فإن العنبة هي الحقيقة اللغوية ففي القاموس العنب معلوم واحدته عنبة ولم يذكر أصلا إطلاق العنب لا بالجنس ولا بالوحدة على الحبلة ومما يؤيده بناء على أن الأصل في العطف التغاير خصوصا بأو قوله أو عود شجرة عطفا على لحاء فليمضغه بفتح الضاد ويضم في القاموس مضغه كمنعه ونصره لاكه بأسنانه وهذا تأكيد بالإفطار لنفي الصوم وإلا فشرط الصوم النية فإذا لم توجد لم يوجد ولو لم يأكل ونظيره المبادرة إلى أكل شيء ما في عيد الفطر تأكيدا لإنتفاء الصوم


المنهى عنه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وحسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط البخاري وقال النووي صححه الأئمة قال ابن حجر وقول أبي داود أنه منسوخ غير مقبول كقول مالك أنه كذب اه وهذا مجازفة منه لأنهما إمامان جليلان في الحديث ولا يقولان ذلك إلا عن ثبت وسند فلا يرد قولهما بالهوينا إذ لا يلزم من عدم ذكرهما سند المنع وقوعه ولا من قلة اطلاعنا عدم علمهما به فالتقليد أولى لمن ليس له أهلية التحقيق وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه


بالأبصار فإن مثل هذا الرد من الشافعي بالنسبة إلى مالك غير مقبول فكيف لغيره أن يرد عليه فرحم الله من عرف قدره ولم يتعد طوره وعن أبي أمامة قال قال رسول الله من صام يوما في سبيل الله أي في الجهاد أو في طريق الحج أو العمرة أو طلب العلم أو ابتغاء مرضاة الله جعل الله بينه وبين النار خندقا أي حجابا شديدا ومانعا بعيدا بمسافة مديدة كما بين السماء والأرض أي مسافة خمسمائة سنة قال الطيبي رحمه الله استعارة تمثيلية عن الحاجز المانع شبه الصوم بالحصن وجعل له خندقا حاجزا بينه وبين النار التي شبهت بالعدو ثم شبه الخندق في بعد غوره بما بين السماء والأرض رواه الترمذي وعن عامر بن مسعود أي ابن عبد الله مسعود تابعي مشهور روى عن أبيه كذا ذكره الطيبي ونقل ميرك عن التقريب أنه ابن أمية بن خلف الجمحي يقال له صحبة وذكره ابن حبان وغيره في التابعين اه وذكره المؤلف في الصحابة وقال هو عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي وهو ابن أخي صفوان بن أمية روى عنه نمير بن عريب بفتح العين وكسر الراء أخرج حديثه الترمذي في الصوم وقال وهو مرسل لأن عامر بن مسعود لم يدرك النبي وقد أورده ابن منده وابن عبد البر في أسماء الصحابة وقال ابن معين لا صحبة له قال قال رسول الله الغنيمة البارة الصوم في الشتاء لوجود الثواب بلا تعب كثير وفي الفائق الغنيمة البادرة هي التي تجيء عفوا من غير أن يصطلي دونها بنار الحرب ويباشر حر القتال في البلاد وقيل هي الهيئة الطيبة مأخوذة من العيش البارد والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب والهنأة أن الماء والهواء لما كان طيبها ببردهما خصوصا في البلاد الحارة قيل ماء بارد وهواء بارد على طريق الاستطابة ثم كثر حتى قيل عيش بارد وغنيمة باردة وبرد أمرنا قال الطيبي والتركيب من قلب التشبيه لأن الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة وفيه من المبالغة أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال زيد كالأسد فإذا عكس وقيل الأسد


كزيد يجعل الأصل كالفرع والفرع كالأصل يبلغ التشبيه إلى الدرجة القصوى في المبالغة والمعنى أن الصائم يحوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش أو يصيبه ألم الجوع من طول اليوم اه فجعل الحديث من باب التشبيه البليغ وهو أن يكون محذوف الأداة والأظهر أن الجملة مركبة من المبتدأ والخبر
المفيدة للحصر لتعريف جزئها فالمعنى أن الغنيمة الباردة هي الصوم في الشتاء وقد جاء في مسند أحمد بسند حسن عن أبي سعيد مرفوعا الشتاء ربيع المؤمن وزاد البيهقي قصر نهاره فصام وطال ليله فقام رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث مرسل لأن عامر بن مسعود لم يدرك النبي والد إبراهيم بن عامر القرشي اه كلام الترمذي نقله ميرك وقال ليس له سوى هذا الحديث اه فما ذكره الطيبي غير صواب والله أعلم وذكر حديث أبي هريرة ما من أيام أحب إلى الله صفة أيام بالرفع على المحل وبالنصب على اللفظ وتمامه أن يتعبد وهو في محل الرفع فاعل لأحب له أي لله فيها أي في تلك الأيام من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر في باب الأضحية إن كان مراده أن صاحب المصابيح ذكره في باب الأضحية وأنه أسقطه لتكراره فهذا اعتذار حسن منه إلا أنه كان الأولى أن يعكس الأمر فيه وإن كان مراده أنه حق له لأنه أولى بذلك الباب فلا يخفى أنه غير صواب
الفصل الثالث


عن ابن عباس أن رسول الله قدم المدينة أي بعد الهجرة من مكة فوجد اليهود أي صادفهم في المدينة وهو في السنة الثانية لأن قدومه في الأولى كان بعد عاشوراء في ربيع الأول صياما أي ذوي صيام أو صائمين يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله ما هذا اليوم الذي تصومونه أي ما سبب صومه قال الطيبي فيه إشكالان الأول أن اليهود يؤرخون الشهور على غير ما تؤرخه العرب الثاني أن مخالفتهم مطلوبة والجواب عن الأول أنه يجوز أن يتفق في ذلك العام كون عاشوراء ذلك اليوم الذي نجاهم الله فيه من فرعون يعني مع احتمال الموافقة والمخالفة ابتداء فقول ابن حجر على أنه لا مانع أيضا أن هذا الإنجاء وقع في عاشوراء


العربي ثم وقع التغيير منهم إلى تلك السنة فتوافقا أيضا غير متجه مع أن قوله ثم وقع التغيير غير صحيح لأنهم مع كمال اعتقادهم وغلوهم واجتهادهم ما يغيرون عاشوراء عن زمانه واختلاف التاريخ بناء على تغير لغتهم في مغايرة أسماء شهورهم أما الخيام فإنها كخيامهم وأما نساء الحي غير نسائهم وعن الثاني أن المخالفة مطلوبة فيما أخطأوا فيه كما في يوم السبت قال تعالى إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه النحل فكان التعظيم مبنيا على اختيارهم واجتهادهم وقد مر في الحديث أن يومهم الذي أمروا به يوم الجمعة فاختلفوا فيه أقول الأظهر في الجواب عن الثاني أنه عليه الصلاة والسلام أول الهجرة لم يكن مأمورا بالمخالفة بل كان يتألفهم في كثير من الأمور ومنها أمر القبلة ثم لما ثبت عليهم الحجة ولم يمنعهم الملائمة وظهر منهم العناد والمكابرة اختار مخالفتهم وترك مؤالفتهم ولذا لما قيل له في عاشوراء بعد صيامه أن اليهود والنصارى يعظمون هذا اليوم وأنت تحب هذا الزمان ترك التشبه بهم فقال لئن بقيت لأصومن التاسع ثم مما يتعلق بهذا الحديث أن النبي على تقدير أنه صامه عن اجتهاد أنه لم يعتمد على قول اليهود في ذلك مطلقا بل بإخبار من أسلم منهم أو بحصول التواتر من قبلهم فإنه لا يشترط الإسلام في التواتر فقول ابن حجر إما بالوحي أو الاجتهاد بما يوافقه أو أخبره من أسلم منهم لا يصح ترديده بأو في الثانية فقالوا هذا يوم عظيم أي وقع فيه أمور عظيمة توجب تعظيم مثل ذلك اليوم أنجى الله فيه موسى وقومه أي المؤمنين وغرق بالتشديد فرعون وقومه بالنصب فيهما قال الطيبي غرقه وأغرقه بمعنى وفي نسخة أغرق وفي أخرى بكسر الراء المخففة ورفع المنصوبين فصامه أي ذلك اليوم أو مثله موسى شكرا لإشتماله على النعمتين الجليلتين قال تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين الأنعام فنحن نصومه أي شكرا أيضا لأن بقاء الآباء سبب وجود الأبناء أو متابعة لموسى


وهذا ظاهر من كلامه عليه الصلاة والسلام حيث أجابهم فقال رسول الله فنحن أي إذا كان الأمر كذلك فنحن أحق أي أثبت وأولى أي أقرب بموسى أي بمتابعته منكم فإنا موافقون له في أصول الدين ومصدقون لكتابه في تبيين اليقين وأنتم مخالفون لهما في التغيير والتحريف والتعلق بالأمر المشوب بالتزييف فصامه رسول الله لقوله تعالى فبهداهم اقتده الأنعام فتعظيم ما عظمه لم يكن على جهة المتابعة له في شرعة بل على طريق موافقة شرعه لشرعه في ذلك أو كان صيامه شكرا لخلاص موسى كما سجد في ص صلى الله عليه وسلم شكرا لله على قبول توبة داود ولكونه يحب موافقة أهل الكتاب ما لم يؤمر فيه بشيء والظاهر مما تقدم أنه أمر هنا بالصيام على وجه الوجوب ولذا نادى مناديه إن من لم يأكل فيه فليصم ومن أكل فليمسك وأمر أي أصحابه بصيامه وفي هذا تواضع عظيم


بالنسبة إلى موسى الكليم وإلا فقد قال عليه الصلاة والسلام ولو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي وفيه تألف لقومه واستئناس بهم لعلهم يرجعون عن عنادهم متفق عليه وينافيه بظاهره رواية البخاري عن أبي موسى قال كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا قال النبي فصوموه أنتم فهذا يشعر بأن الصوم كان لمخالفتهم وما سبق صريح بأنه كان لموافقتهم ويمكن حمله على أن اليهود كانوا طائفتين أو القضيتين في وقتين أو يقال لا يلزم من عدهم إياه عيدا كونه عيدا حقيقة أو لا يمتنع صومه عندهم أو صوموه أنتم فلا تجعلوه عيدا والله أعلم وعن أم سلمة أم المؤمنين قالت كان رسول الله يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام أي الأخر ويقول إنهما يوما عيد للمشركين السبت لليهود والأحد للنصارى وإنما سموا مشركين لقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله وإما للتغليب وأراد من يخالف دين الإسلام من الكفار ذكره الطيبي قال ابن حجر المشرك الكافر على أي ملة كان وقد يطلق على مقابل أهل الكتاب اه والصحيح أن المشرك ضد الموحد بأن يثبت شريكا للباري سواء كان الصنم والشمس والقمر والكوكب وغيرها وقد يطلق على جنس الكافر الشامل الدهرية والمعطلة وأهل الكتاب وغيرهم ومنه قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به النساء ويقابل أهل الكتاب كقوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين البينة فأنا أحب أن أخالفهم أي مجموع الفريقين والجمع بينه وبين الحديث السابق من النهي عن صوم يوم السبت أن يكون هذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام وذلك من خصوصيات أمته ويشير إلى الأول قوله فأنا أحب وإلى الثاني قوله لا تصوموا أو الصيام المنهى عنه كونه على جهة التعظيم والصيام المحبوب كونه على طريق المخالفة بترك الأكل والشرب في وقت انتفاعهم بهما ويمكن أن يكون المنهي عنه إفراد السبت وفي معناه إفراد الأحد والمستحب صومهما جميعا متواليين تحقيقا لمخالفة الفريقين على أن


ظاهر هذا الحديث أنهم كانوا يفطرون اليومين بخلاف الحديث الأول فتأمل رواه أحمد قال ميرك ورواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره من حديث أم سلمة ولفظه أن رسول الله أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد كان يقول إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم
وعن جابر بن سمرة قال كان رسول الله يأمر أي يأمرنا أمرا مؤكدا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه أي يرغبنا إليه ويتعاهدنا أي يحفظنا ويراعي حالنا ويتفحص عن صومنا أو يتخولنا بالموعظة عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا أي به ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا أي لم يتفقدنا عنده رواه مسلم قال ابن حجر في قوله يأمر بصيام يوم عاشوراء حجة لمن قال كان واجبا ثم نسخ والأصح عند الشافعي أنه لم يجب أصلا لما رواه البخاري عن معاوية أنه عام حج خطب بالمدينة يوم عاشوراء فقال يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله يقول هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه فهذا نص في أنه لم يجب أصلا اه وهو مردود بأنه ليس له دلالة ما على عدم الوجوب إلا حين قاله وأما كون ما بعده وما قبله فمحل احتمال فكيف يكون نصا أو يصلح معارضا لما في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع أنه عليه الصلاة والسلام أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء فإنه صريح في أنه كان أمرا يجاب قبل نسخه برمضان إذ لا يؤمر من أكل بإمساك بقية يومه إلا في يوم مفروض الصوم بعينه فلا بد من الجمع بوجوبه أولا ونسخه ثانيا أو المرادد أنه لم يكتب عليكم في القرآن مطلقا هذا كله على تقدير صحة رواية النسائي أن قوله ولم يكتب الله عليكم صيامه من كلامه وإلا فالحفاظ اتفقوا على أنه من كلام معاوية مدرج وأما قول ابن حجر هذا احتمال بعيد فبعيد عن فهمه والله أعلم وعن حفصة أم المؤمنين قالت أربع أي خصال لم يكن أي النبي يدعهن أي يتركهن النبي فاعل تنازع فيه الفعلان وفي نسخة لم تكن


بالتأنيث وفي أخرى بجمعه أي لم تكن تلك الخصال متروكة صيام عاشوراء والعشر بالجر وقيل بالرفع أي صيام عشر ذي الحجة والمراد من العشر تسعة أيام مجازا كقوله تعالى الحج أشهر معلومات البقرة وكذا يقال اعتكف العشر الأخير من رمضان ولو كان الشهر ناقصا أو استثناء يوم العيد لثبوته الشرعي كالإستثناء العقلي وثلاثة أيام بالوجهين من كل شهر وركعتان قبل
الفجر أرادت ركعتي سنة الصبح ثم هذا الحديث بظاهره يناقض ما سبقه من حديث عائشة قالت ما رأيت رسول الله صائما في العشر والجمع بأن كلا منهما روت ما رأت ونقلت ما علمت فلا تنافي بينهما رواه النسائي ومما يؤكده خبر البخاري ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء وروى أبو عوانة في صحيحه صيام يوم منها يعدل صيام سنة وقيام ليلة منها بقيام ليلة القدر واختلف في أفضل العشرين فقيل عشر رمضان أفضل من حيث لياليه لأن منها ليلة القدر وهي أفضل الليالي وعشر ذي الحجة أفضل من حيث أيامه لأن فيها يوم عرفة وهو أفضل الأيام وذهب ابن حبان إلى تساويهما في الفضل وألحق الغزالي وغيره بعشر الحجة فيما ذكر عشر المحرم والله أعلم وعن ابن عباس قال كان رسول الله لا يفطر أيام البيض أي أيام الليالي البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر لأنها المقمرات من أوائلها إلى أواخرها فناسب صيامها شكرا لله تعالى قال ابن حجر ومن عبر عنها بالأيام البيض فقد لحنوه لأن الأيام كلها بيض اه ويمكن أن يكون التقدير الأيام البيض لياليها أو المراد صيامهن مكفرات للذنوب مبيضات للقلوب أو إشارة إلى ما روى أن آدم عليه السلام اسود أعضاؤه العظام بعد إخراجه من دار السلام فأمر بصيام هذه الأيام فبصوم كل يوم يبيض ثلث جسده عليه السلام بل أقول يتعين هذه التأويلات لأن الأيام البيض


وقع في أكثر الروايات وأما قول صاحب النهاية والصواب أن لا يقال أيام البيض لأن البيض من صفة الليالي فمبني على ظاهر العربية والله تعالى أعلم في حضر ولا سفر أي ولا في سفر ولا مزيدة للتأكيد قال ميرك اختلف العلماء في تعيين أيام البيض قال الشيخ زين الدين العراقي في شرح الترمذي حاصل الخلاف في تقرير أيام البيض تسعة أحدها عدم التعيين وكره التعيين الثاني الثلاثة الأول من الشهر قاله الحسن البصري الثالث من الثاني عشر إلى الرابع عشر من الثالث عشر إلى الخامس عشر وهو قول أكثر أهل العلم الخامس أولها أول سبت من أول الشهر ثم من أول الثلاثاء من الشهر الذي يليه وهكذا وهو مروي عن عائشة رضي الله عنها السادس أولها أول خميس من أول الشهر ثم أول اثنين من الشهر الذي يليه وهكذا السابع أول اثنين ثم خميس ثم هكذا الثامن أول يوم والعاشر


والعشرون وهو مروي عن أبي الدرداء ومنقول عن مالك أيضا التاسع أول كل عشر وهو منقول عن ابن شعبان المالكي اه قال العسقلاني بقي آخر وهو آخر ثلاث من الشهر فتلك عشرة كاملة اه ولعلهم عدلوا عن ذكره مع كمال ظهوره لعدم امكان ضبطه وتقديره رواه النسائي قال ابن حجر وفي رواية للنسائي بسند حسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر أيام البيض ثالث عشرة ورابع عشرة وخامس عشرة وبهذا يعلم شذوذ أقول تسعة أو عشرة حكاها العراقي في تعيين البيض فلا يعول على شيء منها اه وهذا مجازفة عظيمة منه لأن العراقي بنفسه ذكر أن هذا قول أكثر أهل العلم وذكر البقية على طريق الشذوذ بعضها مسند إلى الأكابر وبعضها مسكوت عنه فلا اعتراض عليه أصلا ولهذا تبعه شيخ الإسلام ابن حجر وقرره وزاد عليه بواحدة بها صارت عشرة كاملة وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لكل شيء زكاة أي نماء يعطي بعضه أو طهارة يطهر به وزكاة الجسد الصوم فإنه يذاب بعض البدن منه وينقص وتطهر الذنوب به وتمحص فالزكاة عبادة مالية والصوم طاعة بدنية قال الطيبي أي صدقة الجسد ما يخلصه من النار بجنة الصوم رواه ابن ماجه وعنه أي عن أبي هريرة أن النبي كان يصوم يوم الإثنين يحتمل إعرابه هنا أن يكون بالحرف أو الحركة والخميس بالنصب وقيل بالجر واللام بدل عن المضاف إلى يوم الخميس وفي نسخة بالجر عطفا على الإثنين فقيل يا رسول الله إنك تصوم أي كثيرا الاثنين بكسر النون ويفتح والخميس بالنصب وقيل بالجر وأراد يوميهما يعني فما الحكمة فيهما فقال إن يوم الإثنين والخميس بالنصب والجر يغفر الله فيهما لكل مسلم أي صائم فيهما إلا ذا ذا مزيدة هاجرين بالتثنية أي قاطعين أي ولو كانا صائمين يقول أي الله للملك الموكل على محو السيئة عند ظهور آثار المغفرة دعهما أي أتركهما حتى يصطلحا أي إلى أن يقع الصلح بينهما فحينئذ يغفر لهما قال الطيبي وفي معناه قوله عليه الصلاة والسلام


يفتح أبواب الجنة يوم الإثنثن ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا وفي حديث آخر اتركوا هذين حتى يفيئا ولا بد ههنا من تقدير مخاطب يقول اتركوا أو انظروا أو دعهما كأنه تعالى لما غفر للناس سواهما قيل اللهم اغفر لهما أيضا فأجاب دعهما أو انظروا أو اتركوا هذين حتى يصطلحا اه وما اخترناه أظهر فتأمل وتدبر رواه أحمد وابن ماجه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من صام يوما ابتغاء وجه الله نصب على العلة وفي نسخة ابتغاء لوجه الله وفي نسخة لابتغاء وجه الله أي ذاته وطلب قربه أو جهته التي رضي بها من الرجاء به أو من خوف عقابه ولذا يفسر عند حل مشكلاته بابتغاء مرضاته بعده الله من جهنم كبعد غراب أي بعدا مثل بعد غراب طائر وهو فرخ بفتح فسكون أي صغير حتى مات هرما بفتح فكسر أي كبيرا قال الطيبي طائر صفة غراب وهو فرخ حال من الضمير في طائر وحتى مات غاية الطيران وهرما ما حال من فاعل مات مقابل لقوله وهو فرخ وقيل يضرب الغراب مثلا في طول العمر شبه بعد الصائم عن النار ببعد غراب طار من أول عمره إلى آخره اه قيل يعيش الغراب ألف عام رواه أحمد أي عن أبي هريرة وروى البيهقي في شعب الإيمان عن سلمة بن قيس كذا في نسخ المشكاة وكذا ذكره المؤلف في أسماء رجاله في الصحابة وكتب ميرك في الهامش بدل قيس قيصر بفتح الراء حبرا وبالتنوين حمرة وفوقه ظ إشارة إلى أنه الظاهر وفي المغني قيصر بمفتوحة وسكون ياء وفتح مهملة وترك صرف قاله ميرك ورواه البزار وفي سنده رجل لم يسم ورواه أبو يعلى والبيهقي من حديث سلمة بن قيصر ورواه الطبراني فسماه سلامة بزيادة ألف كذا قاله المنذري وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب سلمة بن قيصر الحضرمي وقال حديثه عند ابن لهيعة عن زياد بن خالد عن لهيعة بن عتبة عن عمرو بن ربيعة عن سلامة بن قيصر قال سمعت النبي يقول من يصوم يوما ابتغاء وجه الله


الخ قال ولا يوجد له سماع ولا إدراك للنبي إلا بهذا الإسناد وأنكر أبو زرعة أن يكون له صحبة وقال روايته عن أبي هريرة يعد في أهل مصر اه كلام ابن عبد البر وقال الذهبي في الميزان سلمة بن قيصر تابعي أرسل حديثا لم يصح حديثه اه فعلم
من هذا أن ما وقع في نسخ المشكاة سلمة بن قيس غلط والصواب سلمة بن قيصر والله الهادي جل جلاله ولا إله غيره


باب في توابع لصوم التطوع
باب بالتنوين وقيل بالسكون وفي نسخة في توابع لصوم التطوع
الفصل الأول
عن عائشة قالت دخل علي النبي ذات يوم أي يوما من الأيام أو ساعة يوم أو أوقات يوم أو في نهار فقال هل عندكم شيء أي من الطعام وفي رواية صحيحة هل عندكم من غداء بفتح المعجمة والدال المهملة وهو ما يؤكل قبل الزوال فقلنا لا قال فإني إذا بالتنوين صائم وفي رواية صحيحة فإني إذن أصوم يدل على جواز نية النفل في النهار وبه قال الأكثرون وقال مالك وداود يجب التبييت كما في الفرض لعموم قوله عليه الصلاة والسلام لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل وقد تقدم الجواب عنه ثم أتانا يوما آخر فقلنا يا رسول الله أهدي لنا أي أرسل إلينا بطريق الهدية حيس بفتح الحاء المهملة وسكون ياء تمر مخلوط بسمن وأقط وقيل طعام يتخذ من الزبد والتمر والأقط وقد يبدل الأقط بالدقيق والزبد بالسمن وقد يبدل السمن بالزيت فقال أرينيه أمر من الإراءة وفي رواية قريبة وفي رواية أدنيه وأرينيه كناية عنهما لأن ما يكون قريبا يكون مرئيا ذكره الطيبي وأما في النسخ الحاضرة فغير موجودتين ولعلهما روايتان أو نسختان للطيبي فلقد أصبحت صائما أي مريدا للصوم فأكل وقال ابن الملك أي كنت نويت الصوم في أول النهار اه وهو مخالف للمذهب فيحتاج إلى تأويل وتقدير عذر وقال ميرك يدل على جواز إفطار النفل وبه قال الأكثرون وقال أبو حنيفة يجوز بعذر وأما بدونه فلا وقال القاضي دل الحديث على أن الشروع في النفل لا يمنع الخروج عنه كما قال الصائم المتطوع أمير نفسه وقال أصحاب أبي حنيفة يجب اتمامه ويلزمه قضاؤه أن أفطر وقال مالك يقضي حيث لا عذر له واحتجوا بحديث عائشة أن رسول الله أمر بالقضاء


والحديث مرسل لا يقاوم الصحيح على أن الأمر يحتمل الاستحباب كالأصل قال ابن حجر ومن هذا أخذ الشافعي أنه يجوز النفل بنية قبل الزوال لا بعد مضي معظم العبادة بلا نية خلافا لمن قال به كأحمد وغيره وهو قول للشافعي وقال مالك يجب التبييت فيه كالفرض بحديث إنما الأعمال بالنيات فالامساك أول النهار عمل بلا نية وقياسا على الصلاة إذا نفلها كغرضها في النية قال ولا دلالة في هذا الحديث لاحتمال أن المراد من السؤال أن يجعل المسؤل معدا للإفطار حتى تطمئن نفسه للعبادة ولا يتكلف لتحصيل ما يفطر عليه فلما قالوا له أي إني صائم كما كنت أو أنه عزم على الفطر لعذر فلما قيل له تمم الصوم وفيه أن النية اقترانها به كاقترانها بما قبله ويدل على مذهب الجمهور رواية إذن أصوم ورواية من غداء الله أعلم رواه مسلم قال ابن حجر وفي رواية أخرى لمسلم فأكل ثم قال كنت أصبحت صائما قال الشمني وزاد النسائي ولكن أصوم يوما مكانه وصحح عبد الحق هذه الزيادة واستدل بهذا الحديث أبو يوسف على أن المتنفل يفطر بغير عذر ويقضي وفي الهداية ومن دخل في صوم التطوع أو صلاة التطوع ثم أفسده قضاه قال ابن الهمام لا خلاف بين أصحابنا في وجوب القضاء إذا فسد عن قصد أو غير قصد بأن عرض الحيض للصائمة المتطوعة خلافا للشافعي وإنما اختلاف الرواية في نفس الإفساد هل يباح أولا ظاهر الرواية لا إلا بعذر ورواية المنتقي يباح بلا عذر ثم اختلف المشايخ على ظاهر الرواية هل الضيافة عذر أو لا قيل نعم وقيل لا وقيل عذر قبل الزوال لا بعده إلا إذا كان في عدم الفطر عقوق لأحد الوالدين لا غيرهما وقيل إن كان صاحب الطعام يرضى بمجرد حضوره وإن لم يكن يأكل لا يباح الفطر وإن كان يتأذى بذلك يفطر وعندي أن رواية المنتقى أوجه قال وأحسن مما يستدل للشافعي ما في مسلم عن عائشة يعني الحديث السابق ولنا الكتاب والسنة والقياس أما الكتاب فقوله تعالى لا تبطلوا أعمالكم محمد وقال تعالى ورهبانية


ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها الحديد الآية سيقت في معرض ذمهم على عدم رعاية ما التزموه من القرب التي لم تكتب عليهم والقدر المؤدي عمل كذلك فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النصين فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديا أي تبعدا عن الإبطال وأما السنة فحديث عائشة الآتي وأما القياس فعلى الحج والعمرة النفلين حيث يجب قضاؤهما إذا أفسدا وعن أنس قال دخل النبي على أم سليم فأتته بتمر وسمن فقال


أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها قال ابن الملك فيه دليل على أن المستحب للضيف الصائم أن يدعو للمضيف أي لما في الحديث أن من الدعاء المستجاب دعاء الصائم رواه البخاري وهذا الحديث بظاهره يؤيد من قال إن الضيافة غير عذر والأظهر أنها عذر ولكنه مخير لقوله عليه الصلاة والسلام إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء لم يطعم رواه مسلم وأبو داود عن جابر وأغرب ابن حجر حيث قال والنهي عن التكلف المستفاد مما روى أنا وصالحوا أمتي برآء من التكلف إنما هو فيمن يتكلف بمشقة وأما من أتى بما عنده وإن شرف فلا يسمى متكلفا اه والغرابة من حيث أن المقام لا يقتضي هذا السؤال والجواب أصلا والله تعالى أعلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم أي نفلا قاله ابن حجر ولا دلالة في الحديث لاحتمال أن يكون صوم قضاء ونحوه فليقل أي ندبا إني صائم قال ابن الملك أمر المدعو حين لا يجيب الداعي أن يعتذر عنه بقوله إني صائم وإن كان يستحب إخفاء النوافل لئلا يؤدي ذلك إلى عداوة بغض في الداعي وفي رواية قال إذا دعي أحدكم فليجب أي الدعوة فإن كان صائما فليصل قال الطيبي أي ركعتين في ناحية البيت كما فعل النبي في بيت أم سليم وقيل فليدع لصاحب البيت بالمغفرة وقال ابن الملك بالبركة أقول ظاهر حديث أم سليم أن يجمع بين الصلاة والدعاء قال المظهر والضابط عند الشافعي أنه إن تأذى المضيف بترك الافطار أفطر فإنه أفضل وإلا فلا وإن كان مفطرا فليطعم أي فليأكل ندبا وقيل وجوبا قاله ابن حجر والأظهر أنه يجب إذا كان يتشوش خاطر الداعي ويحصل به المعاداة إن كان الصوم نفلا وإن كان يعلم أنه يفرح بأكله ولم يتشوش بعدمه فيستحب وإن كان الأمران مستويين عنده فالأفضل أن يقول إني صائم سواء حضر أو لم يحضر والله أعلم رواه مسلم وروى أحمد ومسلم وأبو


داود والترمذي عن أبي هريرة بلفظ إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن صائما سقط فليصل في رواية الطبراني عن ابن مسعود وإن مسعود وإن كان صائما
فليدع بالبركة كذا في الجامع الصغير للسيوطي والعجب من ابن الهمام حيث قال ومنع المحققون كون الضيافة عذرا كالكرخي وأبي بكر الرازي واستدلا بما روى عنه عليه الصلاة والسلام إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل أي فليدع لهم والله أعلم بحال هذا الحديث وقول بعضهم ثبت موقوف على ابتداء ثبت ثم لا يقوى قوة حديث سلمان يعني حديث البخاري آخى النبي بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها ما شأنك قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال كل فإني صائم قال ما آكل حتى تأكل فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم فقال له سلمان نم فنام ثم ذهب يقوم فقال نم فقال كان من آخر الليل قال سلمان قم الآن قال فصلينا فقال له سلمان إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فأتى النبي فذكر ذلك له فقال صدق سلمان وهذا مما استدل به القائلون بأن الضيافة عذر وكذا ما أسند الدارقطني إلى جابر قال صنع رجل من أصحاب رسول الله طعاما فدعا النبي وأصحابه فلما أتى بالطعام تنحى رجل منهم فقال عليه الصلاة والسلام ما لك قال إني صائم فقال عليه الصلاة والسلام تكلف أخوك وصنع طعاما ثم تقول إني صائم كل وصم يوما مكانه اه قال الشمني ورواه أبو داود والطيالسي في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ أخوك تكلف وصنع لك طعاما ودعاك أفطر واقض يوما مكانه ورواه الدارقطني من حديث جابر وقال إن الرجل الذي صنع أبو سعيد الخدري رضي الله عنه
الفصل الثاني


عن أم هانىء بهمز بعد نون مكسورة بنت أبي طالب قالت لما كان يوم الفتح أي الفتح الأعظم فتح مكة بالجر بدل أو بيان جاءت فاطمة أي بنت رسول الله فجلست على يسار رسول الله ولعل اختيار اليسار كان بإشارة منه عليه الصلاة والسلام أو
إيماء إلى قصد توجه قلبه وخاطره إليها بحسن المقابلة والالتئام وإما تواضعا منها مع بنت عمها وأخت زوجها وعمة أولادها مع إمكان أنها كانت أكبر منها وأما لشغل اليمين أولا بها وهو ظاهر قولها وأم هانىء عن يمينه فإن الجملة حال من فاعل جلست قال الطيبي إما حال أي جاءت فاطمة وجلست على يساره والحال أن أم هانىء عن يمينه وإما عطف على تقدير وجاءت أم هانىء فجلست عن يمينه وعلى التقديرين الكلام على خلاف مقتضي الظاهر لأن الظاهر أن يقال وأنا جالسة عن يمينه أو جلست عن يمينه فإما أن يحمل على التجريد كأنها تحكي عن نفسها بذلك أو أن الراوي وضع كلامه مكان كلامها اه يعني به أنه نقل بالمعنى فجاءت الوليدة أي الأمة بإناء فيه شراب أي من ماء فإنه المراد عند الإطلاق فناولته أي الجارية والضمير المنصوب له عليه الصلاة والسلام والمفعول الثاني مقدر وهو الإناء فشرب منه ثم ناوله أي الإناء وفي المصابيح ثم ناولها أي بقية المشروب أم هانىء إما لكونها عن اليمين أو لسبقها بالإيمان أو لكبر سنها أو لأنها كالأجنبية بالنسبة إلى أم أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فشربت منه فقالت يا رسول الله لقد أفطرت يحتمل المضي والحال وهو الظاهر ولما سيأتي وكنت صائمة أي فما الحكم قال ابن حجر وإنما لم تذكر هذا قبل تناولها إيثارا لما آثرها به من التقدم على بنته سيدة النساء وذلك عندها أشرف وأعلى من الصوم اه ويمكن أنه حدث لها السؤال في هذه الحال ثم في التعليل الذي ذكره ابن حجر نظر لأن التقديم قد حصل بمجرد المناولة أو قصدها فإنما لم تذكر خوفا عن فوت سؤره عليه الصلاة والسلام فقال لها أكنت تقضين أي بهذا الصوم شيئا أي من


الواجبات عليك قالت لا قال فلا يضرك أي ليس عليك إثم في فطرك إن كان أي صومك تطوعا وهو للتأكيد لأن المتطوع له أن يفطر بعذر بل بلا عذر ثم لا دلالة فيه على القضاء وعدمه وإنما القضاء يعلم مما تقدم تقريره وسبق على وفق المذهب تحريره وأغرب ابن الملك حيث قال يدل على أن لا قضاء على المتطوع بصوم إذا أبطله وبه قال الشافعي رواه أبو داود والترمذي وقال في إسناده مقال وكذا قال المنذري قال ولا يثبت وفي إسناده اختلاف كثير أشار إليه النسائي ذكره ميرك وفي رواية لأحمد والترمذي نحوه بالرفع أي معناه وفيه أي في الحديث الذي نحوه فقالت يا رسول الله أما بالتخفيف للتنبيه إني كنت صائمة فقال الصائم أريد به الجنس المتطوع احتراز من المفترض أداء وقضاء أمير نفسه أي حاكمها ابتداء وفي رواية أمين نفسه بالنون بدلا من الراء قال الطيبي يفهم أن الصائم غير المتطوع لا تخيير له لأنه مأمور مجبور عليه إن شاء صام أي نوى الصيام وإن شاء أفطر أي اختار الإفطار أو معناه أمير لنفسه بعد دخوله في


الصوم إن شاء صام أي أتم صومه وإن شاء أفطر إما بعذر أو بغيره ويجيء حكم القضاء من الحديث الذي يليه قال ابن حجر ومر أنه حديث صحيح وأنه رد على من حرم الخروج عن النفل اه وهو غير صحيح بل ولا حسن وقد مر أنه ضعيف لا يثبت فارجع إلى أرباب الاعتماد في معرفة الإسناد فقول ابن حجر وقول الترمذي وفي إسناده مقال مردود ثم قوله أو يحمل على السند الذي ذكره فلا ينافي صحته من طريق أخرى مردود أيضا للاحتياج إلى ثبوت إسناد آخر وإلا فهو مجازفة وجراءة وعن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كنت أنا وحفصة بالرفع صائمتين أي نفلا فعرض لنا طعام على بناء المجهول أي عرضه لنا أحد أي على طريق الهدية ولفظ ابن الهمام فجاء رسول الله فبدرتني إليه حفصة وكانت ابنة أبيها فقالت وفي نسخة بصيغة المعلوم أي فظهر لنا طعام اشتهينا فأكلنا منه فقالت حفصة أي على طريق الحكاية كما سيأتي يا رسول الله إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه قال اقضيا يوما آخر مكانه أي بدله قال ابن الملك يدل على أن من أفطر في التطوع يلزمه القضاء مكانه قال الخطابي هذا القضاء على سبيل التخيير والاستحباب لأن قضاء شيء يكون حكمه حكم الأصل فكما أن في الأصل كان الشخص فيه مخيرا فكذلك في قضائه أقول هذا منقوض بالحج والعمرة إذا كانا نفلين وفسدا فإن قضاءهما واجبان اتفاقا وقال ابن الهمام وحمله على أنه أمر ندب خروج عن مقتضاه بغير موجب بل محفوف بما يوجب مقتضاه من قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم محمد رواه الترمذي وذكر أي الترمذي جماعة من الحفاظ أي صفتهم أنهم رووا عن الزهري عن عائشة مرسلا قال الطيبي لأن الزهري لم يدركها اه فقول الترمذي مرسلا أي منقطعا ولم يذكروا أي جماعة الحفاظ فيه أي في إسناد الحديث عن عروة بين الزهري وعائشة وهذا أي كونه مرسلا أصح قال ابن الهمام أعمله الترمذي بأن الزهري لم يسمع من عروة فقال روى هذا الحديث صالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفصة


عن الزهري عن عروة عن عائشة وروى مالك بن أنس ومعمر بن عبيد الله بن عمرو بن زياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة ولم يذكروا فيه عن عروة وهذا أصح ثم أسند أي الترمذي إلى ابن جريج قال سألت الزهري أحدثك عروة عن عائشة قال لم أسمع عن عروة في هذا شيئا ولكن سمعنا في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس عن بعض من سأل
عائشة عن هذا الحديث رواه أبو داود أي من حديث يزيد بن الهاد عن زميل بالتصغير مولى عروة عن عروة عن عائشة قال ميرك نقلا عن التصحيح قال البخاري لا يعرف لزميل سماع من عروة ولا ليزيد سماع من زميل ولا يقوم به الحجة قال الخطابي إسناده ضعيف وزميل مجهول اه وزميل بضم الزاي وهو ابن عباس وعباس مولى عروة بن الزبير ولو صح هذا الحديث حمل على الاستحباب قال المحقق ابن الهمام قلنا قول البخاري مبني على اشتراط العلم بذلك والمختار الاكتفاء بالعلم بالمعاصرة ولو سلم إعلاله وإعلال الترمذي فهو قاض على هذا الطريق فإنما يلزمه لو لم يكن له طريق آخر لكن قد رواه ابن حبان في صحيحه من غيرها عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عروة عن عائشة قالت أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين الحديث ورواه ابن أبي شيبة من طريق آخر عن خصف عن سعيد بن جبير أن عائشة وحفصة الحديث ورواه الطبراني في معجمه من حديث خصيف عن عكرمة عن ابن عباس أن عائشة وحفصة ورواه البزار من طريق غيرها عن حماد بن الوليد عن عبيد الله بن عمرو عن نافع عن ابن عمر قال أصبحت عائشة وحفصة وحماد بن الوليد لين الحديث وأخرجه الطبراني من غير الكل في الأوسط ثنا موسى بن هارون ثنا محمد بن مهران الجمال قال ذكره محمد بن أبي سلمة المكي عن محمد بن عمرويه عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال أهديت لعائشة وحفصة هدية وهما صائمتان فأكلتا منه وذكرتا ذلك لرسول الله فقال أقضيا يوما مكانه ولا تعوذا فقد ثبت هذا الحديث ثبوتا لا مرد له لو كان كل طريق من هذه ضعيفا لتعددها وكثرة


مجيئها وثبت في ضمن ذلك أن ذلك المجهول في قول الزهري فيما أسند الترمذي إليه عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث ثقة أخبر بالواقع فكيف وبعض طرقه مما يحتج به اه وبهذا بطل ما قال ابن حجر وقد بسط النووي في شرح المهذب عن البيهقي وغيره الكلام على سند هذا الحديث وبين أنه حديث ضعيف لا يقوم به حجة على وجوب القضاء وبتقدير صحته فيحمل كرواية خبأنا لك حيسا فقال إني كنت أريد الصوم ولكن قربيه وأقضي يوما على الندب لرواية أبي سعيد الخدري أنه صنع لرسول الله طعاما فقال بعض القوم عن نفسه إني صائم فقال عليه الصلاة والسلام دعاكم أخوكم وتكلف لكم ثم قال له أفطر وصم يوما مكانه إن شئت اه وهو ليس نصا في مدعاه لاحتمال كون الشرطية متعلقة بأفطر والجملة بينهما إعتراضية وفائدتها الإشعار بأن الأمر ليس فيه للوجوب وبأن الأفضل هو الإفطار للاتفاق على عدم وجوب الإفطار المفهوم من حديث مسلم السابق جمعا بين الأحاديث مهما أمكن والله أعلم
وعن أم عمارة بضم العين وتخفيف الميم واسمها نسيبة بنت كعب أي الأنصاري أن النبي دخل عليها فدعت أي طلبت له بطعام فقال لها كلي فقالت إني صائمة فقال النبي أي تفريحا بإتمام صومها إن الصائم إذا أكل عند أي ومالت نفسه إلى المأكول واشتد صومه عليه صلت عليه الملائكة أي استغفرت له عوضا عن مشقة الأكل حتى يفرغوا أي القوم الآكلون رواه أحمد والترمذي وابن ماجه قال ميرك كلاهما من طريق حبيب بن زيد عن مولاة لهم يقال لها ليل عن جدته أم عمارة وقال الترمذي حسن صحيح وروى النسائي عن ليلى مرسلا والدارمي
الفصل الثالث


عن بريدة بالتصغير قال دخل بلال على رسول الله وهو يتغدى أي يأكل الغداء وهو طعام أول النهار فقال رسول الله الغداء بالنصب لفعل مقدر أي أحضره أو ائته يا بلال قال إني صائم يا رسول الله فقال رسول الله نأكل رزقنا أي رزق الله تعالى الذي أعطانا الآن وفضل رزق بلال مبتدأ أي الرزق الفاضل على ما نأكل في الجنة أي جزاء له على صومه المانع من أكله قال الطيبي الظاهر أن يقال ورزق بلال في الجنة إلا أنه ذكر لفظ فضل تنبيها على أن رزقه الذي هو بدل من هذا الرزق زائد عليه ودل آخر كلامه على أن أمره الأول لم يكن للوجوب انتهى ثم زاد عليه الصلاة والسلام في ترغيب بلال في الصوم بقوله أشعرت استفهام إنكار أي أما علمت يا بلال أن الصائم يسبح عظامه لا مانع من حمله على حقيقته وأن الله تعالى بفضله يكتب له ثواب ذلك التسبيح لأنه وإن لم يكن له فيه اختيار هو ناشيء عن فعله الإختياري وهو صومه ذكره ابن حجر وفيه أن هذا التعليل غير محتاج إليه إذا بني الكلام على فضله تعالى كما لا يخفى ويستغفر له الملائكة وفي نسخة بتأنيث الفعلين
ما أكل ظرف ليسبح ويستغفر عنده أي ما دام يؤكل عند الصائم جزاء على صبره حال جوعه رواه البيهقي في شعب الإيمان ورواه ابن ماجه والبيهقي كلاهما من رواية بقية حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن بريدة عن أبيه ومحمد بن عبد الرحمن هذا مجهول وبقية ابن الوليد مدلس وتصريحه بالحديث لا يفيد مع الجهالة نقله ميرك عن المنذري


باب ليلة القدر
أي فضيلتها وبيان أرجى أوقاتها قال النووي قال العلماء وإنما سميت بذلك لما يكتب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة لقوله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم الدخان وقوله تعالى تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر القدر ومعناه يظهر للملائكة ما يكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وتقديره له وقيل سميت بها لعظم قدرها وشرف أمرها وأجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر للأحاديث الصحيحة المشهورة قال القاضي عياض اختلفوا في محلها فقال بعضهم هي تكون منتقلة في سنة في ليلة وفي سنة أخرى في ليلة أخرى وهذا يجمع بين الأحاديث الدالة على الأوقات المختلفة وهو قول مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وقال غيرهم إنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان وقيل إنها معينة لا تنتقل أبدا وعلى هذا قيل هي في السنة كلها وهو قول ابن مسعود وأبي حنيفة وقيل في شهر رمضان كله وهو قول ابن عمر وجماعة من الصحابة وقيل تختص بالأوتار من العشر اه وقيل تختص بالسبعة والعشرين وعليه كثير من العلماء وقال بعض علمائنا ذهب أكثر أهل العلم إلى أن ليلة القدر إحدى ليالي السبع الأواخر وهي ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وسبع وعشرين وقيل أو ليلة من رمضان أو ليلة نصفه أو ليلة سبع عشرة وقيل ليلة نصف شعبان وهل هي خاصة بهذه الأمة فالأصح نعم ذكره ابن حجر والله أعلم ويؤيده سبب نزول سورة ليلة القدر حيث كانت تسلية لهذه الأمة القصيرة العمر قال التوربشتي إنما جاء القدر بتسكين الدال وإن كان الشائع في القدر الذي هو قرين القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد بذلك فإن القضاء سبق الزمان وإنما أريد به تفصيل ما قد جرى به القضاء وتبيينه وتحديده في المدة التي بعدها إلى مثلها من القابل ليحصل ما يلقى إليهم فيها مقدار بمقدار باب ليلة القدر أي


فضيلتها وبيان أرجى أوقاتها قال النووي قال العلماء وإنما سميت بذلك لما يكتب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة لقوله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم الدخان وقوله تعالى تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر القدر ومعناه يظهر للملائكة ما يكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وتقديره له وقيل سميت بها لعظم قدرها وشرف أمرها وأجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر للأحاديث الصحيحة المشهورة قال القاضي عياض اختلفوا في محلها فقال بعضهم هي تكون منتقلة في سنة في ليلة وفي سنة أخرى في ليلة أخرى وهذا يجمع بين الأحاديث الدالة على الأوقات المختلفة وهو قول مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وقال غيرهم إنما تنتقل في العشر الأواخر من رمضان وقيل إنها معينة لا تنتقل أبدا وعلى هذا قيل هي في السنة كلها وهو قول ابن مسعود وأبي حنيفة وقيل في شهر رمضان كله وهو قول ابن عمر وجماعة من الصحابة وقيل تختص بالأوتار من العشر اه وقيل تختص بالسبعة والعشرين وعليه كثير من العلماء وقال بعض علمائنا ذهب أكثر أهل العلم إلى أن ليلة القدر إحدى ليالي السبع الأواخر وهي ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وسبع وعشرين وقيل أو ليلة من رمضان أو ليلة نصفه أو ليلة سبع عشرة وقيل ليلة نصف شعبان وهل هي خاصة بهذه الأمة فالأصح نعم ذكره ابن حجر والله أعلم ويؤيده سبب نزول سورة ليلة القدر حيث كانت تسلية لهذه الأمة القصيرة العمر قال التوربشتي إنما جاء القدر بتسكين الدال وإن كان الشائع في القدر الذي هو قرين القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد بذلك فإن القضاء سبق الزمان وإنما أريد به تفصيل ما قد جرى به القضاء وتبيينه وتحديده في المدة التي بعدها إلى مثلها من القابل ليحصل ما يلقى إليهم فيها مقدار بمقدار

الفصل الأول


عن عائشة قالت قال رسول الله تحروا أي أطلبوا ليلة القدر في الوتر أي في ليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان في النهاية أي تعمدوا طلبها فيها واجتهدوا فيها رواه البخاري وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن رجالا من أصحاب النبي أروا على بناء المفعول من الإراءة وأصله أريوا أي أراهم الله ليلة القدر أي تعيينها في المنام قال ابن الملك أي خيل لهم في المنام ذلك تبعا للطيبي في أنه من الرؤيا فحينئذ يحتاج إلى التجريد ليستقيم قوله في المنام فتنبه فإنه وجه نبيه في السبع الأواخر أي من رمضان فبعضهم رآها في ليلة الثالث والعشرين وبعضهم في ليلة الخامس والعشرين وكذلك رأوها جميعهم اه ولعل أخذ الإيتار من دليل آخر وأراد بالسبع السبع المحقق وإلا فأول السبع الأواخر إنما هو الرابع والعشرون أو الثاني والعشرون بناء على دور أول الشهر كما أن الأول مبني على دور آخره قال الطيبي أراد السبع التي تلي آخر الشهر أو أراد السبع بعد العشرين قيل وهذا أولى ليدخل فيها الحادية والعشرون والثالثة والعشرون اه وفيه أن إطلاق السبع الأواخر على السبع بعد العشرين غير منطبق فإن الحادية والعشرين آخر السبع الثالث من الشهر وأول السبع الرابع إنما هو الثالثة والعشرون وأول أوتارها الثالثة والعشرون فتأمل خوفا من الزلل وقال بعضهم السبع


إنما يذكر في ليالي الشهر في أول العدد ثم في سبع عشرة ثم في سبع وعشرين اه فلعل جميع الأواخر باعتبار جنس السبع والتحري لمجرد طلبها والاجتهاد فيها بالطاعة والعبادة فقال رسول الله أرى رؤياكم قد تواطأت وفي نسخة صحيحة قد تواطت بلا همزة وكتبت الهمزة في نسخة بالحمرة بين الطاء والتاء قيل أصله تواطأت بالهمزة فقلبت ألفا وحذفت وقد روى الهمزة أيضا والتواطؤ التوافق وقال النووي هكذا هو في النسخ بطاء ثم تاء وهو مهموز وكان ينبغي أن يكتب بالألف بين الطاء والتاء ولا بد من قراءته مهموزا قال الله تعالى ليواطؤا عدة ما حرم الله وقال الشيخ التوربشتي المواطأة الموافقة وأصله أن يطأ الرجل برجله موطأ صاحبه وقد رواه بعضهم بالهمزة وهو الأصل اه أي توافقت في السبع الأواخر أي عليها فمن كان متحريها أي طالبا لليلة القدر وقاصدها أو مريدا طلبها في أحرى الأوقات بالطلب من تحرى الشيء إذا قصد حراه أي جانبه أو طلب الأحرى فليتحرها في السبع الأواخر قال التوربشتي السبع الأواخر يحتمل أن يراد بها السبع التي تلي آخر الشهر وأن يراد بها السبع بعد العشرين وحمله على هذا أمثل لتناوله إحدى وعشرين وثلاثا وعشرين قلت ولتحقق هذا السبع يقينا وابتداء فخلاف ذاك وإن كان بحسب الظاهر هو المتبادر والله أعلم بالسرائر وقوله فليتحرها في السبع الأواخر لا ينافي قوله فالتمسوها في العشر الأواخر لأنه عليه الصلاة والسلام لم يحدث بميقاتها مجزوما فذهب كل واحد من الصحابة بما سمعه ورآه هو وقال الشافعي والذي عندي والله أعلم أن النبي يجيب على نحو ما سئل عنه يقال له نلتمسها في ليلة كذا فيقول إلتمسوها في ليلة كذا فعلى هذا تنوع كل فريق من أهل العلم اه وتبعه ابن حجر وذكر مثل ما ذكر لكن فيه أنه ما يحفظ حديث ورد بهذا اللفظ فكيف يحمل عليه جميع ألفاظ النبوة ثم قال التوربشتي والذاهبون إلى سبع وعشرين هم الأكثرون ويحتمل أن فريقا منهم علم بالتوقيت ولم يؤذن له في


الكشف عنه لما كان في حكم الله المبالغة في تعميتها على العموم لئلا يتكلوا وليزدادوا جدا واجتهادا في طلبها ولهذا السر أري رسول الله ثم أنسي اه وتبعه ابن حجر وفيه إشكال لا يخفى من تناقض كلامه الأخير مقاله الأول فإنه إذا كان صاحب النبوة أنسي فالعلم بالتوقيت كيف ألغي هذا إذا كان الضمير في منهم للصحابة وإن كان للقوم السادة الصوفية ففي إطلاق العلم على ما يحصل لهم من الإلهام وغيره محل توقف والله أعلم متفق عليه وعن ابن عباس أن النبي قال التمسوها في العشر الأواخر من


رمضان ليلة القدر قال الطيبي الضمير المنصوب مبهم يفسره قوله ليلة القدر كقوله تعالى فسواهن سبع سموات البقرة وليس في نسخ المصابيح هذا الضمير وأما قول ابن حجر وحذفها في نسخة المصابيح من تحريف الناسخ فمحل بحث إذ يحتمل أن يكون رواية لأنه لو كان تحريفا لما اتفق عليه النسخ ومحيي السنة عظيم المرتبة فالأنسب نسبة القصور في عدم الاطلاع إلينا ففي الجامع الصغير إلتمسوا ليلة القدر في أربع وعشرين رواه محمد بن نصر في الصلاة عن ابن عباس وروى الطبراني عن معاوية بلفظ إلتمسوا ليلة القدر لسبع وعشرين وروى نصر عنه إلتمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان فهذه الروايات كلها بدون الضمير على أن الجمهور جوزوا النقل بالمعنى إذا لم يكن مخلا بالمعنى في تاسعة بدل من قوله في العشر الأواخر تبقى صفة لما قبله من العدد أي يرجي بقاؤها في سابعة تبقى في خامسة تبقى الظاهر أنه أراد التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين والخامسة والعشرين وقال الطيبي رحمه الله قوله في تاسعة تبقى الليلة الثانية والعشرون تاسعة من الأعداد الباقية والرابعة والعشرون سابعة منها والسادسة والعشرون خامسة منها وقال الزركشي تبقى الأولى هي ليلة إحدى وعشرين والثانية ليلة ثلاث وعشرين والثالثة ليلة خمس وعشرين هكذا قاله مالك وقال بعضهم إنما يصح معناه ويوافق ليلة القدر وترا من الليالي إذا كان الشهر ناقصا فإن كان كاملا فلا يكون إلا في شفع فتكون التاسعة الباقية ليلة اثنين وعشرين والخامسة الباقية ليلة ست وعشرين والسبعة الباقية ليلة أربع وعشرين على ما ذكره البخاري بعد عن ابن عباس ولا يصادف واحد منهن وترا وهذا على طريقة العرب في التاريخ إذا جاوزوا نصف الشهر فإنما يؤرخون بالباقي منه لا بالماضي رواه البخاري وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله اعتكف العشر الأول بتشديد الواو كذا في النسخ والظاهر بضم الهمزة وتخفيف الواو ولعل أفراده باعتبار لفظ العشر من رمضان بيان للعشر


ثم اعتكف العشر الأوسط قال الزركشي كان قياسه الوسطي لأن العشرة مؤنث بدليل قوله في الرواية الأخرى العشر الأواخر ووجه الأوسط أنه جاء على لفظ العشر فإن لفظه مذكر ورواه بعضهم الوسط بضمتين جمع واسط كبازل وبزل وبعضهم بضم الواو وفتح السين
جمع وسطي ككبر وكبرى اه فقول ابن حجر وفي رواية الموطأ الوسط بضمتين جمع وسطي غير صحيح لأن فعل بضمتين لا يكون جمعا لفعلي بل لنحو فاعل في قبة تركية وهي قبة صغيرة مستديرة من ليود قاله النووي ضربت في المسجد يقال لها الخرقان وتسمى بالفارسية خركاه ثم أطلع رأسه بسكون الطاء المخففة أي أخرجه من القبة فقال إني اعتكفت بصيغة المتكلم حكاية حال ماضية تصوير للاجتهاد في تحريها قاله الطيبي وفي نسخة اعتكف العشر الأول إلتمس حال أي اطلب هذه الليلة يعني ليلة القدر ثم اعتكفت بالفتحتين العشر الأوسط قال النووي كذا في جميع نسخ مسلم والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر وتذكيره أيضا لغة صحيحة باعتبار الأيام أو باعتبار الوقت والزمان ويكفي في صحتها ثبوت استعمالها في هذا الحديث من النبي ثم أتيت على بناء المجهول أي أتاني آت من الملائكة فقيل لي أي قال لي الملك إنها أي ليلة القدر في العشر الأواخر قال الطيبي فإن قلت لم خولف بين الأوصاف فوصف العشر الأول والأوسط بالمفرد والآخر بالجمع قلت تصور في كل ليلة من ليالي العشر الأخير ليلة القدر فجمعه ولا كذلك في العشرين فمن كان اعتكف أي أراد الاعتكاف معي وقال ابن الملك أي من أراد موافقتي وقال الطيبي وإنما أمر بالاعتكاف من كان معه في العشر الأول والأوسط لئلا يضيع سعيهم في الاعتكاف والتحري وقال ابن حجر ليس للتقييد بل لإفهامه إن من لم يكن معتكفا معه أولى فليعتكف العشر الأواخر قيل فائدة الجمع هنا التنبيه على أن كل ليلة منها يتصور فيها ليلة القدر بخلاف العشر الأول والأوسط قال الطيبي والأمر بالاعتكاف للدوام والثبات قال النووي في بعض نسخ مسلم فليثبت من


الثبوت وفي بعضها فليلبث من اللبث وفي أكثرها فليبت في معتكفه من المبيت وكله صحيح قال ابن الهمام قد ورد أنه عليه الصلاة والسلام اعتكف العشر الأوسط فلما فرغ أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال إن الذي تطلب أمامك يعني ليلة القدر فاعتكف العشر الآخر وعن هذا ذهب الأكثر أنها في العشر الآخر من رمضان فمنهم من قال في ليلة إحدى وعشرين ومنهم من قال في ليلة سبع وعشرين وقيل غير ذلك وعن أبي حنيفة أنها في رمضان فلا يدري أية ليلة هي وقد تتقدم وتتأخر وعندهما كذلك إلا أنها معينة لا تتقدم ولا تتأخر هذا النقل عنهم في المنظومة والشروح وفي فتاوي قاضي خان قال وفي المشهور عنه أنها تدور في السنة تكون في رمضان وتكون في غيره فجعل ذلك رواية وثمرة الخلاف تظهر فيمن قال أنت حر أو أنت طالق ليلة القدر فإن قاله قبل دخول رمضان عتق وطلقت إذا انسلخ وإن قال بعد ليلة منه فصاعدا لم يعتق حتى ينسلخ رمضان العام القابل عنده وعندهما إذا جاء مثل تلك الليلة من رمضان الآتي قال وفيها أقوال أخر قيل هي أول ليلة من رمضان وقال الحسن ليلة سبع عشرة وقيل تسع عشرة وعن زيد بن ثابت ليلة أربع وعشرين وقال عكرمة ليلة خمس وعشرين وأجاب أبو حنيفة عن الأدلة المفيدة لكونها في العشر الأواخر بأن المراد في ذلك رمضان الذي كان عليه الصلاة


والسلام التمسها فيه والسياقات تدل عليه لمن تأمل طرق الأحاديث وألفاظها كقوله إن الذي تطلب أمامك وإنما كان يطلب ليلة القدر من تلك السنة وغير ذلك مما يطلع عليه الإستقراء ومن علاماتها أنها بلجة أي مشرقة كذا في النهاية ساكنة لا حارة ولا قارة تطلع الشمس صبيحتها بلا شعاع كأنها طمست كذا قالوا وإنما أخفيت ليجتهد في طلبها فينال بذلك أجر المجتهدين في العبادة كما أخفى سبحانه الساعة ليكونوا على وجل من قيامها بغتة والله أعلم فقد أريت بصيغة المجهول المتكلم هذه الليلة أي معينة ثم أنسيتها وفي البخاري أو نسيتها بضم النون وتشديد السين والمراد نسيان تعيينها في تلك السنة قاله الزركشي قيل ولعل الحكمة في نسيانها أن لا يشتغل الناس بتعظيمها ويتركوا تعظيم سائر الليالي قال ابن حجر المراد أنه أخبر بأنها ليلة كذا ثم أنسي ما أخبر به والمخبر بذلك جبريل وأما كونه اطلع عليها فرآها فأمر محتمل قلت إذا كان محتملا فكان عليه أن يقول الظاهر أن فالمراد قال ثم رأيت القفال من أئمة أصحابنا قال معناه أنه رأى من يقول له في النوم ليلة القدر ليلة كذا وعلامتها كذا وليس معناه أنه رأى ليلة القدر نفسها لأن مثل ذلك لا ينسى أي في صحبتها وقد رأيتني أي في المنام ومن خصائص أفعال القلوب إتحاد فاعلها ومفعولها أسجد بالرفع حال وقيل تقديره أن أسجد أي ساجدا في ماء وطين أي على أرض رطبة ولعل أصله في ماء وتراب وسمي طينا لمخالطته به مآلا ولإيماء إلى غلبة الماء عليه أو لا ومنه ما روى كنت نبينا وآدم بين الماء والطين مع ما في الآية خلقته من طين الأعراف وفي حديث قدسي خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا من صبيحتها وفي المصابيح في صبيحتها أي في صبيحة ليلة القدر فنسيت أية ليلة كانت فالتمسوها في العشر الأواخر أي من رمضان والتمسوها من كل وتر أي من ذلك العشر فإنه أرجى لياليها قال أي أبو سعيد فمطرت بفتحتين السماء تلك الليلة أي التي أريها رسول الله وكان


المسجد على عريش بفتح فسكون وهو بيت سقفه من أغصان الشجر أي بني على صوغ عريش وهو ما يستظل به قال ابن حجر أي على مثل العريش لأن عمده كانت جذوع النخل فلا يحمل ثقلا على السقف الموضوع عليها فالعرش هو نفس سقفه لأنه كان مظللا بالجريد والخوص من غير زيادة شيء آخر يكن من المطر الكثير انتهى وقوله فالعرش هو نفس سقفه مخالف لما في النهاية عيدان تنصب ويظلل عليها وفي القاموس العرش البيت الذي يستظل به كالعريش انتهى والبيت جدران أربعة من حجر أو مدر أو خشب فوكف المسجد أي قطر سقفه ونزل ماء المطر من سقفه فبصرت أي رأت عيناي رسول الله قيل يقال بصر بضم الصاد أي علم وقد استعمله أبو سعيد بمعنى أبصرت لا


بمعنى علمت لأنه قال فبصرت عيناي ولم يورد في كتب اللغة بصر بمعنى رأى فلعله على حذف الزوائد اه يعني إن البصر هنا بمعنى الإبصار كما في النهاية وقال البيضاوي في قوله قال بصرت بما لم يبصروا به أي علمت أو رأيت وعلى جبهته أثر الماء والطين جملة حالية قال الطيبي قوله فبصرت عيناي مثل قولك أخذت بيدي ونظرت بعيني وإنما يقال في أمر يعز الوصول إليه إظهارا للتعجب من حصول تلك الحال الغريبة ومن ثم أوقع رسول الله مفعولا وعلى جبهته حالا منه وكان الظاهر أن يقال رأيت على جبهة رسول الله أثر الماء والطين قال النووي قال البخاري كان الحميدي يحتج بهذا الحديث على أن السنة للمصلي أن لا يمسح جبهته في الصلاة وكذا قال العلماء وهذا محمول على أنه كان شيئا يسيرا لا يمنع مباشرة بشرة الجبهة للأرض فإنه لو كان كثيرا لم تصح صلاته في شرح السنة وفيه دليل على وجوب السجود على الجبهة ولولا ذلك لصانها عن الطين قال ابن حجر وفيه نظر إذ كيف يصونها عنه وسجودها عليه جعل علامة له على هذا الأمر العظيم اه وفيه أنه لا يلزم من جعله علامة له أن يسجد عليه من غير صيانة الجبهة بكور عمامة أو كم أو ذيل ونحو ذلك والظاهر أن هذا مراد البغوي وإلا فلا منازع له في أن السجود على الجبهة واجب قال محيي السنة وفيه أن ما رآه النبي في المنام قد يكون تأويله أنه يرى مثله في اليقظة من صبيحة إحدى وعشرين يعني الليلة التي رأى رسول الله أنها ليلة القدر هي ليلة الحادي والعشرين كذا قيل والأظهر أن من بمعنى في وهي متعلقة بقوله فبصرت متفق عليه في المعنى واللفظ لمسلم إلى قوله فقيل لي إنها في العشر الأواخر والباقي للبخاري أي لفظا وفي رواية عبد الله بن أنيس مصغرا كذا في الأصول المصححة في رواية عبد الله ووقع في أصل الطيبي في حديث عبد الله ولذا قال ولو قال في روايته لكان أولى لأنه ليس بحديث آخر بل رواية أخرى والاختلاف في زيادة ليلة واختلاف العدد بأنه سبع أو إحدى


وعشرون قال ليلة ثلاث وعشرين بجر ليلة في النسخ المعتبرة والظاهر أنه عوض من صبيحة إحدى وعشرين وقال ابن الملك أي ليلة القدر هي ليلة ثلاث وعشرين لأنه أمره عليه الصلاة والسلام بقيام تلك الليلة فليلة مرفوعة وفي نسخة بالنصب على الظرفية رواه مسلم أي تلك الرواية وعن زر بكسر الزاي وتشديد الراء ابن حبيش مصغرا قال سألت أبي بن
كعب أي أردت سؤاله قاله الطيبي أو يفسره قوله فقلت وأما قول ابن حجر فقلت بدل من سألت فغير صحيح لوجود الفاء على خلاف في جواز بدل الفعل ثم من الغريب أنه قال وعجيب من قول شارح المعنى أردت أن أسأله فقلت على حد وإذا قرأت القرآن فاستعذ النحل إذ لا حاجة لما قدره وليست الآية نظيره لما نحن فيه كما هو واضح اه وهو خطأ فاحش منه وكأنه توهم قوله تعالى وإذا قرىء القرآن فاستمعوا الأعراف والله أعلم إن أخاك أي في الدين والصحبة ابن مسعود بدل أو بيان يقول من يقم الحول أي من يقم للطاعة في بعض ساعات كل ليالي السنة يصب أي يدرك ليلة القدر أي يقينا للإبهام في تبيينها وللإختلاف في تعيينها وهذا يؤيد الرواية المشهورة عن إمامنا إذ قضيته أنها لا تختص برمضان فضلا عن عشره الأخير فضلا عن أوتاره فضلا عن سبع وعشرين فقال أي أبي رحمه الله دعاء لابن مسعود أراد أن لا يتكل الناس أي لا يعتمدوا على قول واحد وإن كان هو الصحيح الغالب على الظن الذي مبني الفتوى عليه فلا يقوموا إلا في تلك الليلة ويتركوا قيام سائر الليالي فيفوت حكمة الإبهام الذي نسي بسببها عليه الصلاة والسلام إما بالتخفيف للتنبيه أنه بالكسر أي ابن مسعود أولا قد علم بطريق الظن ولفظه أما إنه ساقط من نسخة ابن حجر وهي مخالفة للأصول المصححة أنها في رمضان أي مجملا وأنها في العشر الأواخر أي غالبا وأنها ليلة سبع وعشرين أي على الأغلب ثم حلف أي أبي بن كعب بناء على غلبة الظن لا يستثني حال أي حلف حلفا جازما من غير أن يقول عقيبه إن شاء الله تعالى مثل أن يقول


الحالف لأفعلن إلا أن يشاء الله أو إن شاء الله فإنه لا ينعقد اليمين وأنه لا يظهر جزم الحالف وقال الطيبي هو قول الرجل إن شاء الله يقال حلف فلان يمينا ليس فيه ثني ولا ثنو ولا ثنية ولا استثناء كلها واحد وأصلها من الثني وهو الكف والرد وذلك أن الحالف إذا قال والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره فقد رد انعقاد ذلك اليمين فإن قلت فقد جزم أبي بن كعب على اختصاصها بليلة مخصوصة وحمل كلام ابن مسعود على العموم مع إرادة الخصوص فهل هو إخبار عن الشيء على خلاف ما هو به فإن بين العموم والخصوص تنافيا قلت لا إذا ذهب إلى التعريض كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام في سارة أختي تعريضا بأنها أخته في الدين اه ولم يظهر وجه التعريض فتعرض لما عرضنا أنها مفعول حلف أي إن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين فقلت أي له بأي شيء من الأدلة تقول ذلك أي القول يا أبا المنذر كنية لكعب قال بالعلامة أو بالآية أو للشك أي بالأمارة التي أخبرنا رسول الله أنها وفي نسخة بالكسر أي إن الشمس تطلع يومئذ أي يوم إذ تكون تلك الليلة ليلة القدر وفي نسخة أنها تطلع الشمس البيضاء فضمير أنها للقصة لا شعاع لها وهذا دليل أظهر من الشمس على ما


قلنا أن علمه ظني لا قطعي حيث بنى اجتهاده على هذا الاستدلال قال ابن حجر أي لا شعاع لها وقد رأيتها صبيحة ليلة سبع وعشرين طلعت كذلك إذ لا يكون ذلك دليلا إلا بانضمامه إلى كلامه قال الطيبي والشعاع هو ما يرى من ضوء الشمس عند حدورها مثل الحبال والقضبان مقبلة إليك كما نظرت إليها قيل معنى لا شعاع لها لأن الملائكة لكثرة اختلافها وترددها في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها تستر بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس اه وفيه أن الأجسام اللطيفة لا تستر شيئا من الأشياء الكثيفة نعم لو قيل غلب نور تلك الليلة ضوء الشمس مع بعد المسافة الزمانية مبالغة في إظهار أنوارها الربانية لكان وجها وجيها وتنبيها نبيها قال ابن حجر وفائدة كون هذا علامة مع أنه يوجد بعد انقضاء الليلة لأنه يسن إحياء يومها كما يسن إحياء ليلها اه وفي قوله يسن إحياء يومها نظر يحتاج إلى أثر والأظهر أن فائدة العلامة أن يشكر على حصول تلك النعمة إن قام بخدمة الليلة إلا فيتأسف على ما فاته من الكرامة ويتدارك في السنة الآتية وإنما لم يجعل علامة في أول ليلها إبقاء لها على إبهامها والله سبحانه أعلم رواه مسلم وعن عائشة قالت كان رسول الله يجتهد في العشر الأواخر أي يبالغ في طلب ليلة القدر فيها كذا قيل والأظهر أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة ما لا يجتهد في غيره أي في غير العشر رجاء أن يكون ليلة القدر فيه أو للاغتنام في أوقاته والاهتمام في طاعته وحسن الاختتام في بركاته رواه مسلم وعنها أي عن عائشة قالت كان رسول الله إذا دخل العشر أي الآخر فاللام للعهد وفي رواية لابن أبي شيبة التصريح بالأخير شد مئزره بكسر الميم أي إزاره وهو عبارة عن القصد والتوجه إلى فعل شاق مهم كتشمير الثوب وفي رواية لابن أبي شيبة والبيهقي زيادة واعتزل النساء وهو يؤيد أن المراد بالشد المبالغة في الجد قال النووي قيل معنى شد المئزر الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته عليه


الصلاة والسلام في غيره ومعناه التشمير في العبادة يقال شددت في هذا الأمر مئزري أي تشمرت له وتفرغت وقيل هو كناية عن اعتزال
النساء وترك النكاح ودواعيه وأسبابه وهو كناية عن التشمير للعبادة والاعتزال عن النساء معا قال الطيبي قد تقرر عند علماء البيان أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة كما إذا قلت فلان طويل النجاد وأردت طول نجاده مع طول قامته كذلك لا يستبعد أن يكون قد شد مئزره ظاهرا وتفرغ للعبادة واشتغل بها عن غيرها وإليه يرمز قول الشاعر دنيت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الإزرا اه قال ابن حجر هذا هو مذهب الشافعي من أن اللفظ يحمل على حقيقته ومجازه الممكن وقال بعضهم شرط ذلك إرادة المتكلم لهما معا والله أعلم ولا يخفى أن الجمع بين الحقيقة والمجاز غير جائز عندنا وما ذكره الطيبي من شد الإزار حقيقة بعيد عن المراد كما لا يخفى وأحيا ليله أي غالبه بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن قال النووي أي استغرق بالسهر في الصلاة وغيرها وأما قول أصحابنا يكره قيام كل الليل فمعناه الدوام عليه ولم يقولوا بكراهة ليلة أو ليلتين أو عشر اه ولا يظهر أن معناه على أي شيء مبناه وأما نحن فإنما حملنا الليل على غالبه لأنه روى أنه عليه الصلاة والسلام ما سهر جميع الليل كله والله أعلم ثم قال واتفقوا على استحباب إحياء ليالي العيد وغير ذلك قلت يمكن حمله على إحياء أكثره قال الطيبي وفي إحياء الليل وجهان أحدهما راجع إلى نفس العابد فإن العابد إذا اشتغل بالعبادة عن النوم الذي هو بمنزلة الموت فكأنما أحيا نفسه كما قال تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها الزمر وثانيهما أنه راجع إلى نفس الليل فإن ليله لما صار بمنزلة نهاره في القيام فيه كان أحياه وزينه بالطاعة والعبادة ومنه قوله تعالى فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها الروم فمن اجتهد فيه وأحياه كله وفر نصيبه منها ومن قام في بعضه


أخذ نصيبه بقدر ما قام فيها وإليه يلح سعيد بن المسيب بقوله من شهد العشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر رواه الطبراني بإسناد حسن عن أبي أمامة مرفوعا ومن صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله رواه أحمد ومسلم عن عثمان مرفوعا وهو يحتمل على ما هو الظاهر المتبادر أن صلاة الصبح بانضمام العشاء كإحياء الليل كله ويحتمل أن يكون للصبح مزية على العشاء لأن القيام فيه أصعب وأشق على النفس والله أعلم وأيقظ أهله أي أمر بإيقاظهم في بعض أوقاته للعبادة وطلب ليلة القدر لقوله تعالى وأمر أهلك بالصلاة طه وإنما لم يأمرهم بنفسه لأنه كان معتكفا متفق عليه

الفصل الثاني


عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أرأيت أي أخبرني إن علمت جوابه محذوف يدل عليه ما قبله أي ليلة مبتدأ خبره ليلة القدر والجملة سدت مسد المفعولين لعلمت تعليقا قبل القياس أية ليلة تذكر باعتبار الزمان كما ذكر في قوله أي آية من كتاب الله معك أعظم باعتبار الكلام واللفظ ما أقول متعلق أرأيت فيها أي في تلك الليلة وقال الطيبي ما أقول فيها جواب الشرط وكان حق الجواب أن يؤتى بالفاء ولعله سقط من قلم الناسخ أقول شرط صحة الحديث الضبط والحفظ فلا يصح حمله على السقط والغلط والمدار على الرواية لا على الكتابة أما ترى نظيره في حديث البخاري أما بعد ما بال رجال الحديث وفي حديثه أيضا وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا نعم حذف الفاء قليل والأكثر وجودها في اللغة والكل جائز قال قولي اللهم إنك عفو أي كثير العفو تحب العفو أي ظهور هذه الصفة وقد جاء في حديث رواه البزار عن أبي الدرداء مرفوعا ما سأل الله العباد شيئا أفضل من أن يغفر لهم ويعافيهم فاعف عني فإني كثير التقصير وأنت أولى بالعفو الكثير فهذا دعاء من جوامع الكلم حاز خيري الدنيا والآخرة ولذا خلقت المذنبين أو تحب هذه الصفة من غيرك أيضا رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وعن أبي بكرة قال سمعت رسول الله يقول إلتمسوها يعني ليلة القدر تفسير للضمير من الراوي في تسع أي تسع ليال يبقين بفتح الياء والقاف وهي التاسعة والعشرون أو في سبع يبقين وهي السابعة والعشرون أو في خمس يبقين وهي الخامسة والعشرون أو ثلاث أي يبقين وهي الثالثة والعشرون أو آخر ليلة من رمضان أي سلخ الشهر قال الطيبي يحتمل التسع أو السلخ رجحنا الأول بقرينة الأوتار وقال ميرك قيل في تسع يبقين


محمول على الحادية والعشرين وفي سبع يبقين محمول على الرابعة والعشرين وفي خمس محمول على السادسة والعشرين أو ثلاث محمول على الثامنة والعشرين وآخر ليلة محمول على التاسعة والعشرين اه وهو محمول على ما إذا نقص الشهر رواه الترمذي وعن ابن عمر قال سئل رسول الله عن ليلة القدر أهي في كل السنة أو في رمضان أو أهي في كل رمضان أو في هذا بخصوصه ويؤيده فقال هي في كل رمضان قال ابن الملك أي ليست مختصة بالعشر الأواخر بل كل ليلة من رمضان يمكن أن يكون ليلة القدر ولهذا لو قال أحد لامرأته في نصف رمضان أو أقل أنت طالق في ليلة القدر لا تطلق حتى يأتي رمضان السنة القابلة فتطلق في الليلة التي علق فيها الطلاق اه وكان حقه أن يصور المسألة بقوله في رمضان فقط أو يزيد بعد قوله أو أقل قوله أو أكثر ثم هذا التفريع مسألة خلافية في المذهب كما تقدم تحقيقه في كلام ابن الهمام وليس أصل الحديث نصا في المقصود للاحتمالات المتقدمة وللاختلاف في رفع الحديث ووقفه قال الطيبي الحديث يحتمل وجهين أحدهما أنها واقعة في كل رمضان من الأعوام فتختص به فلا تتعدى إلى سائر الشهور وثانيهما أنها واقعة في كل أيام رمضان فلا تختص بالبعض الذي هو العشر الأخير لأن البعض في مقابلة الكل فلا ينافي وقوعها في سائر الأشهر اللهم إلا أن يختص بدليل خارجي ويتفرع على الوجه الثاني ما إذا علق الطلاق بدخول ليلة القدر في الليلة الثانية من شهر رمضان فما دونها إلى السلخ فلا يقع الطلاق إلا في السنة القابلة في ذلك الوقت الذي علق الطلاق فيه بخلاف غرة الليلة الأولى فإن الطلاق يقع في السلخ رواه أبو داود أي مرفوعا وقال أي أبو داود رواه سفيان أي ابن عيينة أو الثوري وشعبة عن أبي إسحاق موقوفا على ابن عمر وعن عبد الله بن أنيس بالتصغير مخففا قال قلت يا رسول الله إن لي بادية أكون أي ساكنا فيها قال ميرك المراد بالبادية دار إقامة بها فقوله إن لي بادية أي إن لي دارا ببادية أو


بيتا أو خيمة هناك واسم تلك البادية الوطاءة وأنا أصلي فيها بحمد الله قال ابن الملك ولكن أريد أن أعتكف وفيه أنه خلاف ظاهر المذهب حيث لا يصح الاعتكاف بدون الصوم
وهو إنما كان ينزل في الليل ويخرج في الصبح فالأولى أن يحمل على أنه كان يريد إدراك ليلة القدر كما هو الظاهر فمرني أمر من أمر مخففا بليلة زاد في المصابيح من هذا الشهر يعني شهر رمضان أنزلها بالرفع على أنه صفة وقيل بالجزم على جواب الأمر أي أنزل تلك الليلة من النزول بمعنى الحلول وقال الطيبي أي أنزل فيها قاصدا أو منتهيا إلى هذا المسجد إشارة إلى المسجد النبوي ولعله قصد حياة فضيلتي الزمان والمكان فقال أنزل ليلة ثلاث وعشرين لو صح الحديث لزم تعيين ليلة القدر إذا ثبت أن نزوله لطلب ليلة القدر ولا محيص عنه إلا بالقول بانتقالها في كل سنة أو في كل رمضان أو في كل عشر أو يكون الجواب على غلبة الظن أو يقال نزوله كان لمجرد زيارة المسجد النبوي والتخصيص بتلك الليلة لمناسبة مكان السائل أو حاله والله أعلم قيل لإبنه أي ضمرة كيف كان أبوك يصنع أي في نزوله قال كان يدخل المسجد إذا صلى العصر أي يوم الثاني والعشرين من رمضان فلا يخرج منه لحاجة أي من الحاجات الدنيوية إغتناما للخيرات الأخروية أو لحاجة غير ضرورية وأغرب ابن حجر بقوله فلا يخرج منه لحاجة فضلا عن غيره ووجه الغرابة أنه لا يصح على الإطلاق فإنه إذا أريد بالحاجة الضرورة الإنسانية فلا يستقيم وإذا أريد بالحاجة الدنيوية فلا ينتظم ثم قال مستشعرا للإعتراض الوارد عليه وقوله لحاجة يحتمل بقاؤه على عمومه ولا مانع من أن المتربص يبقى وضوءه من العصر وأن يريد بها ما عدا حاجة الإنسان البول والغائط لأن الغالب أن الإنسان لا يصبر عنها تلك المدة ومن ثم جاء في رواية إلا في حاجة أي معهودة إذ التنكير قد يكون للعهد وهي أحد ذينك وعلى الاحتمال الثاني لا تنافي بين الروايتين لأن لحاجة في الأولى المراد بها غير ذينك وإلا


لحاجة في الثانية المراد بها هما بخلافه على الاحتمال الأول فإن بينهما تنافيا وضرورة الجمع بين الروايتين المتنافيتين يعين الاحتمال الثاني دفعا للتعارض بين الروايتين اه وهو تطويل لا طائل تحته لأن الحاجة بالتنكير في الروايتين وفي تعليلية بمعنى اللام فلا تنافي في الروايتين إلا باعتبار وجود إلا وعدمها وقد تقدم الفرق بينهما قال الطيبي كذا في سنن أبي داود وجامع الأصول وفي شرح السنة والمصابيح فلم يخرج إلا في حاجة والتنكير في حاجة للتنويع فعلى الأول لا يخرج لحاجة منافية للإعتكاف كما سيجيء في باب الاعتكاف في حديث عائشة وعلى الثاني فلا يخرج إلا في حاجة يضطر إليها المعتكف اه ولا يلزم منه الإعتكاف مع أنه يمكن حمله على المعنى اللغوي أو على الاعتكاف النفلي عند من يجوزه حتى يصلي الصبح يشير إلى أنها ليلة القدر قاله ابن الملك فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد فجلس عليها ولحق بباديته وفي نسخة باديته رواه أبو داود أي من طريق ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه وفي سنده محمد بن إسحاق وحديثه يصح إذا صرح بالتحديث وأصل هذا الحديث في مسلم من طريق بشر بن سعيد كما تقدم في الفصل الأول نقله ميرك عن التصحيح

الفصل الثالث


عن عبادة بن الصامت قال خرج النبي ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى بالحاء المهملة أي تنازع وتخاصم رجلان من المسلمين قيل هما عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك أي وقعت بينهما منازعة والظاهر أنها التي كانت في الدين الذي للأول على الثاني فأمره عليه الصلاة والسلام بوضع شطر دينه عنه فوضعه ذكره ابن حجر فقال خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرعت بصيغة المجهول أي تعيينها عن خاطري فنسيت تعيينها لإشتغالي بالمتخاصمين وليس معناه أن ذاتها رفعت كما توهمه بعض الشيعة إذ ينافيه قوله الآتي فالتمسوها بل معناه فرفعت معرفتها التي يستند إليها الأخبار وعسى أن يكون أي الإبهام وقال الطيبي أي الرفع وقال ابن حجر أي رفعها ولكن فيه ابهام خيرا لكم حيث يحثكم على الاجتهاد في جميع ليالي الأيام ويخلصكم عن الغرور والعجب والرياء والسمعة بين الأنام وقد استنبط السبكي من هذا أنه يسن كتمها لمن رآها لأن الله تعالى قدر لنبيه أنه لم يخبر بها والخير كله فيما قدره له فيستحب اتباعه في ذلك قال ابن حجر وفي هذا الأخذ وقفة لما مر أنه عليه الصلاة والسلام لم يطلع على عينها وإنما قيل له أنها تكون في ليلة كذا ثم أنسي هذا فالذي أنسيه ليس للإطلاع عليها لأنه لا ينسى بل علم عينها كما تقرر اه وفيه أن قوله أنه عليه الصلاة والسلام لم يطلع على عينها جراءة عظيمة ومن أين له الإطلاع أولا وآخرا ثم إنما يكون الاستنباط والأخذ بالمقايسة عند عدم الإطلاع على عينها بل في نسيان معرفتها وإلا فالمتابعة على تقدير الإطلاع ظاهرة لا تتوقف على استنباط وقياس كما لا يخفى لكن فيه خدشة أنه إذا خفيت عليه بالإنساء أو بعد الإطلاع لأمره بالاخفاء فمن أين لغيره الإطلاع المجزوم بها فإن طريق الكشف ظني ووجه العلامات الظاهرة فيها غير قطعي مع احتمال أنها في تلك السنة كذلك فيستوي حينئذ اخباره واخفاؤه ومع هذا كما قال السبكي يسن كتمها ولعله أراد هذا المعنى والله أعلم


فالتمسوها أي فبالغوا في التماسها لعلكم تجدونها وقال ابن حجر إلتمسوا وقوعها فلا ينافي رفع علم عينها اه وفيه أنه لا معنى لإلتماس وقوعها كما لا يخفى إذ لا يتصور وقوعها بالتماسها ولا يتخلف وقوعها عن عدم التماسها ثم قوله عليه الصلاة والسلام إلتمسوها يدل على عدم رفع عينها فلا يحتاج إلى تقدير غير صحيح ليفرع عليه بقوله فلا ينافي
رفع علم عينها فتأمل فإنه تكرر الزلل ثم رأيت أنه تبع الطيبي فوقع فيما وقع قال الطيبي قيل رفعت معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس أقول لعل مقدر المضاف ذهب إلى أن رفع ليلة القدر مسبوق بوقوعها وحصولها فإذا حصلت لم يكن لرفعها معنى ويمكن أن يقال أن المراد برفعها أنها شرعت أن تقع فلما تلاحيا إرتفعت فنزل الشروع منزلة الوقوع ومن ثم عقبه بقوله فالتمسوها أي إلتمسوا وقوعها لا معرفتها اه ولعل الصواب ما عبر عنه بلعل ولا يمكن أن يقال لأنه يلزم منه إرتفاع عينها وهو خلاف ما عليه الحق نقلا وعقلا إذ الملاحاة قد تكون سببا لنسيان معرفة شيء لا يتصور أن تكون سببا لإرتفاع وقوع شيء وأيضا إذا شرع في الوقوع ثم ارتفع لا يكون مما ينسى مع أن الشروع في الوقوع مما لم يتبين له من المعنى ثم قوله ومن ثم عقبه بقوله فالتمسوها أي إلتمسوا وقوعها لا معرفتها غير مستقيم على أصله فتدبر في التاسعة أي الباقية وهي التاسعة والعشرون وقال ابن حجر أي في التاسعة من آخر الشهر وهي الليلة الحادية والعشرون والسابعة والخامسة على ما تقدم رواه البخاري وعن أنس قال قال رسول الله إذا كان ليلة القدر نزل جبريل عليه الصلاة والسلام في كبكبة بضمتين وقيل بفتحتين جماعة متضامة من الناس وغيرهم على ما في النهاية من الملائكة فيه إشارة إلى قوله تعالى تنزل الملائكة والروح القدر وإيماء إلى تفسير الروح بجبريل فيكون من باب التخصيص المشعر بتعظيمه فلا تنافي بين تقديمه في الحديث وتأخيره في الآية يصلون على كل عبد أي يدعون لكل عبد بالمغفرة


أو يثنون على كل عبد بالثناء الجميل قائم كمصل وطائف وغيرهما أو قاعد يذكر الله عز وجل صفة لكل فإذا كان يوم عيدهم أي وقت اجتماع أسيادهم وعبيدهم يعني يوم فطرهم إحتراز من عيد الأضحى باهى أي الله تعالى بهم ملائكته في النهاية المباهاة المفاخرة والسبب فيها اختصاص الإنسان بهذه العبادات التي هي الصوم وقيام الليل وإحياؤه بالذكر وغيره من العبادات وهي غبطة الملائكة ثم الأظهر أن المباهاة مع الملائكة الذين طعنوا في بني آدم فيكون بيانا لإظهار قدرته وإحاطة عمله فقال يا ملائكتي إضافة تشريف ما جزاء أجير وفي بالتشديد وتخفف عمله قالوا ربنا بالنصب على النداء جزاؤه أن يوفي بصيغة المجهول مشددا ومخففا أجره أي أجر عمله بالنصب وقيل بالرفع وفي نسخة توفي بالخطاب قال ملائكتي بحذف


حرف النداء عبيدي وإمائي بكسر الهمزة جمع أمة بمعنى الجارية قضوا أي أدوا فريضتي أي المختصة المخصوصة وهي الصوم الشاق عليهم ثم خرجوا أي من بيوتهم إلى مصلى عيدهم يعجون بضم العين ويكسر وبالجيم المشددة أي يرفعون أصواتهم وأيديهم إلى الدعاء أو يرفعون أصواتهم بالذكر والثناء متوجهين أو منتهين إلى الدعاء بالمغفرة لذنوبهم وعزتي أي ذاتا وجلالي صفة وكرمي فعلا وعلوي في الجميع وارتفاع مكاني أي مكانتي ومرتبتي من قدرتي وإرادتي عن شوائب النقصان وحوادث الزمان والمكان فهو تسبيح بعد تحميد وتقديس بعد تمجيد وقال الطيبي إرتفاع المكان كناية عن عظمة شأنه وعلو سلطانه وإلا فالله تعالى منزه عن المكان وما ينسب من العلو والسفل اه فجعله عطفا تفسيريا وأنت لا يخفى عليك أن ما ألقيت إليك أقرب إلى التسديد فإن التأسيس أنسب من التأكيد لأجيبنهم أي لأقبلن دعوتهم فيقول أي الله تعالى حينئذ إرجعوا أي من مصلاكم إلى مساكنكم أو إلى مرضاة ربكم فقد غفرت لكم أي التقصيرات وبدلت سيئاتكم حسنات بأن يكتب بدل كل سيئة حسنة في صحائف الأعمال فضلا من الله الملك المتعال وهو يحتمل أن يعم الصائمين ويحتمل أن يكون الغفران للعاصين والتبديل للمطيعين التائبين وهو أظهر لقوله تعالى إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات الفرقان ولذا كانت تقول رابعة العدوية تاج الرجال لجماعة من الصلحاء وإبدال حسناتي أكثر من حسناتكم إشعارا إلى كثرة ما وقع منها من الذنوب قبل أن ترجع إلى السلوك وتتوب قال أي النبي فيرجعون أي جميعهم حال كونهم مغفورا لهم وفيه إشارة جسيمة وبشارة عظيمة إلى رجاء أن يغفر مسيئهم ويقبل محسنهم وإيماء إلى أن الكل محتاج إلى مغفرته ومفتقر إلى توبته وأوبته وقد قال تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون النور رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب الاعتكاف
هو في اللغة الإقامة على الشيء وحبس النفس عليه ومنه قوله تعالى وأنتم عاكفون في المساجد البقرة وقوله عز وجل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين البقرة وقوله سبحانه يعكفون على أصنام لهم الأعراف بضم الكاف وكسرها وفي الشرع المكث في المسجد من شخص مخصوصة بصفة مخصوص قال الطيبي مذهب
الشافعي أن الصوم ليس بشرط ويصح الإعتكاف ساعة واحدة فينبغي لكل جالس في المسجد لإنتظار الصلاة أو لشغل آخر من آخرة أو دنيا أن ينوي الإعتكاف فإذا خرج ثم دخل يجدد النية اه وهو قول الإمام محمد من أصحابنا في اعتكاف النفل فينبغي إذا دخل المسجد أن يقول نويت الإعتكاف ما دمت في المسجد قال القدوري الإعتكاف مستحب وقال صاحب الهداية الصحيحة أنه سنة مؤكدة قال ابن الهمام والحق خلاف كل من الإطلاقين وهو أن يقال الاعتكاف ينقسم إلى واجب وهو المنذور تنجيزا أو تعليقا وإلى سنة مؤكدة أي وهو اعتكاف العشر الأواخر من رمضان وإلى مستحب وهو ما سواهما


الفصل الأول
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله قال ابن الهمام هذه المواظبة المقرونة بعدم الترك مرة لما اقترنت بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة كانت دليل السنية وإلا كانت دليل الوجوب أو نقول اللفظ وإن دل على عدم الترك ظاهرا لكن وجدنا صريحا يدل على الترك وهو ما في الصحيحين وغيرهما كان عليه الصلاة والسلام يعتكف في كل رمضان فإذا صلى الغدوة جاء إلى مكانه الذي اعتكف فيه فاستأذنته عائشة رضي الله عنها أن تعتكف فأذن لها فضربت فيه قبة فسمعت بها حفصة فضربت فيه قبة فسمعت زينب فضربت فيه قبة أخرى فلما انصرف من الغدوة أبصر أربع قباب فقال ما هذا فأخبر خبرهن فقال ما حملهن على هذا البر أنزعوها فنزعت فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في أحد العشرين من شوال وفي رواية فأمر بخبائه فقوض وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف العشر الأول من شوال وتقدم اعتكافه في العشر الأوسط ثم اعتكف أزواجه أي في بيوتهن لما سبق من عدم رضائه عليه الصلاة والسلام لفعلهن ولذا قال الفقهاء يستحب للنساء أن يعتكفن في مكانهن من بعده أي من بعد موته إحياء لسنته وابقاء


لطريقته متفق عليه وعن ابن عباس قال كان رسول الله أجود الناس أي دائما بالخير إسم جامع لكل ما ينتفع به وكان أجود ما يكون برفع أجود وفي نسخة بالنصب وهو ظاهر قال المظهر ما مصدرية وهو جمع لأن أفعل التفضيل إنما يضاف إلى جمع والتقدير كان أجود أوقاته وقت كونهه في رمضان وقال بعضهم أجود مبتدأ وفي رمضان خبره والجملة خبر كان واسمه ضمير الشأن أو يكون أجود اسم كان وفي رمضان حالا والخبر محذوف أي حاصلا وإلا يلزم وقوع المصدر تقديرا وقال الطيبي لا نزاع في أن ما مصدرية والوقت مقدر كما في مقدم الحاج والتقدير كان أجود أوقاته وقت كونه في رمضان فاسناد الجود إلى أوقاته عليه الصلاة والسلام كإسناد الصوم إلى النهار والقيام إلى الليل كان جبريل يلقاه أي ينزل عليه كل ليلة في رمضان يعرض بكسر الراء أي يقرأ عليه النبي القرآن قيل كان عليه الصلاة والسلام يعرض على جبريل القرآن في أوله إلى آخره بتجويد اللفظ وتصحيح اخراج الحروف من مخارجها ليكون سنة في الأمة فيعرض التلامذة قراءتهم على الشيوخ اه وهو أحد طريقي الأخذ والآخر أن يسمع من الشيخ وقال ابن حجر أي على جهة المدارسة كما في رواية أخرى وهي أن تقرأ على غيرك مقدارا معلوما ثم يقرؤه عليك أو يقرأ قدره مما بعده وهكذا اه فيتحصل الطريقان والله أعلم فإذا لقيه جبريل كان أي النبي أجود بالخير من الريح المرسلة قال الطيبي يحتمل أنه أراد بها التي أرسلت بالبشرى بين يدي رحمة الله تعالى وذلك لشمول روحها وعموم نفعها قال تعالى المرسلات عرفا المرسلات فأحد الوجوه في الآية أنه أراد بها الرياح المرسلات للإحسان والمعروف ويكون انتصاب عرفا بالمفعول له يعني هو أجود من تلك الريح في عموم النفع والإسراع فيه فالجهة الجامعة بينهما إما الأمران وإما أحدهما ولفظ الخير شامل لجميع أنواعه بحسب اختلاف ما جاءت الناس به وكان عليه الصلاة والسلام يجود على كل واحد منهم بما يسد خلته ويشفي علته قال الطيبي


شبه نشر جوده بالخير في العباد بنشر الريح القطر في البلاد وشتان ما بين الأثرين فإن أحدهما يحيي القلوب بعد موتها والآخر يحيي الأرض بعد موتها وقال بعضهم فضل جوده على جود الناس ثم فضل جوده في رمضان على جوده في غيره ثم فضل جوده في ليالي رمضان وعند لقاء
جبريل على جوده في سائر أوقات رمضان ثم شبه بالريح المرسلة في التعميم والسرعة قال ابن الملك لأن الوقت إذا كان أشرف يكون الجود فيه أفضل وقال التوربشتي أي كان أجود أكوانه حاصلا في رمضان وذلك لأنه كان مطبوعا على الجود مستغنيا بالباقيات عن الفانيات إذا وجد جاد وعاد وإذا لم يجد وعد ولم يخلف الميعاد وكان رمضان أولى من غيره لأنه موسم الخيرات ولأنه تعالى يتفضل فيه على عباده ما لم يتفضل عليهم في غيره فأراد متابعة سنة الله ولأنه كان يصادف البشرى من الله بملاقاة أمين الوحي وتتابع إمداد الكرامة في سواد الليل وبياض النهار فيجد في مقام البسط حلاوة الوجد وبشاشة الوجدان فينعم على عباد الله بما أنعم عليه شكر النعمة متفق عليه قال ميرك فيه تأمل فإن الشيخ الجزري قال رواه البخاري والترمذي والنسائي قلت ولعل مسلما رواه بمعناه قال ابن حجر فإن قلت ما وجه مناسبة ذكر هذا الحديث لهذا الباب قلت لأن غاية الأجودية فيه إنما حصلت في حال الاعتكاف لأن أفضل أوقات مدارسة جبريل له العشر الأخير وهو فيه معتكف كما مر في الحديث الأول فكان المصنف وأصله يقولان بتأكد الاعتكاف في العشر الأخير لأن له غايات عليه ألا ترى أن غاية جوده عليه الصلاة والسلام إنما كانت تحصل وهو معتكف وأبدى شارح لذلك مناسبة بعيدة جدا فقال قلت من حيث إتيان أفضل ملائكة إلى أفضل خليفة بأفضل كلام من أفضل متكلم في أفضل أوقات فالمناسب أن يكون أفضل بقاع اه وهو كذا في أصل الشيخ والصواب في أفضل أوقات أقول الصواب ما ذكره الشيخ فتأمل ثم قال الشيخ وقوله من أفضل متكلم لا ينصرف إلا إلى الله وهو حينئذ خطأ قبيح إذ لا


يوصف تعالى بأنه أفضل فكيف من أفضل قلت عدم جواز وصفه بأنه أفضل متكلم إن كانت من حيث المعنى فهو ممنوع وإن كانت من حيث التوقيف فمسلم لكن جوز مثله جماعة من العلماء كالغزالي وغيره فلا يجوز الطعن فيه حينئذ فيكون من قبيل أحسن الخالقين وأرحم الراحمين لا سيما ومقام المشاكلة اقتضى ذلك لتحسين العبارة وأما قوله فكيف من أفضل فهو خطأ منه نشأ من غفلة يظن أن من هي التبعيضية وليست كذلك بل هي متعلقة بإتيان والمعنى من عند أفضل متكلم فمن حفر بئرا لأخيه وقع فيه وعن أبي هريرة قال كان يعرض على بناء المجهول وفي نسخة بصيغة المعلوم وقال بعض الشراح هو فعل لم يسم فاعله للعلم به أي جبريل كان يعرض على النبي القرآن كل عام مرة أي من الختم فعرض أي القرآن عليه أي على النبي مرتين في العام


الذي قبض أي توفي فيه وفيه ليس من أصل الحديث في أصولنا ثم هذا المقدار من الحديث قال ميرك متفق عليه ورواه النسائي وابن ماجه قال الطيبي دل ظاهر الحديث على أن النبي هو المعروض عليه في العام الذي توفاه الله فيه وفي غيره وقد روى أن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله في العام الذي توفي فيه فقيل يحمل هذا الحديث على القلب ليوافق هذا المروي الحديث السابق اه والأظهر في الجمع بين الحديثين أنه كانت القراءة معارضة ومدارسة بينه وبين جبريل عليهما الصلاة والسلام فمرة هذا يقرأ ومرة هذا يقرأ وهو يحتمل احتمالين أحدهما وهو الأظهر أن جبريل كان يقرأ أولا بعضا من القرآن ثم يعيده بعينه عليه الصلاة والسلام إحتياطا للحفظ وإعتمادا للضبط وثانيهما أن أحدهما يقرأ عشرا مثلا والآخر كذلك وهو المدارسة المتعارفة بين القراءة ويؤيد ما قلنا أنه ورد في بعض الروايات في النهاية كان يعارضه القرآن أي يدارسه من المعارضة المقابلة ومنه عارضت الكتاب بالكتاب أي قابلته به والله أعلم وكان أي غالبا يعتكف كل عام عشرا أي من أخير رمضان فاعتكف عشرين بكسر العين والراء وفي نسخة بفتحهما على التثنية في العام الذي قبض أي توفي فيه ولعل وجه التضعيف في العام الآخر من العرض والاعتكاف إعلامه بقرب وفاته وتنبيه لأمته أنه يتأكد على كل إنسان في أواخر حياته أن يستكثر من الأعمال الصالحة وأن يكون على غاية من الاستعداد للقائه تعالى والقيام بين يديه ويحتمل أنه وقع كل ختم في عشر رواه البخاري قال ميرك ورواه أبو داود وابن ماجه وقد جعل المؤلف هذا والذي قبله حديثا واحدا وليس كذلك بل هما حديثان الأول متفق عليه والثاني من أفراد البخاري قاله الجزري وعن عائشة قالت كان رسول الله إذا اعتكف أدنى أي قرب إلي رأسه قال ابن الملك أي أخرج رأسه من المسجد إلى حجرتي وهو في المسجد حال مؤكدة فأرجله الترجيل تسريح الشعر وهو استعمال المشط في الرأس قال ابن


الملك وهذا دليل على أن المعتكف لو أخرج بعض أجزائه من المسجد لا يبطل اعتكافه وعلى أن الترجيل مباح للمعتكف قال ابن الهمام وإن غسله في إناء في المسجد بحيث لا يلوث المسجد لا بأس به وكان لا يدخل البيت أي بيته وهو معتكف إلا لحاجة الإنسان أي من بول وغائط قال ابن
حجر وقيس بهما ما في معناهما مما يضطر إليه كأكل وشرب أقول هذا قياس فاسد إذ يتصور الأكل والشرب في المسجد بخلافهما وقال ابن الملك أي من الأكل والشرب ودفع الأخبثين اه وهو مع مخالفته للواقع من فعله خلاف المذهب وقال ابن الخطابي دل على أن المعتكف ممنوع من الخروج إلا لبول أو غائط وعلى أن من حلف لا يدخل بيتا فأدخل رأسه فيه فقط لا يحنث وعلى أن بدن الحائض طاهر ذكره الطيبي ولعله ورد في رواية أنها كانت حائضا ومع هذا لا دلالة في هذا الحديث على ذلك نعم جاء في رواية أنها كانت تناول النبي الخمرة وهو معتكف وهي حائض قال في القاموس الخمرة شيء منسوج يعمل من سعف النخل وتزمل بالخيوط وهو صغير على قدر ما يسجد عليه المصلي أو فوق ذلك فإن عظم حتى يكفي الرجل لجسده كله فهو حصير وفي الحديث أتيت بخمرة أي سترة متفق عليه قال ابن الهمام رواه الستة في كتبهم عنها وعن ابن عمر أن عمر سأل النبي قال كنت نذرت في الجاهلية أي ما كان عليه العرب قبل بعثته عليه الصلاة والسلام وقيل المراد بها ما قبل ظهور الإسلام فإن نذر عمر إنما كان بعد إسلامه لكنه لم يتمكن منه لشدة شوكة قريش ومنعهم منه أن أعتكف ليلة أي بيومها كما في رواية في المسجد الحرام قال فاوف بنذرك وفي رواية وصم والأمر للندب إن كان نذره قبل الإسلام قال الطيبي دل الحديث على أن نذر الجاهلية إذا كان موافقا لحكم الإسلام وجب الوفاء به قال ابن الملك أي بعد الإسلام وعليه الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح نذره قال الطيبي وفيه دليل على أن من حلف في كفره فأسلم ثم حنث لزمه الكفارة وهو مذهب الشافعي وفيه دليل على أن الصوم ليس


شرطا لصحة الاعتكاف وعلى أنه إذا نذر الاعتكاف في المسجد الحرام لا يخرج عن نذره بالاعتكاف في موضع آخر اه وفي الأخير نظر وأما الجواب عن الصوم فقال الشمني أما اعتكاف عمر فرواه أبو داود والنسائي والدارقطني بلفظ أن عمر جعل على نفسه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة فسأل النبي فقال إعتكفه وصم ولفظ النسائي والدارقطني فأمره أن يعتكف ويصوم وقال ابن الهمام وفي الصحيحين أيضا عن عمر أنه جعل على نفسه أن يعتكف يوما فقال أوف بنذرك والجمع بينهما أن المراد الليلة مع يومها أو اليوم مع ليلته وغاية ما فيه أنه سكت عن ذكر الصوم في هذه
الرواية وقد رويت برواية الثقة فيجب قبولها اه مختصرا وبه بطل قول ابن حجر وفي أمره عليه الصلاة والسلام له باعتكاف ليلة أوضح تصريح بأنه لا يشترط في صحة الاعتكاف صوم قال الشمني واعلم أن الصوم شرط لصحة الاعتكاف الواجب رواية واحدة ولصحة التطوع رواية الحسن عن أبي حنيفة وأما في رواية الأصل وهو قول محمد بل قيل إنه ظاهر الرواية عن العلماء الثلاثة فليس بشرط لأن مبنى النفل على المساهلة ويحمل عليه ما ورد ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه هذا وقد قال ابن حجر قوله فأوف أي ندبا لا وجوبا لإستلزامه الصحة ونذر الكافر لا يصح وأما قول شارح تقليدا للكرماني شارح البخاري فيه من الفقه أن نذر الجاهلية إذا كان على وفق حكم الإسلام عمل به ووجب الوفاء به بعد الإسلام وأن الكافر تنعقد يمينه ويصح ظهاره ويلزمه الكفارة اه فهو ضعيف في مذهبهما بالنسبة لمسألة النذر وغير صحيح فيما بعدها لأنه لا يؤخذ إلا بالقياس على ذلك الضعيف وعلى الأصح الفرق بين النذر والأخيرين أنهما ليسا من العبادات فصيحا منه بخلاف النذر فإنه عبادة فلم يصح منه متفق عليه
الفصل الثاني


عن أنس قال كان النبي يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما لعله كان لعذر فلما كان العام المقبل إسم فاعل من الإقبال إعتكف عشرين بالضبطين السابقين ولعل هذا الحديث تفسير للحديث المتقدم قال الطيبي دل الحديث على أن النوافل المؤقتة تقضي إذا فاتت كما تقضي الفرائض اه والظاهر أن التشبيه لمجرد القضاء بعد الفوت وإلا فقضاء الفرائض فرض وقضاء النوافل نفل رواه الترمذي أي عن أنس ورواه أبو داود وابن ماجه عن أبي بن كعب وعن عائشة قالت كان رسول الله إذا أراد أن يعتكف أي إذا نوى من أول


الليل أن يعتكف وبات في المسجد صلى الفجر ثم دخل في معتكفه بصيغة المفعول أي مكان اعتكافه قال الطيبي دل على أن ابتداء الاعتكاف من أول النهار كما قال به الأوزاعي والثوري والليث في أحد قوليه وعند الأئمة الأربعة أنه يدخل قبل غروب الشمس إن أراد اعتكاف شهر أو عشر وتأولوا الحديث بأنه دخل المعتكف وانقطع وتخلى بنفسه فإنه كان في المسجد يتخلى عن الناس في موضع يستتر به عن أعين الناس كما ورد أنه اتخذ في المسجد حجرة من حصير وليس المراد أن ابتداء الاعتكاف كان في النهار رواه أبو داود وابن ماجه قال الجزري متفق عليه ورواه الأربعة أيضا مطولا فكان ينبغي أن يذكر في الصحاح وقال ميرك رواه الشيخان والترمذي والنسائي أيضا وفات هذا الاعتراض من صاحب المشكاة أقول بل وقع هذا الاعتراض على صاحب المشكاة حيث عزا الحديث إليهما مع أنه متفق عليه وعنها أي عن عائشة قالت كان النبي أي إذا خرج لحاجة كما يدل عليه بقية الحديث يعود المريض وهو معتكف أي والمريض خارج عن المسجد لقوله فيمر كما هو قال الطيبي الكاف صفة لمصدر محذوف وما موصولة ولفظ هو مبتدأ والخبر محذوف والجملة صلة ما أي يمر مرورا مثل الهيئة التي هي عليها فلا يميل إلى الجوانب ولا يقف وقولها فلا يعرج أي لا يمكث بيان للمجمل لأن التعريج الإقامة والميل عن الطريق إلى جانب وقولها يسأل عنه بيان لقوله يعود على سبيل الاستئناف قال الحسن والنخعي يجوز للمعتكف الخروج لصلاة الجمعة وعيادة المريض وصلاة الجنازة وعند الأئمة الأربعة إذا خرج لقضاء الحاجة واتفق له عيادة المريض والصلاة على الميت فلم ينحرف عن الطريق ولم يقف أكثر من قدر الصلاة لم يبطل الاعتكاف وإلا بطل ذكره الطيبي ولا دلالة في الحديث على صلاة الجنازة فكأنهم قاسوها على العيادة بجامع أنهما فرضا كفاية ولكن بينهما فرق فإن العيادة يمكن أن تكون بلا وقوف بخلاف الصلاة ولذا يفسد عند أبي حنيفة بالصلاة خلافا لصاحبيه رواه أبو


داود قال ميرك وفي سنده ليث بن أبي سليم روى له الأربعة ومسلم مقرونا وهو ثقة تكلم فيه بعضهم بسوء حفظه قال ابن حجر رواه أبو داود لكن فيه من اختلفوا في توثيقه وبتقدير ضعفه هو متجبر بما في مسلم عن عائشة إن كنت لأدخل البيت للحاجة وفيه المريض فما أسأل عنه إلا وأنا مارة
وعنها أي عن عائشة قالت السنة قال ابن الملك أي الدين والشرع اه والأظهر أي الطريقة اللازمة على المعتكف ولفظ الشمني مضت السنة على المعتكف أي اعتكافا منذورا متتابعا أن لا يعود مريضا أي بالقصد والوقوف ولا يشهد جنازة أي خارج مسجده مطلقا ولا يمس المرأة أي جنسها بشهوة ولا يباشرها أي لا يجامعها ولو حكما قال الطيبي المراد باللمس المجامعة وهي مبطلة للاعتكاف اتفاقا وأما المباشرة فيما دون الفرج قيل تبطل وقيل لا تبطل وبه قال مالك وقيل إن أنزل يبطل وإلا فلا اه ومذهبنا التفصيل المذكور ولا يخرج لحاجة أي دنيوية وأخروية إلا لما لا بد منه أي إلا لحاجة لا فراق فيها ولا محيص من الخروج لها وهو البول والغائط إذ لا يتصور فعلهما في المسجد ولذا أجمعوا عليه بخلاف الأكل والشرب أو لأمر لا بد من ذلك الأمر وهو كناية عن قضاء الحاجة وما يتبعه من الإستنجاء والطهارة ولا اعتكاف قيل أي لا اعتكاف كاملا أو فاضلا ذكره الطيبي وعندنا أي لا اعتكاف صحيح إلا بصوم قال ابن الملك وبه قال أبو حنيفة ومالك اه ويؤيده أيضا أحاديث ذكرها ابن الهمام منها ما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن عائشة قالت قال رسول الله لا اعتكاف إلا بصوم ومنها ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا المعتكف يصوم وفي موطأ مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد ونافع مولى ابن عمر قالا لا اعتكاف إلا بالصوم لقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد البقرة فذكر الله تعالى الاعتكاف مع الصيام قال يحيي قال مالك والأمر على ذلك عندنا أنه لا اعتكاف إلا بصيام قال الشمني


وأيضا لم يرد أنه عليه الصلاة والسلام إعتكف بلا صوم فإن قيل في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام اعتكف العشر الأول من شوال أجيب بأنه ليس فيه دلالة على أنه كان صائما أو مفطرا اه والعشر يطلق على التسع كما يقال صام عشر ذي الحجة وعشر الأخير من رمضان وقد يكون الشهر ناقصا فلا دلالة على أن يوم العيد من جملة العشر ويحرم صومه ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع أي يجمع الناس للجماعة قال الشمني شرط الاعتكاف مسجد الجماعة وهو الذي له مؤذن وإمام يصلي فيه الصلوات الخمس أو بعضها بجماعة وعن أبي حنيفة لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد جامع يصلي فيه الصلوات الخمس بجماعة وهو قول أحمد قال ابن الهمام وصححه بعض المشايخ اه وقال قاضيخان وفي رواية لا يصح الإعتكاف عنده إلا في الجامع اه وهو ظاهر


الحديث وعن أبي يوسف ومحمد يصبح الاعتكاف في كل مسجد وهو قول مالك والشافعي لإطلاق قوله تعالى وأنتم عاكفون في المساجد البقرة لأبي حنيفة ما روى الطبراني في معجمه عن إبراهيم النخعي أن حذيفة قال لابن مسعود ولا تعجب من قوم بين دارك ودار أبي موسى يزعمون أنهم معتكفون قال لعلهم أصابوا وأخطأت أو حفظوا ونسيت قال أما أنا فقد علمت أنه لا اعتكاف في المساجد التي في الدور وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفهما عن علي قال لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة قال ابن الهمام وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما عن علي قال لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة وتقدم مرفوعا عن عائشة رضي الله عنها وروى ابن الجوزي عن حذيفة أنه قال سمعت رسول الله يقول كل مسجد له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصح وأغرب ابن حجر بقوله وأجاب الشافعي ومن تبعه عن هذا الحديث بأن ذكر الجامع للأولوية خروجا من خلاف من أوجبه اه وأنت تعلم أن ورود الحديث لا يعلل بالخروج من عهدة الخلاف بالاتفاق ثم أفضل الاعتكاف ما يكون في المسجد الحرام ثم مسجد النبي ثم مسجد الأقصى ثم مسجد الجامع قيل إذا كان يصلي فيه بجماعة فإن لم يكن ففي مسجده أفضل لئلا يحتاج إلى الخروج ثم كل ما كان أهله أكثر رواه أبو داود قال الجزري هذا الحديث رواه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة وقال وغير عبد الرحمن لا يقول قالت السنة ورواه النسائي من طريق يونس وليس فيه السنة ومن طريق مالك أيضا بدون لفظ السنة وعبد الرحمن زاد لفظ السنة وهو ثقة والزيادة من الثقة مقبولة نقله ميرك عن التصحيح وقال ابن الهمام وعبد الرحمن بن إسحاق وإن تكلم فيه بعضهم فقد أخرج له مسلم ووثقه ابن معين وأثنى عليه غيره قال ابن حجر وقد قالوا من روى الشيخان أو أحدهما عنه لا ينظر


للطاعنين فيه وإن كثروا اه فهو حجة عليه لأن من السنة من زيادته وزيادة الثقة مقبولة فثبت كونه من السنة وهو بمنزلة المرفوع وأما قول الشارح إن أرادت بكون هذه المذكورات من السنة إضافتها إليه عليه السلام فهي نصوص لا يجوز مخالفتها أو الفتيا بما عقلته من السنة فقد خالفها بعض الصحابة في بعض تلك الأمور والصحابة إذا اختلفوا في مسألة كان سبيلها النظر اه فهو غفلة عن القاعدة المقررة في الأصول أن قول الصحابي السنة كذا في حكم المرفوع إلى النبي والله تعالى أعلم

الفصل الثالث
عن ابن عمر عن النبي أنه كان إذا اعتكف طرح بصيغة المجهول أي وضع أو فرش له فراشه أو يوضع له سريره الظاهر أن أو للتنويع وراء أسطوانة التوبة وفي نسخة صحيحة بإبدال السين صادا وهي من أسطوانات المسجد النبوي سميت بذلك لأن أبا لبابة تيب عليه عندها رواه ابن ماجه وعن ابن عباس أن رسول الله قال في المعتكف أي في حقه وشأنه وهو وفي نسخة هو يعتكف الذنوب منصوب بنزع الخافض أي يحتبس عن الذنوب بين بذلك أن شأن المحتبس في المسجد الانحباس عن تعاطي أكثر الذنوب ولذا اختص الاعتكاف بالمسجد ويجري بالجيم والراء مجهولا وقيل معلوما أي يمضي ويستمر له من الحسنات أي من ثوابها كعامل الحسنات أي كأجور عاملها وفي نسخة صحيحة بالجيم والزاي مجهولا أي يعطي له من الحسنات التي يمتنع عنها بالاعتكاف كعيادة المريض وتشييع الجنازة وزيارة الإخوان وغيرها فاللام في الحسنات للعهد كلها تأكيد للجنس المعهود رواه ابن ماجه