Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب فضائل القرآن عموما وبعض سوره وآياته خصوصا

والفضيلة ما يفضل به الشيء على غيره يقال لفلان فضيلة أي خصلة حميدة قال الطيبي أكثر ما يستعمل في الخصال المحمودة كما أن الفضول أكثر استعماله في المذموم اه وقد تستعمل الفضيلة في الصفة القاصرة والفاضلة في المتعدية كالكرم وقد تستعمل الفضيلة في العلوم والفاضلة في الأخلاق قال السيوطي في الإتقان اختلف الناس هل في القرآن شيء أفضل من شيء فذهب الإمام أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني وابن حبان إلى المنع لأن الجميع كلام الله ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه وروي هذا القول عن مالك وذهب آخرون وهم الجمهور إلى التفضيل لظواهر الأحاديث قال القرطبي أنه الحق وقال ابن الحصار العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في التفضيل وقال الغزالي في جواهر القرآن لعلك أن تقول قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض والكلام كلام الله فكيف يكون بعضها أشرف من بعض فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينة وبين سورة الإخلاص وسورة تبت وترتاع على اعتقاد الفرق نفسك الخوارة المستغرقة بالتقليد فقلد صاحب الرسالة فهو الذي أنزل عليه القرآن وقال يس قلب القرآن وفاتحة الكتاب أفضل سور القرآن وآية الكرسي سيدة آي القرآن وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وغير ذلك مما لا يحصي انتهى كلامه ثم قيل الفضل راجع إلى عظم الأجر ومضاعفة الثواب بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها عند ورود أوصاف العلى وقيل بل يرجع إلى ذات اللفظ وأن ما تضمنه قوله تعالى وإلهكم إله واحد البقرة الآية وآية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودا مثلا في تبت يدا أبي لهب المسد وما كان مثلها فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها والله أعلم ثم القرآن يطلق على الكلام القديم النفسي القائم بالذات العلى وعلى الألفاظ الدالة على ذلك الكلام والمراد هنا الثاني ولا


خلاف أنه بهذا المعنى حادث وإنما الخلاف بيننا وبين المعتزلة في النفسي فهم نفوه لقصور عقولهم الناقصة أنه لا يسمى كلاما إلا اللفظي وهو محال عليه تعالى وبنوا على هذا التعطيل قولهم معنى كونه تعالى متكلما أنه خالق للكلام في بعض الأجسام ونحن أثبتناه عملا بمدلول الأسماء الشرعية الواردة في الكتاب والسنة وبما هو المعلوم من لغة العرب أن الكلام حقيقة في النفسي وحده أو بالإشتراك وقد جاء في القرآن إطلاق كل من المعنيين اللفظي والنفسي قال تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الأنبياء وكلم الله موسى تكليما النساء واللفظ محال عليه تعالى وخلق الكلام في الشجر مجاز لا ضرورة إليه ثم المعتمد أن القرآن بمعنى القراءة مصدر بمعنى المفعول أو فعلان من القراءة بمعنى الجمع الجمعة السور وأنواع العلوم وأنه مهموز وقراءة ابن كثير إنما هي بالنقل كما قال الشاطبي رحمه الله ونقل قرآن والقرآن دواؤنا خلافا لمن قال أنه من قرنت الشيء بالشيء لقرن السور والآيات فيه وأغرب الشافعي حيث قال القرآن اسم علم لكلام والله ليس بمهموز ولا مأخوذ من قرأت وذكر السيوطي أن المختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الإمام الشافعي وأما قول ابن حجر ولعل كلام الشافعي في الأفصح والأشهر فمردود بأن الجمهور على الهمز وهو المشهور ونقل ابن كثير أيضا يرجع إلى الهمز المذكور ويدل عليه بقية المشتقات من قوله تعالى اقرأ وربك القلم فإذا قرأناه فاتبع قرآنه القيامة وأمثال ذلك


الفصل الأول
عن عثمان رضي الله عنه قال قال رسول الله خيركم أي يا معشر القراء أو يا أيها الأمة أي أفضلكم كما في رواية من تعلم القرآن أي حق تعلمه وعلمه أي حق تعليمه ولا يتمكن من هذا إلا بالإحاطة بالعلوم الشرعية أصولها وفروعها مع زوائد العوارف القرآنية وفوائد المعارف الفوقانية ومثل هذا الشخص يعد كاملا لنفسه مكملا لغيره فهو أفضل المؤمنين مطلقا ولذا ورد عن عيسى عليه الصلاة والسلام من علم وعمل وعلم يدعي في الملكوت عظيما والفرد الأكمل من هذا الجنس هو النبي ثم الأشبه فالأشبه وأدناه فقيه الكتاب والله أعلم بالصواب وقال الطيبي أي خير الناس باعتبار التعلم والتعليم من تعلم القرآن


وعلمه وقال ميرك رحمه الله أي من خيركم لورود ذلك في المعلم والمتعلم أيضا قلت كل ما ورد داخل في العلم والتعلم كل الصيد في جوف الفرا ولا يتوهم أن العمل خارج عنهما لأن العلم إذا لم يكن مورثا للعمل فليس علما في الشريعة إذ أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل مع أنه قيل للإمام أحمد إلى متى العلم فأين العمل قال علمنا عمل ثم الخطاب عام لا يختص بالصحابة كذا قيل ولو خص بهم فغيرهم بالطريق الأولى والقرآن يطلق على كله وبعضه ويصح إرادة المعنى الثاني هنا باعتبار أن من وجد منه التعلم والتعليم ولو في آية كان خيرا ممن لم يكن كذلك ووجه خيريته يعلم من الحديث الصحي من قرأ القرآن فقد أدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه والحديث الصحيح أهل القرآن هم أهل الله وخاصته والحاصل أنه إذا كان خير الكلام كلام الله فكذلك خير الناس بعد النبيين من يتعلم القرآن ويعمله لكن لا بد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص قال الإمام النووي رحمه الله في الفتاوي تعلم قدر الواجب من القرآن والفقه سواء في الفضل وأما الزيادة على الواجب فالفقه أفضل اه وفيما قاله نظر ظاهر مع قطع النظر عن إساءة الإطلاق لأن تعلم قدر الواجب من القرآن علم يقيني ومن الفقه ظني فكيف يكونان في الفضل سواء والفقه إنما يكون أفضل لكونه معنى القرآن فلا يقابل به نعم لا شك أن معرفة معنى القرآن أفضل من معرفة لفظه وأن المراد بالقدر الواجب من القرآن تعلم سورة الفاتحة مثلا فإنه ركن على مذهبه وبالفقه معرفة كون الركوع ركنا مثلا فلا يستويان أيضا من وجوه والله أعلم رواه البخاري وعن عقبة بن عامر قال خرج رسول الله ونحن في الصفة في مختصر النهاية أهل الصفة فقراء المهاجرين كانوا يأوون إلى موضع مظلل في المسجد وفي القاموس أهل الصفة كانوا أضياف الإسلام يبيتون في صفة مسجده عليه الصلاة والسلام وفي حاشية السيوطي على البخاري عدهم أبو نعيم في الحلية أكثر من مائة والصفة مكان


في مؤخر المسجد أعد لنزول الغرباء فيه من لا مأوى له ولا أهل وقال ابن حجر وكانت هي في مؤخر المسجد معدة لفقراء أصحابه الغير المتأهلين وكانوا يكثرون تارة حتى يبلغوا نحو المائتين ويقلون أخرى لإرسالهم في الجهاد وتعليم القرآن وفي التعرف إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله وقال بعضهم للبسهم الصوف أو لصفاء أسرارهم أو لصفاء معاملتهم لأنهم في الصف الأول بين يدي الله تعالى أي من السابقين المسارعين في الخيرات والمبادرين في الطاعات ثم قال وأما من نسبهم إلى الصفة والصوف فإنه عبر عن ظاهر أحوالهم وذلك أنهم قوم تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان وهجروا الأخدان وساحوا في البلاد وأجاعوا الأكباد وأعروا الأجساد ولم يأخذوا من الدنيا إلا ما لا يجوز تركه من ستر عورة وسد جوعة فلخروجهم عن الأوطان سموا غرباء ولكثرة أسفارهم سموا سياحين ولقلة أكلهم سموا جوعية ومن تخليتهم عن الأملاك سموا فقراء وللبسهم الثوب الخشن من الشعر والصوف سموا صوفية ثم هذه كلها أحوال أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله فإنهم كانوا غرباء فقراء مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم ووصفهم أبو هريرة وفضالة بن عبيد فقالا كانوا يخرون من الجوع حتى يحسبهم الأعراب مجانين وكان لباسهم الصوف حتى إن كان بعضهم ليعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن إذا أصابه المطر فقال أيكم يحب أن يغدو أي يذهب في الغدوة وهي أول النهار أو ينطلق كل يوم إلى بطحان بضم الموحدة وسكون الطاء اسم واد بالمدينة سمي بذلك لسعته وانبساطه من البطح وهو البسط وضبطه ابن الأثير بفتح الباء أيضا أو العقيق قيل أراد العقيق الأصغر وهو على ثلاثة أميال أو ميلين من المدينة وخصهما بالذكر لأنهما أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة والظاهر أن أو للتنويع لكن في جامع الأصول أو قال إلى العقيق فدل على أنه شك من الراوي فيأتي بناقتين كوماوين تثنية


كوماء قلبت الهمزة واوا وأصل الكوم العلو أي فيحصل ناقتين عظيمتي السنام وهي من خيار مال العرب وما ذكره ابن حجر من أن بعضهم يضم الكاف لا يظهر له وجه وكأنه وهم منه لما وقع في مختصر النهاية ونحن يوم القيامة على كوم هو بالفتح المواضع المشرفة واحدها كومة ومنه كومة من ذهب ومن طعام أي صبرة وبعضهم يضم الكاف وقيل هو بالضم اسم لماكوم وبالفتح اسم للفعلة الواحدة وناقة كوماء مشرفة السنام عاليته في غير إثم كسرقة وغصب سمي موجب الإثم إثما مجازا ولا قطع رحم أي في غير ما يوجبه وهو تخصيص بعد تعميم وفي للسببية كقوله تعالى لمسكم فيما أفضتم النور نلتنني فيه يوسف فقلنا يا رسول الله كلنا نحب ذلك بالنون وفي جامع الأصول كلنا يحب ذلك بالياء وهذا لا ينافي اختيارهم فقرهم فإنهم أرادوا الدنيا للدين لا للطين وليصرفوا على الفقراء والمساكين وليتجهزوا ويجهزوا جيش المسلمين فأراد أن يرقيهم عن هذا المقام فإنه ناقص بالنسبة إلى الأولياء العظام كما قال عيسى عليه السلام يا طالب الدنيا لتبر تركك الدنيا أبر وقد قال لو أن رجلا في حجره دراهم يقسمها وآخر يذكر الله تعالى كان الذاكر لله أفضل رواه الطبراني عن أبي موسى ولما تقرر أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر والعالم خير من العابد وأما ما قال ابن حجر من أنه لا ينافي ما


كانوا عليه من الورع والزهد لأنهم أحبوا ما به الكفاية لا أزيد من ذلك وهذه المحبة لا تنافي الزهد فضلا عن الورع فمع كون الناقتين زائدا على الكفاية بحسب الظاهر لا يلائمه الجواب بأنه قال أفلا يغدو أي ألا يترك ذلك فلا يغدو وما أبعد تقدير ابن حجر أي إذا كنتم كذلك أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم بالتشديد وفي نسخة صحيحة بالتخفيف أو يقرأ بالرفع والنصب فيهما قال ميرك هذه الكلمة يحتمل أن تكون عرضا أو نفيا وفيه أن الفاء مانعة من كونها للعرض ثم قال وقوله فيعلم أو يقرأ منصوبان على التقدير الأول مرفوعان على الثاني قلت ويجوز نصبهما على الثاني أيضا لأنه جواب النفي ثم قال ويعلم من التعليم في أكثر نسخ المشكاة وصحح في جامع الأصول من العلم وكلمة أو يحتمل الشك والتنويع اه وفي الشرح أنه صحح في جامع الأصول فيعلم بفتح الياء وسكون العين فأوشك من الراوي دفعا لتوهم كونه من التعليم فيكون أو للتنويع كذا ذكره الطيبي وعلى التنويع قوله آيتين من كتاب الله تنازع فيه الفعلان وقوله خير خبر مبتدأ محذوف أي هما أو الغد وخير له من ناقتين وثلاث أي من الآيات خير له من ثلاث أي من الإبل وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن جمع عدد من الإبل بيان للأعداد قيل من أعدادهن متعلق بمحذوف تقديره وأكثر من أربع آيات خير من أعدادهن من الإبل فخمس آيات خير من خمس إبل وعلى هذا القياس وقيل يحتمل أن يراد أن آيتين خير من ناقتين ومن أعدادهما من الإبل وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن من الإبل وكذا أربع والحاصل أن الآيات تفضل على أعدادهن من النوق ومن أعدادهن من الإبل كذا ذكره الطيبي ويوضحه ما قيل أنه يتعلق بقوله وآيتين وثلاث وأربع ومجرور أعدادهن عائد إلى الأعداد التي سبق ذكرها ومن الإبل بدل من أعدادهن أو بيان له يعني آيتان خير من عدد كثير من الإبل وكذلك ثلاث وأربع آيات منه لأن قراءة القرآن تنفع في الدنيا والآخرة نفعا عظيما بخلاف الإبل اه


والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام أراد ترغيبهم في الباقيات وتزهيدهم عن الفانيات فذكره هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى فهم العليل وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن يقابل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى أو بثوابها من الدرجات العلى وقد وقع نظير هذا الشيخ مشايخنا أبي الحسن البكري قدس الله سره السري حيث التمس منه أصحابه من التجار نزوله من مكة إلى بندر جدة أيام إتيان الغرباء من سفر البحار معللين بأنهم يريدون حصول بركة نزوله إلى تجارتهم ومكمنين بأن يحصل لخدم الشيخ بعض منافع بضاعتهم فأبى وأتى بأعذار ساترة للأسرار فما فهموا وألحوا وبالغوا في المسألة مع الاصرار فقال الشيخ ما مقدار فائدة ربحكم في هذا السفر وكم أكثر ما يحصل لكم فيه من النتيجة والأثر فقالوا يختلف باختلاف الأحوال وتفاوت الأموال وأكثر الربح أن يصير الدرهم درهمين ويكون الواحد اثنين فتبسم الشيخ وقال إنكم تتعبون هذا التعب الشديد لهذا الربح الزهيد فنحن كيف نترك مضاعفة الحسنات بالحرم وهي حسنة بمائة ألف على لسان النبي فقد علم كل أناس مشربهم وهم مختلفون وكل حزب بما لديهم


فرحون والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا عن المنام رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله أيحب أحدكم إذا رجع أهله أن يجد فيه أي في رجوعه إليهم وقيل أي في طريقه وقال ابن حجر أي في أهله يعني في محلهم ثلاث خلفات جمع خلفة بفتح فكسر من خلفت الناقة أي حملت يعني حاملات عظام في الكمية والماهية سمان في الكيفية والحالية قلنا نعم أي بمقتضى الطبيعة أو على وفق الشريعة ليكون للآخرة ذريعة قال أي فإذا قلتم ذلك وغفلتم عما هو أولى فثلاث آيات أي فاعلموا أن قراءة ثلاث آيات خير من ثلاث خلفات وقال ابن حجر فإذا كنتم تحبون ذلك فثلاث آيات ولا يخفى عدم السببية ولذا تكلف الطيبي حيث قال الفاء في فثلاث آيات جزاء شرط محذوف فالمعنى إذا تقرر ما زعمتم أنكم تحبون ما ذكرت لكم فقد صح أن يفضل عليها ما أذكره لكم من قراءة ثلاث آيات لأن هذا من الباقيات الصالحات وتلك من الزائدات الفانيات يقرأ بهن أحدكم قال الطيبي الباء زائدة أو للإلصاق في صلاته بيان للأكمل وتقييد للأفضل خير له من ثلاث خلفات عظام سمان قال الطيبي التنكير للتعظيم والتفخيم وفي الأول للشيوع في الأجناس فلذلك لم يعرف الثاني رواه مسلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله الماهر بالقرآن أي الحاذق من المهارة وهي الحذق جاز أن يريد به جودة الحفظ أو جودة اللفظ وأن يريد به كليهما وأن يريد به ما هو أعم منهما وقال الطيبي هو الكامل الحفظ الذي لا يتوقف في القراءة ولا يشق عليه قال الجعبري في وصف أئمة القراءة كل من أتقن حفظ القرآن وأدمن درسه وأحكم تجويد ألفاظه وعلم مباديه ومقاطعه وضبط رواية قراءته وفهم وجوه إعرابه ولغاته ووقف على حقيقة اشتقاقه وتصريفه ورسح في ناسخه ومنسوخه وأخذ حظا وافرا من تفسيره وتأويله وصان نقله عن الرأي وتحافى عن مقايس العربية ووسعته السنة وجلله الوقار وغمره


الحياء وكان عدلا متيقظا ورعا معرضا عن الدنيا مقبلا على الآخرة قريبا من الله فهو الإمام الذي يرجع إليه ويعول عليه ويقتدى بأقواله ويهتدى بأفعاله مع السفرة جمع سافروهم الرسل إلى الناس برسالات الله تعالى وقيل السفرة الكتبة ذكره الطيبي وقال ميرك أي الكتبة جمع سافر من السفر وأصله الكشف فإن الكاتب يبين ما يكتب ويوضحه ومنه قيل للكتاب سفر بكسر السين لأنه يكشف الحقائق ويسفر عنها والمراد بها الملائكة الذين هم حملة اللوح المحفوظ كما قال تعالى بأيدي سفرة كرام بررة عبس سموا بذلك لأنهم ينقلون الكتب الإلهية المنزلة إلى الأنبياء فكأنهم يستنسخونها قال ابن الملك والمعنى الجامع بينهم كونه من خزنة الوحي وأمناء الكتب قال ميرك وقيل المراد بها أصحاب رسول الله لأنهم أول ما نسخوا القرآن وقيل السفرة الملائكة الكاتبون لأعمال العباد أو من السفار بمعنى الإصلاح فالمراد بهم حينئذ الملائكة النازلون بأمر الله بما فيه مصلحة العباد من حفظهم عن الآفات والمعاصي وإلهامهم الخير في قلوبهم قال القاضي عياض يحتمل أن يكون المراد بكونه مع الملائكة أن يكون له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقا للملائكة لا تصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم وسالك مسلكهم من كونهم يحفظونه ويؤدونه إلى المؤمنين ويكشفون لهم ما يلتبس عليهم فكذلك الماهر الكرام جمع الكريم أي المكرمين على الله المقربين عند مولاه لعصمتهم ونزاهتهم عن دنس المعصية والمخالفة البررة جمع بار وهو المحسن وقال الطيبي أي المطيعون من البر وهو الطاعة يعني هو مع الملائكة في منازل الآخرة لا تصافه بصفتهم من حمل كتاب الله ويحتمل أن يراد أنه عامل عملهم وسالك مسلكهم في حفظه وآدائه إلى المؤمنين والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه أي يتردد ويتلبد عليه لسانه ويقف في قراءته لعدم مهارته والتعتعة في الكلام التردد فيه من حصر أو عي يقال تعتع لسانه إذا توقف في الكلام


ولم يطعه لسانه وهو أي القرآن أي حصوله أو تردد فيه عليه أي على ذلك القارىء شاق أي شديد يصيبه مشقة جملة حالية له أجران أي أجر لقراءته وأجل لتحمل مشقته وهذا تحريض على تحصيل القراءة وليس معناه أن الذي يتتعتع فيه له من الأجر أكثر من الماهر بل الماهر أفضل وأكثر أجرا مع السفرة وله أجور كثيرة حيث اندرج في سلك الملائكة المقربين أو الأنبياء والمرسلين أو الصحابة المقربين متفق عليه ورواه الأربعة وعن ابن عمر قال قال رسول الله لا حسد أي لا غبطة إلا على اثنين وقيل لو كان الحسد جائزا لجاز عليهما رجل بالجر على البدلية وقيل بالرفع على تقديرهما أو منهما أو أحدهما آتاه الله القرآن أي من عليه بحفظه له كما ينبغي فهو يقوم به أي بتلاوته


وحفظ مباينه أو بالتأمل في أحكامه ومعانيه أو بالعمل بأوامره ومناهيه أو يصلي به ويتجلى بآدابه آناء الليل وآناء النهار أي في ساعاتهما جمع أني بالكسر بوزن معي وأنو وأني بسكون النون والمعنى أنه لا يغفل عنه إلا في قليل من الأوقات ورجل بالوجهين آتاه الله مالا أي حلالا فهو ينفق أي لله في وجوه الخير منه آناء الليل وآناء النهار أي في أوقاتهما سرا وعلانية ولعل هذا نكتة تقديم الليل في الموضعين قال ميرك الحسد قسمان حقيقي ومجازي فالحقيقي تمني زوال النعمة عن صاحبها وهو حرام بإجماع المسلمين مع النصوص الصريحة الصحيحة وأما المجازي فهو الغبطة وهي تمني مثل النعمة التي على الغير من غير تمني زوال عن صاحبها أي الغبطة فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة وإن كانت طاعة فهي مستحبة والمراد في الحديث لا غبطة محمودة إلا في هاتين الخصلتين اه يعني فيهما وأمثالهما ولذا قال المظهر يعني لا ينبغي أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل صاحب نعمة إلا أن تكون النعمة مما يتقرب به إلى الله تعالى كتلاوة القرآن والتصدق بالمال وغيرهما من الخيرات اه يعني من العبادات البدنية والطاعات المالية متفق عليه قال الجزري في تصحيح المصابيح ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وعن أبي موسى قال قال رسول الله مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن أي على ما ينبغي وعبر بالمضارع لإفادة تكريره لها ومداومته عليها حتى صارت دأبه وعادته كفلان يقري الضيف ويحمي الحريم ويعطي اليتيم مثل الأترجة بضم الهمزة وسكون التاء وضم الراء وتشديد الجيم وفي رواية البخاري بنون ساكنة بين الراء والجيم المخففة وفي القاموس الأترج والأترجة والترنج والترنجة معروف وهي أحسن الثمار الشجرية وأنفسها عند العرب لحسن منظرها صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ريحها طيب وطعمها طيب قال ابن الملك يفيد طيب النكهة ودباغ المعدة وقوة الهضم ومنافعها كثيرة مكتوبة في كتب الطب فكذلك المؤمن القارىء طيب الطعم


لثبوت الأيمان في قلبه وطيب الريح لأن الناس يستريحون بقراءته ويحوزون الثواب بالاستماع إليه ويتعلمون القرآن منه ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر قال الطيبي التمثيل في الحقيقة وصف لموصوف اشتمل على معنى معقول صرف لا يبرزه عن مكنونة إلا تصويره بالمحسوس المشاهد ثم إن كلام الله تعالى له تأثير في باطن العبد وظاهره وأن العباد متفاوتون في ذلك فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير وهو المؤمن القارىء ومنهم من لا نصيب له ألبتة وهو المنافق الحقيقي ومنهم من تأثر ظاهره دون باطنه وهو المرائي أو بالعكس وهو المؤمن الذي لا يقرأه وإبراز هذه المعاني وتصويرها إلى المحسوسات ما هو مذكور في الحديث ولم يوجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك لأن المشبهات والمشبه بها واردة على تقسيم الحاصل لأن الناس إما مؤمن أو غير مؤمن والثاني إما منافق صرف أو ملحق به والأول إما مواظب على القراءة أو غير مواظب عليها وعلى هذا فقس الأثمار المشبه بها ووجه الشبه في المذكورات منتزع عن أمرين محسوسين طعم وريح وليس بمفرق كما في قول امرىء القيس كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي متفق عليه وفي رواية المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة قيل لا يدخل الجن بيتا فيه أترج ومنه يظهر زيادة حكمة تشبيه قارىء القرآن به وقال ابن الرومي كل الخلال التي فيكم محاسنكم تشابهت فيكم الأخلاق والخلق كأنكم شجر الأترج طاب معا حملا ونورا وطاب العود والورق والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة وعن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله إن الله يرفع بهذا الكتاب أي بالإيمان به وتعظيم شأنه والعمل به والمراد بالكتاب القرآن البالغ في الشرف وظهور


البرهان مبلغا لم يبلغه غيره من الكتب المنزلة على الرسل المتقدمة أقواما أي درجة جماعات كثيرة في الدنيا والآخرة بأن يحييهم حياة طيبة في الدنيا ويجعلهم من الذين أنعم الله عليهم في العقبى ويضع به آخرين أي الذين كانوا على خلاف ذلك عن مراتب الكاملين إلى أسفل السافلين قال تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا فهو ماء للمحبوبين ودماء للمحجوبين وقال عز وجل وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا قال الطيبي فمن قرأه وعمل به مخلصا رفعه الله ومن قرأه مرائيا غير عامل به وضعه الله رواه مسلم وذكر البغوي بإسناده في المعالم أن نافع بن الحرث لقي عمر بن الخطاب بعسفان وكان عمر قد استعمله على أهل مكة فقال له عمر من استخلفت على أهل الوادي أي أهل مكة قال استخلفت عليهم ابن أبزي فقال ومن ابن أبزي قال مولى من موالينا قال عمر فاستخلفت عليهم مولى قال يا أمير المؤمنين إنه رجل قارىء القرآن عالم بالفرائض قاض فقال عمر أما إن نبيكم قال إن الله تعالى يرفع بهذا القرآن أقواما ويضع به آخرين وعن أبي سعيد الخدري أن أسيد بن حضير بالتصغير فيهما والحاء المهملة قال أي يحكي عن نفسه بينما هو أي أسيد يقرأ من الليل أي في بعض أجزاء الليل وساعاته سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده وقيل التأنيث في مربوطة على تأويل الدابة وصوابه أن الفرس يقع على الذكر والأنثى كذا قاله الجوهري والجملة حالية إذ ظرف ليقرأ جالت الفرس أي دارت وتحركت كالمضطرب المنزعج من مخوف نزل به فسكت أي أسيد عن القراءة لينظر ما السبب في جولانها فسكنت أي الفرس عن تلك الحركة فظن أن جولانها أمر اتفاقي فقرأ فجالت فسكت أي كذلك فسكنت فظن أنه لأمر ثم قرأ أي ثم أراد أن يستظهر في أمره فتروى ثم قرأ فجالت الفرس فعلم أن ذلك لأمر أزعجها عن قرارها قيل تحرك الفرس كان لنزول الملائكة لاستماع القرآن خوفا منهم وسكونها لعروجهم إلى السماء أو لعدم ظهورهم أو


تحرك الفرس لوجدان الذوق بالقراءة وسكونها لذهاب ذلك الذوق منها بترك القراءة فانصرف أي أسيد من الصلاة أو من القراءة وكان ابنه أبن أسيد يحيي قريبا منها أي من الفرس فأشفق أي خاف أسيد أن تصيبه أي الفرس ابنه في جولانها فذهب أسيد إلى ابنه ليؤخره عن الفرس ولما أخره أي أسيد ابنه يحيي عن قرب الفرس رفع رأسه إلى السماء فإذا هي للمفاجأة مظل الظلة وهي بالضم ما يقي الرجل من الشمس كالسحاب والسقف وغير ذلك أي شيء مثل السحاب على رأسه بين السماء والأرض فيها أي في الظلة أمثال


المصابيح أي أجسام لطيفة نورانية فلما أصبح أي دخل أسيد في الصباح حدث النبي أي حكاه بما رآه لفزعه منه فقال أي النبي مزيلا لفزعه ومعلما له بعلو مرتبته ومؤكدا له فيما يزيد في طمأنينته إقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير كرر مرتين لا ثلاثا على ما في شرح ابن حجر للتأكيد أي ردد وداوم على القراءة التي سبب لمثل تلك الحالة العجيبة إشعارا بأنه لا يتركها إن وقع له ذلك بعد في المستقبل بل يستمر عليها استمتاعا بها وقال الطيبي رحمه الله اقرأ لفظ أمر طلب للقراءة في الحال ومعناه تحضيض وطلب الاستزادة في الزمان الماضي فكأنه استحضر تلك الحالة العجيبة الشأن فأمره تحريضا عليه اه فكأنه قال هلا زدت ولذلك قال فأشفقت وفي نسخة أشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى أي خفت إن دمت عليها أن تدوس الفرس ولدي يحيى وكان منها قريبا فانصرفت أي عن القراءة إليه أي إلى يحيى ترحما عليه ورفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح وهذا بحسب الظاهر تكرار ودفعا والله أعلم بأنه لما حكي له عليه الصلاة والسلام صدر القضية وهو جولان الفرس حين القراءة قال اقرأ أي كنت زدت في القراءة فذكر العذر في تركها فخرجت أي من بيتي حتى لا أراها أي المصابيح لغاية الفزع قال أي النبي وتدري ما ذاك أي تعلم أي شيء ذاك المرئي قال لا قال تلك الملائكة دنت أي نزلت وقربت لصوتك أي بالقراءة ولو قرأت أي إلى الصبح لأصبحت أي الملائكة ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم أي لا تغيب ولا تخفى الملائكة من الناس ووجه التشبيه المذكورأن الملائكة ازدحموا على سماع القرآن حتى صاروا كالشيء الساتر الحاجز بينه وبين السماء وكان تلك المصابيح هي وجوههم ولا مانع من أن الأجسام النورانية إذا ازدحمت تكون كالظلة ولا من أن بعضها كالوجه أضوأ من بعض كذا حققه ابن حجر متفق عليه واللفظ للبخاري وفي مسلم عرجت أي صعدت الملائكة وارتفعت في الجو لكونه قطع القراءة التي نزلت لسماعها في


الجو بفتح الجيم وتشديدالواو أي في الهواء بين السماء والأرض بدل فخرجت أي مكان هذه الكلمة على صيغة المتكلم أي في هذه وعلى صيغة الغائبة في تلك وعن البراء قال كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه أي يمينه أو شماله حصان بالكسر وهو الكريم من فحل الخيل من التحصن أو التحصين لأنهم يحصنونه صيانة لمائه فلا يرونه إلا على كريمة ثم كثر ذلك حتى سموا به كل ذكر من الخيل والجملة حالية مربوط أي الحصان بشطنين الشطن بفتحتين الحبل الطويل الشديد الفتل وثناه دلالة على جموحه وقوته فتغشته أي الرجل سحابة أي سترته ظلة كسحابة فوق رأسه فجعلت أي شرعت السحابة تدنو أي تقرب قليلا وتدنو أي من العلو إلى السفل وجعل أي شرع فرسه ينفر بكسر الفاء من النفور وهو أشبه وفي رواية البخاري ينقز بالقاف والزاي المعجمة أي يثب منها فلما أصبح أتى النبي فذكر ذلك له فقال تلك أي السحابة السكينة أي السكون والطمأنينة التي يطمئن إليها القلب ويسكن بها عن الرعب قال الطيبي فإن المؤمن تزداد طمأنينته بأمثال هذه الآيات إذا كوشف بها وقيل هي الرحمة وقيل الوقار وقيل ملائكة الرحمة وقال ابن حجر أي الملائكة ومنه السكينة تنطق على لسان عمر تنزلت أي ظهر نزولها بالقرآن أي بسببه أو لأجله متفق عليه وعن أبي سعيد بن المعلى بتشديد اللام المتفوحة قال كنت أصلي في المسجد قال ابن الملك وقصته أنه قال مررت ذات يوم على المسجد ورسول الله على المنبر فقلت لقد حدث أمر فجلست فقرأ رسول الله قد نرى تقلب وجهك في السماء البقرة فقلت لصاحبي تعالى حتى نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله عن المنبر فنكون أول من صلى فكنت أصلي فدعاني النبي فلم أجبه أي حتى صليت كما في نسخة ثم أتيته فقلت أي اعتذارا يا رسول الله إني كنت أصلي قال ألم يقل الله إستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم وحد الضمير لأن دعوة الله تسمع من الرسول قال صاحب المدارك المراد بالاستجابة الطاعة والامتثال بالدعوة البعث


والتحريض وقوله تعالى لما يحييكم الأنفال أي من علوم الديانات والشرائع لأن العلم حياة كما إن الجهل موت قال لأتعجبن الجهول حلته فذاك ميت وثوبه كفن قال الطيبي دل الحديث على أن إجابة الرسول لا تبطل الصلاة كما أن خطابه بقولك السلام عليك أيها النبي لا يبطلها اه قال البيضاوي واختلف فيه فقيل هذا لأن إجابته لا تقطع الصلاة فإن الصلاة أيضا إجابة وقيل أن دعاءه كان لأمر لا يحتمل التأخير وللمصلي أن يقطع الصلاة بمثله وظاهر الحديث يناسب الأول اه والأظهر من الحديث أن الإجابة واجبة مطلقا في حقه كما يفهم من إطلاق الآية أيضا ولا دلالة على البطلان وعدمه والأصل البطلان لإطلاق الأدلة والله أعلم ثم قال ألا أعلمك أعظم سورة أي أفضل وقيل أكثر أجرا ومآله إلى الأول في القرآن قيل السورة منزلة من البناء ومنها سور القرآن لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى قال البيضاوي وهي الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات وبسط في اشتقاقها وفي بيان الحكمة لوضعها قال الطيبي وإنما قال أعظم سورة إعتبارا بعظيم قدرها وتفردها بالخاصية التي لم يشاركها فيها غيرها من السور ولإشتمالها على فوائد ومعان كثيرة مع وجازة ألفاظها اه وقد قيل جميع منازل السائرين مندرجة تحت قوله إياك نعبد وإياك نستعين الفاتحة بل قال بعض العارفين جميع ما في الكتب المتقدمة في القرآن وجميعه في الفاتحة وجميعها في البسملة وجميعها تحت نقطة الباء منطوية وهي على كل الحقائق والدقائق محتوية ولعله أشار إلى نقطة التوحيد الذي عليها مدار سلوك أهل التفريد وقيل جميعها تحت الباء ووجه بأن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب وهذه الباء باء الإلصاق فهي تلصق العبد بجناب الرب وذلك كمال المقصود ذكره الفخر الرازي وابن النقيب في تفسيريهما وأخرجا عن علي رضي الله عنه أنه قال لو شئت أو قر سبعين بعيرا من تفسير أم القرآن لفعلت قبل أن تخرج أي أنت من المسجد قيل لم


يعلمه بها ابتداء ليكون ذلك ادعى لتفريغ ذهنه وإقباله عليها بكليته فأخذ بيدي على صيغة الإفراد فلما أردنا أن نخرج قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة من القرآن سميت سورة الفاتحة أعظم سورة لإشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله بما هو أهله والتعبد بالأمر والنهي وذكر الوعد لأن فيه ذكر رحمة الله على الوجه الأبلغ الأشمل وذكر الوعيد لدلالة يوم الدين أي الجزاء ولإشارة المغضوب عليهم عليه وذكر تفرده بالملك وعبادة عباده إياه واستعانتهم بولاه وسؤلهم منه وذكر السعداء والأشقاء وغير ذلك مما اشتمل عليه جميع منازل السائرين ومقامات السالكين ولا سورة بهذه المثابة في القرآن فهي أعظم كيفية وإن كان في القرآن أعظم منها كمية قال الحمد لله أي هي سورة الحمد لله رب العالمين الخ فلا دلالة على كون البسملة منها أم لا هي السبع المثاني قيل اللام للعهد من قوله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم الحجر الآية وسميت السبع لأنها سبع آيات بالاتفاق على خلاف بين الكوفي والبصري في بعض الآيات وقيل لأن فيها سبع آداب وقيل لأنها خلت عن سبعة أحرف الثاء والجيم والخاء والزاي والشين


والظاء والفاء ورد بأن الشيء إنما يسمى بما فيه دون ما فقد منه ويمكن دفعه بأنه قد يسمى بالضد كالكافور للأسود وكل منهما لا ينافي أنها الآيات السبع كما أخرجه الدارقطني عن علي رضي الله عنه والمثاني لتكررها في الصلاة كما جاء عن عمر بسند حسن قال السبع المثاني فاتحة الكتاب تثني في كل ركعة وقيل لأنها تثني بسورة أخرى أو لأنها نزلت مرة بمكة ومرة بالمدينة تعظيما لها واهتماما بشأنها وقيل لأنها استثنيت لهذه الأمة لم تنزل على من قبلها أو لما فيها من الثناء مفاعل منه جمع مثني لجمع الثناء كالمحمدة بمعنى الحمد أو مثنية مفعلة من الثني بمعنى التثنية أو اسم مفعول من التثنية بمعنى التكرار والقرآن العظيم عطف على السبع عطف صفة على صفة وقيل هو عطف صفة على صفة وقيل هو عطف عام على خاص الذي أوتيته إشارة إلى قوله تعالى ولقد آتيناك الحجر الآية أو خصصته بالإعطاء وفيه دليل على جواز إطلاق القرآن على بعضه رواه البخاري وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تجعلوا بيوتكم بالضم والكسر مقابر أي خالية عن الذكر والطاعة فتكون كالمقابر وتكونون كالموتى فيها أو معناه لا تدفنوا موتاكم فيها ويدل على المعنى الأول قوله إن الشيطان استئناف كالتعليل ينفر بكسر الفاء أي يخرج ويشرد من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة والمعنى ييأس من إغواء أهله ببركة هذه السورة أو لما يرى من جدهم في الدين واجتهادهم في طلب اليقين وخص سورة البقرة بذلك لطولها وكثرة أسماء الله تعالى والأحكام فيها وقد قيل فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر وفي الحديث دلالة على عدم كراهة أن يقال سورة البقرة خلافا لمن يقول إنما يقول السورة التي فيها البقرة أو يذكر فيها البقرة رواه مسلم ورواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة آخر الحديث بلفظ أن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه البقرة وعن أبي أمامة قال سمعت النبي يقول اقرؤوا القرآن أي اغتنموا قراءته


وداوموا على تلاوته فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا أي مشفعا لأصحابه أي القائمين بآدابه اقرأوا أي على الخصوص الزهراوين تثنية الزهراء تأنيث الأزهر وهو المضيء الشديد الضوء أي المنيرتين لنورهما وهدايتهما وعظم أجرهما فكأنهما بالنسبة إلى ما عداهما عند الله مكان القمرين من سائر الكواكب وقيل لإشتهارهما شبهتا بالقمرين البقرة وسورة آل عمران بالنصب على البدلية أو بتقدير أعني ويجوز رفعهما وسميتا زهراوين لكثرة أنوار الأحكام الشرعية والأسماء الحسنى العليا وذكر السورة في الثانية دون الأولى لبيان جواز كل منهما فإنهما أي ثوابهما الذي استحقه التالي العامل بهما أو هما يتصوران ويتجسدان ويتشكلان تأتيان أي تحضران يوم القيامة كأنهما غمامتان أي سحابتان تظلان صاحبهما عن حر الموقف قيل هي ما يغم الضوء ويمحوه لشدة كثافته أو غيايتان وهي بالياءين ما يكون أدون منهما في الكثافة وأقرب إلى رأس صاحبهما كما يفعل بالملوك فيحصل عنده الظل والضوء جميعا أو فرقان بكسر الفاء أي طائفتان من طير جمع طائر صواف جمع صافة وهي الجماعة الواقفة على الصف أو الباسطات أجنحتها متصلا بعضها ببعض وهذا أبين من الأولين إذ لا نظير له في الدنيا إلا ما وقع لسليمان عليه الصلاة والسلام وأو يحتمل الشك من الراوي والتخيير في تشبيه هاتين السورتين والأولى أن يكون لتقسيم التالين لأن أو من قول الرسول لا من تردد من الرواة لا تساق الرواة عليه على منوال واحد قال الطيبي أو للتنويع فالأول لمن يقرأهما ولا يفهم معناهما والثاني لمن جمع بينهما والثالث لمن ضم إليهما تعليم الغير تحاجان أي السورتان تدافعان الجحيم والزبانية أو تجادلان وتخاصمان الرب أو الخصم عن أصحابهما وهو كناية عن المبالغة في الشفاعة اقرؤوا سورة البقرة قال الطيبي تخصيص بعد تخصيص بعد تعميم أمر أو لا بقراءة القرآن وعلق بها الشفاعة ثم خص الزهراوين وأناط بهما التخليص من حر يوم القيامة بالمحاجة


وأفرد ثالثا البقرة وأناط بها أمورا ثلاثة حيث قال فإن أخذها أي المواظبة على تلاوتها والتدبر في معانيها والعمل بما فيها بركة أي منفعة عظيمة وتركها بالنصب ويجوز الرفع أي تركها وأمثالها حسرة أي ندامة يوم القيامة كما ورد ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها ولا يستطيعها بالتأنيث والتذكير أي لا يقدر على تحصيلها البطلة أي أصحاب البطالة والكسالة لطولها وقيل أي السحرة لأن ما يأتون به باطل سماهم باسم فعلهم الباطل أي لا يؤهلون لذلك ولا يوفقون له ويمكن أن يقال معناه لا تقدر على إبطالها أو على صاحبها السحرة لقوله تعالى فيها وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله البقرة الآية رواه مسلم


وعن النواس بفتح النون وتشديد الواو ابن سمعان بكسر السين ويفتح قال سمعت النبي يقول يؤتى بالقرآن أي متصورا أو بثوابه يوم القيامة وأهله عطف على القرآن الذين كانوا يعملون به دل على أن من قرأ ولم يعمل به لم يكن من أهل القرآن ولا يكون شفيعا لهم بل يكون القرآن حجة عليهم تقدمه أي تتقدم أهله أو القرآن سورة البقرة وآل عمران بالجر وقيل بالرفع وقال الطيبي الضمير في تقدمه للقرآن أي يقدم ثوابهما ثواب القرآن وقيل يصور الكل بحيث يراه الناس كما يصور الأعمال للوزن في الميزان ومثل ذلك يجب اعتقاده إيمانا فإن العقل يعجز عن أمثاله كأنهما غمامتان أو ظلتان بضم الظاء أي سحابتان سوداوان لكثافتهما وارتكام البعض منهما على بعض وذلك من المطلوب في الظلال قيل إنما جعلنا كالظلتين لتكونا أخوف وأشد تعظيما في قلوب خصمائهما لأن الخوف في الظلة أكثر قال المظهر ويحتمل أن يكون لأجل اظلال قارئهما يوم القيامة بينهما شرق فتح الشين المعجمة وسكون الراء بعدها قاف وقد روى بفتح الراء والأول أشهر أي ضوء ونور الشرق هو الشمس تنبيها على أنهما مع الكثافة لا يستران الضوء وقيل أراد بالشرق الشق وهو الانفراج أي بينهما فرجة وفصل كتميزهما بالبسملة في المصحف والأول أشبه وهو أنه أراد به الضوء لإستغنائه بقوله ظلتان عن بيان البينونة فإنهما لا تسميان ظلتين إلا وبينهما فاصلة اللهم إلا أن يقال فيه تبيان أنه ليست ظلة فوق ظلة بل متقابلتان بينهما بينونة مع أنه يحتمل أن يكونا ظلتين متصلتين في الأبصار منفصلتين بالاعتبار أو كأنهما فرقان أي طائفتان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما رواه مسلم وعن أبي بن كعب قال قال رسول الله يا أبا المنذر بصيغة الفاعل كنية أبي بن كعب أتدري أي آية إسم استفهام معرب لازم الإضافة يجوز تذكيره وتأنيثه عند إضافته إلى المؤنث من كتاب الله تعالى معك أي حال كونه مصاحبا لك قال الطيبي وقع موقع البيان


لما كان يحفظه من كتاب الله لأن مع كلمة تدل على المصاحبة اه وكان رضي الله عنه ممن حفظ القرآن كله في زمنه وكذا ثلاثة من بني عمه أعظم قال إسحاق بن راهويه وغيره المعنى راجع إلى الثواب والأجر أي أعظم ثوابا وأجرا وهو المختار كذا ذكره الطيبي قلت الله ورسوله أعلم فوض الجواب أو لا وأجاب ثانيا لأنه جوز أن يكون حديث أفضلية شيء من الآيات غير التي كان يعلمها فلما كرر عليه السؤال والمعاد بقوله قال يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله تعالى معك أعظم ظن أن مراده عليه الصلاة والسلام طلب الإخبار عما عنده فأخبره بقوله قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم إلى آخر آية الكرسي كذا ذكره ابن حجر والأولى أن يقال فوض أولا أدبا وأجاب ثانيا طلبا فجمع بين الأدب والامتثال كما هو دأب أرباب الكمال قال الطيبي سؤاله عليه الصلاة والسلام من الصحابي قد يكون للحث على الأسماع وقد يكون للكشف عن مقدار علمه وفهمه فلما راعى الأدب أو لا ورأى أنه لا يكتفي به علم أن المقصود استخراج ما عنده من مكنون العلم فأجاب وقيل إنكشف له العلم من الله تعالى أو من مدد رسوله ببركة تفويضه وحسن أدبه في جواب مسائلته قيل وإنما كان آية الكرسي أعظم آية لإحتوائها واشتمالها على بيان توحيد الله وتمجيده وتعظيمه وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلى وكل ما كان من الأذكار في تلك المعاني أبلغ كان في باب التدبر والتقرب به إلى الله أجل وأعظم قال أي أبي فضرب أي النبي في صدري أي محبة وتعديته بفي نظير قوله تعالى وأصلح لي في ذريتي الأحقاف أي أوقع الصلاح فيهم حتى يكونوا محلا له كقول الشاعر يجرح في عراقبيها نصلي وفيه إشارة إلى امتلاء صدره علما وحكمة وقال ليهنك العلم وفي نسخة ليهنئك بهمزة بعد النون على الأصل فحذف تخفيفا أي ليكن العلم هنيئا لك يا أبا المنذر قال الطيبي يقال هنأني الطعام يهنأني ويهنئني وهنأت أي تهنأت به وكل أمر أتاك من غير تعب فهو هنيء وهذا دعاء


له بتيسير العلم ورسوخه فيه ويلزمه الإخبار بكونه عالما وهو المقصود وفيه منقبة عظيمة لأبي المنذر رضي الله عنه رواه مسلم وعن أبي هريرة قال وكلني رسول الله بحفظ زكاة رمضان أي بجمع صدقة الفطر ليفرقها رسول الله على الفقراء وقال ابن حجر أي في حفظها أي فوض إلى ذلك فالوكالة بمعناها اللغوي وهو مطلق تفويض أمر للغير وقال الطيبي الإضافة لأدنى ملابسة
لأنها شرعت لجبر ما عسى أن يقع في صومه تفريط فهي بمعنى اللام فأتاني آت أي فجاءني واحد فجعل أي طفق وشرع يحثو أي يغرف ويأخذ هيلا لا كيلا من الطعام ويجعل في وعائه وذيله كحثي التراب والمراد بالطعام البر ونحوه مما يزكي به في الفطرة فأخذته وقلت لأرفعنك هو من رفع الخصم إلى الحاكم أي والله لأذهبن بك إلى رسول الله أي ليقطع يدك فإنك سارق قاله ابن الملك تبعا للطيبي وفيه أن القطع إنما يلزم إذا كان المال محرزا وقد أخرجه منه ولم يكن استحقاق منه قال إني محتاج أي فقير في نفسي وعلى عيال أي نفقتهم إظهار الزيادة الاحتياج ولي حاجة أي حادثة زائدة شديدة أي صعبة كموت أو نفاس أو مطالبة دين أو جوع مهلك وأمثالها مما اشتد الحاجة إلى ما أخذته وهو تأكيد بعد تأكيد قال الطيبي إشارة إلى أنه في نفسه فقير وقد اضطر الآن إلى ما فعل لأجل العيال وهذا للمحتاجين وفيه دلالة على جواز رؤية الجن وأما قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم الأعراف فالمعنى أنا لا نراهم على صورهم الأصلية التي خلقوا عليها لبعد التباين بيننا وبينهم في ذلك لأنهم أجسام نارية في غاية الخفاء والاشتباه ولذا قال الشافعي من زعم أنه رأى الجن عزر لمخالفته القرآن بخلاف ما إذا تمثلوا بصور أخرى كثيفة قال أي أبو هريرة فخليت أي سبيله عنه يعني تركته وليس فيه ما يدل على أنه أخذ من الطعام أم لا بل ولا أن الشيطان أخذ أولا أيضا لأن يحثو يحتمل أن يكون بمعنى يريد أن يحثو ليحتاج ابن حجر إلى معالجة كثيرة حتى تطابق


الحديث قواعد مذهبه فأصبحت فقال النبي يا أبا هريرة ما فعل على بناء الفاعل أسيرك أي مأخوذك البارحة أي الليلة الماضية قال الطيبي فيه إخباره عليه الصلاة والسلام بالغيب وتمكن أبي هريرة من أخذه الشيطان ورده خاسئا وهو كرامة ببركة متابعة النبي ويعلم منه اعلاء حال المتبوع وفي الحديث دليل جمع زكاة فطرهم ثم توكيلهم أحدا بتفريقها قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال أي النبي أما بالتخفيف للتنبيه أنه قد كذبك بالتخفيف أي في إظهار الحاجة وسيعود أي فكن على حذر منه فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله أنه سيعود فرصدته أي انتظرته وراقبته وقول ابن حجر ثاني ليلة لا دليل عليه بل يدل على عدمه عدم تقييده عليه الصلاة والسلام قوله ما فعل أسيرك الآتي بقوله البارحة فجاء يحثو حال مقدرة لأن الحثو عقب المجيء لا معه ويحتمل أن يكون التقدير فجاء فجعل يحثو اعتمادا على ما سبق والمعنى أنه يأخذ أو يريد أن يأخذ من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله قال دعني أي اتركني فإني محتاج


وعلي عيال لا أعود فرحمته لعله لقوله لا أعود وإلا فقد تحقق كذبه في اظهار الحاجة على لسان الصادق المصدوق وقيل ظن أنه تاب من كذبه وخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله يا أبا هريرة ما فعل أسيرك قلت يا رسول الله شكا حاجة أي شديدة كما في نسخة صحيحة وعيالا فرحمته فخليت سبيله أي لعهده بعدم العود ولعله تركه الراوي اختصارا فقال أما إنه قد كذبك أي في عدم العود وسيعود فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله وذكر له ما يقطع طمعه في أنه يطلقه فقال وهذا آخر ثلاث مرات إنك قال ابن حجر هذا المجيء الذي جئته آخر ثلاث مرات أنك تعليل لما تضمنه كلامه أنه لا يطلقه اه والظاهر أن هذا مبتدأ أو آخر بدل منه والخير أنك تزعم أي تظن أو تقول لا تعود ثم تعود وفي نسخة تزعم أن لا تعود أي تظن أن لا تعود ثم تعود وقال الطيبي قوله أنك تزعم صفة ثلاث مرات على أن كل مرة موصوفة بهذا القول الباطل والضمير مقدر أي فيها اه فقوله هذا آخر ثلاث مرات يدل على أنه في المرة الأولى أيضا وعد بعدم العود وهو ساقط اختصارا وقال ابن حجر كلام الشارح بعيد لأنه لم يقل له ولا أعود إلا مرة واحدة وهي الثانية اه ويمكن دفعه بأن التزام عدم العود محقق إما صريحا أو ضمنا فإن من المعلوم أن المستغيث يزعم أنه لا يعود قال دعني أي خلني أعلمك بالرفع وفي نسخة بالجزم كلمات ينفعك الله لها إذا أويت بالقصر ويمد أي إذا قصدت إلى فراشك لأجل النوم ونزلت فيه فاقرأ آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم حتى تختم الآية أي إلى وهو العلي العظيم وظاهره يدل على مذهب الكوفي أن القيوم ليس رأس الآية خلافا للبصري فإنك أي إذا فعلت ذلك لن يزال عليك من الله أي من عنده أو أمره حافظ أي من القدرة أو من الملائكة ولا يقربك بفتح الراء شيطان لاذي ديني ودنيوي وهو مؤكد لما قبله حتى تصبح أي تدخل في الصباح غاية لما بعد لن قيل ترك الإسناد لوضوحه ويحتمل أن يقال


قد كوشف له ذلك ذكره الطيبي قلت لكن صح بتقريره عليه الصلاة والسلام كما سيأتي ولقوله عليه الصلاة والسلام رواه البيهقي من قرأها يعني آية الكرسي حين يأخذ مضجعه أمنه الله تعالى على داره ودار جاره وأهل دويرات حوله فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ما فعل أسيرك لم يقل البارحة هنا أيضا لما سبق قلت زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها قال أما إنه صدقك أي في التعليم وهو كذوب أي في سائر أقواله أو في أغلب أحواله وفي الأمثال الكذوب قد يصدق تعلم أي أتعلم من تخاطب أي بالتعيين الشخصي منذ ثلاث أي ليال قلت لا قال ذاك شيطان بالتنوين مرفوعا وإن كان مقتضى الظاهر أن يكون بالنصب لأن السؤال في قوله من تخاطب عن المفعول فالعدول إلى جملة الإسمية وتشخيصه باسم الإشارة لمزيد التعيين ودوام الاحتراز عن كيده ومكره كما ذكره الطيبي والمراد واحد من الشياطين أو إبليس ووجه صرفه أنه مأخوذ من شطن أي بعد قال في القاموس في هذه المادة والشيطان معروف وتشيطن فعل فعله وقال الطيبي نكر الشيطان في الموضعين إيذانا بتغايرهما على ما هو المشهور أن النكرة إذا أعيدت بلفظها كانت غير الأولى ووجه تغايرهما أن الأول للجنس لأن القصد منه نفي قربان تلك الماهية له والثاني لفرد من أفراد ذلك الجنس أي شيطان من الشياطين فلو عرف لا وهم خلاف المقصود لأنه إما أن يشار إلى السابق أو إلى المعروف المشهور بين الناس وكلاهما غير مراد قال ابن الملك الحديث دال على أن تعلم العلم جائز ممن لم يعمل بما يقول بشرط أن يعلم المتعلم كون ما يتعلمه حسنا وأما إذا لم يعلم حسنه وقبحه لا يجوز أن يتعلم إلا ممن عرف ديانته وصلاحه اه وفيه أن الأحاديث الموضوعة كثيرة في معان حسنة الظاهر كفضيلة السور والعبادات والدعوات ولا يجوز التعلم في أمثالها إلا من التقات رواه البخاري وعن ابن عباس قال بينما جبريل عليه الصلاة والسلام قاعدا وفي نسخة بالرفع وهو الظاهر وهو كذلك في أصل


الحصن ولعل نصبه على تقدير كان عند النبي قال ابن الملك تبعا للطيبي أي بين أوقات وحالات هو عنده وقال ميرك بينا وبينما وبين معناها الوسط وبين ظرف إما للمكان كقولك جلست بين القوم وبين الدار أو للزمان كما هنا أي الزمان الذي كان جبريل قاعدا عند النبي سمع وفي نسخة إذ سمع أي جبريل نقيضا أي صوتا شديدا كصوت نقض خشب البناء عند كسره وقيل صوتا مثل صوت الباب من فوقه أي من جهة السماء أو من قبل رأسه فرفع أي جبريل رأسه فقال أي جبريل قال الطيبي الضمائر الثلاثة في سمع ورفع وقال راجعة إلى جبريل لأنه أكثر اطلاعا على أحوال السماء وقيل للنبي وقيل الأولان راجعان للنبي والضمير في قال لجبريل عليه الصلاة والسلام


لأنه حضر عنده للاخبار عن أمر غريب ووقف عليه النبي قال ابن حجر هو المختار واختاره غير واحد هذا أي هذا الصوت باب أي صوت باب من السماء أي من سماء الدنيا فتح اليوم أي الآن لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك هذا من قول الراوي في حكايته لحال سمعه عن رسول الله أو بلغه منه فقال أي جبريل أو النبي هذا أي النازل ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم أي الملك على النبي فقال وفي نسخة صحيحة وقال أي الملك أبشر بفتح الهمزة وكسر الشين أي إفرح بنورين سماهما نورين لأن كل واحدة منهما نور يسعى بين يدي صاحبهما أو لأنهما يرشدان إلى الصراط المستقيم بالتأمل فيه والتفكر في معانيه أي بما في آيتين منورتين أوتيتهما لم يؤتهما بصيغة المجهول أي لم يعطهما نبي قبلك فاتحة الكتاب بالجر وجوز الوجهان الآخران وخواتيم سورة البقرة قال ميرك كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة المقروأة عند الشيخ وكذا في أصل مسلم والنسائي والحاكم وفي نسخة وآخر سورة البقرة اه والمراد آمن الرسول البقرة كذا قيل وتبعه ابن حجر والأظهر بصيغة الجمع أن يكون من قوله لله ما في السموات وما في الأرض البقرة ثم رأيت ابن حجر قال فما لم تنزل على أحد من الأنبياء آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة وأول تلك الخواتيم آمن الرسول وروى عن كعب أولها لله ما في السموات لن تقرأ الخطاب له عليه الصلاة والسلام والمراد هو وأمته إذ الأصل مشاركتهم له في كل ما أنزل عليه إلا ما اختص به بحرف منهما أي بكل حرف من الفاتحة والخواتيم قال التوربشتي الباء زائدة يقال أخذت بزمام الناقة وأخذت زمامها ويجوز أن يكون لإلصاق القراءة به وأراد بالحرف الطرف منها فإن حرف الشيء طرفه وكني به عن جملة مستقلة وقوله إلا أعطيته حال والمستثنى منه مقدر أي مستعينا بهما على قضاء ما يسنح من الحوائج إلا أعطيته أي أعطيت ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة كقوله إهدنا الصراط المستقيم وكقوله غفرانك ربنا


ونظائر ذلك وفي غير المسألة فيما هو حمد وثناء أعطيت ثوابه قال ميرك ويمكن أن يراد بالحرف حرف التهجي ومعنى قوله أعطيته حينئذ أعطيت ما تسأل من حوائجك الدنيوية والأخروية رواه مسلم ورواه النسائي والحاكم وقال صحيح قال ابن حجر والظاهر أن مستند ابن عباس في حكاية ذلك التوقيف منه عليه الصلاة والسلام حذفه الإسناد لوضوحه ويحتمل أن الله كشف الحال وتمثل له جبريل حتى رآه ورفع الرأس فرأى الملك النازل من السماء كما تمثل لرسول الله وسمع ذلك النقيض والقول اه ولا يخفى بعد الثاني


وعن أبي مسعود أي الأنصاري قال قال رسول الله الآيتان أي الكائنتان من آخر سورة البقرة أي آمن الرسول إلى آخره من قرأ بهما في ليلة كفتاه أي دفعتا عنه الشر والمكروه وهو من كفى يكفي إذا دفع عن أحد شيئا أو أغناه وقيل كفتاه عن قيام الليل أو كفتاه عن سائر الأوراد أو أراد أنهما أقل ما يجزىء من القراءة في قيام الليل قال ابن حجر ويحتمل وهو الظاهر المناسب لنظمهما أنهما كفتاه عن تجديد الإيمان وبسط في توجيهه لأنه مع خفاء ظهوره غير مناسب قطعا فإن بهما يحصل تجديد الإيمان لا أنهما تكفيان عنه فتأمل فإنه موضع زلل إذ التحقيق أنه أراد التجديد على اصطلاح الفقهاء فهو محمول على حالة الارتداد وإن أراد به اصطلاح الصوفية فمرادهم بالتجديد جعله مجددا مؤكدا ومؤيدا باستحضار معنى التوحيد في كل لحظة ولمحة ورفع الغفلة في كل طرفة ولذا قال ابن الفارض ولو خطرت لي في سواك ارادة على خاطري سهوا حكمت بردتي وأخذ السادة هذا المعنى من قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا النساء أي داوموا على الإيمان ومن قوله عليه الصلاة والسلام جددوا إيمانكم قالوا يا رسول الله كيف نجدد ايماننا قال أكثروا من قول لا إله إلا الله متفق عليه ورواه الأربعة وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم أي حفظ من الدجال أي من شره وفي رواية من فتنة الدجال قال الطيبي كما أن أولئك الفتية عصموا من ذلك الجبار كذلك يعصم الله القارىء من الجبارين وقيل سبب ذلك ما فيها من العجائب والآيات فمن تدبرها لا يفتتن بالدجال ولا منع من الجمع وهو الأظهر بالخصوص واللام للعهد وهو الذي يخرج في آخر الزمان ويدعي الألوهية لخوارق تظهر على يديه كقوله للسماء أمطري فتمطر لوقتها وللأرض أنبتي فتنبت لوقتها زيادة في الفتنة ولذلك لم توجد فتنة على وجه الأرض أعظم من فتنته وما أرسل الله من نبي إلا حذره قومه وكان السلف يعلمون حديثه الأولاد في المكاتب أو


للجنس فإن الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس ومنه الحديث يكون في آخر الزمان دجالون أي كذابون أي مموهون وفي حديث لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا رواه مسلم وكذا أبو داود والنسائي والترمذي وفي رواية للترمذي كما سيأتي من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال قيل وجه الجمع بين الثلاث وبين العشرات حديث العشر متأخر ومن عمل بالعشر فقد عمل بالثلاث وقيل حديث الثلاث متأخر ومن عصم بثلاث فلا حاجة إلى العشر وهذا أقرب إلى أحكام النسخ قال ميرك بمجرد الاحتمال لا يحكم بالنسخ وأنا أقول النسخ لا يدخل في الأخبار وقيل حديث العشر في الحفظ وحديث الثلاث في القراءة فمن حفظ العشر وقرأ الثلاث كفى وعصم من فتنة الدجال وقيل من حفظ العشر عصم أن من لقيه ومن قرأ الثلاث عصم من فتنته إن لم يلقه وقيل المراد من الحفظ القراءة عن ظهر القلب والمراد من العصمة الحفظ من آفات الدجال وعنه أي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن بضم اللام وسكونه قالوا وكيف يقرأ أي أحد ثلث القرآن لأنه يصعب على الدوام عادة قال قل هو الله أحد أي إلى آخره أو سورته يعدل بالتذكير والتأنيث أي يساوي ثلث القرآن لأن معاني القرآن آيلة إلى تعليم ثلاثة علوم علم التوحيد وعلم الشرائع وعلم تهذيب الأخلاق وتزكية النفس وسورة الأخلاص تشتمل على القسم الأشرف منها الذي هو كالأصل للقسمين الأخيرين وهو علم التوحيد على أبين وجه وآكده وتقديسه عن مشارك في الجنس والنوع وقال الطيبي وذلك لأن القرآن على ثلاثة أنحاء قصص وأحكام وصفات الله وقل هو الله أحد متمحضة للصفات فهي ثلث القرآن وقيل ثوابها يضاعف بقدر ثواب ثلث القرآن بلا تضعيف فعلى الأول لا يلزم من تكررها استيعاب القرآن وختمه وعلى الثاني يلزم قال ميرك أخرج أبو عبيد من حديث أبي الدرداء قال جزأ النبي القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزء من أجزاء القرآن قال القرطبي


منهم من حمل الثلاثية على تحصيل الثواب فقال معنى كونها ثلث القرآن ثواب قراءتها يحصل للقارىء مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن وقيل مثله بغير تضعيف وهي دعوى بغير دليل وإذا حمل على ظاهره فهل ذلك الثلث من القرآن معين أي ثلث فرض منه فيه نظر يلزم من الثاني أن من قرأها ثلاثا كان كمن قرأ ختمة
كاملة وقيل المراد من عمل بما تضمنه من الإخلاص والتوحيد كان كمن قرأ ثلث القرآن وقال ابن عبد البر من لم يتأول هذا الحديث أخلص ممن أجاب بالرأي وإليه ذهب أحمد وإسحاق بن راهويه فإنهما حملا الحديث على أن معناه أن لها فضلا في الثواب تحريضا على تعلمها لا أن قراءتها ثلاث مرات كقراءة القرآن فإن هذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة رواه مسلم أي عن أبي الدرداء ورواه البخاري عن أبي سعيد وكذا أبو داود والترمذي والحاكم وروى ابن ماجه عن أبي هريرة وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي بعث رجلا أي أرسله أميرا على سرية أي جيش وكان يقرأ لأصحابه لأنه كان إمامهم في صلاتهم بقل هو الله أحد كما في المصابيح فيختم لهم أي قراءته بقل هو الله أحد تبركا بقراءته ومحبة لتلاوته أي يقرأ في الركعة الأخيرة بعد الفاتحة من كل صلاة هذه السورة قال ابن حجر أي يختم قراءته للفاتحة أو لما يقرؤه بعدها من القرآن بقل هو الله أحد اه ولا شك إن حملنا أولى فإنه لا يكره بلا خلاف وعبارة الطيبي يعني كان من عادته أن يقرأها بعد الفاتحة محتملة للصور كلها وسيأتي في صورة أخرى في الحديث الذي يليه وهو الأولى بالاعتماد لصحة الإسناد فلما رجعوا ذكروا ذلك أي فعله للنبي فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك أهو للاختصار أو لعدم حفظ غيرها أو لغير ذلك فسألوه فقال لأنها أي إنما فعلت ذلك لأنها صفة الرحمان ولعله آثر ذكر الرحمان استشعارا بأن شهوده لذلك سبب لسعة رجائه بترادف مظاهر رحمته وآلائه وأنا أحب أن أقرأها أي لذلك دائما فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره قال ابن حجر وقل هو الله أحد في معنى


لا إله إلا الله مع أنه منزه على وجهين أحدهما أنه وحده وهو الصمد المرجوع إليه حوائج المخلوقات ولو تصور صمد سواه لفسد نظام العالم ومن ثم كرر لفظ الله وأوقع الصمد المرجوع إليه حوائج المخلوقات ولو تصور صمد سواه لفسد نظام العالم ومن ثم كرر لفظ الله وأوقع الصمد المعرف خبرا له وقطعه مستأنفا على بيان الموجب وثانيهما أن هنا الله هو الأحد في الألوهية
إذ لو تصور غيره لكان إما أن يكون فوقه فيها وهو محال وإليه الإشارة بقوله لم يولد أو دونه فيها فلا يستقيم أيضا وإليه لمح بقوله لم يلد أو مساويا له وهو محال أيضا وإليه رمز بقوله ولم يكن له كفوا أحد الصمد فقال النبي أخبروه أن الله يحبه أي لمحبته إياها أو لهذا يحبها قال المازري محبة الله لعباده إرادة ثوابهم وتنعيمهم وقيل نفس الإثابة والتنعيم فعلى الأول هي من صفات الذات وعلى الثاني من صفات الفعل وأما محبة العباد له تعالى فلا يبعد فيها الميل إليه تعالى فهو مقدس عن الميل وميل محبيهم له تعالى باستقامتهم على طاعته فإن الاستقامة ثمرة المحبة وحقيقة المحبة ميلهم إليه تعالى لإستحقاقه تعالى محبته من جميع وجوهها قال الطيبي وتحريره أن حقيقة المحبة ميل النفس إلى ما يلائمها من اللذات وهي في حقه تعالى محال فيحمل محبته لهم إما على إرادة الإثابة أو على الإثابة نفسها وأما محبة العباد له تعالى فيحتمل أن يراد بها الميل إليه تعالى وصفاته لإستحقاقه تعالى إياها من جميع وجوهها وأن يراد بها نفس الاستقامة على طاعته تعالى فيرجع حاصل هذا الوجه إلى الأول لأن الاستقامة ثمرة المحبة متفق عليه ورواه النسائي وعن أنس قال إن رجلا قال ميرك اسمه كلثوم وقيل كرزم والأول أصح قال يا رسول الله إني أحب هذه السورة أي قراءتها وسماعها قل هو الله أحد تفسير لها أو بدل قال إن حبك إياها أدخلك الجنة أي أنالك أفاضل درجاتها قال الطيبي فإن قلت ما التوفيق بين هذا الجواب وبين الجواب في الحديث


السابق أخبروه أن الله يحبه قلت هذا الجواب ثمرة ذلك الجواب لأن الله تعالى إذا أحبه أدخله الجنة وهذا من وجيز الكلام وبليغه فإنه اقتصر في الأول على السبب عن المسبب وفي الثاني عكسه اه وهو في غاية من الحسن والبهاء وأغرب ابن حجر حيث قال وظن شارح أن الدخول هنا على حقيقته فأجاب بأن هذا فيه ثمرة ذاك إذ ادخال الجنة ثمرة محبة الله لعبده رواه الترمذي وروى البخاري معناه فيه اعتراض على المصنف ودفع عنه وفي الحصن رمز بالخاء والتاء قال ميرك كلاهما من حديث أنس قال كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء وكان كلما افتتح بسورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا تر أنها تجزئك حتى تقرأ أخرى


فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى فقال ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركت وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم النبي أخبروه الخبر فقال يا فلان ما منعك أن تفعل ما يأمرك أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة فقال إني أحبها فقال حبك إياها أدخلك الجنة ثم قال واعلم أن البخاري رواه معلقا وقد وصله الترمذي ورواه البزار والبيهقي وقال الترمذي صحيح حسن وعن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ألم تر بصيغة المعلوم في أكثر النسخ وقال ابن الملك على بناء المجهول من الإراءة أي ألم تعلم قال ابن حجر أي أيها الإنسان الصالح لأن يخاطب اه وظاهره أن الخطاب عام والصواب أن الخطاب خاص للراوي والمراد عام آيات أنزلت صفة الآيات الليلة نصب على الظرفية قال الطيبي كلمة تعجب وتعجيب وأشار إلى سبب التعجب بقوله لم ير مثلهن أي في بابها وهو التعوذ وهو بصيغة المفعول ورفع مثلهن وفي نسخة بالخطاب على صيغة الفاعل ونصب مثلهن وقوله قط لتأكيد النفي في الماضي قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس أي لم توجد آيات سورة كلهن تعويذ للقارىء من شر الأشرار مثل هاتين السورتين والظاهر أن البسملة فيهما ليست من آياتهما ويوافق ما عليه المحققون من أصحابنا أنها نزلت للفصل بين السور وورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يتعوذ من عين الجان وعين الإنسان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما ولما سحر عليه الصلاة والسلام استشفى بها قال ابن الملك وهذا يدل على أن المعوذتين من القرآن خلافا للبعض أي لبعض ممن لا يعتد به ففي جواهر الفقه يكفر من أنكر كون المعوذتين من القرآن غير مؤول وقال بعض المتأخرين كفر مطلقا أول أو لم يؤول وفي بعض الفتاوي في إنكار المعوذتين من القرآن اختلاف المشايخ والصحيح أنه كفر كذا في مفتاح السعادة والصحيح ما قال في الخلاصة رجل قال المعوذتان ليستا من القرآن لا يكفر هكذا


روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب أنهما قالا ليستا من القرآن وقال بعض المتأخرين يكفر لإنعقاد الإجماع بعد الصدر الأول على أنهما من القرآن والصحيح القول الأول أنه لا يكفر لأن الإجماع المتأخر لا يرفع الاختلاف في الصدر الأول وقال ابن حجر وما أفاده الحديث أن المعوذتين من القرآن أجمع عليه الأمة وما نقل عن ابن مسعود مما يخالف ذلك أما مكذوب عليه على رأي وأما صحيح عنه كما قاله بعض الحفاظ لكنه نفى عنه
باعتبار علمه ثم أجمعوا على خلاف نفيه وعلى أن لفظ قل بعد البسملة في أول السورتين من القرآن وقد أجمعت الأمة على ذلك رواه مسلم وكذا الترمذي والنسائي وعن عائشة أن النبي كان إذا أوى بالقصر ويمد إلى فراشه أي أتاه واستقر فيه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما قيل النفث إخراج ريح من الفم مع شيء من الريق وقال الجزري في المفتاح النفث شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق اه ويوافقه ما في الهداية والقاموس فقرأ أي بعد النفث وعقيبه فيهما أي في الكفين قل هو الله أحد و قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس قال الطيبي دل ظاهره على أن النفث مقدم على القراءة فقيل خالف السحرة أو المعنى ثم أراد النفث فقرأ فنفث قال بعض شراح المصابيح وفي صحيح البخاري وقرأ بالواو وهو الوجه لأن تقديم النفث على القراءة مما لم يقل به أحد وذلك لا يلزم من الواو بل من الفاء ولعل الفاء سهو من الكاتب أو الراوي قال ابن الملك تخطئة الرواة العدول بما عرض له من الرأي خطأ هلا قاسوا هذه الفاء على ما في قوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله النحل وقوله فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم البقرة على أن التوبة مؤخرة عن القتل فالمعنى جمع كفيه ثم عزم على النفث فيهما فقرأ فيهما اه وهو مآل تأويل الطيبي وقوله التوبة مؤخرة عن القتل لا وجه له لأن القتل إنما هو علامة توبتهم أو شرطها قال ابن حجر عطف بثم لترتب النفث فيهما على جمعهما ثم


بالفاء ليبين أن ذلك النفث ليس المراد به مجرد نفخ مع ريق بل مع قراءته فهي مرتبة على ابتداء النفث مقارنة لبقيته وقال الطيبي وزعم أن الحديث جاء في حديث البخاري بالواو مردود لأنه فيه بالفاء اه ويحتمل أن يكون في نسخة صحيحة والمثبت مقدم على النافي ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بيان أو بدل ليمسح بهما أي بمسحهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده أي وما أدبر منه يفعل ذلك ثلاث مرات متفق عليه قال الجزري في الحصن رواه البخاري والأربعة والله أعلم وسنذكر حديث ابن مسعود لما أسري برسول الله في باب المعراج إن شاء الله تعالى وهو إما لتكرره حوله إليه أو لكونه أنسب بذلك الباب والله أعلم بالصواب وها أنا ههنا أذكر الحديث على ما في المصابيح بشرحه لابن الملك تتميما لفائدة الكتاب لما أسري برسول الله مجهول أسري يسري إذ أسرى ليلا وإنما المراد هنا ليلة المعراج انتهى به على صيغة المجهول إلى سدرة المنتهي وهي شجرة في أقصى الجنة ينتهي إليها علم الأولين والآخرين ولا يتعداها أو أعمال العباد أو نفوس السائحين في الملأ الأعلى فيجتمعون فيه اجتماع الناس في أنديتهم ولا يطلع على ما وراءها غير الله فأعطي ثلاثا أعطي الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة وغفر بصيغة المجهول لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات بضم الميم والحاء المهملة الخفيفة المكسورة مرفوعة بغفر وهي الذنوب التي تقحم أصحابها أي تلقيهم في النار ومنهم من يشددها من قحم في الأمر إذا دخل فيه من غير روية يعين أعطى الشفاعة لأهل الكبائر من أمته
الفصل الثاني


عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي قال ثلاثة أي أشياء أو أعمال تحت العرش يوم القيامة أي يوم يقوم الناس لرب العالمين القرآن قدمه فإنه أجلها رتبة وأعظمها حرمة ولذا فصل بينه وبين المعطوف عليه بقوله يحاج العباد أي يخاصمهم فيما ضيعوه وأعرضوا عنه من أحكامه وحدوده أو يحاج لهم ويخاصم عنهم بسبب محافظتهم حقوقه كما تقدم يحاجان عن أصحابهما وكما ورد القرآن حجة لك أو عليك فنصب العباد بنزع الخافض له أي القرآن ظهر أي معنى ظاهر يستغني عن التأمل يفهمه أكثر الناس الذين عندهم أدوات فهمه وبطن أي معنى خفي يحتاج إلى التأويل من إشارات خفية لا يفهمها إلا خواص المقربين من العلماء العاملين بحسب الاستعداد وحصول الأمداد وقيل ظهره تلاوته كما أنزل وبطنه التدبر له وقيل ظهره ما استوى فيه المكلفون من الإيمان به والعمل بمقتضاه وموجبه وبطنه ما وقع فيه التفاوت في فهمه بين العباد وإنما أردف قوله يحاج العباد بقوله له ظهر وبطن لينبه على أن كلا منهم يطالب بقدر ما انتهى إليه من علم الكتاب وفهمه والجملة حالية من الضمير في يحاج أي فمن اتبع ظواهره وبواطنه فقد أدى بعض حقوق الربوبية وقام بأفضل وظائف العبودية والأمانة وهي كل حق لله أو الخلق لزم أداؤه وفسرت في قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات الأحزاب بأنها الواجب من حقوق الله


لأنه الأعم والرحم استعيرت للقرابة بين الناس تنادي بالتأنيث أي قرابة الرحم أو كل واحد من الأمانة والرحم وقيل كل من الثلاثة ألا حرف تنبيه من وصلني وصله الله أي بالرحمة ومن قطعني قطعه الله أي بالاعراض عنه وهو يحتمل إخبارا ودعاء قال القاضي قوله ثلاثة تحت العرش أي هي بمنزلة عند الله لا يضيع أجر من حافظ عليها أو لا يهمل مجازاة من ضيعها وأعرض عنها كما هو حال المقربين عند السلاطين الواقفين تحت عرشه فإن التوصل إليهم والإعراض عنهم وشكرهم وشكايتهم تكون مؤثرة تأثيرا عظيما وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر لأن ما يحاوله الإنسان أما أن يكون دائرا بينه وبين الله تعالى لا يتعلق بغيره وأما أن يكون بينه وبين عامة الناس أو بينه وبين أقاربه وأهله فالقرآن وصلة إلى أداء حق الربوبية والأمانة تعم الناس فإن دماءهم وأموالهم وأعراضهم وسائر حقوقهم أمانات فيما بينهم فمن قام بها فقد أقام العدل ومن واصل الرحم وراعى الأقارب بدفع المخاوف والإحسان إليهم في أمور الدين والدنيا فقد أدى حقها وقدم القرآن لأن حقوق الله أعظم ولإشتماله على القيام بالأخيرين وعقبه بالأمانة لأنها أعظم من الرحم ولاشتمالها على أداء حق الرحم وصرح بالرحم مع اشتمال الأمرين الأولين على محافظتها تنبيها على أنها أحق حقوق العباد بالحفظ رواه في شرح السنة قال الجزري وفي إسناده كثير بن عبد الله وهو رواه وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله يقال أي عند دخول الجنة وتوجه العاملين إلى مراتبهم على حسب مكاسبهم لصاحب القرآن أي من يلازمه بالتلاوة والعمل لا من يقرؤه وهو يلعنه اقرأ وارتق أي إلى درجات الجنة أو مراتب القرب ورتل أي لا تستعجل في قراءتك في الجنة التي هي لمجرد التلذذ والشهود الأكبر كعبادة الملائكة كما كنت ترتل أي قراءتك وفيه اشارة إلى أن الجزاء على وفق الأعمال كمية وكيفية في الدنيا من تجويد الحروف ومعرفة الوقوف الناشىء عن علوم القرآن ومعارف الفرقان


فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها وقد ورد في الحديث أن درجات الجنة على عدد آيات القرآن وجاء في حديث من أهل القرآن فليس فوقه درجة فالقراء يتصاعدون بقدرها قال الداني وأجمعوا على أن عدد آي القرآن ستة آلاف آية ثم اختلفوا فيما زاد فقيل ومائتا آية وأربع آيات وقيل وأربع عشرة وقيل وتسع عشرة وقيل وخمس وعشرون وقيل وست وثلاثون وفي حديث عند الديلمي في سنده كذاب درج الجنة على قدر آي القرآن بكل آية
درجة فتلك آلاف آية ومائتا آية وست عشرة آية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض قال الطيبي وقيل المراد أن الترقي يكون دائما فكما أن قراءته في حال الاختتام استدعت الافتتاح الذي لا انقطاع له كذلك هذه القراءة والترقي في المنازل التي لا تتناهى وهذه القراءة لهم كالتسبيح للملائكة لا تشغلهم من مستلذاتهم بل هي أعظم مستلذاتهم وقال ابن حجر ويؤخذ من الحديث أنه لا ينال هذا الثواب الأعظم إلا من حفظ القرآن وأتقن أداءه وقراءته كما ينبغي له فإن قلت ما الدليل على أن الصاحب هو الحافظ دون الملازم للقراءة في المصحف قلت أوصل فيما في الجنة أنه يحكي ما في الدنيا وقوله في الدنيا صريح في ذلك على أن الملازم له نظرا لا يقال له صاحب القرآن على الإطلاق وإنما يقال ذلك لمن لا يفارق القرآن في حالة من الحالات وأيضا ففي رواية عند أحمد يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة إقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ شيئا معه فقوله معه صريح في أنه حافظه وفي حديث عند الرامهرمزي فإذا قام صاحب القرآن بقراءته آناء الليل وآناء النهار ذكره وإن لم يقم به نسيه وروى البخاري وغيره من قرأ القرآن ثم مات قبل أن يستظهره أتاه ملك يعلمه في قبره ويلقى الله وقد استظهره وفي حديث الطبراني والبيهقي ومن قرأ القرآن وهو يتفلت منه ولا يدعه فله أجره مرتين ومن كان حريصا عليه ولا يستطيعه ولا يدعه بعثه الله يوم القيامة مع أشراف أهله وأخرج الحاكم وغيره من قرأ


القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحي إليه لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجهل مع من يجهل وفي جوفه كلام الله وقال الطيبي والمنزلة التي في الحديث هي ما يناله العبد من الكرامة على حسب منزلته في الحفظ والتلاوة لا غير وذلك لما عرفنا من أصل الدين أن العامل بكتاب الله المتدبر له أفضل من الحافظ والتالي له إذا لم ينل شأنه في العمل والتدبر وقد كان في الصحابة من هو أحفظ من الصديق وأكثر تلاوة منه وكان هو أفضلهم على الإطلاق لسبقه عليهم في العلم بالله وبكتابه وتدبره له وعمله به وإن ذهبنا إلى الثاني وهو أحق الوجهين وأتمها فالمراد من الدرجات التي يستحقها بالآيات سائرها وحينئذ تقدر التلاوة في القيامة على قدر العمل فلا يستطيع أحد أن يتلو آية إلا وقد أقام ما يجب عليه فيها واستكمال ذلك إنما يكون للنبي ثم للأمة بعده على مراتبهم ومنازلهم في الدين ومعرفة اليقين فكل منهم يقرأ على مقدار ملازمته إياه تدبرا وعملا اه وهو في غاية من الحسن والبهاء ونهاية الظهور والجلاء ولا عبرة بطعن ابن حجر فيه وتضعيف كلامه وحمله على التكلف والمنافاة لظاهر الحديث فإن التحقيق كما يستفاد من حديث أن من عمل بالقرآن فكأنه يقرؤه دائما وإن لم يقرأه ومن لم يعمل بالقرآن فكأنه لم يقرأه وإن قرأه دائما وقد قال الله تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ص صلى الله عليه وسلم فمجرد التلاوة والحفظ لا يعتبر اعتبارا يترتب عليه


المراتب العلية في الجنة العالية رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه الترمذي أيضا عن أبي هريرة وقال حسن وفيه فيقول القرآن يا رب حله فيلبس تاج الكرامة فيقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة فيقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه ويقال له اقرأ وارق وعن ابن عباس قال قال رسول الله إن الذي ليس في جوفه أي قلبه شيء من القرآن كالبيت الخرب بفتح الخاء وكسر الراء نسخة أي الخراب لأن عمارة القلوب بالإيمان وقراءة القرآن وزينة الباطن بالاعتقادات الحقة والتفكر في نعماء الله تعالى وقال الطيبي يطلق الجوف وأريد به القلب إطلاقا لاسم المحل على الحال وقد استعمل على حقيقته في قوله تعالى ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه الأحزاب واحتيج لذكره ليتم التشبيه له بالبيت الخرب بجامع أن القرآن إذا كان في الجوف يكون عامرا مزينا بحسب قلة ما فيه وكثرته وإذا خلى عما لا بد له منه من التصديق والاعتقاد الحق والتفكر في آلاء الله ومحبته وصفاته يكون كالبيت الخرب الخالي عما يعمره من الأثاث والتجمل اه وكأنه عدل عن ظاهر المقابلة المتبادر إلى الفهم وإذا خلي عن القرآن لعدم ظهور إطلاق الخراب عليه وغفل ابن حجر عن ملحظه وحمل الحديث على حفظ القرآن نفيا وإثباتا واعترض عليه بما لا يناسبه رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث صحيح وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله يقول الرب تبارك وتعالى من شغله القرآن أي حفظه وعلم مبانيه وتدبر معانيه والعمل بما فيه عن ذكري ومسألتي أعطيته أي بسبب ذلك أفضل ما أعطي السائلين بصيغة المتكلم قيل شغل القرآن القيام بمواجبه وحقوقه مسألتي عطف تفسيري أي لا يظن المشغول به أنه إذا لم يسأل لم يعط


حوائجه على أكمل العطاء فإنه من كان لله كان الله له وعن الشيخ العارف أبي عبد الله بن خفيف قدس الله سره شغل القرآن القيام بموجباته من إقامة فرائضه والاجتناب عن محارمه فإن الرجل إذا أطاع لله ذكره وإن قلت صلاته وصومه وإذا عصاه فقد نسيه وإن كثرت صلاته وصومه وقيل أريد بالذكر والمسألة اللذين ليسا في القرآن كالدعوات بقرينة قوله وفضل كلام الله أي الدال على الكلام النفسي فشرفه باعتبار مدلوله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه أي وكذلك فضل الاشتغال والمشتغل به على غيره وكان وجه الاستغناء عن ذكر الذاكرين بذكر السائلين أنهم من جملتهم من حيث أنهم سائلون بالفعل أو القوة إذ لسان حال كل مخلوق ناطق بالافتقار إلى نعم الحق وإمداده بعد إيجاده ثم هذا الفضل من حيث هو وإلا فمحله ما لم يشرع لغيره من الأذكار والأدعية المأثورة وفي الحديث إيماء إلى قدم القرآن كما هو مذهب المفسرين والمحدثين ردا على المحدثين قال ميرك يحتمل أن تكون هذه الجملة من تتمة قول الله عز وجل فحينئذ فيه التفات كما لا يخفى ويحتمل أن تكون من كلام النبي وهذا أظهر لئلا يحتاج إلى ارتكاب الإلتفات ونقل عن البخاري أنه قال هذا من كلام أبي سعيد الخدري أدرجه في الحديث ولم يثبت رفعه رواه الترمذي والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان قال العسقلاني رجاله ثقات إلا عطية العوفي ففيه ضعف وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب قال ميرك ولفظ الدارمي من شغله ذكرى عن مسألتي اه فيكون المراد من ذكرى المعنى الأعم أو الأخص وهو الأظهر الأنسب للجمع المستفاد من الإضافة التشريفية الموافقة لقوله تعالى وهذا ذكر مبارك أنزلناه الأنبياء وعن ابن مسعود قال قال رسول الله من قرأ حرفا أي قابلا للإنفصال أو المراد به مثلا من كتاب الله أي القرآن فله به حسنة أي عطية والحسنة بعشر أمثالها أي مضاعفة بالعشر وهو أقل التضاعف الموعود بقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها والله يضاعف لمن


يشاء الأنعام وللحرم مزية على غيره والحرف يطلق على حرف الهجاء والمعاني والجملة المفيدة والكلمة المختلف في قراءتها وعلى مطلق الكلمة ولذا قال عليه الصلاة والسلام لا أقول ألم حرف ألف بالسكون على الحكاية وقيل بالتنوين حرف ولام حرف وميم حرف قال الطيبي مسمى ألف حرف والاسم ثلاثة أحرف وكذا
مسمى ميم وهو مه حرف لما تقرر أن لفظه ميم اسم لهذا المسمى فحمل الحرف في الحديث على المذكورات مجازا لأن المراد منه في ضرب الله مثلا كل واحد من ضه وره وبه وعلى هذا إن أريد بألم مفتتح سورة الفيل يكون عدد الحسنات ثلاثين وإن أريد به مفتتح سورة البقرة وشبهها بلغ العدد تسعين اه ولا يخفى أن الوجه الأول بعيد إذ الرواية ألم بالمد لا بفتح اللام وسكون الميم وعلى الوجه الثاني المناسب أن يقال فأحرف بدل ميم حرف إلا أن يقال أنه عليه الصلاة والسلام ذكر من ألم من كل كلمة حرفا وأن يلاحظ المسميات نظرا إلى أن ألم عبارة إجمالية عن تلك المسميات وليس المقصود أداء نفس الأسماء ويمكن أن يوجه الوجه الأول بأن مراده أن في فاتحة سورة البقرة يكون عدد الحسنات تسعين وفي فاتحة سورة الفيل يكون عددها ثلاثين كما هو عبارة المختصر ولا يريد أن لفظ الحديث يحتملهما لأنه جاء صريحا في رواية ابن أبي شيبة والطبراني من قرأ حرفا من القرآن كتب له به حسنة لا أقول ألم ذلك الكتاب ولكن الألف واللام والميم والذال واللام والكاف اه وظاهره أن المعتبر في الحساب الحروف المكتوبة لا الملفوظة وفي رواية للبيهقي لا أقول بسم الله ولكن باء وسين وميم ولا أقول ألم ولكن الألف واللام والميم رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث صحيح غريب إسنادا أي لا متنا تمييز عن نسبة غريب وقال ووقفه عليه بعضهم وعن الحارث الأعور تابعي من أصحاب علي قال مررت في المسجد أي بناس جالسين قال الطيبي في المسجد ظرف والمرور به محذوف يدل عليه قوله فإذا الناس يخوضون أي يدخلون دخول مبالغة


في الأحاديث أي أحاديث الناس وأباطيلهم من الأخبار والحكايات والقصص ويتركون تلاوة القرآن وما يقتضيه من الأذكار والآثار وأنوار البرهان وقال ابن حجر والظاهر أن المراد أحاديث الصفات المتشابهة ولم يظهر وجه ظهورها أو يبالغون في بحث الأحاديث النبوية ويتركون التعلق بالآيات القرآنية قال الطيبي الخوض أصله الشروع في الماء والمرور فيه ويستعار في الشروع وأكثر ما ورد في القرآن فيما يذم الشروع فيه فدخلت على علي رضي الله عنه خصه إما لكونه الخليفة إذ ذاك أو لتميزه بقوله في الحديث بقوله أنا مدينة العلم وعلي بابها خلافا لمن قال إنه موضوع ولمن قال ضعيف إلا أن يريد أنه باعتبار أفراد طرقه كما ذكره ابن حجر فأخبرته أي الخبر فقال


أوقد فعلوها أي اتركوا القرآن وقد فعلوها أي وخاضوا في الأحاديث أو التقدير أو قد فعلوا المنكرات قال الطيبي أي ارتكبوا هذه الشنيعة وخاضوا في الأباطيل فإن الهمزة والواو العاطفة يستدعيان فعلا منكرا معطوفا عليه أي فعلوا هذه الفعلة الشنيعة قلت نعم قال أما للتنبيه أني سمعت رسول الله يقول ألا للتنبيه إنها أي القصة وبيانها ستكون فتنة أي محنة عظيمة وبلية عميقة قال ابن الملك يريد بالفتنة ما وقع بين الصحابة أو خروج التاتار أو الدجال أو دابة الأرض اه وغير الأول لا يناسب المقام كما لا يخفى قلت ما المخرج منها أي ما طريق الخروج والخلاص من الفتنة يا رسول الله قال الطيبي أي موضع الخروج أو السبب الذي يتوصل به إلى الخروج عن الفتنة قال كتاب الله أي طريق الخروج منها تمسك كتاب الله على تقدير مضاف وأغرب ابن حجر حيث قال التقدير غير محتاج إليه لأن المراد من قوله وما المخرج أي السبب المانع للوقوع في الضلالات الناشئة عن الفتنة فيه نبأ ما قبلكم أي من أحوال الأمم وخبر ما بعدكم وهي الأمور الآتية من أشراط الساعة وأحوال القيامة وفي العبارة تفنن وحكم ما بينكم بضم الحاء وسكون الكاف أي حاكم ما وقع أو يقع بينكم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والحلال والحرام وسائر شرائع الإسلام ومباني الأحكام هو الفصل أي الفاصل بين الحق والباطل أو المفصول والمميز فيه الخطأ والصواب وما يترتب عليه من الثواب والعذاب وصف بالمصدر مبالغة ليس بالهزل أي جد كله وحق جميعه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والهزل في الأصل القول المعري عن المعنى المرضي واشتقاقه من الهزال ضد السمن والحديث مقتبس من قوله تعالى إنه لقول فصل وما هو بالهزل الطارق أي هو مقصور على كونه فاصلا بين الحق والباطل وآثر المصدر للمبالغة كرجل عدل أو معناه أنه مفصول به أو أنه قاطع في أنه حق ويلائمه ما بعده أو ذو فصل وبيان لما يحتاج إليه في الدين لقوله تعالى ونزلنا


عليك الكتاب تبيانا لكل شيء النحل من تركه أي القرآن إيمانا وعملا من جبار قصمه الله أي أهلكه أو كسر عنقه وأصل القصم الكسر والإبانة فالمعنى قطعه الله وأبعده عن رحمته أو قطع حجته بخلاف من عمل بالقرآن فإنه تعالى وصله إلى أعلى مراتب الكمال وأعلى منازل الجمال من الوصال وهو دعاء عليه أو إخبار كذا قاله ابن الملك والطيبي رحمه الله وتبعهما ابن حجر والظاهر أنهما ضدان كما في بقية الحديث من الأخبار وبين التارك بمن جبار ليدل على أن الحامل له على الترك إنما هو التجبر والحماقة وقال الطيبي من ترك العمل بآية أو بكلمة من القرآن مما يجب العمل به أو ترك قراءتها من التكبر كفر ومن تركه عجزا وكسلا


وضعفا مع اعتقاد تعظيمه فلا فلا إثم عليه أي بترك القراءة ولكنه محروم ومن ابتغى الهدى أي طلب الهداية من الضلالة في غيره من الكتب والعلوم التي غير مأخوذة منه ولا موافقة معه قال ابن حجر في للسببية ولا خفاء في أنها للظرفية أبلغ للدلالة على أن الهداية منحصرة فيه دون غيره من أسباب الهداية أضله الله أي عن طريق الهدى وأوقعه في سبيل الردى وفيه رد على المبتدعة الضالة وهو أي القرآن حبل الله المتين أي المحكم القوي والحبل مستعار للوصل ولكل ما يتوصل به إلى شيء أي الوسيلة القوية إلى معرفة ربه وسعادة قربه وهو مقتبس من قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا آل عمران وهو الذكر أي ما يذكر به الحق تعالى أو ما يتذكر به الخلق أي يتعظ الحكيم أي ذو الحكمة العلمية والعملية أو الحاكم على كل كتاب أو على كل مكلف أن يعمل به أو المحكم آياته القوى بنيانه لا ينسخ إلى يوم القيامة ولن يقدر جميع الخلائق أن يأتوا بمثله قال تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فصلت أو المراد بالذكر الشرف لقوله تعالى إنه لذكر لك ولقومك الزخرف وقيل إنه بمعنى المذكر فالمراد بالحكيم ذو الحكمة وأما تفسير الذكر بالمذكور كما ذكره الطيبي فبعيد وهو الصراط المستقيم أي الطريق القويم المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط من التمثيل والتعطيل وغيرهما من أنواع التضليل ويصلح أن يكون تفسيرا لقوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم فمن سلكه نجا ومن عدل عنه غوى هو الذي لا تزيغ بالتأنيث والتذكير أي لا تميل عن الحق به أي باتباعه الأهواء أي الهوى إذا وافق هذا الهدي حفظ من الردى وقيل معناه لا يصير به مبتدعا وضالا يعني لا يميل بسببه أهل الأهواء والآراء لا يقال قيل للشيخ أبي إسحاق الكازروني إن أهل البدعة أيضا يستدلون بالقرآن كما أن أهل السنة يحتجون به عند البرهان فقال قال تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا البقرة إلا أن نقول سبب الإضلال عدم الاستدلال به على


وجه الكمال فإن أهل الأهواء تركوا الأحاديث النبوية التي هي مبينة للمقاصد القرآنية وفي القرآن وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر فما عرفوا القرآن حق معرفته وما قلدوا من هو كامل في معرفة أدلته فوقعوا فيما وقعوا حيث أنكروا الحديث ودفعوا ولذا قال الجنيد من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به ومن دخل في طريقنا بغير علم واستمر قانعا بجهله فهو ضحكة للشيطان مسخرة له لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة والله أعلم وقال الطيبي أي لا يقدر أهل الأهواء على تبديله وتغييره وإمالته وذلك اشارة إلى وقوع تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فالباء للتعدية وقيل الرواية من الإزاغة بمعنى الإمالة والباء لتأكيد التعدية أي لا يميله الأهواء المضلة عن نهج الاستقامة إلى الإعوجاج وعدم الاقامة كفعل اليهود بالتوراة حين حرفوا الكلم عن مواضعه لأنه تعالى تكفل بحفظه قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون الحجر ولا تلتبس به الألسنة أي لا تتعسر عليه ألسنة المؤمنين أي ولو كانوا من غير العرب قال


تعالى فإنما يسرناه بلسانك و لقد يسرنا القرآن للذكر القمر وقيل لا يختلط به غيره بحيث يشتبه الأمر ويلتبس الحق بالباطل فإن الله تعالى يحفظه أو يشتبه كلام الرب بكلام غيره لكونه كلاما معصوما دالا على الإعجاز ولذا لا يجدون فيه تناقضا يسيرا ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا النساء ولا يشبع منه العلماء أي لا يصلون إلى الإحاطة بكنهه حتى يقفوا عن طلبه وقوف من يشبع من مطعوم بل كلما اطلعوا على شيء من حقائقه اشتاقوا إلى آخر أكثر من الأول وهكذا فلا شبع ولا سآمة ولا يخلق بفتح الياء وضم اللام وبفتح الياء وكسر اللام من خلق الثوب إذا بلي وكذلك أخلق عن كثرة الرد أي لا تزول لذة قراءته وطراوة تلاوته واستماع أذكاره وأخباره من كثرة تكراره وعن علي بابها أي لا يصدر الخلق من كثرة تكراره كما هو شأن كلام غيره تعالى المقول فيه جبلت النفوس على معاداة المعادات بل هذا من قبيل أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع ولذا كلما زاد العبد من تكرار قراءته أو سماع تلاوته ازداد في حلاوته وإن لم يفهم معناه لحصول متمناه ولذا قال الشاطبي وترداده يزداد فيه تجملا وهذا أولى مما قاله ابن حجر من أن عن بمعنى مع ولا ينقضي عجائبه أي لا ينتهي غرائبه التي يتعجب منها قيل كالعطف التفسيري للقرينتين السابقتين ذكره الطيبي وتبعه ابن حجر والحمل على التأسيس أولى لأن ظهور العجائب بحيث لا يتناهى أقوى من عدم شبع العلماء ونفي البلى بل أعلى وأغلى كما لا يخفى هو الذي لم ينته الجن بالتذكير والتأنيث إذ سمعته أي القرآن وفي نسخة إذا سمعته حتى قالوا أي لم يتوقفوا ولم يمكثوا وقت سماعهم له عنه بل أقبلوا عليه لما بهرهم من شأنه فبادروا إلى الإيمان على سبيل البداهة لحصول العلم الضروري وبلغوا في مدحه حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا أي شأنه من حيثية جزالة المبنى وغزارة المعنى يهدي إلى الرشد أي يدل على سبيل الصواب أو يهدي الله


به الناس إلى طريق الحق فآمنا به أي بأنه من عند الله ويلزم منه الإيمان برسول الله من قال به من أخبر به فصدق أي في خبره أو من قال قولا ملتبسا به بأن يكون على قواعده ووفق قوانينه وضوابطه صدق ومن عمل به أي بما دل عليه أجر أي أثيب في عمله أجرا عظيما وثوابا جسيما لأنه لا يحث إلا على مكارم الأخلاق والأعمال ومحاسن الآداب والأحوال ومن حكم به أي بين الناس أو بين خواطره عدل أي في حكمه لأنه لا يكون إلا بالحق ومن دعا أي الخلق إليه أي إلى الإيمان به والعمل بموجبه هدي إلى صراط مستقيم قال ابن الملك أي المدعو


وفيه أنه تحصيل حاصل وقال ابن حجر يصح بناؤه للفاعل أو المفعول اه وهو احتمال عقلي وإلا فالنسخ المصححة على بناء المجهول فالصواب ما قاله الطيبي روى مجهولا أي من دعا إليه وفق لمزيد الاهتداء رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث إسناده مجهول الظاهر في إسناده مجهول وفي الحارث أي الراوي للحديث عن علي مقال أي مطعن قال الطيبي روى الشعبي عن الحارث الأعور وشهد أنه كاذب اه وقال المؤلف هو ممن اشتهر بصحبة علي ويقال أنه سمع منه أربعة أحاديث وقال النسائي وغيره ليس بالقوي وقال ابن أبي داود كان أفقه الناس وأفرض الناس وأحسب الناس اه فما في شرح مسلم للنووي عن الشعبي أنه روى عن الحارث الأعور وشهد أنه كاذب محمول على أنه قد يقع منه كذب ولذا لم يقل كذاب مع أن الكذوب قد يصدق ولذا روى عنه فالحاصل أن حديثه ضعيف اسناده وإن كان لا شك في صحة معناه مع أن الضعيف معمول به في الفضائل إتفاقا وعن معاذ الجهني بضم الجيم وفتح الهاء قال قال رسول الله من قرأ القرآن أي فأحكمه كما في رواية أي فأتقنه وقال ابن حجر أي حفظه عن ظهر قلب وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة قال الطيبي كناية عن الملك والسعادة اه والأظهر حمله على الظاهر كما يظهر من قوله ضوؤه أحسن اختاره على أنور وأشرق إعلاما بأن تشبيه التاج مع ما فيه من نفائس الجواهر بالشمس ليس بمجرد الإشراق والضوء بل مع رعاية من الزينة والحسن من ضوء الشمس حال كونها في بيوت الدنيا فيه تتميم صيانة من الإحراق وكلال النظر بسبب أشعتها كما أن قوله لو كانت أي الشمس على الفرض والتقدير فيكم أي في بيوتكم تتميم للمبالغة فإن الشمس مع ضوئها وحسنها لو كانت داخلة في بيوتنا كانت آنس وأتم مما لو كانت خارجة عنها وقال الطيبي أي في داخل بيوتكم وقال ابن الملك أي في بيت أحدكم وفي رواية في بيت من بيوت الدنيا لو كانت فيه فما ظنكم أي إذا كان هذا جزاء والديه لكونهما سببا لوجوده بالذي عمل


بهذا وفي رواية عمل به قال الطيبي استقصار للظن عن كنه معرفة ما يعطى للقارىء العامل به من الكرامة والملك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما أفادته ما الاستفهامية المؤكدة لمعنى تحير الظان رواه أحمد وأبو داود
وعن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله يقول لو جعل القرآن قال ابن حجر أي بفرض تجمسه إذ تجسم المعنى جائز وهو غريب منه لأنه إن أراد به الكلام النفسي فهو غير صحيح وإن أراد به غيره فلا يحتاج إلى هذا التأويل لصحة فرض وضع المصحف في إهاب أي جلد لم يدبغ كذا قالوا والأظهر أن المراد به مطلق الجلد إما على التجريد أو على أنه يطلق عليه وعلى ما لم يدبغ كما في القاموس وقد تكلف الطيبي حيث قال وإنما ضرب المثل بالإهاب وهو الجلد الذي لم يدبغ لأن الفساد إليه أسرع ونفخ النار فيه أنفذ ليبسه وجفافه وبخلاف المدبوغ للبنه ثم ظهر لي في وجه التشبيه بغير المدبوغ أنه لو كان القارىء غير مرتاض نفعه القرآن ثم ألقي في النار قال الطيبي ثم ليس لتراخي الزمان يل لتراخي الرتبة بين الجعل في الاهاب والإلقاء في النار وأنهما أمران متنافيان لرتبة القرآن وأن الثاني أعظم من الأول وأغرب ابن حجر فقال ثم على بابها ولا وجه له والأظهر أنها بمعنى الفاء ما احترق أي الإهاب ببركة القرآن لما فيه من ينابيع الرحمة وأنهار الحكمة ما يخمد تلك النار ويطفئها كما ورد جزيا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي وإذا كان هذا شأنه مع هذا الجلد الحقير الذي جاوره في ساعة فما ظنك يجوف الحافظ له وجسد العامل به الذي استقر فيه أزمنة عديدة ومددا مديدة فيكون حفظه لخوفه من نار البعد والحجاب ونار جهنم أحرى وأولى وأبلغ وأوقوى والمراد بالنار نار الله الموقدة المميزة بين الحق والباطل ورجحه القاضي وقال الطيبي لعل الجنس أقرب وأحرى وضرب المثل بالاهاب للتحقير أحرى لأن التمثيل وارد للمبالغة والفرض والتقدير فلو كما في قوله تعالى قل لو كان البحر مدادا الكهف


الآية قلت والأظهر في التنظير ولو إن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى الرعد أي ينبغي ويحق أن القرآن لو كان في مثل هذا الشيء الحقير الذي لا يؤبه به ويلقى في النار ما مسته فكيف بالمؤمن الذي هو أكرم خلق الله وأفضلهم وقد وعاه في صدره وتفكر في معانيه وواظب على قراءته وعمل فيه بجوارحه فكيف تمسه فضلا عن أن تحرقه قال وبهذا التأويل وقع التناسب بين هذا الحديث والذي قبله فإن المعنى من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا فكيف بالقارىء العامل ولو جعل القرآن في إهاب وألقي في النار ما مسته النار فكيف بالتالي العامل اه وهذا تكلف مستغني عنه لأن الجملتين ما وقعتا متواليتين في لفظ النبوة ليطلب المناسبة بينهما والمناسبة بين الحديثين في الكتاب يكفي كونهما في فضائل القرآن وإن كان أحدهما في فضل صاحبه لأن فضله بسببه مع أن المناسبة التي ذكرها غير تامة لأن الشرطية الأولى حقيقية والثانية فرضية فقيل كان هذا معجزة للنبي ذكره الطيبي وفي المصابيح بلفظ لو كان القرآن في اهاب ما مسته النار


وكذا ذكره في المعالم بسنده ثم قال قيل معناه من حمل القرآن وقرأه لم تمسه النار يوم القيامة قال الطيبي ورواية مسته كما في أكثر النسخ أولى من احترق اه ومراده أنه أبلغ لا أنه أصح لأن النسخ المصححة متفقة على لفظ احترق ولعله أراد كثر نسخ المصابيح والله أعلم قال ابن الملك وهكذا ذكر عن أحمد بن حنبل فالمعنى أن من علمه الله القرآن لم تحرقه النار يوم القيامة فجعل جسم حافظ القرآن كالإهاب له ويؤيده ما روي في شرح السنة عن أبي أمامة احفظوا القرآن فإن الله لا يعذب بالنار قلبا وعى القرآن روه الدارمي ورواه الطبراني بلفظ لو كان القرآن في إهاب ما أكلته النار وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله من قرأ القرآن فاستظهره أي استظهر حفظه بأن حفظه عن ظهر قلبه أن استظهر طلب المظاهرة وهي المعاونة أو استظهر إذا احتاط في الأمر وبالغ في حفظه والمعنى من حفظ القرآن وقلب منه القوة أو المعاونة في الدين فأحل حلاله وحرم حرامه أو احتاط في حفظ حرمته أو امتثاله وقيل جميع هذه المعاني مرادة هنا بدليل الفاءين وقول ابن حجر أي اعتقدهما مع فعله الأول وتركه للثاني غير صحيح باعتبار تقييده بفعل الأول فتأمل أدخله الله الجنة أي في أول الوهلة وشفعه بالتشديد أي قبل شفاعته وقال ابن الملك أي جعله شفيعا في عشرة من أهل بيته كلهم أي كل العشرة قد وجبت له النار وأفراد الضمير للفظ الكل قال الطيبي فيه رد على من زعم أن الشفاعة إنما تكون في رفع المنزلة دون حط الوزر بناء على ما افتروه أن مرتكب الكبيرة يجب خلوده في النار ولا يمكن العفو عنه والوجوب هنا على سبيل المواعدة رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وفي نسخة صحيحة والدارمي وقال الترمذي هذا حديث غريب وحفص بن سليمان الراوي بإسكان الياء ليس هو بالقوي أي في نفس الأمر ومع هذا يضعف بالتشديد أي ينسب إلى الضعف في الحديث أي في روايته وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لأبي بن كعب كيف تقرأ في الصلاة


فقرأ أي أبي أم القرآن يعني الفاتحة وسميت بها لاحتوائها واشتمالها على ما في في القرآن إجمالا أو المراد بالأم الأصل فهي أصل قواعد القرآن ويدور عليها أحكام الإيمان قال الطيبي فإن قلت كيف طابق هذا جوابا عن السؤال بقوله كيف تقرأ لأنه سؤال عن حالة القراءة لا نفسها قلت يحتمل أن يقدر فقرأ أم القرآن مرتلا ومجودا أو يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام سأل عن حال ما يقرأه في الصلاة أهي سورة جامعة حاوية لمعاني القرآن أم لا فلذلك جاء بأم القرآن وخصها بالذكر أي هي جامعة لمعاني القرآن وأصل لها فقال رسول الله والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان أي في بقية القرآن سورة مثلها وإنها سبع من المثاني يحتمل أن تكون من بيانية أو تبعيضية والقرآن العظيم من إطلاق الكل على الجزء للمبالغة الذي أعطيته أي ولم يعطه نبي غيري رواه الترمذي أي من أوله إلى آخره وروى الدارمي من قوله ما أنزلت ولم يذكر أي الدارمي أبي بن كعب أي قصته الكائنة في صدر الحديث وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله تعلموا القرآن أي لفظه ومعناه قال أبو محمد الجويني تعلم القرآن وتعليمه فرض كفاية لئلا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه تبديل وتحريف قال الزركشي وإذا لم يكن في البلد أو القرية من يتلو القرآن أتموا بأسرهم قال ابن حجر وفيه وقفة إذ المخاطب به جميع الأمة فحيث كان فيهم عدد التواتر ممن يحفظه فلا إثم على أحد نعم يتعين في عدد التواتر المذكور أن يكونوا متفرقين في بلاد الإسلام بحيث لو أراد أحد أن يغير أو يحرف شيئا منعوه اه وظاهر كلام الزركشي أن كل بلد لا بد فيه أن يكون ممن يتلو القرآن في الجملة لأن تعلم بعض القرآن فرض عين على الكل فإذا لم يوجد هناك أحد يقرأ أثموا جميعا وأيضا لا يحصل عدد التواتر إلا بما قاله الزركشي وإلا فكل أهل بلد يقول ليس تعلم القرآن فرضا علينا


فينجر إلى فساد العالم والله أعلم ويدل عليه قول النووي والاشتغال بحفظ ما زاد على الفاتحة أفضل من صلاة التطوع لأنه فرض كفاية وأفتى بعض المتأخرين بأن الاشتغال بحفظه أفضل من بفرض الكفاية من سائر العلوم دون فرض العين منها فاقرؤه أي بعد التعلم وعقيبه وفي نسخة بالواو وأمر بالأكمل وفيه اشارة إلى أن العلم بالتعلم وأنه يجب التجويد وأنه يؤخذ من أفواه المشايخ قال
الطيبي الفاء في قوله فاقرؤه كما في قوله تعالى استغفروا ربكم ثم توبوا إليه هود أي تعلموا القرآن وداوموا تلاوته والعمل بمقتضاه يدل عليه التعليل بقوله فإن مثل القرآن لمن تعلم فقرأ وقام به أي دوام على قراءته أو عمل به كمثل جراب بالكسر والعامة تفتحه قيل لا تفتح الجراب ولا تكسر القنديل وخص الجراب هنا بالذكر احتراما لأنه من أوعية المسك قال الطيبي التقدير فإن ضرب المثل لأجل من تعلمه كضرب المثل للجراب فمثل مبتدأ والمضاف محذوف واللام في لمن تعلم متعل بمحذوف والخبر قوله كمثل على تقدير المضاف أيضا والتشبيه إما مفرد وإما مركب محشو أي مملوء ملأ شديدا بأن حشي به حتى لم يبق فيه متسع لغيره مسكا نصبه على التمييز تفوح ريحه أي تظهر وتصل رائحته كل مكان قال ابن الملك يعني صدر القارىء كجراب والقرآن فيه كالمسك فإنه إذا قرأ وصلت بركته إلى تاليه وسامعيه قلت ولعل إطلاق المكان للمبالغة ونظيره قوله تعالى تدمر كل شيء وأوتينا من كل شيء مع أن التدمير والإيتاء خاص ومثل من تعلمه بالرفع والنصب أي مثل ريح من تعلمه فرقد أي نام عن القيام وغفل عن القراءة أو كناية عن ترك العمل وهو أي القرآن في جوفه أي في قلبه كمثل جراب أو كىء بصيغة المجهول أي ربط على مسك قال الطيبي أي شد بالوكاء وهو الخيط الذي يشد به الأوعية قال المظهر فإن من قرأ يصل بركته منه إلى بيته وإلى السامعين ويحصل استراحة وثواب إلى حيث يصل صوته فهو كجراب مملوء من المسك إذا فتح رأسه تصل رائحته إلى كل مكان


حوله ومن تعلم القرآن ولم يقرأ لم يصل بركته منه لا إلى نفسه ولا إلى غيره فيكون كجراب مشدود رأسه وفيه مسك فلا يصل رائحته منه إلى أحد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وكذا ابن حبان وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من قرأ حم المؤمن بكسر الميم وفتحها وجر المؤمن ونصبه إلى إليه المصير يعني حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير وآية الكرسي والواو لمطلق الجمع فيجوز تقديمها وتأخيرها ويدل على ما قلنا تقديم آية الكرسي في الحصن حين يصبح أي قبل صلاة الصبح أو بعدها وهو ظرف يقرأ حفظ بهما أي بقراءتها وبركتهما حتى يمسي أي يدخل الليل لأن الإمساء ضد الإصباح كما


أن المساء ضد الصباح على ما في القاموس والصحاح ومن قرأ بهما قرأه وبه لغتان حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث غريب ورواه أحمد وابن حبان وعن النعمان بضم النون ابن بشير قال قال رسول الله إن الله كتابا أي أمر ملائكته بكتابة القرآن في اللوح المحفوظ وقيل أي أثبت ذلك فيه أو في غيره من مطالع العلوم الغيبية قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام قال الطيبي كتابة مقادير الخلائق قبل خلقها بخمسين ألف سنة كما ورد لا تنافي كتابة الكتاب المذكور بألفي عام لجواز اختلاف أوقات الكتابة في اللوح ولجواز أن لا يراد به التحديد بل مجرد السبق الدال على الشرف اه ولجواز مغايرة الكتابين وهو الأظهر فتدبر ويدل عليه قوله أنزل منه أي من جملة ما في ذلك الكتاب المذكور وفي أكثر نسخ المصابيح أنزل فيه والرواية منه كذا قاله بعض الشراح قال الطيبي ولعل الخلاصة أن الكوائن كتبت في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام ومن جملتها القرآن ثم خلق الله خلقا من الملائكة وغيرهم فأظهر كتابة القرآن عليهم قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام وخص من ذلك هاتان الآيتان وأنزلهما مختوما بهما أولى الزهراوين وقال الطيبي في نسخ المصابيح أنزل فيه إلا ما أصلح والرواية أنزل منه آيتين هما آمن الرسول إلى آخره ختم بهما سورة البقرة ولا تقرآن في دار ثلاث ليال أي مكان من بيت وغيره فيقربها الشيطان بفتح الراء نصبا ورفعا قال الطيبي لا توجد قراءة يعقيها قربان يعني أن الفاء للتعقيب عطفا على المنفي والنفي سلط على المجموع وقيل يحتمل أن تكون للجمعية أي لا تجتمع القراءة وقرب الشيطان رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث غريب ورواه النسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله من قرأ ثلاث آيات من


أول الكهف عصم من فتنة الدجال وتقدم الكلام عليه ولعل الاقتصار على الثلاث لتضمنها الكتاب المحفوظ من العوج الذي يريده ذلك اللعين ومن تبشير المؤمنين بالأجر الحسن وإنذار الكافرين بالعذاب المؤيد رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وعن أنس قال قال رسول الله إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن أي لبه وخالصه المودع فيه المقصود يس أي سورتها لأن أحوال القيامة مذكورة فيها مستقصاة بحيث لم تكن في سورة سواها مثل ما فيها ولذا خصت بالقراءة على الموتى أو لكون قراءتها تحيي قلوب الأحياء والأموات وتقلبها من الغفلة إلى الطاعات والعبادات وقال ابن الملك أي لو أمكن أن يكون له قلب لكان يس قلبه قلت هذا قلب الكلام ولا يحتاج إليه من كان له قلب وما أطيب ما ذكره الطيبي أنه لإحتوائها مع قصرها على البراهين الساطعة والآيات القاطعة والعلوم المكنونة والمعاني الدقيقة والمواعيد الفائقة والزواجر البالغة اه ويمكن أن يقال لمن لم يدرك الحقائق والمعاني ونظره المحسوس محصور على الألفاظ والمباني أنه سمي قلبا لوقوعه في الجانب الأيسر مع السبع المثاني أو لكون جملة فيها تقرأ طردا وعكسا وهي كل في فلك ولا يلزم الاطراد في وجه التسمية حتى يرد أنها وردت في غيرها أيضا والأحسن ما قال الغزالي أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر والنشر وهو مقرر فيها بأبلغ وجه فكانت قلب القرآن لذلك واستحسنه الفخر الرازي وقال النسفي لأنها ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة الوحدانية والرسالة والحشر وهذه تتعلق بالقلب لا غير وما يتعلق باللسان والأركان مذكور في غيره فلما كان فيها أعمال القلب لا غير سميت قلبا ولهذا أمر عليه الصلاة والسلام بقراءتها عند المحتضر لأنه في ذلك الوقت يكون الجنان ضعيف القوة والأعضاء ساقطة لكن القلب قد أقبل على الله ورجع عما سواه فيقرأ عنده ما يزداد به قوة في قلبه ويشد به تصديقه بالأصول الثلاثة اه وهو غاية المنى وأغرب ابن حجر حيث قال وفيه


كالذي قبله نظر لأن كلا من المعنى الأول والثاني موجود في سورة الإخلاص ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن أي ثوابها عشر مرات أي من غيرها ولله تعالى أن يخص ما شاء من الأشياء بما أراد من مزيد الفضل كليلة القدر من الأزمنة والحرم من الأمكنة رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث غريب قال الطيبي لأن راوية هارون بن محمد لا يعرفه أهل الصناعة من رجال الحديث فهو نكرة لا يتعرف اه وفي الحصن قلب القرآن يس لا يقرأها


رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له اقرؤها على موتاكم رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه وابن حبان كلهم عن معقل بن يسار ورواه أحمد والحاكم وصححه اه وفي حديث مرسل موصول عن علي كرم الله وجهه إن القرآن أفضل من كل شيء دون الله فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن لم يوقر القرآن فقد استخف بحق الله وحرمة القرآن عند الله كحرمة الوالد على ولده القرآن شافع مشفع وما حل مصدق فمن شفع له القرآن شفع ومن محل به القرآن صدق ومن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار وحملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله المكتسون نور الله المتعلمون كلام الله من عاداهم فقد عادى الله ومن والاهم فقد والى الله يا حملة كتاب الله إستجيبوا لله بتوقير كتابه يزدكم حبا ويحببكم إلى خلقه يدفع عن مستمع القرآن سوء الدنيا ويدفع عن تالي القرآن بلوى الآخرة ومستمع آية من كتاب الله خير له من صبر ذهبا وتالي آية من كتاب الله خير له مما تحت أديم السماء وأن في القرآن لسورة عظيمة عند الله يدعي صاحبها الشريف عند الله يشفع صاحبها يوم القيامة في أكثر من ربيعة ومضر وهي سورة يس وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله تعالى قرأ طه ويس أي أظهر قراءتهما وبين ثواب تلاوتهما وقال ابن الملك أي أفهمهما ملائكته وألهمهم معناهما وقال ابن حجر أمر بعضهم بقراءتهما على البقية إعلاما لهما بشرفهما ويحتمل بقاؤه على ظاهره وأنه تعالى أسمعهم كلامه النفسي بهما إجلالا لهما بذلك وهذا الإسماع يسمى قراءة كما أن الكلام النفسي يسمى قرآنا حقيقة وخصتا بذلك لافتتاح كل منهما باسم من أسمائه الدالة على غاية كماله ونهاية إجلاله قبل أن يخلق السموات والأرض بألف عام فلما سمعت الملائكة القرآن ظاهر الحديث أن الملائكة خلقوا قبل خلق السموات والأرض بزمان كثير قيل المراد بالقرآن القراءة ويجوز أن يكون اسما أي هذا الجنس من القرآن وسماه قرآنا تفخيما لشأنهما وقيل


إنه يطلق حقيقة على البعض قالت أي الملائكة التي سمعوهما طوبى أي الحالة الطيبة والراحة الكاملة حاصلة لأمة ينزل بصيغة المجهول أو المعلوم هذا أي القرآن فإنه أقرب مذكور أو ما ذكر من طه ويس خصوصا وهو الظاهر من السياق أو هذا ونحوه عموما عليها بسبب إيمانها بهما وقيل المراد بطوبى شجرة في الجنة في كل بيت من بيوت الجنة منها غصن أقول وهذه طوبى من تلك الطوبى قال تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب الرعد وطوبى لأجواف تحمل هذا أي


بالحفظ والمحافظة وطوبى لألسنة تتكلم بهذا أي تقرؤه غيبا أو نظرا ولعله لم يقل وطوبى لآذان تسمع بهذا لدخوله في أمة نزل عليها رواه الدارمي وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من قرأ حم الدخان تقدم نظيره في ليلة أي ليلة كانت أصبح أي دخل في الصباح أو صار بعد القراءة يستغفر له سبعون ألف ملك قال ابن الملك من حين قراءتها إلى الصبح وفيه نظر وأغرب منه ما قاله ابن حجر أي دائما نعم فضل الله واسع رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعمر بن أبي خثعم الراوي يضعف أي في الحديث وقال محمد أي ابن إسماعيل يعني أي يريد الترمذي بمحمد البخاري والظاهر أنه من كلام المصنف هو أي من عمر بن أبي خثعم منكر الحديث قال العسقلاني في شرح النخبة منكر الحديث أشد جرحا من قولهم ضعيف وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة بضمهما ويسكن الثاني غفر له رواه الترمذي وقال هذا حديث ضعيف وفي نسخة صحيحة غريب ضعيف وفي نسخة بالعكس وفي نسخة ضعيف بدل غريب وفي نسخة بالعكس وهشام أبو المقدام الراوي يضعف وعن العرباض بكسر العين ابن سارية أن النبي كان يقرأ المسبحات بكسر الباء نسبة مجازية وهي السور التي في أوائلها سبحان أو سبح بالماضي أو يسبح أو سبح بالأمر وهي سبعة سبحان الذي أسرى والحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن والأعلى قبل أن يرقد أي ينام يقول استئناف لبيان الحامل له على قراءة تلك السور كل ليلة قبل أن


ينام إن فيهن أي في المسبحات آية أي عظيمة خير أي هي خير من ألف ليلة قيل هي لو أنزلنا هذا القرآن وهذا مثل اسم الله أكبر من بين سائر الأسماء في الفضيلة فعلى هذا فيهن أي في مجموعهن وعن الحافظ ابن كثير أنها هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم اه والأظهر أنها هي الآية التي صدرت بالتسبيح وفيهن بمعنى جميعهن والخيرية لمعنى الصفة التنزيهية الملتزمة للنعوت الإثباتية وقال الطيبي أخفى الآية فيها كإخفاء ليلة القدر في الليالي وإخفاء ساعة الإجابة في يوم الجمعة محافظة على قراءة الكل لئلا تشذ تلك الآية رواه الترمذي وأبو داود أي عن العرباض ورواه الدارمي عن خالد بن معدان بفتح الميم وسكون العين مرسلا فإنه من التابعين قال لقيت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله وكان من ثقات الشاميين كذا ذكره المؤلف وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وقد رواه النسائي مرفوعا عن العرباض وروى موقوفا من قول معاوية بن صالح أحد رواة الحديث وهو الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن والأعلى كذا في الحصن ويؤيد ما قدمناه أنه جاء في رواية أنه كان لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن سورة أي عظيمة في القرآن أي كائنة فيه ونصب صفة لاسم أن ولا يحتاج إلى قول ابن حجر في بمعنى من ثلاثون آية خبر مبتدأ محذوف أي هي ثلاثون والجملة صفة لها أيضا وقوله شفعت بالتخفيف خبران كذا قاله الطيبي والأظهر أن قوله ثلاثون خبر لأن وقوله شفعت خبر ثان وأما قول ابن حجر أو استئناف فهو في غاية من البعد معنى قال في الأزهار شفعت على بناء المجهول مشددا أي قبلت شفاعتها وقيل على الفاعل مخففا وهذا أقرب اه وعليه النسخ المقروأة المصححة والشفاعة للسورة أما على الحقيقة في علم الله وأما على الاستعارة وأما على أنها تتجسم كما مر وفي سوق الكلام على الإبهام ثم التفسير تفخيم للسورة


إذ لو قيل أن سورة تبارك شفعت لم
تكن بهذه المنزلة وقد استدل بهذا الحديث من قال البسملة ليست من السورة وآية تامة منها لأن كونها ثلاثين آية إنما يصح على تقدير كونها آية تامة منها والحال أنها ثلاثون من غير كونها آية تامة منها فهي إما ليست بآية منها كمذهب أبي حنيفة ومالك والأكثرين وإما ليست بآية تامة بل هي جزء من الآية الأولى كرواية في مذهب الشافعي لرجل حتى غفر له متعلق بشفعت وهو يحتمل أن يكون بمعنى المضي في الخبر يعني كان رجل يقرؤها ويعظم قدرها فلما مات شفعت له حتى دفع عنه عذابه ويحتمل أن يكون بمعنى المستقبل أي تشفع لمن يقرؤها في القبر أو يوم القيامة قال الطيبي التنكير في رجل للإفراد شخصا أي شفعت لرجل من الرجال ولو ذهب إلى أن شفعت بمعنى تشفع كما في قوله تعالى ونادى أصحاب الجنة الأعراف و إنا فتحنا لك فتحا الفتح لكان إخبارا عن الغيب وأن رجلا ما يقرؤها تشفع له فيكون تحريضا لكل أحد أن يواظب على قراءتها وهي تبارك الذي بيده الملك أي إلى آخرها رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وقد رواه ابن حبان والحاكم وروى الحاكم عن ابن عباس مرفوعا وددت أنها في قلب كل مؤمن وعن ابن عباس قال ضرب بعض أصحاب النبي خباءه بكسر الخاء المعجمة والمد وبعده ضمير أي خيمته وفي نسخة خبأه على التنكير قال الطيبي الخباء أحد بيوت العرب من وبر أو صوف ولا يكون من شعر ويكون على عمودين أو ثلاثة أي خيمة صغيرة على قبر أي على موضع قبر وهو أي الصحابي لا يحسب بفتح السين وكسرها أي لا يظن أنه قبر أي إن ذلك المكان موضع قبر فإذا للمفاجأة فيه أي في ذلك المكان انسان أي مدفون سمعه في النوم أو اليقظة وهو الأظهر ويحتمل أنه معين وأنه مبهم يقرأ سورة تبارك الذي بيده الملك حتى ختمها قيل يحتمل أن يكون الإنسان هو الرجل المذكور في الحديث السابق فإن تقدم هذا على ذلك كان إخبارا عن الماضي وإلا كان إخبارا بالغيب ذكره الطيبي وفيه نظر


قال ابن الملك فيه دليل على أن بعض الأموات يصدر منه ما يصدر عن الأحياء فأتى النبي أي صاحب الخيمة فأخبره أي بما سمعه فقال النبي هي أي سورة الملك المانعة أي تمنع من عذاب القبر أو من المعاصي
التي توجب عذاب القبر أو المانعة لقارئها عن أن يناله مكروه في الموقف منعا كاملا هي المنجية تنجيه من عذاب الله أي من عذاب النار أو الثانية مؤكدة للأولى والعذاب مطلق أو مقيد بالقبر ويدل عليه رواية هي المانعة هي المنجية من عذاب القبر أو الثانية مفسرة ومن ثمة عقبه بقوله تنجيه ثم الجملتان مبينتان للشفاعة في الحديث السابق رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن جابر أن النبي كان لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل بالرفع على الحكاية وفي نسخة بالنصب بتقدير أعني ويحتمل أن يكون مضافا إليه وتبارك الذي بيده الملك قال الطيبي حتى غاية لا ينام ويحتمل أن يكون المعنى إذا دخل وقت النوم لا ينام حتى يقرأهما وأن يكون لا ينام مطلقا حتى يقرأهما والمعنى لم يكن من عادته النوم قبل القراءة فتقع القراءة قبل دخول وقت النوم أي وقت كان ولو قيل كان النبي يقرؤهما بالليل لم يفد هذه الفائدة اه والفائدة هي إفادة القبلية ولا يشك أن الاحتمال الثاني أظهر لعدم احتياجه إلى تقدير يفضي إلى تضييق ومن أغرب الغرائب أن ابن حجر قال قوله لا ينام أي لا يريد النوم إذا دخل وقته ليفيد ما قرره الأئمة أنه يسن قراءة هاتين السورتين مع سورة أخرى كل ليلة قبل النوم ويؤيده حديث النسائي في الثانية أن من قرأها كل ليلة منعه الله بها من عذاب القبر فما وقع لشارح هنا مما يقتضي خلاف ذلك وهو قوله أو كان من عادته لا ينام قبل القراءة بل كان يقرؤهما وإن كان قبل دخول وقت النوم غفلة عما ذكره الأئمة مما ذكرته اه وهو محمول على أنه ما فهم كلام الطيبي أو كلام الأئمة وإلا فلا منافاة بين كلامه وكلامهم عند ذوي الأفهام مع غرابة عبارته من أنه لا يريد المنام رواه أحمد والترمذي


والدارمي وقال الترمذي هذا حديث صحيح وكذا أي هو في شرح السنة وفي المصابيح غريب أي هو غريب قال الطيبي هذا لا ينافي كونه صحيحا لأن الغريب قد يكون صحيحا اه ورواه النسائي وابن شيبة في مصنفه والحاكم في مستدركه كلهم عن جابر
وعن ابن عباس وأنس بن مالك قالا قال رسول الله إذا زلزلت تعدل نصف القرآن وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن قال الطيبي المقصود من القرآن بيان المبدأ والمعاد وإذا زلزلت مشتملة على ذكر المعاد فقط مستقلة ببيان أحواله إجمالا وفي بعض الروايات أنها تعدل ربع القرآن وبيانه أن القرآن يشتمل على تقرير التوحيد والنبوات وبيان أحكام المعاش وأحوال المعاد وهذه السورة مشتملة على الأخير وقل يا أيها الكافرون الكافرون محتوية على الأول لأن البراءة عن الشرك اثبات للتوحيد فيكون كل واحدة منهما ربع القرآن وإنما لم يحمل على التسوية لئلا يلزم فضل إذا زلزلت على سورة الإخلاص اه وفيه أن التسوية في سورة الإخلاص ليست بحقيقة فلا بد فيها أيضا من التأويل ثم قيل هذه توجيهات بمبلغ علمنا وفهمنا فلا تخلو عن قصور واحتمال وأما الحقيقة فإنما تتلقى من النبي وأنه الذي ينتهي إليه في معرفة حقائق الأشياء والكشف عن خفيات العلوم رواه الترمذي أما الفقرة الأولى فهي رواية الترمذي والحاكم عن ابن عباس وقد روى الترمذي عن أنس بلفظ ربع القرآن وأما الفقرة الثانية فهي رواية الترمذي والحاكم عن ابن عباس أيضا وأما الفقرة الثالثة فهي رواية البخاري وأبي داود والترمذي والحاكم كلهم عن أبي سعيد الخدري وعن معقل بن يسار عن النبي قال من قال حين يصبح أي يدخل في الصباح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع أي بمقالي العليم بحالي من الشيطان الرجيم أي من إغوائه والتكرار للإلحاح في الدعاء فإنه خبر لفظا دعاء معنى أو التثليث لمناسبة الآيات الثلاث حتى لا يمنع القارىء عن قراءتها والتدبر في معانيها والتخلق بأخلاق ما


فيها فقرأ أي بعد التعوذ المذكور وبه يندفع أخذ الظاهرية بظاهر قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله النحل قال الطيبي هذه الفاء مقابلة لما في قوله تعالى فاستعذ بالله لأن الآية توجب تقديم القراءة على الاستعاذة ظاهرا والحديث بخلافه فاقتضى ذلك أن يقال فإذا أردت
القراءة فاستعذ ولا يحسن هذا التأويل في الحديث ثلاث آيات من آخر سورة الحشر أي من قوله هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب الحشر إلى آخر السورة فإنها مشتملة على الاسم الأعظم عند كثيرين وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه أي يدعون له بتوفيق الخير ودفع الشر أو يستغفرون لذنوبه حتى يمسي وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا أي حكميا ومن قالها أي الكلمات المذكورة وأغرب ابن حجر فقال أي القصة المذكورة حين يمسي كان بتلك المنزلة أي بالمرتبة المسطورة والظاهر أن هذا نقل بالمعنى إقتصارا من بعض الرواة ثم اعلم أن الصبح على ما في القاموس وغيره من كتب اللغة الفجر أو أول النهار وفيه إشارة إلى أن الأول اطلاق الشرع والثاني عرف المنجمين ثم قال والمساء والإمساء ضد الصباح والاصباح وأغرب ابن حجر حيث قال الظاهر أن المراد بالصباح فيه أوائل النهار عرفا بالمساء أوائل الليل عرفا وكذا يقال في كل ذكر أنيط بالصباح أو بالمساء وليس المراد هنا اللغوي إذ الصباح لغة من نصف الليل إلى الزوال والمساء من الزوال إلى نصف الليل كما قاله ثعلب ومن تبعه اه وهو بتقدير صحته عن بعض اللغويين يكون شاذا فلا معنى للعدول عن قول الجمهور إلى قول ثعلب وجعله على الإطلاق لغة ثم لا معنى للعدول عن العرف الشرعي المطابق للغة إلى عرف العامة سيما في الآية والحديث من غير صارف عن الأول وباعث على الثاني رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن أنس عن النبي قال من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد أي إلى آخره أو هذه السورة محي عنه أي عن كتاب أعماله ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون


عليه دين أي على وجه يتعلق به ذنب يكون حقا من حقوق العباد كمطل في الحياة وعدم وصية في الممات هذا ما سنح لي وهو كما روى مسلم يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين وقال الطيبي جعل الدين من جنس الذنوب تهويلا لأمره وتبعه ابن حجر مع أنه قيد الذنوب بالصغائر المتعلقة بالله رواه الترمذي والدارمي وفي روايته أي الدارمي وفي نسخة وفي رواية للدارمي خمسين مرة أي بدل مائتي مرة وهي أظهر في المناسبة بين العمل والثواب المترتب عليه ووجه الرواية الأولى مفوض إليه ولم يذكر أي الدارمي في هذه الرواية


إلا أن يكون عليه دين لما تقرر أن حقوق العباد مما لا مسامحة فيه وأما قول ابن حجر الدين ولو لله تعالى كزكاة وكفارة فلا يمحى بذلك لأن فيه شائبة قوية للآدمي لأنه الذي يصرف إليه فلم يمحه ذلك فمدفوع بأنه إن كان المراد بالدين دين العباد فلا يصح إطلاقه عليه وإن كان المراد به دين الله فمن أين الجزم باستثناء هذا النوع منه وعنه أي عن أنس عن النبي من أراد وفي نسخة وهو الظاهر قال من أراد أن ينام على فراشه فنام عطف على أراد والفاء للتعقيب على يمينه أي على وجه السنة ثم قرأ مائة مرة ثم للتراخي الرتبي قل هو الله أحد إذا كان يوم القيامة يقول له الرب الشرط مع جزائه الذي هو يقول جزاء للشرط الأول الذي هو من ولم يعمل الشرط الثاني في جزائه أعني يقول لأن الشرط ماض فلم يعمل فيه إذا فلا يعمل في الجزاء يا عبدي أي المخصوص بالمبالغة في توحيدي أدخل على يمينك حال من فاعل أدخل فطابق هذا قوله فنام على يمينه يعني أنت إذا أطعت رسولي واضطجعت على يمينك وقرأت السورة التي فيها صفاتي فأنت اليوم من أصحاب اليمين فادخل من جهة يمينك الجنة وفي الحديث إشارة إلى أن بساتين الجنة وقصورها التي في جانب اليمين أفضل من التي في جانب اليسار وإن كانت تانك الجهتان يمينا وفيه إيماء إلى أن أهل الجنة أصناف ثلاثة مقربون وهم أصحاب عليين وأبرار وهم أصحاب اليمين وعصاة مغفورون أو مشفعون أو مطهرون وهم أصحاب اليسار ويقتبس هذا من قوله تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها فاطر أي العباد المصطفون من الأنواع الثلاثة والله تعالى أعلم قال ابن الملك هذا مكافأة لطاعته للرسول في الاضطجاع على اليمين وقراءة السورة التي فيها صفاته تعالى فيجعل من أصحاب اليمين في دخول الجنة من الجانب الأيمن رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب قال العلماء وينبغي


لمن بلغه في فضائل الأعمال شيء أن يعمل به ولو مرة وإن كان الحديث ضعيفا لأنه يعمل به في ذلك اتفاقا وعن أبي هريرة أن النبي سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال وجبت أي
له فقلت وما وجبت أي وما معنى قولك جزاء لقراءته وجبت أو ما فاعل وجبت قال الجنة أي بمقتضى وعد الله وفضله الذي لا يخلفه كما قال تعالى إن الله لا يخلف الميعاد الرعد رواه مالك والترمذي والنسائي وعن فروة بن نوفل عن أبيه في التقريب فروة بن نوفل الأشجعي مختلف في صحبته والصواب أن الصحبة لأبيه وهو من الثالثة أنه قال يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أويت بالقصر ويمد أي هويت إلى فراشي فقال إقرأ قل يا أيها الكافرون أي إلى آخره وفي بعض الروايات ثم نم على خاتمتها فإنها أي هذه السورة براءة من الشرك أي ومفيدة للتوحيد رواه الترمذي وأبو داود والدارمي وقد رواه النسائي وابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة وعن عقبة بن عامر قال بينا أنا أسير مع رسول الله بين الجحفة وهي ميقات أهل الشام قديما وأهل مصر والمغرب وتسمى في هذا الزمان رابغ سميت بذلك لأن السيول أجحفتها وهي التي دعا النبي بنقل حمى المدينة إليها فانتقلت إليها وكان لا يمر بها طائر إلا حم ولانبهام موضعها الآن أو قلة مائها وكثرة الخوف للجائي إليها استبدل الناس الاحرام من رابع محل مشهور قبيلها لأمنه وكثرة مائه والأبواء بفتح الهمزة وسكون الباء والمد جبل بين مكة والمدينة وقيل قرية من أعمال الفرع وبه توفيت أم النبي سميت لها لتبوىء السيول بها بينها وبين الجحفة عشرون أو ثلاثون ميلا إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة فجعل أي طفق وشرع رسول الله يتعوذ أعوذ برب الفلق أي الخلق أو بئر في قعر جهنم وأعوذ برب الناس أي بهاتين السورتين المشتملتين على ذلك ويقول الظاهر وقال وعدل إلى الاستقبال لاستحضار الحال الماضية أو المشاكلة ما عطف عليه مع أنه يحتمل


وقوع التكرار منه عليه الصلاة والسلام حثالة وتحريضا وأبعد ابن حجر حيث جعل الواو للحال فقال أي والحال أنه كلما فرغ من قراءتهما يقول يا عقبة تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما أي بل هما أفضل التعاويذ ومن ثم لما سحر عليه الصلاة والسلام مكث مسحورا سنة حتى أنزل الله عليه ملكين يعلمانه أنه يتعوذ بهما فعل فزال ما كان يجده من السحر رواه أبو داود وعن عبد الله بن خبيب قال خرجنا في ليلة مطر وظلمة أي وفي ظلمة شديدة نطلب رسول الله أي لعجلته في سيره الذي هو ذاهب إليه فأدركناه فقال قل أي اقرأ قلت ما أقول أي ما أقرأ قال قل هو الله أحد محل قل هو الله أحد نصب باقرأ مقدرا وقوله والمعوذتين بكسر الواو وتفتح عطف عليه حين تصبح وحين تمسي ثلاث مرات تكفيك بالتأنيث أي السور الثلاث وبالتذكير أي ما ذكر من القراءة أو الله تعالى من كل شيء قال الطيبي أي تدفع عنك كل سوء فمن زائدة في الاثبات على مذهب جماعة وعلى مذهب الجمهور أيضا لأن يكفيك متضمنة للنفي كما يعلم من تفسيرها بتدفع ويصح أن تكون لابتداء الغاية أي تدفع عنك من أول مراتب السوء إلى آخرها أو تبعيضية أي بعض كل نوع من أنواع السوء ويحتمل أن يكون المعنى تغنيك عما سواها وينصر المعنى الثاني ما في الحديث الأول وهو حديث عقبة لقوله فما تعوذ متعوذ بمثلهما وقد تصحف على ابن حجر قوله الأول بالآتي فقال فيه نظر لأن الآتي في قل أعوذ برب الفلق وحدها والفضائل لا قياس فيها فالوجه ما سأذكره ثمة فتأمل فإن قوله صدر عن غير تأمل رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وعن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله اقرأ بحذف همزة الاستفهام أي أأقرأ أو يحتمل أن يقرأ المرسوم بالمد فيفيد الاستفهام من غير حذف سورة هود بالصرف


وغيره أو سورة يوسف أي اقرأ أحداهما لدفع السوء عني قال لن تقرأ شيئا أبلغ أي أتم في باب التعوذ لدفع السوء وغيره عند الله أي في سور كلامه أو في حكمه بمقتضى قضائه وقدره من قل أعوذ برب الفلق أي من هذه السورة وقال الطيبي أي من هاتين السورتين على طريقة قوله تعوذ بهما الخ وقال ابن الملك والمراد التحريض على التعوذ بهاتين السورتين اه وكأنهما أرادا أن الحديث من باب الاكتفاء بإحدى القرينتين عن الأخرى وليتفق الحديثان ويطابقا ما في حديث مسلم في المعوذتين لم ير مثلهن وحينئذ يستغني عما ذكره ابن حجر من التكلفات الزائدة والتعسفات الباردة وجعل ما ذكرناه بعيدا رواه أحمد والنسائي والدارمي
الفصل الثالث


عن أبي هريرة قال قال رسول الله أعربوا أي أيها العلماء القرآن أي بينوا ما في القرآن من غرائب اللغة وبدائع الإعراب ولم يرد بقوله واتبعوا غرائبه أي غرائب اللغة فيه لئلا يلزم التكرار ولهذا فسره بقوله وغرائبه وفرائضه وحدوده والمراد بالفرائض المأمورات وبالحدود المنهيات أو الفرائض الميراثية والأحكام الشرعية أو مطلق الفرائض القرآنية وما يطلع عليه من الحدود أعني الدقائق والرموز العرفاثية وحاصل المعنى بينوا ما دلت عليه آياته من غرائب الأحكام وبدائع الحكم وخوارق المعجزات ومحاسن الآداب والأخلاق وأماكن المواعظ من الوعد والوعيد وما يترب عليه من الترغيب والترهيب وأوضحوا ذلك كله للمتعلمين ليعلموا به ويبلغوا سوابق الخيرات وسوابغ الكرامات بسببه أو بينوا اعراب مشكل ألفاظه وعباراته ومحامل مجملاته ومكنون اشاراته وما يرتبط بتلك الاعرابات من المعاني المختلفة باختلافها لأن المعنى تبع للأعراب كما قيل أيضا لكن باعتبارين فلا تناقض بين القولين وقد قال الحسن البصري لمن سأله عمن يتعلم علم العربية ليقيم بها قراءته حسن ذلك يا ابن أخي فتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية فيعي وجهها فيهلك فيها وأول واجب على معرب القرآن أن يفهم معنى ما يريد إعرابه على ما هو المراد من الآية بحسب ما


قاله أئمة التفسير فيها فإن الإعراب فرع المعنى ولهذا امتنع إعراب أوائل السور المتشابهة التي استأثر الله بعلمها على القول الأشهر مما عليه الأكثر قال ابن هشام وقد زلت أقدام كثير من المعربين راعوا ظاهر اللفظ دون المعنى المراد وأورد في كتابه المغنى أمثلة كثيرة من جملتها من جعل قيما صفة عوجا في أول الكهف وترحم على حفص حيث اختار السكت على عوجا دفعا لفهم العوج وعن عائشة أن النبي قال قراءة القرآن في الصلاة لكونها منضمة إلى عبادة أخرى أو لكونها فيها بالأدب أقرب وبالحضور أحرى أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة لطرو الاشغال المانعة غالبا وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح والتكبير أي وأمثالهما من سائر الأذكار والدعوات لكون القرآن كلامه وفيه حكمه وأحكامه والتسبيح أي ونحوه أفضل من الصدقة أي من الصدقة المجردة عن الذكر لأن المقصود من جميع العبادات والخيرات ذكر الله والصدقة أفضل من الصوم أي النفل لأنها نفع متعد وهو قاصر ولذا قيل إنما يفيد الصوم إذا تصدق بغذائه وإلا فلا فائدة في أن يمسك عن نفسه ثم يأكله وحده وقال الطيبي قيل ما تقدم من أن كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم الحديث يدل على أن الصوم أفضل ووجه الجمع أنه إذا نظر إلى نفس العبادة كانت الصلاة أفضل من الصدقة والصدقة أفضل من الصوم وإذا نظر إلى كل منها وما يؤل إليها من الخاصة التي لم يشاركها غيره فيها كان الصوم أفضل والصوم جنة أي وقاية من النار أي مما يجر إليها في الدنيا ومن عذاب الله في العقبى وإذا كان هذا من فوائد الصوم المفضول فما بالك بالصدقة التي هي أفضل منه وعن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي عن جده قال قال رسول الله قراءة الرجل القرآن في غير المصحف أي من حفظه ألف درجة أي ذات ألف درجة أو ثوابها ألف درجة في كل درجة حسنات قال الطيبي ألف درجة خبر لقوله قراءة الرجل على تقدير مضاف أي ذات ألف


درجة ليصح الحمل كما في قوله تعالى هم درجات آل عمران
أي ذوو درجات وأغرب ابن حجر وجعل القراءة عن تلك الألف مجازا كرجل عدل فتأمل وقراءته في المصحف يضعف بالتذكير والتأنيث مشدد العين أي يزاد على ذلك أي ما ذكر من القراءة في غير المصحف إلى ألفي درجة قال الطيبي لحظ النظر في المصحف وحمله ومسه وتمكنه من التفكر فيه واستنباط معانيه اه يعني أنها من هذه الحيثيات أفضل وإلا فقد سبق أن الماهر في القرآن مع السفرة البررة وربما تجب القراءة غيبا على الحافظ حفظا لمحفوظه قال ابن حجر إلى غاية لإنتهاء التضعيف ألقى درجة لأنه ضم إلى عبادة القراءة عبادة النظر في المصحف أي وما يترتب عليها فلإشتمال هذه على عبادتين فيهما ألفان ومن هذا أخذ جمع بأن القراءة نظرا في المصحف أفضل مطلقا وقال آخرون بل غيبا أفضل مطلقا ولعله عملا بفعله عليه الصلاة والسلام والحق التوسط فإن زاد خشوعه وتدبره وإخلاصه في أحدهما فهو الأفضل وإلا فالنظر لأنه يحمل على التدبر والتأمل في المقروءة أكثر من القراءة بالغيب وعن ابن عمر قال قال رسول الله إن هذه القلوب أي التي هي مرايا لمطالعة علام الغيوب ومشاهدة الأحوال والعيوب وقال ابن حجر أي هذه القلوب المعلوم أنها في غاية الرفعة تارة والخسة أخرى لأنها لا بد أنها بمنزلة السلاطين فإذا صلحت صلحت وإذا فسدت فسدت تصدأ بالهمز أي يعرض لها دنس بتراكم الغفلات وتزاحم الشهوات كما يصدأ الحديد أي يتوسخ إذا أصابه الماء أي استعماله المشبه باشتغال القلوب بارتكاب الذنوب والغفلة عن ذكر المحبوب وفكر المطلوب وهو الران المذكور في القرآن قيل يا رسول الله وما جلاؤها بكسر الجيم أي آلة جلاء صدأ القلوب من وسخ العيوب المانع من مقابلة المحبوب ومطالعة المحبوب ففي الحديث المشهور المؤمن مرآة المؤمن قال كثرة ذكر الموت وهو الواعظ الصامت ويوافقه الحديث المشهور أكثروا ذكر هادم اللذات بالمهملة والمعجمة أي قاطعها أو مزيلها من


أصلها وفسر قوله تعالى أيكم أحسن عملا بأكثر ذكرا للموت وتلاوة القرآن بالرفع ويجوز جره وهو الواعظ الناطق فهما بلسان الحال وبيان القال يبردان عن قلوب الرجال أوساخ محبة الغير من الجاه والمال روى البيهقي الأحاديث الأربعة أي المتقدمة في شعب الإيمان
وعن أيفع بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح الفاء ابن عبد بالتنوين الكلاعي بفتح الكاف كما في جامع الأصول وفي بعض نسخ المشكاة بالضم كما قال الطيبي وفي جامع الأصول أيفع بن ناكور من اليمن المعروف بذي الكلاع بفتح الكاف ناكور بالنون وضم الكاف كان رئيسا في قومه أسلم فكتب إليه النبي في التعاون على قتل الأسود العنسي وهاجر إلى النبي فمات النبي قبل أن يصل إليه ذو الكلاع فليس له صحبة قال ابن عبد البر لا أعلم له رواية إلا عن عمرو بن عوف بن مالك قال قال رجل يا رسول الله أي سورة القرآن وفي نسخة أي سورة من القرآن أعظم أي في شأن التوحيد فلا ينافي ما مر في الفاتحة أنها أفضل سورة القرآن وفي آخرى أعظم سورة ولا يحتاج إلى ما قال ابن حجر من أن حديث الفاتحة طرقه كلها صحيحة بخلاف هذا الحديث وقيل إنها أعظم بعد الفاتحة قال قل هو الله أحد قال فأي آية أي في القرآن كما في نسخة صحيحة أعظم أي في بيان صفاته تعالى قال آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم أي إلى آخرها قال فأي آية يا رسول الله وفي نسخة يا نبي الله تحب أن تصيبك أو أمتك ثوابها أو فائدتها لا نزولها بدليل قوله لم تترك خيرا إلى آخره قال خاتمة سورة البقرة أي من آمن الرسول أي هي التي أحب أن تنالني وأمتي فائدتها قبل بقية القرآن فإنها أي نتائجها أنزلت من خزائن رحمة الله من تحت عرشه خبر بعد خبر أي نزولها من تحت عرشه أو التقدير من خزائن رحمة الله الكائنة أو كائنة من تحت عرشه وهذا بحسب الإعراب وأما معناه فأنا على حقيقة إدراكه في حجاب أعطاها أي نفس الآية أو ما فيها من مراتب الإجابة هذه الأمة أي بخصوصها تشريفا


لكاشف الغمة لم تترك خيرا من خير الدنيا والآخرة إلا اشتملت أي تلك الخاتمة عليه أي على ذلك الخير عبارة وإشارة رواه الدارمي وعن عبد الملك بن عمير بالتصغير مرسلا قال الطيبي هو من مشاهير التابعين كان على قضاء الكوفة بعد الشعبي قال قال رسول الله في فاتحة
الكتاب أي في آيتها وكلماتها وحروفها قراءة وكتابة للتعليق وللحسن شفاء من كل داء ديني أو دنيوي حسي أو معنوي قال الطيبي يتناول داء الجهل والكفر والمعاصي والأمراض البدنية رواه الدارمي والبيهقي في شعب الإيمان أي موقوفا لكنه مرفوع حكما ولفظ البيهقي فاتحة الكتاب إلخ على ما في الجامع الصغير وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال من قرأ آخر آل عمران أي من قوله تعالى إن في خلق السموات والأرض البقرة إلى آخر السورة في ليلة أي أولها أو آخرها وقد ثبت قراءته عليه الصلاة والسلام أول ما استيقظ من نومه من الليل كتب له قيام ليلة أي كتب من القائمين بالليل وعن مكحول تابعي مشهور قيل موقوف أيضا إذا لم يكن من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع قال من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلت عليه الملائكة أي دعت له واستغفرت إلى الليل رواهما أي الحديثين الدارمي وعن جبير بن نفير أي الخضرمي أدرك الجاهلية والإسلام وهو من ثقات الشاميين ونفير بضم النون وفتح الفاء وسكون الياء وبالراء ذكره المؤلف في أسماء الرجال في التابعين وكذا ضبطه المغنى فما وقع في بعض النسخ باللام بدل الراء فمن تصحيف الناسخ أن رسول الله قال إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطيتهما من كنزه أي المعنوي الذي تحت العرش فتعلموهن أي كلماتهما وقال ابن حجر ولم يثن الضمير لئلا يتوهم أن المراد مجموعهما فلما عدل عن التثنية إلى الجمعية علم أن المراد جميعهما لا مجموعهما وهذا


نظير هذان خصمان اختصموا الحج و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الحجرات اه وفي دعوى مراده معنى وتنظيره لفظا نظر لا يخفى وعلموهن نساءكم ولعل تخصيصهن لكونهن أولى بتعليمهن من غيرهن لا لأن غيرهن لا يعلمهن فإنها أي كلماتهما أو كل واحدة من الآيتين صلاة أي استغفار أو ما يصلي بها وهو الأظهر لأن الاستغفار دعاء فيتكرر وقربان بضم القاف وفي نسخة بالكسر أي ما يتقرب به إلى الله تعالى بما فيها من الأذكار والتضرع والاستظهار ودعاء أما بلسان الحال وأما ببيان المقال كقوله تعالى لا تؤاخذنا البقرة إلخ قال الطيبي الضمير في أنها راجع إلى معنى الجماعة من الكلمات والحروف في قوله بآيتين على طريقة قوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الحجرات ولم يرد بالصلاة الأركان لأنها غيرها ولا الدعاء للتكرار بل أراد الاستغفار نحو غفرانك واغفر لنا وإما القربان فإما إلى الله كقوله وإليك المصير البقرة وإما إلى الرسول كقوله آمن الرسول البقرة رواه الدارمي مرسلا أي لحذف الصحابي ورواه الحاكم عن أبي ذر مرفوعا وفي روايته قرآن بدل قربان أي فإن جملة الآيتين يصلي بهما ويتلي قرآنا ويدعي بهما وزاد قوله وأبناءكم بعد قوله نساءكم وعن كعب أن رسول الله قال اقرؤوا سورة هود يصرف ولا يصرف يوم الجمعة بضم الميم ويسكن رواه الدارمي والحديث مرسل وهو حجة عند الجمهور وعند الكل يعمل به في الفضائل وعن أبي سعيد أن رسول الله قال من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له النور أي في قلبه أو قبره أو يوم حشره في الجمع الأكبر ما بين الجمعتين أي مقدار الجمعة التي بعدها من الزمان وهكذا كل جمعة تلا فيها هذه السورة من القرآن قال الطيبي أضاء ما لازم وبين الجمعتين ظرف فيكون إشراق ضوء النور فيما بين الجمعتين بمنزلة إشراق النور نفسه مبالغة وأما متعد فيكون ما بين مفعولا به وبهما أعرب قوله تعالى فلما أضاءت ما حوله البقرة اه وفي الأخير نظر بحسب المعنى


الحديثي رواه البيهقي
في الدعوات الكبير وقد رواه الحاكم عن أبي سعيد مرفوعا وروى الدارمي من قوله موقوفا من قرأها ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق وروى النسائي والحاكم كلاهما من حديث أبي سعيد واللفظ للنسائي وقال رفعه خطأ والصواب أنه موقوف من قرأها كما أنزلت كانت له نورا من مقامه إلى مكة ومن قرأ العشر آيات من آخرها فخرج الدجال لم يسلط عليه وروى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد واختلف أيضا في رفعه ووقفه من قرأ سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة ومن قرأ بعشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره وروى البزار وغيره مرفوعا من قرأ سورة الكهف عند مضجعه وكان له نورا يتلألأ إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه وإن كان مضجعه بمكة كان له نورا يتلألأ في مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ وفي المدارك بلفظ من قرأ قل إنما أنا بشر مثلكم الكهف الخ عند مضجعه وذكر نحوه قلت وفي هذا الحديث إشارة لطيفة وبشارة شريفة إلى أن كل ما يكون القارىء أقرب إلى مكة فبقدر ما ينقص من المسافة السفلية لإمتلاء النور يزاد له من المسافة العلوية ومن كان بمكة ليس له إلا الترقي العلوي الزائد حسا وشرفا فإن ما بين السماء والأرض مسافة خمسمائة عام وكذا ما بين كل سماء وسماء وكذا غلظ كل سماء والبيت المعمور في السماء السابعة على ما ذكره البغوي في المعالم وعن خالد بن معدان تقدم أنه تابعي قال اقرؤوا أي في أول الليل كما يشعر به آخر الحديث المنجية أي من عذاب القبر وعقاب الحشر وهي ألم تنزيل فإنه أي الشأن بلغني أي عن الصحابة فإنه لقي سبعين منهم فيكون في حكم المرفوع على قول وهو حجة في الجملة عند الجمهور ويعمل به في فضائل الأعمال عند الكل ووهم ابن حجر فظن أن خالد بن معدان من الصحابة وليس كذلك ومع هذا اعترض على الطيبي في كلامه الآتي أن رجلا أي من هذه الأمة قال الطيبي قوله قال يشعر


بأن الحديث موقوف عليه فقوله اقرؤوا يحتمل أن يكون من كلام الرسول وقوله فإنه بلغني أن رجلا إلخ إخباره منه كما أخبر في قوله أن سورة في القرآن شفعت لرجل وأن يكون من كلام الراوي كان يقرؤها أي يجعلها وردا له ما يقرأ شيئا غيرها أي لم يجعل لنفسه وردا غيرها وقال ابن حجر يحتمل أن يكون المراد أنه لم يحفظ مما عدا الفاتحة غيرها ولا يخفى أنه بعيد جدا وكان كثير الخطايا فنشرت أي بعد ما تصورت السورة أو ثوابها على صورة طير جناحها عليه أي لتظله أو جناح رحمتها على


الرجل القارىء حماية له قالت بلسان القال أو ببيان الحال وهو بدل بعض أو اشتمال من نشرت لأن النشر مشتمل على الشفاعة الحاصلة بقولها رب اغفر له فإنه كان يكثر قراءتي فشفعها بالتشديد أي قبل شفاعتها الرب تعالى فيه أي في حقه وقال أي الرب اكتبوا له بكل خطيئة أي بدلها حسنة أي فضلا وإحسانا وكرما وامتنانا وقال الطيبي لقوله تعالى أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات الفرقان وفيه أن أولئك هم التائبون لقوله تعالى إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله الفرقان الآية وارفعوا له درجة وقال أي خالد أيضا أي مثل قوله الأول موقوفا أنها أي السورة ألم تنزيل تجادل عن صاحبها أي من يكثر قراءتها في القبر أي الشفاعة في تسديد سؤاله وتخفيف عذابه أو رفعه أو توسيع قبره وتنويره ونحو ذلك تقول بيان المجادلة وهذه المجادلة ونشر الجناح على قارئها كالمحاجة والتظليل المذكورين في الزهراوين اللهم إن كنت أي إذ كنت من كتابك أي القرآن المكتوب في اللوح المحفوظ فشفعني بالتشديد أي فاقبل شفاعتي فيه أي في حقه وإن لم أكن في كتابك أي على الفرض والتقدير فامحني بضم الحاء وعنه أي عن كتابك أو عن صدره فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب قال ابن حجر ونظير ذلك تدلل بعض خواص الملك عليه بقوله إن كنت عبدك فشفعني في كذا وإلا فبعني وقال الطيبي هو كما يقول الأب لابنه الذي لم يراع حقه إن كنت له أبا فراع حقي وإن لم أكن لك أبا فلن تراعي حقي اه ومراده أن المراعاة لازمة واقعة ألبتة فلا ترديد في الحقيقة ولما كانت مراعاة حق الأب ألزم من مراعاة الابن لم يقل كما يقول الإبن لأبيه مع أنه كان أطهر في المناسبة وأبين في المشابهة وبهذا يتبين لك أن تنظير الطيبي أحسن وأبلغ مما نظره ابن حجر ثم ينجح وقال في تنظيره هذا أولى مما نظر به شارح كما يعرف بالتأمل فتأمل وأنها أي وقال خالد إنها تكون أي في القبر كالطير أي كما أنها في الموقف كذلك الذي مر أولا


ولعل تقديمه لتعظيمه تجعل جناحها عليه حماية له وقول ابن حجر هنا لتظله في غير محله لأن مقامه في الموقف في الجملة فتشفع له فتمنعه من عذاب القبر وقال أي خالد في تبارك أي في فضيلة سورته مثله أي مثل ما قال في سورة السجدة وكان خالد لا يبيت أي لا يرقد حتى يقرأهما وقال طاوس وهو من أكابر التابعين فضلتا بالتشديد أي السجدة والملك على كل سورة في القرآن بستين حسنة وهو لا ينافي الخبر الصحيح أن البقرة أفضل سور القرآن بعد الفاتحة إذ قد يكون في المفضول مزية لا توجد في الفاضل أوله خصوصية بزمان أو حال كما لا يخفى على أرباب الكمال أما ترى أن قراءة سبح و الكافرون و


الإخلاص في الوتر أفضل من غيرها وكذا سورة السجدة والدهر بخصوص فجر الجمعة أفضل من غيرهما فلا يحتاج في الجواب إلى ما قاله ابن حجر أن ذاك حديث صحيح وهذا ليس كذلك رواه الدارمي أي موقوفا ولكنه في حكم المرفوع المرسل فإن مثله لا يقال من قبل الرأي وعن عطاء بن أبي رباح بفتح الراء قال المؤلف كان جعد الشعر أسود أفطس أشل أعور ثم عمي وكان من أجل الفقهاء تابعي مكي قال الأوزاعي مات يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس وقال أحمد بن حنبل العلم خزائن يقسمه الله لمن أحب لو كان يخص بالعلم أحدا لكان بنسب النبي أولى كان عطاء بن أبي رباح حبشيا قال بلغني أن رسول الله قال من قرأ يس بالسكون وقيل بالفتح في صدر النهار أي أوله قضيت حوائجه أي دينية ودنيوية أو آخرة أو مطلقا وهو الأظهر رواه الدارمي مرسلا وعن معقل بن يسار المزني قال المؤلف هو ممن بايع تحت الشجرة المزني بضم الميم وفتح الزاي نسبة إلى قبيلة مزينة أن النبي قال من قرأ يس ابتغاء وجه الله تعالى أي طلبا لرضاه لا غرضا سواه غفر له ما تقدم من ذنبه أي الصغائر وكذا الكبائر إن شاء الله فأقرؤها عند موتاكم أي مشرفي الموت أو عند قبور أمواتكم فإنهم أحوج إلى المغفرة وقال الطيبي الفاء جواب شرط محذوف أي إذا كانت قراءة يس بالإخلاص تمحو الذنوب فاقرؤها عند من شارف الموت حتى يسمعها ويجريها على قلبه فيغفر له ما قد سلف اه ويمكن أن يراد بالموتى الجهلة أو أهل الغفلة رواه البيهقي في شعب الإيمان وتقدم ما يتعلق به وعن عبد الله بن مسعود أنه قال إن لكل شيء سناما بفتح السين أي رفعة مستعار من سنام البعير وأن سنام القرآن سورة البقرة أما بطولها واحتوائها على أحكام كثيرة أو


لما فيها من الأمر بالجهاد وبه الرفعة الكبيرة وأن لكل شيء أي مما يصح أن يكون له لب لبابا بضم اللام أي خلاصة هي المقصودة منه وأن لباب القرآن المفصل لأنه فصل فيها ما أجمل في غيره وقال ابن حجر باعتبار أن غيره من بقية القرآن في الكتب السالفة له مشابهة ما بخلاف المفصل كما أفاده حديث وأوتيت المفصل نافلة أي زائدة على بقية الكتب السالفة كما صرح به أول الحديث اه ولا يظهر وجه كونه لبا إلا بما قررناه مع زيادة وجه التسمية كما لا يخفى على أولي الألباب والله أعلم بالصواب وهو من الحجرات إلى آخر القرآن على الأصح رواه الدارمي أي موقوفا ولم يذكره لوضوحه من صدر الحديث وعن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول لكل شيء عروس أي جمال وقربة وبهاء وزينة وعروس القرآن الرحمان لإشتمالها على النعماء الدنيوية والآلاء الأخروية ولإحتوائها على أوصاف الحور العين التي من عرائس أهل الجنة ونعوت حليهن وحللهن وقال الطيبي العروس يطلق على الرجل والمرأة عند دخول أحدهما على الآخر وأراد الزينة فإن العروس تحلى بالحلي وتزين بالثياب أو أراد الزلفى إلى المحبوب والوصول إلى المطلوب وعن ابن مسعود قال قال رسول الله من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا أي لم يضره فقر لما يعطى من الصبر الجميل والوعد الجزيل أو لم يصبه فقر قلبي لما يعطى من سع القلب والمعرفة بالرب والتوكل والاعتماد عليه وتسليم النفس وتفويض الأمر إليه لما يستفيد من آيات هذه السورة ويستفيض من بينات المعاني في الألفاظ التي لها كالقوالب في الصورة سيما ما يتعلق فيها بخصوص ذكر الرزق من قوله تعالى أفرأيتم ما تحرثون الواقعة وقوله عز وجل وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون الواقعة وكان ابن مسعود يأمر بناته يقرأن بها كل ليلة وفي نسخة في كل ليلة رواهما أي الحديثين البيهقي في شعب الإيمان


وعن علي قال كان رسول الله يحب هذه السورة سبح اسم ربك الأعلى أي محبة زائدة وهي نظير ما ورد في سورة الفتح هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس رواه البخاري والنسائي والترمذي عن عمر مرفوعا قال العارف الجامي في شمس الوجود وإلا فمعمورة الدنيا جميعها أحقر من أن يجيء في نظر الحبيب فضلا أن يكون محبوبا ولذا قال لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقي كافرا منها شربة ماء فزيادة المحبة في الفتح لما فيها من البشارة بالفتح والإشارة بالمغفرة وفي هذه السورة لإشتمالها على تيسير الأمور في كل معسور بقوله ونيسرك لليسرى الأعلى وكان يواظب على قراءتها في أول ركعات الوتر وقراءة الإخلاصين في الركعتين الأخريين ويمكن أن يكون محبته لها لما فيها من صحف إبراهيم وموسى فقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم قال كانت أمثالا كلها أيها الملك المسلط المبتلي المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ثلاث ساعات يناجي فيها ربه ساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله تعالى وساعة يخلون فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث تزود لمعاد أو لمرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شانه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه قلت يا رسول الله فما كان في صحف موسى قال كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها عجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل قلت يا رسول الله أوصني قال أوصيك بتقوى الله فإنها رأس الأمر كله قلت يا رسول الله زدني


قال عليك بتلاوة القرآن وذكر الله تعالى فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء قلت يا رسول الله زدني قال إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه قلت يا رسول الله زدني قال عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي قلت يا رسول الله زدني قال أحب المساكين وجالسهم قلت يا رسول الله زدني قال أنظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عندك قلت يا رسول الله زدني قال ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك ولا تجد عليهم فيما تأتي وكفى بك عيبا أن تعرف من الناس ما


تجهله من نفسك وتجد عليهم فيما تأتي ثم ضرب بيده على صدري فقال يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق رواه أحمد وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال أتى رجل النبي فقال اقرئني بفتح الهمزة وكسر الرأء أي علمني يا رسول الله فقال اقرأ ثلاثا أي ثلاث سور من ذوات الر وفي نسخة من ذوات الراء بالمد والهمز قال الطيبي أي من السور التي صدرت بالر فقال كبرت بضم الباء وتكسر سني أي كثر عمري واشتد قلبي أي غلب عليه قلة الحفظ وكثرة النسيان وغلظ لساني أي ثقل بحيث لم يطاوعني في تعلم القرآن لا تعلم السور الطوال قال أي فإن كنت لا تستطيع قراءتهن فاقرأ ثلاثا من ذوات حم فإن أقصر ذوات حم أقصر من أقصر ذوات ال صلى الله عليه وسلم ر فقال مثل مقالته أي الأولى قال الرجل يا رسول الله اقرئني سورة جامعة أي بين وجازة المباني وغزارة المعاني فأقرأه رسول الله إذا زلزلت حتى فرغ منها أي النبي أو الرجل قال الطيبي كأنه طلبه لما يحصل به الفلاح إذا عمل به فلذلك قال سورة جامعة وفي هذه السورة آية زائدة لا مزيد عليها فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة الخ ولأجل هذا الجمع الذي لا حد له قال حين سئل عن الحمر الأهلية لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة قال الطيبي وبيان ذلك أنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها كقوله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين الأنبياء فقال الرجل والذي بعثك بالحق لا أزيد عليه أبدا أي على العمل بما دل عليه ما أقرأتينه من فعل الخير وترك الشر ولعل القصد بالحلف تأكيد العزم وتأييد الجزم لا سيما بحضوره الذي بمنزلة المبايعة والعهد وظاهر الحديث أن مراد الرجل بالخير والشر عمومهما الجنسي لا شمولهما الاستغراقي وأما تقييد ابن حجر الخير


بفعل الواجبات فقط وترك الشر وهو المحرمات فقط ثم قوله وأما النوافل والمكروهات فقد أترك لكبر سني وأفعل هذه لشدة قلبي فالقصد من الحلف إنما هو فعل الواجبات وترك الحرام لا غير فهو مستغني عنه مع أنه لا دلالة للحديث عليه قال الطيبي فكأنه قال حسبي ما سمعت ولا أبالي أن لا أسمع غيرها ثم أدبر الرجل أي ولي دبره وذهب فقال
رسول الله أفلح أي فاز بالمطلوب وظفر بالمحبوب الرويجل قال الطيبي تصغير تعظيم لبعد غوره وقوة إدراكه وهو تصغير شاذ إذ قياسه رجيل اه ويحتمل أن يكون تصغير راجل بالألف بمعنى الماشي مرتين إما للتأكيد أو مرة للدنيا ومرة للأخرى وقيل لشدة إعجابه منه رواه أحمد وأبو داود وقد رواه النسائي وابن حبان والحاكم وعن ابن عمر قال قال رسول الله ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم قالوا ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية في كل يوم أي لا يستطيع كل أحد هذه القراءة على جهة المواظبة قال أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر أي إلى آخرها أو هذه السورة فإنها كقراءة ألف آية في التزهيد عن الدنيا والترغيب في علم اليقين بالعقبى وقيل وجهه أن القرآن ستة آلاف وكسر وإذا ترك الكسر كانت الألف سدسه ومقاصد القرآن على ما ذكره الغزالي ستة ثلاثة مهمة وثلاثة متمة واحدها معرفة الآخرة المشتملة عليها السورة والتعبير عن هذا المعنى بألف آية أفخم من التعبير عنه بسدس القرآن مع أنه لو عبر عنه بثلث القرآن صح رواه البيهقي في شعب الإيمان وعن سعيد بن المسيب هو من سادات التابعين بل قيل أجلهم وأفضلهم مرسلا بحذف الصحابي عن النبي قال من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بني له بها قصر في الجنة ومن قرأ عشرين مرة بني له بها قصران في الجنة ومن قرأها أي السورة ثلاثين مرة بني له بها ثلاثة قصور في الجنة ولعله كرر لئلا يتوهم الحصر في عدد العشر ويعلم أن كل ما زاد من الأعداد زيد له من الأمداد فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه والله يا رسول


الله إذا بالتنوين جواب وجزاء فيه معنى التعجب لنكثرن قصورنا من الإكثار ويجوز التشديد قال
الطيبي أي إذا كان الأمر على ما ذكرت من أن جزاء عشر مرات قصر في الجنة فإنا نكثر قصورنا بكثرة قراءة هذه السورة فلا حد للقصور حينئذ ولا أوسع من الجنة شيء فقال رسول الله أوسع أي أكثر عطاء من ذلك أو قدرته ورحمته أوسع فلا تعجب ومن العجيب خلط ابن حجر بين القولين وتلفيقهما حيث قال أي قدرته أكثر عطاء رواه الدارمي وعن الحسن أي البصري مرسلا لأنه تابعي حذف الصحابي أن نبي الله قال من قرأ في ليلة مائة آية لم يحاجه القرآن أي لم يخاصمه في تقصيره تلك الليلة أي من جهتها وقال ابن حجر أي لم يخاصمه في تلك الليلة أي من جهة التقصير في تعهده لأنه لا تقصير منه فيه بل من جهة عدم العمل به إن لم يعمل به لما في حديث أنه يقول في مخاصمته لبعض حفاظه نام عني ولم يعمل المعلوم منه أنه يخاصم من جهتين التقصير في تعهده لأنه يؤدي إلى نسيانه وفي العمل به لأن فيه استهتار بحقه اه ويمكن حمل العمل على قيام الليل كما هو الأنسب الأظهر والله أعلم قال الطيبي دل على أن قراءة القرآن لازمة لكل إنسان وواجبة عليه فإذا لم يقرأ خاصمه الله وغلبه بالحجة فإسناد المحاجة إلى القرآن مجاز قال ابن حجر وفي جميعه نظر أما قوله لازمة لكل انسان وواجبة عليه فغير صحيح لأن الكلام في حافظ قرأ ما ذكر فأفهم أن المحاجة لحافظ لم يقرأ ما ذكر لا لمن لم يقرأ ذلك أصلا ولا لمن لم يقرأ بالكلية قلت من المعلوم بقرينة المقام المفهوم أن مراده من كل إنسان حفاظ القرآن مع إفادة زيادة إطلاقه الإشارة إلى وجوب تفقد القرآن قليلا أو كثيرا كما هو من المقرر في القواعد الشرعية ويجوز حمل المائة على تكرارها وعدمه وأيضا في إطلاقه إيماء إلى قول الأئمة أن حفظ القرآن من فروض الكفايات فيخاطب به كل الأمة في كل زمن أن حفظه جمع منهم يقوم بهم الكفاية سقط الحرج عن جميعهم وإلا أثموا كلهم قال


وأما قوله يخاصمه فقد مر رده غير مرة بالقاعدة المقررة أن ألفاظ الشارع حيث أمكن بقاؤها على ظواهرها لم تصرف عنه وهذا يمكن بقاء محاجة القرآن على ظاهرها بأن يجعل الله له صورة ناطقة وفيه أن يجعل الله له صورة غير ظاهرة في الحديث مع أن القرآن في الحقيقة إما الكلام النفسي وإما المقروء على ألسنتنا والكتاب والسنة مملوآن من استعمال المجاز بل هو أبلغ من الحقيقة كما أن الكناية أبلغ من الصريح على ما صرح به علماء البيان وأصحاب تفسير القرآن بل قالت السادة الصوفية إن قوله تعالى بل يتوفاكم ملك الموت السجدة نسبة مجازية وقوله عز وجل الله يتوفى الأنفس الزمر هي
النسبة الحقيقة فلا معنى للاعتراض على كلامه لكن هذا على ما قال الشاعر وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عيون السخط تبدي المساويا أي تبدي المحاسن مساوىء وانظر إلى أفراد عين الرضا وجمع عيون السخط فإنه يفتح لك نكتة لطيفة وحكمة شريفة ظاهرية وباطنية ومن قرأ في ليلة مائتي آية كتب له قنوت ليلة أي طاعتها أو قيامها ومن قرأ في ليلة خمسمائة إلى الألف أصبح وله قنطار أي ثواب بعدده أو بوزنه من الأجر قالوا وما القنطار قال اثنا عشر ألفا أي درهما أو دينارا قال الطيبي رحمه الله وفي الحديث أن القنطار ألف ومائتا أوقية والأوقية خير مما بين السماء والأرض وقول ابن حجر اثنا عشر ألفا أي من الأرطال يحتاج إلى نقل صحيح أو دليل صريح رواه الدارمي والله أعلم


باب في توابع الفضائل
باب بالتنوين ويسكن وهو في توابع الفضائل من الأحكام التي مراعاتها من الفواضل وغير ذلك
الفصل الأول
عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله تعاهدوا القرآن أي تفقدوه وراعوه بالمحافظة وداوموه بالتلاوة قال الطيبي التعاهد المحافظة وتجديد العهد أي واظبوا على قراءته وداوموا على تكرر دراسته لئلا ينسى فوالذي نفسي بيده لهو أي القرآن أشد تفصيا أي فرارا وذهابا وتخلصا وخروجا من الإبل قال الطيبي التفصي التخلص يقال تفصيت الديون إذا خرجت منها في عقلها بضم العين والقاف جمع عقال ككتب جمع كتاب


ويجوز إسكان القاف لغة لكن الرواية على ضمها وهو الحبل الذي يشد به ذراع البعير ومنه قوله عليه الصلاة والسلام أعقل وتوكل قال الطيبي يقال عقلت الإبل إذا جمعت وظيفة إلى ذراعه فتشدهما معا في وسط الذراع وذلك العقل هو الحبال اه وفي فيه بمعنى من أي لهو أشد ذهابا من الإبل إذا تخلصت من العقال فإنها تنفلت حتى لا تكاد تلحق وفي رواية أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عقلها قال الطيبي وذلك أن القرآن ليس من كلام البشر بل هو كلام خالق القوى والقدر وليس بينه وبين البشر مناسبة قريبة لأنه حادث وهو قديم والله سبحانه بلطفه العميم وكرمه القديم من عليهم ومنحهم هذه النعمة العظيمة فينبغي له أن يتعاهده بالحفظ والمواظبة عليه ما أمكنه متفق عليه ورواه أحمد وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ما لأحدهم ما نكرة موصوفة وقوله أن يقول مخصوص بالذم كقوله تعالى بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله البقرة أي بئس شيئا كائنا للرجل قوله نسيت آية كيت وكيت بل نسي بالتشديد وفي رواية بل هو نسي وهذا المقدار حديث مستقل رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وهذا تلقين وتعليم أن يقول نسيت لا نسيت كما ورد في الصحيحين لا يقل أحدكم نسيت آية كذا بل هو نسي قال النووي يكره أن يقول نسيت آية كذا بل يقول أنسيتها اه وفي الأول اشعار بعدم التقصير وايماء إلى فعل يخالف القضاء والتقدير وفي الثاني نسبة النسيان بمعنى الترك الذي هو العصيان إلى ذاته مع الإيهام إلى عدم مبالاته وأما قول ابن حجر لا تقول نسيت آية كذا لأنه لم ينس أي لم يكن له فعل في النسيان بوجه مطلقا اه وهو غير صحيح بإطلاقه وقال الطيبي قوله بل نسي إشارة إلى عدم تقصيره في المحافظة لكن الله أنساه لمصلحة قال الله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها البقرة وقوله نسيت يدل على أنه لم يتعاهد القرآن وقال شارح آخر يحتمل أن هذا خاص بزمان رسول الله ويكون معنى قوله نسي أي


نسخت تلاوته نهاهم عن هذا القول لئلا يتوهم الضياع على محكم القرآن فأعلمهم بأن ذلك من قول الله تعالى لما رأى فيه من الحكمة يعني نسخ التلاوة وقال ابن حجر أي أن الله سبحانه هو الذي أنساها له بسبب منه تارة بأن ترك تعهد القرآن فإن ترك تعهده سبب
في نسيانه عادة لا بسبب منه أخرى ثم قال رأيت شارحين قررا هذا بغير ما ذكرته لكن يرده قول أئمتنا يكره للإنسان أن يقول نسيت آية كذا وإنما يقول أنسيتها أو أسقطتها لما صح أنه سمع رجلا يقرأ بالليل فقال يرحمه الله لقد أذكرني آية كنت أسقطتها وفي رواية صحيحة كنت أنسيتها اه وهو رد غريب ووجه عجيب وقال أبو عبيدة أما الحريص على حفظ القرآن الذي يدأب في تلاوته لكن النسيان يغلبه فلا يدخل في هذا الحكم بدليل هذا الحديث وقيل معنى نسي عوقب بالنسيان على ذنب أو سوء تعهد بالقرآن وهو مأخوذ من قوله تعالى أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى طه ومن الحديث المشهور عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر أعظم ذنبا من رجل أوتي آية فنسيها ثم النسيان عند علمائنا محمول على حال لم يقدر عليه بالنظر سواء كان حافظا أم لا والله أعلم واستذكروا القرآن أي استحضروه في القلب والواو استئنافية أو لعطف جملة على جملة قال الطيبي التاء للمبالغة أي اطلبوا من أنفسكم ذكر القرآن وهو عطف على قوله بئس من حيث المعنى أي لا تقصروا في معاهدة القرآن واستذكروه فإنه أشد تفصيا أي تشردا من صدور الرجال أي الحفاظ ومن متعلق بتفصيا من النعم بفتحتين في القاموس النعم وقد يكسر عينه الإبل والشاة أو خاص بالإبل جمعة أنعام قال ابن الملك هي المال الراعية وأكثر استعماله في الإبل وهو متعلق بأشد أي أشد من تفصى النعم المعقلة وتخصيص الرجال بالذكر لأن حفظ القرآن من شأنهم متفق عليه وزاد مسلم بعقلها بضمتين وعن ابن عمر أن رسول الله قال إنما مثل صاحب القرآن أي صفته الغريبة الشأن العجيبة البرهان كمثل صاحب الإبل المعقلة بفتح القاف المشددة


أي المشدودة بالعقال إن عاهد أي داوم وتفقد وحافظ صاحبها عليها أمسكها أي بالعقال ونحوه وإن أطلقها أي أرسلها وحلها ذهبت متفق عليه وعن جندب بضم الجيم والدال ويفتح ابن عبد الله قال قال رسول الله
اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم أي ما دامت قلوبكم وخواطركم مجموعة لذوق قراءته ذات نشاط وسرور على تلاوته فإذا اختلفتم أي اختلفت قلوبكم ومللتم وتفرقت خواطركم وكسلتم فقوموا عنه أي فاتركوه قال ابن الملك فإنه أعظم من أن يقرأ بغير حضور القلب أو المراد اقرؤوا ما دمتم متفقين على تصحيح قراءته وتحقيق أسرار معانيه فإذا اختلفتم في ذلك فاتركوه لأن الاختلاف يفضي إلى الجدال والجدال إلى الجحود وتلبس الحق بالباطل أعاذنا الله بفضله من ذلك متفق عليه وعن قتادة تابعي جليل قال سئل أنس كيف كان وفي نسخة كانت قراءة النبي أي على الترتيل أو الحدر فقال أي أنس كانت أي قراءته مدا أي ذات مد وفي نسخة مداء بالمد فعلاء تأنيث أمد أي كثيرة المد والمراد أنه كان يمد ما كان في كلامه من حروف المد واللين بالقدر المعروف وبالشرط المعلوم عند أرباب الوقوف قال التوربشتي أي ذات مد وفي البخاري يمد مدا وفي رواية كان مدا أي كان يمده مدا وفي أكثر نسخ المصابيح مداء على وزن فعلاء والظاهر أنه قول على التخمين قال المظهر وفسرت بأن قراءته كانت كثيرة المد قال الطيبي حروف المد ثلاثة فإذا كان بعدها همزة يمد بقدر ألف وقيل بقدر ألفين إلى خمس ألفات والمراد بقدر الألف قدر صوتك إذا قلت يا أوتا وإن كان بعدها تشديد يمد بقدر أربع ألفات اتفاقا مثل دابة وإن كان ساكنا يمد بقدر ألفين اتفاقا نحو صاد ويعملون وإن كان بعدها غير هذه الحروف لم يمد إلا بقدر خروجها من الفم وما نحن فيه من هذا القبيل أقول المعتمد هو أنه إذا وجد حرف المد الذي هو شرط المد ولم يوجد أحد السببين الموجبين للزيادة وهما الهمز والسكون فلا بد من المد بقدر ألف اتفاقا وقدر بمقدار قولك ألف أو


كتابتك ألف أو عقدا أصبع ويسمى طبيعيا وذاتيا وأصليا وإذا وجد أحد السببين فلا بد من الزيادة ويسمى فرعيا ثم إن كان السبب هو الهمز ففي مقدار الزيادة على الأصل خلاف كثير بين القراء في مراتب المتصل والمنفصل مع اتفاقهم على مطلق المد في المتصل وخلاف بعضهم في المنفصل وأقل الزيادة ألف ونصف وأكثرها أربع وإن كان السبب هو السكون فإن كان لازميا سواء كان يكون مشددا أو مخففا نحو دابة وصاد فكلهم يقرؤون على نهج واحد وهو مقدار ثلاث ألفات وإن كان عارضيا نحو يعملون فيجوز فيه القصر وهو قدر ألف والتوسط وهو ألفان والمد وهو ثلاثة وللمسألة تفصيل طويل يجر بسطها إلى ملالة وتثقيل ثم قرأ أي أنس بسم


الله الرحمان الرحيم يمد ببسم الله أي في ألف الجلالة مدا أصليا قدر ألف ويمد بالرحمان أي في ألفه كذلك ويمد بالرحيم أي في يائه مدا أصليا أو عارضيا فإنه يجوز في نحوه حالة الوقف ثلاثة أوجه الطول والتوسط والقصر مع الإسكان ووجه آخر بالقصر والروم أي هو إتيان بعض الحركة بصوت خفي رواه البخاري وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي ما الأولى نافية والثانية مصدرية أي ما استمع لشيء كاستماعه لصوت نبي أي استماع محبة ورحمة لتنزهه تعالى عن السمع بالحاسة يتغنى أي يحسن صوته بالقرآن أي بتلاوته وقيل مصدر بمعنى القراءة أو المقروء وقيل أراد بالقرآن ما يقرأ من الكتب المنزلة ويدل عليه تنكير نبي قال الطيبي يقال أذن اذنا استمع والمراد هنا تقريبه وإجزال ثوابه والمراد بالتغني تحسين الصوت وترقيقه وتحزينه كما قال به الشافعي وأكثر العلماء وقال سفيان بن عيينة وتبعه جماعة معناه الاستغناء به عن الناس وقيل عن غيرهم من الأحاديث والكتب وقال الأزهري يتغنى به يجهر به كما يدل عليه الرواية الأخرى والحمل على الاستغناء خطأ من حيث اللغة اه وقد أخطأ في التخطئة من حيث اللغة إذ في النهاية رجل ربطها تغنيا أي استغناء بها عن الطلب من الناس ومن لم يتغن بالقرآن أي من لم يستغن به عن غيره وقيل أراد من لم يجهر به وقيل معناه تحسين القراءة وترقيقها وفي القاموس تغنيت استغنيت وقال ابن حجر قول ابن جرير لغة أي لما قاله الشافعي وهو أعلم من غيره باللغة بل له لغة مخصوصة اه وهو مما لا طائل تحته ثم أغرب وقال ولو كان معنى يتغنى يستغني لقال يتغاني فزعم عياض أن يتغنى ويتغانى بمعنى يستغني غير صحيح لأن يتغنى من مادة مغايرة لمادة يتغانى صناعة ومعنى اه وهو دليل على عدم علمه بالمادة لغة وصناعة ولفظا ومعنى فإن من الواضحات أن مادة يتقطع ويتقاطع واحدة والاختلاف بينهما إنما هو بالباب كما هو متفق عليه عند أولي الألباب متفق عليه


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما أذن الله لشيء أي ما
استمع وهو كناية عن القبول ما أذن لنبي حسن الصوت صفة كاشفة بالقرآن يجهر به أي في صلاته أو تلاوته أو حين تبليغ رسالته متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ليس منا أي خلقا وسيرة أو متصلا بنا ومتابعا لنا في طريقتنا الكاملة ونظير من الاتصالية قوله تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض التوبة وحديث لست من دد ولا الدد مني أي لست متصلا باللهو ولا اللهو متصلا بي من لم يتغن بالقرآن أي لم يحسن صوته به أو لم يجهر أو لم يستغن به عن غيره أو لم يترنم أو لم يتحزن أو لم يطلب به غنى النفس أو لم يرج به غنى اليد فهذه سبعة معان مأخوذة من فتح الباري استخرجها على القارىء وقال الطيبي قوله لم يتغن هنا يحتمل أن يكون بمعنى الاستغناء وأن يكون بمعنى التغني لما لم يكن بيانا للسابق ومبينا للاحق كما في الحديث السابق والتوربشتي رجح جانب معنى الاستغناء وقال المعنى ليس من أهل سنتنا وممن تبعنا في أمرنا وهو وعيد ولا خلاف بين الأمة أن قارىء القرآن مثاب على قراءته مأجور من غير تحسين صوته فكيف يحمل على كونه مستحقا للوعيد وهو مثاب مأجور اه وتعقبه الطيبي وابن حجر بما لا يجدي نفعا رواه البخاري وعن عبد الله بن مسعود قال قال لي دل على الخصوصية رسول الله وهو على المنبر اقرأ علي أي حتى استمع إليك قلت اقرأ أي اقرأ عليك وعليك أنزل أي القرآن والجملة حالية يعني جريان الحكمة على لسان الحكيم أحلى وكلام المحبوب على لسان الحبيب أولى وهذا طريق السلف أنهم كانوا يقرأون القرآن والحديث والطلبة يستمعون منهم ويأخذون عنهم بالوجه الحثيث قال إني أحب أي في بعض الأحوال التي يحصل للعارف فيه الكلال كما قيل من عرف الله كل لسانه ومنه قوله كلميني يا حميراء وله حال أخرى يقال فيها من عرف الله طال لسانه أن أسمعه من غيري جمعا بين الفضيلتين حتى قيل إن الاستماع


أفضل ولكن يحمل على أنه إذا كان للتعليم على الوجه الأكمل وبهذا أخذ الخلف من القراء والمحدثين حيث يستمعون القرآن والحديث من التلامذة والطالبين وهذا أقرب إلى الضبط بالنسبة إلى فهم المتأخرين والأولون حيث كانوا في مرتبة الأعلى فكانوا يدركون بالسماع الحظ الأوفر والنصيب الأعلى وقول ابن حجر قال اقرأ علي وإن كان أنزل علي فإني أحب موهم أن الرواية بالفاء وليس كذلك بل هي بلا فاء على ما في النسخ المصححة فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية فكيف أي يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد أي أحضرنا منهم شهيدا عليهم بما فعلوا وهو نبيهم وجئنا بك على هؤلاء أي أمتك وقال ابن الملك أي المكذبين شهيدا قال حسبك أي كافيك ما قرأته الآن أي لا تقرأ شيئا آخر فإني مشغول بالتفكر في هذه الآية وجاءني البكاء والحالة المانعة من استماع القرآن فالتفت أي إليه كما في نسخة صحيحة فإذا عيناه تذرفان بكسر الراء أي تدمعان وتسيلان دمعا أما لرحمته على أمته وإما خوفا من ظهور عظمته تعالى وجلالته قال النووي وصعق جماعات من السلف عند القراءة ومات جماعة بسببها ولما حكي في التبيان عن جمع انكار الصياح والصعق قال الصواب عدم الانكار إلا على من اعترف أنه يفعله تصنعا وقال في الأذكار فإن عز عليه البكاء تباكى لخبر أحمد والبيهقي أن هذا القرآن نزل بحزن وكآبة فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا متفق عليه وعن أنس قال قال رسول الله لأبي بن كعب أن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن أي بالخصوص من بين الأقران قال آلله بهمزتين الأولى الاستفهام وقلبت الثانية ألفا ابقاء للإستفهام ويجوز تسهيلها ويجوز الحذف للعمل بها وهذا معنى قول الطيبي آلله بالمد بلا حذف وبالحذف بلا مد سماني لك أي ذكرني باسمي لك قال الطيبي والمقصود التعجب أما هضما أي أنى لي هذه المرتبة وأما استلذاذا بهذه المنزلة


الرفيعة قال نعم قال وقد ذكرت أي أوقع ذلك والحال أني قد ذكرت على الخصوص أو بهذا الوجه المخصوص قال الطيبي تقرير للتعجب عند رب العالمين أي مع عظمته وحقارتي قال الطيبي وعند هنا كناية عن الذات وعظمته والأظهر أنه كناية عن قربه ومزيد رحمته قال نعم فذرفت عيناه أي جرى دمع عينيه
أي سرورا وفرحا بتسمية الله تعالى إياه في أمر القراءة أو خوفا من العجز عن قيام شكر تلك النعمة ووجه تخصيصه بذلك أنه بذل جهده في حفظ القرآن وما ينبغي له حتى قال أقرؤكم أبي ولما قيض له من الإمامة في هذا الشأن أمر الله نبيه أن يقرأ عليه ليأخذ عنه رسم التلاوة كما أخذه نبي الله عن جبريل ثم يأخذه على هذا النمط الآخر عن الأول والخلف عن السلف وقد أخذ عن أبي بشر كثيرون من التابعين ثم عنهم من بعدهم وهكذا فسرى فيه سر تلك القراءة عليه حتى سرى سره في الأمة إلى الساعة وفي رواية إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا قيل لأن فيه قصة أهل الكتاب وكان أبي من أحبار اليهود فأراد أن يعلمه حالهم وخطاب الله إياهم فيتقرر ايمانه بالله تعالى ونبوته أشد تقررا ثم يحتمل أن هذه الرواية مبينة للقرآن في الرواية الأولى ويحتمل أن يكون قضية أخرى وقال النووي وفي الحديث فوائد جمة منها استحباب القراءة على الحذاق وأهل العلم به وإن كان القارىء أفضل من المقروء عليه ومنها المنقبة الشريفة لأبي ولا نعلم أن أحدا شاركه فيها وأما تخصيص قراءة لم يكن فلأنها وجيزة جامعة لقواعد كثيرة من أصول الدين ومهمات في الوعد والوعيد والإخلاص وتطهير القلوب وكان الوقت يقتضي الاختصار اه وفي الحديث دليل لما قاله العلماء أن القرآن يطلق على الكل وعلى البعض إذ لم يعلم أنه قرأ على أبي جميع القرآن قال وسماني أي لك كما في نسخة قال نعم فبكى متفق عليه وعن ابن عمر قال نهى رسول الله أن يسافر بفتح الفاء أي يسافر أحد بالقرآن أي بالصحف التي كتب عليها قال الطيبي والباء زائدة لأنها


دخلت على المفعول به الذي ناب عن الفاعل وليست هي كما في قوله لا تسافروا بالقرآن فإنها حال أي حال كونكم مصاحبين له إلى أرض العدو أي دار الحرب وقيل نهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك لأجل أن جميع القرآن كان محفوظا عند جميع الصحابة فلو ذهب بعض ممن عنده شيء من القرآن إلى أرض العدو ومات لضاع ذلك القدر وإنما ذهب إلى هذه الكناية لأن المصحف لم يكن في عهده قال الطيبي رحمه الله فنقول لم لا يجوز أن يراد بالقرآن بعض ما نسخ وكتب في عهده أو يكون إخبارا عن الغيب وقال بعضهم حمل المصحف إلى دار الكفر مكروه وأما إذا
كتب كتابا إليهم فيه آية منه فلا بأس به لأنه عليه الصلاة والسلام كتب إلى هرقل تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم آل عمران الآية تمامها أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون والظاهر أن هذا من خصوصياته لكونه مأمورا بقل في صدر الآية ولوجوب التبليغ عليه لكن قد يقال الشيخ في قومه كالنبي في أمته فيكون غيره من العلماء والأمراء أن يكاتبوهم بهذه الآية وأمثالها مما يقتضي المقام والحال ليكون حجة عليهم في دار المآل متفق عليه وزاد بعضهم في الحديث مخافة أن يناله العدو وجعله من لفظ النبي ولم يصح ذلك وإنما هو قول مالك وفي رواية لمسلم لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أي لست في أمن من أن يناله العدو أي يصيبه الكافر فيحقره أو يحرقه أو يلقيه في مكان غير لائق به ولا يردوه إليكم فيضيع فلا يصح ما قال ابن حجر من أنه فيه أبلغ رد على ما زعمه شارح أن النهي إنما هو في زمنه لأنه كان مكتوبا مفرقا عند الصحابة فلو ضاع منه شيء لم يعوض اه ولأن العلة مشتركة شاملة له أيضا كما لا يخفى
الفصل الثاني


عن أبي سعيد الخدري قال جلست في عصابة بالكسر أي جماعة من ضعفاء المهاجرين يغني أصحاب الصفة وأن بعضهم ليستتر ببعض من العرى أي من أجله بضم العين وسكون الراء أي من كان ثوبه أقل من ثوب صاحبه كان يجلس خلف صاحبه تسترا به والجملة حالية والمراد العرى مما عدا العورة فالتستر لمكان المروأة لا تسمح بانكشاف ما لا يعتاد كشفه وقارىء يقرأ علينا حال أيضا لنستمع ونتعلم إذ جاء رسول الله إذ للمفاجأة فقام أي وقف علينا أي على رؤوسنا أي كنا غافلين عن مجيئه فنظرنا فإذا هو قائم فوق رؤوسنا يستمع إلى كتاب الله فلما قام رسول الله سكت القارىء أي تأدبا لحضوره وانتظارا لما يقع من أموره فسلم أي الرسول ثم قال النبي ما كنتم تصنعون إنما سألهم مع علمه بهم ليجيبهم بما أجابهم مرتبا على حالهم وكمالهم قلنا كنا نستمع إلى كتاب الله أي إلى قراءته أو إلى قارئه فقال الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم أي


جعل من جملة زمرة الفقراء الملازمين لكتاب الله المخلصين المتوكلين على الله مقربين عند الله بحيث أمرني بالصبر معهم في قوله عز وجل واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجه الكهف شكرا لصنيعهم وردا على الكفار حيث قالوا أطرد هؤلاء الفقراء عنك حتى نجالسك ونؤمن بك وقول ابن حجر فملت إلى ما قالوا مردود لأنه لا يعلم هذا إلا من قبله ولم يرد عنه بل لو ورد لكنا نحمل على أني قاربت أن أميل إليهم ولا يدل على ما قال قوله واصبر لأن المراد به الدوام على ما هو عليه من كمال الصبر كما قيل في قوله تعالى يا أيها النبي اتق الله قال أي الراوي فجلس أي النبي وسطنا بسكون السين وقد يفتح أي بيننا لا بجنب أحد منا ليعدل بنفسه فينا أي يكون عادلا بإجلاس نفسه الأنفس فينا على وجه التسوية بالقرب إلى كل منا وقال الطيبي أي ليجعل نفسه عديلا وزاد بعضهم بجلوسه فينا تواضعا ورغبة فيما نحن فيه ثم قال أي أشار بيده هكذا أي اجلسوا حلقا فتحلقوا أي قبالة وجهه عليه الصلاة والسلام دل عليه قوله وبرزت أي ظهرت وجوههم له بحيث يرى عليه الصلاة والسلام وجه كل أحد منهم امتثالا لقوله تعالى ولا تعد عيناك عنهم الكهف أي ظاهرا وباطنا قال ابن حجر أي ميلا لساعدها وكوعها حتى تصير معوجة على هيئة الحلقة اه وهو محتاج إلى دليل مع أنه مستغني عنه فقال أبشروا أي افرحوا يا معشر صعاليك المهاجرين أي جماعة الفقراء من المهاجرين جمع صعلوك بالنور التام أي الكامل يوم القيامة وفيه إشارة إلى أن نور الأغنياء لا يكون تاما ولذا قال من أحب آخرته أضر بدنياه ومن أحب دنياه أضر بآخرته فآثر ما يبقى على ما يفنى تدخلون الجنة استئناف فيه معنى التعليل قبل أغنياء الناس أي الشاكرين بنصف يوم واعلم أن المراد بالفقراء هم الصالحون الصابرون وبالأغنياء الصالحون الشاكرون المؤدون حقوق أموالهم بعد تحصيلها مما أحل الله لهم فإنهم يتوقفون في العرصات للحساب من أين حصلوا


المال وفي أين صرفوه في المآل وذلك يدل على أن حظ الفقراء في القيامة أكثر من حظ الأغنياء لأنهم وجدوا لذة وراحة في الدنيا ولذلك حالهم في الجنة أعلى وأغلى لقوله عليه الصلاة والسلام أجوعكم في الدنيا أشبعكم في الآخرة وهذا الحديث نص على أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر وذلك أي نصف يوم القيامة خمسمائة سنة لقوله تعالى وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون الحج ولعل هذا المقدار بالنسبة إلى عموم المؤمنين ويخفف على بعضهم إلى أن يصير كالإضافة إلى الخواص كوقت صلاة أو مقدار ساعة وورد أن ذلك اليوم على بعض المؤمنين كركعتي الفجر وأفاد قوله تعالى وأحسن مقيلا أن غاية ما يطول ذلك اليوم على بعض المؤمنين من الفجر إلى الزوال وهو نصف يوم من أيام الآخرة المعادل لألف سنة المراد من قوله تعالى وأن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وأما قوله تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فمخصوص بالكافرين فهو يوم عسير على الكافرين غير يسير رواه أبو داود


وعن البراء بن عازب قال قال رسول الله زينوا القرآن أي قراءته بأصواتكم أي الحسنة أو أظهروا زينة القرآن بحسن أصواتكم قال القاضي قيل من القلب يدل عليه أنه روى عن البراء أيضا عكسه وقيل المراد تزيينه بالترتيل والتجويد وتليين الصوت وتحزينه وأما التغني بحيث يخل بالحروف زيادة ونقصانا فهو حرام يفسق به القارىء ويأثم به المستمع ويجب إنكاره فإنه من أسوأ البدع وأفحش الأبداع رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي وقد رواه النسائي وابن حبان والحاكم وزاد فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا وروى الطبراني حسن الصوت زينة القرآن وعبد الرزاق لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن يعني كما أن الحلل والحلى يزيد للحسناء حسنا وهو أمر مشاهد فدل على أن رواية العكس محمولة على القلب لا العكس فتدبر ولا منع من الجمع وقد ذكر سيدنا وسندنا مولانا الطب الرباني والغوث الصمداني الشيخ عبد القادر الجيلاني روح الله روحه ورزقنا فتوحه في كتابه الغنية الذي للمسالكين فيه المنية أنه روى عن عبد الله بن مسعود مر ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة وإذا الفساق قد اجتمعوا في دار رجل منهم وهم يشربون الخمر ومعهم مغن يقال له زاذان كان يضرب بالعود ويغني بصوت حسن فلما سمع ذلك عبد الله بن مسعود قال ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى كان أحسن وجعل رداءه على رأسه فمضى فسمع ذلك الصوت زاذان فقال من هذا قالوا كان عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله قال وايش قال قالوا قال ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله كان أحسن فدخلت الهيبة في قلبه فقام وضرب بالعود على الأرض فكسره ثم أدركه وجعل المنديل على عنق نفسه وجعل يبكي بين يدي عبد الله فأعتنقه عبد الله وجعل يبكي كل واحد منهما ثم قال عبد الله كيف لا أحب من أحب الله فتاب من ضربه بالعود وجعل ملازما عبد الله حتى تعلم القرآن وأخذ الحظ الوافر من العلم حتى صار إماما في العلم وقد صح أنه


قال لأبي موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود وأنه قال لقد رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة وروى ابن ماجه لله أشد أذنا أي إقبالا على الرجل الحسن الصوت بالقراءة من أصحاب القينة إلى قينتهم وروى
الطبراني أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن فيه وأبو يعلى اقرؤوا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن وهو ما ينافي خبر الحاكم أنه قال نزل القرآن بالتفخيم فإن معناه التعظيم وأما قول ابن حجر معناه أنه يقرأ على قراءة الرجال ولا يخضع الصوت فيكون مثل كلام النساء فيبعد أن يكون مرادا من الحديث والله أعلم وعن سعد بن عبادة قال قال رسول الله ما من أمرىء يقرأ القرآن ثم ينساه أي بالنظر عندنا وبالغيب عند الشافعي أو المعنى ثم يترك قراءته نسي أو ما نسي إلا لقي الله يوم القيامة أجذم أي ساقط الأسنان أو على هيئة المجذوم أو ليست له يد أو لا يجد شيئا يتمسك به في عذر النسيان أو ينكس رأسه بين يدي الله حياء وخجالة من نسيان كلامه الكريم وكتابه العظيم وقال الطيبي أي مقطوع اليد من الجذم وهو القطع وقيل مقطوع الأعضاء يقال رجل أجذم إذا تساقطت أعضاؤه من الجذام وقيل أجذم الحجة أي لا حجة له ولا لسان يتكلم به وقيل خالي اليد عن الخير رواه أو داود والدارمي وروى أبو داود والترمذي أنه قال عرضت علي أجور أمتي حتى الفذاة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها وعن عبد الله بن عمرو بالواو أن رسول الله قال لم يفقه أي لم يفهم فهما تاما من قرأ القرآن أي ختمه في أقل من ثلاث أي ليال وقال ابن حجر أي من الأيام وفيه بحث لأنه إذ ذاك لم يتمكن من التدبر له والتفكر فيه بسبب العجلة والملالة قال الطيبي أي لم يفهم ظاهر معاني القرآن وأما فهم دقائقه فلا تفي الأعمار بأسرار أقل آية بل كلمة منه والمراد نفي الفهم لا نفي الثواب ثم يتفاوت الفهم بحسب الأشخاص والأفهام وقال ابن حجر أما


الثواب على قراءته فهو حاصل لمن فهم ولمن لم يفهم بالكلية للتعبد بلفظه بخلاف غيره من الأذكار فإنه لا يثاب عليه إلا من فهم ولو بوجه ما وفيه نظر لأن نفي الثواب يحتاج إلى نقل من حديث أو كتاب والقياس أن لا فرق بينهما في أصل الثواب وإن كان يتفاوت بين القرآن وغيره
وبين من فهم وبين من لم يفهم وعليه عمل الصلحاء من جعل الأدعية والأذكار الواردة وغيرها أورادا ويواظبون عليها وما حسنه المسلمون فهو عند الله حسن وفضل الله واسع ثم جرى على ظاهر الحديث جماعة من السلف فكانوا يختمون القرآن في ثلاث دائما وكرهوا الختم في أقل من ثلاث ولم يأخذ به آخرون نظرا إلى أن مفهوم العدد ليس بحجة على ما هو الأصح عند الأصوليين فختمه جماعة في يوم وليلة مرة وآخرون مرتين وآخرون ثلاث مرات وختمه في ركعة من لا يحصون كثرة وزاد آخرون على الثلاث وختمه جماعة مرة في كل شهرين وآخرين في كل شهر وآخرون في كل عشر وآخرون في كل سبع وعليه أكثر الصحابة وغيرهم وروى الشيخان أنه قال لعبد الله بن عمرو اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك ويسمى ختم الأحزاب وترتيبه الأصح بل الوارد في الأثر ما يؤخذ من قول منسوب إلى علي كرم الله وجهه فمي بشوق أشار بالفاء إلى الفاتحة المفتوحة بها الجمعة وإلى ميم المائدة ثم إلى ياء يونس ثم إلى ياء بني إسرائيل ثم إلى شين الشعراء ثم إلى ق صلى الله عليه وسلم ثم إلى آخر القرآن قال النووي المختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر له بدقيق الفكر اللطائف والمعارف فليقتصر على قدر يحصل كمال فهم ما يقرؤه ومن اشتغل بنشر العلم أو فصل الخصومات من مهمات المسلمين فليقتصر على قدر لا يمنعه من ذلك ومن لم يكن من هؤلاء فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملالة أو الهذرمة وهي سرعة القراءة قال النووي كان السيد الجليل ابن كاتب الصوفي يختم بالنهار أربعا وبالليل أربعا أقول يمكن حمله على مبادىء طي اللسان وبسط الزمان وقد روي عن


الشيخ موسى السدراني من أصحاب الشيخ أبي مدين المغربي أنه كان يختم في الليل والنهار سبعين ألف ختمة ونقل عنه أنه ابتدأ بعد تقبيل الحجر وختم في محاذاة الباب بحيث سمعه بعض الأصحاب حرفا وبسط هذا المبحث في كتاب نفحات الأنس في حضرات القدس رواه الترمذي وأبو داود والدارمي وعن عقبة بن عامر قال قال رسول الله الجاهر أي المعلن بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر أي المخفي بالقرآن كالمسر بالصدقة قال الطيبي جاء آثار بفضيلة الجهر بالقرآن وآثار بفضيلة الأسرار به والجمع بأن يقال الإسرار أفضل لمن يخاف الرياء والجهر أفضل لمن لا يخافه بشرط أن لا يؤذي غيره من مصل أو نائم أو غيرهما وذلك لأن العمل في الجهر يتعدى نفعه إلى غيره أي من استماع أو تعلم أو ذوق أو كونه شعارا للدين


لأنه يوقظ قلب القارىء ويجمع همه ويطرد النوم عنه وينشط غيره للعبادة فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن صهيب بالتصغير قال قال رسول الله ما آمن بالقرآن أي بحكمه أو في الحقيقة من استحل محارمه جمع محرم بمعنى الحرام الذي هو المحرم والضمير للقرآن والمراد فردا من هذا الجنس قال الطيبي من استحل ما حرمه الله فقد كفر مطلقا وخص القرآن لجلالته قلت أو لكونه قطعيا أو لأن غيره به يعرف دليلا رواه الترمذي وقال هذا حديث ليس إسناده بالقوي وعن الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة بالتصغير عن يعلى بن مملك بفتح الميم الأولى واللام أنه سأل أم سلمة عن قراءة النبي فإذا هي أم سلمة تنعت أي تصف قراءة مفسرة أي مبينة حرفا حرفا أي كان يقرأ بحيث يمكن عد حروف ما يقرأ والمراد حسن الترتيل والتلاوة على نعت التجويد قال الطيبي يحتمل وجهين الأول أن تقول كانت قراءته كيت وكيت والثاني أن تقرأ مرتلة كقراءة النبي قال ابن عباس لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله بغير ترتيل وروى أبو يعلى في أمتي يقرأون القرآن نثر الدقل قال الجزري في النشر وأحسن بعض أئمتنا فقال ثواب قراءة الترتيل أجل قدرا وثواب الكثرة أكثر عددا اه ولا شك أن اعتبار الكيفية أولى من اعتبار الكمية إذ جوهرة واحدة تعدل الوفا من الدراهم والدنانير رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وعن ابن جريج بجيمين مصغرا عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة قالت كان


رسول الله يقطع قراءته من التقطيع أي يقرأ بالوقف على رؤوس الآيات يقول بيان لقوله يقطع قاله الطيبي وهو يحتمل أن يكون بدلا أو استئنافا أو حالا الحمد لله رب العالمين ثم يقف ثم يقول الرحمان الرحيم ثم يقف قيل هذه الرواية ليست بسديدة بل هذه لهجة لا يرتضيها أهل البلاغة والوقف التام عند مالك يوم الدين ولهذا استدرك عليه بقوله وحديث الليث أصح ذكره الطيبي وفيه أن الوقف المستحسن على أنواع ثلاثة الحسن والكافي والتام فيجوز الوقف على كل نوع عند القراء العظام وقد أشار إليها الجزري بقوله وهي لما تم فإن لم يوجد تعلق أو كان معنى فابتد فالتام فالكافي ولفظا فامنعن إلا رؤوس الآي جوز فالحسن وشرحه يطول ثم اختلف أرباب الوقوف في الوقف على رأس الآية إذا كان هناك تعلق لفظي كما فيما نحن فيه واستدل بهذا الحديث وعليه الشافعي وأجاب الجمهور عنه بأن وقفه كان ليبين للسامعين رؤوس الآي فالجمهور على أن الوصل أولى فيها والجزري على أنه يستحب الوقف عليها بالإنفصال وأغرب الطيبي حيث قال ولهذا قال حديث الليث أصح إذ لا دخل للمبحث بأن يكون بعض طرق الحديث أصح من بعض مع أن كون الحديث أصح بالاتصال يقوي الحكم المستفاد من الحديث بالانفصال فتأمل قول المصنف رواه الترمذي وقال ليس إسناده بمتصل لأن ابن أبي مليكة لم يدرك أم سلمة فيكون حديثه منقطعا لترك الواسطة لأن الليث روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة وحديث الليث أي اسناده لكونه متصلا بذكر ابن مملك أصح أي من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة لكونه منقطعا قال المؤلف في فصل التابعين هو ليث بن سعد فقيه أهل مصر روى عن ابن أبي مليكة وعطاء والزهري وحدث عنه خلق كثير منهم ابن المبارك قدم بغداد وعرض عليه المنصور ولاية مصر فأبى واستعفاه وقال قتيبة بن سعيد كان الليث بن سعد يستغل في كل سنة عشرين ألف دينار وما وجب عليه زكاة يعلى بن مملك تابعي وروى عن أم سلمة


وعنه ابن أبي مليكة هذا وقد تبع ابن الملك الطيبي حيث قال عند قوله حديث الليث أصح أي الرواية الأولى عن أم سلمة أصح من الثانية لأن الثانية ليست بسديدة سندا ولا مرضية لهجة لأن فيها فصلا بين الصفة والموصوف اه وقد تقدم أن هذا الوقف يسمى حسنا فقوله غير مرضية لهجة يكون قبيحا ثم ليس هنا روايتان بل رواية واحدة مسندة بسندين أحدهما منقطع والآخر متصل والثاني أصح ويقابل الأصح بالصحيح على أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقا فقوله ليست بسديدة ليس بسديد على الصواب والذهول عن اصطلاح المحدثين والقراء أوقعهما في خطأ الجواب وخبط العجاب لا يقال مراده بالرواية الأولى الحديث الأول لأنا نقول يدفعه قوله روى هذا الحديث احترازا عن الحديث الأول فتأمل

الفصل الثالث


عن جابر قال خرج علينا رسول الله ونحن نقرأ القرآن وفينا أي معشر القراء الأعرابي أي البدوي والعجمي وفي نسخة والأعجمي أي غير العربي من الفارسي والرومي والحبشي كسلمان وصهيب وبلال قاله الطيبي قال الطيبي قوله وفينا الخ يحتمل احتمالين أحدهما أن كلهم منحصرون في هذين الصنفين وثانيهما أن فينا معشر العرب أصحاب النبي أو فيما بيننا تانك الطائفتان وهذا الوجه أظهر لأنه عليه الصلاة والسلام فرق بين الأعرابي والعربي بمثل ما في خطبته مهاجر ليس بأعرابي حيث جعل المهاجر ضد الأعرابي والأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ولا واحد له من لفظه سواء أقام بالبادية أو المدن اه وحاصله أن العرب أعم من الأعراب وهم أخص ومنه قوله تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله التوبة فقال اقرؤوا أي كلكم فكل حسن أي فكل واحدة من قراءتكم حسنة مرجوة للثواب إذا آثرتم الآجلة على العاجلة ولا عليكم أن لا تقيموا ألسنتكم إقامة القدح وهو السهم قبل أن يراش وسيجيء أقوام يقيمونه أي يصلحون ألفاظه وكلماته ويتكلفون في مراعاة مخارجه وصفاته كما يقام القدح أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة لأجل الرياء والسمعة والمباهاة والشهرة قال الطيبي وفي الحديث رفع الحرج وبناء الأمر على المباهلة في الظاهر وتحري الحسبة والإخلاص في العمل والتفكر في معاني القرآن والغوص في عجائب أمره وأما قول ابن حجر ومع ذلك هم مذمومون لأنهم راعوا هذا الأمر السهل وزادوا في القبح أنهم ضموا إلى هذه الغفلة أنهم يقرؤونه لأجل حطام الدنيا فغير محمود إذ ليس الذم على مبالغتهم في مراعاة الأمر السهل بل الذم من جهة ترك الأمر المهم يتعجلونه أي ثوابه في الدنيا ولا يتأجلونه بطلب الأجر في العقبى بل يؤثرون العاجلة على الآجلة ويتأكلون ولا يتوكلون رواه أبو داود


والبيهقي في شعب الإيمان
وعن حذيفة قال قال رسول الله اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها عطف تفسيري أي بلا تكلف النغمات من المدات والسكنات في الحركات والسكنات بحكم الطبيعة الساذجة عن التكلفات وإياكم ولحون أهل العشق أي أصحاب الفسق ولحون أهل الكتابين أي أرباب الكفر من اليهود والنصارى فإن من تشبه بقوم فهو منهم قال الطيبي اللحون جمع لحن وهو التطريب وترجيع الصوت قال صاحب جامع الأصول ويشبه أن يكون ما يفعله القراء في زماننا بين يدي الوعاظ من اللحون العجمية في القرآن ما نهى عنه رسول الله وسيجيء أي سيأتي كما في نسخة بعدي قوم يرجعون بالتشديد أي يرددون بالقرآن أي يحرفونه ترجيع الغناء بالكسر والمد بمعنى النغمة والنوح بفتح النون من النياحة والمراد ترديد مخرجا لها عن موضوعها إذ لم يتأت تلحينهم على أصول النغمات إلا بذلك قال الطيبي الترجيع في القرآن ترديد الحروف كقراءة النصارى لا يجاوز أي قراءتهم حناجرهم أي طوقهم وهو كناية عن عدم القبول والرد عن مقام الوصول والتجاوز يحتمل الصعود والحدور قال الطيبي أي لا يصعد عنها إلى السماء ولا يقبله الله منهم ولا ينحدر عنها إلى قلوبهم ليدبروا آياته ويعملوا بمقتضاه مفتونة بالنصب على الحالية ويرفع على أنه صفة أخرى لقوم واقتصر عليه الطيبي أي مبتلي بحب الدنيا وتحسين الناس لهم قلوبهم بالرفع على الفاعلية وعطف عليه قوله وقلوب الذين يعجبهم شأنهم بالهمز ويبدل أي يستحسنون قراءتهم ويستمعون تلاوتهم رواه البيهقي في شعب الإيمان ورزين في كتابه وكذا الطبراني وعن البراء بن عازب قال سمعت رسول الله قال حسنوا القرآن أي زينوه بأصواتكم قال الطيبي وذلك بالترتيل وتحسين الصوت بالتليين والتحزين وهذا الحديث لا يحتمل القلب كما احتمله الحديث السابق لقوله فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا رواه الدارمي وعن طاووس تابعي جليل مرسلا قال سئل النبي أي الناس أحسن صوتا


للقرآن قيل اللام للتبيين وأحسن قراءة أي ترتيلا وأداء قال من إذا سمعته يقرأ أريت بصيغة المجهول أي حسبته وظننته أنه يخشى الله وتأثر قلبك منه أو ظهر عليه آثار الخشية كتغير لونه وكثرة بكائه قال الطيبي وكان الجواب من أسلوب الحكيم حيث اشتغل في الجواب عن الصوت الحسن بما يظهر الخشية في القارىء والمستمع قال طاووس وكان طلق كذلك أي بهذا الوصف قال الطيبي هو أبو علي طلق بن علي بن عمر والنخعي اليمامي ويقال أيضا طلق بن يمامة وهو والد قيس بن طلق اليمامي اه وذكره المؤلف في الصحابة وقال روى عنه ابنه قيس رواه الدارمي وعن عبيدة بفتح أوله قاله ابن حجر وفي نسخة بضم ففتح المليكي بالتصغير وكانت له صحبة أي بالنبي والجملة معترضة من كلام البيهقي أو غيره ولم يذكره المصنف في أسمائه قال قال رسول الله يا أهل القرآن خصوا بالخطاب لأنهم يجب عليهم المبالغة في أداء حقوقه أكثر من غيرهم لإختلاطه بدمهم ولحمهم ويحتمل أن يراد بهم المؤمنون كلهم لأنهم ما يخلون عن بعض القرآن أو المراد بأهل القرآن المؤمنون به كما في قوله عليه الصلاة والسلام يا أهل البقرة لا تتوسدوا القرآن أي لا تجعلوه وسادة لكم تتلون وتنامون عليه وتغفلون عنه وعن القيام بحقوقه وتتكاسلون في ذلك بل قوموا بحقه لفظا وفهما وعملا وعلما واتلوه حق تلاوته أي اقرؤه حق قراءته أو اتبعوه حق متابعته قال النووي في شرح المهذب عن الشيخ أبي محمد الجويني وأقره لو قرأ نستعين بوقفة لطيفة بين السين والثاء حرم عليه لأن ذلك ليس بوقف ولا منتهى آية عند أحد من القراء قال ابن حجر فيه دلالة على أن كل ما أجمع القراء على اعتباره من مخرج ومد وغيرهما وجب تعلمه وحرم مخالفته من آناء الليل والنهار أي اتلوه تلاوة كثيرة مستوفية لحقوقها في ساعات الليل والنهار واتلوه حق تلاوته حال كونها في ساعات هذا وهذا قال الطيبي لا تتوسدوا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون كناية رمزية عن التكاسل أي لا تجعلوه


وسادة تنامون عنه بل قوموا واتلوه آناء الليل وأطراف النهار وهذا معنى قوله فاتلوه حق تلاوته وثانيهما أن يكون كناية تلويحية عن التغافل فإن من جعل القرآن وسادة يلزم منه النوم فيلزم منه الغفلة يغني لا تغفلوا عن تدبر معانيه
وكشف أسراره ولا تتوانوا في العمل بمقتضاه والإخلاص فيه وهذا معنى قوله حق تلاوته إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور جامع للمعنيين فإن قوله أقاموا وانفقوا ماضيان عطفا على يتلون وهو مضارع دلالة على الدوام والاستمرار في التلاوة المثمرة لتجدد العمل المرجو منه التجارة المربحة اه كلامه رحمه الله وقد أطنب ابن حجر هنا بذكر الفروع الفقهية المتعلقة بالقرآن من تحريم توسد المصحف ومستثنياته وتحريم مد الرجل ووضع الشيء فوقه واستدباره وتخطيه ورميه وتصغير لفظه وجواز تقبيله وكراهة أخذ الفال منه ونقل تحريمه عن بعض المالكية وإباحته عن بعض الحنابلة وأمثال ذلك مما هو محله في كتب الفتاوى والخلافيات وأغرب من هذا أنه قال وعجيب من الشارح فإنه لعدم استحضاره لكلام الأئمة الذي ذكرته تردد في المراد بلا تتوسدوا وترددا ليس في محله فإنه لم يعول فيه على شيء من كلام الأئمة وإنما تكلم فيه بمجرد فهمه وليس ذلك بحسن اه وهو مبني على عدم فهمه كلام الطيبي وكلام الأئمة في الفقه الفرعي والمرء لا يزال عدوا لما جهل وقد علم كل أناس مشربهم وكل حزب بما لديهم فرحون وكل إناء يرشح بما فيه وأفشوه أي بالجهر والتعليم وبالعمل والكتابة والتعظيم وتغنوه أي استغنوا به عن غيره على ما تقدم وتدبروا ما فيه أي من الآيات الباهرة والزواجر البالغة والمواعيد الكاملة لعلكم تفلحون أي لكي تفلحوا أو حال كونكم راجين الفلاح وهو الظفر بالمطلوب ولا تعجلوا بتشديد الجيم المكسورة وفي نسخة بفتح التاء والجيم المشددة المفتوحة أي لا تستعجلوا ثوابه قال الطيبي أي لا تجعلوه من الحظوظ


العاجلة فإن له ثوابا أي مثوبة عظيمة آجلة رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب في توابع أخرى
باب بالرفع والوقف أي في توابع أخرى
الفصل الأول
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت هشام بن حكيم بن حزام
بكسر الحاء قبل الزاي قال الطيبي حكيم بن حزام قرشي وهو ابن أخ خديجة أم المؤمنين وكان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام تأخر إسلامه إلى عام الفتح وأولاده صحبوا النبي يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها أي من القراءة وكان رسول الله اقرأنيها أي سورة الفرقان فكدت أن أعجل عليه بفتح الهمزة والجيم وفي نسخة بالتشديد أي قاربت أن أخاصمه وأظهر بوادر غضبي عليه بالعجلة في أثناء القراءة ثم أمهلته حتى انصرف أي عن القراءة ثم لببته بالتشديد بردائه أي جعلته في عنقه وجررته قال الطيبي لبيت الرجل تلبيبا إذا جمعت ثيابه عند صدره في الخصومة ثم جررته وهذا يدل على اعتنائهم بالقرآن والمحافظة على لفظه كما سمعوه بلا عدول إلى ما تجوزه العربية فجئت به رسول الله أي إليه فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها قبل نزل القرآن على لغة قريش فلما عسر على غيرهم أذن في القراءة بسبع لغات للقبائل المشهورة كما ذكر في أصول الفقه وذلك لا ينافي زيادة القراآت على سبع للإختلاف في لغة كل قبيلة وإن كان قليلا وللتمكن بين الاختلاف في اللغات وقيل جميع القراآت الموجودة حرف واحد من تلك الحروف وستة منها قد رفضت ذكره الطيبي والظاهر أن هذا القيل هو القول والمراد بالحرف الواحد نوع ملمع مجمع من تلك الحروف مختار مما بينها منسوخ ما عداها وهو الذي جمع في مصحف عثمان والأول يوافق جمع أبي بكر الصديق رضي الله عنهم فقال رسول الله أرسله أي يا عمر وإنما سومح في فعله لأنه ما فعل لحظ نفسه بل غضبا لله بناء على ظنه وأما قول ابن حجر أن عمر كان بالنسبة لهشام كالمعلم بالنسبة للمتعلم فمدفوع بأنه ليس للمعلم ابتداء أن يفعل مثل هذا الفعل مع المتعلم اقرأ أي يا هشام فقرأ أي هشام القراءة التي سمعته


أي سمعت هشاما إياها على حذف المفعول الثاني يقرأ أي يقرؤها فقال رسول الله هكذا أنزلت أي السورة أو القراءة ثم قال لي اقرأ فقرأت فقال هكذا أنزلت أي على لسان جبريل كما هو الظاهر أو هكذا على التخيير أنزلت أن هذا القرآن أي جميعه أنزل على سبعة أحرف أي لغات أو قراآت أو أنواع قيل اختلف في معناه على أحد وأربعين قولا منها أنه مما لا يدري معناه لأن الحرف يصدق لغة على حروف الهجاء وعلى الكلمة وعلى المعنى وعلى الجهة قال العلماء إن القراآت وإن زادت على سبع فإنها راجعة إلى سبعة أوجه من الاختلافات الأول اختلاف الكلمة في نفسها بالزيادة والنقصان


كقوله تعالى ننشزها وننشزها وقوله سارعوا وسارعوا الثاني التغيير بالجمع والتوحيد ككتبه وكتابه الثالث بالاختلاف في التذكير والتأنيث كما في يكن وتكن الرابع الاختلاف التصريفي كالتخفيف والتشديد نحو يكذبون ويكذبون والفتح والكسر نحو يقنط ويقنط الخامس الاختلاف الأعرابي كقوله تعالى ذو العرش المجيد البروج برفع الدال وجرها السادس اختلاف الأداة نحو لكن الشياطين البقرة بتشديد النون وتخفيفها السابع اختلاف اللغات كالتفخيم والإمالة وإلا فلا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا القليل مثل عبد الطاغوت ولا تقل أف لهما وهذا كله تيسير على الأمة المرحومة ولذا قال فاقرؤا ما تيسر منه أي من أنواع القراآت بخلاف قوله تعالى فاقرؤا ما تيسر منه فإن المراد به الأعم من المقدار والجنس والنوع والحاصل أنه أجاز بأن يقرؤا ما ثبت عنه بالتواتر بدليل قوله أنزل على سبعة أحرف والأظهر أن المراد بالسبعة التكثير لا التحديد فإنه لا يستقيم على قول من الأقوال لأنه قال النووي في شرح مسلم أصح الأقوال وأقربها إلى معنى الحديث قول من قال هي كيفية النطق بكلماتها من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق وإمالة ومد وقصر وتليين لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه فيسر الله عليهم ليقرأ كل بما يوافق لغته ويسهل على لسانه اه وفيه أن هذا ليس على إطلاقه فإن الإدغام مثلا في مواقع لا يجوز الإظهار فيها في مواضع لا يجوز الاذغام فيها وكذلك البواقي وفيه أيضا أن اختلاف اللغات ليس منحصرا في هذه الوجوه لوجود إشباع ميم الجمع وقصره وإشباع هاء الضمير وتركه مما هو متفق على بعضه ومختلف في بعضه كاختلاف البخل والبخل ويحسب ويقنط والصراط والسراط وأما ما نقله ابن عبد البر ونسبه إلى أكثر العلماء رحمهم الله أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وعجل وهلم وأسرع فيجوز إبدال اللفظ بمرادفه أو ما يقرب منه لا بضده وحديث أحمد


بإسناد جيد صريح فيه وعنده بإسناد جيد أيضا من حديث أبي هريرة أنزل القرآن على سبعة أحرف عليما حكيما غفورا رحيما وفي حديث عنده بسند جيد أيضا القرآن كله صواب ما لم يجعل مغفرة عذابا أو عذابا مغفرة ولهذا كان أبي يقرأ كلما أضاء لهم سعوا فيه البقرة بدل مشوا فيه وابن مسعود أمهلونا أخرونا بدل أنظرونا الحديد وفيه أنه مستبعد جدا من الصحابة خصوصا من أبي وابن مسعود أنهما يبدلان لفظا من عندهما بدلا مما سمعاه من لفظ النبوة وأقاماه مقامه من التلاوة فالصواب أنه تفسير منهما أو سمعا منه عليه الصلاة والسلام الوجوه فقرأ مرة كذا ومرة كذا كما هو الآن في القرآن من الاختلافات المتنوعة المعروفة عند أرباب الشأن وكذا قال الطحاوي وإنما كان ذلك رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد لعدم علمهم بالكتابة والضبط واتقان الحفظ


ثم نسخ بزوال العذر وتيسير الكتابة والحفظ وكذا قال ابن عبد البر والباقلاني وآخرون هذا وكأنه عليه الصلاة والسلام كشف له أن القراءة المتواترة تستقر في أمته على سبع وهي الموجودة الآن المتفق على تواترها والجمهور على أن ما فوقها شاذ لا يحل القراءة به متفق عليه أي معنى واللفظ لمسلم وحديث نزل القرآن على سبعة أحرف ادعى أبو عبيدة تواتره لأنه ورد من رواية أحد وعشرين صحابيا ومراده التواتر اللفظي وأما تواتره المعنوي فلا خلاف فيه وقد ورد في حديث الصحيحين أقرأني جبريل على حرف واحد فراجعته فلم أزل أستزيده ويزدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف وفي رواية لمسلم فرددت إليه أن هون على أمتي فأرسل إلي أن أقرأه على سبعة أحرف قال العلماء وسبب إنزاله على سبعة أحرف التخفيف والتسهيل ولهذا قال هون على أمتي وكما صرح به في آخر الحديث فاقرؤا ما تيسر منه وعن ابن مسعود قال سمعت رجلا قرأ وسمعت النبي يقرأ خلافها أي غير قراءة ذلك الرجل والضمير راجع إلى المصدر المفهوم من قرأ فجئت به أي أحضرته النبي فأخبرته أي بما سمعت من الخلاف فعرفت في وجهه الكراهية بتخفيف الياء أي آثار الكراهة خوفا من الاختلاف المتشابه باختلاف أهل الكتاب لأن الصحابة عدول ونقلهم صحيح فلا وجه للخلاف فقال كلاكما محسن أي في رواية القراءة قال الطيبي أما الرجل ففي قراءته وأما ابن مسعود ففي سماعه من النبي والكراهة راجعة إلى الجدال فكان من حقه أن يقرأ على قراءته ثم يسأل النبي اه وفيه بحث لأنه لو قرأ على قراءته لما كان متواترا بل شاذا آحادا ولا تجوز القراءة بالشواذ وقال ابن الملك إنما كره اختلاف ابن مسعود مع ذلك الرجل في القرآن لأن قراءته على وجوه مختلفة جائزة فإنكار بعض تلك الوجوه وهو إنكار للقرآن وهو غير جائز قلت هذا وقع من ابن مسعود قيل العلم بجواز الوجوه المختلفة وإلا فحاشاه أن ينكر بعد العلم ما يوجب إنكار القرآن وهو من أجل الصحابة بعلم القرآن وأفقههم


بأحكام الفرقان وهذا منه يؤيد ما قدمناه في تأويل قراءته أمهلونا وأخرونا بدل أنظرونا ولعل وجه ظهور الكراهية في وجهه عليه الصلاة والسلام إحضاره الرجل فإنه كان حقه أن يحسن الظن به ويسأل النبي عما وقع له ويمكن أنه ظهرت الكراهية في وجهه عليه الصلاة والسلام عندما صنع عمر أيضا لكن عمر لشدة غضبه ما شعر أو حلم عليه الصلاة والسلام لما رأى به من الشدة أو تعظيما له لأنه من أجلة أصحابه وهذا من جملة خدمته على بابه وهذا أولى مما ذكره ابن حجر على وجه الاحتمال


واعترض على الطيبي في قوله أن الكراهة راجعة إلى الجدال والله أعلم بالحال فلا تختلفوا أي أيها الصحابة أو أيها الأمة وصدقوا بعضكم بعضا في الرواية بشروطها المعتبرة عند أرباب الدراية فإن من كان قبلكم أي من اليهود والنصارى اختلفوا بتكذيب بعضهم بعضا فهلكوا بتضييع كتابهم وإهمال خطابهم رواه البخاري وعن أبي بن كعب قال كنت في المسجد فدخل رجل يصلي استئناف أو حال فقرأ قراءة أي في صلاته أو بعدها أنكرتها عليه أي بالجنان أو باللسان ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه أي فأنكرتها عليه أيضا فلما قضينا الصلاة دل على أن أبيا أيضا كان في الصلاة والظاهر أنها صلاة الضحى أو نحوها من النوافل ويمكن أن يكون التقدير فلما قضينا جميعا الصلاة المفروضة التي حضرنا لأجلها ويؤيد المعنى الأول ما في نسخة فلما قضينا الصلاة أي فرغنا عنها دخلنا جميعا أي كلنا أو مجتمعون على رسول الله أي في موضعه من المسجد لصلاته أو في حجرة من حجراته فقلت إن هذا لما دخل المسجد قرأ قراءة أنكرتها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه أي فأنكرتها عليه كما هو الظاهر من السياق فأمرهما النبي فقرآ بلفظ التثنية أي كلاهما فحسن شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب قال السيد جمال الدين في أكثر نسخ المشكاة بصيغة المجهول ولكن في سماعنا في رواية مسلم على بناء المعروف قلت يؤيد الأول ما نقل شراح المصابيح كابن الملك وغيره أي بصيغة المجهول وهو الصحيح في المعنى كما سيظهر لك فتكون مطابقة بين الرواية والدراية وذهب ابن حجر إلى الثاني حيث قال أي وقع في خاطري أمر عظيم لا أقدر على وصفه وحذف الفاعل المعلوم جائز وكني عن خطر المستعمل في المعاني بسقط المستعمل في الأجسام إشعارا بشدة هذا الخاطر وثقله ولو زيد وقيل لسقوط هذا الخاطر من غير اختيار وأسقطه لأنه بدون اعتبار لكان حسنا عند أولي الأبصار قال الطيبي في بعض النسخ سقط بصيغة المجهول أي ندم فتأمل فإنه ليس بشيء اه


فكأنه وهم أن قوله من التكذيب يأباه فتدبر ولا إذ كنت في الجاهلية قال الطيبي يعني وقع في خاطري من تكذيب
النبي لتحسينه بشأنهما تكذيبا أكثر من تكذيبي إياه قبل الإسلام لأنه كان قبل الإسلام غافلا أو مشككا وإنما استعظم هذه الحالة لأن الشك الذي داخله في أمر الدين إنما ورد على مورد اليقين وقيل فاعل سقط محذوف أي وقع في نفسي من التكذيب ما لم أقدر على وصفه ولم أعهد بمثله ولا وجدت مثله إذ كنت في الجاهلية وكان أبي من أكابر الصحابة وكان ما وقع له نزعة من نزعات الشيطان فلما ناله بركة يد النبي زال عنه الغفلة والإنكار وصار في مقام الحضور والمشاهدة اه وتبعه في هذا ابن الملك وقال وتبعته بعد المعرفة أتم وآثم أي أكثر إثما وحاصل كلامهما نعوذ بالله تكفيره رضي الله عنه وهذه نزعة جسيمة وجرأة عظيمة فإن عبارة آحاد الناس إذا احتملت تسعة وتسعين وجها من الحمل على الكفر ووجها واحدا على خلافه لا يحل أن يحكم بارتداده فضلا عما ورد على لسان من هو أفضل الصحابة عموما ومن أكملهم في أمر القراءة خصوصا فنقول وبالله التوفيق وبيده أزمة التحقيق إن لفظ سقط جاء في قوله تعالى ولما سقط في أيديهم الأعراف القراءة المتواترة على الضم فتحمل رواية الحديث عليه مطابقة بينهما ولا شك أن قوله تعالى في أيديهم وقوله في الحديث في نفسي بمعنى واحد لأنه كثيرا ما يعبر عن النفس بالأيدي إلا أن البلاغة القرآنية والفصاحة الفرقانية بلغت غاية العليا فعبرت بالعبارة الحسنى قال القاضي هو كناية من شدة ندمهم فإن المتحسر يعض يده غما فتصير يده سقوطا فيها وقرىء سقط على بناء الفاعل بمعنى وقع العض فيها وقيل سقط الندم في أنفسهم اه وهو غاية المنى وفي القاموس سقط وقع وبالضم ذل وندم وتحير فعلى رواية الضم معناه ندمت من تكذيبي وانكاري قراءتهما ندامة ما ندمت مثلها إلا في الإسلام ولا إذ كنت في الجاهلية على رواية الفتح معناه أوقع الندم في نفسي من أجل تكذيب


قراءتهما ندما ما لم أندم مثله في حال الإسلام ولا حين كنت في أمور الجاهلية لأنه كان من العقلاء والعاقل لا يكذب إلا ما ينافي العقل أو النقل وقراءتهما ما كانت منافية لأحد الأمرين إذ لا يلزم من تحسين القراءة من فساد إحداهما عقلا ونقلا سيما وأخبر الصادق أنهما صحيحتان فكيف يصلح مثل هذا أن يكون سببا للشك في النبوة الثابتة بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة والأدلة القاطعة والبراهين اللامعة من الحقائق العقلية والدقائق النقلية فضلا عن التكذيب ممن وهو موصوف بجمال التهذيب وكمال التأديب ثم رأيت ابن حجر وافقني وقال أي من أجل تكذيبي لكل من الرجلين في قراءتهما وقد تبين أن ما قرأه من القرآن ومن المعلوم أن التكذيب بالقرآن كفر فلذا عظم علي الأمر الآن ما لم يعظم علي غيره في زمن مضى ولا إذ كنت أي ولا في الزمن الذي كنت في الجاهلية لأن ما يفعل فيها مرفوع بالإسلام بخلاف ما يفعل بعدها لا سيما إن كان فيه تكذيب بالقرآن فعلم أن الواو للعطف وأن المعطوف عليه منفي وأن لا لتأكيد ذلك النفي كهي في ولا غربية وهي أسد في العربية من جعل ولا إذ كنت صفة لمصدر محذوف لأن واو العطف مانعة ويجوز كونها للحال لكنه بعيد متكلف اه وفيه أن كلامه موهم


بأنه وقع منه تكذيب بالقرآن وليس كذلك لأن القراءة إذ لم تكن ثابتة بالتواتر فانكارها لم يكن تكذيبا للقرآن فكأنه أراد صورة التكذيب لا حقيقته مع أنه خطور ليس فيه محظور لأن صاحبه في وقوعه معذور وهذا معنى قول النووي معناه وسوس إلي الشيطان تكذيبا أشد مما كنت عليه في الجاهلية لأنه كان في الجاهلية غافلا أو متشككا وحينئذ دخل الشك في اليقين اه وكأنه أراد بدخول الشك دخولا على وجه الوسوسة ليلائم أول كلامه فإنه لا يلزم من الوسوسة دخول الشك على وجه الحصول والاستقرار وبه يندفع إدراجه مع بقية الشراح في الاعتراض كما فعله ابن حجر فتأمل وتدبر فلما رأى رسول الله ما قد غشيني أي أتاني من آثار الخجالة وعلامات الندامة أو لما علم ما في خاطري بالمعجزة من حصول الوسوسة ضرب صدري أما للتأديب وأما لإخراج الوسوسة ببركة يده وأما للتلطف وأما لإرادة الحفظ أو لتذكر القضية وعدم العود إلى مثلها ففضت بكسر ألفاء الثانية عرقا تمييز أي فجرى عرقي من جميع بدني إستحياء منه عليه الصلاة والسلام وندامة على ما فعله وفناء عن نفسه وإغماء عن حاله وكأنما وفي نسخة فكأنما أنظر إلى الله فرقا أي خوفا قيل تمييز والأظهر أن نصبه على المفعول له أي فكأني لأجل الخوف على ما فعلت أحضرت بين يدي الله للحكم في بما أراد فقال لي يا أبي أي تسكينا وتبيينا أرسل إلي على بناء المجهول أي أرسل الله جبريل وفي نسخة على بناء المعلوم أي أرسل الله إلي أن أقرأ القرآن بصيغة الأمر وفي نسخة بصيغة المعلوم المتكلم قال الطيبي إن مفسرة وجوز كونها مصدرية على مذهب سيبويه وإن كانت داخلة على الأمر على حرف أي قراءة واحدة فرددت أي جبريل إليه أي فراجعت إلى الله تعالى أن هون أي سهل ويسر على أمتي أن مصدرية ولا يضر كون مدخولها أمرا لأنها تدخل عليه عند سيبويه أو مفسرة لما في رددت من القول يقال رد إليه إذا رجع وأما قول ابن حجر أي فقلت له قولا متكررا فلا دلالة عليه رواية ولا


دراية فرد إلي الثانية ماض مجهول أو معلوم أي رد الله إلي الارسالة الثاني أقرأه بصيغة الأمر أو المتكلم وهو بدون أن كما في النسخ المصححة خلافا لما توهمه عبارة ابن حجر قال الطيبي دل على أن قوله رد ورد أما على سبيل المشاكلة وأما أنه كان مسبوقا لسؤاله عليه الصلاة والسلام عن كيفية القراءة والمراد بالرد رجع الكلام ورد الجواب على حرفين أي نوعين فرددت إليه أن هون على أمتي أي بزيادة التهوين فرد بالوجهين إلي الثالثة اقرأه بالضبطين على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتكها أي لك بمقابلة كل دفعة رجعت إلي ورددتكها بمعنى أرجعتك إليها بحيث ما هونت على أمتك من أول الأمر مسألة تسألنيها قال ابن الملك هذه الجملة صفة مؤكدة يعني مسألة مستجابة قطعا وقال الطيبي أي ينبغي أن تسألنيها


فأجيبك إليها فقلت اللهم اغفر لأمتي لعل المراد بهم أهل الكبائر اللهم اغفر لأمتي أي لأهل الصغائر وعكس ابن حجر وقال شارح لما انقسم المحتاج إلى المغفرة من أمته إلى مفرط ومفرط استغفر للمقتصد المفرط في الطاعة وأخرى للظالم المفرط في المعصية أو الأولى للخواص لأن كل أحد لا يخلو عن تقصير ما في حقه تعالى كما قال كلا لما يقض ما أمره والثانية للعوام أو الأولى في الدنيا والأخرى في العقبى وأخرت الثالثة أي المسألة الثالثة وهي الشفاعة الكبرى ليوم أي لأجل يوم أو إلى يوم يرغب أي يحتاج إلي بتشديد الياء الخلق أي المكلفون كلهم حين يقولون نفسي نفسي حتى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالرفع معطوف على الخلق وفيه دليل على رفعة إبراهيم على سائر الأنبياء وتفضل نبينا على الكل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين رواه مسلم وعن ابن عباس قال إن رسول الله قال أقرأني جبريل على حرف واحد أي أولا فراجعته أي الله أو جبريل فلم أزل أستزيده أي أطلب من الله الزيادة أو أطلب من جبريل أن يطلب من الله الزيادة بعد الاجابة ويزيدني حتى أنتهي أي طلب الزيادة والإجابة أو أمر القرآن إلى سبعة أحرف أي إلى إعطائها قال ابن شهاب أي الزهري بلغني أن تلك السبعة الأحرف بالنصب على الوصفية وقيل بالجر على الإضافة إنما هي في الأمر أي في نفس الأمر وفي الحقيقة تكون بالتأنيث ويذكر واحدا لا يختلف بالوجهين في حلال ولا حرام يعني أن مرجع الجميع واحد في المعنى وإن اختلف اللفظ في هيآته وأما الاختلاف بأن يصير المثبت منفيا والحلال حراما فذلك لا يجوز في القرآن قال تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا النساء وهذا لما كان من عند الله فلم يجدوا فيه اختلافا يسيرا وكان ابن شهاب قصد بذلك رد القول المشهور أن المراد بالأحرف السبعة أن القرآن أنزل على سبعة أصناف ثم اختلف القائلون فقيل أمر ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال واحتجوا بحديث الحاكم


والبيهقي كانت الأول تنزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجرا وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال وأجاب عنه قوم بأنه ليس المراد بما فيه تلك
الأحرف السبعة التي في الأحاديث السابقة لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا إذ هي ظاهر في أن المراد يقرأ على وجهين وثلاثة إلى سبعة تيسيرا وتهوينا والشيء الواحد لا يكون حلالا وحراما في آية واحدة وبه جزم بعضهم فقال من أول تلك بهذه فهو فاسد وممن ضعف هذا القول ابن عطية فقال الإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل ولا تحريم ولا تغيير شيء من المعاني المذكورة وبه صرح الماوردي وقال غير واحد قوله في الحديث زاجر إلخ استئناف أن القرآن زاجر وآمر ويؤيده زاجر بالنصب أي نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف حال كونه زاجر إلخ وقال أبو شامة يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب لا للأحرف أي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه أي أنزل الله على هذه الأصناف لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب اه وهو الظاهر المتبادر وأما ما قال الأصوليون من الفقهاء أن المراد بتلك الأصناف المطلق والمقيد والعام والخاص والنص والمؤول والناسخ والمنسوخ والمجمل والمفسر والاستثناء وأقسامه فهي وإن كانت موجودة في القرآن منزلة فيه إلا أنها لا تحتمل التخيير ولا التبديل المفهوم من سبب الورود في الحديث من منطوق القرآن والحديث فاقرؤوا ما تيسر من القرآن وكذا ما ذكره اللغويون من أن المراد بها الحذف والصلة والتقديم والتأخير والاستعارة والتكرار والكناية والحقيقة والمجاز والمجمل والمفسر والظاهر والغريب وعلى هذا القياس ما حكى النجاة من أن المراد بها التذكير والتأنيث والشرط والجزاء والتصريف والإعراب والأقسام وجوابها والجمع والإفراد والتصغير والتعظيم واختلاف الأدوات فإن بعضها ثابت جاز تغيرها على ما ورد من التذكير والتأنيث والجمع والإفراد والاعراب واختلاف


الأدوات وأما سائر الصفات فما ورد شيء منها ولا يجوز أن يكون داخلا تحت قوله فاقرؤوا ما تيسر وكذا ما حكي عن الصوفية من أنها الزهد والقناعة مع اليقين والحرمة والخدمة مع الحياء والكرم والفتوة مع الفقر والمجاهدة والمراقبة مع الخوف والرجاء والتضرع والاستعانة مع الرضا والشكر والصبر مع المحاسبة والمحبة والشوق مع المشاهدة لأنها موجودة في القرآن مع زيادة تبلغ الفا كما حقق في منازل السائرين ومقدمات العارفين ولكن تنزيل هذه المذكورات على كونها مرادة من الحديث الموضوع للتيسير والتخفيف بالتخيير مما لا يظهر له وجه والحاصل أن كلا عرف بمذهبه وعرف من مشربه من غير ملاحظة للفظ باقي الحديث ولسبب وروده فتكلموا على معنى القرآن أنزل على سبعة أحرف والله أعلم متفق عليه

الفصل الثاني


عن أبي بن كعب قال لقي رسول الله جبريل فقال يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين أي لا يحسنون القراءة ولو أقرأتهم على قراءة واحدة لا يقدرون عليها لأن منهم من جرى لسانه على الإمالة أو الفتح ومنهم من يغلب على لسانه الإدغام أو الإظهار ونحو ذلك ومع هذا منهم العجوز والشيخ الكبير وهما عاجزان عن التعلم للكبر والغلام والجارية وهما غير متمكنين من القراءة للصغر والرجل أي ومنهم الرجل المتوسط الذي لم يقرأ كتابا قط قال أي بعد المراجعات يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف أي على سبع لغات فليقرأ كل بما يسهل عليه وظاهره جواز التركيب والتلفيق في القراءة ولكن المحققون على منعه في نفس واحد منع تنزيه وكذا قالوا بمنع ما يتغير به المعنى منع تحريم رواه الترمذي والظاهر أن رواية أبي عن جبريل هذا الإجمال رواية عنه بالمعنى والظاهر أن أبيا سمع النبي يحكي عن جبريل ما مر عنه من التفصيل أنه لم يزل يستزيده حتى انتهى إلى السبعة فروى هنا حاصل ذلك فهو أنه بعد تلك الاستزادة نزل على سبعة أحرف ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر لجبريل ما في هذا الحديث قال إن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة على سبعة أحرف لكنها متوقفة على سؤالك فسلها واحدا بعد واحد حتى تعطاها كلها وفي رواية لأحمد وأبي داود قال أي جبريل بعد الأحرف ليس منها أي ليس حرف من تلك الأحرف إلا شاف أي للعليل في فهم المقصود كاف للإعجاز في اظهار البلاغة وقيل أي شاف لصدور المؤمنين للإتفاق في المعنى وكاف في الحجة على صدق النبي وفي رواية للنسائي قال إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال أي لي جبريل اقرأ القرآن على حرف قال ميكائيل استزده أي أطلب زيادة قراءة القرآن على حرف من الله أو من جبريل ليعرض على الله ثم لا يزال يقول له ذلك وهو يطلب الزيادة


ويجاب حتى بلغ سبعة أحرف فكل حرف شاف أي في إثبات المطلوب للمؤمنين كاف في الحجة على الكافرين وعن عمران بن حصين أنه مر على قاص بتشديد الصاد أي يحكي القصص والأخبار يقرأ أي القرآن حال أو استئناف ثم يسأل أي يطلب منهم شيئا من الرزق فاسترجع أي عمر أن يعني قال إنا لله وإنا إليه راجعون لأنه بدعة وظهور معصية وأمارة القيامة ثم قال أي عمران سمعت رسول الله يقول من قرأ القرآن فليسأل الله به أي فليطلب من الله تعالى بالقرآن ما شاء من أمور الدنيا والآخرة لا من الناس أو المراد أنه إذا أمر بآية رحمة فليسألها من الله تعالى أو بآية عقوبة فيتعوذ اليه بها منها وأما بأن يدعو الله عقيب القراءة بالأدعية المأثورة وينبغي أن يكون الدعاء في أمر الآخرة وإصلاح المسلمين في معاشهم ومعادهم فإنه أي الشأن سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس أي بلسان القال أو ببيان الحال رواه أحمد والترمذي
الفصل الثالث
عن بريدة قال قال رسول الله من قرأ القرآن يتأكل به الناس أي يطلب به الأكل من الناس قال الطيبي يعني يستأكل كتعجل بمعنى استعجل والباء في به للآلة أي أموالهم جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم لما جعل أشرف الأشياء وأعظم الأعضاء وسيلة إلى أدناها وذريعة إلى أردئها جاء يوم القيامة في أقبح صورة وأسوء حالة قال بعض العلماء استجرار الجيفة بالمعازف أهون من استجرارها بالمصاحف وفي الأخبار من طلب بالعلم المال كان كمن مسح أسفل مداسه ونعله بمحاسنه لينظفه وروي عن الحسن البصري أنه قال البهلوان الذي يلعب فوق الحبال أحسن من العلماء الذين يميلون إلى المال لأنه يأكل الدنيا بالدنيا وهؤلاء يأكلون الدنيا بالدين فيصدق عليهم قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدي فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين البقرة وقد مدح


الشاطبي القراء السبعة ورواتهم بقوله تخيرهم نقادهم كل بارع وليس علر قرآنه متأكلا رواه البيهقي في شعب الإيمان وعن ابن عباس قال كان رسول الله لا يعرف فصل الصورة بالصاد المهملة أي انفصالها وانقضائها أو فصلها عن سورة أخرى حتى ينزل عليه بسم الله الرحمان الرحيم تعلق به أصحابنا حيث قالوا إن البسملة آية أنزلت للفصل وظاهر الحديث أن الإنزال مكرر ولا محذور فيه بل يدل على شرفها لتكرار نزول الفاتحة على قول وقال الطيبي هذا الحديث والذي سيرد في آخر الباب دليلان ظاهران على أن البسملة جزء من كل سورة أنزلت مكررة للفصل قلت لا دلالة في الحديثين على الجزئية لا على وجه الجزئية ولا على وجه الكلية بل فيها دلالة اجمالية على أنها من الآيات القرآنية والأجزاء الفرقانية بل قال الباقلاني فيه دلالة على أن البسملة ليست قرآنا وإنما هي فاصلة بين السورتين لكن الصواب أنها آية لوصفها بالانزال ولعل الغزالي لهذا قال ما من منصف إلا ويسترده ويضعفه لكنها غير متعلقة بسورة سوى ما في النمل ويدل عليه عدم كتابتها في أول التوبة بناء على التوقيف في محلها ولا ينافيه ما ورد من النكتة والحكمة في عدم إشارة الشارع إلى كتابتها في أولها عن علي أن البسملة آية رحمة والسورة متضمنة للبراءة والمقاتلة وهذا معنى قول الشاطبي رحمه الله ومهما تصلها أو بدأت براءة لتزيلها بالسيف لست مبسملا وأما قول ابن حجر ومما يدل لمذهبنا أن البسملة آية كاملة من أول كل سورة على الأصح عندنا غير براءة إجماعا خبر مسلم عن أنس بينا النبي بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقلنا ما أضحكك يا نبي الله قال أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمان الرحيم إنا أعطيناك الكوثر إلى آخرها فيه أنه لا دلالة على المطلوب فإن قراءته بالبسملة إظهارا بفصل السورة أو تبركا بالتسمية لا يدل على أنها حزء السورة فضلا عن أن تكون آية كاملة من أول كل سورة ثم قال وخبر البخاري


عنه أنه سئل عن قراءة النبي فقال كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمان الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمان ويمد الرحيم اه وهذا أبعد دلالة لأنه أراد به المثال مع أنها من جملة القرآن في النمل إجماعا
وللفصل عند الجمهور واعلم أنه لا يكفر جاحد البسملة ولا مثبتها إجماعا خلافا لمن غلط فيه في الجانبين رواه أبو داود وصححه الحاكم وعن علقمة تابعي جليل قال كنا بحمص بكسر الحاء وسكون الميم وهو غير منصرف وقد ينصرف بلدة بالشام فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل ما هكذا أنزلت أي السورة أو القرآن فقال عبد الله والله لقرأتها على عهد رسول الله أي في زمانه ولم ينكر أحد علي لأني قرأت على رسول الله وقال ابن حجر على عهده أي في حضرته وهو يسمع فقال أي النبي أحسنت أي أنت القراءة بالترتيل والتجويد وغيرهما وهذه منقبة عظيمة لم يذكرها افتخارا بل تحدثا بنعمة الله واحتجاجا على عدو الله فبينا وفي نسخة فبينما هو أي ابن مسعود يكلمه أي ذلك الرجل ويحتمل العكس إذ وجد أي ابن مسعود ريح الخمر فقال أتشرب الخمر أي أتخالف معنى القرآن وحكمه وتكذب بالكتاب أي بقراءته أو أدائه فضربه الحد أي لكونه متوليا قال الطيبي هذا تغليظ لأن تكذيب الكتاب كفر وإنكار القراءة في جوهر الكلمة كفر دون الأداء ولذا أجرى عليه حد الشارب لا حد الردة قال ابن حجر وهذا مبني على قول ضعيف أن ما كان من قبيل الأداء ليس بمتواتر والأصح أن ما أجمع عليه القراء متواتر مطلقا فيكفر منكره نعم يحتمل أن الذي أنكره لم يكن متواترا حينئذ في تلك الجهة فهو لا كفر به وأن صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قرأ به ثم ظاهر الحديث أنه ضربه حد الخمر بناء على ثبوت شربه بالرائحة وهو مذهب جماعة ومذهبنا ومذهب الشافعي خلافه لأن ريحه نحو التفاح الحامض وكذا السفر جل يشبه رائحة الخمر ولإحتمال أنه شربها إكراها أو إضطرارا وقد صح الخبر ادرؤوا الحدود بالشبهات ولعله حصل منه اقرار أو قام عليه بينة أو


المراد بالحد التعزير لكن الظاهر من السياق أنه لم يعزره على قوله ما هكذا أنزلت لأن الحق لابن مسعود لكونه نسبه إلى قراءة غير القرآن فعفا عنه في حقه متفق عليه
وعن زيد بن ثابت قال أرسل إلي أي أحدا أبو بكر رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة نصب على الظرفية أي عقيب زمان قتلهم وهي بلاد قال في القاموس اليمامة القصد كاليمام وجارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام وبلاد الجو منسوبة إليها سميت باسمها لأنها أكثر نخيلا من سائر الحجاز وبها تنبأ مسيلمة الكذاب وهي دون المدينة في وسط الشرق عن مكة على ست عشرة مرحلة من البصرة وعن الكوفة نحوها وأغرب ابن حجر فقال واليمامة قرية بينها وبين الطائف يومان أو يوم كذا أطبقوا عليه قال الطيبي بعث أبو بكر رضي الله عنه خالد بن الوليد مع جيش من المسلمين إلى اليمامة فقاتلهم بنو حنيفة قتالا لم ير المسلمون مثله وقتل من القراء يومئذ سبعمائة قيل وقتل من المسلمين ألف ومائتان ثم أن جماعة من المسلمين كالبراء بن مالك وغيره حملوا على أصحاب مسيلمة فانكشفوا وتبعهم المسلمون وقتلوا مسيلمة وأصحابه قتله وحشي قاتل حمزة فقالوا له هذه بتلك فإذا عمر أي قال زيد فجئته فإذا عمر بن الخطاب عنده أي عند أبي بكر قيل وسبب مجيئه لطلب جمعه ما جاء بسند منقطع أنه سأل عن آية فقيل له كانت مع فلان قتل يوم اليمامة فقال إنا لله وأتى بجمع القرآن فكان أول من جمعه في المصحف والمراد بكونه أول من جمعه أنه أول من تسبب في جمعه قال أبو بكر أي لزيد أن عمر أتاني فقال أي عمر أن القتل قد استحر من الحر بمعنى الشدة أي اشتد وكثر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى إن أستحر القتل بفتح همزة أن وتكسر بالقراء متعلق بالفعل أو القتل بالمواطن ظرفية أي في المواطن الأخر من الحروب التي يحتاجون إليها لدفع أعداء الإسلام الكثيرين قال الطيبي رحمه الله أي أخشبي استحراره والمراد الزيادة على ما كان يوم اليمامة لأن


الخشية إنما تكون مما لم يوجد من المكاره فقوله إن استحر مفعول أخشى والفاء في فيذهب للتعقيب ويحتمل أن يكون أن بالكسر والجملة الشرطية دالة على مفعول أخشى فيذهب كثير من القرآن في بعض النسخ بالنصب وهو ظاهر لفظا ومعنى عطفا على استحر على أن مصدرية وهي الرواية الصحيحة وفي أكثر النسخ المصححة المقروءة على المشايخ بالرفع مع فتح الهمزة في أن فقيل رفعه على أنه جواب شرط محذوف أي فإذا استحر فيذهب أو عطف على محل أني أخشى أي فيذهب حينئذ كثير من القرآن بذهاب كثير من قراء الزمان وإني أرى أن تأمر من الرأي أي أذهب إلى أن تأمر كتب الوحي يجمع القرآن قبل تفرق قراء الدوران قلت أي قال أبو بكر قلت لعمر كيف تفعل بصيغة الخطاب وقيل


بالتكلم أي أنت أو نحن شيئا لم يفعله رسول الله هذا لا ينافي ما ذكره الحاكم في مستدركه جمع القرآن ثلاث مرات إحداها بحضرة النبي ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد كنا عند النبي يؤلف القرآن في الرقاع الحديث لأن ذلك الجمع غير الجمع الذي نحن فيه ولذا قال البيهقي يشبه أن يكون المراد تأليف ما نزل من الآيات المفرق في سورة وجمعها فيها بإشارة النبي فقال عمر هذا والله خير أي هذا الجمع في مصحف واحد وإن كان بدعة لكن لأجل الحفظ خير محض فلم يزل عمر يراجعني أي يراودني في الخطاب والجواب حتى شرح الله صدري لذلك أي لذلك الجمع الموجب لعدم التفرق ورأيت في ذلك أي ما ذكر من الجمع أو الشرح الذي رأى عمر قال زيد قال أبو بكر أي بعد أن ذكر الأمر الذي هو توطئة للأمر بالجمع إنك رجل أي كامل في الرجولية شاب عاقل قال الطيبي إشارة إلى القوة وحدة النظر وقوة الضبط والحفظ والأمانة والديانة لا نتهمك أي بتشديد التاء أي لا ندخل عليك التهمة لعدالتك في شيء مما تنقله في القاموس اتهمه بكذا اتهاما واتهمه كافتعله أدخل عليه التهمة كهمزة أي ما يتهم عليه فأتهم هو وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله أي غالبا لأن كتابه عليه الصلاة والسلام بلغوا أربعا وعشرين منهم الخلفاء الأربعة كما في المواهب والمعنى أنك في جمعه وكتابته مؤتمن فتتبع القرآن أمر من باب التفعل أي بالغ في تحصيله من المواضع المتفرقة فاجمعه أي جمعا كليا في مصحف واحد محافظ للمراجعة عند الحاجة فوالله أي قال زيد فوالله لو كلفوني أي أبو بكر وعمر ومن تبعهما أو بناء على أن أقل الجمع اثنان أو المراد به أبو بكر والجمع للتعظيم نقل جبل من الجبال أي وكان مما يمكن نقله ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قال ابن حجر لأن في ذلك تعب الجثة وهذا فيه تعب الروح اه والأظهر أن يقال لأن ذلك أمر مباح وكان هذا بزعمه أنه لا يجوز في الشريعة ولهذا قال أي زيد فقلت أي لأبي بكر أو مع عمر كيف


تفعلون ويمكن أن يحمل على تغليب الخطاب شيئا لم يفعله رسول الله أي ولم يأمر به أيضا فكأنه ما اكتفى بما تقدم ولم
ينشرح صدره بعد ولم يرض بالتقليد مع استصعابه القضية لأنها تحتاج إلى اثبات القرآن بالأدلة القطعية قال أي أبو بكر هو أي الجمع والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني أي يذكر أبو بكر السبب وأنا أدفع حتى شرح الله صدري للذي شرح أي الله له صدر أبي بكر وعمر قيل إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال قال رسول الله لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن الحديث فلا ينافي ذلك لأن الكلام في كتابه مخصوصة على صفة مخصوصة وقد كان القرآن كله كتب في عهد رسول الله لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور وقال الحارث المحاسبي في كتاب فهم السنن كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنه كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقا في الرقاع ونحوها وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله فيها القرآن منتشرا فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء كذا في الإتقان فتتبعت القرآن أجمعه حال من الفاعل أو المفعول من العسب بضمتين جمع عسيب جريدة من النخل وهي السعفة مما لا ينبت عليه الخوص كذا في النهاية وزاد في القاموس حيث قال جريدة من النخل مستقيمة دقيقة مكشط خوصها والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف والسعف محركة جريد النخل أو ورقه وأكثر ما يقال إذا يبس واللخاف بكسر اللام جمع لخفة بالخاء المعجمة المكسورة وهي الحجارة البيض الرقاق التي كانت في أيدي القراء من الصحابة وفي رواية والرقاع وهي جمع رقعة وقد تكون من جلد أو ورق وفي أخرى وقطع الأديم وفي أخرى والأكتاف وفي أخرى


والأضلاع وهو جمع كتف أو ضلع يكون للبعير أو الشاة كانوا إذا جف كتبوا عليه وفي أخرى والأقتاب جمع قتب وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه وإنما كانوا يكتبون في ذلك لعزة الورق عندهم يومئذ كذا ذكره ابن حجر أو لأنهم جعلوها بمنزلة الألواح ليحفظوها ثم يغسلوها ويمحوها وصدور الرجال أي الحفاظ منهم فإن قيل كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال قيل لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجزة ونظم معروف وقد شاهدوا تلاوته من النبي عشرين سنة فكان تزوير ما ليس منه مأمونا وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحيحه قال ابن حجر والذين جمعوا القرآن بأن حفظوه كله في زمنه أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب وزيد بن ثابت هذا ومعاذ بن جبل وأبو زيد وفي رواية ذكر أبي الدرداء منهم حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة بضم الخاء وفتح


الزاي الأنصاري قال الطيبي المذكور في جامع الأصول من الصحابة خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي المذكور في الحديث الآتي وأبو خيثمة الأنصاري السلمي الخزرجي فتأمل اه ولم يذكر المؤلف في أسماء رجاله إلا خزيمة ولعله يقال له خزيمة وأبو خزيمة أيضا لم أجدها مع أحد غيره بالجر على البدلية أي لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة قاله الحافظ أبو شامة وقال الطيبي هذا لا ينافي ما روى أن جماعة حفظوا القرآن كله في حياته كأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي الدرداء لجواز النسيان بعد الحفظ فلما سمعوا المنسي من غيرهم تذكروا كما يدل عليه قوله في الحديث الآتي فقدت آية من الأحزاب لقد جاءكم بدل من آخر رسول من أنفسكم حتى خاتمة براءة قال في الإتقان وأخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال قدم عمر فقال من كان تلقى من رسول الله شيئا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا مع كون زيد كان يحفظه فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط قال السخاوي في جمال القراء المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله أو المراد يشهد أن على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن قال أبو شامة وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي لا من مجرد اللفظ قلت أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي عام وفاته وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصاحف عن الليث بن سعد قال أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل وأن آخر سورة براءة لم يوجد إلا مع أبي خزيمة بن ثابت فقال اكتبوها فإن رسول الله جعل شهادته شهادة رجلين فكتب وأن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده اه


والحاصل أنهم ما جمعوا إلا بعد ما ثبت عندهم بالدليل القطعي لفظه وبالدليل الظني كتابته فكانت الصحف أي بعد الجمع عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر في حياته أي أيامها ثم عند حفصة بنت عمر أي إلى أن أخذ منها عثمان فجمع جمعا ثانيا أو ثالثا للقرآن وسبب وضع الصحف عندها عدم خليفة متعين في حياته وهي بنته وأم المؤمنين فخصها بها رواه البخاري وجاء بسند حسن عن علي كرم الله وجهه أنه قال أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله ولا يعارض هذا ما في أثر عنه قال لما مات النبي آليت أن لا آخذ على ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه لأن هذا ضعيف وعلى تقدير صحته فمراده بجمعه حفظه في


صدره أو المراد بجمعه جمعه بانفراده وهو يحتمل النقصان والمراد بجمع أبي بكر جمعه بالإجماع ولا شك أن العبرة بهذا الجمع لعدم احتمال الزيادة والنقص فهو أولى بأن يقال له الأول ويؤيده ما جاء أنه بعد بيعة أبي بكر قعد في بيته فقيل لأبي بكر قد كره بيعتك فأرسل إليه فقال كرهت بيعتي قال لا والله قال له أبو بكر ما أقعدك عني قال رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمعه قال أبو بكر نعم ما رأيت وكذا ما جاء بسند منقطع أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة أقسم لا أرتدي برداء حتى أجمعه فجمعه وفي رواية رجالها ثقات لكن في سندها انقطاع أن أبا بكر قال لعمر ولزيد أقعدا على باب المسجد فمن جاء بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه قال العسقلاني كان المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة قال الحارث المحاسبي في فهم السنن كتابة القرآن ليست بمحدثة لأنه كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقا فجمعه الصديق فكان بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله فيها القرآن منتشرا فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء وإنما وقعت الثقة بهذه الرقاع ونحوها وصدور الرجال لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف قد شاهدوا تلاوته من النبي عشرين سنة فكان تزوير ما ليس منه مأمونا وإنما كان الخوف من ذهاب شيء منه اه ملخصا وفي موطأ ابن وهب عن مالك بسنده إلى عبد الله بن عمر جمع أبو بكر القرآن في قراطيس وفي رواية عن زيد أمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأديم والعسب فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتب ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده قال العسقلاني الأول أصح إنما كان في الأديم والعسب أولا قبل أن يجمع في عهد أبي بكر ثم جمع في المصحف في عهد أبي بكر كما دلت عليه الآثار الصحيحة المترادفة قلت يمكن الجمع بأنه كان في الأديم والعسب أولا متفرقا عند الناس غير مرتب فجمع جمعا مرتبا بين الآية والسور غير أنه كتب في قطع الأديم


والعسب على وجه التعقيب وكان المجموع عند أبي بكر ثم جمع في صحيفة واحدة أو في صحف بالكتابة على الورق أو الرق والله أعلم وعن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان أي حذيفة قال ابن حجر والواو للحال يغازي أي يحارب أهل الشام بالنصب على المفعولية وفي نسخة بالرفع فيكون في كان ضمير الشأن وهو الصواب لما قال السخاوي في شرح الرائية فلما كانت خلافة عثمان رضي الله عنه اجتمع المسلمون في غزوة أرمينية في بلاد الغرب جند العراق وجند الشام فاختلفوا في القرآن يسمع هؤلاء قراءة هؤلاء فينكرونها وكل ذلك صواب ونزل من عند الله تعالى حتى قال بعضهم قراءتي خير من قراءتك في فتح أرمينية بكسر الهمز قال العسقلاني بفتح الهمزة عند ابن سمعان وبكسرها عند غيره وقيل مثلث وبسكون الراء وكسر


الميم بعدها ياء ساكنة ثم نون مكسورة ثم ياء خفيفة وقد تثقل بلدة معروفة كبيرة كذا في المقدمة وفي القاموس بلد بأذربيجان فقوله وأذربيجان تعميم بعد تخصيص وهو على ما في أكثر النسخ بهمزة ممدودة وفتح الذال وسكون الراء وكسر الباء بعدها ياء ساكنة ثم جيم لكن قال في تهذيب الأسماء هي بهمزة مفتوحة غير ممدودة ثم ذال معجمة ثم راء مفتوحة ثم موحدة مكسورة ثم مثناة من تحت ثم جيم ثم ألف ثم نون هكذا هو الأشهر والأكثر في ضبطها وقال العسقلاني قد تمد الهمزة وقد تكسر وقد تحذف وقد تفتح الموحدة وقد يزاد بعدها ألف مع مد الأولى وفي المقدمة بفتحتين وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها ياء ساكنة ثم جيم بلدة معروفة وضبطها الأصيلي بالمد وحكى أيضا فتح الموحدة مع أهل العراق فافزع عطف على كان حذيفة بالنصب اختلافهم بالرفع أي أوقع في الفزع والخوف اختلاف الناس أو أهل العراق الذين كان يغازي معهم في القراءة أي قراءة القرآن حذيفة مثل أن قال بعضهم هذا اللفظ من القرآن أم لا ضبط في بعض النسخ برفع حذيفة ونصب اختلافهم ولم يظهر له وجه وحمله على القلب لم يقبله القلب فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة أمر من الإدراك بمعنى التدارك قبل أن يختلفوا في الكتاب أي القرآن اختلاف اليهود والنصارى بالنصب أي كاختلافهم في التوراة والإنجيل إلى أن حرفوا وزادوا ونقصوا زاد السخاوي فما كنت صانعا إذا قيل قراءة فلان وقراءة فلان كما صنع أهل الكتاب فاصنعه الآن فجمع عثمان رضي الله عنه الناس وعدتهم حينئذ خمسون ألفا فقال ما تقولون وقد بلغني أن بعضهم يقول قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفرا قالوا ما ترى قال أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا يكون فرقة ولا يكون اختلاف قالوا فنعم ما رأيت فعزم على ما أشار إليه حذيفة والمسلمون فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها بالجزم ويرفع في المصاحف أي المجموع ثم نردها بضم الدال وفتحها


إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت أي من الأنصار وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أي من قريش فنسخوها في المصاحف أي المتعددة وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاث أي ما عدا زيدا إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش أي بلغاتهم فإنما نزل أي غالبا
بلسانهم قال الطيبي أي نزل أولا بلسانهم ثم رخص أن يقرأ بسائر اللغات قال السخاوي فاختلفوا في التابوت فقال زيد التابوه وقال الآخرون التابوت فرجعوا إلى عثمان فقال أكتبواه بالتاء فإنه بلسان قريش وسألوا عثمان عن قوله لم يتسن فقال اجعلوا فيها الهاء فإن قيل فلم أضاف عثمان هؤلاء النفر إلى زيد ولم يفعل ذلك أبو بكر قلت كان غرض الصديق جمع القرآن بجميع أحرفه ووجوهه التي نزل بها وذلك على لغة قريش وغيرها وكان غرض عثمان تجريد لغة قريش من تلك القراآت فجمع أبي بكر غير جمع عثمان فإن قيل فما قصد بإحضار تلك الصحف وقد كان زيد ومن أضيف إليه حفظة قلت الغرض بذلك سد باب المقال وأن يزعم زاعم أن في المصحف قرآنا لم يكتب ولئلا يرى إنسان فيما كتبوه شيئا مما لم يقرأ به فينكره فالصحف شاهدة بصحة جميع ما كتبوه ففعلوا أي الجمع على هذا المنوال حتى إذا نسخوا أي كتبوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بضمتين أي طرف من أطراف الآفاق بمصحف مما نسخوا قال السخاوي سير منها مصحفا إلى الكوفة ومصحفا إلى البصرة ومصحفا إلى الشام وأبقى في المدينة مصحفا ثم قال وروي أن عثمان رضي الله عنه سير أيضا إلى البحرين مصحفا وإلى مكة مصحفا وإلى اليمن مصحفا فتكون الجملة على هذه الرواية سبعة مصاحف والرواية في ذلك تختلف فقيل أنه كتب خمس نسخ الأربعة المذكورة ومصحف مكة وأما مصحف البحرين ومصحف اليمن فلم يعلم لهما خبر قلت والتحقيق أن الأربعة من المصاحف كتبت أولا على أيدي الأربعة من الكتاب فأرسل الثلاثة إلى


البلدان المذكورة وترك واحدا في المدينة والظاهر أنه الذي كتبه زيد لأنه كان من أجل كتبة الوحي فخطه أولى أن يكون أصلا محفوظا في المدينة ثم استكتبها عثمان رضي الله عنه مصاحف أخر فأرسل إلى سائر البلدان حتى قيل أرسل عثمان إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفا وأمر بما سواه من القرآن أي المنسوخ في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق بالحاء المهملة من الإحراق وقد يروي بالمعجمة أي ينقض ويقطع ذكره الطيبي وقال العسقلاني في رواية الأكثر أن يخرق بالخاء المعجمة وللمروزي بالمهملة ورواه الأصيلي بالوجهين وفي رواية أبي داود والطبراني وغيرهما ما يدل على المهملة قال السخاوي فلما فرغ عثمان من أمر المصاحف حرق ما سواها ورد تلك الصحف الأولى إلى حفص فكانت عندها فلما ولي مروان المدينة طلبها ليحرقها فلم تجبه حفصة إلى ذلك ولم تبعث بها إليه فلما ماتت حضر مروان في جنازتها وطلب الصحف من أخيها عبد الله بن عمرو عزم عليه في أمرها فسيرها إليه عند انصرافه فحرقها خشية أن تظهر فيعود الناس على الاختلاف واختلف العلماء


في ورق المصحف البالي إذا لم يبق فيه نفع أن الأولى هو الغسل أو الإحراق فقيل الثاني لأنه يدفع سائر صور الامتهان بخلاف الغسل فإنه تداس غسالته وقيل الغسل وتصب الغسالة في محل طاهر لأن الحرق فيه نوع إهانة قال ابن حجر وفعل عثمان يرجح الإحراق وحرقه بقصد صيانته بالكلية لا إمتهان فيه بوجه وما وقع لأئمتنا في موضع من حرمة الحرق يحمل على ما إذا كان فيه إضاعة مال بأن كان المكتوب فيه له قيمة يذهبها الحرق قلت هذا تأويل غريب وتفريغ عجيب فإن فرض المسألة فيما ليس فيه نفع والقياس على فعل عثمان لا يجوز لأن صنيعه كان بما ثبت أنه ليس من القرآن أو مما اختلط به اختلاطا لا يقبل الانفكاك وإنما اختار الإحراق لأنه يزيل الشك في كونه ترك بعض القرآن إذ لو كان قرآنا لم يجوز مسلم أنه يحرقه ويدل عليه أنه لم يؤمر بحفظ رماده من الوقوع في النجاسة بناء على عدم اعتبار الاستحالة كما قال به الشافعية والكلام الآن فيما هو الثابت قطعا فمع وجود الفرق وحصول ظاهر الإهانة يتعين الغسل بل ينبغي أن يشرب ماؤه فإنه دواء من كل داء وشفاء لما في الصدور فإن قيل فهذا الاختلاف باق إلى وقتنا هذا فما دعواكم الاتفاق قلت القراآت التي نعول عليها الآن لا تخرج عن المصاحف المذكورة فيما يرجع إلى زيادة أو نقصان وما كان من الخلاف راجع إلى شكل أو نقط فلا يخرج أيضا عنها لأن خطوط المصاحف كانت مهملة محتملة لجميع ذلك كما يقرأ فصرهن بضم الصاد وكسرها وكله لله بالرفع والنصب ويضركم ويضركم ويقض ويقص الحق وقال الشاطبي في الرائية المعمولة في رسم المصاحف العثمانية وقال مالك القرآن يكتب بالكتاب الأول مستحدثا مسطرا قال أبو عمر والداني عقيب قول مالك ولا مخالف له في ذلك قال ابن شهاب أي الزهري فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال فقدت آية من الأحزاب حتى نسخنا أي أنا والقرشيون المصحف أي المصاحف قد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها


مع خزيمة بن ثابت الأنصاري أي مكتوبة لما تقدم قال الطيبي هو أبو عمارة الأوسي شهد بدرا وما بعدها وكان مع علي رضي الله عنه في صفين فلما قتل عمار جرد سيفه وقاتل حتى قتل من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الأحزاب أي الآية فألحقناها في سورتها في المصحف فيه إشكال وهو أنه بظاهره يدل على أن تلك الآية ما كانت موجودة في الصحف وإنما كتبت في المصحف بعد ذلك وهذا مستبعد جدا فالصواب أن يراد بالمصحف الصحف الأولى التي كتبت في الجمع الأول ويكون ضمير المتكلم بالنون تعظيما رواه البخاري قال البغوي في هذا الحديث بيان واضح أن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزل الله تعالى على رسوله من غير أن زادوا أو


نقصوا منه شيئا باتفاق من جميعهم خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته وكتبوه كما سمعوه من رسول الله من غير أن قدموا شيئا أو أخروا أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه عن رسول الله وكان يلقن أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف من جبريل عليه السلام إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا روى معنى هذا عن عثمان رضي الله عنه وعن ابن عباس قال قلت لعثمان ما حملكم أي ما الباعث والسبب لكم على أن عمدتم بفتح الميم أي قصدتم إلى الأنفال وهي من المثاني أي من السبع المثاني وهي السبع الطول وقال بعضهم المثاني من القرآن ما كان أقل من المئين ويسمى جميع القرآن مثاني لاقتران آية الرحمة بآية العذاب وتسمى الفاتحة مثاني أي لأنها تثني في الصلاة أو ثنيت في النزول وإلى براءة أي سورتها وهي لكونها مائة وثلاثين آية من المئين جمع المائة وأصل المائة مائي كمعي والهاء عوض عن الواو وإذا جمعت المائة قلت مئون ولو قلت مئات جاز فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمان الرحيم ووضعتموها في السبع الطول بضم ففتح ما حملكم على ذلك وفي نسخة على ذلكم وهو تكرير للتأكيد وتوجيه السؤال أن الأنفال ليس من السبع الطول لقصرها عن المئين لأنها سبع وسبعون آية وليست غيرها لعدم الفصل بينها وبين براءة قال عثمان كان رسول الله مما يأتي عليه الزمان أي الزمان الطويل ولا نزل عليه شيء وربما يأتي عليه الزمان وهو أي النبي عليه الصلاة والسلام والواو للحال تنزل بالتأنيث معلوما وبالتذكير مجهولا عليه السور ذوات العدد وكان إذا نزل عليه شيء أي من القصص دعا بعض من كان يكتب أي الوحي كزيد بن ثابت ومعاوية وغيرهما فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا كقصة هود وحكاية يونس فإذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا كالطلاق والحج


وهذا زيادة جواب تبرع به رضي الله عنه للدلالة على أن ترتيب الآيات توقيفي وعليه الإجماع والنصوص المترادفة وأما ترتيب السور فمختلف فيه كما في الإتقان وكان الأنفال من أوائل ما
نزلت وفي نسخة نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا أي فهي مدنية أيضا وبينهما النسبة الترتيبية بالأولية والآخرية فهذا أحد وجوه الجمع بينهما ويؤيده ما وقع في رواية بعد ذلك فظننت أنها منها وكان هذا مستند من قال أنهما سورة واحدة وهو ما أخرجه أبو الشيخ عن دوق وأبو يعلى عن مجاهد وابن أبي حاتم عن سفيان وابن لهيعة كانوا يقولون أن براءة من الأنفال ولهذا لم تكتب البسملة بينهما مع اشتباه طرقهما ورد بتسمية النبي لكل منهما باسم مستقل قال القشيري أن الصحيح أن التسمية لم تكن فيها لأن جبريل عليه الصلاة والسلام لم ينزل بها فيها وعن ابن عباس لم تكتب البسملة في براءة لأنها أمان وبراءة نزلت بالسيف وعن مالك أن أولها لما سقط سقطت معه البسملة فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها وقيل أنها ثابتة أولها في مصحف ابن مسعود ولا يعول على ذلك وكانت قصتها أي الأنفال شبيهة بقصتها أي براءة ويجوز العكس وهذا وجه آخر معنوي ولعل المشابهة في قضية المقاتلة بقوله في سورة براءة قاتلوهم يعذبهم الله التوبة ونحوه في نبذ العهد بقوله في الأنفال فانبذ إليهم الأنفال وقال ابن حجر لأن الأنفال بينت ما وقع له مع مشركي مكة وبراءة بينت ما وقع له مع منافقي أهل المدينة والحاصل أن هذا مما ظهر لي في أمر الاقتران بينهما فقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها أي التوبة منها أي من الأنفال أو ليست منها فمن أجل ذلك أي لما ذكر من عدم تبيينه ووجوه ما ظهر لنا من المناسبة بينهما قرنت بينهما ولم أكتب سطر بسم الله الرحمان الرحيم أي لعدم العلم بأنها سور مستقلة لأن البسملة كانت تنزل عليه للفصل ولم تنزل ولم أكتب وهذا لا ينافي ما ذكر عن علي رضي الله عنه من الحكمة في عدم نزول


البسملة وهو أن ابن عباس سأل عليا رضي الله عنه لم لم تكتب قال لأن بسم الله أمان وليس فيها أمان أنزلت بالسيف وكانت العرب تكتبها أول مراسلاتهم في الصلح والأمان والهدنة فإذا نبذوا العهد ونقضوا الإيمان لم يكتبوها ونزل القرآن على هذا الاصطلاح فصارت علامة الأمان وعدمها علامة نقضه فهذا معنى قوله أمان وقولهم آية رحمة وعدمها عذاب كذا ذكره الجعبري ووضعتها في السبع الطول قال الطيبي دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة وكمل السبع الطول بها ثم قيل السبع الطول هي البقرة وبراءة وما بينهما وهو المشهور لكن روى النسائي والحاكم عن ابن عباس أنها البقرة والأعراف وما بينهما قال الراوي وذكر السابعة فنسيتها وهو يحتمل أن تكون الفاتحة فإنها من السبع المثاني أو هي السبع المثاني ونزلت سبعتها منزلة المئين ويحتمل أن تكون الأنفال بانفرادها أو بانضمام ما بعدها إليها وصح عن ابن جبير أنها يونس وجاء مثله عن ابن عباس ولعل وجهه أن الأنفال وما بعدها مختلف في كونها من المئاني وأن كلا منهما سورة أو هما سورة رواه أحمد والترمذي وأبو داود وكذا النسائي وابن حبان والحاكم وصح عن علي كرم الله وجهه أنه قال لا تقولوا عثمان إلا خيرا فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا قال أي عثمان فما تقولون في


هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول أن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد أن يكون كفرا قلت فما ترى قال أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا يكون فرقة ولا اختلاف قلنا فنعم ما رأيت قال ابن التين الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان الخشية أن يذهب من القرآن شيء لذهاب حملته لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سورة على ما وقفهم عليه النبي وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراآت حين قرأوا بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأن نزل بلغتهم وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة قلت هذا يوم أنه ترك ما ثبت كونه قرآنا والصواب أن يقال كان في جمع أبي بكر المنسوخات والقراآت التي ما حصل فيها التواتر جمعا كليا من غير تهذيب وترتيب فترك عثمان المنسوخات وأبقى المتواترات وحرر رسوم الكلمات وقرر ترتيب السور والآيات على وفق العرضة الأخيرة من العرضات المطابقة لما في اللوح المحفوظ وإن اختلف نزولها منجما على حسب ما تقتضي الحالات والمقامات ولذا قال الباقلاني لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في نفس القراءة وإنما قصد جمعهم على القراءة العامة المعروفة عن النبي وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير إلى آخر ما ذكره والحاصل أن هذا المقدار على هذا المنوال هو كلام الله المتعال بالوجه المتواتر الذي أجمع عليه أهل المقال فمن زاد أو نقص منه شيئا كفر في الحال ثم اتفقوا على أن ترتيب الآي توقيفي لأنه كان آخر الآيات نزولا واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله البقرة فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والمداينة ولذا حرم عكس ترتيبها بخلاف ترتيب السور فإنه لما كان


مختلفا فيه كرهت مخالفته لغير عذر ولما ورد أنه قرأ النساء قبل آل عمران لبيان الجواز أو نسيانا ليعلم الصحة به مع أن الأصح أن ترتيب السور توقيفي أيضا وإن كانت مصاحفهم مختلفة في ذلك قبل العرض الأخيرة التي عليها مدار جمع عثمان فمنهم من رتبها على النزول وهو مصحف على أوله اقرأ فالمدثر فنون فالمزمل فتبت فالتكوير وهكذا إلى آخر المكي والمدني ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت ولاء وكذلك الطواسين ولم يرتب المسبحات ولاء بل فصل بين سورها وكذا اختلاط المكيات بالمدنيات والله أعلم

فارغة