Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الدعوات

جمع الدعوة بمعنى الدعاء وهو طلب الأدنى بالقول من الأعلى شيئا على جهة الاستكانة قال النووي أجمع أهل الفتاوي في الأمصار في جميع الأعصار على استحباب الدعاء وذهب طائفة من الزهاد وأهل المعارف إلى أن تركه أفضل استسلاما وقال جماعة إن دعا للمسلمين فحسن وإن خص نفسه فلا وقيل إن وجد باعثا للدعاء استحب وإلا فلا ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة والأخبار الواردة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
الفصل الأول


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لكل نبي دعوة مستجابة أي في حق مخالفي أمته جميعهم بالإستئصال فتعجل كل نبي دعوته أي استعجل في دعوته كما أن نوحا دعا على أمته بالهلاك حتى غرقوا بالطوفان وصالحا دعا على أمته حتى هلكوا بالصيحة وقيل معناه أن لكل نبي دعوة متيقنة الاجابة بخلاف بقية دعواته فإنه على طمع الإجابة فتعجل كل نبي دعوته لنفسه وإني اختبأت دعوتي أي أدخرتها وجعلتها خبيئة من الاختباء وهو الإختفاء بالصبر على أذى قومه لأني بعثت رحمة للعالمين شفاعة لأمتي أي أمة الإجابة يعني لأجل أن أصرفها لهم خاصة بعد العامة وفي جهة الشفاعة أو حال كونها شفاعة إلى يوم القيامة أي مؤخرة إلى ذلك اليوم وفي نسخة يوم القيامة على أنه ظرف للشفاعة فهي أي الشفاعة نائلة أي واصلة حاصلة إن شاء الله قال ابن الملك وإنما ذكر إن شاء الله مع


حصولها لا محالة أدبا وامتثالا لقوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله الكهف اه والأظهر أنه قال للتبرك لأن المراد من الآية الأفعال الواقعة في الدنيا لا الأخبار الكائنة في العقبى ويحتمل أن يتعلق بقوله من مات من أمتي إعلاما بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء لأحد من خلقه والمحققون على أن الاستثناء في الإيمان إختلافه لفظي فمن نوى التعليق في الحال كفر اتفاقا أو التبرك المحض أو نظرا للمآل فلا إتفاقا وإنما منعه أصحابنا في قوله إنا مؤمن إن شاء الله للإيهام وهو في محل النصب على أنه مفعول به لنائلة ومن بيان من وقوله لا يشرك بالله حال من فاعل مات شيئا أي من الأشياء أو من الإشراك وهي أقسام عدم دخول قوم النار وتخفيف لبثهم فيها وتعجيل دخولهم الجنة ورفع درجات فيها رواه مسلم والبخاري اقتصر منه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله اللهم إني اتخذت عندك عهدا أي أخذت منك وعدا أو أمانا لن تخلفنيه من الإخلاف لأن الكريم لا يخلف وعده قيل أصل الكلام إني طلبت منك حاجة أسعفني بها ولا تخيبني فيها فوضع العهد موضع الحاجة مبالغة في كونها مقضية ووضع لن تخلفنيه موضع لا تخيبني وقيل وضع العهد موضع الوعد مبالغة وإشعارا بأنه وعد لا يتطرق إليه الخلف كالعهد ولذلك استعمل فيه الخلف لا النقض لزيادة التأكيد وقيل أراد بالعهد الأمان أي أسألك أمانا لن تجعله خلاف ما أترقبه وأرتجيه أي لا تردني به فإن دعاء الأنبياء لا يرد ووضع الاتخاذ موضع السؤال تحقيقا للرجاء بأنه حاصل أو كان موعودا بإجابة الدعاء أحل المسؤول المعهود محل الشيء الموعود ثم أشار إلى أن وعد الله لا يتأتى فيه الخلف بقوله لن تخلفينه فإنما أنا بشر أي مثلهم وورد في رواية أغضب كما يغضب البشر تمهيد لمعذرته فيما يندر عنه من ضرب أو شئتم فإن الغضب المؤدي إلى ذلك من لوازم البشرية قال ابن الملك إشارة إلى ظلومية البشر وجهوليته اه والحاصل أنه يتضرع إلى


الله أنه لا يكله إلى نفسه كما ورد عنه اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة ثم يطلب من مولاه أنه إن صدر عنه شيء مما لا يليق منه بمقتضى البشرية أن يتداركه بالعفو والمغفرة وأن يعوض من خصمائه بأنواع القربة فأي المؤمنين بيان وتفصيل لما كان يلتمسه بقوله اتخذت عندك عهدا آذيته أي بأي نوع من أنواع الأذى شتمته بيان لقوله آذيته ولذا لم يعطف لعنته أي سببته جلدته أي ضربته قال الطيبي ذكر هذه الأمور على سبيل التعداد بلا تنسيق وقابلها


بأنواع الألطاف متناسقة ليجمعها كل واحد من تلك الأمور وليس من باب اللف فاجعلها أي تلك الأذية التي صدرت بمقتضى ضعف البشرية له أي لمن آذيته من المؤمنين صلاة أي رحمة وتلطفا وإكراما وتعظيما وتعطفا توصله إلى المقامات العلية وذكاة أي طهارة من الذنوب والمعائب ونماء وبركة في الأعمال والمناقب وقربة تقربه أي تجعل ذلك المؤمن مقربا بها أي بتلك القربة أو بكل واحدة من الصلاة وأختيه إليك يوم القيامة وقال ابن الملك جملة تقربه بها صفة لكل واحدة من الصلاة وأخته أي تقربه بتلك الأذية روى أنه خرج يوما من حجرته إلى الصلاة فتعلقت به عائشة والتمست منه شيئا وألحت عليه في ذلك وجذبت ذيله فقال لها قطع الله يدك فتركته وجلست في حجرتها مغضبة ضيقة الصدر فلما رجع إليها ورآها كذلك قال اللهم إن لي عندك عهدا إلخ تطييبا لقلبها فالسنة لمن دعا على أحد أن يدعو له جبرا لفعله متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ارحمني إن شئت ارزقني إن شئت قيل منع عن قوله إن شئت لأنه شك في القبول والله تعالى كريم لا بخل عنده فليستيقن بالقبول وليعزم مسألته أي ليطلب جازما من غير شك أنه يفعل ما شاء استئناف فيه معنى التعليل وفي نسخة بفتح الهمزة قال ابن الملك بفتح الهمزة في الرواية المعتبرة مفعولا له للعزم أي لأنه يفعل ما يشاء أو مفعولا به للمسألة أي ليجزم مسألته فعل ما شاء اه وكونه مفعولا به غير صحيح المعنى فتأمل لا مكره له أي لله على الفعل أو لا يقدر أحد أن يكرهه على فعل أراد تركه بل يفعل ما يشاء فلا معنى لقوله إن شئت لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة فلا حاجة إلى التقييد به مع أنه موهم لعدم الاعتناء بوقوع ذلك الفعل أو لإستعظامه على الفاعل على المتعارف بين الناس والله أعلم رواه البخاري وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت أي مثلا ولكن


ليعزم أي ليجزم على المسألة وليعظم بالتشديد على
الرغبة أي الميل فيه بالإلحاح والوسائل فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه يقال تعاظم زيد هذا الأمر أي كبر عليه وعسر أي لا يعظم عليه إعطاء شيء بل جميع الموجودات في أمره يسير وهو على كل شيء قدير وفي الحديث لو اجتمع الأولون والآخرون على صعيد واحد فسأل كل مسألته وأعطيه إياها ما نقص ذلك من ملكي شيئا رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله يستجاب للعبد أي بعد شروط الإجابة ما ظرف يستجاب بمعنى المدة أي مدة كونه لم يدع بإثم مثل أن يقول اللهم قدرني على قتل فلان وهو مسلم أو اللهم ارزقني الخمر أو اللهم اغفر لفلان وهو مات كافرا يقينا أو اللهم خلد فلانا المؤمن في النار وأمثال ذلك من المستحيلات كرؤية الله يقظة في الدنيا وأما قول ابن حجر في تخليد المؤمن والرؤية نظر ظاهر فإن الخلاف شهير في ذي الكبيرة إذا مات مصرا ورؤية الله تعالى غير مستحيلة وإلا لم يطلبها موسى عليه الصلاة والسلام فمردود إذ لا عبرة بخلاف الخوارج والمعتزلة ولأن رؤية الله مستحيلة شرعا وطلب موسى عليه الصلاة والسلام كان مبنيا على أنها غير مستحيلة عقلا فلما أفاق وعلم باستحالته شرعا قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المسلمين الأعراف أي بأن لا ترى في الدنيا قيل ومنه أخف زللنا عن الكرام الكاتبين نعم إن قصد التوفيق للتوبة عقب الزلة حتى لا يكتبها الملك جاز لحديث ابن عساكر إذا تاب العبد أنسي الله تعالى الحفظة ذنوبه وأنسي ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله تعالى وليس عليه شاهد من الله بذنب ومنه ما دل السمع الآحادي على ثبوته كاللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم لأن الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة أنه لا بد من دخول طائفة منهم النار ولا ينافيه قولهم اللهم اغفر لي ولجميع المسلمين لأن محله إذا أراد مطلق المغفرة لهم أما إذا أراد عموم المغفرة له ولهم في الآخرة فهو محل الحرمة لأنه حينئذ مكذب


بالأحاديث الصحيحة ومنه الدعاء بلفظ أعجمي جهل معناه ومنه الدعاء على من لم يظلمه مطلقا أو على من ظلمه بأزيد مما ظلمه ولا ينافيه قصة سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة حيث دعا على من ظلمه بأكثر لأنه مذهب صحابي ومع حله يذهب أجره لحديث الترمذي من دعا على ظالمه فقد انتصر واختلفوا في الدعاء على الظالم بسوء الخاتمة ونحوه فقيل يباح كما قال نوح ولا تزد الظالمين إلا ضلالا نوح وقال موسى واشدد على قلوبهم يونس ودعا نبينا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته وشج وجهه فقال اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا فكان كذلك وقيل يمنع قال ابن حجر وجمع بعضهم بحمل الأول على متمرد عم ظلمه والثاني على غيره وأقول الصواب أن الأول محمول على الكافر والثاني


على المسلم أو قطيعة رحم نحو اللهم باعد بيني وبين أبي فهو تخصيص بعد تعميم ما لم يستعجل قال الطيبي الظاهر ذكر العاطف في قوله ما لم يستعجل لكنه ترك تنبيها على استقلال كل من القيدين أي يستجاب ما لم يدع يستجاب ما لم يستعجل قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول أي الداعي قد دعوت وقد دعوت أي مرة بعد أخرى يعني مرات كثيرة أو طلبت شيئا وطلبت آخر فلم أر أي فلم أعلم أو أظن دعائي وهو المفعول الأول والثاني محذوف كذا قاله الطيبي والأظهر أن يستجاب بتقدير أن أو بدون أن بتأويل المصدر والمعنى لم أر آثار استجابة دعائي يستجاب لي وهو إما استبطاء أو إظهار يأس وكلاهما مذموم أما الأول لأن الإجابة لها وقت معين كما ورد أن بين دعاء موسى وهارون على فرعون وبين الإجابة أربعين سنة وأما القنوط فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون مع أن الإجابة على أنواع منها تحصيل عين المطلوب في الوقت المطلوب ومنها وجوده في وقت آخر لحكمة اقتضت تأخيره ومنها دفع شر بدله أو إعطاء خير آخر خير من مطلوبه ومنها ادخاره ليوم يكون أحوج إلى ثوابه فيستحسر أي ينقطع ويمل ويفتر إستفعال من حسر إذا عيي وتعب عند ذلك أي عند رؤيته عدم الاستجابة في الحال ويدع الدعاء أي يتركه مطلقا أو ذلك الدعاء ولا ينبغي للعبد أن يمل من الدعاء لأنه عبادة وتأخير الإجابة إما لأنه لم يأت وقته لأن لكل شيء وقتا مقدرا في الأزل أو لأنه لم يقدر في الأزل قبول دعائه في الدنيا فيعطي في الآخرة من الثواب عوضه أو يؤخر دعاءه ليلح ويبالغ في الدعاء فإن الله يحب الملحين في الدعاء ولعل عدم قبول دعائه بالمطلوب المخصوص خير له من تحصيله والله يعلم وأنتم لا تعلمون رواه مسلم وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله دعوة المرء المسلم أي الشخص الشامل للرجل والمرأة لأخيه أي المؤمن بظهر الغيب الظهر مقحم للتأكيد أي في غيبة المدعو له عنه وإن كان حاضرا معه بأن دعا له بقلبه حينئذ أو بلسانه ولم


يسمعه مستجابة لخلوص دعائه من الرياء والسمعة قال الطيبي موضع بظهر الغيب نصب على الحال من المضاف إليه لأن الدعوة مصدر أضيف إلى فاعله ويجوز أن يكون ظرفا للمصدر وقوله مستجابة خبر لها عند رأسه أي الداعي ملك جملة مستأنفة مبينة للإستجابة موكل أي
بالدعاء له عند دعائه لأخيه كلما دعا لأخيه بخير أي أو دفع شر قال الملك الموكل به آمين أي استجب له يا رب دعاءه لأخيه فقوله ولك فيه التفات أو استجاب الله دعاءك في حق أخيك ولك بمثل بكسر الميم وسكون المثلثة وتنوين اللام وأما قول ابن حجر وحكي فتحهما فليس في محله أي ولك مشابه هذا الدعاء قال الطيبي الباء زائدة في المبتدأ كما في بحسبك درهم قيل كان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة ليدعو له الملك بمثلها فيكون أعون للإستجابة قلت لكن هذا بظاهره مخالف لما سيأتي عنه إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه رواه مسلم وعن جابر قال قال رسول الله لا تدعوا أي دعاء سوء على أنفسكم أي بالهلاك ومثله ولا تدعو على أولادكم أي بالعمى ونحوه ولا تدعوا على أموالكم أي من العبيد والإماء بالموت وغيره لا توافقوا نهي للداعي وعلة للنهي أي لا تدعوا على من ذكر لئلا توافقوا من الله ساعة أي ساعة إجابة يسأل أي الله فيها عطاء يالنصب على أنه مفعول ثان وفي نسخة بالرفع على أنه نائب الفاعل ليسئل أي ما يعطي من خير أو شر كثر استعماله في الخير فيستجيب بالرفع عطفا على يسأل أو لتقدير فهو يستجيب لكم أي فتندموا بخط السيد جمال الدين أنه وقع في أصل سماعنا بالرفع وقال بعض الشراح أي لئلا تصادفوا ساعة إجابة فتستجاب دعوتكم السوء وفي يسأل ضمير يرجع إلى الله وهو صفة ساعة وكذا فيستجيب وهو منصوب لأنه جواب لا توافقوا وقال الطيبي جواب النهي من قبيل لا تدن من الأسد فيأكلك على مذهب أي مذهب الكسائي ويحتمل أن يكون مرفوعا أي فهو يستجيب رواه مسلم وذكر حديث ابن عباس اتق أي إحذر دعوة المظلوم


أي لا تظلم أحدا بأن تأخذ منه شيئا ظلما أو تمنع أحدا حقه تعديا أو تتكلم في عرضه افتراء حتى لا يدعو عليك وتمام الحديث فإنه ليس بينها وبين الله حجاب أي إذا دعا على ظالمه يقرب من الإجابة في كتاب الزكاة لكونه في ضمن حديث طويل هناك فأسقطه للتكرار ونبه عليه لا لكون الحديث أنسب بذلك الكتاب حتى يرد السؤال والجواب والله أعلم بالصواب

الفصل الثاني
عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله الدعاء هو العبادة أي هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على الإقبال على الله والإعراض عما سواه بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا اياه قائما بوجوب العبودية معترفا بحق الربوبية عالما بنعمة الإيجاد طالبا لمدد الأمداد على وفق المراد وتوفيق الإسعاد ثم قرأ وقال ربكم أدعوني أستجب لكم قيل استدل بالآية على أن الدعاء عبادة لأنه مأمور به والمأمور به عبادة وقال القاضي استشهد بالآية لدلالتها على أن المقصود يترتب عليه ترتيب الجزاء على الشرط والمسبب على السبب ويكون أتم العبادات ويقرب من هذا قوله مخ العبادة أي خالصها وقال الراغب لعبودية إظهار التذلل ولا عبادة أفضل منه لأنها غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الأفضال وهو الله تعالى وقال الطيبي رحمه الله يمكن أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي وهو غاية التذلل والافتقار والاستكانة وما شرعت العبادة إلا للخضوع للبارىء وإظهار الافتقار إليه وينصر هذا التأويل ما بعد الآية المتلوة إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين غافر حيث عبر عن عدم الافتقار والتذلل بالاستكبار ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الهوان وقال ميرك أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة ومعناه أن الدعاء معظم العبادة كما قال الحج عرفة أي معظم أركان الحج الوقوف بعرفة أو المعنى أن الدعاء هو العبادة سواء استجيب أو لم يستجب لأنه


اظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه والاعتراف بأن الله تعالى قادر على اجابته كريم لا بخل له ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخر لنفسه ويمنعه من عباده وهذه الأشياء هي العبادة بل مخها وأغرب ابن حجر حيث قال وقال شارح العبادة ليست غير الدعاء مقلوب وصوابه أن الدعاء ليس غير العبادة اه وهو خطأ منه والصواب الأول لأنه الدال على المبالغة بطريق الحصر المطلوبة المستفادة من ضمير الفصل وإتيان الخبر المعرف باللام كما هو مقرر في علم المعاني والبيان رواه أحمد


والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه ورواه ابن أبي شيبة والحاكم قال الترمذي واللفظ له حديث حسن صحيح وقال الحاكم صحيح الإسناد وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء وعن أنس قال قال رسول الله الدعاء مخ العبادة أي لبها والمقصود بالذات من وجودها قيل مخ الشيء خالصه وما يقوم به المخ الدماغ الذي هو نقيه ومخ العين ومخ العظم شحمها والمعنى أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ رواه الترمذي وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ليس شيء أي من الأذكار والعبادات فلا ينافيه قوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات حتى يتكلف للجواب عنه على ما ذهب إليه الطيبي وإن كان مآل جوابه إلى ما قلنا حيث قال كل شيء يتشرف في بابه وتعقبه ابن حجر بأن ما ذكره شارح هنا بعضه لا حاجة إليه وبعضه لا يطابق ما نحن فيه اه وهو مجهول وعلى عدم فهم كلامه محمول أكرم خبر ليس على الله أي أفضل عند الله من الدعاء أي من حسن السؤال بلسان القال أو ببيان الحال لأن فيه إظهار العجز والافتقار والتذلل والإنكسار والاعتراف بقوة الله وقدرته وغناه وإغنائه وكبريائه وجبر كسر خواطر أعدائه فضلا عن فضلاء أحبابه وأوليائه رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب ورواه ابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد وعن سلمان الفارسي بكسر الراء وتسكن قال قال رسول الله لا يرد القضاء إلا الدعاء القضاء هو الأمر المقدر وتأويل الحديث أنه إن أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه به ويتوقاه فإذا وفق للدعاء دفعه الله عنه فتسميته قضاء مجاز على حسب ما يعتقده المتوقي عنه يوضحه قوله في الرقي هو من قدر الله وقد أمر بالتداوي والدعاء مع أن المقدور كائن لخفائه على الناس وجودا وعدما ولما بلغ عمر الشام وقيل له إن بها طاعونا


رجع فقال أبو عبيدة أتفر من القضاء يا أمير المؤمنين فقال لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قضاء الله إلى قضاء الله أو أراد برد القضاء إن كان المراد حقيقته تهوينه وتيسير الأمر حتى كأنه لم ينزل ويؤيده قوله في الحديث الآتي الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وقيل الدعاء كالترس والبلاء كالسهم والقضاء أمر مبهم مقدر في الأزل ولا يزيد في العمر بضم الميم وتسكن إلا البر بكسر الباء وهو الإحسان والطاعة قيل يزاد حقيقة قال تعالى وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب وقال يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب وذكر في الكشاف أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب وصورته أن يكتب في اللوح إن لم يحج فلان أو يغز فعمره أربعون سنة وإن حج وغزا فعمره ستون سنة فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون وذكر نحوه في معالم التنزيل وقيل معناه أنه إذا بر لا يضيع عمره فكأنه زاد وقيل قدر أعمال البر سببا لطول العمر كما قدر الدعاء سببا لرد البلاء فالدعاء للوالدين وبقية الأرحام يزيد في العمر أما بمعنى يبارك له في عمره فييسر له في الزمن القليل من الأعمال الصالحة ما لا يتيسر لغيره من العمل الكثير فالزيادة مجازية لأنه يستحيل في الآجال الزيادة الحقيقية قال الطيبي اعلم أن الله تعالى إذا علم أن زيدا يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها فاستحال أن تكون الآجال التي عليها علم الله تزيد أو تنقص فتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلى ملك الموت أو غيره ممن وكل بقبض الأرواح وأمره بالقبض بعد آجال محدودة فإنه تعالى بعد أن يأمره بذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ ينقص منه أو يزيد على ما سبق علمه في كل شيء وهو بمعنى قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب الرعد وعلى ما ذكر يحمل قوله عز وجل ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده


الأنعام فالإشارة بالأجل الأول إلى ما في اللوح المحفوظ وما عند ملك الموت وأعوانه وبالأجل الثاني إلى ما في قوله تعالى وعنده أم الكتاب وقوله تعالى إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون الأعراف والحاصل أن القضاء المعلق يتغير وأما القضاء المبرم فلا يبدل ولا يغير رواه الترمذي وكذا ابن ماجة عن سلمان وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد عن ثوبان وفي روايتهما لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وأن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يذنبه وعن ابن عمر قال قال رسول الله إن الدعاء ينفع مما نزل أي من بلاء


نزل بالرفع إن كان معلقا وبالصبر إن كان محكما فيسهل عليه تحمل ما نزل به من البلاء فيصبره عليه أم يرضيه به حتى لا يكون في نزوله متمنيا خلاف ما كان بل يتلذذ بالبلاء كما يتلذذ أهل الدنيا بالنعماء ومما لم ينزل بأن يصرفه عنه ويدفعه منه أو يمده قبل النزول بتأييد من عنده يخف معه أعباء ذلك إذا نزل به قال الغزالي فإن قيل فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لرد البلاء ووجود الرحمة كما أن الترس سبب لدفع السلاح والماء سبب لخروج النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان كذلك الدعاء والبلاء وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى في سورة النساء وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم النساء فقدر الله الأمر وقدر سببه وفي الدعاء من الفوائد من حضور القلب والافتقار وهما نهاية العبادة وغاية المعرفة فعليكم أي إذا كان هذا شأن الدعاء فالزموا عباد الله أي يا عباد الله بالدعاء لأنه من لوازم العبودية التي هي القيام بحق الربوبية رواه الترمذي أي عن ابن عمر ورواه أحمد عن معاذ بن جبل وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن جابر قال قال رسول الله ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أي إن جرى في الأزل تقدير إعطائه ما سأل أو كف عنه من السوء مثله أي دفع عنه من البلاء عوضا مما صنع قدر مسؤله إن لم يجر التقدير قال الطيبي فإن قلت كيف مثل جلب النفع بدفع الضرر وما وجه التشبيه قلت الوجه ما هو السائل مفتقر إليه وما هو ليس مستغني عنه وقال ابن حجر أي يدفع الله عنه سوأ تكون الراحة في دفعه بقدر الراحة التي تحصل له لو أعطى ذلك المسؤل فالمثلية باعتبار الراحة في دفع ذلك وجلب هذا ثم تبجج وقال وما ذكرته في تقرير هذه أوضح بل أصوب من قول الشارح قلت إطلاق الأصوبية خطأ لأن مراده المثلية الحقيقية فإنه إذا كان في القضاء المعلق أنه يؤخذ دينار مثلا من ماله وهو


يطلب من الله تعالى دينارا زائدا على ماله فأما أنه تعالى يزيده من فضله أو يدفع عنه السارق أو الظالم عنه حتى لا يأخذ من ماله الدينار والراحة مترتبة عليه مفهومة من قول الطيبي مع أن الراحة في دفع السوء مجازية ولذا قيل اليأس إحدى الراحتين ما لم يدع بإثم أي بمعصية أو قطيعة رحم تخصيص بعد تعميم رواه الترمذي
وعن ابن مسعود وفي نسخة أبي مسعود بالياء بدل النون قال قال رسول الله سلوا الله من فضله أي بعض فضله فإن فضله واسع وليس هناك مانع وأما قول ابن حجر من تعليلية فغير ظاهر فإن الله أي لا تصافه بأنه كريم منعم وهاب معط غني مغن باسط يحب أن يسأل أي من فضله وفيه ايماء إلى أن أحدا لم يقدر على عدله وأفضل العبادة انتظار الفرج أي ارتقاب ذهاب البلاء والحزن بترك الشكاية إلى غيره تعالى وكونه أفضل العبادة لأن الصبر في البلاء إنقياد للقضاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من لم يسأل الله يغضب عليه لأن ترك السؤال تكبر واستغناء وهذا لا يجوز للعبد والمراد بالغضب إرادة إيصال العقوبة ونعم ما قيل الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب قال الطيبي وذلك لأن الله يحب أن يسأل من فضله فمن لم يسأل الله يبغضه والمبغوض مغضوب عليه لا محالة اه وفي الحديث أزهد في الدنيا يحبك الله وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس وقد سبق في الحديث الصحيح من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وكأنه إشارة إلى أن السؤال بلسان الحال أدعى إلى وصول الكمال من بيان المقال ولذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام حسبي من سؤالي علمه بحالي وقال الشاعر إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء رواه الترمذي وأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن ماجه والحاكم والبزار كلهم عن أبي هريرة كذا في فتح الباري وعن ابن عمر قال قال رسول الله من فتح له منكم باب الدعاء أي


بأن
وفق لأن يدعو الله كثيرا مع وجود شرائطه وحصول آدابه فتحت له أبواب الرحمة يحتمل أن يكون دعاء وإخبارا وعلى الثاني يحتمل أن يكون الثاني جزاء للأول وأن يكون الأول علامة للثاني والمعنى أنه يجاب لمسؤله تارة ويدفع عنه مثله من السوء أخرى كما في بعض الروايات فتحت له أبواب الإجابة وفي بعضها فتحت له أبواب الجنة أي نعيمها الدنيوية والأخروية وما سئل الله شيئا يعني أحب إليه قال الطيبي أحب إليه تقييد للمطلق بيعني وفي الحقيقة صفة شيئا اه ولا معنى لقوله يعني هنا لأنه لا يذكر إلا في كلام تام مفيد يحتاج إلى تقييد في اللفظ أو تفسير في المعنى وههنا لا يتم الكلام إلا بما بعده وهو أحب كما هو الظاهر ويؤيده ما قلنا أن لفظ يعني غير موجود في أكثر كتب الحديث كالحصن وغيره فقيل شيئا مفعول مطلق وأحب إليه صفته وأن في قوله من أن يسأل العافية مصدرية والمعنى ما سئل الله سؤالا أحب إليه من سؤال العافية ويجوز أن يكون شيئا مفعولا به أي ما سئل الله مسؤلا أحب إليه من العافية وزيد أن يسأل اهتماما بشأن المسؤل وللإيذان بأن الأحب إليه سؤال العافية لا ذاتها هذا خلاصة كلام الطيبي وتبعه ابن حجر وزاد عليه بقوله لأنها من صفات المحدثات وفي تعليله نظر لأن الظاهر أن السؤال أحب فإنه متضمن للافتقار والعبودية وظهور كمال الربوبية ولذا خلق الله المحن والبلايا الظاهرية والباطنية ولو كانت العافية نفسها أحب إليه لما خلق أضدادها قال الطيبي وأصل الكلام ما سأل الله شيئا أحب إليه من العافية فأقحم المفسر لفظ أن يسأل اعتناء اه وقوله فأقحم المفسر فيظهر منه أن يسأل ليس من كلام النبوة ولم يظهر له وجه لما قدمناه وإنما هو من كلام بعض الرواة وغاية توجيهه أن ما بعد يعني يكون نقلا بالمعنى وقال ابن حجر وقدم يعني على محلها ففصل بها بين شيئا وصفته والأصل وما سأل الله شيئا أحب إليه يعني من أن يسأل العافية لأن الأول أظهر في التفسير لأن وقوعه بين


الصفة والموصوف قرينة ظاهرة على أنها مفسرة لما يصلح للتفسير من جملة ما في خبرها قلت مع قطع النظر عن المناقشة في العبارة يدل على أن من يسأل العافية ليس من كلام النبوة وليس كذلك فإن الكلام بدونه لا يتم ولا يصح الاقتصار على ما قبله ثم اتفق الشراح أن المراد بالعافية الصحة وهذه عبارة الطيبي وإنما كانت العافية أحب لأنها لفظة جامعة لخير الدارين من الصحة في الدنيا والسلامة فيها وفي الآخرة لأن العافية أن يسلم من الأسقام والبلايا وهي الصحة عند المرض وهو كذلك في نفوس العامة والحال أنه ليس على ظاهره بل التحقيق أن المراد بالعافية السلامة من البلاء في أمر الدين سواء يكون معه صحة البدن أم لا قال ابن عطاء الله دخل رجل على سيدي الشيخ أبي العباس المرسي وكان به ألم فقال ذلك الرجل عافاك الله يا سيدي فسكت ولم يجاوبه ثم أعاد الكلام فقال أنا ما سألت الله العافية قد سألته العافية والذي أنا فيه هو العافية وقد سأل رسول الله العافية وقال ما زالت أكلة خيبر تعاودني فالآن قطعت أبهري وأبو بكر سأل العافية ومات مسموما وعمر سأل العافية ومات مطعونا وعثمان سأل العافية ومات مذبوحا وعلي سأل العافية ومات مقتولا فإذا سألت الله العافية فسله العافية من حيث يعلم أنها لك عافية ونقل عن الشبلي أنه متى رأى واحدا من أبناء الدنيا فقال أسأل الله العافية والصواب أن يقال العافية دفع العفاء وهو الهلاك والمراد هنا أن


يكون للرجل كفاف من القوت وقوة للبدن على العبادة واشتغال بأمر الدين علما وعملا وترك ما لا خير فيه ولا ضرورة إليه ولا كلمة أجمع لذلك من لفظ العافية ومن ثم لما سأله عمه العباس أن يعلمه دعاء يدعو به اختار لفظها فقال يا عم إني أحبك سل الله العافية في الدنيا والآخرة رواه الترمذي وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من سره أي أعجبه وفرح قلبه وجعله مسرورا أن يستجيب الله له عند الشدائد جمع الشديدة وهي الحادثة الشاقة وفي الحصن زيادة والكرب جمع الكربة وهي الغم الذي يأخذ بالنفس فليكثر الدعاء في الرخاء بفتح الراء أي في حالة السعة والصحة والفراغ والعافية قيل من شيمة المؤمن الشاكر الحازم أن يريش للسهم قبل الرمي ويلتجىء إلى الله تعالى قبل مس الاضطرار بخلاف الكافر الغبي كما قال الله تعالى إذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل الزمر رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله أدعوا الله وأنتم أي والحال أنكم موقنون بالإجابة أي كونوا عند الدعاء على حالة تستحقون بها الإجابة من إتيان المعروف واجتناب المنكر ورعاية شروط الدعاء كحضور القلب وترصد الأزمنة الشريفة والأمكنة المنيفة واغتنام الأحوال اللطيفة كالسجود إلى غير ذلك حتى تكون الإجابة على قلوبكم أغلب من الرد أو أراد وأنتم معتقدون أن الله لا يخيبكم لسعة كرمه وكمال قدرته وإحاطة علمه لتحقق صدق الرجاء وخلوص الدعاء لأن الداعي ما لم يكن رجاؤه واثقا لم يكن دعاؤه صادقا واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء أي غالبا أو استجابة كاملة من قلب غافل بالإضافة وتركها أي معرض عن الله أو عما سأله لاه من اللهو أي لاعب بما سأله أو مشتغل بغير الله تعالى وهذا عمدة آداب الدعاء ولذا خص بالذكر رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب


وعن مالك بن يسار قال قال رسول الله إذا سألتم الله أي شيئا من جلب نفع أو دفع ضر فاسألوه ببطون أكفكم جمع الكف أي مع رفعها إلى السماء والباء للآلة وقيل للمصاحبة قال الطيبي لأن هذه هيئة السائل الطالب المنتظر للأخذ فيراعي مطلقا كما هو ظاهر الحديث وقيل في دفع البلاء يجعل ظهر الكف فوق بطنها تفاؤلا ولرعاية صورة الدفع اه وهو تعليل في معرض النص فلا يقبل سيما مع قوله ولا تسألوه بظهورها قال الطيبي روي أنه أشار في الاستسقاء بظهر كفيه ومعناه أنه رفع يديه رفعا بليغا حتى ظهر بياض إبطه وصارت كفاه محاذيين لرأسه ملتمسا أن يغمره برحمته من رأسه إلى قدميه وفي رواية ابن عباس قال أي سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها قال ابن حجر لأن اللائق بالطالب لشيء يناله أن يمد كفه إلى المطلوب ويبسطها متضرعا ليملأها من عطائه الكثير المؤذن به دفع اليدين إليه جميعا أما من سأل رفع شيء وقع به من البلاء فالسنة أن يرفع إلى السماء ظهر كفيه اتباعا له وحكمته التفاؤل في الأول بحصول المأمول وفي الثاني بدفع المحذور وعجيب من الشارح حيث أول هذا بما يخالف كلام أئمته وتفصيلهم الذي ذكرته وسببه عدم امعانه النظر في كلامهم اه وعند الجمهور هذه الإشارة على تقدير صحتها مخصوصة بالاستسقاء كقلب الرداء مع أنه مؤول أيضا وفي الإشاءة إشارة إلى أنه لم يقع السؤال بظهور الأصابع والحق أحق أن يتبع ولا بدع من المحقق المنصف أن يذكر الظاهر المتبادر من الدليل ويخرج عن دائرة التقليد الذي هو شأن العليل فلا يناسب نسبته ولو مع احتمال ذهوله عن مسألة فرعية نادرة إلى التجهيل فإذا فرغتم أي من الدعاء فامسحوا بها أي بأكفكم وجوهكم فإنها تنزل عليها آثار الرحمة فتصل بركتها إليها قال ابن حجر رأيت ذلك في حديث وهو الإفاضة عليه مما أعطاه الله تعالى تفاؤلا بتحقق الإجابة وقول ابن عبد السلام لا يسن مسح الوجه بعهما ضعيف إذ ضعف حديث المسح لا يؤثر لما تقرر أن


الضعيف حجة في الفضائل اتفاقا اه وفيه أن الجزري عد في الحصن من جملة آداب الدعاء مسح وجهه بيديه بعد فراغه وأسنده إلى داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في مستدركه رواه أبو داود أغرب ابن حجر وقال استفيد من هذا الحديث والذي قبله أنه يسن رفع اليدين إلى السماء في كل دعاء وصحت به الأحاديث الكثيرة عنه غير حصر قال النووي ومن ادعى حصرها فقد غلط غلطا فاحشا وهذه الرواية لكونها منبتة مقدمة على رواية
الشيخين الذي الأصل فيه الإيصال على أن المراد أنه كان لا يبالغ في رفع يديه في شيء من الدعاء إلا الإستسقاء اه وفيه أبحاث منها أن هذا الحديث الذي قبله ليس فيه ما يدل على الرفع لا نفيا ولا إثباتا نعم حديث عمر الآتي صريح في المدعى ومنها أن قوله في كل دعاء غير صحيح ومنها أن تخطئة قائل الحصر مجازفة ظاهرة ومنها أن قوله هذه الرواية إلى آخر ما ذكره على تقدير تسليم الإفادة كيف تقدم رواية أبي داود بتقدير صحتها على رواية الشيخين مخالف لقاعدة أصول المحدثين فالصواب أن يقال ليس بينهما منافاة لإمكان الجمع بأن المراد بالنفي نفي المبالغة في الرفع وعن سلمان أي الفارسي قال قال رسول الله إن ربكم حي فعيل أي مبالغ في الحياء وفسر في حق الله بما هو الغرض والغاية وعرض الحيي من الشيء تركه والإباء منه لأن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب ويذم بسببه وهو محال على الله تعالى لكن غايته فعل ما يسر وترك ما يضر أو معناه عامل معاملة المستحي كريم وهو الذي يعطي من غير سؤال فكيف بعده يستحي من عبده أي المؤمن إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا بكسر الصاد وسكون الفاء أي فارغتين خاليتين من الرحمة قال الطيبي يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع رواه الترمذي وأبو داود والبيهقي في الدعوات الكبير وعن عمر رضي الله عنه قال كان رسول الله إذا رفع يديه في الدعاء قيل حكمة الرفع إلى السماء أنها قبلة الدعاء ومهبط الرزق


والوحي والرحمة والبركة قال الغزالي ولا يرفع بصره إلى السماء لخبر فيه وساقه قال ابن حجر لكنه لا يدل له لأنه في صحيح مسلم وهو مقيد بحالة الرفع في الدعاء في الصلاة ومن ثم اتجه ترجيح ابن العماد من الرفع فيه إلى السماء وهو غريب لأن حديث مسلم يكفي للغزالي قياسا لأن العلة إيهام أن لله تعالى مكانا وجهة ولا فرق بين داخل الصلاة وخارجها ثم العجيب ترجيح سن الرفع مع عدم ورود رفع البصر في حديث وقد عد الجزري في الحصن من آداب الدعاء أن لا يرفع بصره إلى السماء وأسنده إلى مسلم والنسائي ثم ذكر ابن حجر أن محل سن رفع اليدين إن كانتا


ظاهرتين وإلا فإن رفعهما بلا حائل كره أو به فلا على الأوجه وهو مع قطع النظر عن المناقشة التفصيلية خلاف إطلاق الحديث والله أعلم لم يحطهما أي لم يضعهما حتى يمسح بهما وجهه قال ابن الملك وذلك على سبيل التفاؤل فكأن كفيه قد ملئتا من البركات السماوية والأنوار الإلهية اه وهو كلام حسن إلا أن الإتيان بكأن لا يلائم إلا في حق غيره وكذا التفاؤل فإنه لا شك ولا ريب في حقه من قبول الدعوة ونزول البركة رواه الترمذي وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله يستحب الجوامع من الدعاء وهي التي تجمع الأغراض الصالحة أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة وقال المظهر هي ما لفظه قليل ومعناه كثير شامل لأمور الدنيا والآخرة قيل مثل ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ونحو اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة وكذا اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ونحو سؤال الفلاح والنجاح ويدع أي يترك ما سوى ذلك أي مما لا يكون جامعا بأن يكون خاصا بطلب أمور جزئية كارزقني زوجة حسنة فإن الأولى والآخر منه أرزقني الراحة في الدنيا والآخرة فإنه يعمها وغيرها رواه أبو داود وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله إن أسرع الدعاء إجابة تمييز دعوة غائب الغائب لخلوصه وصدق النية وبعده عن الرياء والسمعة رواه الترمذي وأبو داود وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال استأذنت النبي في العمرة أي من المدينة قال ابن حجر في قضاء عمرة كان نذرها في الجاهلية فأذن لي أي فيها وقال أشركنا يحتمل نون العظمة وأن يريد نحن وأتباعنا يا أخي بصيغة التصغير وهو تصغير تلطف


وتعطف لا تحقير ويروي بلفظ التكبير في دعائك فيه إظهار الخضوع والمسكنة في مقام العبودية بالتماس الدعاء ممن عرف له الهداية وحث للأمة على الرغبة في دعاء الصالحين وأهل العبادة وتنبيه لهم على أن لا يخصوا أنفسهم بالدعاء ولا يشاركوا فيه أقاربهم وأحباءهم لا سيما في مظان الإجابة وتفخيم لشأن عمر وإرشاد إلى ما يحمي دعاءه من الرد ولا تنسنا تأكيد أو أراد به في سائر أحواله فقال عطف على قال أشركنا التعقيب المبين بالمبين أي قال عمر فقال بمعنى تكلم النبي كلمة وهي أشركنا أو يا أخي أو لا تنسنا أو غير ما ذكر ولم يذكره توقيا عن التفاخر أو نحوه من آفات النفوس ما يسرني أن لي بها الدنيا الباء للبدلية وما نافية وإن مع اسمه وخبره فاعل يسرني أي لا يعجبني ولا يفرحني كون جميع الدنيا لي بدلها رواه أبو داود والترمذي وانتهت روايته أي الترمذي عند قوله ولا تنسنا ولعله نسي وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ثلاثة أي أشخاص وهذا أولى من قول ابن حجر أي من الرجال وذكرهم للغالب لا ترد دعوتهم قيل سرعة إجابة الدعاء إنما تكون لصلاح الداعي أو لتضرعه في الدعاء إليه تعالى الصائم أي منهم أو أحدهم الصائم حين يفطر لأنه بعد عبادة وحال تضرع ومسكنه والإمام العادل إذ عدل ساعة منه خير من عبادة ستين ساعة كما في حديث ودعوة المظلوم كان مقتضى الظاهر أن يقول والمظلوم ولعله لما كانت المظلومية ليست بذاتها مطلوبة عدل عنه وقال الطيبي أي دعوة الصائم ودعوة الإمام بدليل قوله ودعوة المظلوم ويكون بدلا من دعوتهم ويرفعها حال كذا قيل والأولى أن يكون أي يرفعها خبرا لقوله ودعوة المظلوم وقطع هذا القسم عن أخويه لشدة الاعتناء بشأن دعوة المظلوم ولو فاجرا أو كافرا وينصر هذا الوجه عطف قوله ويقول الرب على قوله ويفتح فإنه لا يلائم الوجه الأول لأن ضمير يرفعها للدعوة حينئذ لا لدعوة المظلوم كما في الوجه الأول اه والظاهر أن الضمير على الوجهين لدعوة المظلوم


وإنما بولغ في حقها لأنه لما لحقته نار الظلم واحترقت أحشاؤه خرج منه الدعاء بالتضرع والانكسار وحصل له حالة الإضطرار فيقبل دعاؤه كما قال تعالى أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء النمل ومعنى يرفعها الله فوق الغمام أي تجاوز الغمام أي السحاب ويفتح أي الله لها أي لدعوته أبواب السماء وروي بالتذكير والتأنيث على بناء المجهول والرفع والفتح كنايتان عن
سرعة القبول والحصول إلى الوصول قال الطيبي رحمه الله ورفعها فوق الغمام وفتح أبواب السماء لها مجاز عن إثارة الآثار العلوية وجمع الأسباب السماوية على انتصاره بالانتقام من الظالم وإنزال البأس عليه ويقول الرب وعزتي لأنصرنك بفتح الكاف أي أيها المظلوم وبكسرها أي أيتها الدعوة ولو بعد حين والحين يستعمل لمطلق الوقت ولستة أشهر ولأربعين سنة والله أعلم بالمراد والمعنى لا أضيع حقك ولا أرد دعاءك ولو مضى زمان طويل لأني حليم لا أعجل عقوبة العباد لعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب إلى إرضاء الخصوم والتوبة وفيه إيماء إلى أنه تعالى يمهل الظالم ولا يهمله قال تعالى ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إبراهيم وقال عز وجل وربك الغفور ذو الرحمة الكهف رواه الترمذي وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ثلاث دعوات مبتدأ خبره مستجابات قال الطيبي رحمه الله الحديث السابق ثلاثة وفي هذا ثلاث دعوات لأن الكلام على الأول في شأن الداعي وتحريه في طريق الاستجابة وما هي منوطة به من الصوم والعدل بخلاف الوالد والمسافر إذ ليس عليهما الاجتهاد في العمل اه وهو نكتة لطيفة وحكمة شريفة وصلت بلاغتها الغاية وفصاحتها النهاية ومن أعجب العجائب قول ابن حجر ذكر هنا ثلاث وأنثه ثمة لأنه وقع ثمة على مذكر وهنا على مؤنث وعجيب ممن فرق بغير ذلك مع ما فيه من الخفاء والتكلف قلت أما الخفاء فكما قال لأنه لا يظهر إلا على العلماء من البلغاء والفصحاء وأما زعم أن الطيبي لم يفرق بين ثلاث وثلاثة باعتبار


المعدود المذكر والمؤنث ففساده لا يخفى على أحد فإنه إمام في العربية وجبل في حل العبارات القرآنية والحديثية وما يضره عدم اشتهاره بالفروع الفقهية لا شك فيهن أي في استجابتهن وهو آكد من حديث لا تردوا إنما أكد به لإلتجاء هؤلاء الثلاثة إلى الله تعالى بصدق الطلب ورقة القلب وانكسار الخاطر دعوة الوالد أي لولده أو عليه ولم يذكر الوالدة لأن حقها أكثر فدعاؤها أولى بالإجابة أو لأن دعوتها عليه غير مستجابة لأنها ترحمه ولا تريد بدعائها عليه وقوعه كذا ذكره زين العرب وفيه أن الوالد كذلك لا يدعو له إلا على نعت الشفقة والرقة التامة وكذا دعوته عليه لأنه لا يدعو عليه إلا على نعت المبالغة من إساءته عليه فالأولى أن ينقاس عليه دعوة الوالدة بالأولى كما يدل له حديث أن لها ثلثي البر وله ثلثه لأن ما تقاسيه من تعب الحم
والولادة والرضاع والتربية فوق ما يقاسيه الوالد من تعب تحصيل مؤنثه وكسوته بنحو الضعف كما يدل عليه قوله تعالى وصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصالة في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير لقمان حيث أوقع حملته أمه بين المفسر أعني أن أشكر لي والمفسر أعني وصينا وفائدة هذا الاعتراض التوكيد في الوصية في حقهما خصوصا في حق الوالدة لما تكابد من مشاق الحمل والرضاعة ولأن الوالدة أشفق وأرق فدعاؤها بالإجابة أحق ودعوة المسافر يحتمل أن تكون دعوته لمن أحسن إليه وبالشر لمن آذاه وأساء إليه لأن دعاءه لا يخلو عن الرقة ودعوة المظلوم أي لمن يعينه وينصره أو يسليه ويهون عليه أو على من ظلمه أي نوع من أنواع الظلم رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه
الفصل الثالث


وعن أنس قال قال رسول الله ليسأل أحدكم ربه حاجته مفعول ثان كلها تأكيد لها أي جميع مقصوداته اشعارا بالافتقار إلى الاستعانة في كل لحظة ولمحة حتى يسأله أي الله وفي نسخة صحيحة حتى يسأل بلا ضمير شسع نعله بكسر المعجمة وسكون المهملة أي شراكها إذا انقطع قال الطيبي الشسع أحد سيور النعل بين الاصبعين وهذا من باب التتميم لأن ما قبله جيء في المهمات وما بعده في المتممات زاد في رواية حق المصنف أن يقول وفي رواية أو يقول رواه الترمذي وزاد في رواية عن ثابت البناني بضم الموحدة مرسلا أي مرفوعا بحذف الصحابي حتى يسأله الملح وهذا هو القدر الزائد وأما قوله وحتى يسأله كرره لأنه يدل على أنه لا منع هناك ولا رد للسائل عما طلب لكمال تلطف المسؤل وإقباله على اعطاء المأمول حتى لا يلتجىء العبد إلا إليه ولا يعتمد إلا عليه شسع نعله إذا انقطع فهو موجود في الروايتين وإنما ذكره تنبيها على موضع الزائد رواه الترمذي


وعن أنس إنما عدل عن عنه كما في نسخة لئلا يوهم رجع الضمير إلى ثابت قال كان رسول الله يرفع يديه في الدعاء يعني في مواضع مخصوصة حتى يرى بصيغة المجهول أي يبصر بياض إبطيه لعل المراد بياض طرفي إبطيه ولا ينافيه حديث أبي داود المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك فإنه يحمل على الأقل في الرفع أو على أكثر الأوقات والأول على بيان الجواز أو في الاستسقاء ونحوه من شدة البلاء والمبالغة في الدعاء وعن سهل بن سعد أي ابن مالك الأنصاري الخزرجي له ولأبيه صحبة كذا في التقريب عن النبي قال كان يجعل إصبعيه أي رؤوس أصابع يديه مرتفعة حذاء منكبيه دل الحديث على القصد والتوسط في رفع اليدين وهو الأكثر والحديث السابق على الزيادة وهي حالة المبالغة والإلحاح في الدعاء والمسألة ويدعو أي بعد ذلك وعن السائب بن يزيد عن أبيه أن النبي كان إذا دعا فرفع يديه عطفا على دعا مسح وجهه بيديه قال ابن حجر جواب إذا والصواب أنه خبر كان وإذا ظرف له قال الطيبي رحمه الله دل على أنه إذ لم يرفع يديه في الدعاء لم يمسح وهو قيد حسن لأنه كان يدعو كثيرا كما في الصلاة والطواف وغيرهما من الدعوات المأثورة دبر الصلوات وعند النوم وبعد الأكل وأمثال ذلك ولم يرفع يديه لم يمسح بهما وجهه وأما ما قاله ابن حجر وما أفاده لفظ الحديث من أنه إذا دعا ولم يرفع يديه لم يمسح إنما هو على سبيل الفرض لما مر أنه عليه الصلاة والسلام كان يرفع يديه في كل دعاء فيلزم أنه كان يمسح بهما في كل دعاء فمردود بأنه لم يمر ما يدل على الكلية أصلا مع أن قوله في فعله عليه الصلاة والسلام على سبيل الفرض لا طائل تحته روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في الدعوات الكبير وعن عكرمة وعن ابن عباس قال المسألة مصدر بمعنى السؤال والمضاف مقدر ليصح الحمل أي آدابها أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما أي قريبا منهما لكن


إلى ما فوق بدليل الحديث السابق والاستغفار أن تشير باصبع واحدة قال الطيبي رحمه الله أدب الاستغفار الإشارة بالسبابة سبا للنفس الأمارة والشيطان والتعوذ منهما وقيده بواحدة لأنه يكره الاشارة باصبعين لما روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلا يشير بهما فقال له أحد أحد والابتهال أي التضرع والمبالغة في الدعاء في دفع المكروه عن النفس أدبه أن تمد يديك جميعا أي حتى يرى بياض إبطيك وفي رواية قال والابتهال هكذا تعليم فعلي وتفسير المشار إليه قوله ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه أي رفع يديه رفعا كليا حتى ظهر بياض الابطين جميعا وصارت كفاه محاذيين لرأسه قال الطيبي ولعله أراد بالابتهال دفع ما يتصوره من مقابلة العذاب فيجعل يديه الترس ليستره عن المكروه رواه أبو داود وعن ابن عمر أنه يقول إن رفعكم أيديكم أي مبالغتكم في الرفع بدعة ما زاد رسول الله أي غالبا على هذا يعني أي يريد بالمشار إليه إلى الصدر قال الطيبي يعني تفسير لما فعله ابن عمر من رفع اليدين إلى الصدور وأنكر عليهم غالب أحوالهم في الدعاء وعدم تمييزهم بين الحالات من الرفع إلى الصدر لأمر وفوقه إلى المنكبين لأمر آخر وفوقهما لغير ذلك وهذا جمع في غاية من الحسن فبطل ما قال ابن حجر أن ابن عمر استند في قوله ما زاد إلى علمه فهو ناف وغيره أثبت عنه الرفع إلى حذو المنكبين تارة وإلى أعلى من ذلك أخرى والحجة للمثبت ومن العجيب أنه قال متبجحا بكلامه وقرر شارح هذا الحديث بما فيه نظر وإبهام فاجتنبه رواه أحمد وقد ورد أنه في الدعاء يوم عرفة أنه جمع بين كفيه وجعلهما مقابل صدره كاستطعام المسكين وعن أبي بن كعب قال كان رسول الله إذا ذكر أحدا فدعا له عطف على ذكر أي فأراد أن يدعو له بدأ بنفسه لأنه لا يستغني عن الله أحد وورد في الصحيح ابدأ بنفسك وفيه تعليم للأمة وإيماء إلى أنه إذا قبل دعاؤه لنفسه فلا يرد دعاؤه لغيره رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب صحيح


وعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أي معصية قاصرة ولا قطيعة رحم أي سيئة متعدية إلا أعطاه الله بها أي بتلك الدعوة إحدى ثلاث أي من الخصال أما أن يعجل له دعوته أي بخصوصها أو من جنسها في الدنيا في وقت أراده إن قدر وقوعها في الدنيا وأما أن يدخرها أي تلك المطلوبة أو مثلها أو أحسن منها أو ثوابها وبدلها له أي للداعي في الآخرة أي إن لم يقدر وقوعها في الدنيا وأما أن يصرف أي يدفع عنه من السوء أي البلاء النازل أو غيره في أمر دينه أو دنياه أو بدنه مثلها أي كمية وكيفية إن لم يقدر له وقوعها في الدنيا والحاصل أن ما لم يقدر له فيها أحد الأمرين إما الثواب المدخر وإما دفع قدرها من السوء وفيه زيادة على الحديث السابق إن ما لم يقدر يدفع عنه من السوء مثله قالوا أي بعض الصحابة إذا قال ابن حجر أي إذا كان الدعاء لا يرد منه شيء ولا يخيب الداعي في شيء منه نكثر أي من الدعاء لعظيم فوائده أقول كان ظاهره النصب لكن ضبط بالرفع في جميع النسخ الحاضرة المصححة المقروءة المقابلة من نسخة السيد جمال الدين وغيرها ويشترط في الرفع إرادة معنى الحال من الفعل الداخل عليه إذا وهو غير ظاهر إذ المتبادر من قوله نكثر أي الدعاء بعد ذلك اللهم إلا أن يقال أراد حال الحياة أو جعل الاستقبال في معنى الحال مبالغة في الاستعجال والله أعلم بحقيقة الحال ومما يستأنس به لتحقيق المراد في هذا المقام ما ذكره حسن لبي في حاشية المطول أن الحال هو أجزاء من أواخر الماضي وأوائل المستقبل وتعيين مقدار الحال مفوض إلى العرف بحسب الأفعال ولا يتعين له مقدار مخصوص فإنه يقال زيد يأكل ويمشي ويحج ويكتب القرآن ويعد كل ذلك حالا ولا يشك في اختلاف مقادير أزمنتها اه ولا يخفى بأنه على كل حال لا بد أن يكون الفاعل مباشرا للفعل حال التكلم وفيما نحن فيه لم توجد مباشرة الدعاء فضلا عن الإكثار اللهم إلا أن تعتبر نية الفعل مقام الفعل


نفسه قال أي النبي الله أكثر بالمثلثة في الأكثر وفي نسخة بالموحدة فمعناه الله أكبر من أن يستكثر عليه شيء وأما على الأول فقال الطيبي أي الله أكثر إجابة من دعائكم والأظهر عندي أن معناه فضل الله أكثر أي ما يعطيه من فضله وسعة كرمه أكثر مما يعطيكم في مقابلة دعائكم أو الله أغلب في الكثرة يعني فلا تعجزونه في الاستكثار فإن خزائنه لا تنفذ وعطاياه لا تفنى ثم رأيت ابن حجر وافقني بعض الموافقة حيث قال أي الله أكثر ثوابا وعطاء مما في نفوسكم فأكثروا ما شئتم فإنه تعالى


يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل ثم قال وبما قررته يعلم أنه لا يحتاج لقول الشارح الله أكثر إجابة من دعائكم والمعنى أن إجابة الله تعالى في بابها أكثر وأبلغ من دعائكم في بابه وهو قريب من قوله العسل أحلى من الخل والصيف أحر من الشتاء وإنما جيء بأكثر بالثاء المثلثة مشاكلة لقولهم نكثر اه فقولي مما في نفوسكم اندفع به هذا الذي ذكره قلت فيه إيهامان لا يلائمان الأول أن فيب نفوسهم عدم إكثار الله والحال أنه ليس كذلك والثاني أن الأكثرية مقيدة والحال أنها مطلقة لا نهاية لها ولا غاية رواه أحمد وعن ابن عباس عن النبي قال خمس دعوات يستجاب لهن مبتدأ وخبره دعوة المظلوم حتى ينتصر أي إلى أن ينتقم من الظالم بلسانه أو يده لأنه إن انتقم بمثل حقه شرعا فقد استوفى أو أنقص فواضح أولا بمثله شرعا أو بأزيد صار ظالما قال الطيبي حتى في القرائن الأربع بمعنى إلى كقولك سرت حتى تغيب الشمس لأن ما بعدها غير داخل فيما قبلها ودعوة الحاج أي الحج الأكبر أو الأصغر حتى يصدر بضم الدال أي إلى أن يرجع إلى بلده وأهله أو ينصرف ويفرغ عن حجه وعمله ودعوة المجاهد أي في سبيل الله أو المجتهد في طلب العلم والعمل حتى يقعد بسكون القاف وضم العين أي عن الجهاد أو المجاهدة وفي نسخة صحيحة بسكون الفاء وكسر القاف قال الطيبي أي يفقد ما يستتب له من مجاهدته أي حتى يفرغ منها اه واستتب له الأمر أي تهيأ واستقام على ما في الصحاح واقتصر ابن حجر على الثاني وقال هو من فقد يفقد كضرب يضرب أي إلى أن لا يجد أهبة جهاده لفراغها أو سرقتها أو إلى أن يفرغ من جهاده اه فحينئذ الصحيح الآخر إذ الأولان لا يمنعان الإجابة بل يقويانها وكتب ميرك في هامش المشكاة حتى يقفل بسكون القاف وضم الفاء بمعنى يرجع ومنه القافلة تفاؤلا ورمز عليه بالظاء اشارة إلى أنه الظاهر ولا يخفى أنه لا يمكن حمل لفظ الحديث على الظاهر سيما والروايتان ثابتتان ومعناهما ظاهران ودعوة المريض حتى


يبرأ أي يتعافى أو يموت ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب أي في غيبة أخيه المؤمن حتى يلقاه ثم قال وأسرع هذه الدعوات إجابة دعوة الأخ أي لأخيه بظهر الغيب لدلالتها على خلوص النية وصفاء الطوية والبقية لا تخلو دعوتهم عن حظوظهم النفسية وأغراضهم الطبيعية ولذا ورد أن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم رواه البيهقي في الدعوات الكبير
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
تم الجزء الثاني من مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
للعلامة ملا علي القاري
ويليه الجزء الثالث أوله باب ذكر الله عز وجل


مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
الملا علي القاري
( 3 )
المجلد الثالث


باب ذكر الله عز وجل
قال الجزري ليس فضل الذكر منحصرا في التهليل والتسبيح والتكبير بل كل مطيع لله تعالى في عمل فهو ذاكر وأفضل الذكر القرآن إلا فيما شرع لغيره أي كالركوع والسجود ثم قال وكل ذكر مشروع أي مأمور به في الشرع واجبا كان أو مستحبا لا يعتد بشيء منه حتى يتلفظ به ويسمع به نفسه ا ه ومقصودهالحكم الفقهي وهو أنه إذا قرأ في باطنه حال القراءة أو سج بلسان قلبه حال الركوع والسجود لا يكون آتيا بغرض القراءة وسنة التسبيح لا أن الذكر القلبي يترتب عليه الثواب الأخروي لما أخرج أبو يعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله لفضل الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة سبعون ضعفا إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق لحسابهم وجاءت الحفظة بما حفظوا وكتبوا قال لهم انظروا هل بقي لهم من شيء فيقولون ما تركنا شيا مما علمناه وحفظناه إلا وقد أحصيناه وكتبناه فيقول الله إن لك عندي حسنا لا تعلمه وأنا أجزيك به وهو الذكر الخفي ذكره السيوطي في البدور السافرة في أحوال الآخرة والتقرب إليه أي التقرب بذكر الله إلى الله أو التقرب بالنوافل إليه والمعنى هذا باب بيانهما من الأحاديث الواردة في شأنهما
الفصل الأول
عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا قال رسول الله لا يقعد قوم يذكرون الله إن أريد بالقعود ضد القيام ففيه إشارة إلى أنه أحسن هيآت الذاكر لدلالته على جمعية الحواس الظاهرة والباطنة وإن كان كناية عن الاستمرار ففيه إيماء إلى مداومة الأذكار وقال ابن حجر التعبير به للغالب كما هو ظاهر لأن المقصود حبس النفس على ذكر الله مع الدخول في عداد الذاكرين لتعود عليهم بركة أنفاسهم ولحظ إيناسهم ا ه فلا ينافيه قيامه لطاعة كطواف وزيارة وصلاة جنازة وطلب علم وسماع موعظة ألا حفتهم الملائكة أي أحاطت بهم الملائكة الذين


يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر وغشيتهم الرحمة أي غطتهم الرحمة الإلهية الخاصة بالذاكرين الله كثيرا والذاكرات ونزلت عليهم السكينة أي الطمأنينة والوقار لقوله تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب الرعد ومنه قوله تعالى هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم الفتح وذكرهم الله أي مباهاة وافتخار بهم بالثناء الجميل عليهم بوعد الجزاء لجزيل لهم فيمن عنده أي من الملائكة المقربين وأرواح الأنبياء والمرسلين وهي عنزية مكانة لا مكان لتعاليه عن المكان والزمان وسائر سمات الحدثان والنقصان رواه مسلم ورواه الترمذي وابن ماجة وعن أبي هريرة قال كان رسول الله يسير في طريق مكة أي سيرا ظاهرا وفي طريق رب الكعبة سيرا باطنا وهو يحتمل أن يكون ذاهبا إلى مكة أو راجعا إلى المدينة فمر على جبل على ليلة من المدينة يقال له جمدان بضم الجيم وسكون الميم وفي آخره نون وهو مع جماديته يشعر بذكر الرحمان ويستبشر بمن يمر عليه من أرباب العرفان كما ورد أن الجبل ينادي باسمه أي فلان هل مر بك أحد ذكر الله فإذا قال نعم استبشر الحديث رواه الطبراني عن ابن مسعود وفي عوارف المعارف روى عن أنس بن مالك أنه قال ما من صباح ولا رواح إلا وبقاع الأرض ينادي بعضها بعضا هل مر بك أحد صلى عليك أو ذكر الله عليك فمن قائلة نعم ومن قائله لا فإذا قالت نعم علمت أن لها بذلك فضلا عليها فقال سيروا أي سيرا حسنا مقرونا بذكر وحضور وشكر وسرور هذا جمدان متحرك بالسيران وإن كنتم ترونه ساكنا كالحيران سئل الجنيد لم تركت السماع فقال قال تعالى وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله الذى أتقن كل شىء أنه خبير بما تفعلون النمل سبق المفردون بتشديد الراء المكسورة وتخفيفها أي المفردون أنفسهم عن أقرانهم المميزون أحوالهم عن أخوانهم بنيل الزلفي والعروج إلى الدرجات العلى لأنهم أفراد بذكر الله عمن لم يذكر أو جعلوا ربهم فردا بالذكر


وتركوا ذكر ما سواه وهو حقيقة التفريد هنا قالوا وما المفردون يا رسول الله قيل السؤال عن الصفة أعني التفريد أو الإفراد لأن ما يسئل به عن حقيقة الشيء يسئل به عن وصفه أيضا نحو سؤال فرعون وما رب العالمين وجواب موسى عليه الصلاة والسلام رب السموات والأرض في وجه ولذلك لم يقولوا ومن هم فأجاب بأن التفريد الحقيقي المعتد به هو تفريد النفس بذكر الله تعالى في أكثر الأوقات فكأنهم قالوا ما صفة المفردين حتى نتأسى بهم فنسق إلى ما سبقوا إليه ونطلع على ما اطلعوا عليه قال الذاكرون الله كثيرا أي ذكرا


كثيرا قيل في أكثر أحوالهم كما يدل له تفسيره في حديث آخر والذاكرات أي الله وحذفه للإكتفاء أو لأن كثرة الذكر توجد كثيرا في الرجال دون النساء وقال الطيبي أي الذاكراته فحذف الهاء كما حذف في التنزيل لأنه رأس آية ولأنه مفعول وحذفه شائع ا ه وقوله لأنه رأس آية صحيح والذاكر الكثير هو أن لا ينسى الرب تعالى على كل حال لا الذكر بكثرة اللغات والمراد بهم المستخلصون لعبادة الله المستغنون بذكره المولعون بفكره القائمون بوظيفة شكره المعتزلون عن غيره هجروا والخلان وتركوا الأوطان وقطعوا الأسباب ولازمو الباب وانفصلوا عن الشهوات وانقطعوا عن اللذات لا لذة لهم إلا بذكره ولا نعمة لهم إلا بشكره إذ لا يصح مقام لتفريد بعد تحقق التوحيد إلا بهذه الأشياء قال الله تعالى وتبتل إليه تبتيلا المزمل أي انقطع إليه انقطاعا كليا ويمكن أن يكون ما بمعنى من وإلا ظهر أن ما ههنا تغليب غير ذوي العقول لكثرتهم على ذوي العقول لقلتهم لما عرفت أن الأشياء كلها لها حظ من الذكر والتسبيح ومعرفة الرب والخشية منه على ما حرر في محله وقال الطبي لما قربوا أي الصحابة من المدينة اشتاقوا إلى الأوطان فتفرد منهم جماعة وسبقوا فقال للمتخلفين سيروا فقد قرب الدار وهذا جمدان وسبقكم المفردون يقال فرد برأيه وأفرد وفرد بمعنى انفرد به ويقال فرد نفسه إذا تبتل للعبادة وأما جواب رسول الله عن سؤالهم فمن الأسلوب الحكيم أي دعوا سؤالكم هذا لأنه ظاهر وسلوا عن السابقين إلى الخيرات الذين أفردوا أنفسهم لذكر الله تعالى وتعقبه ابن حجر بأنه مبني على ترج لا يدري أهو الواقع أم لا حيث قال لعلهم كانوا راجعين إلى المدينة ولما قربوا الخ رواه مسلم ورواه الترمذي ولفظه في الجواب قال المستهترون بفتح التاءين أي المبالغون في ذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا وعن أبي موسى قال قال رسول الله مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر أي ربه سواء ذكر غيره أو لم


يذكر مثل الحي والميت لف ونشر مرتب فالحي يزين ظاهره بنور الحياة والتصرف التام فيما يريد وباطنه بنور العلم والإدراك وكذا الذاكر مزين ظاهر بنور الطاعة وباطنه بنور المعرفة وغير الذاكر ظاهره عاطل وباطنه وقبل موقع التشبيه النفع لمن يواليه والضر لمن يعاديه وليس ذلك في الميت ويمكن أن يقال في الحديث إيماء إلى مداومة ذكر الحي الذي لا يموت تورث الحياة الحقيقية التي لا فناء لها كما قيل أولياء الله لا يموتون ولكن ينتقلون من دار إلى دار متفق عليه واللفظ البخاري ولمسلم البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت فيكون التقدير مثل بيتي الحي والميت أو المراد بالبيت القلب


فإنه بيت الرب فطوبى لمن أحياه وعمره ويا حسرتي على من أخربه وغمره وعن أبي هريرة قال قال رسول الله يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي أي المؤمن بي وزاد في رواية أن ظن خيرا وإن ظن شرا وفي رواية فليظن بي ما شاء وفي رواية فلا يظن بي إلا خيرا والمعنى إني عند يقينه بي في الاعتماد على فضلي والاشتياق بوعدي والرهبة من وعيدي والرغبة فيما أعطيه إذا سألني وأستجيب له إذا دعاني وقال الطيبي الظن لما كان واسطة بين اليقين والشك استعمل تارة بمعنى اليقين وذلك إن ظهرت إماراته وبمعنى الشك إذا ضعفت علاماته وعلى المعنى الأول قوله تعالى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم البقرة أي يوقنون وعلى المعنى الثاني قوله تعالى وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون القصص أي توهموا والظن في الحديث يجوز جراؤه على ظاهره ويكون المعنى أنا أعامله على حسب ظنه بي وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر والمراد الحث على تغليب الرجاء على الخوف وحسن الظن بالله كقوله عليه الصلاة والسلام لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ويجوز أن يراد بالظن اليقين والمعنى أنا عند يقينه بي وعلمه بأن مصيره إلي وحسابه علي وإن ما قضيت به له أو عليه من خير أو شر لا مرد له لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت أي إذا رسخ العبد في مقام التوحيد وتمكن في الإيمان والوثوق بالله قرب منه ورفع له الحجاب بحيث إذا دعاه أجاب وإذا سأله استجاب كما في حديث أبي هريرة إنه عليه الصلاة والسلام قال عن الله تعالى إذا علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت له وقال أبو طالب المكي وكان ابن مسعود يحلف بالله تعالى ما أحسن عبد ظنه بالله تعالى إلا أعطاه ذلك لأن الخير كله بيده فإذا أعطاه حسن الظن به فقد أعطاه ما يظنه لأن الذي حسن ظنه به هو الذي أراد أن يحققه له وقال ابن عطاء إن لم تحسن ظنك به لأجل حسن وصفه به حسن ظنك به لأجل معاملته معك فهل عودك إلا حسنا وهل أسدى إليك إلا متنا قال شارح


الحكم ابن عباد حسن الظن يطلب من العبد في أمر دنياه وفي أمر آخرته أما الأمر دنياه فإن يكون واثقا بالله تعالى في إيصال المنافع والمرافق إليه من غير كد ولا سعي أو يسعي خفيف ماذون فيه ومأجور عليه وبحيث لا يفوته ذلك شيئا من فرض ولا نفل فيوجب له ذلك سكونا وراحة في قلبه وبدنه فلا يستفزه طلب ولا يزعجه سبب وأما أمر آخرته فإن يكون قوي الرجاء في قبول أعماله الصالحة وتوفية أجوره عليها في دار الثواب والجزاء فيوجب له ذلك المبادرة لامتثال الأمر والتكثير من أعمال البر بوجدان حلاوة واغتباط ولذاذة ونشاط ومن مواطن حسن الظن بالله تعالى التي لا ينبغي للعبد أن يفارقه فيها أوقات الشدائد والمحن وحلول المصائب في الأهل والمال والبدن لئلا يقع بسبب عدم ذلك في الجزع والسخط وقد قال ابن عطاء من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذاك لقصور نظره وإنما بسطت الكلام لأن أكثر الأنام لا يفرقون بين الغرور وحسن


الظن وأنا معه أي بالتوفيق والحفظ والمعونة أو اسمع ما يقوله له أو عالم بحاله لا يخفي علي شيء من مقاله إذا ذكرني أي بلسانه وقلبه فإن ذكرني تفريع يفيد أنه تعالى مع الذاكرين سواء ذكره في نفسه أو مع غيره في نفسه أي سر أو خفية أو تثبيتا وإخلاصا ذكرته في نفسي أي أسر بثوابه على منوال عمله وأتولى بنفسي إثابته لا أكله إلى غيري وإن ذكرني في ملأ أي مع جماعة من المؤمنين أو في حضرتهم ذكرته أي بالثناء الجميل وإعطاء الأجر لجزيل وحسن القبول وتوفيق الوصول وقيل المراد مجازاة العبد بأحسن مما فعله وأفضل مما جاء به في ملأ خير منهم أي من ملأ الذاكرين من حيث عصمتهم عن المعصية وشدة قوتهم على الطاعة وكمال اطلاعهم على أسرار الألوهية ومشاهدتهم أنواع أنوار الملكوتية ولفظ الحصن خير منه بصيغة الإفراد نظرا إلى لفظ الملأ قال ميرك في حاشية الحصن كذا وقع في أصل السماع وجميع النسخ الحاضرة منه بصيغة الواحد والذي في الأصول من البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة منهم بضمير الجمع قال الطيبي أي من الملائكة المقربين وأرواح المرسلين فلا دلالة على كون الملائكة أفضل من البشر وقال ابن الملك اختلف هل البشر خير من الملائكة أم لا رجح كلا مرجحون قيل والمختاران خواص البشر كالأنبياء خير من خواص الملائكة كجبريل وأما عوام البشر فليسوا بخير من الملائكة أصلا فقوله في ملأ خير منهم أي خير منهم أي خير منهم حالا فإن حال الملائكة خير من حال الأنس في الجد والطاعة قال الله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم التحريم وأحوال المؤمنين مختلفة بين طاعة ومعصية وجد وفترة ا ه ومراد الطيبي أن جنس البشر أفضل من جنس الملائكة ولا ينافيه التفصيل المشهور وأما قول ابن حجر فالملأ الموصوف بأنه خير منهم هم المقربون الذين تقرر أنهم أفضل من عوامنا وحينئذ فالحديث لا يدل على خلاف ما تقرر من التفصيل الذي هو الأصح عند أهل السنة وبهذا يعلم رد قول الشارح فمردود لأن ملأ


الذاكر قد يكون فيه نبي من الأنبياء فلا بد من تأويل الطيبي أو من حمل الخيرية على الأمر الإضافي أو الاستغرافي أو الغالبي متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وروى البزار من حديث ابن عباس مرفوعا قال قال الله تبارك وتعالى يا ابن آدم إذا ذكرتني خاليا ذكرتك خاليا وإذا ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير من الذين تذكرني فيهم واسناده صحيح وعن أبي ذر قال قال رسول الله يقول الله تعالى من جاء بالحسنة أي
غير مبطلة ولذا لم يقل من فعل الحسنة والحسنة المعهودة فهنا المرادة في قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام أي بفرد من أفرادها أي فرد كان فله عشر أمثالها أيو ثواب عشر حسنات أمثالها حذف المميز الموصوف وأقيم الصفة مقامه والحاصل أن له عشر مثوبات كل منها مثل تلك الحسنة في الكيفية وهذا أقل المضاعفة في غير الحرم بمقتضى الوعد ولذا قال وأزيد أي لمن أريد الزيادة من أهل السعادة على عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وإلى مائة ألف وإلى أضعاف كثيرة ومن جاء بالسيئة أي غير مكفرة وهي المعهودة كما سبق فجزاء سيئة مثلها أي عدلا أو أغفر فضلا قال الطيبي اختص ذكر الجزاء بالثانية لأن ما يقابل العمل الصالح كله أفضال وإكرام من الله وما يقابل السيئة فهو عدل وقصاص فلا يكون مقصودا بالذات كالثواب فخص بالجزاء وأما إعادة السيئة نكرة فلتنصيص معنى الوحدة المبهمة في السيئة المعرفة المطلقة وتقريرها وأما معنى الواو في وأزيد فلمطلق الجمع أن أريد بالزيادة الرؤية كقوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة يونس وأن أريد بها الأضعاف قالوا وبمعنى أو التنويعية كما هي في قوله أو أغفر والأظهر ما قاله ابن حجر من أن العشر والزيادة يمكن اجتماعهما بخلاف جزاء مثل السيئة ومغفرتها فإنه لا يمكن اجتماعهما فوجب ذكرا والدال على أن الواقع أحدهما فقط ومن تقرب أي طلب القربة مني أي بالطاعة شبرا أي مقدارا قليلا قال الطيبي شبرا وذراعا باعا في


الشرط والجزاء منصوبان على الظرفية أي من تقرب إلي مقدار شبر تقربت أي بالرحمة منه ذراعا قيل أي أوصلت رحمتي إليه مقدارا زيد منه وقيل المراد منه والله أعلم مجازاته وإثابته بأضعاف ما يتقرب به إلى الله تعالى وسمى الثواب تقربا على سبيل المقابلة والمشاكلة أو لأنه من أجله وبسببه وقيل تقرب الباري سبحانه إليه بالهداية وشرح صدره لما تقرب به إليه وكان المعنى إذا قصد ذلك وعمله أعنته وسهلته قال الطيبي هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره فمعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي ومن تقرب مني ذرراعا تقربت منه باعا وهو قدر مد اليدين وما بينهما من البدن وعلى هذا كلما زاد العبد قربة من الله تعالى زاد الله رحمته به فذكر الذراع والباع للتمثيل والتصوير لإفهامهم لمجازاة العبد فيما يتقرب به إلى ربه بمضاعفة لطفه وإحسانه ومن أتاني حال كونه يمشي أي في طاعتي أتيته هرولة وهي الاسراع في المشي دون العدو أي صببت عليه الرحمة وقيل أي من تقرب مني بسهولة وصل إليه رحمتي بسرعة قال الطيبي وهي حال أي مهرولا أو مفعول مطلق ولأن الهرولة نوع من الاتيان فهو كرجعت القهقرى لكن الحمل على الحال أولى لأن قرينه يمشي حال لا محالة قال ابن حجر وهذا كالشرح لما أفهمه إعطاء العشر والزيادة في مقابلة الحسنة من أن سعة تفضله على عبادة بلغت الغاية التي ما وراءها غاية قلت كما يدل على سعة مغفرته المذكورة في قوله أو أغفر قوله ومن لقيني بقراب الأرض بضم القاف ويكسر أي بمثلها مأخوذ من القرب


وقال الطيبي أي ما يقرب ملأها من الصغائر والكبائر خطيئة تمييز لا يشرك بي حال من فاعل لقيني العائد إلي من شيئا مفعول مطلق أو مفعول به أخذا من قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به النساء لقيته بمثلها مغفرة أي أن أردت ذلك له لقوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء ونكتة حذفه في الحديث استغناء بعمله منها ومبالغة في سعة باب الرجاء قال الطيبي المقصود من الحديث دفع اليأس بكثرة الذنوب فلا ينبغي أن يغتر في الاستنكار من الخطايا قال ابن الملك فإنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولا يعلم أنه من أيهم ا ه أي يغفر لمن يشاء على الذنب الكبير ويعذب من يشاء على الذنب الحقير أو يغفر لمن يشاء الذنوب الكثيرة ويعذب من يشاء على السيئة الصغيرة وهذا المقصود من آخر الحديث وأما أوله ففيه الترغيب والتحثيث على المجاهدة في الطاعة والعبادة دفعا للفتور والتكاسل والقصور فالحديث معجون مركب نافع لأمراض قلوب السالكين ومحرك لشوق الطالبين ومقو لصدور المذنبين واعلم أنه قلما يوجد في الأحاديث حديث أرجى من هذا الحديث فإنه رتب قوله لقيته بمثلها مغفرة على عدم الإشراك بالله فقط ولم يذكر الأعمال الصالحة لكن لا يجوز لأحد أن يغتر ويقول إذا كان كذلك فأكثر الخطيئة حتى يكثر الله المغفرة وإنما قال تعالى ذلك كيلا ييأس المذنبون من رحمته ولا شك أن لله مغفرة وعقوبة ومغفرته أكثر ولكن لا يعلم أحد أنه من المغفورين أو من المعاقبين لإبهام قوله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير الشورى فإذا ينبغي أن يكون المؤمن بين الخوف والرجاء فإن الذي دل عليه الأحاديث المتواترة المعنى وصار كالمعلوم من الدين بالضرورة ولذا كفر منكره أنه لا بد من دخول جماعة من موحدي هذه الأمة النار ثم خروجهم عنها مع أن العبرة بحسن الخاتمة وهي حالة مبهمة رواه مسلم قال ابن حجر كما في النسخة المعتمدة واغتر شارح بنسخة سقيمة وجدها مخالفة لذلك فاعترض بسببها على المصابيح


بما ليس في محله ا ه ولم يعرف الشارح ولا وجه للإعتراض فهو تجهيل مجهول عند أهل العلم غير مقبول إذ ليس تحته محصول وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله تعالى قال من عادى أي آذى لي وليا أي واحدا من أوليائي فعيل بمعنى مفعول وهو من يتولى الله أمره فلا يكله إلى نفسه لحظة قال الله تعالى وهو يتولى الصالحين الأعراف أو المبالغة فاعل وهو المتولي عبادة الله وطاعته على التوالي بلا تخلل عصيان والأول يسمى مرادا ومجذوبا سالكا


والثاني مريدا وسالكا مجذوبا واختلف أيهما أفضل وفي الحقيقة كل مراد مريد وكل مريد مراد وإنما التفاوت في البداية والنهاية والعناية والرعاية فقد آذنته بالمد وبي أعلمته بالحرب أي بمحاربتي إياه لأجل وأي بمحاربته إياي يعني فكأنه محارب لي قال الأئمة ليس في المعاصي من توعد الله أربابها بأنه محاربه إلا هذا وآكل الربا قال تعالى فأذنوا بحرب من الله ورسوله البقرة وهذا يدل على ما في هاتين الخصلتين من عظم الخطر إذ محاربة الله للعبد تدل على سوء خاتمته لأن من حاربه الله لا يفلح أبدا وما تقرب إلي عبدي أي المؤمن وآثره لأن من شأن العبد التقرب إلى سيده بأنواع خدمته وأصناف طاعته بشيء من الأعمال أحب إلي مما افترضت أي من أداء ما أوجبت عليه أي من امتثال الأوامر واجتناب الزواجر وقوله أحب يقتضي أن تكون وسائل القرب كثيرة وأحبها إلى الله أداء الفرائض فيندرج فيها النوافل ولذا قال وما يزال عبدي أي القائم بقرب الفرائض يتقرب أي يطلب زيادة القرب إلي بالنوافل أي بقرب الطاعات الزوائد على الفرائض حتى أحببته وفي نسخة حتى أحبه أي حبا كاملا لجمعه بين الفرائض والنوافل خلاف ما يوهم كلام الطيبي أن قوله ما يزال بيان أن حكم بعض المفضل عليه الذي هو النافلة بهذه المثابة فما الظن بالمفضل الذي هو الفرائض فكنت سمعه وفي نسخة صحيحة فإذا أحببته كنت سمعه وقال ابن حجر في الأصول المشهورة حتى أحببته فكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به بضم الياء ويده التي يبطش بكسر الطاء أي يأخذ بها ورجله التي يمشي بها قال الخطابي أي يسرت عليه أفعاله المنسوبة إلى هذه الآلات ووفقته حتى كأني نفس هذه الآلات وقيل أي يجعل الله حواسه وآلاته وسائل إلى رضائه فلا يسمع إلا ما يحبه الله ويرضاه فكأنه يسمع به الخ وقيل أي يجعل الله سلطان حبه غالبا عليه حتى لا يرى إلا ما يحبه الله ولا يسمع إلا ما يحبه ولا يفعل إلا ما يحبه ويكون الله سبحانه في ذلك له يدا


وعونا ووكيلا يحمي سمعه وبصر ويده ورجله عما لا يرضاه وقيل معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع وبصره في النظر ويده في اللمس ورجله في المشي ويمكن أن يكون المعنى إذا تقرب إليه بما افترض عليه وزاد في التقرب بالنوافل المكملات للفرائض ومن جملتها دوام الذكر الموصل إلى حضور الوصول وسرور الحصول ومقام الفناء عن نفسه والبقاء بربه ظهر له آثار محبته الأزلية انكشف له أنوار قربته الأبدية فرأى أن ما به الكمال من السمع والبصر وقوة القوى إنما هو من آثار سمعه وبصره وقدرته وقوته وأما هو فعدم محض فلا يرى في الدار غيره ديار وقال ابن حجر فلا يسمع شيئا ولا يبصر ولا يبطش ولا يمشي إلا وشهد أني الموجد لذلك والمقدر له فيصرف


جميع ما أنعمت به عليه إلى ما خلق لأجله من طاعتي فلا يستعمل سمعه وغيره من مشاعره إلا فيما يرضيني ويقربه مني فلا يتوجه لشيء إلا وأنا منه بمرأى ومسمع فأناله سمع وعين ويد ورجل وعون ووكيل وحافظ ونصير كما هو جلى عند أئمة العرفان دون غيرهم إذ لا يؤمن عليهم لضيق العبارة عما يوهم لغير ذوي الإشارة من الأغاليط التي هي الحلول والاتحاد والانحلال عن رابطة الشرع لملجئه إلى مضايق الضلال ومن هذا يتضح لك قاعدة مهمة وهي إن ما أشكل عليك من عبارات الأولياء فإن أمكن تأويلها فبادر إليه كقول أبي يزيد ليس في الجية غير الله فإن لم يكن فإن صدرت في مقام غيبه فلا حرج على قائلها لأنه غير مكلف حينئذ وكذا إن وقع الشك في ذلك وإن صدرت مع تحقيق صحوه أقيم عليه حكمها الشرعي إذ الولي ليس بمعصوم والمحفوظ ربما فرط منه ما عوقب به ثم عاد إليه حاله وإن سألني لأعطينه بالتأكيد وفي التعبير بأن دون إيماء إلى أنه قد يصل إلى مقام يترك فيه السؤال اتكالا على عمله بالحال أو لأنه لا يطلب غير الملك المتعال ولئن استعاذني قال العسقلاني ضبطناه بوجهين الا شهر بالنون بعد الذل المعجمة والثاني بالموحدة لأعيذنه أي مما يخاف من البعد وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن وفي نسخة عن قبض نفس المؤمن وقال ابن حجر كما في رواية قيل التردد هو التخير بين أمرين لا يدري أيهما أصلح وهو محال على الله سبحانه فاولوه على ترديد الأسباب والوسائط وجعلوا قصة موسى عليه السلام مع ملك الموت سندا لقولهم وقيل المراد من لفظ التردد إزالة كراهة الموت عن المؤمن بما يبتليه الله به من المرض والفاقة وغيرهما فأخذه المؤمن عما تشبث به من حب الحياة شيئا فشيئا بالأسباب التي ذكرنا يشبه فعل المتردد من حيث الصفة فعبر عنه بالتردد وقال القاضي التردد تعارض الرأيين وترادف الخاطرين وهو وإن كان محالا في حقه تعالى إلا أنه أسند إليه باعتبار غايته ومنتهاه الذي هو التوقف


والتأني في الأمر وكذلك في سائر ما يسند إلى الله تعالى من صفات المخلوقين كالغضب والحياء والمكر والمعنى ما أخرت وما توقف المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس عبدي المؤمن أتوقف فيه وأريه ما أعددت له من النعم والكرامات حتى يسهل عليه ويميل قلبه إليه شوقا إلى أن ينخرط في سلك المقربين ويتبوأ في أعلى عليين يكره الموت استئناف جوابا عما يقال ما سبب التردد والمراد أنه يكره شدة الموت بمقتضى طبعه البشري لأن نفس الموت تحفة المؤمن يوصله إلى لقاء الله فكيف يكرهه المؤمن وأنا أكره مساءته قال ابن الملك أي إيذاءه بما يلحقه من صعوبة الموت وكربه وقال ابن حجر أي أكره ما يسوءه لأني أرحم به من والديه لكن لا بد له منه لينتقل من دار الهموم والكدورات إلى دار النعيم والمسرات فعلته به إيثارا لتلك النعمة العظمى والمسرة الكبرى كما أن الأب الشفوق يكلف الابن بما يكلفه من العلم وغيره وإن شق عليه نظر الكمالة الذي يترتب على ذلك ا ه وهو خلاصة كلام الطيبي وحاصل كلامهم أن إضافة المساءة من باب إضافة المصدر إلى مفعوله وفيه أنه لو كرهه تعالى لما وجد في الخارج إذ وجود


الأشياء بقدرته وهو متوقف على إرادته ولا مكره له تعالى في إبداء مصنوعاته فالظاهر أن الإساءة مضافة إلى فاعله وهو لا ينافي إرادته كما حقق في محله الفرق بين المشيئة والإرادة والرضا والكراهة فإن بعض المراد مكروه وغير مرضي فالمعنى أكره مساءته لكراهته الموت فإنه لا ينبغي أن يكره الموت بل يجب أن يحبه فإن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه وفي نسخة صحيحة ولا بد له منه وكذا في أصل ميرك وكذا في شرح المصابيح لابن الملك وقال ابن حجر كما في رواية والمعنى ولا بد للمؤمن من الموت فلا معنى للكراهة أو ولهذا لا أدفع عنه الموت قال تعالى فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا النساء رواه البخاري قيل آخر الحديث في كتاب البخاري والحميدي وجامع الأصول وشرح السنة وليس فيها فإذا أحببته كما في نسخ المصابيح ولا زيادة لفظ قبض عند قوله عن قبض نفس المؤمن ولا قوله ولا بد له منه في آخر الحديث المذكورات وردت في حديث روى أنس نحوه في شرح السنة وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن لله ملائكة يطوفون أي يدورون في الطرق أي طرق المسلمين وفي نسخة بالطرق يلتمسون أهل الذكر أي يطلبونهم ليزوروهم ويستمعوا ذكرهم فإذا وجدوا قوما يذكرون الله بأي ذكر كان وأما قول الطيبي المراد بالذكر التسبيح والتكبير والتحميد والتمجيد ولم يذكر التهليل لدلالة التمجيد عليه وينصره رواية مسلم التهليل بدل التمجيد فمبنى على أخذه من ظاهر الحديث والأظهر أن المراد هو الأعم والمذكورات تمثيلان أو يرجع جميع معنى الإذكار إلى المورودات فتأمل فإن قراءة القرآن من كل ذكر أفضل ومن جملة الإذكار الأدعية والاستغفار وفيه دلالة على أن للإجتماع على الذكر مزية ومرتبة تنادوا أي نادى بعض الملائكة بعضا قائلين هلموا أي تعالوا مسرعين إلى حاجتكم أي من استماع الذكر وزيارة الذاكر وإطاعة المذكور واستعمل هلم هنا على لغة بني تميم إنها


تثني وتجمع وتؤنث ولغة الحجازيين بناء لفظها على الفتح وبقاؤه بحاله مع المثنى والجمع والمؤنث ومنه قوله تعالى قل هلم شهداءكم الأنعام قال أي النبي عليه الصلاة والسلام فيحفونهم بأجنحتهم قيل الباء للتعدية أي يديرون أجنحتهم حول الذاكرين وقيل للإستعانة أي يطوفون ويدورون حولهم لأن حفهم الذي ينتهي إلى السماء إنما يستقيم بالأجنحة والذي يظهر من رواية مسلم الآتية إن معناه فيحف بعضهم بعضا باستعانتها
ويمكن الجمع بأنهم يحفون الذاكرين ثم يحف بعضهم بعضا ويتوجهون إلى السماء الدنيا قال الطيبي أي يقف بعضهم فوق بعض إلى السماء الدنيا وأما قول ابن حجر فتسبق منهم فرقة فيحيطون بهم ويسترونهم بأجنحتهم ثم تلحقها فرقة أخرى فتحفهم ووتسترهم كذلك وهكذا إلى أن يصلوا إلى عنان السماء الدنيا فموقوف صحته على نقل مرفوع وإلا فهو مدفوع لعدم الاحتياج إليه في صحة حمل الكلام عليه ثم أغرب و نقل عن الطيبي إنه قال الظاهران الباء للإستعانة ثم قال وكون ذلك ظاهرا فيه وقفة انتهى ووجه غرابته أن قول ابن حجر ويسترونهم بأجنحتهم صريح في معنى الاستعانة دون التعدية ففي معارضته مناقضة قال فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم أي منهم قال الطيبي رحمه الله وهو أعلم حال والاحسن أن تكون معترضة أو تتميما صيانة عن التوهم يعني لتوهم أن تكون الحال منتقلة والحال أنها مؤكدة وهو في غاية من التدقيق ونهاية في التحقيق في التحقيق وأغرب ابن حجر حيث قال ولا عبرة بهذا التوهم لو سلم كيف والمقصود رفع إيهام فيسألهم انتهى فتأمل ما يقول عبادي الإضافة للتشريف وفائدة السؤال مع العلم بالمسئول التعريض للملائكة بقولهم أتجعل فيها من يفسد فيها البقرة الآية قال أي النبي يقولون أي الملائكة يسبحونك أي عبادك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك بالتخفيف ويمجدونك بالتشديد أي يذكرونك بالعظمة أو ينسبونك إلى المجد وهو الكرم وقيل ذكر لا حول ولا قوة إلا بالله وفي رواية مسلم الاتية ذكر التهليل


بدل التمجيد وهو يدل على أن ذكر هذه الأنواع ليس للإشتراط بل للتمثيل به لحصول المقصود ببعضها وبغيرها والغرض من الكل إفادة التهليل الذي هو لب التوحيد وخلاصة التفريد قال فيقول أي الله هل رأوني قال فيقولون لا والله أقسموا زيادة في مدح الذاكرين ما رأوك فيه تنبيه على أن تسبيح بني آدم وتقديسهم أعلى وأشرف لأنه في عالم الغيب مع وجود الموانع وتقديس الملائكة في عالم الشهادة بلا صارف قال فيقول أي الله كيف لو رأوني تعجب وتعجيب وجواب لما دل عليه كيف لأنه سؤال عن الحال أي لو رأوني ما يكون حالهم في الذكر قال فيقولون وفي نسخة يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك نمجيدا أي تعظيما وأكثر لك تسبيحا فيه إيماء إلى أن تحمل مشقة الخدمة على قدر المعرفة والمحبة قال فيقول فما يسألون أي مني قالوا يسألونك الجنة فيه إشارة إلى أن سؤال الجنة ليس بمذموم فإنها دار الجزاء واللقاء وإنما ذم من لا يعبد الله إلا الرجاء الجنة أو لخوف النار فإن الله تعالى يستحق العبادة لذاته قال يقول وهل رأوها فيه إشعارا بأن الجنة مخلوقة موجودة حسية فيقولون وفي نسخة قال فيقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال


يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة لأن الخير ليس كالمعاينة قال أي الله فمم أي فمن أي شيء يتعوذون قال يقولون من النار لأنها أثر غضب الله وعقابه ومحل أصحاب بعده وحجابه قال يقول فهل رأوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا بفرارهم عما يجر إليها وأشد لها مخافة أي خوفا في قلوبهم بكثرة الاستعاذة منها وهذا بسط عظيم في السؤال والجواب اقتضاء كثرة ذكر رب الأرباب في جمع أولى الألباب ولعل هذا هو المعنى بقوله من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وفي الحديث إشعارا بأفضلية العبادة في عالم الغيب كما أن الإيمان بالغيب أفضل من الإيمان بالشهادة ولهذا قيل المكاشفة التامة لأولياء الأمة ثم ماذا ذكر مخصوص بالمؤمنين وأما الكافرون فكما قال تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه أنهم لكاذبون الأنعام قال فيقول فاشهدكم إني قد غفرت لهم أي بذكرهم فإن الحسنات يذهبن السيآت قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان كناية عن اسمه ونسبه ليس منهم أي من الذاكرين حال من المستتر في الخير وقيل من فلان على مذهب سيبويه إنما جاء أي إليهم الحاجة أي دنيوية له فجلس معهم يريد الملك بهذا إنه لا يستحق المغفرة قال هم الجلساء أي الكاملون لا يشقى بفتح الياء جليسهم أي مجالسهم قال الطيبي أي هم جلساء لا يخيب جليسهم عن كرامتهم فيشقى انتهى وفي الحديث ترغيب في مخالطة أهل الذكر قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين التوبة وقال بعض العارفين أصحبوا مع الله فإن لم تغدر فأصحبوا مع من يصحب مع الله رواه البخاري وفي رواية مسلم قال إن لله ملائكة سيارة أي كثيرة السير ومنه أخذ سياحة الصوفية فضلا صفة بعد صفة للملائكة وهو بضمتين وسكون الثاني تخفيفا جمع فاضل كبزل وبازل ونشر وناشر وهو من فاق أصحابه وأقرانه علما وشرفا وفي نسخة بفتح


فسكون وفي نسخة فضلا وعلى وزن العلماء قال السيد جمال الدين روايتنا في المشكاة فضلا بفتح الفاء وسكون الضاد وبضم الفاء وسكون الضاد وبضم الفاء والضاد وبضم الفاء وفتح الضاد ممدودا وفي الأوجه الأربعة بالنصب وفي شرح مسلم قوله فضلا ضبطناه على أوجه أحدها وهو أرجحها وأشهرها في بلادنا فضلا بضم الفاء والضاد والثاني بضم الفاء وإسكان الضاد
وحجة بعضهم وادعى أنه أكثر وأصوب والثالث بفتح الفاء وإسكان الضاد قال القاضي هكذا الرواية عند جمهور مشايخنا في البخاري ومسلم والرابع بضم الفاء والضاد ورفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف والخامس فضلاء بالمد جمع فاضل قال العلماء معناه على جميع الروايات أنهم زائدون على الحفظة وغيرهم لا وظيفة لهم إلا حلق الذكر ا ه وفي رواية الترمذي إن الله ملائكة سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس يبتغون أي يطلبون مجالس الذكر وفي نسخة يتبعون بتشديد التاء وكسر الموحدة وفي نسخة بالتخفيف وفتحها وفي نسخة صحيحة من التفعل وفي شرح مسلم ضبطوه على وجين أحدهما بالعين المهملة من التتبع وهو البحث عن الشيء والتفتيش والثاني يبتغون بالغين المعجمة من الابتغاء وهو الطلب وكلاهما صحيح وقال ابن حجر يبتغون من الابتغاء ويروي ويتتبعون من التتبع فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر أي غالبا أي مع الذاكرين وحف بعضهم أي بعض الملائكة بعضا أي بعضا آخر منهم بأجنحتهم أي باستعانتها حتى يملؤ أي الملائكة ما بينهم أي بين الذاكرين وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا أي أهل الذكر عرجوا أي الملائكة وصعدوا بكسر العين أي طلعوا إلى السماء أي السابعة قال فيسألهم الله وهو أعلم أي بهم أو بحالهم كما في نسختين من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عبادك فيه غاية تريف لبني آدم حال كونهم في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك قال وماذا يسألوني بتشديد النون وتخفف قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أرى رب قال وكيف لو


رأوا جنتي قال الطيبي جواب لو ما دل عليه كيف لأنه سؤال عن الحال أي لو رأوا جنتي ما يكون حالهم في الذكر فإن قلت ما الفرق بين مجيء جواب الملائكة في رواية البخاري لو أنهم رأوها الخ وبين عدم ذكر الجواب في رواية مسلم قلت كيف في رواية البخاري لمجرد السؤال عن الحال وفي رواية مسلم للتعجيب والتعجب مثلا قالوا يستجيرونك عطف على ويسألونك والجملة من السؤال أو الجواب فيما بينهما معترضة أي يستعيذونك قال ومما يستجيروني بالوجهين قالوا من نارك قال وهل رأوا ناري قالوا لا قال فكيف او رأوا ناري قالوا


يستغفرونك أي أيضا وفي نسخة ويستغفرونك بالعطف قال فيقول قد غفرت لهم فاعطيتهم ما سألوا لعل العدول عن الواو إلى الفاء لترتب الإعطاء على المغفرة وأجرتهم من أجاره يجيره إذا آمنه من الخوف مما استجاروا أي طلبوا الأمان قال يقولون رب أي يا رب فيهم فلان عبد خطاء أي كثير الذنوب أو ملازم للذنب بدل من فلان إنما مر أي لحاجة فجلس معهم قال الطيبي أي ما فعل فلان إلا المرور والجلوس عقيبة أي ما ذكر الله تعالى ا ه أي ما ذكر الله قصدا أو إخلاصا وإلا فسماع الذكر ذكر قال فيقول وله غفرت أي أيضا أو بطفيلهم يعني غفرت لهذا العبد أيضا ببركة الذاكرين وقال الطيبي أي غفرت لهم وله ثم اتبع غفرت تأكيدا أو تقريرا وهم القوم قال الطيبي تعريف الخير يدل على الكمال أي هم القوم الكاملون فيما هم فيه من السعادة لا يشقى أي لا يتعب أو لا يصير شقيا بهم أي بسببهم وببركتهم جليسهم أي مجالسهم والجملة صفة لأن المعرف بلام الجنس كالنكرة أو حال ويجوز كونها استئنافا لبيان مزيد كما لهم قال ابن الملك أي لا يحرم من الثواب بل يجد من بركتهم نصيبا وفي هذا ترغيب العباد في مجالسه الصلحاء لينالوا نصيبا منهم وعن حنظلة هذا كاتب الرسول لا حنظلة بن مالك غسيل الملائكة ابن الربيع بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء المكسورة وفي نسخة الربيع بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحية كذا يخط الكرماني شارح البخاري ويؤيده ما في مقدمة ابن حجر الربيع كثير وبالتصغير امرأتان ا ه فينبغي الاعتماد عليها الأسيدي بضم الهمزة وفتح السين وتشديد الياء وتخفيفها والأول أصح وأشهر على ما في شرح مسلم قال لقيني أبو بكر ولعله لما كان مغلوبا لم يقل لقيت أبا بكر كما هو مقتضى الأدب فقال كيف أنت يا حنظلة سؤال عن الحال أي كيف استقامتك على ما نسمع من النبي أهي مجودة أم لا وقال الطيبي أي أتستقيم على الطريق أم لا قلت نافق حنظلة عبر عن نفسه لغيبته عنها بالغيبة أي صار منافقا وأراد


إنفاق الحال الانفاق الإيمان قال الطيبي فيه تجريد لأن أصل الكلام نافقت فجرد من نفسه شخصا آخر مثله فهو يخبر عنه لما رأى من نفسه ما لا يرضى لمخالفة السر العلن والحضور الغيبة قال أي أبو بكر سبحان الله تعجب أو تبرئة وتنزيه ما تقول أي بين معنى
ما تقول قال الطيبي ما استفهامية وقوله تقول هو المتعجب منه يعني عجبت من قولك هذا الذي حكمت فيه بالنفاق على نفسك قلت نكون أي جميعا على وصف الجمعية عند رسول الله والمعنى لا عجب في ذلك لانا نكون عنده وأتى بضمير الجمع لأن من المعلوم إنه لا بد في الحاضرين من يشابه حنظلة في ذلك ولم يقل نافقنا لئلا يتوهم العموم الشامل للخصوص يذكرنا بالتشديد أي يعظنا بالنار أي بعذابها تارة والجنة أي بنعيمها أخرى ترهيبا وترغيبا أو يذكرنا الله بذكرهما أو بقربهما أو بكونهما من آثار صفتي الجلال والجمال كانا أي حتى صرنا كانا رأى عين بالنصب أي كأنا نرى الله أو الجنة والنار رأى عين فهو مفعول مطلق بإضمار نرى وفي نسخة بالرفع أي كأنا رأونا بالعين على أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل ويصح كونه الخبر للمبالغة كرجل عدل فإذا خرجنا أي فارقناه على وصف التفرقة من عند رسول الله عافسنا الأزواج والأولاد أي خالطناهم ولاعبناهم وعالجنا أمورهم واشتغلنا بمصالحهم والضيعات أي الأراضي والبساتين وقال الطيبي ضيعة الرجل ما يكون معاشه به كالزراعة والتجارة ونحوهما نسينا بدل اشتمال من عافسنا أو هو جواب إذا وجملة عافسنا بتقدير قد حال والمعنى نسينا كثيرا كما في نسخة صحيحة أي مما ذكرنا به وقيل أي نسيانا كثيرا قال أبو بكر إذا قلت ذلك وذكرت بيانه فوالله إنا لنلقى أي كانا مثل هذا أي من التفاوت في الحال لما تقرر من تأثير صحبة أهل الكمال فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله فقلت نافق حنظلة يا رسول الله قال رسول الله وما ذاك أي وما سبب ذلك القول قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأى عين


فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد الضيعات نسينا كثيرا قال الطيبي أي كثيرا مما ذكرتنا به أو نسيانا كثيرا كأنا ما سمعنا منك شيئا قط وهذا أنسب بقوله رأى عين فقال رسول الله والذي نفسي بيده لو تدومون أي في حال غيبتكم عني على ما تكونون عندي أي من صفاء القلب والخوف من الله تعالى قاله الطيبي أو من دوام الذكر وتمام الحضور فيكون قوله وفي الذكر معطوف على قوله على ما تكونون عطف تفسير وقال الطيبي عطف على خبر كان الذي هو ندي وقال ابن الملك الواو بمعنى أو عطف على قوله ما تكونون أو على عندي أي لو تدومون في الذكر أو على ما تكونون في الذكر وأنتم بعداء مني من الاستغراق فيه لصافحتكم الملائكة قيل أي علانية وإلا


فكون الملائكة يصافحون أهل الذكر حاصل وقال ابن حجر أي عيانا في سائر الأحوال وإن كنتم على فرشكم وفي طرقكم أي في حالتي فراغكم وشغلكم وفي زمان أيامكم ولياليكم لأنكم إذا كنتم في الحضور والغيبة على ما ذكتم كنتم على أكمل الأحوال دائما ومن هو كذلك مع الموانع البشرية والقواطع النفسية يرى الملائكة متبركين به معظمين له في من الأمكنة والأزمنة قال الطيبي المراد الدوام ولكن يا حنظلة ساعة أي كذا يعني المنافسة وساعة أي كذا يعني المعافسة وفي المصابيح ساعة فساعة وقال ابن الملك الفاء في الساعة الثانية للإيذان بأن إحدى الساعتين معقبة بالأخرى وفي بعض النسخ بالواو ا ه يعني لا يكون الرجل منافقا بأن يكون في وقت على الحضور وفي وقت على الفتور ففي ساعة الحضور وتؤدون حقوق ربكم وفي ساعة الفتور تقضون حظوظ أنفسكم ويحتمل أن يكون قوله ساعة وساعة للترخيص أو للتحفظ لئلا تسأم النفس عن العبادة وحاصله أن يا حنظلة هذه المداومة على ما ذكر مشقة لا يطيقها كل أحد فلم يكلف بها وإنما الذي يطيقه الأكثرون أن يكون الانسان على هذه الحالة ساعة ولا عليه بأن يصرف نفسه للمعافسة المذكورة وغيرها ساعة أخرى وأنت كذلك فأنت على الصراط المستقيم ولم يحصل منك نفاق قط كما توهمته فانته عن اعتقادك ذلك فإنه مما يدخله الشيطان على السالكين حتى يغيرهم عماهم فيه ثم لا يزال يغيرهم كذلك إلى أن يتركوا العمل رأسا ثلاث مرات أي قال ذلك ثلاث مرات وهو يحتمل أن يكون قوله والذي الخ أو قوله ولكن الخ أو قوله ساعة وساعة وإنما اختار الطيبي الأخير لتحققه وهذا يدل على تحقيقه فاندفع قول ابن حجر وتعيين الشارح لا دليل عليه أقول ونظير هذا المبحث وقوع الاستثناء بعد الجمل فإنه راجع عند أئمتنا المحققين إلى الجملة الأخيرة بخلاف مذهب الشافعي فإنه يعود إلى جميع ما ذكر كما حقق في قوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك النور


فتقبل شهادة القاذف عنده بعد التوبة ولا تقبل عندنا وقوله أبدا يؤيده ثلاث مرات للتأكيد ولإزالة ما اهتم به نفس حنظلة عنه ولبيان أنهم لا يقدرون على دوام الحضور من غير الفتور قال الطيبي أي قال ثلاث مرات ساعة يكون في الذكر والحضور وساعة في معافسة الأزواج وغيرها وفي ذلك تقرير على الحالة التي كان حنظلة عليها وأنكرها ومن ثمة ناداه باسمه تنبيها على أنه كان ثابتا على الصراط المستقيم وما نافق قط أي النفاق العرفي وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر وإنما أراد بقوله نافق حنظلة أما المعنى اللغوي وهو أن يكون عنده على حاله وعند غيره على حالة أخرى وأما التشبيه الحالي فإن حاله يشبه حال المنافق لعدم استمراره على مقام المواقف رواه مسلم

الفصل الثاني


عن أبي الدرداء قال الطيبى رجل أدرد ليس في فيه سن قال قال رسول الله ألا أنبئكم أي ألا أخبركم بخير أعمالكم أي أفضلها وأزكاها أي إنماها وأنقاها عند مليككم أي في حكم ربكم وأرفعها في درجاتكم وخيرلكم من إنفاق الذهب والورق بكسر الراء ويسكن أي الفضة في مرضاة الله وخير لكم من أن تلقوا عدوكم أي خير من بذل الأموال والأنفس في سبيل الله بأن تجاهدوا والكفار فتضربوا أعناقهم أي أعناق بعضهم ويضربوا أي بعضهم أعناقهم وهذا تصوير لأعلى مراتب المجاهدة قال الطيبي قوله وخير مجرور عطفا على خير أعمالكم من حيث المعنى لأن المعنى ألا أنبئكم بما هم خير لكم من بذل أموالكم وأنفسكم في سبيل الله وقال ابن حجر عطف على خير أعمالكم عطف خاص على عام لأن الأول خير الأعمال مطلقا وهذا خير من بذل الأموال والأنفس أو عطف مغاير بأن يراد بالأعمال الأعمال اللسانية فيكون ضد هذا لأن بذل الأموال والنفوس من الأعمال الفعلية ا ه ومراده بضده مغايره قالوا بلى قال ذكر الله قال ابن الملك المراد الذكر القلبي فإنه هو الذي له المنزلة الزائدة على بذل الأموال والأنفس لأنه عمل نفسي وفعل القلب الذي هو أشق من عمل الجوارح بل هو الجهاد الأكبر لا الذكر باللسان المشتمل على صياح وإنزعاج وشدة تحريك العنق وأعواج كما يفعله بعض الناس زاعمين إن ذلك جالب للحضور وموجب للسرور حاشا لله بل سبب الغيبة والغرور ا ه ولا شك أن الذكر يطلق على الجناني وعلى اللساني وأن المدار على القلب الذي يتقلب بسبب ذكر المذكور من الغيبة إلى الحضور وإنما اللفظي وسيله والحصول الوصول وصله وأختلف المشايخ في أيهما أفضل بالنسبة إلى المبتدىء وإن كان ينتهي المنتهى أيضا الذكر القلبي وأما الأمور البدعة ولأغراض الدنيوية فخارجة عن الأنواع الذكرية ولاريب أن الجمع بينهما أكمل وفي تحصيل المثوبة أفضل والظاهر إنه المراد هنا لأن المجاهد المذكور والمقاتل المشكور لا يخلو عن الذكر القلبي اللهم


إلا أن يقال المراد أن ذكره القلبي الذي هو الجهاد الباطني أفضل
من مضاربته التي هي الجهاد الظاهري فيكون الحديث نظير قوله لو أن رجلا في حجره دراهم يقسمها وآخر يذكر كان الذاكر لله أفضل كما رواه الطبرني عن موسى فاندفع ماتحير فيه ابن حجر حيث قال وكون الذكر الشامل للقرآن خيرا من بقية الأعمال اللسانية ظاهر ومن إنفاق الأموال وبذل النفوس لله مشكل اذ قضية كلام أئمتنا العكس ا ه ولدفع هذا الأشكال وما يترتب عليه من المقال قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام في قواعده هذا الحديث مم يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر النصب في جميع العبادات بل قد يأجر الله تعالى على قليل الأعمال أكثر مما يأجر على كثيرها فإذا الثواب يترتب على تفاوت الرتب في الشرف ا ه وهو القول الحق وأما قول ابن حجر إنه جرى على الأخذ بظاهر الحديث مع قطع النظر عن مقتضى كلام الأئمة فهو تقليد مطلق ثم أغرب وقال الأنفاق يقطع داء البخل وبذل النفس يقطع داء الجبن وادمان الذكر لا يقطع شيئا من هذين الداءين اللذين لا أخبث منهما بل لايجدي الاحد المقصود ا ه وهو مبني على غفلته عن معنى الذكر وحقيقته فإنه لا يرتفع جميع العلل الظاهرة والباطنة إلا بالذكر الؤثر في القلب الذي هو سلطان الأعضاء ومنه ينشأ بذل الأموال والأنفس وغيرها وبدونه إنما هو خسارة مال وضياع نفس لا فائدة فيهما حيث لاتقرب بهما ولهذا قال شارح ولعل الخيرية والأرفعية في الذكر لأجل أن سائر العبادات من إنفاق الذهب والفضة ومن ملاقاة العدو والمقاتلة معهم إنما هي وسائل ووسائط يتقرب العباد بها إلى الله تعالى والذكر إنما هو المقصود الأسنى والمطلوب الأعلى وناهيك عن فضيلة الذكر قوله تعالى فأذكروني أذكركم البقرة وأنا جليس من ذكرني وأنا معه إذا ذكرني الحديث وغير ذلك ولذا قال الغزالي بعد مادخل في مقام الذكر ضيعت قطعة من العمر في الوجيز والوسيط بل يعد العارفون الغفلة من أنواع الردة ولو خطرة


على سبيل المبالغة كما قال ولو خطرت لي في سواك ارادة على خاطري سهو أحكمت بردتي ثم لا إرتياب إن أفضل الذكر قول لا إله إلا الله وهي القاعدة التي بني عليها أركان الدين وهي الكلمة العليا وهي القطب الذي يدور عليها رحى الإسلام وهي الشعبة التي أعلى شعب الإيمان قال الطيبي بل هو الكل وليس غيره أي قل انماأنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما الهكم إله واحد أي إذ الوحي مقصور على إستئثار الله تعالى بالوحدانية لأن المقصود الأعظم من الوحي هو التوحيد وسائر التكاليف متفرع عليه ثم قال ولأمر ماتجد العارفين وأرباب القلوب واليقين يستأثرونها على سائرالإذكار لما رأوا فيها خواص ليس الطريق إلى معرفتها إلا الواجدان والذوق ا ه ومما يوضح لك ذلك السيد علي بن مميون المغربي لما تصرف في الشيخ علوان الحموي وهوكان مغتيا مدر سافنهاه عن الكل وأشغله بالذكر فطعن الجهال فيه


بإنه أضل شيخ الإسلام ومعنه عن نفع الأنام ثم بلغ السيد أنه يقرأ القرآن أحيانا فمنعه منه فقال الناس إنه زنديق يمنع من تلاوة القرآن الذي هو قطب الإيمان وغوث الإريقان لكن طاوعه المريد إلى أن حصل له المزيد وانجلت مرآة قلبه وحصل له مشاهدة ربه فأذن له في قراءة القرآن فلما فتح المصحف فتح عليه الفتوحات الأزلية والأبدية وظهر له كنوز المعارف والعواف والظاهر والباطنية فقال السيد أنا ما كنت أمنعك عن القرآن وإنما كنت أمنعك عن لقلقة اللسان والغفلة عما فيه من البيان في هذا الشأن والله المستعان رواه مالك وأحمد والترمذى وابن ماجة وكذا الحاكم في المستدرك إلا أن مالكاوقفه بالتخفيف على أبي الدرداء يعني والباقون رفعوه إلى النبي رسول الله ولا يضر لأن الحكم لمن وقف لأن مع الأول زيادة العلم بالوصل وزيادة الثقة مقبولة ولأن هذا مما لا يقال من قبل الرأي فوقفه كرفع غيره وعن عبد الله بن بسر بضم الموحدة وسكون السين المهملة قال ابنحجر وفي نسخة نمير ا ه والظاهر إنه تصحيف قال جاء أعربي إلى النبي فقال أي الناس خير أي أفضل حالا وأطيب مآلا فقال طوبى لمن طال عمره وحسن عمله فعلى من الطيب والمراد بهم الثناء عليه والدعاء له بطيب حاله في الدارين كذا ذكره ابن حجر والأظهر إنه خبر لأنه جواب أي الناس خير ويمكن أن يكون المراد من طوبى الجنة أو شجرة في الجنة تعم أهلها وتشمل محلها قال الطيبى ظاهر الجواب من طال عمره وحسن عمله كأنه قال غير خاف إن خير الناس من ذكر والمهم أن تدعو له فتصيب من بركته ا ه وتبعه ابن حجر والأظهر إنه أخبار عن طيب حاله وحسن مآله فيكون متضمنا للجواب ببلاغة مقال وقال ابن الملك إنما عدل في الجواب إلى أمارات تدل على حال المسؤل عنه من سعادته في الدارين إذا طال عمرره وحسن عمله لأن العلم بالمسؤل عنه من الأمور الغيبة التي استأثر الله بعلمها ا ه وإذا فتشت هذا الكلام ترى هباء منثورا بلابقاء ونظام ثم خطر ببالي


إنه لعله زاد كلمة طوبى لتكون كلمة جامعة وحكمة رابعة مستقلة غير تابعه للسؤال المانع عن الإستقلال وكذا رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية من غير ذكر سيب الورود قال يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال أن تفارق الدنيا ولسانك الواو وللحالية رطب أي قريب العهد أو
متحرك طرى من ذكر الله والذكر يشمل الجلي والخفي واللسان يحتمل القلبي والقالبي ولا منع من الجمع بل هو أدعى إلى مقام الجمع وفيه الإشارة إلى أفضل الأعمال مايختم به الأحوال ويمكن أن يراد بمفارقة الدنيا الزهد في الدنيا وبرطب اللسان بل القلب بذكز المولى فإن الإناء يترشح بما فيه ومن أحب شيأ أكثر ذكره بفيه وقال الطيبى رطوبة اللسان عبارة عن سهولة جريانه كما أن يبسه عبارة عن ضده وسهولة الجريان بالمداومة فكأنه قيل أفضل الأعمال مداومة الذكر فإن الذكر هو المقصود وسائر الأعمال وسائل إليه رواه أحمد والترمذى وروى ابن حبان والبزار والطبرني عن معاذ قال آخر كلاء فارقت عليه رسول الله إن وسلم إن قلت أي الأعمال أحب إلى الله قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله وزاد الطبراني قلت يارسول الله أوصنى قال عليك بتقوى الله مااستطعت واذكر الله عند كل حجر وشجر وما عملت من سوء فأحدث لله فيه توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية ا ه قال ميرك وكان هذا حين أرسله حاكما إلى اليمن في آخر وداعه وعن أنس قال قال رسول الله إذا مررتم برياض الجنة من باب تسمية الشيء بإسم مايؤول إليه أو بما يوصل إليه ويدل عليه فارتعوا كناية عن أخذ الخط الأوفر والنصيب الأفى قالوا وما رياض الجنة قال حلق الذكر بكسر الحاء وتفتح قال الطيبى الحاء وفتح اللام جمع الحلقة مثل قصعة وقصع هي جماعة من الناس يستديرون كحلقة الباب وغيره وقال الجوهري جمع حلقة حلق بفتح الحاء على غير قياس وحكى ابن عمر وأن لواحد حلقة بالتحريك والجميع حلق بالفتح ا ه وأنه أراد بالجمع الجنس قيل هذا الحديث مطلق في المكان والذكر فيحمل


على المقيد المذكور في باب المساجد والذكر هو سبحان الله والحمد لله الح ذكره الطيبى وقيل هي مجالس الحلال والحرام والأظهر حمله على العموم وذكر الفرد الأكمال بالخصوص لا ينافي عموم المنصوص وحاصل المعنى اذا مررتم بجماعة يذكرون الله تعالى فإذكروه أنتم موافقه لهم فإنهم في رياض الجنة قال النووى رحمه الله وأعلم أنه كما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله وهو يكون بالقلب وقد يكون باللسان وأفضل منهما ما كان بالقلب واللسان جميعا فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل وينبغي أن لا يترك الذكر باللسان مع القلب بالاخلاص خوفا من أن يظن به الرياء وقد نقل عن الفضيل ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يخلصك الله عنهما لكن لو فتح الإنسان على نفسه باب ملاحظة الناس والإحتراز عن طرق ظنونهم الباطلة لا نسد عليه أكثر أبواب الخير ا ه وروى إن بعض المريدين قال شيخ أنا أذكر الله وقلبي غافل فقال له أذكروا شكر إن شغل عضوا منك بذكره وأسأله أن يحضر قلبك ومن


الغريب أن القاضي عياض قال لا ثواب في الذكر بالقلب ومن العجيب أن البلقيني قال وهو حق لا شك فيه ا ه ولعل كلامهما محمول على ذكر عين الشارع تلفظه وسماع نفسه كما قال الجزرى في الحصن كل ذكر مشروع أي مأمور به في الشرع واجبا كان أو مستحبا لا يعتد بشيء منه حتى يتلفظ به ويسمع نفسه ا ه فالإطلاق غير صواب فقد روى أبو يعلي عن عائشة قالت قال رسول الله لفضل الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة سبعون ضعفا اذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق لحسابهم وجاءت الحفظة بما حفظوا وكتبوا قال لهم أنظروا هل بقي له من شيء فيقولون ما تركنا شيئا مما علمناه وحفظناه الا أحصيناه وكتبناه فيقول الله إن لك عندي حسنا لا تعمله وإنما أجزيك وهو الذكر الخفي ا ه وهو المراد بقوله رسول الله الذكر الخفي خير الذكر الجلى رواه الترمذى أي من حديث أنس وأخرج أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ اذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قلت يا رسول الله وما رياض الجنة قال المساجد قلت وما الرتع يا رسول الله قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وعن أبي هريرة قال قال رسولالله من قعد مقعد أي مجاسا أو قعودا لم يذكر الله فيه أي في ذلك المجلس أوفى ذلك الجلوس كانت أي القعدة وفي نسخة كان أي العقود عليه أي على القاعد من الله ا ه ي من جهة حكمة وأمره وقضائه وقدره ترة بكسر التاء وتخفيف الراء تبعة ومعاتبة أو نقصان وحسرة من وتره حقه نقصه وهو سبب الحسرة ومنه قوله تعالى ولن يتركم أعمالكم محمد والها عوض عن الواو المزدوفة مثل عدة وهومنصوب على الخبرية وفي نسخة بالرفع على أن الكون نام ومن أضطجع مضجعا أي مكان ضجعة وافتراش لا يذكر الله فيه كانت الاضطجاعة أو كان فيهما الأضطجاع المذكور أو عدم ذكر الله عليه من الله ترة بالوجهين الطيبى كانت في الموضعين رويث على التأنيث في أبي داود وجامع الأصول وفي الحديثين اللذين يليانه على التذكر فهما أقول فعلى رواية


التأنيث في كانت ورفع ترة ينبغي أن يؤول مرجع الضمير في كانت مؤنثا إلى القعدة أو والأضطجاعة فيكون ترة مبتدأ والجار والمجور خبره والجملة خبر كان وأن ما على رواية التذكير ونصب ترة كما هو في المصابيح فظاهر والجار متعلق بترة ويؤيد هذه الرواية الأحاديث الآتية بعد ا ه ويمكن أن يقال تأنيث كان لتأنيث الخبر ثم المراد بذكر المكانين إستيعاب الأمكنة كذكر الزمانين بكرة وعيشا لإستيعاب الأزمنة يعني من فتر ساعة من


الأزمنة وفي مكان من الامكنة وفي حال من الأحوال من قيام وقعود ورقو كان عليه حسرة وندامة لأنه ضيع عظيم ثواب الذكر كما ورد ليس يتحسر أهل الجنة الأعلى ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها ثم في الحديث أتى بلم في الجملة الأولى وبلافى الجملة الثانية تفننا وكذا غابر بينهما في الحديثين الآتيين لذلك قال الخطابي في قوله لم تراعو معناه لاتخافوا العرب توقع لم موقع لا رواه أبو داود وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما من قوم يقومون من مجلس لايذكرون الله الا قاموا عن مثل جيفة حمار أي ما يقومون قياما الا هذا القيام وضمن قاموا معنى تجاوزوا وبعد واقعدي بعن ذكره الطيبى أي لا يوجد منهم قيام عن مجلسهم الأ كقيام المتفرقين عن أكل الجيفة التي هي غاية في القذر والنجاسة وقال ابن الملك وتخصيص جيفة الحمار لذكر لأنه أدون الجيف من بين الحيوانات التي تخالطنا ا ه أو لكونه أبلد الحيوانات أو لكونه مخالطا للشيطان ولهذا يتعوذ عند نهيقة بالرحمن وكان عليهم حسرة بالوجهين رواه أحمد وأبو داود ورواه النسائي وابن حبان ولفظهما ما من قوم جلسوا مجلسا وتفرقوا منه ولم يذكر الله فيه الا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار وكان عليهم حسرة يوم القيامة وما مشى أحد مشى لم يذكر الله فيه ألا كان عليه تره وما أوى أحد إلى فراشه ولم يذكر الله فيه لا كان عليه ترة هذا وقد ورد من حديث معاذ مرفوعا ليس يتحسر أهل الجنة يعني يوم القيامة كما في رواية الأعلى ساعة مرت بهم ولم يذكر والله فيها رواه الطبراني وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم تخصيص بعد تعميم إلا كان أي ذلك المجلس عليهم ترة فإن شاء عذبهم أي بذنوبهم السابقة وتقصيراتهم اللاحقة وقال الطيبى رحمه الله دل على إن المراد بالترة التبعة قال الطيبى قوله فإن شاء عذبهم من باب التشديد والتغليظ ويحتمل أن يصدر من أهل المجلس ما يوجب العقوبة


من حصائد ألسنتهم والصلاة على
الرسول في هذا الحديث تلميح إلى معنى قوله تعالى ولو أنهم اذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لو جدوا الله تواب رحيما النساء وإن شاء غفر لهم أي فضلا منه ورحمة وفيه ايماء بإنهم اذ اذكروا الله لم يعذبهم حتما بل يغفر لهم جزما رواه الترمذي وقال حسن صحيح وعم أم حبيبة قالت قال رسول الله كل كلام ابن آدم عليه أي ضرر ووباله عليه وقيل يكتب لاله أي ليس له نفع فيه أولا يكتب له ذكر تأكيدا الا أمر بمعروف مما فيه نفع الغير من الأوامر الشرعية أونهى عن منكر مم فيه موعظة الخلق من الأمور المنهية أو ذكر الله أي ما فيه رضا الله من الأذكار الآلهية كالتلاوة والصلاة على النبي والتسبيح والتهليل والدعاء للوالدين وما أشبه ذلك وظاهر الحديث إنه لا يظهر في الكلام نوع يباح للانام اللهم إلا أن يحمل على المبالغة والتأكيد في الزجر عن القول الذي ليس بسديد وفي بعض النسخ لفظ عليه غير موجود فعليه يزول الأشكال ويظهر المقصود وقد يقال إن قوله لا له تفسير لقوله عليه ولا شك أن المباح ليس له نفع في العقبى أو يقال التقدير كل كلام ابن آدم حسرة عليه لا منفعة له فيه الا المذكورات وأمثالها فيوافق بقية الأحاديث المذكورة وهو مقتبس من قوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم الأمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس النساء وبه يرتفع إضطراب الشراح في أمر المباح رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن ابن عمر قال قال رسول الله لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فيه إشارة إلى أن بعض الكلام مباح وهو ما يعنيه فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة أي سبب قساوة للقلب وهي النبو عن سماع الحق والميل إلى مخالطة الخلق وقلة الخشية وعدم الخشوع والبكاء وكثرة الغفلة عن دار البقاء وإن أبعد الناس من الله أي من نظر رحمته وعين عنايته القلب القاسي أي صاحب أو التقدير أبعد قلوب الناس القاسي أو


أبعد
الناس من له القلب القاسي قال الطيبى رحمه الله ويمكن أن يعبر بالقلب عن الشخص لإنه به كما قيل المرء باصغريه أي بقلبه ولسانه فلا يحتاج إذا إلى حذف الموصول مع بعض الصلة قال تعالى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة البقرة الآية وقال عز وجل ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم الحديد رواه الترمذي وعن ثوبان قال لما نزلت والذين يكنزون الذهب والفضة كنا مع النبي في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه نزلت في الذهب والفضة أي نزلت أو نزلت هذه الآية والفضة في الذهب وعرفنا حكمهما ومذمتهما لو علمنا لو للتمني أي المال خير مبتدأ وخير والجملة سدت مسد المفعولين لعلمنا تعليقا فنتخذه منصوب بإضمار إن بعد الفاء جوابا للتمني قيل السؤال وإن كان تعيين المال ظاهرا لكنهم أرادوا ما ينتفع به عند تراكم الحوائج فلذلك أجاب عنه بما أجاب ففيه شائبة من الجواب عن أسلوب الحكيم فقال أفضله أي أفضل المال أو أفضل ما يتخذه الإنسان قنية لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة مؤمنة قال الطيبى الضمير في أفضله راجع إلى المال على التأويل النافع أي لو علمنا أفضل الأسياء نفعا فنقتنيه ولهذا السرر استثنى الله من أتى بقلب سليم من قوله مال ولا بنون والقلب إذا سلم من آفاته شكرا لله تعالى فسرى ذلك إلى لسانه فحمد الله وأثنى عليه ولا يحصل ذلك إلا بفرغ القلب ومعاونة رفيق يعينه في طاعة الله تعالى ا ه ولهذا قال تعينه على إيمانه أي على دينه بأن تذكرة الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات وتمنعه من الزنا وسائر المحرمات وقيل إنما أجاب عليه الصلاة والسلام بما ذكر لأن المال لاينفع مالكه ولا شيء للرجل أنفع مما ذكر وظاهر كلام الطيبى إن القلب مقدم على اللسان في نسختة فبنى عليه ما ذكره وإلا فيقال إذا ذكر الله بلسانه سرى ذلك إلى جنابة فشكر على إحسانه فقدر


الله تعالى له مؤنسة تعينه على إيمانه وهذا طريق المريدين ومسلك أكثر السالكين والذي ذكره الطيبى طريقة المرادين المجذوبين قال تعالى أي وقليل ما هم أي وقليل من عبادى الشكور سبأ رواه أحمد والترمذي وابن ماجه

الفصل الثالث
عن أبي سعيد قال خرج معاوية على حلقة بسكون اللام وتفتح أي جماعة متحلقة في المسجد متقابلين على الذكر بالاجتهاد فقال ما أجلسكم أي ما السبب الداعي إلى جلوسكم هلى هذه الهيئة هنا وهو استفهام قالوا جلسنا نذكر الله أي الذي أجلسنا هو غرض الاجتماع على الذكر قال آلله بالمد والجر ما أجلسكم إلا ذلك ما هذه نافية قال السيد جمال الدين قيل الصواب بالجر لقول المحقق الشريف في حاشيته همزة الاستفهام وقعت بدلا عن حرف القسم ويجب لجر معها ا ه وكذا صحيح في أصل سماعنا من المشكاة ومن صحيح مسلم ووقع في بعض نسخ المشكاة بالنصب انتهى كلامه وهو يشعر بأن خلاصة الطيبي حاشية من السيد الشريف على المشكاة كما هو مشهور بين الناس وهو بعيد جدا أما أولا فلأنه غير مذكور في أسامى مؤلفاته وثانيا أنه مع جلالته كيف يختصر كلام الطيبي اختصارا مجردا لا يكون تصرف فيه أبدا ثم اعلم أن النصب في المواضع الأربعة وقع في نسخة السيد عفيف الدين قال الطيبي قيل الله بالنصب أي أتقسمون بالله فحذف الجار وأوصل الفعل ثم حذف الفعل ا ه وتبعه ابن حجر ولا يخلو عن التكلف والتعسف قالوا آلله تقديره أي أو نعم نقسم بالله ما أجلسنا غيره فوقع الهمزة موقعها مشاكلة وتقرير لذلك كما قرره الطيبي ولا يخفى أنه لا يحتاج إليه فإن الهمزة وقعت بدل حرف القسم فلا وجه للمشاكلة نعم أطنبوا في الجواب حيث عدلوا عن أي أو نعم تأكيدا لرفع الحجاب قال أي معاوية أما بالتخفيف للتنبيه إني بالكسر لا غير كما في النسخ ما المصححة وأما قول ابن حجر أما استفتاحية أو بمعنى حقا على رأي وإني بالكسر على الأول وبالفتح على الثاني فمحمول على تجويز عقلي منه على أن كون أما


بمعنى حقا لا ينافي الكسر لم استحلفكم تهمة لكم
بسكون الهاء وبفتح قال في النهاية التهمة وقد تفتح الهاء فعلة من الوهم والتاء بدل من الواو تهمته ظننت فيه ما نسب إليه وفي القاموس أدخل عليه التهمة كهمزة أي ما يتهم عليه أي ما استحلفكم تهمة لكم بالكذب لكني أردت المتابعة والمشابهة فيما وقع له مع الصحابة وقدم بيان قربه منه عليه الصلاة والسلام وقلة نقله من أحاديثه الكرام دفعا لتهمة الكذب عن نفسه فيما ينقله من الكلام فقال وما كان أحد بمنزلتي أي بمرتبة قربي من رسول الله لكونه محرما لأم حبيبة أخته من أمهات المؤمنين ولذا عبر عنه المولوي في المثنوى بخال المؤمنين ولكونه من أجلاء كتبة الوحي أقل خبر كان عنه أي عن رسول الله حديثا مني أي لاحتياطي في الحديث وإلا كان مقتضى منزلته أن يكون كثيرا لرواية ولعله كان ممن لم يجوز نقل الرواية بالمعنى وإن رسول الله خرج على حلقة من أصحابه هذا ما سنح لي من حمل الكلام في هذا المقام وقال الطيبي أي لم أستحلفكم ولكن رسول الله خرج بدليل قوله ولكنه أتاني جبريل وقوله وما كان أحد معترضة بين الاستدراك والمستدرك يؤذن بأنه لم ينسه وإن رسول الله متصل بقوله إني لم أستحلفكم اتصال الاستدراك بالمستدرك ا ه فتأمل فقال أي النبي ما أجلسكم ههنا قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به أي بذكره أو بالإسلام علينا أي من بين الأنام كما حكى الله تعالى عن مقول أهل دار السلام الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا إن هدانا الله الأعراف لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا قال آلله ما أجلسكم إلا ذلك لعله أراد به الإخلاص قالوا آلله ما أجلسنا إلا ذلك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم لأنه خلاف حسن الظن بالمؤمنين ولكنه أي الشأن وفي نسخة ولكني أتاني جبريل فأخبرني إن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة نقل بالمعنى وإلا كان الظاهر بهم قيل معنى المباهاة بهم إن الله تعالى


يقول لملائكته انظروا إلى عبيدي هؤلاء كيف سلطت عليهم نفوسهم وشهواتهم وأهوايتهم والشيطان وجنوده ومع ذلك قويت همتهم على مخالفة هذه الدواعي القوية إلى البطالة وترك العبادة والذكر فاستحقوا أن يمدحوا أكثر منكم لأنكم لا تجدون للعبادة مشقة بوجه إنما هي منكم كالتنفس منهم ففيها غاية الراحة والملاءمة للنفس قال الطيبي رحمه الله أي فأردت أن أتحقق ما هو السبب في ذلك فالتحليف لمزيد التقرير والتأكيد لا التهمة كما هو الأصل في وضع التحليف فإن من لا يتهم لا يحلف رواه مسلم وعن عبد الله بن بسر بضم الموحدة وسكون السين المهملة إن رجلا قال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قال الطيبي الشريعة مورد الإبل على الماء الجاري والمراد ما


شرع الله وأظهره لعباده من الفرائض والسنن ا ه والظاهران المراد بها هنا النوافل لقوله قد كثرت علي بضم المثلثة ويفتح أي غلبت علي بالكثرة حتى عجزت عنها لضعفي فأخبرني بشيء قيل أي بشيء قليل وجب لجزاء جزيل استغنى به عما يغلبني ويشق علي قال الطيبي التنكير في بشيء للتقليل المتضمن لمعنى التعظيم كقوله تعالى ورضوان من الله أكبر التوبة ومعناه أخبرني بشيء يسير مستجلب لثواب كثير ا ه والأظهر أن التنوين لمجرد التنكير أي أخبرني بشيء أتشبث أي أتعلق به من عبادة جامعة غير شاقة مانعة في مكان دون مكان وزمان دون زمان وحال دون حال من قيام وقعود وأكل وشرب ومخالطة واعتزال وشباب وهرم وغير ذلك ويكون جابرا عن بقيتها مشتملا على كليتها قال لا يزال أي هو أنه لا يزال لسانك أي القالبي أو القلبي رطبا أي طريا مشتغلا قريب العهد من ذكر الله رواه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب ورواه ابن حبان وابن شيبة والحاكم وعن أبي سعيد أن رسول الله سئل أي العباد أفضل أي أكثر ثوابا وأرفع درجة عند الله يوم القيامة قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات أي الله كثيرا وفي بعض النسخ والذاكرات غير موجود قيل المراد بهم المداومون على ذكره وفكره والقائمون بالطاعة المواظبون على شكره وقيل المراد بهم الذين يأتون بالأذكار الواردة في السنة في جميع الأحوال والأوقات وهذا مرادف في الحقيقة لضبطه بشغل أغلب أوقاته بالذكر قيل يا رسول الله من الغازي في سبيل الله قيل أي الذاكرون أفضل من غيرهم ومن الغازي أيضا قالوا ذلك تعجبا قال لو ضرب أي الغازي بسيفه في الكفار من قبيل يجرح في عراقيبها نصلى حيث جعل المفعول به مفعولا فيه مبالغة إن يوجد فيهم الضرب ويجعلهم مكانا للضرب بالسيف ويوضحه ما قال ابن حجر ون جعلهم مكانا ظرفا للضرب أبلغ من جعلهم مضر وبين به فقط والمشركين تخصيص بعد تعميم اهتماما بشأنهم فإنهم ضد الموحدين حتى ينكسر أي سيفه يختضب أي هو


أو سيفه دما وهو كناية عن الشهادة فإن الذاكر تكريرا تأكيد وتقرير لله أي لا لغيره أفضل منه وفي رواية من الغازي درجة وهي تحتمل الوحدة أي بدرجة واحدة عظيمة وتحتمل الجنس أي بدرجات متعددة وفي رواية لكان الذاكرون الله أفضل رواه أحمد
والترمذي وقال هذا حديث غريب وعن ابن عباس قال قال رسول الله الشيطان جاثم أي لازم الجلوس ودائم اللصوق على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله أي ابن آدم بقلبه أو ذكر قلبه الله خنس أي انقبض الشيطان وتأخر عنه واختفى فتضعف وسوسته وتقل مضرته وإذا غفل أي هو أو قلبه عن ذكر الله وسوس أي إليه الشيطان وتمكن تمكنا تاما منه وفيه إيماء إلى أن الغفلة سبب الوسوسة لا العكس على ما هو المشهور عند العامة رواه البخاري تعليقا أي بلا ذكر سنده وذكر الجزري في الحصن بلفظ ما من آدمي إلا ولقلبه بيتان في أحدهما الملك وفي الآخر الشيطان فإذا ذكر الله خنس وإذا لم يذكر الله وضع الشيطان منقاره في قلبه ووسوس له رواه ابن أبي شيبة في مصنفة وظاهر إيراد الشيخ قدس سره يقتضي أن يكون الحديث في مصنف ابن أبي شيبة مرفوعا لكن أو رده صاحب السلاح من قول عبد الله بن شقيق موقوفا عليه وقال في آخره رواه ابن أبي شيبة في كتاب فضائل القرآن ورواه في مصنفه ورجاله رجال الصحيح ا ه فيحتمل على بعدان الحديث في مصنفه يكون مرفوعا وفي فضائل القرآن موقوفا وله شاهد من حديث أنس مرفوعا بلفظ إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس وإن نسي التقم قلبه أخرجه ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والبيهقي وهذه الأحاديث تؤيد ما حكي عن بعض العارفين أنه سأل أن يكشف له عن كيفية وسوسة الشيطان للقلب فرآه جاثما تحت غضروف الكتف الأيسر كالبعوض له خرطوم طويل يدسه ثم إلى أن يصل القلب فإن رآه ذاكرا خنس وكف عنه أو غافلا مد خرطومه إليه وألقى فيه من جنايته ما أراد الله ثم لا يزال كذلك إلى أن لا يبقى في القلب خير قط واختلفوا في معنى قوله إن


الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فقيل هو على ظاهره وإن الله جعل له قوة وقدرة على أنه يجري في باطن الانسان وعروقه مجرى الدم فيها وقيل استعارة لكثرة وساوسة فكأنه لا يفارقه كما لا يفارقه الدم وقيل يلقى وسوسته في مسام لطيفة من البدن فتصل إلى القلب وعن مالك قال بلغني أن رسول الله كان يقول ذاكرته في
الغافلين أي عن الذكر كالمقاتل أي الكفار خلف الفارين أي المنهزمين وذاكر الله وكرره لينيط به في كل مرة غير ما أناط به في الأخرى أعلاما بأنه أمر عظيم له فوائده متعددة مستقلة في الغافلين أي فيما بينهم كما في المسجد والسوق فالجار ظرف أي بينهم كما هو ظاهر أو محله الرفع على أنه صفة والتقدير الذاكر الكائن في الغافلين وأما قول ابن حجر ذاكرا الله حال كونه في الغافلين أي بينهم فهو مع تناقض كلامه ظاهرا مخالف لما عليه الجمهور من عدم جواز الحال من المبتدأ أو يضعفه أيضا مناسبة موافقة لفظ خلف في خبره وهو قوله كغصن أخضر في شجر يابس أي تجنب الأشجار اليابسة وفي رواية مثل الشجرة الخضراء بفتح الميم والمثلثة وفي نسخة بكسر أوله وسكون ثانيه وهو بدل من قوله كغصن في وسط الشجر بفتح الشين ويسكن أي الشجر اليابس وهو معنى مثل الحي والميت وذاكر الله في الغافلين مثل مصباح بالوجهين أي شبيه سراج في بيت مظلم فإن الذكر نور وحضور وسرور والغفلة ظلمة وغيبة ونفور وذاكر الله في الغافلين يريه الله مقعده أي وما أعدله من الجنة وهو حي الجملة حالية ولعل الآراء بالمكاشفة أو بنزول الملائكة عند النزع لقوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون الأحقاف وذاكر الله في الغافلين يغفر له أي ذنوبه بعدد كل فصيح وأعجم فإن الحسنات يذهبن السيئات والفصيح بنو آدم والأعجم البهائم رواه رزين وروى البزار والطبراني في الأوسط كلاهما عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ ذاكر الله


تعالى في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين وعن معاذ بن جبل قال ما عمل العبد عملا أي قويا مندوبا أو مطلقا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله من الأولى صلة والثانية تفضيلية رواه مالك والترمذي وابن ماجة
ومثله لا يقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع ورواه أحمد والطبراني وابن أبي شبيه مرفوعا بلفظ ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع قاله ثلاث مرات وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله تعالى يقول أنا مع عبدي أي بالإعانة والتوفيق والرحمة والرعاية وقيل المعية كناية عن الشرف والقربة لما ورد أنا جليس من ذكرني كما يقال فلان جليس السلطان أي مقرب مشرف عنده والحديث أبلغ حيث لم يقل هو جليس إذا ذكرني أي بالقلب واللسان وتحركت بي أي بذكري شفتاه قال الطيبي وفيه من المبالغة ما ليس في قوله إذا ذكرني باللسان هذا إذا كان الواو للحال وأما إذا كان للعطف فيحتمل الجمع بين الذكر باللسان وبالقلب وهذا التأويل أولى لأن المؤثر النافع هو الذكر باللسان مع حضور القلب وأما الذكر باللسان والقلب لاه فهو قليل الجدوى رواه البخاري وعن عبد الله بن عمر عن النبي إنه كان يقول لكل شيء أي يصدأ أي يصدأ أي حقيقة أو مجازأ صقالة أي تجليه وتخلية وتزكية وتصفية وأما قول ابن حجر أي آلة يصقل بها صدؤه ويزال وسخه فغير ظاهر لفظا وصقالة القلوب ذكر الله فإنه بذكره ينجلى غبار الأغيار ويصير القلب مرآة لطالعة الآثار قال الطيبي وصدأ القلوب الرين في قوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون المطففين بمتابعة الهوى المعني بها في قوله تعالى أفرأيت من اتخذ الهه هواه الفرقان فكلمة لا اله تخليها وكلمة لا الله تجليها قال أبو علي الدقاق إذ قال العبد لا اله صفا قلبه وحضر سره فيكون ورود قوله الا الله على قلب منقى وسر مصفى وما من شيء أنجى أي له


من عذاب الله أي عقابه وحجابه من ذكر الله قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع أي هو أو سيفه رواه البيهقي في الدعوات الكبير ورواه ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا


باب أسماء الله تعالى

اسمه تعالى ما يطلق عليه باعتبار ذاته كالله أو باعتبار صفة سلبية كالقدوس والأول أو حقيقية ثبوتية كالعليم والقادر أو إضافية الحميد والمليك أو باعتبار فعل من أفعاله كالرازق والخالق والاسم هو اللفظ الدال على المعنى بالوضع لغة والمسمى هو المعنى الموضوع له الاسم والتسمية وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى أو إطلاقه عليه وقد يطلق الاسم ويراد به المعنى فالمراد بالاسم هو المسمى على التقدير والثاني وغير المسمى على التقدير الأول فلذلك اختلف في أن الاسم هو المسمى أو غيره وقالت المعتزلة الاسم هو التسمية دون المسمى وقال مشايخنا التسمية هو اللفظ الدال على المسمى والاسم هو المعنى المسمى به قال ابن حجر ومذهب الأشعري أن الاسم قد يكون عين المسمى كالله وقد يكون غيره كالخالق وقد لا يكون عينه ولا غيره كالعالم فإن علمه ليس عين ذاته خلافا للمعتزلة ولا غيره على أن الغير ما يمكن أنفكاكه من الجانبين ا ه واعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن صفات الله ليست عين ذاته لما أن المعاني تفهم من هذه الصفات لغة وعقلا فهي إن لم تكن ثابتة لذات الله تعالى كان نقصا لأنها صفات كمال وإن كانت ثابتة زائدة بالضرورة لأن تلك المعاني يمتنع قيامها بذاتها فثبت أنها ليست عين الذات وليست غيرها أيضا لأن الغيريم هما اللذات يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر وذهب الفلاسفة إلى أنها عين الذات ويقرب من قولهم قول المعتزلة إن الله عالم بالعلم بل بالذات ومحل هذا المبحث كتب العقائد ولم يتكلف السلف في ذلك ولا في التلاوة والمتلو تورعا وطلبا للسلامة
الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن لله زيد في نسخة تعالى تسعة وتسعين اسما أي صفة مائة إلا واحدا وفي نسخة إلا واحدة قال زين العرب جاء في كتاب المصابيح إلا واحدة وقال الطيبي وقد جاء في الرواية إلا واحدة نظرا إلى الكلمة أو الصفة


أو التسمية من أحصاها أي من آمن بها أو عدها أو قرأها كلمة كلمة على طريق الترتيل تبركا وإخلاصا أو حفظ مبانيها وعلم معانيها وتخلق بما فيها دخل الجنة أي دخولا أوليا أو دخولا معظما أو أعلى مراتبها وفي رواية المسلم والترمذي من حفظها دخل الجنة أي الجنة الحسية في العقبى والمعنوية في الدنيا وقال بعض شراح المصابيح قوله مائة إلا واحدة بدل الكل مما تقدم من اسم ان أو منصوب بإضمار أعني وفائدته التأكيد والمبالغة في المنع عن الزيادة والنقصان لأن أسماء الله توقيفية ولئلا يلتبس تسعة وتسعين بسبعة وتسعين بتقديم السين في الأول أو سبعة وسبعين بتقديم السين فيهما أو تسعة وسبعين بتقديم السين في الثاني من زلة الكاتب وهفوة القلم فينشأ الاختلاف في المسموع عن المسطور فأكده به حسما لمادة الخلاف وإرشاد للاحتياط في هذا الباب أو لاحتمال أن تكون الواو بمعنى أو نظيره قوله ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة البقرة قال في المعالم عند قوله تعالى أي وذر الذين يلحدون في أسمائه أي الأعراف الالحاد في أسمائه تعالى تسميته بما لا ينطق به كتاب ولا سنة وقال أبو القاسم القشيري رحمه الله أسماء الله توجد توقيفا ويراعى فيها الكتاب والسنة والاجماع فكل اسم ورد في هذه الأصول وجب اطلاقه في وصفه تعالى وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه في وصفه وإن صح معناه قال الراغب ذهبت المعتزلة إلى أنه يصح أن يطلق على الله اسم يصح معناه فيه والافهام الصحيحة البشرية لها سعة ومجال في اختيار الصفات قال وما ذهب إليه أهل الحديث هو الصحيح وقال ابن حجر أسماء الله توقيفية على الأصح عند أئمتنا خلافا للغزالي والباقلاني كالمعتزلة قال الطيبي نقل النووي رحمه الله عن القشيري إن في الحديث دليلا على أن الاسم هو المسمى إذ لو كان غيره لكانت الأسماء لغيره ولخص هذا المعنى القاضي وأجاب عنه حيث قال فإن قيل إذا كان الاسم عين المسمى لزم من قوله إن لله


تسعة وتسعين أسماء لحكم بتعدد الاله فالجواب من وجهين الأول إن المراد من الاسم ههنا اللفظ ولا خلاف في ورود الاسم بهذا المعنى إنما النزاع في إنه هل يطلق يراد به المسمى عينه ولا يلزم من تعدد الأسماء تعدد المسمى والثاني إن كل واحد من الألفاظ المطلقة على الله يدل على ذاته باعتبار صفة حقيقية وذلك يستدعي التعدد في الاعتبارات والصفات دون الذات ولا استحالة في ذلك وقوله تسعة وتسعين لا يدل على الحصر إذ ثبت في الكتاب الرب المولى النصير الكافي العلام وغير ذلك وفي السنة الحنان المنان الدائم الجميل وتخصيصها بالذكر لكونها أشهر لفظا وأظهر معنى ولأنها غرر أسمائه وأمهاتها المشتملة على معاني غيرها وقيل من أحصاها صفة لها فلا يدل على الحصر مثل لفلان ألف شاة أعدها للأضياف فلا يدل على أنه لا يملك غيرها وفي رواية أي للبخاري ذكره ميرك في حاشية الحصن وهو أي ذاته تعالى وتر بكسر الواو أي فرد لا شبيه له ونظير يحب الوتر أي من الأعمال الإذكار يعني يحب منها
ما كان على صفة الاخلاص والتفرد له تعالى وهذا معنى قول الطيبي أي يثبت على العمل الذي أتى به وترا لما فيه من التنبيه على معاني الفردية قلبا ولسانا وإيمانا وإخلاصا أثابة كاملة متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم في مستدركه وابن حبان وفي رواية للبخاري لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة
الفصل الثاني


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما قال الطيبي في هذا الحديث دليل على أن أشهر أسمائه تعالى هو الله لإضافة هذه الأسماء إليه وقد روي أن الله هو الاسم الأعظم وقال المالكي النحوي الله اسم علم وليس بصفة وقيل في كل شيء من أسمائه تعالى سواه اسم من أسماء الله تعالى أي إليه ينسب كل اسم له ويقال الكريم من أسماء الله ولا يقال من أسماء الكريم الله من أحصاها أي حفظها كما فسر به الأكثرون يؤيده الرواية الصحيحة من حفظها داخل الجنة ذكره النووي وقال الطيبي أي حفظها كما ورد بعض الروايات الصحيحة فإن الحفظ يحصل بالإحصاء وتكرار مجموعها فالإحصاء كناية عن الحفظ أو ضبطها حصرا وتعدادا وعلما وإيمانا أو أطاقها بالقيام بما هو حقها والعمل بمقتضاها وذلك بأن يعتبر معانيها فيطالب نفسه بما تتضمنه من صفات الربوبية وأحكام العبودية فيتخلق بها قال ابن الملك مثل أن يعلم أنه سميع بصير فكف لسانه وسمعه عما لا يجوز وكذا في باقي الأسماء ا ه وأما التخلق بأسمائه الحسنى فبسطه الغزالي في المقصد الأسني وقيل كل اسم للتخلق الاسم الله فإنه للتعلق دخل الجنة قال الطيبي رحمه الله ويدل الحديث على أن من أحصاها دخل الجنة ولا ينافي أن من زاد فيها مرتبة في الجنة إذ قد ورد في رواية ابن ماجة أسماء ليست في هذه الرواية كالتام والقديم والوتر والشديد والكافي والإبد إلى غير ذلك وأيضا ورد في الكتاب المجيد الرب الأكرم الأعلى أحكم الحاكمين أرحم الراحمين أحسن الخالقين ذو الطول ذو القوة ذو المعارج ذو العرش رفيع الدرجات إلى غير ذلك ا ه ومنها رب العالمين ومالك يوم


الدين قال الطيبي رحمه الله وذكر الجزاء بلفظ الماضي تحقيقا هو الله الذي لا إله إلا هو الاسم المعدود في هذه الجملة من أسمائه هو الله لا غيره من هو واله والجملة تفيد الحصر والتحقيق لإلهيته ونفى ما عداه عنها قال الطيبي الجملة مستأنفة أما بيان لكمية تلك الأعداد أنها ما هي في قوله إن لله تسعة وتسعين اسما وذكر الضمير نظرأ إلى الخبر وأما بيان لكيفية الأحصاء في قوله من أحصاها دخل الجنة فإنه كيف يحصى فالضمير راجع إلى المسمى الدال عليه قوله لله كأنه لما قيل ولله الأسماء الحسنى سئل وما تلك الأسماء فأجيب هو الله أو لما قيل من أحصاها دخل الجنة سئل كيف أحصاها فأجاب قل هو الله فعلى هذا الضمير ضمير الشأن مبتدأ أو الله مبتدأ ثان وقوله الذي لا إله إلا هو خبره والجملة خبر الأول والموصول مع الصلة صفة الله ولهذه الكلمة مراتب الأولى أن يتكلم بها المنافق مجردا عن التصديق وذلك ينفعه في الدنيا بحقن دمه وحرز ماله وأهله الثانية أن ينضم إليها عقد قلب بمحض التقليد وفي صحتها خلاف والصحيح أنه صحيح الثالثة أن يكون معها اعتقاد مستفاد من الإمارات والأكثر على اعتبارها الرابعة أن يكون معها اعتقاد جازم من جهة قاطعة وهي مقبولة اتفاقا الخامسة أن يكون المتكلم مكاشفا بمعناها معاينا ببصيرته وهذه هي الرتبة العليا قال ابن حجر وما نقل عن الأشعري من عدم صحة إيمان العوام كذب عليه على أن أكثرهم غير مقلد في الحقيقة ولكنه عاجز عن ترتيب البرهان بذلك على قواعد المتكلمين وأولى من هذا من له اعتقاد نشأ من ظني ثم من نشأ اعتقاده عن قطعي واعترف به فلا خلاف في كمال إيمانه ونفعه له في الدنيا والآخرة وأما إذا كان بالقلب فقط فإن كان ذلك لتعذر اللسان بنحو خرس نفعت فيهما اتفاقا أيضا أولا لعذر لم ينفعه في الآخرة على ما نقله النووي عن إجماع أهل السنة لكن ذهب الغزالي وتبعه جمع محققون إلى نفعها فيهما قلت لكن بشرط عدم طلب الإقرار منه فإنه إن


أبى بعد ذلك فكافر جماعا لقضية أبي طالب قال أهل الإشارة إذا كان مخلصا في مقالته كان داخلا في الجنة في حالته قال تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن قيل جنة معجلة وهي حلاوة الطاعة ولذة المناجاة وجنة مؤجلة وهي قبول المثوبة وعلو الدرجة ا ه قال الغشيري هو للإشارة وهو عند هذه الطائفة أخبار عن نهاية التحقيق فإذا قيل هو لا يسبق إلى قلوبهم غير الحق فيكتفون عن كل بيان يتلوه لإستهلاكهم في حقائق القرب واستيلاء ذكر الحق على أسرارهم وإغمائهم عن شهودهم فضلا عن إحساسهم بمن سواه قيل الله أصله لاها بالسريانية فعرب وقيل عربي وضع لذاته المخصوصة كالعلم لأنه يوصف ولا يوصف به فلا يكون صفة والحق أنه وصف في أصله لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر حقيقي أو غيره غير معقول للبشر فلا يمكنه وضع اللفظ ولا الإشارة إليه بإطلاق اللفظ عليه لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار كالعلم أجرى مجراه في إجراء الأوصاف عليه وامتناع الوصف به وعدم تطرق


احتمال الشركة إليه ومعناه المستحق للعبادة ثم قيل مشتق من إله كعبد وزنا ومعنى وتصرفا فالإله بمعنى المألوه وقيل من لاه يليه ليها ولاها أي احتجب وارتفع لأنه محجوب عن إدراك الإبصار مرتفع عما لا يليق به وقيل من إله تحير ووله وزنا ومعنى لتحير العقول في معرفة صفاته فضلا عن معرفة ذاته وقيل من إله أي فزع إذ يفزع الناس منه وإليه وقيل من الهت إلى كذا أي سكنت إليه لأن القلوب تطمئن بذكره والأرواح تسكن إلى معرفته وهذا الاسم عند أكثر العلماء أعظم التسعة والتسعين لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها وقد قال القطب الرباني السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني الاسم الأعظم هو الله لكن بشرط أن تقول الله وليس في قلبك سوى الله قيل هذا الاسم للعوام اجراؤه على اللسان والذا كربه على الخشية والتعظيم وللخواص أن يتأملوا معناه ويعلموا أنه لا يطلق إلا على موجود فائض الجود جامع للصفات الإلوهية ومنعوت بنعوت الربوبية ولخواص الخواص أن يستغرق قلبهم بالله فلا يلتفت إلى أحد سواه ولا يرجو يخاف فيما يأتي ويذر إلا إياه لأنه هو الحق الثالث وما سواه باطل ومن ثمة قال كما رواه البخاري أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل ثم قيل أن أريد بالإله الأعم كان التقدير لا إله معبود بحق إلا هو أو الأخص وهو المعبود بحق فالتقدير لا إله موجود إلا هو وعلى كل فمحل هو الرفع ويجوز النصب قال القشيري مفاد هذا النفي وما بعده غاية الإثبات ألا ترى أن لا أخ لي سواك أكد من أنت أخي فمفادها نفي ما استحال من أصله وهو الشريك واثبات ما استحال عدمه وهو الذات العلى والمراد إظهار اعتقاد ذلك النفي والإثبات المشترط لصحة الإيمان المطلوب لظهور المعرفة والاتقان الرحمن الرحيم قال الطيبي هما اسمان بنيا للمبالغة من الرحمة وهي لغة رقة القلب وانعطاف ورأفة تقتضي التفضل والإحسان على من رق له وأسماء الله تعالى وصفاته إنما توجد


باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادىء التي تكون انفعالات وحظ العارف منهما أن يتوجه بكليته إلى جناب قدسه ويتوكل عليه ويلتجىء فيما يحن له إليه ويشغل سره بذكره والاستمداد به عن غيره لما فهم منهما أنه المنعم الحقيقي والمولى للنعم كلها عاجلها وآجلها ويرحم عباد الله فيعاون المظلوم ويصرف الظالم عن ظلمه بالطريق الأحسن وينبه الغافل وينظر إلى العاصي بعين الرحمة دون الإزدراء ويجتهد في إزالة المنكر وإزاحته على أحسن ما يستطيعه ويسعى في سد خلة المحتاجين بقدر وسعه وطاقته فرحمة الله على العباد أما إرادة الأنعام عليهم ودفع الضر عنهم فيكون الاسمان من صفات الذات أو نفس الأنعام والدفع فيعودان إلى صفات الأفعال والفرق أن صفة الذات عدمها يوجب نقصا ولا كذلك صفة الأفعال والرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة المبني تدل على


مزيد المعنى وذلك تارة توجد باعتبار الكمية وأخرى باعتبار الكيفية وعلى الأول قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة لأن النعم الآخرويه بأسرها تامة والنعم الدنيوية تنقسم إلى جليل وحقير وقليل وكثير وتام وغير تام وكان معنى الرحمن هو المنعم الحقيقي تام الرحمة عميم الإحسان ولذلك لا يطلق على غيره تعالى ويقال له خاص اللفظ عام المعنى بخلاف الرحيم فإنه عام اللفظ خاص المعنى الملك أي ذو الملك التام والمراد به القدرة على الإيجاد والاختراع من قولهم فلان يملك الانتفاع بكذا إذا تمكن منه فيكون من أسماء الصفات كالقادر وقيل المتصرف في الأشياء بالإيجاد والإفناء والإماتة والإحياء فيكون من أسماء الأفعال كالخالق وقيل وموقع الملك في الحديث كموقع ملك يوم الدين في التنزيل على أسلوب التكميل لأنه تعالى لما ذكر ما دل على النعم والألطاف أردفه بما يدل على الغلبة والقوة وإنه الملك الحقيقي وإنه لا مالك سواه فإن العبد محتاج في الوجود إليه تعالى والاحتياج مما ينافى الملك فلا يمكن أن يكون له ملك مطلق بل يضاف إليه مجازا ثم لما وصفه بما قد يوصف به المخلوق وكان مظنة للتشبيه اتبعه بقوله القدوس وهلم جرا بتتابع سائر الأسماء في الثناء وهو من أبنية المبالغة أي الطاهر المنزه في نفسه عن سمات النقصان ثم وظيفة العارف من اسم الملك أن يعلم أنه هو المستغنى على الإطلاق عن كل شيء وما عداه مغتفر إليه وجوده وبقاؤه ومسخر لحكمه وقضائه فيستغنى عن الناس رأسا ويستبد بالتصرف في مملكته الخاصة التي هي قلبه وقالبه والتسلط على جنوده ورعاياه من القوى والجوارح واستعمالها فيما فيه خير الدارين وفي معناه قيل من ملك نفسه فهو حر والعبد من يملكه هواه وقال القشيري من عرف أنه تعالى هو القدوس تسمو همته إلى أن يطهره الحق من عيوبه ورفاته ويقدسه عن دنس آثامه في جميع


حالاته فيحتال في تصفية وقته عن الكدورات ويرجع إلى الله بحسن استعانته في جميع الأوقات فإن من طهر الله لسانه عن الغيبة طهر الله قلبه عن الغيبة ومن طهر الله قلبه عن الغيبة طهر الله طرفه عن نظر الريبة ومن طهر الله طرفه عن نظر الريبة طهر الله سره عن الحجبة من القربة القريبة حكى عن إبراهيم بن أدهم أنه مر بسكران مطروح على قارعة الطريق وقد تقيأ فنظر إليه وقال بأي لسان أصابته هذه الآفة وقد ذكر الله به وغسل فمه فلما أن أفاق السكران أخبر بما فعله فخجل وتاب فرأى إبراهيم في المنام كان قائلا يقول له غسلت لأجلنا فمه غسلنا لأجلك قلبه السلام مصدر نعت به للمبالغة أي ذو السلامة عن عروض الآفات مطلقا ذاتا وصفة وفعلا فهو الذي سلم ذاته عن العيب والحدوث وصفاته عن النقص وأفعاله عن الشر المحض فهو من أسماء التنزيه وقيل معناه مالك تسليم العباد من المخاوف والمهالك فيرجع إلى القدرة وهي من صفات الذات وقيل ذو السلام على المؤمنين في الجنان كما قال تعالى سلام قولا من رب رحيم يس صلى الله عليه وسلم فيكون مرجعه إلى الكلام القديم قيل الفرق بينه وبين القدوس يدل على براءة الشيء من نقص


يقتضيه ذاته ويقوم به فإن القدوس طهارة الشيء في نفسه ولذلك جاء الفعل منه على فعل بالضم والسلام يدل على نزاهته عن نقص يعتريه لعروض آفة أوصدور فعل ويقرب منه ما قيل القدوس فيما لم يزل والسلام فيمل لا يزال ووظيفة العارف أن يتحقق به بحيث يسلم قلبه من الحقد والحسد والخيانة وإرادة الشر من غير قصد الخير في ضمنه وجوارحه عن ارتكاب المحظورات والآثام ويكون مسلما لأهل الإسلام ومسلما على كل من يراه عرفه أو لم يعرفه وعن بعض العارفين السليم من العباد من سلم عن المخالفات سرا وعلنا وبرىء من العيوب ظاهرا وباطنا وقال القشيري ومن آداب من تخلق بهذا الإسم أن يعود إلى مولاه بقلب سليم وقال بعضهم لما كان السلام من السلامة كان العارف بهذا الاسم طالبا للسلامة ومتلبسا بالاستسلام ليجمع له كمال التنزيه في كل الأحوال والتخلق به أن يسلم المسلمون من لسانه ويده بل يكون بزيادة الشفقة عليهم فإذا رأى من هو أكبر منه سنا قال هو خير مني لأنه أكثر مني طاعة وأسبق مني إيمانا ومعرفة وإن رأى أصغر منه قال إنه خير مني لأنه أقل مني معصية وإذا ظهر من أخيه معصية طلب له سبعين معذرة فإن اتضح له عذره وإلا عاد على نفسه باللوم ويقول بئس الرجل أنت حيث لم تقبل سبعين عذرا من أخيك المؤمن أي من أمن خلقه بإفادة آلات دفع المضار أو أمن الأبرار من الفزع الأكبر يوم العرض أو أمن عباده من الظلم بل ما يفعل بهم أما فضل وأما عدل فهو من الأمات ومرجعه إلى أسماء الأفعال أو صدق أنبياءه بالمعجزات فيرجع إلى الكلام قال القشيري أعلم أن الموافقة في الأسماء لا تقتضي المشابهة في الذوات فيصح أن يكون الحق سبحانه مؤمنا ولا تقتضي المشابهة مشابهة العبد الرب ا ه ولا تقتضي المشابهة في الصفات فإن بين الإيمانين بونا بيننا قيل ووظيفة العارف منه أنه يصدق الحق ويسعى في تقريره ويكف عن الإضرار والحيف ويكون بحيث يأمن الناس بوائقه ويعتضدون به في دفع المخاوف ودفع المفاسد


في أمور الدين والدنيا وقال بعضهم من عرف أنه الصادق في وعده المصدق لمن يشاء من عباده لم يسكن في تصديقه لغيره وعطف على السلام لمزيد معنى التأمين على السلام لما فيه من القبول والإقبال والله أعلم المهيمن أي الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ ومنه هيمن الطائر إذا نشر جناحه على فراخه صيانة له فهو من أسماء الأفعال وقيل الشاهد أي العالم الذي لا يغرب عنه مثقال ذرة فيرجع إلى العلم وقيل الذي يشهد على كل نفس بما كسبت فيرجع إلى القول ومنه قوله تعالى ومهيمنا عليه المائدة أي شاهد وقيل القائم بأمور الخلق من أعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وأخلاقهم فيرجع إلى القدرة وقيل أصله مؤيمن أبدلت الهاء من الهمزة فهو مفيعل من الأمانة بمعنى الأمين الصادق الوعد فهو من الكلام وقيل هو من أسمائه تعالى في الكتب القديمة قال العز إلا رحمه الله المهيمن اسم لمن استجمع ثلاث صفات العلم بحال الشيء والقدرة العامة على مراعاة مصالحه والقيام عليها


وحظ العارف منه أن يراقب قلبه ويقوم أحواله ويحفظ القوى والجوارح عن الاشتغال بما يشغل قلبه عن جناب القدس ويحول بينه وبين الحق وما أحسن قول من قال من عرف أنه المهيمن خضع تحت جلاله في كل أحواله العزيز ومنه قوله تعالى والله غالب على أمره يوسف وقيل عديم المثال فمرجعه إلى التنزيه وقيل هو الذي تتعذر الإحاطة بوصفه وحظ العارف منه أن يعز نفسه ولا يستهينها بالمطالب الدنية ولا يدنسها بالسؤال من الناس والافتقار إليهم ويجعلها بحيث يشتد إليها احتياج العباد في الأرفاق والإرشاد قال أبو العباس المرسي والله ما رأيت الغزالي في رفع الهمة عن المخلوقين وقيل إنما يعرف الله عزيز من أعز أمره وطاعته فأما من استهان بأوامره فمن المحال أن يكون متحققا بعزته قال تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون المنافقون الجبار بناء مبالغة من الجبر وهو إصلاح الشيء بضرب من القهر ويطلق على الإصلاح المجرد نحو ما نقل عن علي يا جابر كل كسير وعلى القهر المجرد نحو ما ورد لا جبر ولا تفويض ثم تجوز به به للعلو المسبب عن القهر فقيل لمكة جبارة فقيل الجبار هو المصلح لأمور العباد يغني المؤمن من فقره ويصلح عظمه من كسره فهو من أسماء اوفعال وقيل المتعالى عن أن يلحقه كيد الكائدين وأن يناله قصد القاصدين فمرجعه إلى التنزيه وقيل معناه حامل العباد على ما أراد قهرا من أمر أو نهى أو على ما أراد صدوره عنهم على سبيل الإجبار فصاروا حيث أراد طوعا أو كرها من الأخلاق والأعمال والأرزاق والآجال فهو من صفات الذات قيل وحظ العارف من هذا الاسم أن يقبل على النفس فيجبر نقائضها باستكمال الفضائل ويحملها على ملازمة التقوى من الرذائل ويكسر فيها الهوى والشهوات بأنواع الرياضيات ويرتفع عما سوى الحق غير ملتفت إلى الخلق فيتخلق بالسكينة والوقار بحيث لا يزلزله تعاور الحوادث ولا يؤثر فيه تعاقب النوازل بل يقوى على التأثير في الأنفس والآفاق


بالإرشاد والإصلاح قال القسيري الإسم إذا احتمل معاني مما يصح في وصفه تعالى فمن دعاه بهذا الاسم فقد أثنى عليه بتلك المعاني فهو الجبار على معنى أنه عزيز متكبر محسن إلى عباده لا يجري في سلطانه شيء بخلاف مراده ومن آداب من عرفه أنه لا تناله الأيدي لعلو قدرته أن يتحقق بأنه لا سبيل إليه فلا يصيب العبد منه إلا لطفه وإحسانه اليوم عرفانه وغدا غفرانه وإذا علم أنه يجبر الخلق على مراده وعلم أنه لا يجري في سلطانه ما يأباه ويكرهه ترك ما يهواه وانقاد لما يحكم به مولاه فيستريح عن كد الفكر وتعب التدبير وفي بعض الكتب عبدي تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد فإن رضيت بما أريد كفيتك ما تريد وإن لم ترض بما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما


أريد ا ه ولذا قيل لأبي يزيد ما تريد قال أريد ألا أريد قال عبد الله الأنصاري هذه إرادة أيضا وقال الغزالي ما حاصله الجبار من العباد من ارتفع عن الاتباع ونال درجة الاستتباع وتفرد بعلو رتبته بحيث يجبر الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمته وسيرته فيفيد الخلق ولا يستفيد ويؤثر ولا يتأثر ولم يكمل هذا المقام إلا لنبينا عليه الصلاة والسلام حيث قال لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي وأنا سيد ولد ردم ولا فخر المتكبر أي ذو الكبرباء وهو الرب الملك أو هو المتعالي عن صفات الخلق وقيل هو عبارة عن كمال الذات فلا يوصف به غيره وقيل هو الذي يرى غيره حقير بالإضافة إلى ذاته فينظر إلى غيره نظر المالك إلى عبده وهو عند الإطلاق لا يتصور الإله تعالى فإنه المتفرد بالعظمة والكبرياء بالنسبة إلى كل شيء من كل وجه ولذلك لا يطلق على غيره إلا في معرض الذم قال الطيبي فإن قيل هذا اللفظ من باب التفعل ووضعه للتكلف في إظهار ما لا يكون فينبغي أن لا يطلق على الله تعالى قلت لما تضمن التكلف بالفعل مبالغة فيه أطلق اللفظ وأريد به مجرد المبالغة ونظير ذلك شائع في كلامهم مع أن التفعل جاء لغير التكلف كثيرا كالتعمم والتقمص قل القشيري من عرف علوه تعالى وكبرياء لازم طريق التواضع وسلك سبيل التذلل وقد قيل هتك ستره من جاوز قدره وقد قيل الفقير في خلقه أحست منه في جديد غيره ولا شيء أحسن على الخدم من التواضع بحضرة السادة وقيل كل من أخلص في وده وصدق في حبه كان استلذاذه بمنعه أكثر من استلذاذه بعطائه وقال الطيبي وحظك منه أنك إذا شاهدت كبرياءه تعالى تكبرت عن الركوت إلى الشهوات والسكون إلى المألوفات فإن البهائم تساهمك فيها بل عن كلما يشغل سرك عن الحق واستحقرت كل شيء سوى الوصول إلى جناب القدس من مستلذات الدنيا والآخرة وزالت عنك جميع دعاوى الكبر وهاويه لصفاء نفسك وانطباعها للحق حتى سكن وهجها وانمحت رسومها فلم يبق لها اختيار


ولا مع غير الله قرار الخالق من الخلق وأصله التقدير المستقيم ومنه قوله تعالى فتبارك الله أحسن الخالقين المؤمنون أي المقدرين وتخلقون افكا العنكبوت أي تقدرون كذبا ويستعمل بمعنى الإبداع وإيجاد شيء من غير أصل كقوله تعالى خلق السموات والأرض الأنعام وبمعنى التكوين كقوله عز وجل خلق الإنسان من نطفة النحل فالله خالق كل شيء بمعنى أنه مقدره أو موجده من أصل أو من غير أصل البارىء بالهمز في آخره أي الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت المصور بكسر الواو المشددة أي مبدع صور المخترعات ومزينها ومرتبها وقيل هو الذي يصور الشيء على هيئة يتم بها خواصه وأفعاله قال الطيبي فالله سبحانه خالق كل شيء بمعنى إنه مقدره أو موجد من أصل أو من غير أصل وبارئه بحسب ما افتضته حكمته وسبقت به كلمته من غير تفاوت واختلال


ومصوره بصورة يترتب عليه خواصه ويتم به كماله وثلاثتها من أسماء الأفعال ا ه وبه يندفع قول من قال أن هذه الثلاثة مترادفة وحظ العارف منها أن لا يرى شيئا ولا يتصور أمرا إلا ويتأمل فيما فيه من باهر القدرة وعجائب الصنع وليترقى من المخلولق إلى الخالق وينتقل من ملاحظة المصنوع إلى الصانع حتى يصير بحيث كل ما نظر إلى شيء وجد الله عنده وقال القشيري وإذا علم العبد أنه لم يكن شيئا ولا عينا فحوله الله شيئا وجعله عينا فبالحرى أنه لا يعجب بحاله ولا يدل بأفعاله وقد أشكل عليه حكم مآله وكيف لا يتواضع من يعلم أنه في الابتداء نصفة وفي الانتهاء جيفة وفي الحال صريع جوعة وأسير شبعة ففيه من النقائض ما إن تأمله عرف به جلال ربه ثم اعلم أن الأسماء المتقدمة ثلاثة عشر سوى الجلالة وكلها دائرة على معانيها مع إفادة كل منها زيادة على معنى ما قبلها وقد جاءت كذلك في خاتمة سورة الحشر مع زيادة عالم الغيب والعزيز الحكيم وقد قالوا آخر سورة الحشر مشتمل على اسم الله الأعظم والله أعلم الغفار أي الذي يستر العيوب والذنوب في الدنيا بإسبال الستر عليها وفي العقبى بترك المعاتبة والمعاقبة لها وهو لزيادة بنائه أبلغ من الغفور وقيل المبالغة في الغفار باعتبار الكمية وفي الغفور باعتبار الكيفية وأصل الغفر الستر فهو من أسماء الأفعال وحظك منه أن تعرف أنه لا يغفر الذنوب إلا هو وأن تستر على عباده وتعفو عنهم وتلازم على الاستغفار خصوصا في الأسحار قال القشيري في قوله تعالى ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما النساء ثم تقتضي التراخي كأنه قال من رخى عمره في الزلات وأفنى حياته في المخالفات وأبلى شبابه في البطلات ثم ندم قبل الموت وجد من الله العفو من السيئات ومن يعمل سوءا أخبار عن الفعل ويستغفر الله أخبار عن القول كأنه قيل الذين زلاتهم حالة وتوبتهم قالة ولقد سهل عليك الأمر من رضي عنك بقالة وقد علمت ما علمت


فالاستغفار يستدعي مجرد الغفران فقوبل بقوله يجد الله نظرا إلى حال المذنب كيف طلب المغفرة فوجد الله القهار أي الذي لا موجود إلا وهو مقهور تحت قدرته مسخر لقضائه وقدره قال تعالى وهو القاهر فوق عباده الأنعام ومرجعه إلى القدرة وقيل هو الذي أذل الجبابرة وقصم ظهورهم بالأهلاك ونحوه فهو من أسماء الأفعال وما أحسن قول من قال هو من اضمحلت عند صولته صولة كل متمرد أو جبار وبادت عند سطوته قوى الملوك وأرباب التفاخر والاستكبار لا سيما عند قوله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار غافر فأين الجبابرة الأ كاسرة عند ظهور هذا الخطاب وأين الأنبياء والمرسلون والملائكة المقربون في هذا العتاب وأين أهل الضلال والإلحاد والتوحيد والإرشاد وأين آدم وذريته وإبليس وشيعته وكأنهم بادوا وانقرضوا وكأنهم لم يغنوا زهقت النفوس وبلغت الأرواح وتبددت الأجسام والأشباح وبقي الموجود الذي لم يزل ولا يزال وما عداه بادوا عن آخرهم وتفرقت منهم الأعضاء


والأوصال وأعلم أن الله تعالى قهر نفوس العابدين بحقوق عبوديته وقلوب العارفين بسطوة قربته وأرواح الواجدين بكشف حقيقته فالعابد بلا نفس لاستيلاء سلطان أفعاله عليه والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان اقباله عليه والواجد بلا روح لاستيلاء كشف جماله وجلاله فمتى أراد العابد خروجه عن قيد مجاهدته قهرته سطوة العتاب فردته إلى بذل المهجة ومتى أراد العارف خروجه عن مطالبات القربة قهرته بوادي الهيبة فردته إلى توديع المهجة فشتان بين عبد هو ومقهور أفعاله وعبد هو مقهور جلاله وجماله الوهاب أي كثير النعمة دائم العطية قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله النحل وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها النحل والهبة الحقيقية هي الخالية عن غرض الأعراض والأغراض فإن المعطي لغرض مستعيض وليس بواهب فهو من أسماء الأفعال تنبيه الفتاح متأخر عن الرزاق فتاح أي الحاكم بين الخلائق من الفتح بمعنى الحكم ومنه قوله تعالى ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين الأعراف لأن الحكم يفتح الأمر المعلق بين الخصمين والله سبحانه بين الحق وأوضحه وبين الباطل وأدحضه ببعث الرسل ونزل الكتب ونصب الحجج النقلية والعقلية ومرجعه إلى العلم وقيل الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية ومنه قوله عز وجل وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الأنعام وقوله تعالى ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها فاطر وقيل الفتاح من الفتح وهو الإفراج من الضيق الحسي والمعنوي كالذي يفرج تضايق الخصمين في الحق بحكمه وعن بعض الصالحين الفتاح هو الذي لا يغلق وجوه النعمة بالعصيان ولا يترك إيصال الرحمة إليهم بالنسيان وقيل هو الذي يفتح قلوب المؤمنين بمعرفته وفتح على العاصين أبواب مغفرته وقيل هو الذي فتح على النفوس باب توفيقه وعلى الأسرار باب تحقيقه وحظك منه أن تسعى في الفصل بين الناس وأن تنصر المظلومين وأن تهتم بتيسير ما تعسر على الخلق من أمور الدنيا والدين حتى يكون لك


حظ من هذا الاسم قال القشيري من علم أنه الفتاح للأبواب الميسر للأسباب الكافي للحضور والمصلح للأمور فإنه لا يتعلق بغيره قلبه ولا يشتغل بدونه فكره لا يزيد بلاء ويزيد بربه ثقة ورجاء وأعلم أنه تعالى يفتح للنفوس بركات التوفيق وللقلوب درجات التحقيق فبتوقيعه تزين النفوس بالمجاهدات وبتحقيقه تزين القلوب بالمشاهدات ومن آداب من علم أنه الفتاح أن يكون حسن الانتظار لنيل كرمه مستديم التطلع لوجود لطفه ساكنا تحت جريان حكمه علما بأنه لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم قال رجل وهو مؤذن على الجارية لعلي كرم الله وجهه أني أحبك فذكرته لعلي فقال قولي له أنا أيضا أحبك فما بعد ذلك فقالت له ذلك فقال إذا نصبر حتى يحكم الله بيننا فذكرت ذلك لعلي فدعاه فسأله عن القصة فأخبره بالصدق فقال خذها فهي لك قد حكم


الله بينكما فهو من أسماء الأفعال وقيل مبدع الفتح والنصرة ومنه قوله أي إنا فتحنا لك فتحا مبينا الفتح الرزاق أي خالق الأرزاق والأسباب التي يتمتع لها والرزق هو المنتفع به سوء كان مباحا أو محظورا وقالت المعتزلة الرزق وهو لملك وقساوه ظاهرا طردا وعكسا أما الأول فلأن كل ما يوحى إليه ملكه ولين رزقا له وأما التالي فلأن نوعان طاهر للأبدان كالأقوات والأمتعة وباطن وللقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم ولذلك قال بعض المحققين الرزاق من رزق الأشباح فوائد للطفه والأرواح عوائد كشفه وقال الآخر الرزاق من غذى نفوس الأبرار بتوفيقه وجلا قلوب الأخيار بتصديقه وحظ العارف منه أن يتحقق معناه ليتيقن أنه لا يستحقه إلا الله فلا ينظر الرزق ولا يتوقعه إلا منه فيكل أمره إليه ولا يتوكل فيه إلا عليه ويجعل يده خزانة ربه ولسانه وصلة بين الله وخلقه في وصول الأرزاق الروحانية والجسمانية إليهم بالأرفاد والتعليم وصرف اللمال ودعاء الخير وغير ذلك لينال حظا وافرا من هذه الصفة قال القشيري من عرف أن الله هو الرزواق أفرده بالقصد إليه وتقرب إليه بدوام التوكل عليه وقيل لبعضهم من أين تأكل فقال منذ عرفت خالقي ما شككت في رزقي وقيل لعارف إيش القوت فقال ذكر الحي الذي لا يموت وقد يقع لبعض العارفين أن يسأل الحقير من الحقير ليعطيه الخطير قال تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا البقرة كما وقع للشبلي أنه أرسل لغني أن ابعث إلينا شيئا من دنياك فكتب إليه سل دنياك منمولاك فأجابه بأن الدنيا حقيرة وأنت حقير وإنما أسأل تالحقير من الحقير ولا أطلب من مولاي غير مولاي ولا ينافي هذا ما ورد يا موسى سلني حتى ملح عجينك لأن سؤال الخلق فيما أجرى على أيديهم لا ينافي سؤاله تعالى في تيسير أسباب وصول ذلك وقالت اللمعتزلة الرزق هو الملك وفساده ظاهر طردا أو عكسا أما الأول فلأن كل ما سوى ملكه الله وليس رزقا له وأما الثاني فلأن ما يدر على إليها ثم رزقها لقوله


تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها هود العليم أي العالم البالغ في العلم المحيط علمه السابق بجميع الأشياء ظاهرها وباطنها دقيقها وجليلها كلياتها وجزئياتها وهو من صفات الذات فهو تعالى يعلم ذاته وصفاته وأسماءه ويعلم ما كان وما لا يكون من الجائزات وإنه لو كان كيف يكون ويعلم المستحيل منم حيث استحالته وانتفاء كونه وما يترتب عليه لو كان ومن ثم قال عز قائلا لو كان فيهما آلهة إلا الله لقسدنا الأنبياء وبالجملة فهو تعالى لا يخفى عليه شيء ولذا لما قيل من عام إلا وخص كقوله تعالى وهو على كل شيء قدير المائدة وأمثاله قيل هذا أيضا عام خص لعموم قوله تعالى وهو بكل شيء عليم وما أحسن ما قيل من عرف أنه تعالى عليم بحالته صبر على بليته وشكر على عطيته واستغفر من خطيئته وقال القشيري من علم أنه تعالى عليم بالخفيات خبير بما في الضمائر من الخطرات لا يخفى عليه شيء من الحوادث في جميع الحالات فبالحرى أن يستحى من مواضع اطلاعه ويرعوي عن الاغترار بجميل ستره وفي بعض الكتب إن لم تعلموا أني أراكم فالخلل في إيمانكم وإن علمتم أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم ابقبض الباسط أي مضيق الرزق وغيره على من شاء ما شاء كيف شاء وموسعه وقيل قابض الأرواح عن الأجساد عند الموت كلام مبدل وناشرها فيها عند الحياة وهما من صفات الأفعال قال


بعض العارفين معناهما أنه يقبض القلوب ويبسطها تارة بالضلالة والهدى وأخرى بالخوف والرجاء وقيل القابض الذي يكاشفك بجلاله فيفينك ويكاشفك بجماله فيغنيك قال تعالى والله يقبض ويبسط البقرة أي في كل شيء من الأخلاق والأرزاق والأشباح والأرواح إذا قبض فلا طاقة وإذا بسط فلا فاقة وإنما يحسن إطلاقهما معا ليدلا على كمال القدرة واتقان الحكمة وحظك منهما أن تراقب الحالين فلا تعيب أحدا من الخلق ولا تسكن إليه في إقبال ولا إدبار ولا تيأس منه في بلاء ولا تأمن على عطاء وترى القبض عدلا منه فتصبر والبسط فضلا فتشكر فتكون راضيا بقضائه حالا ومآلا قال القشيري هما صفتان يتعاقبان على قلوب أهب العرفان فإذا غلب الخوف انقبض وإذا غلب الرجاء انبسط ويحكى عن الجنيد أنه قال الخوف يقبضني والرجاء يبسطني والحق يجمعني والحقيقة تفرقنى وهو ذلك كله موحشني غير مؤنسني ثم قال والقبض يوجب إيحاشه والبسط يوجب إيفاسه ا ه وينبغي للعبد أن يجتنب الضجر حال قبضه ويترك الإنبساط وترك الأدب وقت بسطه من هذا خشي الأكابر الخافض الرافع أي يخفض القسط ويرفعه أو يخفض الكفار باخزي والصغار ويرفع المؤمنين بالنصرة والاعتبار أو يخفض أعداءه بالإبعاد ويرفع أولياءه بالإسعاد وحظك منهما أن لا تثق بحال من أحوالك ولا تعتمد على شيء من علومك وأعمالك والتخلق بهما أن تخفض من أمرك الله بخفضه كالنفس والهوى وترفع ما أمرك برفعه كالقلب والروح رؤى رجل في الهواء فقيل له بم هذا فقال جعلت هواي تحت قدمي فسخر الله لي الهواء المعز المذل الإعزاز جعل الشيء ذا كمال يصير بسببه مرغوبا إليه قليل المثال والإذلال ضده والإعزاز الحقيقي تخليص المرء عن ذل الحاجة واتباع الشهوة وجعله غالبا على مراده قاهرا لنفسه قال بعض العارفين المعز الذي أعز أولياءه بعصمته ثم غفر لهم برحمته ثم نقلهم إلى دار كرامته ثم أكرمهم برؤيته ومشاهدته والمذل الذي أذل أعداءه بحرمان معرفته وارتكاب مخالفته ثم


نقلهم إلى دار عقوبته وأهانهم بطرده ولعنته وحظك منهما أنك لم تتعزز بغيره ولم تتذلل لسواه وأن تعز الحق وأهله وتذل الباطل وحزبه وتسأل الله التوفيق لموجبات عزه وتستعيذ به من قطيعة ذله وقال المشايخ ما أعز الله عبدا بمثل ما يرشده إلى ذل نفسه وما أذل الله عبدا بمثل ما يرد إلى توهم عز قيل في قوله تعالى تعز من تشاء وتذل من تشاء آل عمران تعز كل قوم من الزهاد والعباد والمريدين والعارفين والمحبين والموحدين بما يليق بمقامهم فالله يعز الزاهد بعزوف نفسه عن الدنيا ويعز العابد بخدمة المولى وترك الهوى ويعز المريدين بزهادتهم عن صحبة الورى ويعز العارف بتأهيله لمقام النجوى ويعز المحب بالكشف واللقاء وبالغنى عن كل ما سوى ويعز الموحد بشهود جلالة من له البقاء والعظمة والهاء السميع البصير السمع والبصر إدراك المسموعات والمبصرات انكشافا تاما فهما صفتان من صفات ذاته الثمانية وهما غير صفة العلن لأنهما مختصتان بإدراك المسموعات والمبصرات والعلم يعمهما وغيرهما كما سبق وأما قول ابن حجران الانكشاف بهمات أتم فنقصان منه لأنهما يرجعان إلى صفة العلم وليستا زائدتين عليه لما قرروا أن الرؤية نوع علم و السمع كذلك غايته أنهما وإن رجعا إلى


صفة العلم بمعنى الإدراك فإثبات صفة العلم إجمالا لا يغنى في العقيدة عن اثباتهما تفصيلا بلفظهما الواردين في الكتاب والسنة لأنا متعبدون بما ورد فيهما وعلى هذا الحمل ما في شرح المواقف من أنهما صفتان زائدتان على العلم فيقال لما ورد النقل بهما آمنا بذلك وعرفنا أنهما لا يكونان بالآلتين المعروفتين واعترفنا بعدم الوقوف على حقيقتهما وأما قول ابن حجر فمن جعلهما مرادفين للعلم فقدوهم فمسلم إذ العلم أعم وما أظن أن أحدا من أهل العلم يتوهم ترادفهما له لا في حق الله ور في حق المخلوقين نعم أتميتها مقصورة في حق المخلوقين دون الخالق بل لا يتحقق العلم اليقيني في حقنا إلا بالانتهاء إلى الحس فمن لم يذق لم يعرف وأما عمله تعالى فمحيط بالمرئيات والمسموعات والمريات والحلويات والجزئيات والكليات من غير تفاوت في الصفات ثم حظك من الاسمين المعظمين والوصفين المكرمين إن تتحقق إنك بمسمع ومرأى منه تعالى وإنه مطلع عليك وناظر إليك رقيب لجميع أحوالك من أقوالك وأفعالك فاحذر أن يراك حيث نهاك قال الغزالي من أخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله فقد استهان بنظر الله فمن قارف معصية وهو يعلم أن الله يراه فما أجرأه وما أجسره وما ظن أن الله لا يراه فما أكفره وما أكفره ولذا قيل إذا عصيت مولاك فاعص في موضع لا يراك والمراد من هذا المقال تعليق بالمحال ومن ألطاف الله بعباده أن الله يحفظ سمعهم وبصرهم وإليه الإشارة بقوله كنت له سمعا وبصرا فبي يسمع وبي يبصر ومن الآداب أيضا أن تكتفي بسمعه وبصره تعالى عن انتقامك وانتصارك لنفسك قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام ولقد تعلم أنك يضيق صدرك الحجر ثم انظر كيف سلاه وخفف عليه بحمل أثقال بلواه حيث أشغله عنهم بقوله فسبح بحمد ربك الخ أي فاتصف أنت بمدحنا وثنائنا وسجودنا وشهودنا والمعنى أنك إذا تأذيت بسماع السوء منهم فاستروح بروح ثنائك علينا الحكم أي الحاكم الذي لا راد لقضائه ولا معقب


لحكمه فمرجعه إما إلى القول الفاصل بين الحق والباطل والمبين لكل نفس جزء ما عملت من خير وشر وإما إلى المميز بين الشقي والسعيد بالعقاب والإثابة وإما إلى الفعل الدال على ذلك بنصب الدلائل والآيات وحظك منه إنك عرفت أنه الحكم استسلمت لحكمه وانقدت لأمره فإنك لم ترض بقضائه اختيارا أمضاه فيك اجبارا وإن رضيت به طوعا قلبيا ألطف بك لطفا خفيا وتعيش راضيا مرضيا ولا تحتاج أن تحاكم إلى غيره حيث حصل لك الرضا بحكمه وإليه أشار بقوله اللهم لك أسلمت وبك آمنت وإليك حاكمت وبك خاصمت فالتقرب به تعلقا بالشكوى في كل شيء إليه بالاعتماد في كل أمر عليه وتخلقا أن يكون حكما بين قلبك ونفسك قال القشيري واعلم أنه تعالى حكم في الأزل لعباده بما شاء فمنهم شقي وسعيد وقريب وبعيد فمن حكم له بالسعادة لا يشقى أبدا ومن حكم له بالشقاوة لا يسعد أبدا ولذا قالوا من أقصته السوابق لم تدنه الوسائل وقالوا من قعد به جده لم ينهض به جده واعلم أن الناس على أربعة أقسام


الأول أصحاب السوابق فتكوزن فكرتهم أبدا فيما سبق لهم من الرب في الأزل يعلمون أن الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب الثاني أصحاب العواقب يتفكرون فيما يختم به أمرهم فإن الأمور بخواتيهما والعاقبة مستورة ولهذا قيل لا يغرنك صفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات فكم من مريد لاحت عليه أنوار الإرادة وظهرت عليه آثار السعادة وانتشر صيته في الآفاق وظنوا أنه من جملة أوليائه بالإطلاق بدل بالوحشة صفاؤه وبالغيبة ضياؤه وأنشدوا أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر والثالث أصحاب الوقت وهم لا يشتغلون بالتفكر في السوابق واللواحق بل بمراعاة وقته وأداء ما كلفوا به من حكمه وقيل العارف ابن وقته والرابع أصحاب الشهود وهم الذين غلب عليهم ذكر الحق فهم مأخوذون بشهود الحق عن مراعاة الأوقات لا يتفرغون إلى مراعاة وقت وزمان ولا يتطلعون لشهود حين وأوان وقيل أصله المنع وسمي العلوم حكما لأنها تمنع صاحبها عن شيم الجهال العدل أي البالغ في العدالة وهو الذي لا يفعل إلا ما له فعله وقيل العدل خلاف الجور وهو في الأصل مصدر أقيم مقام الصفة وهو العادل وهو أبلغ منه لأنه جعل المسمى نفسه عدلا فهو من صفات الأفعال وقال بعضهم هو البريء من الظلم في أحكامه المنزه عن الجور في أفعاله وحظك منه أن تشهد أنه عدل في أقضيته فلا تجد في نفسك جزعا من أحكامه ولا حرجا من نقضه وإبرامه فتستريح بالاستسلام إليه وبالتوكل والاعتماد عليه وترى الكل منه حقا وعدلا وتستعمل كل ما وصل إليك منه فيما ينبغي أن يستعمل فيه شرعا وعقلا وتخاف سطوة عدله وترجو رأفة فضله ولا تأمن من مكره ولا تيأس من فضله وتجتنب في مجامع أمورك طرفي الإفراط والتفريط كالفجور والخمود في الأفعال الشهوية والتهور والجبن في الأفعال الغضبية وتلازم أوساطها التي هي العفة والشجاعة والحكمة المعبر عن مجموعها بالعدالة لتندرج تحت


قوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا البقرة اللطيف أي البر بعبادة الذي يوصل إليهم ما ينتفعون به في الدارين ويهيء لهم ما يسعون به إلى المصالح من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون فهو من أسماء الأفعال وقيل هو كالجميل بمعنى المجمل وقيل العالم بخفيات الأمور وما لطف منها وقيل هو الخفي عن الإدراك قال ابن عطاء في حكمه من ظن انفكاك لطف عن قدره فذلك القصور نظره ومن التخلف بهذا الاسم أن يتلطف بالخلق
بإرشادهم إلى الحق قال تعالى الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوى العزيز الشورى قيل من لطفه تعالى لعباد مائه أعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة ومن لطفه تعالى توفيق الطاعات وتيسير العبادات وحفظا التوحيد في القلوب وصيانته من العيوب الخبير أي العالم ببواطن الأشياء من الخبر وهي العلم بالخفايا الباطنة وقيل هو المتمكن من الأخبار عما علمه وحظك منه أنك إذا شهدت أنه المطلع على سرك العليم ببواطن أمرك اكتفيت بعلمه ونسيت غيره في جنب ذكره وكنت بزمام التقوى مشدودا وعن طريق الغي مصدودا وتعين عليك ترك الرياء ولزوم الإخلاص لتصل إلى مقام أهل الاختصاص وأن لا تتغافل عن بواطن أحوالك وتشتغل بإصلاحها وتلاقي ما يظهر لك منها من القبائح بصرفها إلى فلاحها وأن تكون في أمر دينك ودنياك خبيرا وبما يجب عليك أو يندب لك بصيرا الحليم الذي لا يعجل عقوبة المؤمنين بل يؤخرهم لعلهم يتوبون وقيل هو الذي لا يستفزه غضب ولا يحمله غيظ على تعجيل العقوبة فالتقرب به تعلقا أن تشكرمنته في حلمه لكن من غير اغترار بكرمه وتخلقا أن تكظم الغيظ وتطفىء الغضب بالحلم وكماله أن تحسن إلى من أساء إليك قال القشيري فإذا ستر الله تعالى في الحال بفضله فالمأمول منه أن يعفو في المآل بلطفه وهو راجع إلى التنزيه العظيم أصله من عظم الشيء إذا كبر عظمه ثم استعير لكل جسم كبير المقدار كبرا بملأ العين كالجميل والفيل أو كبرا يمنع إحاطة البصر بجميع أقطاره كالسماء والأرض ومنه


قوله تعالى أي رب العرش العظيم ثم لكل شيء كبير القدر على المرتبة فالعظيم المطلق البالغ إلى أقصى مراتب العظمة هو الذي لا يتصوره عقل ولا يحيط بكنهه بصيرة وهو الله تعالى ومرجعه إلى التنزيه قال القشيري ويجب أن يحمل العظيم في صفة الله تعالى على استحقاق علو الوصف من استحقاق القدم ووجود الوحدانية والانفراد بالقدرة على الإيجاد وشمول العلم بجميع المعلومات ونفوذ الإرادة في المتناولات وإدراك السمع والبصر بجميع المسموعات والمرئيات وتنزه ذاته عن قبول المحدثات وحظك منه أنك إذا شهدت عظمته صغر في عينك كل شيء إلا ماله نسبة تعظيمه تعالى واستحقرت نفسك وذللتها للإقبال عليه تعالى بكليتها بامتثال أوامره واجتناب نواهيه والاجتهاد في كل ما يحبه ويرضيه وحينئذ فتقربك به تعلقا أن تلازم التذلل والافتقار على الدوام وتخلقا أن تتعاظم عن الأوصاف الذميمة وارتكاب الآثام الغفور أي كثيرا المغفرة وهي صيانة العبد عما يستحقه من العقاب بالتجاوز عن ذنوبه من الغفر وهو الستر وإلباس الشيء ما يصونه عن الدنس قال الطيبي ولعل الغفار أبلغ منه لزيادة بنائه والأحسن ما قيل من الفرق بينه وبين الغفارات المبالغة فيه من جهة الكيفية وفي الغفار باعتبار الكمية ولعل إيراد كل من أبنية المبالغة من الرحمة والمغفرة في الأسماء التسعة والتسعين لتأكيد أمرهما والدلالة على أنه تعالى عظيم الرحمة عميمها كبير المغفرة كثيرها والإشعار بأن رحمته أغلب من غضبه وغفرانه أكثر م


عقابه أقول ويمكن أن يقال وصف الكامل لا يكون إلا على وجه الكمال فلا يوجد فيه صفة على وصف النقصان ولذا قال بعضهم في جواب الإشكال المشهورة في قوله تعالى وما ربك بظلام للعبيد فصلت من أنه لا يلزم من نفي المبالغة نفي أصل الفعل مع أنه منفى عنه تعالى لما أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه أو التصرف في ملك غيره وهو محال على الملك المتعال بأنه إنما أورد بصيغة المبالغة إشارة إلى أنه تعالى لو كان موصوفا به لكان موصوفا على وجه الأبلغية فلزم من نفي المبالغة نفي أصل الفعل لعدم اتفكاك وصفه تعالى عن المبالغة ولذا لا يجوز إطلاق السامع عليه تعالى بمعنى السميع لفوات المبالغة وأما قول الجزري يقول راجي عفو رب سامع محمول على أنه أراد أنه مجيب لمن دعاه وغير مخيب لمن رجاه ثم التقرب به تعالى تعلقا بلزوم الاستغفار في آناء الليل وأطراف النهار وخصوصا أوقات الأسجار وتخلقا بالمغفرة لمن آذاك الشكور أي الذي يعطي الأجر الجزيل على الأمر القليل فيرجع إلى صفات الفعل حكي أن رجلا رؤي في منامه فقيل له ما فعل الله بك فقال حاسبني فخفت كفة حسناتي فوقعت فيها صرة فنقلت فقلت ما هذا قال كف تراب ألقيته في قبر مسلم قال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة وقيل هو المثنى على المطيعين فيرجع إلى القول وقيل المجازي عباده على شكرهم فيكون من باب المقابلة والتنزيل منزلة المعاملة نحو قوله تعالى ومكروا مكر الله آل عمران وجزاء سيئة سيئة مثلها الشورى وحظ العبد منه أن يعرف نعم الله ويقوم بواجب شكره ويواظب على وظائف أمره وأن يكون شاكر للناس معروفهم ففي الحديث لا يشكر الله من لا يشكر الناس بنصبهما كما هو ظاهر وقال ابن حجر برفعهما ونصبهما ورفع أحدهما ونصب الآخر وكلها ترجع إلى تعظيم الواسطة مع أن المنعم الحقيقي هو الله تعالى وحده والمشهور في حد الشكر بأنه صرف العبد جميع نعمه إلى ما خلق لأجله من عبادة ربه وقال بعضهم في قوله تعالى وقليل


من عبادي الشكور سبأ أي قليل من عبادي من يشهد أن النعمة مني لأن حقيقة الشكر الغيبة عن شهود النعمة بشهود المنعم ولا دخل في هذا المعنى لمبحث تفضيل الغنى الشاكر على الفقير الصابر عند كثيرين كما ذكره ابن حجر على خلاف ما أجمع عليه الأولياء وجمهور العلماء العلي بتشديد الياء فعيل من العلو وهو البالغ في علو الرتبة بحيث لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته وقال بعضهم هو الذي علا عن الإدراك ذاته وكبر عن التصور صفاته وقال آخر هو الذي تاهت القلوب في جلاله وعجزت العقول عن وصف كماله وحظك منه أنك إذا شاهدت علوه وسمت همتك إليه فجعلتها في كل أحوالك واقفة عليه وذلك


نفسك في طاعاته وعبادته الظاهره والباطنه وبذات روحك في العلم والعمل حتى تبلغ الغاية في الكمالات الأنسية والحالات القدسية والمراتب العلمية من العلمية والعملية ففي الحديث أن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ومن ثم قال علي كرم الله وجهه علو الهمة من الإيمان واختلف المشائخ في أفضلية الهمة والخدمة وعندي أن الخدمة إنما تنشأ من الهمة فلا خلاف في الحقيقة قال القشيري من علوه تعالى أنه لا يصير بتكبير العباد له كبيرا ولا جليلا بإجلالهم وتعظيمهم له كثيرا بل من وفقه لإجلاله فبتوفيقه أجله ومن أيده بتكبيره وتعظيمه فقد رفع محله ومن حق من عرف عظمته أن لا يذل لخلقه بل يتواضع لهم لأجله فإن من تذلل لله في نفسه رفع الله قدره على أبناء جنسه وقيل المؤمن ليس له الكبر وله العزة وله التواضع لا المذلة الكبير وضده الصغير يستعملان بالعتبار مقادير الأجسام وباعتبار الرتب وهو المراد هنا أما باعتبار أنه أكمل الموجودات وأشرفها من حيث إنه قديم أزلي غني على الإطلاق وما سواه حادث مفتقر إليه في الإيجاد والإمداد بالاتفاق وأما باعتبار أنه كبير عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول وعلى الوجهين فهو من أسماء التنزيه قيل في معنى الله أكبر أي أكبر من أن يقال له أكبر أو أكبر من أن يدرك غيره كنه كبريائه وحظك منه أن تشهد كبرياءه دائما حتى تنسى كبرياء غيره وتجتهد في تكميل نفسك علما وعملا بحيث يتعدى كمالك إلى غيرك فيقتدي بآثارك ويقتبس من أنوارك وتقربك بهذا الاسم تعلقا أن تبالغ في التواضع وتخلقا أن تحترز من سوء الأدب بلزوم الخدمة وحفظ الحرمة ففي الصحيح الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قصمته أي أهلكته وكسرت عنقه واختصت العظمة بالإزار والكبرياء بالرداء لأن في الكبير من الفخامة فوق العظيم وإن كان كل منهما مختصا له تعالى لا شريك له فيه بوجه ما ومن ثم قصم المنازع في واحد منهما الحفيظ أي البالغ في الحفظ يحفظ


الموجودات من الزوال والاختلال مدة ما شاء من الأوقات ومنه قوله تعالى ولا يؤده حفظهما البقرة وحظك منه أن تحفظ جوارحك عن الأوزار وباطنك عن ملاحظة الأغيار وتكتفي في جميع أمورك بتدبيره وترضى بحسن قضائه وتقديره قيل من حفظ لله جوارحه حفظ الله عليه قلبه ومن حفظ لله قلبه حفظ الله عليه حظه وحكى أنه وقع من بعض الصالحين بصره يوما على محظور فقال إلهي إنما أريد بصري لأجلك فإذا صار سببا لخالفت أمرك فاسلبنيه فعمى وكان يصلي بالليل فاحتاج الماء للطهارة ولم يتمكن منه فقال إلهي إنما قلت خذ بصري لأجلك ففي الليل أحتاجه لأجلك فعاد إليه بصره المقيت بضم الميم وكسر القاف وسكوت التحتية أي خالق الأقوات البدنية والأرزاق المعنوية وموصلها إلى الأشباح ومعطيها للأرواح من أفاته


يقيته إذا أعطاه قوته ومنه الحديث كفى بالمرء إنما أن يضيع من يقيت فهو من صفات الأفعال وقيل هو المقتدر بلغة قريش وقيل هو الشاهد المطلع على الشيء من أقات الشيء إذا اطلع عليه فهو على الوجهين من صفات الذات وهما أنسب لقوله تعالى وكان الله على كل شيء مقيتا النساء وقال بعضهم المقيت اسم جامع لمعنى الاقتدار على حكم الموازنة من حيث إحاطة العلم وإقامة الكفاف بالقوت المقدر للحاجة من غير نقص وزيادة وهو في غاية من الحسن وقول ابن حجر فيه ما فيه لم يظهر ما فيه وحظك منه أنك إذا عرفت أنه المقيت نسيت ذكر القوت بذكره كما اتفق السهل رضى الله عنه أنه سئل عن القوت فقال هو الحي الذي لا يموت ولعله انتقل من السبب إلى المسبب فقيل له إنما سألناك عن القوام فقال القوام العلم فكأنه انتقل من قوام الأشباح إلى قوام الأرواح فإن كل إناء يترشح بما فيه فقيل له إنما سألناك عن طعمة الجسد فقال مالك والجسد دع من تولاه أو لا يتولاه آخر أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردت لصانعها لأنه العالم بإصلاحها فكأنه أشار إلى أنا نحن مأمورون بإصلاح الباطن مكفيون عن إصلاح الظاهر وإن كان الله هو المصلح على الإطلاق في الحقيقة وفيه إشارة إلى ما ورد من حسن إسلام تركه ما لا يعنيه وحينئذ فتقربك به تعلفا أن لا تطلب القوت والقوة إلا من مولاك قال تعالى وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم الحجر وتخلقا أن تعطي كل من تعلق بك ما يستحقه من القوت ففي الحديث ابدأ بنفسك ثم بمن تعول فيكون دأبك النفع والهداية وإطعام الجائع وإرشاد الغاوي قال القشيري اختلفت الأقوات فمن عباده من يجعل قوت نفسه توفيق العبادات وقوت قلبه تحقيق المكاشفات وقوت روحه مداومة المشاهدات وملازمة المؤانسات خص كلا بما يليق به من الحالات والمقامات وإذا شغل الله عبدا بطاعته أقام له من يقوم بشغله وخدمته وإذا رجع إلى متابعة شهوته وكله إلى حوله وقوته ورفع عنه ظل عنايته


وحمايته الحسيب أي الكافي من الحسب بسكون السين وهو الاكتفاء أو الكفاية من أحسبني إذا كفاني قال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق وهو فعيل بمعنى مفعل بكسر العين كالميم بمعنى مؤلم وبديع بمعنى مبدع أي المعطي لعباده كفايتهم أو الكافي لهم في أمورهم من قولهم حسبي يكفيني وهذا أتم مبنى وأعم معنى وقيل أنه مأخوذ من الحسب بفتحتين بمعنى السؤدد والشرف والحسيب المطلق هو الله تعالى إذ لا يمكن أن تحصل الكفاية في جميع ما يحتاج الشيء في وجوده وبقائه وكماله الجسماني والروحاني بأحد سواء فمرجعه إلى الفعل ولا أن يصل أحد إلى شرف وسؤدد بغير إرادة مولاه أو معناه أنه الشريف فمرجعه إلى الصفة وقيل مأخوذ من الحسنات أي هو المحاسب للخلائق


يوم القيامة فعيل بمعنى مفاعل كالجليس بمعنى المجالس فمرجعه إلى الفعل أيضا إن جعلت المحاسبة عبارة عن المكافأة ولي القول إن أريد بها السؤال والمعاتبة وتعداد ما عملوا من الحساب والسيئات وقيل هو الذي يعد أنفاس الخلائق وبعضهم جمع بين المعنيين وقال الحسيب من يعد عليك أنفاسك ويصرف عنك بفضله بأسك وقيل في معنى الحسيب أن كان الله معك فمن تخاف وإن كان عليك فمن ترجو ولذا قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وقال حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم قال القشيري كفاية الله للعبد أن يكفيه جميع أحواله وأشغاله وأجل الكفايات أن لا يعطيه إرادة الشيء فإن سلامته عن إرادة الأشياء حتى لا يريد شيئا أنتم من قضاء الحاجة وتحقيق المأمول ومن علم أن الله تعالى كافية لا يستوحش من أعراض الخلق عنه ثقة بأن الذي قسم له لا يفوته وإن أعرضوا عنه والذي لم يقسم له لا يصل إليه وإن أقبلوا عليه ومن اكتفى بحسن تولية الله تعالى لأحواله فعن قريب يرضيه مولاه بما يختار له فعند ذلك يؤثر العدم على الوجود والفقر على الغنى ويستروح إلى عدم الأسباب بمشاهدة تصرف المولى قيل رجع فتح الموصلي ليلة إلى بيته فلم يجد فيه عشاء ولا سراجا فبالغ في الحمد والتضرع وقال إلهي بأي سبب وبأي وسيلة واستحقاق عاملتني بما تعامل أبه أولياءك الجليل أي المنعوت بنعوت الجلال والحاوي لجميعها على وجه الكمال بحيث لا يمكن لأحد أن يدانيه فضلا عن أن يساويه قالوا ومنهم الفخر الرازي إنه راجع إلى كمال الصفات كما أن الكبير راجع إلى عظيم الذات والعظيم إليهما لكن الأظهر أن الجليل هو الموصوف بصفات الجلال خاصة كالمنتقم والقهار وشديد العقاب ويدل عليه قوله تعالى ذو الجال والإكرام حيث قوبل بينهما فالكريم والعفو والغفور ونحوها من صفات الجمال والكمال لله تعالى وهو الجمع بين صفتي الجمال والجلال والكمال والكون كلها مظاهر للصفتين العظيمتين ومجال لمشاهدة النعتين


الكريمتين وبسط هذا المبحث بطول فيتعين عنه العدول ولذا نقول وحظك منه أنك إذا تبين لك جلاله ظهر لك في العوالم كلها إجلاله فعظمت هيبتك منه ومحبتك له وأنسك به واحترامك لكتابه وأحبابه وحينئذ فتقربك به تعلقا أن لا تحب سواء ولا ترضى إلا إياء وتخلقا أن تخلي نفسك عن سفساف الأمور والمحقرات لأنك أجل المخلوقات قال ابن عطاء الله جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملوكته ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته وإنك جوهرة تنطوي عليك أصداف مكنوناته قال القشيري إن الله تعالى جعل تقلب قلوب العابدين بين شهود ثوابه وأفضاله وشهود عذابه وأنكاله فإذا فكروا في أفضاله ازدادوا رغبتهم وإذا فكروا في عذابه ونكاله ازدادوا رهبتهم وجعل تنزه أسرار العارفين في شهود جلاله وجماله إذا كوشفوا بنعت الجلال فأحوالهم طمس في طمس وإذا كوشفوا بوصف الجمال فأحوالهم أنس في أنس فكشف الجلال يوجب صحوا وكشف الجمال يوجب قربة العارفون كاشفهم بجلاله فغابوا


والمحبوبون كاشفهم بجماله فطابوا والحقائق إذا اصطلمت القلوب لا تبقى ولا تذر والمعاني إذا استولت على الأسرار فلا عين ولا أثر الكريم أي كثير الجود والعطاء الذي لا ينفد عطاءؤه ولا تفنى خزائنه وهو الكريم المطلق وقيل المتفضل بلا مسألة ولا وسيلة وقيل المتجاوز الذي لا يستفصى في العقاب ولا يستحصى في العتاب وقيل هو الذي إذا قدر عفا وإذا وعد وفى وإذا أعطى زاد على المتمني ولا يبالي كم أعطى ولمن أعطى وإذا رفعت الحاجة إلى غيره لا يرضى ويقول إن لنا للآخرة والأولى وقيل المقدس عن النقائص الموصوف بالنفائس من قولهم كرائم الأموال لنفائسها وفي الحديث إياكم وكرائم أموالهم وبهذا الاعتبار سمى شجر العنب كرما لأنه أطيب الثمرة قريب التناول سهل المأخذ بخلاف النخل وحظ العبد منه أن يتخلق به فيعطي من غير موعدة ويعفو عن مقدرة ويتجنب عن الأخلاق المردية والأفعال المؤذية الرقيب أي الحفيظ الذي يراقب الأشياء فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وقيل هو الذي يعلم أحوال العباد وأفعالهم وييحصى عدد أنفاسهم ويعلم آجالهم فمرجعه إلى صفة الذات وقد قال تعالى إن الله كان عليكم رقيبا الأحزاب وكان الله على كل شيء رقيبا النساء وحظك منه أن تراقبه في كل حال ولا تلتفت إلى غيره في سؤال وتكون رقيبا خصوصا على من جعلك راعيا عليه فتكون مراعيا ومتوجها في أحواله إليه وفي الحديث كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته القشيري المراقبة عند هذه الطائفة يصير الغالب على العبد ذكره لربه بقلبه مع علمه بأنه تعالى مطلع عليه فيرجع إليه تعالى في كل حال ويخاف سطوات عقوبته في كل نفس ويهابه في كل وقت فصاحب المراقبة يدع من المخالفات استحياء منه وهيبة له أكثر مما يترك من يدع المعاصي لخوف عقوبته وإن من راعى قلبه عد مع الله أنفاسه فلا يضيع مع الله نفسا ولا يخلو عن طاعته لحظة كيف وقد علم أن الله يحاسبه على كل ما قل وجل وحكى عن بعضهم أنه رؤى في المنام


فقيل له ما فعل الله بك فقال غفر لي وأحسن إلي إلا أنه حاسبني حتى طالبني بيوم كنت صائما فلما كان وقت الإفطار أخذت حنطة من حانوت صديق لي فكسرتها فدكرتها أنها ليست لي فألقيتها على حنطته فأخذ من حسناتي مقدار ارش كسرها ومن تحقق ذلك لم يزج في البطالات عمره ولم يمحق في الغفلات وقته ا ه وقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ص وفي الخبر حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا المجيب هو الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاء ويسعف المضطر إلى ما استدعاه وتمناه وحظ العبد منه أنه يجيب مولاه فيما أمره ونهاه لقوله تعالى فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي البقرة ثم يتلقى عباده بإسعاف سؤالهم وإلطاف


جوابهم قال القشيري في الخبر إن الله يستحي أن يرد يدي عبده صغر أوانه تعالى إذا علم من أحضر من أوليائه حاجتهم لهم يحقق لهم مرادهم قيل أن يذكروه بلسانهم وربما يضيق عليهم الحال حتى إذا يئسوا وظنوا أنه لا يجيبهم يتداركهم بحسن إيجاده وجميل امداده ا ه ومنه قوله تعالى وهو الذي ينزل الغيث من بعدما قنطوا الشورى وفي هذا الاسم إيماء إلى قوله سمع الله لمن حمده أي أجابه وأحسن خطابه لكنه كما قال بعض العارفين ضمن سبحانه لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك وفي الوقت الذي يريده لا في الوقت الذي تريده فحظك منه أن لا تسأل سواء وإن تطلب منه حتى ملح عجينك ومن دعاء الإمام أحمد اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك فصن وجهي عن مسألة غيرك وفي الحديث الصحيح ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة لأنها حاصلة في كل حال أما في المعجل وإما في المآل ومن باب التخلو به قوله لو دعيت إلى كراع لأجبت وهو موضع بينه وبين المدينة نحو ثمانية أيام أو كراع الغنم لأجبت وقوله من لم يجب الداعي فقد عصى أبا القاسم الواسع هو الذي وسع كرسيه السموات والأرض فهو وسيع الملك والملك ووسعت رحمته كل شيء فهو كثير الرحمة والعطاء لا يستغنى أحد عن عطائه لا في مبدئه ولا في منتهاه وآحاط بكل شيء علما فهو العالم بالموجودات والمعلومات والكليات والجزئيات لا نهاية لبرهانه لبرهانه ولا ولا غاية لسلطانه ولا حد لإحسانه وحظ العبد منه أن يسعى في سعة معارفه وأخلاقه ويكون جوادا بالطبع غنى النفس لا يضيق قلبه بفقد الفائت ولا يهتم بتحصيل المآرب قال القشيري من الواجب على العبد أن يعلم أنه ليس كل أنعامه انتظام أسباب الدنيا والتمكن من تحصيل المني والوصول إلى الهوى بل ألطاف الله فيما يزوي عنهم الدنيا أكبر وإحسانه إليهم أوفر وإن قرب العبد من الرب على حسب تباعده من الدنيا وفي بعض الكتب أن أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلى الدنيا وإن أسلبه حلاوة مناجاتي ولذة


طاعاتي الحكيم أي ذو الحكمة وهي كمال العلم واتقان العمل أو فعيل بمعنى الفاعل فهو مبالغة الحاكم فإنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه أو بمعنى المفعل أي الذي يحكم الأشياء ويتقنها ومنه قوله تعالى صنع الله الذي أتقن كل شيء النمل ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت الملك ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثير النساء فعليك أن تجتهد في التخلق به والتعلق بكتابة بأن تسعى في تكميل قواك النظرية بتحصيل المعارف الإلهية واستكمال القوة العملية بتخلية النفس عن الرذائل وتحليتها بالفضائل وتجليتها بتحسين الشمائل بما يوجب الزلفى إلى الدراجات العلى والقرب إلى المولى فإنه تعالى يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا والحكمة


هي علم الكتاب والسنة لا علوم الفلاسفة قال القشيري من حكمه تعالى على عباده تخصيصه قوما بحكم السعادة من غير استحقاق وسبب ولا جهد ولا طلب بل تعلق العلم القديم بإسعاده وسبق الحكم الأزلي بإيجاده وخص قوما بطرده وإبعاده ووضع قدره من بين عباده من غير جرم سلف ولا ذنب اقترف بل حقت الكلمة عليه بشقاوته ونفذت المشيئة بجحد قلبه وقساوته فالذي كان شقيا في حكمه أبرزه في نطاق أوليائه ثم بالغ في ذمه حيث قال فمثله كمثل الكلب والذي كان سعيدا في حكمه خلقه في صورة الكلب ثم حشر في زمرة أوليائه وذكره في جملة أصفيائه فقال رابعهم كلبهم الكهف ا ه وهو معنى قوله تعالى لا يسئل عما يفعل وهم يسألون الأنبياء وورد أنه تعالى يدخل النار بلعم ابن باعورا على صورة كلب أصحاب الكهف ويدخل الجنة كلبهم على صورة بلعم فلا تغتر بالظواهر فإن العبرة باسرائر الودود مبالغة الواد من الود وهو الحب أي الذي يحب الخير لكل الخلائق وقيل المحب لأوليائه وهو الأظهر لقوله تعالى والله يحب المحسنين وأنه لا يحب الظالمين وحاصله يرجع إلى إرادة مخصوصة وقيل فعول بمعنى مفعول فالله محبوب في قلوب مخلوقاته مطلوب لجميع مصنوعاته وفي الحقيقة كما في نظر أرباب الشهود أنه ليس في الكون لغير موجود فهو الواد وهو المودود كما أنه الحامد والمحمود والشاهد والمشهود ليس في الدار غيره ديار وحظ العبد منه أن يريد للخلق ما يريد في حقه ويحسن إليهم حسب قدرته ووسعه ومنه قوله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه قال القشيري معنى الودود في وصفه أنه يود المؤمنين ويودونه قال تعالى يحبهم ويحبونه المائدة ومعنى المحبة في صفة الحق لعباده ورحمته عليهم وإرادته للجميل لهم ومدحه لهم ومحبة العباد لله تعالى تكون بمعنى طاعتهم له وموافقتهم لأمره وتكون بمعنى تعظيمهم له وهيبتهم منه ا ه وقال تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا مريم أي فيما بينه وبينهم أو فيما


بينهم وبين خلقه ولا منع من الجمع وفي الأثر القدسي أنه تعالى يقول إن أودا لأود إلي من يعبدني لغير نوال لكن ليعطي الربوبية حقها المجيد هو مبالغة الماجد من المجد وهو سعة الكرم فهو الذي لا تدرك سعة كرمه ولايتنا هي توالي إحسانه ونعمه قال القشيري ومن أعظم ما أنعم الله على عباده حفظه عليهم توحيدهم ودينهم حتى لا يزيغوا ولا يزولوا اذلولا لطفه وإحسانه لغوووا وأضلوا ومن وجوه إحسانه إليهم الذي لا يخفى على أكثر الخلق حفظه عليهم قلوبهم وتصفيته لهم أوقاتهم فإن النعمة العظمى نعم القلوب كما أن المحنة الكبرى محن القلوب أو من المجد وهو نهاية الشرف فهو الذي له شرف الذات وحسن الصفات وقيل هو العظيم الرفيع المقدر فهو فعيل بمعنى مفعل وحظ العبد منه أن يعامل الناس بالكرم وحسن الخلق ليكون فيما بينهم ماجدا ولخير ما عنده تعالى واجدا الباعث أي باعث الرسل إلى الأمم بالأحكام والحكم أو الذ


يبعث من في القبور للحشر والنشور وقيل هو الذي يبعث الأرزاق إلى عبده ولو لم يكتسب من حيث لا يحتسب وقيل هو باعث الهمم إلى الترقي في مساحات التوحيد والتنقي من ظلم صفات العبيد وحظ العبد منه أن يؤمن أو لا بمعانيه ويكون مقبلا عليه بشراشر لاستصلاح المعاد والاستعداد ليوم التناد والتخلق به إحياء النفوس الجاهلة بالتعليم والتذكير والتزهيد في الأمور العاجلة والترغيب في النعم الآجلة فيبدأ بنفسه ثم بمن هو أقرب منه منزلة وأدنى رتبة الشهيد مبالغة الشاهد من الشهود وهو الحضور ومعناه العليم بظاهر الأشياء وما يمكن مشاهدتها كما أن الخبير هو العالم ببواطن الأشياء وما لا يمكن الإحساس بها ومنه قوله تعالى عالم الغيب والشهادة الأنعام أو مبالغة الشاهد من الشهادة والمعنى يشهد على الخلائق يوم القيامة بما علم وشاهد منهم ومنه قوله تعالى وكفى بالله شهيدا النساء قال القشيري إن أهل المعرفة لم يطلبوا مع الله مؤنسا سواه بل رضوا به شهيدا لأحوالهم عليما بأمورهم وأفعالهم وكيف لا وهو يعلم السر وأخفى ويسمع النجوى ويكشف الضر والبلوى ويجزل الحسنى ويصرف الردى ولله الآخرة الأولى قلت ومنه قوله تعالى أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد فصلت وحظك منه أن تراقبه حتى لا يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك وإن تكتفي بعلمه ومشاهدته عن أن ترفع حوائجك إلى غيره أو أن تميل إلى طلب الغير من بره وخيره وتخلقك أن تكون شاهدا بالحق مراعيا للصدق لتكون مقبول الشهادة من جملة ما قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا البقرة الحق هو الثابت الذي تحقق بتيقن وجوده ولا تحقق لغيره إلا من كرمه وجوده وضده الباطل الذي هو المعدوم أو الموجود الذي في مقابله بمنزلة الموهوم إذا الثابت مطلقا هو الله وسائر الموجودات من حيث أنها ممكنة في حد ذاتها ولا ولا ثبوت لها من قبل نفسها بل الكل منه وإليه فكل شيء دونه باطل من حيث


أنه لا حقيقة له من ذاته ولا في ذاته فضلا عن ثباته وصفاته وإليه الإشارة بقوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه القصص وكل من عليها فان الرحمن بتغليب ذوي العقول إيماء إلى أن غيرهم أولى بالأقول وهذا المعنى هو المراد بقول الشاعر فيما شهد له بأن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل أي قابل للفناء والزوال بل في نظر أرباب الشهود دائما مرتبة الاضمحلال وهذا المعنى هو المراد من قول شيخ مشايخنا أبى الحسن البكري أستغفر الله مما سوى الله كما حررته وبسطته في شرح حزب الفتح ويدل على جلالة لبيد رضي الله تعالى عنه إنه لما أسلم لم يقل شعرا وقال يكفيني القرآن فهو بهذا المعنى من صفات الذات وقيل معناه المحق أي المظهر للمحق أو الموجد للشيء حسب ما تقتضيه الحكمة فهو من صفات الأفعال وحظك منه إنك إذا


عرفت أنه الحق نسيت في جنبه ذكر الخلق وتخلقك به أن تلزم الحق في سائر أقوالك وأفعالك وأحوالك الوكيل القائم بأمور عبادة المتكفل بمصالح عباده وقيل الموكول إليه تدبيرهم إقامة وكفاية فهو سبحانه الوكيل على كل شيء بحكم إقامته وهو ينبىء عن أمرين أحدهما عجز الخلق عن القيام بمجامع أمورهم كما ينبغي إذ الغالب أن العاقل لا يكل أمره إلى غيره إلا إذا تعسر أو تعذر عليه مباشرته بنفسه وثانيهما أنه تعالى عالم بحالهم قادر على ما يحتاجون إليه رحيم بهم فإن من لم يستجمع هذه الصفات لا يحسن توكيله وقد قال تعالى وكفى بالله وكيلا النساء وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين المائدة ومن يتوكل على الله فهو وحسبه الطلاق وتوكل على الحي الذي لا يموت الفرقان وتوكل على العزيز الرحيم الشعراء والتخلق به أن تقوم بأمور عباده ومطالبهم وتسعى في إسعاف مآربهم القوى القوة تطلق على معان مرتبة أقصاها القدرة التامة البالغة السابغة الواصلة إلى الكمال والله تعالى قوي بهذا المعنى ولا قوة لغيره إلا به وتوضيحه الإنسان أول ما يوجد في باطنه من إحساس العمل يسمى حولا ثم ما يحس به في الأعضاء من إطاقتها له يسمى قوة ثم ما يظهر عليه من العمل بصورة البطش والتناول يسمى قدرة ولهذا كان لا حول ولا قوة إلا بالله كنزا من كنوز الجنة لأنها تدل على رجوع الأمور كلها إليه تعالى قال ابن حجر لأنك إذا نفيت عن غيره المرتبتين الأوليين فأولى أن تنفي عنه الثالثة وفيه نظر لأن الثالثة وهي القدرة لما كانت ظاهرة النفي عن غيره وما احتاج في النفي إلى ذكره لأن أحدا من السفهاء فضلا من العلماء لم يتوهم أن لنفسه قدرة بخلاف الحول والقوة حيث قد ينشأ عن الجهل والغفلة نسبتهما إلى أنفسهم كما زعمت المعتزلة فدفع وهمهم وأبطل فهمهم ولما كانت المرجئة وقعوا في التعطيل وبمطلق التنزيه ضد وقوع المعتزلة في التشبيه أثبت لهم بقوله إلا بالله لتكون الحجة لله وهو مرتبة الجمع المستفاد


من قوله تعالى وما رميت إذ رميت الأمثال كما يومىء إليه قوله عز وجل إياك نعبد وياك نستعين فتقربك به منه تعلقا أن تسقط التدبير وتترك منازعة التقدير فإنه لا يقبل التغيير ولا تحوم حول الدعوى ولا تبالي من هموم الدنيا وتخلقا أن تكون قويا في ذات الله تعالى حتى لا تخاف في سبيل الله لومة لائم المتين من المتانة والشدة ومرجح هذين إلى الوصف بكمال القدرة وشدة القوة فالله تعالى من حيث أنه بالغ القدرة ودائمها قوي ومن حيث أنه شديد القوة متين وقيل المتين من المتانة وهي استحكام الشيء بحيث لا يتأثر أي هو الذي يؤثر ولا يتأثر والغالب الذي لا يغالب ولا يغلب ولا يحتاج في قوته إلى مادة وسبب كما قال تعالى إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين الذاريات وهو تعالى إن أراد إهلاك عبد أهلكه بيده أما ذبحا وخنقا وإما حرقا وغرقا ولهذا قال الأستاذ أبو علي الدقاق خف من لا يحتاج إلى عون عليك بل لو شاء


إتلافك أخرجك عن نفسك حتى يكون هلاكك على يديك وأنشد إلى حتفي أرى قدمي أراق دمي وحظك منه أن تكون معتمدا عليه ومستندا إليه الولي أي المحب لأوليائه الناصر لهم على أعدائهم من أنفسهم وأهويتهم وما يدعوهم إلى غير لقائه قال تعالى والله ولي المتقين الجاثية وهو الولي الحميد الشورى وقيل معناه المتولي لأمور جميع خليقته يفعل فيهم ما يشاء بحكمته ويحكم ما يريد بعزته أو لأمور عباده من عباده المختصين باجتبائه وإسعاده لقوله تعالى الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور البقرة وحظك منه أنك إذا عرفت أنه ولي المؤمنين لم تتول غيره وغير من يحبه لقوله تعالى ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون المائدة فتحقق بدرجة الولاية الخاصة المشار إليها بقوله عز وجل ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون يونس ومن كلام القشيري من أمارات ولايته تعالى لعبده أن يديم توفيقه حتى لو أراد سوأ أو قصد محظورا عصمه عن ارتكابه ولو جنح إلى تقصير في طاعته أبى ألا توفيقا له وتأييدا وهذا من أمارات السعادة وعكس هذا من أمارات الشقاوة ومن أمارات ولايته أن يرزقه مودة في قلوب أوليائه فإن الله ينظر إلى قلوب أوليائه في كل وقت فإذا رأى في قلوبهم لعبد محلا ينظر إليه باللطف وإذا رأى همة ولي من أوليائه لشأن عبد أو سمع دعاء ولي في شأن شخص يأبى إلا الفضل والاحسان إليه أجرى بذلك سنته الكريمة وسمعت الشيخ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول لو أن وليا من أولياء الله مر ببلدة لنال بركة مروره أهل تلك البلدة حتى يغفر الله لهم ومن خصوصيات الولاية إن أهلها منزهون عن الذل قال تعالى ولم يكن له ولي من الذل الإسراء فأولياء الله تعالى دائما مستغرقون في عز مولاهم في دنياهم وأخراهم رضي الله عنهم وجعلنا منهم بمه وكرمه الحميد أي المحمود المستحق للثناء فإنه الموصوف بكل كمال والمولى لكل نوال المشكور


بكل فعال فهو المحمود المطلق قال تعالى وإن من شيء ألا يسبح بحمد الإسراء ببيان المقال أو بلسان الحال وقيل حمد الله عز وجل نفسه بالثناء الذي يليق به أزلا وبحمده عباده ألهمهم به أبدا فهو المستحق للحمد سرمدا بل في الحقيقة هو الحامد وهو المحمود كما يدل عليه صيغة الفعيل أن يكون بمعنى الفاعل والمفعول ولذا قال أحمد الحامدين سبحانك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وحظك منه كما قال صاحب الحكم المئمن يشغله الثناء على الله عن أن يكون لنفسه شاكرا وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحقوقه ذاكرا فتقربك به تعلقا كثرة حمدك له في جميع الأحوال وتخلقا بأن تجتهد في التحلي بمحامد الصفات والأفعال قال القشيري حمدا لعبد الله تعالى الذي هو شكره ينبغي أن يكون على شهود المنعم لأن حقيقة الشكر هي الغيبة بشهود المنعم عن شهود النعمة وقيل إن داود عليه الصلاة والسلام قال في مناجاته إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي فأوحى الله إليه إنك الآن قد


شكرتني ومن هنا قيل العجز عن الشكر شكر كما قيل العجز عن درك الإدراك إدراك ثم كم من عبد يتوهم أنه في نعمة يجب عليه شكرها وهو على الحقيقة في محنة يجب عليه الصبر عنها فإن حقيقة النعمة ما يوصلك إلى المنعم لا ما يشغلك عنه فالنعمة لا تكون إلا دينية نعم إذا كان معها راحات دنيوية فهو نور على نور وسرور على سرور ومنه دعاء لسيد الشاذلي اللهم يسر أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا ثم إن وجد التوفيق للشكر بصرف النعمة فيما خلقت له فيها ونعمت وإلا انقلبت المنحة محنة ولذا فسر البلاء بالنعمة والنقمة في قوله تعالى في ذلكم بلاء من ربكم عظيم الأعراف وقال عز وجل وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا الإسراء فهو كالنيل ماء للمحبوبين ودماء للمحبوبين المحصي أي العالم الذي يحصى المعلومات ويحيط بالموجودات إحاطة العادة بما يعد والضابط بما يضبطه إجمالا وتفصيلا والعبد وإن أمكنه أحصاء بعض الممكنات والوصول إلى بعض المعدودات لكنه يعجز عن إحصاء أكثرها وضبط غاليها فجهله أكثر من علمه ولذا قال تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا الإسراء فينبغي له أن يحصى ما قدر عليه من أعمال نفسه قبل أن يحصى ويتلافى مقابح أعماله قبل أن يستقصى وقيل معناه القادر الذي لا يشذ عنه شيء من المغدورات فمرجعه إلى صفة العلم أو القدرة وحظك منه أن لا يقع منك غفلة في سكون وحركة ولحظة ولمحة وتقربك منه تعلقا أن تحاسب نفسك في جميع أنفاسك بأن لا يوجد فيها نفس إلا في طاعة لما ورد أنه ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها ولما قيل الدنيا ساعة فاجعلها طاعة وتخلقا أت تتكلف عدا النعم التي أوصلها إليك لتعرف عجزك عن شكر ما عليك قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصرها إبراهيم أي لا تطيقوا عدها فضلا عن شكرها رؤى بعضهم أنه يعد تسبيحا له فقيل له أتعد عليه قال لا ولكن أعد له فيجب أن يراعي أيامه ويعد


آثامه فيشكر جميل ما يوليه ويتعذر عن قبيح ما يأتيه ويذكر الأيام الخالية عن الطاعات ويتأسف على الأزمنة الماضية في الغفلات وقد قيل لا أنفس من الوقت إذ ما من نفيس غيره إلا ويمكن تعويضه بخلافه ومن المشهور قولهم الوقت سيف قاطع والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك إن لم تقطعه بالعبادة قطعك بالبطالة وقولهم الصوفي ابن الوقت وأبو الوقت والفرق بينهما دقيق وبغير هذا المحل حقيق المبدىء بالهمزة ويجوز إبداله وقفا وهو المظهر للكائنات من العدم إلى الوجود من باب الكرم والجود فهو بمعنى الخالق أو هو المنشىء للأشياء ومخترعها من غير مثال سبق وهو الأنسب بمقابلة قوله المعيد أي الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا وبعد الممات إلى الحياة في الأخرى وقال الطيبي وهو المعيد للمحدثات بعد انعدام جواهرها وأعراضها خلافا لمن قال الإعادة خلق مثله لا إعادة عينه وذلك إذا كان مقدورا قبل أن خلقه فإذا عدم بعد وجوده أعاد إلى ما كان قبله عليه ويجوز أن تكون الإعادة جمع الأجزاء المتفرقة من المكلفين فإذا بعث الخلق وحشرهم فقد أعادهم ا ه واختلف في كيفية الإعادة فذهب


طائفة من الكرامية إلى أن الجواهر لا تنعدم بل تتفرق ثم يجمعها الله سبحانه ويؤلفها على المنهاج الأول والحق إنها تنعدم إلا بعضا منصوصا عليه ثم تعاد بعينها الظاهر قوله عليه الصلاة والسلام كل ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب والمسئلة ظنية كما صرح به الغزالي وقال ابن الهمام والحق إعادة ما انعدم بعينه وتأليف ما تفرق ا ه والظاهر أن هذا في حق غير الأنبياء فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وكذا الشهداء فإنهم أحياء فالإعادة بالنسبة إليهم إعادة أرواحهم إلى أشباحهم ثم قيل أنهما اسم واحد لأن معنى الأول يتم بالثاني ومرجعهما إلى صفات الأفعال ا ه والمعنى أن بينهما تعلقا لا يقبل الانفكاك نظير ما تقدم من الأسماء كالخافض والرافع وكذا المعز والمذل والقابض والباسط وشبيه ما سيأتي من الصفات المتقابلة كالمحيي والمميت والمقدم والمؤخر فلا يردن أن قوله هما اسم واحدنا في النص وحظك منهما أنك إذا شهدت أنه المبدىء المعيد رجعت في كل شيء إليه أولا وثانيا لأن كل شيء منه بدأ وإليه يعود وهو المقصود من ظهور كل موجود ففي كل شيء له ففي كل شيء له شاهد يدل على أنه واحد وتقربك بهما تعلقا بالتوجه إليه في كل مرمى والتعوذ به من كل مهوى وتخلقا أن تعود بالنظر إلى البداية وترد النفس منها إلى الهداية ولذا قيل النهاية هي الرجوع إلى البداية المحيي المميت هما يرجعان إلى صفة الأفعال قال تعالى خلق الموت والحياة الملك ومنه قوله تعالى ويحيي الأرض بعد موتها الروم يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي يونس وقرأ عليه السلام هذه الآية عند رؤية عكرمة بن أبي جهل عند تشرفه بالاسلام إشارة إلى أنه تعالى هو الذي يحيي القلوب بالايمان والاسلام والعلوم والمعارف كما أنه يميتها بالجهالة والضلالة واللهو والمعازف ومنه قوله تعالى ومن كان ميتا فأحييناه الأنعام وقوله عليه السلام مثل الذي يدكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت ومن كلامهم هو


من أحياء قلوب العارفين بأنوار معرفته وأرواحهم بألطاف مشاهدته وأمات القلوب بالغفلة والنفوس بالشهوة فهو تعالى خالق الحياة ومديمها ومقدر الموت الذي عديمها ومن المجاز في هذا المعنى قوله الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه البعث والنشور وقال الطيبي الأحياء خلق الحياة في الجسم والأمانة إزالتها عنه فإن قلت الموت عدم الحياة والعدم لا يكون بالفاعل قلت العدم الأصلي كذلك فأما العدم المتجدد فهو بالفاعل ولكن الفاعل لا يفعل العدم وإنما يفعل ما يستلزمه قال تعالى وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم البقرة أسند الموت الثاني إلى فعله دون المت الأول والمراد به العدم الأصلي وحظك منهما أن لا تهتم بحياة ولا موت بل تكون مفوضا مستسلما لأمره وقضائه وقدره قائلا ما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام اللهم أحيني ما كانت الحياة خير إلي وتوفني إذا كانت الوفاة خير إلي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل


شر قال القشيري رحمه الله من أقبل عليه الحق أحياه ومن أعرض عنه أماته وأفناه ومن قربه أحياه ومن غيبه أماته وأفناه ثم أنشد أموت إذا ذكرتك ثم أحيا فكم أحيا عليك وكم أموت الحي أي ذو الحياة الأزلية والأبدية وهو الفعال الدارك قال الطيب ذهب أكثر أصحابنا والمعتزلة إلى أنها صفة حقيقية قائمة بذاته لأجلها صح لذاته أن يعلم ويقدر وذهب آخرون إلى أن معناها أنه لا يمتنع منه أن يعلم ويقدر هذا في حقه تعالى وأما في حقنا فعبارة عن اعتدال المزاج المخصوص بجنس الحيوان وقيل هي القوة التابعة له المعدة لقبول الحس والحركة الإرادية وحظ العبد منه أن يصير حيا بالله حتى لا يموت لأن أولياء الله لا يموتون ولكن ينتقلون من دار إلى دار كما قال تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم آل عمران الآية قال القشيري وإذا علم العبد أنه تعالى حي لا يموت وعالم وقد يرصح توكله عليه ولذا قال تعالى وتوكل على الحي الذي لا يموت الفرقان لأن من اعتمد على مخلوق واتكل عليه ليوم حاجته احتمل وفاته وقت حاجته إليه فيضيع رجاؤه وأمله لديه وحينئذ فتقربك به تعلقا أن تكون بين يديه كالميت بين يدي الغاسل وتخلقا أن تحيي القلوب بأنوار معرفتك والأرواح بأسرار مشاهدتك القيوم أي القائم بنفسه المقيم لغيره فهو على العموم والاطلاق لا يصح إلا الله تعالى فإن قوامه بذاته لا يتوقف بوجه ما على غيره وقوام كل شيء به إذ لا يتصور للأشياء وجود ودوام إلا بوجوده تعالى وللعبد فيه مدخل بقدر استغنائه عما سوى الله وإمداده للناس وكان مفهومه مركبا من نعوت الجلال وصفات الأفعال قال القشيري من عرف أنه القيوم استراح عن كد التدابير وتعب الاشتغال وعاش براحة التفويض فلم يضن بشيء بتكريمه ولم يجعل في قلبه للدنيا كثرة قيمة وهو فيعول للمبالغة كالديوم قال السهر وردي قيوم لا يعتريه الزيادة والنقصان والتغير فالزيادة لقصور عن الغاية والنقصان لتخلف عن


النهاية وهو خالق الغايات والنهايات الواجد بالجيم أي الذي يجد كل ما يريده ويطلبه ولا يفوته شيء وقيل معناه الغنى مأخوذ من الوجد قال تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم الطلاق كذا ذكره الطيبي وظاهره أن المعنى الثاني أعم من الأول وأما قول ابن حجر وهذا مرادف للمعنى الأول لا مغاير له خلافا لما يوهمه كلام الشارح فوهم منه وسهو عنه قال القشيري الوجد عند القوم ما يصادفونه من الأحوال من غير تكلف ولا تطلب قال الثوري الوجد لهيب ينشأ في الأسرار وينسلخ عن الشوق فتضطرب الجوارح طربا أو حزنا عند ذلك الوارد وقيل الوجد وجود نسيم الحبيب كقوله تعالى إني لأجد ريح يوسف يونس قلت وكما هو المشهور على ألسنة الصوفية وإن لم أره في الكتب الحديثية وإني لأجد نفس الرحمان من قبل اليمن والله أعلم الماجد من المجد وهو سعة الكرم ونهاية الشرف قال ابن حجر هو بمعنى المجيد إلا أن في المجيد مبالغة ليست في هذا من المجد ا ه وفيه من الإيهام ما لا يخفى والتحقيق أن صفاته في غاية من الكمال سواء تكون بصيغة المبالغة كمجيد وعليم أو ل


كماجد وعالم نعم ما ذكر إنما هو باعتبار المبنى لا من حيثية أصل المعنى بقي أن ظاهره للتكرار والمحققون لا يرضون بذلك والذي خطر ببالي أن نكتة إعادته أنه مقابل للأسم الذي قبله ولذا ورد أنه رأى جبريل متشبثا بأستار الكعبة قائلا يا واجد يا ماجد لا تزل عني نعمة أنعمت بها علي الواحد وفي نسخة بزيادة الأحد بعده قال الطيبي في جامع الأصول لفظ الأحد بعد الواحد ولم يوجد في جامع الترمذي والدعوات للبيهقي ولا في شرح السنة ومعنى الواحد إنه لا يتجزأ في ذاته ولا نظير له في صفاته وليس له شريك في فعاله ا ه وقال بعض شراح المصابيح الواحد المتفرد بالذات لا شريك له والاحد المتفرد بالصفات لا يشاركه أحد في صفاته وقيل الوحدة تطلق ويراد بها عدم التجزئة والانقسام ويكثر إطلاق الواحد بهذا المعنى وقد يطلق بإزاء التعدد والكثرة ويكثر إطلاق الأحد بهذا المعنى والله سبحانه وتعالى من حيث أنه متعال عن أن يكون له مثل فيتطرق إلى ذاته التعدد والاشتراك أحد ومن حيث أنه منزه عن التركيب والمقادير لا يقبل التجزئة والانقسام واحد وهذا القول أظهر والله أعلم قال الطيبي الواحد والأحد مأخوذان من الوحدة فإن أصل أحد وحد بفتحتين فأبدلت الواو همزة والفرق بينهما من حيث اللفظ من وجوه الأول أن أحدا لا يستعمل في الاثبات على غير الله فيقال الله أحد ولا يقال زيد أحد كما يقال زيد واحد وكأنه بنى لنفى ما يذكر معه من العدو والثاني أن نفيه يعم ونفي الواحد قد لا يعم ولذا صح أن يقال ليس في الدار واحد بل فيها اثنان ولا يصح ذلك في أحد والثالث أن الواحد يفتح به العدد فيقال واحد اثنان ثلاث الخ ولا كذلك أحد فلا يقال أحد اثنين والرابع أن الواحد يلحقه التاء بخلاف الأحد والفرق بينهما من حيث المعنى أيضا من وجوه الأول أن أحدا من حيث البناء أبلغ من واحد لأنه من الصفات المشبهة التي بنيت لمعنى الثبات والثاني أن الوحدة تطلق ويراد بها عدم التجزئة تارة ويراد


بها عدم التثنى والنظير أخرى كوحدة الشمس والواحد يكثر إطلاقه بالمعنى الأول والأحد يغلب استعماله في المعنى الثاني ولذا لا يجمع أحد قال الأزهري سئل أحمد بن يحيى عن الآحاد أنه جمع أحد فقال معاذ الله ليس للأحد جمع ولا يبعد أن يقال أنه جمع واحد كالاشهاد في جمع شاهد ولا يفتح به العدد وإليه أشار من قال الواحد للوصل والأحد للفصل فمن الواحد وصل إلى عباده ما وصل من النعم ومن الأحد فصل منهم ما فصل من النقم قلت ولعل هذا وجه الاكتفاء به في هذا المقام لأن فصل النقم يندرج في وصل النعم والثالث ما ذكره بعض المتكلمين وهو أن الواحد باعتبار الذات والأحد باعتبار الصفات يعني باعتبار أنه لا نظير له ولا شبيه في صفاته ويمكن أن يكون هذا سبب عدم ذكره لأنه بظاهره ينافي تعدد الأسماء وغلب عليه الواحد باعتبار المعنى للإكتفاء وحظ العبد أن


يغوص لجة التوحيد ويستغرق في بحر التفريد حتى لا يرى من الأزل إلى الأبد غير الواحد الأحد قال القشيري التوحيد ثلاثة توحيد الحق تعالى نفسه وهو علمه بأنه واحد وكذا أخباره قلت كقوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو آل عمران وتوحيد الحق للعبد وهو إعطاؤه التوحيد له والتوفيق به وقلت وإليه الإشارة بقوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله محمد وتوحيد العبد للحق وهو أن يشرك به شيئا قلت وإليه الإشارة بقوله تعالى هو الله الذي لا إله إلا هو الحشر وقال الجنيدي التوحيد إفراد القدم من الحدث وقيل التوحيد إسقاط الإضافات بنور الخلق لظهور الحق وحظك منه أن تفرد قلبك له لقوله أن الله وتر يحب الوتر قبل الوتر هنا القلب المنفرد له تعالى قال الشاعر إذا كان من تهواه في الحسن واحدا فكن واحدا في الحب إن كنت تهواه الصمد أي السيد إنتهى إليه السود وقيل الذي لا جوف له فهو الذي يطعم ولا يطعم وقيل هو المنزه عن أن يعرض له حاجة أو يعتريه آفة وقيل الباقي الذي لا يزول وقيل الدائم وقيل غير ذلك وقيل الذي يصمد إليه الرغائب ويقصد إليه في النوائب وهو المعتمد ومن كان يقصده الناس فيما يعن لهم من مهام دينهم ودنياهم فله حظ من الوصف ومن رسخ في التوحيد وصار متصلبا في الدين لا يتزلزل بتقادم الشبهات وتعاقب البليات فقد حظى منه قال القشيري رحمه الله من حق من عرفه بهذا الوصف إن يعرف نفسه بالفناء والزوال وشد الإرتحال ويلاحظ الكون بعين الفناء والإنتقال فيزهد في حطامها ولا يرغب في حلالها فضلا عن حرامها ومن حق من يعرف أنه يطعم ولا يطعم أن يوجه رغباته عند مآربه إليه ويصدق توكله في جميع حالاته فلا يهتم في رزقه وكما أنه لم يستعن بأحد من خلقه كذلك لا يشاركه في رزقه وإذا عرف إنه يصمد إليه في الحوائج شكا إليه حاجته وفاقته ورفع إليه وتعلق بجميل تصرفه وتقرب بصنوف توسله القادر المقتدر معناهما ذوا القدرة إلا أن المقتدر أبلغ لما في البناء من معنى


التكلف وإلا اكتساب فإن ذلك وإن إمتنع في حقه تعالى حقيقة لكنه يفيد المعنى مبالغة فمن قال باستواء الاسمين في المعنى المراد حق لأن المراد بهما البالغ في القدرة وأما قول ابن حجر زعم استواء الإسمين في المعنى المراد بعيد فبعيد لإن الكرم في المعنى والإختلاف في المبنى مع إنه ذكر بنفسه إن معنى التكلف والإكتساب مستحيل في حقه تعالى فبين كلاميه مناقضة ظاهرة وقيل المراد من وصفه تعالى بهما نفى العجز عنه فيما يشاء ويريد ومحال إن يوصف بالقدرة المطلقة غير الله تعالى وإن أطلق عليه لفظا قال الطيبى ومن حقهما أن لا يوصف بهما مطلقا غير الله فإنه القادر بالذات والمقتدر على جميع الممكنات وما عداه فإنما يقدر بأقداره على بعض الأشياء في بعض الأحوال فحقيق به أن لا


يقال له إنه قادر الإ مقيدا أو على قصد التقيد المقدم المؤخر معناهما هو الذي يقرب ويبعد ومن قربه فقد قدمه ومن بعده فقد أخره وقيل هو الذي يقدم الأشياء بعضها على بعض إما بالذات كتقديم البسائط على المركبات وإما بالوجود كتقديم الأسباب على المسببات أو بالشرف والقربة كتقديم الأنبياء والصالحين على من عداهم أو بالمكان كتقديم الأجسام العلوية على السفلية أو بالزمان كتقديم الأطوار والقرون بعضها على بعض ومن كلام بعض العارفين المقدم من قدم الأبرار بفنون المبار والمؤخرين أخر الفجرة وشغلهم بالإغيار وحظ العبد منه أن يهم بأمره فيقدم الأهم فالأهم وأن يكون بين الخوف والرجاء الأول أي الذي لا بداية لأوليته الآخر أي الباقي بعد فناء خليقته ولا نهاية لآخريته فمنه الأمر بداو إليه يعود هو المقصود في مراتب الوجود الظاهر الباطن أي الذي ظهر ظاهر وجوده بالآيات الباهرة واحتجب كنه ذاته عن العقول الماهرة وقيل الظاهر الذي ظهرت شواهد وجوده يخلق السموات والأرض وما بينهما وقيل هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلا عليه وقيل هو الذي عرف بطريق الإستدال العقلي بما ظهر من آثار افعاله وأوصافه والباطن هو المحتجب عن بصر الخلق ونظر العقل بحجب كبريائه فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم وقيل هو العالم بما بطن يقال بطنت الأمر اذا عرفت باطنه وقبل الظاهر بنعمته الباطن برحمته وقيل الظاهر لقوم فلذلك وحدوه والباطن عن قوم فلذلك حجدوه وقيل الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر بالقدرة والباطن عن الفكرة وقيل الأول بلا مطلع والآخر مقطع والظاهر بلا اقتراب والباطن بلا احتجاب ولعل الأتيان بها في الآية بالواو والعاطفة إشارة إلى المرتبة الجمعية وإشعارا برفع وهم التناقضية ولذا قال بعضهم إنما خفي تعالى مع ظهوره لشدة ظهوره سبب لبطونه ونوره حجاب ونوره وكل ماجاوز عن حده انعكس على ضده وفي الحكم أظهر وجود كل شيء لأنه الباطن وطوى وجود شيء إلا إنه الظاهر


الوالي أي الذي تولى الأمور وحكمها بالأحزان والسرور المنعالي بمعنى العلى بنوع من المبالغة وقيل البالغ في العلو والمرتفع عن النقائص البر أي المحسن البالغ في البر والإحسان قال القشيري رحمه الله من كان الله تعالى بارابه عصم عن المخالفة نفسه وأدام بفنون اللطائف أنه وطيب فؤاده وحصل مراده وجعل التقوي زاده وأغناه عن أشكاله بافضاله وحماه عن مخالفته بيمن أقباله فهو ملك لا يستتظهر بجيش وعدد وغنى لا يتمول بمال وعدد وفي الحكم متى أعطاك أشهدك بره ومتى منعك أشهدك قهره فهو في كل ذلك يتعرف إليك ويقبل بوجود لطفه عليك التواب أي الذي يرجع بالإنعام على كل مذنب رجع إلى التزام الطاعة بقبول توبته من التوب وهو الرجوع وقيل هو الذي يبسر للمذنبين أسباب التوبة ويوفقهم لها فسمى المسبب للشيء باسم المباشر له وقيل الذي يقبل توبة عباده مرة بعد أخرى ومن حظ العبد منه أن يكون واثقا بقبول التوبة غير آيس من نزول الرحمة ويصفح عن المجرمين ويقبل عذر المعتذرين قال القشري توبة الله على العبد توفيقه للتوبة إبتداء التوبة وأصلها من الله وكذلك إتمامها على الله تعالى ونظامها بالله نظامها في الحال وتمامها في المآل ولولا أن الله يتوب على العبد متى


كان للعبد توبة قال تعالى ثم تاب عليهم ليتوبوا التوبة المنتقم أي المعاقب للعصاة على مكروهات أفعالهم افتعال من نقم الشيء إذا كرهة غاية الكراهة وهو لا يحمد من العبد إلا إذا كان انتقامه لله ومن أعداء الله وأحق الأعداء بالإنتقام نفسسه فينتقم منها مهما فارقت معصية أو تركت طاعة بإن يكلفها خلاف ما حملها عليه العفو فعول من العفو وهو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي وهو أبلغ من الغفور لأن الغفران ينبىء عن الستر والعفو ينبىء عن المحو وأصل العفو القصد لتناول الشيء سمى به المحو لأنه قصد لازالة المحو قال القشيري من عرف أنه تعالى عفو ومن طلب عفوه وتجاوز عن خلقه فإن الله تعالى بذلك أدبهم وإليه ندبهم بقوله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون إن يغفر الله لكم النور الرؤوف أي ذو الرأفة وهي شدة الرحمة وهو أبلغ من الرحيم بمرتبة ومن الراحم بمرتبتين كذا ذكره الطيبى وصحف ابن حجر الراحم بالرحمن واعتراض عليه بقوله وهو عجيب من الشارح لأنه إنما يأتي على إن الرحيم أبلغ من الرحمن وهو قول ليس بمشهور حكى إن انسانا تجنب عن الصلاة على جار له مات لكونه كان شريرا فرؤى في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي وقال قل لفلان لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا الامسكتم خشية الإنفاق مالك الملك هو الذي ينفذ مشيئته في ملكه يجري الأمور فيه على ماشاء إيجاد واعد ما وابقاء وإفناء لامرد لقضائه ولا معقب لحكمه قال الشاذلى قف بباب واحد لا ليفتح لك الأبواب واخضع لك واحد لا ليخضع لك الرقاب قال تعالى وإن من شيء الأ عندنا خزائنه حجر ذو الجلال والأكرام قيل هو الذي لا شرف ولا كمال إلا هو له ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي منه فالجلال له في ذاته والا كرام منه فائض على مخاوقاته وفي الحديث الظوابيا ذا الجلال والاكرام قيل لأنه الاسم الأعظم الذي إذا ادعى به أجاب المقسط يقال قسط إذا جارو منه قوله تعالى وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا الجن


وأقسط إذا عدل وأزال الجور فهو الذي ينتصف للمظلومين من الظالمين ويدفع بأس الظلمة عن المستضعفين ومنه قول تعالى إن الله يحب المقسطين الحجرات وأما قوله تعالى وأقيموا الوزن بالقسط الرحمان أن بالعدل فهو اسم مصدر لأقسط لا مصدر لقسط لتضاد معناهما الجامع أي الذي جمع بين أشتات الحقائق المختلفة والمتضادة متجاورة ومتمازجة في الأنفس والآفاق وقيل الجامع لأوصاف الحمد والثناء وأقول هو كما قال جامع الناس ليوم لاريب فيه فمن مجمع بين العلم والعمل ووافق الكمالات النفسانية بالآداب الجسمانية فله حظ من ذلك وقال القشيري وقد يجمع اليوم قلوب أوليائه إلى شهود تقديره حتى يتخلص من أسباب التفرقة فيطيب عيشه اذ لاراحة للمؤمن دون لقاء الله فلا يرى الوسائط ولا ينظر إلى الحادثات


بعين التقدير فإن كان نعمة علم أن الله هو المعطي لها ومنحيها وإن كان شدة علم أن الله الكاشف لها ومزيحها الغني أي المستغني بذاته وصفاته عن كل شي في كل شيء قال تعالى يا أيها الناس أنتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد فاطر الحمد المغني أي الذي يغني من يشاء من عباده بما شاء وقيل هو الذي أغنى حوائض عباده عما سواه بإن لم يبق لهم حاجة الإ إليه قال القشيري إن الله يغنى عباده بعضهم عن بعض على الحقيقة لأن الحوائج لا تكون إلا إلى الله فمن أشار إلى الله ثم رجع عند حوائجة الى غير الله ابتلاه الله بالحاجة إلى الخلق ثم ينزع الرحمة من قلوبهم ومن شهد محل افتقاره إلى الله فرجع إليه بحسن العرفان أغناه الله من حيث لا يحتسب وأعطاء من حيث لا يرتقب وأغناء الله العباد على قسمين فمنهم من يغنيه بتنمية أمواله ومنهم من يغنيه بتصفية أحواله وهذا هو الغني الحقيقى المانع أي الدافع لأسباب الهلاك والنقصان في الأبدان ولأديان وقيل هو من المنعة أي يحوط أولياء وينصر أصفياءه وقيل من المنع أي يمنع من يستحق المنع ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وقال ابن عطاء ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك قال ابن حجر وفي رواية المعطي المانع قال القشيري المانع في وصفه تعالى يكون بمعنى منع البلاء عن أوليائه ويكون بمعنى منع العطاء عمن شاء من أوليائه وأعدائه وقد يمنع المنى والشهوات عن نفوس العوام ويمنع الأرادت والاختيارات عن قلوب الخواص وهو من أجل النعم التي يخص بها عباده المقربين ويكرم به أولياءه العارفين الضار النافع هما بمنزلة وصف واحد وهو القدرة الشاملة للضر والنفع أو خالق الضر والنفع او الذي يصدر عنه النفع والضر اما بوسط أو بغير وسط قال القشيري وفي معنى الوصفين إشارة إلى التوحيد وهو إنه لا يحدث شيء في ملكه إلا بايجاده وحكمته وقضائه وارادته ومشيئته فمن استسلم لحكمه فهو عائش في الراحة ومن


آثر اختيار نفسه وقع في كل آفة وقد ورد عن الحق تعالى أنه قال إنا الله لا إله إلا إنا من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر على نعمائي كان عبدي حقا ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر على نعمائي فليطلب ربا سواي النور أي الظاهر بنفسه المظهر لغيره وقيل هو الذي يبصر بنوره ذو العماية قال القشيري في قوله تعالى الله نور السموات والأرض النور ينور الآفاق بالنجوم والقلوب بفنون المعارف وصنوف العلوم والأبدان بآثار الطاعات لإن العبادة زينة النفوس والأشباح والمعارف زينة القلوب والأرواح والتأييد بالمواقفات نور الظواهر والتوحيد بالمواصلات نور السرائر وإن الله تعالى يزيد قلب العبد نورا على نور قوله يهدي الله لنوره من يشاء النور أي يهدي الله القلوب إلى محاسن الأخلاق ينور الحق ويصطفيه ويترك الباطل ويدع ما يستدعيه الهادي هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى خاصة خلقه إلى


معرفة ذاته فاطلعوا بها على معرفة مصنوعاته فيكون أول معرفتهم بالله ثم يعرفون غيره به وهدى عامة خلقه إلى مخلوقاته فأستشهدوا بها على معرفة ذاته وصفاته فيكون أول معرفتهم بالأفعال ثم يرتفعون بها الى الفاعل فالثاني مريدو الأول مراد والله رؤوف بالعبادة وإلى المرتبة الأولى الإشارة بقوله تعالى أو لم يكف بربك إنه على كل شيء شهيد فصلت خطابا منه عليه الصلاة والسلام وهو معرفة الأقوياء من خواص عباده الأصفياء واليها الإيمان بقوله عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي ولولا الله ما اهتدينا وإلى الثانية الإشارة بقوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم إنه الحق فصلت وبقوله عز وجل أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء لإعراف قال القشيري في قوله تعالى يهديهم ربهم يونس يكرم أقواما بما يلهمهم من جميل الأخلاق ويصرف قلوبهم إلى ابتغاء ما فيه رضا الخلاق ويدلهم على استصغار قدر الدنيا حتى لا يسترقهم ذل الطمع من الوقوف على غير باب المولى والهداية إلى أحسن الخلق ثاني الهداية إلى إعتقاد الحق لأن الدين صدق مع الحق وخلق مع الخلق البديع أي المبدع الذي أتى بما لم بسبق إليه فعيل بمعنى مفعل أو الذي أبدع الأشياء أي أو جدها من العدم أو هو الذي لم يعهد مثله فالله هو البديع مطلقا لإنه لا مثل له في ذاته ولا نظير له في صفاته قبل من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا ونطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة وقال القشيري أصول مذهبنا ثلاثة الأقتداء بالنبي في الأخلاق والأفعال وإلأكل من الحلال وصدق المقال وإخلاص النية في جميع الأعمال وقال من داهن مبتدعا سلب الله حلاوة السنن من عمله ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله الإيمان من قلبه الباقي أي الدائم الوجود الذي لا يقبل الفناء القشيري حقيقة الباقي من له البقاء ولا يجوز أن يكون الباقي باقيا ببقاء غيره ومما يجب إن تشتد به العناية أن


يتحقق العبد أن المخلوق لا يجوز أن يكون متصفا بصفات ذات الحق تعالى فلا يجوز أن يكون العبد عالما بعلم الحق ولا قادرا بقدرته ولا سميعا بسمعه ولا بصير ببصره ولا باقيا ببقائه لأن الصفة القديمة لا يجوز قيامها بالذات الحادثة كما لا يجوز قيام الصفة الحادثة بالذات القديمة وحفظا هذا الباب أصل التوحيد وإن كثيرا ممن لا تحصيل له ولا تحقيق زعموا إن العبد يصير باقيا ببقاء الحق سميعا بسمعه وبصيرا ببصره وهذا خروج عن الدين وانسلاح عن الإسلام بالكلية وربما تعلقوا في نصرة هذه المقالة الشنيعه بما روى في الخبر فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا فبي يسمع وبي يبصر ولا إحتجاج لهم في ظاهره إذا ليس فيه إنه يسمع بسمعى ويبصر ببصرى بل قال بي يسمع وبي يبصر قال النصرا بأذى الله تعالى باق ببقائه والعبد باق بإبقائه ولقد حقق رحمة الله وحصل وأخذ عن كمية المسئلة وفصل الوارث الباقي بعد فناء العباد وخراب البلاد حين يقول لمن الملك اليوم لله الواحد القهار قال تعالى إنا نحن نرث الأرض ومن عليها مريم


ومنه قوله رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين الأنبياء فيرجع إليه الإملاك بعد فناء الملاك وهذا بالنظر العامي وأما بالحقيقة فهو الملك المالك على الإطلاق كما قيل الوارث الذي يرث بلا توريث أحد والباقي الذي ليس لملكه أمد الرشيد أي الذي تنساق تدابيره إلى غايتها على سنن السداد بلا استشارة وإرشاد فهو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم أي هديتهم اليها ودلهم عليها فعيل بمعنى مفعل بمعنى الهادي فيكون إرشاد الله لعبده هداية نفسه إلى طاعته وقلبه إلى معرفته وروحه إلى محبته وسره إلى قربته وأمارة من أرشده الحق لإصلاح نفسه أن يلهمه التوكل عليه والنفويض في سائر أمور إليه جاع ابن أدهم يوما فأمر رجلا برهن شيء معه على مايأ كله فخرج فإذا بإنسان معه بغلة عليها أربعون ألف دينار فسأله عن إبراهيم وقال هذا ميراثه عن أبيه وإنا غلامه فاتى به إليه فقال إن كنت صادقا فأنت حر لوجه الله وما معك وهبته لك فأنصرف عني فلما خرج قال يارب كلمتك في رغيف فصببت على الدنيا فوحقك لئن أمتنى جوعا لم أتعرض لطلب شيء الصبور أي الذي لا يستعجل في مؤاخذة العصاة وهذا قريب من معنى الحليم والفرق بينهما إن المذنب لا يأمن العقو به في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم وقيل هو الذي لا تحمله العجلة على المسارعة في الفعل قبل أوانه والفرق بينه وبين الحليم إن الصبور يشعر بأنه يعاقب في الآخرة بخلاف الحليم وأصل الصبر حبس النفس عن المراد فإستعير لمطلق التأني في الفعل لإنه في الفعل لإنه غايته رواه الترمذي والبيهق في الدعوات الكبير ورواه ابن ماجه والحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحة قال ابن حجر وروى عدد تلك التسعة والتسعين ابن ماجة أيضا لكن بين الروايتين تقديم وتأخير وتبديل وتغير واختلف الحفاظ في أن سردها هو موقوف على الراوى أو مرفوع ورجح الأول بإن تعداها إنما هو مدرج من كلام الراوي لكن الموقوف الذي ليس من قبل الرأي في حكم المرفوع وقال الترمذي


هذا حديث غريب قيل ما من أسم من الأسماء التي في هذا الباب إلا وقد ورد به الكتاب والسنة الصحيحة غير لفظ الصبور فإنه ما وجد إلا في هذا الحديث وفي قوله ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله وعن بريدة أي ابن الحصيب الأسلمى أسلم قبل بدر ولم يشهدها وبايع بيهة الرضوان وكأن من ساكنى المدينة ثم نختول إلى البصرة ثم خرج منها إلى خراسان غازيا إن
رسول الله سمع رجلا الظاهر إنه أبو موسى الأشعري كما سيأتي في الحديث الآتي يقول اللهم اني أسألك بإنك أنت الله لا إله إلا أنت تأكد لما قلبه الأحد أي بالذات والصفات الصمد أي المقصود الكلى والمطلوب الحقيقي الذي لم يلد ولم يولد المنزه عن سمات النقصان والحدوث ولم يكن له كفوا أي مثلا في ذاته وشبيها في صفاته ونظير في أفعاله أحد ولم يذكر المسؤل لعدم الحاجة إليه فقال أي النبي دعا أي الرجل الله باسمه الأعظم قيل الأعظم هنا بمعنى العظيم لأن جميع أسمائه عظيم وقيل كل اسم هو أكثر تعظيما له تعالى فهو أعظم مما هو أقل تعظيما فالرحمن أعظم من الرحيم لأنه أكبر مبالغة ولفظه الله أعظم من الرب لأنه لا شريك له في تسميته لا بالاضافة ولا بغيرها بخلاف الرب الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعى به أجاب أجابة الدعاء تدل على حاجة الداعي عند المجيب فيتضمن قضاء الحاجة بخلاف الأعطاء فالأخير أبلغ ذكره الطيبى رحمه الله وقال في الحديث دلالة على أن لله تعالى اسما أعظم إذا أدعى به أجاب وإن ذلك مذكور ههنا وفيه حجة على من قال كل اسم ذكر بإخلاص تام مع الإعراض عما سواه هو الأسم الأعظم اذ لا شرف للحروف وقد ذكر في أحاديث أخر مثل ذلك وفيها أسماء ليست في هذا الحديث إلا أن لفظ الله مذكور في الكل فيستدل بذلك على أنه الإسم الأعظم ه وهو قول الجمهور وتقدم شرطه رواه الترمذي وأبو داود وكذا ابن ماجه والنسائي وأحمد وابن حبان والحاكم وعن أنس قال كنت جالسا مع النبي في المسجد ورجل يصلي فقال اللهم إني اسألك لعله حذف


المفعول اكتفاء بعلم المسؤل بإن لك تقديم الجار للاختصاص الحمد لا إله إلا أنت المنان أي كثير العطاء من المنة بمعنى النعمة أو النعمة الثقيلة والمنعة مذمومة من الخلق لأنه لا يملك شيئا قال صاحب الصحاح من عليه منا أي أنعم والمنان من أسمائه تعالى ا ه ويجوز أن يكون من المنة أي الله سبحابة كثير الأمتنان على عباده بإيجادهم وإمدادهم وهدايتهم إلى الإيمان وأنواع البر والإحسان وفي نسخة صحيحة الحنان قبل المنان وهو المفهوم من المفاتيح وفي النهاية الحنان أي الرحيم بعباده وعن علي كرم الله وجهه الحنان من يقبل على من أعرض عنه والمنان من يبدأ بالنوال قبل السؤال من كتاب


ابن الصلاح كذا وجدته بخط مولانا إسماعيل الشرواني بديع السموات والأرض يجوز فيه الرفع على إنه صفة المنان أو خبر مبتدأ محذوف أي هو أو أنت وهو أظهر والنصب على النداء ويقويه رواية الواحدي في كتاب الدعاء يابديع السموات كذا في شرح الجزري على المصابيح أي مبدعهما وقيل بديع سمواته وأرضه وفي الصحاح أبدعت الشيء أخترعته لا على مثال سبق يا الجلال والا كرام أي صاحب العظمة والمنة يا حي ياقيوم أسألك أي ولا أسال غيرك ولا أطلب سواك أو أسألك كلما أسأل أو هو تأكيد للأول وهو غير موجود في الحصن فقال النبي دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة قال ابن حجر وفي نسخة والدارمي والله أعلم بصحته قال الجزري في شرحه على المصابيح رواه الأربعة وأحمد وابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة ولفظه لفظ أحمد باسمه الأعظم ولفظ الباقين بإسمه العظيم وزاد ابن ماجه بعد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وزاد ابن حبان الحنان قبل المنان ولم يذكر ابن شيبة ياحي ياقيوم وعن أسماء بات يزيد أي ابن السكن ذكره ميرك ولم يذكرها المؤلف في الأسماء ان النبي قال اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين والهكم اله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وفاتحة آل عمران بالجر على أنها وما قبلها بدلان وجوز الرفع والنصب ووجههما ظاهر ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي وروى الحاكم اسم الله تعالى الأعظم في ثلاث سور البقرة وآل عمران وطه قال القاسم بن عبد الرحمن الشامي التابعي روى أنه قال لقيت مائة صحابي فألتمستها أي السور الثلاث فوجدت أنه الحي القيوم قال ميرك وقرره الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله واحتج بأنهما يدلان على صفات الربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما واختاره


النووي وقال الجزري وعندي أنه لا إله إلا هو الحي القيوم ونقل الفخر أيضا عن بعض أرباب الكشف أنه هو واحتج له بأنه من أراد أن يعبر عن كلام معظم بحضرته لم يقل أنت بل يقول هو ا ه وهنا أقوال أخر في تعيين الاسم الأعظم منها أنه رب أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وأبى الدرداء أنهما قالا اسم الله الأعظم رب رب ومنها الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم نقل هذا عن الإمام زين العابدين أنه رأى في النوم ومنها كلمة التوحيد نقله القاضي عياض عن بعض العلماء ومنها أنه الله لأنه اسم لم يطلق على غيره تعالى ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى ومن ثم أضيفت إليه ومنها الله الرحمن الرحيم ولعل مستنده ما أخرجه ابن ماجة عن عائشة إنها سألت رسول الله أن يعلمها الاسم الأعظم فلم يفعل فصلت ودعت اللهم أني أدعوك الله وأدعوك الرحمن وأدعوك الرحيم وأدعوك بأسمائك الحسنى ما عملت منها وما لم أعلم الخ وفيه أنه قال لها أنه هي الأسماء التي دعوت بها قلت سنده ضعيف وفي الاستدل به ما لا يخفى وقد استوعب السيوطي الأقوال في رسالته وقيل أنه مخفي في الأسماء الحسنى ويؤيده حديث عائشة وأنكر قوم من العلماء ترجيح بعض الأسماء الإلهية على بعض وقالوا ذلك لا يجوز لأنه يؤذن باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل وأولوا ما ورد من ذلك بأن المراد بالأعظم العظيم إذا أسماؤه كلها عظيمة قال أبو جعفر الطبراني اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم وعندي أن الأقوال كلها صحيحة إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه فكأنه يقول كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع لمعنى عظيم وقال ابن حبان الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها نريد الداعي في ثوابه إذا دعابها كما أطلق ذلك في القرآن والمراد به مزيد الثوب للقارىء وقيل المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسمائه تعالى دعابه العيد مستغرقا بحيث لا يكون في خاطره وفكره حالتئذ غير الله


فإنه يحصل له ذلك معنى ذلك من الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه وقال آخرون استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم ولم يطلع عليه أحد وأثبته آخرون واضطربت أقوالهم في ذلك كما ذكرنا بعضها ومنها ما ذكر المصنف بقوله وعن سعد قال قال رسول ا دعوى ذي النون أي صاحب الحوت وهو سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام إذا دعا أي ربه كما في نسخة صحيحة وهو غير موجود في الترمذي لكنه مذكور في الأذكار كذا في المفاتيح وهو ظرف دعوة وهو في بطن الحوت جملة حالية لا إله إلا أنت سبحانك أنى كنت من الظالمين بدل من الدعوة لأنها في الأصل


المرة من الدعاء ويراد بها هنا المدعو به مع التوسل فيه بما يكون سببا لاستجابته لم يدع بها أي بتلك الدعوة أو بهذه الكلمات رجل مسلم في شيء أي من الحاجات إلا استجاب أي الله له ولعله لقوله تعالى فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك تنجي المؤمنين الأنبياء رواه أحمد والترمذي ومختصر قصته عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى بعثه إلى أهل نينوى من أرض الموصل فدعاهم إلى الإيمان فلم يؤمنوا فأوحى الله إليه أن أخبرهم أن العذاب يأتيهم بعد ثلاثة أيام فخرج يونس عليه الصلاة والسلام من بينهم فظهر سحاب أسود ودنا حتى وقف فوق بلدهم فظهر منه دخان فلما أيقنوا أنه سينزل بهم العذاب خرجوا مع أزواجهم وأولادهم ودوابهم إلى الصحراء وفرقوا بين الأولاد والأمهات من الإنسان والدواب ورفعوا أصواتهم بالتضرع والبكاء وآمنوا وتابوا عن الكفر والعصيان وقالوا يا حي حين لا حي لا إله إلا أنت فأذهب الله عنهم العذاب فدنا يونس عليه الصلاة والسلام من بلدهم بعد ثلاثة أيام ليعلم كيف حالهم فرأى من البعيد أن البلد معمور كما كان وأهله أحياء فاستحيا وقال قد كنت قلت لهم أن العذاب ينزل عليكم بعد ثلاثة أيام فلم ينزل فذهب ولم يعلم أنه قد نزل عليهم ورفع عنهم فسار حتى أتى سفينة وركبها فلما ركبها وقفت السفينة فبالغوا في إجرائها لم تجر فقال الملاحون هنا عبد آبق فقرعوا بين أهل السفينة فخرجت القرعة على يونس فقال أنا الآبق فألقى نفسه في البحر فالتقمه حوت بأمر الله وأمره الله أن يحفظه فلبث في بطنه وسار به ءلى النيل إلى بحر فارس ثم إلى دجلة فقال لا إله إلا أنت سبحانك أنى كنت من الظالمين أي أنا من الظالمين بخروجي من بين قومي قبل أن تأذي لي به فاستجاب الله له وأمر الحوت بإلقائه إلى أرض نصيبين بالمدة من بلاد الشام
الفصل الثالث


عن بريدة قال دخلت على رسول الله المسجد عشاء أي وقت عشاء أو صلاة عشاء فإذا للمفاجأة رجل يقرأ ويرفع صوته فقلت يا رسول الله أتقول قال ابن حجرأي أترمي وهو أولى من قول الشارح أي أتعتقد أو أتحكم لرواية شرح السنة أتراه مرائيا ا ه وفيه أن ترى أيضا محتاج إلى تفسير الشارح كما ترى فهو في باب الإيضاح أولى كما لا يخفى هذا أي هذا الرجل مراء أي منافق يقرأ للسمعة والرياء بقرينة رفع صوته المحتمل أن يكون
كذلك قال بل مؤمن منيب أي راجع من الغفلة إلى الذكر لأن الإنابة توبة الخواص فهي أخص من توبة العوام التي هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة قال أي بريدة وأبو موسى الأشعري يقرأ ويرفع صوته أي أيضا وقال الطيبي قيل قال رسول الله والحال أن أبا موسى الخ وقال ابن حجر أي قال بريدة قلت ذلك لرسول الله وأبو موسى أي والحال أنه الذي يقرأ ولا يخفى أن كلا القولين بعيد من المرام والظاهر ما ذكرناه من التقدير في تقرير الكلام وتحرير النظام فإن الرجل الأول منكر غير معروف فيحتمل أن تكون قراءته منكرا من القول وزوروا ولهذا استفهم حاله وبينه وأما أبو موسى الأشعري فمن أجلاء الصحابة فظن الرياء والنفاق به مستبعد جدا إلا أن ثبتت الرواية بأنه هو ثم رأيت ما يؤيد التأويل رواية شرح السنة بعد هذا فعلم من ذلك أن الرجل في صدر الحديث هو أبو موسى ا ه فمحمل قول بريدة عدم معرفته به قبل ذلك فجعل رسول الله يستمع لقراءته ثم جلس أبو موسى لعله في التشهد أو بعد الصلاة يدعو قال ابن حجر علم منه أن قراءته مع رفع صوته كانت وهو قائم فقال أي أبو موسى في دعائه اللهم أنى أشهدك أي أعتقد فيك أنك أنت الله لا إله إلا أنت أحدا صمدا منصوبان على الاختصاص كقوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو إلى قوله قائما بالقسط آل عمران وفي شرح السنة معرفان مرفوعان على أنهما صفتان لله لم يلد أي ليس له ولد فإن القديم لم يكن محل الحادث لم يولد أي ليس له والد ووالدة فإنه


قديم منزه عن الحدوث والتوالد ولم يكن له كفوا أي شبيها ونظيرا أحد أي من الخلائق وهو معنى قوله تعالى ليس كمثله شيء الشورى فقال رسول الله لقد سأل أي أبو موسى الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب وهو تعريف الاسم الأعظم قلت يا رسول الله أخبره بحذف الاستفهام بما سمعت منك أي من مدح دعائه وعلى قول الشارحين أي من مدحه بقوله مؤمن منيب قال نعم فأخبرته بقول رسول الله فقال لي أي أبو موسى فرحا بما ذكرته له أنت اليوم لي أي في هذا الزمان أخ صديق أي الجامع بين الأخوة والصداقة حدثني حال أو استئناف بيان بحديث رسول الله وهذا من رواية الأقران رواه رزين


باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير
تخصيص بعد تعميم من باب ذكر الله تعالى ووقع في نسخة ابن حجر تقديم التهليل على التحميد سهوا وتكلف في توجيهه
الفصل الأول
عن سمرة بن جندب مر مرارا قال قال رسول الله أفضل الكلام أربع أي أفضل كلام البشر لأن الرابعة لم توجد في القرآن ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه ولقوله عليه الصلاة والسلام هي أفضل الكلام بعد القرآن وهي من القرآن أي غاليها ويحتمل أن يتناول كلام الله أيضا فإنها موجودة فيه لفظا إلا الرابعة فإنها موجودة معنى وأفضليتها مطلقا لأنها هي الجامعة لمعاني التنزيه والتوحيد وأقسام الثناء والتحميد وكل كلمة منها معدودة من كلام الله وهذا ظاهر معنى ما ورد وهي من القرآن أي كلها وأما المأثور في وقت أو حال أو نحو ذلك فالاشتغال به أفضل من القرآن وهو أفضل من التسبيح والتهليل المطلق قاله الطيبي وتبعه ابن حجر لأنه عليه الصلاة والسلام قال أفضل الذكر بعد كتاب الله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والموجب لأفضليتها اشتمالها على جملة أنواع الذكر من التنزيه والتحميد ودلالالتها على جميع المطالب الإلهية إجمالا وورد في أحاديث كثيرة أنهن الباقيات الصالحات ولعل وجه تسميتها بالباقيات مع أن كل أعمال الآخرة كذلك مقابلتها للفانيات الفاسدات من المال والبنين في المثل المضروب قبلها إشعارا بأن المال والبنين من أكمل أسباب أرباب الدنيا فالمذكورات من أفضل عبادات أصحاب العقبى فإنها زبدة صفات الله وعمدة كلمات الله قال الطيبي واحتج بهذا الحديث القائل بأن من حلف لا يتكلم اليوم فسبح أو هلل أو كبر أو ذكر الله فإنه يحنث وهو قول بعض العلماء لأن الكل كالام وقال ابن حجر


وفي مذهبنا لا حنث لما في الحديث أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وإنما يصلح فيها التسبيح والتحميد وغيرهما من ذكر الله ا ه وقال علماؤنا لا تعد في العرف كلاما ومبنى الإيمان على العرف سبحان الله تنزيه عن النقصان ونعت الحدثات والحمد لله توصيف بالجلال والجمال ونعوت الكمال ولا إله إلا الله توحيد للذات وتفريد للصفات والله أكبر إثبات الكبرياء والعظمة مع اعتراف بالقصور عن المحمدة قال لا أحصى ثناء عليك وفي رواية لمسلم والترمذي أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله أي أعتقد تنزهه عن كل ما لا يليق بجمال ذاته وكمال صفاته وهذا بمنزلة التخلية ولذا أردفه بما يدل على أنه المنصف بالأسماء الحسنى والصفات العلى المستحق لإظهار الشكر وإبداء الثناء وهو بمنزلة التحلية ولذا قال والحمد لله ولا إله إلا الله ثم أشار إلى أنه متوحد في صفاته السلبية ونعوته الثبوتية ثم أومأ إلى أنه لا يتصور كنه كبريائه وعظمة أزاره وردائه بقوله والله أكبر ثم قال وإن كان هذا الترتيب هو مقتضى مفهوم أهل التأديب والتهذيب لكن لا يضرك بأيهن بدأت قال الطيبي إن الترتيب المذكور هو العزيمة والباقي رخصة قال ابن الملك يعني بدأت بسبحان الله أو بالحمد لله أو بلا إله إلا الله أو بالله أكبر جاز وهذا يدل على أن كل جملة منها مستقلة لا يجب ذكرها على نظمها المذكور لكن مراعاتها أولى لأن المندرج في المعارف يعرفه أولا بنعوت جلاله أعني تنزيه ذاته عما يوجب نقصا ثم بصفات كماله وهي صفاته الثبوتية التي بها يستحق الحمد ثم يعلم أن من هذا صفته لا مماثل له ولا يستحق الألوهية غيره فيكشف له من ذلك أنه أكبر إذ كل شيء هالك إلا وجهه ا ه وهو كلام حسن المبتدأ والمنتهى رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لأن أقول سبحان الله مصدر منصوب بفعل واجب إضماره أي أسبح سبحان الله والحمد لله أي ثابت سواه حمد أو لم يحمد ثولا إلا إلا الله أي موجود أو معبود أو


مقصود أو مشهود والله أكبر أي من أن يعرف كنه كبريائه أحب إلي مما طلعت عليه الشمس أي من الدنيا وما فيها من الأموال وغيرها وغيرها كذا قيل قال ابن حجر فأحب ليس على حقيقته والمعنى أنها أحب إلي باعتبار ثوابها الكثير الباقي من الدنيا بأسرها لزوالها وفنائها وهذا نحو حديث ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها وقال العارف
الجامي أي شمس الوجود وقال ابن العربي أطلق المفاضلة بين قول هذه الكلمات وبين ما طلعت عليه الشمس ومن شرط المفاضلة استواء الشيئين في أصل المعنى ثم يزيد أحدهما على الآخر وأجاب ابن بطال بأن معناه أنها أحب إليه من كل شيء لأنه لا شيء إلا الدنيا والآخرة فأخرج الخبير من ذكر الشيء بذكر الدنيا إذ لا شيء سواها إلا الآخرة وأجاب ابن العربي بما حاصله أن أفعل قد يراد به أصل الفعل لا المفاضلة كقوله تعالى خير مستقر أو أحسن مقيلا الفرقان ولا مفاضلة بين الجنة والنار أو الخطاب واقع على ما استقر في نفس أكثر الناس فإنهم يعتقدون أن الدنيا لا شيء مثلها وأنها المقصود فأخبر بأنها عنده خير مما تظنون أنه لا شيء أفضل منه وقيل يحتمل أن يكون المرادات هذه الكلمات أحب إلى من أن يكون لي الدنيا فأتصدق بها والحاصل أن الثواب المترتب على قول هذا الكلام أكثر من ثواب من تصدق بجميع الدنيا ويؤيده حديث لو أن رجلا في حجره دراهم بقسمها وآخر يذكر الله كان الذاكر لله أفضل ويحتمل أن يكون المراد أحب إلي من جميع الدنيا وقاتنائها وكانت العرب يفتخرون بجمع الأموال رواه مسلم وكذا الترمذي والنسائي وابن أبي شيبة وأبو عوانة وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من قال سبحان الله وبحمده الباء فيه للمقارنة والواو زائدة أي أسبحه تسبيحا مقرونا بحمده أو متعلق بمحذوف عطف الجملة على الأخرى معناه وأتبدىء بحمده أو أثني بثنائه في يوم أي في أجزائه قاله ابن حجر وقال الطيبي أي في يوم مطلق لم يعلم في أي وقت من أوقاته فلا يقيد بشيء منها


مائة مرة قال الطبيب سواء كانت متفرقة أو مجتمعة في مجلس أو مجالس في أول النهار أو آخره إلا أن الأولى جمعها في أول النهار ا ه ولعل أولوية أول النهار للمبادرة والمسارعة إلى الأوراد والأذكار وإلا فيأتي تقييده في الحديث الآتي بالصباح والماء حطت أي سقطت وأزيلت عنه خطاياه أي الصغيرة ويحتمل الكبيرة وإن كانت مثل زبد البحر أي كمية أو كيفية قال ابن الملك هذا وأمثاله كناية يعبر بها عن الكثرة عرفا متفق عليه ومن العجب أن الشيخ الجزري نسب الحديث إلى أبي عوانة في الحصن وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من قال حين يصبح أ


سبحان الله وبحمده مائة مرة وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة أي فيهما بأن يأتي ببعضها في هذا وببعضها في هذا أو في كل واحد منهما وهو الأظهر ليكن كلام النووي الآتي يؤيد الأول وكأنه اعتبر المتيقن الذي هو الأقل لم يأتي أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء أي القائل به وهو قول المائة المذكورة إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه وأجيب عن الاعتراض المشهور بأن الاستثناء منقطع أو كلمة أو بمعنى الواو وقال الطيبي أي يكون ما جاء به أفضل من كل ما جاء به غيره إلا مما جاء به من قال مثله أو زاد عليه قيل الاستثناء منقطع والتقدير لم يأت أحد بأفضل مما جاء به لكن رجل قال مثل ما قاله فإنه يأتي بمساواته فلا يستقيم أن يكون متصلا إلا على تأويل نحو قوله وبلدة ليس بها أنيس وقيل بتقدير لم يأت أحد بمثل ما جاء به أو بأفضل مما جاء به الخ والاستثناء متصل قال الطيبي رحمه الله دل الحديث على أن من زاد على العدد المذكور كان له الأجر المذكور والزيادة فليس ما ذكره تحديد ألا يجوز الزيادة عليه كما في عدد الطهارة وعدد الركعات ا ه ولعل الفرق أن الأول للتشريع والثاني للترغيب قال النووي فيه دليل على أنه فيه دليل على أنه لو قال هذا أكثر من مائة مرة في اليوم كان له هذا الأجر المذكور متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله كلمتان أي جملتان مفيدتان خفيفتان على اللسان أي تجريان عليه بالسهولة ثقيلتان في الميزان أي بالمثوبة قال الطيبي رحمه الله الخفة مستعارة للسهولة شبه سهولة جريان هذا الكلام بما يخف على الحامل من بعض الحمولات فلا يشق عليه فذكر المشبه وأراد المشبه به وأما الثقل فعلى حقيقته لأن الأعمال تتجسم عند الميزان ا ه وقيل توزن صحائف الأعمال ويدل عليه حديث البطاقة والسجلات روى في الآثار أنه سئل عيسى عليه السلام ما بال الحسنة تثقل والسيئة تخف فقال لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها ولذلك ثقلت عليكم فلا يحملنكم


ثقلها على تركها فإن بذلك ثقلت الموازين يوم القيامة والسيئات حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خف عليكم فلا يحملنكم على فعلها خفتها فإن بذلك خفت الموازين يوم القيامة
حبيبتان إلى الرحمن تثنية حببة وهي المحبوبة لأن فيهما المدح بالصفات السلبية التي دل عليها التنزيه وبالصفات الثبوتية التي يدل عليها الحمد وقيل المراد أن قائلها محبوب الله ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير له وخص الرحمن بالذكر للتنبيه على سعة رحمة الله تعالى حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم متفق عليه وهو آخر حديث في صحيح البخاري ورواه الترمذي وابن أبي شيبة وعن سعد بن أبي وقاص قال كنا عند رسول الله فقال أيعجز بكسر الجيم أحدكم أن يكسب أي يحصل كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه أي المخصوصين من ندمائه كيف يكسب أحدنا ألف حسنة أي بسهولة بلا عجز قال يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة لأن الحسنة الواحدة بعشر أمثالها وهو أقل المضاعفة الموعودة في القرآن بقوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها والله يضاعف لمن يشاء الأنعام ومنه حسنة الحرم بمائة ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة أي صغيرة أو كبيرة وذلك بمشيئة الله تعالى رواه مسلم قال النووي رحمه الله في الأذكار كذا في عامة نسخ مسلم ويحط بالواو قلت ويؤيده ما في رواية الترمذي والنسائي وابن حبان أنه بالواو وفي كتابه أي كتاب مسلم في جميع الروايات عن موسى الجهني أو يحط أي بالألف قال الطيبي هو أبو عبد الله موسى بن عبد الله الجهني الكوفي سمع مجاهد أو مصعب بن سعد روى عنه شعبة ويحيى بن سعيد القطان قال أبو بكر البرقاني بفتح الموحدة وبكسر وسكون الراء قال الطيبي هو أبو بكر أحمد بن محمد الخوارزمي البرقاني بالباء الموحدة والراء والقاف ورواه شبعة وأبو عوانة ويحيى بن سعيد القطان عن موسى أي المذكور فقالوا بصيغة الجمع على ما في النسخ المصححة والضمير لشعبة


وأخويه وفي نسخة فقال أي موسى ويحط بغير ألف أي بالواو هكذا المشار إليه قول
وفي كتابه إلى آخره في كتاب الحميدي وهو الجامع بين البخاري ومسلم جمعا وإفراد قال الطيبي يختلف معنى الواو أريد بها أحد الأمرين وأما إذا أريد بها التنويع فهما سيان في القصد ا ه وقد تأتي الواو بمعنى أو فلا منافاة بين الروايتين وكان المعنى أن أن من قالها يكتب له ألف حسنة إن لم يكن عليه خطيئة وإن كانت عليه فيحط بعض ويكتب بعض ويمكن أن تكون أو بمعنى الواو أو بمعنى بل فحينئذ يجمع له بينهما وفضل الله أوسع من ذلك وعن أبي ذر قال سئل رسول الله أي الكلام أي من جملة الإذكار أفضل قال ما اصطفى الله لملائكته أي الذي اختاره من الذكر للملائكة وأمرهم بالدوام عليه لغاية فضيلته سبحان الله وبحمده قال الطيبي لمح به إلى قوله تعالى نحن نسبح بحمدك ونقدس لك البقرة وهذا مختصر ما تقدم أعني الكلمات الأربع فإن التسبيح يتضمن نفي الشريك الذي هو التهليل ويلزم من ذلك كونه أكبر رواه مسلم وعن جويرية بالتصغير بنت الحرث زوج النبي أن النبي خرج من عندها بكرة أي أول نهالاه حين صلى الصبح أي أراد صلاة الصبح وهي في مسجدها بفتح الجيم ويكسر أي موضع سجودها للصلاة ثم رجع إي إليها بعد ن أضحى أي دخل في الضحوة وهي ارتفاع النهار قد ر رمح وقيل أي صلى صلاة الضحى وهي جالسة أي في موضعها قال ما زلت بكسر التاء على الحال وهو مما يجوز تذكيره وتأنيثه ولذا قال التي فارقتك عليها أي من الجلوس على ذكر الله تعالى قالت نعم قال النبي لقد قلت بعدك أي بعد أن خرجت من عندك أربع كلمات نصبه على المصدر أي تكلمت بعد مفارقتك أربع كلمات ثلاث مرات بالنصب على الظرفية لو وزنت بصيغة المجهول على الأصح أي قوبلت بما قلت أي بجميع ما قلت من الذكر منذ بضم الميم ويكسر اليوم بالجوهر والمختار ويجوز رفعه وقفصيله القاموس أي في هذا اليوم أو الوقت المذكور


لوزنتهن أي لترجحت تلك الكلمات على جميع أذكارك وزادت عليهن في الأجر والثواب قال وازنه فوزنه إذا غلب عليه وزاد في الوزن كما يقال حاججته فحججته أو لساوتهن يقال هذا يزن درهما أي يساويه ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لو كانت الدنيا عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرا منها شربة ماء وهذا توضيح كلام الطيبي أي سارتهن أو غلبتهن والضمير راجع إلى ما يقتضيه المعنى لا إلى لفظة ما في قوله ما قلت وفيه تنبيه على أنها كلمات كثيرة المعنى لو قوبلت بما قلت لساوتهن سبحان الله وبحمده أي وبحمده أحمده عدد خلقه منصوب على نزع الخافض أي بعدد كل واحد من مخلوقاته وقال لسيوطي نصب على الظرف أي قدر عدد خلقه ووضاءة نفسه أي أقول له التسبيح والتحميد بقدر ما يرضيه خالصا مخلصا له فالمراد بالنفس ذاته والمعنى ابتغاء وجهه وزنة عرشه أي أسبحه وأحمده بثقل عرشه أو بمقدار عرشه ومداد كلماته المداد مصدر مثل المدد وهو الزيادة والكثرة أي بمقدار ما يساويها في الكثرة بمعيار أو كيل أو وزن أو ما شبهه من وجوه الحصر والتقدير وهذا تمثيل يراد به التقريب لأن الكلام لا يدخل في الكيل وكلماته تعالى هو كلامه وصفته لا تعد ولا تنحصر فإذا المراد مبالغة الكثرة لأنه ذكر أولا ما يحصره العدد الكثير من عدد الخلق ثم ارتقى إلى ما هو أعظم منه أي ما لا يحصيه عد كما لا يحصى كلمات الله وقال الطيبي نصب هذه الألفاظ على المصدر أي أعد تسبيحه المقرون بحمده عدد خلقه وأقدر مقدار ما يرضى لنفسه وزنة عرشه ومقدار كلماته ومداد الشيء ومدده ما يمديه ويزاد ويكثر والمراد المقدار أي أسبحه وأحمده بمقدار كلماته أي كتبه وصحفه المنزلة وكلماته أيضا تطلق على جميع أمره وعلى جميع الموجودات أقول دل الحديث على أن الكيفية في الذكر باعتبار تصور المذكور في ذهن الذاكر أرجح على الكمية المجردة عن تلك الكيفية وعلى هذا القياس قراءة القرآن مع التدبر والتفكر والحضور والتذكر ولو في آية


تفضل على القراءة الكثيرة الخالية عما ذكر فالمراد حث أم المؤمنين وترغيبها على التذكر في الذكر وإلا فمن المعلوم أن الكلمات الواردة على لسانه أفضل من جميع الأذكار الواردة على لسان غيره والله أعلم رواه مسلم وكذا أصحاب السنن الأربعة وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من قال لا إله أي معبود بحق في
الوجود ألا الله وحده حال مؤكدة لا شريك له أي في صفاته له الملك أي ملك الملكوت وملك الأملاك وملك العلم وملك القناعة وأمثالها يعني بتصرفه وتقريره ومشيئته وتقدير ملك جميع الأمور وله الحمد أي الثناء الجزيل على وجه الجميل له تعالى حقيقة وغيره قد يحمد مجازا وصورة وهو على كل شيء أي شاء وأرادواه أو على كل شيء قدير أي بالغ في القدرة كامل في القوة منزه عن العجز والفترة في يوم مائة مرة أي مجتمعه أو متفرقة كانت أي هذه الكلمة أو التهليلة وفي نسخة ابن حجر كان أي ما ذكر وهو غير مناسب لآخر الحديث وكانت له حرزا فتدبر له أي للقائل بها عدل عشر رقاب بكسر العين وفتحها بمعنى المثل أي ثواب عتق عشر رقاب وهو جمع رقبة وهي في الأصل العنق فجعلت كناية عن جميع ذات الانسان تسمية للشيء ببعضه أي يضاعف ثوابها حتى يصير مثل أصل ثواب العتق المذكور وكتبت أي ثبتت له مائة حسنة بالرفع ومحيت عنه مائة سيئة أي أزيلت وكانت له حرزا أي حفظا ومنعا من الشيطان يومه ذلك أي في ذلك اليوم الذي قالها فيه حتى يمسي وظاهر التقابل أنه إذا قال في الليل كانت له حرزا منه ليلة ذلك حتى يصبح فيحتمل أن يكون اختصارا من الراوي أو ترك لوضوح المقابلة وتخصيص النهار لأنه أحوج فيه إلى الحفظ والله أعلم قال النووي أجر المائة ولو زاد الثواب وهذه المائة أعم من أن تكون متوالية أم متفرقة لكن الأفضل أن تكون متوالية وأن تكون أول النهار ليكون حرزا في جميع نهاره ولم يأت أحد أي يوم القيامة بأفضل مما جاءته أي بأي عمل كان من الحسنات وقال ابن حجر أي أكثر من الذكر الذي جاء


به وفيه أن هذا من الواضحات فلا يصلح في مقام المبالغة في المدح إلا رجل عمل أكثر منه وفي رواية من ذلك أي من جنسه أو غيره متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو عوانة قال الطيبي جعل في هذا الحديث التهليل ما حيا من السيئات مقدرا معلوما وفي حديث التسبيح جعل التسبيح ما حيالها مقدار زبد البحر فيلزم أن يكون التسبيح أفضل وقد قال في حديث التهليل ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به أجاب القاضي عياض أن التهليل المذكور في هذا الحديث أفضل لأن جزاءه مشتمل على محو السيئات وعلى عتق عشر رقاب على إثبات مائة حسنة والحر زمن الشيطان وعن أبي موسى الأشعري قال كنا مع رسول الله في سفر


فجعل الناس يجهرون بالتكبير أي في الأماكن العالية على ما ورد به السنة أو المراد به التكبير ونحوه من الاذكار أو لعله كان سفر غزو فيناسبه تخصيص التكبير أو المراد به التعظيم فيشمل التكبير وغيره فقال رسول الله أيها الناس وفي نسخة بحرف النداء اربعوا بفتح الباء على أنفسكم أي ارفقوا بها وامسكوا عن الجهر الذي يضركم إنكم استئناف فيه معنى التعليل لا تدعون أي الله بالتكبير أو لا تذكرون وظن ابن حجر أن معنى تدعون تسألون وتطلبون فقال أي تعبدون لأن الصادر منهم مجرد الله أكبر كما أفاده اللفظ وهذا الادعاء فيه إلا أن يقال أنه متضمن للدعاء كما أفاده قول أمية بن أبي الصلت الذي كان يصغي إلى إشعاره وقال في حقه كاد أن يسلم لما استرفد بعض الملوك إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء أصم ولا غائبا إنكم تأكيدا تدعون سميعا بصيرا قال الطيبي فإن قلت فما فائدة الزيادة في قوله بصيرا قلت السميع البصير أشد إدراكا وأكثر إحساسا من الضرير والأعمى والأظهر ما قاله ابن حجر سميعا مقابلا لقوله أصم وبصير أتى به لأنه ملازم للسميع في الذكر لما بينهما من التناسب في الإدراك والأولى أن يقال لما كان الدعاء يشمل العبادة الفعلية والقولية أتى بهما جميعا والأحق أنه أتى به للدلالة على أنهما صفتان ثابتتان لازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى بخلاف غيره تعالى دفعا لوهم الواهم لو اقتصر على الأول أو يقال أتى بالبصيرة تذبيلا وتتميما ولهذا أتى بالمعية التي يؤخذ منها العلم الأعم منهما تكميلا وتعميما بقوله وهو معكم أ حاضر بالعلم والاطلاع على حالكم أين ما كنتم سواء أعلنتم أو أخفيتم وهو بظاهره مقابل لقوله ولا غائبا ثم زاد في تحقيق هذه المعية المعنوية الدالة على غاية الشرف والعظمة بقوله والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته بل هو أقرب من حبل الوريد فهو بحسب مناسبة المقام تمثيل وتقريب إلى فهم اللبيب والمعنى قرب القريب فيكون


ترقيا من قوله وهو معكم قال أبو موسى وأنا خلفه أقول لا حول أي لا حركة في الظاهر ولا قوة أي لا استطاعة في الباطن إلا بالله أولا تحويل عن شيء ولا قوة على شيء إلا بمشيئته وقوته وقيل الحول الحيلة إذ لا دفع ولا منع إلا بالله وقال النووي هي كلمة استسلام وتفويض وإن العبد لا يملك من أمره شيئا وليس له حيلة في دفع شر ولا قوة في جلب خير إلا بإرادة الله تعالى ا ه والاحسن ما ورد فيه عن ابن مسعود قال كنت عند النبي فقلتها فقال تدري ما تفسيرها قلت الله ورسوله أعلم قال لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله أخرجه البزار ولعل تخصيصه بالطاعة
والمعصية لأنهما أمران مهمان في الدين في نفسي متعلق بأقول وهو يحتمل أن مراده أقول في قلبي أو بلساني من غير ارتفاع صوتي وهو الأنسب بمقتضى المقابلة لغيره فحينئذ يحتمل أنه انكشف له ما في خاطره أو سمع منه في تكراره فقال يا عبدالله وهو اسم أبي موسى ابن قيس ألا أدلك على كنز أي عظيم من كنوز الجنة سمى هذه الكلمة كنز لأنها كالكنز في نفاسته وصيانته من أعين الناس أو أنها من ذخائر الجنة أو من محصلات نفائس الجنة قال النووي المعنى أن قولها يحصل ثوابا نفيسا يدخر صاحبه في الجنة فقلت بلى يا رسول الله أي دلني فإن الدال على الخير كفاعله قال لا حول ولا قوة إلا بالله متفق عليه وأخرج أحمد والترمذي وصححه ابن حبان عن أبي أيوب أن النبي ليلة أسرى به مر على إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال يا محمد مرأمتك أن يكثروا من غراس الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله وجاء في بعض الروايات أنها باب من أبواب الجنة ولعل اختلاف نتائجها باختلاف مراتب قائلها
الفصل الثاني


عن جابر قال قال رسول الله من قال سبحان الله العظيم وبحمده قيل الواو زائدة أي تسبيحا مقرونا بحمده غرست أي بكل مرة له نخلة عظيمة في الجنة أي المعدة لقائلها خصت لكثرة منفعتها وطيب ثمرتها ولذلك ضرب الله تعالى مثل المؤمن وإيمانه بها وثمرها في قوله تعالى ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة إبراهيم هي كلمة التوحيد كشجرة طيبة إبراهيم هي النخلة رواه الترمذي وكذا النسائي وابن جبان وابن أبي شيبة والحاكم والبزار وزاد فإنها عبادة الخلق وبها تقطع أرزاقهم أي تعين وعن الزبير قال قال رسول الله ما من صباح يصبح العباد فيه قال الطيبي صباح نكرة وقعت في سياق النفي وضمت إليها من الاستغراقية لإفادة الشمول ثم


جيء بقوله يصبح مؤكدة لمزيد الإحاطة كقوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الأنعام ومنه قوله تعالى فخر عليهم السقف من فوقهم النحل إلا مناد ينادي تسيجوا أي نزهوا الملك القدوس أي عما هو منزه عنها في باطن الأمر والمعنى اعتقدوا أنه منزه عنها كذلك وليس المراد إنشاء تنزيه لأنه منزه أزلا وأبدا أو اذكروه بالتسبيح لقوله تعالى وإن ما من شيء إلا يسبح بحمده الإسراء ولذا قال الطيبي قولوا سبحان الملك القدوس أو قولوا سبوح قدوس رب الملائكة والروح أي ونحوهما من قول سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وبحمده رواه الترمذي وعن جابر قال قال رسول الله أفضل الذكر لا إله إلا الله وفي رواية هي أفضل الحسنات رواه أحمد لأنه لا يصح الإيمان إلا به قال الطيبي ذكر بعض المحققين إنه إنما جعل التهليل أفضل الذكر لأن للتهليل تأثيرا في تطهير الباطن عن الأوصاف الذميمة التي هي معبودات في باطن الذاكر قال تعالى فرأيت من اتخذ الهه هواه الجاثية فيفيد نفي عموم الآلهة بقوله لا إله ويثبت الواحد بقوله إلا الله ويعود الذكر من ظاهر لسانه إلى باطن قلبه فيتمكن فيه ويستولي على جوارحه وجد حلاوة هذا من ذاق وأفضل الدعاء الحمد لله لأن الدعاء عبارة عن ذكر الله وأن يطلب منه حاجته والحمد لله يشملها فإن من حمد الله يحمده على نعمته والحمد على النعمة طلب المزيد وهو رأس الشكر ا ه قال تعالى لئن شكرتم لأزيدنكم إبراهيم ولذا جعل فاتحة أم القرآن قال الطيبي إطلاق الدعاء على الحمد من باب المجاز ولعله جعل أفضل الدعاء من حيث أنه سؤال لطيف يدق مسلكه كما قال أمية بن أبي الصلت حين خرج إلى بعض الملوك يطلب نائلته إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء ويمكن أن يكون قوله الحمد لله من باب التلميح والإشارة إلى قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم وأي دعاء أفضل وأكمل وأجمع من ذلك رواه الترمذي وابن ماجة وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول


الله الحمد أي لله كما في نسخة
رأس الشكر فكان غيره غير معتد به ما شكره الله عبد لا يحمده فكأن التارك له كالمعرض عن الشكر رأسا قال بعض الشراح الحمد باللسان وحده والشكر به وبالقلب والجوارح فهو إحدى شعب الشكر ورأس الشيء بعضه فهو من هذه الجهة بعض الشكر وجعل رأسه لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على مواليها أشيع لها وأدل على مكانها لخفاء الاعتقاد ولما في أعمال الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن الكل وعن ابن عباس قال قال رسول الله أول من يدعى أي بالدخول إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء أي في الصحة والمرض أو الرخاء والشدة أو الغنى والفقر يعني الذين يرضون عن مواليهم بما أجرى عليهم من الحكم غنى كان أو فقرا شدة كان أو رخاء فالمراد الدوام فهو من أساليب البديع الغريبة واهما البيهقي في شعب الإيمان وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله قال موسى عليه الصلاة والسلام يا رب علمني شيئا أي من الإذكار أذكرك به بالرفع خبر مبتدأ محذوف استئنافا أي أنا أذكرك به كذا قيل ولا حاجة إلى ذلك بل هو صفة وليس جوابا للأمر بدليل قوله أو أدعوك بحرف العطف وهو أو على الأصح إلا كثر بالواو على الأقل وهو مرفوع بإثبات الواو بلا خلاف قال الطيبي ويجوز الجزم وعطف أدعوك بالجزم على منوال قوله ولسنا بالجبال ولا الحديد ا ه والأولى حمل نسخة الجزم على لغة حمل عليها قوله تعالى إنه من يتقي ويصبر يوسف على قراءة إثبات الياء مع جزم يصبر إتفاقا ثم أو في الحديث ظاهره التنويع ويدل عليه رواية الواو ويحتمل أن يكون للشك أو التقدير شيئا من الذكر أو الدعاء فإن كل دعاء ذكر وكل ذكر دعاء ولأنه سؤال لطف أو الدعاء بمعنى العبادة أي أعبدك بذكره أو بمضمونه فقال يا موسى قل لا إله إلا الله فإنه متضمن لكل ذكر ودعاء سواء مع زيادة دلالة على توحيد ذاته وتفريد صفاته قال الطيبي فإن قلت طلب موسى ما به يفوق


على غيره من الذكر أو الدعاء فما مطابقة الجواب للسؤال قلت كأنه قال طلبت شيئا محالا إذ لا ذكر ول
دعاء أفضل من هذا فقال يا رب كل عبادك أي الموحدين يقول أفرد رعاية للفظ كل دون معناه هذا أي هذا الكلام أو هذا الذكر إنما أريد شيئا يخصني أي أنت به أي بذلك الشيء من بين عموم عبادك فإنه من طبع الانسان لا يفرح فرحا شديدا إلا إذا اختص بشيء دون غيره كما إذا كانت عنده جوهرة ليست موجودة عند غيره وكذا الأسماء والدعوات والعلوم الغريبة والصنائع العجيبة مع أن من سنة الله تعالى التي بها جرى العادة وهي من رحمته الشاملة ورأفته الكاملة إن أعز الأشياء أكثرها وجودا كالعشب والملح والماء دون اللؤلؤ والياقوت والزعفران ومثل المصحف الشريف وهو أعز الكتب يوجد أكثر وأرخص من غيره وعلم الكيمياء ونحوه ومما هو خيالات فاسدة وصاحبها من جهله يفرح به ما لا يفرح بعلم القراءة والسنة والحجر الأسود الذي يمين الله في أرضه يصافح بها عباده وهو أفضل من مقام إبراهيم الذي دخل فيه قدمه عليه الصلاة والسلام والعوام الآن يفرحون بزيارة المقام أكثر من استلام الركن الأسعد ومنها الكلمة الطيبة وكلمة الشهادة التي هي أشرف الكلمات وأنفس العبادات وأفضل الأذكار وأكمل الحسنات وهي أكثر وجودا وأيسر حصولا والعوام يتركونها ويتبعون مواظبة الأسماء الغريبة والدعوات العجيبة التي غالبها لا أصل لها في الكتاب والسنة فكأن الله تعالى أجرى على لسان سيدنا الكليم ما يكون سببا للجواب من الرب العظيم لتظهر جلالة هذه الكلمة عند الخواص والعوام ويعتنون بها في كل زمان ومقام لتحصيل المقصود والمرام وما ذلك إلا لأنها قطب دائرة الأذكار ومركز نقطة الأسرار ولهذا ورد لا إله إلا الله ليس لها حجاب دون الله حتى تخلص إليه قال يا موسى لو أن السمواات السبع قال الطيبي حاصل الجواب أن ما طلبت من أمر مختص بك فائق على الأذكار كلها محال لأن هذه الكلمة ترجح على الكائنات كلها من


السمواات وسكانها والأرضين وقطانها ا ه والأظهر أن حاصل الجواب أن هذه الكلمة أفضل الذكر كما ورد في الحديث المتقدم وإنما خصوصية الخواص باعتبار فهم معانيها وتحقيق مبانيها والتحقق بما فيها والتخلق بما يتعلق بها من القيام بحقها والاخلاص في ذكرها والمداومة عليها والمحبة والميل إليها والتلذذ والسرور بها والمراقبة والحضور والمشاهدة بصاحبها وغير ذلك من بقية أحكامها وعامرهن بالنصب عطف على السمواات قيل عامر الشيء حافظه ومصلحه ومدبره الذي يمسكه من الخلل ولذلك سمي ساكن البلد والمقيم به عامر من عمرت المكان إذا أقمت فيه والمراد المعني الأعم الذي هو الأصل ليصح استثناؤه تعالى منه بقول غيري قاله الطيبي وقال غيره أي ساكنهن والاستثناء منقطع أو ممسكهن والاستثناء متصل لقوله تعالى إن الله يمسك السمواات والأرض أن تزولا وقيل المراد هنا جنس من يعمرها من الملك وغيره والله تعالى عامرها خلقا وحفظا وقد دخل فيه من حيث يتوقف عليه صلاحها توقفهن على الساكن ولذا استثنى


وقال غيري أو يراد بالعامر حاضر والله تعالى حاضر فيهن علما واطلاعا والأرضين بفتح الراء ويسكن السبع أي الطباق وقيل الأقاليم وهو ضعيف لقوله تعالى الله الذي خلق سبع سمواات ومن الأرض مثلهن الطلاق ولما ورد من الأخبار والآثار المصرحة بأنها طباق وضعن بصيغة المجهول في كفة بكسر الكاف وتشديد الفاء من كفتي الميزان يطلق لكل مستدير ولا إله إلا الله أي مفهوم هذه الكلمة أو ثوابها وضع في كفة ويدل عليه حديث البطاقة لمالت بهن أي لرجحت عليهن وغلبتهن لأن جميع ما سوى الله تعالى بالنظر إلى وجوده تعالى كالمعدوم إذ كل شيء هالك إلا وجهه والمعدوم لا يوازن الثابت الموجود وهذا معنى قوله في حديث البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء لا إله إلا الله وهو من باب وضع الظاهر موضع الضمير ويمكن أن يكون للتعجب أو تكرير اللتلقين رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده ورواه ابن حبان والنسائي عن أبي سعيد والبزار عن ابن عمر مرفوعا بلفظ لو أن أهل السمواات والأرضين السبع في كفة ولا إله الله في كفة مالت بهم أي لرجحت وزادت عليهم وقيل الباء للتعدية أي أمالتهن وكان التفسير بالرجحان والزيادة تفسير باللازم وضمير ذوي العقول تشريفا لهم كما أن عكسه تغليبا لكثرتهن وهذا الحديث أصرح صريح على أن لا إله إلا الله أفضل الذكر إذ لا ثواب أعظم من ثوابها وعن أبي سعيد وأبي هريرة قال لا أي كلاهما قال رسول الله من قال لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه قال أي ربه بيانا لتصديقه أي قرره بأن قال لا إله إلا أنا أكبر وهذا أبلغ من أن يقول صدقت وإذا قال أي العبد لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الله أي تصديقا لعبده لا إله ألا أنا وحدي لا شريك لي أي في الذات والصفات وحذف صدقة ربه هنا للعلم به مما قبله وعبر هنا بيقول وثمة وفيما يأتي يقال تفننا ويمكن أن يقال وجهه استحضار تلك الحالة المستمرة أزلا وأبدا للإيماء إلى خصوصية تلك الكلمة مما بين أخواتها


بالتوحيد المحض والتفريد الصرف وإذا قال لا إله إلا الله له الملك وله الحمد أي لا لغيره كما أفهمه تقديم المفعول واللام للملك والاستحقاق والاختصاص قال لا إله إلا أنا لي
الملك ولي الحمد أي كما قال عبدي وإذا قال لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله بالواو في ولا حول أما للعطف أو للمحال وهو أظهر ولذا ترك في قوله قال لا إله إلا أنا لا حول وفي نسخة ولا حول مطابقا لما قبله ولا قوة إلا بي أي كما أقر به عبدي وكان أي النبي يقول من قالها أي هذه الكلمات من دون الجوابات في مرضه ثم مات أي من ذلك المرض لم تطعمه النار أي لم تمسه أو لم تحرقه قال الطيبي أي لم تأكله استعار الطعم للإحراق مبالغة رواه الترمذي وابن ماجة وعن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع النبي على امرأة أي محرم له أو كان ذلك قبل نزول الحجاب على أنه لا يلزم من الدخول الرؤية ولا من وجود الرؤية حصول الشهوة وبين يديها الواو للحال نوى جمع نواة وهي عظم التمر أو حصى شك من الراوي تسبح أي المرأة به أي بما ذكر من النوى أو الحصى وهذا أصل صحيح لتجويز السبحة بتقرير فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يعد به ولا يعتد بقول من عدها بدعة وقد قال المشايخ أنها سوط الشيطان وروى أنه رؤى مع الجنيد سبحة في يده حال انتهائه فسئل عنه فقال شيء وصلنا به إلى الله كيف نتركه ولعل هذا أحد معاني قولهم النهاية هي الرجوع إلى البداية فقال أي النبي ألا أخبرك بما هو أيسر أي أسهل وأخف عليك من هذا أي من هذا الجمع والتعداد أو أفضل قيل أو للشك من سعد أو ممن دونه وقيل بمعنى الواو وقيل بمعنى الواو وقيل بمعنى بل وهو الأظهر قال ابن الملك تبعا للطيبي وإنما كان أفضل لأنه اعتراف بالقصور وأنه لا يقدر أن يحصى ثناءه وفي العد بالنوى إقدام على أنه قادر على الإحصاء ا ه وفيه أنه لا يلزم من العد هذا الإقدام ولا يقدم على هذا المعنى إلا العوام كالأنعام بل المراد والله


أعلم أنه أراد ترقيها من عالم كثرة الألفاظ والمباني إلى وحدة الحقائق والمعاني وهو خارج عن الإعداء بل يتوقف على مدد الأمداد والعد في الأذكار يجعل شأنا لها في البال ويخطر بالبال في كل حال وهذا معاب عند أرباب الكمال ولهذا قال بعضهم لمن يذكر الله بالعدد تذكر الله بالحساب وتذنب بالجزاف وتعصيه بلا كتاب أو لأن الله تعالى لما أنعم على عبده بالنعمة بلا إحصاء كما قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إبراهيم فينبغي حسن المقابلة في المعاملة على وجه المماثلة أن يذكره


السالك بغير استقصاء أو فيه إيماء إلى مقام المكاشفة بتسبيح جميع الأشياء كما قال تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم الإسراء وقال عز من قائل يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الجمعة سبحان الله عدد ما خلق فيه تغليب لكثرة غير ذوي العقول الملحوظة في المقام في السماء أي في عالم العلويات جميعها وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض أي في عالم السفليات كلها كذا قيل والأظهر أن المراد بهما السماء والأرض المعهودتان لقوله وسبحان الله عدد ما بين ذلك أي ما بين ما ذكر من السماء والأرض والهواء والطير والسحاب وغيرها وسبحان الله عدد ما هو خالق أي خالقه أو خالق له فيما بعد ذلك واختاره ابن حجر وهو الأظهر لكن الأدق الأخفى ما قال الطيبي أي ما هو خالق له من الأزل إلى الأبد والمراد الاستمرار فهو إجمال بعد التفصيل لأن اسم الفاعل إذا أسند إلى الله تعالى يفيد الاستمرار من بدء الخالق إلى الأبد كما تقول الله قادر عالم فلا تقصد زمانا دون زمان والله أكبر مثل ذلك قال الطيبي منصوب نصب عدد في القرائن السابقة على المصدر وقال بعض الشراح بنصب مثل أي الله أكبر عدد ما هو خالقه أي بعدده فجعل مرجع الإشارة أقرب ما ذكروا الظاهر أن المشار إليه جميع ما ذكر فيكون التقدير الله أكبره ورد ما خلق في السماء والله أكبر عدد ما خلق في الأرض والله أكبر عدد ما بين ذلك والله أكبر ما هو خالق والحمد لله مثل ذلك أي على هذا المنوال ولا إله إلا الله مثل ذلك أي على هذا الحال ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك أي كذلك والأظهر أن هذا من اختصار الراوي فنقل آخر الحديث بالمعنى خشية الملالة بالإطالة ويدل على ما قلنا بعض الآثار أيضا والله ى علم رواه الترمذي وأبو داود وكذا النسائي وابن حبان والحاكم وقال الترمذي هذا حديث غريب وفي نسخة حسن غريب وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله من سبح الله مائة أي من قال سبحان الله


مائة مرة بالغداة بفتحتين بعدهما ألف ويجوز ضم الأول وسكون الثاني بعده واو ومائة بالعشي أي أول النهار وأول الليل أو في الملوين كان كمن حج مائة حجة أي نافلة دل الحديث على أن الذكر بشرط الحضور مع الله بسهولته أفضل من العبادات الشاقة بغفلته ويمكن أن يكون الحديث من باب إلحاق الناقص بالكامل مبالغة ف
الترغيب أو يراد التساوي بين التسبيح المضاعف بالحجج الغير المضاعفة والله أعلم ومن حمد الله مائة بالغدوة ومائة بالعشي كان كمن حمل بالتخفيف أي ركب مائة نفس على مائة فرس في سبيل الله أي في نحو الجهاد أما صدقة أو عارية وفيه ترغيب للذاكر في الذكر كرائل يلتفت إلى الدنيا ويجمع همته على الحضور مع المولى إذا المقصود من جميع العبادات البدنية والمالية والمركب منهما إنما هو ذكر الله لا غير ولا يشك أن المطلوب أحسن من الوسيلة ومن هلل الله أي قال لا إله إلا الله مائة بالغدوة ومائة بالعشي كان كمن أعتق مائة رقبة وفيه تسلية للذاكرين من الفقراء والعاجزين عن العبادات المالية المختصة بها الأغنياء من ولد إسماعيل بضم الواو وسكون اللام وبفتحهما يقع على الواحد والتثنية والجمع والمراد من أولاد إسماعيل العرب لأنهم أفضل الأصناف لكونهم من أقارب نبينا فهو تنميم ومبالغة في معنى العتق ومن كبر الله مائة بالغدوة ومائة بالعشي لم يأت في ذلك اليوم أحد أي يوم القيامة بأكثر أي بثواب أكثر أو المراد بعمل أفضل وإنما عبر بأكثر لأنه معنى أفضل مما أتى به أي جاء به أو بمثله قال ابن حجر ظاهره أن هذا أفضل من جميع ما قبله والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة أن أفضل هذا التهليل فالتحميد فالتكبير فالتسبيح فحينئذ يؤول يأت يقال لم يأت في ذلك اليوم أحد غير المهلل والحامد المذكورين أكثر مما أتى به إلا من قال مثل ذلك أو زاد على ما قال رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله التسبيح نصف الميزان أي ثوابه


بعد تجسمه يملأ نصف الميزان والمراد به إحدى كفتيه الموضوعة لوضع الحسنات فيها والحمد لله يملؤه أي الميزان أو نصفه وهو الأظهر لأن الإذكار تنحصر في نوعين التنزيه والتحميد قال الطيبي فيكون الحمد نصفه الآخر فهما متساويان ويلائمه حديث ثقيلتان في الميزان ويحتمل تفضيل الحمد بأنه يملأ الميزان وحده لاشتماله على التنزيه ضمنا لأن الوصف بالكمال متضمن نفي النقصان ويؤيده قوله ولا إله إلا الله ليس لها حجاب دون الله فإنها تتضمن التحميد والتنزيه ولذا صارت موجبة للغرب وهو معنى قوله حتى تخلص بضم اللام إليه أي تصل عنده وتنتهي إلى محل القبول والمراد بهذا وأمثاله سرعة القبول والإجابة وكثرة الأجر والإثابة وفيه دلالة ظاهرة على أن لا إله إلا الله أفضل من سبحان الله والحمد لله


رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوى أي إسناده ضعيف لكن يعمل به في فضائل الأعمال وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ما قال عبد أي مستشعرا لعبوديته وحدوث وجوده ومستذكر الألوهية ربه وتوحيد معبوده لا إله إلا الله مخلصا أي من غير رياء وسمعة أو مؤمنا غير منافق قط إلا فتحت بالتخفيف وتشدد له أي لهذا الكلام أو القول أبواب السماء حتى يفضى بضم الياء أي يصل إلى العرش ما اجتنب أو صاحبه الكبائر وفي نسخة بصيغة المجهول ورفع الكبائر قال الطيبي الحديث السابق دل على تجاوزه من العرش حتى انتهى إلى الله تعالى والمراد من ذلك سرعة القبول والاجتناب عن الكبائر شرط للسرعة لا لأجل الثواب والقبول ا ه أو لأجل كمال الثواب وأعلى مراتب القبول لأن السيئة لا تحبط الحسنة بل الحسنة تذهب السيئة وهذا المعنى لهذا الحديث هو المطابق للحديث السابق فقول ابن حجر إلا فتحت له أي لروحه عقب موته تقدير في غير محله من غير احتياج إليه ثم تعليله بقوله لأنه من المؤمنين وهم يفتح لهم أبواب السماء بخلاف الكفار لا يفتح له أبواب السماء غير مستقيم لتقييد الحديث بقوله ما اجتنب الكبائر على ما هو الظاهر رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب ورواه النسائي وابن حبان وعن ابن مسعود قال قال رسول الله لقيت إبراهيم أي الخليل عليه الصلاة والسلام كما في نسخة ليلة أسرى بي بالإضافة وفي نسختة يتنوين ليلة أي ليلة أسرى فيها بي وهي ليلة المعراج فقال أي إبراهيم وهو في محله من السماء السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور يا محمد أقرأ أمتك أي أوصلهم وبلغهم مني السلام وفي نسخة اقرأ أمتك مني أي من جانبي ومن عندي السلام في النهاية يقال اقرأ فلان فلانا السلام واقرأ عليه السلام كأنه حين يبغله سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده وفي المقدمة نحوه لكن في الصحاح والقاموس أن قرأه السلام وأقرأه السلام بمعنى وعلى كل فينبغي لكل من سمع ذلك أن يقول


وعليه السلام ورحمة الله وبركاته وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة وهي التراب فإن ترابها المسك والزعفران ولا أطيب منهما عذبة الماء أي للنمو أو حلو لذيذ كما قال تعالى وأنهار من ماء غير آسن محمد أي غير متغير بملوحة ولا غيرها وأنها بالفتح ويكسر أي الجنة قيعان بكسر القاف جمع قاع وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر وأن بالوجهين غراسها بكسر الغين المعجمة جمع غرس بالفتح وهو ما يغرس أي يستر تراب الأرض من نحو البذر لينبت بعد ذلك وإذا كانت تلك التربة طيبة وماؤها عذبا كان الغراس أطيب لا سيما والغرس الكلمات الطيبات وهن الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد ولا إله إلا الله والله أكبر والمعنى أعلمهم بأن هذه الكلمات ونحوها سبب لدخول قائلها الجنة ولكثرة أشجار منزله فيها لأنه كلما كررها نبت له أشجار بعددها قال ابن الملك يعني أن هذه الكلمات تورث قائلها الجنة فأطلق السبب وأراد المسبب ا ه وفيه بحث وقال الطيبي أقول في هذا الحديث إشكال لأنه يدل على أن أرض الجنة خالية عن الأشجار والقصور ويدل قوله تعالى جنات تجري من تحتها الأنهار البقرة على أنها غير خالية عنها لأنها إنما سميت جنة لأشجارها المتكاثفة المظلة بالتفاف أغصانها والجواب أنها كانت قيعانا ثم أن الله تعالى أوجد بفضله فيها أشجارا وقصورا بحسب أعمال العاملين لكل عامل ما يختص به بسبب عمله ثم أنه تعالى لما يسره لما خلق له من العمل لينال بذلك الثواب جعله كالغارس لتلك الأشجار مجازا إطلاقا للسبب على المسبب وأجيب أيضا لا دلالة في الحديث على الخلو الكلي من الأشجار والقصور لأن معنى كونها قيعانا أن أكثرها مغروس وما عداه منها أمكنة واسعة بلا غرس لينغرس بتلك الكلمات ويتميز غرسها الأصلي الذي بلا سبب وغرسها المسبب عن تلك الكلمات قال ابن حجر والحاصل أن أكثرها مغروس ليكون مقابلا للأعمال الصالحة غير تلك الكلمات وبقيتها تغرس بتلك الكلمات ليمتاز ثواب هذه الكلمات لعظم


فضلها كما علم من الأحاديث السابقة عن ثواب غيرها ا ه وفي كون هذا حاصل الجوابين أو أحدهما نظر ظاهر فتأمل ويخطر بالبال والله أعلم أن أقل أهل الجنة من له جنتان كما قال ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمان فيقال جنة فيها أشجار وأنهار وحور وقصور خلقت بطريق الفضل وجنة يوجد فيها ما ذكر بسبب حدوث الأعمال والأذكار من باب العدل وهذا معنى قول بعض الصوفية في تفسير الآية جنة في الدنيا وجنة في العقبى رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب إسنادا وروى ابن ماجة والحاكم والطبراني عن أبي هريرة مرفوعا يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة


وعن بسيرة بضم التحتية وفتح السين ويقال أسيرة بالهمز أم ياسر صحابية من الأنصاريات ويقال من المهاجرات كذا في التقريب وقال المؤلف كانت من المهاجرات وهو الظاهر المطابق لقوله وكانت من المهاجرات وأما قول ابن الملك أنها بنت ياسر فهو سهو قلم قالت قال لنا أي معشر النساء رسول الله عليكن اسم فعل بمعنى الزمن وأمسكن بالتسبيح والتهليل والتقديس أي قول سبحان الملك القدوس أو سبوح قدوس رب الملائكة والروح ويمكن أن يراد بالتقديس التكبير ويدل عليه ذكره في المعدودات على وفق نظائره من الروايات قال ابن حجر هذا عادة العرب أن الكلمة إذا تكررت على ألسنتهم اختصروها ليسهل تكررها بضم بعض حروف إحداها إلى الأخرى كالحوقلة والحيعلة والبسملة وكالتهليل فإنه مأخوذ من لا إله إلا الله يقال هيا إلى الرجل وهلل إذا قال ذلك ا ه وهو غير مستقيم من وجوه الأول أن البسملة ونحوها من الكلمات المصنوعة لا العربية الموضوعة والثاني أن هذا مسلم في الحوقلة والحيعلة والبسملة وأما التسبيح والتهليل فمصدر أن قياسيات وكذا التقديس ومعناها جعل الله مسبحا ومقدسا أي منزها بالذكر والاعتقاد عن صفات الحدوث والحلول والاتحاد ومهللا أي مرفوع الصوت بذكر توحيده وإثبات تغريده نعم هيلل من قبيل بسمل وكذا سجل وكذا قدسل لو سمع أو بنى لوجود دلالة بعض من كل منهما على كلمة في مقابلتها بخلاف ما ذكر من التسبيح والتهليل والتقديس وأيضا فهذه مصادر باب التفعيل على طبق الموضوع والمصدر المصنوع مختص بباب الفعللة ملحق به في التصريف كما هو مقرر ومحقق ولا يضرنا تفسيرهم التسبيح بسبحان الله والتهليل بلا إله إلا الله والتقديس بسبحان الملك القدوس فإنه تفسير معنوي مجزأ من معنى كلي هو المفهوم المصدري وأعقدن بكسر القاف أي أعددن عدد مرات التسبيح وما عطف عليه بالأنامل أي بعقدها أو برؤوسها يقال عقد الشيء بالأنامل عده وقول ابن حجر أي عدهن أو التقدير أعددت لا وجه للفرق بينهما


قال الطيبي حرضهن على أن يحصين تلك الكلمات بأناملهن ليحط عنها بذلك ما اجترحته من الذنوب ويدل على أنهن كن يعرفن عقد الحساب وقال ابن حجر الباء زائدة في الإثبات على مذهب جماعة وهو وهم وانتقال منه من الباء إلى من وإلا فزيادة الباء في المفعول كثيرة غير مقيدة بالإثبات والنفي اتفاقا على ما في المغني كقوله تعالى وهزى إليك بجذع النخلة مريم فليمدد بسبب إلى السما الحج ومن يرد فيه بإلحاد الحج فطفق معها بالسوق ص ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة وقوله فكفى بنا فضلا على من عيرنا حب النبي محمد إيانا والأنامل جمع أنملة بتثليث الميم والهمز تسع لغات فيها الظفر كذا في القاموس والظاهر أن يراد بها الأصابع من باب إطلاق البعض


وإرادة الكل عكس ما ورد في قوله تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم البقرة للمبالغة وفيه جواز عد الأذكار ومأخذ سبحة الأبرار وقد كان لأبي هريرة خيط فيه عقد كثيرة يسبح بها زعم أنها بدعة غير صحيح لوجود أصلها في السنة ولقوله أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم وإنما قيد العقد بالأنامل دلالة على الأفضل ويدل عليه تعليله بقوله فإنهن أي الأنامل كسائر الأعضاء مسؤولات أي يسألن يوم القيامة عما اكتسبن وبأي شيء استعملن مستنطقات بفتح الطاء أي متكلمات بخلق النطق فيها فيشهدن لصاحبهن أو عليه بما اكتسبه قال تعالى يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون النور وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم فصلت وفيه حث على استعمال الأعضاء فيما يرضى الرب تعالى وتعريض بالتحفظ عن الفواحش والآثام ولا تغفلن بضم الفاء والفتح لحن أي عن الذكر يعني لا تتركن الذكر فتنسين بفتح التاء أي فتتركن الرحمة بسبب الغفلة والمراد ينسيان الرحمة نسيان أسبابها أي لا تتركن الذكر فإنكن لو تركتن الذكر لحرمتن ثوابه فكأنكن تركتن الرحمة قال تعالى فاذكروني أي بالطاعة أذكركم البقرة أي بالرحمة وفي نسخة صحيحة بصيغة مجهولة من الإنساء أي أنكن استحفظتن ذكر الرحمة وأمرتن بسؤالها فإذا غفلتن فقد ضيعتن ما استودعتن فتركتن سدى عن رحمة الله تعالى قال الطيبي لا تغفلن نهي لأمرين أي لا تغفلن عما ذكرت لكن من اللزوم على الذكر والمحافظة عليه والعقد بالأصابع توثيقا وقوله فتنسين جواب لو أي أنكن لو تغفلن عما ذكرت لكن لتركتن سدى عن رحمة الله وهذا من باب قوله تعالى لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي طه أو لا يكن منكن الغفلة فيكون من الله ترك الرحمة فعبر بالنسيان عن ترك الرحمة كما في قوله تعالى وكذلك اليوم تنسى طه رواه الترمذي وأبو داود
الفصل الثالث


عن سعد بن أبي وقاص قال جاء أعرابي إلى رسول الله وفي نسخة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال علمني كلاما أي ذكرا أقوله أي أذكره وردا قال قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له بدأ بالتوحيد على وجه التغريد فإنه مبدأ كل عبادة ومختم كل سعادة للمراد والمريد الله أكبر أي من كل كبيرا ومن أن يحاط بكنه كبريائه وهو الأولى كبيرا قال
الطيبي أي كبرت كبيرا أو يجوز أن يكون حالا مؤكدة والحمد لله كثيرا أي حمدا كثيرا سبحان وفي نسخة وسبحان الله ربت العالمين أي جميع الخلائق وتغليب ذوي العلم لشرفهم لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم وجاء في رواية البزار بلفظ العلي العظيم العلي العظيم وهو المشهور على الألسنة وإن لم يرد في الصحيح قال الطيبي رحمه الله لم يرد في أكثر الروايات إلا عن الإمام أحمد بن حنبل فإنه أردفها بقوله العلي العظيم قال أي الأعرابي فهؤلاء أي الكلمات وفي نسخة صحيحة هؤلاء لربى أي موضوعة لذكره فمالي أي من الدعاء لنفسي فقال قل اللهم اغفر لي أي بمحو السيئات وارحمني أي بتوفيق الطاعات في الحركات والسكنات واهدني أي لأحسن الأحوال وارزقني أي المال الحلال وعافني أي من الابتلاء بما يضر في المآل شك الراوي في عافني أي في إثباته ونفيه والأولى الإثبات لعدم مضرته بعد تمام دعوته وأما قول ابن حجر شك الراوي في لفظ عافني هل هو من كلام النبي أو لا فهو بظاهره مبني على أن الراوي هو الصحابي وهو ليس بمتعين لاحتمال أن يكون الشك من غيره من الرواة ثم قوله فيؤتى به احتياطا لرعاية احتمال أنه قاله مسلم أما قوله ونظيره قول النووي في رب أني ظلمت نفسي طلما كثير الخ روى بالموحدة وبالمثلثة فيسن الجمع بينهما بأن يقول كبيرا كثيرا ليكون قد أتى بالوارد يقينا فمعترض بأن الجمع بهذا المنوال غير وارد والصحيح في الجمع أن يقول كبيرا مرة وكثيرا أخرى والله أعلم رواه مسلم وعن أنس إن رسول الله مر على شجرة يابسة الورق فضربها أي


أغصان الشجرة بعصاه فتناثر الورق أي تساقط فقال إن الحمد لله بالرفع على الحكاية أو على الابتدائية وفي نسخة بالنصب وهو ضعيف وسبحان الله ونصبه على المصدرية ولا إلا إلا الله والله أكبر قال الطيبي هذه الكلمات كلها بالنصب على اسم إن وخبرها تساقط بضم التاء ذنوب العبد أي المتكلم بها والمغالبة للمبالغة كما يتساقط قال الطيبي أي تساقط فتساقط كما يتساقط ورق هذه الشجرة وقوله كما يتساقط أن جعل صفة مصدر محذوف لم تبق المطابقة بين المصدررين ولو جعل حالا من الذنوب استقام ويكون تقديره تساقط الذنوب مشبها تساقطها بتساقط الورق كذا حققه الطيبي وأغرب ابن حجر حيث قال الأصح أن ما


زائدة والكاف بمعنى مثل حال من الذنوب والتغدير حال كون تساقط الذنوب مثل تساقط ورق هذه الشجرة وهذا أولى مما سلكه الشارح كما لا يخفى ووجه غرابته أنه بعينه في التقدير رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن مكحول تابعي جليل كان من السودان قال الزهري العلماء أربعة ابن المسيب بالمدينة والشعبي بالكوفة والحسن بالبصرة ومكحول بالشام كان مفتيا بالشام وكان لا يفتى حتى يقول لا حول ولا قوة إلا بالله سمع أنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبا هند الوزان وغيرهم وسمع منه الزهري والأوزاعي ويحيى بن يحيى العسال وابن جريج ومالك بن أنس عن أبي هريرة قال قال لي رسول الله أكثر من قول لا حول أي عن دفع الضر ولا قوة أي على جلب النفع إلا بالله أي بحفظ وقدرته فإنها من كنز الجنة أي من ذخائرها ونفائسها تنفع صاحبها يوم لا ينفع مال ولا بنون قال مكحول أي موقوفا عليه فمن قال لا حول ولا قوة إلا بالله ولا منجيا بالألف أي لا مهرب ولا مخلص من الله أي من سخطه وعقوبته إلا إليه أي بالرجوع إلى رضاه ورحمته كشف الله أي دفع عنه سبعين بابا أي نوعا من الضر بضم الضاد وتفتح وهو يحتمل التحديد والتكثير أدناه أي أقل الضرر بمعنى جنسه الفقر أي ضرره وفي نسخة صحيحة أدناها أي أحد السبعين وأدنى مراتب الأنواع نوع مضرة الفقر والمراد الفقر القلبي الذي جاء في الحديث كاد الفقر أن يكون كفرا لأن قائلها إذا تصور معنى هذه الكلمة تقرر عنده وتيقن في قلبه أن الأمر كله بيد الله وأنه لا نفع ولا ضر إلا منه ولا عطاء ولا منع الاية فصبر على البلاء وشكر على النعماء وفوض أمره إلى رب الأرض والسماء ورضى بالقدر والقضاء فصار من زبدة الأولياء وعمدة الأصفياء رواه الترمذي وقال هذا أي صدر الحديث حديث ليس إسناده بمتصل وبين عدم الاتصال بقوله ومكحول لم يسمع عن قال ابن حجر كذا في النسخ والمشهور من قلت المشهور تعديته بنفسه إلى واحد وقيل إلى اثنين فينبغي أن يكون التقدير لم


يسمع مكحول الحديث ناقلا أو راويا عن أبي هريرة وهذا نكثة ذكر مكحول في عنوان الحديث على خلاف جرى عادة المؤلف ليكون إشارة إلى الانقطاع لكن يقويه أنه ورد عن أبي موسى
الأشعري مرفوعا قل لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنز الجنة رواه الجماعة الستة وروى النسائي والبزار عن أبي هريرة مرفوعا لا حول ولا قوة إلا بالله مع لا منجا من الله لا إليه كنز من كنوز الجنة وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا حول ولا قوة إلا بالله دواء أي معنوي وتأثيره قوي من تسعة وتسعيم داء أي من الأدواء الدنيوية والآخروية أيسرها أي أقلها وأسهلها الهم أي جنس الهم المتعلق بالدين أو الدنيا أو هم المعاش وغم المعاد ولا شك أن الهم موجب لغم النفس وضيق النفس وسبب لضعف القوى واختلال الأعضاء ومن ثم امتن تعالى على نبيه يونس عليه السلام بمعافاته من الغم حيث قال فاستحببنا له ونجيبناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين الأنبياء وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة قال الطيبي من تحت العرش صفة كلمة ويجوز أن تكون من ابتدائية أي تلك الكلمة ناشثة كائنة من تحته و من في من كنز الجنة بيانية وإذا جعل العرش سقف الجنة جاز أن يكون من كنز الجنة بدلا من قوله من تحت العرش ا ه والمعنى أنها من الكنوز المعنوية العرشية وذخائر الجنة العالية العلوية لا من الكنوز الفانية الحسية السفلية وقال ابن حجر أي كلمة أنزلت من الكنز الذي تحت العرش وقد سبق أن تحته كنزا وإن أواخر البقرة نزلت من ذلك الكنز هي أيضا من كنز الجنة فمن تبعيضية كما صرح به حديث مكحول لا حول ولا قوة إلا بالله أي في الأمور الدنيوية والآخروية يقول الله تعالى الظاهر أنه استئناف لبيان فضيلة تلك الكلمة وفضل قائلها وقال الطيبي هذا جزاء شرط محذوف أي إذا قال العبد هذه الكلمة يقول الله تعالى قال ابن حجر أي لملائكته معلما لهم بكمال قائلها المتحلى بمعناها


أسلم عبدي أي انقاد وترك العناد أو أخلص في العبودية بالتسليم لأمور الربوبية واستسلم أي انقاد انقيادا كاملا أو بالغ في الانقياد وقطع النظر عن العباد وقال الطيبي أي فوض أمور الكائنات إلى الله بأسرها وانقاد هو بنفسه لله مخلصا له
الدين رواهما البيهقي في الدعوات الكبير وقال الجزري وروى الأول منهما الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير وعن ابن عمر أنه قال أي موقوفا سبحان الله هي صلاة الخلائق أي عبادتها وانقيادها قال تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده النور ذكره الطيبي وقال عز وجل كل قد علم صلاته وتسبيحه الإسراء والتسبيح أما بالمقال أو بالحال حيث يدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته والحمد لله كلمة الشكر أي عمدته ورأسه كما سبق ولا إله إلا الله كلمة الإخلاص أي كلمة التوحيد الموجبة لإخلاص قائلها من النار أو كلمة لا تنفع إلا مقرونة بالصدق والإخلاص والله أكبر تملأ بالتأنيث باعتبار الكلمة وتذكر باعتبار اللفظ أي يملأ ثوابها أو عظمته ما بين السماء والأرض إذ لا كبير فيهما إلاحقير بالإضافة إليه وإذا قال العبد لا حول ولا قوة إلا بالله أي وتصور مبناه وتحقق بمعناه قال الله تعالى أسلم أي إسلاما كاملا واستسلم أي انقاذ ظاهرا وباطنا رواه رزين


باب الاستغفار
أي طلب المغفرة وهو قد يتضمن التوبة وقد لا يتضمن ولذا قال والتوبة أو الاستغفار باللسان والتوبة بالجنان وهي الرجوع عن المعصية إلى الطاعة أو من الغفلة إلى الذكر ومن الغيبة إلى الحضور ثم هي أهم مقاصد الشريعة وأول مقامات سالكي الآخرة والمغفرة منه تعالى لعبده ستره لذنبه في الدنيا بأن لا يطلع عليه أحدا وفي الآخرة بأن لا يعاقبه عليه وقال الطيبي والتوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة هذا كلام الراغب وزاد النووي وقال إن كان الذنب متعلقا ببني آدك فلها شرط آخر وهو رد المظلمة إلى صاحبها أو تحصيل البراءة منه وقال ابن حجر ثم إن كان عليه حق كقضاء صلاة فلا يسامح بصرف وقت في نفل وفرض كفاية لم يتعين عليه لأن الخروج من الفسق متوقف على الخروج من ذلك فمتى تنفل مثلا كانا باقيا في الفسق مع قدرته على الخروج منه والبقاء فيه مع ذلك فسق كما هو واضح قلت ما يدل عليه قوله تعالى ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (الحجرات) قال يتسامح في صرف الوقت إلى كسب ما يقوم بمؤنه ومؤمن من تلزمه مؤنهم لأن ذلك ضروري لا في أزيد من ذلك وهذا تفصيل حسن منه رضي الله عنه وكنت أعتقد بمضمونه ولم أر من صرح به


الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله قسم لتأكيد الخبر هو الله إني لاستغفر الله أي من تقصيري في الطاعة أو من رؤية نفسي في العبادة ولذا كان يعقب صلاته بالاستغفار على طريق الترجيع والتكرار وأتوب إليه أي أرجع إلى أحكامه بعد أحكام شرائعه وأعلامه ويمكن أن يكون الاستغفار إيماء إلى التفرقة والتوبة إليه إشارة إلى الجمع أو الاستغفار اشتغال بالخلق والتوبة التفات إلى الحق وهو مرتبة لجمع الجمع أو الاستغفار مراقبة والتوبة مشاهدة أو الاستغفار فناء والتوبة بقاء في اليوم أكثر من سبعين مرة يحتمل التحديد للرواية الآتية مائة مرة ويحتمل أن يراد بهما جميعا التكثير قال ابن الملك توبته كل يوم سبعين مرة واستغفاره سبعين ليس لذنب لأنه معصوم بل لاعتقاد قصوره في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال والإكرام وحث للأمة على التوبة والاستغفار فإنه مع كونه معصوما وكونه خير المخلوقات إذا استغفر وتاب إلى ربه في كل يوم أكثر من سبعين مرة فكيف بالمذنبين والاستغفار طلب المغفرة بالمقال والفعال جميعا والمغفرة من الله أن يصون العبد من أن يمسه عذاب قال علي رضي الله عنه كان في الأرض أمانان من عذاب الله فرفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسكوا به أما المرفوع فرسول الله وأما الباقي منهما فالاستغفار قال تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون الأنفال أقول إذا كان الاستغفار ينفع الكفار فكيف لا يفيد المؤمنين الأبرار وقيل استفغاره من ذنوب الأمة فهو كالشفاعة لهم رواه البخاري وعن الأغر بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء المزني نسبة إلى قبيل


مزينة مصغرا وقيل الجهني له صحبة وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث ذكر ميرك قال قال رسول الله إنه أي الشأن ليغان بضم الياء أي يطبق ويغشى أو بستر ويغطى على قلبي أيعند إرادة ربي وإنى لاستغفر الله أي لذلك الغين عن نظر العين بحجاب البين فوق مرتبة الأيمن في اليوم أي الوقت الذي أراد أو الوقت اللذي يغيب المريد في المراد وهو الذي يعبر عنه الصوفية بقولهم الصوفي ابن الوقت أو أبو الوقت وقد روى لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولأ نبي مرسل قيل المرد بالملك جبريل وبالنبي المرسل نفسه الجليل مائة مرة أريد به الكثرة لأن في ذلك المقام بسط الزمان وطى اللسان قال الطيبي أي تطبق أطباق الغين وهو الغيم يقال غينت السماء تغان وقال غيره الغين هو الغيم يقال غين عليه كذا أي غطى عليه وعلى قلبي رفوع على نيابة الفاعل يعني ليغشى على قلبه ما لا يخلو البشر عنه من سهو والتفات إلى حظوظ النفس من مأكول ومنكوح ونحوهما فإنه كحجاب وغيم بطبق على قللبه بينه وبين الملأ الأعلى حيلولة ما فيستغفر تصفية للقلب وإزاحة للغاشية وهو وإن لم يكن ذنبا لكنه من حيث أنه بالنسبة إلى سائر أحواله نقص وهبوط إلى حضيض البشرية يشابه الذنب فيناسبه الاستغفار قال عياض المراد فترات وغفلات في الذكر الذي شأنه الدوام فإذا فتر أو غفل عنه عده ذنبا واستغفر وقيل همه بسبب أمته وما اطلع عليه من أحوالهم فيستغفر له وقيل همه بسبب أمته وما اطلع عليه من أحوالهم فيستغفر له وقيل اشتغاله بالنظر في مصالح أمته ومحاربة أعدائه وتأليف المؤلفة ونحو ذلك من معاشرة الأزواج والأكل والشرب والنوم وذلك مما يحجبه عن عظيم مقامه وهو حضوره في حظيرة القدس فيعده ذنبا ويستغفر منه وقيل كما أن أطباق الجفن على الباصرة مصقلة لها وحفظ عن الغبار والدخان وما يضرها كذلك ما كان يرد على قلبه وقاية له وحفظا له عن غبار الأغيار وصقالة له فكان في الحقيقة كمالا وإن كان في صورة النقصان


كأطباق الجفن وبعد الصقل كان يرى قصورات لازمة للبشرية وقال ابن الملك قيل لما كان أتم القلوب صفاء وأكثرها ضياء وكأن لم يكن له بد من النزول إلى الرخص والالتفات إلى حظوظ النفس من معاشرة الأزواج والأكل والشرب والنوم ونحوها وكان إذا يعطي شيئا نفسه أسرع كدورته إلى القلب لكمال وقته وفرط نور أنيته فكان إذا أحس بشيء من ذلك يلوم نفسه بترك كمال الحضور ويعده تقصيرا ويستغفر منه ا ه والحاصل أن كل أحد فسر في مقاله بمقتضى حاله وفهم مبانيه وتحقيق معانيه فكل إناء يترشح بما فيه ولكن لا يخفى على المحققين أن لا يقاس الملوك بالحدادين فكذا لا يقاس أحوال القلب السليم بما يجري على القلب السقيم فالأولى أن ينزه قلبه عن الذنوب صورة ومعنى ويؤول الاستغفار والتوبة في حقه بطريق الإجمال تأويلا حسنا وتفصيل أحواله وبيان انتقاله من نقصانه إلى كماله يوكل إلى خالق القلوب وعلام الغيوب ولهذا لما سئل الأصمعي عن هذا الحديث فقال عن قلب من تروون هذا فقالوا عن قلب النبي فقال لو كان عن قلب غيره لكنت أفسره لك قال الطيبي ولله دره في انتهاجه منهج الأدب وإجلال القلب الذي جعله الله موقع وحيه ومنزل تنزيله وبعد فإن قلبه مشرب سد عن أهل اللسان موارده وفتح لأهل السلوك مسالكه ا ه فالمختار ما قال بعض الأخيار من أن


المختارات هذا من المتشابه الذي لايخاض في معناه ومجمل الكلام ما قاله القطب الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله هو غين أنوار لا غين أغيار وأقول هو غين العيم لا غين الغين رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله يا أيها الناس توبوا إلى الله الظاهر أن المراد بهم المؤمنون لقوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون النور وفي الآية والحديث دليل وشاهد على أن كل أحد في مقامه وحاله يحتاج إلى الرجوع لترقية كماله وإن كل أحد مقصر في القيام بحق عبوديته كما فضاه وقدره قال تعالى كلا لما يقض ما أمر عبس ويدل عليه أيضا قوله فإني أتوب إليه أي أرجع رجوعا يليق به إلى شهوده أو سؤاله أو اظهار الافتقار بين يديه في اليوم مائة مرة فأنتم أولى بأن ترجعوا إليه في ساعة ألف كرة رواه مسلم وعن أبي ذر قال قال رسول لله فيما يروى أي بواسطة أو بغيرها يقظة أو مناما باللفظ أو المعنى عن الله تبارك أي تكاثر خيره وظهر في هذا الخبر بعض أثره وتعالى أي عن مشابهة المخلوقين في الرواية وغيرها أنه ضبط بفتح الهمزة وكسرها فتأمل في الفرق بينهما قال يا عبادي قال الطيبي الخطاب للثقلين لتعاقب التقوى والفجور ويحتمل أن يعم الملائكة فيكون ذكرهم مدرجا في الجن لشمول الاجتنان لهم وتوجه هذا الخطاب لا يتوقف على صدور الفجور ولا على إمكانه ا ه وكذا الجوع والعرى لكن الأولى الحمل على الإمكان العقلي أو يحمل على الخطاب التغليبي إني حرمت الظلم على نفسي أي تقدست عنه وتعاليت فهو في حقي كالمحرم في حق الناس إذ لا يتصور في حقه ظلم سواء قلنا أن الظلم وضع الشيء في غير محله أو أنه التعدي في ملك الغير وهو المحمود في كل فعاله من غير فصل لأن فعله إما عدل وإما فضل وجعلته بينكم محرما قال ابن حجر أي تحريما غليظا جدا فهو آكد من حرمته عليكم فلذا عدل إليه ا ه والصحيح أن العدول لئلا يتوهم المشاركة ف


معنى التحريم السابق فلا تظالموا بفتح التاء حذفت إحدى التاءين تخفيفا أي لا يظلم بعضكم بعضا فإني أنتقم للمظلوم من ظالمه كما في الحديث يقول الله تعالى جل جلاله لأنتصرن للمظلوم ولو بعد حين وقال تعالى ولاتحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخيص فيه الأبصار إبراهيم فهو يمهل ولا يهمل يا عبادي كرره للتنبيه على فخامته والاعتناء بشأنه قاله ابن حجر والأظهر أنه إيماء إلى مقتضى العبودية من الافتقار إلى مراعاة حق الربوبية كلكم ضال أي عن كل كمال وسعادة دينية ودنيوية إلا من هديته قيل المراد به وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبي لا أنهم خلقوا في الضلالة والأظهر أن يراد أنهم لو تركوا بما في طباعهم لضلوا وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره وهو لا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام كل مولود يولد على الفطرة فإن المراد بالفطرة التوحيد والمراد بالضلالة جهالة تفصيل أحكام الإيمان وحدود الإسلام ومنه قوله تعالى ووجدك ضالا فهوى الضحى وقيل معناه عاشقا فاستهدوني أي اطلبوا الهداية مني أي نوع منها أهدكم إذ لا هادي إلا الله ولولا الله ما اهتدينا ولما فرغ من الامتنان بالأمور الدينية شرع في الأمور الدنيوية تكميلا للمرتبتين مقتصرا على الأمرين الأهمين منها وهو الأكل واللبس كقوله تعالى في وصف الجنة إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى طه ولعل ترك الظمأ اكتفاء بدلالة والمقابلة نحو قوله تعالى سرابيل تقيكم الحر النحل أي والبرد وترك المأوى لشمول الكسوة التي هي السترة له إيماء أو إشارة يا عبادي كلكم جائع أي محتاج إلى الطعام إلا من أطعمته وبسطت عليه الرزق وأغنيته فلا يشكل أن الإطعام عام للجميع فكيف يستثنى فاستطعموني أي اطلبوا الطعام من جناني وتيسير القوت والقوة من بابي أطعمكم يا عبادي كلكم عار أي محتاج إلى ستر عورته وإلى التنعم بأنواع


لباسه وزينته إلا من كسوته فاستكسوني أي اطللبوا مني الكسوة اكسكم بضم السين أي أيسر لكم ستر حالاتكم وأزيل عنكم مساوي كشف سوآتكم قال الطيبي فإن قلت ما معنى الاستثناء في قوله إلا من أطعمته وكسوته إذ ليس أحد من الناس محروما منهما قلت إلا طعام والكسوة لما كانا معبرين عن النفع التام والبسط في الرزق وعدمهما عن التقتير والتضييق كما قال الله تعالى أي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر الرعد سهل التفصى عن الجواب فظهر من هذا أن ليس المراد من إثبات الجوع والعرى في المستثنى منه نفي الشبع والكسوة بالكلية وليس في المستثنى اثبات الشبع والكسوة مطلقا بل المراد بسطهما وتكثيرهما ويوضحه الحديث الرابع عشر من الفصل الثاني أنه وضع قوله وكلكم فقراء إلا من أغنبيته في موضعه ا ه وهو في غاي


من البهاء وهو عين ما أخذه ابن حجر عنه ثم أغرب وقال وهذا الذي قررته أولى مما سلكه شارح فتأمله يا عبادي إنكم تخطئون بضمن التاء وكسر الطاء وبفتحهما وقيل يجوز ضمهما تخفيفا بحذف الهمزة في القاموس خطأ في ذنبه وأخطأ سلك سبيل الخطأ عامدا أو غير والخاطىء متعمده وأخطيت لغة أو لثغة وهي تحول اللسان من حرف والمعنى تذنبون بالفعل باعتبار أكثرهم وبالقوة باعتبار أقلهم وأما قول ابن حجر غير المعصومين إذ ليسوا مرادين بهذا فهو خطأ ظاهر لعموم عبادي الشتمل لهم ولغيرهم في السببق واللاحق نعم حسنات الأبرار سيئات المقربين واستغفارهم غير استغفار المذنبين بالليل والنهار أي في هذين الزمانين وأما تخصيص النهاء في قوله تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار الأنعام لغلبة الذنب فيه وأنا أغفر الذنوب جميعا أي بالتوبة أو ما عدا الشرك إن شاء جمعا بين آيتي الزمر والنساء أو بالاستغفار والإذكار ونحوهما فاستغفروني أي اطلبوا المغفرة مني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري بفتح الضاد وضمه فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني حذف نون الإعراب منهما في نصبهما على جواب النفي أي لا يصح منكم ضري ولا نفعي فإنكم لو اجتمعتم على عبادتي أقصى ما يمكن ما نفعتموني في ملكي ولو اجتمعتم على عصياني أقصى ما يمكن لم تضروني بل إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها وهذا معنى قوله يا عبادي لو إن أولكم أي من الموجدين وآخركم ممن سيوجد وقال ابن الملك أي من الأموات والأحياء والمراد جميعكم وانسكم وجنكم تعميم بعد تعميم للتأكيد أو تفصيل وتبيين كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم أي لو كنتم على غاية التقوى بأن تكونوا جميعا على تقوى أتقى قلب رجل واحد منكم وقال القاضي أي على تقوى أتقى أحوال قلب رجل أي كان كل واحد منكم على هذه الصفة وقال الطيبي لا بد من إحدى التقديرين ليستقيم أن يقع أتقى خبرا لكان ثم إنه لم يردأن كلهم بمنزلة رجل واحد هو


أتقى الناس بل كان واحد من الجمع بمنزلته لأن هذا أبلغ كقولك ركبوا فرسهم وعليه قوله تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم البقرة في وجه ثم ءضافة أفعل إلى نكرة مفردة تدل أنك لو تقصيت قلب رجل من كل الخلائق لم تجد أتقى قلبا من هذا الرجل ا ه ولهذا فسر بقلب نبينا وقلب الأشقى بقلب ابليس ما زاد ذلك أي ما ذكر في ملكي شيئا أما مفعول به أو مصدر وهذا راجع إلى لن يبلغوا ففي فتنفعوني نشرا مشوشا اعتمادا على فهم السامع ولمقاربة المناسبة بين المتوسطين ويسمى ترقيا وتدليا ونظيره قوله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم آل عمران الآية يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر أي فجور أفجرأ وعلى أفجر أحوالهم قلب رجل واحد منكم ما نقص بالتخفيف ذلك


أي ما ذكر من ملكي شيئا قال الطيبي يجوز أن يكون مفعولا به إن قلنا إن نقص متعد ومفعولا مطلقا إن قلنا إنه لازم أي نقص نقصانا قليلا والتنكير فيه للتحقير بدليل قوله في الحديث الآتي بدله جناح بعوضة وهذا راجع إلى قوله لن يبلغوا ضري فيضروني وأغرب ابن حجر بقوله نقص متعد إلى مفعولين في الأفصح وشيئا مفعوله الثاني نحو لم ينقصوكم شيئا ا ه ووجه غرابته أنه ليس في الحديث مفعول آخر حتى يكون شيئا مفعوله الثاني ولعله توهم أن ذلك هو المفعول الأول وهو خطأ لفساد المعنى والصواب أنه فاعل نقص فإذا كان كذلك فتعين ما قاله الطيبي مع أن استدلاله بالآية غير صحيح لأن شيئا فيها يحتمل أن يكون منصوبا على المصدرية أي شيئا من النقص ويحتمل أن نصبه على المعفولية أي شيئا ممن شروط العهد وحيئنذ يحتمل كون ينقصوكم من باب الحذف والإيصال أي لم ينقصوا منكم أي من عهودكم شيئا قال أبو البقاء الجمهور بالصاد وقرىء بالضاد أي عهودكم فحذف المضاف وشيئا في موضع المصدر يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا أي وقفوا واستمروا في صعيد أي مقام واحد قال ابن خجر الصعيد يطلق على التراب وعلى وجه الأرض وهو المراد هنا قلت فهو المراد في الآية أيضا مطابقة لما بينهما لأن بعضهما يفسر بعضا فسألوني أي كلهم أجمعون قال الطيبي رحمه الله قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسؤل ويهم ويعسر عليه انجاح مآربهم واسعاف مطالبهم فأعطيت كل انسان مسألته أي في آن واحد وفي مكان واحد ما نقص ذلك أي الأعطاء مما عندي قال تعالى وإن من شيء إلا عندنا خزائنه الحجر إلا كما ينقص أي كالنقص أو الشيء الذي ينقصه المخيط بكسر الميم وسكون الخاء أي الإبرة إذا أدخل البحر بالنصب على أنه مفعول ثان للإدخال قال الطيبي لما لم يكن ما ينقصه المخيط محسوسا ولا معتدا به عند العقل بل كان في حكم العدم كان أقرب المحسوسات وأشبهها بإعطاء حوائج الخلق


كافة فإنه لا ينقص مما عنده شيئا وقال ابن الملك أو يقال إنه من باب الفرض والتقدير يعني لو فرض النقص في ملك الله لكان بهذا المقدار يا عبادي إنما هي أي القصة أعمالكم أحصيها أي أحفظها وأكتبها عليكم كذا في الأصول المعتمدة بلفظ عليكم وهو المناسب للمقام ووقع في أصل أين حجر لكم وقال وفي نسخة عليكم وقال الطيبي أي جزاء أعمالكم تفسير للضمير المبهم وقيل هو راجع إلى ما يفهم من قوله على أتقى قلب رجل وعلى أفجر قلب رجل وهو الأعمال الصالحة والطالحة أي ليس نفع أعمالكم راجعا إلي بل إليكم ثم أوفيكم إياها التوفية عطاء حق واحد على التمام أي على أعطيكم جزاء أعمالكم وافيا تاما إن خير فخير وإن شر فشر فمن وجد خيرا أي توفيق خير من ربه وعمل خير من نفسه فليحمد الله أي على توفيقه إياه للخير لأنه الهادي ومن وجد غير ذلك أي شرا أو أعم منه فلا يلومن إلا نفسه لأنه صدر من نفسه أو لأنه باق على ضلاله الذي أشير


إليه بقوله كلكم ضال قال ابن الملك هذا صريح في أن الخير من الله والشر من النفس وهذا غريب وعجيب منه إذ تقرر في المعتقد وتحرر في المعتمد أن الخير والشر كله من الله خلقا ومن العبد كسبا خلافا للخوارج والمعتزلة من أهل البدعة نعم ينسب الشر إلى النفس أدبا مع الله تعالى كما قيل في قوله وإذا مرضت فهو يشفين القراء وهذا معنى قوله الخير بيديك والشر ليس إليك وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه تعظيما رواه مسلم وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله كان في بني إسرائيل رجل أي منهم أو من غيرهم قتل تسعة وتسعين إنسانا أي ظلما ثم خرج أي من بينهم بعد يأسه منهم مترددا يسأل أي يستفتى الناس عن قبول توبته فأنى راهبا أي عابدا زاهدا معتزلا عن الخلق مقبلا على الحق غالبا عليه الخوف قال ومن لازمه عندهم أن يكون عالما فسأله فقال أي القاتل أله أي لهذا الفعل أو لهذا الفاعل وقال ابن حجر فقال له أي بعد أن قص القصة غير مسندها لنفسه بأن قال ما تقول في رجل قتل الخ أله أي للقاتل المذكور توبة أي صحيحة قيل ليس في البخاري الهمزة وذكر الشيخ أن قوله له توبة حذف منه أداة الاستفهام وفيه تجريد لأن حق القياس أن يقول ألي توبة وروي هل لي توبة وفي نسخة كما في نسخة المصابيح ألي توبة قال أي الراهب في جوابه لا أي لا توبة له أو لك أما جهلا منه بعلم التوبة وإما الغلبة الخشية عليه وأما لتصور عدم إمكان إرضاء خصومه عنه فقتله لعله لكونه أوهمه أنه لا يقبل له توبة منها وأن رضي مستحقوها قال الطيبي فيه إشكال لأنا إن قلنا لا فقد خالفنا نصوصا أو نعم خالفنا أيضا أصل الشرع فإن حقوق بني آدم لا تسقط بالتوبة بل توبتها أداؤها إلى مستحقيها أو الاستحلال منها فالجواب أن الله تعالى إذا رضى عنه وقيل توبته يرضى خصمه وجعل أي شرع يسأل فقال له رجل ائت قرية كذا باسمها وكذا بوصفها أي القرية الفلانية التي أهلها صلحاء وتب إلى الله فإن


الله يقبل التوبة عن عباده فقصد تلك القرية فأدركه الموت أي أماراته وسكراته فالفاء عطف على محذوف أي فقصدها وسار نحوها وقرب من وسط طريقها فناء أي نهض ومال بصدره لأن المدار عليه في الاستقبال فجعله نحوها أي نحو القرية الفلانية
فاختصمت أي تخاصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أي في قبض روحه من عزرائيل يعني قالت ملائكة الرحمة نحن تذهب به إلى الرحمة لأنه تائب لتوجهه إلى هذه القرية للتوبة وقالت مالائكة العذاب نحن نذهب به إلى العذاب لأنه قتل مائة نفس ولم يتب بعد فأوحى الله أي إليهم إلى هذه أي القرية التي توجه إليها للتوبة وأمرها أن تقربي بفتح التاء ويحتمل أن تكون مفسرة لما في الوحي من معنى القول أي تقربي إلى الميت وإلى هذه أي القرية التي هاجر منها قاله الطيبي أو القرية التي قتل فيها الراهب وهو الظاهر أن تباعدي بفتح التاء أي عن الميت فهذا فضل في صورة عدل وفيه إيماء إلى أن نية المؤمن خير من عمله ومن قال هي إشارة إلى الملائكة فقد خالف الرواية والدراية فقال أي الله كما في نسخة قيسوا الخطاب للملائكة المتخاصمين أي قدروا ما بينهما أي بين القريتين فإلى أي قرية أقرب فإلحاقة بأهلها أوجب فوجد أي الميت المتنازع فيه إلى هذا القرية التي توجه إليها وهي قرية الصالحين أقرب بشبر فغفر له دل على سعة رحمة الله تعالى لطالب التوبة فضلا عن التائب رزقنا الله تعالى توبة نصوحا قال الطيبي إذا رضي الله عن عبده أرضى عنه خصومه ورد مظالمه ففي الحديث ترغيب في التوبة ومنع الناس عن اليأس متفق عليه قال البغوي وفي رواية لمسلم فدل على رجل عالم فقال أنه قتل مائة نفس هل له من توبة قال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى نصف الطريق أناه الموت فاختصمت ملائكة الرحمة ملائكة العذاب فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال


قيسوا ما بين الأرضي فإلى أيتهما أدنى فهو له فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة ا ه وفيه تفضيل العالم على العابد وعن أبي هريرة قال قال رسول الله والذي نفسي بيده أي إيجادها وإمدادها بقدرته وقوته لو لم تذنبوا أي أيها المكلفون أو أيها المؤمنون لذهب الله بكم الباء للتعدية كما في قوله ولجاء بقوم أي آخرين من جنسكم أو من غيركم يذنبون أي يمكن وقوع الذنب منهم ويقع بالفعل عن بعضهم فيستغفرون الله أي فيتوبون أو يطلبون المغفرة مطلقا فيغفر لهم لاقتضاء صيغة الغفار والغفور ذلك قال زين العرب فيه تحريض على استيلاء الرجاء


على الخوف وقال الطيبي ليس الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله فإن الأنبياء صلوات وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب بل بيان لعفو الله تعالى وتجاوز عن المذنبين ليرغبوا في التوبة والمعنى المراد من الحديث هو أن الله كما أحب أن المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسيئين وقد دل على ذلك غير واحد من أسمائه الغفار الحليم التواب العفو ولم يكن ليجعل العباد شأنا واحدا كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميالا إلى الهوى متلبسا بما يقتضيه ثم يكلفه التوقي عنه ويحذره عن مداناته ويعرفه التوبة بعد الابتلاء فإن وفى فأجره على الله وإن أخطأ الطريق فالتوبة بين يديه فأراد النبي به أنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب فيتجلى عليهم بتلك الصفات على مقتضى الحكمة فإن الغفار يستدعي مفغورا كما أن الرزاق يستدعي مرزوقا قال الطيبي وتصدير الحديث بالقسم رد لمن ينكر صدور الذنب عن العباد ويعده نقصا فيهم مطلقا وإن الله لم يرد من العباد صدوره كالمعتزلة ومن سلك مسلكهم فنظروا إلى ظاهره وأنه مفسدة ولم يقفوا على سرمإنه مستجاب للتوبة التي هي توقع محبة الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وأن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ولله أشد فرجا بتوبة عبده الحديث ولعل السر في هذا إظهار صفة الكرم والحلم والغفران ولو لم يوجد لانثلم طرف من ظهور صفات الألوهية والإنسان إنما هو خليفة الله في أرضه يتجلى له بصفات الجلال والإكرام والقهر واللطف والأنعام والملائكة لما نظروا إلى القهر والجلال قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء البقرة والله تعالى حين نظر إلى صفة اللطف والإكرام قال أنى أعلم ما لا تعلمون البقرة وإلى هذا المعنى يلح قوله لذهب الله بكم ولم يكتف بقوله ولم يذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ا ه فهو نظير ما


ورد كلكم خطاؤون وخير الخطائين التوابون رواه مسلم وعن أبي موسى قال قال رسول الله إن الله يبسط يده قيل بسط اليد عبارة عن الطلب لأن عادة الناس إذا طلب أحدهم شيئا من أحد بسط إليه كفه وقال النووي البسط كناية عن قبول التوبة وعرضها فلا يرد عليه ما ذكره ابن حجر من أن قوله غير مناسب للحديث فإنه ينحل إلى أنه يقبل التوبة بالليل ليتوب مسيء النهار الخ فظاهر أنه ليس مرادا إذ قبول التوبة بالليل ليس علة لتوبة النهار وعكسه لأنه لا معنى لقبوله التوبة قبل وجودها فالمعنى يدعو المذنبين إلى التوبة بالليل ليتوب مسيء النهار أي لا يعاجلهم بالعقوبة بل يمهلهم ليتوبوا


ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل وقيل البسط عبارة عن التوسع في الجود والعطاء والتنزه عن المنع وفي الحديث تنبيه على سعة رحمته وكثرة تجاوزه عن الذنوب وقال الطيبي تمثيل يدل على أنه التوبة مطلوبة عنده محبوبة لديه كأنه يتقاضاها من المسيء حتى تطلع الشمس من مغربها فحينئذ يغلق بابها قال تعالى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها الأنعام الآية قال ابن الملك مفهوم هذا الحديث وأشباهه يدل على أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من المغرب إلى يوم القيامة وقيل هذا مخصوص لمن شاهد طلوعها فمن ولد بعد ذلك أو بلغ وكان كافرا وآمن أو مذنبا فتاب يقبل إيمانه وتوبته لعدم المشاهدة رواه مسلم وعن عائشة رضي الله عنه قالت قال رسول الله إن العبد إذا اعترف أي أقر بكونه مذنبا وعرف ذنبه ثم تاب أتى بأركان التوبة من الندم والخلع والعزم والتدارك تاب الله عليه أي قبل توبته لقوله تعالى وهو الذي يقبل التوبة عن عباده الشورى قال الطيبي وحقيقته أن الله يرجع عليه برحمته متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه قال الطيبي هذا حد لقبول التوبة قال تعالى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسها إيمانا الأنعام ولقبولها حد آخر وهو أن يتوب قبل أن يغرغر ويرى بأس الله لأن المعتبر هو الإيمان بالغيب رواه مسلم وعن أنس قال قال رسول الله لله بفتح لام الابتداء أو القسم أشد فرحا أي رضا يعني أرضى بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم أي من فرح أحدكم وسروره


ورضاه يعني تقع التوبة من الله تعالى في القبول والرضا موقعا يقع في مثله ما يوجب فرط الفرح ممن يتصور في حقه ذلك قال الطيبي المراد كمال الرضا لأن الفرح المتعارف لا يجوز عليه تعالى والمتقدمون من أهل الحديث فهموا من أمثال ذلك ما يرغب في الأعمال الصالحة ويكشف عن فضل الله تعالى على عباده مع كونه منزها عن صفات المخلوقين ولم يفتشوا عن معاني هذه الألفاظ وهذه هي الطريقة السليمة وقلما يزبغ عنه قدم الراسخ كان راحلته وفي نسخة كانت راحلته بأرض فلاة بالإضافة وبنون أي مغازة فانفلتت منه أي نفرت وعليها أي على ظهرها طعامه وشرابه خصا لأنهما سببا حياته فايس منها أي من وجد أن الراحلة بعد طلبها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها حال كونه قد أيس من راحلته أي من حصولها ووصولها فبينما هو كذلك أي في هذا الحال منكسر البال إذ هو بها قائمة عنده أي إذ الرجل حاضر بتلك الراحلة حال كونها قائمة عنده من غير طلب ولا تعب فأخذ بخطامها أي زمامها فرحا بها فرحا لا نهاية له ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ أي بسبق اللسان عن نهج الصواب وهو أنا عبدك وأنت ربي من شدة الفرح كرره لبيان عذره وسبب صدوره فإن شدة الفرح والحزن ربما يقتل صاحبه ويدهش عقله حتى منع صاحبه من إدراك البديهيات رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن عبدا أي من هذه الأمة أو من غيرهم أذنب ذنبا فقال ظاهرة أنه عطف على أذنب وقال الطيبي خبر إن إذا كان اسمها نكرة موصوفة رب أي يا رب أذنبت أي ذنبا فاغفره أي الذنب الفاء سببية جعل اعترافه بالذنب سببا للمغفرة حيث أوجب الله المغفرة للتائبين المعترفين بالسيئات على سبيل الوعد ويصح الأخذ بظاهره أنه سأل المغفرة من غير توبة وهذا أبلغ في سعة رحمته فقال ربه أي للملائكة أعلم عبدي بهمزة الاستفهام وفعل الماضي قال الطيبي رحمه الله قيل أما استخبار من الملائكة وهو أعلم به للمباهاة وأما استفهام للتقرير والتعجيب وإنما


عدل من الخطاب وهو قوله أعلمت عبدي إلى الغيبة شكر الصنيعة إلى غيره وإحماد اله على فعله أن له ربا يغفر الذنب أي إذا شاء لمن شاء ويأخذ به أي يؤاخذ ويعاقب فاعله إذا شاء لمن شاء غفرت لعبدي أي ذنبه

ثم مكث بفتح الكاف وضمها ما شاء الله أي لبث مطيعا مدة مشيئة الله ثم أذنب ذنبا فقال رب أذنبت ذنبا أي آخر فاغفره وهو يحتمل أن يكون مع التوبة وبدونها فقال أعلم عبدي أن له ربا أي عظيما يغفر الذنب أي العظيم أو جنس الذنب تاره ويأخذ به أي أخرى غفرت لعبدي أي لتوبته أو لعلمه بذلك وهو الأقرب ثم مكث ما شاء الله أي من الزمان ثم أذنب ذنبا تفيد ثم والثانية يؤكدها وهذا يدل على عظمة المذنب وإن طاعته تغلب معصيته وأنه سريع الرجوع إلى طلب مغفرته فقال رب أذنبت ذنبا آخر أي من جنسه أو من غير جنسه فاغفره لي فقال أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب أي بالاستغفار ويأخذ به أي على الإصرار غفرت لعبدي أي لأنه عبدي بقوله في كل ذنب ربي فليفعل وفي نسخة وهي كما في المصابيح فليعمل ما شاء أي إذا كانت على هذا الحال بهذا المنوال وقال ابن الملك أي ما شاء من الذنوب التي بيني وبينه مما لا يتعلق بفعل العباد ثم ليتب وهو تقييد بلا دليل فإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ثم هذه الصيغة للتلطف وإظهار العناية والشفقة أي إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل واستغفرت منه غفرت لك فإني أغفر الذنوب وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة وأغرب ابن الملك حيث قال هنا أي ما دمت تتوب وتستغفر عنها ولكن ذلك مشروط بأن تكون نيته أن لا يعود إلى الذنب ا ه لأن هذا الذي ذكره شرطا هو من أركان التوبة وقال الطيبي أي اعمل ما شئت ما دمت تذنب ثم تتوبني أغفر لك وهذه العبارة تستعمل في مقام السخط كقوله تعالى اعملوا ما شئتم فصلت مرادا هنا وفي مقام الجفاوة يعني مقام التلطف كما في الحديث وفي قوله في حق حاطب بن أبي


بلتعة لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وكما تقول لمن تحبه ويؤذيك اصنع ما شئت فلست بتارك لك وليس المراد من ذلك الحث على الفعل بل إظهار الجفاوة وقال القرطبي فائدة هذا الحديث أن العود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه لأنه أضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها لأنه أضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم والإلحاح في سؤاله والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواء وقال النووي في هذا الحديث أن الذنوب وإن تكررت مائة مرة بل ألفا أو أكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته ولو تاب من الجميع توبة واحدة صحت توبته قلت هذا الأخير بالإجماع وإنما خالف من خالف إذا تاب من بعض الذنوب أو إذا


نقض التوبة والصحيح صحتها وقال السبكي الكبير الاستغفار طلب المغفرة باللسان أو بالقلب أو بهما الأول فيه نفع لأنه خير من السكوت ولأنه يعتاد فعل الخير والثاني نافع جدا والثالث أبلغ منه لكنهما لا يمحصان الذنوب حتى توجد التوبة فإن العاصي المصر يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التوبة منه قلت قوله لا يمحصان الذنب حتى توجد التوبة مراده أنه لا يمحصانه قطعا وجزما لا أنه لا يمحصانه أصلا لأن الاستغفار دعاء وقد يستجيب الله دعاء عبده فيمحص ذنبه ولأن التمحيص قد يكون بفضل الله تعالى أو بطاعة من العبد أو ببلية فيه ثم قال والذي ذكرته من أن معنى الاستغفار غير معنى التوبة وهو بحسب وضع اللفظ لكنه غلب عند كثير من الناس أن لفظ أستغفر الله معناه التوبة فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة لا محالة ثم قال وذكر بعض العلماء أن التوبة لا تتم إلا بالاستغفار لقوله تعالى وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه هود والمشهور أنه لا يشترط ا ه واعلم أن أكثر الشراح هنا حملوا الاستغفار على التوبة وظاهر الحديث يدل على أن اعتراف العبد بذلك سبب للغفران ولا موجب للمعدول عنه بل في الحديث تعريض لمن قال أنه تعالى لا يغفر إلا بالتوبة كما ذهب إليه لمعتزلي والله تعالى أعلم متفق عليه ورواه النسائي وعن جندب أن رسول الله حدث أي حكي لأصحابه لأن رجلا يحتمل أنه من هذه الأمة أو من غيرهم قال والله لا يغفر الله فلان قاله استكثارا أو استكبارا لذنبه أو تعظيما لنفسه حين جنى عليه كما يصدر عن بعض جهلة الصوفية وإن الله تعالى بفتح الهمزة أي وحدث أن الله تعالى وبكسرها أي والحال أن الله تعالى قال من ذا الذي يتألى علي بفتح الهمزة وتشديد اللام المفتوحة أي يتحكم علي ويحلف باسمي أنى لا أغفر لفلان فأني قد غفرت لفلان أي رغما لأنفك وأحبطت عملك قال المظهر أي أبطلت قسمك وجعلت حلفك كاذبا لما ورد في حديث آخر من يتألى على الله يكذبه فلا متمسك للمعتزلة أن


الكبيرة مع عدم الاستحلال يخلد في النار كالكفر يحبط عمله قال الطيبي هذا استفهام إنكار والظاهر أن يقال أنت الذي يتألى علي ويدل عليه قوله وأحبطت عملك وإنما عدل عن الخطاب أولا شكاية صنيعه إلى غيره وإعراضا عنه على عكس الحديث السابق ولا يجوز لأحد الجزم بالجنة أو النار إلا لمن ورد فيه نص كالعشرة المبشرة بالجنة فإن قلنا أن قوله هذا كفر فأحبطت عملك ظاهر وإن قلنا أنه معصية فكذا على مذهب المعتزلة وأما على مذهب أهل السنة فيكون محمولا على التغليظ ا ه وفيه أنه يبعد كونه كفرا وعلى التنزل فقوله ظاهر أي على مذهبنا لأن


في مذهب الشافعي يشترط للإحباط موته على الكفر ولا يعرف في مذهب المعتزلي أن كل معصية تحبط جميع الأعمال ثم حمله على ما ذكرناه أولى من حمله على التغليظ مع أنه لا ينافيه والله تعالى أعلم أو كما قال شك الراوي أي قال الرسول أو غيره ما ذكرته أو قال مثل ما ذكرته لك وهو تنبيه على النقل بالمعنى وهو الأولى لئلا يتوهم نقل اللفظ أيضا رواه مسلم وعن شداد بن أوس قال قال رسول الله سيد الاستغفار قال الطيبي استعير لفظ السيد من الرئيس المقدم الذي يعمد إليه في الحوئج لهذا الذي هو جامع لمعاني التوبة كلها وقد سبق أن التوبة غاية الاعتذار ا ه وتبعه ابن حجر وهو يفيد أن المراد بالاستغفار إنما هو التوبة والظاهر من الحديث الإطلاق مع أن جامعيته لمعاني التوبة ممنوعة كما لا يخفى إذ ليس فيه إلا الاعتراف بالذنب الناشيء عن الندامة وأما العزم على أن لا يعود وأداء الحقوق لله والعباد فلا يفهم منه أصلا أن تقول أي أيها الراوي أو أيها المخاطب خطابا عاما اللهم أنت ربي أي ورب كل شيء بالإيجاد والإمداد لا إله إلا أنت أي للعباد خلقتني استئناف بيان للتربية وأنا عبدك أي مخلوقك ومملوكك وهو حال كقوله وأنا على عهدك ووعدك أي أنا مقيم على الوفاء بعهد الميثاق وأنا موقن بوعدك يوم الحشر والتلاق ما استطعت أي بقدر طاقتي وقيل أي على ما عاهدتك ووعدتك من الإيمان بك والإخلاص من طاعتك وأنا مقيم على ما عاهدت إلي من أمرك ومتمسك به ومتنجز وعدك في المثوبة والأجر عليه واشتراط الاستطاعة اعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب في حقه تعالى أي لا أقدر أن أعبدك حق عبادتك ولكن أجتهد بقدر طاقتي وقال صاحب النهاية واستثنى بقوله ما استطعت موضع القدر السابق لأمره أي إن كان قد جرى القضاء على أن أنقض العهد يوما فإني أميل عند ذلك إلى الاعتذار بعدم الاستطاعة في دفع ما قضيت أعوذ بك من شر ما صنعت أي من أجل شر صنعي بأن لا تعاملني بعملي أبوء لك أي ألتزم وأرجع


وأقر بنعمتك علي وأبوء بذنبي قال ابن حجر أي الذنب العظيم الموجب للقطيعة لولا واسع عفوك وهامع فضلك ا ه وهو ذهول وغفلة منه إن هذا لفظ النبوة وهو معصوم حتى عن الزلة وأغرب من هذا أنه طعن في عبارة الطيبي مع كمال حسنها حيث قال أعترف أولا بأنه تعالى أنعم عليه ولم يقيده ليشمل كل الأنعام ثم اعترف بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها وعده ذنبا مبالغة في هضم النفس تعليما للأمة فاغفر لي فإنه
لا يغفر الذنوب أي ما عدا الشرك إلا أنت قال أي النبي ومن قالها أي هذه الكلمات من النهار أي في بعض أجزائه موقنا بها نصب على الحال أي حال كونه معتقد الجميع مدلولها إجمالا أو تفصيلا فمات من يومه احتيج إليه مع كون الفاء للتعقيب لأن تعقيب كل شيء بحسبه كتزوج فولد له وهذا لا يوجب قولها في ذلك اليوم قبل أن يمسي أي تغرب شمسه فهو زيادة إيضاح وتأكيد فهو من أهل الجنة أي يموت مؤمنا فيدخل الجنة لا محالة أو مع السابقين ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة رواه البخاري وكذا النسائي وفي رواية البزار على ما ذكره في الحصن سيد الاستغفار أن يقول الرجل إذا جلس في صلاته فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب أي ما عدا الشرك إلا أنت قال أي النبي ومن قالها أي هذه الكلمات من النهار أي في بعض أجزائه موقنا بها نصب على الحال أي حال كونه معتقد الجميع مدلولها إجمالا أو تفصيلا فمات من يومه احتيج إليه مع كون الفاء للتعقيب لأن تعقيب كل شيء بحسبه كتزوج فولد له وهذا لا يوجب قولها في ذلك اليوم قبل أن يمسي أي تغرب شمسه فهو زيادة إيضاح وتأكيد فهو من أهل الجنة أي يموت مؤمنا فيدخل الجنة لا محالة أو مع السابقين ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة رواه البخاري وكذا النسائي وفي رواية البزار على ما ذكره في الحصن سيد الاستغفار أن يقول الرجل إذا جلس في صلاته
الفصل الثاني


عن أنس قال قال رسول الله قال الله تعالى يا ابن آدم إنك دعوتني ورجوتني ما مصدرية فيه أي ما دمت تدعوني وترجوني يعني في مدة دعائك ورجائك غفرت لك على ما كان فيك أي حال كونك مستمرا على ما وجدته فيك من الذنب ويستثنى منه الشرك لخبره تعالى ولما سيأتي وظاهره أنه ولو بغير توبة ويؤيده قوله ولا أبالي أي والحال أني لا أتعظم مغفرتك علي وإن كان ذنبا كبيرا أو كثيرا فإن رحمتي سبقت أو غلبت غضبى قال الطيبي في قوله ولا أبالي معنى لا يسئل عما يفعل ابن آدم وفي رواية يا ابن آدم أي يا هذا الجنس فيشمل آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء بفتح العين أي سحابها وقيل ما علا منها أي ظهر لك منها إذا رفعت رأسك إلى السماء قال الطيبي العنان السحاب وإضافتها إلى السماء تصوير لارتفاعه وإنه بلغ مبلغ السماء ويروي أعنان السماء أي نواحيها جمع عنن وقيل إضافته من باب التأكيد كقوله تعالى فخر عليهم السقف من فوقهم النحل وأما قول ابن حجر السماء تطلق على الجرم المعهود وعلى كل ما ارتفع كالسحاب فالإضافة حينئذ بيانية أي سحاب هو السماء فغير صحيح لأن الإضافة بمعنى من البيانية إنما تكون من جنس المضاف


الصادق عليه وعلى غيره بشرط أن يكون المضاف أيضا صادقا على غير المضاف إليه فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه كخاتم فضة والمعنى لو تجسمت ذنوبك وملأت بين السماء والأرض ثم استغفرتني غفرت لك أي إن شئت ولا أبالي أي من أحد وفيه مع تكريره رد بليغ على المعتزلة ابن آدم وفي رواية يا ابن آدم إنك لو لقيتني بقراب الأرش بضم القاف ويكسر أي بمثلها خطايا تمييز قراب أي بتقدير تجسمها ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا الجملة حال من الفاعل أو المفعول على حكاية الحال الماضية لعدم الشرك وقت للقيء لأتيتك وفي رواية لآتيك بصيغة المضارع المتكلم بقرابها مغفرة تمييزا أيضا قال الطيبي ثم هذه للتراخي في الأخبار وإن عدم الشرك مطلوب أولى ولذلك قال لقيتني وقيد به وإلا لكان يكفي أن يقال خطايا لا تشرك بي أقول فائدة القيد أن يكون موته على التوحيد رواه الترمذي أي عن أنس ورواه أحمد الدرامي عن أبي ذر وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وعن ابن عباس عن رسول الله قال قال الله تعالى من علم إني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له قال الطيبي رحمه الله دل على أن اعتراف العبد بذلك سبب للغفران وهو نظير قوله إما عند ظن عبدي بي وفي قوله ذو قدرة تعريض بالوعيدية لمن قال أنه لا يغفر إلا بالتوبة ويشهد لهذا التعريض قوله ولا أبالي وأما تقييده بقوله ما لم يشرك بي شيئا فهو لحكمة اقتضته والله أعلم بها وإلا فلا مانع من جهة العقل وكمال الفضل ولعلها اقتضاء الأسماء الجلالية والصفات الجبروتية من القهار والمنتقم وشديد العقاب وأمثالها فلا بد لها من المظاهر لآثار السخط والغضب كما أن للأسماء الجمالية والنعوت الرحموتية مظاهر وللغفارية والغفورية مظاهر ممن يذنب يستغفر فيغفر ولحصول الفصل بين الفضل والعدل روى أن حماد بن سلمة عاد سفيان الثوري فقال له سفيان أترى الله يغفر لمثلي فقال حماد لو خيرت بين محاسبة الله إياي وبين محاسبة أبوي لأخترت محاسبة الله على محاسبة أبوي


لأن الله أرحم
من أبوي ا ه في ضمن فصل الخطاب رواه أي البغوي في شرح السنة بإسناده وعنه أي عن ابن عباس قال قال رسول الله من لزم الاستغفار أي عند صدور معصية وظهور بلية أو من دوام عليه فإنه في كل نفس يحتاج إليه ولذا قال طوبئ لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا رواه ابن ماجه بإسناد حسن صحيح جعل الله له من كل ضيق أي شدة ومحنة مخرجا أي طريقا وسببا يخرج إلى سعة ومنحة والجار متعلق به وقدم عليه للاهتمام وكذا ومن كل هم أي غم يهمه فرجا أي خلاصا ورزقه أي حلالا طيبا من حيث لا يحتسب أي لا يظن ولا يرجو ولا يخطر بباله وفيه إيماء إلى قول الصوفية أن المعلوم شؤم ولعله لتعلق القلب إليه والاعتماد عليه ولا ينبغي التعلق إلا بالحق والتوكل على الحي المطلق والحديث مقتبس من قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا الطلاق فتأمل في الآية فإن فيها كنوزا من الأنوار ورموزا من الأسرار والحديث أما تسلية للمذنبين فنزلوا منزلة المتقين أو أراد بالمستغفرين التائبين فهم من المتقين أولان الملازمين للاستغفار لما حصل لهم مغفرة الغفار فكأنهم من المتقين قال الطيبي من دوام الاستغفار وأقام بحقه كان متقيا وناظرا إلى قوله تعالى فقلت استغفروا ربكم أنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا نوح الآية روي عن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب فقال استغفر الله وشكا إليه آخر الفقر وآخر قلة النسل وآخر قلة ريع أرضه فأمرهم كلهم بالاستغفار فقيل له شكو إليك أنواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار فتلا الاية رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ورواه النسائي وابن حبان وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال قال رسول الله ما أصر ما نافية أي ما دام على المعصية من استغفر أي من كل سيئة وإن عاد أي ولو رجع إلى ذلك الذنب


أو غيره في اليوم أو الليلة سبعين مرة ظاهره التكثير والتكرير قال بعض علمائنا المصر هو الذي لم يستغفر ولم يندم على الذنب والاصرار على الذنب إكثاره وقال ابن الملك الاصرار الثبات والدوام على المعصية يعني من عمل معصية ثم استغفر فندم على ذلك خرج عن كونه مصر أو قال الطيبي الاستغفار يرفع الذنوب وما ورد في الحديث من أنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار فقد قيل حد الإصرار أن يتكرر منه الصغيرة تكرارا وقال ابن حجر يحتمل أن يراد بالاستغفار التوبة وحينئذ فنفي الإصرار ظاهر وإن يراد به لفظه مع ذلك قد يمحو الذنب كما علم مما سبق يشعر بقلة مبالاته كأشعار الكبيرة وكذا إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر رواه الترمذي وأبو داود وعن أنس قال قال رسول الله كل بني آدم خطاء أي كثير الخطأ أفرد نظرا إلى لفظ الكل وفي رواية نظرا إلى معنى الكل قيل أراد الكل من حيث هو كل أوكل واحد وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فأما مخصوصون عن ذلك وأما أنهم أصحاب صغائر والأول أولى فإن ما صدر عنهم من باب ترك الأولى أو من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين أو يقال الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة على الخطأ والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى العصيان وخير الخطائين التوابون أي الرجاعون إلى الله من المعصية إلى الطاعة أو بالإنابة من الغفلة إلى الذكر أو بالأوبة من الغيبة إلى الحضور رواه الترمذي وابن ماجه والدرامي ورواه أحمد والحاكم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله أن المؤمن إذا أذنب أي ذنبا واحدا كانت نكتة سوداء أي حدثت فهي تامة والنكتة الأثر وفي نسخة بالنصب فالضمير راجع إلى السيئة المدلول عليها بأذنب قال الطيبي قوله كانت نكتة أي الذنب بتأويل السيئة وروى برفع


نكتة على أن كان تامة فيقدر منه أي من الذنب في قلبه أي كقطرة مداد تقطر في القرطاس ويختلف على حسب المعصية وقدرها الحمل على الحقيقة أولى من جعله من باب التمثيل والتشبيه حيث قيل شبه القلب بثوب في غاية النقاء والبياض والمعصية بشيء في غاية السواد أصاب ذلك الأبيض فبالضرورة أنه يذهب ذلك الجمال منه وكذلك الانسان إذا أصاب المعصية صار كأنه حصل ذلك السواد في ذلك البياض فإن تاب أي من الذنب واستغفر أي أناب إلى الرب وليس المراد إن لفظ الاستغفار شرط لصحته التوبة خلافا لمن توهمه وإنما المراد أنه كمال فيها صقل قلبه على بناء المجهول أي نظف وصفى مرآة قلبه لتجليات ربه لأن التوبة بمنزلة المصقلة تمحو وسخ القلب وسواده حقيقيا أو تمثيليا وأغرب ابن حجر وهذا من باب التمثيل بلا شك وإن زاد أي في الذنب أي بعينه أو بغيره من الذنوب زادت أي النكتة السوداء أو يظهر لكل ذنب نكتة حتى تعلو أي النكت قلبه أي تطفىء نور قلبه فتعمى عين بصيرته فلا يبصر شيئا من العلوم النافعة والحكم الرائعة وتزول عنه الشفقة والرحمة على نفسه وعلى سائر الأمة ويثبت في قلبه آثار الظلمة والفتنة والجراءة على الأذية والمعصية فذلكم الران الذي ذكره الله تعالى أي في كتابه بل ران أي غلب واستولى على قلوبهم ما كانوا يكسبون أي من الذنوب حتى لم يبق فيها خير قط قيل الخطاب للصحابة أي فذلكم الأثر المستقبح المستعلى وإدخال اللام على ران وهو فعل أما القصد حكاية اللفظ وإجرائه مجرى الاسم وأما لتنزيله منزلة المصدر والران بمعنى الرين وهو الطبع والتغطية قال الطيبي الران والرين سواء كالعاب والعيب والاية في الكفار إلا أن المؤمن بارتكاب الذنب يشبههم في اسوداد القلب ويزداد ذلك بازدياد الذنب قال ابن الملك هذه الآية مذكورة في حق الكفار لكن ذكرها تخويفا للمؤمنين كي يحترزوا عن كثرة الذنوب كيلا تسود قلوبهم كما اسودت قلوب الكفار ولذا قيل المعاصي بريد الكفر رواه أحمد


الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن ابن عمر قال قال رسول الله إن الله يقبل توبة العبد ظاهره الاطلاق وقيده بعض الحنفية بالكافر ما لم يغرغر أي ما لم تبلغ الروح إلى الحلقوم يعني ما لم يتيقن
بالموت فإن التوبة بعد التيقن بالموت لم يعتد بها لقوله تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار قيل وأما تفسير ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت فحكم أغلبي لأن كثيرا من الناس لا يراه وكثيرا يراه قبل الغرغرة وأغرب ابن حجر فقال ورد بان قوله تعالى أي قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم السجدة يدل على أن كل أحد يراه فمدعي العدم يلزمه الدليل عليه ا ه ووجه غرابته لا دلالة في الآية على الرؤية والمانع لا يطلب منه الدليل نعم لو قيل ثبت عن ابن عباس أنه قال أن الله يقبل التوبة ما لم يعاين الرجل ملك الموت وموقوفة في حك المرفوع لأن مثله ما يقال من قبل الرأي أو كلامه حجة على غيره أو ونه أمام المفسرين ولا يدل على ما قاله بظاهره قوله تعالى أي فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا باسنا غافر وتشير الآية الماضية أيضا بأن الحضور حقيقة لا يكون إلا للملك وأما للموت فجاوز النسبة الحقيقية أولى من المجازية فيكون من قبيل واسأل القرية يوسف فالتقدير حضر أحدهم ملك الموت والله أعلم وتخصيص غيره بدعوى أن كثيرا من الناس لا يراه محتاج إلى دليل لكلن له وجه وجيه قيل جعل ابتداء قبض الروح من الرجل ليبقى القلب واللسان ذاكرا وليتوب إلى الله متابا ليستحل من الناس عن المظالم وليوصي بالخير وليكون آخر كلامه لا إله إلا الله قال الطيبي الغرغرة أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبتلع وذلك لأن من شرط التوبة العزم على ترك الذنب المتوب منه وعدم المعاودة وإنما يتحقق مع تمكن التائب منه وبقاء أوان الاختيار فإذا تيقن الموت لم يكن ذلك وهذا في التوبة من


الذنوب لكن لو استحل من مظلمة صح وكذا لو أوصى بشيء أو نصب وليا على طفله أو على خير صحت وصيته ا ه وجعله عدم المعاودة شرط التوبة خلاف ما عليه الجمهور كما تقرر في محله المسطور وكذا قوله لو أوصى الخ فإنه تعقبه ابن حجر بأنه لا فرق في الأحكام رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد قال رسول الله إن الشيطان أي إبليس كما في رواية قال بعزتك يا رب أي أقسم بعزتك التي لا ترام وفي رواية زيادة وجلالك وفيه إيماء إلى أنه رئيس الضلال ومظهر الجلال كما أن نبينا مظهر العناية والجمال وسيد أهل الهداية والكمال لا أبرح أي لا أزال أغوى عبادك بني آدم بضم الهمزة وكسر الواو أي أضلهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب عز وجل وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني أي علو مرتبتي ورفعة مكانتي لا أزال وفي رواية لا أبرح والأولى أولى للتفنن وللتبيين أغفر لهم ما


استغفروني قال الطيبي رحمه الله فإن قلت كيف المطابقة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ص صلى الله عليه وسلم فإن الآية دلت على أن المخلصين هم الناجون فحسب والحديث دال على أن غير المخلصين أيضا ناجون قلت قيد قوله تعالى ممن تبعك أخرج العاصين المستغفرين منهم لأن المعنى ممن تبعك واستمر على المتابعة ولم يرجع إلى الله ولم يستغفر ا ه وتبعه ابن حجر وقال ولم يرجع إلي بالتوبة والأظهر والله أعلم أن يقال في دفع هذا الإشكال الذي من أصله لأهل الاعتزال إن المراد بالمخلصين الموحدون الذين أخلصهم الله من الشرك ولعل الحكمة في إيراد لفظ المخلصين تحصيل الخوف في قلوب المخلصين من دخول النار مع الكافرين رواه أحمد وكذا ابن أبي شيبة في مصنفه وعن صفوان بن عسال بفتح العين وتشديد السين المهملتين صحابى معروف نزل الكوفة كذا في التقريب قال قال رسول الله أن الله تعالى جعل بالمغرب بابا أي حسيا أو معنويا عرضه مسيرة سبعين عاما أي فكيف طوله وهو مبالغة في توسعته للتوبة أي مفتوحة لأصحاب التوبة أو علامة لصحة التوبة وقبولها لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله أي من جانب الباب قاله ابن الملك والظاهر ومن قبل المغرب كما قاله ابن حجر قال وهذا يحتمل أن يكون حقيقة وهو الظاهر وفائدة إغلاقه إعلام الملائكة بسد باب التوبة وأن يكون تمثيلا قال الطيبي يعني أن باب التوبة مفتوح على الناس وهم في فسحة ووسعة عنها ما لم تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت سد عليهم فلم يقبل منهم إيمان ولا توبة لأنهم إذا عاينوا ذلك واضطروا إلى الإيمان والتوبة فلا ينفعهم ذلك كما لا ينفع المحتضر ولما كان سد الباب من قبل المغرب جعل فتح الباب من قبله أيضا وقوله مسيرة سبعين عاما مبالغة في التوسعة أو تقدير لعرض الباب بمقدار ما يسده جرم الشمس الطالع من المغرب وذلك أي طلوع


الشمس من مغربها المانع من قبول التوبة قول الله تعالى أي معنى قوله يوم يأتي بعض آيات ربك أي بعض علامات يظهرها ربك إذا قربت القيامة لا ينفع نفسا إيمانها أي حينئذ حال كونها لم تكن آمنت من قبل أي من قبل إتيان بعض آياته وهو الطلوع
المذكور وتتمة الآية وكسبت في إيمانها خيرا الأنعام عطفا على آمنت أي ولم تكن النفس كسبت في حال إيمانها توبة من قبل وبهذا التقدير تظهر المناسبة التامة بين الحديث والآية ويكون معاينة طلوع الشمس نظير معاينة حضور الموت في عدم نفع الإيمان والتوبة عند حصول كل منهما وبه يندفع استدلال أهل الاعتزال على أن الإيمان المجرد عن الأعمال لا ينفع شيئا في المآل ففي شرح الطيبي للكشاف لم تكن آمنت من قبل صفة لقوله نفسا وقوله أو كسبت في إيمانها خيرا عطف على آمنت والمعنى أن إشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات لمجيئه ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمته من قبل ظهور الآيات أو مقدمة إيمانها غير كاسبة خيرا في إيمانها فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان وبين النفس التي آمنت في وقتها ولم تكسب خيرا ليعلم أن قوله والذين آمنوا وعملوا الصالحات جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى حتى يفوز صاحبها ويسعد وإلا فالشقاوة والهلاك قال الطيبي رحمه الله والجواب أنه إن حمل على ما قال لم يفد قوله في إيمانها لما يلزم من العطف على آمنت حصول الكسب في الإيمان فالوجه أن يحمل على اللف التقديري بأن يقال لا ينفع نفسا يمانها خيرا حينئذ لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا من قبل الإيجاز من حلية التنزيل ا ه وممن ذكره ابن عطية وابن الحاجب وابن هشام ومما يؤيد تقريري وتحريري أيضا الحديث الآتي رواه الترمذي وابن ماجه وعن معاوية رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تنقطع بالتأنيث ويذكر الهجرة أي من المعصية إلى التوبة حتى تنقطع التوبة أي صحتها بأن


يغرغر صاحبها قال ابن الملك أراد بالهجرة هنا الانتقال من الكفر إلى الإيمان ومن دار الشرك إلى دار الإسلام ومن المعصية إلى التوبة قلت الأخير تعميم يشمل الكل وقال الطيبي لم يرد الهجرة من مكة إلى المدينة لأنها انقطعت ولا الهجرة من الذنوب كما ورد المهاجر من هجر الذنوب والخطايا لأنها نفس التوبة قلت لا مانع من ذلك لأن مآل الكمال لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس ثم قال بل الهجرة من مكان لا يتمكن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله ألم تكن أرض الله واسعة النساء وفيه أن كونه في ذلك المكان مع كون خروجه عنه من الإمكان معصية خاصة والحمل على العموم أولى مع أن قوله


لا يلائم الغاية لقوله حتى تنقطع التوبة والاستشهاد بالآية غير صحيح لأنه نزل في الهجرة من مكة إلى المدينة قال ابن حجر أي لم ينقطع وجوبها حتى ينقطع قبولها ولا تنقطع التوبة أي صحتها أو قبولها حتى تطلع الشمس من مغربها رواه أحمد وأبو داود والدرامي وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن رجلين كانا في بني إسرائيل أي منهم أو من غيرهم متحابين أي في الدنيا أو لأمر ما لا في الله لعدم المناسبة والملائمة بين المطيع والعاصي والجنسية علة الضم قال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله وروسله المجادلة الآية وقال عز وجل ألأخلاء بعضهم لبعض عدو إلا المتقين الزخرف ويمكن أنهما كانا متحابين أولا ثم وقع أحدهما في المعصية وهو الأظهر ثم تم عقد الأخوة والعمل بالنصيحة وهو أولى عند بعض الصوفية من قطع الصحبة لقوله تعالى فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون الشعراء حيث لم يقل منكم مع أنه يمكن أن يكون منكم مقدار ومما تعملون علة للبراءة كما ذهب إليه بعضهم وهو الظاهر من حديث الحب في الله والبغض في الله وحمل الحديث على الابتداء خلاف ظاهر الاطلاق أحدهما مجتهد أي مبالغ في العبادة والآخر يقول قال الطيبي أي الرسول مذنب أي هو مذنب وقال ابن الملك تبعا للمظهر أي بقول الآخر أنا مذنب أي معترف بالذنب وهو الأظهر لقوله يقول فإنه ليس له زيادة فائدة على القول الأول وحينئذ لا يحتاج إلى حسن المقابلة بأن يقال أي مجتهد في المعصية حيث قال الطيبي يمكن أن يقال أن المعنى والآخر منهمك في الذنب ليطابق قوله مجتهد في العبادة لأن القول كثيرا ما يعبر به في الأفعال المختلفة بحسب المقام ا ه وفيه إنه لا دخل للقول حينئذ في المقام كما لا يخفى على ذوي الإفهام فاظاهر أن العدول عن قوله والآخر مذنب بإدخال يقول بينهما لأن ينسب القول إليه مراعاة للأدب معه لعلمه عليه الصلاة والسلام بأنه سعيد عند ربه في غفران ذنبه ولهذه النكتة


بعينها قال مجتهد ولم يقل صالح أو عابد فجعل أي طفق وشرع المجتهد يقول أي للمذنب أقصر أمر من باب الأفعال أي أمسك وامتنع وفي رواية أقصر أقصر عما أنت فيه أي من الذنب فيقول أي الآخر خلني وربي أي اتركني معه فإنه غفور رحيم وتكرر هذا الكلام والجواب حتى وجده أي المجتهد المذنب يوما أي وقتا ما على ذنب استعظمه
أي المجتهد ذلك الذنب فقال اقصر فقال خلني وربي أبعثت بصيغة المجهول بالاستفهام الإنكاري أي أرسلك الله علي رقيبا أي حافظا فقال أي المجتهد من كمال غروره وعجبه وحقارة صاحبه لارتكاب عظيم ذنبه والله لا يغفر الله لك أبدا ولا يدخلك الجنة أي من غير سابقة عقوبة فهو مبالغة غاية المبالغة وأما قول ابن حجر تأكيدا لما قبله لأن عدم الغفران لازم لعدم دخول الجنة فغير صحيح لأن المؤمن المذنب قد لا يغفر الله له فيعذبه ثم يدخله الجنة كما عليه أهل السنة فبعث الله إليهما ملكا فقبض أي عزرائيل أرواحهما أي روحيهما على حد صغت قلوبكما التحريم فاجتمعا أي بأرواحهما عنده أي في محل حكمه وهو البرزخ أو تحت عرشه فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي أي جزاء لحسن ظنك بي وفي العدول عن التعبير بالمجتهد نكتة لا تخفي وهي أن اجتهاده في العبادة ضاع لقلة علمه ومعرفته بصفات ربه فانقلب الأمر وصار في الذنب كالآخر والمذنب بحسن عقيدته واعترافه بالتقصير في معصيته منزل المجتهد أتستطيع الهمزة للإنكار أي أتقدر أن تحظر بضم الظاء المعجمة أي تمنع وتحرم على عبدي رحمتي أي التي وسعت كل شيء في الدنيا وخصت للمؤمنين في العقبى فقال لا يا رب اعترف حين لا ينفعه الاعتراف قال أي الرب اذهبوا به خطابا للملائكة الموكلين بالنار أو لذلك الملك والجمع للتعظيم أو لكبره كأنه جمع إلى النار حتى يذوق العذاب جزاء على غروره وعجبه العجاب ولا دلالة في الحديث على كفره ليكون مخلدا في النار وأغرب ابن الملك حيث قال إدخاله النار كان مجازاة له على قسمه بأن الله لا يغفر للمذنب


ذنبه لأنه جعل الناس آيسين من رحمة الله وحكم بأن الله غير غفور وفيه أن هذا كله غير مفهوم من كلامه وإنما هو بالغ في الامر بالمعروف وصدر هذا الكلام عنه في حال غضبه ولو كان الله لسومح به لكن لما كان مغرورا باجتهاده محتقرا للمذنب لأجل الإصرار على ذنبه استحق العقوبة ولذا قيل معصية أورثت ذلا واستصغارا خير من طاعة أوجبت عجبا واستكبارا وقال ابن حجر عند قوله يا رب أكذب نفسه وحلفه فاستحق العقاب فمن ثم قال اذهبوا به إلى النار لأنه آيس من رحمة الله واليأس منها كفر لمن استحله كهذا الرجل كما دل عليه حلفه السابق المتضمن للحكم على الله تعالى بأنه لا يغفر الذنوب وعلى صاحبه بأنه يئس من رحمة الله وما ذكره من يأس المجتهد واستحلاله وكفره غير صحيح مع أنه على سبيل التنزل يكون على معتقد المعتزلي من عدم تجويز غفران صاحب الكبيرة وعليه ظواهر كثيرة من الآيات في الوعيد ولم يقل أحد من أهل السنة بتكفير الخوارج والمعتزلة نعم في الحديث رد بليغ على معتقدهم حيث أن الله تعالى غفر للمذنب وأدخله جنته برحمته من غير رجوع المذنب وتوبته رواه أحمد وروى البغوي بإسناده في المعالم عن ضمضم بن


جوس قال دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال لي يا يمامي تعال وما أعرفه فقال لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبدا ولا يدخلك الجنة قلت ومن أنت يرحمك الله قال أبو هريرة قال فقلت إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمته قال فإني سمعت رسول الله يقول أن رجلين الحديث إلى آخره ثم قال أبو هريرة والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أو بقت بدنياه وآخرته ا ه وتعليل ابن حجر هنا بقوله لأنها صيرته إلى النار المؤبدة عليه خطأ ظاهر كما قدمناه وعن أسماء بنت يزيد أي ابن السكن قالت سمعت رسول الله يقرأ يا عبادي بفتح الياء وسكونها الذين أسرفوا على أنفسهم أي بالمعاصي لا تقنطوا بفتح النون وكسرها أي لا تيأسوا من رحمة الله أن الله استئناف فيه معنى التعليل يغفر الذنوب جميعا أي ذنوب الكفار بالتوبة وذنوب الأبرار بها وبالمشيئة ولا يبالي أي من أحد فإنه لا يجب على الله وفيه رد على الوعيذية وهو يحتمل أنه كان من الآية فنسخ ويحتمل أن يكون زيادة من عنده عليه الصلاة والسلام كالتفسير للآية قال البغوي روى سعيد بن جبير عن ابن عباس إن أناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا النبي فقالوا أن الذي تدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة فنزلت هذه الآية ا ه فالخطاب للكفار والمعنى أن الله يغفر ذنوبهم بالإيمان فإن الإيمان يهدم ما كان قبله وبه اندفع ما قال ابن حجر أن الإضافة تقتصي أنهم مسلمون رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وفي شرح السنة يقول أي يا عبادي الخ بدل يقرأ أي السابق في رواية الأولين فيؤيد القول بأنه حديث وعن ابن عباس في قول الله تعالى ألا اللمم أي في تفسير قوله تعالى الذين يجتنبون كاثر الاثم النجم قيل من كل ذنب فيه حد والفواحش ما فيه وعيد أو مختص بالزنا أو البخل إلا اللمم بفتحتين أي الصغائر فإنهم لا يقدرون أن يجتنبوها


لأن الأمم غير معصومين وأغرب ابن الملك حيث قال فإنها تغفر لهم بالطاعة والتوبة ا ه ولا خصوصية للتوبة باللمم وأيضا آخر الحديث يأبى عن هذا المعنى وقال الطيبي الاستثناء منقطع فإن اللمم ما قل وما صغر من الذنوب ومنه قوله ألم بالمكان إذا قل لبثه فيه ويجوز أن يكون قوله اللمم صفة إلا بمعنى غير فقيل هو النظرة والغمزة والقبلة وقيل الخطر من الذنب وقيل كل ذنب لم يذكر الله فيه حدا ولا عذابا قال رسول الله أي استشهادا بأن المؤمن لا يخلو من اللمم إن تغفر اللهم تغفر جما بألف بعد ميم مشددة أي كثيرا كبيرا وأي عبد لك لا ألما فعل ماض مفرد والألف للإطلاق أي لم يلم بمعصية يقال لم أي نزل وألم إذا فعل اللمم ومعنى بيت أمية أن تغفر ذنوب عبادك فقد غفرت ذنوبا كثيرة فإن عبادك كلهم خطاؤون وأشار تعالى إليه في الآية بقوله إن ربك واسع المغفرة النجم والمراد بقوله تعالى وما عملناه الشعر وما ينبغي له يس إنشاؤه لا إنشاده لأنه رد لقولهم هو شاعر ذكره الطيبي وقال ابن حجر متمثلا بشعر أمية لا قصدا لأنه حرم عليه إنشاء الشعر وكذا روايته خلافا لمن وهم فيه غفلة عن كلام أئمته فمحل ذلك أن قاله على قصد الرواية ا ه وهو غير معقول المعنى فإنه ثبت عنه كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويتمثل بقوله ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقد قال أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلال الله باطل نعم ورد أنه أصاب حجر أصبعه في بعض المشاهد فقال هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت وهو وإن كان يحتمل أنه من شعر غيره وتمثل به لكن لما تتبعوا ولم يجدوا قائله قال الخطابي وغيره اختلف الناس في هذا وما أشبهه من الرجز الذي جرى على لسان النبي في بعض أسفاره وأوقاته وفي تأويل ذلك مع شهادة الله بأنه لم يعمله الشعر وما ينبغي له فذهب بعضهم إلى أن الرجز ليس بشعر وذهب بعضهم إلى أنه لم يقصد به الشعر إذا لم يقصد صدوره عن نية له وروية وإنما اتفاق كلام يقع


أحيانا وقد وجد في كتاب الله العزيز من هذا القبيل وهذا مما لا شك فيه أنه ليس بشعر قال الطيبي البيت لامية بن أبي الصلت أنشده
النبي أي من شأنك اللهم إن تغفر غفرانا كثيرا للذنوب العظيمة وأما الجرائم الصغيرة فلا تنسب إليك لأنها لا يخلو عنها أحد وأنها مكفرة باجتناب الكبائر انتهى وتبعه ابن حجر وفيه أن هذا التكفير مذهب بعض المعتزلة على ما في شرح العقائد ثم قال الطيبي وإن ليس للشك بل للتعليل كما في قوله ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين أي لأجل أنكم مؤمنون لا تهنوا فالمعنى لأجل أنك غفارا اغفر جما كما تقول للسلطان إن كنت سلطانا فاعط الجزيل انتهى وقال ابن حجر إن بمعنى إذ كما في قوله تعالى وخافون إن كنتم مؤمنين آل عمران فسقط ما قاله الطيبي وفيه أن المؤدي واحد فإن إذ للتعليل أيضا كما في قوله تعالى ولن ينفعكم ليوم إذ ظلمتم الزخرف فلكل ساقط لاقط انتهى وعلى تقدير تقرير صحة الظرفية في أن كنتم مؤمنين لا يمتنع إرادة التعليل أيضا فلا وجه للسقوط مع أن الظرفية غير مستقيمة في البيت لعدم تقييد غفاريته تعالى بوقت دون وقت ولذا قال بنفسه ناقضا لكلامه تابعا للطيبي في مرامه فالمعنى لأجل أنك غفار الخ ثم قال والبيت يشتمل على محاسن منها اتحاد الشرط والجزاء فغفلة ما عن تقييده بجما وكان أمية هذا متعبدا في الجاهلية ومتدينا ومؤمنا بالبعث أدرك الإسلام ولم يسلم ولما كان في شعره ينطق بالحقائق قال قال في حقه كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب وعن أبي ذر قال قال رسول الله يقول الله تعالى يا عبادي خطاب عام يشمل الخاص والعام وفيه تأنيس تام كلكم ضال إلا من هديت كقوله تعالى فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين البقرة ووجدك ضالا فهدى القصص ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نور نهدي به من نشاء من عبادنا الشورى فاسألوني بالهمز وحذفه الهدى أي اطلبوا


الهداية مني لا من غيري وأنتم الفقراء أهدكم فيه إيماء إلى أن كل من أخلص لله في طلب الهداية هداه الله وكلكم فقراء أي ظاهرا وباطنا إلا من أغنيت وهو أيضا لا يستغنى عنه لمحة لاحتياجه إلى الإيجاد والأمداد كل لحظة قال الله تعالى والله الغني وأنتم الفقراء فاسألوني أرزقكم أي حلالا طيبا إذ الرزق المضمون ينال بلا سؤال وكلكم مذنب أي يتصور منه الذنب إلا من عافيت أي من الأنبياء والأولياء أي عصمت وحفظت وإنما قال عافيت تنبيها على أن الذنب مرض ذاتي وصحته عصمة الله تعالى وحفظه منه أو كلكم مذنب بالفعل وذنب كل بحسب مقامه


إلا من عافيته بالمغفرة والرحمة والتوبة والأوبة فمن علم منكم أني ذر قدرة على المغفرة فاستغفرني غفرت له أي جميع ذنوبه ولو بلا توبة ولا يحتاج إلى استثناء الشرك لأن هذا العلم غير متصور إلا من المؤمن ولا أبالي فيه رد على المعتزلي ولو أن أولكم وآخركم يراد به الإحاطة والشمول وحيكم وميتكم تأكيد لإرادة الاستيعاب كقوله ورطبكم ويابسكم أي شبابكم وشيوخكم أو عالمكم وجاهلكم أو مطيعكم وعاصيكم وأغرب ابن الملك فقال أراد بالرطب النبات والشجر وباليابس المدر والحجر ويمكن أن يراد بهما البحر والبر أي أهلهما أو لو صار كل ما في البحر والبر من الشجر والحجر والحيتان وسائر الحيوان آدميا وقال الطيبي هما عبارتان عن الاستيعاب التام كما في قوله تعالى ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين الأنعام والإضافة إلى ضمير المخاطبين تقتضي أن يكون الاستيعاب في نوع الإنسان فيكون تأكيدا للشمول بعد تأكيد وتقريرا بعد تقرير انتهى وبه يعلم أنه لا وجه لإدخال الملائكة وعصمتهم في هذا الحديث كما فعله ابن حجر اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي وهو نبينا ما زاد ذلك أي الاجتماع في ملكي وفي نسخة من ملكي جناح بعوضة أي قدره وفيه إظهار العظمة والكبرياء وكمال الغنى والاستغناء ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي وهو ابليس اللعين ما نقص ذلك من ملكي جناح بعوضة فإن قبول الزيادة والنقصان نقص لقبول الحدثان ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد أي محل واحد فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته بضم الهمزة وكسر النون وتشديد الياء أي مشتهاه وجمعها المني والأماني يعني كل حاجة تخطر بباله فأعطيت كل سائل منكم أي مقاصده في آن واحد ما نقص ذلك أي الإعطاء أو قضاء حوائجهم من ملكي أي شيئا أو نقصا إلا كما أي الأمثل نقص فرضي لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس بفتح الميم أي أدخل فيه إبرة ثم رفعها فيه


إشارة إلى قوله تعالى وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم الحجر وهو نظير ما في حديث الخضر لما ركب هو وموسى السفينة فوقع عصفور على طرفها ثم نقر من البحر نقرة فقال له الخضر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر واتفق الشراح على أن هذا من باب الغرض والتنزيل أي لو فرض لكان مقدار مقدار الممثل به فإنه وإن وجد هنا نقص في البحر فإنه متناه لكنه نقص لا يمكنه
أن يحس لقلته المبالغة أدنى مراتب القلة وأقول ويحوله أجول إن النقص غير منصور إلا صورة وإلا ففي الحقيقة انتقال شيء قليل من الجنس الكثير إلى طرف آخر فلا نقص في الحقيقة بل زيادة إفادة حياة ذلك العصفور بتلك القطرة وحصور وصول بعض العلوم من الشرعي واللدنى إلى موسى والخضر عليهما السلام فتم الكلام بعون الملك العلام ثم ينبغي أن يجعل هذا نوعا من البديع ويسمى باب تأكيد الحكم بما يشبه الاستثناء كما قالوا في قوله تعالى وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا البروج وفي قوله لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما مريم في قول الشاعر ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وجعلوا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم والله تعالى أعلم ذلك أي عدم نقص الملك وقال ابن الملك أي قضاء الحوائج بأني جواد أي كثيرا الجود ماجد أي واسع العطاء قال الطيبي الماجد أبلغ من الجواد لأن المجد سعة الكرم فهو ترق أفعل ما أريد أي لا ما يريد الخلق وروى في الحديث القدسي تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد وقيل لأبي يزيد ما تريد قال أريد أن لا أريد قال نديم الباري شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري هذا أيضا إرادة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة عطائي كلام وعذابي كلام يعني لا ينقص من خزائني شيء والمراد بالكلام الأمر إنما أمري لشيء إذا أردت أي إيجاده أن أقول له أما تحقيق أو تمثيل كن فيكون بالرفع والنصب أي من غير تأخير عن أمري وهذا تفسير لقوله عطائي كلام


وعذابي كلام قال القاضي يعني ما أريد إيصاله إلى عبد من عطاء أو عذاب لا أفتقر إلى كد ومزاولة عمل بل يكفي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به الكشاف كن من كان التامة أي أحدث فيحدث وهذا تمثيل ومعناه أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل ولا يكون منه الإباء رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وعن أنس عن النبي أنه قرأ أي قوله تعالى في آخر سورة المدثر هو أهل التقوى وأهل المغفرة قال أي النبي قال ربكم أي حديثا قدسيا أو معنى تفسيريا


أنا أهل إن أتقى بإضافة أهل وصيغة المجهول أي أنا حقيق وجدير بأن يتقي من الشرك بي فمن اتقاني زاد الترمذي فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له أي لمن اتقى فهو مضمون قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء وأما قول ابن حجر أي أغفر له ما فرط منه فإن ذلك قليل في جنب أعماله الصالحة ومن ثم ما ورد أن اجتناب الكبائر مكفر لارتكاب الصغائر غير مرتبط بين الدليل والمدلول والأولى أن يقول لقوله إن الحسنات يذهبن السيئات هود وقوله ما ورد الخ معلول لأنه ما ورد بل كما نبهنا سابقا أنه مذهب معتزلي رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي وعن ابن عمر قال إن مخففة من المثقلة يقول بالرفع وينصب بتقدير أن أي قوله رب اغفر لي كقول الشاعر أحضر الوغى وتب على أي ارجع علي بالرحمة أو وفقني للتوبة أو أقبل توبتي إنك أنت التواب الغفور صيغتا مبالغة مائة مرة مفعول مطلق لنعد رواه أحد والترمذي وأبو داود وابن ماجة ورواه النسائي وابن حبان إلا أن أبا داود وابن حبان بلفظ الرحيم بدل الغفور وقال الترمذي حسن غريب صحيح وعن بلال بالموحدة ابن يسار بالتحتية ابن زيد مولى النبي بيان لزيد وفي نسخة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الجزري في تصحيح المصابيح ليس زيد هذا زيد بن حارثة والد أسامة بل هو أبو يسار روى عنه ابنه يسار هذا الحديث ذكره البغوي في معجم الصحابة وقال لا أعلم له غير هذا الحديث وقال ابن حجر في التقريب زيد والد يسار مولى النبي صحابي له حديث وذكر أبو موسى المديني وكان عبدا نوبيا قال أي بلال حدثني أبي إي يسار عن جدي أي زيد أنه سمع رسول الله يقول من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم روى بالنصب على الوصف للفظ الله وبالرفع لكونهما يدلين أو بيانين لقوله هو والأول هو الأكثر والأشهر وقال الطيبي يجوز في الحي القيوم النصب


صفة لله أو مدحا والرفع بدلا من الضمير أو على المدح أو على أنه خبر مبتدأ محذوف وأتوب إليه ينبغي أن لا يتلفظ بذلك إلا أن كان صادقا وإلا يكون بين يدي الله كاذبا منافقا ولذا روى أن المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزىء بربه غفر له وإن كان فر وفي نسخة صحيحة قد فر وهو مطابق لما في الحصن أي هرب من الزحف قال الطيبي الزحف الجيش الكثير الذي يرى لكثرته كان يزحف قال في النهاية من زحف الصبي إذا دب على استه قليلا قليلا قال المظهر هو اجتماع الجيش في وجه العدو أي من حرب الكفار حيث لا يجوز الفرار بأن لا يزيد الكفار على المسلمين مثلي عدد المسلمين ولا نوى التحرف والتحيز وأغرب ابن الملك حيث ذكر في شرح المصابيح قيل هذا يدل على أن الكبائر تغفر بالتوبة والاستغفار ا ه وهو إجماع بلا نزاع رواه الترمذي وأبو داود لكنه أي الشأن عند أبي داود بدل بلال بن يسار هلال بن يسار بالرفع على الإعراب وبالجر على الحكاية وقال الترمذي هذا حديث غريب أي لا نعرفه إلا من هذا الوجه يعني من طريق بلال بن يسار بن زيد قال الحافظ المنذري إسناد مجيد متصل فقد ذكر البخاري في تاريخه أن بلالا سمع أباه يسار أو هو سمع من أبيه زيد مولى رسول الله وقد اختلف في يسار والد بلال أنه بالباء الموحدة أو بالياء المثناة التحتانية وذكر البخاري في تاريخه بالموحدة والله تعالى أعلم ورواه الحاكم عن ابن مسعود وقال على شرطهما إلا أنه قال يقولها ثلاثا ا ه والمفهوم من الحصن بزيادة ثلاث مرات في رواية الترمذي وابن حبان من حديث زيد المذكور والطبراني موقوفا من قول ابن مسعود وقال صاحب السلاح رواه الترمذي من حديث أبي سعي د وقال فيه ثلاث مرات ا ه أقول رواه الترمذي من حديث أبي سعيد بلفظ من قال حين يأوى إلى فراشه استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر وإن كانت عدد ورق الشجر وإن كانت عدد رمل


عالج وإن كانت عدد أيام الدنيا وليس فيه ذكر الفرار من الزحف ثم قال الترمذي بعد إيراده هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ذكره ميرك
الفصل الثالث
عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله عز وجل ليرفع
الدرجة أي الدرجة العالية بلا عمل للعبد الصالح أي المسلم في الجنة متعلق بيرفع فيقول أي العبد يا رب أنى لي أي كيف حصل أو من أين حصل لي هذه أي الدرجة فيقول باستغفار أي حصل باستغفار ولدك لك الولد يطلق على الذكر والأنثى والمراد به المؤمن رواه أحمد وعن عبد الله بن عباس قال قال رسول الله ما الميت في القبر أي في حال من أحوال الشدة إلا كالغريق أي المشرف على الغرق المتغوث أي المستغيث المستعين المستجير الرافع صوته بأقصى ما عند بالنداء لمن يخلصه المتعلق بكل شيء رجاء لخلاصه وفي المثل الغريق يتعلق بكل حشيش ينتظر دعوة تلحقه أي من ورائه من أب أي من جهة أب أو أم أو أخ أو صديق أي صاحب أو محب أو رفيق ويمكن أن يراد به الولد فإذا لحقته أي وصلته الدعوة قال ابن حجر بأن دعى له بها فإنه تصل إليه بمجرد ذلك إجماعا كان أي لحوقها إياه أحب إليه من الدنيا وما فيها أي من مستلذاتها وقال ابن حجر أي لو عاد إليها وإن الله ليدخل على أهل القبول أي ممن هو تحت الأرض من دعاء أهل الأرض أي ممن هو حي فوق الأرض ومن تعليلية أو ابتدائية أمثال الجبال أي من جهة الرحمة والغفران لو تجسمت وإن هدية الإحياء إلى الأموات الاستغفار لهم رواه البيهقي في شعب الإيمان وعن عبد الله بن بسر بضم الموحدة وسكون المهملة قال قال رسول الله طوبى أي الحالة الطيبة والعيشة الراضية أو الشجرة المشهورة في الجنة العالية لمن وجد أي صادف في صحيفته أي في الآخرة استغفارا كثيرا أي مقبولا لأن استغفارنا


يحتاج إلى استغفار كثير كما قالت رابعة العدوية قال الطيبي فإن قيل لم لم يقل طوبى لمن استغفر كثيرا وما فائدة العدول قلت هو كناية عنه فبدل على حصول ذلك جزما وعلى الإخلاص لأنه إذا لم يكن مخلصا فيه كان هباء منثورا فلم يجد في صحيفته إلا ما يكون حجة عليه ووبالا له رواه ابن ماجة أي بإسناد حسن صحيح ورواه البيهقي أيضا ذكره ميرك والمعنى رواه ابن ماجة في سننه وروى النسائي كان حقه أن يعطف ويقول والنسائي أو يقول ورواه النسائي في عمل يوم وليلة قال الطيبي ترجمة كتاب صنفه في الأعمال اليومية والليلية ا ه وروى البزار عن أنس مرفوعا ما من حافظين يرفعان إلى الله في يوم صحيفة فيرى أي الله في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلا قال تبارك وتعالى غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة وروى الطبراني في الأوسط عن الزبير بن العوام مرفوعا من أحب تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار أي يقبل واحد منها وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي كان يقول اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا أي العلم والعمل استبشروا أي فرحوا بالتوفيق قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا يونس وإذا أساؤوا أي قصروا في أحدهما استغفروا كان ظاهر المقابلة أن يقال وإذا أساؤوا حزنوا فعدل عن الداء إلى الدواء إيماء إلى أن مجرد الحزن لا يكون مفيدا وإنما إذا انجر إلى الاستغفار المزيل للإصرار رواه ابن ماجة أي في سننه والبيهقي في الدعوات وعن الحارث بن سويد بالتصغير قال المؤلف هو من كبار التابعين وثقاتهم قال حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين نصبه على المفعول الثاني أحدهما عنم رسول الله أي يروى عنه والآخر عن نفسه أي مروى من قوله قال إن المؤمن يري ذنونبه قال الطيبي ذنوبه المفعول الأول والمفعول الثاني محذوف أي كالجبال بدليل قوله كذباب ويجوز أن يكون هذا قول ابن مسعود أي عظيمة ثقيلة بدليل قوله كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع


عليه وهو تشبيه تمثيل شبه حاله بالقياس إلى ذنوبه وإنه يرى أنها مهلكة به بحاله إذا كان تحت جبل يخافه فدل الحديث على أن المؤمن في غاية الخوف والاحتراز من الذنوب ولا ينافيه الاعتدال المطلوب بين الخوف والرجاء في المحبوب لأن رجاء المؤمن وحسن ظنه في ربه في غاية ونهاية وإن الفاجر أي المنافق أو الفاسق يتساهل حيث يرى ذنوبه أي سهلة خفيفة كذباب مر على أنفه فقال به أي أشار إليه أو فعل به هكذا أي بيده تفسير للإشارة أي دفع الذباب بيده فذبه عنه تفسير لما قبله أي دفع الذباب عن نفسه وبه سمى الذباب ذبابا لأنه كلما ذب آب أي كلما دفع رجع ثم قال سمعت رسول الله يقول لله بفتح اللام أفرح أي أرضي بتوبة عبده المؤمن أي من المعصية إلى الطاعة قال الطيبي لما صور المذنب بتلك الصورة الفظيعة أشار إلى أن الملجأ هو التوبة والرجوع إلى الله تعالى ا ه يعني فحصلت المناسبة بين الحديثين من الموقوف والمرفوع من رجل متعلق بأفرح نزل بأرض دوية بتشديد الواو والياء نسبة للدو أي الهلاك وفي رواية داوية بقلب إحدى الواوين ألفا والدوة المفازة الخالية ذكره الطيبي قال النووي بتشديد الواو والياء جميعا وذكره مسلم في رواية أخرى بزيادة الألف وهي بتشديد الياء أيضا وهي الأرض القفر والمفازة الخالية فالدوية منسوبة إلى الدو وأما الداوية فبابدال إحدى الواوين ألفا كالطائي أقول في قوله بزيادة الألف مسامحة إذ ينافيها الإبدال فكأنه أراد الزيادة اللغوية لا الصرفية الوزنية وقوله كالطائي نظير لا مثيل ففي القاموس الطاءة كالطاعة الابعاد في المرعى ومنه طيء أبو القبيلة أو من طاء يطوء إذا ذهب وجاء والنسبة طائي والقياس كماجى حذفوا الياء الثانية فبقي طييء فقلبوا الياء الساكنة ألفا ووهم الجوهري مهلكة بفتح الميم واللام وكسرها موضع خوف الهلاك وفي بعض النسخ بضم الميم وكسر اللام أي تهلك من يحصد بها والنسبة مجازية معه راحلته أي دابته التي يرحل بها عليها


طعامه وشرابه أي محمولات عليها فوضع رأسه أي للاستراحة فنام نومة أي خفيفة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها أي استمر على طلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أي المترتب عليه ولدا لم يذكر الجوع أوهو من باب الاكتفاء أو ما شاء الله قال الطيبي إما شك من الراوي والتقدير قال رسول الله ذلك أو قال ما شاء الله أو تنويع أي اشتد الحر أو ما شاء الله من العذاب ا ه كلامه في المختصر والأظهر أن أو بمعنى الواو وهو تعميم بعد تخصيص أي وما شاء الله بعد ذلك إذا القول بالتنويع يوهم أن الحر والعطش خارجان مما شاء الله وحاشا الله ثم رأيت الطيبي قال أي ما شاء الله من العذاب


والبلاء غير الحر والعطش ا ه فمختصره مخل قال جواب إذا أي قال لنفسه متلفظا بها بذلك أو مضمره ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه لاحتمال أن تعود الراحلة إليه لألفها له أولا فأنام أي اضطجع لاستريح مما حصل لي ولا أزال مضطجعا حتى أموت أي أو حتى ترجع إلى راحلتي وإنما اقتصر على ما ذكر استبعاد الجانب الحياة ويأسا عن رجوع الراحلة فوضع رأسه على ساعده على هيئة المختضر ليموت أي على تلك الحالة فاستيقظ أي فنام فاستنبه فإذا للمفاجأة راحلته عنده أي حاضرة أو واقفة عليها زاده وشرابه الذي هو أهم أنواع أسبابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا أي من فرح هذا الرجل براحلته وزاده فهذا فذلكة القصة أعيدت لتأكيد القضية وفي الحديث إشارة إلى قوله تعالى إن الله يحب التوابين البقرة وإنهم بمكان عظيم عند رب كريم رؤوف رحيم قال الإمام الغزالي نور الله مرقده العالي بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني رحمه الله وكان من الراسخين في العلم العاملين به أنه قال دعوت الله سبحانه وتعالى ثلاثين سنة أن يرزقني توبة نصوحا فلم يستجب لي ثم تعجبت في نفسي وقلت سبحان الله حاجة دعوت الله فيها ثلاثين سنة فما قضيت لي إلى الآن فرأيت فيما يرى النائم كان قائلا يقول لي أتتعجب من ذلك أتدري ماذا تسأل إنما تسأل الله تعالى أن يحبك أما سمعت الله سبحانه وتعالى يقول إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين البقرة أهذه حاجة هينة ا ه وخطر بالبال والله أعلم بالحال أن في هذا الحديث إشارات لطيفة في طي عبارات منيفة وهي أن الرجل روح إنسان نزل من جهة الروحانية العليا إلى جهة البدينة السفلى في أرض الدنيا الدنية وهي المغازة المهلكة الردية معه راحلته من قالب البدن الذي هو مرحل الفرح والحزن عليها طعامه وشرابه أي تعب تحصيلهما وكد الانتفاع بهما فنام نومة غفلة عما خلق له فاستيقظ من غفلته واستنبه من رقدته وهذه اليقظة أول منزل من منازل السائرين وأول مقام من


مقامات السالكين وقد ذهبت راحلته أي مركبه ودابته البدينة إلى مرعى الشهوات النفسية فطلبها الروح غاية الطلب ليردها من التعب إلى المطلب حتى إذا اشتد عليه حر الشوق وعطش الذوق أو ما شاء الله من الأحوال والأهوال المستثقلة كالجبال قال الروح بعد يأسه من مركب البدن أن يرجع إلى طريق الوطن ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه من محل الاجتماع فأنام على طريق الاتباع لأن الروح المجرد لا يأتي منه العمل المتوقف على الجسد حتى أموت وأهلك بالعذاب المخلد لأجل معصية البدن المرقد فوضع رأسه على ساعده ليموت لما تقرر عنده أن المقصود يفوت فاستيقظ من نومة الغفلة وتبعية البدت بالمعصية فإذا راحلته عنده حاضرة راجعة إلى ربه ناظرة عليها طعامه وشرابه حاصلان ولمطلوبهما واصلان فإنهما لا ينقصان بطاعة ولا يزيدان بمعصية فطوبى له ثم طوبى روى مسلم المرفوع أي الحديث المرفوع إلى رسول الله منه أي مما ذكر من الحديث المروى المركب من الموقوف والمرفوع فحسب


أي فقط وروى اللبخاري الموقوف على ابن مسعود أيضا وهو أن المؤمن الخ وحاصله أن الحديث المرفوع المتفق عليه والموقوف من أفراد البخاري وعن علي قال قال رسول الله إن الله يحب العبد أي الكامل في العبودية المؤمن أي المصدق والمقر بأوصاف العبودية المفتن بتشديد التاء المفتوحة أي المبتلى كثير السيئات أو بالغفلات أو بالحجب عن الحضرات لئلا يبتلى بالعجب والغرور اللذين هما من أعظم الذنوب وأكبر العيوب التواب أي كثير الرجوع إلى الله تعالى فتارة بالتوبة من المعصية إلى الطاعة وأخرى بالأوبة من الغفلة إلى الذكر وأخرى من الغيبة إلى الحضور والمشاهدة قال الطيبي المفتن الممتحن يمتحنه الله بالذنب ثم يتوب ثم يعود إليه ثم يتوب منه وهكذا وهو صريح في صحة التوبة مع وقوع العودة وعن ثوبان قال سمعت رسول الله يقول ما أحب أن لي الدنيا أي جميع ما فيها بأن أتصدق بخيراتها أو أتلذذ بلذاتها بهذه الآية أي بدلها فإن الآية مشعرة بحصول المغفرة التامة والرحمة العامة لهذه الأمة التي هي خير أمة يا عبادي بفتح الياء وسكونها الذين أسرفوا أي بالمعاصي على أنفسهم لأن وبالها عليهم وفي نسخة لا تقنطوا بفتح النون وكسرها الآية بالحركات الثلاث قال الطيبي هي أجى آية في القرآن ولذلك اطمأن إليها وحشي قاتل حمزة رحمه الله دون سائر الآيات ا ه وقد ذكر البغوي في المعالم إن عطاء ابن أبي رباح روى عن ابن عباس أن رسول الله أرسل إلى وحشي يدعو إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلي دينك وأنت تزعم أن من قتل أو زنى أو أشرك يلق إثما يضاعف له العذاب وأنا قد فعلت هذا كله فأنزل الله تعالى إلا من تاب وآمن وعمل عمل صالحا الفرقان فقال وحشي هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله عز وجل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء فقال وحشي أراني بعد في شبهة فلا أدري يغفر لي أم لا فأنزل الله يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا


تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم الزمر
قال وحشي نعم هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون هذا له خاصة أم للمسلمين عامة فقال بل للمسلمين عامة فقال رجل فمن أشرك أي أهو داخل في الآية أم خارج عنها فسكت النبي أي أدبا مع الله تعالى وانتظارا لأمره أو تفكرا وتأملا في أداء جوابه ثم قال أما بالوحي أو الاجتهاد ألا بالتخفيف ومن أشرك أي بالتوبة كذا قيل وه غير ظاهر إذ هذا معلوم من الدين بالضرورة فلا يتأتى فيه السؤال والجواب والله أعلم بالصواب وقال الطيبي أجاب بأنه داخل فيكون منهيا عن القنوط والواو في ومن مانعة من حمل إلا على الاستثناء وموجبة لحملها على التنبيه ا ه وفي كلامه أشكال لأنه إن حملناه على التأئب من الشرك فهذا من الواضحات عندهم فكيف يسألون عنه وإن حملناه على غير التائب فبظاهره مخالف لقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك اللهم إلا أن يقال في السؤال فمن أشرك من الموجودين ما حكمه فقال ألا ومن أشرك فحكمه منهم الآن إما يتوب عليه بالإيمان أو يعذبه بالطغيان وأشار بعدم الحكم إما إلى إبهامه وإما بعدم الجواب إلى اعظامه وقال الطيبي يمكن أن ينزل السؤال على قوله يا عبادي يعني المشرك إذا دخل في هذا المفهوم وينادي بيا عبادي فقيل نعم أو على الذين أسرفوا أي هل يصح أن يقال لهم أسرفوا على أنفسهم فقيل نعم أو على لا تقنطوا فينهون عن القنوط فقيل نعم أو على قوله إن الله يغفر الذنوب جميعا فقيل نعم ا ه فهذه أربعة احتمالات الأول والرابع منها يحتاج كل إلى تأويل أيضا والثاني غير لائق بالسؤال والثالث هو معنى ما ذكرته من الاحتمال والله أعلم بالحال ثلاث مرات ظرف لقال والتكرار لتأكيد الحكم أو إشارة إلى اختلاف الحالات وعن أبي ذر قال قال رسول الله إن الله تعالى وفي نسخة عز وجل ليغفر بلام مفتوحة للتأكيد لعبده أي ما شاء من الذنوب ما لم يقع الحجاب أي الاثنينية قال تعالى لا تتخذوا إلهين اثنين


إنما هو إله واحد النحل قالوا يا رسول الله وما الحجاب أي الذي يبعد العبد عن رحمة ربه ومغفرة ذنبه قال أن تموت النفس وهي مشركة وفي معنى الشرك كل نوع من أنواع الكفر روى الأحاديث الثلاثة أي جميعها أحمد أي في مسنده وروى البيهقي الأخير أي الحديث الأخير في كتاب البعث والنشور
وعنه أي عن أبي ذر قال قال رسول الله من لقي الله أي من مات بدليل قوله في الدنيا وغفل ابن حجر عن هذا المعنى فقال بيان للواقع إذ الإشراك إنما يكون فيها وأما الآخرة فكل الناس فيها مؤمنون وإن لم ينفع أكثرهم إيمانهم ا ه وفيه إبهام وحقه أن يقول وإن لم ينفع الكفار إيمانهم لا يعدل به أي لا يساوي بالله شيئا في الدنيا أي لا يتجاوز عنه إلى غيره فنصب شيئا بنزع الخافض ثم كان عليه أي بعد الموت مثل جبال بالنصب على أنه خبر كان واسمه قوله ذنوب غفر الله له أي إياها يعني جميعها إن شاء الله لقوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله التائب من الذنب أي توبة صحيحة كمن لا ذنب له أي في عدم المؤاخذة بل قد يزيد عليه بأن ذنوب التائب تبدل حسنات ويؤيد هذا ما جاء عن رابعة رضي الله عنها أنها كانت تفخر على أهل عصرها كالسفيانين والفضيل وتقول أن ذنوبي بلغت من الكثرة ما لم تبلغه طاعاتكم فبتوبتي منها بدلت حسنات فصرت أكثر حسنات منكم ا ه وفيه أن هذه حسنات تقديرية فأين هي من حسنات تحقيقية يترتب عليها الزيادة المضاعفة وعندي أن حسنة واحدة من السفيانين مما يتعلق بنقل السنة التي يعمل بها إلى يوم القيامة تزيد على جميع حسنات رابعة وإنما كانا يتواضعان لها في الحضور عندها وطلب الدعاء منها اقتداء به عليه الصلاة والسلام بل ربما كانا ينفعانها فيا تكون جاهلة في أمر دينها والله تعالى أعلم قال الطيبي رحمه الله من قبيل إلحاق الناقص بالكامل مبالغة كما يقول زيد كالأسد إذ لا شك أن المشرك التائب ليس


كالنبي المعصوم وتعقبه ابن حجر بأن المراد بمن لا ذنب له من هو عرضة له لكنه حفظ منه فخرج الأنبياء والملائكة فليسوا مقصودين بالتشبيه قلت فالخلاف لفظي واختلفوا فيمن عمل ذنوبا وتاب منها ومن لم يعملها أصلا أيهما أفضل فقيل الأول لأن توبته بعد أن ذاق لذات المعصية تدل على أنه أعلى صدقا وأقوى إيمانا لأنه باشر المانع ثم تركه بخلاف الثاني وقيل الثاني لأنه لم يتدنس بالمعاصي بخلاف الأول وشتان ما بينهما ولذا قال بعض العارفين إما عصمة من الأول وإما توبة في الآخر والظاهر أن الأشبه بالأنبياء والملائكة المعصومين والألياء والأصفياء المحفوظين هو الأفضل لأنه العبد الأكمل فإنه ولو غفر له لا يخلو عن الحياء والخجلة وتوقف ابن حجر في المسألة والله أعلم رواه ابن ماجه أي في سننه قال السيوطي ورواه الحكيم عن أبي


سعيد والبيهقي في شعب الإيمان وقال أي البيهقي تفرد به أي بنقل هذا الحديث النهراني بفتح النون وسكون الهاء وهو مجهول إما عينه أو حاله قال ابن حجر مع هذا لا يضر لأن لأن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل وفي شرح السنة روى أي البغوي رحمه الله وفي نسخة روي بصيغة المجهول عنه أي عن ابن مسعود موقوفا لكنه في حكم المرفوع قال الندم توبة أي ركن أعظمها الندامة إذ يترتب عليها بقية الأركان من القلع والعزم على عدم العود وتدارك الحقوق ما أمكن وهو نظير الحج عرفة إلا أنه عكس مبالغة والمراد الندامة على فعل المعصية من حيث إنها معصية لا غير والتائب من الذنب كمن لا ذنب له وروى القشيري في الرسالة وابن النجار عن أنس بلفظ التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب وروى البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس بلفظ التائب من الذنب كن لا ذنب له والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزىء بربه ومنن آذى مسلما كان عليه من الذنوب مثل منابت النحل كذا ذكره السيوطي في الجامع الصغير وقال ابن الربيع حديث التائب من الذنوب كمن لا ذنب له أخرجه ابن ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان ورجاله ثقات وحسنه ابن حجر بشواهده ثم اعلم أن التوبة إذا وجدت بشروطها المعتبرة فلا شك في قبولها وترتب المغفرة عليها لقوله تعالى وهو الذي يقبل التوبة عن عباده الشورى ولا يجوز الخلف في أخباره ووعده ووعيده وأما الاستغفار على وجه الافتقار والانكسار بدون تحقق التوبة فقد يكون ما حيا لذنوبه وقد لا يكون ماحيا لكن يترتب عليه الثواب البتة وهو داخل تحت المشيئة وقد أطال ابن حجر المسألة في البحث مع بعض معاصريه وأطنب كل في ذكر الأدلة وقيدها ابن حجر وأطلقها الآخر والحق التفصيل وهو حسبي ونعم الوكيل


باب
بالرفع منونا وبالوقف مسكنا ولم يذكر العنوان وغالب أحاديثه في رحمة الرحمن الباعثة على التوبة من العصيان والموجبة للرجاء وعدم اليأس من الغفران

الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله لما قضى الله الخلق أي حين قدر الله خلق المخلوقات وحكم بظهور الموجودات أو حين خلق الخلق يوم الميثاق بدأ خلقهم كتب كتابا أي في اللوح المحفوظ بأمره للملائكة أن يكتبوا أو للقلم ويؤيده حديث جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة أو الكتابة كناية عن الاثبات والأبانة فهو أي ذلك الكتاب بمعنى المكتوب أو عمله عنده أي عندية المكانة لا عندية المكان لتنوهه عن سمات الحدثان فوق عرشه فيه تنبيه على جلالة قدر ذلك الكتاب قال الطيبي فإن اللوح المحفوظ تحت العرش وزاد ابن حجر لأنه في جبهة إسرافيل رئيس حملة العرش والكتاب المشتمل على هذا الحكم فوق العرش لجلالة قدره ولعل السبب في ذلك إن ما تحت العرش عالم الأسباب والمسببات واللوح يشتمل على تفاصيل ذلك وقضية هذا العالم وهو عالم العدل وإليه أشار بقوله بالعدل قامت السموات والأرض إثابة المطبع وعقاب العاصي حسب ما يقتضيه العمل من خير أو شر وذلك يستدعي غلبة الغضب والرحمة لكثرة موجبه ومقتضيه كما قال تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة النحل فيكون سعة الرحمة و وشمولها على البرية وقبول إنابة التائب والعفو عن المشتغل بذنبه المنهمك فيه وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم أمرا خارجا عنه مترقبا منه إلى عالم الفضل الذي هو العرش وفي أمثال هذا الحديث أسرارا فشاؤها بدعة فكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للخبر قيل المراد بالكتاب إما القضاء الذي قضاه الله وأوجبه فعلى هذا يكون معنى قوله فهو عنده فوق عرشه أي فعلمه عنده تعالى فوق العرش لا ينسى ولا ينسخه ولا يبدله وأما اللوح المحفوظ المذكور فيه الخلق وبيان أحوالهم وأرزاقهم والأقضية النافذة فيهم وأحوال عواقب أمورهم


فحينئذ يكون معناه فذكره عنده إن رحمتي بالكسر ويفتح قال العسقلاني بفتح أن على الإبدال من الكتاب وبكسرها على أنها حكاية بمضمون الكتاب قلت يؤيد الثاني رواية الشيخين بلفظ أن رحمتي تغلب غضبي سبقت غضبي وفي رواية غلبت غضبي أي غلبت آثار رحمتي على آثار غضبي وهي مفسرة لما قبلها والمراد بيان سعة الرحمة وشمولها على الخلق حتى كأنها السابق والغالب وإلا فهما صفتان من صفاته راجعتان إلى إرادته الثواب
والعقاب لا توصف صفاته بالسبق والغلبة لأحداهما على الأخرى وقال الطيبي رحمه الله تعالى أي لما خلق الخلق حكم حكما جازما ووعد وعدا لازما لا خلف فيه بأن رحمتي سبقت غضبي فإن المبالغ في حكمه إذا أراد أحكامه عقد عليه سجلا وحفظه ووجه المناسبة بين قضاء الخلق وسبق الرحمة إنهم مخلوقون للعبادة شكرا للنعم الفائضة عليهم ولا يقدر أحد على إدار حق الشكر وبعضهم يقصرون فيه فسبقت رحمته في حق الشاكر بان وفي جزاءه وزاد عليه ما لا يدخل تحت الحصر وفي حق المقصر إذا تاب ورجع بالمغفرة والتجاوز ومعنى سبقت رحمتي تمثيل لكثرتها وغلبتها على الغضب بفرسي رهان تسابقتا فسبقت إحداهما الأخرى متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن لله مائة رحمة أي غايتها وهي النعمة لاستحالة حقيقة الرحمة في حقه تعالى وتعددها أنزل منها أي من جملة المائة وهو أولى من قول ابن حجر من تلك النعم رحمة واحدة أي تعطفا روحانيا وميلانا نفسانيا أو حملت الرحمة هنا على حقيقتها لإمكانها فهي أثر من آثار رحمته تعالى والإنزال تمثيل مشير إلى أنها ليست من الأمور الطبيعية بل هي من الأمور السماوية مقسومة بحسب قابلية المخلوقات لمظاهر آثار صفة الرحمانية الواقعة بين الجن أي بعضهم مع بعض والإنس كذلك والبهائم أي مع أولادها والهوام بتشديد الميم جمع هامة وهي كل ذات سم وقد يقع على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات والقمل كذا في النهاية والله أعلم برحمتها فيما لا


توالد فيها وأما أكل الهرة ولدها أحيانا فيحتمل أن يكون لمزيد خوفها عليه من غيرها فترى أن لا ملجأ إلا أكله فهو من مزيد رحمتها له في تخيلها ويحتمل أن يكون من جوعها كما يوجد في بعض أفراد الإنسان وفيه إشارة إلى أن الرحمة غير طبيعية فإذا سلبت ارتفعت بالكلية فيها أي بتلك الرحمة الواحدة وبسبب خلقها فيهم يتعاطفون أي يتمايلون فيما بينهم وبها يتراحمون أي بعضهم على بعض وبها تعطف الوحش أي تشفق وتحن على ولدها أي حين صغرها ولعل التخصيص بالأولاد لأنه لا تعاطف فيما بينها حتى لا تعطف أولادها على والديها ولعلها موجودة فيها كما يؤخذ من حديث أحد جبل يحبنا ونحبه ومن قوله تعالى


وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار البقرة وعلى هذا القياس ظهور النباتات وخواص الأشياء والمنفعة بالنار والهواء وغير ذلك من سائر الأشياء وأخر الله قال الطيبي عطف على أنزل منها رحمة وأظهر المستكن بيانا لشدة العناية برحمة الله الأخروية تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده أي المؤمنين يوم القيامة أي قبل دخول الجنة وبعدها قال الطيبي رحمه الله لا نهاية لها فلم يرد بما ذكره تحديدا بل تصويرا للتفاوت بين قسط أهل الإيمان منها في الآخرة وقسط كافة المربوبين في الدنيا اه وهو في المرتبة الحسنى ولا ينافي تفسير الرحمة بالنعمة فإن نعمه لا تحصى دنيا وعقبى ولا يعارضه تقسيم الرحمة بمعنى المثوبة العظمى على ما ورد من نزول مائة وعشرين رحمة كل يوم على الكعبة ستين للطائفين وأربعين للمصلين وعشرين للناظرين فاندفع به ما تعقبه ابن حجر على الطيبي وفيه إشارة إلى سعة فضل الله على عباده المؤمنين وإيماء إلى أنه أرحم الراحمين متفق عليه وفي رواية لمسلم عن سلمان نحوه أي بمعناه وفي آخره فإذا كان يوم القيامة أكملها أي أتم الرحمة الواحدة التي أنزلها في الدنيا بهذه الرحمة أي التي أخرها حتى يصير المجموع مائة رحمة فرحم بها عباده وعنه وفي نسخة وعن أبي هريرة وهو الأظهر لإيهام مرجع الضمير أن يكون إلى أقرب مذكور وهو سلمان وأما على النسخة المشهورة التي هي الأصل فكأنه اعتمد على العنوان قال قال رسول الله لو يعلم المؤمن اللام للاستغراق ما عند الله من العقوبة بيان لما ما طمع بجنته أحد أي من المؤمنين فضلا عن الكافرين ولا بعد أن يكون أحد على إطلاقه من إفادة العموم إذ تصور ذلك وحده يوجب اليأس من رحمته وفيه بيان كثرة عقوبته لئلا يغتر مؤمن بطاعته أو اعتمادا على رحمته فيقع في الأمن ولا يأمن مكر الله إلا


القوم الخاسرون ولو يعلم الكافر أي كل كافر ما عند الله من الرحمة من قنط بفتح النون ويكسر من جنته أحد أي من الكافرين ذكره الطيبي وغيره وقيده ابن الملك وغيره بقوله إذا دخل في الإسلام والظاهر من حسن المقابلة عدم التقييد فإنه يفيد المبالغة مع أن الشرطية غير لازمة الوقوع قال الطيبي الحديث في بيان صفتي القهر والرحمة لله تعالى فكما أن صفات الله تعالى غير متناهية لا يبلغ كنه معرفتها أحد كذلك عقوبته ورحمته فلو فرض أن المؤمن وقف على كنه صفته القهارية لظهر منها ما يقعا من ذلك الخواطر فلا يطمع بجنته أحد وهذا معنى وضع أحد موضع ضمير المؤمن ويجوز أن يراد بالمؤمن الجنس على سبيل الاستغراق فالتقدير أحد منهم ويجوز أن يكون المعنى على وجه آخر وهو أن المؤمن قد اختص بأن يطمع بالجنة فإذا انتفى الطمع منه فقد انتفى عن الكل وكذلك الكافر مختص بالقنوط فإذا انتفى القنوط عنه فقد انتفى عن الكل وورد الحديث في بيان كثرة رحمته وعقوبته كيلا يغتر مؤمن برحمته فيأمن من عذابه ولا ييأس كافر من رحمته ويترك بابه متفق عليه وحاصل الحديث أن العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف بمطالعة صفات الجمال تارة وبملاحظة نعوت الجلال أخرى وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه لو نودي في القيامة أن يدخل أحد الجنة أرجو أن أكون أنا وكذا في النار وقيل ينبغي أن يغلب الخوف في حال الحياة والرجاء عند الممات وعن ابن مسعود قال قال رسول الله الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله بكسر الشين أحد سيور النعل قال الطيبي رحمه الله ضرب العرب مثلا بالشراك لأن سبب حصول الثواب والعقاب إنما هو بسعي العبد ويجري السعي بالإقدام وكل من عمل خيرا استحق الجنة بوعده ومن عمل شرا استحق النار بوعيده وما وعد وأوعد منجزان فكأنهما حاصلان اه ويؤخذ منه نكتة لطيفة في دفعه نعله لأبي هريرة في الحديث المشهور السابق ذكره في أول الكتاب ولعله أقرب لأن الشراك يقبل الانفكاك بخلاف العمل


وإليه الإشارة بقوله تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه الإسراء فالمعلق بالعنق على وجه الدوام لا شك أنه أقرب من المعلق تحت الرجل في بعض الأيام والله تعالى أعلم بإشارات كلام سيد الأنام والنار مثل ذلك إشارة إلى المذكور أي النار مثل الجنة في كونها أقرب من شراك النعل والظاهر أن ذلك اقتصار من الراوي ثم قيل هذا لأن سبب
دخول الجنة والنار مع الشخص وهو العمل الصالح والسيء وهو أقرب إليه من شراك نعله إذ هو مجاور له والعمل صفة قائمة به وأما قول ابن حجر أو هي نفسها باعتبار سرعة انقضاء الدنيا التي يليها دخولها فهو وإن كان صحيحا في نفس الأمر لكن بظاهره من كونه أقرب من الشراك غير صحيح إلا مبالغة وادعاء كما لا يخفى وأما قوله أو نزل الوعد بها الناجز لمن عمل عملا صالحا منزلة حصولها نفسها فهو عين القول الذي اقتصر عليه الطيبي فهو المعول رواه البخاري وعن أبي هريرة قال قال رسول الله قال رجل أي ممن كان قبلنا لم يعمل صفة رجل خيرا قط أي عملا صالحا كما يدل عليه قوله لم يعمل وخوفه من عذابه وغفرانه تعالى ولهذا قال ابن حجر أي بعد الإسلام لأهله قال ابن الملك يعلم منه أن عمل الخير يتعدى منه لأهله وذوي قرابته وأنه لم يعمل خيرا لنفسه أيضالانه لو عمل لنفسه لتعدى منه إليهم اه والصواب أن قوله لأهله متعلق بقال كما صرح به الطيبي فيما سيأتي لا بلم يعمل كما فهم هذا القائل تأمل وفي رواية أسرف رجل على نفسه أي بالغ في فعل المعاصي فمؤدى الروايتين واحد فلما حضره الموت أوصى بنيه إذا مات فحرقوه قال الطيبي مقول قال على الرواية الأولى ومعمول أوصى على الرواية الأخرى فقد تنازعا فيه في عبارة الكتاب اه وهو الصواب لأن قوله وفي رواية إلى قوله أوصى بنيه جملة معترضة خلافا لما قاله زين العرب من أن تقدير الكلام على الرواية الأولى هكذا رجل لم يعمل قط خيرا لأهله فلما حضره الموت الخ وعلى الرواية الأخرى يكون ابتداء قول الرسول عليه


الصلاة والسلام من أسرف رجل على نفسه والمراد أنه أكثر من الذنوب اه ثم الأصل إذا أنا مت فحرقوني وعدل عنه إلى الغيبة إعلاما بعدم الاعتناء به عن مراتب السعداء كذا قاله ابن حجر رحمه الله تعالى وحاصله أنه من باب الالتفات في مذهب بعض كما قال الطيبي لو حكى ما تلفظ به الرجل لكان ينبغي أن يقال إذا مت فحرقوني ثم اذروا نصفي ولو نقل معنى ما تلفظ به الرجل لقال إذا مات فليحرقه قومه ثم ليذروا فعدل عن ضمير المتكلم إلى الغائب تحاشيا عن وصمة نسبة التحريق وتوهم الشك في قدرة الله تعالى إلى نفسه اه وأما قول ابن حجر وكلامي أولى مما قيل عدل الخ لأن هذا العدول لا يمنع إيهام الشك في قدرة الله تعالى فغفلة وذهول عن أن العدول وقع عن قوله لئن قدر الله على إلى قوله قدر الله عليه وإن لم يذكره الطيبي تحاميا أيضا ثم اذروا بهمزة وصل من الذرى بمعنى التذرية ويجوز قطعها يقال ذرته الريح وأذرته إذا أطارته أي فرقوا نصفه أي نصف رماده في البر ونصفه في البحر فوالله لئن


اللام موطئة للقسم قدر بتخفيف الدال ويشدد أي ضيق الله عليه قال ابن حجر وفي نسخة علي واعتمدها النووي والظاهر أنه سهو قلم من بعض الكتاب لأنه يحصل به تحريف في الكتاب ويدل على ضعفه قوله ليعذبنه إذ لم يعهد الالتفات بين أجزاء جملتي الشرطية والقسمية وعلى تقدير ثبوته يحمل على أن الرجل كان دهشا عذابا أي تعذيبا لا يعذبه أي ذلك العذاب أحدا من العالمين قيل معناه لئن ضيق الله عليه وناقشه في الحساب من القدر بمعنى التضييق لا من القدرة لأن الشك دي القدرة كفر وقد قال في آخر الحديث خشيتك وغفر له والكافر لا يخشاه ولا يغفر له فله تأويلان أحدهما إن قدر بالتخفيف بمعنى ضيق ومنه قوله تعالى قدر عليه رزقه بالتخفيف والتشديد وقوله فظن أن لن نقدر عليه الأنبياء والثاني لئن قدر عليه العذاب أي قضاه من قدر بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد ولكن روي في بعض طرق الحديث فلعلي أضل الله أي أفوته وهذا ينبىء أنه أراد التمنع بالتحريق من قدرة الله تعالى ومع ذلك أخبر الصادق بغفرانه فلا بد من وجه يمكن القول معه بإيمانه فقيل أن لرجل ظن أنه إذا فعل هذا الصنيع ترك فلم ينشر ولم يعذب وأما تلفظه بقوله لئن قدر الله وبقوله فلعلي أضل الله فلأنه كان جاهلا بذلك وقد اختلف في مثله هل يكفر أم لا بخلاف الجاحد للصفة وقيل هذا ورد مورد التشكك فيما لا يشك ويسمى ذلك في علم البلاغة بتجاهل العارف كقوله وإن كنت في شك يونس الآية وقيل لقي من هول المطلع ما أدهشه وسلب عقله فلم يتمكن من تمهيد القول وتخميره فبادر بسقط من القول وأخرج كلامه مخرجا لم يعتقد حقيقته وهذا أسلم الوجوه والله أعلم وقال الطيبي رحمه الله هو كلام صدر عن غلبة حيرة ودهشة من غير تدبر في كلامه كالغافل والناسي فلا يؤاخذ فيما قال أقول هذا هو الظاهر من الحديث كما سيأتي حيث قال تعالى لم فعلت قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم والله أعلم وقيل ذلك لا يؤاخذ عليه ونحوه ما تقدم من قول واجد الضالة


أنت عبدي وأنا ربك واختاره ابن حجر تبعا لما ذكره الطيبي وفيه نظر إذ قول الواجد وقع سهوا وخطأ بخلاف هذا فكيف يكون مقيسا وقيل انكار وصف واحد مع الاعتراف بما عداه لا يوجب كفرا قلت جعل وصف واحد عذر عند بعض لا إنكاره وبون بين بين الإنكار للشيء والجهل به ثم رأيت الطيبي قال قيل إنه جهل صفة من صفات الله وقد اختلفوا في تكفير جاهل صفة من صفات الله تعالى قال القاضي عياض وممن كفره ابن جرير الطبري وقال به أبو الحسن الأشعري أولا وقال آخرون لا يكفر به بخلاف جحدها وإليه رجع أبو الحسن وعليه استقر مذهبه قال لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه ويراه دينا شرعا وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق وقالوا لو سئل الناس عن الصفات لوجد العارف بها قليلا وقيل هذا من بديع استعمالات العرب ويسمى مزج الشك باليقين والمراد اليقين كقوله تعالى فإن كنت في شك قال الطيبي وتحريره إن الله أراد أن يحقق ما أنزل عليه من أمر أهل الكتاب ويقرره عنده وعلم أنه لم يشك فيه قطعا وإنما قال تهييجا وإلهابا له ليحصل له مزيد ثبات ورسوخ قدم فيه كذلك هذا الرجل علم أن الله قادر أن ينشره ويبعثه ويعذبه بعد ذلك ويؤيده ما ورد في رواية أخرى وإن الله يقدر على أن يعذبني


فأراد أن يحرض القوم على انفاذ وصيته فأخرج الكلام في معرض التشكيك لهم لئلا يتهاونوا في وصيته فيقوموا بها حق القيام اه ولا يخفى عدم المناسبة بين الحديث والآية لأن الآية من كلامه تعالى خطابا لنبيه مبنيا على فرضه وتقديره فلا يتصور شك في وقوعه ولذا قال عليه الصلاة والسلام لا أشك ولا أسأل وفي الحديث من كلام غير مقصود خطابا لمن يتصور منه الشك ابتداء أو انتهاء ولا تأييد لمعنى الرواية الأخرى فإنها معنى صحيح لا غبار عليه مباين لهذه الرواية فإنها موهمة نعم تلك الرواية تدل على أنه مؤمن ويحتاج كلامه إلى تأويل وإن أحسن التأويل ما قيل في قوله تعالى فظن أن لن نقدر عليه ورواية أضل الله تحمل على معنى أضيع طاعته ولعل للإشفاق والدال عليه قوله من خشيتك يا رب لا أنه للترجي كما حملوا عليه وأشكلوا على أنفسهم ونسبوا الكفر إليه وغايته أنه أتى بالمضارع لاستحضار الحال الماضية ولا محظور لديه وقيل كان هذا الرجل في زمان فترة حين ينفع مجرد التوحيد قال الطيبي ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا الإسراء وفيه أنه إذا لم يكن هناك تكليف والتوحيد متحقق فلا معنى للخوف مع أن كلام الطيبي ليس على مقتضى مذهبه فإن عند الشافعية لا تكليف فيه بتوحيد وغيره كما هو مقرر في محله فلما مات فعلوا أي أهله أو بنوه ما أمرهم من التحريق والتذرية فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه أي من أجزاء الرجل إظهارا للقدرة الكاملة والقوة الشاملة ثم قال له لم فعلت هذا أي ما ذكر من الوصية قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم قيل إنما وصى بذلك تحقيرا لنفسه وعقوبة لها بعصيانها رجاء أن يرحمه الله فيغفر له وهذا يؤيد أن قوله لئن قدر بمعنى ضيق فاندفع قول ابن حجر أن تحقير النفس لا يبيح مثل ذلك فغفر له قال الطيبي ويحتمل أن يكون قوله لئن قدر الله عليه من قوله عليه الصلاة والسلام فيكون معناه أنه تعالى لو


وجده على ما كان عليه ولم يفعل به ما فعل فترحم عليه بسببه ورفع عنه أعباء ذنبه لعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين أو لئن ضيق عليه وناقشه في الحساب لعذبه أشد العذاب وفيه مع بعده عن السياق واللحاق وعلى تسليم أنه جملة معترضة بين كلامي الرجل يأباه الفاء في قوله فوالله المترتب على ما تقدم والله أعلم وأما قول ابن حجر المراد لئن بعثني وأن هنا بمعنى إذا أو إذ على حد وخافون إن كنتم مؤمنين آل عمران فمردود بأن اللام الموطئة لا تدخل إلا على الشرط والجواب للقسم ويسد مسد الشرط مع عدم ملاءمة المعنى بينه وبين ما قبله من الكلام المترتب عليه فتدبر بظهر ثم أغرب بقوله وهذا أظهر الأجوبة عندي لكن في رواية غير مسلم فلعلي أضل الله أي أغيب عنه قيل وهذا يدل على تعمده لحقيقة مدلول قوله لئن قدر عليه اه ويرد بمنع دلالته على ذلك لأن الدهش يتخيل غير الواقع كثيرا اه وفيه أن هذا ليس سندا للمنع بل دليل على تحققه ودلالته وغايته أنه قد يعتبر عذرا فيصلح أن


يكون جوابا لا منعا فإن قلت تعارض رواية قدر عليه رواية وأن الله يقدر على أن يعذبني قلت هذه لا تقاوم تلك ويفرض صحتها فيجمع على قضيتين ويحتمل أنه أوصى مرتين مرة كان فيها ثابت العقل وأخرى مدهوش العقل مذهوب القلب متفق عليه وعن عمر بن الخطاب قال قدم على النبي سبي هو ما يسمى من العدو من الصبيان والنساء فإذا أمرأة من السبي قد تحلب من باب التفعل أي سال ثديها أي ابن ثديها لكثرته لعدم ولدها معها تسعي أي تعدو في طلب الولد وأغرب ابن الملك فقال أي تسعى بما تكلف من العمل وروى تسقى أي ترضع الولد قال العسقلاني للكشميهني بسقي بكسر الموحد وفتح المهملة وسكون القاف وتنوين التحتانية وللباقين تسعى بفتح العين المهملة من السعى قال شارح أي تعدو وروي في كتاب مسلم تبتغي أي تطلب ولدها وأما تسقى على ما في بعض النسخ للمصابيح والبخاري أيضا فليس بشيء قلت نسبته إلى البخاري ليس بشيء لما تقدم من كلام العسلاقني من أن رواية البخاري متحضرة في الصيغتين لكن في شرح الطيبى قال القاضي الصواب ما في رواية البخاري تسقى بالقاف من السقي أقول قوله وفي كتاب البخاري تسقى كما في بعض نسخ المصابيح إن كان ردا للرواية فلا كلام فيه وإن كان الرد من حيث الدراية فغير مستقيم لأن تسقى إذا جعل حالا مقدرة من ضمير المرأة بمعنى قد تحلب ثديها مقدرة السقي فأي بعد فيه ا ه كلامه والذي يظهر لي أن المراد بقول القاضي الصواب ما في رواية البخاري تسقي بالقاف من السقي وتبعه النووي بقوله الصواب ما في البخاري تسقي بالسين من السقي هو رواية الكشميهني ليطابق نقل العسقلاني وقولهمامن السقي بالقاف إحتراز من السعي بالعين ولا دلالة في كلامهما على إنه بصيغة المصدر المدخول عليه حرف الجر أو على إنه بصيغة المضارع فيتعين حمل كلامهما على الأول جمعا بين النقول وأما الشارح الذي زيف ما في بعض نسخ المصابيح وكتاب البخاري فهو تسقى بصيغة المضارع من السقي بالقاف من وجهة


الرواية فتأمل فإنه موضع زلل واندفع به كلام ابن حجر وعجيب من هذه الجسارة على الرواية الصحيصة وردها بمجرد مخيل لا حقيقة له إذا وجدت أي فاجأت صبيا في السبى أي في جملة صبيان السبى أخذته فالصقته ببطنها وأرضعته أي محبة لولدها ورحمة وشفقة على ولد غيرها فقال لنا النبي أترون بضم التاء أي أتظنون هذه أي المرأة مع ما عندها
من عظم الرحمة حتى على أولاد غيرها طارحة أي ملقية ولدها في النار فقلنا أي لا نظن إنها طارحة وهو أولى من قول ابن حجر لا تطرحه وهي تقدر على أن لا تطرحه الواو للحال وفائدة هذا الحال إنها إن إضطرت يمكن طرحها والله منزه عن الإضطرار فلا يطرح عبده في النار البتة فقال لله أرحم بعباده أي المؤمنين أو مطلقا من هذه بولدها وهنا بفتح باب القدرو القضاء ويموج بحر السر الإلهي الذي يضيق فيه القضاء فالتسليم فيه أسلم والله أعلم ولإبن حجر هنا إعتراض وكلام مما لا يلتفت إليه في مقام متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لن ينجى أي من النار ولن لمجرد النفي وقيل لتوكيده ومذهب المعتزلة أنها لتأبيده والمعاني الثلاثة كلها صحيحة هنا أحدا منكم عمله يعني بل فضل الله ورحمته فإن له تعالى أن يعذب الطائع ويثيب العاصي وأيضا فالعمل وإن بلغ مابلغ لا يخلو عن نوع من التقصير المقتضي لرده لولا تفضل الله بقبوله وليس المراد توهين أمر العمل ونفيه بل توقيف العباد على إن العمل إنما يتم بفضل الله وبرحمته كيلا يتكلوا على أعمالهم إغترارا بها وقال زين العرب يعني إن النجاة والفوز بفضله ورحمته والعمل فيها غير مؤثر فيهما إيجابا والخطاب للصحابة والمراد معشر بني آدم أو المكلفين تغليبا قالوا ولا أنت يارسول الله قال الطيبى الظاهر ولا إياك أي للعطف على أحدا فعدل إلى الجملة الأسيمة أي من الفعلية المقدرة مبالغة أي ولا أنت ممن ينجيه عمله استبعادا عن هذه النسبة إليه ويحتمل إنهم فهموا قوله لن ينجي وإنما أرادو التثبيت فيما


فهموه وحيث يتأيدبه إن المتكلم يدخل في عموم كلامه وإن خطاب الأمة يشمله وهما مسألتان مذكورتان في الأصول قال ولا أنا مطابق ولا أنت أي ولا أنا ممن ينجي عمله إلا أن يتغمدنى الله أي يسترني منه برحمته والاستثناء منقطع أي إلا أن يلبسني لباس رحمته فأدخل الجنة برحمته والتغمد الستر أي يسترني برحمته ويحفظني كما يحفظ السيف بالغمد بكسر الغين وهو الغلاف ويجعل رحمته محيطة بي إحاطة الغلاف للسيف وحاصل الحديث إن العمل المجرد لا ينفع وإنما يفيد إذا كان مقرونا بالفضل والرحمة وقال الطيبى أي النجاة من العذاب والفوز بالثواب بفضل الله ورحمته والعمل غير مؤثر فيهما على سبيل الإيجاب غايته إنه يعد العامل لأن يتفضل عليه ويقرب الرحمة إليه ولذا قال فسددوا أي بالغوافي التسديد وإصابة الصواب وفعل السداد وقولوا قولا سديد القوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا شديد الأحزاب أي صوابا


وعدلا وقاربوا أي حافظوا القصد في الأمور بلا غلو ولا تقصيرا وتقربوا إلى الله بكثرة القربات لكن بحيث لا يحصل لكم الملالة في الطاعات والعبادات واغدور ورحوا أي أعبدوا الله واذكروه طرفي النهار وزلفا من الليل كقوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل هود وهو معنى قوله وشىء من الدلجة بضم الدال وسكون اللام كذا في النسخ وفي النهاية الدلجة بالفتح والضم سير الليل وفي القاموس الدلجة بالضم والفتح السير من أول الليل وقد أدلجوا فإن سار وأمن آخره فاد لجوا بالتشديد وشيء مرفوع على الإبتداء وخبره مقدر أي أعملوا فيه أو مطلوب عملكم فيه وقيل التقدير وليكن شيء من الدلجة وقيل إنه مجرور لعطفه على مقدر أي أعملوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة وقال العسقلاني شيئا منصوب لمحذوف أي أفعلوا ا ه لكن لا يساعده رسم الكتاب قال الطيبى شبه هذه الأوقات من حيث إنها توجه إلى مقصد وسعى للوصول إليه بالسلوك والسير وقطع المسافة في هذه الأوقات والقصد القصد أي الزموا التوسط في العبادة والتكرير للتأكيد أو بإعتبار الأعمال والأخلاق وقيل أي الزموا القصد في العمل وهو إستقامة الطريق والأمر الذي لا غلو فيه وتقصير تبلغوا أي المنزل مجزوم على جواب الأمر قال الطيبى بين أول إن العمل لا ينجي ايجابا لئلا يتكلوا عليه وحث آخرا على العمل لئلا يفرطوا فيه بناء على إن وجوده وعدمه سواء بل العمل ادنى إلى النجاة فكأنه معد وإن لم يوجب متفق عليه وعن جابر قال قال رسول الله لا يدخل بضم أوله أحدا منكم عمله فاعله الجنة ولا يجبره أي لا يخلصه ولا ينجيه من النار ولا أنا أي أياى الا برحمة الله أي إلا عملا مقرونا برحمته فالإستثناء متصل فدخول الجنة بمحض الفصل ودرجاتها على حسب أعمال أصحابها بمقتضى العدل رواه مسلم وعن أبي سعيد قال رسول الله إذا أسلم العبد فحسن إسلامه أي بالإخلاص فيه بإن لا يكون منافقا وليس معناه استقام على الإسلام وأدى حقه وأخلص


في عمله لا يهامه أن مجرد الإسلام الصحيح لا يكفر فإنه ينافيه قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ماقد سلف الانفعال ويدل على ما قلنا قوله يكفر الله عنه كل سيئة
كان زلفها بتشديد اللام أي قدمها على الإسلام والأصل فيه القرب التقدم وكان بعد بضم الدال أي بعد الإسلام أو بعد التفكير به القصاص بالرفع أي المجازاة على الأعمال التي يفعلها بعد إسلامه أو إتباع كل عمله بمثله وإختصاص الحسنة بالزيادة من فضله وأخذ القصاص من القصص الذي هو تتبع الأثر وهو ورجوع الرجل من حيث جاء ومنه قوله تعالى فارتدا على آثارهما قصصا الكهف وسمي القود قصاصا لمجازاة الجاني وفي بعض النسخ بإضافة بعد إلى القصاص وسيأتي وجهه الحسنة بعشر أمثالها الجملة بييان وتفسير للقصاص قال ابن الملك وفي بعض النسخ والحسنة بواو العطف يعني وكانت الحسنة لعشر أمثالها الخ بخلاف ما قبل الإسلام فإنه إذا عمل حسنة في الكفر ثم أسلم يعطي لكل حسنة ثواب حسنة واحدة ا ه وهو يحتاج إلى بيان وبرهان لأن الكافر حال كفره لم يصدر عنه حسنة إلا صورة سبعمائة ضعف أي تنتهي إلى ذلك وتمتد إلى أضعاف أي أمثال كثيرة فضلا من الله ونعمة والسيئة بمثلها عدلا ورحمة ولو بالحرم خلافا لمجاهد وغيره إلا أن يتجاوز الله عنها أي بقبول التوبة أو بالعفو عن الجريمة قال زين العرب رحمة الله في بعض النسخ بعد بالبناء والقصاص بالرفع وفي بعضها بالإضافة وفي بعضها والحسنة بعشر أمثالها بواو العطف وفي بعضها بدونها فمعنى الأول مع العطف وكان بعد الإسلام أي يثبت عليه بعده القصاص إن جنى على أحد أو وكان بعد القصاص إن كان عليه لاحد حق مالي ويثبت له الحسنة لعشر أمثالها والسيئة بمثلها ومعناه بدون العطف ظاهر لأن الحسنة الخ يكون بيانا للقصاص أي المجازاة والتتبغ الذي يفعل معه في حسناته وسيئاته ومعنى الثاني مع العطف وكأن أي المذكور من تكفير الله عنه كل سيئة كان زلفها بعد القصاص أي الإسلام


وعقيبه دون التمهل والتراخي إلى ظهور حسن وكان له أيضا عقيب إسلامه الحسنة بعشر أمثالها فالحسنة على هذا عطف على الضمير المستتر في كان وجاز بدون توكيده بمنفصل للفصل بالظرف ومعناه بدون العاطف ظاهر لأن الحسنة فاعل كان والقصاص بمعنى الإسلام كمامر ويجوز أن يرادبه القود أيضا رواه البخاري وعن أبن عباس قال قال رسول الله إن الله كتب الحسنات والسيئات أي أثبتهما في سابق عمله وأمر الملائكة بكتبهما في اللوح أو بينهما وعينهما في كتاب أو قضاهما وقدرهما أو أمر الحفظة بكتابتهما ليوازنهما أوصحفهما يوم القيامة والمراد بالحسنات ما يتعلق به الثواب بالسيئات ما يستحق فاعله العقاب وفي رواية الإربعين ثم بين ذلك أي مقدارهما وعين مبلغهما للسفر والكرام بأن بعضها يجازي بعشر أوسبعين أو سبعمائة إلى غير ذلك أو


بينه في التنزيل أو فصل النبي ذلك الإجمال بما بهذه فيكون من كلام الراوى ويدل عليه تركه في هذا الكتاب وذكر اسم الإشارة بإعتبار المذكور فمن هم قال الطيبي الفاء للتفصيل لأن قوله كتب الحسنات ميجمل لم يعرف منه كيفة الكتابة أي فمن قصد بحسنة وصمم على فعلها فلم يعملها أي لم يتيسر له عملها العذر كتبها الله له عنده حسنة كاملة مفعول ثان بإعتبار تضمين معنى التصيير أو حال موطئة وذلك لأن العمل بالنية ونية المؤمن خير من عمله فإنه يثاب على النية بدون العمل ولا يثاب على العمل بدون النية لكن لا يضاعف ثواب الحسنة بالنية المجردة فإن هم بها فعملها بإن جمع بين النية والعمل كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة أي لمن شاء من عباده تفضلا وإحسانا وهذه المراتب بحسب التفاوت في العمل إخلاصا ومراعاة بشرائطه وآدابه قال السيدان هذا التضعيف لا يعلم أحدكم هو وما هو وإنما أبهمه الله تعالى لإن ذكرا المبهم من باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود ولذا قال تعالى فلا تعلم نفس ماأخفي لهم من قرة أعين السجدة وفي الحديث القدسي أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة جوزي بحسنة كامله لأنه ممن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإنه إنما تركها بعد أن هم بها مراقبة لله وحذرا منه مع القدرة عليها لا إن هم فلم يعمل للعجز فان هو أي الشأن أو مريد العمل هم بها فعملها أي جميع بين القصد والعمل إحترازا من الخطأ والزلل وليس لفظ هو في الأربعين بل لفظة وإن هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة قال ابن الملك وإنما كان كذلك لأن رحمة أكثر من غضبه قال ابن حجر فيه دليل على إن لا مؤاخذة بالهم وهوالأصح خلافا فالمن زعم المؤاخذة به والكلام كما علمت من الحديث في الهم الذي لم ينضم إليه تصميم أما المنضم إليه ذلك فهو سيئة على الأصح أيضا ا ه وليس


على إطلاقه بل التحقيق عدم المؤاخذة فيما لا اختيار له لقوله تعالى إن السمع والبصر والفؤادكل أولئك كان عنه مسؤلا الأسراء ولقوله إنما يحشر الناس على نياتهم وللإجماع على المؤاخذة بالكبر والعجب والرياء إلا أن يمتنع لأجله تعالى فيمحوه أو يباشره فيكتب له سيئة واحدة فضلا منه تعالى متفق عليه قال الثووى فأنظر ياأخي وفقني الله واياك إلى عظم لطف الله وتأمل هذه الإلفاظ وقوله عنده إشارة إلى الإعتناء بها وقوله كاملة للتوكيد وشدة الاعتناء بها وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها كتبها الله عنده حسنة كاملة فأكدها بكاملة وإن عملها كتبها سيئة واحدة فأكد تقليلها بواحد فلله الحمد والمنة

الفصل الثاني


عن عقبة بن عامر قال رسول الله إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات أي صفته كمثل رجل قيدته لمناسبة بالدرع كانت عليه درع ضيقة قد خنقته أي عصرت حلقه فإنه بعمل السيئات يضيق صدره ويحيره في الإمور ويبغضه إلى الناس وبعمل الحسنات ينشرح صدره وتتيسر أموره ويصبر محبو با في قلوب الناس وهذا معنى قوله ثم عمل حسنة أي أي حسنة كانت والتنوين للتنكير وأما قول ابن حجر أي أوصل نعمة لمن له قدرة على فك حلق تلك الدرع فجازاه بفك واحدة منها فموهم للتخصيص ومخرج للحديث من التمثيل المعنوي إلى الأمر الحسى والعجب من إنه قال وما قررته في عمل حسنة هو الذي يصح به ترتيب الحديث ويتضح به التمثيل بخلاف ما أوهم كلام شارح من بقاء الحسنة على معناها من مجرد عمل العبادة لأنه لا مناسبة بين عملها وفك تلك الحلق فتأمله ا ه فتأمامنا فوجدنا كلامه غير معقول المعنى لأن الإحسال الى شخص مرة بعد أخرى بإن يفك في كل مرة حلقة واحدة من حلق الدرع متعسر بل متعذر عادة وأيضا الذي لبس درعا ضيقة تخنقت يقدر على خلعها ولا يحتاج إلى إنه بفعل أنواعا من الإحسان في كثير من الأزمان حتى يخلصه من إختناق درعه فانفكت أي انحلت حلقة بسكون اللام وبفتتح ثم عمل أخرى ا ه ي حسنة فانفكت أخرى أي حلقة وهكذا اتنفك واحد بعد واحدة بعد أخرى حتى تخرج إلى الأرض أي تسقط الدرع قال الطيبى إي حتى تنحل وتنفك بالكلية ويخرج صاحبها من ضيقها فقوله تخرج إلى الإرض كنابة عن سقوطها ا ه والحديث تمثيل وبيان لقوله تعالى أي إن الحسنات يذهبن السيئات أي رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وعن أبي الدرداء إنه سمع النبي يقص أي يحدث الناس ويعظمهم على المنبر وهو أي والحال إنه يقول ولمن خاف مقام ربه أي موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة وقيل أي ولمن خاف من القيام بحضرة ربه يوم القيامة قال تعالى يوم يقوم الناس لرب العالمين المطففين ويجوز أن يرادبه إن الله تعالى قائم


عليه أي حافظ مهيمن
من قوله أفمن هو قائم الرعد الآية فهو يراقب ذلك ولا يجرأ على معصيته وقال الطيبى يعنى موقف عرض الأعمال على الله تعالى جنتان أي جنتان ذوتا أفنان إلى آخر صفاتهما المذكورة في القرآن المبينة أنهما أعلى من الجنتين المذكورتين بعدهما من الجنان ومن ثم قال ومن دونهما أي في المرتبة والنعيم والشرف وذلك لأن خوفه يحمله على دوام مراقبة الحق وادمان الأعمال الصالحة الموصلة له مقامين عاليين قبل جنة لعمل الطاعة وجنة الترك السيئة وقيل جنة للثواب بطريق العدل وجنة للإقتراب بطريق الفضل وقال الصوفية جنة معجلة في الدنيا بالحضور مع المولى وجنة مؤجلة في الآخرة بلقاء المولى والدرجات العلى والأظهر أن يقال جنة من الذهب آنيتها وقصورها وحليها وغيرها وجنة من الفضة كذلك على ما ورد في بعض الأحاديث يمكن إن يقال جنة للسالقين وجنة لأصحاب اليمين أو جنة عن يمينهم وجنة عن يسارهم قلت وإن زنى وإن سرق يا رسول الله أن وصلية أي ولو زنى وسرق الخائف له جنتان قال ابن حجر وإن سبق منه قبل هذا الخوف نحو الزنا والسرقة يصح على بعد وإن فعلها مع هذا الخوف ووجه بعده إجتماع هذا الخوف وفعل ذينك وأمثالهما ا ه والثاني هو الظاهر المفيد للمبالغة فإن ما سبق من الخوف الباعث على الرجوع والتوبة لا يسئل عنه ولا يستغرب منه فقال الثانية أي في المراة الثانية زيادة في التأكيد ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلت الثانية وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال الثالثة ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلت الثالثة وإن زنى وإن سرق يا رسول الله قال وإن رغم بكسر العين أي لصق بالتراب ولا وهو أنا أنف أبي الدرداء وضبطا بفتحها فقيل معناه ذل وقيل إضطراب وقيل غضب وظاهر الحديث إن من على عمومه والمراد بالخائف المؤمن فيكون نظير حديث رواه الشيخان عن أبي ذر مرفوعا ما من عبد قال لا إله ألا الله ثم مات على ذلك الإ دخل الجنة قلت وإن زنى وأن سرق قال وإن زنى وإن سرق


قال في الثالثة والرابعة على رغم أنف أبي ذر الحديث كما سبق في أول الكتاب وأغرب ابن الملك حيث قال هنا يعني من خاف الله في معصيته فتركها يعطيه الله أغفر تلك الزنية والسرقة رواه أحمد وعن عامر الرام أي الرامي قال بينا نحن عنده يعني عندالنبي تفسير من
الراوي عن الرامي إذ أقبل أي توجه رجل عليه كساء بكسر الكاف أي خرقة وفي يده شيء قد التف بكساء أو نحوه وقال ابن حجر أي ذلك الكساء ولا وجه للجزم به عليه أي على ذلك الشيء فقال جواب عن سؤال مقدر تقديره ما هذا الشيء فالفاء فصيحة فقال يا رسول الله مررت بغيضة شجر الغيضة الغابة وهو مجتمع الأشجار أضافها إلى الشجر أما لمزيد البيان أو يراد بالشجرة المرعي كما جاء في الحديث ونأى بي الشجر أي بعد بي المرعى الشجر وأما قول ابن حجر الإضافة بيانية أي بغيضة هي شجر ملتف على بعض لكثرته فبني على ظاهر ما ذكره في النهاية من إن الغيضة هي الشجر الملتف ولما البيانية غير صحيحة هذا المعنى فإن الأول خاص والثاني عام أورد سؤالا وجوابا فقال فإن قلت ليست الغيضة إسما لمطلق الشجر بل للشجر الملتف فلا تكون الإضافة بيانية قلت تنوينها للتنكير فكإنه قال بغيضة وهي شجر كبير ومن لازمه الإلتفات غالبا ا ه وقوله للتنكير صوابه للتعظيم على ما ادعى كما لا يخفي ومع هذا قيد الغالبية لايصح البيانية بل بدونها أيضا كما حقق في خاتم فضة أن النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه فالصواب ما اخترناه مطابقا للقاموس من أن الغيضة بالفتح الأجمة ومجتمع الشجر بل يتعين حمل كلام النهاية على هذا المعنى وهو أن المراد بالشجر الجنس وبالملتف يلتف بعض الأشجار إلى بعضها لا المفرد المعين الملتف بعض أغصانه إلى بعض فإن الغيضة تطلق على موضع تكثر فيه السباع والطيور فسمعت فيها أي في الغيضة أصوات فراخ طائر بكسر الفاء جمع كثرة للفرخ وهو ولد الطير وجمعه للقلة الفراخ وجمع بينهما في الحديث إما اتساعا أو استعمالا لكل من الجمعين


مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية كما في قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء البقرة وأما إشعارا بأن تلك القلة كانت خارجة عن العادة وبالغة إلى حد الكثرة ويشهد له الضمائر المتعاقبة في قوله فأخذتهن فوضعتهن في كسائي فجاءت أمهن كذا حققه الطيبي فاستدارت أي دارت على رأسي فكشفت لها عنهن أي فرفعت الكساء عن وجه الفراخ لأجل أمهن حتى رأتهن فوقعت أي نزلت وسقطت عليهن فلفقتهن أي جميعهن بكسائي فهن أي هن وأمهن أولاء اسم إشارة معي أي تحت كسائي قال أي النبي ضعهن فوضعتهن أي وكشفت عنهن وعن أمهن وأبت أمهن أي استنعت إلا لزومهن أي عدم مفارقتهن استثناء مفرغ لما في أبت من معنى النفي أي ما فارقتهن بعد كشف الكساء بل ثبتت معهن من غاية رحمتها بهن فقال رسول الله أتعجبون لرحم أم الأفراغ أ
لشفقتها والرحم بالضم مصدر كالرحمة ويجوز تحريك الحاء بالضم مثل عسر وعسر وقوله فراخها منصوب على المفعولية أو بنزع الخافض ويؤيده ما في نسخة بفراخها فوالذي بعثني بالحق لله أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها لألإن حقيقية دائمة باقية لا تنقطع ورحمتها ليست كذلك ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن من بمعنى في نحو قوله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة الجمعة وقيل إنها للابتداء أي حتى تجعل ابتداء وضعهن مكانا أخذتهن منه بأن لا تضعهن مكاناف آخر وقيل إنها زائدة على مذهب الأخفش وأمهن معهن جملة حالية فرجع بهن أي ووضعهن حيث أخذهن مع أمهن لا لغتهن بمكانهن رواه أبو داود
الفصل الثالث


عن ابن عمر قال كنا مع النبي في بعض غزواته فمر بقوم فقال من القوم أي أنتم أوهم من الأعداء الكافرين أو الأحباء المسلمين قالوا نحن المسلمون وتكلف الطيبي وتبعه ابن حجر وقال كان من الظاهر أن يقال في الجواب نحن مضربون أو قرشيون أو طائبون فعدلوا عن الظاهر وعرفوا الخبر حصرا أي نحن قوم لا نتجاوز الإسلام توهما أن رسول الله ظن أنهم غير مسلمين وامرأة أي والحال أن امرأة معهم تحضب بالحاء المهملة والضاد المعجمة المكسورة أي توقد بقدرها ومعها ابن لها أي صغير فإذا ارتفع وهج بفتح الهاء حر النار وبالسكون مصدر والمراد هنا الأول وفي نسخة ارتفعت باكتساب التأنيث من المضاف إليه تنحت به أي تبعدت الأم بالولد عن النار فأتت النبي ولعل وجه التفريع أنها لما رأت ما عنده من مزيد الرحمة لولدها خصوصا وللعالمين عموما تذكرت رحمة الله لعباده خصوصا لعباده فسألت عنها فقالت أنت رسول الله استفهام بحذف أداته وهو يحتمل أنه حقيقي ولا ينافي إسلامها قبل ذلك لعلمها به إجمالا وإن لم تعلم ذاته بعينها ويحتمل أنه للتقرير والاستلذاذ بخطابه بكونه رسول الله وخليفته على خليقته ويؤيد الأول قوله قال نعم قالت بأبي أنت وأمي أي فداك أبي وأمي أليس الله أرحم الراحمين أي عموما قال بلى على وزان ألس


بربكم قالوا بلى أي الأعراف قالت أليس الله أرحم بعباده من الأم بولدها أي خصوصا قال بلى قالت إن الأم لا تلقى ولدها في النار فأكب أي شرع رسول الله أي طأطأ رأسه يبكي ثم رفع رأسه إليها فقال إن الله لا يعذب أي عذابا مخلدا أو التعذيب للكافرين والتهذيب للعاصين من عباده أي من جميع عباده فالإضافة للاستغراق بدليل الاستثناء وغفل ابن حجر حيث قال من عباده المؤمنين إلا المارد أي العاري من الخيرات المتمرد مبالغة له الذي يتمرد على الله أي يتجرأ على مخالفته وأبى عطف على يتمرد أو عطف تفسير التقدير وقد أبى أي امتنع أن يقول لا إله إلا الله فيكون بمنزلة ولد يقول لأمه لست أمي وأمي غيرك ويعصيها وتتصور له بصورة كلب أو خنزير بلا شك أنها حينئذ تتبرأ عنه وتعذبه إن قدرت عليه رواه ابن ماجة وعن ثوبان عن النبي قال إن العبد أي الصالح ليلتمس أي بطلب مرضاة الله أي بأصناف الطاعات فلا يزال بذلك أي ملتبسا أي بذلك الالتماس فيقول الله عز وجل لجبريل أن فلانا كناية عن اسمه ووصفه عبدي أي المؤمن إضافة تشريف يلتمس أن يرضيني أي لأن أرحمه ألا للتنبيه وإن رحمتي أي الكاملة عليه عليه أي واقعة عليه ونازلة إليه فيقول جبريل رحمة الله على فلان خبرا أو دعاء وهو الأظهر ويقولها أي هذه الجملة حملة العرش ويقولها من حولهم أي جميعا حتى يقولها أهل السموات السبع ثم تهبط على بناء الفاعل وروى مجهولا أي تنزل الرحمة له أي لأجله إلى الأرض أي إلى أهل الأرض يعني محبة الله إياه ثم يوضع له القبول فيها قال الطيبي هذا الحديث وحديث المحبة متقاربان ا ه ويريد بحديث المحبة ما ورد في مسلم عن أبي هريرة مرفوعا إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وءذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبضغه فيبغضه جبريل ثم ينادي في


أهل السماء إن الله تعالى يبغض فلانا فأبغضوه فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض والحديث يدل على
أن جبريل أفضل من حملة العرش وغيرهم من الملائكة المقربين ثم ما ذكره ابن حجر من أن قول الشارح ثم تهبط له أي الرحمة لأجله إلى الأرض إنما يصار ءليه إن صح أن تهبط بالمثناة الفوقية وإلا فالسياق والمعنى معا قاضيان بأنه بالمثنا التحتية وإن ضميره لجبريل غير موجه فإن النسخ المصححة والأصول المعتمدة اتفقت على المثناة الفوقية على خلاف تقدم في ضبطها ولا يجوز الإقدام على معنى الحديث الأبعد تصحيح لفظه وروايته وأما ما ذكر مبناه على زعمه أن جبريل ينزل بين ملائكة أهل الأرض فيقول رحمة الله على فلان على الأرض الأولى ويقولها ملائكتها ثم يقولها في الثانية وهكذا حتى ينتهي إلى الأرض السابعة هذا ما دل عليه السياق ويحتمل أنه إنما يقول ذلك في الأرض العليا فقط فمبني على الظن والتخمين ومثل هذا التصرف لا يجوز في الأحاديث النبوية إلا إذا ثبت من طريق آخر كذلك ولو كان لأظهره وما بناه على دلالة السياق مع أن حديث مسلم الذي قدمناه مطابق في الإجمال لرواية هذا الكتاب والله أعلم بالصواب رواه أحمد وعن أسامة بن زيد عن النبي في قول الله عز وجل فمنهم الفاء تفصيل لقوله ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم فاطر وقيل من العباد ظالم لنفسه أي بارتكاب المنهيات ومنهم مقتصد أي يخلط الحسنات بالسيئات ومنهم سابق بالخيرات أي بالطاعات والعبادات قال أي النبي كلهم في الجنة إيذان بأن قوله جنات عدن يدخلونها فاطر مبتدأ وخبر والضمير للثلاثة أو للمقتصد والسابق فإن المراد بهما الجنس وقوله تعالى ذلك هو الفضل الكبير فاطر إشارة إلى الإيراث أو الاصطفاء أو السبق على ما قرره القاضي وليس كما قال الكشاف من أن جنات يدل من الفضل الكبير المعني به السبق وأخرج الظالم والمقتصد من هذا العام ومن الفضل الكبير والجنات ويطابق التفسير الأول قولهم أن


ربنا الغفور شكور أي كثير الغفران للظالم وكثير الشكر أي الإثابة للسابق فالتأم السابق واللاحق رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور وروى ابن مردويه والبيهقي أيضا في البعث عن عمر مرفوعا ولفظه سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له وعن عائشة رضي الله عنها لصهبان أما السابق فمن مضى على عهد رسول الله وشهد له بالجنة وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به وأما الظالم
فمثلي ومثلك وعن علي كرم الله وجهه الظالم أنا والمقتصد أنا والسابق أنا فقيل له فكيف ذلك قال أنا الظالم بمعصيتي ومقتصد بتوبتي وسابق بمحبتي وقال الحسن البصري السابق من رجحت حسناته على سيئاته والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته والظالم الذي ترجحت سيئاته على حسناته وقال جعفر الصادق فرق الله تعالى المؤمنين ثلاث فرق ثم سماهم عبادنا أضافهم إلى نفسه تفضلا منه وكرما وجعلهم أصفياء مع علمه بتفاوت معاملاتهم ثم جمعهم في آخر الآية فقال جنات عدن يدخلونها وبدأ بالظالمين أخبار بأنه لا يتقرب إليه إلا بمحض كرمه وإن الظلم لا يؤثر في الاصطفائية ثم ثني بالمقتصديمن لأنهم بين الخوف والرجاء ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره ولا يقنط أحد من كرمه وكلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص وقال الجنيد لما ذكر الميراث دل على أن الخلق فيه خاص وعام وأن الميراث لمن هو أقرب نسبا وأصح أدبا فتصحيح النسبة هو الأصل فالظالم الذي يحبه لنفسه والمقتصد الذي يحبه له والسابق الذي أسقط عنه مراده بمراد الحق فيه فلا يرى لنفسه طلبا ولا مرادا لغلبة سلطان الحق عليه وقيل الظالم الذي يجزع عند البلاء والمقتصد الذي يصبر على البلاء والسابق الذي يشكر على البلاء وقيل غير ذلك


باب ما يقول عند الصباح والمساء
يمكن أن يراد بهما طرفا النهار وإن يقصد بهما النهار والليل والثاني أظهر لقوله أسألك خير هذه الليلة والمنام أي في مكان النوم أو زمانه أو المنام مصدر سمي أي عند إرادة النوم أي دخل في المساء وهو أول الليل
الفصل الأول
عن عبد الله قال كان رسول الله إذا أمسى قال أمسينا وأمسى الملك لله أي
دخلنا في المساء ودخل فيه الملك كائنا لله ومختصا به أو الجملة حالية بتقدير قد أو بدونه أي أمسينا وقد صار بمعنى كان ودام الملك لله والحمد لله قال الطيبي عطف على أمسينا وأمسى الملك أي صرنا نحن وجميع الملك وجميع الحمد لله ا ه أي عرفنا فيه أن الملك لله وأن الحمد لا لغيره ويمكن أن يكون جملة الحمد لله مستقلة والتقدير والحمد لله على ذلك ولا إله إلا الله قال الطيبي عطف على الحمد لله على تأويل وأمسى الفردانية والوحدانية مختصين بالله وحده حال مؤكدة أي منفرد بالألوهية لا شريك له أي في صفات الربوبية ولذا أكده بقوله له الملك أي جنسه مختص له وله الحمد أي بجميع أفراده وهو على كل شيء أي مشيء أو على كل شيء شاءه قدير كامل القدرة تام الإرادة اللهم إني أسألك أي نصيبا وافرا وحظا وافيا من خير هذه الليلة أي ذاتها وعينها وخير ما فيها قال الطيبي أي من خير ما ينشأ فيها وخير ما يسكن فيها قال تعالى وله ما سكن في الليل الأنعام وقال ابن حجر أي مما أردت وقوعه فيها لخواص خلقك من الكمالات الظاهرة والباطنة وخير ما يقع فيها من العبادات التي أمرنا بها فيها أو المراد خير الموجودات التي قارن وجودها هذه الليلة وخير كل موجود الان وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها في الحديث إظهار العبودية والافتقار إلى تصرفات الربوبية وأن الأمر كله خيره وشره بيد الله وأن العبد ليس له من الأمر شيء وفيه تعليمه للأمة ليتعلموا آداب الدعوة وقال ابن الملك مسألته خير هذه الأزمنة مجاز عن قبول طاعات قدمها فيها واستعاذته من شرها مجاز عن


طلب العفو عن ذنب قارفه فيها اللهم أني أعوذ بك من الكسل بفتحتين أي التثاقل في الطاعة مع الاستطاعة قال الطيبي الكسل التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة والهرم بفتحتين أي كبر السن المؤدي إلى تساقط بعض القوي وضعفها وهو الرد إلى أرذل العمر لأنه يفوت فيه المقصود بالحياة من العلم والعمل ولذا قال تعالى لكيلا يعلم بعد علم شيئا النحل فاندفع به ما جزم به ابن حجر من أن سبب الاستعاذة منه كونه داء لا دواء له كما في الحديث وسوء الكبر بفتح الباء وهو الأصح رواية ودراية أي مما يورثه الكبر من ذهاب العقل واختلاط الرأي وغير ذلك مما يسوء به الحال وروى بسكون الموحدة والمراد به البطر قال الطيبي والدراية تساعد الرواية الأولى لأن الجمع بين البطر والهرم بالعطف كالجمع بين الضب والنون ونازعه ابن حجر وقال الأول أصح أي أشهر رواية وأما دراية فالثاني يفيد ما لا يفيده ما قبله وهو الهرم فهو تأسيس محض بخلاف الأول فإنه إنما يفيد ضربا من التأكيد والتأسيس خير من التأكيد ا ه وهو عجيب منه فإن المغايرة بينهما ظاهرة غاية الظهور على الطيبي وغيره كما بين الضب والنون وإنما الكلام في المناسبة والملاءمة بين المتعاطفين كما اعتبره علماء المعاني مع أن الطيبي لم يقل بالتأكيد بل فسر سوء الكبر بما ينشأ من الهرم فالتغاير ظاهر ويدل عليه لفظ سوء المناسب للكبر بفتح الباء فإن بسكون الباء يذم مطلقا وفتنة الدنيا أي من الافتتان


بها ومحبتها أو الابتلاء بفتنة فيها وعذاب القبر أي من نفس عذابه أو مما يوجبه وإذا أصبح أي دخل عليه الصلاة والسلام في الصباح قال ذلك أي ما يقول في المساء أيضا أي لكن يقول بدل أمسينا وأمسى الملك لله أصبحنا وأصبح الملك لله ويبدل اليوم بالليلة فيقول اللهم إني أسألك من خير هذا اليوم ويذكر الضمائر بعده وفي رواية أي لمسلم وغيره يقول بعد قوله سوء الكبر رب إني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر والتنكير فيهما للتقليل لا للتفخيم كما وهم ابن حجر رواه مسلم وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة وعن حذيفة قال كان النبي إذا أخذ مضجعه بفتح الجيم أي أتى فراشه ومرقده من الليل أي في بعض أجزاء الليل وتكلف الطيبي وتبعه ابن حجر وقال كأنه قيل أخذ حظه من الليل إذ لكل أحد منه حظ بالسكون والنوم والراحة قال تعالى جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه والمضجع مصدر ا ه ففي القاموس ضجع كمنع ضجعا وضجوعا وضع جنبه بالأرض والمضجع كمقعد موضعه وضع يده أي كفه اليمنى تحت خده وفي رواية تحت رأسه إشعارا بوضعه في قبره ومن تذكر ذلك خف نومه وطاب يومه ثم يقول اللهم باسمك قيل المراد به المسمى وقيل الاسم زائد كما في قول الشاعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما أي بك أموت وأحيا أي أنام وأستيقظ وقيل معناه باسمك المميت أموت وباسمك المحيي أحيا أو بذكر اسمك أحيا ما أحييت وعليه أموت وقال القرطبي قوله باسمك أموت يدل على أن الاسم هو المسمى أي أنت تميتني وأنت تحييني وهو كقوله تعالى سبح اسم ربك الأعلى الأعلى أي سبح ربك هكذا قال جل الشارحين نقله ميرك وإذا استيقظ قال الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا أي رد علينا القوة والحركة بعدما أزالهما منا بالنوم وإليه النشور أي الرجوع بعد الممات للحساب والجزاء يوم القيامة يقال نشر الميت نشورا إذا عاش بعد الموت وأنشره الله كذا قيل والظاهر أن المراد بالنشور هو التفرق في طلب المعاش وغيره


بعد الهدو والسكون بالنوم وهما المشبهان بالموت والبعث بعده وقال النووي المراد بإماتنا النوم
وأما النشر فهو الإحياء للبعث بعد الموت فنبه بإعادة اليقظة بعد النوم الذي هو كالموت على إثبات البعث بعد الموت وقال أبو اسحق الزجاج النفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة وهي التي يزول معها التنفس وسمي النوم موتا لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلا وتشبيها وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة كالفقر والذل والسؤال والهرم والمعصية والجهل وقال القرطبي النوم والموت يجمعهما انقطاع تعلق الروح بالبدن وذلك قد يكون ظاهرا وهو النوم ولذا قيل النوم أخو الموت وباطنا وهو الموت فإطلاق الموت على النوم يكون مجازا لاشتراكهما في انقطاع تعلق الروح بالبدن وقال الطيبي الحكمة في إطلاق الموت على النوم أن انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو بتحري رضا الله عنه وقصد طاعته واجتناب سخطه وعقابه فمن زال عنه هذا الانتفاع بالكلية فكان كالميت فحمدا لله على هذه النعمة وزوال ذلك المانع وهذا التأويل يطابق السابق من قوله أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله ويوافق اللاحق من قوله وإن أرسلتها فاحفظها الخ وعلى هذا ينتظم قوله وإليه النشور أي وإليه المرجع والمآب في نيل الثواب بما يكتسب في الحياة قال العلماء وحكمة الذكر والدعاء عند النوم واليقظة أن تكون خاتمة أعماله على الطاعة وأول أفعاله على العبادة رواه البخاري أي عن حذيفة ومسلم عن البراء فالحديث متفق عليه والخلاف في الصحابي وكذا روي عن حذيفة أبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة ثي وعن أبي هريرة قال قال رسول الله وسلم إذا آوى بالقصر ويمد أي نزل أحدكم إلى فراشه أي مرقده وتفسير ابن حجر آوى بجاء لا يلائمه إلى فلينفض بضم الفاء أي فليحرك فراشه بداخله إزاره وهي حاشيته التي تلي الجسد وتماسه وقيل هي طرفه مطلقا وقيل مما يلي طوقه وفي القاموس طرفه


الذي على الجسد الأيمن قيد النفض بإزاره لأن الغالب في العرب أنه لم يكن لهم ثوب غير ما هو عليهم من إزار ورداء وقيد بداخل الإزار ليبقى الخارج نظيفا ولأن هذا أيسر ولكشف العورة أقل وأستر وإنما قال هذا لأن رسم العرب ترك
الفراش في موضعه ليلا ونهارا ولذا علله وقال فإنه أي الشأن أو المريد للنوم لا يدري ما خلفه بالفتحات والتخفيف أي من الهوام والحشرات المؤذيات أو من الأوساخ والعظام والنجاسات وقال الطيبي أي قام مقامه بعده من تراب أو قذاة أو هامة ثم ما يحتمل أن تكون استفهامية معلقة بيدي أو موصولة عليه أي على الفراش وقيل أمره بداخله الإزار دون خارجته لأن ذلك أبلغ وأجدى وأجدر وإنما ذلك على جهة الخبر عن فعل الفاعل لأن المؤتزر إذا ائتزر يأخذ أحد طرفي إزاره بيمينه والأخر بشماله فيرد ما أمسكه بشماله على جسده وذلك داخله الإزار فإذا صار إلى فراشه فحل بيمينه خارجة الإزار وتبقى الداخلة معلقة وبها يقع النفض فإن قيل فلم لا يقدر الأمر فيه على العكس قلنا لأن تلك الهيئة هي صنيع ذوي الآداب في عقد الإزار وروي بصنفه إزاره بكسر النون وهي جانبه الذي لا هدب له وهذا موافق لما ذكر لأن ذلك الجانب يجعل داخلة الإزار ثم يقول أي بعد النفض ووضع الجنب كما يدل عليه الرواية الآتية ثم ليضطجع ثم ليقل باسمك ربي أي باسمك القوي والقادر وفي رواية باسم الله وضعت جنبي وبك أي باسمك أو بمعونتك بحولك وقوتك وإرادتك وقدرتك أرفعه أي حين أرفعه فلا أستغني عنك بحال إن أمسكت نفسي أي قبضت روحي في النوم وفي رواية إن أمتها فارحمها أي بالمغفرة والتجاوز عنها وفي رواية فاغفر لها وإن أرسلتها بأن رددت الحياة إلي وأيقظتني من النوم وفي رواية وإن رددتها أي روحي المميزة برد تمييزها الزائل عنها بنومها فاحفظها أي من المعصية والمخالفة بما تحفظ به أي من التوفيق والعصمة والإعانة عبادك الصالحين أي القائمين بحقوق الله وعباده ولعل الحديث مقتبس من قوله


تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى الزمر جمع النفسين في حكم التوفي ثم فرق بين جهتي التوفي بالحكم بالإمساك وهو قبض الروح وبالإرسال وهو رد الحياة أي الله تعالى يتوفى الأنفس التي تقبض والتي لا تقبض فيمسك الأولى ويرسل الأخرى والباء في بما تحفظ مثلها في كتبت بالقلم وما موصولة مبهم وبيانها ما دل عليه صلتها لأن الله تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي ومن أن لا يتهاونوا في طاعته وعبادته بتوفيقه ولطفه ورعايته وحمايته وفي رواية ثم ليضطجع على شقه الأيمن قيل أنفع هيآت النوم الابتداء بالأيمن ثم الانقلاب إلى اليسار ثم إلى اليمين وفيه ندب اليمين في النوم لأنه أسرع إلى الانتباه لعدم استقرار القلب حينئذ لأنه معلق بالجانب الأيسر فيعلق فلا يستغرق في النوم بخلاف النوم على الأيسر فإن القلب يستتقر فتكون الاستراحة له بطأ للانتباه ثم هذا إنما هو بالنسبة إلينا دونه لأنه لا ينام قلبه فلا فرق في حقه عليه الصلاة والسلام بين النوم على شقه الأيمن والأيسر وإنما كان يؤثر الأيمن لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله ولتعليم أمته ولمشابهته بحال الموت ووضعه في القبر ثم ليقل باسمك الخ متفق عليه ورواه الأربعة وفي رواية أي للبخاري فلينقضه بصنغ ثوبه بفتح الصاد وكسر النون على ما في النسخ المصححة والأصول المعتمدة


أي بطرفه وقال الطيبي رحمه الله أي بحاشية إزاره التي تلي الجسد فكأنه أراد الجمع بين الروايتين وإلا ففي مختصر النهاية صنفة إزاره بكسر النون طرفه مما يلي طرته قلت زاد الفارسي وقيل جانبه الذي لا هدب له اه وفي القاموس صنفة الثوب كفرحة وصنفة وصنفته بكسرهما حاشيته أي جانب كان أو جانبه الذي لا هدب له أو الذي فيه الهدب اه وفي المشارق فلينفضه بصنفة ثوبه بفتح الصاد وكسر النون فقيل طرفه وقيل حاشيته وقيل هي الناحية التي عليها الهدب وقيل الطرة والمراد هنا طرفه فما ذكره ابن حجر بفتح المهملة والنون والفاء مخالف لما في كتب اللغة والرواية ثلاث مرات مبالغة في النظافة وإن أمسكت نفسي فاغفر لها أي بدل قوله فارحمها وعن البراء بن عازب قال كان رسول الله إذا أوى إلى فراشه نام على شقه بكسر الشين أي جانبه الأيمن ثم قال اللهم أسلمت أي أخلصت نفسي بسكون الياء وفتحها أي ذاتي إليك أي مائلة إلى حكمك ووجهت وجهي أي وجهتي وتوجهي وقصد قلبي إليك وجعلت وجهي إلى قبلتك وقيل النفس والوجه هنا بمعنى الذات يعني جعلت ذاتي طائعة لحكمك ومنقادة لك وقول الطيبي إن أسلمت إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه مستقيم غاية الاستقامة وإما اعتراض ابن حجر بأن المقام مقام نوم وهو لا تكليف فيه مدفوع بأن الطيبي رحمه الله لا يريد حين تحقق النوم كما لا يخفى على أحد بل مراده أما قبل النوم مطلقا أو حين إرادة النوم وفيه إشارة لطيفة إلى أن الشخص ينبغي أن يتوب إلى الله تعالى ذلك الوقت لينام مطيعا ويؤيد ما ذكرنا قول الطيبي في قوله عليه الصلاة والسلام وفوضت أمري إليك فيه إشارة إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه لا مدبر لها غيره اه والمعنى توكلت في أمري كله عليك وألجأت أي أسندت ظهري إليك أي إلى حفظك لما علمت أنه لا سند يتقوى به سواك ولا ينفع أحد إلا حماك قال الطيبي رحمه الله فيه إشارة إلى أنه بعد تفويض أموره التي هو


مفتقر إليها وبها معاشه وعليها مدار أمره ملتجىء إليه بما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة رغبة ورهبة قيل مفعول لهما لا لجأت وقال الطيبي رحمه الله منصوبان على العلة بطريق اللف والنشر أي فوضت أموري طمعا في ثوابك وألجأت ظهري من المكاره إليك مخافة من عذابك اه وهو معنى صحيح بل صنعة بديع
وأبدع ابن حجر بالتعرض عليه بأن هذا تحكم والوجه بل الصواب ما ذكرته من أن كل ما ذكر معلل بالرغبة والرهبة اه والأظهر أن نصبهما على الحالية أي راغبا وراهبا أو الظرفية أي في حال الطمع والخوف يتنازع فيهما الأفعال المتقدمة كلها وقوله إليك أما متعلق برغبة وهي السعة في الإرادة ومتعلق رهبة محذوف أي منك وهي المخافة مع التحرز والاضطراب وأما بمحذوف تقديره متوجها بهما إليك قال العلامة الكرماني أي طمعا في ثوابك وخوفا من عقابك وإليك متعلق برغبة كقولهم علفتها تبنا وماء باردا اه وما يبعد أن يتنازعا في إليك أي رغبتي إليك وهو ظاهر ورهبتي إليك بمعنى أني حالة الخوف لا أرجع إلا إليك فإنه لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ملجأ مهموز ومنجا مقصور وقد يهمز منجا للازدواج وقد يعكس أيضا لذلك والمعنى لا مهرب ولا ملاذ ولا مخلص من عقوبتك إلا إلى رحمتك وهذا معنى ما ورد أعوذ بك منك وقال الكرماني لا منجا مقصورا وإعرابه كإعراب عصا فإن قلت فهو يقرأ بالتنوين أو بغيره قلت في هذا التركيب خمسة أوجه لأنه مثل لا حول ولا قوة إلا بالله والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين وعدمه وعند التنوين تسقط الألف قال ولا ملجأ ولا منجا إن كانا مصدرين يتنازعان في منك وإن كانا مكانين فلا إذ اسم المكان لا يعمل وتقديره لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجا إلا إليك آمنت استئناف فيه تعليل بكتابك الذي أنزلت أي علي وهو القرآن الكريم الحاث على التخلق بهذه الأخلاق البهية وسائر المقامات العلية والحالات السنية ولذا قال الطيبي آمنت بكتابك تخصيص بعد تعميم ولما غفل ابن


حجر عن المعنى العام اعترض على الطيبي بقوله لا تعميم فيما ذكره لأن الفعل في حيز الإثبات لا عموم فيه كالنكرة التي هي كذلك فتأمل يظهر لك وجه الخلل ونبيك الذي أرسلت وفي نسخة بنبيك وإنما آمن بنفسه لأنه كان رسولا حقا فكان يجب عليه أن يصدق الله في ذلك وهو تعليم لأمته ولهذا كان يقول وأشهد أني رسول الله ولما تضمن الإيمان به العلوم الخاصة المتعلقة بالأحاديث النبوية قال الطيبي تخصيص من التخصيص وأغرب ابن حجر بالاعتراض عليه لأنه لا يلائم ما قرره من الوجه الأوضح عنده وقال كما يعلم من تأمل ما قاله وما قلته قلت لو تأمل ما احتاج إلى الأمر بالتأمل فتأمل وعلى الله فتوكل وقال رسول الله من قالهن أي الكلمات المذكورة ثم مات تحت ليلته أي تحت حادثة فيها ومن أعجب العجاب أن ابن حجر قال أي عقب طلوع فجرها وهو مع مخالفته نص الحديث الآتي فإن مت من ليلتك أو في ليلتك مت على الفطرة وإن أصبحت أصبت خيرا اعترض على الطيبي في قوله ومعنى تحت ليلته أنه لم يتجاوز عنه إلى النهار لأن الليل تسلخ منه النهار فهو تحته أو يكون بمعنى إن مت تحت نازلة عليك من ليلتك أي من أجل ما يحدث من ليلتك بقوله وفي جميعه نظر وكون الليل يسلخ منه النهار لا يؤيد ما ذكره أولا في معنى التحت كما هو واضح أو يكون الخ في غاية البعد والتكلف والأحسن عندي أن سبب التعبير


بالتحت أن الله جعل الليل لباسا فالناس مغمورون ومستورون تحته كالمستور تحت ثيابه ولباسه وهذا معنى واضح جدا فالعدول إلى ما ذكره الشارح من الأمرين السابقين عدول عن الجوهر إلى الصدف قلت هذا المعنى هو بعينه المعنى الذي ذكره الطيبي أولا وهو معنى يسلخ منه النهار فالجلد هو المشبه باللباس فمؤدى معنى الآيتين واحد مع أن كلام ابن حجر آخرا يناقض تفسيره أولا وكان سبب الاعتراضات عجبه وغروره بالفقهيات وجهله بدقائق الصناعات البديعية وعدم فهمه بحقائق الاعتبارات العربية ثم مع هذا كله قال في حق الطيبي وكان سبب وقوعه فيما علمت من المواضع التي رددتها عليه قوله أول شرح هذا الحديث أن فيه غرائب وعجائب لا يعرفها إلا الثقات من أهل البيان فكان ذلك وقع منه تبجحا فلم يصب الجادة الواضحة في أكثر شرحه كما يعلم بتأمل ما ذكره وما ذكرته اه وبتأمل كلاميهما ظهر تفاوت ما بينهما كما بين السماء والأرض حيث ما بلغ فهم المتعقب وهم عقبة من تحقيق أربه وتدقيق أدبه لولا شرحه شرح الله صدره وفتح قبره لما فهم أحد من بعده ما قبله والفضل للمتقدم والأجر الكامل له وما وقع منه كان تحدثا لا تصحيحا وعلامة صدقه ما قدره الله ممن زين كلامه وبين مرامه راجيا أن يكون داخلا في سلك من قال في حقه إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي كما ذكره شيخ مشايخنا الحافظ الجلال السيوطي في جامعه الصغير هذا ولو تتبع شرح ابن حجر وتفحص منه العجر والبجر لم يبق له إلا فروع فقهية أو كلمات اعتراضية وليس من الإنصاف نسبة الحلويات إلى نفسه واسناد المريات على زعمه لأخيه بل لنفسه ومع هذا نرجو من الله أن لا يؤاخذه في رمسه مات على الفطرة أي الإسلام وفي رواية قال أي البراء قال رسول الله لرجل قال الطيبي هو أسيد بن حضير يا فلان إذا أويت أي قصدت المأوى إلى فراشك أي للنوم ولهذا قال أي إذا أردت أن تجعل فراشك مكان


نومك فتوضأ أمر ندب وضوءك أي وضوءا كاملا مثل وضوئك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن فإنه من السنن ثم قل اللهم أسلمت نفسي إليك إلى قوله أرسلت وقال أي النبي فيكون من جملة كلام البراء عطف على قال رسول الله أو قال البراء أيضا عن النبي فيكون عطفا على قال لكنه موهم للوقف وإن كان مثله ما يقال من قبل الرأي ويؤيد الرفع أن الخطاب للصحابي وليس للصحابي أن يخاطب مثله بمثل قوله فإن مت
بضم الميم وكسرها من ليلتك وفي نسخة في ليلتك مت على الفطرة أي على التوحيد وإن أصبحت أصبت خيرا أي خيرا كثيرا أو خيرا في الدارين متفق عليه وقال ابن حجر في بعض طرقه عن البراء قال قلت ورسولك الذي أرسلت فقال ونبيك وإنما رد عليه لأنه إذا قال ورسولك لم يبق يفيد قوله الذي أرسلت إلا محض التأكيد وهذا معنى قول بعضهم لأن البيان صار مكررا من غير إفادة زيادة في المعنى وذلك مما يأباه التبليغ اه ويمكن أن يحصل له فائدة مقدرة بأن يقال الذي أرسلته إلينا أو أرسلته إلى الخلق كافة مع أن التأكيد يقع في كلام البلغاء كما في قوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الأنعام فخر عليهم السقف من فوقهم النحل وأما قوله ما من صباح يصبح العباد فيه فليس من هذا القبيل خلافا لما وهمه ابن حجر والأظهر والله أعلم في وجه الرد أن الأدعية الواردة لا تغير عن ألفاظها وكذا الأحاديث وفي معناها التصانيف وإنما جاز نقل الحديث بالمعنى إذا اضطر إليه بنسيان لفظه فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله وأما نقله بالمعنى مع حفظه لفظه فيخاف عليه أن يدخل تحت قوله من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ولذا قال بعض المحققين ولا بد أيضا من مراعاة القواعد النحوية ومحافظة المخارج والصفات الحرفية وقال الطيبي النبي فعيل بمعنى فاعل للمبالغة من النبأ بمعنى الخبر لأنه أنبأ عن الله ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه النبي مشتق من النباوة وهي الشيء المرتفع ورد النبي على


البراء حين قال ورسولك الذي أرسلت بما رد عليه ليختلف اللفظان ويجتمع الثناء بين معنى الارتفاع والإرسال ويكون تعديدا للنعمة في الحالين وتعظيما للمنة على الوجهين اه وعلل النهي أيضا بأنه كان نبيا قبل أن كان رسولا ثم رأيت أن النووي استحسن قول الماوردي وغيره سبب النهي أن الاذكار تعبدية يقتصر فيها على اللفظ الوارد بحروفه وبه يتعلق الجزاء ولعله أوحى إليه بهذه الكلمات فتعين أداؤها كما هي اه فالحمد لله على التوارد في المحافظة على الوارد ورواه الأربعة وفي رواية وليجعلهن آخر ما يتكلم به وعن أنس أن رسول الله كان إذا أوى إلى فراشه قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا أي دفع عنا شر المؤذيات أو كفى مهماتنا وقضى حاجاتنا وآوانا قال النووي رحمه الله إذا أوى إلى فراشه وأويت مقصور وأما آوانا فممدود هذا هو الفصيح


المشهور وحكى القصر فيهما وحكى المد فيهما اه أي رزقنا مساكن وهيأ لنا المأوى وزاد ابن حجر مع تيسير الخدم وتوفر المؤن والسلامة خاليا من الأمراض والمحن اه وهو غير مفهوم من الحديث كما لا يخفى فكم ممن لا كافي له بفتح الياء وما وقع في بعض النسخ بالهمز فهو سهو ولا مؤوي بصيغة الفاعل وله مقدر أي فكم شخص لا يكفيهم الله شر الأشرار بل تركهم وشرهم حتى غلب عليهم أعداؤهم ولا يهيىء لهم مأوى بل تركهم يهيمون في البوادي ويتأذون بالحر والبرد قال الطيبي ذلك قليل نادر فلا يناسب كم المقتضى للكثرة على أنه افتتح بقوله أطعمنا وسقانا ويمكن أن ينزل هذا على معنى قوله تعالى ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم محمد القتال فالمعنى أنا نحمد الله على أن عرفنا نعمه ووفقنا لأداء شكره فكم من منعم عليه لا يعرفون ذلك ولا يشكرون وكذلك الله مولى الخلق كلهم بمعنى أنه ربهم ومالكهم لكنه ناصر للمؤمنين ومحب لهم فالفاء في فكم للتعليل وقال مولانا عصام الدين رحمه الله قوله فكم ممن لا كافي له من قبيل قوله تعالى لا مولى لهم مع أن الله تعالى مولى كل أحد أي لا يعرفون مولى لهم فكم لم يتفرع على كفانا بل على معرفة الكافي التي يستفاد من الاعتراف وإنما حمد الله تعالى على الطعام والسقي وكفاية المهمات في وقت الاضطجاع لأن النوم فرع الشبع والري وفراغ الخاطر عن المهمات والأمن من الشرور وقال النووي معنى آوانا هنا رحمنا فقوله كم ممن لا مؤوى له أي لا راحم وعاطف عليه رواه مسلم ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وعن علي رضي الله عنه أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي قال ابن حجر أي بيته وهو غير مفهوم من الحديث تشكو إليه إما مفعول له بحذف أن تخفيفا أي أتت إليه إرادة أن تشكو أو حال مقدرة من فاعل أتت أي مقدرة الشكوى ما تلقى أي من المشقة الكائنة في يدها وفي نسخة في يديها من الرحى أي من أثر إدارة الرحى وبلغها حال من ضمير أتت أي


وقد بلغ فاطمة أنه أي الشأن جاءه أي النبي رقيق من السبي والرقيق المملوك وقد يطلق على الجماعة فلم تصادفه أي لم تجد فاطمة النبي في بيته فذكرت عطف على أتت ذلك لعائشة فلما جاء أخبرته عائشة كذا نسخ المتون خلاف نسخ الشرح قال أي علي رضي الله عنه فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا أي جاءنا النبي
حال كوننا مضطجعين وأما قول ابن حجر بعد فجاآنا أي هو وهي غير مطابق لظاهر العربية فذهبنا نقوم أي شرعنا وقصدنا لنقوم له فقال على مكانكما أي اثبتا على ما أنتما عليه من الاضطجاع وأما قول ابن حجر أي الزماه ولا تقوما منه والمراد دوما واثبتا على ما أنتما عليه فانعكاس لأن الأول هو حاصل المعنى فجاء فقعد بيني وبينها حتى وجدت برد قدمه وفي نسخة قدميه على بطني يدل على أن فاطمة وعليا كانا تحت لحاف واحد وعلى أن عليا كان عريانا ما عدا العورة وأما ما ذكره ابن حجر من أنه وضع قدميه الكريمتين فلا دليل عليه وكذا قوله من أنه وضع قدميه على بطنهما ليسري إليهما الخ فقال ألا أدلكما على خير مما سألتما أي طلبتما من الرقيق يحتمل أن يكون على طلب بلسان القال أو الحال أو نزل رضاه منزلة السؤال أو لكون حاجة النساء حاجة الرجال وأما قول ابن حجر فيه أنه لم تأت للسؤال إلا بإذن علي فيحتمل لا يجزم به ولا يحتاج الكلام إلى تقدير قالا نعم كما ذكره ابن حجر فإن ألا تحتمل أن يكون للتنبيه وعلى تقدير أن الهمزة للاستفهام لما كان من المعلوم ميل الدلالة على الخبر فقال قبل الجواب إذا أخذتما مضجعكما فسبحا ثلاثا وثلاثين وأحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين قال الجزري في شرحه للمصابيح في بعض الروايات الصحيحة التكبير أولا وكان شيخنا الحافظ ابن كثير يرجحه ويقول تقديم التسبيح يكون عقيب الصلاة وتقديم التكبير عند النوم أقول الأظهر أنه يقدم تارة ويؤخر أخرى عملا بالروايتين وهو أولى وأحرى من ترجيح الصحيح على الأصح مع أن الظاهر أن المراد تحصيل هذا العدد وبأيهن


بدىء لا يضر كما ورد في سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت وفي تخصيص الزيادة بالتكبير إيماء إلى المبالغة في اثبات العظمة والكبرياء فإنه يستلزم الصفات التنزيهية والثبوتية المستفادة من التسبيح والحمد والله أعلم فهو أي ما ذكر من الذكر خير أي أفضل لكما أي خاصة لأنكما من أرباب الكمال وكذا لا تباعكما من أصحاب الحال من خادم الخادم واحد الخدم يقع على الذكر والأنثى وهذا تحريض على الصبر على مشقة الدنيا ومكارهها من الفقر والمرض وغير ذلك وفيه إشارة إلى أفضلية الفقير الصابر على الغنى الشاكر فهو على بابه خلافا لابن حجر مع أنه لا يصح قوله مع وجود من التفضيلية متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان
وعن أبي هريرة قال جاءت فاطمة إلى النبي تسأله خادما أي رقيقا ولم تصادفه فلما علم بها جاءها فقال ألا أدلك على ما هو خير من خادم تسبحين الله تعالى ثلاثا وثلاثين وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين وتكبرين الله أربعا وثلاثين تكملة للمائة عند كل صلاة أي بعد كل مفروضة كما ورد في الأحاديث وعند منامك ولعل تخصيصها بالخطاب في هذا الحديث لأنها الباعث الأصلي في طلب الخادم أو هذا الحديث نقل بالمعنى أو بالاختصار والله أعلم وكأن قراءة هذه الأذكار عند المنام تزيل تعب خدمة النهار والآلام رواه مسلم
الفصل الثاني


عن أبي هريرة قال كان رسول الله إذا إصبح أي دخل في الصباح قال اللهم بم أصبحنا الباء متعلق بمحذوف وهو خبر أصبحنا ولا بد من تقدير مضاف أي أصبحنا ملتبسين بحفظك أو مغمورين بنعمتك أو مشتغلين بذكرك أو مستعينين باسمك أو مشمولين يتوفيقك أو متحركين بحولك وقوتك ومتقلبين بإرادتك وقدرتك وبك أمسينا وبك أي باسمك المحيي نحيا وبك أي باسمك المميت نموت قيل هو حكاية الحال الآتية يعني يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الحالات ومثله حديث حذيفة مرفوعا اللهم باسمك أموت وأحيا أي لا أنفك عنه ولا أهجره قال النووي معناه أنت تحييني وأنت تميتني وإليك أي إلى حكمك المصير أي المرجع في الدنيا والمآب في العقبى وإذا أمسى عطف على إذا أصبح قال اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا بتقديم أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور أي البعث بعد الموت والتفرق بعد الجمع رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه قال الجزري رواه الأربعة وأحمد وابن حبان في صحيحه وأبو عوانة


ولفظهم في الصباح النشور وفي المساء المصير وجاء في أبي داود فيهما النشور وفي الترمذي فيهما المصير ا ه وفيه اعتراض وارد على المصنف حيث عكس الرواية المشهورة مع أنها المناسبة للطرفين والتوفيق بين الروايتين وركب تركيبا خاصا لم يرد به رواية وعن أبي هريرة قال قال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله وفي نسخة صحيحة قلت يا رسول الله مرني بشيء أقوله أي دائما بطريق الورد إذا أصبحت وإذا أمسيت قال قل اللهم عالم الغيب والشهادة أي ما غاب من العباد وظهر لهم فاطر السمواات والأرض أي مخترعها وموجدها على غير مثال سبق وقدم العلم هنا لأنه صفة ذاتية قائمة وقدم الفاطر في التنزيل لأن المقام مقام الاستدلال رب كل شيء ومليكه فعيل بمعنى فاعل للمبالغة كالقدير بمعنى القادر أشهد أن لا إله إلا أنت أي ولا يجيء منك إلا الخير ولا أكل شيئا من أموري إلى الغير أعوذ بك من شر نفسي لأنها منبع الأشرار كما أن القلب معدن الأسرار ومن شر الشيطان أي وسوسته وإغوائه وإضلاله وشركه بكسر الشين وسكون الراء وهو الأشهر في الرواية والأظهر في الدراية أي ما يدعو إليه من الإشراك بالله ويروي بفتحتين أي مصائده وحبائله التي يفتتن بها الناس والإضافة على الأول إضافة المصدر إلى الفاعل وعلى الثاني محضة والعطف على التقديرين للتخصيص بعد التعميم للإهتمام به قله أي قل هذا القول إذا أصبحت وإذا أمسيت أي كما التزمت وإذا أخذت مضجعك أي أيضا لزيادة الخير والبركة رواه الترمذي وأبو داود الدرامي ورواه النسائي وابن حبان والحاكم وابن شيبة وعن أبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة يصرف لأنه فعال ويمنع لأنه أفعل والصحيح الأشهر الصرف ذكره الطيبي وزين العرب وتبعهما ابن حجر ابن عثمان


أي ابن عفان قال أي أبان سمعت أبي أي عثمان يقول قال رسول الله ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة أي في أوائلهما أو ما نقل ابن حجر أنه خلاف ما صرحوا به ثم توجيهه فغير صحيح لما قدمناه قبل ذلك باسم الله أي أستعين أو أتحفظ من كل مؤذ باسم الله الذي لا يضر مع اسمه أي مع ذكر اسمه باعتقاد حسن ونية خالصة شيء في الأرض ولا في السماء أي من البلاء النازل منها وهو السميع أي بأقوالنا العليم أي بأحوالنا ثلاث مرات ظرف يقول فيضر بشيء بالنصب جواب ما من عبد قال الطيبي وبالرفع عطفا على يقول على أن الفاء هنا كهي في قوله لا يموت لمؤمن ثلاثة من الولد فتمسه النار أي لا يجتمع هذا القول مع المضرة كما لا يجتمع مس النار مع موت ثلاثة من الولد بشرطه ا ه وتبعه ابن حجر لكن الرفع غير موجود في النسخ المصححة والأصول المعتمدة فلا يحتاج إلى التكلفات المذكورة فكان أبان بالوجهين قد أصابه طرف فالج أي نوع منه وهو بفتح اللام استرخاء لأحد شقي البدن لانصباب خلط بلعمى تنسد معه مسالك الروح فجعل الرجل أي المستمع ينظر إليه أي تعجبا فقال له أبان ما تنظر إلي قال الطيبي ما هي استفهامية وصلتها محذوفة وتنظر إلى حال أي مالك تنظر إلي أما للتنبيه وقيل بمعنى حقا إن الحديث كما حدثتك ولكني لم أقله أي ما قدر الله لي أن أقوله يومئذ ليمضي الله على قدره بفتح الدال أي مقدره قال الطيبي رحمه الله قوله ليمضي الله عليه لعدم القول وليس بغرض له كما في قعدت عن الحرب جبنا وقيل اللام فيه للعاقبة كما في قوله للموت وابنو للخراب وأما قول ابن حجر اللام ليست بمعنى الغرض الباعث لأنه سبحانه منزه عن أن يبعث شيء على شيء وإنما هي دالة على ما في ذلك من الحكمة بالنسبة ونظيره قوله تعالى وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون الذاريات فخارج عما نحن فيه لأن إمضاء الله لا محذور أن يكون علة وسببا لعدم قول العبد وإنما النفي في كلام الطيبي وليس بغرض له أي للعبد


لا لله كما يوهم المعتقد أن أفعال الله لا تعلل بالأغراض بل بالحكم المقتضية لأفعال العبد من العمل وتركه وتذكره ونسيانه غايته أن هنا ليس غرض العبد وباعثه من ترك قول الدعاء والذكر إمضاء الرب قدره وقضاء ولذا جعله الطيبي علة سببية حقيقية وعلة غائية مجازية فتأمل في الفرق بين المقامات لئلا تقع في الزلل من الخيالات
الجبرية والخباطات القدرية رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه ورواه النسائي وابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة وفي روايته أي رواية أبي داود لم تصبه فجاءة بلاء بالإضافة بيانية وهو بضم الفاء ممدودا وفي نسخة بفتح الفاء وسكون الجيم في مختصر النهاية فجاه الأمر فجئه فجاء بالضم والمد وفجأة بالفتح وسكون الجيم من غير مد وفاجأه إذا جاء بغتة من غير تقدم سبب ا ه وفيه إشارة إلى أن المراد بالفجأة ما يفجأ به والمصدر بمعنى المفعول وهو أعم من أن يكون بالمد وغيره فقول الطيبي قيده بعضهم بفتح الفاء وسكون الجيم على المرة مراده ضبط اللفظة لا حقيقية معناها من الوحدة فتنبه من نوم الغفلة ثم قول ابن حجر أنه يفهم من ذلك انتفاء التدريج بالأولى هو خلاف الأولى إذ دليل فهو مسكوت عنه وإنما خص هذا لأنه أفظع وأعظم فكأنه قال لم تصبه بلية عظيمة لأن المؤمن لا يخلو عن علة أو قلة أو ذلة هذا ويمكن أن تكون هذه الرواية وهي المخصوصة بمضرة الفجأ مفسرة ومبينة لمفهوم المضرة المذكورة في الرواية المتقدمة أو المراد بنفي المضرة عدم الجزع والفزع في البلية جمعا بين الأدلة النقلية والعقلية حتى يصبح ومن قاله أي تلك الكلمات حين يصبح لم تصبه فجأة بلاء بالوجهين حتى يمسي وفي الغايتين أعني حتى يصبح وحتى يمسي إيماء إلى أن ابتداء الحفظ من الفجأة والمضرة عقيب قول القائل في أي جزء من أجزاء أوائل الليل أو النهار بل وفي سائر أثنائهما ودعوى ابن حجر وجزمه بأنه لو قال أثناء النهار أو الليل ولم يقل من أول الليل أو أول النهار لا يحصل له تلك


الفائدة لا دليل عليه مع أن الإثبات في وقت لا يدل على النفي في آخر وعن عبد الله أن النبي كان يقول إذا أمسى أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبق الكلام عليه إعرابا ومعنى رب أسألك خير ما في هذه الليلة أي من التقديرات الالهية وخير ما بعدها أي من الليالي أو مطلقا وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة أي القضايا السبحانية وشر ما بعدها رب أعوذ بك من الكسل أي في صالح العمل ومن سوء الكبر بكسر الكاف وفتح الموحدة وسكونها أي من سقوط القوى ونقصان العقل أو ما ينشأ منه من التكبر أو


الكفر شك من الراوي أي من شر الكفر وإثمه وشؤمه أو المراد بالكفر الكفران وفي رواية من سوء الكبر بفتح الباء أي كبر السن والكبر بسكونها أي التكبر عن الحق وأما ضبط ابن حجر بكسر فسكون وبكسر ففتح فخلاف النسخ المصححة رب أعوذ بك من عذاب في النار أي عذاب كائن في النار وفيه إيماء إلى سهولة سائر أنواع العذاب فتفسير ابن حجر بقوله بها غير ملائم ولأن العذاب فيها يكون بها وبغيرها كما هو مقرر في محلها ولأن المعروف في اللغة أن الباء بمعنى الباء وأما قوله ويصح بقاؤها على ظاهرها وأريد بالعذاب الذي فيها مزيد لبعد عن رحمة الله ورضاه فخطأ فاحش إذ مطلوب النبي ومراده الاستعاذة من مطلق البعد فإرادة الزيادة ضرر وكمال نقصان من قائله وعذاب في القبر والظاهر المراد بالاستعاذة به تعالى منهما التحفظ والتوقي من الأعمال والأحوال التي تجر إليهما وإذا أصبح قال ذلك أي ما ذكر من الأذكار أيضا أي إلا أنه يقول أصبحنا وأصبح الملك لله بدل أمسينا وأمسى الملك لله رواه أبو داود والترمذي وفي روايته أي الترمذي لم يذكر بصيغة المجهول وروى معلوما من سوء الكفر وقد تقدم هذا الحديث في الفصل الأول فتأمل وعن بعض بنات النبي أن النبي كلن يعلمها أي ما ينفعها أن من جملتها فيقول الفاء عاطفة ويحتمل أن تكون الفاء تفسيرية أي فيقول قولي حين تصبحين سبحان الله علم للتسبيح منصوب على المصدرية كذا في المغرب وبحمده أي أنزهه منكل سوء وأبتدىء بحمده وفي المغرب أي سبحتك بجميع آلائك وبحمدك سبحتك لا قوة وفي نسخة ولا قوة إلا بالله أي على التسبيح والتحميد وغيرهما ما شاء الله أي وجوده كان أي وجد في أي وقت أراده فقول ابن حجر أي وجد فورا ليس على إطلاقه لأن الكلمة موضوعة لإحاطة المشيئة بالأشياء الكائنة ويقيده يخرج الكائنات التدريجية أو يلزم منه قدم الأشياء المرادية لأن الإرادة أزلية وكلا القولين باطل إجماعا كما هو مقرر في كتب الكلامية وإن عريت منهما


الفتاوى الفقهية وما لم يشأ لم يكن أي لم يوجد أبدا أعلم أي أعتقد أنا إن الله على كل شيء أي شاءه قدير وإن الله قد أحاط بكل شيء علما قال الطيبي هذان الوصفان أعني القدرة الشاملة والعلم الكامل عما عمدة أصول الدين وبهما يتم إثبات الحشر والنشر ورد الملاحدة في إنكارهم البعث وحشر الأجساد لأن الله تعالى إذا علم
الجزئيات والكليات وعلى الإحاطة علم الأجزاء المتفرقة المتلاشية في أقطار الأرض فإذا قدر على جمعها أحياها فلذلك خصها بالذكر في هذا المقام وهو في غاية من الحسن التام وأماطعن ابن حجر عليه فمن غفلة نشأت عن فهم المرام فإنه أي الشأن هو تعليل لقولي من قالها حين يصبح حفظ أي من البلايا والخطايا من بقية يومه حتى يمسي ومن قالها حين يمسي حفظ حتى يصبح رواه أبو داود وفي الحصن رواه أبو داود والنسائي وابن السني في عمل اليوم والليلة قال ميرك كلهم من حديث عبد الحميد مولى بني هاشم عن أمه عن بعض بنات النبي قال الحافظ المنذري أم عبد الحميد لا أعرفها وقال الشيخ ابن حجر لم أقف على اسمها وكأنها صحابية وعن ابن عباس قال قال رسول الله من قال حين يصبح فسبحان الله أي نزهوه عما لا يليق بعظمته وفي حديث مرسل أنه عليه الصلاة والسلام قال في قول العبد سبحان الله إنها براءة الله من السوء لا يقال النفي لا يكون مدحا إلا إذا تضمن ثبوتا لأن نفي النقص عنه يستلزم إثبات الكمال إذا الكمال مسلم له تعالى عند الكل ولئن سألتهم من خلق السمواات والأرض ليقولن الله لقمان ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فثبوت الكمال من صفات الجمال والجلال له لم يزل ولا يزال وإنما أمر الخلق بالتنزيه عن التشبيه ولهذا ما جاءت الرسل إلا للأمر بالتوحيد والعبادة على وجه التفريد أو صلوا لله واعطوا حق عبوديته حين تمسون أي تدخلون في المساء وهو وقت المغرب والعشاء وحين تصبحون أي تدخلون في الصباح وهو وقت الصبح وله الحمد أي ثابت في السمواات والأرض لأنهما


نعمتان عامتان عظيمتان لأهلهما فيجب عليهم حمده وقيل محمود عند أهلهما وقيل يحمده أهلهما لقوله وإن من شيء ألا يسبح بحمده الإسراء وهو جملة معترضة حالية وعشيا عطف على حين وأريد به وقت العصر وحين تظهرون أي تدخلون في الظهيرة وهو وقت الظهر ولما كان هذه الأوقات محل ظهور هذه الحالات يناسبها التنزيه عن الحدوث والآفات في معالم التنزيل قا
نافع بن الأزرق لابن عباس هل تجد الصلوات الخمس في القرآن قال نعم وقرأ هاتين الآيتين وقال جمعت الآية الصلوات الخمس ومواقيتها ا ه واختار الطيبي عموم معنى التسبيح الذي هو مطلق التنزيه فإنه المعنى الحقيقي الأولي من المعنى المجازي من إطلاق الجزء وإرادة الكل مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فإن فائدة الأعم أتم ثم قال فإن قلت كان مقتضى الظاهر أن يعقب قوله وله الحمد بقوله فسبحان الله كما جاء سبحان الله وبحمده وقوله وعشيا بقوله وحين تصبحون فما فائدة الفصل ولم خص التسبيح بظرف الزمان والتحميد بالمكان قلت قد مر أن الحمد أشمل من التشبيح فقدم التسبيح وعلق به الإصباح والإمساء وأخر التحميد وعلق به السمواات والأرض وإنما أدخله بين المعطوف والمعطوف عليه ليجمع بين ظرفي الزمان والمكان إذا لاقتران الشيء بالشيء تعلق معنوي وإن لم يوجد تعلق لفظي ولو قدم الحمد لاشتركا في الظرفين ولو أخر لخص الحمد بالمكان ا ه ومن فهم حسن كلامه وطيب مرامه لا يطعن فيه بأنه مما لا يكاد يفهم من أصله أو مما لا تعلق له بما نحن فيه كما يعلم من تأمله على ما ذكره ابن حجر رحمه الله فإنه شهادة من نفسه عليه بقلة الفهم لديه وإن كان مرجع بعض الفقهاء إليه إلى قوله أي تعالى كما في نسخة وكذلك تخرجون بصيغة المجهول والمعلوم وهذا اقتصار من الراوي وتمامه يخرج الحي كالجنين والفرخ من الميت كالمني والبيضة يخرج الميت من الحي روى أن النبي رأى عكرمة بن أبي جهل فقرأ هذه الآية فهذا تفسير للنبي أن المراد من الحي


المؤمن ومن الميت الكافر وفي معناهما العالم والجاهل والمصالح والفاسق والذاكر والغافل ويحيي الأرض أي بالإنبات بعد موتها أي يبسها وكذلك أي مثل دلاحياء تخرجون من قبوركم أحياء للحساب والعذاب والنعيم وحسن المآب أدرك ما فاته أي من الخير أي حصل له ثواب ما فاته من ورد وخير في يومه ذلك ومن قالهن أي تلك الكلمات أو اة يات حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته رواه أبو داود وكذا ابن السنى في عمل اليوم والليلة وعن أبي عياش بالياء تحتها نقطتان وبالشين المعجمة وقد صحف في بعض نسخ المصابيح بابن عباس إن رسول الله قال من قال شرطية إذا أصبح ظرفية لا إله إلا الله ووحده لا شريك له الملك أي أبدا وله الحمد أي سرمدا وهو على كل ضيء قدير أي


دائما كان جواب الشرط له أي لمن قال ذلك المقال عدل رقبة أي مثل عتقها وهو بفتح العين وكسرها بمعنى المثل وقيل بالفتح المثل من غير الجنس بالكسر من الجنس وقيل بالعكس من ولد إسماعيل صفة رقبة وهو بفتح الواو واللام وبضم وسكون أي أولاده التخصيص لأنهم أشرف من سبى ولا دلالة للحديث على جواز ضرب الرق على العرب ولا على نفيه خلافا لم فهمه ابن حجر من الجواز وقال والقول بمنعه عجيب وكتب أي أثبت مع هذا له عشر حسنات وحط أي وضع ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات أي من درجات الجنان وكان في حرز أي حفظ رفيع وحصن منيع من الشيطان أي من شر إغوائه حتى يمسي وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك أي ما ذكر من الجزاء حتى يصبح قال حماد بن سلمة أحد رواة هذا الحديث فرأى رجل رسول الله فيما يرى أي في الحال أو الوصف الذي يراه النائم قال الطيبي وضعه موضع النوم تنبيها على حقية هذه الرؤيا وإنها جزء من أجزاء النبوة واللام في النائم للعهد يعني الذهني أي النائم الصادق الرؤيا ولو قال في النوم لاحتمل أن يكون من أضغاث الأحلام فقال أي الرجل في النوم يا رسول الله أن أبا عياش يحدث عنك بكذا وفي نسخة كذا وكذا ولعل التكرار باعتبار الجملتين في الصباح والمساء قال صدق أبو عياش وهو زيد بن الصامت الأنصاري وهو صحابي وكفى به منقبة في حقه ودلالة على صدقه رواه أبو داود وابن ماجه وكذا النسائي وابن أبي شيبة وابن السنى وزاد بعد قوله وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت هذا وقوله فرأى رجل ذكر استظهار إلا دليلا عليه للإجماع على أن رؤية المنام لا يعمل بها لا للشك في الرؤيا لأنها حق بالنص كما في الأحاديث الصحيحة بل لأن النائم لا يضبط فربما نقل خلاف ما سمع أو كلامه يحتاج إلى تأويل وتعبير ويقع الخلاف في التفسير ولأنها إن وافقت ما استقر في الشرع فالعبرة به وإلا فلا عبرة بها لأنها إذا خالفته لم يجز نسخة بها وعن الحرث بن مسلم التميمي عده المؤلف في


التابعين عن أبيه عن رسول الله أنه أسر إليه أي تكلم معه سرا أو جهرا أو الإسرار والإعلان والإخفاء كذا ذكره بعض الشراح وكأنه أراد أن الهمزة قد تكون للسلب فيصير معناه الإعلان وقال غيره أي تكلم معه

خفية وال الطيبي في الإسرار وترغيبه فيه حتى يتلقاه ويتمكن في قلبه تمكن السر المكنون لا الضنة أي البخل به من غيره فقال إذا انصرفت أي فرغت وأغرب ابن الملك وقال أي رجعت من صلاة المغرب فقل قبل أن تكلم أي بكلام الدنيا أحدا فإنك حينئذ على ما كنت عليه في الصلاة من الخشوع والتدبر فيقع الدعاء على وجه الكمال في الثناء اللهم أجرني أي خلصني من النار سبع مرات ظرف لقل أي كرر ذلك سبع مرات ولعل النكتة في هذا العدد مراعاة سبعة أبواب النار وطبقاتها أو سبعة أعضاء المتكلم بها فإنك إذا قلت ذلك أي الدعاء المذكور سبعا ثم مت بالضم والكسر في ليلتك كتب أي قدر لك جواز بفتح الجيم أي خلاص منها أي من النار أي دخولها أو خلودها ففيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة ووقع في شرح ابن حجر من النار موضع منها وهو مخالف للأصول المعتمدة والجواز في الأصل البراءة التي تكون مع الرجل في الطريق حتى لا يمنعه أحد من المرور وحينئذ فلا يدفعه إلا تحلة القسم وإذا صليت الصبح أي وانصرفت فقل أي هذا الذكر سبعا كذلك أي قبل أن تكلم أحدا فإنك إذا مت في يومك كتب لك جواز منها رواه أبو داود ورواه النسائي وابن حبان قال ميرك كلهم من حديث سلم بن الحارث ويقال الحارث بن مسلم التميمي والأول أصح ا ه والله تعالى أعلم وعن ابن عمر قال لم يكن رسول الله يدع أي يترك هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح والظاهر إن كان ناقصة وجملة يدع خبر لها أي لم يكن تاركا لهن في هذين الوقتين بل يداوم عليها فيهما وأغرب ابن حجر رحمه الله حيث قال الظاهر أن يكن تامة وأن يد جملة حالية من الفاعل أي لم يوجد رسول الله حال كونه تاركا لها حين يمسي وحين يصبح ا ه ولا يخفى ما فيه من ركاكة


المعنى من قطع النظر عن ظهور ونقصان الكون وخفاء تمامه ثم من العجيب أنه ناقض كلامه المصرح الدال على المواظبة منه بالاعتراض على الطيبي بقوله وقال الشارح أخذا من كلام الكشاف لم يكن يدع هؤلاء أي لا يتأتى منه ذلك ولا يليق بحاله أن يدعها ا ه وفيه نظر ظاهر بل يتأتى منه تركها ويليق بحاله لبيان جواز تركها الواجب عليه وللاشتغال بما هو أهم منها ا ه اعتراضه الثابت به انتقاضه وأقول ليس مراد الشارح إلا المبالغة في المواظبة كما هي مستفادة من الرواية وإلا فمن الإجماع المعلوم من


الدين بالضرورة إن قراءته هذا الدعاء لم تكن واجبة عليه في الوقتين المذكوريين ولا في غيرهما حتى يقال بل يتأتى منه تركها إلى آخر ما ذكره الموهم منه تسليم كونه واجبا ويجوز له تركه لبيان جواز الترك لغيره أو للاشتغال بالأهم منه ثم تركت ما أطنبه من إيراد كلام الشارح وكلام صاحب الكشاف في قوله تعالى فلم يك ينفعهم إيمانهم غافر لعدم تعلق النفع بما لا طائل تحته اللهم إني أسألك العافية أي السلامة من الآفات الدينية والحادثات الدنيوية بتحملها والصبر عليها والرضا بقضائها في الدنيا والآخرة وقيل دفاع الله تعالى من العبد الأسقام والبلايا وهي مصدر رجاء على فاعلة وكأنه أراد سيء الأسقام كالبرص والجنون والجذام والجذام لما سبق من الكلام على هذا المقام اللهم إني أسألك العفو أي التجاوز عن الذنوب والعافية أي السلامة من العيوب في ديني ودنياي أي في أمورهما وأهلي ومالي أي في حقهما اللهم استر عوراتي أي عيوبي أو امح ذنوبي وآمن روعاتي أي مخوفاتي في جملة حالاتي وإيرادهما بصيغة الجمع في هذه الرواية إشارة إلى كثرتهما قال الطيبي العورة وما يستحيا منه ويسوء صاحبه أن يرى والروعة الفزعة اللهم احفظني أي ادفع البلاء عني من بين يدي أي أمامي ومن خلفي أي ورائي وعن يميني وعن شمالي قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم عن شمائلهم الأعراف إنما عدي العفل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخيرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم ونظيره قوله جلست عن يمينه ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن وفي نسخة من أن اغتال بصيغة المجهول أي أؤخذ بغتة وأهلك غفلة من تحتي قال زين العرب الاغتيال هو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد قال وكيع أحد رواة الحديث يعني الخسف أي يريد النبي بالاغتيال من الجهة التحتانية الخسف في القاموس خسف الله بفلان الأرض غيبه فيها


قال الطيبي عم الجهات لأن الآفات منها وبالغ في جهة السفل لرداءة الآفة وأما ما ذكره ابن حجر من قوله لأنه لا حيلة في دفع ما يخشى وقوعه فيها بخلاف بقية الجهات فإنه يمكن فيها الحيلة حتى جهة الفوق فمما لا يلتفت إليه رواه أبو داود وكذا ابن ماجة والنسائي وابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة وعن أنس قال قال رسول الله من قال حين يصبح اللهم
أصبحنا نشهدك أي نجعلك شاهدا على إقرارنا بوحدانيتك في الألوهية والربوبية هو إقرار للشهادة وتأكيد لها وتجديد لها في كل صباح ومساء وعرض من أنفسهم أنهم ليسوا عنها غافلين ونشهد حملة عرشك ومائكتك بالنصب عطف على الحملة تعميما بعد تخصيص وجميع خلقك أي مخلوقاتك تعميم آخر أنك بفتح الهمزة أي على شهادتي واعترافي بأنك أنت الله أي الواجب الوجود وصاحب الكرم والجود لا إله إلا أنت أي موجود وحدك أي منفردا بالذات لا شريك لك أي في الأفعال والصفات وأن محمدا عبدك ورسولك سيد المخلوقات وسند الموجودات إلا غفر الله له استثناء مفرغ مما هو جواب محذوف للشرط المذكور أي الذي قال فيه ذلك الذكر تقديره ما قال قائل هذا الدعاء لا غفر الله له ما أصابه في يومه ذلك أو يقدر نفي أي من قال ذلك لم يحصل له شيء من الأحوال إلا هذه الحالة العظيمة من المغفرة الجسيمة من ذنب فعلى هذا من في من قال بمعنى ما النافية ويمكن أن تكون إلا زائدة ويؤيده قوله وأن قالها حين يمسي غفر الله له ما أصابه في تلك الليلة وفي نسخة في ليلته تلك من ذنب أي أي ذنب كان واستثنى الكبائر وكذا ما يتعلق بحقوق العباد والإطلاق للترغيب مع ى ن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء رواه الترمذي وأبو داود وكذا الطبراني في الأوسط إلا أن لفظ الحديث في الحصن بصيغة الإفراد في الشهادتين وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن ثوبان قال قال رسول الله ما من عبد مسلم التنوين للتعظيم أي كامل في إسلامه قاله ابن الملك وتبعه ابن حجر والأظهر أن التنوين لمجرد التنكير


كما يفهم من زيادة من الاستغراقية المفيدة للعموم يقول إذا أمسى وإذا أصبح ثلاثا أي ثلاث مرات لحصول الجمعية فنصبه على الظرفية ولا يبعد أن يكون نصبه على المفعولية أي يقول ثلاث كلمات بمعنى جمل مفيدة ويدل عليه تقديم ثلاثا ويؤيده عدم وجودها في الأصول المعتمد وبينها بقوله رضيت بالله ربا تمييز وهو يشمل الرضا بالأحكام الشرعية والقضايا الكونية وبالإسلام دينا وفيه التبرؤ عن نحو اليهودية والنصرانية وبمحمد نبينا ويلزم منه قبو


مراتب الإيمان الإجمالية إلا كان حقا على الله أي حقيقة التفضل والتكرم وهو خبر كان واسمها قوله أن يرضيه يوم القيامة والجملة خبر ما والاستثناء مفرغ رواه أحمد والترمذي وفي الحصن أورده بصيغة الجمع في رضينا وبلفظ رسولا مكان نبيا وبدون ثلاث مرات وقال رواه الأربعة والحاكم وأحمد والطبراني قال ميرك من حديث أبي سلام خادم النبي قال ابن عبد البر هذا هو الصحيح وقيل أنه ثوبان ثم ذكر في الحصن رضيت بلفظ الأفراد نبيا وثلاث مرات وقال رواه ابن أبي شيبة وابن السني وقال النووي في الأذكار وقع في رواية أبي داود وغيره رسولا وفي رواية الترمذي نبيا فيستحب الجمع بينهما فيقول نبيا رسولا ولو اقتصر على أحدهما كان عاملا بالحديث ا ه وقدم نبيا على رسولا مع أن الأخير رواية الجمهور لتقدم وصف النبوة على الرسالة في الوجود أو لإرادة العموم والخصوص والله أعلم وعن حذيفة أن النبي كان إذا أراد أن ينام وضع يده أي اليمنى كما في رواية تحت رأسه وفي رواية تحت خده وهو محمول على اختلاف الأوقات فعبر كل راو عن رؤيته أو على أن بعض اليد تحت خده وبعضها تحت رأسه فعبر كل راو عن بعض ما تبين له ويمكن اعتبار الغلبة والظاهر أنه يكون مستقبل القبلة تشبها بالمختصر والميت في القبر ثم قال اللهم قني أي احفظني عذابك يوم تجمع عبادك أو تبعث عبادك شك من الراوي وتفسير للرواية الأولى رواه الترمذي أي عن حذيفة وأحمد أي ورواه أحمد كما في نسخة عن البراء عن حفصة وهي أم المؤمنين أن رسول الله كان إذا أراد أن يرقد أي ينام وضع يده اليمنى تحت خده ثم يقول اللهم وفي رواية رب قني عذابك يوم تبعث عبادك


وفي رواية تجمع عبادك ثلاث مرات وفي نسخة مرار رواه أبو داود وكذا النسائي والترمذي وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله كان يقول عند مضجعه اسم مكان أو زمان أو مصدر اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم أي الشريف الذي يدوم نفعه ويسهل تناوله والوجه يعبر به عن الذات ومنه قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه القصص وكلماتك التامات أي الكاملات في إفادة ما ينبغي وهي أسماؤه وصفاته أو آياته القرآنية ودلالاته الفرقانية قال الطيبي خص الاستعاذة بالذات تنبيها على أن الكل تابع لإرادته وأمره أعني قوله كن من شر ما أنت آخذ بناصيته أي هو في قبضتك وتصرفك كقوله تعالى ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها هود وقيل هي عبارة عن القدرة أي من شر جميع الأشياء لأنه على كل شيء قدير وقيل كناية عن الاستيلاء والتمكن من التصرف في الشيء وقيل كني بالأخذ بالناصية عن فظاعة شأن ما تعوذ منه وإنما لم يقل من شر كل شيء إيماء بأنه المسبب لكل ما يضر وينفع والمرسل له لا أحد يقدر على منعه ولا شيء ينفع في دفعه وبينه بقوله اللهم أنت تكشف أي تزيل وتدفع المغرم مصدر وضع موضع الاسم والمراد مغرم الذنوب والمعاصي وقيل ما استدين فيما كره الله أو فيما يجوز ثم عجز عن أدائه والمآثم أي ما يأثم به الإنسان أو هو الاثم نفسه وضعا للمصدر موضع الاسم اللهم لا يهزم جندك أي لا يغلب ولو في عاقبة الأمر ولا يخلف وعدك بصيغة المجهول ورفع وعدك وفي نسخة بالخطاب والنصب والمراد بالوعد الأخبار الشامل للوعد والوعيد وأما قول ابن حجر أي وعدك بإثابة الطائع بخلاف تعذيب العاصي فإن خلف الوعيد كرم وخلف الوعد بخل فقول ضعيف لأن هذا الفرق إنما هو في حق العباد ولذا قال الشاعر وأني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف ايعادي ومنجز موعدي ولكن الله لا يخلف الميعاده قال في شرح العقائد والله تعالى لا يغفر أن يشرك به بإجماع المسلمين لكنهم اختلفوا أنه هل يجوز عقلا أم لا فذهب بعضهم إلى أنه يجوز عقلا وإنما


علم عدمه بدليل السمع بعضهم إلى أنه يمتنع عقلا لأن قضية الحكمة التفرقة بين المسيء والمحسن والكفر نهاية في الجنابة لا يحتمل الإباحة ورفع الحرمة أصلا فلا يحتمل العفو ودفع الغرامة ا ه ويؤيد المذهب الأخير قوله تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين
مالكم كيف تحكمون ن صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون الجاثية أي بعقولهم الفاسدة وظنونهم الكاسدة ثم رأيت صاحب العمدة من الحنفية قال تخليد المؤمنين في النار والكافرين في الجنة يجوز عقلا عندهم أي الأشاعرة إلا أن السمع ورد بخلافه فيمتنع وقوعه لدليل السمع وعندنا لا يجوز أي عقلا أيضا فإن قلت لعل مراد ابن حجر ما عدا الكفر فإنه مستثنى شرعا وعقلا قلت ما عداه تحت المشيئة فلا يقال فيه جواز خلف الوعيد مع أن الأحاديث الصحاح تظاهرت بل في المعنى تواترت أن جماعة من المؤمنين يعذبون في النار ثم يخرجون بشفاعة الأبرار أو بمغفرة الغفار هذا وفي شرح العقائد وزعم بعضهم أنه يجوز خلف الوعيد ورد بأنه يخالف قوله تعالى ما يبدل القول لدي ق ا ه قال البيضاوي ما يبدل القول لدى أي بوقوع الخلف فيه فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي وعفو لمذنبين لبعض الأسباب ليس من التبديل فإن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد اه يغني عن شاء من المؤمنين وقد فصلت هذه المسألة مع الادلة في رسالة مستقلة سميتها القول السديد في خلف الوعيد ولا ينفع ذا الجد بفتح الجيم منك الجد فسر الجد بالغني في أكثر الأقاويل أي لا ينفع ذا الغنى غناه منك أي بدل طاعتك وإنما ينعفه العمل الصالح وقال الجوهري منك معناه عندك فهو في معنى قوله تعالى وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زاقى الأمن آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغررفات آمنون سبأ وقيل الجد هو الحظ والبخت روى أن بعضهم قال جدي في النخل وقا الآخر


جدي في الإبل وآخر قال جدي في كذا فدعا رسول الله يومئذ هذا الدعاء قال النووي معنا لا ينجيه حظه منك إنما ينجيه فضلك ورحمتك وقيل الجد أبو الأب أي لا ينفع مجرد النسب بل إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات وروى بكسر الجيم وأريد الجد في أمور الدين أو معناه لا ينفعه الجد والاجتهاد في الدنيا والدين وإنما ينفعه لطفه ورحمته وفتحه وبركته قال تعالى ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها أو ما يمسك فلا مرسل له من بعده فاطر سبحانك وبحمد أي أجمع بين تنزيهك وتحميدك وتقديسك وتمجيدك رواه أبو داود وكذا النسائي وابن أبي شيبة وعن أبي سعيد قال قال رسول الله من قال حين يأوي إلى فراشه أستغفر الله الذي لا إلا إلا هو الحي القيوم يجوز فيهما النصب صفة لله أو مدحا والرفع بدلا من الضمي


أو على أنه خبر مبتدأ محذوف وقال ابن حجر رفعهما على أنه نعت لهو واقتصر عليه وهو قول مرجوح نسب إلى الكسائي والجمهور على أن الضمير لا يوصف وأتوب إليه أي أطلب المغفرة وأريد التوبة فكأنه قال اللهم اغفر لي ووفقني للتوبة ثلاث مرات ظرف قال غفر الله له ذنوبه أي الصغائر ويحتمل الكبائر وأغرب ابن حجر حيث قال والمراد الصغائر ا ه ومعلوم أن الله تعالى أعلم بمراده ومراد رسوله فلا يقال في كلامهما أن هذا مرادهما مع احتمال الغير فإن الكبائر قابلة أن تكون مراده لقوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء وإن كانت أي ولو كانت ذنوبه في الكثرة مثل زبد البحر أو للتنويع عدد رمل عالج بفتح اللام وكسرها وهو منصرف وقيل لا ينصرف قال الطيبي موضع بالبادية فيه رمل كثير وفي النهاية العالج ما تراكم من الرمل ودخل بعضه على بعض وجمعه عوالج فعلى هذا لا يضاف الرمل إلى عالج لأنه صفة له وأغرب ابن حجر حيث نسب كلام صاحب النهاية إلى الشارح مع قوله فعلى هذا لا يضاف الرمل إلى عالج لأنه صفة له أي رمل يتراكم وفي حديث الدعاء وما يحويه عوالج الرمال ا ه ويرده إضافة الرمل إلى عالج وعلى ما قاله لا يضاف إليه لأنه وصف وعلى أنه موضع مخصوص فيضاف انتهى كلامه فتأمل في تقريره وحسن تحريره وفي التحرير عالج موضع مخصوص فيضاف قال ميرك الرواية بالإضافة فعلى قول صاحب النهاية وجهه أن يقال أنه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة أو الإضافة بيانية وقيل اسم واد بعيد الطول والعرض كثير الرمل من أرض المغرب وعدد منصوب عطفا على مثل ويجوز جره عطفا على الزبد وكذا قوله أو عدد ورق الشجر أو عدد أيام الدنيا ولعل المراد أوقاتها وساعاتها رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن شداد بن أوس أي الأنصاري وهو ابن أخي حسان بن ثابت قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء كان شداد ممن أوتي العلم والحكمة قال قال رسول الله ما من مسلم يأخذ مضجعه يقرأ سورة وفي رواية ما من رجل يأوي


إلى فراشه فيقرأ سورة قال ميرك في حاشية الحصن كذا وقع بلفظ الفعل المضارع في الترمذي وجامع الأصول لكن في كثير من نسخ المشكاة بلفظ بقراءة قال الطيبي أي مفتتحا بقراءة سورة وقيل أي ملتبسا بها من كتاب الله أي القرآن الحميد والفرقان المجيد إلا وكل الله به ملكا أي أمره بأن يحرسه من المضار وهو استثناء مفرغ فلا يقربه بفتح الراء شيء يؤذيه وفي رواية الحصن إلا بعث الله إليه ملكا يحفظه من كل شيء يؤذيه حتى يهب بضم الهاء متى هب أي يستيقظ متى استيقظ بعد طول الزمان أو قربه من النوم رواه الترمذي وفي الحصن رواه أحمد وروى البزار عن أنس مرفوعا


إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت وأخرج الإمام ابن أبي داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم عن علي كرم الله وجهه موقوفا ما كنت أرى أحدا يعقل ينام قبل أن يقرأ الآيات الثلاث الأواخر من البقرة وعن عبد الله بن عمرو بن العاص بحذف الياء وجوز إثباتها قال قال رسول الله خلتان بفتح الخاء أي خصلتان لا يحصيهما رجل مسلم أي لا يحافظ عليهما كما في رواية أولا يأتي بهما عبر عن المأتي به بالإحصاء لأنه من جنس المعدودات أو لا يطيقهما أو لا يأتي عليهما بالإحصاء كالعاد للشيء إلا دخل الجنة أي مع الناجين وهو استثناء مفرغ إلا حرف تنبيه وهما أي الخصلتان وهما الوصفان كل واحد منهم يسير أي سهل خفيف لعدم صعوبة العمل بهما على من يسره الله ومن يعمل بهما أي على وصف المداومة قليل أي نادر لعزة التوفيق قال تعالى إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ص صلى الله عليه وسلم وقليل ما هم مع ذلك كثير في المعنى كبير في المبنى وجملة التنبيه معترضة لتأكيد التحضيض على الإتيان بهما والترغيب في المداومة عليهما والظاهر أن الواو في وهما للمحال والعامل فيه معنى التنبيه فتنبه يسبح الله بيان لإحدى الخلتين والضمير للرجل المسلم في دبر كل صلاة أي عقب كل صلاة مفروضة عشر أو يحمده عشر أو يكبره عشرا قال أي ابن عمرو فأنا رأيت رسول الله يعقدها أي العشرات بيده أي بأصابعها أو بأناملها أو بعقدها وأما قول ابن حجر مر الأمر بالعقد بالأنامل في حديث فيحتمل أنه مخير ويحتمل أن المراد باليد الأنامل ويحتمل العكس ففيه أن الحمل على الحقيقة أولى لا سيما وهي صادقة على الوجوه المحتملة من غير إرادة المجاز مع أن ذكر الأنامل وإرادة اليد بعيد جدا عن المقصود فتأمل قال وفي نسخة فقال أي النبي فتلك أي العشرات الثلاث دبر كل صلاة من الصلوات الخمس خمسون ومائة أي في يوم وليلة حاصلة من ضرب ثلاثين في خمسة أي مائة


وخمسون حسنة باللسان أي بمقتضى نطقه في العدد وألف وخمسمائة في الميزان لأن كل حسنة بعشر أمثالها على أقل مراتب المضاعفة الموعودة في الكتاب والسنة وإذا أخذ مضجعه بيان النخلة الثانية وإذا للظرفية المجردة أي وحين يأخذ الرجل المسلم مرقده يسبحه أي ثلاثا وثلاثين ويكبره أي أربعاف وثلاثين ويحمده أي ثلاثا وثلاثين فقوله مائة عدد المجموع ويؤخذ من هذا الحديث
جواز توسط التكبير بين التسبيح والتحميد ويجوز أن يجعل التسبيح والتكبير ثلاثا وثلاثين والتحميد أربعا وثلاثين تكملة للمائة والله أعلم فتلك أي المائة من أنواع الذكر مائة أي مائة حسنة باللسان وفي نسخة في اللسان وألف أي ألف حسنة على جهة المضاعفة في الميزان فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة الفاء جواب شرط محذوف وفي الاستفهام نوع إنكار يعني إذا حافظ على الخصلتين وحصل ألفان وخمسمائة حسنة في يوم وليلة فيعفي عنه بعدد كل حسنة سيئة كما قال تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات هود فأيكم يأتي بأكثر من هذا من السيئات في يومه وليلته حتى لا يصير معفوا عنه فما لكم لا تأتون بهما أو لا تحصونهما قالوا وكيف لا نحصيها أي المذكورات وفي نسخة لا نحصيهما أي الخصلتين قال الطيبي أي كيف لا نحصي المذكورات في الخصلتين وأي شيء يصرفنا فهو واستبعاد لإهمالهم لهم في الإحصاء فرد استبعادهم بأن الشيطان يوسوس له في الصلاة حتى يغفل عن الذكر عقيبها وينومه عند الاضطجاع كذلك وهذا معنى قوله قال أي النبي يأتي أحدكم مفعول مقدم الشيطان وهو في صلاته فيقول أي يوسوس له ويلقي في خاطره أذكر كذا أذكر كذا من الأشغال الدنيوية والأحوال النفسية الشهوية أو ما لا تعلق لها بالصلاة ولو من الأمور الآخروية حتى ينفتل أي ينصرف عن الصلاة فلعله أي فعسى أن لا يفعل أي الإحصاء قيل الفاء في فلعله جزاء شرط محذوف يعني إذا كان الشيطان يفعل كذا فعسى الرجل أن لا يفعل وإدخال إن في خبره دليل على أن لعل


هنا بمعنى عسى وفيه إيماء إلى أنه إذا كان يغلبه الشيطان عن الحضور المطلوب المؤكد في صلاته فكيف لا يغلبه ولا يمنعه عن الإذكار المعدودة من السنن في حال انصرافه عن طاعته ويأتيه أي الشيطان أحدكم في مضجعه فلا يزال ينومه بتشديد الواو أي يلقى عليه النوم حتى ينام أي بدون الذكر رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وفي رواية أبي داود قال خصلتان أو خلتان أي على الشك لا يحافظ عليهما عبد مسلم أي بدل لا يحصيهما رجل مسلم وكذا في روايته أي رواية أبي داود بعد قوله وألف وخمسمائة في الميزان قال ويكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثاف وثلاثين ويسبح ثلاثا وثلاثين وفي أكثر نسخ المصابيح عن عبد الله بن عمر أي بدون الواو


وعن عبد الله بن غنام بفتح المعجمة وتشديد النون وهو البياضي قال قال رسول الله من قال حين يصبح اللهم ما أصبح بي أي حصل لي في الصباح من نعمة أي دنيوية أو أخروية ظاهرة أو باطنة أو بأحد من خلقك أو للتنويع والمراد التعميم فمنك وحدك حال من الضمير المتصل في قوله فمنك أي فحاصل منك منفرد لا شريك لك قال الطيبي الفاء جواب شرط كما في قوله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله النحل ومن شرط الجزاء أن يكون سببا للشرط ولا يستقيم هذا في الآية إلا بتقدير الأخبار والتنبيه على الخطأ وهو أنهم كانوت لا يقومون بشكر نعم الله تعالى بل يكفرونها بالمعاضي فقيل لهم أني أخبركم بأن ما التبس بكم من نعم الله تعالى وأنتم لا تشكرونها سبب لأن أخبركم بأنها من الله تعالى حتى تقوموا بشكرها والحديث بعكس الآية أي أني أقر وأعترف بأن كل النعم الحاصلة والواصلة من ابتداء الحياة إلى انتهاء دخول الجنة فمنك وحدك فأوزعني أن أقوم بشكرها ولا أشكر غيرك فيها ا ه وتعقبه ابن حجر على عادته من غير فهمعبارته فلك الحمد أي الثناء الجميل ولك الشكر أي على الأنعام الجزيل قيل هذا تقرير للمطلوب ولذلك قدم الخبر على المبتدأ المفيد للحصر يعني إذا كانت النعمة مختصة بك فها أنا أنقاد إليك وأخص الحمد والشكر لك قائلا لك الحمد لا لغيرك ولك الشكر لا لأحد سواك فقد أدى شكر يومه ومن قال مثل ذلك حين يمسي لكن يقول أمسى بدل أصبح فقد أدى شكر ليلته وهذا يدل على أن الشكر هو الاعتراف بالمنعم الحقيقي ورؤية كل النعم دقيقها وجليلها منه وكماله أن يقوم يحق النعم ويصرفها في مرضاة المنعم رواه أبو داود وكذا النسائي كلاهما عن ابن غنام ورواه ابن حبان وابن السني عن ابن عباس وعن أبي هريرة عن النبي أنه كان يقول إذا أوى إلى فراشه وفي الحصن يقول وهو مضطجع اللهم رب السموات زيد في بعض روايات مسلم لفظة السبع ورب الأرض أي خالقهما ومر بي أهلهما وزيد في الحصن ورب العرش العظيم بالجر


والنصب ورب كل شيء تعميم بعد تخصيص فالق الحب الفلق بمعنى الشق والنوى جمع النواة
وهي عظم النخل وفي معناه عظم غيرها والتخصيص لفضلها أو لكثرة وجودها في ديار العرب يعني يا من شقهما فاخرج منهما الزرع والتخيل ومنزل التوارة من الإنزال وقيل من التنزيل والإنجيل والقرآن وفي الحصن الفرقان بدل القرآن لأنه يفرق به بين الحق والباطل ولعل ترك الزبور لأنه مندرج في التوراة أو لكونه مواعظ ليس فيه أحكام قا لالطيبي فإن قلت ما وجه النظم بين هذه القرائن قلت وجهه أنه لما ذكر أنه تعالى رب السموات والأرض أي مالكهما ومدبر أهلهما عقبه بقوله فالق الحب والنوى لينتظم معنى الخالقية والمالكية لأن قوله تعالى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي الروم تفسير لفالق الحب والنوى ومعناه يخرج الحيوان النامي من النطفة والحب من النوى ويخرج الميت من الحي أي يخرج هذه الأشياء من الحيوان والنامي ثم عقب ذلك بقوله منزل التوراة ليؤذن بأنه لم يكن إخراج لأشياء من كتم العدم إلى فضاء الوجود إلا ليعلم ويعبد ولا يحصل ذلك إلا بكتاب ينزله ورسول يبعثه كأنه قيل يا مالك يا مدبر يا هادي أعوذ بك وهذا كلام طيب ينبغي أن يكتب بماء الذهب وتعقبه ابن حجر بما يليق أن يغسل بماء زمزم حتى يذهب أعوذ ثم في نسخة وأعوذ واو العاطفة ولا يخفى ما فيها من عدم الملاطفة والمعنى اعتصم وألوذ بك من شر كل ذي شر وفي الحصن من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته وفي رواية مسلم من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول وفي الحصن اللهم أنت الأول أي القديم بلا ابتداء فليس قبلك شيء قيل هذا تقرير للمعنى السابق وذلك أن قوله أنت الأول مفيد للحصر بقرينه الخبر بالأم فكأنه قيل أنت مختص بالأولية فليس قبلك شيء وعلى هذا ما بعده وأنت الآخر أي الباقي بلا انتهاء فليس بعدك شيء أي بعد آخريتك المعبر بها عن البقاء شيء يكون له بقاء لذاته ويمكن أن يكون بعدك بمعنء غيرك والمعنى أن غيرك فإن في حد


ذاته ولو كان له بقار ما في حال حياته كما يدل عليه قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه القصص و كل من عليها فان الرحمان بصيغة الفاعل الدال على أنه موصوف به الآن ومنه قول لبيد المستحسن على لسان النبي إلا كل شيء ما خلا الله باطل قال الباقلاني تمسكت المعتزلة بقوله ليس بعدك شيء على أن الأجسام تفنى بعد الموت وتذهب بالكلية ومذهب أهل السنة بخلافه والمراد أن الفاني هو الصفات والأجزاء المتلاشية باقية ا ه ويؤيده ما ورد في الأحاديث الصحيحة من بقاء عجب الذنب وما صح من الأخبار إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وأنت الظاهر أي بالأفعال


والصفات أو الكامل في الظهور فليس فوقك أي فوق ظهورك شيء يعني ليس شيء أظهر منك لدلالة الآيات الباهرة عليك وقيل ليس فوقك شيء في الظهور أو أنت الغالب فليس فوقك غالب وأنت الباطن أي باعتبار الذات فليس دونك شيء أي ليس شيء أبطن منك ودون يجيء بمعنى غير والمعنى ليس غيرك في البطون شيء أبطن منك وقد يجيء بمعنى قريب فالمعنى ليس شيء في البطون قريبا منك وقيل معنى الظهور والبطون تجليه لبصائر المتفكرين واحتجابه عن أبصار الناظرين ولذا قال بعض الصوفية ظاهر في عين الباطن وباطن في عين الظاهر اقض عني وفي رواية عنا الدين يجوز أن يراد به حقوق الله وحقوق العباد جميعا ولما قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله ما رأيتك تستعيذ من شيء أكثر مما تستعيذ من الدين بين لها أن الدين يترتب عليه مفاسد كخلف الوعد وتعمد الكذب ولذا جاء في حديث الدين هم بالليل مذلة بالنهار واغننى وفي رواية واغننا من الفقر أي الاحتياج إلى المخلوق أو من الفقر القلبي لما ورد كاد الفقر أن يكون كفرا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وكذا النسائي وابن أبي شيبة ورواه مسلم مع اختلاف يسير كما أشرنا إليه وعن أبي الأزهر الأنماري بفتح الهمزة وسكون النون قال المؤلف له صحبة إن رسول الله كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال باسم الله أي أرقد والباء للاستعانة أن أريد بالاسم المسمى أو للمصاحبة أن أريد به اللفظ وضعت جنبي لله وفي الحصن بدون لله فوضعت متعلق الجار ويحتمل على الأول أيضا أن يتعلق بقوله وضعت أي باسم الله وضعت جنبي حال كون وضعه الله أي للتقوى على عبادته اللهم اغفر لي ذنبي المراد به ذنبه اللائق به أو ذنب أمته أو وقع تسليما أو تعليما وأخسىء شيطاني بهمزة مفتوحة أوله وهمزة ساكنة آخره أي أبعد من خسأ الكلب بنفسه ومنه قوله تعالى قال اخسؤا فيها ولا تكلمون المؤمنون وفي نسخة صحيحة بوصل الهمزة وفتح السين من خسأت الكلب أي طردته فهو يتعدى ولا يتعدي أي اجعله


مطرودا عني ومردودا عن أغوائي قال الطيبي أضافه إلى نفسه لأنه أراد قرينه من الجن أو من قصد اغواءه أي من شياطين الإنس والجن وفك رهاني أي خلص رقبتي عن كل حق علي الرهان الرهن وجمعه ومصدر راهنه وهو ما يوضع وثيقة للدين والمراد هنا نفس الإنسان لأنها مرهونة بعملها لقوله تعالى كل امرىء بما كسب رهين الطور
ولقوله نفس المؤمن مرتهنة بدينه أي محبوسة عن مقامها الكريم حتى يقضي عنه دينه وفك الرهن تخليصه من يد المرتهن يعني خلص نفسي عن حقوق الخلق ومن عقاب ما اقترفت عليه من الأعمال التي لا ترضاها بالعفو عنها أو خلصها من ثقل التكاليف بالتوفيق للإتيان بها وزاد في المستدرك وثقل ميزاني أي بالأعمال الصالحة واجعلني في الندي الأعلى وروى في المستدرك بلفظ في الملأ الأعلى والندى بالفتح ثم الكسر ثم التشديد هو النادي وهو المجلس المجتمع قيل الندى أصله المجلس ويقال للقوم أيضاا يريد بالأعلى الملأ الأعلى وهم الملائكة أو أهل الندي إذا أراد المجلس وقال الطيبي الندي يطلق على المجلس إذا كان فيه القوم فإذا تفرقوا لم يكن نديا ويطلق أيضا على القوم وأراد الملأ الأعلى أو مجلسهم والمعنى اجعلني من المجتمعين في الملأ الأعلى من الملائكة ويحتمل أن يراد بالمقام الأعلى الدرجة الرفيعة ومقام الوسيلة الذي قال أنه لا يكون إلا لعبد وأرجو أن أكون آنا خو أي ذلك العبد قال الشيخ التور بشتى ويروى في النداء الأعلى وهو الأكثر والنداء مصدر ناديته ومعناه أن ينادى به للتنويه والرفع ويحتمل أن يراد به نداء أهل الجنة وهم الأعلون رتبة ومكانا على أهل النار كما ورد في القرآن ونادى أصحاب الجنة النار آن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا الأعراف والندار الأسفل هو نداء أهل النار أهل الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله الأعراف والمعنى اجعلني من أهل الجنة واغرب ابن حجر حيث قال ويطلق على المجلس وعبر بفي لأنها أبلغ من ونظير أدخلني برحمتك في عبادك


الصالحين النمل أي اجعلني مندرجا في جملتهم مغمور في بركتهم بخلاف اجعلني منهم فإنه يصدق أن يكون من جملة عددهم وهذا ليس فيه كبير فخر ا ه ووجه غرابته أن هذا إنما يصح في الجملة على القول بأن المراد بالندي القوم كما هو ظاهر وأما إذا أريد المجلس فيتعين وجود في ولعل إيراد في ليقبل الاحتمالين وأما دعواه الأبلغية فممنوعة لأنه إذا صار واحدا منهم صدق عليه أنه مندرج فيهم بل الأبلغ في تحصيل المقصود أن يقال منهم لأنه قد يكون الشخص فيهم ولا يكون منهم إلا أن المبالغة في التواضع بفي أكثر مما في التواضع بمن ونظيره قوله واحشرني في زمرة المساكين إذ فيه من أنواع المبالغة من التواضع ما لا يخفي بل التحقيق أن أجعل متعد بنفسه إلى مفعولين كما في قوله رب اجعلني مقيم الصلاة إبراهيم ورب اجعل هذا البلد آمنا البقرة فإيراد في التضمين لجعل معنى الإيقاع كما في قوله ويجرح في عراقيها نصلي وبهذا بطل قوله ونظيره أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ءذ ليس نظيره لا لفظا ولا معنى رواه أبو داود وكذا الحاكم في المستدرك


وعن ابن عمر أن رسول الله كان إذا أخذ مضجعه أي من الليل كما في نسخة قال الحمد لله الذي كفاني أي عن الخلق أغناني وآواني بالمد أي جعل لي مسكا يدفع عني جرى وبردى وسترني عن أعدائي وأطعمني وسقاني أي اشبعني وأرواني والذي من أي أنعم علي فافضل بالفاء وفي رواية بالواو أي زاد أو أكثر أو أحسن والذي أعطاني فاجزل أي فأعظم أو أكثر من النعمة قال الطيبي الفاء فيه لتربتها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل فالإعطاء حسن وكونه جزيلا أحسن وهكذا المعنون وقدم المن لأنه غير مسبوق بعمل العبد بخلاف الإعطاء فإنه قد يكون مسبوقا به الحمد لله على كل حال أي وأعوذ بالله من حال أهل النار وفيه إشارة إلى أن سائر الحالات من المحن والبليات مما يجب الشكر عليها لأنها إما رافعة للسيئات وإما رافعة للدرجات بخلاف أحوال أهل النار فإنهم في ال المعصية في الدنيا وفي حال العقوبة في العقبى فليس هناك شكر بل صبره على حكمه وأمره ورضا بقضاء الله وقدره وهو محمود بذاته على كل حال وبصفاته في كل فعال اللهم رب كل شيء أي مربيه ومصلحه ومليكه أي ملكه ومالكه وإله كل شيء أي معبوده ومقصوده ومطلوبه ومحبوبه بلسان حاله أو ببيان قاله طوعا أو كرها أعوذ بك من النار أي مما يقرب إليها من علم أو عمل أو حال يوجب لعذاب ويقتضي الحجاب رواه أبو داود وكذا النسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك إلا أنه من حديث أنس وعن بريدة قال شكا خالد بن الوليد أي السهر إلى النبي في القاموس شكا أمره إلى الله شكوى وينون وشكاية بالكسر وشكوت ا ه فعلى اللغة الأولى التي هي الفصحى يكتب شكا بالألف وعلى الثانية بالياء بناء على القاعدة المقررة في علم الخظ فقال يا رسول الله ما أنام الليل من الأرق بفتحتين أي من أجل السهر وهو مفارقة الرجل النوم من وسواس أو من حزن أو غير ذلك فقال نبي الله إذا أويت بالقصر إلى فراشك فقل اللهم رب السموات السبع وما


أظلت أي ما أوقعت ظلها عليه ورب الأرضين بفتح الراء وبسكن
أي السبع وما أقلت أي حملت ورفعت من المخلوقات ورب الشياطين وما أضلت أي وما أضلت الشياطين من الإنس والجن فما هنا بمعنى من وفيما قبل غلب فيها غير العاقل ويمكن أن ما هنا للمشاكلة أو تنزيلا للمنزلة أو أنها في الكل بمعنى الوصيفة كن لي جارا من استجرت فلانا فأجارني ومنه قوله تعالى وهو يجير ولا يجار عليه المؤمنون أي كن لي معينا ومانعا ومجيرا وحافظا من شر خلقك كلهم جميعا حال فهو تأكيد معنوي بعد تأكيد لفظي وفي رواية من شر خلقك أجمعين أن يفرط بضم الراء أي من أن يفرط على أنه بدل اشتمال من شرهم أو لئلا يفرط أو كراهة أن يفرط أي يسبق علي أحد أي بشره منهم أي من خلقك وفي المفاتيح أي يقصد بإذا أي مسرعا أو أن يبغي بكسر الغين أي يظلم علي أحد عز جارك أي غلب مستجيرك وصار عزيزا كل من التجأ إليك وعز لديك وجل أي عظم ثناؤك يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول ويحتمل أن يكون المثنى غيره أو ذاته فيكون كقوله أنت كما أثنيت على نفسك ولا إله غيرك لا إله إلا أنت تأكيد للتوحيد وتأييدا للتفريد رواه الترمذي وقال هذا حديث ليس باسناده بالقوي والحكم بفتحتين وفي أصل السيد الحكيم بالياء وفي الهامش صوابه الحكم ابن ظهير كما في الكاشف والتقريب الراوي بتخفيف الياء قد ترك حديثه بعض أهل الحديث وفي الحصن رواه الطبراني في الأوسط وابن أبي شيبة إلا أن فيها وتبارك اسمك بدل جل ثناؤك ولا إله غيرك قال ميرك ورواه في الكبير أيضا وفيه عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك
الفصل الثالث
عن أبي مالك أن رسول الله قال إذا أصبح أحدكم فليقل أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين أي خالقهم وسيدهم ومصلحهم ومربيهم وفيه تغليب ذوي العقول لشرفهم اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه أي الظافر على المقصود ونصره أي النصرة على العدو ونوره بتوفيق العلم والعمل وبركته بتيسير الرزق الحلال الطيب وهداه أي


الثبات على متابعة الهدى ومخالفة الهوى وقال الطيبي قوله فتحه وما بعده بيان لقوله خير هذا اليوم والفتح هو الظفر بالتسلط صحرا وقهرا والنصر الإعانة والإظهار على العدو وهذا أصل معناهما ويمكن التعميم فيهما يعني فيفيد التأكيد وأعوذ بك من شر ما فيه أي في هذا اليوم وشر ما بعده واكتفى به عن سؤال خير ما بعده إشعارا بأن درء المفاسد أهم من جلب المنافع ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك بأن يقول أمسينا وأمسى الملك وخير هذه الليلة ويؤنث الضمائر رواه أبو داود قال النووي رواه أبو داود بإسناد ولم يضعفه وعن عبد الرحمن أي البصري الثقفي ولد بالبصرة سنة أربع عشرة حيث نزلها المسلمون وهو أول مولود ولد بها للمسلمين تابعي كثير الحديث سمع أباه وعليا وعنه جماعة ابن أبي بكرة بالتاء واسمه نفيع بن الحرث قال المؤلف يقال أن أبا بكرة تدلى يوم الطائف ببكرة وأسلم فكناه النبي بأبي بكرة وأعتقه فهو من مواليه قال أي عبد الرحمن قلت لأبي يا أبت بكسر التاء وفتحها أسمعك أي أسمع منك أو أسمع كلامك حال كونك تقول كل غداة أي صباح أو كل يوم وهو الأظهر لما سيأتي اللهم عافني في بدني أي لا قوي على طاعتك ونصرة دينك اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري خصهما بالذكر لأن البصر يدرك آيات الله المثبقة في الآفاق والسمع لإدراك الآيات المنزلة على الرسل فهما جامعان لدرك الأدلة النفلية والعقلية وفي تقديم السمع إيماء إلى أفضليته ومنه قوله اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعلهما الوارث منا لا إله إلا أنت إقرار بالألوهية واعتراف بالربوبية وهو كمال العبودية تكررها أي هذه الجمل أو هذه الدعوات بدل من تقول أو حال ثلاثا حين تصبح ظرف لتقول وثلاثا حين تمسي أي أيضا فقال يا بني بفتح الياء وكسرها والتصغير للشفقة سمعت رسول الله يدعو بهن أي كذلك فأنا أحب أن أستن أي أقتدي بسنته وأتتبع سيرته رواه أبو داود وكذا النسائي وابن السني وعن عبد الله


بن أبي أو في قال كان رسول الله إذا أصبح قال
أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله والكبرياء أي الصفات الذاتية والعظمة أي الصفات الفعلية لله أي وحده لا شريك له كما في الحديث القدسي الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قصمته والخلق أي الإيجاد التدريجي والأمر أي الإيجاد الآتي أو واحد الأوامر والمراد به الجنس أو واحد الأمور والمراد به التصرف والحكم أو المراد بالخلق الإيجاد بالأمر الأمد وقد يشار بالأول لعالم الصور وبالثاني لعالم المعاني ومنه أي قل الروح من أمر ربي أي والليل والنهار أي زمانهما ومكانهما وما سكن فيهما أي وتحرك فهو من باب الاكتفاء نحو سرابيل تفيكم الحر أي والبرد أو سكن بمعنى ثبت لله أي لا شريك له وفيه رمز إلى قوله تعالى وله ما سكن في الليل والنهار الأنعام وفي رواية وما يضحى فيهما لله وحده أي وما يدخل في وقت الضحوة أو ما يظهروا ويبرز فيه لا صنع لغيره في الحقيقة ولا في الصورة اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحا أي فوزا بالمطالب المناسبة لصلاح الدارين وآخره فلاحا أي ظفرا بما يوجب حسن الخاتمة وعلو المرتبة في درجات الجنة والظاهر أن المراد من الأول والآخر والأوسط استيعاب الأوقات والساعات في صرفها إلى العبادات والطاعات لحصول حسن الحالات والمعاملات في الدنيا ووصول أعلى الدرجات في الأخرى قال الطيبي رحمه الله صلاحا في ديننا بأن يصدر مناما ننخرط به في زمرة الصالحين من عبادك ثم أشغلنا بقضاء مآربنا في دنيانا لما هو صلاح في ديننا فانجحنا واجعل خاتمة أمرنا بالفوز بما هو سبب لدخول الجنة فنندرج في سلك من قيل في حقهم أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ا ه ولذا قالوا أحمع كلمة في الشريعة كلمة الفلاح أقول ولذا قال تعالى قد أفلح المؤمنون إلى آخر الآيات ثم قال أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس يا أرحم الراحمين ختم بهذا لأنه سبب لسرعة إجابة الدعاء كما جاء في حديث وروي


الحاكم في مستدركه وصححه من حديث أبي أمامة مرفوعا أن لله ملكا موكلا بمن يقول يا أرحم الراحمين فمن قالها ثلاثا قال له الملك إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل والظاهر أن قيد الثلاث لأن الغالب أن من قالها ثلاثا حضر قلبه ورحمة ربه ذكره النووي رحمه الله بحذف الألف وإثباته في كتاب الأذكار برواية ابن السني وذكره الجزري في الحصن برواية ابن أبي شيبة مع تغيير يسير وفيه وأوسطه فلاحا وآخره نجاها أسألك خير الدنيا والآخرة


وعن عبد الرحمن بن أبزى بفتح همزة وسكون موحدة بعدها زاي قال المؤلف أدرك النبي وصلى خلفه وهو معدود في الصحابة قال كان رسول الله يقول إذا أصبح أصبحنا على فطرة الإسلام أي خلفته قيل الفطرة الخلقة من الفطر كالخلقة من الخلق في أنها اسم للحالة ثم أنها جعلت اسما للخلقة القابلة لدين الحق على الخصوص ومنه قوله تعالى فأتم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها الروم وحديث كل مولود يولد على الفطرة وكلمة الإخلاص أي التوحيد الخالص المخلص من الحجاب في يالدنيا ومن العقاب في العقبى وهي كلمة التوحيد والكلمة الطيبة لا إله إلا الله محمد رسول الله ثوعلى دين نبينا محمد وهو أخص مما قبله لأن ملل الأنبياء كلهم تسمى إسلاما على الأشهر لقوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام آل عمران لقول إبراهيم أسلمت لرب العالمين البقرة ولوصيته يعقوب لبنيه فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون البقرة قال التوربشتي كذا في الحديث وهو غير ممتنع ولعله قال ذلك جهرا ليسمعه غيره فيتعلم أقول لا وجه لقوله لعل فإن الرواية متفرعة على السماع وهو لا يتحقق إلا بالجهر وعلى ملة أبينا إبراهيم وهو أبو العرب فإنهم من نسل إسماعيل ففيه تغليب أو الأنبياء بمنزلة الآباء ولذا قال تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم الأحزاب وفي قراءة شاذة وهو أب لهم وإنما احتيج لهذا التخصيص لقوله تعالى أن أتبع ملة إبراهيم حنيفا النحل أي في أصول الدين أو في بعض الفروع الكختان وبقية العشرة من السنن المشهورة حنيفا أي مائلا عن الأديان الباطلة إلى الملة الثابتة العادلة وضده الملحد والحنف والإلحاد في اللغة مطلق الميل قيل الحنيف المسلم المستقيم وغلب هذا الوصف على إبراهيم الخليل أو المراد به مسلما أي منقادا كاملا بحيث لا يلتفت ءلى غيره تعالى حتى قال لجبريل أما إليك فلا ومنه قوله بعثت بالحنفية السمحة وما كان من المشركين فيه رد على كفار العرب في قولهم نحن


على دين أبينا إبراهيم وتعريض باليهود والنصارى ثم هو مع ما قبله من الأحوال المتداخلة أتى بها تقرير أو صيانة للمعنى المراد تحقيقا عما يتوهم من أنه يجوز أن يكون حنيفا حالا منتقلة فرد ذلك التوهم بأنه لم يزل وحداوانه مثبته لأنها حال مؤكدة رواه أحمد الدارمي وكذا النسائي في سننه والطبراني في الكبير إلا أنه عند أحمد والطبراني في الصباح والمساء جميعا وعند النسائي في الصباح فقط كذا نقله الجزري وقال صاحب السلاح أخرجه النسائي من طرق ورجال إسناده رجال الصحيح


باب الدعوات المتفرقة في الأوقات
أي المختلفة مما قدر لها الشارع واعلم أن كل ما ورد من الشارع في زمن أو حال مخصوص يسن لكل أحد أن يأتي به لذلك ولو مرة للإتباع قال ابن حجر بل ويكون أفضل من غيره حتى القرآن وأن ورد لذلك الغير فضل أكثر من هذا لأن في الإتباع ما يربو على غيره ومن ثم قالوا صلاة النافلة في البيت أفضل منها في المسجد الحرام وإن قلنا بالأصح أن المضافعة تختص به ا ه وفيه بحث لأنه بإطلاقه غير صحيح لأن الدعوات والإذكار المسنونة المعينة في حال كالركوع والسجود وأمثالهما لا شك أن الإتيان بها أفضل من تلاوة القرآن حينئذ وأما غيرها من الأذكار والدعوات سواء تكون معينة أو مطلقة فلا نقول أنها أفضل من القرآن لقوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه من شغله القرآن عن ذكرى ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين
الفصل الأول
عن ابن عباس قال قال رسول الله لو أن أحدكم وفي نسخة صحيحة أحدهم ولو ما شرطية وجوابها محذوف أي لنال خيرا كثيرا وأما للتمني وجزاؤها قال إذا أراد أن يأتي أي يجامع أهله أي امرأته أو جاريته أي جماعا مباحا كما هو ظاهر ويلوح إليه أهله وإذا شرطية وحينئذ لا تحتاج إلى جواب أي تمنيت ثبوت هذا لأحدكم وأغرب ابن حجر حيث قال وللتمني وجزاؤه تقديره لو ثبت قول حين أراد أحدهم إتيان أهله لكان حسنا لأنه كان يحب لامته ما يحب لنفسه وإذا خبر أن أو ظرف لخبرها قال باسم الله أي مستعينا به وبذكر اسمه اللهم جنبينا أي بعدنا وأغرب ابن حجر بقوله أي بعد أنا وهي الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا أي حينئذ من الولد وهو مفعول ثان لجنب فإنه تعليل أي


الشأن أين يقدر بينهما ولد في ذلك أي لوقت أو الإتيان أي بسببه لم يضره بفتح الراء وضمها أي لم يضر دين ذلك الولد شيطان أي من الشياطين أو من شياطين الإنس والجن أبدا وفيه إيماء إلى حسن خاتمة الولد ببركة ذكر الله في ابتداء وجود نطفته في الرحم فالضر مختص بالكفر فلا يرد ما قيل من أن كثيرا يقع ذكر ذلك ويكون الولد غير محفوظ من الشيطان مع أنه يمكن حمله على عمومه ويكون المراد من قال ذلك مخلصا أو متصفا بشروط الدعاء أو لم يضر ذلك الولد شيطان بالجنون والصرع ونحوهما وقيل نكره بعد تعريفه أولا لأنه أراد في الأول الجنس وفي الآخر إفراده على سبيل الاستغراق والعخموم ويجوز أن يراد بالأول إبليس وبالثاني أعم أو بالثاني سائر أعوانه متفق عليه ورواه الأربعة كلهم من حديث ابن عباس عن النبي قال لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال باسم الله الخ فقضى بينهما ولد لم يضره وفي رواية البخاري لم يضره شيء أبدا قال الجزري في تصحيح المصابيح أي لم يسلط عليه في دينه ولم يظهر مضرته في حقه بنسبه غيره وقيل لم يصرعه وقيل لم يطعن فيه عند الولادة بخلاف غيره أقول لعل مراده لم يطعن طعنا شديد لأن المستثنى المطلق على ما ورد في الحديث إنما هو عيسى وأمه وأيضا هو خلاف المشاهد من أثر الطعن وهو صياح المولود عند الولادة وقال بعضهم لم يحمل أحد هذا الحديث على العموم في جميع الضرر والإغواء والوسوسة ا ه وكيف يحمل على الوسوسة وغيرها مما لا يمتنع منه إلا معصوم لكن الصادق قد أخبر بهذا فلا بد أن يكون له تأثير ظاهر وإلا فما الفائدة فيه ومن وفقه الله بالعمل بهذا فرأى من البركة في ولده تحقق أنه ما ينطق عن الهوى وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفا أنه إذا أنزل قال اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقني نصيبا ولعله يقولها في قلبه أو عند انفصاله لكراهة ذكر الله باللسان في حال الجماع بالإجماع وعنه أي عن ابن عباس أن رسول الله كان يقول عند الكرب بفتح الكاف


وسكون الراء بعدها موحدة أي الغم الذي يأخذ النفس كذا في الصحاح وقيل الكرب أشد الغم قاله الواحدي وقال ابن حجر هو ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه لا إله إلا الله العظيم أي ذاتا وصفة فلا يتعاظم عليه مسألة الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة فلم يعاجل بنقمته على من قصر في خدمته بل يكشف المضرة عنه برحمته لا إله
إلا الله رب العرش العظيم بالجر ويرفع أي فلا يطلب إلا منه ولا يسأل إلا عنه لأنه لا يكشف الكرب العظيم إلا الرب العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم بالوجهين وهذا إطناب مرغوب وإلحاح مطلوب نقل ابن التين عن الدراوردي أنه رواه برفع العظيم وكذا برفع الكريم على أنهما نعتان للرب والذي ثبت في رواية الجمهور في قوله تعالى رب العرش الكريم الموقنون بالجر وقرأ ابن محيصن بالرفع فيهما وجاء ذلك أيضا عن ابن كثير شاذا وأبي جعفر المدني وأعرب بوجهين أحدهما ما تقدم والثاني أن يكون مع الرفع نعتا للعرش على أنه خبر مبتدأ محذوف قطع عما قبله للمدح ورجح لحصول توافق الروايتين ورجح أبو بكر الأصم الأول لأن وصف الرب بالعظيم أولى من وصف العرش وفيه نظر لأن وصف ما يضاف إلى العظيم بالعظيم أقوى في تعظيم العظيم وقد نعت الهدهد عرش بلقيس بأنه عرش عظيم ولم ينكر عليه سليمان والله تعالى أعلم ثم في هذا الذكر إشارة بأنه لا يقدر أحد على إزالة الغم إلا الله قال الطيبي هذا ذكر يترتب عليه رفع الكرب وقال النووي فإن قيل هذا ذكر وليس فيه دعاء فجوابه من وجهين أحدهما إن هذا الذكر يستفتح به الدعاء ثم يقول ما شاء من الدعاء والثاني هو كما ورد من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ا ه ويؤيد الأول ما رواه أبو عوانة ثم يدعو بعد ذلك أو يقال أن الثناء يتضمن الدعاء تعريضا بألطف إيماء كمدح السائل والشاعر ومنه قول أمية بن أبي الصلت مادحا لبعض الملوك ممن يريد جائزته إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه عن


تعرضه الثناء ومن هذا القبيل أفضل الدعاء يوم عرفة لا إله إلا الله وحده الخ أو يقال الثناء باللسان والدعاء بالجنان أو بالاتكال على الملك المنان كما ورد أنه قيل للتخليل لم لا تسأل ربك الجليل فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وعن سليمان بن صرد بضم وفتح قال استب رجلان افتعال من السب أي شتم أحدهما الآخر عند النبي أي بمحضر منه ونحن عنده جلوس أي لا قيام لمنعه إياهم بقوله لا تقوموا كما يقول الأعاجم بعضهم لبعض وقوله من أراد أن يتمثل


له الرجال فليتوبأ مقعد من النار واحدهما بسب صاحبه أي سبا شديدا مغضبا بفتح الضاد حال من فاعل يسب قد احمر وجهه أي من شدة غضبه لأنه يثير في القلب حرارة عظيمة قد تقتل صاحبها بإطفائها وقد لا تفتل لانتثارها في الأعضاء خصوصا الوجه لأنه ألطفها وأقربها إلى القلب فقال النبي إني لأعلم كلمة أي بالمعنى اللغوي الشامل للجملة المفيدة لو قالها لذهب أي زال عنه ما يجد أي ما يجده من الغضب ببركتها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم والحديث مقتبس من قوله تعالى وأما ينزغك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم الأعراف قال الطيبي أي ولا تنفع الاستعاذة من أمتك إلا المتقين بدليل قوله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا أي ما أمرهم به تعالى ونهاهم عنه فإذا هم مبصرون الأعراف لطريق السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم فقالوا للرجل أي بعد سكونه لكمال غضبه لا تسمع وفي نسخة ألا تسمع ما يقول النبي أي فتمتثل وتقول ذلك قال إني لست بمجنون قال النووي رحمه الله هذا كلام من لم يهذب بأنوار الشريعة ولم يتفقه بالدين وتوهم أن الاستعاذة مخصوصة بالجنون ولم يعرف أن الغضب من نزغات الشيطان ولذا يخرج به الإنسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم ومن ثم قال لمن قال له أوصني لا تغصب فردد مرارا فقال لا تغضب ولم يزد عليه في الوصية على لا تغضب وفيه دليل على عظيم مفسدة الغضب وما ينشأ منه قال الطيبي ويحتمل أن يكون ذلك من المنافقين أو من جفاة الأعراب وفي رواية أخرى غير أني لست بمجنون فانطلق إليه رجل فقال تعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقال أترى بي بأس أمجنون أنا اذهب وفي رواية أبي داود أن ذلك الرجل هو معاذ فهذا أيضا نشأ عن غضب وقلة احتمال وسوء أدب ا ه وكونه معا ذا أن صح وأنه ابن جبل تعين تأويله بأن ذلك وقع منه قرب إسلامه ا ه أي وصدر عنه من شدة الغضب من حيث لا يدري كما تقدم من شديد الفرح وكثير الخوف لأنه رضي الله


عنه في آخر الأمر صار من أجلاء الصحابة وأكابرهم ببركة تربيته عليه الصلاة والسلام الذي هو الحبيب والطبيب للعشاق والمجانين إلى أن قال عليه الصلاة والسلام في حقه أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل وولاه اليمن مدة طويلة وقال له النبي يا معاذ أني أحب لك ما أحب لنفسي فإذا فرغت من صلاتك فقل اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ويؤيد ما تقرر فيه قوله وطلب من النبي أن يوصيه فقال له لا تغضب فأعاد ذلك فقال لا تغضب متفق عليه ورواه أبو داود والنسائي


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا سمعتم صياح الديكة بكسر الدال وفتح الباء جمع ديك كقردة جمع قرد وفيلة جمع فيل وليس حقيقة الجمع لأن سماع واحد كاف فاسألوا بالهمز ونقله أي فاطلبوا الله من فضله فإنها رأت ملكا قال القاضي عياض سببه رجاء تامين الملائكة على الدعاء واستغفارهم وشهادتهم بالتضرع والإخلاص وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين فإن عند ذكرهم تنزل الرحمة فضلا عن وجودهم وحضورهم وإذا سمعتم نهيق الحمار وفي رواية نهيق الحمير أي صوته فتعوذ بالله من الشيطان وفي رواية زيادة الرجيم فإنه رأى شيطانا ووقع في المصابيح فإنها رأت شيطانا على تأويل الدابة ورعاية المقابلة قيل هذا يدل على نزول الرحمة والبركة عند حضور أهل الصلاح فيستحب عند ذلك طلب الرحمة والبركة من الله الكريم وعلى نزول الغضب والعذاب على أهل الكفر فيستحب لاستعاذة عند مرورهم خوفا أن يصيبه من شرورهم وقال الطيبي رحمه الله الديك أقرب الحيوانات صوتا إلى الذاكرين الله لأنه يحفظ غالبا أوقات الصلاة وأنكر الأصوات صوت الحمار فإنه أقرب صوتا إلى من هو أبعد من رحمة الله تعالى ا ه ولذا شبه صوت الحمار بصباح الكفار حال كونهم في النار في قوله تعالى لهم فيها زفير وشهيق هود متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وروى أبو داود والنسائي والحاكم عن عبد الله أنه كذلك إذا سمع نباح الكلاب وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وعن ابن عمر أن رسول الله كان إذا استوى على بعيره أي استقر على ظهر مركوبه خارجا أي من البلد مائلا أو منتهيا إلى السفر كبر ثلاثا ولعل الحكمة أن المقام مقام علو وفيه نوع عظمة فاستحضر عظمة خالقه ويؤيده أن المسافر إذا صعد عاليا كبر وإذا نزل سبح ويمكن أن يكون التكبير للتعجب من التسخير ويؤيده ما ورد من حديث علي كرم الله وجهه رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان والحاكم عنه أنه عليه الصلاة


والسلام كان إذا وضع رجله في الركاب قال بسم الله فإذا استوى على ظهرها قال الحمد لله ثم قال أي قرأ كما في رواية أي قال بنية القراءة امتثالا لقوله تعال وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا الزخرف سبحان الذي سخر أي ذلل لنا هذا أي المركوب فانقاد لا ضعفا وما كنا له مقرنين أي مطيقين قبل ذلك أو لمعنى ولولا تسخيره ما كنا جميعا مقتدرين على ركوبه من أقرن له إذا أطاقه وقوي عليه وهو اعترف بعجزه وإن تمكنه من الركوب عليه إنما هو بأقدار الله تعالى وتسخيره وإنا إلى ربنا أي لا إلى غيره لمنقلبون أي راجعون واللام للتأكيد وفيه إيماء إلى أن استيلاء على مركب الحياة كهو على ظهر الدابة ولا بد من زوالها عن قرب حتى يستعد للقائه تعالى لا سيما والركوب قد يؤدى إلى الموت بتنقير الدابة ونحوه وهذا الدعاء يسن عند ركوب أي دابة كانت لسفر أو غيره فقوله تعالى من الفلك والأنعام المراد به الإبل لغالب الواقع في بلاد العرب وقول الراوي خارجا إلى السفر حكاية للحال ودلالة على ضبط المقال قال الطيبي الانقلاب إليه هو السفر الأعظم فينبغي أن يتزود له اللهم وفي رواية وقال اللهم أنا نسألك في سفرنا هذا أي السفر الحسي البر أي الطاعة والتقوى أي عن المعصية أو المراد من البر الاحسان إلى الناس أو من الله إلينا ومن التقوى ارتكاب الأوامر واجتناب الزواجر وفيه إشارة إلى قوله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى البقرة ومن العمل أي جنسه ما ترضى أي به عنا قال ابن حجر وفي نسخة قبله تحب أقول والله تعالى أعلم بصحتها قال فيكون من عطف الرديف عندنا معشر أهل السنة إذ المحبة والرضا مترادفان وهما غير المشيئة والإرادة المترادفين أيضا وفيه أنه لا خلاف في كونه عطف الرديف كما يدل عليه كلامه وإنما الخلاف في إنهما مرادفان للإرادة والمشيئة أو مغايران لهما أو بينهما عموم وخصوص وهو الصحيح كما


سيظهر لك فالمعتزلة على تلازم الإرادة والمحبة والرضا والأمر أيضا واستدلوا بقوله ولا يرضى لعباده الكفر الزمر وإن الله لا يأمر بالفحشاء الأعراف ولنا قوله تعالى ولو شاء لهداكم أجمعين الأنعام وقول السلف قاطبة قبل ظهور أهل البدعة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذا مبحث يطول فيه الكلام وليس هذا محل تحقيق المرام ومجمله مما يناسب المقام إن كتب أهل السنة مختلفة في هذه المسئلة فقال إمام الحرمين من حقق لم يقع عن القول بأن المعاصي بمحبته ونقله بعضهم بمعناه عن الأشعري لتقارب الإرادة والمحبة في المعنى اللغوي فإن من أراد شيئا أو شاء فقد رضيه وأحبه قال ابن الهمام وهذا الذي قاله إمام الحرمين خلاف كلمة أكثر أهل السنة ا ه وقال شارح العقيدة المنظومة لليافعي إن الإرادة والمشيئة والمحبة والرضا معناها واحد عند جمهور أهل السنة وقال بعضهم ومنهم ابن السبكي في جمع الجوامع إن الإرادة والمشيئة متفقات في المعنى والمحبة والرضا وغيرهما


واستدل بقوله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر الزمر وبقوله ولو شاء ربك ما فعلوه الأنعام وأجاب الجمهور بأنه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر لأنه لم يرده لهم ويرضاه للكفار لأنه أراده لهم أو أنه لا يرضاه شرعا ودينا يثبت عليه ويرضاه معصية ومخالفة يعاقب عليها ا ه وحاصله أن النفي والإثبات واردان على شيئين مختلفين بالحيثية مع إنهما واحد في الحقيقة كما قيل في الإشكال المشهور من أن الرضا بالقضاء محببا واجب والرضا بالكفر كفر مع أن الكفر بالقضاء محببا بأنه يرضى بالكفر من حيث إنه فعل الله ولا يرضى به من حيث أنه كسب العبد وقال استاذنا الشيخ عطية السلمي رحمه الله في تفسيره إن ما تعلق به الثواب يقال فيه إن الله رضيه وأحبه ويقال فيه أيضا أراده وشاءه وما يتعلق به العقاب يقال فيه إن الله أراده وشاءه ولا يقال أحبه ورضيه بل يقال كرهه ونهى عنه ومعنى ذلك أنه لا يثيب عليه لا أنه يقع عليه قهرا كسائر مكروهات العباد فإن العبد يقع عليه المكروه عليه قهرا ول قدر على دفعه دفعه الله والله يتعالى عن هذا المعنى وهذا مذهب كثير من السلف قال قتادة والله ما رضي الله لعبد ضلالة ولا أمره بها ولا دعاه إليها وقال ابن عباس والسدى وجماعة إن الله يرضى الكفر للكافرين كما يرضى الإيمان للمؤمنين ا ه والحق أن الخلاف لفظي والله تعالى أعلم اللهم هون علينا سفرنا مفعول لهون أو ظرفه والمفعول مقدر أي يسر أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا في سفرنا هذا أي بالخصوص لأن الصوفي ابن الوقت ويمكن أن تكون الإشارة في الظاهر إلى السفر الظاهري وفي الباطن إيماء إلى السير الباطني كما ورد عنه كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وأشار الشاطبي بقوله قريبا غريبا وفي كلام الصوفية يعبرون عنها بكائن بائن وعرش فرش ولاهوتي ناسوتي واطولنا بعده أمر من الطي أي قرب لنا بعد هذا السفر واجعل هذا السفر مقضي الوطر وفيه رمز إلى طي المكان والزمان واللسان على مصطلح أهل


العرفان قال ابن حجر اطولنا بعده حقيقة إذ ورد إن لله ملائكة يطوون الأرض للمسافر كما تطوى القراطيس أو المراد خفف علينا مشاقه اللهم أنت الصاحب في السفر أي الحافظ والمعين والصاحب في الأصل الملازم والمراد مصاحبة الله إياه بالعناية والحفظ والرعاية فنبه بهذا القول على الاعتماد عليه والاكتفاء به عن كل مصاحب سواه وقد ورد في الحديث القدسي إنا يدك اللازم فلازم يدك والخليفة في الأهل الخليفة من يقوم مقام أحد في إصلاح أمره قال التور بشتى المعنى أنت الذي أرجوه واعتمد عليه في سفري بأن يكون معيني وحافظي وفي غيبتي عن أهلي أن تلم شعثهم وتداوى سقمهم وتحفظ عليهم دينهم وأمانتهم اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر بفتح الواو وسكون العين أي مشتقه وشدته وكآبة المنظر بالمد أي سوء الحال وتغير النفس في


النهاية الكآبة تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن وقيل المراد منه الاستعاذة من كل منظر يعقب النظر إليه الكآبة عند النظر إليه والمنظر بفتح الظاء في الأصول المصححة وهو مصدر أي من تغير الوجه بنحو مرض والنفس بالانكسار مما يعرض لها مما يحبه مما يورث الهم والحزن وأما قول ابن حجر والمنظر بكسر الظاء ما نظرت إليه فأعجبك ويصح إرادته هنا فغير صحيح لمخالفته الرواية والدراية مع أن صاحب القاموس ذكر أن المنظر والمنظر ما نظرت إليه فأعجبك أو ساءك فلم يقيده بالكسر في اللفظ وعمم في المعنى والله تعالى أعلم وسوء المنقلب بفتح اللام مصدر ميمي أي من سوء الرجوع بأن يصيبنا حزن أو مرض في المال والأهل مثل أن يعود غيره مقضى الحاجة أو لنائبة أصابته في النفس كمرض أو المال كسرقة كله أو بعضه والأهل أي الزوجة والخدم والأقارب كمرض أحدهم أو فقده وفي الفائق كآبة المنقلب أن ينقلب إلى وطنه فيلقى ما يكتئب منه من أمر أصابه في سفره أو فيما يقدم عليه وإذا رجع أي النبي من سفره قالهن أي الكلمات والجمل المذكورات وهي اللهم إنا نسألك الخ وزاد فيهن أي في جملتهن بأن قال بعدهن آيبون بهمزة ممدودة بعدها همزة مكسورة اسم فاعل من آب يؤب إذا رجع أي راجعون من السفر بالسلامة إلى أوطاننا أو من الغيبة إلى الحضور أو من الغفلة إلى الذكر تائبون أي من المعصية إلى الطاعة والظاهر أن التقدير نحن آيبون تائبون على وجه الأخبار تحدثا بنعمة الله وقصد الثبات على طاعة الله وأما قول ابن حجر إنه خبر بمعنى الدعاء فغير صحيح خصوصا بالنسبة إليه وأكثر أصحابه في تائبون وكذا في قوله عابدون وقوله وكذا عابدون أي وفقنا في رجوعنا هذا للعبادة تكلف بل تعسف وكذا في قوله لربنا حامدون وسيأتي الكلام عليه لربنا متعلق بما قبله وهو عابدون أو بما بعده وهو حامدون ويحتمل التنازع أي مخلصون العبادة لربنا شاكرون له على هذه النعم وغيرها قال الطيبي لربنا يجوز أن يتعلق


بقوله عابدون لأن عمل اسم الفاعل ضعيف فيقوى به أو بحامدون ليفيد التخصيص أي نحمد ربنا لا نحمد غيره وهذا أولى لأنه كالخاتمة للدعاء ا ه وأغرب ابن حجر وناقض كلامه الأول فيما سبق أنه خير بمعنى الدعاء بقوله هنا لا لغيره حامدون مبتدأ مؤخر فهو خبر بمعنى إنشاء الثناء على الله وحده ا ه وفيه خطأ آخر لأن حامدون ليس مبتدأ خبره لربنا مقدم عليه كما توهم لعدم صحة الحمل مع أن صريح كلامه من قوله لربنا لا لغيره يرد عليه والصواب أن تائبون وما بعدها أخبارا لمبتدأ مقدر وهو نحن بحذف العاطف نحو قوله تعالى وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد البروج وهذه اللام نظيرها إلا إنها قدمت في الحديث لإفادة الحصر وأخرت في الآية لمراعاة الفواصل والعلم عند الله تعالى وأعجب من هذا قوله وما قررته في لربنا أولى وأظهر من تعليقه بعابدون لأن خاتمة الدعاء بالحمد سنة مؤكدة وتعليقه بعابدون بعيد عن السياق ا ه ووجه التعجب أن هذا الذي قرره هو بعينه قول الطيبيف العجب أنه ذهب إلى مذهب ما حصل فيه إلا التعب رواه مسلم


وعن عبد الله بن سرحجس بفتح السين وكسر الجيم على وزن نرجس وقيل بفتح الجيم مصروفا قال كان رسول الله إذا سافر يتعوذ أي بالله ومن وعثاء السفر أي مشقته الشاغلة عن الذكر والفكر وشدته المانعة من حضور القلب مع الرب قيل السفر قطعة من سفر وفيه تعميمة لطيفة من جهة الكآبة والحساب فتأمل تدركهما على وجه الصواب وفي الحديث السفر قطعة من العذاب أي نوع من عذاب النار وهو المذكور قوله تعالى سأرهقه صعود المدثر أي سأكلفه عقبة شاقة المصعد قال البيضاوي هو مثل لما يلقى من الشدائد والصحيح أنه على حقيقته لما في الحديث أنه جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا يهوى فيه كذلك أبدا رواه أحمد والترمذي والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد بسند صحيح وكآبة المنقلب في الفائق هو أن ينقلب إلى وطنه فيلقى ما يكتئب منه أمر أصابه في سفر أو فيما يقدم عليه ا ه وفيه إيماء إلى رجوعه من سفر الدنيا إلى وطن الأخرى وهو بالاستعاذة أولى وأحرى ومنه قوله تعالى وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون الشعراء والحور بعد الكور بفتح فسكون فيهما والحاء مهملة أي النقصان بعد الزيادة والتفرق بعد الاجتماع وقيل من فساد الأمور بعد إصلاحها وقيل الرجوع عن الجماعة بعد إن كان فيهم قال الطيبي وفيه نظر لأن استعمال لكور في جماعة الإبل خاصة وربما استعمل في البقر والجواب أن باب الاستعارة غير مسدود فإن العطن مختص بالإبل فيكنون عن ضيق الخلق بضيق العطن على إنهم يستعملون ألفاظا مقيدة فيما لا قيد له كالمرسن لأنف الانسان والمشفر للشفة ا ه ويسمونه التجريد وأصل الحور نقض العمامة بعد لفها وأصل الكور من كور العمامة على رأسه يكورها كورا أ لفها وكل دور كور ومنه قوله تعالى يكور الليل على النهار الزمر وقوله إذا الشمس كورت التكوير إذا لفت وألقيت في النار زيادة في نكال عابديها قال المظهر الحور والنقصان والكور الزيادة أي نعوذ بك من نقصان الحال والمال بعد زيادتهما وتمامهما أي من


أن ينقلب حالنا من السراء إلى الضراء ومن الصحة إلى المرض ا ه ويمكن أن يقال أي من التنزل بعد الترقي أو من الرجوع إلى المعصية بعد التوبة أو إلى الغفلة بعد الذكر أو إلى الغيبة بعد الحضور ولذا قال العارف ابن الفارض
ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوا حكمت بردتي وروى والحور بعد الكون بالنون في الثاني أي الرجوع في الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها والكون الحصول على هيئة جميلة يريد التراجع بعد الإقبال قال ميرك واعلم أنه وقع في معظم نسخ مسلم بالنون وكذا ضبطه الحافظ لعله المنذري وروى بالراء ومعناه النقصان بعد الزيادة وقيل من الشذوذ بعد الجماعة أو من الفساد بعد الصلاح أو من القلة بعد الكثرة أو من الإيمان إلى الكفر أو من الطاعة إلى المعصية وكأنه من كار عمامته إذا لفها على رأسه فاجتمعت وإذا نقضها فانفرقت وبالنون قال أبو عبيد من قولهم حار بعدما كان أ أنه كان على حالة جميلة فرجع عنها ووهم بعضهم رواية النون والله تعالى أعلم ودعوة المظلوم أي فإنه ليس بينها وبين الله حجاب قال الطيبي فإن قلت دعوة المظلوم يحترز عنها سواء كانت في الحضر أو السفر قلت كذلك الحور بعد الكور لكن السفر مظنة البلايا والمصائب والمشقة فيه أكثر فحصت به ا ه ويريد به أنه حينئذ مظنة للنقصان في الدين والدنيا وباعث على التعدي في حق الرفقة وغيرهم لا سيما في مضيق الماء كما هو مشاهد في سفر الحج فضلا عن غيره ولذا كان يسميه بعض المشايخ السنة التي عصيت الله فيها وقد رجع بعضهم عن طريق مكة لهذا وبهذا يندفع كلام ابن حجر معترضا على الطيبي بقوله وهو عجيب لأن جوابه لا يلاقي السؤال أصلا فتأمل أو يقال أن المظلوم إذا كان مسافرا يكون دعاؤه أقرب إلى الإجابة لاجتماع الكربة والغربة وسوء المنظر بفتح الظاء في الأهل والمال أي من أن يطمع ظالم أو فاجر في المال والأهل رواه مسلم وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه وعن خولة بنت حكيم أي امرأة عثمان بن


مظعون وكانت صالحة فاضلة ذكرها المؤلف في الصحابيات وليس لها في الكتب سوى هذا الحديث قالت سمعت رسول الله يقول مر تزل منزلا قال ابن حجر في سفره أقول وكذا في حضره إ لا وجه للتقييد مع التنكير فقال أعوذ بكلمات الله التامات أي الكاملات التي لا يدخلها نقص ولا عيب وقيل النافعة الشافية وقيل القرآن ذكره النووي والأظهر أن المراد أسماؤه وصفاته أو كتبه فإنها قديمة لا نقص فيها وقيل أي بكلامه النفسي أو علمه أو أقضيته وأما قول ابن حجر أي بشؤنه المشار إليها بكل يوم أي وقت هو في شان فغير صحيح لفظا لعدم إطلاق الكلمة


على الشان و