Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب المناسك
جمع المنسك بفتح السين وكسرها وقرىء بهما في السبعة قوله تعالى لكل أمة جعلنا منكسا الحج وهو مصدر ميمي من نسك ينسك إذا تعبد ثم سميت أفعال الحج كلها مناسك وقال الطيبي النسك العبادة والناسك العابد اختص بأعمال الحج والمناسك مواقف النسك وأعمالها والنسيكة مخصوصة بالذبيحة هذا والحج بالفتح والكسر كما قرىء بهما قوله تعالى ولله على الناس حج البيت آل عمران في السبعة لغة القصد وقيل القصد إلى ما يعظم وقيل مرة بعد أخرى وفي القاموس قصد مكة للنسك والظاهر أنه معنى اصطلاحي قال ابن الهمام وشرعا قصد البيت لأداء ركن من أركان الدين والظاهر أنه عبارة عن الأفعال المخصوصة من الطواف والوقوف في وقته محرما بنية الحج سابقا ا ه ولا يخفي أن الأحرام عبارة عن النية والتلبية فقوله بنية الحج مستدرك وقوله سابقا أي حال كون الإحرام المقرون بالنية متقدما على الأفعال لأنه شرط على مذهبنا وأما سبب الحج فهو البيت لأنه يضاف إليه وفي معالم التنزيل اختلف العلماء في قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس آل عمران فقال بعضهم هو أول ببيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكانت زبدة بيضاء على الماء قد حيت الأرض من تحتها هذا قول عبد الله بن عمرو مجاهد وقتادة والسدي وهو المشهور وقال بعضهم هو أول بيت بنى في الأرض روي عن علي بن الحسين أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور وأمر الملائكة أن يطوفوا به ثم أمر الملائكة الذين هم سكان الأرض أن يبنوا بيتا في الأرض على مثاله وقدره فبنوا واسمه الضراح وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام فكانوا يحجونه فلما حجة آدم قالت الملائكة برحجك حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وهو فرض بالكتاب والسنة والإجماع وجاحده كافر عند الكل بلا نزاع ثم اعلم أن الجن تبع للإنس فيما كلفوا به وقد


يشملهم لفظ الناس في الآية والحديث نظر البعض مأخذا اشتقاقه على ما في القاموس ونحوه ثم اختلف في أن الحج كان واجبا على الأمم قبلنا أم وجوبه مختص بنا لكمالنا والأظهر الثاني واختار ابن حجر الأول واستدل بقوله ما من نبي إلا وحج البيت فهو من الشرائع القديمة وجاء أن آدم عليه الصلاة والسلام حج أربعين سنة من الهند ماشيا وأن
جبريل قال له أن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بالكعبة سبعة آلاف سنة وهذا كما ترى لا دلالة فيه على إثباته ولا على نفيه وإنما يدل على أنه مشروع فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا يلزم من كونه مشروعا أن يكون واجبا مع أن الكلام إنما هو في الأمم قبلنا ولا يبعد أن يكون واجبا على الأنبياء دون أممهم فيكون هذا من خصوصيات الأنبياء واتباع سيد الأصفياء كما حقق في باب الوضوء وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام لما بلغ عسفان في حجة الوداع قال يا أبا بكر أي واد هذا قال وادي عسفان قال لقد مر به هود وصالح على بكر بن أحمرين خطمهما الليف وازرهم العباء أرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق رواه أحمد والبكر الفتي من الإبل والنمار البرد الأبلق من الصوف يليه الأعراب وروي مسلم لما مر بوادي الأزرق أي في حجة الوداع قال كأني أنظر إلى موسى من الثنية واضعا أصبعيه في أذنيه مارا بهذا الوادي وله جوار إلى الله بالتلبية وهذا الوادي بينه وبين مكة نحو ميل وجاء في خبر عن عيسى ليهلن ابن مريم بفج الروحاء فدل على أن الأنبياء أحياء حقيقة ويريدون أن يتقربوا إلى الله في عالم البرزخ من غير تكليفهم كما أنهم يتقربون إلى الله بالصلاة في قبورهم ففي صحيح مسلم عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام رأى موسى قائما في قبره يصلي وفي رواية البخاري ذكر إبراهيم وفي أخرى لمسلم ذكر يونس
الفصل الأول


عن أبي هريرة قال خطبنا أي وعظنا أو خطب لنا عام فرض الحج فيه أو ذكر لنا في أثناء خطبة له رسول الله فقال يا أيها الناس قد فرض بصيغة المجهول عليكم الحج فحجوا فحج بالناس سنة ثمان وهي عام الفتح عتاب بن أسيد وحج بهم أبو بكر في سنة تسع من الهجرة وكانت حجته سنة عشر كذا ذكره الشمني وقال ابن الهمام فرضية الحج كانت سنة تسع أو سنة خمس أو سنة ست وتأخيره عليه الصلاة والسلام ليس يتحقق فيه تعريض الفوات وهو الموجب للفور لأنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويعلم الناس مناسكهم


تكميلا للتبليغ ا ه والأظهر أنه عليه الصلاة والسلام أخره عن سنة خمس أو ست لعدم فتح مكة وأما تأخيره عن سنة ثمان فلأجل النسيء وأما تأخيره عن سنة تسع فلما ذكرنا في رسالة مسماة بالتحقيق في موقف الصديق وهذا وقيل وجب قبل الهجرة وقيل غير ذلك حتى تحصل أحد عشر قولا وقال ابن الأثير كان عليه الصلاة والسلام يحج كل سنة قبل أن يهاجر ويوافقه قول ابن الجوزي حج حججا لا يعلم عددها وأخرج الحاكم بسند صحيح عن الثوري أنه عليه الصلاة والسلام حج قبل أن يهاجر حججا وأما ما روى الترمذي عن جابر أن النبي حج قبل أن يهاجر حجتين وفي رواية لابن ماجة والحاكم ثلاثا فمبنى على علمه ولا ينافي إثبات زيادة غيره فقال رجل يعني الأقرع بن حابس أكل عام بالنصب لمقدر أي تأمرنا أن نحج بكل عام أو أفرض علينا أن نحج كل عام يا رسول الله قيل إنما صدر هذا السؤال عنه لأن الحج في تعارفهم هو القصد بعد القصد فكانت الصيغة موهمة للتكرار والأظهر أن مبنى السؤال قياسه على سائر الأعمال من الصلاة والصوم وزكاة الأموال ولم يدر أن تكراره كل عام بالنسبة إلى جميع المكلفين من جملة المجال كما لا يخفى على أهل الكمال فسكت أي عنه أو عن جوابه أو لأن السكوت جواب الجاهل فإن حسن السؤال نصف العلم حتى قالها أي الأقرع الكلمة التي تكلمها ثلاثا قيل إنما سكت زجراله عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى لأن النبي لم يكن يسكت عما تحتاج الأمة إلى كشفها فالسؤال عن مثله تقدم بين يدي رسول الله وقد نهوا عنه لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا الا تقدموا بين يدي الله ورسوله الحجرات والإقدام عليه ضرب من الجهل ثم لما رآه لا ينزجر ولا يقنع إلا بالجواب الصريح صرح به فقال لو قلت نعم أي فرضا وتقديرا أولا يبعد أن يكون سكونه عليه الصلاة والسلام انتظار للوحي أو الإلهام وقال الطيبي قيل دل على أن الإيجاب كان مفوضا إليه ورد بأن قوله لو قلت نعم أعم من أن يكون من تلقاء نفسه أو بوحي


نازل أو برأي يراه أن جوزنا له الاجتهاد ذكره الطيبي وفيه أن التفويض إليه أيضا أعم فلا يكون مردودا مع أن القول من تلقاء نفسه مجردا عن وحي جلي أو خفي مردود لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى النجم لوجبت أي هذه العبادة أو فريضة الحج المدلول عليها بقوله فرض أو الحجة كل عام أو حجات كثيرة على كل أحد وفي بعض الروايات لوجب بغير تاء أي لوجبت الحج كل عام ولما استطعتم أي وما قدرتم كلكم إتيان الحج في كل عام ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ثم قال ذروني أي اتركوني ما تركتكم أي مدة تركي إياكم من التكليف فإنما هلك وفي نسخة أهلك بالهمزة على بناء المجهول من كان قبلكم أي من اليهود والنصارى بكثرة سؤالهم


كسؤال الرؤية والكلام وقضية البقرة واختلافهم عطف على الكثرة لا على السؤال لأن نفس الاختلاف موجب للهلاك من غير الكثرة على أنبيائهم يعني إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال أو قبله واختلفوا عليهم فهلكوا واستحقوا الإهلاك وإذا أمرتكم بشيء أي من الفرائض فأتوا منه أي افعلوا ما استطعتم فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله قال الطيبي رحمه الله هذا من أجل قواعد الإسلام ومن جوامع الكلم ويندرج فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإنه إذا عجز عن بعض أركانها وشروطها يأتي بالباقي منها وإذا نهيتكم عن شي أي من المحرمات فدعوه أي اتركوه كله حتى قيل إن التوبة عن بعض المعاصي غير صحيحة مع أن الصحيح صحتها رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة قال سئل رسول الله أي العمل أي الأعمال أفضل قال الطيبي رحمه الله قد اختلفت الأحاديث في مفاضلة الأعمال على وجه يشكل التوفيق بينها والوجه بينا في أول كتاب الصلاة قال إيمان التنكير للتخفيم بالله ورسوله والإيمان هو التصديق القلبي وهو من أعمال الباطن قيل ثم ماذا قال الجهاد التعريف للعهد قال الطيبي رحمه الله والمراد به الجهاد الخاص وفي نسخة جهاد في سبيل الله لأن المجاهد لا يكون إلا مصليا وصائما قيل ثم ماذا قال حج مبرور أي مقبول قال الطيبي رحمه الله بره أي أحسن إليه يقال بر الله عمله أي قبله كأنه أحسن إلى عمله بقبوله وقيل أي مقابل بالبر وهو الثواب وهو الذي لم يخالطه شيء من المآثم وفي الدر للسيوطي رحمه الله أخرج الأصبهاني عن الحس أنه قيل له ما الحج المبرور قال أن يرجع زاهد في الدنيا راغبا في الآخرة ا ه وبهذا يظهر لك وجه الترتيب في الأفضلية إذ لا نزاع في أن الإيمان أفضل مطلقا ثم الجهاد إذ لا يكون عادة إلا مع الاجتهاد في العبادة وزيادة الرغبة في الآخرة بالسعي إلى وسيلة سعادة الشهادة ثم الحج الجامع بين العبادة البدنية والمالية ومفارقة الوطن والمألوف وترك الأهل والولد وغير ذلك على


الوجه المعروف أو يقال ذكره على ترتيب فرضيتها فوجب الجهاد بعد الإيمان ثم فرض الحج تكملة للأركان قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم المائدة متفق عليه
وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من حج لله أي خالصا له تعالى فلم يرفث أي في حجة بتثليث الفاء والضم أشهر قال السيوطي رحمه الله الرفث يطلق على الجماع وعلى التعريض وعلى الفحش في القول وهو المراد هنا وفاؤه مثلثة في الماضي والمضارع والأفصح الفتح في الماضي والضم في المضارع ولم يفسق بضم السين أي لم يفعل فيه كبيرة ولا أصر على صغيرة ومن الكبائر ترك التوبة عن المعاصي قال تعالى ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون الحجرات رجع كيرم ولدته أمه بفتح الميم وقيل بالجر قال الطيبي رحمه الله أي مشابها في القراءة عن الذنوب لنفسه في يوم ولدته أمه فيه والرفث التصريح بذكر الجماع وقال الأزهري هو كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة وقيل الرفث في الحج إتيان النساء والفسوق السباب والجدال المماراة مع الرفقاء والخدم ولم يذكر الجدال في الحديث اعتمادا على الآية أو لدخوله في الفسق أو الرفث وقيل لأن المراد به النهي لا النفي وقال ابن الملك الرفث الفحش من القول وكلام الجماع عند النساء والفسق هو الخروج عن حد الاستقامة يعني العصيان ويوم مبني على الفتح مضاف إلى الجملة التي بعدها وقيل رجع بمعنى صار خبره كيوم ويجوز أن يكون على معناه الموضوع له فيكون كيوم حالا أي رجع إلى وطنه مثابها يوم بيوم ولادته في خلوه من الذنوب لكن على هذا يخرج المكي عما ذكر في الحديث ويجوز أن يكون بمعنى فرغ من أعمال الحج ا ه وقد بنى هذا الحديث على قوله تعالى وسبعة إذا رجعتم البقرة على خلاف بيننا وبين الشافعي في معنى الرجوع وهو غير لازم هنا فنقول في الحديث رجع إلى بيته فلا يخرج المكي فتأمل متفق عليه اعلم أن ظاهر الحديث يفيد غفران الصغائر والكبائر السابقة لكن الإجماع أن المكفرات مختصة بالصغائر من


السيئات التي لا تكون متعلقة بحقوق العباد من التبعات فإنه يتوقف على إرضائهم مع أن ما عدا الشرك تحت المشيئة وقد كتبت رسالة مستقلة في تحقيق هذه المسألة ثم اعلم أن من حج بقصد الحج والتجارة كان ثوابه دون ثواب التخلي عن التجارة وكان القياس أن لا يكون للحاج التاجر ثواب لقوله عليه الصلاة والسلام من حج لله أي خالصا لرضاه إلا أنه صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس تحرجوا من التجارة وهم حرم بالحج فأنزل الله ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم البقرة وصح عن ابن عمر إن رجلا سأل أن يكري جماله للحج ويحج وأن


ناسا يقولون له لا حج لك فقال أن رجلا جاء إلى النبي فسأله عما سألتني عنه حتى نزلت هذه الآية ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فأرسل إليه فقرأها عليه وقال لك حج وجاء بسند حسن عن ابن عباس أن رجلاف سأله فقال لو آخر نفسي من هؤلاء القوم فانسك إلى أجر قال أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب البقرة والله اللهم بالصواب وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله العمرة أي المنضمة أو الموصولة أو المنتهية إلى العمرة كفارة لما بينهما أي من الصغائر والحج المبرور ليس له جزاء أي ثواب إلا الجنة بالرفع أو النصب وهو نحو ليس الطيب إلا المسك فءن بني تميم يرفعونه حملا لها على ما في الإهمال عند انتقاض النفي كما حمل أهل الحجاز ما على ليس كذا في معنى اللبيب متفق عليه والعمرة بالضم والسكون على ما تواتر في القراءات وثبت في اللغات وأغرب ابن حجر رحمه الله في قوله العمرة بضم فسكون أو ضم وبفتح فسكون وهي لغة الزيارة وشرعا قصد الطواف والسعي وعن ابن عباس قال قال رسول الله إن عمرة في رمضان أي كائنة تعدل حجة أي تعادل وتماثل في الثواب وبعض الروايات ححة معي وهو مبالغة في إلحاق الناقص بالكامل ترغيبا وفيه دلالة على أن فضيلة العبادة تزيد بفضيلة الوقت فيشمل يومه وليله أو بزيادة المشقة فيختص بنهاره والله أعلم ثم قيل المراد عمرة آفاقية ولا تجوز العمرة المكية عند الحنبلية ويؤيدهم سبب ورود الحديث وهو أن امرأة شكت إليه تخلفها عن الحج معه فقال لها اعتمري وكان ميقات تلك المرأة ذا الحليفة وأيضا لم يحفظ عنه إيقاعها في رمضان مع إدراكه أياما منه في مكة بعد فتحها مع ما قيل من أنه دخل مكة من غير إحرام بها وإنما وقع عمرة كلها في ذي القعدة وقيل قد اعتمر في رجب على ما قاله ابن عمر وأنكرته عائشة رضي الله عنها وقد ذهب مالك وتبعه المزني أنها لا تجوز في العام


إلا مرة واحدة إلا أن علماءنا والشافعي رحمه الله ذهبوا إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والله أعلم ثم العمرة بوقوع أفعالها في رمضان لا إحرامها كما مال إليه ابن حجر فتدبر متفق عليه وعنه أي عن ابن عباس قال إن النبي لقي ركبا بفتح الراء وسكون الكاف جمع راكب أو اسم جمع كصاحب وهم العشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر دون بقية الدواب ثم اتسع لكل جماعة بالروحاء بفتح الراء موضع من أعمال الفروع على نحو من أربعين ميلا من المدينة وفي كتاب مسلم ستة وثلاثين ميلا منها فقال من القوم بالاستفهام قالوا أي بعضهم المسلمون أي نحن المسلمون فقالوا من أنت قال أي النبي رسول الله أي أنا فرفعت إليه امرأة صبيا أي أخرجته من الهودج رافقة له على يديها فقالت ألهذا أي يحصل لهذا الصغير حج أي ثوابه قال نعم أي له حج النقل ولك أجر أي أجر السببية وهو تعليمه إن كان مميزا أو أجر النيابة في الإحرام والرمي والإيقاف والحمل في الطواف والسعي إن لم يكن مميزا رواه مسلم وعنه أي عن ابن عباس قال إن امرأة من خثعم بفتح الخاء المعجمة والعين المهملة أبو قبيلة من اليمن سموا به ومجوز منعه وصرفه قالت في صدر الحديث أن الفضل بن عباس كان رديف النبي فجعل ينظر إليها وتنظر إليه وجعل رسول الله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر وقال يا ابن أخي هذا يوم من ملك فيه بصره إلا من حق وسمعه إلا من حق ولسانه إلا من حق غفر له أخرجه البيهقي كذا في الدر للسيوطي فقالت يا رسول الله أن فريضة الله على عباده في الحج أي في أمره وشأنه ويمكن في بمعنى من البيانية أدركت أي


الفريضة أبي مفعول شيخا حال كبيرا نعت له قال الطيبي رحمه الله بأن أسلم شيخا وله المال أو حصل له المال في هذا الحال لا يثبت على الراحلة نعت آخر أو استئناف مبين أي لا يقدر على ركوبها قال ابن الملك وفيه دليل على وجوب الحج على الزمن والشيخ العاجز عن الحج بنفسه وهو قول الشافعي رحمه الله ا ه يعني خلافا لأبي حنيفة قال ابن الهمام رحمه الله يعني إذا لم يسبق الوجوب حالة الشيخوخة بأن لم يملك ما يوصله إلا بعدها وظاهر الرواية عنهما يجب الحج عليه إذا سلك الزاد والراحلة ومؤنة من يرفعه ويضعه ويقوده إلى المناسك وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة وإذا عجز وجب عليه ما لا حجاج للزومه الأصل وهو الحج بالبدن فيجب عليه البدل وهو الأحجاج وجه قولهما حديث الخثعمية إن فريضة الحج أدركت أبي وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة أفأحج عنه قال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان يجزىء عنه قالت نعم قال فدين الله أحق ولنا قوله تعالى من استطاع إليه سبيلا آل عمران قيد الإيجاب به والعجز لازم مع هذه الأمور لا الاستطاعة أفأحج عنه أي أيصح مني أن أكون نائبة عنه فأحج عنه قال نعم دل على أن حج المرأة يصح عن الرجل وقيل لا يصح لأن المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل وقال مالك وأحمد رحمهما الله لا يجوز الحج عن الحي سواء وجد المال قبل العجز أو بعده كذا ذكره المظهر والظاهر أن معنى الحديث هو أن فرضية الحج أدركت أبي وهو عاجز أيصح مني إن أحج عنه تبرعا قال نعم ثم في الحديث دليل على أن الحج يقع عن الآمر وهو مختار شمس الأئمة السرخسي رحمه الله وجمع من المحققين وهو ظاهر المذهب وذلك أي المذكور جرى في حجة الوداع بفتح الواو وقيل بكسرها سميت بذلك لأنه ودع الناس فيها ولم يحج بعد الهجرة غيرها وكانت في سنة عشر من الهجرة متفق عليه وعنه أي عن ابن عباس قال أتى رجل النبي فقال إن أختي نذرت أن تحج وأنها بالكسر ماتت فقال النبي لو كان عليها


دين أكنت قاضيه بالإضافة قال نعم قيل في الحديث دليل على أن السائل ورث منها فسأل ما سأل فقاس رسول الله حق الله على حق العباد قال فاقض دين الله فهو أحق بالقضاء أي من دين العباد وهذا الإجمال لا ينافي التفصيل الفقهي عندنا أنه إنما يجب إلا حجاج على الوارث إذا أوصى الميت وإلا فيكون تبرعا
ثمتفق عليه وروى مسلم إن امرأة قالت يا رسول الله إن أمي ماتت ولم تحج قط أفأحج عنها قال حجي عنها وصح أيضا أن رجلا من خثعم قال يا رسول الله إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الراحلة والحج مكتوب عليه أفأحج عنه قال أنت أكبر ولد قال نعم قال أرأيت لو كان على أبيك دين تقضيه عنه أكان ذلك يجزىء عنه قال نعم قال فأحج عنه وعنه أي عن ابن عباس قال قال رسول الله لا يخلون أكد النهي مبالغة رجل امرأة أي أجنبية ولا تسافرن أي مسيرة ثلاثة أيام بلياليها عندنا امرأة أي شابة أو عجوزة إلا ومعها محرم قال ابن الهمام في الصحيحين لا تسافر امرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم وفي لفظ لهما فوق ثلاث وفي لفظ البخاري ثلاثة أيام وفي رواية البزار لا تحج امرأة إلا ومعها ذو محرم قال ابن الملك فيه دليل على عدم لزوم الحج عليها إذ لم يكن معها محرم وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد وقال مالك رحمه الله تعالى يلزمها إذا كان معها جماعة النساء وقال الشافعي رحمه الله يلزمها إذا كان معها امرأة ثقة ا ه وقال الشمني مذهب مالك إذا وجدت المرأة صحبة مأمونة لزمها الحج لأنه سفر مفروض كالهجرة ومذهب الشافعي إذا وجدت نسوة ثقات فعليها أن تحج معهن ثم قال واعلم أنه يشترط في المرأة أيضا أن لا تكون معتدة والمراد بالمحرم من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب قرابة أو رضاع أو مصاهرة بشرط أن يكون مكانها ليس بمجوسي ولا غير مأمون فقال رجل يا رسول الله أكتبت بصيغة المجهول المتكلم من باب الافتعال في غزوة كذا وكذا قال الطيبي رحمه الله أي كتب وأثبت اسمي فيمن يخرج فيها


يقال أكتبت الكتاب أي كتبته ويقال كتبت الرجل إذا كنب نفسه في ديوان السلطان واكتتب أيضا إذا طلب أن يكتب ف يالزمني ولا يندب للجهاد وخرجت امرأتي أي أرادت أن تخرج ماجة أي محرمة للحج أو قاصدة له يعني وليس معها أحد من المحارم قال اذهب فاحجج بضم الجيم الأولى مع امرأتك وفي رواية البزار قال ارجع فحج معها قال الطيبي رحمه الله فيه تقديم الأهم إذ في الجهاد يقوم غيره مقامه متفق عليه
وعن عائشة رضي الله عنها قالت استأذنت النبي في الجهاد فقال جهادكن الحج قال ابن الملك أي لا جهاد عليكن وعليكن الحج إذا استطعتن متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تسافر امرأة نفى معناه نهى وفي نسخة بصيغة النهي مسيرة يوم وليلة ومعها ذو محرم في الهداية يباح لها الخروج إلى ما دون مدة السفر بغير محرم قال ابن الهمام رحمه الله يشكل عليه ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها وأخرجا عن أبي هريرة مرفوعا لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها وفي لفظ لمسلم مسيرة ليلة وفي لفظ يوم وفي لفظ أبي داود بريدا يعني فرسخين واثني عشر ميلا على ما في القاموس وعند ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وللطبراني في معجمه ثلاثة أميال فقيل له إن الناس يقولون ثلاثة أيام فقال وهموا قال المنذري ليس في هذه تباين فإنه يحتمل أنه قالها في مواطن مختلفة بحسب الأسئلة ويحتمل أن يكون ذلك كله تمثيلا لأقل الأعداد واليوم الواحد أول العدد وأقله والاثنان أول الكثير وأقله والثلاثة أول الجمع فكأنه أشار إلى أن هذه في قلة الزمن لا يحل لها السفر مع غير محرم فكيف إذا زاد ا ه وحاصله أنه نبه بمنع الخروج أقل كل عدد على منع خروجها عن البلد مطلقا إلا بمحرم أو زوج وقد صرح بالمنع مطلقا إن حمل السفر على اللغوي ما في الصحيحين عن ابن


عباس مرفوعا لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم والسفر لغة يطلق على دون ذلك ا ه كلام المحقق وقال الطيبي رحمه الله تعالى المحرم من النساء التي يجورنه النظر إليها والمسافرة معها كل من حرم نكاحها على التأييد بسبب مباح لحرمتها فخرجت بالتأييد أخت الزوجة وعمتها وخالتها وخرجت بسبب أم الموطوأة بشبهة وبنتها فإنهما يحرمان أبدا وليستا محرمين لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة
لأنه ليس بفعل المكلف وخرج يقولنا لحرمتها الملاعنة لأن تحريمها عقوبة وليس المراد بقوله مسيرة يوم ليلة التحديد بل كل ما يسمى سفرا لا بد أن يكون معها زوج أو محرم أو نساء ثقات سواء كانت المرأة شابة أو كبيرة نعم للمرأة الهجرة عن دار الكفر بلا محرم ا ه ويحمل عليها حديث عدي بن حاتم أنه قال يوشك أن تخرج الظعينة من الحيزة تؤم البيت لا جوار معها لا تخاف إلا الله رواه البخاري وفي معناها المأسورة إذا خلصت قال القاضي عياض رحمه الله اتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم إلا الهجرة من دار الحرب لأن قامتها في دار الكفر إذا لم تستطع إظهار الدين حرام ا ه وتستوي فيها الشابة والعجوز لأن المرأة مظنة الشهوة إذ لكل ساقطة لاقطة متفق عليه وعن ابن عباس قال وقت بتشديد القاف قيل الوقت نهاية الزمان المفروض والميقات الوقت المضروب للفعل والموضع أيضا يقال ميقات أهل المدينة للموضع الذي يحرمون منه ومعنى وقت جعل ذلك الموضع ميقات الإحرام أي بين حد الإحرام وعين موضعه لأهل المدينة ذا الحليفة على فرسخين من المدينة قال الطيبي رحمه الله وعشر مراحل من مكة قاله ابن الملك رحمه الله وهو ماء من مياه بني جشم والحليفة تصغير الحلفة مثال القصبة وهي نبت في الماء وجمعها لحلفاء وقد اشتهر الآن ببئر علي ولم يعرف مسمى هذا الاسم وما قيل أن عليا كرم الله وجهه قاتل الجن في بئر قيها كذب لا أصل له ولأهل الشام أي من طريقهم القديم لأنهم الآن يمرون


على مدينة النبي الكريم وقال ابن حجر رحمه الله إذا لم يمروا بطريق المدينة وإلا لزمهم الإحرام من الحليفة إجماعا على ما قاله النووي أقول وهو غريب منه وعجيب فإن المالكية وأبا ثور يقولون بأن له تأخير إلى الحجفة وعندنا معشر الحنفية يجوز للمدني أيضا تأخيره إلى الحجفة فدعوى الإجماع باطلة مع وقوع النزاع ثم زاد الشافعي في روايته ولأهل الشام ومصر والمغرب الحجفة زوهي بضم الجيم وسكون الحاء موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي ذا الخليفة على خمسين فرسخا من مكة على ما ذكره ابن الملك وكان اسمه مهيعة فأحجف السيل جاف إذا جرف اورض وذهب به والآن مشهور بالرابع ولأهل نجد


أي نجد الحجاز واليمن قرن المنازل بسكون الراء وتحريكها خطا جبل مدور آماس كأنه بيضة مشرف على عرفات ولأهل اليمن يلملم جبل بين جبال تهامة على ليلتين من مكة ويقال ألملم بالهمزة فهن أي هذا الموضع لهن أي لأهل هذه المواضع وقال ابن الملك رحمه الله تبعا للطيبي المعنى أن هده المواقيت لهذه المواقيت أي لأهلها على حذف المضاف دل عليه قوله ولمن أتى عليهم من غير أهلهن أي هذه المواقيت لأهلهن المقيمين بهن ولمن أتى عليهم من غير أهلهن ا ه وهذا غير صواب من وجهين أما أولا فلأن الفاء في فهن تفريع لما بعده على ما قبله ذكره اجمالا بعد تفصيل ليعطف عليه حكم ما لم يذكر من المواضع استيفاء الحكم الشرعي فالوجه أن يقال فهذه المواضع مواقيت لهذه البلدان أي لأهلهن الموجودين سواء المقيمون والمسافرون ولمن أتى عليهم أي مر على هذه المواقيت من غير أهل البلدان قال ابن الهمام وروى هن لهم والمشهور والأول ووجهه أته على حذف المضاف والتقدير هن لأهلهن وأما ثانيا فلأن المذهب أن هذه المواقيت إنما هي للآفاقيين بأن لا يتجاوز عنها وجوبا من غير إحرام تعظيما للمحرم الذي يريدون داخله وأما أهل المواقيت نفسها فحكمهم كمن داخلها من أرض الحل في أن ميقاتهم الحل ولهم تجاوز ميقاتهم من غير إحرام إذا لم يريدوا النسك فإن أرادوه فليس لهم ذلك إلا محرمين لمن كان بدل مما قبله لإعادة الجار يريد الحج والعمرة أي مكان أحد النسكين وهو الحرم عندنا ومذهب الشافعي فيه أقوال وتفصيل وأحوال وأغرب ابن حجر حيث قال وفي تقييد لزوم الإحرام بإرادة النسك أظهر دليل على أن الحج على التراخى ووجه غرابته لا تخفى فمن كان دونهن قال ابن الملك أي من كان بيته أقرب إلى مكة من هذه المواقيت ا ه والصواب أن المراد من كان داخل المواقيت أي بين المواقيت نفسها وبين الحرم ولم يذكر النبي أهل المواقيت نفسها والجمهور على أن حكمها حكم داخل المواقيت خلافا للطحاوي حيث جعل حكمها حكم


الآفاقي فمهله بصيغة المفعول أي موضع إحرامه من أهله أي من بيته ولو كان قريبا من المواقيت ولا يلزمه الذهاب إليها وكذاك وكذاك أي إلا دون فإلا دون إلى آخر الحل حتى أهل مكة بالرفع والجرذ كره السيوطي أي حتى أهل الحرم يهلون أي يحرمون بالحج منها أي من مكة وتوابعها من أرض الحرم قال الطيبي رحمه الله المهل موضع الأهلال وهو رفع الصوت بالتلبية أي موضع الإحران دل الحديث على أن المكي ميقاته مكة في الحج والعمرة والمذهب أن المعتمر يخرج إلى الحل لأنه عليه الصلاة والسلام أمر عائشة رضي الله عنها بالخروج فهذا الحديث مخصوص بالحج وأما قول ابن حجر وأفضل بقاع الحل الجعرانة لأنه عليه الصلاة والسلام أحرم بها منها في رجوعه من حنين ثني عشر اقعدة سنة ثمان ليلا ورجع ليلا خفية ومن ثم أنكرها بعض


الصحابة فمبنى على مذهب الشافعي في أصوله من أن الفعل أقوى من القول خلاف مذهبنا المبني على أن الفعل قد يقع اتفاقيا بخلاف القول فإنه لا يكونإلا قصديا وبيانه أنه عليه الصلاة والسلام كان رجع من الطائف والجعرانة على طريقه فإحرامه منه كان متعينا نعم لو خرج من مكة وأحرم منه لكان له وجه وجيه في كونه أفضل ونظيره إحرام على من يلملم حيث كان على طريقع من اليمن والشيعة يخرجون من مكة إليه ويحرمون لديه وهو عكس الموضوع بل خلاف المشروع وأما من قال أن إحرامه عليه الصلاة والسلام في عمرة القضاء سنة شبع كان من الجعرانة فقد أخطأ بل كان من ذي الحليفة وكذا كان إحرامه من عام الحديبية ومن قال أنه هم بالاعتمار منها فقد وهم والله سبحانه أعلم متفق عليه وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله قال مهل أهل المدينة أي موضع إحرامهم اسم مكان هنا وأغرب ابن حجر في قوله أي احرامهم وأصله موضع اهلالهم ثم أطلق على الزمن والمصدر من رفع صوته بالتلبية ووجه غرابته لا يخفى إذ اسم المفعول المزيد فيه مشترك بين المصدر واسم الزمان والمكان كما هو مقرر في محله من متون علم الصرف من ذي الحليفة أي من طريقه والطريق الآخر بالرفع أي مهل الطريق الآخر لهم الحجفة قال ابن الملك إذا جاؤا من طريق الحجفة فهي مهلهم ا ه وهو غير سديد لأن المذهب أن من جاوز وقته غير محرم ثم أتى وقتا آخر وأحرم منه أجزأه ولو كان أحرم وقته كان أحب وقيل لتأخير مكروه وقيل التأخير أنسب وفي المسألة خلاف الشافعي إذ لا يجوز عنده المجاوزة إلى الميقات الآخر ولذا تكلف ابن حجر في حله حيث قال أي ومهل أهل الطريق الآخر الذي لا يمر سالكا بذي الحليفة ولا يجاوزها يممنة ويسرة هو الحجفة ومهل أهل العراق ذات عرق وفي نسخة ذات عرق وهو بكسر العين على مرحلتين من مكة ذكره ابن الملك وقال الطيبي رحمه الله موضع فيه عرق وهو الجبل الصغير وقيل كون ذات عرق ميقاتا ثبت باجتهاد عمر رضي الله عنه نص


عليه الشافعي في الأم ويدل عليه رواية البخاري عن ابن عمر لما فتح المصر أن البصرة والكوفة في زمن عمر رضي الله عنه أي أسسا حينئذ إذ هما إسلاميتان أتوا عمر فقالوا إن رسول الله حد لأهل نجدة قرنا ولذا أردنا أن نأتي قرنا يشق علينا قالوا فانظروا حدودها من طريقكم فحد لهم ذات عرق وجمع بينهما بأن عمر رضي الله عنه لم يبلغه الخبر فاجتهد فيه فأصاب ووافق السنة فهو من عاداته في موافقانه ولهذا نص الشافعي رحمه الله على كل منهما ولا ينافي ذلك أن العراق لم يفتح إلا بعد وفاته عليه الصلاة


والسلام لأنه علم أنه سيفتح فوقت لأهله ذلك كما وقت لأهل مصر والشام ما مر قبل فتحهما أيضا ثم كأهل العراق أهل خراسان وغيرهم ممن يمر بذات عرق ولا ينافيه أيضا خبر الترمذي وحسنه إن اعترض بأن فيه ضعيفا من أنه عليه الصلاة والسلام وقت لأهل المشرق العقيق فإن عرقا جبل مشرف على العقيق وقرية ذات عرق خربت ومن ثم قال النووي وغيره يجب على العراقي أن يتحراها ويطلب آثارها القديمة ليحرم منها وأقول إذا أحرم من العقيق يكون أحوط لأنه مقدم عليه ونظيره الحجفة ورابع فإنه مقدم عليها فالاحتياط في الإحرام بالسابق ومهل أهل نجد قرن بسكون الراء ووهم الجوهري في قوله بفتح الراء فإنه اسم قبيلة ينسب إليها أو ليس القرني ومهل أهل اليمن يلملم رواه مسلم وعن أنس قال اعتمر رسول الله أربع عمر على زنة عمر لكنه مصروف جمع عمرة كلهن أي بعد الهجرة في ذي القعدة بفتح القاف ويكسر بناء على أنه من المرأة والهيئة إلا التي كانت مع حجته بفتح الحاء وكسرها عمرة بالنصب على البدلية وبالرفع على أنه مبتدأ موصوف بقوله من الحديبية بالتخفيف ويشدد أحد حدود الحرم على تسعة أميال من مكة والخبر قوله في ذي القعدة وعمرة من العام المقبل وهي عمرة القضاء في ذي القعدة وعمر من الجعرانة بكسر الجيم وسكون العين وقيل بكسر العين وتشديد الراء وهو على ستة أميال أو تسعة أميال وهو الأصح حيث قسم غنائم حنين أي بعد فتح مكة سنة ثمان في ذي القعدة أي كانت فيها وعمرة أي مقرونة مع حجته وهي أيضا باعتبار إحرامها كانت في ذي القعدة فقول ابن حجر فإنها في ذي الحجة محمول على أفعالها وحينئذ يرد عليه أن مقتضى مذهبه من تداخل الأفعال للقارن أنه لم يقع شيء من أفعالها حقيقة بل حكما ولا يخفى بعده ثم قول أنس من الحديبية وقد ثبت كما في البخاري أنه أحرم بها من ذي الحليفة محمول على أنه هم بالدخول محرما بها إلا أنه عليه الصلاة والسلام صد عنه وأحصر منه ففي الجملة إطلاق العمرة عليها


مع عدم أفعالها باعتبار النية المترتب عليها المثوبة ثم الحديبية بئر بين حدة بالمهملة ومكة تسمى الآن بئر شميس بالتصغير بينها وبين مكة ستة فراسخ كذا ذكره ابن حجر
والمعتمد ما قدمناه من أنه ثلاث فراسخ وكذا كان إحرام عمرة القضاء من ذي الحليفة وتأويل الشافعية القضاء بالقضية من المقاضاة والتقاضي وهو الصلح نشأ من المادة التعصبية وبحثه يطول فأعرضنا عنه بالكلية مع أن قول ابن حجر لأنه اشترط على أهل مكة في صلح الحديبية أن يأتي في العام المقبل محرما وإنهم يمكنونه من مكة ثلاثة أيام حتى يقضي عمرته حجة ظاهرة وبينة باهرة عليه ومن مال إليه وأما ما ذكره محمد بن سعد كاتب الواقدي عن ابن عباس لما قدم عليه الصلاة والسلام من الطائف نزل الجعرانة وقسم فيها الغنائم ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال فهو ضعيف والمعروف عند أهل السير والمحدثين ما تقدم ولله أعلم متفق عليه ءخقش وعن البراء بن عازب قال اعتمر رسول الله في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين لا ينافي ما تقدم فإن عمرة الحديبية غير محسوبة في الحقيقة لأنه أحرم ولم يفعل أفعالها لكونه محصرا والعمرة التي مع حجته لم تكن في ذي القعدة إلا باعتبار إحرامها وأما أفعالها فكانت في ذي الحجة وتأويلنا هذا أولى من قول ابن حجر وكأنه لم يحفظ عملاة الجعرانة لما مر فيها أن بعض الصحابة أنكرها لخفائها رواه البخاري
الفصل الثاني
عن ابن عباس قال قال رسول الله يا أيها الناس خطاب عام يخرج منه غير المكاف أن الله كتب أي فرض عليكم الحج أي بقوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران فقام الأقرع بن حابس فقال أفي كل عام أي أكتب في كل عام يا رسول الله قياسا على الصوم والزكاة فإن الأول عبادة بدنية والثاني طاعة مالية والحج مركب منهما قال لو قلتها أي في جواب كلمة الأقرع نعم أي بالوحي أو


الاجتهاد لو جبت أي الحجة في كل عام ولو وجبت أي بالفرض والتقدير ابتداء أو بناء على الجواب لم تعملوا بها أي لكمال المشقة فيها ولم تستطيعوا أي ولم تطيقوا لها ولم تقدروا عليها فهو إما عطف تفسير والخطاب إجمالي للأمة أو للحاضرين والباقون على التبعية ويؤيده أنه في رواية ولم تستطيعوا أن تعملوا بها أي كلكم من حيث المجموع وإما عطف تغاير وعدم الاستطاعة مختص بمن يكون بعيدا عن الحرم وهذه الاستطاعة أريد بها القدرة على الفعل والاستطاعة في الآية إنما هي الزاد والراحلة فلا تنافي بينهما وأما قول ابن حجر في قوله لو قلتها نعم أنه بدل من الضمير الراجع لما علم مما قبله وهو حجة كل عام فلا طائل تحته لا بحسب المبنى ولا باعتبار المعنى كما لا يخفى الحج وفي نسخة صحيحة والحج مرة مبتدأ وخبر أي وجوبه مرة واحدة ومن زاد فتطوع أي ومن زاد على مرة فحجته أو فزيادته تطوع وفيه رد على بعض الشافعية حيث قالوا الحج فرض كفاية بعد أداء فرض العين مع أنه ليس له نظير في الشرع نعم يندب للقادر أن لا يترك الحج في كل خمس سنين لما رواه ابن حبان في صحيحه أنه عليه الصلاة والسلام قال أن عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة يمضي عليه خمس أعوام لا يفد إلي فهو محروم ومن ثم قيل بوجوبه في كل خمس سنين ورد بأنه مخالف للإجماع وأما زعم وجوبه كل سنة على ما نقل ابن حجر فمن المحال إمكانه لأنه في حيز الامتناع على هيئة الاجتماع رواه أحمد أي في مسنده والنسائي والدرامي قال ابن الهمام ورواه الدارقطي في سننه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين قال الشمني ورواه أبو داود وابن ماجه وعن علي قال قال رسول الله من ملك زادا وراحلة أي ولو بالإجارة تبلغه بتشديد اللام وتخفيفها أي توصله والضمير المؤنث للراحلة وتقييدها يغنى عن تقييد الزاد أو المجموع لأنه بمعنى الاستطاعة إلى بيت الله أي وما يتبعه من المواقف العظام وترك ذكر نفقة العود للظهور أو


لعدم لزوم الرجوع ولم يحج بفتح الجيم المشددة ويجوز ضمها وكسرها وكان الكلمة لم تكن في أصل ابن حجر فقدر ثم ترك المجيء إليه للحج فلا عليه أي فلا بأس ولا مبالاة ولا تفاوت عليه أن يموت أي في أن يموت أو بين أن يموت يهوديا أو نصرانيا في الكفر أن أعتقد عدم الوجوب وفي العصيان أن أعتقد الوجوب وقيل هذا من باب التغليظ الشديد والمبالغة في الوعيد قال ابن الملك وإنما خص الطائفتين بالذكر لقلة مبالاتهما بالحج من حيث أنه لم يمكن مفروضا عليهم لأنه من شعار هذه الأمة خاصة ا ه


وفيه مناقشة ظاهرة والأظهر أن وجه التخصيص كونهما من أهل الكتاب غير عاملين به فشبه بهما من ترك الحج حيث لم يعمل بكتاب الله تعالى ونبذه وراء ظهره كأنه لا يعلمه قال الطيبي رحمه الله والمعنى أن وفاته على هذه الحالة ووقاته على اليهودية والنصرانية سواء والمقصود التغليظ في الوعيد كما في قوله تعالى ومن كفر آل عمران ا ه يعني حيث أنه وقع موضع من لم يحج فإن الله غني عن العالمين حيث عدل عن عنه إلى عن العالمين للمبالغة أي غني عنه وعنهم وعن عبادتهم وإنما هم الفقراء إلى الله ايجادا وامدادا ونفع الطاعة راجع إليهم والقيام بالعبودية واجب عليهم هذا وقد قدر ابن حجر رحمه الله في الحديث بقوله فلا تفاوت عليه بين أن يموت على ما هو عليه من ترك الحج وأن يموت يهوديا أو نصرانيا أي كافرا لاستواء هذين الحالين حقيقة أن ترك الحج مع القدرة مستحلا لعدم وجوبه وجعله علي وزان قوله سبحانه فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الكهف في التهديد والوعيد الأكيد ولا يخفى عدم صحته وتقريره مع التكلف في تقديره إن كان مستحلا على ما ذكره في تحريره ولم يفد فائدة في تعبيره على أن ظاهر الحديث أبلغ في مقام تحذيره وابعث على ترك ما في ضميره والتوجه إلى الحج الموجب لتكفيره بعد تكفيره ثم رفي رواية فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا يبطل تقدير ابن حجر فتدبر فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضا والاصل عدم التقدير إذا كان الكلام صحيحا بدون التغيير وذلك إن الله أي ما ذكر من شرط الزاد والراحلة والوعيد على ترك هذه العبادة لأن الله تبارك أي تكاثر خيره وبره على بريته وتعالى عظمته وغناه على خليقته يقول أي في كتابه ولله على الناس أي واجب حج البيت بفتح الحاء وكسرها ويبدل من الناس من استطاع إليه سبيلا أي طريقا وفسره بالزاد والراحلة رواه الحاكم وغيره كذا في الجلالين ثم الظاهر أنه قرأ الآية إلى آخرها واقتصر الراوي على ما ذكره ويمكن أن تكون هذه الآية بتمامها لأن


تمام الاستدلال يتوقف على تمامها كما أشار إليه الطيبي وبين وجهه رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وفي اسناده فقال قيل قد روى هذا الحديث عن أبي أمامة والحديث إذا روى من غير وجه وإن كان ضعيفا يقوى على الظن صدقه ذكره الطيبي وقال العراقي رواه ابن عدي من حديث أبي هريرة وهلال بن عبد الله مجهول قال الذهبي قد جاء بإسناد أصح منه وقال الزركشي قد أخطأ ابن الجوزي بالوضع إذ لا يلزم من جهل الراوي وضع الحديث الحارث يضعف أي ينسب إلى الضعف في الحديث قال القاضي لا التفات إلى حكم ابن الجوزي بالوضع كيف وقد أخرجه الترمذي في جامعه وقد قال إن كل حديث في كتابه معمول له الأحدين وليس أحدهما هذا وفي رواية من لم يمنعه من الحج حاجة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا واسناده


ضعيف لكنه صح عن عمر موقوفا وهو في حكم المرفوع فالحديث صحيح بهذا الاعتبار وعن ابن عباس قال قال رسول الله لا صرورة في الإسلام وهو بالصاد المهملة المفتوحة هو الذي لم يحج قط أي من لم يحج بعد أن يكون عليه لا يكون في الإسلام قال الطيبي رحمه الله فدل ظاهره على أن من يستطيع الحج ولم يحج ليس بمسلم كامل وقيل المراردد بالصرورة التبتل وترك النكاح أي ليس في الإسلام بل هو في الرهبانية وأصل الكلمة من الصر وهو الحبس رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره وأما ما نص عليه الشافعي رحمه الله ومن تبعه من أنه يكره تنزيها أن يقال لمن لم يحج صرورة فتعقبه النووي وغيره بأن في هذا الاستدالال نظرا إذ ليس في الحديث تعرض للنهي عن ذلك وإنما معناه ما تقدم وعنه أي عن ابن عباس قال قال رسول الله من أراد الحج فليعجل بتشديد الجيم قال الطيبي رحمه الله أي من قدر على الحج فليغتنم الفرصة وقبل أمر استحباب ا ه والاصح عندنا أن الحج واجب على الفور وهو قول أبي يوسف ومالك رحمه الله وعن أبي حنيفة رحمه الله ما يدل عليه وهو ما روى ابن شجاع عنه أن الرجل يجد ما يحج به وقصد التزوج أنه يحج به وقال محمد رحمه الله وهو رواية عن أبي حنيفة وقول الشافعي أنه على التراخي إلا أن يظن فواته لو أخره لأن الحج وقته العمر نظرا إلى ظاهر الحال في بقاء الإنسان فكان كالصلاة في وقتها يجوز تأخيره إلى آخر العمر كما يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها إلا أن جواز تأخيره شروط عند محمد بأن لا يفوته يعني لو مات ولم يحج ثم ولأبي يوسف أن الحج في وقت معين من السنة والموت فيها ليس بنادر فيضيق عليه الاحتياط لا لإنقطاع التوسع بالكلية فلو حج في العام الثاني كان مؤديا باتفاقهما ولو مات قبل العام الثاني كان آثما باتفاقهما وثمرة الخلاف بينهما إنما تظهر في حق تفسيق المؤخر ورد شهادته عند من يقول بالفور وعدم ذلك عند من يقول بالتراخي كذا حققع الشمني رواه أبو داود الدارمي وكذا


الحاكم وقد ورد حجوا قبل أن لا تحجوا أي قبل أن يحدث باعث على تركه كما يدل عليه آخر الحديث فكأني أنظر إلى حبشي أصمع أفدع بيده معول يهدمها حجرا حجرا رواه الحاكم والبيهقي عن علي والأصمع الصغير الأذن وإلا فدع من في يده ورجله زيغ واعوجاج
وعن ابن مسعود قال قال رسول الله تابعوا بين الحج والعمرة أي قاربوا بينهما إما بالقرآن أو بفعل أحدهما بعد الآخر قال الطيبي رحمه الله إذا اعتمرتم فحجوا وإذا حججتم فاعتمروا وأما قول ابن حجر بحيث يسمى متابعا له فلا دليل عليه لغة ولا شرعا فإنهما أي الحج والاعتمار ينفيان أي كل منهما وأبعد ابن خجر رحمه الله في تجويز جمعمها الفقر أي يزيلانه وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد والفقر الباطن بحصول غنى القلب والذنوب أي يمحوانها قيل المراد بها الصغائر ولكن يأباه قوله كما ينفي الكير وهو ما ينفخ فيه الحداد لاشتعال النار للتصفية خبث الحديد والذهب والفضة أي وسخها المشبه بوسخ المعصية على صدورهما من التائب أو يقال محو الذنوب على قدر الاشتغال في إزالة العيوب وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة بالرفع والنصب رواه الترمذي والنسائي أي عن ابن مسعود بكماله ورواه أحمد وابن ماجه عن عمر إلى قوله خبث الحديد وقد أخرج المنذري قوله عليه الصلاة والسلام من جاء يريد وجه الله فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفع فيمن دعا له وقوله عليه الصلاة والسلام إذا خرج الحاج من بيته كان في حرز الله فإن مات قبل أن يقضي نسكه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنفاق الواحد في ذلك يعدل ألف ألف درهم فيما سواه وعن ابن عمر قال جاء رجل إلى النبي فقال يا رسول الله ما يوجب الحج أي ما شرط وجوب الحج وإلا فالموجب هو الله تعالى قال الزاد والرحلة


يعني الحج واجب على من وجدهما ذهابا وإيابا واقتصر من بين الشروط عليه لأنه الأصل والأهم المقدم قال ابن الهمام ولا نعلم خلافا عن أحد في كونه شرط الوجوب ا ه والمراد بالراحلة محمل أو شق محمل أو زاملة لا قدر ما يكتري عقبة ويمشي الباقي والحديث بعمومه يشمل المكي وغيره خلافا لمن خالفه وفيه رد على الإمام مالك رحمه الله حيث أوجب الحج على من يقدر على المشي وعلى الشحذة أو الكسب رواه الترمذي وابن ماجه قال ابن الهمام وروى الحاكم عن أنس في قوله تعالى ولله على أناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا قيل يا رسول الله ما السبيل قال لزاد والراحلة وقال صحيح على شرط الشيخين وقد روي من طرق عديدة مرفوعا من حديث ابن عمر وابن عباس وعائشة وجابر وعبد الله بن عمر وابن مسعود وحديث ابن عباس رواه ابن ماجه وباقي الأحاديث بطرقها عمن ذكرنا من الصحابة عند الترمذي وابن ماجه والدارقطني وابن عدي في الكامل لا تسلم من ضعف فلو لم يكن للحديث طرق صحيحة ارتفع بكثرتها إلى الحسن فكيف ومنها الصحيح ا ه وبه بطل قول ابن حجر وفي سند ضعيف متفق على ضعفه فإنه حسن الترمذي الحديث وقد يحمل ضعف البيهقي وابن الصلاح والنووي من حيث ذاته فهو حسن لغيره والحسن قد يوصف بالصحة أيضا فارتفع النزاع وعنه أي عن ابن عمر قال سأل رسول الله فقال ما الحاج والمعنى ما صفة الحاج الذي يحج أو يكون ما بمعنى من قال الطيبي يسئل ما عن الجنس وعن الوصف والمراد هنا الثاني بجوابه قال الشعث بكسر العين أي المغبر الرأس من عدم الغسل مفرق الشعر من عدم المشط وحاصله تارك الزينة التفل بكسر الفاء أي تارك الطيب فيوجد منه رائحة كريهة من تفل الشيء من فيه إذا رمى به متكرها له فقام آخر فقال يا رسول الله أي الحج أي أعماله أو خصاله بعد أركانه أفضل أي أكثر ثوابا قال العج والثج بتشديدهما والأول رفع الصوت بالتلبية والثاني سيلان دماء الهدى وقيل دماء الأضاحي قال الطيبي رحمه الله ويحتمل


أن يكون السؤال عن نفس الحج ويكون المراد ما فيه العج والثج وقيل على هذا يراد بهما الاستيعاب لأنه ذكر أوله الذي هو الأحرام وآخره الذي هو التحليل بإراقة الدم اقتصارا بالمبدأ أو المنتهى عن سائر الأفعال أي الذي استوعب جميع أعماله من الأركان والمندوبات فقام آخر فقال يا رسول الله
ما السبيل أي المذكور في قوله تعالى من استطاع إليه سبيلا وقول ابن الملك أي ما استطاعة السبيل غير صحيح قال زاد وراحلة أي بحسب ما يليقان بكل أحد والظاهر أن المعتبر هو الوسط بالنسبة إلى حال الحاج رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي الحديث بكماله مسندا وروى ابن ماجه أي الحديث وكان حقه أن يقول روواه ابن ماجه في سننه إلا أنه أي ابن ماجه لم يذكر الفصل الأخير أي من الفصول الثلاثة في الحديث وهو الآخر من قوله فقام آخر والفصل بمعنى الفقرة في الكلام فتدبر وعن أبى رزين بفتح فكسر العقيلي أنه أتى النبي فقال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة أي أفعالهما ولا الظعن أي الرحلة إليهما وهو بالسكون والفتح والمعنى انتهى به كبر السن إلى أنه لا يقوى على السير ولا على الركوب قال حج بالحركات في الجيم والفتح هو المعتمد عن أبيك واعتمر دل على جواز النيابة ثم اعلم أن العمر سنة عندنا وهو قول مالك الشافعي في القول الجديد إنها فرض لقرانها بالحج في قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله البقرة ولما روى الحاكم وقال على شرط الشيخين عن أبى رزين أنه قال يا رسول الله الحديث ولنا ما روى الترمذي وقال حسن صحيح عن جابر بن عبد الله قال سئل رسول الله عن العمرة أواجبة قال لا وأن تعتمروا هو أفضل وأجيب عن الآية بأن القرآن في الذكر لا يقتضي المساواة في الحكم ولو سلم فقرانها بالحج في الآية إنما هو في الإتمام وذلك إنما يكون بعد الشروع وعن حديث أبى رزين بأنه عليه الصلاة والسلام إنما أمره بأن يحج ويعتمر عن أبيه وحجه واعتماره عن أبيه ليس


بواجب مع أن قول أبى رزين لا يستطيع الحج ولا العمرة يقتضي عدم وجوبهما على أبيه فيكون الأمر في حديث أبى رزين للاستحباب كذا ذكره الشمني رواه الترمذي وأبو داود النسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وأما قول ابن حجر رحمه الله فيه دليل على جواز النيابة على الميت فغير متوجه بل الوجه أن يقال دل على جواز النيابة عن الحي فعن الميت بالأولى كما لا يخفى
وعن ابن عباس قال أن رسول الله سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة بضم الشين والراء وسكون الموحدة قال من شبرمة قال أخ لي أو قريب لي شك الراوي قال أحججت بهمزة الاستفهام عن نفسك أي أولا قال لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة قال الطيبي رحمه الله دل على أن الصرورة لا يحج عن غيره وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد لأن إحرامه عن غيره ينقلب عن نفسه وذهب مالك والثوري وأصحاب أبي حنيفة رحمهم الله إلى أنه يحج ا ه إلا أنه يكره فيحمل الأمر على الندب والعمل بالأولى رواه الشافعي وأبو داود وابن ماجه قال ابن الهمام قال البيهقي رحمه الله هذا إسناد ليس في الباب أصح منه وعلى هذا لم يجوز الشافعي للصرورة قلنا هذا الحديث مضطرب في وقفه على ابن عباس ورفعه وقد بسط بسطا وسيعا ثم قال ولأن ابن المفلس ذكر في كتابه أن بعض العلماء ضعف هذا الحديث ضعف هذا الحديث بأن سعيد بن أبي عروبة كان يحدث به بالبصرة فيجعل هذا الكلام من قول ابن عباس ثم كان بالكوفة يسنده إلى النبي وهذا يفيد اشتباه الحال على سعيد وقد عنعنه قتادة ونسب إليه تدليس فلا تقبل عنعنته ولو سلم فحاصله أمره بأن يبدأ بالحج عن نفسه وهو يحتمل الندب فيحمل عليه بدليل وهو إطلاقه عليه الصلاة والسلام قوله للخثعمية حجى عن أبيك من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك وحديث شبرمة يفيد استحباب تقديم حجة نفسه وبذلك يحصل الجمع ويثبت أولوية تقدم الفرض على النقل مع جوازه ا ه ملخصا لكن بقي فيه اشكال على مقتضى قواعدنا من أن الشخص إذا تلبس


بإحرام عن غيره لم يقدر على الانتقال عنه إلى الإحرام عن نفسه للزوم الشرعي بالشروع وعدم تجويز الانقلاب بنفسه فكيف في إطاعة الأمر سواء قلنا أنه للوجوب أو الاستحباب فلا مخلص عنه إلا بتضعيف الحديث أو نسخة لأن حديث الخثعمة في حجة الوداع أو بتخصيص المخاطب بذلك الأمر والله تعالى أعلم وعنه أي عن ابن عباس قال وقت أي عين وحدو بين رسول الله لأهل المشرق أي لإحرامهم والمراد بهم من منزله خارج الحرم من شرقي مكة إلى أقصى بلاد الشرق وهم العراقيون العقيق وهو موضع بحذاء ذات العرق مما وراءه وقيل داخل في حد


ذات العرق وأصله كل مسيل السيل فوسعه من العق وهو القطع والشق رواه الترمذي وأبو داود وحسنه الترمذي وتعقب بأن فيه ضعفا وعن عائشة أن رسول الله وقت لأهل العراق ذات عرق قال ابن الملك كأنه عين لأهل المشرق ميقاتين العقيق وذات عرق فمن أحرم من العقيق قبل أن يصل إلى ذات عرق فهو أفضل ومن جاوزه فأحرم من ذات عرق جاز ولا شيء عليه رواه أبو داود والنسائي وكذا الدارقطني وسنده صحيح على شرط البخاري وهو موافق لخبر مسلم السابق في الفصل الأول قال ابن الهمام أما توقيت ذات عرق ففي مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت أحسب رفع الحديث إلى رسول الله قال مهل أهل المدينة إلى أن قال ومهل أهل العراق من ذات عرق وفيه شك من الراوي في رفعه هذه المرة ورواه مرة أخرى على ما أخرجه عنه ابن ماجه ولم يشك ولفظه ومهل أهل الشرق ذات عرق إلا أن فيه إبراهيم بن يزيد الخوزي لا يحتج بحديثه وأخرج أبو داود عن عائشة أنه وقت لأهل العراق ذات عرق وزاد فيه النسائي بقية وقال الشافعي ومن طريقه البيهقي عن طاوس قال لم يوقت النبي ذات عرق ولم يكن أهل شرق حى نئذ فوقت الناس قال الشافعي رحمه الله ولا أحسبه إلا كما قال طاوس ويؤيده ما في البخاري بسنده عن نافع عن ابن عمر قال لما فتح المصران أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين أن رسول الله حد لأهل نجد قرنا وهي جور عن طريقنا وإنا إذا أردنا قرنا شق علينا قال انظروا واحذوها من طريقكم فحد لهم من ذات عرق قال الشيخ تقي الدين في الإمام المصران هما البصرة والكوفة وحذوها ما يقرب منها قال وهذا يدل أن ذات عرق مجتهد فيه لا منصوصة ا ه والحق أنه يفيد أن عمر لم يبلغه توقيت النبي ذات عرق فإن كانت الأحاديث بتوقيته حسنة فقد وافق اجتهاده توقيته عليه الصلاة والسلام وإلا فهو اجتهادي وعن أم سلمة أم المؤمنين قالت سمعت رسول الله يقول من أهل أي


أحرم بحجة أو عمرة أو للتنويع من المسجد الأقصى قيل إنما خص المسجد الأقصى لفضله ولرغم الملة التي محجها بيت المقدس إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أي من الصغائر ويرجى الكبائر أي من الصغائر ويرجى الكبائر أو وجبت أي ثبتت له الجنة أي ابتداء وأو للشك قيل فيه إشارة إلى أن موضع الإحرام متى كان أبعد كان الثواب أكثر ا ه واعلم أن تقديم الإحرام على المواقيت ومن دويرة أهله أفضل عندنا والشافعي رحمه الله في أحد قوليه الذي صححه الرافعي وغيره وهذا إذا كان يملك نفسه بأن لا يقع في محظور وإلا فالتأخير إلى الميقات أفضل بخلاف تقديم الإحرام على أشهر الحج فإنه مكروه وعندنا به قال مالك وأحمد خلافا للشافعي فإنه في الواية المشهورة عنه أنه ينقلب عمرة وفي رواية أنه لا ينعقد إحرامه رواه أبو داود وابن ماجه قال ابن الهمام روى الحاكم رحمه الله في التفسير من المستدرك عن عبد الله بن سلمة المر ي قال سئل علي رضي الله عنه عن قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله البقرة فقال أن تحرم من دويرة أهلك وقال صحيح على شرط الشيخين ا ه وقال عليه الصلاة والسلام من أهل من المسجد الأقصى بحجة وعمرة غفر له ما تقدم من ذنبه رواه أحمد وأبو داود بنحوه وروي عن ابن عمر أنه أحرم من بيت المقدس وعمران بن حصين من البصرة وابن عباس من الشام وابن مسعود من القادسية وهي قريب الكوفة ثم اعلم أن حديث المتن رواه البيهقي وآخرون ومقتضى كلامهم أنه حسن وقال النووي رحمه الله ليس بقوى ولا تنافي بينهما لأن الحسن لغيره يقال فيه أن إسناده ليس بقوى وأما قول أبي داود لا يصح تقدم الإحرام على الميقات فمردود لأنه مخالف لإجماع من قبله على الصحة وإنما النزاع في الأفضلية
الفصل الثالث
عن ابن عباس قال كان أهل اليمن يحجون أي يقصدون الحج قصدا معظما بترك الأسباب ولا يتزودون أي لا يأخذون الزاد معهم مطلقا أو يأخذون مقدار ما يحتاجون


إليه في البرية ويقولون بطريق الدعوى ليس تحتها المعنى نحن المتوكلون والحال أنهم المتأكلون أو المعتمدون على الناس زاد البغوى يقولون نحج بيت الله ولا يطعمنا فإذا قدموا مكة سألوا الناس أي أهل مكة أو أعم منهم حيث فرغت زوادتهم أو سألوا في مكة كما سألوا في الطريق زاد البغوي وربما يفضي بهم الحال إلى النهب والغضب فأنزل الله تعالى وتزودوا أي خذوا زادكم من الطعام واتقوا الاستطعام والتثقيل على الأنام وقال البغوي أي ما تبلغون به وتكفون به وجوهكم وقال أهل التفسير الكعك والزبيب والسويق والتمر ونحوها فإن خير الزاد التقوى أي ومن السؤال والنهب وقيل معناه تزودوا للأعمال الصالحة التي هي كالزاد إلى سفر الآخرة فمفعول تزودوا محذوف هو التقوى ولما حذف مفعوله أتى بخبر أن ظاهر اليدل على المحذوف ومن التقوى الكف عن السؤال والإبرام كذا ذكره السيد معين الدين الصفوي في تفسيره ففي الآية والحديث إشارة إلى أن ارتكاب الأسباب لا ينافي التوكل على رب الأرباب بل هو الأفضل من الكمل وأما من أراد التوكل المجرد فلا حرج عليه إذا كان مستقيما في حاله غير مضطرب في ماله حيث لا يخطر الخلو بباله وإنما ذم من ذم لأنهم ما قاموا في طري التوكل حق القيام حيث اعتمدوا على جراب اللئام وغفلوا عن أنه قسم القسام والناس نيام رواه البخاري وعن عائشة قالت قلت يا رسول الله على النساء جهاد بحذف الاستفهام قال نعم عليهن جهاد لا قتال فيه بل فيه اجتهاد ومشقة سفر وتحمل زاد ومفارقة أهل وبلاد كما في الجهاد الحج والعمرة بدل من جهاد أو خبر مبتدأ محذوف ويجوز نصبهما بتقدير أعني رواه ابن ماجه وغيره من طرق أحدها على شرط الشيخين وبه استدل الشافعي على أن العمرة واجبة وقد سبق الكلام عليه فيما تقدم والله أعلم وعن أبي أمامة قال قال رسول الله من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أي فقد زاد وراحلة فإن الاستطاعة شرط الوجوب بلا خلاف أو سلطان جائر أي ظالم وفيه إشارة


إلى أن منعه بطريق الجور والعنف فلا عبرة بمنعه على سبيل المحبة واللطف وأيضا من الموانع للوجوب إذا كان في الطريق سلطان جائر بالقتل وأخذ الأموال فالسلامة منهما من شروط الاداء
على الأصح نعم إذا كان الأمن غالبا فيجب على الصحيح أو مرض حابس أي مانع من السفر لشدته فسلامة البدن من الأمراض والعلل شرط الوجوب فحسب وهو الصحيح وقيل شرط الإداء فعلى الأول لا يجب الحج ولا الاحجاج ولا إلا يصاء به على الأعمى والمقعد والمفلوج والزمن والمقطوع الرجلين والمريض والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة فمات ولم يحج فليمت أن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا أي شبيها بهما حيث يتركان العمل بالكتاب مع إيمانهم به وتلاوتهم وعلمهم بمواضع الخطاب وما يترتب على تركه من العقاب رواه الدرامي وفي نسخة الترمذي بدله وعن أبي هريرة عن النبي أنه قال الحاج أي الفريق الحاج والمراد به الجنس والعمار بضم العين وتشديد الميم جمع العامر بمعنى اعتمر ولكن عمر الله بمعنى عبده ولعل غيرنا سمعه واستعمل بعض تصاريفه دون بعض وفد الله الإضافة للتشريف والمراد وفد حرمه أي كجماعة قادمون عليه ونازلون لديه ومقربون إليه إن دعوه أجابهم وإن استغفر اغفر لهم رواه ابن ماجه قال ابن حجر وجه إفراد الحاج وجميع ما بعده الإشارة إلى تميز الحج بأن المتلبس به وإن كان وحده يصلح لأن يكون قائما مقام الوفد الكثير بخلاف العمرة فإنها التراخي مرتبتها عن الحج لا يكون المتلبس بها وحده قلما قام أولئك ا ه وهو وجه وجيه كما لا يخفى وفيه إشارة إلى مذهبنا أن العمرة سنة والأعلى مقتضى مذهب الشافعية فلا يظهر وجه التفاوت في الفرضية لعدم الفرق عندهم بين الأدلة القطعية والظنية ولاستدلالهم بقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وهما مستويان في اقتضاء الأمرية ثم قوله أن هذا أولى من قول الشارح إن هذا من إطلاق المفرد على الجمع باعتبار المعنى للجنس مجاز معروف وقد تبعه في قوله الحاج مفرد


الحجاج وأريد به الجنس بدليل ما عطف عليه وكأنه ما تنبه إلى ما أشار إليه ودور على الداعي إليه وهو كالمنادى فيما لديه وعنه أي عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول وفد ا لله ثلاثة أي ثلاثة أشخاص أو أجناس الغازي أي المجاهد مع الكفار لإعلاء الدين والحاج والمعتمر
المتميزون عن سائر المسلمين بتحمل المشاق البدنية والمالية ومفارقة الأهلين وفي النهاية الوفد القوم يجتمعون ويردون البلاد أو يقصدون الرؤساء للزيارة أو استرفادا وغير ذلك والحاصل أنهم قومم معظمون عند الكرماء ومكرمون عند العظماء تعطى مطالبهم وتقضى مآربهم رواه النسائي والبيهقي في شعب الإيمان وعن ابن عمر قال قال رسول الله إذا لقيت الحاج أي الفارغ من الحج وفي معناه المعتمر والزائر والغازي وطالب العلم فسلم عليه أي مبادرة إليه وصافحه أيو تواضعا إليه ومره أمر من أمر وحذف همزته تخفيفا أي التمس منه أن يستغفر لك وفيه مبالغة عظيمة في حقه حيث ترجى مغفرة غيره باستغفاره قبل أن يدخل بيته ويشتغل بخويصة نفسه ويتلوث بموجبات غفلته فإنه مغفور له ومن دعا له مغفور له غفر له رواه أحمد وأما حديث من أكل مع مغفور له غفر له موضوع وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من خرج حاجا أو معتمرا أو غازيا أي قاصدا للغزو ثم مات في طريقه أي قبل العمل كتب الله له أجر الغازي والحاج والمعتمر لقوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله النساء قيل فمن قال أن من وجب عليه الحج وأخره ثم قصد بعد زمان فمات في الطريق كان عاصيا فقد خالف هذا النص ذكره الطيبي وفيه بحث إذ ليس نص في الحديث على مطلوبه فإنه مطلق فيحمل على ما إذا أخرج حاجا في أول ما وجب عليه وخرج أهل بلده للحج أو على ما إذا تأخر لحدوث عارض من مرض أو حبس أو عدم أمن في الطريق ثم خرج فمات فإنه يموت مطيعا وأما إذا تأخر من غير عذر حتى فاته الحج فإنه يكون عاصيا بلا خلاف عندنا على


اختلاف في أن وجوب الحج على الفور أو التراخي والصحيح هو الأول ومع هذا يمكن أن نقول له أجر الحاج في الجملة فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا مانع من أن يكون عاصيا من وجه ومطيعا من وجه والله ولي التوفيق ثم رأيت ابن حجر اعترض عليه بأن هذا من سوء أدبه على امامه الشافعي وأهل مذهبه وعلى مالك وغيره من بقية علماء السلف وفضلاء الخلف رحمهم الله تعالى رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب الإحرام والتلبية
حقيقة الإحرام الدخول في الحرمة والمراد الدخول في حرمات مخصوصة أي التزامها والتزامها شرط الحج شرعا غير أنه لا يتحقق ثبوته إلا بالنية والتلبية أو ما يقوم مقامها فعطف التلبية على الإحرام من باب عطف الخاص على العام أو مبنى على القواعد الشافعية من أن الإحرام هو النية فقط أو المراد بالتلبية غير المقرونة بالنية من بيان ألفاظها وأحوالها وفضائلها وأما قول ابن حجر هو من أركان الحج والعمرة إجماعا واعترض بأن فيه قولا بأنه شرط ويجاب بأن الإجماع لم يقع على خصوص الركنية بل على مطلق الوجوب وهو نية الدخول في النسك إذ هو الذي من الأركان لخبر إنما الأعمال بالنيات ا ه وفيه أبحاث لا تخفى منها دعواه أن الإحرام من الأركان إجماعا فإن كان يريد إجماع السلف من الصحابة والتابعين فلم ينقل عنهم التصريح بذلك بل ولم يكن من دأبهم تبيين الركن من الشرط ونحوهما هناك وإن كان إجماع الخلف فناهيك بقول الإمام الأعظم والهمام الأقدم بأنه شرط لا ركن ثم جوابه عن الاعتراض بأن الإجماع لم يقع على خصوص الركنية بل على مطلق الوجوب ففي غاية من الغرابة من شيخ الإسلام لم يفرق بين الركن ومطلق الواجب في الأحكام فإن كل ركن واجب وليس كل واجب ركنا كما هو مقرر في الأصول ومحرر في المحصول ثم تفسيره بنية الدخول في النسك واستدلاله بحديث إنما الأعمال بالنيات مردود عليه بما أشرنا إليه في تحقيق هذا الحديث في صدر الكتاب والله تعالى أعلم بالصواب
الفصل الأول
عن عائشة رضى الله عنها قالت كنت أطيب أي أعطر رسول الله لا حرامه أي لأجل دخوله في الإحرام أو لأجل حرام حجة قبل أن يحرم قال ابن حجر ومنه أخذ


أصحابنا إنه يسن للذكر والأنثى الشابة وغيرها إلا المحدة إن يتطيب بعد الغسل إلا في بدنهما وإنما يكره للنساء التطيب عند خروجهن لنحو الجمعة والجماعة لضيق الزمان والمكان في ذلك فلا يمكنهن إجتناب الرجال بخلاف ذلك هنا ا ه ولا يخفي إنه ليس في الحديث ما يدل على ماذكره من المدعى ولحله أي لخروجه من الإحرام قبل إن يطوف بالبيت أي طواف الإفاضة وهو متعلق بحله وفيه دليل على إن الطيب يحل بالتحلل الأول خلافا لمن الحقه بالجماع بطيب متعلق بأطيب فيه مسك يدل على طهارته وجاء في رواية متفق عليه أيضا إنه ذريرة ولا تنافي إذ لا مانع إنهم كانوا يخلطون الذريرة بالمسك وفي القاموس الذرور عطر كالذريرة كأني أنظر إلى وبيض الطيب أي لمعانه وبريقه في مفارق رسول الله بفتح الميم جمع مفرق بكسر الراء فتحها وهو وسط الرأس الذي يفرق فيه شعر الرأس وإنما ذكر على لفظ الجمع تعميما لسائر جوانب الرأس التي يفرق فيها كأنهم سموا كل موضع منه مفرقا وفي بعض طرق مسلم مفرق على لفظ الواحد ذكره ابن الملك وهو محرم قال الطيبى رحمه الله دل على إن بقاء أثر الطيب بعد الإحرام لا يضر ولا يوجب فدية كما هو مذهب الشافعي وكرهه مالك وأوجب الفدية فيما بقى من الأثر ا ه وقد سبق أبو حنيفة الشافعي وأحمد في ذلك وعليه جمهور علماء السلف والخلف هذا وقال البيضاوي رحمه الله والمراد بوبيض الطيب فيها وهو محرم إن فتات الطيب كان يبقى عليها بعد الإحرام بحيث يلمع فيها وتعقب بإن ما قاله غير لازم فإن البريق قد يحصل من الأثر وإن لم تبق عينه وأما قول ابن حجر ويؤيذه طيبته طيبا لا يشبه طيبكم فوجه لا يظهر فتدبر وفي رواية عنها طيبته عند إحرامه ثم طاف في نسائه ثم أصبح مجرما ينضح طبيا وفي أخرى لا حرامه حين يحرم وبه يندفع تأويل رواية قبل إن يحرم بإن التطيب لم يكن للإحرام وأما قول ابن حجر ومما يدفعه أيضا قولها كأني أنظر الخ فظاهر الدفع كما لا يخفي وكذا قوله وزعم إن المرئي


أثر لا جرم لذهابه بالغسل في غاية البعد فلا يقول عليه ا ه وقد روى أبو داود بسند حسن عن عائشة قالت كنا نخرج مع رسول الله إلى مكة فنضمد حبا هنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرفت واحدة منا سإل على وجهه فيراه النبي ففيه دلالة على إن استدامته بعد الإحرام ليس كإستدامة لبس المحيط خلافا لمن خالف النص الوارد قاس هذا القياس الفاسد ثم هذا الحديث يصح الإستدلال به على جواز تطيب النساء لا ما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم قال بعض علمائنا ومن لم ير التطيب قبل الإحرام بطيب يبقى أثره بعد الإحرام وهو يقول محمد ومالك فتأويل الحديث عنده إن المعنى بالطيب الدهن المطيب أو الطيب الذي لا يبقى حرمه وتبقى رأئحتة وأختلفوا في تطيب ثيابه


والمعتمد عدم ندبه بل كراهته فيتأ كد تركه خروجا من الخلاف الذي هو مستحب بالإجماع فإنه حرمه بعضهم متفق عليه قال ابن الهمام ودليل مالك ومحمد ما أخرج البخاري ومسلم عن يعلي بن أمية قال أتى النبي رجل متضمخ بطيب فقال له عليه الصلاة والسلام أما الطيب الذي بك فأغسله ثلاث مرات وأما الجبه فانزعها ثم أصنع في عمرتك في حجتك ومن هذا قال بعضهم إن حل الطبيب كان خاصا به عليه الصلاة والسلام لأنه فعله ومنع غيره ودفع بإم قوله للرجل ذلك يحتمل كونه لحرمه الطيب ويحتمل كونه لخصوص ذلك الطيب بإن كان خلوقا فلا يفيد منعه الخصوصية فنظرنا في صحيح مسلم في الحديث المذكور وهو مصفر لحيته ورأسه وقد نهوا عن التزعفر وفي لفظ لمسلم نهي إن يتزعفرالرجل وهو مقدم على مافي إبي داود أنه عليه الصلاة والسلام كان يصفر لحيته بالورس والزعفران وإن كان ابن القطان صححه لأن ما في الصحيحين أقوى خصوصا وهو مانع فيقدم على المبيح وقد جاء مصرحا في مسند أحمد أغسل عنك هذا الزعفران وللأختلاف استحبوا إن يذيب جرم المسك إذا تطيب بماء ورد ونحوه وعن ابن عمر قال سمعت رسول الله يهل أي يرفع صوته بالتلبية ملبدا بكسر الباء وفتحها أي شعره بالصمغ أو الحناء والخطمى ولعله كان به عذر قال ابن الملك التلبيد هو الصاق شعر الرأس بالصمغ أو الخطمي أو غير ذلك كيلا يتخلله الغبار ولا يصيبه شيء من الهوام ويقيها من حر الشمسس وهذا جائز عند الشافعي رحمه الله وعندنا يلزمه دم إن ابد بما ليس فيه طيب لإنه كتغطية الرأس ودمان أن كان فيه طيب وقال ابن الهمام وما ذكره رشيد الدين البصرى وحسن إن يلبد رأسه قبل الإحرام مشكل لأنه لا يجوز استصحباب التغطية الكائنة قبل الإحرام بخلاف الطيب ا ه ويمكن حمله مع الحديث على التلبيد اللغوي من جمع الشعر ولفه وعدم تخليته متفرقا ففي القاموس تلبد الصوف ونحوه تداخل ولزق بعضه ببعض يقول بدل من يهمل وهو مذهب الشاطىء في مسائل النحو لبيك اللهم لبيك


أي ألبيت يا رب بخدمتك البابا بعد الباب من ألب بالمكان أقام به أقمت على أقمت على طاعتك أقامة وقيل أي أحببت إجابتك إجابة بعد إجابه والمراد بالتثتية التكثير كقوله تعالى رجع البصر كرتين تبارك أي كرة وحذف الزوائد للتخفيف وحذف النون للاضافة قال رحمه الله تعالى لا
خلاف في إن التلبية جواب الدعاء وإنما الخلاف في الداعي من هو فقيل هو الله تعالى وقيل هو رسول الله وقيل هو الخليل عليه الصلاة والسلام وهو الإظهر أقول والصوان إن خطاب الجواب لله تعالى فإنه الداعي أما حقيقة وأما حكما ولا التفات إلى القول بالتفاوت ثم على بإن القول بإن المنادي إبراهيم عليهالصلاة والسلام قيل وقف على مقامه أو بالحجون أو على على جبل أبي قبيس ولا منع من الجمع لبيك لا شريك لبيك فالتلبية الأولى المؤكدة بالثانية لأثبات الألوهية وهذه بطرفيها النفي الشركة الندية والمثلية في وجوب الذات والصفات الثبوتية إن الحمد والنعمة لك وإن بالكسر هو المختار رواية وقد روى بالفتح والمعنى ألبي لأنك مستحق للحمد قال الطيبى رحمه الله الفتح رواية العامة وهما مشهوران عند المحدثين وقال تعلب الكسر أجود لأن معنى الفتح لبيك بهذا السبب ومعنى الكسر مطلق وأما قول ابن حجر النعمة بالنصب على الأفصح ويجوز الرفع أي الإنعام أو أثره الواصل إلى الإنام فغفلة عن قواعد أئمة العربية من الإعلام وهي إنه لا يجوز العطف على محل إسم إن إلا بعد مضى الخبر فتدبر والملك بالنصب عطف على الحمد ولذا يستحب الوقف عند قوله والملك ويبتدأ لا شريك لك أي في إستحقاق الحمد وإيصال النعمة قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله النحل وفي تقديم الحمد على النعمة إيماء إلى عموم معنى الحمد وإشارة إلى إنه بذاته يستحق الحمد سواء أنعم أو لم ينعم هذا ولا مانع من أن يكون الملك فرفوعا وخبره لا شريك لك أي فيه وأما تعليل ابن حجر رحمه الله الوقفة اللطيفة بإن إيصالها بلاالتي بعدها ربماتوهم إنها نفي لما


قبلها وذلك كفرفوهم نشأء من الذهول عما قبلها وما بعدها وإختلف في التلبية فعندنا أنها شرط لصحة الإحرام وقال مالك لا تجب لكن في تركها دم وعند الشافعي رحمه الله سنة لادم بتركها وقال بعض أصحابه واجبة يجبر بتركها بدم وزعم بعضهم إن التلبية أثناء النسك واجبة لا يزيد أي رسول الله على هؤلاء الكلمات وهو محمول على الغالب ما سيأتي في الفصل الثاني عن ابن عمر مرفوعا ثم النقص عنها مكروه وبلا خلاف وكذا لزيادة عليها عند الطحاوى والمختار في المذهب إن الزيادة لا تكره بل تحسن أو تستحب لما جاء عن الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين بأن يقول لبيك وسعديك والخير كله بيديك والرغباء إليك والعمل لك لبيك حقا حقا لبيك تعبدا ورقا لبيك إن العيش عيش الآخرة ونحو ذلك متفق عليه ورواه الأربعة والجمهور على إستحباب رفع الصوت بالتلبية وأخذ داود من خبر مسلم إذا توجهتم إلى معنى فاهلوا بالحج والإهلال رفع الصوت بالتلبية يدفع بإن المراد فأهلوا أي أحرموا بالحج والإحرام يكون بالنية والتلبية كما ذهب إليه الحنفية وبالنية فقط كما عليه الشافعية


وعنه قال كان رسول الله إذا دخل رجله في الغرز بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها زاي أي الركاب من جلد أو خشب واستوت به ناقته أي رفعته مستويات على ظهرها فالباء للتعدية وقيل به حال وكذا قوله قائمة أهل أي رفع صوته بالتلبية ونوى أحد النسكين أو بهما من عند مسجد ذي الحليفة قال ابن الملك رحمه الله يريد بدأ باهلال منه وهذا منه خلاف للمذهب إنه يستحب إن ينوي ويلبي عقيب ركعتي الإحرام وهو جالس ا ه وقوله خلاف للمذهب خلاف مراعاة الأدب واختلفت الروايات عنه في حال إهلال وقد جمع ابن القيم في زاد المعاد بينهما وبينها بقوله أهل في مصلاه ثم ركب ناقته فأهل أيضا أهل لما استقبلت به البيداء ا ه ولذا قالوا يستحب تكرار التلبية عند تغير الأحوال والإزمنة والأمكنة متفق عليه وجاء في خبر أنه عليه الصلاة والسلام أهل من برد الصلاة وضعفه البيهقى وتعقب بإن الترمذي حسنه ومال إليه النووي ومما يؤيده إن ابن عباس جمع بين الروايات المختلفة في ذلك كما رواه أبو داود بإنه أحرم عقب صلاته فسمعه منه أقوام فحفظوه ثم ركب ولما استقلت به ناقته أهل فسمعه أقوام فحفظوه وقالو إنما أهل حينئذ ثم مضى فلما علا البيداء أهل فسمعه أقوام فقالوا إنما أهل حينئذ وذلك إن الناس إنما كانوا يأتون إليه إرسالا وأجاب ابن حجر عن هذا بما لا طائل تحته ثم استدل لمذهبه بخبر مسلم إذا رحتم إلى منى متوجهين فأهلوا بالحج وفي إن التقدير إذا أردتم الرواح إليها متوجهين إلى عرفات وعن أبي سعيد الخدري قال خرجنا مع رسول الله نصرخ بالضم حال أي نرفع أصواتنا بالتلبية بالحج صراخا بضم الصاد مفعول ومطلق ولعل الإقتصار على ذكر الحج لإنه الأصل والمقصود الأعظم أو لأنه المبدوء به ثم أدخل عليه العمرة وقد يقال هذا حال الراوي ومن وافقه وأما حاله عليه الصلاة والسلام فسكوت عنه يعرف من محل آخر فلا ينافي ما سيأتي رواه المسلم وفيه رد على الشافعية إنه إنما يذكر الحج والعمرة في


أول تلبيته فقط
وعن أنس قال كنت رديف أبي طلحة أي راكبا خلف ظهره وهو ابن عمه وزوج أمه وإنهم أي الصحابة والنبي معهم كما في رواية ليصرخون بهما جميعا الحج والعمرة بالجر على إنه بدل من الضمير في بهماوالرفع على إنه خبر مبتدأ محذوف أي هما والنصب بتقدير أعنى ثم يحتمل إنهما من كلام أنس أو الراوي عنه قال ابن الملك وهذا يدل على إن القران أفضل وبه قلنا لأنه يبعد مخالفه الصحابة رضي الله عنهم للنبي وهم معه في أول الوهلة رواه البخارأ وعن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة أي لبي بها بإن قال لبيك بعمرة ولعله كان ممن حج قبل ذلك حتى صرف سفره هذا إلى العمرة أو عمل بالجواز أو أقتصر على ذكرها ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج وأهل رسول الله بالحج قال الخطابي يحتمل أن يكون بعضهم سمعه يقول لبيك بحجة وخفي عليه وقوله وعمرة فحكى إنه كان مفردا وسمعه آخر يقول لبيك بحجة وعمرة فقال كان قارنا ولا تنكر الزيادات في الأخبار كما لا تنكر في الشهادات وأكثر الأحاديث الواردة في هذا الباب تؤل إلى هذين الوجهين أقول ويحتمل أن يكون قارثا ويقول تارة لبيك بحجة وتارة لبيك بحجة وعمرة وكل حكى ما سمعه فلا يحتاج إلى قوله وخفي عليه قوله وعمرة قال الطيبى رحمه الله وهو دليل قاطع للشافعي بإن الأفراد أفضل أنواع الحج وتعقبه ابن حجر رحمه الله بقوله وفيه نظر وكيف يتأتى القطع بمثل ذلك من الإشارة ونحن على علالة في الصرائح من العبادت فأما من أهل بعمرة أي أحرم بها قبل الحج في أشهره فحل أي خرج من العمرة بعد أن طاف وسعى حل له جميع محظورات الإحرام ثم أحرم بالحج وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة أي في نيته أو بادخال أحداهما على الآخرى فلم يحلوا بكسر الحاء أي لم يخرجوا من الإحرام حتى كان يوم النحر ففي يوم النحر برميهم جمرة العقبة والحلق حل لهم كل المحظورات إلا مباشرة النساء فحل لهم ذلك بطواف الركن متفق


عليه
وعن ابن عمر قال تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج حال من العمرة أي تمتع بها منضمة إلى الحج بدأ أي ابتدأ ألنسك فأهل بالعمرة ثم بالحج بيان لقوله تمتع وظاهره أنه أدخل الحج على العمرة وقال ابن الملك فأهل بالعمرة من الميقات فأتى بأفعالها ثم أهل بالحج من مكة ثم قال فإن قيل روى إنه عليه الصلاة والسلام أفرد الحج وروى إنه تمتع وروى إنه قرن قلنا في التوفيق أنه أحرم بعمرة في بدء أمره فمضى فيها متمتعا ثم بحجة قبل طوافه وأفراد لها الإحرام فصار به قارنا كذا روى عن الطحاوى إنتهى وكلامه الأخير يناقض حمله الأول فتأمل وقال الطيبى رحمه الله إستمتع بالعمرة منضمة إلى الحج وانتفع بها وقيل إذا حل من عمرته ينتفع بإستباحة ما كان محرما عليه إلى أن يحرم بالحج وكان عمرو عثمان رضى الله عنهما ينهيان عن التمتع نهى تنزيه بناء على أن الأفراد أفضل يعني أول القران وقال على رضي الله عنه تمتعنا مع رسول الله ولكا كنا خائفين قيل دل حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي كان مفردا وحديث أنس إنه كان قارنا حيث قال ليصرخون بهما وأراد النبي وأصحابه وفي رواية عبد الله المزنى سمعت رسول الله يقول لبيك عمرة وحجا ودل حديث ابن عمران إنه متمتعا وكل ذلك في حجة الوداع فوجه الجمع أن الفعل ينسب إلى الآمر كقولهم بني فلان دار إذا أمر به والنبي لم يفعل بنفسه إلا نوعا واحدا وكان في أصحابه قارن ومفرد ومتمتع كل ذلك بأمر فجاز نسبة الكل إليه وهذا منقول عن الشافعي رحمه الله تعالى وفيه بحث إذا لم يحفظ إنه عليه الصلاة والسلام أمر أحد بنوع خاص من أصناف الحج نعم أقر كل من فعل شيأ على صنيعه قال النووي رحمه الله والصحيح إنه كان مفردا أولا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك فصار قارنا ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي فإن القارن يرتفق بالاقتصار على فعل واحد ا ه أو سفرو احد قال الشمني وقد وضع ابن حزم كتابا في أنه عليه الصلاة والسلام كان قارنا


في حجة الوداع وتأول باقي الأحاديث والقران أفضل مطلقا عندما وقال مالك والشافعي الأفراد أفضل مطلقا وقال أحمد التماع أفضل مطلقا متفق عليه والمشهور عن الشافعية إن الأفراد بالحج إنما يكون أفضل إذا أننى بعمر مفردة بعده وقد صرح ابن حجر بان قول من قال أفرد ثم اعتمر من التنعيم غلط فاحش منه وكذا قول من قال أحرم متمتعا تمتعا حل منه ثم أحرم بالحج يوم التروية وفيه حديث في الصحيحين لكن غلطوا رواية ماعاوية فيه بإنه عليه الصلاة والسلام أخبر عن نفسه بإنه ساق الهدى فلا يحل حتى ينحرو وهذا خبر عن نفسه لا يدخله الوهم ولا الغلظ بخلاف غير عنه

الفصل الثاني
عن زيد بن ثابت إنه رأى النبي تجرد أي عن المخيط ولبس ازارا ورداء لاهلاله أي لا حرامه كما في نسخ المصابيح واغتسل أي للاحرام وهو من سنته عليه السلام ولعله يكون تفاؤلا عن غسل الآثام وقال بوجوبه الحسن البصري رواه الترمذي والدرامي وقال الترمذي حسن غريب قال ابن الهمام رحمه الله وينبغي أن يجامع زوجته إن كان يحرم من داره لأنه يحصل به إرتفاق له أولها فيما بعد ذلك وقد أسند أبو حنيفة عن إبراهيم بن المنتشر عن أبيه عن عائشة قالت كنت أطيب رسول الله ثم يطوف في نسائه ثم يصبح محرما وعن ابن عمران النبي لبد رأسه بالغسل بكسر الغين ما يغسل به من الخطمي وغيره وقد تقدم تأويله مع إنه ليس في الحديث دلالة ظاهرة على إنه كان قبل إحرامه ولا عبرة بذكر المصنف هنا لإبتنائه على فهمه وفقهه رواه أبو داود ويوافقه خبر الدارقطني بسند حسن أيضا إنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يحرم غسل رأسه باشنان وخطمى وعن خلاد بن السائب صحابيان عن أبيه أي السائب بن خلاد الخزرجي قال قال رسول الله أتاني جططيل فأمرني أن آمر أصحابي أي أمر استحباب أن يرفعوا أصواتهم بالاهلال أو التلبية قال الطيبى ررحمه الله هكذا في النسخ المصابيح


بالإحرام والتلبية وهو تصحيف أقول بل هو تحريف ومنشؤه وهم ضعيف لإن الاهلال كثيرا ما يأتي بمعنى الإحرام فوهم الناسخ ونقل بالمعنى وغفل إنه يأتي بمعنى رفع الصوت بالتلبية وحرد هنا عن الرفع أو أريد المبالغة قال ابن الهمام رفع الصوت بالتلبية سنة فإن تركه كان مسيئا ولا شيء عليه ولا يبالغ فيه فيجهد نفسه كيلا يتضرر ثم قال ولا يخفي إنه لا منافاة بين قولنا لا يجهد نفسه بشدة رفع الصوت وبين الادلة الدالة على استحباب رفع الصوت بشدة إذا لا تلازم بين ذلك وبين الإجهاد إذ قد يكون لرجل جهوري الصوت عالية طبعا فيحصل الرفع العالي مع عدم تعبه به وقال ابن الحاج المالكي وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى يعقروا حلوقهم وبعضهم يخفضون أصواتهم حتى لا يكاد يسمع والسنة في ذلك التوسط ا ه والمراة لا ترفع صوتها بل تسمع نفسه لا غير كذا في شرح الكنز رواه مالك الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي وصححه الترمذي وأغرب ابن حجر في قوله ويسن للملي أن يضع أصبعيه في أذنيه وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله يلبي الألبي من عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر من بيان من قال الطيبي رحمه الله لما نسب التلبية إليه عبر عنها بما عيبر عن أولى العقل ا ه وفي بعض النسخ ما عن يمينه فلا إشكال حتى تنقضي الأرض أي تنتهي من ههنا أي شرقا وههنا أي غربا إلى منتهى الأرض من جانب الشرق والغرب مما يبلغ صوته وتخصيص الشرق والغرب لإفادة العموم فلا ينافي القدام والوراء قال الطيبي رحمه الله أي يوافقه في التلبية جميع ما في الأرض ا ه وفيه نظر لا يخفى ثم في الحديث دلالة على إدراك الجمادات والنباتات الأمور الواقعة في الكائنات وعلمها بربها من توحيد الذات وكمال الصفات وإن تلبيتها وتسبيحها بلسان القال كما عليه جمهور أهل الحال فإن التأويل الذي يقبل التسبيح بأبي عنه التلبية بالتصريح فيكون بلسان القال هو الصحيح رواه الترمذي


وابن ماجة وعن ابن عمر قال كان رسول الله يركع أي يصلي
بذي الحليفة ركعتين أي سنة الإحرام لأحد التسكين يقرأ فيهما الكافرون والإخلاص وينوي ويلبي عقيبهما ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل أي رفع صوته بهؤلاء الكلمات يعني التلبية المشهورة وأبعد ابن حجر رحمه الله في قوه يعني التلبية السابقة في الفصل الأول فإن الإشارة فيها للعهد الذهني ويقول أي النبي زيادة عليها وذهب ابن حجر رحمه الله في إرجاع ضميره إلى ابن عمر عن نفسه أو أبيه وقد صرح الشيخان بالأمرين ففي رواية لهما عن نافع ولفظهما عنه أن تلبية رسول الله لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك أن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك قال وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل وفي رواية لهما يعد ذكرهما من حديث الباب أتي بهؤلاء الكلمات وكان ابن عمر يقول كان عمر يهل بإهلال رسول الله من هؤلاء الكلمات ويقول لبيك قال ابن حجر رحمه الله وبهذا يعلم أنه سقط من أصل المصنف نحو سطران كانت نسخته موافقة لهذه النسخة التي شرحت عليها قلت النسخ كلها توافقها ولعل المصنف اختصر الحديث اختصارا مخلا حيث يتبادر منه أن هذه الزيادة مرفوعة لبيك اللهم لبيك لبيك كرر للتأكيد أو ليعطف عليه وسعديك أي ساعدت على طاعتك مساعدة وإسعادا بعد إسعاد وهما منصوبان على المصدر كما ذكره الطيبي رحمه الله فسعديك مثنى مضاف قصد به التكرير للتكثير كما في لبيك أي أسعد إجابتك سعادة بعد سعادة بإطاعتك عبادة بعد عبادة قال في النهاية ولم يسمع مفردا عن لبيك والإسعاد المساعدة في النياحة خاصة والخير في يديك أي منحصر في قبضتك من صفتي القدرة والإرادة أو من نعتي الجمال والجلال فيكون إشارة إلى أنه تعالى محمود في كل الفعال أو هو من باب الاكتفاء وإلا فالأمر كله لله والخير والشركاء بقدره وقضائه أو من باب حسن الأدب في الإضافة والنسب كما قيل في قوله تعالى


وإذا مرضت فهو يشفين الشعراء ومن هنا ورد والشر ليس إليك أي لا ينسب إليك أدبا وقد أغرب ابن حجر رحمه الله في قوله أن التثنية هنا وفي مبسوطتان لم يقصد بها حقيقتها بل التكثير إلى ما لا غاية له كما في لبيك وسعديك لأن نعم الله تعالى ومقدوراته المكنى عنهما بذلك لا تحصى ووجه غرابته لا تخفى لأن مآل كلامه إلى اعتبار التثنية إلا أنهما من حيثية الجنسية مع أن المحققين ذهبوا إلى ما تقدموا لله سبحانه أعلم لبيك والرغباء إليك والعمل يروي بفتح الراء والمد وهو المشهور والرغبي بضم الراء مع القصر ونظيره العليا والعلى والنعماء والنعمى وعن أبي على الفتح مع القصر أي الطلب والمسألة والرغبة من


بيده الخير قال الطيبي رحمه الله وكذلك العمل منته إليه إذ هو المقصود منه ا ه والأظهر أن التقدير والعمل لك أي لوجهك ورضاك أو العمل بك أي بأمرك وتوفيقك أو المعنى أمر العمل راجع إليك في الرد والقبول وأغرب الطحاوي حيث ذكر كراهة الزيادة على التلبية المشهورة عن سعد ثم قال وبهذا نأخذ قال في البحر وهذا اختيار الطحاوي ولعل مراد من الكراهة أن يزيد الرجل من عند نفسه على التلبية المأثورة بقرينة ذكره قبل هذا القول ولا بأس للرجل أن يزيد فيها من ذكر الله تعالى ما أحب وهو قول محمد أو أراد الزيادة في خلال التلبية المسنونة فإن أصحابنا قالوا أن زاد عليها فهو مستحب قال صاحب السراج الوهاج هذا بعد الإتيان بها أما في خلالها فلا متفق عليه ولفظه لمسلم أي وللبخاري معناه وفي النسائي أنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر أي قصر ثم ركب قيل فيكون هو المراد من الركعتين في الحديث وفي البخاري أنه صلى الصحيح ثم ركب وذكر ابن عبد البر أن الجميع استحبوا أثر صلاة نافلة أو فريضة وحكى القاضي وغيره عن الحسن البصري أنه يستحب كونها بعد صلاة فرض لأنه جاء أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح والصواب على ما قاله الجمهور وهو ظاهر الحديث فهذا اعتراض على البغوي حيث خالف اصطلاحه في التفرقة بين الصحاح والحسان لكن قال شيخ الإسلام في تحريره لأحاديث المشكاة أسند هذا الحديث لأحمد لفظا والبخاري معنى إلا أنه قال بعد قوله بهذه الكلمات يعني التلبية فعلى هذا الاعتراض وقد روي ابن المنذر أن عمر كان يزيد لبيك ذا النعماء والفضل الحسن مرغوبا ومرهوبا وصح عن جابر أن الناس كانوا يزيدون فيها ذا المعارج والنبي يسمع ولم يقل لهم شيئا وروى ابن المنذر مرفوعا لبيك حقا حقا تعبدا ورقا هذا عن أنس موقوفا وصح أنه عليه الصلاة والسلام قال لبيك أن العيش عيش الآخرة مرة في أسر أحواله وهو بعرفة وأخرى في أشد أهواله وهو في حفر الخندق والحكمة فيهما عد الاغترار بما


يسر ويكدر في الدنيا فإن العبرة بالعقبى وعن عبارة بن خزيمة بضم العين وتخفيف الميم ابن ثابت عن أبيه أي خزيمة بن ثابت يعرف بذي الشهادتين شهد بدرا و ما بعدها كان مع علي يوم صفين فلما قتل عمار بن ياسر جرد سيفه فقاتل حتى قتل عن النبي كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله رضوانه بكسر الراء وضمها أي رضاه في الدنيا والآخرة والجنة في العقبى فإنها مرضي المولى واستعفاء أي طلب عفوه فهو عطف على سأل قال ابن الملك وروى استغفاره فيكون عطفا على رضوانه ا ه وفي الحصن بلفظ استعتقه برحمته أي بسبب رحمته تعالى لا بكسب نفسه من النار أي نار العذاب أو نار الحجاب فإنه أشد العقاب قال أصحابنا أن يصلي على النبي إذا فرغ
من التلبية ويخفض صوته بذلك وإن يسأل الله رضوانه والجنة ويستعيذ به من النار ويدعو بما أحب لنفسه ولمن أحب ويستحب أن يكرر التلبية في كل مرة ثلاث مرات وأن يأتي بها على الولاء ولا يقطعها بكلام ولورود السلام وفي خلالها جاز ولكن يكره لغيره أن يسلم عليه في هذه الحالة وإذا رأى شيئا يعجبه قال لبيك أن العيش عيش الآخرة ثم التلبية مرة شرط عندنا والزيادة سنة حتى يلزم الإساءة بتركها رواه الشافعي ورواه الدارقطني على ما ذكره ابن الهمام وروي الدارقطني والبيهقي أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي على نفسه بعد تلبيته وضعفه الجمهور كالذي قبله إلا أنه لا يضر لأنه من أحاديث الفضائل ويستحب أن يكون صوته به أخفض من التلبية لتظهر المزية
الفصل الثالث


عن جابر أن رسول الله لما أراد الحج أذن في الناس لقوله تعالى وأذن في الناس بالحج الحج الآية أي نادى بينهم بأني أريد الحج قاله ابن الملك والأظهر أنه أمر مناديا بأنه يريد الحج كما سيأتي في حديث جابر الطويل فاجتمعوا أي خلق كثير في المدينة فلما أتى البيداء وهي المفازة التي لا شيء فيها وهي هنا اسم موضع مخصوص عند ذي الحليفة أحرم أي كرر أحرامه أو أظهره وهو أظهر لما ثبت أنه أحرم ابتدأ في مسجد ذي الحليفة بعد ركعتي الأحرام رواه البخاري رحمه الله وفي رواية أبي داود عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا على جبل البيداء أهل وفي الصحيحين عن ابن عمرا أهل إلا عند المسجد يعني مسجد ذي الحليفة وفي رواية ما أهل إلا عند المسجد حين قام به بعيره وفي أخرى حين وضع رجله في الغرز واستوت به راحلته قائما أهل عند مسجد ذي الحليفة وفي أخرى لأبي داود والترمذي لما أراد الحج إذن في الناس فاجتمعوا له فلما أتى البيداء أحرم وعن ابن عباس قال كان المشركون يقولون لبيك لا شريك لك فيقول رسول
الله ويلكم قدقد بسكون الدال وكسرها مع التنوين فيهما أي كفاكم هذا الكلام فاقتصروا عليه ولا تقولوا إلا شريكا هو لك تمكله وما ملك ما نافية وقيل موصولة قال الطيبي كان المشركون يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تمكله وما ملك فإذا انتهى كلامهم إلى لا شريك لك قال رسول الله وسلم قدقد أي اقتصروا عليه ولا تتجاوزوا عنه إلى ما بعد قوله إلا شريكا الظاهر فيه الرفع على البدلية من المحل كما في كلمة التوحيد فاختير في الكلمة السفلي اللغة السافلة كما اختير في الكلمة العليا العالية يقولون أي المشركون وهو مقول ابن عباس هذا أي هذا القول وهو قولهم إلا شريكا مع ما قبله وما بعده وهم يطوفون بالبيت رواه مسلم


باب في قصة حجة الدواع
بفتح الواو مصدر ودع توديعا كسلم سلاما وكلم كلاما وقيل بكسر الواو فيكون مصدر الموادعة وهو إما الوداعه الناس أو الحرم في تلك الحجة وهي بفتح الحاء وكسرها قال الشمني لم يسمع في حاء ذي الحجة إلا الكسر قال صاحب الصحاح الحجة المرة الواحدة وهو من الشواذ لأن القياس الفتح
الفصل الأول
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله مكث بضم الكاف وفتحها أي لبث بالمدينة تسع سنين لم يحج أي لكنه اعتمر كما مر قال الطيبي وقد فرض الحج سنة ست من الهجرة ا ه وقيل سنة ثمان وقبل سنة تسع كما سبق ثم أذن في الناس أي أمر بأن ينادي بينهم وفي نسخة بصيغة المجهول أي نادى مناد بإذنه في العاشرة أي السنة العاشرة من الهجرة أن أي بأن رسول الله حاج أي مريد الحج وقاصده وفي نسخة بالكسر فيكون من جملة المقول وإنما أذن ليكثروا فيشاهدوا مناسكه فينقلوا إلى غيرهم فقدم المدينة بشر كثير تحقيقا


لقوله تعالى يأتوك رجالا الحج أي مشاة وعلى كل ضامر أي راكبين على كل بعير ضعيف يأتين من كل فج أي طريق بعيد ليشهدوا منافع لهم أي ليحضروا منافع دينية ودنيوية وأخروية وزاد في رواية كلهم يلتمس أن يأثم برسول الله ويعمل مثل عمله قيل وقد بلغ جملة من معه عليه الصلاة والسلام ومن أصحابه في تلك الحجة تسعين ألفا وقيل مائة وثلاثين ألفا فخرجنا معه أي لخمس بقين من ذي القعدة كما رواه النسائي بين الظهر والعصر وروى الترمذي وابن ماجة عن أنس والطبراني عن ابن عباس أن حجة عليه الصلاة والسلام كان على حل رث يساوي أربعة دراهم حتى إذا أتينا ذا الحليفة فنزل بها فصلى العصر ركعتين ثم بان بها وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر وكان نساؤه كلهن معه فطاف عليهن تلك الليلة ثم اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه غير غسل الجماع الأول وأخرج مسلم أنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فاشعرها في سفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها أي بيده كما في رواية أو بأصبعه كما في أخرى وقلدها نعلين والمراد بالناقة فيها الجنس أو الواحدة منها لتعبير رواية الترمذي بالهدي في التقليد والإشعار ولرواية النسائي أشعر بدنة من الجانب الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين وتقديم الإشعار هو الذي صح في خبر مسلم فهو أولى من تقديم التقليد وإن نص عليه الشافعي رحمه الله وصح من فعل ابن عمر رضي الله عنهما فتدبر فولدت أسماء زوجة الصديق رضي الله عنهما بعد موت جعفر وتزوجها على بعد موت الصديق وولدت له يحيى بنت عميس بالتصغير محمد بن أبي بكر وهو من أصغر الصحابة قتله أصحاب معاوية بمصر سنة ثمان وثلاثين فأرسلت إلى رسول الله كيف أصنع أي في باب الاحرام قال اغتسلي دل على أن اغتسال النفساء للأحرام سنة كذا ذكره الطيبي رحمه الله وهو للنظافة لا للطهارة ولهذا لا ينويه لتتميم وكذا في الحائض واستثفرى بثوب أي اجعلي ثوبا بين فخذيك وشدي فرجك بمنزلة الثفر


للدابة واحرمي أي بالنبية والتلبية فصلى رسول الله أي ركعتين سنة الأحرام في المسجد أي مسجد ذي الحليفة قال ابن العجمي في منسكه ينبغي أن كان في الميقات مسجد أن يصليهما فيه ولو صلاهما في غير المسجد فلا بأس ولو أحرم بغير صلاة جاز ولا يصلي في الأوقات المكروهة وتجزي المكتوبة عنهما كتحية المسجد وقيل صلى الظهر وقد قال ابن القيم ولم ينقل أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر وأغرب ابن حجر حيث تعقبه بقوله وليس كما زعم في الصحيحين كان يركع بذي الحليفة ركعتين ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل ا ه ووجه غرابته لا يخفى إذ لا دلالة فيه على المدعى ثم ركب القصواء بالمد مع فتح القاف وفي نسخة بالضم والقصر وهو خطأ كذا في شرح مسلم اسم لناقته قيل كل ما قطع أذنه فهو جذع فإذا بلغ القطع الربع فهو قصور وإن جاوز فهو عضب وقيل هي التي قطع طرف


أذتها وقيل وسميت بها لسبقها أي كان عدوها أقصى السير وغاية الجري وقال محمد بن إبراهيم التيمي التابعي إن القصواء والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول الله حتى إذا استوت به ناقته على البيداء تقدم معناه أهل بالتوحيد قال ابن حجر أي أحرم رافعا صوته بالحج وحده ولا يخفى تكلفه وأغرب ابن حجر بأنه استدل على أن حجه عليه الصلاة والسلام كان إفرادا والظاهر أن معناه رفع صوته بالتوحيد وبيانه لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك وفيه دلالة لأبي حنيفة رحمه الله في اشتراطه صحة نية الإحرام بانضمام التلبية إليها فالتلبية بمنزلة تكبير التحريمة المقارن بالنية في أداء الصلاة ولذا أقيم كل ذكر مقامها قال ابن الهمام رحمه الله لفظها مصدر مثنى تثنية يراد بها التكثير كقوله تعالى ثم ارجع البصر كرتين تبارك أي كرات كثيرة وهو ملزوم النصب والإضافة كما ترى والناصب له من غير لفطه تقديره أجبت إجابتك إجابة بعد إجابة إلى ما لا نهاية له وكأنه من ألب بالمكان إذا أقام به ويعرف بهذا معناه فيكون مصدرا محذوف الزوائد وهي إجابة فقيل لدعاء الخليل على ما أخرجه الحاكم عن ابن عباس قال لما فرغ إبراهيم عليه الصلاة والسلام من بناء البيت قال رب فرغت فقال أذن في الناس بالحج قال رب وما يبلغ صوتي قال اذن وعلي البلاغ قال رب كيف أقول قال يا أيها الناس كتب عليكم الحج حج البيت العتيق فسمعه من بين السماء والأرض ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأخرجه من طريق آخر وأخرجه غيره بألفاظ تزيد وتنقص وأخرج الأرزقي في تاريخ مكة عن عبد الله بن سلام قال لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس قام على المقام حتى أشرف على ما تحته الحديث وأخرجه عن مجاهد قام إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال يا أيها الناس أجيبوا ربكم فقالوا لبيك اللهم لبيك فمن حج البيت فهو ممن أجاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام يومئذ إن الحمد والنعمة لك والملك


قال صاحب الهداية رحمه الله بكسر الهمزة لا بفتحها قال ابن الهمام يعني في الوجه الأوجه وأما في الجواز فيجوز والكسر على استئناف الثناء وتكون التلبية للذات والفتح على أنه تعليل للتلبية أي لبيك لأن الحمد والنعمة لك والملك ولا يخفى أن تعليق الإجابة التي لا نهاية لها بالذات أولى منه باعتبار صفة هذا وإن كان استئناف الثناء لا يتعين مع الكسر لجواز كونه تعليلا مستأنفا كما في قولك علم ابنك العلم إن العلم نافعه وقال تعالى وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم التوبة وهذا مقرر في مسالك العلة من علم الأصول لكن لما جاز فيه كل منهما يحمل على الأول لا ولويته بخلاف الفتح لأنه ليس فيه سوى أنه تعليل لا شريك لك أي في شيء من ذلك وفي رواية قال جابر وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله منه شيئا ولزم رسول الله تلبيته قال القاضي فيه إشارة إلى ما روي من زيادة الناس في التلبية من الذكر والثناء كذا في شرح مسلم قال جابر


لسنا ننوي أي شيئا من النيات إلا الحج أي نيته لسنا نعرف العمرة أي مع الحج وهو تأكيد للحصر السابق قبل أي لا نرى العمرة في أشهر الحج استصحابا لما كان عليه أول الجاهلية من كون لعمرة محظورة في أشهر الحج من أفجر الفجور وقيل ما قصدناها ولم تكن في ذكرنا والمعنى لسنا نعرف العمر مقرونة بالحجة أو العمرة المفردة في أشهر الحج وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن الصحابة خرجوا معه لا يعرفون إلا الحج فبين لهم وجوه الإحرام وجوز لهم الاعتمار في أشهر الحج فقال من أحب أن يهل بعمرة فليهل ومن أحب أن يهل بحج فليهل حتى إذا أتينا البيت معه أي وصلناه بعد ما نزل بذي طوى بات بها واغتسل فيها ودخل مكة من الثنية العليا صبيحة الأحد رابع ذي الحجة وقصد المسجد من شق باب السلام ولم يصل تحية المسجد لأن تحية البيت المقصود منه هو الطواف فمن ثم استمر عليه الصلاة والسلام على مروره في ذلك المقام حتى استلم الركن أي الحجر الأسود والاستلام افتعال من السلام بمعنى التحية وأهل اليمن يسمون الركن بالمحيا لأن الناس يحيونه بالسلام وقيل من السلام بكسر السين وهي الحجارة يقال استلم الحجر إذا الثمه وتناوله والمعنى وضع يديه عليه وقبله وقيل وضع الجبهة أيضا عليه فرمل إي أسرع يهز منكبيه ثلاثا أي ثلاث مرات من الأشواط السبعة ومشى أي على السكون والهينة أربعا أي في أربع مرات وكان مضطبعا في جميعها ثم تقدم وفي نسخة صحيحة من نسخ مسلم نفذ بالنون والفاء والذال المعجمة أي توجه إلى مقام إبراهيم بفتح الميم أي موضع قيامه فقرأ واتخذوا بكسر الخاء على الأمر وبفتحها على الخير من مقام إبراهيم أي بعض حواليه مصلى بالتنوين أي موضع صلاة الطواف فصلى ركعتين كما في نسخة فجعل المقام بينه وبين البيت أي صلى خلفه بيانا للأفضل وفي رواية أنه قرأ في الركعتين أي بعد الفاتحة قل هو الله أحد أي إلى آخرها في احداهما وقل يا أيها الكافرون أي بتمامها في الأخرى


والواو لمطلق الجمع فلا إشكال قال الطيبي رحمه الله كذا في صحيح مسلم وشرح السنة في إحدى الروايتين وكان من الظاهر تقديم سورة الكافرون كما في رواية المصابيح ولعل السرفية من مقدمة سورة الإخلاص لاثبات التوحيد وسورة الكافرون للبراءة عن الشرك فقدم الاشراك اهتماما لشأنه لاندراس آثار الأضداد يوم الفتح وأما تقديم سورة الكافرون على الاخلاص فبناء على تقديم نفي الآلهة الباطلة على إثبات واجب الوجود ككلمة
التوحيد في مقام الشهود ثم اعلم أن محل المقام الآن هو الذي كان في عهده عليه الصلاة والسلام على الصحيح وأما ما جاء عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أنه كان بينه وبين البيت أربعة أذرع فلما كثر الناس وتضيقوا أخره عمره إلى محله الآن فهو غريب وإن أخذ به بعض الأئمة وقال النووي معناه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قل يا أيها الكافرون وفي الثانية بعد الفاتحة قل هو الله أحد وقد ذكر البيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر إن النبي طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ثم رجع إلى الركن فاستلمه كالمودع له فقد صحح أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من طوافه قبل الحجر ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه وأنه قبله وسجد عليه بل صح أيضا أنه بعد أن عاد إلى الحجر ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب منها على رأسه ثم رجع فاستلم الركن ثم خرج من الباب أي باب الصفا إلى الصفا أي إلى جانبه فلما دنا أي قرب من الصفا قرأ ان الصفا والمروة من شعائر الله جمع شعيرة وهي العلامة التي جعلت للطاعات المأمور بها في الحج عندها كالوقوف والرمي والطواف والسعي أبدأ بصيغة المتكلم أي وقال ابدأ بما بدأ الله به أي ابتدأ بالصفا لأن الله تعالى بدأه بذكره في كلامه فالترتيب الذكري له اعتبار في الأمر الشرعي اما وجوبا أو استحبابا وإن كانت الواو المطلق الجمع في الآية


قال النووي رحمه الله وقد ثبت في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد صحيح ابدؤا بصيغة الجمع وعلى كل تقدير فيدل على وجوب السعي لا على أنه ركن مع أن بعض الصحابة وغيرهم قالوا إنه تطوع لظاهر الآية وسبب نزولها ما ذكرت عائشة لما سألها عروة فقالت إنما نزلت هكذا لأن الأنصار كانوا يتحرجون من الطواف بين الصفا والمروة أي يخافون الخرج فيه فسألوا النبي فنزلت وأما قوله عليه الصلاة والسلام على ما رواه الشافعي وغيره بسند حسن أنه عليه الصلاة والسلام استقبل الناس في المسعى وقال يا أيها الناس اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي وأورده الحاكم في مستدركه وابن السكن في صحاحه فإنما يفيد الوجوب دون الركنية مع أنه تكلم في سنده وإن أجاب عنه ابن عبد البر وغيره والحاصل أن دلالة الآية والحديث كلاهما ظنية لا يفيد الركنية فبدأ أي في سعيه بالصفا فرقى بكسر القاف أي صعد عليه أي على الصفا حتى رأى البيت أي إلى أن رآه فاستقبل القبلة وضع الظاهر موضع الضمير تنصيصا على أن البيت قبلة وتنبيها على أن المقصود بالذات هو التوجه إلى القبلة لا خصوص رؤية البيت وهو


الآن يرى بلا رقى في قدر يسير وقيل قدر القامة وهذا بالنسبة إلى الماشي دون الراكب فوحد الله أي قال لا إله إلا الله وكبره أي قال الله أكبر وقال لا إله إلا الله أما تفسير لما سبق والتكبير مستفاد من معناه وأما قول آخر غير ما سبق قاله الطيبي رحمه الله والأظهر أنه قول آخر وكأنه اجمال وتفصيل لقوله وحده حال مؤكدة أي منفرد بالالوهية أو متوحد بالذات لا شريك له في الألوهية فيكون تأكيدا أو في الصفات فيكون تأسيسا وهو الأولى كما لا يخفى له الملك أي ملك السموات والأرض وله الحمد أي الثناء الجميل ثابت له لا لغيره حقيقة في الأولى والآخرة وزاد الشافعي في رواية صحيحة يحيي ويميت وهو على كل شيء أي تعلقت به إرادته قدير أي كامل القدرة لا يعجزه شيء لا إله إلا الله وحده أي منفرد بالأفعال وخلق الأعمال أنجز وعده أي وفي بما وعد لا علاء كلمته ونصر عبده أي عبده الخالص أي في مقام الاختصاص نصرا عزيزا وفتحا مبينا وهزم الأحزاب وحده قال الطيبي رحمه الله الذين تحزبوا على رسول الله يوم الخندق فهزمهم الله تعالى بغير قتال ا ه ويمكن أن يراد بهم أنواع الكفارة الذين غلبوا بالهزيمة والفرار ثم لمجرد الترتيب دون التراخي دعا بين ذلك قال ابن الملك رحمه الله إشارة إلى قوله لا إله إلا الله ا ه وبينه وبين المقصود بون بين وقال الطيبي رحمه الله كلمة ثم تدل على تأخير الدعاء من ذلك الذكر وكلمة بين تقتضي توسطه بين الذكر كان يدعو مثلا بعد قوله على كل شيء قدير وأجيب بأن بعد قوله وهزم الأحزاب وحده دعا بما شاء ثم عاد إلى الذكر ثم عاد مرة ثالثة ا ه ولا يظهر وجه الجواب فنقول والله أعلم بالصواب إن قوله قال مثل هذا ثلاث مرات جملة حالية والتقدير ثم دعا بين ذلك والحال أنه قدر قال مثل هذا الذكر ثلاث مرات أو نقول جاء بين بمعنى الوصل والفرقة أي دعا واصلا ذلك أو مفارقا ذلك يعني الذكر السابق بالدعاء اللاحق وحاصله أنه دعا بعد فراغ المرة الأولى


من الذكر وقبل الشروع في المرة الثالثة ثم نزل ومشى إلى المروة أي متوجها إليها وقاصدا جهتها حتى انصبت قدماه أي انحدرت مجاز من قولهم صب الماء فانصب في بطن الوادي أي المسعى وهو في الأصل مفرج بين جبال أو تلال أو آكام كذا في القاموس يعني انحدرتا بالسهولة في صيب من الأرض وهو المنحدر المنخفض منها والانصباب الانسكاب أي حتى بلغتا على وجه السرعة إلى أرض منخفضة سعى أي عدا يعني سعى سعيا شديدا كذا في المصابيح وفي بعض نسخ المشكاة وليس موجودا في الأصول المصححة ويدل عليه ما نقله الطيبي رحمه الله عن القاضي عياض أنه قال في الحديث إسقاط


كلمة لا بد منها وهي رمل بعد قوله في بطن الوادي كما في رواية غير مسلم كذا ذكره الحميدي وفي الموطأ سعى بدل رمل قال النووي وهو بمعنى رمل وقد وقع في بعض نسخ مسلم كما في الموطأ قلت الظاهر أن رمل بمعنى سعى لا أن سعى بمعنى رمل حتى إذا صعدتا بكسر العين كذا في النسخ المصححة وأما ما في نسخة بصيغة المتكلم مع الغير فتصحيف أي ارتفعت قدماه عن بطن الوادي وفي نسخة أصعدتا بالهمز وفي المصابيح إذا صعدت قدماه قال شارح أي أخذت قدماه في الصعود والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد في صعود أو حدور ا ه وفي القاموس صعد في السلم كسمع وصعد في الجبل وعليه تصعيد أو لم يسمع صعد فيه وأصعد في الأرض مضى وفي الوادي انحدر وقال الطيبي رحمه الله الإصعاد الذهاب في الأرض مطلقا ومعناه في الحديث ارتفاع القدمين عن بطن الوادي إلى المكان العالي لأنه في مقابلة انصبت قدماه أي دخلت في الحدور ا ه وبهذه النقول يتبين ترجيح نسخة أصعدتا بالهمز والله تعالى أعلم مشى حتى أتي المروة ففعل على المروة كما فعل أي مثل فعله على الصفا من الرقي والاستقبال والذكر والدعاء وظاهر الحديث من قوله مشى وما قبله أنه لم يسع راكبا وهو يفيد الوجوب حيث لا عذر لقوله عليه الصلاة والسلام خذوا عني مناسككم وأما ركوبه عليه الصلاة والسلام كما في خبر مسلم أن ابن عباس قيل له إن قومك يزعمون أن الركوب في السعي سنة فقال صدقوا أو كذبوا أن محمدا كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت وكان لا يضرب الناس بين يديه فلما كثروا عليه ركب والمشي والسعي أفضل فلا ينافي ما قدمناه بل يساعده ويعاضده على أن محمول على سعيه في عمرة القضاء لما روى أبو داود أنه عليه الصلاة والسلام طاف في عمرة القضاء راكبا ليسمعوا كلامه ويروا مكانه ولا تمسه الأيدي لأن الناس كانوا لا يدفعون عنه حتى إذا كان تامة أي وجد آخر طواف أي سعى على المروة متعلق بكان قال جواب إذا قال


الطيبي وفي نسخة صحيحة فقال بزيادة الفاء وأما ما في بعض النسخ نادى وهو على المروة والناس تحته فقال فلا أصل له لو أني استقبلت أي لو علمت في قبل من أمري ما استدبرت أي ما علمته في دبر منه والمعنى لو ظهر لي هذا الرأي الذي رأيته الآن لامرتكم به في أول أمري وابتداء خروجي لم أسق الهدى بضم السين يعني لما جعلت على هديا واشعرته وقلدته وسقته بين يدي فانه إذا ساق الهدى لا يحل حتى ينحر ولا ينحر إلا يوم النحر فلا يصح له فسخ الحج بعمرة بخلاف من لم يسق إذ يجوز له فسخ الحج قيل إنما قاله تطييبا لقلوبهم وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم إليه إذ كان يشق عليهم ترك الاقتداء


بفعله وقد يستدل بهذا الحديث من يجعل التمتع أفضل وقيل وربما يشق عليهم ما أمرهم للافضاء إلى النساء قبل أداء المناسك كما ورد في حديث جابر قالوا نأتي عرفة وتقطر مذاكيرنا المنى قال النووي رحمه الله هذا صريح في أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن متمتعا وجعلتها أي الحجة عمرة أي جعلت إحرامي بالحج مصروفا إلى العمرة كما أمرتكم به موافقة فمن كان منكم الفاء جواب شرط محذوف أي إذا كان الأمر على ما ذكرت من أني أفردت الحج وسقت فمن كان منكم ليس معه هدى قال النووي رحمه الله الهدى بإسكان الدال وكسرها تشديد الياء مع الكسرة وتخفف مع الفتح فليحل بكسر الحاء أي ليصر حلالا وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة وليجعلها أي الحجة عمرة إذ قد أبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام حتى يستأنف الإحرام للحج والواو لمطلق الجمع إذا لجعل مقدم على الخروج لأن المراد من الجعل الفسخ وهو أن يفسخ نية الحج ويقطع أفعاله ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة أو الواو للعطف التفسيري وبهذا الحديث أخذ أبو حنيفة وأحمد رحمه الله مع الرواية الأخرى من أحرم لعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه أن المتمتع إذا كان معه الهدى لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر وقال مالك والشافعي رحمهم الله يحل من عمرته بمجرد فراغ أعمالها وإن ساق الهدى واحتجوا بالقياس على حل الحاج من حجه وإن لم ينحر وفيه أن القياس في مقابلة النص ممتنع وأما جوابهم عن هذه الرواية بأنها مختصرة من رواية مسلم الآتية عن عائشة رضي الله عنها عقب رواية جابر هذه لأن في تلك من كان معه هدى فليهلل بالحج والعمرة ثم لا يحل حتى يحلل منهما جميعا قالوا وهذا بين أن في تلك محذوفا أي ومن أحرم لعمرة فليهل بحج ولا يحل حتى ينحر هديه أي ندبا لأن هذا محل وفاق وإنما يتعين هذا التأويل لاتحاد القصة والراوي ففيه نظر ظاهر فإن الأمر أصله للوجوب ولا يصرف عنه إلى الندب إلا لموجب صارف عن الأول فتأمل ثم


قولهم ومن أحرم بعمرة فليهل بحج ففيه إن فسخ العمرة العمرة بالحج لا قائل به بعد قوله قال بعض علمائنا لما أراد أن يأمرهم بجعل الحج عمرة والإهلال بأعمالها تأسيسا بالتمتع وتقرير الجواز العمرة في أشهر الحج وإماطة لما ألغوا من التحرج عنها قدم العذر في استمراره على ما أهل به وترك موافقتهم في الاهلال تطييبا لقلوبهم وإظهارا للرغبة في موافقتهم وإزاحة لما عراهم من الغضاضة وكراهة المخالفة واختلف في جوار فسخ الحج إلى العمرة والأكثرون على منعه وأجيب بأن ذلك كان من خاصة تلك السنة لأن المقصود منه كان صرفهم عن سنن الجاهلية وتمكين جواز العمرة في أشهر الحج في نفوسهم ويشهد له ما روي عن بلال بن الحرث أنه قال قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا قال لكم خاصة فقام سراقة بن مالك بضم السين بن جعشم بضم الجيم والشين ويفتح فقال يا رسول الله ألعامنا هذا يعني الإتيان بالعمرة في أشهر الحج أو مع الحج يختص بهذه السنة أم لا بد أي من الحال والاستقبال فشبك رسول الله


أصابعه واحدة أي جعل أو أدخل واحدة في الأخرى منصوب لعامل مضمر والحال مؤكدة ذكره الطيبي رحمه الله أو أراد أصابع يد واحدة لا واحدة من الأصابع فيكون بدل كل ويجوز أن يكون نصبها على أنها بدل بعض من أصابعه وقال دخلت العمرة أي جوازها في الحج أي في أشهره مرتين أي قالها مرتين لا أي ليس لعامنا هذا فقط بل لابد أبد كرره للتأكيد قيل معناه أنه تجوز العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة والمقصود إبطال ما زعمه أهل الجاهلية من أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج قال النووي رحمه الله وعليه الجمهور وقيل معنى دخولها في الحج أن فرضها ساقط بوجوب الحج وفيه أنه متى فرضت حتى يقال سقطت قال النووي رحمه الله وسياق الحديث يقتضي بطلانه وقيل معناه جواز القران وتقدير الكلام دخلت أفعال العمرة في الحج إلى يوم القيامة ويدل عليه تشبيك الأصابع وفيه أنه حينئذ لا مناسبة بين السؤال والجواب فتدبر يظهر لك وجه الصواب وقيل جواز فسخ الحج إلى العمرة قال النووي وهو ضعيف أقول هذا هو الظاهر من سياق الحديث وسباقه والله تعالى أعلم ثم قال النووي رحمه الله واختلف العلماء في هذا الفسخ هل هو خاص للصحابة أم لتلك السنة أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة فقال أحد وطائفة من أهل الظاهر ليس خاصا بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدى أي يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف رحمهم الله تعالى هو مختص بهم في تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج ا ه ويحتاج الكلام في سند المنع وبيان المخصص لالزام الخصام ثم رأيت ما يدل للجمهور حديث أبي ذر رواه مسلم كانت المتعة أي الفسخ في الحج لأصحاب محمد خاصة وحديث النسائي يا رسول الله فسخ الحج للعمرة لنا خاصة أم للناس عامة فقال عليه الصلاة والسلام لنا خاصة هذا وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام لما نزل


بسرف حاضت عائشة بعدما سمعته عليه الصلاة والسلام يقول من لم يكن معه هدى فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه الهدى فلا فبكت فقال ما يبكيك فذكرت له ما سمعته وانها بسببه منعت العمرة لحيضها فقال لا يضرك إنما أنت من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن فكوني في حجك رواه الشيخان وفي رواية فافعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري وما صرحت به هذه الرواية من أنها كانت محرمة بحج تعارضه رواية البخاري عنها وكنت فيمن أهل بعمرة زاد أحد ولم أسق هديا وفي رواية عنها خرجنا مع رسول الله نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة وجمع بأنها أهلت بالحج مفردة كبعض الصحابة ثم أمرهم أن يفسخوا


الحج إلى العمرة ففعلت فصارت متعة ثم لما دخلت مكة حائضا وتعذر عليها الطواف أمرها أن تحرم بالحج ورد مالك رواية إحرامها بالعمرة أوله ابن عبد البر بأنه من حيث أن فسخ العمرة وجعلها حجا لم يقل به أحد بخلاف فسخ الحج إلى العمرة فإنه مختلف في جوازه إلى الآن على أن رفضها لعمرتها بالكلية غير محقق فقد قال جماعة يحتمل أن أمره لها برفض عمرتها ترك التحلل منها وادخال الحج عليها حتى تصير قارنة ذكره ابن حجر رحمه الله وهو مردود بأنه عليه الصلاة والسلام أمرها بنقض شعرها ومشط رأسها ورواية مسلم فامسكي عن العمرة أي عن أعمالها لأجل رفضها وأما قول ابن حجر رحمه الله وانها قالت وارجع بحج لاعتقادها أن افراد العمرة بالعمل أفضل ورد هذا التأويل برواية أحمد وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة وهذا صريح لقول أئمتنا إنها تركت العمرة وحجت مفردة وأخذوا منه أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل الطواف تترك العمرة وتهل بالحج مفردة وكذا إذا ضاق الوقت ووقف القارن قبل أفعال العمرة فانه يكون رافضا لعمرتهفيقضيها ويلزمه دم لرفضها ولا ينافيه رواية مسلم إنها أهلت بعمرة فحاضت بسرف فقال لها أهلي بالحج فلما ظهرت وطافت وسعت أي بعد الوقوف قال لها قد حللت من حجك وعمرتك وذلك لأنها رفضت أفعال العمرة لا أنها فسخت العمرة بالحج إذ لا قائل به كما قال مالك ثم لما شكت إليه أنها تجد في نفسها أنها لم تطف إلا بعد الحج والناس يرجعون بحجة وعمرة كاملة أعمرها من التنعيم وأما رواية مسلم طوافك يسعك لحجتك وعمرتك أي يقوم مقامهما في الجملة وأنها تخرج من إحرام العمرة وقدذم على من اليمن ببدن النبي وهو بضم الباء وسكون الدار بدنة والمراد هنا ما يتقرب بذبحه من الإبل فقال أي النبي لعلي ماذا قلت لها وجاء في رواية فوجد فاطمة رضي الله عنها فيمن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكرت ذلك عليها قال النووي قلنا ظنا أنه لا يجوز فقالت أن أبي أمرني بهذا فكان علي


رضي الله عنه بالعراق يقول فذهبت إلى رسول الله محرشا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله فيما ذكرت عنه فأخبرته إني أنكرت ذلك عليها فقال صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج أي ألزمته على نفسك بالنية والتلبية قال تعالى البقرة قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسولك قال ابن الملك رحمه الله يدل على جواز تعليق إحرام الرجل على إحرام غيره قال أي النبي فإن معي بسكون الياء وفتحها أي إذا علقت إحرامك بإحرامي فإني أحرمت بالعمرة ومعي الهدى ولا أقدر أن أخرج من العمرة بالتحلل فلا تحل نهى أو نفى أي لا تحل أنت بالخروج من الإحرام كما لا أحل حتى تفرغ من العمرة والحج قال أي جابر فكان جماعة الهدى أي من الإبل الذي قدم به أي بذلك الهدى على من اليمن أي له والذي أتى به النبي مائة أي من الهدى قال أي جابر فحل الناس أي خر


من الإحرام من أحرم بالعمرة ولم يكن معه هدى بعد الفراغ منها كلهم قال الطيبي رحمه الله قيل هذا عام مخصوص لأن عائشة رضي الله عنها لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدى أقول لعلها ما أمرت بفسخ الحج إلى العمرة أو كانت معتمرة وأمرت بإدخال الحج عليها لتكون قارنة كما سيأتي قريبا وقصروا قال الطيبي رحمه الله وإنما قصروا مع أن الحلق أفضل لأن يبقى لهم بقية من الشعر حتى يحلق في الحج ا ه وليكون شعرهم في ميزان حجتهم أيضا سببا لزيادة أجرهم وليكونوا داخلين في المقصرين والمحلقين جامعين بين العمل بالرخصة والعزيمة إلا النبي استثناء من ضمير حلوا ومن كان معه هدى عطف على المستثنى فلما كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة سمى به لأن الحجاج يرتوون ويشربون فيه من الماء ويسقون الدواب لما بعده وقيل لأن الخليل تروى فيه أي تفكر في ذبح إسماعيل وإنه كيف يصنع حتى جزم عزمه يوم العاشر بذبحه توجهوا أي أرادوا التوجه إلى منى ينون وقيل لا ينون فيكتب بالألف سميت به لأنه يمنى الدماء في أيامها أي يراق ويسفك أو لأنه يعطي الحجاج مناهم بإكمال أفعال الحج فيها فأهلوا بالحج أي أحرم به من كان خرج عن إحرامه بعد الفراغ من العمرة وركب النبي أي حين طلوع الشمس من يوم التروية وسار من مكة إلى منى فصلى بها أي بمنى في مسجد الخيف الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر أي في أوقاتها ثم مكث بفتح الكاف وضمها أي لبث بعد إداء الفجر قليلا فيه إشارة إلى أسفار الفجر حتى طلعت الشمس وأمر بقبة عطف على ركب أو حال أي وقد أمر بضرب خيمة من شعر بفتح العين وسكونها تضرب بصيغة المجهول بنمرة بفتح النون وكسر الميم وهو غير منصرف موضع على يمين الخارج من مأزمي عرفة إذا أراد الموقف قال الطيبي رحمه الله جبل قريب من عرفات وليس منها فسار رسول الله أي من منى إليها ولا تشك قريش إلا أنه واقف أي للحج عند المشعر الحرام قال الطيبي رحمه الله أي ولم يشكو في أنه يخالفهم


في المناسك بل تيقنوا بها إلا في الوقوف فإنهم جزموا بأنه يوافقهم فيه فإن أهل الحرم كانوا يقفون عند المشعر الحرام وهو جبل في المزدلفة يقال له قزح وعليه جمهور المفسرين والمحدثين وقيل أنه كل المزدلفة وهو بفتح العين وقيل بكسرها ذكره النووي رحمه الله وهذا معنى قوله كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ويقولون نحن حمام الحرم فلا نخرج منه وقد يتوهم
إنه كان يوافقهم قبل البعثة وليس كذلك لما جاء في بعض الروايات صريحا أنه كان يقف مع عامة الناس قبل النبوة أيضا كما هو مذكور في الدار المنثور فأجاز رسول الله أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها وسار من طريق ضب وهو جبل متصل بثبير وهي من مزدلفة في أصل المأزمين على يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة حتى أتى عرفة أي قاربها فوجد القبة أي الخيمة المعهودة قد ضربت أي بنيت له بنمرة فنزل بها أي بالخيمة وهذا يدل على جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها خلافا لما لك وأحمد في مثل هودج ونحو ذلك حتى إذا زاغت أي نزل بها واستمر فيها حتى إذا مالت الشمس وزالت عن كبد السماء من جانب الشرق إلى جانب الغرب أمر بالقصواء أي بإحضارها فرجلت له على بناء المجهول مخففا أي شد الرحل عليها للنبي فأتى أي فركبها فأتى بطن الوادي موضع بعرفات يسمى عرنة وليست عرفات خلافا لمالك ومنها بعض مسجد إبراهيم الموجود اليوم واختلف في محدثه والصحيح إنه منسوب لإبراهيم الخليل باعتبار أنه أول من اتخذه مصلى وقيل إبراهيم القبيسي المنسوب إليه أحد أبواب المسجد كان في أول دولة بني العباس أي فنسب إليه لأنه كان بانيه أو مجدده فخاطب الناس أي وعظهم وخطب خطبتين الأولى لتعريفهم المناسك والحث على كثرة الذكر والدعاء بعرفة والثانية قصيرة جدا لمجرد الدعاء ومن ثم قيل إذا أقام أيها شرع المؤذن في الإقامة ليفرغا معا كما بينه البيهقي وقال أن دماءكم وأموالكم أي تعرضها حرام عليكم أي ليس لبعضكم أن يتعرض لبعض فيريق دمه أو يسلب ماله كحرمة


يومكم هذا يعني تعرض بعضكم دماء بعض وأمواله في غير هذه الأيام كحرمة التعرض لهما في يوم عرفة في شهركم هذا أي ذي الحجة في بلدكم هذا أي مكة أو الحرم المحترم وفيه تأكيد حيث جمع بين حرمة الزمان واحترام المكان في تشبيه حرمة الأموال والأبدان ويمكن أن يكون لفا ونشرا مشوشا بأن تكون حرمة النفس كحرمة البلد لأنه ثابت مستقر في مكانه وحرمة المال كحرمة الزمان فإنه غاد ورائح وفيه إيماء إلى قوة حرمة البلد مؤبدة وحرمة الزمان مؤقتة ومع هذا لا يلزم من نسخها لأنها غير تابعة لها بل مشبهة بها والتشبيه غير لازم من جميع الوجوه ولهذا قال الطيبي رحمه الله شبه في التحريم بيوم عرفة وذي الحجة والبلد لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرمة أشد التحريم لا يستباح فيهما شيء ألا للتنبيه كل شيء أي فعله أحدكم من أمر الجاهلية أي قبل الإسلام تحت قدمي بالتثنية وفي نسخة بالإفراد والأول أدل على المبالغة موضوع أي كالشيء الموضوع تحت القدم وهو مجاز عن إبطاله والمعنى عفوت عن كل شيء فعله رجل قبل الإسلام وتجافيت عنه حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدم تقول العرب في الأمر الذي لا تكاد تراجعه وتذكره جعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي ودماء الجاهلية موضوعة


أي متروكة لاقصاص ولادية ولا كفارة أعادها للاهتمام أو ليبني عليه ما بعده من الكلام وإن أول دم أضع أي أضعه وأتركه من دمائنا أي المستحقة لنا أهل الإسلام كذا قيل والظاهر من دمائنا أن المراد دماء أقاربنا ولذا قال الطيبي رحمه الله ابتدأ في وضع القتل والدماء بأهل بيته وأقاربه ليكون أمكن في قلوب السامعين وأسد لباب الطمع بترخص فيه دم ابن ربيعة اسمه إياس بن الحارث أي ابن عبد المطلب قال الطيبي رحمه الله صحب النبي وروى عنه وكان أسن منه توفي في خلافة عمر رضي الله عنه وكان مسترضعا على بناء المجهول أي كان لابنه ظئر ترضعه في بني سعد وصح من بعض الرواة دم ربيعة بن الحارث وهي رواية البخاري وقد خطأهم جمع من أهل العلم بأن الصواب دم ابن ربيعة ويمكن تصحيح ذلك بأن يقال إضافة الدم إلى ربيعة لأنه ولي ذلك أو هو على حذف مضاف أي دم قتيل ربيعة اعتمادا على اشتهار القصة فقتله أي ابن ربيعة هذيل وكان طفلا صغيرا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب بني سعد مع قبيلة هذيل فقتله هذيل وربا الجاهلية موضوع يريد أموالهم المغصوبة والمنهوبة وإنما خص الربا تأكيدا لأنه في الجملة معقول في صورة مشروع وليرتب عليه قوله وأول ربا أي زائد على رأس المال أضع من ربا عباس بن عبد المطلب قيل أنه بدل من ربانا والأظهر أنه الخبر وقوله فإنه أي الربا أو ربا عباس موضوع كله تأكيد بعد تأكيد والمراد الزائد على رأس المال قال تعالى وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم البقرة ولأن الربا هو الزيادة فاتقوا الله في النساء أي في حقهن والفاء فصيحة قال الطيبي رحمه الله وفي رواية المصابيح بالواو وكلاهما سديد وهو معطوف على ما سبق من حيث المعنى أي اتقوا الله في استباحة الدماء وفي نهب الأموال وفي النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله قال النووي رحمه الله هكذا هو في كثير من الأصول وفي بعضها بأمانة الله أي بعهده من الرفق وحسن العشرة واستحللتم فروجهن بكلمة الله أي بشرعة أو


بأمره وحكمه وهو قوله فانكحوا وقيل بالإيجاب والقبول أي بالكلمة التي أمر الله بها وفي نسخة بكلمات الله ولكم عليهن أي من الحقوق أن لا يوطئن بهمزة أو بإبدالها من باب الأفعال فرشكم أحدا تكرهونه قال الطيبي رحمه الله أي لا يأذن لأحد أن يدخل منازل الأزواج والنهي يتناول الرجال والنساء فإن فعلن ذلك أي الإيطاء المذكور فاضربوهن قيل المعنى لا يأذن لأحد من الرجال الأجانب أن يدخل عليهن فيتحدث إليهن وكان من عادة العرب لا يرون به بأسا فلما نزلت آية الحجاب انتهوا عنه وليس هذا كناية عن الزنا وإلا كان عقوبتهن الرجم دون الضرب ضربا غير مبرح بتشديد الراء المكسورة


وبالحاء المهملة أي مجرح أو شديد شاق ولهن عليكم رزقهن من ألمأكول والمشروب وفي معناه سكناهن وكسوتهن بالمعروف باعتبار حالكم فقرا وغنى أو بالوجه المعروف من التوسط الممدوح وقد تركت فيكم أي فيما بينكم وما موصولة أو موصوفة لن تظلوا بعده أي بعد تركي إياه فيكم كما قاله ابن الملك وتبعه ابن حجر رحمه الله أو بعد التمسك به والعمل بما فيه كما قاله الطيبي رحمه الله ويؤيد الأول قوله إن اعتصمتم به أي في الاعتقاد والعمل كتاب الله بالنصب بدل أو بيان لما في التفسير بعد الإبهام وتفخيم لشأن القرآن ويجوز الرفع بأنه خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب الله وإنما اقتصر على الكتاب لأنه مشتمل على العمل بالسنة لقوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول النساء وقوله وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر ويلزم من العمل بالكتاب العمل بالسنة وفيه إيماء إلى أن الأصل الأصيل هو الكتاب وأنتم تسئلون عني بصيغة المجهول أي عن تبليغي وعدمه فما أنتم قائلون أي في حقي قالوا نشهد أنك قد بلغت أي الرسالة وأديت أي الأمانة ونصحت أي الأمة فقال أي أشار بأصبعه السبابة بالجر وأختيه من الرفع والنصب يرفعها حال من فاعل قال أي رافعا إياها أو من السبابة أي مرفوعة إلى السماء ينكثها بضم الكاف والمثناة الفوقانية أي يشير بها إلى الناس كالذي يضرب بها الأرض والنكث ضرب رأس الأنامل إلى الأرض وفي نسخة صحيحة بالموحدة في النهاية بالباء الموحدة أي بميلها إليهم يريد بذلك أن يشهد الله عليهم قال النووي رحمه الله هكذا اضبطناه بالتاء المثناة من فوق قال القاضي رحمه الله هكذا الرواية وهو بعيد المعنى قال قيل صوابه ينكبها بباء موحدة قال ورويناه في سنن أبي داود اللهم أشهد أي على عبادك بأنهم قد أقروا بأني قد بلغت كذا قاله ابن الملك رحمه الله والمعنى اللهم أشهد أنت إذ كفى بك شهيدا اللهم أشهد ثلاث مرات كان الأنسب أن يتلفظ الراوي باللهم أشهد ثلاث مرات أو


يقول اللهم أشهد مرة ثم يقول ثلاث مرات ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر أي جمع بينهما في وقت الظهر وهذا الجمع كجمع المزدلفة جمع نسك عندنا وجمع سفر عند الشافعي خلافا فالبعض أصحابه ولم يصل بينهما شيئا أي من السنن والنوافل كيلا يبطل الجمع لأن الموالاة بين الصلاتين واجبة قال ابن الملك رحمه الله وفي عبارته ما لا يخفى فإن الأولى أن يجعل فعله عليه الصلاة والسلام دليلا للموالاة لا معللا يبطلان الجمع على المخالفة ثم ركب أي وسار حتى أتى الموقف أي أرض عرفات أو اللام للعهد والمراد موقفه الخاص ويؤيده قوله فجعل بطن ناقته القصواء بالجرواختيه إلى الصخرات بفتحتين الأحجار الكبار قال النووي رحمة الله هن حجرات


مفترشات في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات فهذا هو الموقف المستحب فإن عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان وأما ما اشتهر بين العوام من الأعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف الا فيه فغلط والصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني من يوم النحر وقال أحمد يدخل وقت الوقوف من فجر يوم عرفة وجعل حبل المشاة بين يدية قال النوري رحمه الله روي بالحاء المهملة وسكون الباء وروي بالجيم وفتح الباء قال القاضى رحمه الله الأول أشبة بالحديث وحبل المشاة مجتمعهم وحبل الرمل ما طال منه وأما بالجيم فمعناه طريقهم وحيث تسلك الرجالة ا ه وقال الطيبي رحمه الله بالحاء أي يفهم طريقهم الذي يسلكونة في الرمل وقال التوربشتي رحمه الله حبل المشاة موضع وقيل إسم موضع من رمل مرتفع كالكثبان وقيل الحبل الرمل المستطيل وإنما أضافها إلى المشاة لأنها لا يقدر أن يصعد إليها الماشي أو لاجتماعهم عليها توقيا منه مواقف الركاب ودون حبل المشاة ودون الصحرات اللاصقة بسفح الجبل موقف الإمام وبة كان رسول الله يتحرى الوقوف واستقبل القبلة فلم يزل واقفا أي قائما بركن الوقوف راكبا على الناقة حتى غربت الشمس أي أكثرها أو كادت أن تغرب وذهبت الصفرة قليلا أي ذهابا قليلا حتى غاب القرص أي جميعة هكذا هو في جميع النسخ قيل صوابة حين غاب القرص وفيه نظر اذلا يظهر معنى لقوله ذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص وكان القائل غفل عن قيد العلة وذهل عن الرواية التي تطابق الدراية ويحتمل أن يكون على ظاهره ويكون بيانا للغيبوبة فإنها قد تطلق على معظم القرص وأردف أسامة أي أردفه النبي خلفة ودفع أي أرتحل ومضي وقال الطيبي رحمه الله أي ابيدأ السير ودفع نفسة ونحاها أو دفع ناقتة وحلها على السير حتى أتى المزدلفة وفي رواية ودفع رسول وقد شنق بتخفيف النون أي ضم وضيق للقصواء الزمام حتى أن


رأسها ليصيب مورك رجته بالجيم مع كسر الراء والحاء وفتحها أو المورك بفتح الميم وكسر الراء هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الحل أذا مل من الركوب وضبطة القاضي بفتح الراء قال وهو قطعة ادم يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل شبة المخدة الصغيرة ذكرة النوري رحمه الله ويقول بيده اليمنى أنها الناس السكينة بالنصب أي الزموها كلما أتى حبلا من الحبال بالحاء المهملة أي التل اللطيف من الرمل أرخى لها أي للناقة قليلا أى ارخاء قليلا أو زمانا قليلا حتى تصعد بفتح التاء المثناة فوق وضمها يقال صعد في الجبل وأصعد ومنه قوله تعالى إذ تصعدون آل عمران ذكرة النوري رحمه الله ثم أتى المزدلفة قيل سميت بها لمجىء الناس إليها في زلف من الليل أي ساعات قريبة من أولة ومنه قولة تعالى وإذا الجنة أزلف التكوثر أي قريت وأما ازدحام الناس بين العلمين فيدعة قبيحة يترتب عليها مفاسد صريحة فصلى بها المغرب والعشاء أي في وقت العشاء


بأذان واحد واقامتين وبه قالت الأئمة الثلاثة وزفر رحمه الله لما سيأتى ولم يسبح أي لم يصل بينهما أي بين المغرب والعشاء شيئا أي من النوافل والسين والمتعمد أنه يصلي بعدهما سنة المغرب والعشاء والوتر لقوله ثم ضطجع أي للنوم بعد راتبة العشاء والوتر كما في رواية حتى طلع الفجر تقوية للبدن ورحمة للامة ولأن في نهاره عبادات كثيرة تحتاج إلى النشاط فيها وهو لا ينافي الحديث المشهور من أحيا ليلة العيد أحيا الله قلبة يوم تموت القلوب فيستحب أن يحيية بالذكر والفكر دون النوافل المطلقة مطابقة للسنة مع أن المراد أحياء تلك الليلة في الجملة أو أكثرها ثم المبيت عندنا سنة وعليه بعض المحققين من الشافعية للسنة رحمه الله وقيل واجب وهو مذهب الشافعي وقيل ركن لا يصح إلا به كالوقوف وعليه جماعة من الأجلة وقال مالك النزول واجب والمبيت سنة وكذا الوقوف بعده ثم المبيت بعظم الليل والصحيح أنه بحضور لحظة بالمزدلفة فصلى الفجر حين تبين له الصبح أي طلع الفجر بأذان واقامة أي بغلس ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام وضع خاص من المزدلفة ببناء معلوم سمى به معلم للعباد والمشاعر المعالم التى ندب الله إليها وأمر بالقيام فيها وهو بفتح الميم وقد يكسر وفي رواية حتى رقى على المشعر الحرام ومما يدل على المغايرة بين المزدلفة والمشعر الحرام ما في البخاري كان ابن عمر رضى الله عنهما يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر بالمزدلفة فيذكرون الله وذهب جماعة إلى أنه هي فاستقبل القبلة فدعاء فكبره أي قال الله أكبر وهلله أي قال لا إله إلا الله ووحده أي قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخ فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا أي أضاء الفجر إضاءة تامة فدفع أي ذهب إلى منى قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس أي بدل أسامة حتى أتى بطن محسر بكسر السين المهملة المشددة وهو ما بين مزدلفة ومنى والتحسر الأعياء ومنه قوله تعالى ينقلب إليك البصر خاشا وهو حسير تبارك


سمى بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا وكل ذكرة النوري رحمه الله أي بناء على إنه دخل الحرم وهو ما عليه جماعة لكن المرحج عند غيرهم إنه لم يدخله وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من وراءهم فقيل حكمة الإسراع فيه نزول نار فيه على من اصطاد فيه ولذا يسمي أهل مكة الوادي وادي النار وصح أنه عليه الصلاة والسلام لما أتى ديار ثمود أسرع وأمرهم بالإسراع خشية أن يصيبهم ما أصابهم أو مخالفة النصاري فإنهم كانوا يقفون فيه فأمرنا بمخالفتهم ولعلهم كانوا يقفون فيه بدل المزدلفة أو بعده زيادة عليه وفي الجملة يظهر وجه تخصيص الإسراع


بالرجوع من عرفة دون التوجة إليها على أنه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى عرفات من طريق الضب ولا يبعد أن يستحب الإسراع فيه لكل مار من حاج وغيرة ذاهبا وآيبا لكونة محل نزول العذاب والله تعالى أعلم بالصواب وقال ابن الملك إنما سمي لإسراع الركاب والمشاة فيه وفيه إنه لا يصلح وجة التسمية وإنما يسرع لأجل نزول العذاب فيه فحرك أي أسرع ناقتة قليلا أي تحريكا قليلا أو زمانا قليلا أو مكانا قليلا أي يسيرا وصح إنه عليه الصلاة والسلام لما أتى محسرا أسرع ناقته حتى جاوز الوادي قال النوري قدر رمية حجر وأما ما صح عن ابن عباس وأسامة أنه عليه الصلاة والسلام تركه من عرفة إلى منى فمحمول على أنه تركه عند الزحمة لأن الإثبات مقدم لا سيما وهو أكبر رواه وأصح إسنادا وقد يحمل على أنه أسرع في بعضة وترك الإسراع في كله مع أن القياس استبقاؤه خشية المزاحمة الموجبة للوحشة مع وجودا لكثرة ويسن أن يقول المار به ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما وروى الطبراني بعضه مرفوعا إليك تغدو قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصاري دينها قد ذهب الشحم الذي يزينها الوضين بطان عريض ينسج من سيور أو شعر أو لا يكون إلا من جلد كذا في القاموس ويستحب أن يقول أيضا اللهم لا تفتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ثم سلك أي دخل الطريق الوسطى وهو غير طريق ذهابه إلى عرفات بل إنما هي التي تخرج على الجمرة الكبرى أي جملة العقبة حتى أتى عطف على سلك أي حتى وصل الجمرة التي عند الشجرة أي العقبة ولعل الشجرة إذ ذاك كانت موجودة هناك فرماها بسبع حصبات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الحذف بالخاء والذال المعجمتين الرمي برؤوس الأصابع قال الطيبي رحمه الله بدل من الحصبات وهو بقدر حبة الباقلاء وفي نسخة صحيحة مثل حصى الخذف قال النووي رحمه الله أما قوله فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف فهكذا هو في النسخ وكذا نقله القاضي رحمه الله


عن معظم النسخ قال وصوابه مثل حصى الخذف قال وكذلك رواه بعض رواة مسلم هذا كلام القاضي رحمه الله قلت والذي في النسخ من غير لفظة مثل هو الصواب بل لا يتجه غيره ولا يتم الكلام إلا كذلك ويكون قوله حصى الخذف متعلق بحصبات أي رماها بسبع حصبات حصى الخذف يكبر مع كل حصاة فحصى الخذف متصل بحصيات واعترض بينهما يكبر مع كل حصاة فهذا هو الصواب ا ه كلام النووي وعندي أن اتصال حصى الخذف بقوله مع كل حصاة أقرب لفظا وأنسب معنى ومع هذا لا اعتراض ولا تخطئة على إحدى النسختين فإن تعلقه بحماة أو حصيات لا ينافي وجود مثل لفظ أو تقدير أغايته أنه إذا كان موجود فهو واضح معنى وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ وهو حفذف أداة التشبيه أي كحصى الخذف بل لا يظهر للتعلق غير هذا المعنى فالروايتان صحيحتان وما سيأتي في الحديث عن جابر رواه الترمذي بلفظ وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف وروى مسلم عنه بلفظ رمى الجمرة بمثل حصى الخذف يرجح وجود


المثل ويؤيده تقديره والله تعالى أعلم بالصواب وفي نسخة رمى من بطن الوادي بدل من قوله فرماها أو استئناف مبين وهو الأظهر ووقع في رواية البخاري عن ابن مسعود وكذا في عبارة الشافعي رحمه الله ما يفيد جواز الرمي من فوقها وقياسا على بقية الجمرات حيث يجوز من جوانبها وإن كان الجانب المستحب واحدا وأما التأويل بأنه رماها من فوقها إلى أسفلها من بطن الوادي لا إلى ظهرها فبعيد جدا لأنه مخالف لظاهر الرواية وقياس الدراية فقول ابن حجر رحمه الله أن الرمي من فوقها باطل ليس تحته طائل ثم انصرف أي رجع من جمرة العقبة إلى المنحر بفتح الميم أي موضع النحر والآن يقال له المذبح لعدم النحر أو تغليبا للأكثر كما غلب في الأول للأفضل وهو قريب من جمرة العقبة وأما ما اشتهر من صورة مسجد بني قريب من الجمرة الوسطى منحرف عن الطريق إلى جهة اليمن وبني بإزائه على الطريق مسجد تسميه العامة مسجد النحر فليس هو بل الأصح أن منحره عليه الصلاة والسلام في منزله الذي بقرب مسجد الخيف متقدما على قبلة مسجد الخيف فنجر ثلاثا وستين بدنة بعدد سني عمره بيده الظاهر أن لفظ المشكاة جمع بين الروايتين فإن الرواية الصحيحة ثلاثا وستين بيده بدون لفظ بدنة قال النووي رحمه الله هكذا هو في النسخ وكذا نقله القاضي رحمه الله عن جميع الرواة سوى ابن ماهات فإنه رواه بدنة قال وكلاهما صواب والأول أصوب ثم أعطى أي بقية البدن عليا فنحر أي على ما غبر أي بقي من المائة وأشركه أي النبي عليا في هديه بأن أعطاه بعض الهدايا لينحر عن نفسه وهو يحتمل أن يكون من بقية البدن أيضا ويكون عدد سني عمره رضي الله عنه على بعض الأقوال قال النووي رحمه الله وظاهره أنه شاركه في نفس الهدى قال القاضي عياض رحمه الله وعندي أنه لم يكن تشريكا حقيقة بل أعطاه قدرا يذبحه قال والظاهر أن النبي نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثا وستين كما جاء في رواية الترمذي وأعطى عليا البدن التي


جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة ولا يبعد أنه عليه الصلاة والسلام أشرك عليا في ثواب هديه لأن الهدي يعطي حكم الأضحية ثم قال النووي رحمه الله وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم النحر ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق ثم أمر من كل بدنة ببضعة بفتح الباء الثانية وهي قطعة من اللحم فجعلت أي القطع في قدر في القاموس القدر بالكسر معلوم أنثى أو يؤنث فطبخت فأكلا من لحمها الضمير يعود إلى القدر ويحتمل أن يعود إلى الهداية قاله ابن الملك رحمه الله وشربا من مرقها أي من مرق القدر أو مرق لحوم الهدايا قال ابن الملك رحمه الله يدل على جواز الأكل من هدي التطوع ا ه والصحيح أنه مستحب وقيل واجب لقوله تعالى فكلوا منها ثم ركب الرسول فأفاض أي فأسرع إلى البيت الحج أي بيت الله الطواف الفرض ويسمى طواف الإفاضة والرك


وأكثر العلماء ومنهم أبو حنيفة رحمه الله لا يجوز الإفاضة بنية غيره خلافا للشافعي حيث قال لو نوى غيره كنذر أو وداع وقع عن الإفاضة فصلى بمكة الظهر قال النووي رحمه الله فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه وأما قوله فصلى بمكة الظهر فقد ذكر مسلم بعد هذا في أحاديث طواف الإفاضة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمنى ووجه الجمع بينهما أنه طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلا بالظهر الثانية بمنى أقول أنه لا يحمل فعله على القول المختلف في جوازه فيؤول بأنه صلى بمكة ركعتي الطواف وقت الظهر ورجع إلى منى فصلى الظهر بأصحابه أو يقال الروايتان حيث تعارضنا فقد تساقطتا فتترجح صلاته بمكة لكونها فيها أفضل ويؤيده ضيق الوقت لأنه عليه الصلاة والسلام رجع قبيل طلوع الشمس من المشعر ورمى بمنى ونحر مائة من الإبل وطبخ لحمها وأكل منها ثم ذهب إلى مكة وطاف وسعى فلا شك أنه أدركه الوقت بمكة وما كان يؤخرها عن وقت المختار لغير ضرورة ولا ضرورة هنا والله أعلم ثم قال النووي رحمه الله وأما الحديث الوارد عن عائشة رضي الله عنها وغيرها أنه أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث قلت لا بد من التأويل لكن لا من هذا التأويل لأنه لا دلالة عليه لا لفظا ولا معنى ولا حقيقة ولا مجازا مع الغرابة في عرض كلامه إلى أنه عاد للزيارة فالأحسن أن يقال معناه جوز تأخير الزيارة مطلقا إلى الليل أوامر بتأخير زيارة نسائه إلى الليل وقول ابن حجر فذهب معهن غير صحيح إذ لم يثبت عوده عليه الصلاة والسلام معهن في الليل والله تعالى أعلم فأتي علي بني عبد المطلب وهم أولاد


العباس وجماعته لأن سقاية الحاج كانت وظيفته يسقون أي من مر عليهم وهم ينزعون الماء من زمزم ويسقون النتاس على زمزم قال النووي رحمه الله معناه يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها فيسبلونه فقال انزعوا أي الماء أو الدلاء بني عبد المطلب بعني العباس ومتعلقيه بحذف حرف النداء قال ابن الملك رحمه الله دعا لهم بالقوة على النزع والاستقاء يريد أن هذا العمل أي النزع عمل صالح مرغوب فيه لكثرة ثوابه ا ه والظاهر أنه أمر استحباب لهم فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم أي لولا مخافة كثرة الازدحام عليكم بحيث تؤدي إلى إخراجكم عنه رغبة في النزع لنزعت معكم وقال النووي رحمه الله معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج فيزدحمون عليه حيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء فناولوه أي أعطوه دلوا رعاية للأفضل فشرب منه أي من الدلو أو من الماء وفي نسخة فشرب منها وفي القاموس الدلو معروف وقد يذكر قيل ويستحب أن يشرب


قائما وفيه بحث لأنه عليه الصلاة والسلام شربه قائما لبيان الجواز أو لعذر به في ذلك المقام من الطين أو الازدحام فإنه صح نهيه عن الشرب قائما بل أمر من شرب قائما أن يتقايأ ما شربه حتى قال بعض الأئمة أن الشرب قائما بدون العذر حرام رواه مسلم قال ابن الهمام أي في صحيحه ورواه غيره كابن أبي شيبة وأبي داود وعبد بن حميد والبزار والدارمي في مسانيدهم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر ابن عبد الله رضي الله تعالى عنه فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت محمد بن علي بن الحسين فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب فقال مر حبابك يا ابن أخي سل عما شئت فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة بكسر النون وهي نوع من الملاحف منسوجة قاله في النهاية ملتحفا بها كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليها من صغرها ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلينا فقلت أخبرني عن حجة رسول الله فقال بيده فعقد تسعا فقال إن رسول الله مكث تسع سنين لم يحج الحديث وهو أصل كبير وأجمع حديث في الباب وعن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا أي معاشر الصحابة أو جماعة النساء مع النبي في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة أي مفردة والمعنى أحرم بها أو لبى بها مقرونة بالنية ومنا من أهل بحج أي مفرد أو مقرون بعمرة فلما قدمنا أي كلنا مكة فقال وفي نسخة قال وهو الظاهر من أهل بعمرة ولم يهد أي من الإهداء أي لم يكن معه هدى فليحلل بفتح الباء وكسر اللام أي فليخرج من الإحرام يحلق أو تقصير ومن أحرم بعمرة وأهدى أي كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة أي منضما معها والمعنى فليدخل الحج في العمرة ليكون قارنا ثم لا يحل حتى يحل منهما يعني لا يخرج من الأحرام ولا يحل له شيء من المحظورات حتى يتم العمرة والحج جميعا وفي رواية فلا يحل بالنفي ويحتمل النهي حتى يحل بنحر هديه أي يوم العيد فإنه لا يجوز له نحر الهدي


قبله قال الطيبي رحمه الله قوله ومن أحرم بعمرة وأهدي مع قوله وفي رواية حتى يحل بنحر هديه دل على أن من
أحرم بعمرة وأهدى لا يحل له حتى يحل بنحر هديه وقال مالك والشافعي رحمه الله يحل إذا طاف وسعى وحلق والرواية الأولى أعني قوله فليهل بالحج مع العمرة دلت على أنه أمر المعتمر بأن يقرن الحج بالعمرة فلا يحل إلا بنحر هذا الهدي فوجب حمل هذه الرواية الثانية على الأخرى لأن القصة واحدة ا ه ولو صح جعل قوله وفي رواية فلا يحل بدل قوله ثم لا يحل لانحل الإشكال وللحنفية وجوه أخر من الاستدلال على أن الرواية الأولى قابلة أن تحمل على الثانية بخلاف العكس كما لا يخفى وتحقيقه تقدم والله تعالى أعلم ومن أهل بحج ساق الهدي أولا قرن معه عمرة أولا فليتم حجة أي إلا من أمر بفسخ الحج إلى العمرة قالت فحضت ولم أطف البيت أي للعمرة ولا بين الصفا والمروة أي ولم أسع بينهما إذ لا يصح السعي إلا بعد الطواف وإلا فالحيض لا يمنع السعي فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة ولم أهلل أي لم أحرم أولا إلا بعمرة فأمرني النبي أن أنقض رأسي وامتشط وأهل بالحج أي أمرني أن أحرم بالحج وأترك العمرة أي ارفضها قال ابن الملك رحمه الله أي أمرني أن أخرج من إحرام العمرة واتركها باستباحة المحظورات من التمشيط وغيره لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض وقال الطيبي رحمه الله أي أمرني أن أخرج من إحرام العمرة واستبيح محظورات الأحرام وأحرم بعد ذلك بالحج فإذا فرغت منه أحرم بالعمرة أي قضاء وهذا ظاهر ففعلت حتى قضيت حجي بعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر رحمه الله قيل جملة استثنافية ذكره الطيبي رحمه الله ويمكن أنه جواب لما قدمنا وقوله فقال بالفاء أو الواو عطف وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي أي بدلها نصب على المصدر قاله ابن الملك أي عمرتي التي رفضتها من التنعيم متعلق باعتمر قال ابن الملك رحمه الله هو موضع قريب من مكة بينه وبينها فرسخ وبهذا تمسك أبو حنيفة وقال


الشافعي ليس معناه أنه أمرها بترك العمرة رأسا بل أمرها بترك أفعال العمرة من الطواف والسعي وإدخال الحج في العمرة لتكون قارنة أقول القارن لا يستبيح بالمحظور فانقلب المحظور ثم قال وأما عمرتها بعد الفراغ من الحج فكانت تطوعا لتطيب نفسها لئلا تظن خوف نقصان بترك أعمال عمرتها أقول حاشاها أن تظن هذا الظن والنبي كان قارنا مع أن الشافعي يقول بتداخل الأفعال قالت فطاف أي طواف العمرة الذين كانوا أهلوا بالعمرة أي الذين أفردوا العمرة عن الحج بالبيت متعلق بطاف وبين الصفا والمروة والطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي فصح العطف ولم يحتج إلى تقدير عامل وجعله نظير علفتها تبنا وماء باردا


ثم حلوا أي خرجوا من الأحرام ثم طافوا طوافا أي للحج وهو طواف الإفاضة بعد أن رجعوا من مني أي إلى مكة وأما الذين جمعوا الحج والعمرة أي ابتداء أو إدخالا لأحدهما في الآخر فإنما طافوا طوافا واحدا أي يوم النحر لهما جميعا وعليه الشافعي رحمه الله وعندنا يلزم القارن طوافان طواف قبل الوقوف بعرفة وطواف بعده للحج كذا ذكره ابن الملك أقول لا شك أنه كان قارنا كما صححه النووي وغيره وقد صح في حديث جابر أنه طاف حين قدم مكة وطاف للزيارة بعد الوقوف كيف يكون طوافهم واحدا وهم لا يخالفونه عليه الصلاة والسلام اللهم إلا أن يقال أن هذا أيضا من الخصوصيات المتعلقة ببعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين أو المعنى أنهم طافوا طوافا واحد للحج بعد الرجوع من منى لما تقدم لهم من طواف آخر قبل ذلك فقوله واحدا تأكيد لدفع توهم تعدد الطواف للقارن بعد الوقوف فيكون مرادها والله تعالى أعلم بالطواف طواف الفرض وإنما كان الطواف الأول طواف القدوم والتحية وهو سنة إجماعا أو طواف فرض عمرة والحاصل أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين عندنا لحديث على كرم الله وجهه أن النبي كان قارنا فطاف طوافين وسعى سعيين ورواه الدارقطني وكذا رواه من حديث عمران بن حصين وعن علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قالا القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ذكره الطحاوي رحمه الله متفق عليه وعن عبد الله بن عمر قال تمتع في حجة الوداع بالعمرة إلى الحجز فساق معه الهدي من ذي الحليفة قيل المراد التمتع اللغوي وهو القران آخرا ومعناه أحرم بالحج أولا ثم أحرم بالعمرة فصار قارنا في آخره ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث كما مر ذكره الطيبي رحمه الله وظاهر هذا الحديث أنه أحرم بالعمرة أولا ثم أحرم بالحج ويدل عليه قوله وبدأ فأهل بعمرة ثم أهل بالحج وهذا الإدخال أفضل من عكسه مع أنه ورد صريحا في أحاديث أنه أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة فكيف يصار إليه ولو ثبت لكان معارضا


فالذي فالذي أدين الله تعالى به أنه لا يبتدىء بالعمرة بعد فرض الحج عليه في أول الوهلة وقد اعتمر مرارا بعد الهجرة فالصواب أنه كان قارنا أولا ومعنى قولها فأهل بالعمرة ثم
أهل بالحج أنه لما جمع بين النسكين فدم ذكر العمرة على الحج لأنه الوجه المسنون في القرآن دون العكس ثم كان أكثر ما يذكر في إحرامه الحج لأنه وصل المفروض والعمرة سنة تابعة ولا شك أن حمل فعله على الجمع بين العبادتين أولى من الحمل على عبادة واحدة فتمتع الناس أي أكثرهم هذا التمتع اللغوي بالجمع بين العبادتين مع النبي بالعمرة إلى الحج أي بضمها إليه فكان من الناس أي الذين أحرموا بالعمرة من أهدى أي ساق الهدى ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي مكة قال للناس أي المعتمرين من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه وفي هذا حجة على الشافعي رحمه الله ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت أي طواف العمرة وبالصفا والمروة وليقصر أي إبقاء للشعر لتحلل الحج وليحلل أي ليخرج من إحرام العمرة باستمتاع المحظورات ثم ليهل بالحج أي ليحرم به من أرض الحرم وليهد أي ليذبح الهدي يوم النحر بعد الرمي قبل الحلق فمن لم يحجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج أي في أشهره قبل يوم النحر والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله توسعة ولو صام بعد أيام التشريق بمكة جاز عندنا فطاف أي النبي حين قدم مكة أي طواف العمرة واستلم الركن أي الحجر الأسود أول شيء أي من أفعال الطواف بعد النية ثم خب أي رمل ثلاثة أطواف أي في ثلاثة أشواط قال ابن الملك إظهار للجلادة والرجولية في نفسه وفيمن معه من الصحابة كيلا يظن الكفار أنهم عاجزون ضعفاء قلت هذا كان علة فعله في عمرة القضاء ثم استمرت السنة بعد زوال العلة ومشى أي بسكون وهينة أربعا أي في أربع مرات من الأشواط فركع أي صلى حين قضى أي أدى وأتم طوافه بالبيت عند المقام متعلق بركع ركعتين أي صلاة الطواف وهي واجبة عندنا


سنة عند الشافعي ثم سلم أي من صلاته أو على الحجر بأن استلمه فانصرف أي عن البيت أو عن المسجد فأتى الصفا وفي نسخة والمروة فطاف أي سعى بالصفا والمروة سبعة أطواف أي أشواط ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجة ونحر هديه يوم النحر وهو التحلل الأول بالحلق فيما عدا الجماع وأفاض أي إلى مكة فطاف بالبيت أي طواف الإفاضة ثم حل من كل شيء حرم منه وهو التحلل الثاني المحلل للنساء وفعل
مثل ما فعل رسول الله من ساق الهدى من الناس أي مطلقا متفق عليه وأخرج أبو داود عن أسماء بنت أبي بكر قالت خرجنا مع رسول الله حجاجا حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله ونزلنا فجلست عائشة إلى جنب رسول الله وجلست إلى جنب أبي بكر وكانت زمالة رسول الله وزمالة أبي بكر واحدة مع غلام لأبي بكر فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه فطلع وليس معه بعيرة فقال له أبو بكر أين بعيرك فقال أضللته البارحة قال أبو بكر بعير واحد تضله وطفق يضربه ورسول الله يتبسم ويقول انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع وما يزيد على ذلك ويتبسم وفيه تفويه لقول من قال تمام الحج ضرب الجمال لأنه من سنة الصديق بحضرة النبي حيث قرره ولم يمنعه ولما بلغ الأبواء وود أن أهدى له الصعب بن جثامة حمار و حشيا فرده عليه فلما رأى في وجهه أي من التغير لا من الغضب كما ذكره ابن حجر قال إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم رواه الشيخان رحمهما الله وفي رواية أخرى أنه بعض حمار وحشي يقطر دمه وعين بعض في رواية أنه العجز وفي رواية أنه شقه وجمع بينهما البيهقي وغيره أنه أهدى إليه هدايا وبعض مذبوح واتفقت الروايات كلها أنه رد عليه إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بسند حسن أنه أهدي له عجز حمار وحشي وهو بالجحفة فأكل منه قال البيهقي إن كان هذا محفوظا فلعله رد الحي وقيل اللحم وإنما رد الحي لكونه صيدا ورد اللحم تارة لكونه ظن أنه صيد له وقبل أخرى حيث علم إنه لم يصد لأجله ويحتمل حمل قبوله على حال رجوعه عليه


الصلاة والسلام من مكة لأنه جازم بوقوع ذلك في الجحفة وفي غير هذه الرواية بالأبواء أو بودان ذكره ابن حجر رحمه الله وفيه أنه حال الرجوع لم يكن محرما فلا يتصور عدم قبوله وقال القرطبي رحمه الله يحتمل أن يكون أحضر الحمار مذبوحا ثم قطع منه جزأ بحضرته فقدمه له فمن قال أهدى حمارا أراد ابتداء وقال بعضهم أراد ما قدمه ويحتمل أنه أهداه له حيا فلما رده ذكاه وأتاه ببعضه ظانا أن الرد لمعنى يختص بجملته فاعله بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الرواة ا ه ولا يخفى أن حكم الكل حيا مغاير للجزء فإن الأوجل صيد لا يجوز أخذه وأما الجزء فيحتمل أنه ما صيد لأجله فيحل أو صيد له فيحرم وقال جمع من الصحابة لا يجوز للمحرم لحم الصيد بوجه من الوجوه أخذا بقضية الصعب والجمهور أخذوا بخبر مسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة وهو حلال للمحرمين هو حلال فكلوه وفي رواية هل معكم منه شيء قالوا معنا رجله فأخذها فأكلها


وعن ابن عباس قال قال رسول الله هذه عمرة استمتعنا بها الاستمتاع هنا تقديم العمرة والفراغ منها قال ابن الملك استدل به من قال أنه كان متمتعا فمعناه أنه استمتع بأن قدم العمرة على الحج واستباح محظورات الإحرام بعد الفراغ من العمرة حتى يحرم بعد ذلك بالحج أقول هذا خطأ لا دلالة للحديث عليه وهو مخالف للإجماع على أنه عليه الصلاة والسلام ما استباح المحظورات بعد فراغه من العمرة ثم قال ومن قال أنه كان قارنا أول قوله استمتعنا بأن استمتع من إمرته من أصحابي بتقديم العمرة على الحج فأضاف فعلهم إلى نفسه لأنه هو الآمر ا ه وهو تكلف مستغنى عنه لأن الاستمتاع لغوي كما تقدم بمعنى الانتفاع فمن لم يكن عنده الهدي فليحل بفتح الياء وكسر الحاء الحل نصبه على المصدر قوله كله تأكيد له أي الحل التام قال ابن الملك أي فليجعل حلالا على نفسه جميع ما حل له قبل الإحرام بالعمرة بعد الفراغ من أفعالها انتهى كلامه وهو ناظر إلى أن قوله فليحل بضم الياء وهو كذا في نسخة فإن العمرة قد دخلت في الحج أي في أشهره إلى يوم القيامة قال ابن الملك يعني أن دخولها فيه في أشهره لا يختص بهذه السنة بل يجوز في جميع السنين رواه مسلم وهذا الباب خال أي في المصابيح عن الفصل الثاني وهو اعتذار من صاحب المشكاة عن تركه ولئلا يشكل قوله
الفصل الثالث
عن عطاء أي ابن رباح تابعي جليل مكي قال سعت جابر بن عبد الله في ناس معي قال أهللنا أصحاب محمد منصوب على الاختصاص أو بتقدير يعني أو أعني أي أحرمنا بالحج خالصا وحده أي على زعم جابر لما تقدم أن بعضهم أهلوا بالعمرة وحدها أو أراد بالأصحاب أكثرهم أو بعضهم أو من لم يسبق الهدى وهو الأظهر وهو ساكت عن


حجه فيحمل على أنه كان قارنا قال عطاء قال جابر رضي الله عنه فقدم النبي صبح رابعة مضت من ذي الحجة بكسر الحاء لا غير فأمرنا أن نحل أي نفسخ الحج إلى العمرة قال عطاء أي راويا عن جابر قال أي النبي حلوا بكسر الحاء وتشديد اللام وأصيبوا النساء تخصيص بعد تعميم للاهتمام وتنصيص لدفع الإيهام من الإبهام قال عطاء ولم يعزم أي يوجب النبي عليهم ولكن أحلهن لهم يعني لم يجعل الجماع عزيمة عليهم بل جعله رخصة لهم بخلاف الفسخ فإنه كان عزيمة فأمر حلوا للوجوب وأصيبوا للإباحة أو للاستحباب قال الطيبي رحمه الله أي قال عطاء رضي الله عنه في تفسير قول جابر فأمرنا ثم فسر هذا التفسيرات بأن الأمر لم يكن جزما فقلنا لم يكن أي حين لم يبق بيننا وبين عرفة إلا خمس أي من الليالي بحساب ليلة عرفة أو من الأيام بحساب يوم الأحد الذي لا كلام فيه أمرنا أي النبي وفي نسخة بصيغة المجهول أن نفضي من الإفضاء أي نصل إلى نسائنا وهو كناية عن الجماع كقوله تعالى وقد أفضى بعضكم إلى بعض النساء فنأتي بالرفع أي فنحن حينئذ نأتي عرفه تقطر مذاكيرنا المنى الجملة حالية وهو كناية عن قرب الجماع وكان هذا عيبا في الجاهلية حيث يعدونه نقصا في الحج قال أي عطاء رضي الله عنه يقول أي يشير جابر بيده كأني أنظر إلى قوله أي إشارته بيده يحركها أي يده ولعله أراد تشبيه تحريك المذاكير بتشبيه اليد أو إشارة إلى تقليل المدة بينهم وبين عرفة أو إيماء إلى وجه الإنكار عليهم والتأسف لديهم قال أي جابر رضي الله عنه فقام النبي فينا أي خطيبا فقال قد علمتم أي اعتقدتم إني أتقاكم الله أي أدينكم أو أخشاكم وأصدقكم أي قولا وأبركم أي عملا ولولا هديي للحللت كما تحلون واستقبت من أمري ما استدبرت ما موصوفة محلها النصب على المفعولية لم أسق الهدى وكنت حللت معكم أراد به تطييب قلوبهم وتسكين نفوسهم في صورة المخالفة بفعله وهم يحبون متابعته وكمال موافقته ولما في نفوسهم من الكراهية


الطبيعية في الاعتمار في أشهر الحج ومقاربة النساء قرب عرفة فحلوا بكسر الحاء أمر للتأكيد فحللنا وسمعنا وأطعنا أي منشرحين منبسطين حيث ظهر لنا عذر المخالفة وحكمة عدم الموافقة قال عطاء قال جابر رضي الله عنه فقدم على من سعايته بكسر السين أي من عمله من القضاء وغيره في اليمن قال الطيبي رحمه الله أي من تولية استخراج الصدقات من أربابها وبه سمي عامل الزكاة الساعي ولا منه من الجمع فقال أي النبي بم أهللت
قال أي علي رضي الله عنه بما أهل به النبي فقال له رسول لله فاهد أي في وقت الهدى دم القران وامكث أي الآن حراما أي محرما قال أي جابر وأهدى أي أتى بالهدى له على هدايا أي من اليمن كما سبق أو ذبح لنفسه هديا في نسكه فقال سراقة بن مالك بن جعشم يا رسول الله ألعامنا هذا أي جواز العمرة في أشهر الحج أو جواز فسخ الحج إلى العمرة مختص بهذه السنة أم لا بد قال لا بد والأول قول الجمهور والثاني قول أحمد رواه مسلم عن عائشة أنها قالت قدم رسول الله لأربع أي ليال مضين من ذي الحجة أو خمس شك منها أو من الراوي عنها فدخل علي وهو غضبان أي ملآن من الغضب حين تأخر بعض أصحابه في فسخ الحج إلى العمر لإحدى العلل المشتهرة فقلت من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار دعاء أو أخبار قال أو ما شعرت أي أو ما عملت إني أمرت الناس أي بعضهم بأمر وهو فسخ الحج فأذاهم أي بعضهم يترددون أي في طاعة الأمر ومسارعته أو في أن هذه إلا طاعة هل هي نقصان بالنسبة إلى حجهم ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى معي حتى أشتريه أي الهدى بمكة أو في الطريق ثم أحل أي بالفسخ كما حلوا رواه مسلم رحمه الله تعالى


باب دخول مكة
أي آداب دخولها والطواف عطف على المضاف

الفصل الأول
عن نافع أي مولى ابن عمر قال ابن عمر كان لا يقدم مكة بفتح الدال أي لا يجيئها الأبات أي نزل في الليل بذي طوى بفتح الطاء وضمها وكسرها والفتح أفصح وأشهر ثم الضم أكثر وعليه جمهور القراء ويصرف ولا يصرف موضع بمكة داخل الحرم وقيل اسم بئر عند مكة في طريق أهل المدينة حتى يصبح ويغتسل ويصلى فيدخل مكة نهارا قال ابن الملك رحمه الله فالأفضل أن يدخلها نهارا ليرى البيت من البعد ا ه وقيلل لييسلم عن الحرامية بمكة والأظهر أنه كان ينزل للاسترحة وللاغتسال والنظافة وإذا نفر أي خرج منها أي من مكة مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح انتظارا لأصحابه واهتماما لجمع أسبابه ويذكر عطف على لا يقدم أي وكان ابن عمر رضي الله عنهما يذكر أن النبي كان يفعل ذلك أي ما ذكر في وقتي الولوج والخروج وما أحست من قال من أرباب الحال وسنا برق نفى عني الكرى لم يزل يلمع بي من ذي طوى منزل سلمى به نازلة طيب الساحة معمور الفنا في النهاية لا يضره ليلا دخلها أو نهارا قال ابن الهمام رحمه الله لما روى النمسائي أنه عليه الصلاة والسلام دخلها ليلا ونهارا دخلها في حجه نهارا وليلا في عمرته وما روى عن ابن عمر أنه كان ينهي عن الدخول ليلا فليس تقريرا للسنة بل شفقة على الحاج من السراق وروى ابن حبان عن اين عباس أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يدخلون الحرم مشاة حفاة ويطوفون بالبيت ويقضون المناسك حفاة مشاة وعن ابن الزبير رضي الله عنه أنه كان حج البيت سبعمائة ألف من بني إسرائيل يضعون نعالهم بالتنعيم ويدخلونها حفاة تعظيما للبيت متفق عليه


وعن عائشة رضي الله عنها قالت أن النبي أي عام حجة الوداع لأنها كانت معه حينئذ لما جاء إلى مكة أي وصل إلى قربها دخلها من أعلاها وكذا دخل في فتح مكة منها وخرج من أسفلها أي لما أراد الخروج منها والمراد بأعلاها ثنية كداء بفتح الكاف والمد والتنوين وعدمه نظرا إلى أنه علم المكان أو البقعة وهى التي ينحدر منها إلى المقبرة المسماة عند العامة بالمعلاة وتسمى بالحجون عند الخاصة ويطلق أيضا على الثنية التي قبله بيسير والثنية الطريق الضيق بين الجبلين وبأسفلها ثنية كدى بضم الكاف والقصر والتنوين وتركه وهو المسمى الآن بباب الشبيكة قال الطيبي رحمه الله يستحب عند الشافعية دخول مكة من الثنية العليا والخروج من السفلى سواء كانت هذه الثنية على طريق مكة كالمدنى أو كاليمني قيل إنما فعل هذه المخالفة في الطريق داخلا أو خارجا للفأل بتغير الحال إلى أكمل منه كما فعل في العيد وليشهد له الطريقان وليتبرك به أهلهما ا ه ولمناسبة الثنية العليا للداخل المقبل على وجه البين ولمناسبة السفلى لمودعه بالذهاب إلى قفاه أو لأن الإتيان إلى مكة يناسبه الظهور والإعلان بخلاف الخروج لأنه يلائمه الخفاء والكتمان فإن الدخول فيها حسنة والخروج منها في صورة سيئة ولأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان على العليا حين قال فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم إبراهيم كما رواه السهيلي عن ابن عباس وروى أيضا لما فرغ من بناء البيت نادى على حجره المسمى بالمقام وعلى العليا أيضا أيها الناس أن الله بنى لكم بيتا فحجوه فأجابته النطف في الأصلاب والأرحام لبيك وكل من كتب له تكرير النسك تكررت أجابت بقدر ما كتب له كذا ذكره ابن حجر والأظهر أنه أجابته الأرواح والأشباح التي قدر الله سبحانه وقضى أن تتشرف بزيارة بيت الله وتسمع نداء من ناداه متفق عليه وعن عروة بن الزبير قال قد حج النبي فاختبرتني عائشة أن أول شيء بدأبه حين قدم مكة أنه توضأ أي جد الوضوء اما تقدم


أنه كان يغتسل أو المراد معناه اللغوي وعلى
كل فلا دلالة فيه على كون الطهارة شرطا لصحة الطواف لأن مشروعيتها مجمع عليها وإنما الخلاف في صحة الطواف بدونها فعندنا أنها واجبة والجمهور وعلى أنها شرط وأما الاستدلال بقوله عليه الصلاة والسلام الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق فمدفوع لأن لحديث ضعيف مع أنه المشبه بالشيء لا يستدي المشاركة معه في كل شيء ألا تى إلى جواز الأكل والشرب في الطواف بالإجماع مع عدم جوازهما في الصلاة من غير نزاع وأغرب ابن حجر رحمه الله في قوله ولم ينظر الجمهور إلى ضعف اسناد رفعه لأن غايته أنه قول صحابي رضي الله عنهم أجمعين وهو حجة على الصحيح ووجه غرابته على تقدير صحة حجته أنه لا يثبت بمثله إفادة شرطيته ثم طاف بالبيت أي طواف العمرة لكونه قارنا أو متمتعا وقال الطيبي رحمه الله أي طواف القدوم لتداخل الأفعال عند الشافعية للقارن وهدا وهم لأن كلا من المفرد والقارن يسن له طواف القدوم اتفاقا بل قال مالك بوجوبه ولا يتصور طواف الركن حينئذ منهما إذ هو في حقهما إنما يدخل وقته بعد الوقوف اجماعا وطواف القدوم يفوت بالوقوف اتفاقا ثم لم تكن بالتأنثي والتذكير عمرة أي ثم لم يوجد منه بعد ذلك عمرة فإنه اكتفى بالعمرة المقرونة بالحج وقال الطيبي رحمه الله أي يعني أفرد الحج وفيه أن إفراد الحج بدون العمرة بعده خلاف الأفضل عند الشافعي رحمه الله أيضا فكيف يحمل الحديث عليه وأما قول ابن حجر ثم لم تكن منه عمرة حتى يوفى أعمالها من السعي والحلق بل اقتصر على الطواف كما تفيده رواية ثم لم يكن غيره أي الطواف فدل علي أن طوافه لم يكن إلا للقدوم وهو لا يتصور إلا للمفرد وللقارن أفعال تتداخل وهو غير معتبر عندنا ثم حج أبو بكر أي بعده عليه الصلاة والسلام فكان أول شيء بالرفع بدأبه الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم عمر ثم عثمان رضي الله تعالى عنهم مثل ذلك بالنصب أي فعلا مثل ذلك وفي نسخة بالرفع أي


فعلهما مثل ذلك والحاصل أن ما وقع منهم جميعهم عمرة مفردة بعد حجهم ولذا قال بعض الحفاظ أن الخروج من مكة للعمرة لم يثبت إلا عن عائشة رضي الله عنها لضرورة رفض عمرتها ثم اتيان قضائها والله تعالى أعلم متفق عليه قال بعض الشراح للمصابيح من علمائنا قوله ثم لم تكن عمرة كذا في كتاب البخاري ومعناه لم يحلوا من إحرامهم ذلك ولم يجعلوها عمرة ثم يحتمل أن يكون هذا من قول عائشة رضي الله عنها ويحتمل أن يكون من قول عروة والذي يدل عليه نسق الكلام أنه من قول عروة وأما قوله ثم حج أبو بكر رضي الله عنه إلى تمام الحديث فإنه من قول عروة من غير تردد لما في سياق حديث مسلم رحمه الله فإنه ذكر الحديث بطوله وفيه ثم حج عثمان رضي الله عنه وروايته أول شيء بدأبه الطواف بالبيت ثم حجبت مع أبي الزبير بن العوام وكان أول شيء بدأبه الطواف وبه اندفع قول ابن حجر رحمه الله الصوب أن الكل من قول عائشة رضي الله عنها إلا أن يصح بذلك نقل من خارج وفي كتاب مسلم ثم لم يكن غيره مكان ثم لم يكن عمرة ومعناه لم يكن هناك تحلل بالطواف من الإحرام بل أقاموا على إحرامهم حتى نحروا هديهم


وعن ابن عمر قال كان رسول الله إذا طاف في الحج وفي نسخة بالحج أو العمرة الظاهر أن أو للتنويع ليستقيم قوله كان أول ما يقدم ظرف سعى جواب للشرط ولا يبعد أن يكون ظرف طاف أي رمل كما في رواية ثلاثة أطواف أي أشواط ونصبه على أنه مفعول فيه لا على أنه مفعول به كما ذكره ابن حجر ولا على أنه صفة مصدر محذوف كما قاله الطيبي رحمه الله والمراد بالرمل الخبب وهو أن يقارب خطاه بسرعة من غير عدو ولا وثب وغلط ممن قال أنه دون الخبب ومن قال أنه العدو الشديد ومشى أربعة ثم سجد أي صلى سجدتين أي ركعتين للطواف ثم يطوف أي يسعى بين الصفا والمروة والتعبير بالمضارع فيه وفي يقدم لحكاية الحال الماضية متفق عليه وعنه أي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رمل رسول الله من الحجر أي الأسود إلى الحجر فيه رد على من قال أنه لم يرمل بين الركنين ثلاثا ومشى أربعا وكان يسعى أي يسرع ويشتد عدوا ببطن المسيل اسم موضع بين لاصفا والمروة وجعل علامته بالأميال الخضر إذا طاف أي سعى بين الصفا والمروة والسعي واجب عندنا ركن عند الشافعي والإسراع سنة اتفاقا رواه مسلم أعلم أن رمله عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام من الحجر إلى الحجر كان في حجة الوداع ستة عشر فلذا قدموه على خبر مسلم أيضا الواقع في عمرة القضاء سنة سبع فإنهم لما قدموا ليفعلوها قال كفار مكة فيهم أن حمى يثرب وهنتهم وجلسوا مما يلي الحجر فأمر عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يرملوا فيما يلي الحجر فقط فتعجب المشركون من بقاء جلدهم وقوتهم ولذا جاء في رواية أبي داود كأنهم الغزلان قال ابن عباس رواية ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم واستمر شرعه بدليل فعله عليه الصلاة والسلام له في حجة الوداع مع زوال سببه من إظهار القوة للكفار ليستحضر فاعله سببه وهو ظهور الكفار لا سيما بذلك المحل الأشرف ثم انطفاءه كان لم يكن فيزيد شكره لربه على أعزاز وليتذكر أحوال الصحابة رضي الله عنهم وما


قاسوا عليه من الشدة في
الخدمة وصح عن عمرانه قال فيما الرمل وكشف المناكب أي الاضبطاع وقد أظهر الله الإسلام ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا نترك شيئا نصنعه مع رسول الله وعن جابر قال أن رسول الله لما قدم مكة أتى الحجر أي الأسود الأسعد فاستمله أي لمسه وقبله وليس في المشاهير السجدة عليه ولا التثليث لديه ثم مشى على يمينه أي يمين نفسه مما يلي الباب وقيل على يمين الحجر والمعنى يدور حول الكعبة على يساره ليكون القلب الذي هو بيت الرب محاذيا لبيت الله في مقام القرب فرمل ثلاثا أي في ثلاث مرات من الأشواط ومشى أربعا أي بالسكون والهينة رواه مسلم وعن الزبير بن عربي قال الطيبي رحمه الله هكذا في الكاشف والمذكور في جامع الأصول أن الزبير بن عدى من التابعين ا ه قال المؤلف في أسماء رجاله أن الزبير بن عدي كوفي تابعي سمع أنس بن مالك والزبير بن العربي تابعي بصري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين ا ه فلا منافاة بين الكاشف والجامع على ما يوهمه نقل الطيبي والصحيح ما في الكاشف لأنه من رواة ابن عمر قال سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر أهو سنة فقال رأيت رسول الله يستمله أي باللمس ووضع اليد عليه ويقبله رواه البخاري وعن ابن عمر قال لم أر النبي يستلم من البيت أي من أركانه أو من أجزائه إلا الركنين اليمانيين بتخفيف الياء الأولى ويشدد قال الطيبي رحمه الله أي الذي فيه


الحجر الأسود واليماني والآخران يسميان الشاميين ا ه ففهيما تغليب وإنما استملهما النبي لأنهما بقيا على بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام واستلام الحجر لمسه إما باليد أو بالقبلة أو بهما وأما استلام اليماني فاليد على الصحيح من مذهبنا قال العسقلاني رحمه الله في البيت أربعة أركان الأول له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام والثاني كونه على قواعد إبراهيم فقط وليس للآخران شيء منهما ولذلك يقبل الأول ويستلم الثاني ولا يقبل الآخران ولا يستلمان هذا على رأي الجمهور واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني ا ه وهو قول محمد من أصحابنا قياسا على الركن متفق عليه وعن ابن عباس قال طاف النبي في حجة الوداع على بعير وهذا في طواف ازفاضة أما لخصوصية أو لعذر به فإن المشي في الطواف عندنا واجب وقال الطيبي رحمه الله إنما طاف راكبا مع أن المشي أفضل ليراه الناس كلهم وذلك لإزدحامهم وكثرتهم يستلم الركن بمحجن أي يشير إليه بعصا معوجة الرأس كالصولجان والميم زائدة على ما ذكره الطيبي متفق عليه قال ابن الهمام رحمه الله أخرج الستة إلا الترمذي عن ابن عباس أن النبي طاف في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشيوه وأخرجه البخاري عن جابر إلى قوله لأن يراه الناس ورواه مسلم عن أبي الطفيل رأيت النبي يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن وهنا أشكال حديثي وهو أن الثابت بلا شبهة أنه عليه الصلاة والسلام رمل في حجة الوداع في غير موضع ومن ذلك حديث جابر الطويل فارجع إليه وهذا ينافي طوافه على الراحلة فإن أجيب بحمل حديث الراحلة على العمرة دفعه حديث عائشة في مسلم طاف عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن كراهية أن ينصرف الناس عنه ومرجع الضمير فيه أن احتمل كونه للركن يعني أنه لو طاف ماشيا لانصرف الناس عن الحجر كلما


مر إليه رسول الله توقيرا له أن يزاحم لكنه يحتمل كون مرجعه النبي يعني لو لم يركب لانصرف الناس عنه لأن كل من رام الوصول إليه لسؤال أو لرؤية أو لاقتداء لا يقدر لكثرة الخلق حوله فينصرف من غير تحصيل حاجته فيجب الحمل عليه لموافقة هذا الاحتمال حديث ابن عباس رضي الله عنه فيحصل اجتماع الحديثين دون تعارضهما والجواب أن في الحج للآفاقي طوافه فيمكن كون المروي من ركوبه كان في طواف الفرض يوم النحر ليعلمهم
ومشيه كان في طواف القدوم وهو الذي يفيده حديث جابر الطويل لأنه حكى طوافه الذي بدأبه أول دخول مكة كما يفيده سوقه للناظر فيه فإن قلت فهل يجمع بين ما عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنها أنه إنما طاف راكبا ليشرف ويراه الناس فيسألونه وبين ما عن سعيد بن جبير أنه إنما طاف كذلك لأنه كان يشتكي كما قال محمد أنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان أنه سعى بين الصفا والمروة مع عكرمة فجعل حماد يصعد الصفا وعكرمة لا يصعدها فقال حماد يا عبد الله ألا تصعد الصفا والمروة فقال هكذا كان طواف رسول الله قال حماد رحمه الله فلقيت سعيد بن جبير فذكرت له ذلك فقال إنما طاف رسول الله على راحلته وهو شاك يستلم الأركان بمحجن فطاف بين الصفا والمروة على راحلته فمن أجل ذلك لم يصعد ا ه فالجواب نعم بأن يحمل ذلك على أنه كان في العمرة فإن قلت قد ثبت في مسلم عن ابن عباس إنما سعى رسول الله ورمل بالبيت ليرى المشركين قوته وهذا لازم أن يكون في العمرة إذ لا مشرك في حجة الوداع بمكة فالجواب يحمل كل منهما على عمرة غير الأخرى والمناسب الحديث ابن عباس كونه في عمرة القضاء لأن الآراء تفيده فليكن ذلك الركوب للشكاية في غيرها وهي عمرة الجعرانة ا ه ولا مانع من الجمع بين العلل لركوبه أو نقول حمل المطلع على الشكاية ركوبه لعذر المرض وغير المطلع حمله على ما رأى من رأيه وهذا عندي هو الجواب والله تعالى أعلم بالصواب وقد أبعد من حمل ركوبه على أن لا ينصرف


الناس عن الركن فإن مثل هذه العلة لا تصلح أن تكون مانعة عن الأمر الأفضل فضلا عن الواجب فتأمل واختر أحسن العلل لئلا تقع في الزلل والخطل ثم رأيت الجمع الذي اختاره ابن الهمام رحمه الله غير منطبق على ما في ظاهر الحديث الآتي عند ابن عباس أن رسول الله وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فهلوا بالبيت وحمله على فعل الصحابة دون فعله في غاية من البعد والله تعالى أعلم ثم من الغريب قول ابن حجر طاف عليه الصلاة والسلام راكبا فلم يكن يمس بما في يده الحجر بل ما فوقه من الركن المحاذي للنبي وهو على ناقته ووجه غرابته أن الراكب يتمكن من إشارة يده أو ما في يده إلى محاذاة الركن حقيقة فما الحاجة إلى ارتكاب المجاز في صنعته وكأنه توهم أنه من قبيل استقبال الكعبة من فوق جبل أبي قبيس ونحوه والفرق ظاهر كما لا يخفى وعنه أي عن ابن عباس أن رسول الله طاف بالبيت على بعير كلما أتى على الركن أي الحجر الأسود أشار إليه بشيء في يده فيه إشارة إلى أن الركن اليماني لا


يشار إليه عند العجز عن الإسلام كما هو الصحيح من مذهبنا وكبر أي قال الله أكبر رواه البخاري وفي الطبراني بسند جيد كان إذا استلم الركن قال بسم الله والله أكبر وكان كلما أتى الحجر الأسود قال الله أكبر وروى الشافعي في الأم بلفظ قولوا بسم الله والله أكبر إيمانا بالله وتصديقا بما جاء به محمد وصح عن علي وابن عمر بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد والمراد بالعهد عهد الميثاق وفي خبر الطبراني أنه كان يقول بسم الله والله أكبر عند اركن اليماني والله أكبر عند الحجر الأسود والمعنى أنه كان يكبر في الركنين وعن أبي الطفيل قال رأيت رسول الله يطوف بالبيت أي راكبا ويستلم الركن أي يشير إليه بمحجن معه ويقبل المحجن أي بدل الحجر للماشي رواه مسلم وعن عائشة قالت خرجنا مع النبي لا نذكر أي في تلبيتنا أو في محاورتنا وقال بعضهم أي لا نقصد إلا الحج فإنه الأصل المطلوب وأما العمرة فإنها أمر مندوب فلا يلزم من عدم ذكرها في اللفظ عدم وجودها في النية فلما كنا بسرف أي نازلين بها أو واصلين إليها وهو بفتح السين وكسر الراء ممنوعا ومصروفا بتأويل البقعة أو المكان اسم موضع قريب من مكة على ستة أميال أو سبعة عشر أو اثني عشر كذا قيل والأخيران لا يصحان طمثت بفتح الميم ويكسر أي حضت فدخل النبي وأنا أبكي أي ظنا مني أن الحيض يمنع الحج فقال لعلك نفست بفتح النون وضمها والفتح أفصح أي حضت وأما الولادة فيقال فيه نفست بالضم ذكره الطيبي رحمه الله قلت نعم قال فإن ذلك بكسر الكاف أي نفاسك بمعنى حيضك شيء كتبه الله أي قدره على بنات آدم تبعا لأمهن حواء لما أكلت من الشجرة فأدمتها فقال تعالى لها لئن أدمتها ادمينك وبناتك إلى يوم القيامة وفيه تسلية لها إذا لبلية إذا عمت طابت


فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت قال الطيبي رحمه الله استثناء من المفعول به ولا زائدة حتى تطهري أي بالانقطاع والاغتسال وفي رواية صححية حتى تغتسلي وهذا الحديث بظاهره ينافي قولها السابق ولم أهلل إلا بعمرة اللهم إلا أن يقال قولها لا نذكر إلا الحج أي ما كان قصدنا الأصلي من هذا السفر إلا الحج بأحد أنواعه من القران والتمتع والإفرد فمنا من أفرد ومنا من قرن ومنا من تمتع وإني قصدت التمتع فاعتمرت ثم لما حصل لي عذر الحيض واستمر إلى يوم عرفة ووقت وقوف الحج أمرني أن أرفضها وأفعل جميع أفعال الحج إلا الطواف وكذلك السعي إذلا لا يصح إلا بعد الطواف والله تعالى أعلم وأما تقدير ابن حجر فدخل علي فقال أهلي بالحج ثم دخل علي ثانيا وأنا أبكي فغير صحيح لما مر فتدبر متفق عليه وعن أبي هريرة قال بعثني أبو بكر أي أرسلني في الحجة التي أمره النبي بتشديد الميم أي جعله أمير قافلة الحج في السنة التاسعة من الهجرة عليها متعلق بأمره أي على الحجة قبل حجة الوداع أي بسنة يو النحر ظرف بعث في رهط أي في جملة رهط أو مع رهط أمره بالتخفيف يؤذن بالتشديد وفي نسخة أن يؤذن والضمير راجع إلى الرهط والإفراد باعتبار اللفظ ويجوز أن يكون لأبي هريرة على الالتفات ذكره الطيبي رحمه الله قلت أو على التجريد أو التقدير أمر أحد الرهط أن ينادي في الناس ألا للتنبيه لا يحج بضم الجيم نهى أو نفى معناه ويفتح وبكسر على أنه نهى ويؤيده رواية لا يحججعن بعد العام أي بعد هذه السنة مشرك أي كافر أي لقوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذ التوبة ولا يطوفن بالبيت عريان أي مطلقا في جميع الأيام غير مقيد بعام دون عام لقوله تعالى يا بني آدم خذوا زيتتكم عند كل مسجد الأعراف وصح عن ابن عباس أنه نزل رداا لما كانوا يفعلونه من الطواف بالبيت مع العري يعني زعما منهم أنهم لا يعبدون ربهم في ثياب أذنبوا فيها وللإيماء إلى كمال


التجريد عن الذنوب أو تفاؤلا بالتعري من العيوب متفق عليه

الفصل الثاني
عن المهاجر المكي الظاهر إنه تابعي لكن لم يذكره المؤلف في أسماء رجاله قال سئل جابر عن الرجل يرى البيت ونسخة عن الرجل الذي يرى البيت يرفع يديه أي هو مشروع أم لا فقال قد حججنا مع النبي فلم نكن نفعله أي رفع اليد عند رؤيته في الدعاء قال الطيبى رحمه الله وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله تعالى خلافا لا حمد وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى وهو غير صحيح عن أبي حنيفة والشافعي أيضا فإنهم صرحوا إنه يسن إذا رأى البيت أو وصل لمحل يرى منه البيت إن لم يره لعمى أوفي ظلمة أن يقف ويدعو رافعا يديه رواه الترمذي وأبو داود قال ابن الهمام رحمه الله تعالى أسند البيهقي إلى سعيد بن المسيب قال سمعت من عمر رضى الله عنه كلمة ما بقى أحد من الناس سمعها غيري سمعته يقول إذا رأى البيت قال اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا بالسلام وأسند الشافعي عن ابن جريج إن النبي كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا يؤيده ما رواه البيهقي بسند مرسل معضل ويعضده الخبر الضعيف يرفع الأيدي في إستقبال البيت ذكره ابن حجر وهو في غير محله وأما خبر الترمذي وحسنه عن جابر إنه قال ما كنت أرى أحدا يفعل هذا أي الرفع عند رؤية البيت إلا اليهود قد حججنا مع رسول الله أفكنا نفعله أي فاجواب عنه إن المثيتين للرفع أولى لأن معهم زيادة علم ومن قال البيقهي رحمه الله رواية غير جابر في إثبات الرفع أشهر عند أهل العلم والقول في مثل هذا قول من أثبت أقول الأولى الجمع بينهما بإن يحمل الإثبات على أول رؤية والنفي على كل مرة وعن أبي هريرة قال أقبل رسول الله أي توجه من المدينة فدخل مكة أي


للحج أو للعمرة فأقبل إلى الحجر أي توجه إليه أوالى بمعنى على فاستعمله أي باللمس والتقبيل ثم طاف بالبيت أي سبعة أشواط ثم أتى الصفا أي بعد ركعتي الطواف فعلاه أي صعده حتى ينظر إلى البيت وروى مسلم عن جابر فرقي عليه حتى رأى البيت وإنه فعل في المروة مثل ذلك وهذا كان في الصفا باعتبار ذلك الزمن وأما الآن فالبيت يرى من باب الصفا قبل رقبه لما حدث من ارتفاع الإرض ثمة حتى اندفن كثير من درج الصفا وقيل بوجوب الرقي مطلقا وأما الرقى الآن في المروة فلا يمكن كما أن رؤية البيت منها تمكن لكن يصدر العقد المشرف عليها دكة فيستجب رقيها عملا بالوارد ما أمكن فرفع يديه أي للدعاء على الصفا لا لرؤية البيت لما سيق وأما ما يفعله العوام من رفع اليدين مع التكبير على هيئة رفعهما في الصلاة فلا أصل له فجعل يذكر الله ما شاء أي من التكبير والتهليل والتحميد والتوحيد ويدعو أي شاء وفيه اشارة إلى المختار عند محمد أن لا تعيين في داعوت المناسك لإنه يورث خشوع الناسك وقال ابن الهمام لإن توقيتها يذهب بالرقة لإنه يصير كمن يكرر محفوظه وإن تبرك بالمأثور فحسن رواه أبو داود و عن ابن عباس إن النبي قال الطواف حول البيت احتراز من الطواف بين الصفا والمروة مثل الصلاة بالرفع على الخبرية وجوز النصب أي نحوها الا انكم تتكلمون فيه أي تعتادو الكلام فيه اما متصل أي مثلها في كل معتبر فيها وجودا وعد ما الا التكلم يعني وما في معناه من المنافيات من الأكل والشرب وسائر الأفعال الكثيرة وإما منقطع أي لكن رخص لكم في الكلام وفي العدول عن قوله إلا الكلام إلى ما قال نكتة لطيفة لا تخفي ويعلم من فعله عليه الصلاة والسلام شرطية الاستقبال وليس لأصل الطواف وقت مشروط وبقي بقية شروط الصلاة من الطهارة الحكمية والحقيقية وستر العورة فهي معتبرة عند الشافعي كالصلاة وواجبات عندنا لإنه لا يلزم من مثل الشيء إن يكون مشاركا له في كل شيء على الحقيقية مع أن الحديث من


الآحاد وهو ظني لا تثبت به الفرضية مع الاتفاق أنه يعفي عن النجاسة التي بالمطاف إذا شق اجتنابها الأن في زمنه عليه الصلاة والسلام وزمن أصحابه الكرام ومن بعدهم من الائمة الاعلام لم تنزل فيه نجاسة ذرق الطيور وغيرها ولم يمتنع أحد من الطواف به لاجل ذلك ولا أمر من يقتدى به بتطهير ما هنالك فمن تكلم فيه يتكلمن الا بخبر أي من ذكر الله
وافادة علم واستفادته على وجه لا يشوش على الطائفين والحذار الحذر مما يتكلم العوام في طوافهم هذه الايام من كلام الدنيا من موجبات الآثام فالنهي المؤكد محمول على كراهة التحريم أو التنزيه وفي قوله مثل الصلاة تنبيه على أن الصلاة أفضل من الطواف رواه الترمذي والنسائي والدارمي أي مرفوعا وصححه الحاكم رحمه الله وفي رواية الا إن الله أحل فيه النطق فمن نطق لا ينطق الا بخير وذكر الترمذي جماعة أي من الرواة وقفوه أي الحديث على ابن عباس أ ولم يرفعوه عنه إلى النبي لكنه في حكم المرفوع وعنه أي عن ابن عباس قال قال رسول الله نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن جملة حالية فسودته خطايا بني آدم أي صارت ذنوب بني آدم الذين يمسحون الحجر سيا لسواده والأظهر حمل الحديث على حقيقته إذا لا مانع نقلا ولا عقلا وقال بعض الشرح من علمائنا هذا الحديث يحتمل أن يرادبه المبالغة في تعظيم شأن الحجر وتفظيع أمر الخطايا والذنوب والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف والكرامة واليمن والبركة شارك جواهر الجنة فكأنه نزل منها وإن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد فتجعل المبيض منه أسود فكيف بقلوبهم أو لأنه من حيث إنه مكفر للخطايا محاء للذنوب كأنه من الجنة ومن كثرة تحمله أو زار بني آدم صار كأنه ذو بياض شديد فسودته الخطايا وما يؤيد هذا أنه كان فيه نقط بيض ثم لازل السواد يتراكم عليها حتى عمها وفي الحديث إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا أذنب نكتت فيه نكتة أخرى وهكذا حتى يسود قلبه جمعية ويصير


ممن قال فيهم كلابل وإن على قلوبهم ما كانوا يكسبون المطففين والحاصل إن الحجر بمنزلة المرآة البيضاء في غاية من الصفاء ويتغير بملاقاة مالا يناسبه من الأشياء حتى يسود لها جميع الاجزاء وفي الجملة الصحبة لها تأثير باجماع العقلاء رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وفي رواية أحمد عن أنس والنسائي عن ابن عباس الحجر الأسود من الجنة وفي رواية ميمونة عن أنس الحجر والأسود من حجارة الجنة وفي رواية أحمد وابن عدي والبيقي عن ابن عباس الحجر الأسود من الجنة وكان أشد بياضا من اللبن حتى سودته خطايا أهل الشرك وفي رواية الطبراني عنه الحجر الأسود من حجارة الجنة وما في الإرض من الجنة غيره وكان


أبيض كالماء ولو لامسه من رجس أهل الجاهلية مامسة ذو عاهة الا برىء وعنه أي عن ابن عباس قال قال رسول الله في الحجر أي في شأنه ووصفة والله ليبعثنه الله يوم القيامة أي ليظهرنه حال كونه له عيناي أي ظاهران يبصر بهما ويعرف المبطل المحق والمتأدب من غير ولسان ينطق به يشهد أي يثنى ثناء جميلا على من استلمه بحق وقيل على بمعنى اللام والظاهر ان المراد بالحق التوحيد الوفاء بالعهد الاكيد ولذا يقال اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد رواه الترمذي ولبن ماجه والدارمي والبيهقى رحمهم الله تعالى بإسناد صحيح على شرط مسلم وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله يقول إن الركن أي الحجر اللأسود والمقام أ مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ياقوتتان من ياقوت الجنة المراد به الجنس فالمعنى إنهما من يواقيت الجنة طمس الله أي أذهب نورهما أي بمساس المشركين لهما ولعل الحكمة في طمسهما ليكون الإيمان غيبيا لا عينيا ولو لم يطمس على بناء الفاعل ويجوز المفعول نورهما لاضا آ بالتثنية ما بين المشرق والمغرب فاضاءة متعد وفي نسخة لصيغة الأفراد أي لا ضاء كل واحد والله سبحانه بهما أعلم أوهى لازم أي لا ستنار بهما ما بين المشرق والمغرب رواه الترمذي وهو لا ينافي أيضا ولولا مامسهما من خطايا بني آدم لاضا آ ما بين المشرق والمغرب فإنهما لما مستهما تلك الخطايا طمس الله نورهما ومما يؤيد كون الركن من الجنة إنه لما أخذته الكفرة القرامطة بعد إن غلبوا بمكة حتى ملؤا المسجد وزمزم من القتلى وضرب الحجر بعضهم بدبوس قال إلى كم تعب من دون الله ذهبوا به إلى بلادهم نكاية للمسلمين ومكث عندهم بضعا وعشرين سنة ثم لما صولحوا بمال كثير على رده قال إنه اختلط بين حجارة عندنا ولم عميزه الآن من غيره فإن كانت لكم علامة تميزه فأتوابها وميزوه فسئل أهل العلم عن علامة تميزة فقالوا إن النار لا تؤثر فيه لأنه من الجنة فذكرو الهم


ذلك فامتحنوا وصار كل حجر يلقونه في النار ينكسر حتى جاؤا إليه فلم تقدر النار على أذنى تأثير فيه فعلموا إنه هو فردوه قيل ومن العجب إنه في
الذهاب مات تحته من شدة ثقله ابل كثيرة وفي العودة حمله أجرب إلى مكة ولم يتأثر به وعن عبيد بن عمير بالتضغير فيهما قال المؤلف يكني أبا عاصم الليثي الحجازي قاصي أهل مكة ولد في زمن رسول الله ويقال رآه وهو معدود في كبار التابعين سمع جماعة من الصحابة وروى عنه نفر من التابعين ومات قبل ابن عمر إن ابن عمر كان يزاحم أي يغالب الناس على الركنين زحاما أي غير مؤذ وقال الطيبى رحمه الله أي زحاما عظيما وهو يحتمل أن يكون في جميع الاشواط أو فيأوله وآخره فأنهما آكد أحوالها وقد قال الشافعي في الآم ولا أحب الزحام في الاستلام إلا في بدء الطواف وآخره لكن المراد زحام لا يحصل فيه أذى للانام لقوله عليه الصلاة والصلام لعمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فستقبله وهلل وكبر رواه الشافعي وأحمد ما رأيت أحد من أصحاب رسول الله يزاحم عليه أي على ماذكر أو على واحد وقد جاء إنه ربما دمى أنفه من شدة تزاحمه وكأنهم تركوه لما يترتب عليه من الاذى فالاقتداء بفعلهم سيما في هذا الزمان أولى قال ابن عمر استدلالا لفعله وقال الطيبى رحمه الله أي إعتذار او لا يخفي ان أفعل أي هذا الزحام فلا ألام فان شرطية والجزاء مقدر ودليل الجواب قوله فاني سمعت رسول الله بقول ان مسحهما أي لمسها كفارة للخطايا أي من الصغائر وسمعته أي رسول الله أيضا وأبعد ابن حجر حيث قال قال الراوي سمعت ابن عمر يقول فيلزم أن يكون الحديث الثاني والثالث موقوفين على أنهما في حكم المرفوع فتدبر يقول من طاف بهذا البيت أسبوعا أي سبعة أشواط كما في رواية فأحصاه بأن يكلمه ويراعي ما يعتبر في الطواف من الشروط والآداب وفي المصابيح يحصيه أي بعد وقال المظهري أي سبعة أيام متوالية بحيث بعدها ولا يترك بين الايام السبعة


يوما ا ه وهو غير مفهوم من الحديث كما لا يخفي كان كعتق رقبة وسمعته أي أيضا يقول لا يضع أي الطائف قدما ولا يرفع أخرى الظاهر لا يرفعها فكأنه عد أخرى باختلاف وصف الوضع والرفع والتقدير لا يضع قدما مرة أخرى إلاحط الله أي وضع ومحا عنه بها أي بكل قدم أو بكل مرة من الوضع والرفع خطيئة وكاتب له بها حسنة ويحتمل أن يكون لفاو نشرا فبوضع القدم
وضع السيئة وبرفعها اثبات الحسنة المقتضية لرفع درجة في الجنة ثم هذا الاجر والثواب إنما يحصل لمن قام بالآدب وأما ما يفعله العوام من الزخام المشتمل على أذى الانام كالمدافعة والمسابقة في هذه الإيام فهو موجب لزيادة الآثام رواه الترمذي وعن عبد الله بن السائب هو من أكابر الصحابة أخذ عنه أهل مكة القراء قال سمعت رسول الله يقول ما بين الركنين أي يدعو ويقرأ آتنا أي اعطنا في الدنيا حسنة أي العلم والعمل أو العفو والعافية والرزق الحسن أو حياة طيبة أو القناعة أو ذرية صالحة وفي الآخرة حسنة أي المغفرة والجنة والدرجة العالية أو مرافقة الأنبياء أو الرضاء أو الرؤية أو اللقاء وقنا أي احفظنا عذاب النار أي شدائد جهنم من حرها وزمهريرها وسمومها وجوها وعطشها ونتنها وضيقها وعقار بها وحياتها وفسر على رضي الله عنه الحسنة الأولى بالمرأة الصالحة والثانية بالحور العين وعذاب النار بالمرأة السليطة وذكر شيخنا السيد زكريا عن شيخه قطب الباري أبي الحسن البنكري إن في الآية سبعين قولا أن المراد بالحسنة الأولى إتباع المولى وبالثانية الرفيق الا على وبعذاب النار حجاب المولى وعندي إن المراد بالحسنة مايطلق عليه إسم الحسنة أي حسنة كانت والنكرة قد تفيد العموم كقوله تعالى علمت نفس ما أحضرت التكوير وكذلك يراد بالعذاب أنواع العقاب وأصناف العتان وإن كان أشد العذاب هو الحجاب والله تعالى أعلم بالصواب رواه أبو داود وعن صفية بنت شيبة أي الحجبى اختلف في رؤيتها النبي قاله المؤلف قالت أخبرتني بنت أبي


تجراة بضم التاء وسكون الجيم وقيل بفتح فكسر ذكره ابن الملك وقال ابن حجر بتاء فوقية مفتوحة فجيم ساكنة والأول هو الموافق لما في النسخ المصححة ولم يذكرها المصنف وفي رواية ابن الهمام إسمها حبيبة إحدى نساء بني عبد الدار قالت دخلت مع نسوة من فريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله وهو يسعى بين الصفا
والمروة أي لنتشرف برؤيته ولنستفيد من علمه وبركته فرأيته يسعى أي يسرع وان بكسر الهمزة والواو للحال مئزره بكسر الميم وسكون الهمزة ويبدل ليدور أي حول رجليه من شدة السعى يدل على إنه كان ماشيا وجاء ذلك صريحا في حديث حسن ولا ينافيه ما ورد أنه عليه الصلاة والسلام سعى راكبا في حجة الوداع لامكان الجمع بان مشيه كان في سعى عمرة من عمره أو كان مشيه في سعى الحج بعد مشيه في طواف الإفاضة وركو به في سعى عمرته بعد طواف القدوم راكبا وأما الجمع الذي ذكره ابن حجر الله بأنه أرادا أن يسعى ما شيا فتزاحم الناس عليه فركب فيما بقى فبعيد جدا وقد نقل الترمذي عن نص الشافعي كراهة الركوب بلا عذر ونقله ابن المنذر رحمه الله عن جمهور أهل العلم فقول النووي رحمه الله مذهبنا أن الركوب بلا عذر خلاف الأولى لا مكروه غير موجه وسمعته يقول أي في السعى أسعوا فان الله قد كتب عليكم السعى قال الطيبى رحمه الله أي فرض فدل على إن السعى فرض ومن لم يسع بطل حجة عند الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى ا ه وقال أبو حنيفة رحمه الله السعى واجب لأن الحديث ظني وكذلك المشي فيه مع القدرة وبترك الواجب يجب دم رواه أي المصنف في شرح السنه أي بإسناده ورواه وفي نسخة وروي أحمد مع اختلاف في لفظه ورواه الدارقطنى والشافعي والبيهقي بسند حسن بلفظ إنه عليه الصلاة والسلام استقبل الناس في المسعى وقال يا أيها الناس اسعوا فإن الله قد كتب عليكم السعى وقد قال جمع من الصحابة كابن عباس وابن الزبير وأنس وغيرهم من التابعين رحمهم الله إن السعى تطوع لقوله تعالى فلا


جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خير البقرة الآية فالاوسط الإعدل أنه واجب لا فرض قال ابن الهمام ورواه الشافعي وابن أبي شيبة والدارقطني وقال صاحب التنقيح إسناده صحيح والجواب إنا قلنا بموجبه إذ مثله لا يزيد على إفادة الوجوب وقد قلنا به وأما الركن فإنما يثبت عندنا بدليل به فاثباته بهذا الحديث اثبات بغير دليل ثم قال وعلم إن سياق الحديث يفيد إن المراد بالسعى المكتوب الجرى الكائن في بطن الوادي إذا رجعته لكنه غير مراد بلا خلاف نعلمه فيحمل على ان المراد بالسعى الطواف بينهما واتفق إنه عليه الصلاة والسلام قال لهم عند الشروع في الجرى الشديد المسنون لما وصل إلى محله شرعا أعني بطن الوادي ولا يسن جرى شديد في غير هذا بخلاف الرمل في الطواف إنما هو مشي فيه شدة وتصلب ثم قيل في سيب شرعية الجرى في بطن الوادي إن هاجر رضي الله عنها لما تركها إبراهيم عليه الصلاة والسلام عطشت فخرجت تطلب الماء وهي تلاحظ اسماعيل عليه الصلاة والسلام خوفا عليه فلماوصلت إلى بطن الوادي تغيب عنها فسعت لتسرع الصعود منه فتنظر إليه فجعل ذلك نسكا إظهارا لتشرفهما وتفخيما لامرهما وعن ابن عباس رضي الله عنه إن إبراهيم عليه السلام لما أمربالمناسك عرض الشيطان له السعى


فسابقه فسبقه إبراهيم أخرجه أحمد وقيل إنما سعى سيدنا ونبيا ومحمد إظهار للمشركين الناظرين إليه في الوادي الجلد ومحل هذا الوجه ما كان من السعى في عمرة القضاء ثم بقي بعده كالرمل إذ لم يبق في حجة الوداع مشرك بمكة والمحققون على إن لا يشتغل بطلب المعنى فيه نظائر من الرمى وغيره بل هي أمور توقيفية يحال العالم فيها إلى الله تعالى والمسعى هو المكان المعروف اليوم لإجماع السلف والخلف عليه كابر ولا ينافيه كلام الاذرعي إن أكثره في المسجد كما توهم ابن حجر رحمه الله فتدبر وعن قدامه بضم القاف وتخفيف الدال ابن عبد الله بن عمار قال رأيت رسول الله يسعى بين الصفا والمروة على بعير أي في وقت غير ما سبق لا ضرب ولا طرد بالفتح والرفع منونا فيهما ولا إليك أي أبعد إليك أي تنح قال الطيبى رحمه الله أي ما كان يضربون الناس ولا يطردونهم ولا بقولون تنحوا عن الطريق كما وعادة الملوك والجبابرة والمقصود التعريض بالذين كانوا يعملون ذلك ا ه وذكر السيوطي رحمه الله أن أول بدعة ظهرت قول الناس الطريق الطريق أقول قد رضينا في هذا الزمان باليك وإليك وبالطرق الطريق عليك فإنه نشأ ناس يدفعون بأيديهم وأرجلهم ويدوسون بدوابهم وهم ساكتون أوليك كالإنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون رواه في شرح السنة وعن يعلي بن أمية قال ان رسول الله طاف بالبيت مضطبعا بكسر الباء ببرد أي يماني أخضر أي فيه خطوط خضره قال الطيبى رحمه الله الضبع وسط العضد ويطلق على الابط والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت الابطا الايمن ويلقي وطرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره سمى بذلك لابداء الضبعين قبل انما فعله إظهار للتشجيع كالرمل ا ه وهو والرمل سنتان في كل طواف بعده سعى والاضطباع جميع الأشواط بخلاف الرمل ولا يستحب الاضطباع في غيره الطواف وما يفعله العوام من الاضطباع من ابتداء الإحرام حجا أو عمرة لا أصل له بل يكره حال الصلاة م إنه يسقط في طواف الإفاضة إذا كان


لابسا رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي قال ابن الهمام رحمه الله وحسنه الترمذي
وعن ابن عباس أن رسول الله وأصحابه اعتمرو امن الجعرانة قال النووي رحمه الله الافصح التخفيف فرملوا بالبيت ثلاثا وجعلوا أي حين أرادو الشروع في الطواف أرديتهم تحت آباطهم بالالف ممدودة جمع ابط ثم قذفوها أي طرحوها على عواتقهم اليسري أي إستمروا عليه إلى أن فرغوا من الطواف رواه أبو داود قال ابن الهمام رحمه الله سكت عنه أبو داود وحسنه غير وبه يندفع كلام ابن حجر رواه أبو داود بسند صحيح وقد أغرب الشافعي رحمه الله في قوله يسن الاضطباع في السعي قياسا على الطواف مع تركه عليه الصلاة والسلام الاضطباع في السعي وعدم العلة الباعثة على الرمل والاضطباع في الطواف وأما استدلالهم بما صح إنه عليه الصلاة والسلام طاف بين الصفا والمروة طارحا رداءة فغريب ومسلك عجيب لدلالته على خلاف المدعي كما لا يخفي
الفصل الثالث
عن ابن عمر قال ما تركنا استلام هذين الركنين اليماني بتخفيف الياء وتشديدها مجرورا والحجر أي الاسود في شدة أي زخام ولا رخاء أي خلاء منذ رأيت رسول الله يستلمهما متفق عليه وفي خبر البيهقي بسند ضعيف إنه عليه الصلاة والسلام أتي الحجر فقلبه واستلم اليماني فقبل يده قال ابن حجر ولا يعارض ذلك خبر أحمد إنه عليه الصلاة والسلام قبل الركن اليماني ووضع خده الأيمن عليه لأنه أما غير ثابت كما قاله البيهقي أو ضعيف وإن صححه الحاكم ا ه ولا يخفي إن حديث البيهقي مع ضعفه كيف لا يعارضه حديث أحمد مع تقويته بتصحيح الحاكم لسنده فالأولى إنه يحمل على وقوعه حال ندرته ثم


قول ابن حجر لا قائل به غفلة عن قول الإمام محمد رحمه الله من إنه قال حكم الركنين سواء ثم في الصحيحين عن ابن عمر رضى الله عنهما ما رأي رسول الله ترك إستلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهما الشاميان ويسميان العراقيين والغربيين وأما استلام جمع منهم ابن الزبير ومعاوية لهما فهو مذهب لهم خالفوا فيه الأحاديث الصحيحة ومن ثم خالفهما جمهور الصحابة وأما قول معاوية ليس شيء من البيت مهجورا فأجاب عنه الشافعي رحمه الله بانه لم يدع استلامهما هجرا للبيت ولكن يستلم ما استلم رسول الله ويمسك عما أمسك عنه على إن ذلك الخلاف إنقرض وأجمعوا على إنهما لا يستلمان وفي هذا الإجماع خلاف للاصوليين كذا حققه الحافظ العسقلاني وفي رواية لهما قال ابن الهمام واللفظ لمسلم قال نافع رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده ولعل هذا في وقت الزحام قال في الهداية وإن أمكنه إن يمس الحجر شيئا في يده ويقبل ما مس به فعلد وذكر في فتاوى قاضيان مسح الوجه باليد مكان تقبيل اليد وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله يفعله أي الاستلام المطلق أو المخصوص إذا ثبت الإستلام والتقبيل عنه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين وروى البيهقي في مسنده إن ابن عباس رضي الله عنه قبله وسجد عليه ثم قال رأيت عمر رضي الله عن قبله وسجد عليه ثم رأيت رسول الله يفعل هكذا ففعلت وروى الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام سجد على الحجر حين قبله بجبهته وشد مالك كما اعترف به عياص وغيره في انكاره ندب تقبيل اليد وقوله إن السجود عليه بدعة وعن أم سلمة قالت شكوت إلى رسول الله إني أشتكي أي شكوت إليه اني مريضة والشكاية المريض فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة فيه دلالة على إن الطواف


راكبا ليس من خصوصياته عليه الصلاة والسلام فطفت ورسول الله يصلي أي صلاة الصبح قاله النووي رحمه الله إلى جنب البيت أي متصلا إلى جدار الكعبة وفيه تنبيه على أن أصحابه كانوا متحاقين حولها يقراء ب أي والطور وكتاب مسطور أي بهذه السورة في ركعة واحدة كما هو عادته عليه الصلاة والسلام ويحتمل إنه قرأها في الركعتين وكان الأولى للراوي إن يقول يقرأ الطور ويكتفي بالطور ولم يقل وكتاب مسطور متفق عليه وقد صحت الأحاديث في حجة الوداع بانه عليه الصلاة والسلام ركب وإنه مشيء وجمع بحمل الأول على طواف الركن والثاني على طواف القدوم ذكره ابن حجر الله والأولى عكس هذا الجمع لأن المشي في الركن أنسب والركوب في القدوم أقرب وعن عابس بن ربيعة قال رأيت عمر رضي الله عنه يقبل الحجر ويقول إني لا علم أنك حجر ما تنفع ولا تضر أي في حد الذات ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك وفيه إشارة منه رضي الله عنه إلى أن هذا أمر تعبدي فنفعل وعن علته لا تسأل وإيماء إلى التوحيد الحقيقي الذي عليه مدار العمل وقال الطيبي رحمه الله إنما قال ذلك لئلا يغتر به بعض قريبي العهد بالإسلام ممن ألفوا عبادة الأحجار فيعتقدون نفعه وضره بالذات فبين رضي الله عنه أنه لا يضر ولا ينفع لذاته وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع باعتبار الجزاء وليشيع في الموسم فيشتهر ذلك في البلدان المختلفة وفيه الحث على الاقتداء برسول الله في تقبيله ا ه وفيه أن لا يظن بأرباب العقول ولو كانوا كفارا أن يعتقدون أن الحجر ينفع ويضر بالذات وإنما كانوا يعظمون الأحجار أو يعبدونها معللين بأن هؤلاء شفعاؤنا عند الله ومقربونا إلى الله زلفى فهم كانوا يمحونها ويقبلونها نسبيا للنفع وإنما الفرق بيننا وبينهم أنهم كانوا يفعلون الأشياء من تلقاء أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان بخلاف المسلمين فإنهم يصلون إلى الكفية بناء على ما أمر الله ويقبلون الحجر بناء على متابعة رسول الله وإلا فلا


فرق في حد الذات ولا في نظر العارف بالموجودات بين بيت وبيت ولا بين حجر وحجر فسبحان من عظم ما شاء من مخلوقاته من الأفراد الإنسانية
كرسول الله والحيوانية كناقبة الله والجمادية كبيت الله والمكانية كحرم الله والزمانية كليلة القدر وساعة الجمعة وخلق خواص الأشياء في مكتوباته وجعل التفاوت والتمايز بين أجزاء أرضه وسماواته متفق عليه قال ابن الهمام رحمه الله وروى الحاكم حديث عمر وزاد فيه فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلى يا أمير المؤمنين يضر وينفع ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله لقلت كما أقول وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى الأعراف فلما أقروا أنه الرب عز وجل وأنهم العبيد كتب ميثاقهم في رق وألقمه في هذا الحجر وأنه يبعث القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وافاه فهو أمين الله في هذا الكتاب وقال له عمر رضي الله عنه لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن وقال ليس هذا الحديث على شرط الشيخين فإنهما لم يحتجا بأبي هارون العبدي ومن غرائب المنون ما في ابن أبي شيبة في آخر مسند أبي بكر رضي الله عنه عن رجل رأى النبي أنه عليه الصلاة والسلام وقف عند الحجر فقال إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أمرني ربي أن أقبلك ما قبلتك فليراجع إسناد ابن أبي شيبة فإن صح يحكم ببطلان حديث الحاكم لبعد أن يصدر هذا الجواب عن علي أعني قوله بل يضر وينفع بعدما قال النبي لا يضر ولا ينفع لأنه صورة معارضة لا جرم أن الذهبي قال في مختصره عن العبدي أنه ساقط وعمر رضي الله عنه إنما قال ذلك أو النبي إزالة لوهم الجاهلية عن اعتقاد الحجارة التي هي أصنام ا ه فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام أنك حجر لا تضر ولا تنفع أنه ولولاة أمرني ربي أن أقبلك لما قبلتك إيماء إلى العبودية على الطريقة التعبدية والتنزل والتواضع تحت الأحكام الربوبية وإلا فالعقل يتحير في تقبيل سيد الكونين الذي


لولاه لما خلق الأفلاك الحجر من الأحجار الذي من جنس الجمادات الذي من أحقر أجناس المخلوقات ولو أنه من يواقيت الجنة حقيقة ولو كان له عينان ولسان وفي جوفه ميثاق الرحمن وإنما هو من تنزلات الألولهية والتجليات السبحانية حيث جعل لعبيده حرما يأوون إليه ويلتجؤون لديه وبيتا يتوجهون ويقبلون عليه عند صلاتهم وسائر عبادتهم وحلالاتهم ويمينا يقبلونها ويمحون أيديهم ويضعون وجوههم عليها كما أشار إليه الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده رواه الخطيب وابن عساكر عن جابر مرفوعا وروى الديلمي في مسند الفردس عن أنس مرفوعا الحجر يمين الله فمن مسحه فقد بايع الله وهذا كله تأنيس لعباده حيث غلب على أغلبهم التعلق بالأمر المحسوس في بلاده قال ابن الهمام رحمه الله ثم إن هذا التقبيل لا يكون له صوت وهل يستحب السجود على الحجر عقيب التقبيل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقبله ويسجد عليه بجهبته وقال رأيت عمر قبله ثم سجد عليه ثم قال رأيت رسول الله فعل ذلك ففعلته رواه المنذري والحاكم وصححه إلا أن الشيخ قوام الدين الكاكي قال وعندنا الأولى أن لا يسجد لعدم الرواية في المشاهير ونقل السجود عن أصحابنا الشيخ عز الدين في مناسكه ا ه أقول الأولى أن يسجد بعض الأيام عند


عدم الزحام أو في أوله وآخره تبركا بفعله عليه الصلاة والسلام لجواز العمل بالحديث ولو ضعيفا فكيف وقد صححوه ثم قال ابن الهمام وفي رواية لابن ماجة عن ابن عمر قال استقبل النبي الحجر ثم وضع شفته عليه يبكي طويلا يلائم ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي فقال يا عمر ههنا تسكب العبرات وعن أبي هريرة أن النبي قال وكل به سبعون ملكا يعني أي يريد بمرجع الضمير الركن اليماني بالتخفيف على الصحيح والقائل أبو هريرة أو غيره بطريق الاعتراض بين الكلامين على طريق التفسير فمن قال اللهم إني أسألك العفو أي عن الذنوب والعافية أي عن العيوب في الدنيا والآخرة ويمكن أن يكون لفا ونشرا مشوشا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين ولا تنافي بينه وبين ما سبق من قوله بين الركنين لأنه إذا وصل إلى الركن اليماني وشرع في هذا الدعاء وهو مار فلا شك أنه يقع بينهما إذ لا يجوز الوقوف للدعاء في الطواف كما يفعله جهلة العوام قال ابن الهمام رحمه الله ما ذكر الأدعية المأثورة عن العلماء الأعلام واعلم أنك إذا أردت أن تستوفي ما أثر من الأدعية والأذكار في الطواف كان وقوفك في أثناء الطواف أكثر من مشيك بكثير وإنما أثرت هذه بتأت ومهلة لارمل ثم وقع لبعض السلف من الصحابة والتابعين أنه قال في موطن كذا كذا ولآخر في كذا كذا ولا خرفي نفس أحدهما ماشيا آخر فجمع المتأخرون الكل لا أن الكل وقع في الأصل الواحد بل المعروف في الطواف مجرد ذكر الله ولم نعلم خبرا روي فيه قراءة القرآن في الطواف قلت ولعله عليه الصلاة والسلام لم يقرأ في الطواف شيئا من القرآن بقصد القراءة ليعلم أنها ليست من أركان الطواف فتكون مستثنى أيضا من قوله الطواف كالصلاة رواه ابن ماجة بسند ضعيف إلا أنه مقبول في فضائل الأعمال وأخرج الحاكم أنه عليه الصلاة والسلام قال ما انتهيت إلى الركن اليماني قط إلا وجدت جبريل عنده قال قل يا محمد قلت وما أقول قال


اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفاقة ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة ثم قال جبريل أن بينهما سبعين ألف ملك فإذا قال العبد هذا قالوا آمين وفي رواية سبعون بالواو على الأهمال لغة في الأعمال أو على أن في أن ضمير الشأن وليس نظير إن كان في أمتي ملهمون كما توهم ابن حجر رحمه الله لا مكان كون كان تامة أي أن وجد في أمتي ملهمون وأخرج أبو داود ما مررت بالركن اليماني إلا وعنده ملك ينادي يقول آمين آمين فإذا مررتم به فقول اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأخرج ابن الجوزي على الركن اليماني ملك موكل به منذ خلق الله


السموات والأرض فإذا مررتم به فقولوا ربنا آتنا الآية فإنه يقول آمين آمين وروى الحاكم بسند صحيح أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول بين اليمانيين اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقتا عذاب النار ثم قال اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف علي كل غائبة لي بخير وأخرج الأرزقي عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا مر بالركن اليماني قال بسم الله والله أكبر السلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وجاء ذلك عن النبي مرسلا لابن المسيب لكن بإسناد ضعيف زاد بعضهم فيه فقال رجل يا رسول الله أقول هذا وإن كنت مسرعا قال نعم وإن كنت أسرع من برق الخلب وهو سحاب لا مطر فيه وعنه أي عن أبي هريرة أن النبي قال من طاف بالبيت سبعا أي سبع مرات من الأشواط ولا يتكلم إلا بسبحان الله أي المنزه عن المكان وهو واجب النصب فمحله مجرور والحمد لله أي في كل زمان وهو مرفوع على الحكاية ولا إله إلا الله أي في نظر أهل العرفان في كل آن والله أكبر أي من أن يعرف له شأن ولا حول عن معصيته ولا قوة على طاعته إلا بالله وهو المستعان محيت بتاء التأنيث في جميع النسخ عنه عشر سيئات أي بكل خطوة أو بكل كلمة أو بالمجموع وكتب بالتذكير أيضا في جميع النسخ أي أثبت له عشر حسنات على وجه التبديل أو على طريق التوفيق ورفع له عشر درجات بالتذكير أيضا أي ف يالجنات العاليات ومن طاف فتكلم قال الطيبي رحمنه الله أي بهذه الكلمات وهو في تلك الحال أي في حالة الطواف خاض في الرحمة أي دخل في بحر الرحمة ازلهية برجليه كحائض الماء برجليه وإنما كرر الكلام ليناط به غير ما نيط به أولا وليبرز المعقول في صورة المحسوس المشاهد وقال ابن حجر أي من تكلم بغير ذلك الذكر من الكلام المباح وفيه الإشارة بأن الثواب الحاصل دون الأول بواسطة تكلمه


في طوافه بغير الذكر لأن ذلك مناف لكمال الأدب وإيقاع العبادة بغير وجههال ا ه والأول أظهر لأنه قد تقدم نهيه عليه الصلاة والسلام عن الكلام المباح بقوله فلا يتكلمن إلا بخير فيكون مكروها قال ابن الهمام رحمه الله الكلام المباح في المسجد مكروه يأكل الحسنات ا ه فكيف في الطواف وهو حكما في الصلاة والكراهة تنافي أصل الثواب عند الشافعية وأيضا يلزم به الجمع بين النهي عن شيء وتقرر بل مع زيادة تفريع الثواب عليه مع أن الثواب
حاصل لأصل الطواف فيؤول الكلام إلى أن من طاف فتكلم بالمباح وأنت تعلم أنه لا يحتاج الكلام إلى هذا القيد بل الإطلاق أو نفي الإطلاق أو نفي الكلام مطلقا أولي وأقول والله تعالى أعلم إن الظاهر المتبادر في معناه من غير تكلف في مبناه أن يقال ومن طاف فتكلم أي بغير هذه الكلمات كسائر الأذكار من أخبار العلماء الأبرار وأسرار المشايخ الأخيار فيفيد التقييد حينئذ زيادة مثوبات هذه الكلمات فإنهن الباقيات الصالحات وقد روى عن مجاهد أن آدم عليه الصلاة والسلام طاف بالبيت فلقيته الملائكة فصافحته وسلمت عليه وقالت بر حجك يا آدم طف بهذا البيت فإنا قد طفنا قبلك بألفي عام قال لهم آدم عليه الصلاة والسلام فماذا كنتم تقولون في طوافكم قالوا كنا نقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال آدم عليه الصلاة والسلام وأنا أزيد فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله وروى عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه نحوه رواه ابن ماجة


باب الوقوف بعرفة
باب الوقوف أي الحضور بعرفة أي ولو ساعة في وقت الوقوف قال الطيبي رحمه الله هي اسم لبقعة معروفة ا ه فالجمع في قوله فإذا أفضتم من عرفات البقرة اعتبار أجزائها وأماكنها قال الراغب سمي بذلك لتعرف العباد إلى الله بالعبادات هناك وقيل للتعارف فيه بين آدم وحواء وقال النووي وقيل لأن جبريل عليه الصلاة والسلام أرى إبراهيم عليه الصلاة والسلام المناسك أي مواضع النسك في ذلك اليوم فكان يقول له في كل موضع أعرفت هذا فيقول نعم وقيل هو يوم اصطناع المعروف إلى أهل الحج وقيل يعرفهم الله تعالى يومئذ بالمفغرة والكرامة أي يطيبهم ومنه قوله تعالى عرفها لهم محمد أي طيبها ونقل عن ابن الحاجب أنه قال في غريب الموطأ له سميت عرفة لخضوع الناس واعترافهم بذنوبهم وقيل لصبرهم على القيام والدعاء لأن العارف يصبر ا ه إذ من لم يعرف قدر شيء لم يصبر على مشقته
الفصل الأول
عن محمد بن أبي بكر الثقفي نسبة إلى ثقيف بالمثلثة والقاف قبيلة بالطائف


وهو تابعي أنه سأل أنس بن مالك وهما والواو للحال غاديان بالغين المعجمة اسم فاعل من الغدو أي ذاهبان أول النهار من منى إلى عرفة أي للوقوف كيف كنتم أي معاشر الصحابة تصنعون في هذا اليوم أي يوم عرفة مع رسول الله إذا العبرة بتلك الأيام المقرونة بالمعية فقال أي أنس كان يهل أي يلبي منا المهل أي الملبي أو المحرم فلا ينكر عليه بصيغة المجهول أي لا ينكر عليه أحد فيفيد التقرير منه عليه الصلاة والسلام والإجماع السكوتي من الصحابة الكرام ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه قال الطيبي رحمه الله وهذا الرخصة ولا حرج في التكبير بل يجوز كسائر الأذكار ولكن ليس التكبير في يوم عرفة سنة الحجاج بل السنة لهم التلبية إلى رمي جمرة العقبة يوم النحر ويستحب لغير الحاج في سائر البلاد التكبير عقيب الصلوات من صبح يوم عرفة إلى رخر أيام التشريق ا ه قال ابن الهمام رحمه الله واختلف في أن تكبيرات التشريق واجبة في المذهب أو سنة والإكثر على أنها واجبة ودليل السنة أنهض وهو مواظبته عليه الصلاة والسلام وأما الاستدلال بقوله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات الحج فالظاهر منها ذكر اسمه على الذبيحة نسخا لذكرهم عليها غيره في الجاهلية بدليل على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ا ه فالأولى الاستدلال بقوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات البقرة قال والمسألة مختلفة بين الصحابة فأخذا أي صاحبا أبي حنيفة رحمه الله بقول علي وهو ما رواه ابن أبي شيبة عنه رضي الله عنه أنه كان يكبر بعد الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وأخذ أبو حنيفة رحمه الله بقول ابن مسعود وهو ما رواه ابن أبي شيبة أيضا عن الأسود قال كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر يقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد قال وأما جعل التكبيرات ثلاثا في الأولى كما يقول الشافعي رحمه


الله فلا يثبت له ويبدأ المحرم بالتكبير ثم بالتلبية ا ه ويجب التكبير عند أبي حنيفة رحمه الله بشرط الإقامة والحرية والذكورة وكون الصلاة فريضة بجماعة مستحبة في مصر وعندهما يجب على كل من يصلي المكتوبة متفق عليه وفي رواية لمسلم غدونا مع رسول الله من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر وعن جابر أن رسول الله قال نحرت ههنا قال ابن الملك رحمه الله إشارة
إلى منى ا ه وهو غير صحيح والصواب أن المشار إليه موضع مخصوص من مواضع منى لقوله ومنى مبتدأ كلها أي كل مواضعها تأكيد منحر أي محل نحر وهو خبر المبتدأ والمقصود أن النحر لا يختص بمنحره عليه الصلاة والسلام وهو قريب من مسجد الخيف كما سيأتي قال ابن حجر نحرت ههنا أي في محل منحره المشهور وقد بنى عليه بناآن كل منهما يسمى مسجد المنحر أحدهما على الطريق والآخر منحرف عنها قيل وهو الأقرب إلى الوصف الذي ذكروه بمحل نحره عليه الصلاة والسلام فانحروا في رحالكم أي منازلكم ووقفت ههنا أي قرب الصخرات ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف أي الأبطن عرنة ووقفت ههنا أي عند المشعر الحرام بمزدلفة وهو البناء الموجود بها الآن وجمع أي المزدلفة كلها موقف أي الأوادي محسر قيل جمع علم المزدلفة لاجتماع الناس فيه وقيل لاقترابها من منى من الازدلاف الاقتراب والدال مبدلة من التاء كقوله تعالى وإذا الجنة أزلفت التكوير وقوله ليقربونا إلى الله زلفى أي قربى قال الطيبي رحمه الله يمكن أن يكون كل من هذه الإشارات صادرة في بقعة أخرى وأن يكون الكل في بقعة واحدة بناء على استحضار البقعة التي لم يكن فيها حال الإشارة في خيال المخاطب فلذا قال ههنا في الكل ولم يقل هناك أو ثمة ا ه والأول هو الأظهر وأما على الثاني فالبقعة الواحدة إنما هي مني لقوله نحرت والأوامر في الحديث للرخصة وإلا فالأفضل متابعة السنة رواه مسلم وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت إن رسول الله قال ما من يوم أكثر بالنصب وقيل بالرفع من أن


يعتق الله أي يخلص وينجي فيه عبدا من النار من يوم عرفة أي بعرفات قال الطيبي رحمه الله ما بمعنى ليس واسمه يوم ومن زائدة أيضا ا ه فتقديره ما من يوم أكثر إعتاقا فيه الله عبدا من النار من يوم عرفة وأنه أي سبحانه ليدنو أي يقرب منهم بفضله ورحمته ثم يباهي بهم أي بالحجاج الملائكة قال بعضهم أي يظهر على الملائكة فضل الحجاج وشرفهم أو يحلهم من قربه وكرامته محل الشيء المباهي به والمباهاة المفاخرة فيقول ما أراد هؤلاء أي شيء أراد هؤلاء حيث تركوا أهلهم وأوطانهم وصرفوا أموالهم وأتعبوا أبدانهم أي ما أرادوا إلا المغفرة والرضا والقرب واللقاء ومن
جاء هذا الباب لا يخشى الرد أو التقدير ما أراد هؤلاء فهو حاصل لهم ودرجاتهم على قدر مراداتهم ونياتهم أو أي شيء أراد هؤلاء أي شيئا سهلا يسيرا عندنا إذا المغفرة كف من التراب لا يتعاظم عند رب الأرباب رواه مسلم
الفصل الثاني


عن عمرو بن عبد الله بن صفوان أي الجمحي القرشي من التابعين عن خال له يقال له يزيد بن شيبان أي الأزدي له صحبة ورواية ويذكر في الوحدان قال أي يزيد كنا في موقف لنا أي أسلافنا كانوا يقفون في الجاهلية بعرفة يباعده عمرو أي يصفه بالبعد من موقف الإمام جدا أي يجد جدا في التبعيد أي بعدا كثيرا فهو متصل بقوله يباعده متأخر عن متعلقه فأما على كونه مصدرا أي يبعده تبعيدا جدا أي كثيرا أو على الحالية وأغرب ابن حجر رحمه الله في قوله أي بقوله هو بعيد منه جدا أو بذكره حدود موقفهم بكسر الميم المعلوم منه أنه بعيد ا ه ووجه غرابته لا يخفى على أن قوله موقفهم بكسر الميم لا يصح رواية ولا دراية قيل عمر وهو الراوي عن يزيد وهذا قول الراوي عن عمرو وهو عرو بن دينار يعني قال عمرو وكان بين ذلك الموقف وبين موقف أمام الحاج مسافة بعيدة فأتانا ابن مربع بكسر الميم وكون الراء وفتح الموحدة وقيل اسمه زيد وقيل يزيد وقيل عبد الله والأول أكثر الأنصاري صفة المضاف فقال إني رسول رسول الله إليكم وفي أصل ابن حجر سقط رسول الثاني فتحذر يقول أي رسول الله لكم قفوا على مشاعركم أي أثبتوا في مواقفكم واجعلوا وقوفكم في أماكنكم جمع المشعر وهو العلم أي موضع النسك العباد فإنكم على إرث أي متابعة من أرث أبيكم من للبيان أو للتبعيض إبراهيم عليه الصلاة والسلام بدل أو بيان وفيه إشارة قوله تعالى هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ابراهيم عليه الصلاة والسلام الحج قال الطيبي رحمه الله المقصود دفع أن يتوهم أن الموقف ما اختاره النبي


وتطييب خاطرهم بأنهم على إرث أبيهم وسنته رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وعن جابر أن رسول الله قال كل عرفة أي أجزائها ومواضعها ووجوه جبالها موقف أي موضع وقوف للحج وكل مني منحر أي موضع نحر وذبح للهدايا المتعلقة بالحج وكل المزدلفة موقف أي لوقوف صبح العيد وكل فجاج مكة بكسر الفاء حمع فج وهو الطريق الواسع طريق ومنحر أي يجوز دخول مكة من جميع طرقها وإن كان الدخول من ثنية كداء أفضل ويجوز النحر في جميع نواحيها من الحرم والمقصود نفي الحرج ذكره الطيبي رحمه الله ويجوز ذبح جميع الهدايا في أرض الحرم بالاتفاق إلا أن منى أفضل لدماء الحج ومكة لا سيما المروة لدماء العمرة ولعل هذا وجه تخصيصها بالذكر والله تعالى أعلم رواه أبو داود والدارمي وعن خالد بن هوذة بفتح الهاء وسكون الواو بعدها ذال معجمة قال رأيت النبي يخطب الناس أي يعظهم ويعلمهم المناسك يوم عرفة يحتمل قبل الزوال وبعده والثاني أظهر على بعير قائما في الركابين حالان مترادفان أو متداخلان وقوله قائما أي واقفا لا أنه قائم على الدابة بل معناه أن حال كون الرجلين داخلين في الركابين رواه أبو داود وروى مسلم أنه عليه الصلاة والسلام أمر بالقصواء بعد الزوال فرحلت له فأتي بطن الوادي فخطب الناس وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي قال خير الدعاء دعاء يوم عرفة لأنه أجزل إثابة وأعجل إجابة قال الطيبي رحمه الله الإضافة فيه أما بمعنى اللام أي


دعاء يختص به ويكون قوله وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله بيانا لذلك الدعاء فإن قلت هو ثناء قلت في الثناء تعريض بالطلب وأما بمعنى في ليعم الأدعية الواقعة فيه ا ه وأجيب عن الإشكال المذكور أيضا بأنه لما شارك الذكر الدعاء في أنه جالب للمنوبات ووصلة إلى حصول المطلوبات ساغ عده من جملة الدعوات فيكون من قبيل الكنايات التي هي أبلغ في قضاء الحاجات فإن التلويح أولى من التصريح كما قال أمية بن الصلت في ابن جذعان أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من عرضه الثناء ويمكن أن تكون الإشارة إلى أنه ينبغي للعبد أن يشتغل بذكر المولى ويعرض عن المطالبة في الدنيا والأخرى اعتمادا على كرمه وإحسانه وأنعامه وامتنانه فقد ورد من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين وفي هذا المقام كمال التفويض والتسليم بالقضاء على وجه الرضا كما قيل وكلت إلى المحبوب أمري كله فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا فقد ورد اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين واللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ويمكن أن يقال يلزم من الذكر الدعاء لأنه لا بد أن يكون لغرض من الأغراض والأفضل أن يكون قصد الرضا وإرادته لقاء المولى ولا يبعد أن يقال خير ما قلت من الذكر فيكون عطف مغاير والتقدير أفضل الدعاء دعاء في يوم عرفة بأي شيء كان وخير ما قلت من الذكر فيه وفي غيره أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده أي ينفرد منفردا قاله عصام الدين رحمه الله يعني أنه حال مؤكدة وأوله بالنكرة رعاية للبصرية لا شريك له أي في الألوهية والربوبية أو في الذات والصفات أو تأكيد ثان لأن التوحيد الذاتي هو المقصود الأعظم سيما في المجمع الأفخم له الملك أي جنس الملك مختص له يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء وهو شامل لملك الدنيا والآخرة وملك العلم


والحكمة وملك العمل والزهادة والقناعة وله الحمد أي في الأولى والأخرى أو الحمد ثابت له حمد أو له الحامدية والمحمودية فهو الحامد وهو المحمود وهو على كل شيء شاء وأراده قدير أي تام القدرة فالقدرة تابعة وأريد بالشيء المشيء مصدر بمعنى المفعول رواه الترمذي أي عن عمرو وروي عن مالك وفي أصل سقط صفحة و و من قوله العفيف وراواه بالضمير الكبير في عداد المغفورين
عبيد الله وهو أحد العشرة إلى قوله لا شريك له وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه الطبراني بلفظ أفضل ما قلت أنا والنبيون قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله إلخ وسنده حسن جيد كما قاله الأذرعي وعن طلحة بن عبيد الله بالتصغير على الصحيح ابن كريز بفتح الكاف وكسر الياء وزاي على الأصح قال بعض الشراح وطلحة هذا من تابعي الله هو المشهود له بالجنة وظاهره كلامه الفلاق بالاستدلال لعدم الاشتباه وهو غير صحيح لأن الاسم المطلق ينصرف إلى الفرد الكامل أو المشهور ولذا اصطلح المحدثون أن عبد الله المطلق ينصرف إلى ابن مسعود والحسن المطلق إلى البصري وأما ههنا فحيث قيده ابن كريز ارتفع الالتباس وقوله من تابعي الشام فيه نظر أيضا لأن صاحب المشكاة ذكر في أسماء رجاله طلحة بن عبيد بن كريز الخزاعي تابعي من أ ل المدينة وذكر طلحة بن عبد الله بغير التصغير ابن عوف الزهري القرشي من مشاهير التابعين وعداده في أهل المدينة وكان موصوفا بالجود روى عن عمه عبد الرحمن وغيره ا ه وذكر في المغني أن كريز بالفتح في خزاعة وبالضم في غيرهم وفي المشارق لابن عياض طلحة بن عبيد الله بن كريز بالفتح وكسر الراء وكان بعض شيوخنا يقيده بقوله التكبير مع التصغير والتصغير مع التكبير عبد الله بن بكر بن عامر بن كريز مصغر وعبيد الله مصغر بن كريز مكبر ولكن جاء من رواية عبيد الله بن يحيى عن ابيه في الموطأ فيهما كريز بالتصغير وهو خطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما رؤي الشيطان يوما أي في يوم هو فيه


أصغر الجملة صفة يوما أي أذل وأحقر مأخوذ من الصغار وهو الهوان والذل ولا أدحر اسم تفضيل من الدحر وهو الطرد والإبعاد ومنه قوله تعالى من كل جانب دحورا الصافات وقوله أخرج منها مذؤما مدحورا الأعراف وقال الطيبي رحمه الله الدحر الدفع بعنف وإهانة ولا أحقر أي أسوأ حالا ولا أغيظ أي أكثر غيظا منه في يوم عرفة وفي المصابيخ يوم عرفة قال شارحه نصب ظرفا ولا صغر أو لأغيظ أي الشيطان في عرفة أبعد مرادا منه في سائر الأيام وتكرار المنفيات للمبالغة في المقام وما ذاك أي ولي ما ذكره له إلا لما يرى أي لأجل ما يعلم من تنزل الرحمة أي على الخاص والعام وتجاوز الله عن الذنوب
قال الطيبي رحمه الله قول الملائكة ما استعلام حال المرهق وإما تعجب وفيه من الأدب عدم التصريح بالمعائب والفجور قال أي النبي يقول الله عز وجل قد غفرت لهم أي لهؤلاء أيضا وقد غفرت لهم جميعا وهؤلاء منهم وهم قوم لا يشقي جليسهم قال الطيبي رحمه الله فإن الحج يهدم ما كان قبله وفيه تحقيق ذكرناه في محله قال رسول الله فما من يوم قال الطيبي جزاء شرط محذوف
أكثر بالنصب خبر ما بمعنى ليس وقيل بالرفع على اللغة التميمية عتيقا تمييز من النار متعلق بعتيق من يوم عرفة متعلق بأكثر رواه أي البغوي في شرح السنة ورواه ابن أبي الدنيا في فضل عشر ذي الحجة والبزار وابن خزيمة وابن منيع في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وفي رواية له فيه أما الوقوف عشية عرفة فإن الله يهبط إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول هؤلاء عبادي جاؤوني شعثا يرجون رحمتي فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل وكعدد القطر أو الشجر لغفرتها لكم أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له
الفصل الثالث


وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان قريش ومن دان دينها أي تبعهم واتخد دينهم دينا يقفون بالمزدلفة أي حين يقف الناس بعرفة وكانوا أي قريش يسمون الحمس جمع أحمس من الحماسة بمعنى الشجاعة وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يفتخرون بشجاعتهم وجلادتهم ويميزون أنفسهم عن جماعتهم وأهل جلدتهم وقائلين بأن أهل الحرم المحترم كالحمام فلا نخرج منه للوقوف كالعوام فكان سائر العرب يعني بقيتهم يقفون بعرفة على العادة القديمة والطريقة المستقيمة فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يأتي عرفات متابعة للأنبياء الكرام فيقف بها ثم يفيض منها قال الطيبي رحمه الله ازفاضة الزحف والدفع في السير وأصلها الصب فاستعير للدفع في السير وأصله أفاض نفسه أو راحلته ثم ترك المفعول رأسا حتى صار كاللازم فذلك قوله عز وجل ثم أفيضوا أي ادفعوا وارجعوا من حيث أفاض الناس أي عامتهم وهو عرفة وفيه إيماء إلى خروج المتكبرين عن كونهم ناسا فمن تواضع لله رفعه الله ومن تكبر على الله وضعه قال البيضاوي رحمه الله الخطاب مع قريش أمروا بأن يساووا الناس بعدما كانوا يترفعون عنهم وثم لتفاوت ما بين


ازفاضتين يعني أن أحدهما صواب والآخر خطأ وقيل من مزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه ا ه والظاهر من الحديث أن الخطاب معه عليه الصلاة والسلام تعظيماا له أوله ولأمته متفق عليه وعن عباس بن مرداس بكسر الميم يكنى أبا الهيثم السلمي الشاعر وعداده في المؤلفة قلوبهم وأسلم قبل فتح مكة وحسن إسلامه بعد ذلك وكان ممن حرم الخمر في الجاهية ذكره المؤلف أن رسول الله دعا لأمته الظاهر لأمته الحاجين معه مطلقا لا مطلق الأمة فتأمل عشية عرفة أي وقت الوقفة بالمغفرة أي التامة العامة فأجيب أني أي بأني قد غفرت لهم ما خلا المظالم أي ما عدا حقوق العباد فإني آخذ بصيغة المتكلم أو الفاعل للمظلوم منه أي من الظالم إما بالعذاب وإما بأخذ الثواب إظهارا للعدل قال أي رب إن شئت أعطيت أي من عندك المظلوم من الجنة أي ما يرضيه منها أو بعض مراتبها العلية وغفرت للظالم فضلا فلم يجب بصيغة المجهول عشيته أي في عشية عرفة والتذكير باعتبار الزمان أو المكان ويمكن أن يكون الضمير راجعا إليه فالإضافة لأدنى ملابسة فلما أصبح بالمزدلفة أي ووقف بها أعاد الدعاء أي المذكور فأجيب إلى ما سأل أي إلى ما طلبه على وجه العموم وكان العباس سمع هذه الأمور منه فرواها كأنه عملها قال أي العباس فضحك رسول الله أو قال تبسم والشك من الرازي عن العباس لقوله قال فقال له أبو بكر وعمر أي كل واحد منهما بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها أي في مثلها فما الذي أضحكك أي فما السبب الذي جعلك ضاحكا أضحك الله سنك أي أدام الله لك السرور الذي سبب ضحكك قال إن عدو الله إبليس لما علم أن الله عز وجل قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه أي يكبه على رأسه فيه إشارة إلى تعلية التراب وغلبته وفضيلته ويدعو بالويل أي العذاب والثبور بضم الثاء أي الهلاك يعني يقول واويلاه ويا ثبواره قال الطيبي كل من وقع في تهلكة دعا بالويل والثبور أي يا هلاكي


وعذابي احضر
فهذا أو أنك فأضحكني ما رأيت من جزعه أي مما صدر من فضل ربي على زعمه وظاهر الحديث عموم المغفرة وشمولها حق الله وحق العبادة إلا أنه قابل للتقييد بمن كان معه في تلك السنة أو بمن قبل حجه بأن لم يرفث ولم يفسق ومن جملة الفسق الإصرار على المعصية وعدم التوبة ومن شرطها أداء حقوق الله الفائتة كالصلاة والزكاة وغيرهما وقضاء حقوق العباد المالية والبدنية والعرضية اللهم إلا أن يحمل على حقوق لم يكن عالما بها أو يكون عاجزا عن أدائها وقد تقدم هذا المبحث في كتاب الإيمان مفصلا فراجعه ولا تغتر بكون هذا الحديث مجملا مع اعتقاد أن فضل الله واسع وقد قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء ولذا قال عليه الصلاة والسلام أي رب إن شئت فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وقد جمعت هذه المسألة في رسالة مستقلة رواه ابن ماجه أي بهذا اللفظ وروى البيهقي في كتاب البعث والنشور نحوه أي بمعناه وضعفه غير واحد من الحفاظ ورواه الطبراني في الكبير بسند فيه را ولم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح بلفظ قال عليه الصلا والسلام يوم عرفة إن الله عز وجل يطول لكم في هذا اليوم فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم ووهب مسيئكم لمحسنكم وأعطى محسنكم ما سأل فادعوا فلما كان بجمع قال إن الله قد غفر لصالحكم وشفع صالحكم في طالحكم تنزل الرحمة فتعمهم ثم يفرق الرحمة فيه فتقع على كل غائب ممن حفظ لسانه ويده وإبليس وجنوده على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم فإذا نزلت المغفرة دعا هو وجنوده بالويل والثبور يقول كنت أستفزهم حينا من الدهر ثم جاءت المغفرة فغشيتهم فيتفرقون وهم يدعون بالويل والثبور ورواه أبو يعلى بسند فيه ضعيف بلفظ إن الله يطول على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أقبلوا إلي من كل فج عميق فاشهدكم أني قد أجبت دعاءهم ووهبت مسيئهم


لمحسنهم وأعطيت محسنهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم فإذا أفاض القوم إلى جمع ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله فيقول يا ملائكتي عبادي وقفوا وعادوا في الرغبة والطلب فاشهدكم أني قد أجبت دعاءهم وشفعت رغبتهم ووهبت مسيئهم لمحسنهم وأعطيت جميع ما سألوني وتحملت عنهم التبعات التي بينهم ورواه الخطيب في المتفق والمفترق قال بعض وإذا تأملت ذلك كله علمت أنه ليس في هذه الأحاديث ما يصلح متمسكا لمن زعم أن الحج يكفر التبعات لأن الحديث ضعيف بل ذهب ابن الجوزي إلى أنه موضوع وبين ذلك على أنه ليس نصا في المدعي لاحتماله ومن ثم قال البيهقي يحتمل أن تكون الإجابة إلى المغفرة بعد أن يذيقهم شيئا من العذاب دون ما يستحقه فيكون الخبر خاصا في وقت دون وقت يعني ففائدة الحج حينئذ التخفيف من عذاب التبعات في بعض الأوقات دون النجاة بالكلية ويحتمل أن يكون عاما ونص الكتاب يدل على أنه مفوض إلى مشيئته تعالى وحاصل هذا الأخير أنه بفرض عمومه


محمول على أن تحمله تعالى التبعات من قبيل ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وهذا لا تكفير فيه وإنما يكون فاعله تحت المشيئة فشتان ما بين الحكم بتكفير الذنب وتوفقه على المشيئة ولذا قال البيهقي فلا ينبغي لمسلم أن يغر نفسه بأن الحج يكفر التبعات فإن المعصية شؤم وخلاف الجيار في أوامره ونواهيه عظيم وأحدنا لا يصبر على حمى يوم أو وجع ساعة فكيف يصبره على عقاب شديدوعذاب أليم لا يعلم وقت نهايته إلا الله وإن كان قد ورد خبر الصادق بنهايته دون بيان غايته متى كان مؤمنا وهذا لا ينافي قول ابن المنذر فيمن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه إن هذا عام يرجى أن يغفر له جميع ذنوبه صغائرها وكبائرها وإنما الكلام في الوعد الذي لا يخلف وقد ألف في هذه المسألة شيخ ازسلام العسقلاني رحمه الله الباري تأليفا سماه قوت الحجاج في عموم المغفرة للحاج رد فيه قول ابن الجوزي رحمه الله أن الحديث موضوع بأنه جاء من رواية جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وإنما غايته أنه ضعيف ويعضد بكثرة طرقه وقد أخرج أبو داود في سننه طرفا منه وسكت عليه فهو صالح عنده وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي رحمه الله في الأحاديث المختارة مما ليس في الحديثين وقال البيهقي له شواهد كثيرة فإن صح شواهده ففيه الحجة فإن لم يصح فقد قال تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وظلم بعضهم بعضا دون الشرك ا ه ولا يخفى أن الأحاديث الصحيحة الصريحة لا تكون إلا ظنية فما بالك بالأحاديث الضعيفة ولا شك أن المسائل الاعتقادية لا تثبت إلا بالأدلة القطعية رواية ودراية نعم يغلب على الظن رجاء عموم المغفرة قلن لمن حج حجا مبرورا وسعيا مشكورا وأين من يجزم بذلك في نفسه أو غيره وإن كان عالما أو صالحا في علو مقامه هتالك فمن المعلوم أن غير المعصوم يجب أن يكون بين الخوف والرجاء فنسأل الله حسن الخاتمة المقرونة بقبول التوبة وحسن العمل الموجب للمثوبة من غير سبق العقوبة


باب الدفع من عرفة والمزدلفة
باب الدفع من عرفة أي الرجوع منها والمزدلفة عطف على الدفع أي والنزول فيها وفي نسخة إلى المزدلفة ويجوز عطفه على عرفة أي وباب الدفع من المزدلفة ويؤيده نسخة ومن المزدلفة إلى منى
الفصل الأول
عن هشام بن عروة عن أبيه أي عروة بن الزبير بن العوام من كبار التابعين
وأحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة قال سأل أسامة بن زيد أي خص بالسؤال لأنه كان رديفه عليه الصلاة والسلام من عرفة إلى المزدلفة كيف كان رسول الله يسير في حجة الوداع حين دفع أي انصرف من عرفة قيل وإنما يستعمل الدفع في الإفاضة لأن الناس في مسيرهم ذلك يدفع بعضهم بعضا وقيل حقيقة دفع أي دفع نفسه عن عرفة ونحاها قال أي أسامة كان يسير العنق بفتحتين أي السير السريع وانتصابه على المصدرية انتصاب القهقري أو الوصيفة أي يسير السير العنف فإذا وجد فجوة بفتح أي سعة ومكانا خاليا عن المارة لوقوع الفرجة بين المارة والفجوة الفرجة بين الشيئين نص بتشديد الصاد المهملة أي سار سيرا أسرع قيل أصل النص الاستقصاء والبلوغ إلى الغاية أي ساق دابته سوقا شديدا حتى استخرج أقصى ما عندها قال الطيبي رحمه الله العنق المشي والنص فوق العنق ولعل النكتة المبادرة والمسارعة إلى العبادة المستقلة والطاعة متفق عليه وعن ابن عباس أنه دفع أي أفاض مع النبي يوم عرفة أي من عرفة إلى المزدلفة لا كما وهم ابن حجر وقال أي من منى إليها أو من محل الخطبة إلى محل الوقوف وذلك لأنه لا مزاحمة إلا بعد الدفع من عرفة كما يفهم من إيراد المصنفين في هذا الباب وكأنه جاء الوهم من قوله يوم عرفة فسمع النبي أي أحس وراءه أي خلفه زجرا شديدا أي سوقا للدواب برفع الأصوات وضربا بالإبل فأشار بسوطه إليهم ليتوجهوا إليه ويسمعوا قوله وقال أيها الناس وفي نسخة يا أيها الناس عليكم بالسكينة أي الطمأنينة والسكون مع الله وترك الحركة المشوشة لقلوب خلق الله فإن البر في الحج وغيره ليس


بالإيضاع وهو حمل الإبل على سرعة السير أي ليس يحصل البر بذلك فقط بل بإداء المناسك واجتناب المحظورات والحاصل أن المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى المبرات مطلوبة لكن لا على وجه يجر إلى المكروهات وما يترتب عليه من الأذيات فلا تنافي بينه وبين الحديث السابق رواه البخاري
وعنه أي عن ابن عباس أن أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله كان ردف النبي بكسر الراء وسكون الدال أي رديفه وهو الراكب خلفه من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل أي ابن عباس يعني جعله رديفه من المزدلفة إلى منى فكلاهما قال الضمير راجع للفظ فإنه مفرد لفظا ومثنى معنى وهو أفصح من أن يقال فكلاهما قالا قال تعالى كلتا الجنتين آتت أكلها الكهف أو المعنى كل واحد منهما قال لم يزل النبي أي من أول إحرامه أو من عرفة يلبي حتى رمى جمرة العقبة أي فقطع التلبية برمي أول حصاة رماها متفق عليه وعن ابن عمر قال جمع النبي المغرب والعشاء بجمع أي بالمزدلفة في وقت العشاء كل واحدة بالرفع على الجملة الحالية وبالنصب على البدلية منهما بإقامة أي على حدة وبه قال زفر رحمه الله واختاره الطحاوي ولم يسبح أي ولم يصل سبحة أي نافلة بينهما ولا على أثر كل واحدة بفتح الهمزة والمثلثة وفي نسخة بكسر فسكون أي عقيب كل واحدة منهما وهو تأكيد لنفي ما بينهما وتصريح لنفي ما بعدهما من النفل وهو لا ينافي فعل السنة والوتر فيما بعدهما رواه البخاري قال ابن الهمام وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير أفضنا مع ابن عمر رضي الله عنهما فلما بلغنا جمعا صلى بنا المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة فلما انصرف قال هكذا صلى بنا رسول الله وروى ابن أبي شيبة عن جابر أن رسول الله صلى المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة واحدة فقد علمت ما في هذا من التعارض فإن لم يرجح ما اتفق عليه الصبحان على ما انفرد به صحيح مسلم وأبو داود حتى تساقطا كان الرجوع إلى الأصل يوجب تعدد الإقامة بتعدد الصلاة كما


في قضاء الفوائت بل أولى لأن الثانية هنا وقتية فإذا أقيم للأولى المتأخرة من وقتها المعهود كانت الحاضرة أولى أن يقام لها بعدها
وعن عبد الله بن مسعود قال ما رأيت رسول الله صلى صلاة إلا لميقاتها أي فى وقتها قال النووي أخذ أبو حنيفة رحمه الله بقول ابن مسعود ما رأيته عليه الصلاة والسلام صلى صلاة إلا لميقاتها الخ على منع الجمع في السفر وقال العيني وما ورد في الأحاديث من الجمع بين الصلاتين في السفر فمعناه الجمع بينهما فعلا لا وقتا كذا ذكره القسطلاني رحمه الله إلا صلاتين صلاة المغرب نصبه على البدلية أو بتقدير أعني أي أعني بهما صلاة المغرب والعشاء بجمع أي صلاة المغرب في وقت العشاء أي وصلاة الظهر والعصر بعرفة فإنه صلى العصر في وقت الظهر ولعله روى هذا الحديث بمزدلفة ولذا اكتفى عن ذكر الظهر والعصر فلا بد من تقديرهما أو ترك ذكرهما لظهورهما عند كل أحد إذ وقع ذلك الجمع في مجمع عظيم في النهار على رؤوس الأشهاد فلا يحتاج إلى ذكره في الاستشهاد بخلاف جمع المزدلفة فإنه بالليل فاختص بمعرفته بعض الأصحاب والله تعالى أعلم بالصواب والحاصل أن في العبارة مسامحة وإلا فلا يصح قوله إلا الصلاتين المراد بهما المغرب والعشاء سواء اتصل الاستثناء كما هو ظاهر الأداء أو انقطع كما بنى عليه ابن حجر رحمه الله البناء فإن صلاة العشاء في ميقاتها المقدر شرعا إجماعا وصلى الفجر يومئذ أي بمزدلفة قبل ميقاتها أي بغلس قبل وقتها المعتاد وهو الأسفار لكن بعد الفجر إذ التقديم على ميقاتها المقدر شرعا لا يجوز إجماعا وقد صح في البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه صلى الفجر بعد الصبح بالمزدلفة وقال الفجر في هذه الساعة متفق عليه وعن ابن عباس قال أنا ممن قدم النبي أي قدمه وفي نسخة بنصب النبي فالتقدير أي ممن تقدمه أي عليه ليلة المزدلفة أي إلى منى في ضعفه أهله بفتحتين جمع ضعيف أي من النساء والصبيان قال الطيبي رحمه الله يستحب تقديم الضعفة


ليلا لئلا يتأذوا بالزحام ا ه والظاهر أنه رخصة بالعذر متفق عليه وفي الصحيحين أيضا أن سودة لشحامتها
وثقل بدنها أفاضت في النصف الأخير من مزدلفة بإذن النبي ولم يأمرها بالدم ولا النفر الذين كانوا معها فهذا يدل على أنه ترك الواجب بعد مسقط للدم وأما قول ابن حجر رحمه الله أنه أخذ أئمتنا من هذا الحديث أن الواجب وجوده بمزدلفة في جزء بعد نصف الليل وأن المبيت واجب لا ركن خلافا لجمع من التابعين وغيرهم فيجير بدم فلا دلالة في الحديث على شيء مما تقدم والله تعالى أعلم وعنه أي عن ابن عباس أي عبد الله فإنه المراد به عند الإطلاق عن الفضل بن عباس أي أخيه شقيقه وفي نسخة وعن الفضل بن عباس وكان أي الفضل رديف النبي وفي نسخة رسول الله أي من المزدلفة إلى منى والجملة معترضة أنه أي النبي قال في عشية عرفة أي بناء على ما سمعه وهو غير رديفه وغداة جمع أي من مزدلفة يعني حال كونه رديفا له للناس حين دفعوا أي انصرفوا من عرفة والمزدلفة عليكم بالسكينة مقول القول أي إلزموها وهو أي النبي كاف بتشديد الفار أي مانع من السرعة بالفعل ناقته أي حين الزحام حتى دخل محسرا بتشديد السين المكسورة أي يحرك دابته فيه وهو أي المحسر من منى أي موضع قريب من منى في آخر المزدلفة قال الأزرقي في حد مني ما بين جمرة العقبة ووادي محسر وليست جمرة العقبة وعقبتها ووادي محسر من منى بل وما أقبل من جبال منى منها دون ما أدبر وقيل العقبة من منى وعليه جماعة قال عليكم بحصى الخذف بالخاء والذل المعجمتين أي بحصى يمكن أن يخذف بالخذف وهو قدر الباقلاء تقريبا روى أحمد في مسنده والحاكم وصححه عن ابن عباس قال قال رسول الله غداة جمع القط لي فلقطت له حصيات من حصى الخذف فلما وضعتهن في يده قال نعم بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين وهذا محمول على أنه رواه عن أخيه الفضل لما في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال


للفضل بن عباس غداة يوم النحر التقط لي حصى قال فلقطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف والحديث صريح في الرد على الشافعية حيث قالوا السنة التقاط هذه السبع قبل الفجر وعللوه إما لا طائل تحته قال الطيبي رحمه الله الخذف رميك حصاة أو نواة بالأصابع تأخذها بين
سبابتين وترمي بها وهو ما اعتمده الرافعي لكن اعترضه النووي بأنه عليه الصلاة والسلام في الصحيحين نهى عن هيئة الخذف بأنه لا يقتل الصيد ولا ينكا العدو وإنه يفقأ العين ويكسر السن وهذا يتناول رمى الجمار وغيره واختار أن هيئة الخذف هنها أن يضع الحصاة على بطن إبهامه ويرميها برأس السبابة ومختار ابن الهمام رحمه الله بأنه يرمي برؤوس الأصابع من الإبهام والسبابة فإنه أحسن وأيسر فتدبر الذي يرمي به الجمرة بالرفع على أنه نائب الفاعل وبالنصب على تقدير أعني أو يعني وأما قول ابن حجر وهذا في غير رمى يوم النحر أما رميه فيه فالسنة فيه أن يلتقطه من مزدلفة فوهم غريب إذ لم يقل أحد بأن الرمي في غير يوم النحر يكون بالذي يرمي به الجمرة للإتفاق على كراهة الرمي بما رمى به يوم النحر وغيره لما صح أنه عليه الصلاة والسلام قال ما يقبل منها رفع ولولا ذلك لرأيتها مثل الجبال وفي رواية تسد ما بين الجبلين في روايه رواه الحاكم وصححه هو والبيهقي وحسنه المحب الطبري وضعفه بعضهم لكن صح عن ابن عباس ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم المرفوع وقال أي فضل لم يزل رسول الله يلبي حتى رمى الجمرة أي حتى رمى أول حصاة من حصات حمرة العقبة رواه مسلم وفيه عليكم بحصى الخذف ويشير بيده كما يخذف الإنسان وهو للإيضاح والبيان لحصى الخذف إلا أنه على هيئة الخذف الذي تقدم والله تعالى أعلم وعن جابر قال أفاض النبي من جمع أي المشعر وعليه السكينة وأمرهم أي الناس بالسكينة وأوضح أي أسرع في وادي محسر أي قدر رمية حج وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف أي بقدره وقال لعلي لا أراكم بعد عامي هذا لعل ههنا للإشفاق وفيه


تحريض على أخذ المناسك منه وحفظها وتبليغها عنه قال المظهر لعل للترجي وقد تستعمل بمعنى الظن وعسى ا ه أي تعلموا مني أحكام الدين فإني أظن أن لا أراكم في السنة القابلة وقد كان كما ظنه فإنه فارق الدنيا في تلك السنة في الثاني عشر من ربيع الأول في السنة العاشرة من الهجرة لم أجد هذا اللحديث في الصحيحين هذا من صاحب المشكاة نوع من الاعتراض على صاحب المصابيح حيث ذكر هذا الحديث في الفصل الأول وليس موجود في أحد الصحيحين إلا في جامع الترمذي أي لكن وجدته فيه مع تقديم وتأخير وهذا أيضا متضمن لاعتراض آخر فتدبر

الفصل الثاني


عن محمد بن قيس بن مخرمة بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء ذكره المؤلف في التابعين فالحديث مرسل قال خطب رسول الله فقال أن أهل الجاهلية أي غير قريش كانوا يدفعون أي يرجعون من عرفة حين تكون الشمس كأنها عما ثم الرجال في وجوههم الجار متعلق بتكون وجملة التشبيه معترضة قبل أن تعرب بضم الراء ظرف ليدفعون أو بدل من حين قال بعض الشراح أي حين تكون الشمس في وجوههم كأنها عمائم الرجال وذلك بأن يقع في الجهة التي تحاذى وجوههم وإنما لم يقل على رؤوسهم لأن في مواجهة الشمس وقت الغروب إنما يقع ضوءها على ما يقابلها ولم يتعد إلى ما فوقه من الرأس لانحطاطها وكذا وقت الطلوع وإنما شبهها بعمائم الرجال لأن الإنسان إذا كان بين الشعاب والأدية ولم يصبه من شعاع الشمس إلا الشيء اليسير الذي يلمع في جبينه لمعات بياض العمامة والظل يستر بقية وجهه وبدنه فالناظر إليه يجد ضوء الشمس في وجهه مثل كور العمامة فوق الجبين والإضافة في عمائم لمزيد التوضيح كما قاله الطيبي رحمه الله أو للاحتراز عن نساء الأعراب فإن على رؤوسهن ما يشبه العمائم كما قاله ابن حجر ومن المزدلفة أي يرجعون بعد أن تطلع الشمس حتى تكون كأنها عمائم الرجال في وجوهم قال الطيبي رحمه الله شبه ما يقع عليه من الضوء على الوجه طرفي النهار حين ما دنت الشمس من الأفق بالعمامة لأنه يلمع في وجهه لمعان بياض العمامة وإنا لاندفع من عرفة حتى تغرب الشمس فيكره النفر قبل ذلك بعضهم والأكثرون على أن الجمع بين الليل والنهار واجب وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس أي عند الأسفار فيكره المكث بها إلى طلوع الشمس اتفاقا هدينا أي سيرتنا وطريقتنا مخالف لهدي عبدة الأوثان أي الأصنام والشرك أي أهله والجملة استئنافية فيها معنى التعليل وفي المصابيح لهدي الأوثان والشرك قال شارحه المراد سيرة أهلهما وإنما أضيف إليهما لأنهما كالآمرين لهم بما فعلوه واتخذوه سبيلا ا ه


ولعل الحكمة في المخالفة مع قطع النظر عن ترك الموافقة حصول الإطالة للموقف الأعظم فإنه ركن بالإجماع دون وقوف المزدلفة فإنه واجب عندنا وسنة عند الشافعي والله تعالى أعلم رواه كذا في الأصل بياض هنا وفي نسخة صحيحة كتب في الهامش رواه البيهقي أي في شعب الإيمان ذكره الجزري ولفظ البيهقي خطبنا وساقه بنحوه وأما قول ابن حجر رحمه الله رواه مسلم فعلى تقدير صحته يكون اعتراضا على صاحب المصابيح وعن ابن عباس قال قدمنا رسول الله أي أرسلنا قدامه أو أمرنا بالتقدم إلى منى ليلة المزدلفة قال الطيبي رحمه الله دل على جواز تقديم النسوان والصبيان في الليل بعد الانتصاف ا ه وكونه بعد الانتصاف في محل الاحتمال فلا يصح الاستدلال أغيلة بني عبد المطلب أي صبيانهم وفيه تغليب الصبيان على النسوان وهو تصغير شاذ لأن قياس غلمة بكسر الغين غليمة وقيل هو تصغير أغلمة جمع غلام قياسا وإن لم يستعمل والمستعمل غملة في القلة والغلمان في الكثرة ونصبه على الاختصاص أو على إضمار أعني أو عطف بيان من ضمير قدمنا على جمرات بضمتين جمع جمر جمع حمار راكبين عليها وهذا يدل على أن الحج على الحمار غير مكروه في السفر القريب فجعل أي فشرع النبي يلطح بفتح الطاء وبالحاء المهملتين أي يضرب أفخاذنا والطح الضرب بباطن الكف ليس بالشديد تلطفا ويقول أبيني بضم الهمزة وفتح الموحدة وسكون الياء وكسر النون وفتح الياء المشددة ويكسر تصغير ابن مضاف إلى النفس أو بعد جمعه جمع السلامة إلا أنه خلاف القياس لأن همزته همزة وصل والقاعدة أن التصغير يرد الشيء إلى أصله مثل الجمع ومنه قوله تعالى المال والبنون فاصل ابن بنو فهو من الأسماء المحذوفة العجز فالظاهر أن يقال بني إلا أنه كان يلتبس بالمفرد زيد الهمزة قال الطيبي رحمه الله تصغير ابنا يعني كان مفرده مقطوع الألف فصغر على أبين ثم جمع جمع السلامة وقيل ابني بوزن أعمى قلبت ألفه ياء لكسر ما بعد ياء التصغير وأضيف إلى ياء


المتكلم وهو اسم جمع وأغرب ابن حجر في قوله تصغير ابني بفتح فسكون ففتح فتشديد كما أن تصغيرا أعمى أعيمي وفي النهاية قيل ابن يجمع على أبناء مقصورا ومدودا وقيل هو تصغير ابن وفيه نظر ا ه وجه النظر أن همزته وصلية والتصغير يرجع الشيء إلى أصله كما قدمناه أو وجه النظر أنه مفرد وما بعده جمع فيجاب بأن المراد به الجنس أو النداء للأشرف أصالة والخطاب للبقية تبعا كما أن قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء الطلاق الآية والحاصل أن الرواية في لفظه متجدة والدراية مختلفة فقول


الطيبي رحمه الله هذه التقديرات على اختلاف الروايات وقول ابن حجر هذا مما اختلف في لفظه ومعناه ليس في تحقيق مقتضاه وتدقيق فحواه وعلى كل فالمراد يا وليد أتى أو يا أبنائي أو يا بني لا ترموا الجمرة أي جمرة العقبة يوم العيد حتى تطلع الشمس وهو دليل على عدم جواز الرمي في الليل وعليه أبو حنيفة رحمه الله والأكثرون خلافا للشافعي والتقييد بطلوع الشمس لأن الرمي حينئذ سنة وما قبله بعد طلوع الفجر جائز اتفاقا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وعن عائشة رضي الله عنها قالت أرسل النبي بأم سلمة أي ومن معها من الضعفة والباء زائدة للتأكيد ليلة النحر أي من مزدلفة إلى منى فرمت الجمرة قبل الفجر أي طلوع الصبح ويمكن أن يراد قبل صلاة الفجر على ما فهمه الأئمة الثلاثة فلا دلالة للشافعي فيه مع هذا الاحتمال ويؤيده قولها ثم مضت أي ذهبت من منى فأفاضت أي طافت طواف الإفاضة وكان ذلك اليوم أي اليوم الذي فعلت فيه ما ذكر من الرمي والطواف اليوم بالنصب على الخبرية الذي يكون رسول الله عندها وفيه إشارة إلى السبب الذي أرسلت من الليل رمت قبل طلوع الشمس وأفاضت في النهار بخلاف سائر أمهات المؤمنين حيث أفضن في الليلة الآتية قال الطيبي رحمه الله جوز الشافعي رمي الجمرة قبل الفجر وإن كان الأفضل تأخيره عنه واستدل بهذا الحديث وقال غيره هذا رخصة لأم سلمة رضي الله عنها فلا يجوز أن يرمي إلا بعد الفجر لحديث ابن عباس رضي الله عنه رواه أبو داود قال في الهداية للشافعي ما روى أنه عليه الصلاة والسلام رخص للرعاء أن يرموا ليلا قال ابن الهمام أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس وذكره أيضا في مصنفة عن عطاء مرسلا ورواه الدارقطني بسند ضعيف وزاد فيه وآية ساعة شاء من النهار وحمله المصنف على الليلة الثانية والثالثة لما عرف أن وقت رمي كل يوم إذا دخل من النهار امتد إلى آخر الليلة التي تتلو ذلك النهاء فيحمل على ذلك فالليالي في الرمي تابعة للأيام السابقة


لا اللاحقة بدليل ما في السنن الأربعة عن عطاء عن ابن عباس قال كان رسول الله يقدم ضعفاء أهله بغلس وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس وروى الطحاوي عن ابن عباس أن رسول الله أمر ضعفه بني هاشم أن يرتحلوا من جمع بليل ويقول أبيني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس وروى الطحاوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله كان يأمر نساءه وثقله صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد ولا يرموا
الجمرة إلا مصبحين وفي رواية أن رسول الله بعثه في الثقل وقال لا تروا الجمار حتى تصبحوا فأثبتنا الجواز بهذين والفضيلة بما قبله وعن ابن عباس قال يلبي المقيم أي بمكة من المعتمرين أو المعتمر أي من القادمين فأو للتنويع ولا يبعد أن يراد به المعتمر مطلقا فأوشك من الراوي حتى يستلم الحجر رواه أبو داود وقال وفي نسخة قال وروى على بناء المجهول موقوفا على ابن عباس أقول كان أبا داود رواه مرفوعا ثم قال وروى موقوفا فيكون الاقتصار المخل من المصنف فكان حقه أن يقول أولا عن ابن عباس مرفوعا وفي المصابيح يلبي المعتمر إلى أن يفتح قال شارحة أي يلبي الذي أحرم بالعمرة من وقت إحرامه إلى أن يبتدىء بالطواف ثم يترك التلبية قيل هذا قول ابن عباس ورفعه بعض العلماء إلى النبي ا ه وفي الهداية قال مالك يقطع المعتمر التلبية كلما وقع بصره على البيت وعنه كلما رأى بيوت مكة قال ابن الهمام ولنا ما روى الترمذي عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم وقال حديث صحيح ورواه أبو داود ولفظه أن النبي قال يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر ا ه فبهذا تبين أن القصور إنما هو في نقل صاحب المشكاة عن أبي داود والله تعالى أعلم ومناسبة هذا الحديث العنوان الباب استطراد لحكم قطع التلبية للمعتمر كما ذكر فيما تقدم وقت قطع تلبية المحرم بالحج
الفصل الثالث


عن يعقوب بن عاصم بن عروة أي ابن مسعود الثقفي ذكره المؤلف في التابعين أنه أي يعقوب سمع الشريد قال الطيبي رحمه الله هو شريد بن سويد كان اسمه مالكا فقتل قتيلا من قومه فهرب إلى مكة وأسلم فسماه النبي الشريد يقول أفضت أي رجعت من عرفات مع رسول الله فما مست قدماه الأرض حتى أتي جمعا أي مزدلفة قال الطيبي عبارة عن الركوب من عرفة إلى الجمع يعني فما يرد عليه أنه عليه السلام نزل لنقض الطهارة فعرض
عليه ماء الوضوء فقال الصلاة أمامك وقيل توضأ وضوأ ثم ركب رواه أبو داود وعن ابن شهاب أي الزهري قال أخبرني سالم أي ابن عبد الله بن عمر أن الحجاج بفتح الحاء أي كثير الحجج بضم الحاء ابن يوسف أي الثقفي قاتل الأنفس قيل قتل مائة وعشرين ألفا قتل صبر عام نزل أي بجيش كثير بابن الزبير أي سنة بارز وقاتل فيها مع عبد الله بن الزبير الخليفة بمكة والعراقين وغيرهما ما عدا نحو الشام حتى فر من معه وبقي صابرا مجاهد بنفسه إلى أن ظفروا به فقتلوه وصلبوه ثم أمر عبد الملك الحجاج تلك السنة على الحاج وأمره أن يقتدي في جميع أحوال نسكه بأقوال عبد الله بن عمر وأفعاله وأن يسأله ولا يخالفه فحينئذ سأل أي الحجاج عبد الله أي ابن عمر وهو أبو سالم الراوي كيف نصنع في الموقف يوم عرفة أي في صلاة الظهر والعصر والوقوف في ذلك اليوم هل نقدمهما على الوقوف أو نوسطهما فيه أو نؤخرهما عنه فقال سالم أي ابن عبد الله ففيه تجريد أو نقل بالمعنى وإلا فحق العبارة أن يقول فقلت وإنما أجاب قبل أبيه تخفيفا فإنه كان شيخا كبيرا وإهانة للحجاج فإنه كان متكبرا نكيرا إن كنت تريد السنة أي متابعة سنة النبي ولا يخفى ما فيه من تعريض الكلام فهجر بالصلاة أي الظهر والعصر يوم عرفة في النهاية التهجير التبكير في كل شيء فالمعنى صل الظهر والعصر جمعا أول وقت الظهر والظاهر أن الحجاج وابن عمر وولده كانوا مقيمين فيفيد أن هذا الجمع جمع نسك لا جمع سفر فقال عبد الله بن عمر صدق


أي سالم وفيه تقوية لقول ولده ودفع لما في قلب الحجاج من تردده إنهم بكسر الهمزة ويفتح أي إن الصحابة كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة حال أي متوغلين في السنة متمسكين بها وفيه تعريض بالحجاج قاله الشاطبي رحمه الله فقلت لسالم قائله ابن شهاب أفعل ذلك رسول الله بإثبات الاستفهام في النسخ المصححة للأعلام خلافا لما وقع في نسخة ابن حجر حيث قال بحذف أداة الاستفهام لظهوره في المقام فقال سالم وهي يتبعون بالتشديد ذلك أي في ذلك الجمع إلا سنة أو لا يتبعون التهجير في الجمع لشيء إلا لسنة فنصب سنة على نزع الخافض ذكره الطيبي رحمه الله قال الحافظ ابن حجر العسقلاني والمعنى يتبعون بتشديد المثناة وكسر الموحدة بعدها مهملة كذا للأكثر من الأتباع وجاء في رواية للبخاري بمثناتين مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة وبالغين المعجمة من


الابتغاء وهو الطلب وبذلك بالموحدة بدل في انتهى فقول ابن حجر أي لا يطلبون ذلك تفسير ليبتغون من الابتغاء وهو مخالف لأغلب نسخ المشكاة وأكثر روايات البخاري ثم اتفق نسخ المشكاة على ذلك بدون الباء وبغير في فتأمل ولعل العدول عن نسبة الفعل إلى النبي ابتداء ليكون الدليل حجة جماعية لا يقدر على دفعها الحجاج وذكر المؤلف في أسماء رجاله أن ابن عمر ما مات حتى أعتق ألف إنسان أو زاد وكان الحجاج قد أمر رجلا فسم زج رمحه وزاحمه في الطريق ووضع الزج في ظهر قدمه وذلك أن الحجاج خطب يوما وآخر الصلاة فقال ابن عمران الشمس لا تنتظرك فقال الحجاج لقد هممت أن أحرك الذي في عينيك قال لا تفعل فإنك سفيه مسلط وقيل إنه أخفى قوله ذلك عن الحجاج ولم يسمعه وكان يتقدمه في المواقف بعرفة وغيرها إلى المواضع التي كان النبي وقف فيها وكان ذلك يعز على الحجاج وقد سأل بعض السلف عن حال عبد الملك فأجاب بأن الحجاج سيئة من سيئاته فيكفيه سببا في تسفل دركاته وأغرب ابن حجر حيث قال في الحديث منقبة لعبد الملك وهو أنه مع جوره وتعديه للحدود الزم الحجاج مع فظاظته وجبروته أن يستمسك بأمر ابن عمر وقوله ويقتدي بفعله في جميع نسكه ففعل ذلك ظاهرا وكمن قتله من حيث لا يشعر به أحد فأمر أتباعه بسم أسنة رماحهم ثم أمرهم بالخروج بها بين الناس خوفا على أنفسهم وأسر لواحد منهم أن ينظر ابن عمر حتى يخرج للمسجد فيمشي بإزائه ثم يرى الناس أنه يتشاغل بالزحمة فيسقط رمحه ويظهر أنه بغير اختياره على رجل ابن عمر فأصابها سنانه المسموم فمات من ذلك وقد شعر ابن عمر بذلك وشافه به الحجاج لما عاده وقال له لو علمنا من فعل بك ذلك قتلنا فقال له فعل بي ذلك من أمر الناس بسم أسنة رماحهم ا ه ووجه غرابته لا يخفى فإن أمر عبد الملك له ثانيا إنما كان على مكيدة باطنية دفعا للفتنة الظاهرية والحاصل أنه كان خائفا لخروج ابن عمر وقبول الخلافة من الخاصة والعامة فإنه كان أحق الناس بها في


تلك الحالة فقتلوه كما قتلوا سائر الصحابة وأكابر السادة والتابعين من أئمة الأمة قاتلهم الله أنى يؤفكون رواه البخاري


باب رمي الجمار
بكسر الجيم جمع الجمرة وهي الحصي الصغار وتقييد ابن حجر بيوم النحر ليس في محله لأن في الباب ما يدل على الأعم ولم يفسر الجمار بالجمرات لما يأتي من أنه بوب لرميها أيام التشريق والله ولي التوفيق

الفصل الأول
عن جابر قال رأيت رسول الله يرمي على راحلته يوم النحر قال الشافعي رحمه الله يستحب لمن وصل منى راكبا يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبها ومن وصلها ماشيا أن يرميها ماشيا وفي اليومين الأولين من التشريق يرمي جميع الجمرات ماشيا وفي اليوم الثالث راكبا وقال احمد واسحاق يستحب يوم النحر يرمي ماشيا ذكره الطيبي رحمه الله وقال ابن الهمام حكي عن إبراهيم بن الجراح قال دخلت على أبي يوسف في مرضه الذي توفي فيه ففتح عينه وقال الرمي راكبا أفضل أم ماشيا أفضل فما ليس بعده وقوف فالرمي راكبا أفضل فقمت من عنده فما انتهيت إلى باب الدار حتى سمعت الصراخ بموته فتعجبت من حرصه على العلم في مثل تلك الحالة وفي فتاوى قاضيخان قال أبو حنيفة ومحمد رحمه الله الرمي كله راكبا أفضل ا ه لأنه روي ركوبه عليه الصلاة والسلام فيه كله وكأن أبا يوسف يحمل ما روي من ركوبه عليه الصلاة والسلام في رمي الجمار كلها على أنه ليظهر فعله فيقتدي به ويسأل ويحفظ عنه المناسك كما ذكر في طوافه راكبا في الظهيرية أطلق استحباب المشي قال يستحب المشي إلى الجمار وإن ركب إليها فلا بأس به والمشي أفضل وتظهر أولويته لأنا إذا حملنا ركوبه عليه الصلاة والسلام على ما قلنا يبقى كونه مؤديا عبادة وأداؤها ماشيا أقرب إلى التواضع والخشوع وخصوصا في هذا الزمان فإن عامة المسلمين مشاة في جميع الرمي فلا يأمن الأذى بالركوب بينهم بالزحمة ا ه كلامه عليه لرحمة ويقول عطف على يرمي فيكون من قبيل علفتها تبنا وماء باردا أو الجملة حالية لتأخذوا واللام لام أمر أي خذوا عني مناسككم واحفظوها وعلموها الناس على طريقة فلتفرحوا بالخطاب شاذا قال الطيبي رحمه الله ويجوز


أن تكون اللام للتعليل والمعلل محذوف أي يقول إنما فعلت لتأخذوا عني مناسككم ا ه ويؤيد الأول ما ورد في بعض الروايات بلفظ خذوا عني مناسككم فإني لا أدري مفعوله محذوف أي لا أعلم ماذا يكون لعلي لا أحج بعد حجتي بفتح الحاء وهي يحتمل أن يكون مصدرا و أن يكون بمعنى السنة هذه أي التي أنا فيها رواه مسلم وروى البيهقي وابن عبد البر أنه عليه الصلاة
والسلام رمى أيام التشريق ماشيا زاد البيهقي فإن صح هذا كان أولى بالاتباع وقال غيره قد صححه الترمذي وغيره وزاد ابن عبد البر وفعله جماعة من الخلفاء بعده وعليه العمل وحسبك ما رواه القاسم بن محمد من فعل الناس ولا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام وقف بعرفة راكبا ورمي الجمار ماشيا وذلك محفوظ من حديث جابر ا ه ويستثنى منه رمي جمرة العقبة في أول أيام النحر كما لا يخفي وعنه أي عن جابر قال رأيت رسول الله رمي الجمر بمثل حصي الخذف وهو قدر الباقلاء أو النواة أو الأنملة فيكره أصغر من ذلك وأكبر منه وذلك للنهي عن الثاني في الخبر الصحيح بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين ومن هنا تعجب ابن المنذر من قول مالك الأكبر من حصي الخذف أعجب إلي ذكره ابن حجر ولا وجه للتعجب لأن مالكا رجح الأكبر من جملة حصي الخذف على أصغره والمراد بالغلو ما زاد على قدر حصي الخذف فتأمل فإنه موضع الزلل ثم وجهه أما لأنه أثقل في الميزان أو لأنه أشد على الشيطان واختيار الشارع مثل حصي الخذف دون الأكبر منه رحمة للأمة في حال الزحمة في الهداية كيفية الرمي أن يضع الحصاة على ظهر إبهامه ويستعين بالمسبحة قال ابن الهمام هذا التفسير يحتمل كلا من تفسيرين قيل بهما أحدهما أن يضع طرف إبهامه اليمنى على وسط السبابة ويضع الحصاة على ظهر الإبهام كأنه عاقد سبعين فيرميها وعرف منه أن المسنون في كون الرمي باليد اليمنى والآخر أن يحلق سبابته ويضعها على مفصل إبهامه كأنه عاقد عشرة وهذا في التمكن من الرمي به مع الزحمة


والوهجة عسير وقيل يأخذها بطرفي إبهامه وسبابته وهذا هو الأصح لأنه أيسر وهو المعتاد ولم يقم دليل على أولوية تلك الكيفة سوى قوله عليه الصلاة والسلام فارموا مثل حصي الخذف وهذا لا يدل ولا يستلزم كون كيفية الرمي المطلوبة كيفية الخذف وإنما هو تعيين ضابط مقدارالحصاة إذا كان مقدار ما يخذف به معلوما وأما ما زاد في رواية صحيح مسلم بعد قوله عليكم بحصي الخذف من قوله ويشير بيده كما يحذف الإنسان يعني عندما نطق بقوله عليكم بحصى الخذف أشار بصورة الخذف بيده فليس يستلزم طلب كون الرمي بصورة الخذف لجواز كونه ليؤكد كون المطلوب حصي الخذف كأنه قال خذوا حصي الخذف الذي هو هكذا ليشير أنه لا يجوز في كونه حصي الخذف وهذا لأنه لا يعقل في خصوص وضع الحصاة في اليد على هذه الهيئة وجه قربة فالظاهر أنه لا يتعلق به غرض شرعي بل بمجرد صغر الحصاة انتهى كلامه ولو رمى بحصى أخذه من عند الجمرة أجزأه لأن الرمبي لا يغير صفة الحجر رأسا لأن ما عندها حصى من لم يقبل حجه ولما روى الدارقطني والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال قلت يا رسول الله هذه الجمارالتي ترمي بها كل عام فتحسب أنها تنقص فقال أنه ما يقبل منها رفع ولولا ذلك لرأيتها أمثال


الجبال كذا في شرح النقاية للشمني رواه مسلم وعنه أي عن جابر قال رمى رسول الله الجمرة في الهداية ولو طرحها طرحا أجزأه قال ابن الهمام لأن مسمى الرمي لا ينتفي في الطرح رأسا بل إنما فيه مع قصور فتثبت الإساءة به بخلاف وضع الحصاة وضعا فإنه لا يجزىء لانتفاء حقيقة الرمي بالكلية يوم النحر أي يوم العيد ضحى أي وقت الضحوة من بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال وما بعد ذلك أي بعد يوم النحر وهو أيام التشريق فإذا زالت الشمس أي فرمي بعد الزوال قال ابن الهمام أفاد أن وقت الرمي في اليوم الثاني لا يدخل إلا بعد ذلك وكذا في اليوم الثالث وفي رواية غير مشهورة عن أبي حنيفة قال أحب إلى أن لا يرمي في اليوم الثاني والثالث حتى تزول الشمس فإن رمى قبل ذلك أجزأه وحمل المروي من فعله عليه الصلاة والسلام على اختيار الأفضل وجه الظاهر أتباع المنقول لعدم المعقولية ولم يظهر أثر تحقيق فيها بتجويز الترك لنفتح باب التخفيف بالتقديم متفق عليه وروى البخاري عن ابن عمر كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا فلا يجوز تقديم رمي يوم على زواله إجماعا على ما زعمه الماوردي لكن يرد عليه حكاية إمام الحرمين وغيره الجواز عن الأئمة وروي أبو داود من حديث ابن اسحق يبلغ به عائشة قالت أفاض رسول الله من آخر يوم حين صلى الظهر يعني يوم النحر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس قال المنذري حديث حسن رواه ابن حبان في صحيحه كذا ذكره ابن الهمام رحمه الله قلت وفيه دلالة ظاهرة على أنه صلى الظهر بمكة يوم النحر وفي الجملة يسن تقديم الرمي على صلاة الظهر إن لم يخف فوتها كما دل عليه حديث ابن عمر في البخاري ورواه ابن ماجة وفي الهداية وأما اليوم الرابع فيجوز الرمي قبل الزوال عند أبي حنيفة


خلافا لهما ومذهبه مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ابن الهمام أخرج البيهقي عنه إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصدور والانتفاخ الارتفاع وفي سنده طلحة بن عمرو ضعفه البيهقي قال ابن الهمام ولا شك أن المعتمد في تعيين الوقت للرمي في الأول من أول النهار وفيما بعده من بعد الزوال ليس إلا فعله كذلك مع أنه غير معقول ولا يدخل وقته قبل الوقت الذي فعله فيه عليه الصلاة والسلام كما لا يفعل في غير ذلك المكان الذي رمى فيه عليه الصلاة والسلام وإنما رمى عليه الصلاة والسلام في الرابع بعد الزوال فلا يرمي قبله وعن عبد الله بن مسعود أنه انتهى أي وصل أو انتهى وصوله يوم النحر كما بيته بقية الروايات إلى الجمرة الكبرى أي العقبة ووهم الطيبي فقال أي الجمرة التي عند مسجد الخيف والصواب ما قلنا لقوله فجعل البيت أي الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه وفي سائر الجمرات يستقبل القتلة استحبابا وبهذا يندفع قول بعض الشافعية أنه يستقبلها ويستدبر الكعبة وقول بعضهم يستقبل الكعبة والجمرة عن يمينه واستدلوا بحديث صححه الترمذي والجمهور أخذوا بحديث الشيخين المذكور ورمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة وهو لا ينافي ما في البخاري أنه عليه الصلاة والسلام كان يكبر في رمي أيام التشريق على أثر كل حصاة لأن التعقيبية لا تنافي المعية كما حقق في قوله تعالى حكاية عن بلقيس أسلمت مع سليمان وفي الدر للسيوطي رحمه الله النحل أخرج البيهقي في سننه عن سالم بن عبد الله بن عمران رمي الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وعملا مشكورا وقال حدثني أبي أن النبي كان كلما رمى بحصاة يقول مثل ما قلت ثم قال أي ابن مسعود هكذا رمي بصيغة الفعل وفي نسخة بالمصدر الذي أنزلت عليه قال الطيبي رحمه الله يعني به نفسه عليه الصلاة والسلام وعدوله عن تسميته والوصف برسول الله ونحوه إلى الموصول وصلته لزيادة


التقرير والاعتناء بشأن الفعل كما في قوله تعالى وروادوته التي هو في بيتها يوسف ا ه ولا يخفى أن هذا إنما يصح لو كان ضمير قال للنبي والأمر ليس كذلك كما قررنا هنالك سورة البقرة خصها بالذكر لأن أكثر المناسك مذكور فيها متفق عليه
وعن جابر قال قال رسول الله الاستجمار أي الاستنجاء بالأحجار تو بفتح المثناة وتشديد الواو فرد وقد سبق في بحث الاستنجاء أنه سنة والفردية هنا بالثلاثة وفي البواقي بالسبعة ورمي الجمار تو وكلها واجبة والسعي بين الصفا والمروة تو وكلها واجبة والطواف تو كلها فرائض عند الجمهور وعندنا أربعة أشواط فرض والباقي واجب وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو الظاهر أن المراد بالاستجمار هنا هو التبخر فإنه يكون بضوع العود على جمرة النار فيرتفع التكرار وهو أولى من قول القاضي عياض وتبعه الطيبي أن المراد بالأول الفعل وبالثاني عدد الأحجار وتكلف ابن حجر رحمه الله بل تعسف حيث قدر إذا استجمر أحدكم وألقى بشفع فليستجمر بتو فليضم إلى الشفع واحدة حتى يحصل فضيلة الوتر ثم تبجح به في تخليصه من التكرار رواه مسلم
الفصل الثاني


عن قدامة بضم القاف وتخفيف الدال المهملة ابن عبد الله بن عمار أسلم قديما وسكن مكة ولم يهاجر وشهد حجة الوداع ذكره المؤلف قال رأيت رسول الله يرمي الجمرة أي جمرة العقبة يوم النحر على ناقة صبهاء وهي التي يخالط بياضها حمرة وذلك بأن يحمر أعلى الوبر وتبيض أجوافه وقال الطيبي رحمه الله الصهبة كالشقرة ليس أي هناك ضرب أي منع بالعنف ولا طرد دفع باللطف وليس أي ثمة قيل بكسر القاف ورفع اللام مضافا إلى إليك إليك أي قول إليك أي تنح وتبعد قال ابن حجر رحمه الله تبعا للطيبي رحمه الله والتكرير للتأكيد وهذا إنما يصح لو قيل لواحد إليك إليك والظاهر على أن المعنى أنه ما كان يقال للناس إليك إليك وهو اسم فعل بمعنى تنح عن الطريق فلا يحتاج إلى تقرير متعلق كما نقله الطيبي رحمه الله بقوله ضم إليك ثوبك وتنح عن الطريق والله ولي


التوفيق رواه الشافعي والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي قال إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله أي لأن يذكر الله في هذه المواضع المتبركة فالحذر الحذر من الغفلة وإنما خصا بالذكر مع أن المقصود من جميع العبادات هو ذكر الله تعالى لأن ظاهرهما فعل لا تظهر فيهما العبادة وإنما فيهما التعبد للعبودية بخلاف الطواف حول بيت الله والوقوف للدعاء فإن أثر العبادة لائحة فيهما وقيل إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة سنة لإقامة ذكر الله يعني التكبير سنة مع كل حجر والدعوات المذكورة في السعي سنة ولا يبعد أن يكون لكل من الرمي والسعي حكة ظاهرة ونكتة باهرة غير مجد التعبد وإظهار المعجزة عن المعرفة وذلك لما في الحديث على ما ذكره الطيبي رحمه الله أن آدم عليه الصلاة والسلام رمى إبليس بمنى فاجمر بين يديه أي أسرع فسمى الجمار به وقد روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أراد ذبح ولده بمنى فإنه ظهر له عند الجمرة الأولى يراوده أن لا يذبحه فحصاه بسبع حصيات حتى ساخ وبهذا يظهر حكمة الاكتفاء في اليوم الأول بالعقبة حملا لفعله مع آدم عليه الصلاة والسلام في هذا المقام وفي الأيام الثلاثة تبعا لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أو تبعا له ولولده وامرأته هاجر حيث وسوس اللعين لهم في المواضع الثلاثة وبهذا يتضح وجه تكرير الجمرات في الأيام الثلاثة وفي الإحياء أنه يلاحظ كلا من القولين حيث قال وأما رمي الجمارفاقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية وانهاضا لمجرد الامتثال للربوبية ثم اقصد به التشبه بإبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث عرض له إبليس في ذلك المقام ليدخل عليه في حجه شبهة أو في نفسه معصية فأمره الله تعالى برميه بحجارة طردا لقوله وقطعا لأمله ا ه وأما وجه كون السعي معقول المعنى أن فيه أحياء مأثرة هاجر أم اسماعيل عليه الصلاة والسلام فإن إبراهيم عليه


الصلاة والسلام لما جاء بهما إلى مكة ثم تركهما ورجع إلى الشام قالت له إلى من تتركنا آلله أمرك بذلك قال نعم قالت فهو إذا لا يضيعنا ثم نفد ماؤهما فحشيت على ابنها الهلاك من الظمأ فتركته عند محل بئر زمزم وذهبت تنظر أحدا يمر بماء فرقت الصفا فلم تر شيئا فنزلت تسعى إلى المروة فرقتها فلم تر شيئا فنزلت تسعى إلى الصفا وهكذا سبعا ثم ذهبت لولدها فرأت عنده ماء من أثر جناح جبريل أو من قدم إسماعيل عليه الصلاة والسلام فجعلت تجمعه وتقول زم زم وقد قال يرحم الله أم
اسماعيل عليه السلام لو تركته لصار عينا معينا رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعنها أي عن عائشة قالت قلنا أي معشر الصحابة يا رسول الله ألا نبني بصيغة المتكلم لك بناء يظلك بمنى أي يوقع الظل عليك وليكون لك أبدا أو يظل ظلا ظليلا بالعمارة لأن الخيمة ظلها ضعيف لا يمنع تأثير الشمس بالكلية قال لامني مناخ من سبق بضم الميم أي موضع الإناخة والمعنى أن الاختصاص فيه بالسبق لا بالبناء فيه أي هذا مقام لا اختصاص فيه لأحد قال الطيبي رحمه الله أي أتأذن أن نبني لك بيتا في منى لتسكن فيه فمنع وعلل بأن منى موضع لأداء النسك من النحر ورمي الجمار والحلق يشترك فيه الناس فلو بنى فيها لأدى إلى كثرة الأبنية تأسيا به فتضيق على الناس وكذلك حكم الشوارع ومقاعد الأسواق وعند أبي حنيفة رحمه الله أرض الحرم موقوفة فلا يجوز أن يتملكها أحد ا ه قال الخطابي إنما لم يأذن في البناء لنفسه وللمهاجرين لأنها دار هاجروا منها لله فلم يختاروا أن يعودوا إليها ويبنوا فيها ا ه وفيه أن هذا التعليل يخالف تعليله مع أن منى ليست دارا هاجروا منها رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي
الفصل الثالث


عن نافع أي مولى ابن عمر قال أن ابن عمر كان يقف أي بعد الرمي عند الجمرتين قال الطيبي رحمه الله أي العظمى والوسطى قلت الصواب أن يقال أي الأولى والوسطى لقوله الأوليين وفيه تغليب والمراد بالأولى التي تقرب من مسجد الخيف وأما العظمى والكبرى فمن أوصاف جمرة العقبة إذا اختصت بزيادة يوم هو أعظم الأيام وأكثرها وقوفا طويلا قيل قدر قراءة سورة البقرة كما رواه البيهقي من فعل ابن عمر يكبر الله
ويسبحه ويحمده ويدعو الله أي رافعا يديه خلافا لمالك رحمه الله قال ابن المنذر لا أعلم أحدا أنكره غيره وأتباع السنة أولى كما رواه البخاري ولا يقف أي للدعاء عند جمرة العقبة ولا يلزم منه ترك الدعاء رأسا كما يتوهمه العامة رواه مالك رحمه الله


باب الهدي
بفتح فسكون وهو ما يهدي إلى الحرم من النعم شاة كان أو بقرة أو بعير الواحدة هدية وقد روي الشيخان أنه عليه الصلاة والسلام أهدى في حجة الوداع مائة بدنة وروي أنه أهدي في عمرة الحديبية سبعين بدنة وفي عمرة القضاء عقبها ستين بدنة قال الطيبي رحمه الله يقال ما لي هدي إن كان كذا وهو يمين
الفصل الأول
عن ابن عباس قال الظهر بذي الحليفة أي ركعتين لكونه مسافرا واكتفى بهما عوضا عن ركعتي الاحرام كما ذكره ابن الجوزي رحمه الله وصلى ركعتين أخريين سنة الإحرام ثم دعا بناقته قيل لعلها كانت من جملة رواحله فأضافها إليه وقال الطيبي رحمه الله أي بناقته التي أراد أن يجعلها هديا فاختصر الكلام يعني فالإضافة جنسية فاشعرها أي طعنها في صفحة سنامها بفتح السين الأيمن محمول على المعنى أي الجانب والإشعار أن يشق جانب السنام بحيث يخرج الدم إشعارا وإعلاما فلا يتعرض له وإذا ضل رد وكان عادة في الجاهلية فقرره الشارع بناء على صحة الأغراض المتعلقة به وقيل الإشعار بدعة لأنه مثلة ويرده الأحاديث الصحيحة وليس بمثلة بل هو بمنزلة القصد والحجامة والختان والكي فالسنة أن يشعر في الصفحة اليمنى وقال مالك في اليسرى والحديث حجة عليه ذكره الطيبي رحمه الله وفيه أنه جاء برواية أخرى بلفظ الأيسر وقد كره أبو حنيفة


رحمه الله الإشعار وأولوه بأنه إنما كره أشعار أهل زمانه فءنهم كانوا يبالغون فيه حتى يخلف السراية منه وسلت أي مسح وأماط الدم عنها أي عن صفحة سنامها وقلدها نعلين ثم ركب راحلته أي غير التي أشعرها فلما استوت به على البيداء محل بذي الحليفة أهل أي لبي بالحج وكذا بالعمرة لما في الصحيحين عن أنس قال سمعت رسول الله يلبي بالحج والعمرة يقول لبيك عمرة وحجا ا ه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ مع أنه يمكن أن الراوي اقتصر على ذكر الحج لأنه الأصل أو لأن مقصوده بيان وقت الإحرام والتلبية أو لعدم سماعه أولا أو لنسيانه آخرا رواه مسلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت أهدي النبي مرة إلى البيت أي بيت الله غنما أي قطعة من الغنم فقلدها قال الطيبي رحمه الله اتفقوا على أنه لا إشعار في الغنم وتقليدها سنة خلافا لمالك رحمه الله والبقر يشعر عند الشافعي رحمه الله متفق عليه وعن جابر قال ذبح رسول الله عن عائشة أي لعائشة ولسائر نسائه كما سيأتي في الحديث الآتي بقرة يوم النحر ويحتمل أنه ذبح عن عائشة وحدها بقرة وجعل بقرة أخرى عن الكل تمبيزا لها ولعل إيثار البقر لأنه المتيسر حينئذ وإلا فالإبل أفضل منه ذكره ابن حجر والأظهر أنه لبيان الجواز أو للتفرقة بين العالي والدون رواه مسلم وفي رواية وضحى عن نسائه بالبقرة أي ذبحها في وقت الضحى وعنه أي عن جابر قال نحر النبي عن نسائه بقرة في حجته قيل هذا


محمول على أنه استأذنهن في ذلك لأن التضحية عن الغير لا تجوز إلا بإذنه ذكره الطيبي ويمكن أن يكون هذا تطوعا كما ضحى عن أمته وليس في الحديث ما يدل على كونها أضحية مع أن الأضحية غير واجبة على الحاج لا سيما مسافرين عندنا رواه مسلم وعن عائشة قالت فتلت فلائد بدن النبي القلائد جمع قلادة وهي ما تعلق بالعنق والبدن جمع البدنة وهي ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها بيدي بتشديد الياء ثم قلدها وأشعرها وأهداها مع أبي بكر رضي الله عنه في السنة التاسعة فما حرم بفتح الحاء وضم الراء عليه أي على النبي شيء كان أحل له سبب هذا القول من عائشة رضي الله عنها أنه بلغها فتيا ابن عباس رضي الله عنه فيمن بعث هديا إلى مكة أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج من ليس المخيط وغيره حتى ينحر هديه بمكة فقالت ذلك ردا عليه كذا ذكره بعض علمائنا وكذا رد على ما حكي عن ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقال الطيبي رحمه الله لأن باعث الهدي لا يصير محرما فلا يحرم عليه شيء وقد حكي عن ابن عباس أنه يجتنب محظورات الإحرام وهكذا حكي الخطابي عن أصحاب الرأي ونسبة الخطابي هذه المسألة إلى أرباب الرأي الثاقب خطأ متفق عليه قال ابن الهمام أخرج الستة عنها بعث رسول الله بالهدي وأنا فتلت قلائدها بيدي من عهن كان عندنا ثم أصبح فينا حلالا يأتي ما يأتي الرجل من أهله وفي لفظه لقدر أيتني أفتل القلائد لرسول الله فيبعث به ثم يقيم فينا حلالا وأخرجا واللفظ للبخاري عن مسروق أنه أتى عائشة فقال لها يا أم المؤمنين أن رجلا يبعث بالهدي إلى الكعبة ويحلس في المصر فيوصى أن تقلد بدنة فلا يزال من ذلك اليوم محرما حتى يحل الناس قال فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب فقالت لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه ما أحل للرجل من أهله حتى يرجع الناس ا ه وفي الصحيحين عن ابن عباس قال من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج


فقالت عائشة ليس كما قال أنا قتلت قلائد هدي رسول الله بيدي ثم قلدها ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم عليه شيء أحله الله له حتى نحر الهدي فهذان الحديثان يخالفان حديث عبد الرحمن ابن عطاء صريحا فيجب الحكم
ببطلانه ا ه ومراده بحديث عبد الرحمن رحمه الله هذا هو ما ذكره أولا وقال أخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير أنه رأى رجلا قلد فقال أما هذا فقد أحرم وورد معناه مرفوعا أخرجه عبد الرزاق من طريق البزار في مسنده عن عبد الرحمن بن عطاء أنه سمع ابني جابر يحدثان عن أبيهما جابر بن عبد الله قال بينا النبي جالس مع أصحابه إذ شق قميصه حتى خرج فسئل فقال وعدتهم يقلدون هديي اليوم فنسيت ا ه ثم قال والحاصل أنه قد ثبت أن التقليد مع عدم التوجه معها لا يوجب الإحرام وأما ما ذكر من الآثار مطلقة في إثبات الإحرام فقيدناها به حملا لها على ما إذا كان متوجها جمعا بين الأدلة وعنها أي عن عائشة قالت فتلت قلائدها أي قلائد بدن النبي من عهن أي صوف ملون أو مصبوغ كان عندي صفة عهن ثم بعث بها أي بالبدن المقلدة مع أبي أي حين صار أمير الحاج متفق علية وعن أبي هريرة أن رسول الله رأى رجلا يسوق بدنة أي ناقة فقال اركبها فقال أنها بدنة أي هدي ظنا أنه لا يجوز ركوب الهدي مطلقا قال اركبها فقال إنها بدنة قال اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة أي في إحدى المرتين متعلق بقال وسيأتى الكلام على الركوب متفق عليه وعن أبي الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب


الهدي فقال سمعت النبي يقول اركبها بالمعروف أي بوجة لا يلحقها ضرر إذا ألجئت أي إذا اضطررت إليها أي إلى ركوبها حتى تجد ظهرا أي مركوبا آخر رواه مسلم قال ابن الهمام في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها قال إنها بدنة قال اركبها قال فرأيته راكبا يساير النبي قال ابن العطار في شرح العمدة لم يراسم هذا المبهم وقد اختلف في ركوب البدنة المهداة فعن بعضهم أنه واجب لإطلاق هذا الأمر مع ما فيه من مخالفة سيرة الجاهلية وهي مجانبة السائبة والوصيلة والحام ورد هذا بأنه عليه الصلاة والسلام لم يركب هدية ولا أمر الناس بركوب هداياهم ومنهم من قال له أن يركبها مطلقا من غير حاجة تمسكا بإطلاقة هذا وقال أصحابنا والشافعي رحمه الله لا يركبها إلا عند الحاجة حملا للأمر المذكور على أنه كان لما رأي من حاجة الرجل إلى ذلك ولا شك أنه واقعة حال فاحتمل الحاجة به واحتمل عدمها فإن وجد دليل يفيد أحدهما حمل عليه وقد وجد من المنى ما يفيده وهو أنه جعلها كلها لله تعالى فلا ينبغي أن يصرف منها شيء لمنفعة نفسة فيجعل محمل تلك الواقعة ثم رأينا اشتراط الحاجة ثابتا بالسنة وهو ما في صحيح مسلم عن أبي الزبير فالمعنى يفيد منع الركوب مطلقا والسمع ورد بإطلاقة بشرط الحاجة رخصة فيبقي فيما وراءه على المنع الأصلي الذي مقضى المعنى لا بمفهوم الشرط وفي الكافي للحاكم فإن ركبها أو حمل متاعة عليها للضرورة ضمن ما نقصها ذلك ضمنه وأما قول الطيبي في الحديث دليل على أن من ساق هديا جاز له ركوبها غير مضربها وله الحمل وهو قول مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله وذهب قوم إلى أنه لا يركبها إلا أن يضطر إليه فمردود من وجهين أحدهما من حيث دلالة الرواية المفيدة بالضرورة وثانيها من حيث الدراية المنافية لنص الشافعي أنه لا بد من الضرورة كما صرح به النوري رحمه الله في شرح مسلم خلاف ما صدر عنه في مجموعة وعن ابن عباس قال بعث رسول الله


ستة عشر بدنة قال الطيبي رحمه الله
وفي المصابيح ست عشرة وكلاهما صحيح لأن البدنة تطلق على الذكر والأنثى مع رجل أي ناجية الأسلمي وأمر بتشديد الميم أي جعله أميرا فيها أي لينحرها بمكة فقال يا رسول الله كيف أصنع بما أبدع بصيغة المجهول على أي بما حبس علي من الكلال منها أي من تلك البدن يقال أبدعت الراحلة إذا كلت وأبدع بالرحل على بناء المجهول إذا انقطعت راحلتة به لكلال أو هزال ولذا لم يقل أبدع بي لأنه لم يكن هو راكبا لأنها كانت بدنة يسوقها بل قال أبدع علي لتضمين معنى الحبس كما ذكرنا كذا ذكره بعض المحققين من علمائنا وقال الطيبي رحمه الله أي عطب يقال أبدع بالرجل أي انقطع به ووقفت دابته عن السير قال انحرها ثم اصبغ بضم الموحدة ويجوز فتحها وكسرها أي أغمس نعليها أي التي قلدتها في عنقها في دمها لئلا يأكل منها الأغنياء ثم اجعلها أي النعل على صفحتها أي كل واحدة من النعلين على صفحة متن صفحتي سنامها ولفظة في رواية أخرى لمسلم كان يبعث مع أبي قبيصة بالبدن ثم يقول إن عطب منها شيء فخشيت عليها موتا فانحرها ثم اغمس نعليها في دمها ثم اضرب صفحتها الحديث ولا تأكل منها أنت للتاكيد ولا أحد أي ولا يأكل أحد من أهل رفقتك بضم الراء وسكون الفاء وفي القاموس الرفقة مثلثة أي رفقائك فأهل زائد والإضافة بيانية قال الطيبي رحمه الله سواء كان فقيرا أو غنيا وإنما منعوا ذلك قطعا لإطماعهم لئلا ينحرها أحد ويتعلل بالعطب هذا إذا أوجبة على نفسة وأما إذا كان تطوعا فله أن ينحره ويأكل منه فإن مجرد التقليد لا يخرجه عن ملكه فإن قلت إذا لم يأكل أحد من الرفقة أي القافلة كان ضائعا قلت أهل البوادي يسيرون خلفهم فينتفعون به رواه مسلم قال ابن الهمام روى أصحاب السنن الأربعة عن ناجية الخزاعي أن رسول الله بعث معه بهدي وقال أن عطب فانحره ثم اصبغ نعله في دمه ثم خل بينة وبين الناس قال الترمذي حسن صحيح وليس فيه لا تأكل أنت ولا رفقتك وقد أسند


الوافدي في أول غزوة الحديبية القصة بطولها وفيها أنه عليه الصلاة والسلام استعمل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي وأمره أن يتقدمه بها وقال كان سبعين بدنة فذكره إلى أن قال وقال ناجية بن جندب عطب معي بعير من الهدي فجئت رسول الله بالأبواء فأخبرتة فقال انحرها واصبغ قلائدها في دمها ولا تأكل أنت ولا أحد من رفقتك منها شيئا وخل بينها وبين الناس وأخرج مسلم وابن ماجة عن قتادة عن سنان بن مسلم عن ابن عباس أن ذؤيبا الخزاعي أبا قبيصة حدثه أن رسول الله كان يبعث بالبدن معه ثم يقول أن عطب منها شيء فخشيت عليه موتا فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك وأعل بأن قتادة لم يدرك سنانا والحديث معنعن في مسلم وابن ماجة إلا أن مسلما ذكر له شواهد ولم يسم ذؤيبا بل قال أن رجلا وإنما نهى ناجية ومن ذكر عن الأكل لأنهم كانوا أغنياء قال شارح الكنز ولا دلالة لحديث ناجية على المدعي لأنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك فيما عطب منها


في الطريق والكلام فيما إذا بلغ الحرم هل يجوز له الاكل أولا ا ه وقد أوجبنا في هدي التطوع إذا ذبح في الطريق امتناع أكله منه وجوازه بل استحبابه إذا بلغ محله ا ه وقال الشمني وما عطب أي هلك من الهدي أو تعيب بفاحش وهو ما يمنع أجزاء الأضحية كذهاب ثلث الأذن أو العين ففي الواجب إبداله لأنه في الذمة ولا يتأدى بالمعيب والمعيب له لأنه لم يخرج بتعيينه لتلك الجهة عن ملكه وقد امتنع صرفه فيها فله صرفه في غيرها وفي التطوع نحره وصبغ نعله وضرب صفحته لحديث ناجية والمراد بالنعل القلادة وفائدة ذلك إعلام الناس أنه هدي فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء هذا ونقل الواقدي مخالف لرواية مسلم اللهم إلا أن يقال العدد المذكور في رواية مسلم مختص بخدمة نلجية له والباقي لغيره من رفقائة كما يدل عليه قوله وأمره فيها وعن جابر قال نحرنا مع رسول الله عام الحديبية بالتخفيف على الأصح البدنة أي الإبل عن سبعة والبقرة عن سبعة ظاهره أن البقرة لا تسمى بدنة وهو كذلك بالنسبة لغالب استعمالها ففي القاموس البدنة محركة من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة شرفها الله للذكر والأنثى وفي النهاية البدنة واحدة الإبل سميت بها لعظمها وسمنها وتقع على الجمل والناقة وقد تطلق على البقرة ا ه وأما قول ابن حجر تطلق لغة على البعير والبقرة والشاة فمخالف لكتب اللغة رواه مسلم وفيه دليل لمذهبنا كأكثر أهل العلم أنه يجوز اشتراك السبعة في البدنة أو البقرة إذا كان كلهم متقربين سواء يكون قرية متحدة كالأضحية والهدي أو مختلفة كأن أراد بعضهم الهدي وبعضهم الأضحية وعند الشافعي ولو أراد بعضهم اللحم وبعضهم القربة جاز وعند مالك لا يجوز الإشتراك في الواجب مطلقا وأما الإشتراك في الغنم فلا يجوز اجماعا وعن ابن عمر أنه أي ابن عمر أتى أي مر على رجل قد أناخ بدنتة ينحرها أي حال كونة يريد نحرها قال أي ابن عمر ابعثها أي أقمها قياما حال مؤكدة أي قائمة وقد صحت


الرواية بها وعاملها محذوف دل عليه أول الكلام أي انحرها قائمة لا أبعثها لأن
البعث إنما يكون قبل القيام اللهم إلا أن تجعل حالا مقدرة كقولة تعالى فبشرناه بإسحاق نبيا الصافات أي ابعثها مقدرا قيامها ولا يجوز انتصابة على المصدرية لا بعثها لما بينهما من التقارب كأنه قال أقمها قياما لخلو الكلام عن المقصود وهو تقييد النحر بالقيام مقيدة قال الطيبي رحمه الله السنة أن ينحرها قائمة معقولة اليد اليسري والبقر والغنم تذبح مضطجعة على الجانب الايسر مرسلة الرجل فمقيدة حال ثانية أو صفة لقائمة سنة محمد منصوب على المفعولية أي فاعلا بها سنة محمد أو أصبت سنة محمد ويجوز رفعه خبرا لمبتدأ محذوف متفق علية قال ابن الهمام وأخرج أبو داود عن جابر أن النبي وأصحابة كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائهما ثم قال وإنما سن النبي النحر قياما عملا بظاهر قوله تعالى فإدا وجبت جنوبها الحج والوجوب السقوط وتحققه في حال القيام أظهر أقول الإستدلال بقوله تعالى فاذكورا اسم الله عليها صواف الحج أظهر وقد فسره ابن عباس بقوله قياما على ثلاث قوائم وهو إنما يكون بعقل الركبة الأولى كونها اليسرى للإتباع رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم وعن أبي حنيفة نحرب بدنة قائمة فكدت أهلك قياما من الناس لأنها نفرت فاعتقدت أن لا أنحر بعد ذلك إلا باركة معقولة والحاصل أن القيام أفضل فإن لم يتسهل فالقعود أفضل من الاضطجاع نعم ذبح نحو الإبل خلاف الأولى إن ثبت عن مالك ما نقل عنه أن الإبل لا يحل ذبحها والظاهر عدم ثبوتة عنه فقد قال ابن المنذر لا أعلم أحدا حرم ذلك وإنما كرهه مالك وأما ما وقع في بعض كتب الشافعية من أن نحر البقر والغنم يحرم اجماعا فهو غلط والصواب كما عبر به العبدري وغيره يجوز اجماعا وعن على رضي الله عنه قال أمرني رسول الله أن أقوم على بدنه بضم الباء وسكون الدال جميع بدنة والمراد بدنة التى أهداها إلى مكة


في حجة الوداع ومجموعها مائة كما تقدم وفيه جواز الإنابة في نحر الهدي وتقرقته وأن أتصدق بلحمها وجلودها واجلتها بكسر الجيم وتشديد اللام جمع جلال وهي جمع جل للدواب وأن لا أعطي الجزار أي شيئا منها قال أي علي أو النبي وهو الأظهر نحن نعطيه أي أجرته من عندنا متفق عليه قال ابن
الهمام روى الجماعة إلا الترمذي أمرني رسول الله أن أقوم على بدنه وأقسم جلودها وجلالها وأمرني أن لا أعطي الجزار منها وقال نحن نعطيه من عندنا وفي لفظ وأن أتصدق بجلودها وجلالها ولم يقل فيه البخاري نحن نعطيه من عندنا وفي لفظه وأمره أن يقسم بدنه كلها لحومها وجلولها وجلودها في المساكين ولا يعطي في جزارتها منها شيئا قال السرقسطي جزارتها بضم الجيم وكسرها فالكسر المصدر وبالضم اسم لليدين والرجلين والعنق وكان الجزارون يأخذون في أجرتهم وحكى ابن عمر وإسحاق أنه لا بأس ببيع جلد هديه والتصدق بثمنه وقال النخعي والاوزاعي لا بأس أن يشتري الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها وقال الحسن البصري عليه رحمة الباري لا بأس أن يعطي الجزار الجلد يعنى إذا أجره وأما عطاؤه له تطوعا فجائز اجماعا وعن جابر قال كنا لا نأكل من لحوم بدننا أي التي نضحي بها فوق ثلاث أي من الأيام في صدر الإسلام فرخص لنا رسول الله قال الطيبي رحمه الله تعالى نهى أولا أن يؤكل لحم الهدي والأضحية فوق ثلاثة أيام ثم رخص فقال كلوا وتزودوا أي أدخروا ما تزودونه فيما تستقبلونه مسافرين أو ومجاورين فأكلنا وتزودونا قال الطيبي رحمه الله إذا كان واجبا بأصل الشرع كدم التمتع والقران ودم الإفساد وجزاء الصيد لم يجز للمهدي أن يأكل منها عند بعض أهل العلم وعليه الشافعي رحمه الله وفي الشمنى ويأكل استحبابا من هدي تطوع ومتعة وقران فقط لما في حديث جابر ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ولأنها دماء نسك كلأضحية ولا يجوز له أن يأكل من غير هذه الهدايا لأنها دماء


كفارات وقال ابن الهمام ومعلوم أنه كان قارنا على ما رجحه بعضهم أي النووي رحمه الله وهدي القران لا يستغرق مائة بدنة فعلم أنه أكل من هدى القران والتطوع إلا أنه أكل من هدي التطوع بعدما صار إلى الحرم أما إذا لم يبلغ بأن عطب وذبحه في الطريق فلا يجوز له الأكل منه لأنه في الحرم تتيسر القربة فيه بالإراقة وفي غير الحرم لا تحصل به بل بالتصدق فلا بد من التصدق لتحصل ولو أكل منه أومن غيره مما لا يحل له الأكل منه ضمن ما أكله وبه قال الشافعي وأحمد وقال مالك لو أكل لقمة ضمنه كله وليس له بيع شيء من لحوم الهدايا وإن كان مما يجوز الأكل منه فإن باع شيئا أو أعطى الجزار أجرة منه فعليه أن يتصدق بقيمته وحيث ما جاز الأكل للمهدي جاز أن يأكل الأغنياء وأيضا يستحب أن يتصدق بثلثها ويهدي ثلثها متفق عليه وفي حديث مسلم كنت نهيتكم عن الإدخار من أجل
الرأفة وقد جاء الله بالسعة فادخروا ما بدا لكم وهل يعود التحريم بعود السنة والقحط فيه نصان للشافعي رحمه الله والأصح عدم عوده لثبوت نسخه سواء كان نهي تحريم أو تنزيه
الفصل الثاني


وعن ابن عباس أن النبي أهدي عام الحديبية بالتخفيف على الأفصح وهي السنة السادسة من الهجرة توجه فيها رسول الله إلى مكة للعمرة فأحصره المشركون بالحديبية وهو موضع من أطراف الحل وقضيته مشهورة وأما قول ابن حجر فوقع الصلح على أنهم يتحللون بالحديبية ثم يقضون عرتهم ثم يأتون في العام الآتي ويحجون ويعتمون فكان كذلك فليس كذلك لأن الصلح إنما وقع على أنهم يقضون عمرتهم فقط دون أن يحجوا وأيضا كانت المصالحة أن يخلوا مكة له عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام حتى طالبوا خروجه بعد مضيها في هدايا أي في جملة هدايا رسول الله جملا نصب بأهدى وفي هدايا صلة له وكان حقه أن يقول في هداياه فوضع المظهر موقع المضمر والمعنى جملا كائنا في هداياه كان لأبي جهل أي عمرو بن هشام المخزمي اغتنمه يوم بدر في رأسه أي أنفه برة بضم الموحدة وفتح الراء المخففة قال أبو علي أصلها بروة لأنها تجمع على برات وبرون كثبات وثبون أي حلقه من فضة وفي المصابيح وفي رأسه برة فضة بالإضافة قال شارح أي في أنفه حلقة فضة فإن البرة حلقة من صفر ونحوه تجعل في لحم أنف البعير وقال الأصعمي في أحد جانبي المنحرين لكن لما كان الأنف من الرأس قال في رأسه على الإتساع والأظهر أنه مجاز المجاورة من حيث قربه من الرأس لا من إطلاق الكل على البعض وفي رواية من ذهب ويمكن التعدد باعتبار المنحرين يغيظ بذلك المشركين بفتح حرف المضارعة أي يوصل الغيظ إلى قلوبهم في نحر ذلك الجمل قلت خاتمة جمله أجمل منه فإنها نحرت في سبيل الله وأكل منها رسوله وأولياؤه ثم نظير الحديث قوله تعالى ليغيظ بهم الكفار الفتح رواه أبو داود


وعن ناجية الخزاعي قال قلت يا رسول الله كيف أصنع بما عطب بكسر الطاء أي عيي وعجر عن السير ووقف في الطريق وقيل أي قرب من العطب وهو الهلاك ففي القاموس عطب كنصر لأن وكفرح هلك والمعنى على الثاني من البدن المهداة إلى الكعبة بيان لها قال انحرها ثم اغمس نعلها أي المقلدة بها في دمها أي ثم اجعلها على صفحتها ثم خل بين الناس أي الفقراء وبينها والمعنى اترك الأمر وبينها ولا تمنع أحدا منها قال الطيبي رحمه الله التعريف للعهد والمراد بهم الذين يتبعون القافلة أو جماعة غيرهم من قافلة أخرى ا ه وقد تقدم التفصيل فيأكلونها أي فهم يأكلونها على حد قوله تعالى ولا يؤذن لهم فيعتذرون لمرسلات وإلا لكان الظاهر أن يقال فيأكلوها كقوله تعالى ذرهم يأكلوا الحجر رواه مالك والترمذي وابن ماجه أي عن ناجية الخزاعي ورواه أبو داود والدارمي عن ناجية الأسلمي قال في التقريب ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي صحابي وناجية بن الخزاعي أيضا صحابي تفرد بالرواية عنه عروة ووهم من خلطهما وقال في تهذيب الأسماء ناجية الصحابي بالنون والجيم بن جندب بن كعب ابن جندب وقيل ناجية بن كعب بن عمير بن يعمر الأسلمي صاحب بدن رسول الله وجعل أحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده صاحب البدن ناجية بن الحرث الخزاعي المصطلقي والأول هو المشهور وقال المؤلف هو ناجية بن جندب الأسلمي صاحب بدن رسول لله ويقال أنه ناجية بن عمرو وهو معدود في أهل المدينة وكان اسمه زكوان فسماه النبي ناجية نجا من قريش وهو الذي نزل القليب في الحديبية بسهم رسول الله فيما قال روى عنه عروة والزهري وغيره مات بالمدينة في أيام معاوية ا ه ولم يذكر ناجية الخزاعي فكان صاحب المصابيح تبع أحمد بن حنبل رحمه الله والمصنف تبع الجمهور رحمهم الله والله تعالى أعلم وعن عبد الله بن قرط بضم قاف وسكون راء وطاء مهملة أزدى كان اسمه


شيطانا فسماه النبي عبد الله ذكره المؤلف عن النبي قال أن أعظم الأيام ي أيام عيدالأضحى فلا ينافي ما في الأحاديث الصحيحة أن أفضل الأيام يوم عرفة أو أيام الأشهر الحرم كذا قيل وفيه بحث وقال الطيبي رحمه الله أي من أعظم الأيام لأن العشر أفضل مما عداها ا ه وأراد بالعشر عشر رمضان أو عشر ذي الحجة لأنه ورد مت من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة وهو معارض بما صح في الأخبار الصريحة بأن أيام العشر الأواخر من رمضان أفضل الأيام فينبغي أن يقيد الحديث الأول بأيام الأشهر الحرم ولا يبعد أن يقال الأفضلية مختلفة باعتبار الحيثية أو الإضافية والنسبية فلا يحتاج إلى تقدير من التبعيضية عند الله أي في حكمه فإنه منزه عن الزمان كما أنه مقدس عن المكان يوم النحر أي أول أيام النحر لأنه العيد الأكبر ويعمل فيه أكبر أعمال الحج حتى قال تعالى فيه يو الحج الأكبر التوبة ثم يوم القر بفتح القاف وتشديد الراء أي يوم القرر بخلاف ما قبله وما بعده من حيث الانتشار قال بعض الشراح وهو اليوم الأول من أيام التشريق سمي بذلك لأن الناس يقرون يومئذ في منازلهم بمنى ولا ينفرون عنه بخلاف اليومين الأخيرين ولعل المقتضي لفضلهما فضل ما يخصهما من وظائف العبادات وقد ورد في الحديث الصحيح بأن عرفة أفضل الأيام فالمراد ههنا أي من أفضل الأيام كقولهم فلان أعقل الناس أي من أعقلهم والمراد بتلك الأيام يوم النحر وأيام التشريق قال ثور يعني أحد رواة الحديث وهو أي يوم القرهو اليوم الثاني أي من أيام النحر أو من أيام العيد فلا ينافي ما سبق من أنه أول أيام التشريق قال أي عبد الله وقرب بتشديد الراء مجهولا لرسول الله بدنات خمس أو ست شك من الراوي أو ترديد من عبد الله يريد تقريب الأمر أي بدنات من بدن النبي فطفقن بكسر الفاء الثانية أي شرعن يزدلفن أي يتقربن ويسعين إليه بأيتهن يبدأ قال الطيبي رحمه الله أي منتظرات بأيتهن يبدأ للتبرك بيد رسول


الله في نحرهن ا ه قيل وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام قال أي عبد الله فلما وجبت جنوبها أي سقطت على الأرض قال أي عبد الله وهو تأكيد كذا قيل وقال الطيببي رحمه الله أي الراوي فتكلم أي البنبي قاله الطيبي فيلزم منه أن يقال بزيادة الفاء وعندي أن ضمير قال راجع إليه فتكلم بكلمة خفيفة عطف تفسير لقال لم أفهمهما أي لخفاء لفظها فقلت أي للذي يليه أو يليني ما قال أي النبي قال أي المسؤول وفي المصابيح فقال قال أي النبي من شاء أي من المحتاجين اقتطع أي أخذ قطعة منها أو قطع منها لنفسه وفي المصابيح فليقطع منه أي من
لحمها رواه أبو داود وذكر حديثا ابن عباس أي قال كنا مع رسول الله الحديث وجابر أي البقرة سبعة في باب الأضحية والأظهر أنه اعتذار من صاحب المشكاة بأنه أسقطهما عن تكرار ويحتمل أن يكون اعتراضا بأنه حولهما عن هذا الباب لأنه أنسب إلى ذلك الباب والله تعالى أعلم بالصواب
الفصل الثالث


وعن سلمة بن الأكوع قال قال النبي من ضحى بتشديد الحاء أي فعل الأضحية منكم فلا يصبحن بعد ثالثة أي من الأيام أو بعد ليلة ثالثة وفي بيته منه أي من لحم الأضحية شيء لحرمة إدخار شيء من لحم الأضاحي في هذا العام لأجل القحط الشديد الذي وقع فيه حتى امتلأت المدينة من أهل البادية فأمر أهلها بإخراج جميع ما عندهم من لحوم الأضاحي التي اعتادوا ادخار مثلها في كل عام فلما كان العام المقبل أي الآتي بعده قالوا أي بعض الأصحاب يا رسول الله نفعل بتقدير الاستفهام كما فعلنا العام الماضي قال كلوا استحبابا وأطعموا أي ندبا وادخروا بتشديد الدال أي اجعلوا ذخيرة أمر إباحة فإن ذلك العام علة لتحريم الإدخار السابق وإيماء إلى أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما كان بالناس جهد بفتح الجيم وضمها قال الطيبي رحمه الله بالضم الجوع وبالفتح المشقة وقيل لغتان فأردت أي بالنهي عن الإدخار أن تعينوا فيهم أي تعينوهم أي الفقراء جعل المتعدي بمنزلة اللازم وعداء بفي مبالغة كذا قيل وقال الطيبي رحمه الله أي توقعوا الإعانة فيهم ا ه فجعله من باب التضمين كقول الشاعر يجرح في عراقيبها تصلى شششع ومنه قوله تعالى حكاية واصلح لي في ذريتي الأحقاف ويمكن أن يكون


التقدير أن تعينوني في حقهم فإن فقرهم كان صعبا إليه عليه الصلاة والسلام متفق عليه لا يظهر وجه إيراد المصنف هذا الحديث في هذا الباب كما لا يخفى على أولي الألباب ولعله أراد بهما تفسير الحديث جابر في آخر الفصل الأول والله تعالى أعلم وعن نبيشة بضم النون وفتح الموحدة وهو نبيشة الخير الهذلي ذكره المؤلف في الصحابة قال قال رسول الله إنا كنا نهيناكم عن لحومها أي الأضاحي أو الهدايا فيظهر وجه المناسبة للباب أن تأكلوها بدل اشتمال فوق ثلاث أي ليال وفي نسخة ثلاثة أي أيام لكي تسعكم أي لتكفيكم وفقراءكم جاء الله بالسعة بفتح السين ومنه قوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته الطلاق استئناف مبين لتغيير الحكم أي أتى الله بالخصب وسعة الخير وأتى بالرخاء وكثرة اللحم فإذا كان الأمر كذلك فكلوا وادخروا وائتجروا قال الطيبي رحمه الله افتعال من الأجر أي اطلبوا الأجر بالتصدق وليس من التجارة وإلا لكان مشددا وأيضا لا يصح بيع لحومها بل يؤكل ويتصدق به ألا للتنبيه وإن هذه الأيام أي أيام منى وهي أربعة أيام أكل فيحرم الصيام فيها وشرب بضم الشين وفي نسخة بفتحها وقرىء بهما في السبعة فشاربون شرب الهيم وجوز كسرها في رواية وبعال أي جماع وذلك كله لحرمة الصوم فيها لكون الخلق حينئذ أضياف الحق وذكر الله أي كثرة ذكره تعالى لقوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا البقرة لقوله عز وجل واذكروا الله في أيام معدودات البقرة ويمكن أن يراد بهما ذكر الله على الهدايا حين ذبحها لقوله تعالى ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير الحج ولعل هذا هو المأخذ لتحريم الصيام ويمكن أن يراد بذكر الله ما يذكر عند الرمي أو تكبير التشريق وقد سبق التحقيق والله ولي التوفيق رواه أبو داود


باب الحلق
أي والقصر واكتفى بأفضلهما

الفصل الأول
وعن ابن عمر أن رسول الله حلق رأسه بتشديد اللاشم وتخفيفها أي أمر بحلقه في حجه الوداع وأناس من أصحابه أي حلقوا ومن بيانية أو بتعيضية وهو الظاهر من قوله وقصر بعضهم بتشديد الصاد وقيل بتخفيفها أي بعض الناس أو بعض أصحابه ويمكن أن يكون المراد من قوله وقصر بعضهم أي بعد عمرتهم قبل حجتهم متفق عليه وفي الصحيحين وغيرها أنه عليه الصلاة والسلام قصر في عمرة القضاء وقد قال تعالى محلقين رؤوسكم ومقصرين الفتح فدل على جواز كل منهما إلا أن الحلق أفضل بلا خلاف والظاهر وجوب استيعاب الرأس وبه قال مالك وغيره وحكى النووي الإجماع عليه والمراد به إجماع الصحابة أو السلف رحمهم الله ومما يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام خذوا عنى مناسككم ولم يحفظ عنه عليه الصلاة والسلام ولا عن أحد من أصحابه الكرام الاكتفاء ببعض شعر الرأس وأما القياس على مسح الرأس فغير صحيح للفرق بينهما وهو أن آية المسح فيها فيه الباء الدالة على التبعيض في الجملة وقد ورد حديث الناصية المشعر بجواز الاكتفاء بالبعض ولم يرد نص على منع مسح البعض بخلاف ذلك كله في باب الحلق فإنه قال تعالى محلقين رؤوسكم ولا تحلقوا رأسكم ولم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام قط أنهم اكتفوا بحلق بعض الرأس أو تقصيره بل ورد النهي عن القزعة حتى للصغار وهي حلق بعض الرأس ونخلية بعضه فالظاهر أنه لا يخرج من الأحرام إلا بالاستيعاب كما قال به مالك وتبعه ابن الهمام في ذلك ثم مما خطر لي في هذا المقام من التحقيق الناشىء عن سلوك سبيل التدقيق أن الحكمة في قوله محلقين بصيغة المبالغة وفي قوله ولا تحلقوا بدونها أن الفعل ينبغي أن يكون مستوعبا وأن النهي عنه يشمل القليل والكثير مطلقا وعن ابن عباس قال قال لي معاوية أي ابن أبي سفيان إني قصرت من رأسي


النبي أي شعر رأسه عند المروة بمشقص بكسر الميم وفتح القاف أي نصل طويل عريض أو غير عريض له حدة وقيل المراد به المقص وهو الأشبه في هذا المحل وقد صح أن النبي لم يقصر في حجته بل حلق فيكون التقصير الذي رواه معاوية في عمرته والذي يدل عليه أنه قال عند المروة فلو كان حاجا لقال بمنى قال الطيبي رحمه الله كان ذلك في عمرة الجعرانة اعتمرها رسول الله لما فتح مكة وأراد الرجوع منها في السنة الثامنة من الهجرة أو عمرة القضاء أن صح ما روى عنه أنه قال أسلمت عام القضية والأصح أنه أسلم عام الفتح قال ابن الهمام وأما ما استدل به القائلون بأنه كان متمتعا وأنه أحل من حديث معاوية قصرت عن رسول الله بمشقص قالوا ومعاوية أسلم بعد الفتح والنبي لم يكن محرما في الفتح فلزم كونه في حجة الوداع وكونه عن إحرام العمرة لما رواه أبو داود وفي رواية من قوله عند المروة والتقصير في الحج إنما يكون في منى فدفعه أن الأحاديث الدالة على عدم إحلاله جاءت مجيئا متظافرا يقرب القدر المشترك من الشهرة التي هي قريبة من التواتر كحديث ابن عمر السابق وما تقدم في الفتح من الأحاديث وحديث جابر الطويل الثابت في مسلم وغيره ولو انفرد حديث ابن عمر كان مقدما على حديث معاوية فكيف والحال ما أعلمناك فلزم في حديث معاوية الشذوذ عن الجم الغفير فأما هو خطأ أو محمول على عمرة الجعرانة فإنه قد كان أسلم إذ ذاك وهي عمرة خفيت على بعض الناس لأنها كانت ليلا على ما في الترمذي والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام خرج إلى الجعرانة ليلا معتمرا فدخل مكة ليلا فقضى عمرته ثم خرج من ليلته الحديث قال فمن أجل ذلك خفيت على الناس وعلى هذا فيجب الحكم على الزيادة التي في سنن النسائي وهو قوله في أيام العشر بالخطأ ولو كانت بسند صحيح إما للنسيان من معاوية أو من بعض الرواة عنه متفق عليه وأنت علمت مما سبق من كلام المحقق أن قوله عند المروة ليس في الصحيحين بل في رواية أبي داود وعن


ابن عمران أن رسول الله قال في حجة الوداع قال الطيبي رحمه الله كان هذا في حجة الوداع على ما هو المشهور المذكور في لفظ الحديث وقال بعضهم في الحديبية لما أمرهم بالحلق فلم يفعلوا طمعا في دخول مكة قلت لا منع من الجمع بين القولين وهو أنه قاله في الموضعين اللهم ارحم المحلقين حيث عملوا بالأفضل لأن العمل بما بدأ الله تعالى في قوله محلقين رؤوسكم ومقصرين الفتح أكمل وقضاء التفت المأمور به في قوله عز وجل ثم ليقضوا تفثهم الحج يكون به أجمل وبكونه في ميزان العم


أثقل قالوا والمقصرين يا رسول الله عطف تلقيني وأما قوله عز وجل ومن ذريتي وبعد قوله إني جاعلك للناس إماما البقرة أي واجعل بعض ذريتي أئمة ليس من باب التلقين كما وهم ابن حجر فإنه دعاء مستقل لا متفرع عن كلام سابق وإما تقديره وجاعل بعض ذريتي فهو عطف على كاف جاعلك فلا وجه له نعم لا يبعد أن يكون من باب التلقين قوله سبحانه قال ومن كفر بعد قوله وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخرة البقرة فإنه يصح التقدير وارزق من كفر بصيغة الأمر وأرزق من كفر بصيغة المتكلم أو ومن كفر مبتدأ خبره فأمتعه قال اللهم ارحم المحلقين وتغافل عن العطف على وجه العطف دون العنف قالوا تأكيد للاستدعاء وهل هو قول المحلقين أو المقصرين أو قولهما جميعا فاحتمالات ثلاث أظهرها بعض الكل من النوعين والمقصرين يا رسول الله قال أي في المرة الثانية والمقصرين متفق عليه وذكر ابن الهمام في رواية الصحيحين أنه قال في المرة الثالثة والمقصرين ثم قال وفي رواية البخاري فلما كانت الرابعة قال والمقصرين ا ه فما ذكره المؤلف إما تقصير منه أو رواية أخرى والله تعالى أعلم ويدل على الأول الحديث الثاني وهو قوله وعن يحيى بن حصين عن جدته أي أم الحصين بنت اسحاق الأحمسية شهدت حجة الوداع ذكره المؤلف أنها سمعت النبي في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة وهي في المرة الأخيرة رواه مسلم وتحمل رواية البخاري فلما كانت الرابعة على عمرة الحديبية جمعا بين الحديثين أو يحمل كلام كل راو على ما سمع به وتحقق عنده والله تعالى أعلم قال الطيبي رحمه الله وإنما خص المحلقين أولا بالدعاء دون المقصرين وهم الذين أخذوا من أطراف شعورهم ولم يحلقوا لأن أكثر من أحرم معه عليه الصلاة والسلام لم يكن معه هدي وكان عليه الصلاة والسلام قد ساق الهدي ومن معه الهدي فإنه لا يحلق حتى ينحر هديه فلما أمر من ليس معه هدي أن يحلق ويحل ووجدوا في أنفسهم من ذلك وأحبوا


أن يأذن لهم في المقام على إحرامهم حتى يكملوا الحج وكانت طاعة النبي أولى لهم فلما لم يكن لهم بد من الإحلال كان التقصير في نفوسهم أخف من الحلق فمال أكثرهم إليه وكان فيهم من بادر إلى الطاعة وحلق ولم يراجع فلذا قدم المحلقين وأخر المقصرين ا ه ولا يخفى أنه عليه الصلاة والسلام إنما أمرهم بالتحلل لا بخصوص الحلق وإنما اختاروا القصر لقرب الزمان من الوقوف إبقاء للشعر للحلق أو للقصر بعد الحج وجمعا بين العملين وهما الرخصة والعزيمة والرخصة أولى بعد العمرة وأما المقصرون في الحج


فعملوا بالرخصة إبقاء شعرهم للزينة بخلاف المحلقين فإنهم اختاروا العزيمة في القضية فاستحقوا الأفضلية ولأنه أدل على صدق النية وحسن الطوية والتذلل في مقام العبودية وأما قول النووي ووجه أفضلية الحلق أن المقصر أبقى على نفسه الزينة لشعره والحاج مأمور بترك الزينة فغريب منه وكذا استحسان ابن حجر منه عجيب فإن الحاج ليس مأمورا بترك الزينة بعد فراغ الحجة أو العمرة ثم هذا كله لا ينافي ما حكاه عياض عن بعضهم أنه كان بالحديبية حين أمرهم بالحلق فلم يفعلوا طمعا بدخول مكة يومئذ إلا أن قولهم أمرهم بالحلق بغير محفوظ وإنما أمرهم بالتحلل فاختار بعضهم الحلق لأنه الأفضل واختار آخرون القصر حتى يحلقوا في العام المقبل جمعا بين القضيتين وحيازة للفضيلتين عن ابن عباس قال حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فدعا رسول الله للمحلقين بما ذكر فقيل يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم قال لأنهم لم يشكوا يعني لم يطمعوا في دخول مكة يومئذ مستدلين بقوله تعالى أي لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين وقد أجاب الصديق من أرباب التحقيق عنه بأنه ليس في الآية تقييد بهذه السنة ثم نص عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام في ذلك المقام هذا والمذهب المشهور الذي عليه الجمهور أن الحلق أو التقصير نسك أما واجب وأما ركن لا يحصل التحلل من الحج والعمرة إلا به وللشافعي رحمه الله تعالى قول شاذ أنه يحصل باستباحة محظور كالطيب واللباس والصواب هو الأول وعن أنس أن النبي أتى مني فأتى الجمرة أي جمرة العقبة فرماها ثم أتى منزله بمنى وهو الآن يسمى مسجد الخيف قال ابن حجر هو ما بين مسجد الخيف ومحل نحره المشهور على يمين الذاهب إلى عرفة ونحر نسكه بسكون السين ويضم جمع نسيكة وهي الذبيحة والمراد بدنه عليه الصلاة والسلام وقد نحر بيده ثلاثا وستين وأمر عليا أن ينحر بقية المائة ثم دعال بالحلاق وهو المزين قال الطيبي رحمه الله هو


معمر بن عبد الله العدوي وقيل غيره وناول الحالق شقه أي جانبه الأيمن أي من الرأس فخلقه قال الطيبي رحمه الله دل على أن المستحب لابتداء بالأيمن وذهب بعضهم إلى أن المستحب الأيسر ا ه أي ليكون أيمن الحالق ونسب إلى أبي حنيفة إلا أنه رجع عن هذا وسبب ذلك أنه قاس أولا يمين الفاعل كما هو المتبادر من التيامن ولما بلغه أنه عليه الصلاة والسلام اعتبر يمين المفعول رجع عن ذلك القول المبني على المعقول إلى صريح المنقول إذا لحق بالإتباع أحق ولو وق


الحالق خلف المحلوق أمكن الجمع بين الأيمنين ثم دعا أبا طلحة الأنصاري وهو عم أنس وزوج أمه أم سليم وكان له عليه الصلاة والسلام بأبي طلحة وأهله مزيد خصوصية ومحبة ليست لغيرهم من الأنصار وكثير من المهاجرين الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين وهو الذي حفر قبره الشريف ولحد له وبني فيه اللبن وخصه بدفنه لبنته أم كلثوم وزوجها عثمان حاضر فأعطاه أي أبا طلحة أباه أي الشعر المحلوق ثم ناول أي الحالق شقه الأيسر وفي نسخة صحيحة الشق الأيسر فقال بلسان القال أو الحال احلق فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال اقسمه أي المجموع بين الناس دل على طهارة شعر الآدمي خلافا لمن شذ وأن يتبرك بإشعاره عليه الصلاة والسلام وباقي آثاره متفق عليه قال ابن الهمام اخرج الجماعة إلا ابن ماجة عن أنس بن مالك أن رسول الله أتى مني فأتي الجمرة فرماها ثم أتي منزله بمنى فنحر ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس وهذا يفيد أن السنة في الحلق البداءة بيمين المحلوق رأسه وهو خلاف ما ذكر في المذهب وهذا هو الصواب ا ه وقال السروجي وعند الشافعي يبدأ يمين المحلوق وذكر كذلك بعض أصحابنا ولم يعز إلى أحد والسنة أولى وقد أخذ الإمام بقول الحلاق ولم ينكره ولو كان مذهبه خلافه لما وافقه وفي منسك ابن العجمي والبحر هو المختار وقال في النخبة هو الصحيح وقد روي رجوع الإمام عما نقل عنه الأصحاب لأنه قال أخطأت في الحج في موضع كذا وكذا وذكر منه البداءة بيمين الحالق فصح تصحيح قوله الأخير وقد ذكر ابن حجر أنه يسن أن يقلم بعد الحلق أو التقصير أظفاره للاتباع كما صح عنه عليه الصلاة والسلام وكان ابن عمر يأخذ من لحيته وشاربه أقول وهو الملائم لقوله تعالى ثم ليقضوا تفثهم وعن عائشة رضي الله عنها قالت كنت أطيب رسول الله قبل أن يحرم أي بالحج أو العمرة أو بهما ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت أي بالتحلل الأول وهو بالحلق بطيب متعلق بأطيب فيه أي في


أجزائه مسك متفق عليه وفيه رد على من جعل الطيب تابعا للجماع
وعن ابن عمر أن رسول الله أفاض يوم النحر أي نزل من منى إلى مكة بعد رميه وذبحه فطاف طواف الفرض وقت الضحى ثم رجع أي في ذلك اليوم فصلى الظهر بمنى رواه مسلم قال ابن الهمام والذي في حديث جابر الطويل الثابت في صحيح مسلم وغيره من كتب السنن خلاف ذلك حيث قال ثم ركب رسول الله فأفاض إلى البيت فصلى الظهر بمكة ولا شك أن أحد الخبرين وهم وإذا تعارضا ولا بد من صلاة الظهر في أحد المكانين ففي مكة بالمسجد الحرام لثبوت مضاعفة الفرائض فيه أولى ا ه والحمل على أنه أعاد الظهر بمنى مقتديا على مذهبنا أو إماما على مذهب الشافعي وأمر أصحابه بالظهر حين انتظروه أولى من الحمل على الوهم كما لا يخفى على أنه روي أنه كان يزور البيت في كل يوم من أيام النحر فليحمل على يوم آخر وقد تقدمت توجيهات أخرى فتدبر وأما خبر الترمذي الذي حسنه أنه رسول الله أخر طوافة إلى الليل فمؤول بأنه أخر طواف نسائه إلى الليل أو جوز تأخير طواف الزيارة إلى الليل أو المعنى أخر طوافة الكائن مع نسائه إلى الليل رواية أنه زار مع نسائه ليلا وفي الحديث دلالة على أن رميه وحلقه وقع قبل الظهر بالاتفاق وإن اختلف كونه بمكة أو بمنى إذ الترتيب بين الحلق والإفاضة معتبر فظهرت المناسبة بين الباب وبين حديث ابن عمر فتدبر رحمهم الله تعالى
الفصل الثاني
عن علي وعائشة رضي الله عنهما قال نهى رسول الله أن تحلق المرأة رأسها أي في التحلل أو مطلقا إلا لضرورة فإن حلقها مثلة كحلق اللحية للرجل رواه الترمذي وكذا النسائي وعن ابن عباس قال قال رسول الله ليس على النساء الحلق أي لا يجب


عليهن الحلق في التحلل إنما على النساء التقصير أي إنما الواجب عليهن التقصير بخلاف الرجال فإنه يجب عليهم أحدهما والحلق أفضل ثم قيل أقل التقصير ثلاث شعرات ذكره الطيبي وعندنا التقصير هو أن يأخذ من رؤوس شعر رأسه مقدار أنملة رجلا كان أو امرأة ويجب مقدار الربع على ما هو المقرر في المذهب واختار ابن الهمام في هذا الباب ما قاله الإمام مالك من وجوب الاستيعاب وادعى أنه هو الصواب كما تقدم رواه أبو داود والدارمي وفي نسخة السيد والترمذي بواو العطف وفي نسخة العفيف بلا واو بدل الدارمي وفي نسخة وهذا الباب خال عن الفصل الثالث ولا يحتاج إلى الاعتذار ولعله لدفع وهم الإسقاط


باب جواز التقديم والتأخير في بعض أمور الحج
بالتنوين والسكون وفي نسخة باب جواز التقديم والتأخير في بعض أمور الحج وأما قول ابن حجر باب في مسائل تتعلق بالحلق فلذا لم يؤت بالترجمة فغريب مع أن الباب مشتمل على ذكر الحلق والرمي والذبح والإفاضة
الفصل الأول
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله وقف في حجة
الوداع بفتح الحاء والواو على الصحيح فيهما بمنى للناس أي لأجلهم يسألونه حال من فاعل وقف أو من الناس أو استئناف لبيان علة الوقوف قاله الطيبي ويؤيد الأخير رواية وقف على راحلته فطفق ناس يسألونه فجاء وفي نسخة فجاءه بالضمير رجل فقال لم أشعر أي ما عرفت تقديم بعض المناسك وتأخيرها فيكون جاهلا لقرب وجوب الحج أو فعلت ما ذكرت من غير شعور لكثرة الاشتغال فيكون مخطئا فحلقت قبل أن أذبح فقال اذبح أي الآن ولا حرج أي لا إثم عليه ولا يلزم منه عدم الفدية فجاء آخر فقال لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال ارم ولا حرج فما سئل النبي عن شيء قدم بصيغة المجهول أي وحقه التأخير ولا أخر أي ولا عن شيء أخر وحقه التقديم قال الطيبي رحمه الله لا بد من تقدير لا في الأول لأن الكلام في سياق النفي ونظيره قوله تعالى ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم الأحقاف ا ه وفيه بحث من وجوه منها أن الحديث ليس داخلا في تلك القاعدة وهي أن لا إن كان ما بعدها فعلا ماضيا وجب تكرارها كقوله تعالى فلا صدق ولا صلى ومنها أن الآية أيضا خارجة عنها لما في المغنى وغيره إن ما دخل عليه لا أن كان فعلا مضارعا لم يجب تكرارها نحو لا يحب الله الجهر بالسوء من القول النساء وقل قل لا أسألكم عليه أجر هود ومنها أنه قد يتوهم من إيراده الآية نظير الوجود تكرار ما النافية كما هو المتبادر من عبارته وليس كذلك لأن ما في ما يفعل ليست بنافية بل هي استفهامية أو موصولة ومنها أنه جاء ترك التكرار في لا شك يداك بلا تكرار وكذا الأفض الله فاك لأن المراد الدعاء فالفعل مستقبل في


المعنى ومنها أنه شذ ترك التكرار في قوله إن تغفر اللهم فاغفر جما وأي عبد لك لا ألما ومنها أن تقدير لا في الأول أو الآخر فغير معروف إلا قال افعل ولا حرج قال الطيبي رحمه الله أفعال يوم النحر أربعة رمي جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة فقيل هذا الترتيب سنة وبه قال الشافعي وأحمد واسحق لهذا الحديث فلا يتعلق بتركه دم وقال ابن جبير أنه واجب وإليه ذهب جماعة من العلماء وبه قال أبو حنيفة ومالك وأولوا قوله ولا حرج على دفع الإثم لجهله دون الفدية ا ه ويدل على هذا أن ابن عباس روى مثل هذا الحديث وأوجب الدم فلولا أنه فهم ذلك وعلم أنه المراد لما أمر بخلافه متفق عليه وفي رواية لمسلم أتاه رجل فقال حلقت قبل أن أرمي قال ارم ولا حرج وأتاه آخر فقال أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال ارم ولا حرج اعلم أن الترتيب بين الرمي والذبح والحلق للقارن والمتمتع واجب عند أبي حنيفة وسنة عندهما وكذا تخصيص الذبح بأيام النحر وأما تخصيص الذب


بالحرم فإنه شرط بالاتفاق فلو ذبح في غير الحرم لا يسقط ما لم يذبح في الحرم والترتيب بين الحلق والطواف ليس بواجب وكذا بين الرمي والطواف فما قيل من أن الترتيب بين الرمي والحلق والطواف واجب فليس بصحيح وعن ابن عباس قال كان النبي يسأل يوم النحر بمنى أي عن التقديم والتأخير فيقول لا حرج فسأله رجل فقال رميت بعدما أمسيت فقال لا حرج أي بعد غروب الشمس قال الطيبي رحمه الله أي بعد العصر وفيه أنه ليس فيه توهم تقصير فإنه جائز بالاتفاق حتى في أول النحر ثم قال وإذا غربت الشمس فإن وقت الرمي ولزمه دم في قول الشافعي ا ه وأما مذهبنا ففي أيام الرمي تفصيل قال شيخ الإسلام في مبسوطه أن ما بعد طلوع الفجر من يوم النحر وقت الجواز مع الإساءة وما بعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة والليل وقت الجواز مع الإساءة قال ابن الهمام رحمه الله ولا بد من كون محل ثبوت الإساءة عدم العذر حتى لا يكون رمي الضعفة قبل طلوع الشمس ورمي الرعاء ليلا يلزمهم الإساءة وكيف بذلك بعد الترخيص ا ه وهو ظاهر في الرعاء وأما في الضعفة فضعيف للحديث الصحيح في حقهم لا ترموا الجمر حتى تطلع الشمس ثم قال ابن الهمام رحمه الله ولو أخره إلى غد رماه وعليه دم عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما ا ه فقوله أمسيت ضد أصبحت على ما في القاموس فظاهره أنه بعد العروب وأما تفسير الطيبي رحمه الله بما بعد العصر فغريب ثم الوقت المسنون في اليومين اللذين بعده بعد الزوال إلى غروب الشمس وما بعد المغرب إلى طلوع الفجر وقت مكروه وإذا طلع الفجر فقد فات وقت الأداء عند الإمام خلافا لهما وبقي وقت القضاء اتفاقا وإذا غربت الشمس من اليوم الرابع فقد فات وقت الأداء والقضاء بالإجماع رواه البخاري
الفصل الثاني


عن علي رضي الله عنه قال أتاه أي النبي رجل فقال يا رسول الله إني أفضت أي طفت طواف الإضافة قبل أن أحلق قال احلق أو قصر أو للتخيير ولا حرج أي لا اثم
ولا فدية وجاء آخر فقال ذبحت قبل أن أرمي قال ارم ولا حرج أي لا إثم ولا فدية على المفرد وأما القارن والمتمتع فليس عليهما الاثم إذا لم يكن عن عمد لكن عليهما الكفارة رواه الترمذي
الفصل الثالث
عن أسامة بن شريك بفتح الشين وكسر الراء قال خرجت مع رسول الله حاجا أي مريد الحج فكان الناس يأتونه فمن قائل يا رسول الله سعيت أي للحج عقيب الإحرام بعد طواف قدوم الآفاقي أو طواف نفل للمكي قبل أن أطوف أي طواف الإفاضة وهو بظاهره يشمل الآفاقي والمكي وهو مذهبنا على اختلاف في أفضلية التقديم والتأخير خلافا للشافعي حيث قيده بالآفاقي أو أخرت شيئا أو قدمت شيئا أي في أفعال أيام منى فكان يقول لا حرج أي لا اثم إلا على رجل الاستثناء يؤيد أن معنى الحرج هو الاثم اقترض بالقاف أي اقتطع عرض مسلم أي نال منه وقطعه بالغيبة أو غيرها وهو أي والحال أن ذلك الرجل ظالم فيخرج جرح الرواة والشهود فإنه مباح فذلك الذي أي الرجل الموصوف حرج بكسر الراء أي وقع منه حرج وهلك أي باد ثم والعطف تفسيري رواه أبو داود وقد جاء في أحاديث أن ستة وثلاثين زنية بالأم في جوف الكعبة أهون من عرض المسلم


باب خطبة يوم النحر
الخطبة المراجعة في الكلام ومنه الخطبة والخطبة لأن الخطبة بالضم مختصة بالموعظة والخطبة بالكسر بطلب المرأة ذكره الطيبي ورمي أيام التشريق عطف على خطبة والتوديع
قال الطيبي رحمه الله عطف على التشريق أي أيام النفر التي تستتبع طواف الوداع ا ه والصواب أنه عطف على رمي أو خطبة فإنه ما وقع طواف وداعه عليه الصلاة والسلام إلا في الليلة التي بعد أيام النفر وللإتفاق على جوازه في أيام النفر وما بعدها بل الأولى عند الكل تأخيره إلى حين خروجه من مكة فلا وجه لتقييده بأيام النفر مع أنه تكرار محض لا إفادة في إعادته


الفصل الأول
عن أبي بكر أي الثقفي قال خطبنا أبي وعظنا النبي يوم النحر يستحب الخطبة عند الشافعي في أول أيام النحر وعندنا في الثاني من أيامه تقييده في الأحاديث الصحيحة يؤيده مذهبنا به واستشكل النووي وما اتفق عليه أصحاب الشافعي من قولهم يسن أن يخطب الإمام أو نائبه الناس بعد صلاة يوم النحر بمنى خطبة فردة يعلم فيها حكم المناسك إلى أن قال فقولهم بعد صلاة الظهر مخالف لما في الأحاديث الصحيحة أنها كانت ضحى ا ه فالصواب أن هذه الخطبة كانت خطبة موعظة وإن الخطبة المعروفة كانت ثاني يوم النحر والله أعلم قال أن الزمان هو اسم لقليل الوقت وكثيره والمراد هنا السنة قد استدار أي دار كهيئة قال الطيبي رحمه الله الهيئة صورة الشيء وشكله وحالته والكاف صفة مصدر محذوف أي استدارة مثل حالته يوم خلق الله السمواات أي وما فيها من النيرين اللذين بهما تعرف الأيام والليالي والسنة والأشهر وفي نسخة كهيئة يوم الإضافة وهو خلاف الرواية والدراية والأرض أي عاد ورجع إلى الموضع الذي ابتدأ منه يعني الزمان في انقسامه إلى الأعوام والأعوام إلى الأشهر عاد إلى أصل الحساب والوضع الذي اختاره الله تعالى ووضعه يوم خلق السمواات والأرض وقال بعض المحققين من علمائنا أي دار الترتيب الذي اختاره الله ووضعه يوم خلق السمواات والأرض وهو أن يكون كل عام اثني عشر شهرا وعاما وثلثة عشر كل شهر ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يوما وكانت العرب في جاهليتهم غيروا ذلك فجعلوا عاما اثني عشر شهرا فإنهم كانوا ينسؤن الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر بعده ويجعلون الشهر الذي أنسؤه ملغى فتصير تلك السنة ثلاثة عشر وتتبدل أشهرها فيحلون


الأشهر الحرم ويحرمون غيرها كما قال تعالى إنما النسىء زيادة في الكفر التوبة الآية فأبطل الله تعالى ذلك وقرره على مداره الأصلي فالسنة التي حج فيها رسول الله حجة الوداع هي السنة التي وصل ذو الحجة إلى موضعه فقال النبي أن الزمان قد استدار كهيئة يعني أمر الله أن يكون ذو الحجة في هذا الوقت فاحفظوه واجعلوا الحج في هذا الوقت ولا تبدلوا شهرا بشهر كعادة أهل الجاهلية ا ه وقال البيضاوي كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخرحتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد ا ه فكأن العرب كانوا مختلفين في النسىء والله تعالى أعلم السنة اثني عشر شهرا جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى قاله الطيبي رحمه الله منها أربعة حرم قال تعالى أي فلا تظلموا فيهن أنفسكم أي قال البيضاوي رحمه الله أي بهتك حرمتها وارتكاب حرامها والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيها منسوخة وأولوا الظلم بارتكابب المعاصي فيهن فإنه أعظم وزرا كارتكابها في الحرم وحال الإحرام وعن عطاء لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم والأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا ويؤيد الأول ما روي أنه حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوال وذي القعدة ثلاث أي ليالي متواليات أي متتابعات قال الطيبي رحمه الله اعتبر ابتداء الشهور من الليالي فحذف التاء والأظهر أنه تغليب لليالي هنا كما في أربعة تغليب للأيام ذو القعدة بفتح القاف ويكسر وذو الحجة بكسر الحاء وقد يحذف منها ذو والمحرم عطف على ذو القعدة كان العرب يؤخرون المحرم إلى صفر مثلا ليقاتلوا فيه وهو النسىء المذكور في القرآن وهكذا كانوا يفعلون في كل سنة فيدور المحرم في جميع الشهور ففي سنة حجة الوداع عاد المحرم إلى أصله قبل فلذلك أخر النبي الحج إلى تلك السنة ا ه لكن يشكل حيث أمر النبي أبا بكر وأمره بالحج قبل حجة الوداع مع أن الحج لا يصح في غير الحجة بالإجماع وقد كتبت في هذه المسألة رسالة مستقلة ثم رأيت ابن حجر رحمه


الله وافقني في هذه القضية حيث قال ومما يتعين اعتقاده أن الحج سنة ثمان التي كان عليها عتاب بن أسيد أمير مكة وسنة تسع التي كان عليها أبو بكر إنما كانت في الحجة وكان الزمان استدار فيهما لاستحالة أمره للناس بالحج في غير الحجة وهذا الحديث لا ينافي ذلك لأن قوله قد استدار صادق بهذه الحجة وما قبلها فتعين حمله على العامين قبلها أيضا كما قطعت به القواعد الشرعية ورجب مضر على وزن عمر غير منصرف قبيلة عظيمة من العرب أضيف إليهم لأنهم كانوا يعظمونه فوق ما يعظمون غيره من الأشهر وكانوا يعظمونه أكثر من سائر العرب ولا يوافقون غيرهم من العرب في استحلاله وهو عطف على ثلاث وأما تعريفه بقوله الذي بين جمادي بضم الجيم وفتح الدال وبعده ألف ورسمه بالياء وشعبان فلإزاحة الارتياب الحادث فيه من النسىء وقال الطيبي رحمه الله لزيادة البيان وقال أي شهر هذا أراد بهذا الاستفهام أن يقرر في نفوسهم حرمة الشهر والبلدة واليوم ليبني عليه ما أراده قلنا الله ورسوله أعلم رعاية للأدب وتحرزا عن التقدم


بين يدي الله ورسوله وتوقفا فيما لا يعلم الغرض من السؤال عنه فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس أي هذا الشهر أو اسمه ذا الحجة قال أي بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال بلا فاء أليس أي البلد البلدة قال الطيبي رحمه الله غلبت البلدة على مكة كالبيت على الكعبة ا ه وقال بعضهم أي البلدة التي تعلمونها مكة وقيل هي اسم مكة ا ه والأظهر أن المراد بالبلد الأرض بقرينة الإشارة بهذا في منى والبلدة وإن كانت اسم مكة لكن قد تطلق ويراد بها أرض الحرم كلها من باب طلاق الجزء وإرادة الكل ومنه قوله تعالى أي إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها أي ولا شك أن التحريم يعم مواضع الحرم كلها قلنا بلى قال فأي يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس أي هذا اليوم يوم النحر قلنا بلى ولعل فائدة السؤال على هذا المنوال مع تكرر الحال ليكون أوقع في القلب وأحفظ في النفس قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم أي تعرضكم لبعضكم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم العرض بالكسر موضع المدح والذم من الانسان سواء كان في نفسه أو سلفه عليكم حرام أي محرم حرمة شديدة كحرمة يومكم هذا والمشبه به قد لا يكون أقوى بأن يكون أشهر وأظهر وكان كذلك سنة أهل الجاهلية في بلدكم هذا قالمعصية به عظيمة كما قال ابن عباس رضي الله عنه وجمع من أتباعه بمضاعفة السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات بها لكن المعتمد أن السيئة بها تضاعف كيفية لا كمية لئلا يخالف حصر قوله ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها الأنعام وأما قوله تعالى ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم الحج فلا يصلح دليلا للتعدد الذي ادعوه بل للعظم الذي ذكرته في شهركم هذا إنما شبهها في الحرمة بهذه الأشياء لأنهم كانوا لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها بحال وستلقون ربكم أي يوم القيامة فيسألكم عن أعمالكم أي القليلة


والكثيرة ألا للتنبيه فلا ترجعوا بعدي أي لا تصيروا بعد وفاتي ضلالا بضم الضاد وتشديد اللام جمع ضال قال الطيبي رحمه الله ويروي كفارا أي مشبهين بهم في الأعمال يضرب بعضكم رقاب بعض استئناف مبين أو حال وفي نسخة بالجزم على جواب النهي ألا للتنبيه هل بلغت بتشديد اللام أي أعلمتكم ما أنزل إلي من ربي قالوا نعم قال اللهم أشهد أي لي وعليهم فليبلغ بالتشديد ويخفف أي ليخبر الشاهد أي الحاضر الغائب أي حقيقة أو حكما فرب مبلغ بتشديد اللام المفتوحة أي من


يبلغه الحديث أوعى أي أحفظ لمبناه وأفهم لمعناه من سامع فيه تسلية للغائبين وتقوية للتابعين وإيماء إلى أن باب الله مفتوح للسالكين ولا يطرد عن بابه ألا الهالكون متفق عليه وعن وبرة بفتحات وقيل بسكون الموحدة واقتصر عليه المؤلف وهو ابن عبد الرحمان تابعي قال سألت ابن عمر متى أرمي الجمار أي في اليوم الثاني وما بعده قال إذا رمى أمامك أي اقتد في الرمي بمن هو أعلم منك بوقت الرمي قاله الطيبي رحمه الله ويؤيده ما قال بعضهم من تبع عالما لقي الله سالما وأما قول ابن حجر أي الإمام الأعظم إن حضر الحج وإلا فأمير الحج ففيه إنهم لا يجوز الاقتداء بهم في زماننا فارمه بهاء الضمير أو السكت وعلى الأول تقديره ارم موضع الجمرة أو ارم الرمي أو الحصى فأعدت عليه المسئلة أردت تحقيق وقت رمي الجمرة فقال كنا نتحين أي نطلب الحين والوقت قال الطيبي رحمه الله أي نطلب الحين والوقت قال الطيبي رحمه الله أي ننتظر دخول وقت الرمي فإذا زالت الشمس رمينا بلا ضمير أي الجمرة وفي نسخة رميناه أي الحصى وفي رواية ابن ماجه تصريح بأنه بعد صلاة الظهر وهو الأنسب بتقديم الأهم فالأهم والله تعالى أعلم رواه البخاري وعن سالم عن ابن عمر أي أبيه أنه كان يرمي جمرة الدنيا أي البقعة القربى وهي الجمرة الأولى لأنها الأولى لأنها أقرب إلى منازل النازلين عند مسجد الخيف وهناك كان مناخ النبي بسبع حصيات في كل يوم من أيام التشريق يكبر على أثر كل حصاة بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما أي عقيب كل واحدة من الحصى وفي رواية مع كل حصاة وفي رواية عند كل حصاة وهو أعم والمراد بالمعية خروج الجمرة من اليد فهو مع الرمي باعتبار الابتداء أو أثره باعتبار الانتهاء قال ابن الهمام رحمه الله كذا روي عن ابن مسعود وابن عمر وكذا في حديث جابر وغيره وظاهر المرويات من ذلك الاقتصار على الله أكبر يعني وفي بعضها زيادة بسم الله وفي بعضها رغما للشيطان ورضا للرحمان اللهم اجعله حجا


مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا ثم يتقدم أي يذهب قليلا من ذلك الموضع حتى يسهل بضم الياء
وكسر الهاء أي يدخل المكان السهل وهو اللين ضد الحزن بفتح الحاء وسكون الزاي أي الصعب فيستقبل القبلة وفي نسخة صحيحة فيقوم مستقبل القبلة أي حال كونه مقابل الكعبة وفي التعبير بالقبلة إشعارا باعتبار الجهة ثم قوله فيقوم مرفوع عطفا على يتقدم طويلا أي قياما أو زمانا طويلا وهما متلازمان ويدعو أي قدر سورة البقرة رواه البخاري ويرفع يديه خلافا لمالك ثم يرمي الوسطى أي الجمرة التي بين الأولى والأخرى بسبع حصيات قال ابن الهمام هل هذا الترتيب متعين أو أولى مختلف فيه والذي يقوى عندي استنان الترتيب لا تعيينه والله سبحانه وتعالى أعلم أقول والأحوط مراعاة الترتيب لأنه واجب عند الشافعي وغيره ثم الظاهر أن الموالاة سنة كما في الوضوء أو واجب وفق مذهب مالك رحمه الله هنالك يكبر كلما رمى بحصاة ظاهرة تأخير التكبير عن الرمي لكن يؤول بما تقدم ثم يأخذ بذات الشمال فيسهل أي يذهب على شمال الجمرة الوسطى حتى يصل إلى موضع سهل ويقوم مستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا كما تقدم ثم يرمي جمرة ذات العقبة بإضافة الجمرة من بطن الوادي بسبع حصيان في الهداية لو رماها من فوق العقبة أجزأه إلا أنه خلاف السنة قال ابن الهمام ففعله عليه الصلاة والسلام من أسفلها سنة لا أنه المتعين ولذا ثبت رمي خلق كثير من الصحابة من أعلاها ولم يأمرهم بالإعادة ولا أعلنوا بالنداء بذلك في الناس كما في الصحيح عن ابن مسعود أنه رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة فقيل له أن ناسا يرمونها من فوقها فقال عبد الله هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة وكان وجه اختياره عليه الصلاة والسلام لذلك هو وجه اختياره حصى الحذف فإنه يتوقع الأذى إذا رموا من أعلاها لمن أسفلها فإنه لا يخلو من مرور الناس فيصيبهم بخلاف الرمي من أسفل مع


المارين من فوقها ا ه ويؤيده جواز الرمي من جوانب سائر الجهات معع أنه عليه الصلاة والسلام ما رمى إلا من جهة واحدة يكبر عند كل حصاة ولا يقف أي للدعاء عندها قال ابن الهمام رحمه الله ولم تظهر حكمة تخصيص الوقوف والدعاء بغيرها من الجمرتين فإن تخايل أنه في اليوم الأول لكثرة ما عليه من الشغل كالذبح والحلق والإفاضة
إلى مكة فهو منعدم فيما بعده من الأيام إلا أن يكون كون الوقوف يقع في جمرة العقبة في الطريق فيوجب قطع سلوكها على الناس وشدة ازدحام الواقفين ويقضي ذلك إلى ضرر عظيم بخلافه في باقي الجمار فإنه في نفس الطريق بل بمعزل معتصم عنه ثم ينصرف أي ابن عمر فيقول هكذا رأيت النبي يفعله رواه البخاري رحمه الله تعالى وعن ابن عمر قال استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته أي التي بالمسجد الحرام المملؤة من ماء زمزم المندوب الشرب منها عقب طواف الإفاضة وغيره إذا لم يتيسر الشرب من البئر للخلق الكثير وهي الآن بركة وكانت حياضا في يد قصى ثم منه لابنه عبد مناف ثم منه لابنه هاشم ثم منه لابنه عبد المطلب ثم منه لابنه العباس ثم منه لابنه عبد الله ثم منه لابنه علي وهكذا إلى الآن لكن لهم نواب يقومون بها قالوا وهي لآل عباس أبدا فأذن له متفق عليه قال بعض علمائنا يجوز لمن هو مشغول بالاستقاء من سقاية العباس لأجل الناس أن يترك المبيت بمنى ليالي منى ويبيت بمكة ولمن له عذر شديد أيضا ا ه فأشار إلى أنه لا يجوز ترك السنة إلا بعذر ومع العذر ترتفع عنه الإساءة وأما عند الشافعي فيجب المبيت في أكثر الليل ومن الأعذار الخوف على نفس أو مال أو ضياع مريض أو حصول مرض له يشق معه المبيت مشقة لا تحتمل عادة وعن ابن عباس أن رسول الله جاء إلى السقاية أي سقاية الحاج المذكور في القرآن فاستسقى أي طلب الماء بلسان القال أو بيان الحال فقال العباس يا فضل اذهب إلى أمك فات رسول الله بشراب أي ماء خالص خاص ما


وصله استعمال من عندها فقال أي النبي اسقني بهمزة وصل أو قطع أي من هذا الماء الحاضر في السقاية فقال أي العباس يا رسول الله إنهم أي الناس يجعلون أيديهم فيه أي في هذا الماء والغالب عليهم عدم النظافة قال اسقني فشرب منه ويوافقه ما روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يحب الشرب
من فضل وضوء الناس تبركا به وروى الدارقطني في الافراد من طريق ابن عباس مرفوعا عن أنس من التواضع أن يشرب الرجل من سؤر أخيه وأما حديث سؤور المؤمن شفاء فغير معروف ثم أتى زمزم وهم يسقون أي الناس عليها ويعملون أي يكدحون فيها أي بالجذب والصب فقال اعملوا فإنكم على عمل أي قائمون أو ثابتون أي تسعون على عمل صالح أي خير لأن خير الناس أنفعهم للناس ثم قالوا لولا أن تغلبوا أي لولا كراهة أن يغلبكم الناس ويأخذوا هذا العمل الصالح من أيديكم لنزلت أي عن ناقتي حتى أضع بالنصب والرفع الحبل على هذه وأشار إلى عاتقة وهو أحد طرفي رقبته رواه البخاري وفي مسند أحمد ومعجم الطبراني عن ابن عباس قال جاء النبي إلى زمزم فنزعنا له دلوا فشرب ثم مج فيها ثم أفرغناها في زمزم ثم قال لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي وفي رواية عن عطاء أنه لما أفاض نزع بالدلو أي من زمزم ولم ينزع معه أحد فشرب ثم أفرغ باقي الدلو في البئر ووجه الجمع لا يخفى وعن أنس أن النبي صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة أي نام نومة خفيفة بالمحصب بفتح الصاد المشددة تنازع في الجار والمجرور ورقد وهو في الأصل كل موضع كثر معصاؤه والمراد الشعب الذي أحد طرفيه منى والآخر متصل بالأبطح وينتهي عنده ولذلك لم يفرق الراوي بينهما فروى في هذا الحديث أنه صلى بالمحصب وفي حديثه الآخر أنه صلى بالأبطح ويقال له البطحاء قال ابن الهمام قال في الإمام وهو موضع بين مكة ومنى وهو إلى منى أقرب وهذا لا تحديد فيه أي لا تحقيق له وقال غيره هو فناء مكة حده ما بين الجبلين المتصلين بالمقابر إلى الجبال المقابلة


لذلك مصعدا في الشق الأيسر وأنت ذاهب إلى منى مرتفعا من بطن الوادي وليست المقبرة من المحصب ويسمى أيضا خيف بني كنانة وأصل الخيف معناه سفح الجبل مطلقا ثم ركب أي من المحصب متوجها إلى البيت فطاف به أي طواف الوداع يحتمل راكبا وماشيا رواه البخاري قال الطيبي رحمه الله التحصيب هو أنه إذا نفر من مني إلى مكة للتوديع ينزل بالشعب الذي يخرج به إلى الأبطح ويرقد
فيه ساعة من الليل ثم يدخل مكة وكان ابن عمر يراه سنة وهو الأصح قال ابن الهمام يحترز به عن قول من قال لم يكن قصدا فلا يكون سنة لما أخرج البخاري عن ابن عباس قال ليس لتحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله وأخرج مسلم عن أبي رافع مولى رسول الله قال لم يأمرني رسول الله أن أنزل الأبطح حين خرج من مني ولكن جئت وضربت قلت قبته فجاء فنزل ووجه المختار ما أخرجه الجماعة من أسامة بن زيد قال يا رسول الله أين تنزل غدا في حجتك فقال هل ترك لنا عقيل منزلا ثم قال نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث تقاسمت قريش على الكفر يعني المحصب الحديث وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله ونحن بمنى نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر وذلك إن قريشا وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله يعني بذلك المحصب ا ه فثبت بهذا أنه نواه قصدا ليرى لطيف صنع الله به وليتذكر فيه نعمه سبحانه عليه عند مقايسته نزوله به الآن إلى حاله قبل ذلك أعني حال انحصاره من الكفار في ذات الله تعالى وهذا أمر يرجع إلى معنى العبادة ثم هذه النعمة التي شملته عليه الصلاة والسلام من النصر والاقتدار على إقامة التوحيد وتقرير قواعد الوضع الإلهي الذي دعا الله تعالى إليه عباده لينتفعوا به في دنياهم ومعادهم لا شك في أنها النعمة العظمى على أمته لأنهم مظاهر المقصود من ذلك المؤيد وكل واحد منهم جدير بتفكرها والشكر التام عليها لأنه عليه أيضا


فكان سنة في حقهم لأن معنى العبادة في ذلك يتحقق في حقهم أيضا وعن هذا حصب الخلفاء الراشدون أخرج مسلم عن ابن عمر أن النبي وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح وأخرج عنه أيضا أنه كان يرى التحصيب سنة وكان يصلي الظهر يوم النفر بالمحصب قال نافع قد حصب رسول الله والخلفاء بعده ا ه وعلى هذا الوجه لا يكون كالرمل ولا على الأول لأن الآراء لم يلزم أن يراد بها إرآة المشركين ولم يكن بمكة مشرك عام حجة الوداع بل المراد المسلمين الذين كان لهم علم بالحال الأول وعن عبد العزيز بن رفيع بضم الراء وفتح الفاء أسدى مكي سكن الكوفة وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم ذكره المؤلف قال سألت أنس بن مالك قلت بدل من سألت أو بيان أخبرني بشيء عقلته بفتح القاف أي علمته وحفظته عن رسول الله أيم صلى الظهر يوم التروية أي اليوم الثامن قال بمنى قال فيه التفات إذ حقه أن يقول قلت فأين


صلى العصر يوم النفر أي الثاني وهو اليوم الثالث من أيام التشريق قال بالأبطح المتبادر من هذا الحديث إنه عليه الصلاة والسلام أول صلاة صلاها في الأبطح هو العصر وحديث أنس السابق عليه صريح في إنه الظهر لكنه مخالف له أنه في تقديم الظهر على الرمي في سائر الأيام ولا شك أن رميه عليه الصلاة والسلام كان بعد تحقق الزوال وإن جوز أبو حنيفة رحمه الله في اليوم الرابع من أول النهار مع أنه مكروه عنده وغير جائز عندسائر العلماء ولا يبعد أن يقال الحكمة في تأخير ظهره حين نفره إظهار الرخصة بعد بيان العزيمة والإيماء إلى السرعة الجامعة بين نوع من التعجيل والتأخير في الأية اللامعة ثم قال أي أنس افعل كما يفعل أمراؤك أي لا تخالفهم فإن نزلوا به فانزل به وإن تركوه فاتركه حذرا مما يتولد على المخالفة من المفاسد فيفيد أن تركه لعذر لا بأس به لا كما قال ابن حجر رحمه الله يعني ما ذكره من رسول الله ليس بنسك من المناسك حتى وجب عليك فعله نعم غير واجب اجماعا وإنما الخلاف في كونه سنة أم لا متفق عليه وعن عائشة قالت نزول الأبطح أي النزول فيه ليس بسنة أي قصدية أو من سنن الحج بدليل الرواية الأخرى الصحيحة عنها ليس من المناسك ويمكن أن يكون مرادها ليس من الواجبات أو من السنن المؤكدات إنما نزله رسول الله لأنه كان أسمح أي أسهل لخروجه أي إلى المدينة إذا خرج أي إذا أراد الخروج وقيل أسهل لخروجه وقت الخروج من منى إلى مكة لطواف الوداع وقال الطيبي رحمه الله لأنه كان يترك فيه ثقله ومتاعه أي كان نزوله بالأبطح ليترك ثقله ومتعاعه هناك ويدخل مكة فيكون خروجه منها إلى المدينة أسهل ا ه وفيه إنه ما ينافيه قصد النزول به للمعنى الذي ذكره ابن الهمام متفق عليه ورواه الأربعة وقد وافقها ابن عباس على ذلك لكنه عبر بأنه ليس بشيء ذكره ابن حجر رحمه الله لكن المعنى ليس بشيء من المناسك أو ليس بشيء يلزم وخالفهما في ذلك ابن عمر فكان يراه سنة ويستدل


بأنه وأبا بكر وعمر ينزلون به وعنها أي عن عائشة قالت أحرمت من التنعيم بعمرة فدخلت أي مكة
فقضيت عمرتي أي العمرة التي تحللت منها بسبب حيضها وانتظرني بالنون وفي نسخة ابن حجر باللام وهو مخالف للأصول المعتمدة مع احتياجه إلى تأويل انتظر لأجلي رسول الله بالأبطح حتى عرفت أي من العمرة فأمر الناس بالرحيل فخرج أي من الأبطح فمر بالبيت فطاف به أي طواف الوداع قبل صلاة الصبح ثم خرج إلى المدينة يحتمل أن يكون قبل الصلاة أو بعدها هذا الحديث ما وجدته برواية الشيخين أي أحدهما بل أي وجدته برواية أبي داود مع اختلاف يسير أي بينه وبين رواية المصابيح في آخره ففيه اعتراضان على صاحب المصابيح حيث ذكر الحديث في الفصل الأول وحيث خالف لفظ أبى داود والله تعالى أعلم وعن ابن عباس قال كان الناس أي بعد حجهم ينصرفون في كل وجه أي طريق طائفا وغير طائف فقال رسول الله لا ينفرن أحدكم أي النفر الأول والثاني أو لا يخرجن أحدكم من مكة والمراد به لآفاقي حتى يكون آخر عهده بالبيت أي بالطواف كما رواه أبو داود قال الطيبي رحمه الله دل على وجب طواف الوداع وخالف فيه مالك ألا أنه خفف بصيغة المجهول أي طواف الوداع عن الحائض وفي معناها النفساء وعلى هذا الاستثناء اتفاق العلماء متفق عليه قال ابن الهمام طواف الوداع واجب ويستحب أن يجعله آخر طوافه في الكافي للحاكم ولا بأس بأن يقيم بعد ذلك ما شاء ولكن الأفضل من ذلك أن يكون طوافه حين يخرج وعن أبي يوسف والحسن إذا اشتغل بعده بعمل مكة يعيد للصدر وإنما به إذا فعله حين يصدر وأجيب بأنه قدم مكة للنسك فحين تم فراغه منه جاء أوان السفر فطوافه حينئذ يكون له إذا لحال أنه على عزم الرجوع نعم روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا طاف للصدر ثم أقام إلى العشاء أحب أن يطوف طوافا آخر كيلا يكون بين طوافه ونفره حائل لكن هذا على وجه الاستحباب لمفهوم الاسم عقيب ما أضيف إليه وليس ذلك بحتم إذ لا يستغرب في العرف


تأخير السفر عن الوداع بل قد يكون ذلك وليس على أهل مكة ومن كان داخل الميقات وكذا من اتخذ مكة دار ثم بدا له الخروج ليس عليهم طواف صدر وكذا فائت الحج لأن العود مستحق عليه ولأنه صار كالمعتمر وليس على المعتمر طواف الصدر ذكره في
التحفة في اثباته على المعتمر حديث ضعيف رواه الترمذي وفي البدائع قال أبو يوسف أحب إلي أن يطوف المكي طواف الصدر لأنه وضع لختم أفعال الحج وهذا المعنى يوجد في أهل مكة وعن عائشة رضي الله عنها قالت حاضت صفية أي إحدى أمهات المؤمنين وهي بنت حي بن أخطب اليهودي الخيبري من بني إسرائيل من سبطا هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام ليلة النفر أي ليلة يوم النفر لأن النفر لم يشرع في تلك الليلة بل في يومها والنفر يحتمل الأول والثاني وجزم ابن حجر فتدبر فقالت أي صفية للنبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من أهل بيته الكرام ما أراني بضيغة المجهول من الآراء أي ما أظن نفسي إلا حابستكم بكسر الباء وفتح التاء نصبا على المفعولية وفي نسخة بصيغة المتكلم أي ما نعتكم عن الخروج إلى المدينة بل تنتظرون إلى أن أطهر فأطوف طواف الوداع ظنا منها أن طواف الوداع كطواف الإفاضة لا يجوز تركه بالأعذار ولما ظن النبي حين بلغه حديثها إنها قالت قولها لأنها لم تطف للزيارة قال النبي عقرى حلقي قال الطيبي رحمه الله هكذا روى على وزن بلا تنوين والظاهر عقر وحلقا بالتنوين أي عقرها الله عقرا وحلقها الله خلقا يعني قتلها وجرحها أو أصاب حلقها بوجع وهذا دعاء لا يراد وقوعه بل عادة العرب التكلم بمثله على سبيل التلطف وقيل هما صفتان للمرأة يعني أنها تحلق قومها وتعقرهم أي تستأصلهم من شؤمها ا ه وقيل أنهما صدران والعقر الجرح والقتل وقطع العصب والحلق إصابة وجع في الحلق أو الضرب على الحلق أو الحلق في شعر الرأس لأنهن يفعلن ذلك عند شدة المصيبة وحقهما أن ينونا لكن أبدل التنوين بالألف إجراء للوصل والمجرى الوقف ا ه وفيه أنه لا


يساعده رسمها بالياء وقيل أنهما تأنيث فعلان أي جعلها عقرى أي عاقر أي عقيما وحلقي أي جعلها صاحبة وجع الحلق ثم هذا وأمثال ذلك مثل تربت يداه وثكلته أمه مما يقع في كلامهم للدلالة على تهويل الخبر وإن ما سمعه لا يوافقه لا للقصد إلى وقوع مدلوله الأصلي والدلالة على التماسه أطافت أي صفية يوم النحر أي طواف الإفاضة ولما أعرض عنها وسأل من غيرها ظنا منها أنها قصرت في تأخير طواف فرضها قيل نعم في جوابه ثم لما التفت إليها حين تبين عدم تقصيرها قال إذا كنت طفت طواف الإفاضة فانفري بكسر الفاء أي اخرجي إلى المدينة من غير طواف الوداع فإن وجوبه ساقط بالعذر متفق عليه

الفصل الثاني


عن عمرو بن الأحوص قال سمعت رسول الله يقول في حجة الوداع أي يوم النحر كما سبق أي يوم هذا قالوا يوم الحج الأكبر قال تعالى وأذان من الله ورسوله إلى الناس أي أعلام يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله التوبة قال البيضاوي أي يوم العيد لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله ولأن الإعلام كان فيه ولما روى أنه عليه الصلاة والسلام وقف يوم النحر عند الجمران في حجة الوداع فقال هذا يوم الحجر الأكبر وقيل يوم عرفة لقوله عليه الصلاة والسلام الحج عرفة ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة الحج الأصغر أو لأن المراد بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله فإنه أكبر من باقي الأعمال أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده أعياد أهل الكتاب أو لأنه ظهر في عز المسلمين وذل المشركين ا ه وقال ابن عباس رضي الله عنه هو يوم عرفة إذ من أدرك عرفة فقد أدرك الحج أو يسمى بالحج الأكبر لأنه أكبر من يوم الجمعة وهو حج المساكين وقيل هو الذي حج فيه رسول الله لأنه اجتمع فيه حج المسلمين ذكره ابن الملك أو لأنه وافق يوم عرفة يوم الجمعة وهو المشتهر بالحج الأكبر الذي ورد في حقه أن حجة كسبعين حجة وفيه كتبت رسالة مستقلة أو لأن ذلك الحج لم يكن فيه إلا المسلمون ثم قولهم يوم الحج الأكبر بظاهره ينافي جوابهم السابق والله ورسوله أعلم ولعل هذا في يوم آخر من أيام النحر أو أحد الجوابين صدر عن بعضهم قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم احتراز عن الحقوق الشرعية حرام أي محرم ممنوع كحرمة يومكم هذا في بلدكم أي حرمكم هذا ولعل ترك الشهر اقتصار من الراوي إلا للتنبيه لا يجني جان على نفسه أي لا يظلم أحد على أحد نحو لا تقتلوا أنفسكم أي لا يقتل بعضكم بعضا وقيل معناه لا تقتلوا أنفسكم كما صدر عن بعض الجهلة وهو نفي معناه نهى نحو قوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون الواقعة كما ذكره المفسرون ونظيره الدعاء بغفر الله له ورحمه ونحوه فإنه أبلغ من


أغفره وأرحمه قال الطيبي خبر في معنى النهي ليكون أبلغ يعني كأنه نهاه فقصد أن
ينتهي فأخبر به والمراد الجناية على الغير إلا أنها لما كانت سببا للجناية على نفسه أنذرها في صورتها ليكون أدعى إلى الامتناع ويدل على ذلك أنه روي في بعض طرق الحديث إلا على نفسه وحينئذ يكون خبرا بحسب المعنى أيضا إلا للتنبيه لا يجنى على ولده ولا مولود على والده يحتمل أن يكون المراد النهي عن الجناية عليه لاختصاصها بمزيد قبح وأن يكون المراد تأكيدا لا يجني جان على نفسه فإن عادتهم جرت بأنهم يأخذون أقارب الشخص بجنايته والحاصل أن هذا ظلم يؤدي إلى ظلم آخر والأظهر أن هذا نفي فيوافق قوله تعالى ولا تز وازرة وزر أخرى الإسراء وإنما خص الولد والوالد لأنهما أقرب الأقارب فإذا لم يؤاخذ بفعله فغيرهما أولى وفي رواية لا يؤخذ الرجل بجريمة أبيه وضبط بالوجهين ألا وإن الشيطان وهو إبليس الرئيس أو الجنس الخسيس قد يئس وفي نسخة أيس أي قنط أن يعبد أي من أن يطاع في عبادة غير الله تعالى لأنه لم يعرف أنه عبده أحد من الكفار في بلدكم هذا أو مكة أبدا أي علانية إذ قد أتي الكفار مكة خفية ولكن ستكون له طاعة أي انقياد أو طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم أي من القتل والنهب ونحوهما من الكبائر وتحقير الصغائر فسيرضى بصيغة المعلوم وفي نسخة بالمجهول أي الشيطان به أي بالمحتقر حيث لم يحصل له الذنب الأكبر ولهذا ترى المعاصي من الكذب والخيانة ونحوهما توجد كثيرا في المسلمين وقليلا في الكافرين لأنه يد رضي من الكفار بالكفر فلا يوسوس لهم في الجزئيات وحيث لا يرضى عن المسلمين بالكفر فيرميهم في المعاصي وروى عن علي رضي الله عنه الصلاة التي ليس لها وسوسة إنما هي صلاة اليهود والنصارى ومن الأمثال لا يدخل اللص في بيت إلا فيه متاع نفيس وقال الطيبي رحمه الله قوله فيما تحتقرون أي مما يتهجس في خواطركم وتتفوهون عن هناتكم وصغائر ذنوبكم فيؤدي ذلك إلى هيج الفتن والحروب كقوله


إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم رواه ابن ماجه والترمذي وصححه وعن رافع بن عمر والمزني نسبة إلى قبيلة مزينة بضم الميم وفتح الزاي قال رأيت رسول الله يخطب الناس بمنى أي أول النحر بقرينة قوله حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء أي بيضاء يخالطها قليل سواد ولا ينافيه حديث قدامه رأيت النبي يرمي الجمرة
يوم النحر على ناقة صهباء وعلي يعبر عنه أي يبلغ حديثه من هو بعيد من النبي فهو رضي الله عنه وقف حيث يبلغه صوت النبي ويفهمه فيبلغه للناس ويفهمهم من غير زيادة ونقصان وأما قول ابن حجر بزيادة بيان فليس في محله والناس بين قائم وقاعد أي بعضهم قاعدون وبعضهم قائمون وهم كثيرون حيث بلغوا مائة ألف وثلاثين ألفا رواه أبو داود وعن عائشة وابن عباس أن رسول الله أخر طواف الزيارة أي جوز تأخيره يوم النحر إلى الليل إما مطلقا أو للنساء لما ثبت أنه أفاض يوم النحر ثم صلى الظهر بمكة أو منى قال الطيبي رحمه الله أول وفته عند الشافعي بعد نصف الليل ليلة العيد وعند غيره بعد طلوع فجر العيد وآخره متى طاف جاز ا ه لكن يجب عند أبي حنيفة أن يقع في أيام النحر فإن أخره عنها لزمه دم رواه الترمذي وحسنه أبو داود وابن ماجه وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي لم يرمل بضم الميم في السبع الذي أفاض فيه أي في طواف الزيارة لتقدم السعي عليه رواه أبو داود وابن ماجه وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال إذا رمى أحدكم جمرة العقبة أي وحلق أو قصر فقد حل له كل شيء إلا النساء بالنصب على الاستثناء أي جماعهن قال الشافعي رحمه الله نكاحهن رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بسنده وقال اسناده ضعيف


وفي رواية أحمد والنسائي عن ابن عباس بسند صحيح موقوفا ومرفوعا قال إذا رمى الجمرة أي جمرة العقبة وحلق ولو قبل الذبح فقد حل له كل شيء إلا النساء أي جماعهن بالإجماع حتى يطوف الإفاضة ولو قبل السعي عندنا خلافا للشافعي قال ابن الهمام وأخرج ابن أبي شيبة ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها الحديث ورواه أبو داود بسند فيه الحجاج بن أرطأة والدارقطني بسند آخر هو فيه أيضا وقال إذا رميتم وحلقتم وذبحتم وقال لم يروه إلا الحجاج بن أرطأة وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت طيبت رسول الله لإحرامه قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك فلا يعارضه ما استدل لمالك بحديث رواه الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن الزبير قال من سنة الحج إن رمي جمرة الكبرى حل له كل شيء إلا النساء والطيب حتى يزور البيت وقال على شرطهما ا ه وإن كان قول الصحابي من السنة حكمه الرفع وكذا ما عن عمر بطريق منقطع أنه قال إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم ما حرم إلا النساء والطيب ذكره وانقطاعه في الإمام كذا حققه ابن الهمام ثم قال ولا يخفى أن ما ذكرناه من السمعيات يفيد أنه أي الرمي هو السبب للتحلل الأول وعن هذا نقل عن الشافعي رحمه الله إن الحلق ليس بواجب والله تعالى أعلم وهو واجب عندنا لأن التحلل الواجب لا يكون إلا به ويحملون ما ذكرنا على إضمار الحلق أي إذا رمى وحلق جمعا بينه وبين ما في بعض نسخ ما ذكرناه من عطفه على الشرط وفي رواية الدارقطني لقوله تعالى ثم ليقضوا تفثهم الحج وهو الحلق واللبس على ما عن ابن عمر وقول أهل التأويل أنه الحلق وقص الأظفار وقوله تعالى لتدخلن المسجد لحرام إن شاء الله آمنين محلقين الفتح الآية أخبر بدخولهم محلقين فلا بد من وقوع التحليق وإن لم يكن حالة الدخول في العمرة لأنها حال مقدرة ثم هو مبني على اختيارهم فلا بد من الوجوب الحامل على الوجود فيوجد المخبر به ظاهرا وغالبا ليطابق


الأخبار غير أن هذا التأويل ظني فيثبت به الوجوب لا القطع وأما قول ابن حجر يسن تأخير الوطء عن أيام التشريق على ما قالوه ففيه نظر ظاهر لقوله عليه الصلاة والسلام أيام منى أيام أكل وشرب وبعال أي جماع وعنها أي عن عائشة قالت أفاض رسول الله من آخر يومه أي طاف
للزيارة في آخر يوم النحر وهو أول أيام النحر حين صلى الظهر فيه دلالة على أنه صلى الظهر بمنى ثم أفاض وهو خلاف ما ثبت في الأحاديث لاتفاقها على أنه صلى الظهر بعد الطواف مع اختلافها أنه صلاها بمكة أو منى نعم لا يبعد أن يحمل على يوم آخر من أيام النحر بأن صلى الظهر بمنى ونزل في آخر يومه مع نسائه لطواف زيارتهن وأغرب الطيبي رحمه الله في قوله حين صلى الظهر لا بد من تقدير والعصر معا في يوم عرفة ووقف ثم أفاض من آخر يومه يدل عليه حديث حجة الوداع كما سبق ا ه وبعده حيث ليس هذا في محله لا يخفى بل لا يصح كما يعلم بأدنى تأمل على ما ذكره ابن حجر لقولها ثم رجع إلى منى فمكث بفتح الكاف وضمها أي لبث وبات بها أي بمنى ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بالنصب على البدلية وبالرفع على الابتدائية بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى أي أولى الجمرات الثلاث والثانية وهي الوسطى فيطيل القيام للأذكار من التكبير والتوحيد والتسبيح والتحميد والاستغفار والتمجيد ويتضرع أي إلى الله بأنواع الدعوات وعرض الحاجات ويرمي الثالثة وهي جمرة العقبة فلا يقف عندها أي للدعاء لأنه لا يدعو عندها أو بعدها ولعل ذلك لضيق المقام وازدحام الأنام وإلا فالدعاء أنسب بعد الاختتام وأغرب ابن حجر رحمه الله بقوله تفاؤلا بقبول الوقوفين الأولين رواه أبو داود قال المنذري حديث حسن رواه ابن حبان في صحيحه ذكره ابن الهمام وعن أبي البدح بفتح الموحدة فتشديد الدال وبالحاء المهملتين ابن عاصم بن عدي عن أبيه أي عاصم قال الطيبي رحمه الله الصحيح أنه صحابي يروي عن أبيه وقال المؤلف قد


اختلف في اسمه فقيل أن اسمه عاصم بن عدي وقيل هو ابن عاصم بن عدي وأبو البداح لقب غلب عليه وإنما كنيته أبو عمرو وقد اختلف في صحبته فقيل له إدراك وقيل أن الصحبة لأبيه وليبست له صحبة والصحيح أنه صحابي قاله ابن عبد البر قال رخص رسول الله لرعاء الإبل بكسر الراء والمد جمع راع أي لرعاتها في البيتوتة أي في تركها أن يرموا أي جمرة العقبة يوم النحر أي في أول أيامه ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرموه أي رمي اليومين في أحدهما
أي في أحد اليومين لأنهم مشغولون برعي الإبل قال الطيبي رحمه الله أي رخص لهم أن لا يبيتوا بمنى ليالي أيام لتشريق وأن يرموا يوم العيد جمرة العقبة فقط ثم لا يرموا في الغد بل يرموا بعد الغد رمي اليومين القضاء والأداء ولم يجوز الشافعي رحمه الله ومالك رحمه الله أن يقدموا الرمي في الغد ا ه وهو كذلك عند أئمتنا رواه مالك والترمذي والنسائي وغيرهم وقال الترمذي هذا حديث صحيح وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام رخص لرعاء الإبل أن يتركوا المبيت بمنى وأن يرموا يوما ويدعوا يوما ثم يتداركونه


باب ما يجتنبه المحرم
أي من المحظورات يعني وما لا يجتنبه من المباحات
الفصل الأول
وعن عبد الله بن عمر أن رجلا سأل رسول الله ما يلبس المحرم من لبس بكسر الباء يلبس بفتحها لبسا بضم اللام لا من ليس بفتح الباء يلبس بكسرها لبسا بالفتح فإنه بمعنى الخلط ومنه قوله تعالى ولا تلبسوا الحق بالباطل البقرة وإنما ذكرته مع كمال وضوحه لأن كثيرا من الطلبة لا يفرقون بينهما فيقعون في اللبس للالتباس قال الطيبي رحمه الله أي عما يلبس أو عن رسول الله فإن سأل يتعدى إلى الثاني بعت وإلى الأول بنفسه وقد ينعكس والأول أشهر وأكثرا وقوله تعالى يسألونك عن الأهلة البقرة وعن المحيض البقرة و عن الأنفال الأنفال ويجوز أن يكون ما استفهامية أي سألته ما هذه المسألة ومنه قوله تعالى يسألونك ماذا ينفقون من الثياب


أي من أنواع الثياب وهو بيان والمعنى سئل عما يحل للمحرم من اللباس وما يحرم فقال لا تلبسوا أي أيها المحرمون أومريدو الإحرام من الرجال القمص بضمتين جمع قميص قال الطيبي رحمه الله أجاب بما يحرم ليسه لأنه منحصر ولا العمائم جمع العمامة بكسر العين ولا السراويلات جمع أو جمع الجمع ولا البرانس بفتح الموحدة وكسر النون جمع البرنس بضمهما قال الطيبي رحمه الله هو قلنسوة طويلة كان يلبسها النساك في صدر الإسلام قال الجوهري وفي النهاية ثوب يكون رأسه ملتزقا من جبة أو دراعة ا ه والمراد مطلق القلنسوة وكل ما يغطي الرأس إلا ما لا يعد من اللبس عرفا كوضع الإجانة وحمل العدل على الرأس ولا الخفاف بكسر الخاء جمع خف قال ابن المنذر أجمع العلماء على منع المحرم من لبس شيء مما ذكر في هذا الحديث إلا أحد بالرفع على البدلية من واو الضمير لا يجد نعلين فيلبس خفين وليقطعمها أسفل من الكعبين أي اللذين وسط القدمين خلافا للشافعي رحمه الله حيث قال المراد بالكعبين هنا المراد بهما في الوضوء ولا تلبسوا نكتة الإعادة والله تعالى أعلم اشتراك الرجال والنساء في هذا الحكم إما على وجه التغليب أو على التبعية من الثياب بيان قدم على المبين وهو شيئا صفته مسه أي صبغه زعفران لما فيه من الطيب ولا ورس وهو نبت أصفر مشابه للزعفران يصيغ به وفي معناه العصفر متفق عليه وزاد البخاري في رواية ولا تتنقب نفي أو نهي من باب التفعل أو الافتعال أي لا تستر وجهها بالبرقع والنقاب المرأة المحرمة ولو سدلت على وجهها شيئا مجافيا جاز تغطية وجه الرجل حرام كالمرأة عندنا وبه قال مالك وأحمد رحمهم الله في رواية خلافا للشافعي رحمه الله ولا تلبس بالوجهين أي المرأة المحرمة القفازين القفاز بضم القاف وتشديد الفاء وبالزاي شيء تلبسه نساء العرب في أيديهن يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد ويكون فيه قطن محشو ذكره الطيبي وقيل يكون له أزرار يرز على الساعد قال ابن الهمام


أخرج الستة عن ابن عمر قال رجل يا رسول الله ما تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام قال لا تلبسوا القمص والسراويلات ولا العمائم ولا البرانس ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليس له نعلان فيلبس الخفين فليقطع أسفل من الكعبين ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران ولا ورس زادوا إلا مسلما وابن ماجه ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين قيل قوله ولا تنتقب المرأة إلى آخره مدرج من قول ابن عمر ودفع بأنه خلاف الظاهر وكأنه نظر إلى الاختلاف في وقفه ورفعه فإن بعضهم رواه موقوفا لكنه غير قادح إذ قد يفتي الراوي بما يرويه من غير أن يسنده أحيانا مع أن هنا قرينة على الرفع وهي أنه ورد إفراد النهي عن النقاب من رواية نافع عن ابن


عمر أخرج أبو داود عنه عن النبي قال المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين ولأنه قد جاء النهي عنهما في صدر الحديث أخرج أبو داود كما سيأتي في أول الفصل الثاني قال النووي رحمه الله والحكمة في تحريم اللباس المذكور وإباحة الأزار والرداء هي أن يبعد عن الترفه ويتصف بصفة الخاشع الذليل وليكون على ذكره دائما أنه محرم فيكثر من الدعاء ولا يفتر عن الإذكار ويصون نفسه عن ارتكاب المخطورات وليتذكر به الموت ولبس الأكفان والبعث يوم القيامة حفاة عراة مهطعين إلى الداع والحكمة في تحريم الطيب والنساء أن يبعد عن التنعم وزينة الدنيا وملاذها إذا لحاج أشعث أغبر وأن يجمع همه لمقاصد الآخرة والحكمة في ترحيم الصيد تعظيم بيت الله وحرمه من قتل صيده وقطع شجرة ثم اختلف العلماء في هذا الحديث ونحوه فقال أحمد يجوز لبس الخفين بحالهما ولا يجب قطعهما إذا لم يجد نعلين بحديث ابن عباس وكان أصحابه يزعمون نسخ حديث عمر المصرح بقطعهما وزعموا أن قطعهما إضاعة مال وقال جماهير العلماء ولا يجوز لبسهما إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين وحديث ابن عمر مقيد والمطلق محمول على المقيد والزيادة من الثقة مقبولة وقوله أنه إضاعة مال ليس بشيء لأن الإضاعة إنما تكون فيما نهى عنه وأما ما أمر به فليس بءضاعة بل حق يجب الإذعان له ثم اختلفوا في لبس الخفين لعدم النعلين هل يجب عليه فدية أم لا فقال مالك والشافعي رحمهم الله ومن وافقهما لا شيء عليه لأنه لو وجب به فدية لبينها عليه الصلاة والسلام وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله عليه الفدية كما إذا احتاج إلى حلق الرأس فيحلقه ويفدي وقد سبق ما فيه من التحقيق والله ولي التوفيق ثم نحو الهودج إن مس الرأس فمحظور وإلا فلا وكذا أستار الكعبة وسقف الخيمة وأما ما جاء عن عمر رضي الله عنه ما ضرب فسطاطا في سفر حجه وعن ابنه أنه أمر من استظل على بعيره بأن يبرز للشمس وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ما من محرم يضحي للشمس


حتى تغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه فلا متمسك في ذلك لمنع مالك وأحمد الاستظلال للإجماع على جواز جلوسه في خيمة وتحت سقف ولأن ما جاء عن عمر وعن ابن عمر لا نهي فيه أو مذهب صحابي والخبر ضعيف مع أنه في فضائل الأعمال وأما قول ابن حجر على أن خبر مسلم مقدم على كل ما خالفه وهو أنه عليه الصلاة والسلام ستر بثوب من الحر حتى رمي جمرة العقبة ففيه أنه لا دلالة فيه صراحة أنه كان حال إحرامه ومع الاحتمال لا يصح الاستدلال وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله يخطب وهو يقول إذا


لم يجد المحرم نعلين لبس الخفين أي بعد قطعهما أسفل من الكعبين وإذا لم يجد أزار لبس سراويل وليس عليه فدية وهو قول للشافعي وقال أبو حنيفة ومالك رحمهم الله تعالى ليس له لبس السراويل فقيل بشقه ويأتزر به ولو لبسه من غير فتق فعليه دم وقال الرازي يجوز لبس السراويل من غير فتق عند عدم الأزار ولا يلزم منه عدم لزوم الدم لأنه قد يجوز ارتكاب المحظور للضرورة مع وجوب الكفارة كالحلق للأذي ولبس المخيط للعذر وقد صرح الطحاوي رحمه الله في الآثار بإباحة ذلك مع وجوب الكفارة فقال بعد ما روى هذا الحديث ونحوه ذهب إلى هذه الآثار قوم فقالوا من لم يجدهما لبسهما ولا شيء عليه وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا أما ما ذكرتموه من لبس المحرم الخفين والسراويل على حال الضرورة فنحن نقول ذلك ونبيح له لبسه للضرورة التي هي به ولكن توجب عليه مع ذلك الكفارة وليس فيما رويتموه نفي لوجوب الكفارة ولا فيه ولا في قولنا خلاف شيء من ذلك لأنا لم نقل لا يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين ولا السراويل إذا لم يجد الأزار ولو قلنا ذلك كنا مخالفين لهذا الحديث ولكن قد أبحنا له اللباس كما أباح النبي ثم أوجبنا عليه مع ذلك الكفارة بالدلائل القائمة الموجبة لذلك ثم قال هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى ا ه وفي منسك ابن جماعة وإن شاء قطع الخفين من الكعبين ولبسهما ولا فدية عند الأربعة ا ه وأغرب الطبري والنووي والقرطبي وابن حجر رحمهم الله فحكوا عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يجب عليه الفدية إذا لبس الخفين بعد القطع عند عدم النعلين وهو خلاف المذهب بل قال في مطلب الفائق وهذه الرواية ليس لها وجود في المذهب بل هي منتقدة متفق عليه وليس في الحديث أنه لا يلزمه فتق السراويل حتى يصير غير مخيط كما قال به أبو حنيفة رحمه الله قياسا على الخفين وأما اعتراض الشافعية بأن فيه إضاعة مال فمردوة بما تقدم نعم لو فرض أنه بعد الفتق لا يستر لعورة يجوز له لبسه


من غير فتق بل هو متعين واجب إلا أنه يفدي وأما قول ابن حجر رحمه الله وعن أبي حنيفة ومالك امتناع لبس السراويل على هيئته مطلقا فغير صحيح عنهما وعن يعلي بن أمية قال كنا عند النبي بالجعرانة بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء على الصحيح موضع معروف من حدود الحرم أحرم منه النبي للعمرة وهو أفضل من التنعيم عند الشافعية خلافا لأبي حنيفة رحمه الله بناء على أن الدليل القولي أقوى عنده لأن القول لا يصدر إلا عن قصده والفعل يحتمل أن يكون اتفاقيا لا قصديا وقد أمر عائشة رضي الله عنها أن تعتمر من التنعيم وهو أقرب المواضع من الحرم إذ جاءه رجل


إعرابي منسوب إلى الإعراب وهم سكان البادية أي بدوي عليه جبة ثوب معروف ومنه قولهم جبة البرد جنة البرد وهو أي الرجل متضمح بالخلوق بفتح الخاء المعجمة نوع من الطيب يتخذ من الزعفران وغيره حتى كاد يتقاطر الطيب بدنه فقال يا رسول الله إني أحرمت بالعمرة وهذه أي الجبة علي فقال أما الطيب الذي بك أي لصق ببدنك من الجبة فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها بكسر الزاي أي اقلعها فورا وأخرجها ذكر الثلاث إنما هو لتوقف إزالة الخلوق عليها غالبا وإلا فالواجب إزالة العين بأي وجه كان وأغرب ابن حجر في قوله يؤخذ منه أن من تطيب أو لبس جاهلا لا فدية عليه إذ لا دلالة عليه لا نفيا ولا اثباتا وإنما يفهم من دليل آخر فتدبر ثم في قوله عليه الصلاة والسلام فانزعها رد لقول الشعبي أن من أحرم في قميص أوجبه مزق عليه وأما اعتذار ابن حجر رحمه الله بأنه إنما قال ذلك في المتعمد لتعديه والذي في الخبر في جاهل معذور فلا يصح إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك وفي نسخة بالتاء أي اجتنب في العمرة ما تجتنب منه في الحج أو افعل الطواف والسعي والحلق وبالجملة الأفعال المشتركة بين الحج والعمرة على الوجه الذي تفعلها في الحج وفي الحديث إشعارا بأن الرجل كان عالما بصفة الحج دون العمرة كما ذكره الطيبي رحمه الله والظاهر هو الأول من القولين والمراد بالتشبيه زيادة الإفادة وأن يجتنب في إحرام الحج ما يجتنب في العمرة لأن التشبيه قد يكون لمجرد الاشتراك من غير أن يكون المشبه به أقوى إذ كان معلوما عند المخاطب ومنه عبارة بعضهم يغسل فمه بمياه كانفة متفق عليه وأما إلا كتحال بما ليس فيه طيب فإن كان للزينة فمكروه ومنعه أحمد واسحق وفي مذهب مالك قولان ثم اعلم إن محرمات الإحرام إذا ارتكبت عمدا يجب فيها الفدية إجماعا وإن كان ناسيا فلا يلزمه عند الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق رحمهم الله وأوجبها أبو حنيفة ومالك رحمهم الله


ومن تبعهما وعن عثمان قال قال رسول الله لا ينكح المحرم بفتح الياء وكسر الكاف وتحريك الحاء بالكسر لالقتاء الساكنين على الأصح من النسخ أي لا يتزوج لنفسه امرأة من
نكح ولا ينكح بضم الياء وكسر الكاف مجزوما أي لا يزوج الرجل امرأة إما بالولاية أو بالوكالة من أنكح ولا يخطب بضم الطاء من الخطبة بكسر الخاء أي لا يطلب امرأة لنكاح وروى الكلمات الثلاث بالنفي والنهي وذكر الخطابي أنها على صيغة النهي أصح على أن النفي بمعنى النهي أيضا أبلغ والأولان للتحريم والثالث للتنزيه عند الشافعي فلا بصح نكاح المحرم ولا إنكاحه عنده والكل للتنزيه عند أبي حنيفة رحمه الله رواه مسلم قال ابن الهمام رواه الجماعة إلا البخاري زاد مسلم وأبو داود ولا يخطب وزاد ابن حبان في صحيحه ولا يخطب عليه وقال الطيبي رحمه الله أخرج هذا الحديث مسلم وأبو داود وأبو عيسى وأبو عبد الرحمن في كتبهم والذي وجدناه الأكثر فيما يعتمد عليه من الروايات الإثبات وهو الرفع في تلك الكلمات وعن ابن عباس أن النبي تزوج ميمونمة وهو محرم وهي بنت الحارث الهلالية وكانت أختها أم الفضل لبابة الكبرى تحت العباس وأختها لأمها أسماء بنت عميس تحت جعفر وسلمى بنت عميس تحت حمزة وكانت جعلت أمرها إلى البعاس فانكحها النبي لله وهو محرم فلما رجع بني بها بسرف حلالا ومن غريب التاريخ أنها دفنت بسرف أيضا وهو من المشاهد المشهورة بين الحرمين قريب مكة دون الوادي المشهور بوادي فاطمة قال الطبري وهو على عشرة أميال من مكة والصحيح أنه على ستة أميال متفق عليه قال ابن الهمام رواه الأئمة الستة وزاد البخاري وبني بها وهو حلال وماتت بسرف وأما تأويل قوله وهو محرم أنه داخل في الحرم ففي غاية من البعد وليس نظيره قتلوا ابن عفان الخليفة محرما أي في حرم المدينة لأن الصارف عن المعنى المتعارف ظاهر مع احتمال تحققه لينال ثواب المتلبس بالنسك في آخر عمره وخاتمة أمره على أنه لا حرم للمدينة عندنا في


معنى حرم مكة كما هو مقرر في محله مع أن عثمان لم يكن داخلا في الحرم بل كان ثابتا فيه نعم لو أول بمريد الإحرام كان له وجه إلا أنه يرده ما في الصحيح أنه بنى بها وهو حلال وعن زيد بن الأصم بن أخت ميمونة أن رسول الله تزوجها أي دخل بها أو
أظهر زواجها وهو حلال أي غير محرم رواه مسلم قال النووي رحمه الله واختلف العلماء في هذا الحديث والذي قبله في نكاح المحرم فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم أنه لا يصح نكاح المحرم واعتمدوا على أحاديث وقال أبو حنيفة والكوفيون يصح نكاحه لحديث ميمونة قال الشيخ الإمام حي السنة أي صاحب المصابيح رحمه الله الأكثرون وفي نسخة بالواو يعني الأئمة الثلاثة وأتباعهم على أنه تزوجها حلالا وظهر أمر تزويجها وهو مرح ثم بنى أي دخل بها وهو حلال بسرف على وزن كتف غير منصرف وقيل منصرف في طريق مكة أي إلى المدينة وذلك بعد فراغه من عمرته المسماة بعمرة القضاء قال ابن الهمام رحمه الله حديث يزيد ابن الأصم لم يقو قوة حديث ابن عباس هذا فإنه مما اتفق عليه الستة وحديث زيد لم يخرجه البخاري ولا النسائي وأيضا لا يقاوم بابن عباس حفظا واتقانا ولذا قال عمرو بن دينار للزهري وما يدري ابن الأصم أعرابي كذا وكذا بشيء قال أتجعله مثل ابن عباس وما روي عن أبي رافع أنه تزوجها وهو حلال وكنت أنا الرسول بينهما لم يخرج في واحد من الصحيحين وإن روى في صحيح ابن حبان فلم يبلغ درجة الصحة ولذا لم يقل الترمذي فيه سوى حديث حسن قال ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد عن مطرف وما روي عن ابن عباس أنه تزوج ميمونة وهو حلال فمنكر عنه لا يجوز النظر إليه بعدما اشتهر إلى أن كاد أن يبلغ اليقين عنه في خلافه ولذا بعد أن أخرج الطبراني ذلك عارضه بأن أخرجه عن ابن عباس من خمسة عشر طريقا أنه تزوجها وهو محرم وفي لفظ وهما محرمان وقال هذا هو الصحيح والحاصل أنه قام ركن المعارضة بين حديث ابن عباس وحديثي عثمان


وابن الأصم وحديث ابن عباس أقوى منهما سندا فإن رجحنا باعتباره كان الترجيح معنى أو بقوة ضبط الرواة وفقههم فإن الرواة عن عثمان وغيره ليسوا كمن روي عن ابن عباس ذلك فقها وضبطا كسعيد بن جبير وطاوس وعطاء ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد رحمه الله فكذلك وإن تركناها أي الأدلة تساقط للتعارض وصرنا إلى القياس فهو معنى لأنه عقد كسائر العقود التي يتلفظ بها من شراء الأمة للتسري وغيره ولا يمتنع شيء من العقود بسبب الإحرام ولو حرم لكان غايته أن ينزل منزلة نفس الوطء وأثره في فساد الحج لا في بطلان العقد نفسه وإن رجحنا من حيث المتن كان معنى لأن رواية ابن عباس نافية ورواية زيد مثبتة لما عرف وإن المثبت هو الذي يثبت أمرا عارضا على الحالة الأصلية والحل طارىء على الإحرام والنافي هو أرجح لمنعها لأنه ينفي طرق طارىء ولا يشك أن الإحرام أصل بالنسبة إلى الحل الطارىء عليه ثم له كيفيات خاصة من التجرد ورفع الصوت بالتلبية فكان نفيا من جنس ما يعرف بدليله فيعارض الإثبات ويرجح بخارج وهو زيادة قوة السند وفقه الراوي على ما تقدم هذا بالنسبة إلى الحل اللاحق وأما على إرادة الحل السابق على الإحرام كما في بعض الروايات أنه بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله بالمدينة قبل أن


يحرم كذا في معرفة الصحابة للمستغفري فابن عباس مثبت وزيد ناف ويرجح حديث ابن عباس بذات المتن لترجح المثبت على النافي وإن وفقنا لدفع التعارض فيحمل لفظ التزوج في حديث ابن الأصم على البناء بها مجازا بعلاقة السببية العادية ويحمل قوله لا ينكح المحرم إما على التحريم والنكاح الوطء والمراد بالجملة الثانية التمكين من الوطء والتذكير باعتبار الشخص أي لا تمكن المحرمة من الوطء زوجها أو على نهي الكراهة جمعا بين الدلائل وذلك لأن المحرم في شغل عن مباشرة عقود الأنكحة لأن ذلك يوجب شغل قلبه عن الإحسان في العبادة لما فيه من خطبة ومراودات ودعوة واجتماعات ويتضمن تنبيه النفس لطلب الجماع وهذا محمل قوله ولا يخطب ولا يلزم كونه عليه الصلاة والسلام باشر المكروه لأن المعنى المنوط به الكراهة هو عليه الصلاة والسلام منزه عنه ولا بعد لاختلاف حكم في حقه وحقنا لاختلاف المناط فيه وفينا كالوصال نهانا عنه وفعله ا ه كلام المحقق مختصرا ويمكن حمل فعله على بيان الجواز بل هذا هو الأظهر والله تعالى أعلم وأما استدلالهم بإرسال جماعة إلى أبان بن عثمان ليحضر نكاح محرمين فامتنع واستدل بالحديث فسكتوا عليه فليس بحجة قاطعة وكذا ما أخرجه البيهقي عن ابن المسيب أن رجلا تزوج وهو محرم فأجمع أهل المدينة على أن يفرقوا بينهما وعن أبي أيوب أن النبي كان يغسل رأسه وهو محرم يجوز للمحرم غسل رأسه بحيث لا ينتفق شعرا بلا خلاف أما لو غسل رأسه بالخطمي فعليه دم عند أبي حنيفة رحمه الله وبه قال مالك وقالا صدقة ولو غسل بأشنان فيه طيب فإن كان من رآه سماه أشنانا فعليه الصدقة وإن سماء طيبا فعليه الدم كذا في قاضيخان ولو غسل رأسه بالحرض والصابون والسدر ونحوه لا شيء عليه بالإجماع متفق عليه وفي رواية كان يغتسل وهو محرم وجاء عن ابن عباس بسند ضعيف أنه دخل حماما بالجحفة وهو محرم وقال ما يعبأ الله بأوساخنا شيئا يعني فليس فيه من فدية ففيه رد على مالك أن في


إزالة الوسخ صدقة والتحقيق أنه لا ينبغي للمحرم أن يقصد بغسله إزالة الوسخ لقوله عليه الصلاة والسلام المحرم أشعث أغبر وعن ابن عباس قال احتجم النبي وهو محرم قال الطيبي رحمه الله رخص الجمهور في الحجامة إذا لم يقطع شعرا متفق عليه وسألت عائشة عن المحرم أيحك جسده قالت فليحك وليسدد
وعن عثمان رضي الله عنه حدث عن رسول الله في الرجل أي في حقه وشأنه وكذا حكم المرأة المحرمة إذا اشتكى عينيه أي حين شكا وجعهما أو ضعف نظرهما وهو محرم ضمدهما بصيغة الماضي مشددا وفي نسخة على بناء الأمر للإباحة بالصبر بكسر الباء وهو دواء معروف أي اكتحل عينيه بالصبر كذا فسروا التضميد وأورد في تاج المصادر في باب التفعيل في الحديث ضمد عينيه أي وضع عليهما الدواء قال في المفاتيح هو شيء أحمر يجعل في العين بمنزلة الكحل وفي القاموس الصبر ككتف ولا يسكن إلا في ضرورة شعر عصارة شجر من ضمد الجرح يضمده وضمده شده بالضماد وهي العصابة كالضماد وقال الطيبي رحمه الله أصل الضمد الشد يقال ضمد رأسه وجرحه إذا شده بالضماد وهو خرقة يشد بها العضو المألوف أي المصاب بالآفة ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يشد ثم اعلم أنه إن اكتحل المحرم بكحل فيه طيب طلبه صدقة ألا أن يكون كثيرا فعليه دم ولو اكتحل بكحل ليس فيه طيب فلا بأس به ولا شيء عليه ولو عصب شيئا من جسد سوى الرأس والوجه فلا شيء عليه ويكوه وأما لو غطى ربع رأسه أو وجهه فصاعدا فعليه دم وفي أقل من الربع صدقة رواه مسلم وروي البيهقي عن عائشة إنها قالت في الأثمد والكحل الأسود أنه زينة نحن نكرهه ولا نحرمه وبه قال مالك وأحد واسحاق رحمه الله إلا عند الحاجة وأجمعوا على حله حيث لأطيب فيه وأما الحناء فهو طيب عند علمائنا وروي البيهقي أن نساء النبي يختضبن بالحناء وهن محرمات أي مريدات للإحرام وعن أم حصين قالت رأيت أسامة وبلالا وأحدهما أي والحال أن أحدهما


والظاهر أنه بلال آخذ بصيغة الفاعل بخطام ناقة رسول الله والخطام بكسر الخاء بمعنى الزمام والمهار ككتاب والآخر وهو أسامة رافع بالتنوين ثوبه أي ثوبا في يده يستره أي يظله بثوب مرتفع عن رأسه بحيث لم يصل الثوب إلى رأس رسول الله من الحر قال الطيبي دل على جواز الاستظلال للمحرم وفيه أن دلالالته غير ظاهرة لاحتمال وقوعه بعد التحلل وقوله حتى رمى جمرة العقبة ليس نصافي كونه أو أيام فالأولى للاستدال الاستظلال بالقبة المضروبة في عرفة وقد تقدم رواه مسلم وعن كعب بن عجرة بضم العين وسكون الجيم أن النبي مر به فيه تجريد أو التفات أو نقل بالمعنى وهو أي كعب بالحديبية بالتخفيف ويشدد قبل أن يدخل مكة أي وهو يتوقع دخولها حين لم يقع منع عن وصولها وهو محرم وهو يوقد من الايقاد تحت قدر والقمل أي جنسه تتهافت بالتاءين أي تتساقط من رأسه على وجهه فقال أي النبي عليه الصلاة والسلام أيؤذيك بالتذكير والتأنيث هو امك بتشديد الميم جمع هامة وهي الدابة التي تسير على الكون كالنمل والقمل قال أي كعب نعم وأغرب ابن حجر في قوله أن هوام الرأس عذر مع أنها لا تؤذي غالبا ذكره في أول الفصل الثالث قال فاحلق رأسك أمر إباحة واطعم أمر وجوب فرقا بفتح الراء وسكونها قال الطيبي رحمه الله بالتحريك مكيال يسع ستة عشر رطلا وهي اثنا عشر مدا أو ثلاثة آصع وفي المفاتيح قال الأزهري المحدثون على السكون وكلام العرب على التحريك فرق بينهما القتيبي فقال الفرق بسكون الراء من الأواني والمقادير ستة عشر رطلا وبالفتح مكيال يسع ثمانين رطلا ا ه والمعتمد ما يأتي في الأصل بين ستة مساكين قال الطيبي رحمه الله فلكل واحد نصف صاع بلا فرق بين الأطعمة قلت أنه مطلق فيحمل على الفرد الأكمل وهو البر كما هو مذهبنا والفرق بالتحريك ويسكن ثلاثة آصع كذا في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وشرح السنة وفي نسخ المصابيح أصوع وكلاهما حمع صاع وأخطأ من قال آصع لحن قال الطيبي صح هذا اللفظ في


الحديث وهو من قبيل القلب وأصله أصوع ا ه والمراد بالقلب قلب المكاني بأن تجعل الواو مكان
الصاد وعكسه بعد نقل حركة الواو إلى الصاد ثم تقلب الواو ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها وهذا التفسير من بعض الرواة جملة معترضة أو صم ثلاثة أيام أو انسك نسيكه أي اذبح ذبيحة والحديث تفسير لقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك البقرة أو للتخيير فيهما متفق عليه وفي رواية أحلق ثم اذبح نكسا أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين ثلاثة آصع من تمر وفي رواية لكل مسيكن نصف صاع
الفصل الثاني


عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ينهي النساء في أحرامهن عن القفازين أي عن لبسهما في أيديهن والنقاب أي البرقع في وجوههن بحيث يصل إلى بشرتهن وما مس أي وعما صبغه الورس والزعفران من الثياب ولتلبس قال الطيبي رحمه الله كأنه قال سمعته يقول لا تلبس النساء القفازين ولتلبس بعد ذلك أي ما ذكر ما أحبت ألوان الثياب أي أنواعها معصفر بالجر على أنه بدل من ألوان الثياب أي المصبوغ بالعصفر وظاهر الحديث على الفرق بين المزعفر والمعصفر وأما المفهوم من المذهب فهو العموم ففي خزانة الأكمل والوالجي وغيرهما أنه لو لبس المحرم مصبوغا يعصفر أو ورس أو زعفران مشبعا يوما أو أكثر فعليه دم وإن كان أقل من يوم فصدقة فينبغي أن يحمل الحديث على معصفر مغسول لا يوجد منه رائحة أو يفسر المعصفر بما يصبغ بالطين الأرمني وأما قول ابن حجر العصفر ليس بطيب فيكذبه ربحه أوخز بفتح الخاء المعجمة والزاي المشددة ثوب من ابريسم وصوف وفي المغرب الخز اسم دابة سمي المتخذ من وبرها خزا أو حلى بضم الحاء وتشديد الياء ما يلبسه النساء من آلات الزينة كالخرص في الأذن والحج في الرجل وغيرهما من ذهب أو فضة قال الطيبي رحمه الله جعل الحلي من الثياب تغليبا أو أدخل في الثياب مجاز العلاقة إطلاق اللبس عليه في قوله تعالى وتستخرجون حلية تلبسونها فاطر أو سراويل اختلف في أنه جمع أو مفرد أو قميص أو خف رواه أبو داود قال المنذري رحمه الله رجاله رجال الصحيحين ما خلا ابن اسحاق ا ه وأنت علمت أن ابن إسحاق حجة قاله ابن الهمام فالحديث حسن


وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان الركبان بضم الراء جمع الراكب يمرون أي مارين بنا أي علينا معشر النساء ونحن مع رسول الله محرمات بالرفع على الخبرية أي مكشوفات الوجوه فإذا جاوزوا أي مروا بنا وفي نسخة جاوزنا كذا كتبه السيد على الهامش وجعله ظاهرا مع أنه غير ظاهر معنى لأنه لا يلزم منه أن يقع الإرسال حين المجاورة اللهم إلا أن يقال إنها بمعنى المرور لكن لا يظهر وجه الأظهرية ولعل المراد إذا أرادوا المجاوزة والمرور بنا وكتب نسخة أخرى كذلك بلفظ حاذونا وهو الظاهر وفي نسخة فإذا جاوزنا ولا وجه له أصلا قال الطيبي رحمه الله قوله فإذا جاوزوا بنا هكذا لفظ أبي داود وفي المصابيح حاذونا ا ه وهو بفتح الذال من المحاذاة بمعنى المقابلة وهو أظهر معنى من الكل والله تعالى أعلم سدلت أي أرسلت إحدانا جلبابها بكسر الجيم أي برفعها أو طرف ثوبها من رأسها على وجهها بحيث لم يمس الجلباب بشرة الوجه قال الطيبي قوله سدلت ليس هذا لفظ أبي داود ولا لفظ ابن ماجة ا ه فكان لفظهما دلت من التدلية كما هو لفظ المصابيح فتكون روايته بالمعنى فإذا جاوزونا أي تعدوا عنا وتقدموا علينا كشفناه أي أزلنا الجلباب ورفعنا النقاب وتركنا الحجاب ولو جعل الضمير إلى الوجه بقرينة المقام فله وجه رواه أبو داود أي بهذا اللفظ لابن ماجه معناه وعن ابن عمران النبي كان يدهن بتشديد الدال بالزيت وهو محرم وغير المقتت بتشديد التاء الأولى حال من الزيت أو صفة له قال الطيبي رحمه الله هو ما يطبخ فيه الرباحين حتى تربحه يعني هو كلام بعض الرواة يعني يريد ابن عمر بغير المفتت غير المطبب اعلم أن المحرم إذا ادهن بدهن مطبب كدهن البنفسج والورد وسائر الأدهان التي فيها الطيب عضوا كاملا فعليه دم بالاتفاق وإن ادهن بزيت أو خل وهو الشيرج أي دهن السمسم غير مخلوطين بطيب وأكثر منه فعليه دم عند أبي حنيفة وصدقة عندهما وهذا الخلاف فيما إذا كانا خالصين عن الطيب غير مطبوخين أما


الطيب منه وهو ألقى فيه الأنوار كالورد ونحوه
فيجب الدم باستعماله اتفاقا وكذا إذا كان الزيت مطبوخا ففيه الدم بالاتفاق وأيضا الخلاف فيما إذا استكثر منه وإن استقل منه فعليه صدقة اتفاقا ثم هذا إذا استعمله على وجه التطيب وإن استعمله على وجه التداوي فلا شيء عليه بالإجماع رواه الترمذي
الفصل الثالث
عن نافع أن ابن عمر وجد الغر بضم القاف وفتحها وتشديد الراء أي البرد مطلقا وقيل يختص بالشتاء فقال ألق أمر من الإلقاء أي اطرح على ثوبا يا نافع فألقيت عليه برنسا أي ثوبا ملتزق الرأس فقال تلقي على بحذف الاستفهام الإنكاري هذا أي الثواب المخيط وقد نهى رسول الله أن يلبسه المحرم فجعل طرحه عليه لبسا ومذهبنا أنه يحرم على المحرم ليس المخيط وتعطيه بعض الأعضاء بالمخيط وغيره على الوجه المعتاد والمخيط هو الملبوس المعمول على قدر البدن أو قدر عضو منه بحيث يحيط به سواء بخياطة أو نسج أو لصق أو غير ذلك وتفسير لبس المخيط على وجه المعتاد أن لا يحتاج في حفظه إلى تكلف عند الاشتغال بالعمل أن يحتاج إليه وقال ابن الهمام ولبس المخيط أن يجعل بواسطة الخياطة اشتماله على البدن واستمساكه فأيهما انتفى انتفى لبس المخيط فإن أدخل منكبيه القباء دون أن يدخل يديه أو لبس الطيلسان من غير أن يزر عليه لا شيء عليه لعدم الاستمساك بنفسه فإن زر القباء أو الطيلسان يوما لزمه دم لحصول الاستمساك بالزر مع الاشتمال بالخياطة بخلاف ما لو عقد الرداء أو شد الأزار بحبل كرمله ذلك للتشبه بالمخيط ولا شيء عليه لانتفاء الاشتمال بواسطة الخياطة ا ه ولعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كره ذلك للتشبه بالمخيط وأطلق اللبس على الطرح مجازا ويمكن أنه ألقى عليه على وجه غطى رأسه ووجهه فأنكر عليه فعلى هذا معنى كلامه أتلقى هذا الإلقاء والحال أنه نهي المحرم عن ستر الرأس وتغطيته والله تعالى أعلم رواه أبو داود ونقل العز بن جماعة عن تصريح الشافعية رحمه الله واقتضاء


كلام الأئمة الثلاثة أنه بزوال العذر يجب النزع فورا وعن عبد الله بن مالك ابن بحينة بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة بعدها ياء
ساكنة ثم نون بعدها هاء اسم أمة ولذا كتبت الألف في ابن بحينة قال احتجم رسول الله وهو محرم بلحى جمل بفتح اللام وسكون الحاء موضع من طريق مكة أي إلى المدينة في وسط رأسه بفتح السين ويسكن وهذا الاحتجام لا يتصور بدون إزالة الشعر يحمل على حال الضرورة والله تعالى أعلم وعن ابن عمر ومالك كراهة الحجامة حال الإحرام وإن لم يتضمن قطع شعر وعن الحسن البصري فيها الفدية متفق عليه وعن أنس قال احتجم رسول الله وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به وهذا يتصور بدون قطع الشعر فلا إشكال مع التصريح بالعذر ثم يمكن تعدد الاحتجام في إحرام واحد أو في إحرامين والله تعالى أعلم وهذا الحديث يرد إطلاق ابن عمر ومالك كراهتها وكذا إطلاق الحسن البصري إن فيها الفدية رواه أبو داود والنسائي وعن أبي رافع مولى النبي قال تزوج رسول الله ميمونة وهو حلال وبنى بها أي دخل عليها وهو كناية عن الزفاف وهو حلال وكنت أنا الرسول أي الواسطة بينهما تقدم الكلام عليه من ابن الهمام رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن


باب المحرم يجتنب الصيد
باب يجوز سكونه على الوقف ورفعه على أنه خبره مبتدأ محذوف هو هذا ويحتمل الإضافة المحرم يجتنب الصيد أي اصطياده وقتله وإن لم يأكله وأكله وإن ذكاه محرم آخر والمراد
بالصيد حيوان متوحش بأصل الخلقة بأن كان توالده وتناسله في البر أما صيد البحر فيحل اصطياده للحلال والمحرم جميعا مأكولا أو غير مأكول لقوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة المائدة والإجماع على هذا النص وإن كان الماء في الحرم والله تعالى أعلم وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما المائدة فلا خصوصية له بالحرم فإدراج ابن حجر إياه ليس في محله ثم تخصيصه بالحرم المكي وقوله وقبس بمكة باقي الحرم غريب جدا والله تعالى أعلم ثم البري المؤكول حرام اصطياده على المحرم بالاتفاق وأما غير المؤكول فقسمه صاحب البدائع على نوعين نوع يكون مؤذيا طبعا مبتدئا بالأذى غالبا فللمحرم أن يقتله ولا شيء عليه نحو الأسد والذئب والنمر والفهد ونوع لا يبتدىء بالأذى غالبا كالضبع والثعلب وغيرهما فله أن يقتله أن عدا عليه ولا شيء عليه وهو قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر يلزمه الجزاء وإن لم يعد عليه لا يباح له إن يبتدئه بالقتل وأن قتله ابتداء فعليه الجزاء عندنا
الفصل الأول


عن الصعب بن جثامة بتشديد المثلثة أنه أهدي لرسول الله حمارا وحشيا أي حيا وقيل أي بعضه كما بينته روايات أخرى لمسلم إذ في بعضها لحمه وفي بعضها عجزه وفي بعضها رجله وفي بعضها شقه وفي بعضها عضوا من لحم صيد فرواية لحمه أي بعضه ورجله أي مع العجز وهو الشق المذكور في الأخرى ورواية عضوا هو الرجل وما اتصل بها فاجتمعت الروايات ذكره ابن حجر والأظهر أنه أهداه حيا أولا ثم أهدي بعضه مذبوحا وهو أي النبي بالأبواء بفتح الهمزة قرية من عمل الفرع على عشرة فراسخ من المدينة يمر بها سالك الطريق القديمة الشرقية التي كان عليه الصلاة والسلام يسلكها وهي غير المسلوكة اليوم يفترقان قريب الحجفة ويجتمعان قريب المدينة أو بودان بتشديد الدال المهملة قرية جامعة على ثمانية أميال من الأبواء وهي بين الأبواء وجحفة قال الطيبي رحمه الله موضعان بين


مكة والمدينة فرد أي النبي عليه أي على الصعب صيده فلما رأى أي النبي ما في وجهه أي في وجه الصعب من التغير الناشيء من أثر التأذي من رده عليه الصيد قال أي اعتذارا وتسلية له أنا لم نرده بفتح الدال المشددة وضمها أي الصيد عليك أي لشيء إلا أنا أي لأنا حرم بضمتين أي مجرمون والحرم جمع حرام وهو من أحرم بنسك قال الطيبي رحمه الله دل الحديث على أن المحرم لا يجوز له قبول الصيد إذا كان حيا وإن جاز له قبول لحمه وقيل المهدي كان لحم حمار وحشي وإنما لم يقبل لأنه ظن أنه صيد لأجله ويؤيده حديث أبي قتادة وحديث جابر رحمه الله ا ه وسيأتي الكلام عليهما متفق عليه قال ابن الهمام في مسلم أنه أهدى للنبي لحم حمار وفي لفظ رجل حمار وفي لفظ عجز حمار وفي لفظ شق حمار فإنه يقتضي حرمة أكل المحرم لحم الصيد مطلقا سواء صيد له أو يأمره أم لا وهو مذهب نقل عن جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومذهبنا مذهب عمر وأبي هريرة وطلحة بن عبيد الله وعائشة رضي الله عنها أخرج عنهم ذلك الطحاوي وبه قال ابن عباس وطاوس والثوري رحمهم الله لكن الذي عليه الشافعية مما يأتي التصريح به في حديث أبي قتادة أنه إنما يحرم ويكون ميتة أن صاده أو صيد له أو دل أو أعان عليه أو أشار إليه قالوا وزعم أن حديث الصعب في حجة الوداع فيكون ناسخا لحديث أبي قتادة الآتي غير صحيح لأن شرط النسخ تعذر الجمع وتعليل الرد بكونهم حرما إنما هو لكونه ظن أنه صيد له ويأتي حديث أبي قتادة حيث أكل مما اصطاده تارة ولم يأكل منه أخرى له صمح ذلك وصح أنه أنى بالعرج وهو محرم بحمار عقيرة فأباحه له صاحبه فأمر أبا بكر قسمه بين الرفاق وصح أن أبا هريرة رضي الله عنه استفتى في أكل محرم من لحم ما صاده حلال فأفتى بحله ثم أخبر عمر فقال لو أفتيته بغير ذلك لأوجعتك وعن أبي قتادة أنه خرج مع رسول الله سنة الحديبية فتخلف أي تأخر أبو قتادة مع بعض أصحابه الضمير راجع إلى أبي قتادة أو


النبي وهم أي البعض محرمون وهو أي أبو قتادة غير محرم وفي رواية المالكي أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم فأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره وإلا بمعنى لكن ونظيره ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك بالرفع في قراءة
أبي كثير وأبي عمرو ولا يصح أن يجعل امرأتك بدلا من أحد لأنها لم تسر معه كما يدل عليه قراءة النصب فرأوا حمارا وحشيا قبل أن يراه أبو قتادة فلما رأوه تركوه أي الحمار أو أبا قتادة بأن لم يقولوا هذا حمار بل سكتوا حتى رآه أبو قتادة وفي المصابيح حتى رآه فقط أي حتى رأى أبو قتادة الحمار لأنه لا يجوز للمحرم الدلالة على الصيد ولا الإشارة إليه فركب أي أبو قتادة بعد ما رأى الحمار فرسالة فسألهم أن يناولوه أي يعطوه سوطه فأبوا لعدم جواز المعاونة فتناوله أي أخذه بيده فحمل عليه أي وجه الفرس نحوه فأدركه فعقره أي قتله وأصل العقر الجرح ثم أي بعد طبخه أكل أي أبو قتادة منه فأكلوا تبعا له فندموا لظنهم أنه لا يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقا فلما أدركوا أي لحقوا رسول الله سألوه أي عنه هل يجوز أكله أم لا قال هل معكم منه شيء قالوا معنا رجله فأخذها أي رجله النبي فأكلها إشارة إلى أن الجواب بالفعل أقوى من القول وفي رواية صحيحة أنه عليه الصلاة والسلام لم يأكل منه ولا تنافي لاحتمال أنه جرى لأبي قتادة في تلك السفر قضيتان ولهذا يرد قول من حرمه مطلقا ذكره ابن حجر والأظهر أنه امتنع أولا خشية أن أحدا أمره أو أعانه فلما تبين أمره أكل منه متفق عليه وفي رواية لهما أي للشيخين المعلوم من متفق عليه فلما أتوا رسول الله قال أمنكم أحد أمره أي بالصريح أو الدلالة أن يحمل أي بالقصد عليها أي على الحمار أو الصيد وتأنيثه باعتبار الدابة أو أشار إليها عطف على أمره والفرق بين الدلالة والإشارة أن الأولى باللسان والثانية باليد وقبل الأولى في الغائب والثانية في الحضور وقيل كلتاهما بمعنى واحد وهي حرام على المحرم في الحل والحرم وعلى


الحلال في الحرم ثم في وجوب الجزاء عليه شرائط محلها كتب الفقه قال ابن الهمام أخرج الستة في كتبهم عن أبي قتادة أنهم كانوا في مسير لهم بعضهم محرم وبعضهم ليس بمحرم قال أبو قتادة رأيت حمار وحشي فركبت فرسي وأخذت الرمح فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني فاختلست سوطا من بعضهم وشددت على الحمار فأصبته فأكلوا منه واستبقوا قالوا فسئل عن ذلك النبي فقال أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليه قالوا لا قال فكلوا ما بقي من لحمها وفي لفظ لمسلم هل أشرتم هل أعنتم قالوا لا قال فكلوا ا ه وفي رواية أنهم رأوها فضحكوا فأبصرها فاستعانهم فأبوا أن يعينوه وفي أخرى رآهم يتراؤون شيئا فنظر فإذا هو حمار وحشي فوقع السوط فقالوا لا نعينك


بشيء إنا محرمون وفي أخرى فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف نعلي فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته فالتفت فأبصرته فقلت ناولوني السوط والرمح فقالوا والله لا نعينك عليه بشيء وكل هذه الروايات صحيحة ويستفاد منها أنهم لم يقصدوا بضحكهم ولا بتراثيهم إليه إعلامه وإلا لحرم ففي شرح المهذب لا فرق بين الدلالة الظاهرة والخفية اتفاقا وعن ابن عمرانة قال خمس أي من الدواب كما في رواية لا جناح أي لا اثم ولا جزاء والمعنى لا حرج على من قتلهن في الحرم أي في أرضه والإحرام أي في حاله الفأرة بالهمز ويبدل أي الوحشية والإلهية والغراب أي الأبقع الأبلق كما في الرواية الآتية وخرج الزادغ وهو أسود محمر المنقار والرجلين ويسمى غراب الزرع لأنه يأكله والحدأة على وزن العنبة قال بعض المحققين أن الحدأة فعلة بالكسر وكذا الحدأ وقد يفتح وهو طائر معروف والحديا تصغير حد لغة في الحدأ أو تصغير حدأ أو تصغير حدأة قلبت الهمزة بعد ياء التصغير ياء وأدغم ياء التصغير فيه فصار حدية ثم حذفت التاء وعوض عنها الألف لدلالته على التأنيث أيضا والعقرب وفي معناها الحية بل بطريق الأولى والكلب العقور وفي حكم الكلب العقور السبع الصائل عندنا ويؤيدنا رواية الترمذي التي حسنها لو ضعفها غيره زيادة السبع العادي وأما زيادة أن المحرم يرى الغراب ولا يقتله فينبغي أن يحمل على الغراب الأسود وأما قول ابن حجر رحمه الله أي لا يتأكد ندب قتله تأكده في الحية ونحوها فغير موجه ويحرم قتل كلب فيه منفعة اتفاقا وكذا ما لا منفعة فيه ولا مضرة وفسر الطيبي رحمه الله الكلب العقور بالسبع الذي يعقر ويقتل كالأسد والذئب والنمر متفق عليه نقله ابن الهمام عن الصحيحين لكن بلفظ خمس من الدواب ليس على المحرم وفي قتلهن جناح العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة ا ه وصح أمر رسول الله يقتل الوزغ وسماء فويسقا وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي قال خمس بالتنوين مبتدأ وقوله


فواسق أي مؤذيات صفته وهو غير منصرف فقول ابن حجر بتنوينهما خطا وكذا قوله بنصب فواسق على الذم بمخالفة الرواية وضعف الدراية والخبر قوله يقتلن قال الطيبي وروى بلا تنوين مضافا إلى فواسق قال في المفاتيح الأول هو الصحيح وهو جمع فاسقة وأراد بفسقهن خبثهن وكثرة الضرر منهن في الحل والحرم أي حلالا كان أو محرما الحية بأنواعها وفي معناها العقرب والغراب الأبقع أي الذي فيه سواد وبياض لا ما خالط بياضه لونا آخر كما قاله ابن حجر فتدبر والفأرة والكلب العقور والحديا تصغير حدا واحدة حدأة تصغيرها حدياة متفق عليه قال ابن الهمام في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب لعقور وفي لفظ المسلم الحية عوض العقرب وقال أي في مسلم الغراب الأبقع
الفصل الثاني


عن جابر أن رسول الله قال لحم الصيد لكم في الإحرام حلال ما لم تصيدوه أي بأنفسكم مباشرة أو يصاد لكم روى بالرفع وبالنصب قال الطيبي رحمه الله الظاهر الجزم وغاية التوجيه أنه عطف على المعنى أي ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ا ه وقال بعض علمائنا بالنصب بإضمار أن وأو بمعنى ألا يعني لحم صيد ذبحه حلال من غير دلالة المحرم وإعانته حلال لكم إلا أن يصاد لكم لأجلكم وبهذا يستدل مالك والشافعي رحمه الله على حرمة لحم ما صاده الحلال لأجل المحرم وأبو حنيفة رحمه الله يحمله على أن يهدي إليكم الصيد دون اللحم أو على أن يكون معناه أن يصاد بأمركم فلا يحرم لحم صيد ذبحه حلال للمحرم من غير أمره أو دلالته ا ه وتحقيق النصب ما في المفاتيح أن أو بمعنى إلا أن وما لم تصيدوه في معنى الاستثناء فكأنه قال لحم الصيد لكم في الإحرام حلال إلا أن تصيدوه إلا أن يصاد لكم ا ه فيكون الاستثناء الثاني من مفهوم الاستثناء الأول فتأمل قال ابن حجر الأظهر أنه لغة شهيرة ومنها قوله تعالى أنه من يتقي ويصبر يوسف بإثبات الياء ورفع يصبر وقول الشاعر


ألم يتأتيك والأخبار تنمي ا ه وهو خطأ فاحش من وجهين أحدهما أن اللغة المشهورة إنما هي في حرف العلة مقام لام الفعل وما نحن فيه خلافه وثانيهما أن قوله ورفع يصبر قراءة شاذة وحينئذ تكون من موصولة لا جازمة والكلام في المجزوم فذكره مخل بالمرام أما القراءة المتواترة برواية بعض السبعة بإثبات الياء وجزم يصبر فحمل أو على تلك اللغة أو على تولد الياء من إشباع الكسرة كما في لغة ضربتيه خطابا للمؤنث والله تعالى أعلم رواه أبو داود والترمذي والنسائي قال العلماء ولو ذبح محرم صيدا أو حلال صيد الحرم صار ميتة اتفاقا بل إجماعا وعن أبي هريرة عن النبي قال الجراد من صيد البحر قال العلماء إنما عده من صيد البحر لأنه يشبه صيد البحر من حيث ميتته ولما قيل من أن الجراد يتولد من الحيتان كالديدان ولا يجوز للمحرم قتل الجراد ولزمه بقتله قيمته ا ه ولا يصح التفريغ كمالا لا يخفى على الثاني وفي الهداية أن الجراد من صيد البر قال ابن الهمام عليه كثير من العلماء ويشكل عليه ما في أبى داود والترمذي عن أبي هريرة قال خرجنا مع رسول الله في حجة أو غزوة فاستقبلنا رجل من جراد فجعلنا نضربه بسياطنا وقسينا فقال كلوه فإنه من صيد البحر وعلى هذا لا يكون فيه شيء أصلا لكن تظاهر عن عمر إلزام الجزاء فيها في الموطأ أنبأنا يحيى بن سعيد أن رجلا سأل عمر عن جرادة قتلها وهو محرم فقال عمر لكعب تعال حتى تحكم فقال كعب درهم فقال عمر إنك لتحد الدراهم لتمرة خير من جرادة ورواه ابن أبي شيبة عنه بقصته وتبع عمر أصحاب المذاهب والله تعالى أعلم ا ه أقول لو صح حديث أبي داود والترمذي المذكور سابقا كان ينبغي أن يجمع بين الأحاديث بأن الجراد على نوعين بحري وبري فيعمل في كل منهما بحكمه رواه أبو داود والترمذي وسنده ضعيف بالاتفاق وعن أى سعيد الخدري عن النبي قال يقتل المجرم السبع


العادي بتخفيف الياء وهو الذي يقصد بالقتل والجراحة كالأسد والذئب والنمر وغيرها رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وعن عبد الرحمان بن أبي عمار بفتح العين وتشديد الميم قال سألت جابر بن عبد الله أي الأنصاري عن الضبع أصيد هي فقال نعم فقلت أيؤكل بالتذكير والتأنيث وهو الأظهر فقال نعم فقلت سمعته أي أسمعته من رسول الله قال نعم بهذا أخذ الشافعي ويأتي دليل أبي حنيفة رحمه الله رواه الترمذي والنسائي والشافعي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن جابر قال سألت رسول الله عن الضبع قال هو صيد تذكيره باعتبار خبره أو المراد به الجنس فيجوز تذكيره وتأنيثه وفي رواية هي صيد ويجعل أي قاتله وفي نسخة على بناء المجهول فيه أي في جزاء قتله كبشا إذا أصابه المحرم بالاصطياد أو الاشتراء وفي رواية إذا صاده المحرم وليس هذا الحديث حجة علينا إذ لا تنافي بين كونه حراما أكله وبين كونه صيدا ويلزم الكبش في قتله وإنما يصلح دليلا للخصم حيث أنه يخص تحريم الصيد بما يؤكل لحمه رواه أبو داود قال ابن الهمام وانفرد بزيادة فيه كبش والباقون رووه ولم يذكروها فيه ورواه الحاكم بهذه الزيادة عن جابر قال قال رسول الله الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل وهذا دليل أكله عند الخصم وسيأتي في موضعه وابن ماجه والدرامي


وعن خزيمة بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي ابن جزى بفتح الجيم وكسر الزاي وياء مشددة وقيل بسكون الزاي بعدها همزة وقيل بكسر الجيم وسكون الزاي وقيل بصيغة التصغير قال سألت رسول الله عن أكل الضبع قال أو يأكل الضبع أحد دل على حرمة أكل الضبع كما قال به أبو حنيفة ومالك خلافا للشافعي وأحمد رحمهم الله وسألته عن أكل الذئب بالهمز ويبدل قال أو يأكل أي أجهلت حكمه ويأكل الذئب أحد فيه خير أي إيمان أو تقوى أو عرفان صفة أحد وقيل معناه في الذئب خير وهو من الضواري فهمزة الاستفهام محذوفة وهو تكلف بل تسعف رواه الترمذي وقال ليس إسناده بالقوى وفيه أن الحسن أيضا يستدل به على أن اجتهاد المستند إليه سابقا يدل على أنه صحيح في نفس الأمر وإن كان ضعيفا بالنسبة إلى إسناد واحد من المحدثين ويقويه رواية ابن ماجه ولفظه ومن يأكل الضبع ويؤيده أنه ذو ناب من السباع فأكله حرام ومع تعارض الأدلة في التحريم والإباحة فالأحوط حرمته وبه قال سعيد بن المسيب وسفيان الثوري وجماعة وأما قوله عليه الصلاة والسلام الضبع لست آكله ولا أحرمه كما رواه الشيخان وغيرهما فيفيد ما اختاره مالك من أنه يكره أكله إذا المكروه عنده ما أثم آكله ولا يقطع بتحريمه ومقتضى قواعد أئمتنا أن أكله مكروه كراهة تحريم لا أنه حرام محض لعدم دليل قطعي مع اختلاف فقهي
الفصل الثالث
عن عبد الرحمان بن عثمان الثيمي قال كنا مع طلحة بن عبيد الله وهو أحد العشرة المبشرة ونحن أي كلنا حرم بضمتين أي محرمون فاهدي له أي لطلحة طير أي مشوي أو مطبوخ وطلحة راقد فينا من أكل اعتمادا على الصداقة وتجوير للمحرم من لحم
الصيد ومنا من تورع ظنا منه أنه لا يجوز للمحرم أكله فلما استيقظ طلحة وافق من أكله أي بالقول أو الفعل والمراد بطير أما جنس وكان متعددا وأما طير كبير كفى جماعة قال أي طلحة فأكلنا مع رسول الله أي مثل ذلك وفي نسخة صحيحة فأكلناه أي نظيره رواه مسلم


باب الاحصار
أي المنع أو الحبس لغة والمنع عن الوقوف والطواف شرعا فإن قدر على أحدهما فليس بمحصر قال ابن الهمام يتحقق الإحصار عندنا بالعدوة وغيره كالمرض وهلاك النفقة وموت محرم المرأة أو زوجها في الطريق ا ه وعند الشافعي خص الإحصار بالعدو والكافر والجواب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على أن المشهور من كلام أهل اللغة أن الإحصار والمنع بمرض أو عدو أو حبس والحصر التضييق ذكره السبكي معترضا على النووي حيث نقله عن أهل اللغة من أن الإحصار في العدو أشهر الحصر في المرض أكثر فتأمل وتدبر خذ ما صفا ودع ما كدر وفوت الحج بأن يكون محرما ما ولم يدرك مكان الوقوف وهو عرفة في زمانه وهو من بعد الزوال إلى طلوع فجر يوم النحر ولو ساعة وهنا فرع غريب وأمر عجيب وهو أنه لو أدرك العشاء ليلة النحر وخاف لو ذهب إلى عرفات تفوت العشاء ولو اشتغل بالعشاء يفوت الوقوف فقيل يشتغل بالعشاء وإن فاته الوقوف وقيل يدع الصلاة ويذهب إلى عرفة وقال صاحب النخبة يصلي الفرض في الطريق ماشيا على مذهب من يرى ذلك ثم يقضيه بعد ذلك احتياطا
الفصل الأول
عن ابن عباس قال قد أحصر رسول الله أي منع عن عمرته التي أحرم بها في عام الحديبية فحلق رأسه أي بنية التحلل وجامع نساءه أي بعد تحلله الكامل كما يشير إليه قوله ونحر هديه إذ الواو لمطلق الجمع وفي الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام تحلل هو وأصحابه بالحديبية لما صده المشركون وكان محرما بالعمرة فنحر ثم حلق ثم قال لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا وفي الهداية ثم تحلل قال ابن الهمام يفيد أنه لا يتحلل قبل الذبح حتى


لو ظن المحصر أن الهدى قد ذبح في يوم المواعدة ففعل من محظورات الإحرام ثم ظهر عدم الذبح إذ ذاك كان عليه موجب الجناية وكذا لو ذبح في الحل على ظن أنه ذبح في الحرم قال الطيبي رحمه الله يقال أحصره المرض أو السلطان إذا ومنعه فإذا أحصر المحرم بعدو فله التحلل وعليه هدى ويجوز ذبح هدى المحرم حيث أحصر ولا يجوز ذبح باقي الهدايا إلا في الحرم وقال أصحاب أبي حنيفة لا يراق هدى المحصر أيضا إلا في الحرم حتى اعتمر غاية للمجموع أي تحلل حتى اعتمر أي قضى عاما قابلا أي آتيا يعني السنة السابعة من الهجرة التي اعتمر فيها قضاء لعمرة حل منها وقضاؤها كان واجبا كما ذهب إليه أبو حنيفة خلافا للشافعية حيث يسمون عمرة القضاء وأغرب ابن حجر في قوله ويؤيد عدم وجوب القضاء أن أهل الحديبية كانوا ألفا وأربعمائة وقيل أكثر ولم يعتمر ومعه هذه العمرة إلا نحو نصفهم ولو وجب القضاء لقضى الكل أو الأكثر ا ه ووجه غرابته لا يخفى إذ لم يقل أحد بوجوب القضاء فورا ولا بكونه معه عليه الصلاة ولسلام ولا يكون الأكثر يقوم مقام الكل فيجوز وقوعه سواء تقدم أو تأخر فتأمل وتدبر رواه البخاري وعن عبد الله بن عمر قال خرجنا مع رسول الله أي معتمر بن فحال كفار قريش دون البيت أي منعونا عن طوافه فنحر النبي هداياه وحلق أي ثم حلق كما بينته الروايات الصحيحة الصريحة وقصر أصحابة أي بعضهم وحلق الباقون وفي شرح الآثار للطحاوي تكلم الناس في المحصر إذا نحر هدية هل يحلق رأسة أم لا فقال قوم ليس عليه أن يحلق وممن قال بذلك أبو حنيفة ومحمد وقال آخرون بل يحلق فأن لم يحلق حل ولأ شيء عليه وممن قال به أبو يوسف رحمه الله وقال آخرون يحلق ويجب ذلك عليه ا ه ومال الطحاوي إلى القول وإذا لم يجب عليه الحلق وأراد أن يتحلل فإنه يفعل أدنى ما يخطره الأحرام كذا في البحر الزاخر والأظهره وجوب الحلق لقوله تعالى ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله البقرة ولفعله عليه الصلاة والسلام


وأصحابة الكرام رواه البخاري وعن المسور بكسر الميم وفتح الواو ابن مخرمة بخاء معجمة ساكنة بين فتحتين
قال إن رسول الله نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك أي بالنحر قبل الحلق رواه البخاري وعن ابن عمر أنه قال أليس استفهام إنكار حسبكم أي كافيكم سنة رسول الله أي قوله أن شرطية حبس أحدكم أي منع مانع عن الحج أي ركنه الأعظم وهو الوقوف بعرفة ولم يمنع الطواف والسعي وطاف بالبيت وبالصفا والمروة وسعى بينهما ثم حل أي بالحلق ونحوه منكل شيء يحج عاما قابلا أي قضاء لما فاته ويقاس عليه قضاء العمرة لاستواء السكين في قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله البقرة مع اتفاق الشافعية لنا في أن من شرع فيهما تطوعا لزم إتمامهما وقضاؤهما أن أفسدهما وعندنا يلزم النقل بالشروع مطلقا كما هو مقرر في محله قال الطيبي رحمه الله إذا أحصر المحرم بمرض أو عذر غير العدو يقيم على إحرامه فإذا زال المانع وفات الحج تحلل بعمل العمرة وهو قول ابن عباس رحمه الله لا حصر إلا حصر العدو وإليه ذهب الشافعي ومالك وأحمد رحمه الله وقال أصحاب أبي حنيفة له أن يتحلل كما في الإحصار بالعدو ولقوله عليه الصلاة والسلام الآتي من كسر أو عرج الخ فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا اعلم أن الفائت إذا كان مفردا فعليه قضاء الحج من قابل ولا عمرة عليه ولا دم بخلاف المحصر وقال الحسن بن زياد عليه الدم كقول مالك والشافعي رحمه الله وأشار في شرح الكنز إلى استحباب الدم للفائت عندنا وإن كان الفائت قانا فإنه يطوف للعمرة ويسعى لها ثم يطوف طوافا آخر لفوات الحج ويسعى له ويحلق أو يقصر وقد بطل عنه دم القران وإن كان متمتعا بطل تمتعه وسقط عنه دمه وإن ساق معه يفعل به ما يشاء وعلى الكل لا يجب في عام القضاء إلا الحج رواه البخاري وعن عائشة قالت دخل رسول الله على ضباعة بضم الضاد المعجمة وبالموحدة ذو العين المهملة بنت عم النبي بنت الزبير أي ابن عبد المطلب بن هاشم وزوجة المقداد وزعم


أنها أسلمية غلط فاحش فقال لها أي وهي في المدينة لعلك أردت
الحج أي معنا فإنا نحب أن تتوجهي للحج معنا قالت والله ما أجدني أي نفسي إلا وجعة بكسر الجيم تعني أجد في نفسي ضعفا من المرض لا أدري أقدر على تمام الحج أم لا قال لها حجي أي أحرى بالحج واشترطي وقولي عطف تفسيري اللهم محلي بفتح الميم وكسر الحاء أي محل خروجي من الحج وموضع حلالي من الإحرام يعني زمانه أو مكانه حيث حبستني أي منعتني يا الله يعني مكان منعي فيه من الحج للمرض قال بعض علمائنا وهذا تفسير الاشتراط يعني اشترطي أن أخرج من الإحرام حيث مرضت وعجزت عن إتمام الحج فمن لم ير الإحصار بالمرض يستدل بهذا الحديث بأن يقول لو كان المرض ينتج التحلل لم يأمر بالاشتراط لعدم الإفادة وإليه ذهب ومن يرى الإحصار بالمرض وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله يستدل بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري الآتي وبما صبح عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط ويقول أليس حسبكم سنة نبيكم ويقول فائدة الاشتراط تعجيل التحلل لأنها لو لم تشترط لتأخر تحللها إلى حين بلوغ الهدى محله وهذا على أصل أبي حنيفة فإنه يرى أن المحصر ليس له أن يحل حتى ينحر هدية بالحرم إلا أن يشترط ا ه وهذا قول شاذ فإن عندنا اشتراط ذلك كعدمه ولا يفيد شيئا هذا هو المسطور في كتب المذهب وقال الطيبي رحمه الله دل على أنه لا يجوز التحلل بإحصار المرض بدون الشرط ومع الشرط قيل أيضا لا يجوز التحلل وجعل هذا الحكم مخصوصا بضباعة كما أذن النبي لأصحابه في رفض الحج وليس يضرهم ذلك ا ه وهو يؤيد مذهبنا كما لا يخفى متفق عليه
الفصل الثاني


عن ابن عباس أن رسول الله أمر أصحابه أي بعض أصحابه أن يبدلوا بالتشديد والتخفيف أي يعرضوا الهدى الذي نحروا عام الحديبية بالتخفيف ويشدد في عمرة القضاء يعني أمرهم بأن يتحروا بدل ما نحروا في السنة المتقدمة لعدم أجزاء الأول بعدم وقوعه في الحرم كذا قال بعض الشراح من علمائنا وقال الطيبي رحمه الله يستدل بهذا الحديث من يوجب القضاء على المحصر إذا حل حيث أحصر ومن يذهب إلى أن دم الإحصار لا يذبح إلا في الحرم فإنه أمرهم بالإبدال لأنهم نحروا هداياهم في الحديبية خارج الحرم ا ه وفيه دلالة
على أنه ومن تبعه ذبحوا دم إحصارهم في أرض الحرم وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله رواه هنا بياض في الأصل وفي نسخة ألحق به أبو داود وزاد في نسخة وفيه قصة وفي سنده محمد بن إسحاق
الفصل الثالث


كذا في بعض النسخ وهو غلط إذ الحديث الآتي وقع في المصابيح بلفظ من كسر أو عرج أو مرض والفصل الثالث إنما يكون من زيادة صاحب المشكاة وعن الحجاج ابن عمر والأنصاري قال قال رسول الله ن كسر على باء المجهول أو عرج بكسر وبفتح في القاموس عرج أصابه شيء في رجله وليس بخلقة فإذا كان خلقة فعرج كفرح أو يثلث في غير الخلقة وزاد في المصابيح أو مرض يعني من حدث له بعد الإحرام مانع غير إحصار العدو فقد حل أي يجوز له أن يترك الإحرام ويرجع إلى وطنه وعليه الحج من قابل أي يقضي ذلك الحج من السنة الآتية قال الطيبي رحمه الله دل على جواز التحلل بواسطة المرض وقيل ذلك إنما يجوز مع اشتراط كما في حديث بضاعة رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدرامي وزاد أبو داود في رواية أخرى أو مرض وقال الترمذي هذا حديث حسن وقال غيره صحيح وفي المصابيح ضعيف أقول يحمل على سنده ولا يلزم من ضعف سنده ضعف سند الترمذي وغيره كما لا يخفى وعلى تقدير التعارض يرجح تحسين الترمذي على تضعيف البغوي قال ابن الهمام فذكر ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا صدق رواه الخمسة وفي شرح الآثار عن علقمة قال لدغ صاحب لنا وهو محرم بعمرة فذكرناه لابن مسعود رضي الله عنه فقال يبعث بهدى ويواعد أصحابه موعدا فإذا نحر عنه حل وفي رواية ثم عليه عمرة بعد ذلك وعن عبد الرحمان بن يعمر غير منصرف وهو بفتح الياء تحتها نقطتان وفتح


الميم ويضم الديلي بكسر الدال وسكون التحتانية وقيل بضم الدال وفتح الهمزة مكان الياء وحينئذ تكتب بصورة الواو قال سمعت النبي يقول الحج عرفة أي ملاك الحج ومعظم أركانه وقوف عرفة لأنه يفوت بفواته من أدرك عرفة أي الوقوف بها ليلة جمع أي ولو ليلة المزدلفة وهي ليلة العيد قبل طلوع الفجر فيه رد على من زعم أن الوقوف يفوت بغروب الشمس يوم عرفة ومن زعم أن وقته يمتد إلى ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس فقد أدرك الحج أي لم يفته وأمن من الفساد إذا لم يجامع قبل الوقوف وأما إذا فاته الوقوف حتى أدركه الفجر وجب عليه أن يتحلل بأفعال العمرة ويحرم عليه استدامة إحرامه إلى قابل كما نقل الإجماع في ذلك إلا رواية عن مالك فإن استدام إحرامه إلى قابل لم يجزئه الحج أيام منى ثلاثة أراد بها أيام التشريق فمن تعجل أي للنفر في يومين أي اليومين الأخيرين من أيام التشريق فلا إثم عليه وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث ولا دم عليه وتعجل جاء لازما ومتعديا وهنا لازم لمقابلة قوله ومن تأخر أي لرمى يوم الثالث فلا إثم عليه وهو أفضل لكون العمل فيه أكمل لعمله وقد ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا فئتين إحدهما ترى المتعجل آثما وأخرى ترى المتأخر آثما فورد التنزيل بنفي الحرج عنهما ودل فعله عليه الصلاة والسلام على بيان الأفضل منهما رواه الترمذي وأبو داود النسائي وابن ماجة والدرامي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وهذا الباب خال عن الفصل الثالث


باب حرم مكة
أي حرمة حرمها حرسها الله تعالى أي حماها وحفظها من الآفات الحسية والعاهات المعنوية

الفصل الأول
عن ابن عباس قال قال رسول الله يوم فتح مكة نصب على الظرفية لا هجرة من مكة إلى المدينة مفروضة بعد الفتح كما كانت قبله بل قيل أنها كانت ركنا من أركان الإيمان ولكن جهاد ونية أي بقي فرض الجهاد والنية الخالصة يعني الإخلاص في العمل الشامل للهجرة والجهاد وغيرهما وقيل أي قصد وعزم على إعلاء الدين بالهجرة عن المعاصي قال الطيبي رحمه الله كانت الهجرة من مكة إلى المدينة فلما فتح مكة انقطعت تلك الهجرة المفروضة فلا تنال بالهجرة تلك الدرجة التي حصلت للمهاجر لكن ينال الأجر بالجهاد وإحسان النية وأما الهجرة التي تكون لصلاح دين المسلم فإنها باقية مدى الدهر وفي الحديث من أعلام نبوته وهو إخباره أن مكة تدوم دار الإسلام فلا يتصور منها هجرة في سائر الأيام وإذا استنفرتم بصيغة المجهول أي إذا طلبتم للتفرد وهو الخروج إلى الجهاد ووقع في أصل ابن حجر فإذا استنفرتم بالفاء مخالفا للأصول المعتمدة فتكلف بقوله مقدرا وإذا وجب الجهاد مع النية الصالحة فإذا استنفرتم بالفاء مخالفا للاصول المعتمدة فتكلف بقوله مقدرا وإذا وجب الجهاد مع النية الصالحة فإذا استنفرتم فانفروا بكسر الفاء أي اخرجوا لقوله تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون التوبة وقال يوم فتح مكة أعاده تأكيدا أو إشارة إلى وقوع هذا القول وقتا آخر من ذلك اليوم والله تعالى أعلم إن هذا البلد أي مكة يعني حرمها أو المراد بالبلد أرض الحرم جميعها حرمه الله أي حرم على الناس هتكه وأوجب تعظيمه يوم خلق السمواات والأرض أي تحريمه شريعة سالفة مستمرة وقيل معناه أنه كتب الله في اللوح أن إبراهيم سيحرم مكة والتحقيق أن إبراهيم أظهر حرمتها وجدد بقعتها ورفع كعبتها بعدما اندرست بسبب الطوفان الذي هدم بناء آدم وبين حدود


الحرم فهو أي البلد حرام أي محرم ومحترم بحرمة الله أي بتحرمه تعالى إلى يوم القيامة إيماء إلى عدم نسخة وإنه أي الشأن لن يحل أي لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل أي القتال لي إلا ساعة من نهار دل على أن فتح مكة كان
عنوة وقهرا كما هو عندنا أي أحل لي ساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر فهو أي البلد حرام أي على كل أحد بعد تلك الساعة بحرمة الله أي المؤبدة إلى يوم القيامة أي النفخة الأولى لا يعضد أي لا يقطع شوكة أي ولو يحصل التأذي به وأما قول بعض الشافعية رحمهم الله أنه يجوز قطع الشوك المؤذي فمخالف لاطلاق النص ولذا جرى جمع من متأخريهم على حرمة قطعه مطلقا وصححه النووي رحمه الله في شرح مسلم واختاره في عدة كتبه وأما قول الخطابي كل أهل العلم على إباحة قطع الشوك ويشبه أن يكون المحظور منه الشوك الذي يرعاه الإبل وهو ما دق دون الصلب الذي لا ترعاه فإنه يكون بمنزلة الحطب فلعله أراد بأهل العلم علماء المالكيه رحمهم الله ولا ينفر بتشديد الفاء المفتوحة صيده أي إلا يحاش والإيهاج ولا يلتقط بصيغة المجهول لقطته بضم اللام وفتح القاف أي لا تؤخذ ساقطته إلا من عرفها بالتشديد والاستثناء منقطع وفي نسخة بصيغة المعلوم وهو ظاهر إذ التقدير لا يلتقطها أحد ألا من عرفها ليردها على صاحبها ولم يأخذها لنفسه وانتفاعها قيل أي ليس في لقطة الحرم إلا التعريف فلا يتملكها أحد ولا يتصدق بها وعليه الشافعي وقيل حكمها كحكم غيرها والمقصود من ذكرها أن لا يتوهم تخصيص تعريفها بأيام الموسم وعليه أبو حنيفة ومن تبعه ولا يختلي بصيغة المجهول خلاها بفتح الخاء مقصورا أي لا يقتطع نباتها وحشيشها قال بعض أئمتا الخلأ مقورا الرطب من النبات كما أن الحشيش هو اليابس منها ولا فرق بين الرطب واليابس في حرمة القطع وعليه الأكثرون ا ه وهذا خلاف المشهور من المذهب قال الشمني بعد قوله وكذا أن ذبح الحلال صيد الحرم أي قيمتة ويهدي بها أو يطعم ولا يجزئة


الصوم أو قطع حشيشة أو شجره إلا مملوكا للقاطع أو منبتا أو جافا أي يابسا فقال العباس يا رسول الله إلا الأذخر بالنصب في أكثر النسخ وفي بعضها بالرفع وهو تلقين والتماس أي قل إلا الأذخر بكسر الهمزة والخاء المعجمة بينهما ذال معجمة ساكنة وهو نبت عريض الأوراق فإنه أي الأذخر نافع ومحتاج إليه لقينهم القين الحداد وكذا الصياغ فإنهم يحرقونه بدل الحطب والفحم ولبيوتهم أي لسقفها وكذا لسقف قبورهم والمعنى لبيوتهم حال حياتهم ومماتهم فقال إلا الأذخر متفق عليه وفي رواية أبي هريرة لا يعضد شجرها بصيغة المفعول ولا يلتقط بصيغة الفاعل أي لا يأخذ ساقطتها إلا منشد أي معرف قال الشمني روى أصحاب الكتب الستة من


حديث أبي هريرة قال لما فتح الله على رسوله مكة قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنها أحلت لي ساعة من نهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يختلي خلاها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد فقال العباس فإنه لقبورنا وبيوتنا فقال عليه الصلاة والسلام إلا الأذخر والخلا بالقصر الحشيش الرطب واختلاؤه قطعه ولا يرعى الحشيش وجوزه أبو يوسف رحمه الله دفعا للحرج عن الزائرين والمقيمين ا ه كلامه وهو تعليل في معرض النص فلا يتم مرامه وأما قول ابن حجر ويجوز رعي نبات الحرم وشجره لأن البهائم كانت تساق فيه غير مربوطة الأفواه في زمنه عليه الصلاة والسلام وزمن أصحابه الكرام فمدفوع بأن البهائم لا تكليف عليها بخلاف الراعي ويؤيده ما جاء في استثناء الدواب والله تعالى أعلم بالصواب ويحرم على الأصح عند الشافعية وأكثرهم على الكراهة نقل تراب الحرم وحجره إلى غيره ولوالي حرم المدينة كما يمنع نقل تراب حرم المدينة وحجره إلى غيره ولوالي حرم مكة ويكره نقل تراب الحل إليه قالوا والفرق أن إهانة الشريف أقبح من رفعة الوضيع وأما نقل ماء زمزم للتبرك به فمندوب اتفاقا لأنه عليه الصلاة والسلام استهداه وهو بالمدينة من سهيل بن عمر وعام الحديبية فبعث إليه بمزادتين رواه البيهقي قال وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام حمله في الأداوي والقرب وكان يصب على المريض ويستشفيهم به وصح عن عائشة أنها كانت تنقله وتخبر أنه عليه الصلاة والسلام كان ينقله وعن جابر قال سمعت النبي يقول لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح أي بلا ضرورة عند الجمهور مطلقا عند الحسن وحجة الجمهور دخوله عليه الصلاة والسلام عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب ودخوله عليه الصلاة والسلام عام الفتح تهيئا للقتال كذا ذكره عياض رحمه الله وتبعه الطيبي رحمه الله وابن حجر رحمه الله وفيه بحث ظاهر إذ المراد


بحمل السلاح ظاهرا بحيث يكون سببا لرعب مسلم أو أذى أحدكما هو مشاهد اليوم ويؤيده أنه كان ابن عمر يمنع ذلك في أيام الحجاج وأما عام الفتح فهو مستثنى من هذا الحكم فإنه كان أبيح له ما لم يبح لغيره من نحو حمل السلاح رواه مسلم وعن أنس أن النبي دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه الغفر بكسر الميم
وفتح الفاء شبه قلنسوة من الدرع قال الطيبي رحمه الله دل على جواز الدخول بغير إحرام لمن لا يريد النسك وهذا أصح قولي الشافعي رحمه الله قال الشمني رحمه الله ولنا ما روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال لا تجاوزوا الميقات بغير إحرام وأيضا الإحرام لتعظيم البقعة فيستوي فيه الحاج والمعتمر وغيرهما ودخوله عام الفتح بغير إحرام حكم مخصوص بذلك الوقت ولهذا قال في ذلك اليوم أنها لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراما يعني في الدخول بغير إحرام للإجماع على حل الدخول بعده عليه الصلاة والسلام للقتال فلما نزعه أي المغفر من رأسه جاء رجل قال الطيبي رحمه الله هو فضل بن عبيد أبو برزة الأسلمي وقال أن ابن خطل بفتحتين متعلق بأستار الكعبة فقال اقتله قال الطيبي رحمه الله وكان قد ارتد عن الإسلام وقتل مسلما كان يخدمه واتخذ جارتين تغنيان بهجو النبي وأصحابه الكرام وأحكام الإسلام فأمر بقتله يعني قصاصا ويعلم منه أن الحرم لا يمنع من إقامة الحدود على من جنى خارجه والتجأ إليه أقول الظاهر أنه إنما قتله لارتداده انفرادا أو مع انضمام قتل النفس ولو سلم أنه قتله قصاصا يحمل على أنه أجاز ذلك له في تلك الساعة ومما يدل على أن قتله لم يكن للقصاص عدم وجود شروطه من المطالبة والدعوى والشهادة وبه بطل قول ابن حجر وتأويل أبي حنيفة له بأن هذا كان في الساعة التي أحلت له وحينئذ مكة كغيرها بخلافها بعدها مردود يوضع المغفر لأنه لا يلزم من وضعه نقض أمره ونهيه في حكمه من يومه على أنه عليه الصلاة


والسلام قبل أن يدخل مكة أذن في قتل جماعة من الرجال والنساء وإن كانوا متعلقين بأستار الكعبة منهم هذا وهو أشاهم متفق عليه وعن جابر أن رسول الله دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة بكسر العين سوداء قيل أنه بسبب المغفر بغير إحرام تقدم عليه الكلام ولعل دخوله عليه الصلاة والسلام بغير إحرام عرف من عدم طوافه وسعيه وإلا فالإحرام هو النية عند الشافعي رحمه الله والتلبية معها عندنا وهو لا ينافي اللبس سيما إذا كان للضرورة رواه مسلم وظاهره مع ما قبله أنه كان جامعا بين لبس المغفر والعمامة ونقل النووي عن عياض وأقره منه وتبعهما الطيبي الجمع بأنه أولا وعلى رأسه المغفر ثم بعد إزالته عن رأسه وضع العمامة عليه واستدل لذلك بقوله خطب


الناس وعليه عمامة سوداء لأن الخطبة كانت عند باب الكعبة ا ه وفي جمعه نظر ظاهر لا يخفى إذ لا مانع أنه حال الدخول كان بهما ثم قلع المغفر وأبقى العمامة هذا وفي الجملة جاز لبس السواد في العمامة وغيرها وإن الأفضل البياض نظرا إلى أكثر أحواله عليه الصلاة والسلام فعلا وأمر أو أغرب الشافعية في قولهم ليس الخطيب السواد فليتركه ويلبس الأبيض إلا أن أكره بخصوصه كما كان يفعله العباسيون وما أحسن عبارة الطيبي فيه جواز ليس السواد في الخطبة وإن كان البياض أفضل وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله يغزو أي يقصد جيش أي عسكر عظيم في آخر الزمان الكعبة أي ليخر بها فإذا كانوا ببيداء من الأرض أي ببقعة فيحاء ومفازة وسعاء منها ولا دلالة فيه على المحل المعروف قرب المدينة كما جزم به ابن حجر يخسف على بناء المفعول بأولهم وآخرهم أي يخسف بكلهم الأرض قلت يا رسول الله وكيف أي الحال وهو من حسن السؤال يخسف باأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم الجملة حالية قال الطيبي رحمه الله إن كان جمع سوق فالتقدير أهل أسواقهم وإن كان جمع سوقة وهي الرعايا فلا حاجة إلى التقدير ومن ليس منهم أي في الكفر والقصد بتخريب الكعبة عطف على أسواقهم قال الطيبي رحمه الله أي من لا يقصد تخريب الكعبة بل هم الضعفاء والأساري قال يخسف بأولهم وآخرهم فيدخل فيهم هؤلاء وإن لم يكن قصدهم لأنهم كثروا في سوادهم وأعانوهم على فسادهم وقد قال تعالى أي واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة أي الأنفال ثم يبعثون أي كلهم على نياتهم أي يبعث من كان نيته الإسلام من أهل الجنة ومن كان نيته الكفر من أهل النار متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله يخرب الكعبة بتشديد الراء وتخفيفها ذو السويقتين وإنما صغر ساقاه لأن ساقيه دقيقتان قصيرتان من الحبشة أي من الكفار متفق عليه


وعن ابن عباس عن النبي قال كأني به أي ملتبس إليه وانظر إليه يريد به من يخرب الكعبة وكأنه عليه الصلاة والسلام ذكره بعدما ذكر أنه يخرب الكعبة أحد وأما ما قاله المظهر من أن الضمير المجرور راجع إلى المذكور في حديث أبي هريرة فغير ظاهر إذ لم يعرف اتصال الحديثين لا سيما مع اختلاف الروايتين ثم قال والأولى أن يقال أنه ضمير مبهم يفسره ما بعده وفيه أنه لا يصلح أن يكون تفسيرا له اللهم إلا أن يقال التقدير كأني برجل أسود أفحج الخ أسود وهو غير مذكور في المصابيح ثم هو إما بدل من الضمير المجرور في به أو حال عنه وكذا قوله أفحج بتقديم الحاء على الجيم وهو الذي يتدانى صدور قدميه ويتباعد عقباه ويتفحج ساقاه ومعناه يتفرج والفجيج بجيمين فتح ما بين الرجلين وهو أقبح من الفحيج يقلعها أي بناء الكعبة حجرا حجرا حالان نظير يوبته بابا بابا ذكره ابن حجر والأظهر إنهما بدلان عن ضمير الكعبة والمراد بناؤها وأيضا الحجر والباب مشتق فلا يقاس أحدهما على الآخر فتدبر ثم قيل ويرمونها في البحر وقد اتفق المهندسون أن بقاءها المدة المديدة من خوارق العادة العديدة رواه البخاري
الفصل الثاني
عن يعلى بن أمية قال إن رسول الله قال احتكار الطعام في الحرم وهو اشتراء القوت في حالة الغلاء ليباع إذا اشتد غلاه وهو حرام في جميع البلاد وفي الحرم أشد الحاد فيه أي ميل عن الحق إلى الباطل في الحرم قال تعالى أي ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم أي رواه أبو داود وعن ابن عباس قال قال رسول الله لمكة أي خطابا لها حين وداعها مما يدل على فهمها وسماعها وذلك يوم فتح مكة ما أطيبك من بلد صيغة تعجب وأحبك إلى عطف عليه الأولى بالنسبة إلى حد ذاتها أو للإطلاق والثانية للتخصيص ولولا أن قومي أخرجوني أي


صار سببا لخروجي منك ما سكنت غيرك وهذا دليل للجمهور على أن مكة أفضل من المدينة خلافا للإمام مالك رحمه الله وقد صنف السيوطي رسالة في هذه المسئلة رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب إسنادا تمييز وعن عبد الله بن عدي بن حمراء قال رأيت رسول الله واقفا على الجزورة قال الطيبي رحمه الله على وزن القسورة موضع بمكة بعضهم شددها أي الراء والجزورة في الأصل بمعنى التل الصغير سميت بذلك لأنه هناك كان تلا صغيرا لأن وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد كان ولي أمر البيت بعد جرهم فبنى صرحا هناك وجعل فيها أمة يقال لها جزورة سميت جزورة مكة بها ا ه وقيل اسم سوق بمكة وهو الآن معروف بالغرورة وهو باب الوداع فقال أي مخاطبا للكعبة وما حولها من حرمها وفيه تأنيس في الجملة لقول أئمتنا الحنفية من أنه يستحب للمودع أن يكون ملتفتا إلى ما وراءه كالمنتدم على الخروج منها بل كالمكره في الإنصراف عنها مع ما فيه من تعظيم الأدب في مفارقة بيت الرب وأما القهقرى وإن كانت بدعة إلا أنها لا تزاحم سنة ولا تدفعها مرة فهي بدعة حسنة وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه بل رفعه أن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن والله إنك لخير أرض الله إلى الله وأحب أرض الله إلى الله فيه تصريح بأن مكة أفضل من المدينة كما عليه الجمهور إلا البقعة التي ضمت أعضاءه عليه الصلاة والسلام فإنها أفضل من مكة بل من الكعبة بل من العرش إجماعا تحمل المالكية في رد هذا الحديث من جهة المبنى والمعنى بما اعترف به الإمام ابن عبد البر من أئمتهم إنه تشعبث لا طائل تحته ومن العجيب أنهم عارضوا هذا الحديث الثابت بأحاديث ضعيفة بل موضوعة منها اللهم إنهم أخرجوني من أحب البلاد إلي فأسكني في أحب البلاد إليك فقد أجمعوا على أنه موضوع كما قاله ابن عبد البر وابن دحية بل ونقل ذلك عن مالك ولا يلتفت إلى إخراج الحاكم هذا الحديث في مستدر فإن الأئمة قالوا من كمال تساهله في كتابه عطل تمام


النفع له مع أنه لو ثبت يكون التقدير بعد مكة فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن أحب البلاد إليه إلا ما كان أحب البلاد إلى الله أيضا ليختار الله تعالى له خير تلك البلاد وأحفظها من الفتن والفساد والله رؤف بالعباد ولولا أنى أخرجت منك أي بأمر من الله ما خرجت وفيه دلالة على أنه لا ينبغي للمؤمن أن يخرج من مكة إلا أن يخرج منها حقيقة أو
حكما وهو الضرورة الدينية أو الدنيوية ولذا قيل الدخول فيها سعادة والخروج منها شقاوة رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما وسنده صحيح وأما خبر الطبراني المدينة من مكة فضعيف بل منكر واه كما قاله الذهبي وعلى تقدير صحتة يكون محمولا على زمانة لكثرة الفوائد في حضرتة وملازمتة لأن شرف المدينة ليس بذاتة بل بوجوده عليه الصلاة والسلام فيه ونزوله مع بركاته وناهيك في الفرق بين البقعتين أن السفر إلى مكة واجب بالإجماع وإلى المدينة سنة بلا نزاع وأيضا نفس المدينة ليس أفضل من مكة اتفاقا إذ لا تضاعف فيه أصلا بل المضاعفة في المسجدين ففي الحديث الصحيح الذى قال بعض الحفاظ على شرط الشيخين صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجدالحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة وصح عن ابن عمر موقوفا في حكم المرفوع لأنه لا يقال مثله بالرأي صلاة واحدة بالمسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة بمسجد النبي عليه الصلاة والسلام قال ابن الهمام اختلف العلماء في كراهة المجاورة بمكة وعدمها فذكر بعض الشافعية أن المختار استحبابها إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في المحذور وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله وذهب أبو حنيفة ومالك إلى كراهتها وكان أبو حنيفة يقول إنها ليست بدار هجرة وقال مالك وقد سئل عن ذلك ما كان الناس إلا على الحج والرجوع وهو أي الأول أعجب وهذا أي الثاني أحوط لما في خلافه من تعريض النفس على الخطر إذ طبع الإنسان التبرم والملل من توارد ما خالف


هواه في المعيشة وزيادة الانبساط المخل بما يجب من الاحترام لما يكثر تكرره عليه ومداومة نظره إليه وأيضا الانسان محل الخطأ كما قال عليه الصلاة والسلام كل ابن آدم خطؤه المضاعف يضاعف أي كمية على ما روى عن ابن مسعود أن صح وإلا فلا شك أنها في حرم الله أفحش وأغلظ أي تضاعف كيفية فتنتهض سببا لغلط الموجب وهو العقاب ويمكن كون هذا هو محمل المروي من التضاعف كيلا يعارض قوله تعالى من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها الأنعام أعني أن السيئة تكون فيه سببا لمقدار من العقاب هو أكثر من مقداره عنها في غير الحرم إلى أن يصل إلى مقدار عقاب سيئات منها في غيره والله تعالى أعلم وكل من هذه الأمور سبب لمقت الله تعالى وإذا كان سجية البشر فالسبيل التروح عن ساحته وقل من يطمئن إلى نفسه في دعواها البراءة من هذه الأمور إلا وهو في ذلك مغرور ألا ترى إلى ابن عباس رضي الله عنهما من أصحاب رسول الله المحببين إليه المدعو له كيف اتخذ الطائف دارا قال لأن أذنب خمسين ذنبا بركية وهو موضع بقرب الطائف أحب من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة وعن ابن مسعود ما من بلدة يؤخذ العبد فيها بالهمة قبل العمل إلا مكة وتلا هذه الآية ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم الحج وقال سعيد بن المسيب للذي جاء من أهل المدينة يطلب العلم ارجع إلى المدينة فإنا نسمع أن ساكن مكة لا يموت حتى يكون الحرم عنده بمنزلة الحل لما يستحل من حرمها وعن عمر رضي الله عنه خطيئة


أصيبها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة بغيرها نعم أفراد من عباد الله استخلصهم وخلصهم من مقتضبات الطباع فأولئك هم أهل الجوار الفائزون بفضيلة من يضاعف له الحسنات والصلاة من غير ما يحبطها من السيئات وفي الحديث عنه صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف في مسجده وفي رواية لأحد عن ابن عمر سمعته يعني النبي يقول من طاف أسبوعا يحصيه وصلى ركعتين كان كعدل رقبة وقال سمعته يقول ما رفع رجل قدما ولا وضعها إلا كتب الله له عشر حسنات وحط عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وروى ابن ماجة عن ابن عباس عنه من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر كتب له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه وكتب الله له بكل يوم عتق رقبة وبكل ليلة عتق رقبة وكل يوم حملات فرس في سبيل الله ولكن الفائز بهذا مع السلامة من إحباطها أقل القليل فلا يبنى الفقه باعتبارهم ولا يذكر حالهم قيدا في جواز الجوار لأن شأن النفوس الدعوى الكاذبة والمبادرة إلى الدعوة والمهلكة والقدرة على ما يشترط فيما يتوجه إليه وتطلبه وإنها لا كذب ما يكون إذا حلفت فكيف إذا دعت والله تعالى أعلم وعلى هذا فيجب كون الجوار في المدينة المشرفة كذلك فإن نضاعف السيئات وتعاظمها وإن فقد فيها فمخالفة السلامة وقلة الأدب إلى الإخلال بواجب التوقير والإجلال قائم أيضا وهو أيضا مانع إلا للأفراد ذوي الملكات فإن مقامهم وموتهم فيها السعادة الكاملة في صحيح مسلم لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا وأخرج الترمذي وغيره عن ابن عمر عنه عليه الصلاة والسلام من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإني أشفع لمن يموت بها ا ه ولو أدرك الأولون ما انتهى إليه الآخرون كما عليه أهل زماننا الغافلون لحكموا بحرمة المجاورة في الحرمين الشريفين من شيوع الظلم وكثرة الجهل وقلة العلم وظهور


المنكرات وفشو البدع والسيئات وأكل الحرم والشبهات وفي الحقيقة ليسوا بمحاورين بل لهم مقاصد فاسدة صاروا بها مقيمين غير مسافرين من تجارة أو منصب أو جراية أو جامكية أو صرة أو شهرة غالبهم يأكلونها من غير استحقاق لحالتهم ومن غير قيام بوظائف خدمتهم ومن غير رعاية لشروط الأوقاف في مدة خلاتهم لكن هذه البلية حيث عمت البلاد وطمت في البلاد طابت حتى على الزهاد والعباد قال تعالى ظهر الفساد ف
البر والبحر الروم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال تعالى يا معشر الجن والأنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السمواات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان الرحمان والله المستعان وعليه التكلان ولعله لا يؤاخذنا بالفضل والإحسان
الفصل الثالث


وعن أبي شريح العدوي بفتح العين والدال أنه قال لعمرو بن سعيد أي ابن العاص الأموي القرشي كان أمير بالمدينة نائبا عن ابن عمه عبد الملك بن مروان ثم أرسله لقتال ابن الزبير الخليفة بالحق في مكة وأعمالها والعراق وغيرها إلا الشام فإن عبد الملك تغلب عليها وهو أي عمرو يبعث البعوث أي يرسل الجيوش إلى مكة والبعث جماعة من الجند يرسلها الأمير إلى قتال فرقة وفتح بلاد ائذن لي بفتح الذال وتبدل همزته الثانية بالياء عند الابتداء وهو أمر من الإذن بمعنى الإجازة أيها الأمير أحدثك بالجزم وقيل بالرفع قولا أي حديثا قام به أي بذلك القول رسول الله أي خطيبا والمعنى حدث به الغد أي اليوم الثاني من يوم الفتح سمعته أذناي بضم الذال وسكونها ووعاة قلبي أي حفظه وأبصرته أي قائلة عيناي فيه تأكيدات لا تخفى حين تكلم به حمد الله جملة استئنافية مبينة أي شكر الله شكرا جزيلا وأثنى عليه أي ثناء جميلا ثم قال إن مكة حرمها الله أي جعلها محرمة معظمة وأهلها تبع لها في الحرمة ولم يحرمها الناس أي من عندهم فلا ينافي أنه حرمها إبراهيم بأمر الله تعالى فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر اكتفى بطفي المؤمن به عن بقيته أن يسفك أي يسكب بها دما أي بالجرح والقتل وهذا إذا كان دما مهدرا وفق قواعدنا وإلا فالدم المعصوم يستوي فيه الحرم وغيره في حرمة سفكه ولا يعضد بكسر الضاد المعجمة وضمها أي ولا يقطع بها شجرة وفي معناها النبات والحشيش فإن شرطية أحد فاعل فعل محذوف وجوبا يفسره ترخص نحو قوله تعالى أي وإن أحد من المشركين استجارك أي أي وإذا السماء انشقت أي بقتال رسول الله كذا في بعض النسخ فيها فقولوا إن الله قد أذن أي أجا


لرسوله ولم يأذن لكم وبه تم جواب المترخص ثم ابتدأ وعطف على الشرط فقال وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار فلا التفات في الكلام خلافا لما توهمه ابن حجر فتدبر وقد عادت أي رجعت حرمتها اليوم أي يوم الخطبة المذكورة كحرمتها بالأمس أي ما عدا تلك الساعة ويمكن أن يراد بالأمس الزمن الماضي وليبلغ بسكون اللام وكسرها تشديد اللام الثانية ويجوز تخفيفها أي يوصل الشاهد أي الحاضر الغائب فقيل لأبي شريح ما قال لك عمرو ما استفهامية قال أي أبو شريح قال أي عمرو أنا أعلم بذلك أي الحديث أو الحكم منك يا أبا شريح يحتمل أن يكون النداء تتمة لما قبله أو تمهيدا لما بعده إن الحرم أي مكة كما في حديث آخر لا يعيذ أي لا يجير عاصيا أي بنحو الخروج على الخليفة زعما منه أن عبد الملك هو الخليفة بحق والحال أنه باطل ولا فارا أي هاربا بدم أي قتل بالكلية بمجرد الالتجاء إلى الحرم على وجه الالجاء فإنه يطلب في الجملة بأن يضيق عليه ولا يطعم ولا يسقى ولا يباع له شيء من مأكول ومشروب ليخرج من الحرم مضطرا فيقتص منه فبطل قول ابن حجر أن فيه دليلا لمذهبنا أنه يستوفي ممن في الحرم ما لزمه من قود أو حد على أن مقتضى مذهبه عدم اعتبار قول الصحابي العدل إجماعا فكيف بالظالم اتفاقا ولا فارا أي شاردا بخربة بفتح الخاء المعجمة وإسكان الراء وقد يقال بضم الخاء أي بجناية وأصلها سرقة الإبل متفق عليه وفي البخاري الخربة الجناية وفي نسخة الخيانة ضد الأمانة وفي شرح مسلم عند الخربة البلية
وعن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أخو أبي جهل إلا أنه أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة قال قال رسول الله لا تزال بالتأنيث والتذكير هذه الأمة أي أمة الإجابة بخير التنوين للتعظيم ما عظموا أي مدة تعظيمهم هذه الحرمة أي حرمة مكة وحرمها المعهودة عند العرب بأجمعها حق تعظيمها فإذا ضيعوا ذلك أي التعظيم أو ما ذكر من الحرمة هلكوا أي بالإهانة جزاء وفاقا رواه ابن ماجة


باب حرم المدينة
أعلم أن للمدينة حرمة عندنا لا حرما كما لمكة خلافا للأئمة الثلاثة فعندهم يحرم صيدها وقطع شجرها وعندنا لا يحرم ذلك قال في الكافي لأن حل الاصطياد عرف بالنصوص القاطعة فلا يحرم إلا ببراهين ساطعة ومرويهم محتمل وهو لا يصلح حجة حرسها الله تعالى

الفصل الأول
عن علي رضي الله عنه قال ما كتبنا عن رسول الله إلا القرآن وما في هذه الصحيفة قال أي على تفسير ألما في الصحيفة قال رسول الله المدينة حرام أي محترم ممنوع مما يقتضي إهانة الموضع المكرم وعند الشافعية الحرام بمعنى الحرم ما بين عير بفتح العين وسكون الياء وثور بفتح المثلثة وسكون الواو جبلان على طرفي المدينة وقيل الأول معروف بالمدينة وأما الثاني فالمعروف أنه بمكة وفيه الغار الذي توارى فيه النبي وفي رواية ما بين عير واحد فيكون ثور غلطا من الرازي وإن كان هو الأشهر في الرواية وقيل إن عيرا جبل بمكة أيضا فالمعنى إن حرم المدينة بمقدار ما بين عير وثور حرم كحرمة ما بينهما وبمكة جبل يقال له عير عدوي وجبل يقال له ثور أطحل وقيل يحتمل أنه أراد بهما الحرتين للحديث الصحيح أنه قال حرم ما بين لابتي المدينة على لساني فشبه إحدى الحرتين بعيلا لنتو وسطه ونشوزه والأخرى بثور لامتناعه تشبيهاف بثور الوحش أو أراد بهما مازمى المدينة فشبههما بعير وثور وفي الحديث حرام ما بين ما زميها وهما شعبتان تكتنفانها فشبههما بالجبلين اللذين بمكة كذا حققه بعض علمائنا من الشراح فمن أحدث أي أظهر فيها أي في المدينة حدثا أي منكر أو بدعة وهي ما خالف الكتاب والسنة أو آوى بالمد ويقصر محدثا بكسر الدال على الرواية الصحيحة أي مبتدعا وقيل أي جانيا بأن يحول بينه وبين خصمه أن يقتص منه ويروى بفتح الدال أي أمرا مبتدعا وإيواؤه الرضاء به والصبر عليه فعليه أي فعلى كل منهما لعنة الله أي طرده وإبعاده والملائكة أي دعاؤهم عليه بالبعد عن رحمته والناس أجمعين أي ممن عدا المحدث والمؤوى


أو هما داخلان أيضا لأنهما ممن يقول ألا لعنة الله على الظالمين والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ولا يقبل منه أي قبولا كاملا صرف أي فرض أو نافلة أو توبة أو شفاعة و لاعدل أي نافلة أو فريضة أو فدية ذمة المسلمين أي عهدهم وأمانهم واحدة أي أنها كالشيء الواحد لا يختلف باختلاف المراتب ولا يجوز نقضها لتفرد العاقد بها وكان الذي ينقض ذمة أخيه كالذي ينقض ذمة نفسه وهي ما يذم الرجل على إضاعته من عهد وأمان كأنهم كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى بعضه اشتكى كله يسعى بها أي يتولاها ويلي أمرها أدناهم أي أدنى المسلمين مرتبة والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع قال الطيبي رحمه الله فإذا أمن أحد من المسلمين كافر لم يحل لأحد نقضه وإن كان المؤمن عبدا وأما أمامنا الأعظم فلم يعتبر أمان العبد كما هو مقرر في محله الأهم فمن أخفر مسلما بالخاء المعجمة أي نقض عهده وأمانه للكافر بأن قتل ذلك الكافر أو أخذ ماله وحقيقته إزالة خفرته أي عهده وأمانه فعليه لعنة الله والملائكة أي الكرام الكاتبين أو كلهم لكراهتهم العاصين


والناس أجمعين وكذا على من اقتدى به أو رضي بفعله فتكون اللعنة عليهم في الدنيا والعقبى لا يقبل منه أي من المخفر صرف ولا عدل كما تقدم ومن والى قوما بأن يقول معتق لغير معتقه أنت مولاي بغير إذن مواليه ليس لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه بل بنى الأمر فيه على الغالب وهو أنه إذا استأذن مواليه لم يأذنوا له قال الطيبي رحمه الله قيل أراد به ولاء المولاة لا ولاء العتق كمن انتسب إلى غير أبيه وقوله بغير إذن مواليه تنبيه على المانع وهو إبطال حقهم وأمانتهم وإيراد الكلام على ما هو الغالب لا تقييد حتى يجوز الانتساب بالإذن فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل متفق عليه وهو يفيد أن عليا ما كتب شيئا غير القرآن وما في هذه الصحيفة وفي مسند أحمد عن أبي حسان أن عليا كان يأمر بالأمر فيؤتى فيقال قد فعلنا كذا وكذا فيقول صدق الله ورسوله قال فقال له الأشتر أن هذا الذي تقول تفشغ في الناس أهو شيء عهده إليك رسول الله قال ما عهد إلى رسول الله دون الناس إلا شيء سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي قال فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها من أحدث حدثا الحديث قال النووي رحمه الله هذا تصريح من علي بإبطال ما يزعمه الشيعة ويفترونه من قولهم أن عليا أو صى إليه النبي بالخلافة وأسرار أخر وخص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم فهذه دعاوي باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفى في إبطاله قول علي هذا وفيه دليل على استحباب كتابة العلم ومعنى تفشغ بالفاء والشن والعين المعجمتين أي ظهر وانتشر على ما في النهاية وفي رواية لهما من ادعى أي انتسب إلى غير أبيه أي المعروف أو تولى غير مواليه هذا العطف يؤيد من فسر المولاة بولاء العتاقة فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل جمع بينهما بالوعيد فإن العتق من حيث أنه لحمة كلحمة النسب فإذا نسب إلى غير من هو له كان كالدعى الذي يتبرأ


عمن هو منه وألحق نفسه بغيره فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة وعن سعد أي ابن وقاص أحد العشرة المبشرة قال قال رسول الله إني
أحرم أي أعظم أو أمنع ما بين لابني المدينة أي جانبيها من الجبال قيل اللابة الحرة وهي الأرض ذات الحجارة السود كأنها أحرقت بالنار وأراد بهما حرتين نكتنفانها أن يقطع بدل اشتمال من المفعول عضاهها جمع عضة بحذف الهاء الأصلية كما في شفة وهي كل شجر عظيم له شوك أو يقتل صيدها حمله أصحابنا على النهي التنزيهي كما سيجيء وقال المدينة خير لهم أي لأهلها من المؤمنين في الدنيا والأخرى وذلك مطلق إن كان قبل الفتح ومقيد بغير مكة إن كان بعده أو المراد بالخيرية من جهة بركة المعيشة فلا ينافي بركة الفضيلة الزائدة الثابتة لمكة بالأحاديث الصحيحة الصريحة لو كانوا يعملون أي ما فيها من الحير لما فارقوها وما اختاروا غيرها عليها وما تحولوا للتوسعة في الدنيا لا يدعها استئناف مبين أي لا يتركها أحد رغبة عنها اعراضا احترازا من تركها ضرورة إلا أبدل الله فيها من هو خير منه والمعنى أنه لا يضر المدينة عدمه بل ينفعها فقده وذهب إلى غيرها شره ونظيره قوله تعالى أي وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم أي قيل وهذا الإبدال في زمنه عليه الصلاة والسلام والظاهر أنه مطلق شامل لجميع الأحوال والأيام ولا يثبت أحد أي بالصبر على لأوائها بسكون الهمزة الأولى ويبدل أي شدة جوعها وجهدها بفتح الجيم وضمها أي مشقتها مما يجد فيه من شدة الحر وكربة الغربة وأذية من فيها من أهل البدعة لأهل السنة قال الجوهري اللأواء والشدة لكن المراد هنا ضيق المعيشة والقحط لما في أكثر الروايات على لأوائها وشدتها فلا بد من الاختلاف في معناهما وإن كان يمكن أن يكون العطف تفسيريا وتأكيدا لأن التأسيس أولى والأصل في العطف التغاير إلا كنت له شفيعا أو شهيدا قيل أو شك من الراوي وهو بعيد جدا لأن كثير من الصحابة رووه كذلك


ويبعد اتفاقهم على الشك وقيل تقسيم أي شفيعا للعاصي شهيدا للمطيع أو شهيدا لمن مات في زمانه شفيعا لمن مات بعده وقيل أو بمعنى الواو يوم القيامة وفيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة قال القاضي رحمه الله وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين عامة وعلى شهادته لجميع الأمة وقد قال عليه الصلاة والسلام في شهداء إحدانا شهيد على هؤلاء فيكون تخصيصهم بذلك مزية مرتبة ورفعة منزلة رواه مسلم وفيه تنبيه أنه ينبغي للمؤمن أن يكون صابرا بل شاكرا على إقامته في الحرمين الشريفين ولا ينظر إلى ما فيما عداهما من النعم الصورية لأن العبرة بالنعم الحقيقية الأخروية لحديث اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ولحديث من صبر على حر مكة ساعة تبعد من نار جهنم مائتي سنة ونعم ما قال إذا لم يطب في طيبة عند طيب تطيب به الدنيا فأين تطيب وقد قال عز وعلا أي ألم يرو إنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أي وقال عز وجل أي فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف أي وأصل الحياة الطيبة في وصول الرزق وحصول الأمن الذي به كما الرفق


وعن أبي هريرة أن رسول الله قال لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أي من الجوع والحر أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا يوم القيامة قيل مخصوص بزمان حياته وقيل عام رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة قال كان الناس أي الصحابة إذا رأوا وأول التمرة وهو الذي يسمى الباكورة والأنموذج جاؤا به أي بأول التمر وفي نسخة بها والتأنيث اكتسب من المضاف إليه إلى النبي أي طلبا للبركة فيما جدد الله به من النعمة فإذا أخذه قال اللهم بارك لنا في تمرنا أي بركة حسية ومعنوية وبارك لنا في مدينتنا أي في ذاتها من جهة سعتها ووسعة أهلها وقد استجاب الله دعاءه عليه الصلاة والسلام بأن وسع نفس المسجد وما حوله من المدينة وكثر الخلق فيها حتى عد من الفرس المعد للقتال المهيأ بها في زمن عمر أربعون ألف فرس والحاصل أن المراد بالبركة هنا ما يشمل الدنيوية والأخروية والحسية وبارك لنا في صاعنا أي فيما يكال به كمية وكيفية وبارك لنا في مدنا وهو كيل دون الصاع اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك آثره على رسولك لأن مقام النبوة يختص بالحق تعالى ولذا فضله ابن عبد السلام على مقام الرسالة يعني أن نبوة الرسول أفضل من النبي غير الرسول لأن هذا فيه ما في ذاك وزيادة خطأ من وجهين في تعليله مع ما فيه من تعارض وتناقض بين نقليه أن الإجماع منعقد على أن الرسول أفضل من النبي الذي هو غير رسول بناء على أن النبي هو الذي أوحى إليه بشرع سواء أمر بتبليغه أم لا والرسول هو المأمور بالبتبليغ فالرسول جامع بين الوصفين من الكمال في نفسه وإلا كمال لغيره ولا شك أن التكميل أكبر مرتبة من الكمال في مقام التحصيل نعم النبوة من حيث أنه أخذ الفيض من الحق أفضل من الرحمة من حيث أنه إيصال له إلى الخلق ولذا قال بعض الصوفية الولاية أفضل من النبوة بتأويل أن ولاية النبي وهو معنى النبوة أشرف من رسالته والتحقيق والله ولي التوفيق أن مرتبة الرسالة التي هي مقام جمع


الجمع حيث لا تحجبه الكثرة عن الوحدة ولا تحجزه الوحدة عن الكثرة أتم وأكمل من النبوة التي هي مقام الجمع الصرف المتخلص عن مقام التفرقة بل قد يقال النبي بمنزلة العابد المشتغب بحال نفسه والرسول في مرتبة العالم المجتهد في أمره وأمر غيره ويشهد له قوله عليه الصلاة والسلام فضل العالم على العباد كفضلي على أدناكم ويؤيده حديث علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل وإن تكلم في إسناده وأما ما ذهب إليه ابن الهمام رحمه الله تبعا لغيره في القول بالترادف بين النبي والرسول فيرده قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الحج وحديث أحمد في مسنده أن الرسل من الأنبياء ثلثمائة وبضعة عشر جماغفير وإني عبدك ونبيك ولعله ترك وحبيبك تواضعا منه عليه الصلاة والسلام أو نسيانا من الراوي أو وقع هذا قبل العلم بأنه حبيب وإنه دعاك لمكة أي بقوله فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله أي بمثل ذلك المثل معه والمعنى بضعف ما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم قال أي أبو هريرة يدعو أي النبي قال السيد جمال الدين في المصابيح قال ثم يدعو وأظنه الصواب أصغر وليد أي مولود ولو قنا روى مكبرا وقيل مصغرا أي ولد صغير له قال في المفاتيح يعني إذا فرغ من الدعاء يدعو أصغر طفل من أهل بيته وقيل من أمته فيعطيه أي الولد ذلك التمر ليفرح ذلك الطفل قال الطيبي رحمه الله وفي رواية ثم يعطيها أصغر وليد يحضره من الولدان ا ه وهو قابل التقييد والإطلاق ويمكن حمله على التعدد قيل تخصيص الصغير لشدة فرح الولدان بالباكورة وفي أنها حديث العهد بالإيجاد وقيل وفيه تنبيه على أن النفوس الكاملة لا ينبغي لها تناول شيء من أنواع الباكورة بعد ما يعم وجودها ويتم شهودها ويقدر كل أحد على أكلها قال الطيبي وهذه الرواية مطلقة وما في المتن مقيد فأما أن يؤول ما في المتن وهو الأنسب أو بحمل المطلق على


المقيد وقال عصام الدين رحمه الله شرح الشمائل وقوله يدعو أصغر وليد ليستمد بسرور قلبه على إجابة دعائه وهذا ألطف مما قالوا من أن ذلك لشدة المناسبة بين الباكورة والوليد في قرب عهدهما من الإيجاد قلت وفيه بحث مع أنه لا منع من الجمع قال وفي بعض الروايات ثم يدعو أصغر وليد له ولعل قوله له متعلق بيدعو وليس قيدا للوليد أي يدعو للتمر فلا يخالف هذه الرواية بالإطلاق والتقييد ا ه وبعده لا يخفى والتحقيق أن الروايتين محمولتان على الحالتين والمعنى أنه إذا كان عنده أو قريبا منه وليد له أعطاه أو وليد آخر من غير أهله أعطاه إذ لا شك أنهما لو اجتمعا لشارك بينهما نعم إذا لم يكن أحد حاضرا عنده فلا شبهة أنه ينادي أحدا من أولاد أهله لأنه أحق ببره من غيره رواه مسلم


وعن أبي سعيد أي الخدري عن النبي قال إن إبراهيم حرم مكة أي أظهر تحريمها فجعلها حراما أي بينها وعينها بعد اندراسها وإني حرمت المدينة حراما نصب على المصدر أما لحرمت على غير لفظه أو على حذف الزوائد أي لفعل مقدر أي حرمت فحرمت ما بين مأزميها مفعول ثان كذا قيل والأظهر العكس والمازم بالفتح سكون الهمزة ويبدل وبكسر الزاي الموضع الضيق بين الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسمع ما وراءه والمراد ما بين جانبي المدينة وطرفيها أن لا يهراق بفتح الهاء ويسكن أي بأن لا يراق فيها دم لأن إراقة دم المسلم فيها أقبح من غيرها قيل أنه مفعول حرمت على زيادة لا مثل أي لئلا يعلم أهل الكتاب أي أي لكي يعلم أو على المفعول له أي لئلا يهراق أو يكون تفسير لما حرم أي هو أن لا يسفك بها دم والمراد من نهي إراقة الدم النهي عن القتال المفضى إلى إراقة الدم لأن إراقة الدم الحرام ممنوع عنه على الإطلاق والمباح منه لم نجد فيه اختلافا يعتد به عند العلماء إلا في حرم مكة وقيل لا يسفك دم حرام لأن سفك الدم الحرام في مكة والمدينة أشد تحريما ولا يحمل فيها سلاح لقتال هذا يؤيد القول الثاني لأن التأسيس أولى من التأكيد ولا تخبط بالتأنيث والتذكير أي لا تقطع فيها شجرة وقيل لا تضرب ليسقط أوراقها وهو الأظهر لقوله إلا لعلف بتحريك اللام وإسكانها في النهاية بإسكان اللام مصدر علفت علفا وبالفتح اسم الحشيش والتبن والشعير ونحوها وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف رواه مسلم قال التوربشتي صاحي شرح مسلم أول شراح المصابيح قوله عليه الصلاة والسلام حرمت المدينة أراد بذلك تحريم التعظيم دون ما عداه من الأحكام المتعلقة بالحرم ومن الدليل عليه قوله الصلاة والسلام في حديث مسلم لا تخبط منها شجرة إلا لعلف وأشجار حرم مكة لا يجوز خبطها بحال وأما صيد المدينة وإن رأى تحريمه نفر يسير من الصحابة فإن الجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة ولم يبلغنا فيه عن النبي


نهى من طريق يعتمد عليه ا ه كلامه وأيضا قال أصحابنا قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق أحرم من الحرمة لا من التحريم بمعنى أعظم المدينة جمعا بين الدليلين بقدر الإمكان وبه نقول فتعظمها ونوقرها أشد التوقير والتعظيم لكن لا نقول بالتحريم لعدم القاطع احترازا عن الجراءة على تحريم ما أحل الله تعالى فإن قيل أنه سبه التحريم بمكة فكيف يصح الحمل على التعظيم أجيب بأنه لا يخلو عن أمرين إما أن يكون المراد التشبيه من كل الوجوه أو من وجه دون وجه فإن كان الأول فلا يصح الحمل على ما حملتم عليه قوله كتحريم إبراهيم مكة فقلتم في الحرمة فقط لا في وجوب الجزاء في المشهور من المذهب وإن قلتم كلام مبدل بوجوب الجزاء فلا نسلم


لأنه لم يثبت عن النبي ولا عن الصحابة رضي الله عنهم إلا عن سعد فقط وعن عمر في قوله وهو سلب القاطع والصائد وقد أجمعنا أن ذلك لا يجب في حرم مكة فكيف يجب هناك وإن كان الثاني فكما حملتم على سيء ساغ لنا أن يحمل على آخر وهذا لأن تشبيه الشيء بالشيء يصح من وجه واحد وإن كان لا يشبهه من كل الوجوه كما في قوله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم آل عمران يعني من وجه واحد وهو تخليقه بغير أب فكذلك نقول أن تشبيهه بمكة في تحريم التعظيم فقط لا في التحريم الذي يتعلق به أحكام الحرم لأن ذلك يوجب التعارض بين الأحاديث وبالحمل على ما قلنا يدفع ودفعه هو المطلوب مهما أمكن بالإجماع فصار المصير إلى ما ذهبنا إليه أولى وأرجح بلا نزاع وما أبعد من استبعد هذا الحمل مع وجود فعل ذلك غير واحد من الأئمة في غير موضع فمنها ما أجمع عليه الأئمة الثلاثة غير الشافعي في حديث الزبير قال قال رسول الله إن صيدوج وعضاهه حرم محرم لله رواه أبو داود وقد اتفق الثلاثة على عدم تحريم صيدوح وقطع شجره مع ما في الحديث من التأكيد وأولوه أو حملوه على النسخ فكذا هذ مثله فالجواب الذي لهم في ذلك هو جوابنا في هذا ولنورد بعض الأحاديث التي نتمسك على عدم تحريمها فمنها عن أنس رضي الله عنه فال كان لأبي طلحة ابن من ام سليم يقال له أبى عمير وكان رسول الله يضاحكه إذا دخل وكان له طير فدخل رسول الله فرأى أبا عمير حزينا فقال ما شأن أبي عمير فقيل يا رسول الله مات نغير فقال رسول الله يا أبا عمير ما فعل النغير قال ابن الأثير هذا حديث صحيح قد أخرجه البخاري ومسلم في كتابهما وكذا الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة قال الطحاوي فهذا كان في المدينة ولو كان حكم صيدها حكم صيد مكة لما أطلق رسول الله حبس النغير ولا اللعب به كما يطلق ذلك بمكة وقال التوربستي لو كان حراما لم يسكت عنه في موضع الحاجة فإن قيل يجوز أن يكون بقباء وذلك ليس من الحرم قيل له هب أنه


كما ذكرته ولكن لم قلت ان قباء ليست من الحرم لأنه روى غير واحد في تحديد حرمها بريدا في بريد والبريد أربع فراسخ وقباء لا تبلغ من المدينة فرسخا فإن قيل يحتمل أن حديث التغير كان قبل تحريم المدينة أو أنه صاد من الحل قيل له هذا احتمال تأويل وتأويل الراوي ليس بحجة فكيف تأويل غيره وقوله أو صاده من الحل لا يلزمنا على أصلنا لأن صيد الحل إذا دخل الحرم ثبت له حكم الحرم عندنا فلا يكون حجة علينا بل عليهم قال النووي رحمه الله طاعنا فينا ولكن أصلهم هذا ضعيف فيرد عليهم ا ه وكيف يصح قوله هذا مع أن استدلالنا بالنص واستدلالهم بالقياس فلا جرم أن يقدم النص على القياس ثم إنهم قاسوا حكم الصيد على مسألة الاسترقاق فإن الإسلام يمنعه ولا يرفعه حتى إذا ثبت حال الكفر ثم طرأ الإسلام لا يرتفع منه حق الشرع ولنا أنه لما حصل في الحرم صار من صيده فلا يجوز التعرض له كما إذا دخل هو بنفسه ما كان كذلك لا يجوز له التعرض بالنص لأنه لا يراد بصيد الحرم إلا ما كان حالا فيه وهذا فيه فوجب ترك التعرض بالنص لأنه يراد بصيد الحرم إلا ما كان حالا فيه وهذا فيه فوجب ترك التعرض له لإطلاق النص لحرمة الحرم ولم


يوجد مثله في الرق ومذهبنا مروي عن ابن مسعود وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم وكفى بهم قدروة وتقليدهم أولى من القياس باتفاق الناس فلعمنا مما ذكرنا أن دليلهم أضعف أصلا ومنها في الصحيحين إن النبي لما أخذه كان نخل وقبور للمشركين وخرب فأمر النبي بالنخل فقطع الحديث وقوله أخذه أي مكان المسجد فعندهم لا يجوز قطع نخل الحرم فلو كان حرما لما أمر بالقطع على أصلهم ومنها ما روى ابن مسعود وابن زبالة وغيره عنه أنه قال لمسلمة أما أنك لو كنت تصيده بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق روى ابن أبي شيبة نحوه ورواه الطبراني بسند حسنه المنذري قال في النخبة وهذا تصريح من النبي على جواز صيد المدينة فإن الأئمة اتفقوا على أن العقيق من المدينة ولم يخالف فيه مخالف وزيادة ترغيب النبي في صيدها عن غيرها والله تعالى أعلم لكون لحمها تربى من نبات المدينة فكان للحمها مزية على لحوم الصيد الذي ليس منها كما أن لثمرها مزية على بقية الأثمار ويدل عليه ما في حديث ابن أبي شيبة عن سلمة قال قال رسول الله أين كنت قلت في الصيد قال أين فأخبرته بالناحية التي كنت فيها فكأنه كره تلك الناحية وقال لو كنت تذهب إلى العقيق الحديث ومنها ما روى الطبراني في الأوسط وفيه كثير بن زيد وثقة أحمد وغيره من حديث أنس مرفوعا أحد جبل يحبنا ونحبه فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه وروى ابن أبي شيبة مثله والأكل منها لا يصح إلا بقطع أو قلع وقد اتفقنا على جواز ذلك في الحرم المكي فعلم أن المراد من المنع في غير أحد منع استحباب لا تحريم أو كان ينهى عن ذلك للبيع لا للأكل لئلا يضيق عليهم ولتتوفر الصيود بها فنهاهم على وجه التشديد إرادة للتوسعة عليهم في الاصطياد والانتفاع به كما قال المنازعون في تأويل حديث صيدوج وأشجاره وهو ما قاله في شرح السنة حماه أي وادي وج رسول الله نظر العامة المسلمين لا بل الصدقة ونعم الجزية فيجوز الاصطياد فيه


لأن المقصود منه الكلأ من العامة وقال الخطاب في معالم السنن ولا أعلم لتحريمه وجامعنا إلا أن يكون على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين إلى أن قال ما حاصله وقد يحتمل أنه كان ذلك للتحريم ثم نسخ فكما أولوا ذلك الحديث لنا أن نؤول هذا ثم إن صح مراد التحريم فقال الطحاوي يحتمل أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة إليها واجبة فكان يفعله بقاء لزينتها ليستطيبوها ويألفوها لأن بقاء ذلك مما يزيد في زينتها ويدعو إليها كما روى ابن عمر أن النبي نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينتها فلما انقطعت الهجرة زال ذلك فكذا هذا فإن قيل فصار الأمر محتملا أجيب فعاد على ما كان وهو عدم التحريم لأنه الأصل وإنما أطنبنا الكلام مع أنه خلاف المراد ردا للجاهل بعلم الإمام الأعظم والمجتهد الأعلم الذي صار عياله في الفقه جميع الفقهاء وقد انفرد بكونه تابعيا من بين المجتهدين من العلماء حيث قال في حقه لم يبلغه حديث المنع


أو بلغه فخالفه بالرأي والدفع والله سبحانه وتعالى أعلم وعن عامر بن سعد أي ابن أبي وقاص وأحد العشرة المبشرة أن سعدا فهو أبوه ركب إلى قصره أي موضع هنا له بالعقيق اسم موضع قريب من المدينة وقال ابن حجر من ذي الحليفة فكأنه من طرقها فوجد عبدا يقطع شجرا أي شجر حرم المدينة أو يخبطه بكسر الباء أي يخبط ورق شجر بضرب أو رمي حجر فسلبه أي أخذ ثيابه والسلب بفتحتين المسلوب فلما رجع سعد أي إلى المدينة جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم شك الراوي ما أخذ من غلامهم فقال معاذ الله بفتح الميم مصدر لفعل مقدر أي أعوذ بالله معاذا أن أرد شيئا نفلينه رسول لله بتشديد الفار أي جعلنيه أو أعطانيه نفلا أي غنيمة بإذنه لكل من رأى صائدا أو قاطع شجر أن يأخذ سلبه وأبى أن يرد عليهم رواه مسلم وفي رواية فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه وفي أخرى أنه كان يخرج فيجد الحاطب معه شجر رطب فيسأله فيكلم فيه فيقول لا أدع غنيمة غنميها رسول الله وإني لمن أكثر الناس مالا هذا الحديث منسوخ أو مؤول كما تقدم قال الطيبي ر حمه الله المشهور من مذهب مالك والشافعي أنه لا ضمان في صيد المدينة وقطع شجرها بل ذلك حرام بلا ضمان وقال بعض العلماء يجب الجزاء كحرم مكة وقال بعضهم لا يحرم أيضا ا ه وهو مذهبنا إلا أنه يكره كما تقدم وعن عائشة قالت لما قدم رسول الله المدينة وعك على صيغة المجهول أي حم أبو بكر وبلال قال الطيبي رحمه الله الوعك الحمى وقيل ألمها وقيل نعت الحمى وممارستها المحموم حتى تصرعه فجئت رسول الله فأخبرته أي بما صدر عن أبي بكر رضي الله عنه حين قلت له يا أبت كيف تجدك وقد أخذته الحمى يقول


كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وبما قال بلال إذا قلع عنه الحمى يرفع صوته فيقول ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وعندي أذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل تبدون لي شامة وطفيل وهما جبلان والجليل ومياه مجنة عين بقرب مكة والحاصل أنه كان يذكر مكة وصحة هوائها وعذوبة مائها ولطافة جبالها ونباتها ونفخة رياح نباتها الذي بمنزلة بناتها وأبنائها فقال اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد أي بل أكثر وأعظم ويؤيده أنه في رواية وأشد وأما تجويز ابن حجر رحمه الله وغيره كون أو للشك في هذا المقام فبعيد عن تحقيق المرام فإنه ينحل الكلام كحبنا أشد ولا يخفى تكلفه عند الأعلام ثم لا ينافي هذا ما سبق أنه عليه الصلاة والسلام قال لمكة أنك أحب البلاد إلي وإنك أحب أرض الله إلى الله وفي رواية لقد عرفت أنك أحب البلاد إلى الله وأكرمها على الله فإن المراد به المبالغة أو لأنه لما أوجب الله على المهاجرين مجاورة المدينة وترك التوطن والسكون بمكة السكينة طلب من الله أن يزيد محبة المدينة في قلوب أصحابه لئلا يميلوا بأدنى الميل غرضا به إذ المراد بالمحبة الزائدة الملائمة لملاذ النفس ونفي مشاقها لا المحبة المرتبة على كثرة المثوبة فالحيثية مختلفة ويؤيد ما قررناه فيما حررناه قوله وصححها أي اجعل هواءها وماءها صحيحا وبارك لنا في صاعها ومدها وجاء في رواية اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة وهو لا ينافي مضاعفة المثوبة بمكة المختصة بها دون أهل المدينة وانقل أي حول حماها أي وباءها وشدتها وكثرتها فاجعلها بالجحفة قال الخطابي وغيره كان ساكنو الجحفة في ذلك الوقت يهودا متفق عليه وقد استجاب الله دعاءه فإن الحمى انتقلت إليها حتى من شرب من مائها حم بل لو مر الطير في هوائها حم وعن عبد الله بن عمر في رؤيا النبي في المدينة رأيت امرأة سوداء قال الطيبي رحمه الله أي قال في حديث رؤيا النبي في شأن المدينة رأيت


فيكون رأيت حكاية
ابن عمر عن رسول الله ثائرة الرأس أي منتشرة شعر الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة بسكون الهاء وفتح البقية الأرض المبسوطة الواسعة فتأولتها أي أولتها والتأويل تفسير الشيء بما يؤل إليه إن وباء المدينة وهو بالمد ويقصر مرض عام أو موت ذريع وقد يطلق على الأرض للوخمة التي تكثر فيها الأمراض لا سيما للغرباء أي حماها وأمراضها نقل إلى مهيعة يقال أرض مهيعة أي مبسوطة وبها كانت تعرف فلما ذهب السيل باهلها سميت حجفة فقوله وهي حجفة تفسير من بعض الرواة رواه البخاري قال الأصعمي لم يولد بغديرخم أحد فعاش إلى أن يحتلم إلا أن يتحول منها وغديرخم موضع بالحجفة واستشكل كيف قدموا المدينة مع كونها وبية وفي الحديث الصحيح نهى عن القدوم إلى الوباء فأجاب النووي بما قال القاضي عياض وهو أن هذا القدوم كان قبل النهي أو أن المنهى عنه إنما هو في القدوم على الوباء الذريع والطاعون وما كان بالمدينة ليس كذلك وإنما كان مجرد حمى تشتد وتطول مدتها بالنسبة إلى الغرباء ولا يغلب الموت بسببها وعن سفيان ابن أبي زهير بالتصغير قال سمعت رسول الله يقول بفتح اليمن بالتذكير والتأنيث فيأتي قوم أي فيذهبون إلى اليمن فيعجب بعضا بلادهم وهينة عشيتهم فيحملهم على المهاجرة إليها بأنفسهم وأهاليهم فيأتون يبسون بفتح الباء وضم الياء وبضم الباء وكسر الباء والسين مشددة يقال أبست الدابة وبستها أي سقتها أي يسيرون سيرا شديدا فيحتملون أي يرتحلون بأهليهم ومن أطاعهم أي انقاد لهم من الأجانب في السفر معهم والمدينة أي والحال أن المدينة خير لهم من غيرها لأنها حرم رسول الله ومهبط الوحي ومنزل البركات الدنيوية والأخروية لو كانوا يعملون أي أن المدينة خير لهم لما فارقوها ولما اخناروا عليها غيرها من البلاد ولا يبعد أن تكون لو للتمني وقيل معناه يرتحل قوم من تلك البلاد بعد فتحها إلى المدينة حتى يكثر أهل المدينة والمدينة خير لهم مما تركوه من


البلاد ويفتح الشام بالوجهين فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ويفتح العراق بالتذكير فقط فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم أي من اليمن والشام والعراق فلا دلالة فيه على أفضلية المدينة على
مكة كما قال به بعض المالكية لو كانوا يعملون وفي الحديث أنواع من المعجزات من الأخبار عن المغيبان الواقعات متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله أمرت أي في الهجرة بقرية أي بنزولها أو استيطانها تأكل القرى أي تغليها وتظهر عليها والمعنى يغلب أهلها وهم الأنصار بالإسلام على غيرها من القرى والأمصار وفي الفائق أي يفتح أهلها القرى ويقتسمون أموالها فخجل ذلك أكلا منها للقرى على سبيل التمثيل ويجوز أن يكون تفضيلا لها على القرى كقولهم هذا حديث يأكل الأحاديث أي يفضلها ومن اللطائف الواقعة في زماننا أن شخصا جاوب القصيدة البردة بشعر ونظم ضعيف وكان يقرأ قصيدته ويمدحها في أثناء قراءته ويقول هذا البيت يبلع البردة وكان واحد من الظرفاء حاضرا في المجلس فلما أكثر من قوله هذا يبلغ البردة قال يا فلان إنا لم نرد البالوعة فجعل الشاعر وبهت الفاجر وقال بعضهم أصل الأكل للشيء الإفناء له ثم استعير لافتتاح البلاد وسلب الأموال فكأنه قال يأكل أهلها القرى أو أضاف الأكل إليها لأن أموال تلك البلاد تجمع إليها وتفنى فيها يقولون أي الناس من أهل القرى لها يثرب أو هي يثرب وهي المدينة أي يسمونها هذا الاسم والاسم الذي تستحقه هو المدينة لدلالتها على التعظيم وأما التثريب فهو اللوم والتوبيخ قال تعالى حكاية أي لا تثريب عليكم اليوم أي تنفي الناس أي الخبيثين كما ينفي الكبر خبث الحديد قال بعض الشراح يثرب من أسماء المدينة وقيل هو اسم أرضها سميت باسم رجل من العمالقة كان أول من نزلها وبه كانت تسمى قبل الإسلام فلما هاجر النبي غير هذا الاسم فقال بل هي طابة وجعل المدينة مكانها


وكأنه كره هذا الاسم لما يؤل إليه من التثريب أو لغير ذلك أي من أنه اسم رجل من العمالقة ولذلك قال يقولون يثرب وهي المدينة أي الاسم الحقيقي بأن تدعى به هي المدينة فإنها يليق بأن تتخذ دار إقامة من مدن بالمكان إذا أقام به تنفي الناس أي شرارهم وهمجهم يدل عليه التشبيه بالكير فإنه ينفي خبث الحديد وهو بفتح الخاء والباء وبالمثلثة رديئة ثم كور الحداد بضم الكاف توقد النار من الطين والكير زقه الذي ينفخ فيه والمراد ما بنى من الطين ا ه قال النووي رحمه الله قد حكى عن عيسى بن دينار أن من سماها يثرب كتب عليه خطيئة وأما تسميتها في القرآن بيثرب فهي حكاية قول المنافقين الذين في قلوبهم


مرض متفق عليه وقد حكى عن بعض السلف تحريم تسمية المدينة بيثرب ويؤيده ما رواه أحمد عن البراء مرفوعا من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة هي طابة قال الطيبي رحمه الله فظهر من هذا أن من يحقر شأن ما عظمه الله ومن وصف ما سماه الله بالإيمان بما لا يليق به يستحق أن يسمى عاصيا بل هو كافر وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته وقال في الفائق أسند تسميتها بثيرب إلى الناس تحاشيا عن معنى التثريب وكان يسميها طابة وطيبة ويقولونصفة للقرية والراجع منها إليها محذوف والأصل يقولون لها وعن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله يقول إن الله تعالى سمى المدينة طابة وفي رواية طيبة وكثرة الأسماء تدل على عظمة مسماها والمعنى أن الله سماها في اللوح المحفوظ أو أمر نبيه أن يسميها بها ردا على المنافقين في تسميتها بيثرب إيماء إلى تثريبهم في الرجوع إليها وكان الله تعالى يقول هي طابة في ذاتها يستوي في الطيبة دخولها وخروجها لا يختلف باختلاف أحوالها الحادثة عليها رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن أعرابيا أي واحدا من أهل البادية قال الطيبي رحمه الله وكان ممن هاجر بايع رسول الله أي على المقام عنده فأصاب الأعرابي وعك بفتح فسكون أي حمى شديدة وتعب وألم عظيم منها بالمدينة بحيث أنه كره الإقامة بها وأحب الخروج منها أو تشاءم بالبيعة لما حصله له من المحنة كقوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف الحج الآية فأتى النبي فقال يا محمد أقلني بيعتي استعارة من إقالة البيع وهو إبطاله فأبى رسول الله قال الطيبي رحمه الله وإنما أبى لأنه لا يجوز إقالة بيعة الإسلام ولا إقالة بيعة الأمانة معه ا ه ولعل الأول لتضمنه الرضا بالكفر والتسبب له والثاني لاشتماله على هجران المهاجرة ثم جاءه أي ثانيا فقال أقلني بيعتي ظنا منه أنه يجوز قياسا له


على البيع فإن الإقالة من مكارم الأخلاق في البيع ولذا قال من أقال نادما أقال الله عثرته يوم القيامة فأبى لأن الفرق بينهما بين ثم جاءه فقال أقلني بيعتي فأبى فخرج أي من المدينة الأعرابي من غير إذنه فقال رسول الله إنما المدينة كالكير تنفي خبثها بفتحتين يعني ما تبرزه النار من الجواهر المعدنية التي تصلح للظبع فتخلصها بما تبرزه عنها من ذلك وروى بضم الخاء وسكون الباء يعني به الشيء الخبيث قال الطيبي رحمه الله والأول أشبه لمناسبة الكير وينصع بفتح الياء والصاد المهملة هو الرواية الصحيحة أي يصفو ويخلص ويتميز طيبها بفتح الطاء وكسر الياء المشددة على الرواية الصحيحة ويروي بكسر الطاء وضم الباء قال الطيبي رحمه الله والأول هو أقوم معنى لأنه ذكر في مقابلة الخبيث وإنه لا مناسبة بين الكير والطيب وقال بعض الشراح روى بضم التاء وسكون النون وهي أشد الروايات لفظا ومعنى من نصع لونه نصوعا إذا اشتد بياضه وخلص وأنصعه غيره على اللغة القياسية وفي معناه منصع بتشديد الصاد والرواية بالتشديد أكثر وطيبها بتشديد الياء وفتح الباء جعل مثل المدينة وما يصيب ساكنيها من الجهد والبلاءكمثل الكير وما يوقد عليه في النار فيميز به الخبيث من الطيب فيذهب الخبيث ويبقى الطيب فيه أزكى ما كان وأخلص كما في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه أخرج أهل الكتاب وأظهر العدل والإحسان وفي التنزيل إشارة إلى هذا التأويل في حق الحق والباطل من جهة التمثيل أي فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال أي متفق عليه إلى ص مريم مشكاة مصابيح شرح من ص عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة أي تخرج شرارها كما ينفي الكير أي يذهب خبث الحديد أي وسخه قال الطيبي رحمه الله يحتمل أن يكون ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام لأن بعثته من أشراط الساعة وأن يكون حين خروج الدجال وقصده المدينة رواه مسلم


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله على أنقاب المدينة ملائكة جمع نقب بسكون القاف وهو الطريق بين جبلين قاله الطيبي رحمه الله والأظهر أن المراد به
مطلق الطريق أو أريد بالأنقاب الأبواب والمراد ملائكة حرسة لا يدخلها أي المدينة أو انقابها الطاعون ولا الدجال وهو يحتمل أن يكون حكما مستقلا وكون الملائكة على الانقاب بمنزلة الحجاب واقفين على بابه تعظيما لجناية وأن يكون حكما مرتبا على الأول بأن يكونوا مانعين دخول الجن من الكفار الذين من أثر ضربهم وطعنهم ظهور الطاعون ودخول الدجال الذي هو مسحور ومسخر لهم أو هم مسخرون له ابتلاء منه تعالى على عباده فحفظ الله تعالى منه أهل الحرمين الشريفين ببركة ما فيهما من البقعتين المنيفتين متفق عليه وعن أنس قال قال رسول الله ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال أي يدوسه ويدخله ويفسده إلا مكة والمدينة بالنصب على الاستثناء ليس نقب من أنقابها أي انقاب المدينة أو انقاب وكل واحدة منهما إلا عليه الملائكة أي على ذلك النقب وفي أصل ابن حجر رحمه الله عليها وهو مخالف للأصول وتكلف له بقوله أنثه باعتبار أنه الطريق وهو يذكر ويؤنث صافين يحرسونها أي يحفظون أهلها فينزل أي الدجال بعد أن منعته الملائكة السبخة بكسر الباء صفة وهي الأرض التي تعلوها اللوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر وبفتحها اسم وهو موضع قريب من المدينة فترجف المدينة بضم الجيم أي تضطرب بأهلها أي ملتبسة بهم وقيل الباء للتعدية أي تحركهم وتزلزلهم ثلاث رجفات بفتح الجيم فيخرج إليه أي إلى الدجال كل كافر ومنافق قال الطيبي رحمه الله الباء يحتمل أن تكون للسببية أي تتزلزل وتضطرب بسبب أهلها لينفض إلى الدجال الكافر والمنافق وأن يكون حالا أي ترجف ملتبسة ثم نقل عن المظهر ترجف المدينة بأهلها أي تحركهم وتلقى ميل الدجال في قلب من ليس بمؤمن خالص العقل قال فعلى هذا الباء صلة الفعل ا ه قال ميرك والظاهر أن الباء على هذا للتعدية قلت لا


يظهر غير هذا الظاهر وهو لا ينافي أن يكون صلة الفعل كما هو الظاهر متفق عليه وعن سعدا قال قال رسول الله لا يكيد أهل المدينة أحد أي بالمكر
والخداع إلا انماع أي ذاب وهلك كما ينماع الملح في الماء متفق عليه وعن أنس أن النبي كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة بضم الأوليين جمع جدار أوضع أي أسرع راحلته إلايضاع مخصوص بالبعير والراحلة النجيب والنجيبة من الإبل في الحديث الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة وإن كان علي دابة كالبغل والفرس حركها من حبها تنازع فيه الفعلان أي من أجل حبه إياها أو أهلها أو من أجل حبها له وأنشد في معناه إذا دنت المنازل زاد شوقي فلمح العين دون الحجر شهر ولا سيما إذا بدت الخيام فرجع الطرف دون الشهر عام وقوله وأعظم ما يكون الشوق يوما إذا دنت الخيام من الخيام رواه البخاري وعنه أي عن أنس أن النبي طلع أي ظهر له أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه قيل محبة الحي للجماد إعجابه وسكون النفس إليه والمؤانسة به لما يرى فيه من نفع ومحبة الجماد للحي مجاز عن كونه نافعا إياه سادا مانعا بينه وبين ما يؤذيه قال الخطابي يريد أهل أحد من الشهداء والأحياء حواليه وقال محي السنة الأولى إجراؤه على ظاهره ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة كما حنت الأسطوانة على مفارقته حتى سمع القوم حنينها كما أخبر أن حجرا بمكة كان يسلم عليه قبل الوحي وقال الطيبي رحمه الله لا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة كانت تحبه وتحن إلى لقاءه حال مفارقته اللهم أن إبراهيم حرم مكة أي أظهر تحريمها وإني أحرم أي أعظم ما بين لابتيها أي طرفي المدينة أو أحرم تخريب ما بينهما وتضييع ما فيهما من زينة البلد وليس المراد مثل تحريم مكة بالإجماع متفق عليه


وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله أحد جبل يحبنا ونحبه ولعل وجه تخصيصه بالذكر لتحركه به سرورا لما رقي عليه مع أصحابه الثلاثة فقال له اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان رواه البخاري ورواه الترمذي عن أنس وأحمد والطبراني والضياء عن سويد بن عامر الأنصاري وغيره ورواه الطبراني في الأوسط وعن أبي عميس بن جبير بسند ضعيف بلفظ أحد هذا جبل يحبنا ونحبه وإنه على باب من أبواب الجنة وهذا عير جبل يبغضنا ونبغضه وإنه على باب من أبواب النار وفي رواية للطبراني عن سهل بن سعد أحد ركن من أركان الجنة
الفصل الثاني
عن سليمان بن أبي عبد الله بالتكبير قال رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا أي عبدا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله أي حده فسلبه ثيابه بدل اشتمال فجاء واليه فكلموه فيه أي في شأن العبد ورد سلبه فقال إن رسول الله حرم هذا الحرم قال الطيبي رحمه الله دل على أنه اعتقد أن تحريمها كتحريم مكة ا ه لا يظهر وجه دلالته لا من لفظ التحريم ولا من أخذ السلب فإن التحريم بمعنى التعظيم والحرم بمعنى المحترم المعظم وإن أخذ السلب ينافي كون تحريمها كتحريم مكة فإنه ليس في حرم مكة سلب الثياب في جزاء العقاب إجماعا مع أنه في ذلك مخالف لجمهور الصحابة وقال أي النبي من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه هذا آخر الحديث وقد تقدم الجواب عنه فلا أرد عليكم طعمة أي بالضم أي رزقا أطعمنيها رسول الله أي عينه ولا أبالي ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه أي تبرعا قاله الطيبي رحمه الله واحتياطا للاختلاف فيه رواه أبو داود


وعن صالح مولى لسعد صوابه عن صالح عن مولى لسعد قال الشيخ الجزري هذا الحديث رواه عن صالح مولى التوأمة عن مولى لسعد ومولى سعد مجهول وصالح موثق روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه قال أبو حاتم ليس بالقوى وقال أحمد صالح الحديث ا ه فعلى هذا أسقط لفظة عن من قلم نساخ المشكاة أو وقع سهو من المصنف قال ميرك ويؤيد ما قاله الشيخ أن من صنف في أسماء رجال الكتب لم يذكر لسعد مولى يقال له صالح والله تعالى أعلم أن سعد أوجد عبيدا من عبيد المدينة يقطعون من شجر المدينة أي من بعض أشجارها فأخذ متاعهم أي ثيابهم وقال يعني لمواليهم تفسير من الرواي عنه سمعت رسول الله ينهى أن يقطع من شجر المدينة أي بعض أشجارها شيء وقال أي النبي من قطع منه أي من شجرها شيئا فلمن أي للذي أخذه أي القاطع سلبه أي ما عليه من الثياب رواه أبو داود وعن الزبير قال قال رسول الله إن صيدا وج بفتح الواو وتشديد الجيم في النهاية موضع بناحية الطائف وفي القاموس اسم واد بالطائف لا بلدبة وغلط الجوهري وهو ما بين جبل المحترق والأحيحدين ومنه آخر وطأة وطأها الله بوج يريد غزوة حنين لا الطائف وغلط الجوهري وحنين واد قبل وج وأما غزوة الطائف فلم يكن فيها قتال وعضاهه أي أشجار شوكه حرم بكسر فسكون قال السيد جمال الدين حرم وحرام لغتان كحل وحلال قلت وقرىء بهما قوله تعالى وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون الأنبياء محرم تأكيد لحرم لله متعلق بمحرم أي لأمره أو لأجل أوليائه إذ روى أنه حرمه على سبيل الحمى لافراس الغزاة قال الطيبي رحمه الله يحتمل أن يكون ذلك التحريم في وقت مخصوص ثم نسخ ذكر الشافعي رحمه الله أنه لا يصاد فيه ولا يقطع شجره ولم يذكر فيه ضمانا وفي معناه النقيع أي بالنون وتقدم نقل شرح السنة وحاصله ما يوافق مذهبنا من أن النقيع حماه لإبل الصدقة ونعم الجزية وقد اتفقوا على حل صيده وقطع نباته لأن المقصود منه منع الكلا من العامة ولا يجوز بيع النقيع


ولا بيع شيء من أشجاره كالموقوف وقال شارح
يجوز أن يكون التحريم على سبيل الحرمة والتعظيم له ليصير حمى للمسلمين أي مرعي لا فراس المجاهدين لا يرعاها غيرها وفي بعض الشروح أنه عليه الصلاة والسلام كان يريد غزوة الطائف فاعلمه الله أنه سيكون معه الجم الغفير فرأى ذلك التحريم ليرتفق به المسلمون رواه أبو داود قال ميرك حديث الزبير رواه أبو داودفيه قصة وفي سنده محمد بن سنان الطائفي وأبوه وقد سئل أبو حاتم عن محمد فقال ليس بالقوى وفي حديثه نظر وذكره البخاري في تاريخه وذكر له هذا الحديث وقال لم يتابع عليه ذكره مسلم أيضا وقال لم يصح حديثه وكذا قال ابن حبان ا ه وبهذا يتبين عدم صحة الاستدلال بهذا الحديث على حكم عظيم مشتمل على تحريم وقال محيي السنة أي صاحب المصابيح في شرح السنة وج ذكروا أي العلماء أنها من ناحية الطائف قال ابن حجر رحمه الله الظاهر أن الإضافة بيانية أي ناحية هي الطائف فيلزم منه أن جميع الطائف حرم ولا أظن أن أحدا قال به مع أنه مخالف لما سبق من أقوال اللغويين ومناقض لقوله أيضا في بيان سبب جعله حرما أنه جاء في وجه تسمية الطائف أن جبريل اقتلع تلك الأرض من أرض الشام ثم حملها على جناحه وأتى بها إلى مكة فطاف بها بالبيت سبعا ثم وضعها ثمة ولا بعد أن الله حرم قطعة من تلك الأرض ليتذكر سبب تحريمهافيستمر تعظيم الطائف جميعها ولم يحرم كله لأن فيه مشقة على الناس لشدة احتياجاتهم إلى نباته وصيده ا ه ولا يخفي ما فيه من المناقضة وكذا المعارضة بما في تحريم مكة إجماعا وتحريم المدينة عندهم إذ المشقة عامة بل في الحرمين الشريفين أكثر فتدبر وقال الخطابي أي في معالم السنن أنه بفتح الهمزة بدل أنها وهو أمر سهل لأن التذكير باعتبار الموضع والتأنيث باعتبار البقعة وعن ابن عمر قال قال رسول الله من استطاع أن يموت بالمدينة أي يقيم بها حتى يدركه الموت ثمة فليمت بها أي فليقم بها حتى يموت بها فأني أشفع لمن يموت بها


أي في محو سيئات العاصين ورفع درجات المطيعين والمعنى شفاعة مخصوصة بأهلها لم توجد لمن لم يمت بها ولذا قيل الأفضل لمن كبر عمره وأوظهر أمره بكشف ونحوه من قرب أجله أن يسكن المدينة ليموت فيها ومما يؤيده قول عمر اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي ببلد رسولك رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب إسنادا وليس هذا صريحا
في أفضلية المدينة على مكة مطلقا إذ قد يكون في المفضول مزية على الفاضل من حيثية وتلك بسبب تفضيل بقعة البقيع على الحجون إما لكونه تربة أكثر الصحابة الكرام أو لقرب ضجيعة عليه الصلاة والسلام ولا يبعد أن يراد به المهاجرون فإنه ذم لهم الموت بمكة كما قرر في محله وعن أبي هريرة قال قال رسول الله آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة خبر وآخر مبتدأ أو يجوز عكسه وفيه إشارة إلى أن عمارة الإسلام منوطة بعمارتها وهذا ببركة وجوده فيها رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وعن جرير بن عبد الله أي البجلي عن النبي قال إن الله أوحى إلي أي هؤلاء الثلاثة منصوب على الظرفية لقوله نزلت أي للإقامة بها والاستيطان فيها وقدم عليه للاستفهام ذكره ابن حجر وأغرب في قوله كذا قاله شارح وهو عجيب لأنها هنا ليست استفهامية كما هو واضح ا ه والخطأ في كلامه لائح فهي دار هجرتك المدينة بالجر على البدلية من الثلاثة أو البحرين وهو موضع مشهور إلى الآن وقيل بين بصرة وعمان وقيل بلاد معروفة باليمن وقال الطيبي رحمه الله جزيرة ببحر عمان أو قنسرين بكسر القاف وفتح النون الأولى المشدد ويكسر بلد بالشام وفي بعض النسخ ضبط المدينة بالنصب فيكون بتقدير أعني وفي أخرى برفعها على تقدير هي وفي البحرين لغات تقدمت وقنسرين غير منصرف رواه الترمذي وهو مشكل فإن التي رآها وهو بمكة أنها دار هجرته وأمر بالهجرة إليها هي المدينة كما في الأحاديث التي أصح من هذا وقد يجمع بأنه أوحى إليه بالتخيير بين تلك الثلاثة ثم عين له إحداها وهي


أفضلها
الفصل الثالث
عن أبي بكرة عن النبي قال لا يدخل المدينة رعب المسيح
الدجال بضم الراء وسكون العين ويضم أي خوفه لها أي لسورها يومئذ سبعة أبواب أي طرق وأنقاب على كل باب ملكان أي اثنان أو نوعان يمينا وشمالا يحفظان رواه البخاري وعن أنس عن النبي قال اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة أي مثليه في الأقوات وهو لا ينافي كون مكة أفضل منها باعتبار مضاعفة الحسنات فإن الأول ارتفاق حسي دنيوي والثاني أخروي معنوي قال الطيبي رحمه الله يوافق ما تقدم قوله بمثل ما دعاك بمكة ومثله معه متفق عليه وعن رجل من آل الخطاب بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء على ما في النسخ وكتب ميرك على الهامش آل حاطب بالحاء المهملة وكسر الطاء ووضع عليه الظاهر وكتب تحته كذا في الترغيب للمنذري عن النبي قال من زارني متعمدا أي لا يقصد غير زيارتي من الأمور التي تقصد في إتيان المدينة من التجارة وغيرها والمعنى لا يكون مشوبا بسمعة ورياء وأغراض فاسدة بل يكون عن احتساب وإخلاص ثواب وعن بعض العارفين أنه حج ولم يزره وقال أتجرد للزيارة فكأنه أخذ بظاهر اللفظ وبقية العلماء وسائر العرفاء نظروا إلى خلاصة المعنى ولهذا استحب للزائران ينوي زيارة المسجد الشريف النبوي ومقبرة البقيع وقبور الشهداء وسائر المشاهد إذ لا تنافي بين العبادات والأمور الدينية أما ترى أنه قد يؤدي ركعتين بنيات مختلفة كشكر الوضوء وتحية المسجد وسنة أو فرض وهذا أحد معاني قوله نية المؤمن خير من عمله ومال ابن الهمام رحمه الله إلى قول العارف وقال الأولى تجريد النية للزيارة ثم إن حصل له إذا قدم زيارة المسجد أو يستفتح فضل الله سبحانه في مرة أخرى ينويهما فيها لأن في ذلك زيادة تعظيمه كان في جواري بكسر الجيم أي في مجاورتي أو محافظتي يوم القيامة ومن سكن المدينة أي أقام أو استوطن بها وصبر على بلائها من حرها وضيق عيشها وفتنة من يسكنها من الروافض التي فيها نظير ما كان


يقع للصحابة من منافقيها كنت له شهيدا أي لطاعته وشفيعا لمعصيته يوم القيامة ويحتمل أن تكون الواو بمعنى أو
ومن مات في أحد الحرمين أي مؤمنا بعثه الله من الآمنين أي من الفزع الأكبر ومن كل كدورة يوم القيامة وعن ابن عمر مرفوعا من حج قبري بعد موتي الفاء التعقيبية دالة على أن الأنسب أن تكون الزيارة بعد الحج كما هو مقتضى القواعد الشرعية من تقديم الفرض على السنة وقد روى الحسن عن أبي حنيفة تفصيلا حسنا وهو أنه إن كان الحج فرضا فالأحسن للحاج أن يبدأ بالحج ثم يثني بالزيارة وإن بدأ بالزيارة جاز وإن كان الحج نفلا فهو بالخيار فيبدأ بأيهما شاء ا ه والأظهر أن الابتداء بالحج أولى لإطلاق الحديث ولتقديم حق الله على حقه ولذا تقدم تحية المسجد النبوي على زيارة المشهد المصطفوي كان كمن زارني في حياتي لأنه حي يرزق ويستمد منه المدد المطلق رواهما أي الحديثين السابقين البيهقي في شعب الإيمان والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفضائل الزيارة شهيرة ومن أنكرها إنما أنكر ما فيها من بدع نكيرة غالبها كبيرة وقد بسطت الكلام في غير هذا المقام به يتم نظام المرام وعن يحيى بن سعيد تابعي جليل أن رسول الله كان جالسا أي في المقبرة وقبر يحفر بالمدينة فاطلع بتشديد الطاء أي نظر رجل في القبر فقال بئس ضجيع المؤمن بفتح الجيم مرقده ومدفنه قال الطيبي رحمه الله أي هذا القبر يعني المخصوص بالذم محذوف والمعنى كون المؤمن يضجع بعد موته في مثل هذا المكان ليس محمودا فقال رسول الله بئس ما قلت أي حيث أطلقت الذم على مضجع المؤمن مع أن قبره روضة من رياض الجنة قال الرجل إني لم أرد هذا أي هذا المعنى أو هذا الإطلاق وإنما أردت القتل في سبيل الله أي له أو أردت أن الشهادة في سبيل الله أفضل من الموت على الفراش فقال رسول الله تقريرا لمراده لا مثل القتل بالنصب أي ليس شيء مثل القتل في سبيل الله ثم ذكر فضيلة من يموت ويدفن في المدينة سواء يكون بشهادة أو


غيرها وقال ما على الأرض بقعة أحب إلي
بالرفع وقيل بالنصب أن يكون قبري بها أي بتلك البقعة منها أي من المدينة ثلاث مرات ظرف لجميع المقول الثاني أو للفصل الثاني من الكلام وقد أجمع العلماء على أن الموت بالمدينة أفضل بعد اختلافهم أن المجاورة بمكة أفضل أو بالمدينة أكمل ولهذا كان من دعاء عمر رضي الله عنه اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي ببلد رسولك وقال الطيبي رحمه الله معناه أني ما أردت أن القبر بئس مضجع المؤمن مطلقا بل أردت أن موت المؤمن في الغربة شهيدا خير من موته في فراشه وبلده وأجاب رسول الله بقوله لا مثل القتل أي ليس الموت بالمدينة مثل القتل في سبيل الله أي الموت في الغربة بل هو أفضل وأكمل فوضع قوله ما على الأرض بقعة الخ موضوع قوله بل هو أفضل وأكمل فإذا لا بمعنى ليس واسمه محذوف والقتل خبره ا ه وهو بظاهر يخالف ما عليه الإجماع من أن الشهادة في سبيل الله أفضل من مجرد الموت بالمدينة بل تقدم في الحديث ما يدل على أن الموت في الغربة أفضل من الموت بالمدينة فتكون الفضيلة الكاملة أن يجمع له ثواب الغربة والشهادة والدفن بالمدينة والله تعالى أعلم رواه مالك مرسلا لأنه روى عن يحيى ابن سعيد الأنصاري المدني وهو من أكابر التابعين سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وخلقا سواهما وروى عنه هشام بن عروة ومالك بن أنس وشعبة والثوري وابن عيينة وابن المبارك رحمه الله وغيرهم ذكره المؤلف وإذا حذف التابعي ذكر الصحابي يسمى الحديث مرسلا وليس فيه دلالة على أفضلية المدينة بل لأفضلية البقعة المكينة وقد قام الإجماع على أنها أفضل من مكة بل من الكعبة بل من العرش الأعظم والله تعالى أعلم إلى ص عبير مشكاة مصابيح شرح من ص وعن ابن عباس قال قال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله وهو أي النبي بوادي العقيق محل قريب من ذي الحليفة ذكره ابن حجر رحمه الله وفي القاموس موضع بالمدينة وموضع آخر في غيرها وفي النهاية واد بالمدينة


وموضع قريب من ذات عرق يقول أتاني الليلة من ربي آت أي جاءني في البارحة تلك من عنده فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة بالرفع أي حسبت في حجة وفي نسخة بالنصب قال الطيبي رحمه الله أي احسب صلاتك هذه وأعد لها بعمرة داخله في حجة والقول يستعمل في جميع الأفعال كما مر ويحتمل أن يقال المعنى صل في هذا الوادي المبارك للإحرام وقارن بين العمرة والحج
ا ه وهذا احتمال بعيد جدا لأن رؤيا الأنبياء وحي وحق ولم يثبت عنه أنه أحرم بالعمرة منه فضلا أن يجمع بنيهما فالصواب في معناه أن ثواب الصلاة فيه يعدل ثواب عمرة في ضمن حجة وفيه إشارة إلى أن العمرة إذا كانت مقرونة في الحجة بأن يكون سفرهما واحدا خير من العمرة المفردة ويمكن أن يكون في معنى مع ويدل عليه قوله وفي رواية وقل عمرة وحجة بالرفع أي صلاة فيه لعمرة وحجة فهو تشبيه بليغ وبالنصب على نزع الخافض وهو من باب التشبيه لإلحاق الناقص بالكامل مبالغة ووجه فضيلة الصلاة في ذلك المقام مفوض إلى صاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام والظاهر أن هذا من خصوصيات حاله في ذلك المقام وكأنه أراد من الله تعجيل العمرة وحجة الإسلام فقيل له صل فإن الصلاة معراج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولك في مقابلتها ثواب العمرة والحج بنيتك على وجه التمام ويدل على ما قلنا أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة الكرام وعلماء الأنام عده من المشاهد العظام التي يزورها الخواص والعوام ثم رأيت الفارسي ذكر في منسكه أنه قال محمد بن جرير الطبري في تهذيب الأخبار أن النبي لم يكن متمتعا لأنه قال لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى ولجلعتها عمرة ولا كان مفرد الأن الهدى كان معه واجبا كما قال وذلك لا يكون إلا للقارن ولأن الروايات الصحيحة قد تكاثرت بأنه لبى بهما جميعا فكان من زاد أولى قال ووجه الاختلاف أنه لما عقد إحرامه جعل يلبي تارة بالحج وتارة بالعمرة وتارة بهما جميعا لعله أن يتبين واحد منهما وهو ذلك


كله يقصد الحج ويطلب كيفية العمل حتى نزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام في وادي العقيق فقال له قل عمرة في حجة فانكشف الغطاء وتبين المطلوب ا ه وفيه نظر من وجوه منها أن وجوب الهدى لم يمنع كونه مفردا بل يمنع فسخ الحج بالعمرة إذ مقتضاه الخروج من الإحرام وقد قال تعالى أي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله أي ومنها أن قوله لعله أن يتبين معلول إذ لا تصح النية مع التردد في الكيفية على أنه قد أمر عليه الصلاة والسلام بالحج بالحج وقد أتى بالعمرة مرارا فهو عليه الصلاة والسلام إما إن نوى بهما أولا أونوى الحج ثم أدخل العمرة عملا بقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله البقرة على قراءة وأقيموا ومنها أن وادي العقيق قريب المدينة اتفاقا وإحرامه عليه الصلاة والسلام كان في ذي الحليفة إجماعا فالتحقيق ما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم ثم لما كان هذا الوادي بقرب المدينة وما حولها يدخل في فضلها ذكره المصنف في هذا الباب والله تعالى أعلم بالصواب رواه البخاري