Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الحدود
قال الراغب الحد الحاجز بين شيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر وحد الزنى والخمر سمي به لكونه مانعا لمتعاطيه عن معاودة مثله ومانعا لغيره أن يسلك مسلكه و قال ابن الهمام محاسن الحدود أظهر من أن يذكره البيان أو يكتبه البنان لأن الفقيه وغيره يستوي في معرفة أنها للامتناع عن الأفعال الموجبة للفساد ففي الزنا ضياع الذرية وإماتتها معنى بسبب اشتباه النسب وفي باقي الحدود زوال العقل وإفساد الأعراض وأخذ أموال الناس وقبح هذه الأمور مركوز في العقول ولذا لم تبح الأموال والأعراض والزنا والسكر في ملة من الملل وإن أبيح الشرب والمقصود من شرعية الحد الانزجار عما يتضرر به العباد والتحقيق ما قال بعض المشايخ أنها موانع قبل الفعل زواجر بعده أي العلم بشرعيتها يمنع الإقدام على الفعل وإيقاعها بعده يمنع من العود إليه قال وأما قول صاحب الهداية والطهرة ليست بأصيلة أي الطهرة من ذنب فسبب الحد يفيد أنه مقصود أيضا من شرعيتها لكنه ليس مقصودا أصليا بل تبع لما هو الأصل من الانزجار وهو خلاف المذهب فإن المذهب إن الحد لا يعمل في سقوط اثم فعل بسببه أصلا بل لم يشرع إلا لحكمة الانزجار وأما ذلك فقول طائفة كثيرة من أهل العلم واستدلوا عليه بقوله فيما روي في البخاري وغيره إن من أصاب من هذه المعاصي شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب منها شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه واستدل الأصحاب بقوله تعالى في قطاع الطريق ذلك التقتيل والتصليب والنفي لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا المائدة فأخبر أن جزاء فعلهم عقوبة دنيوية وعقوبة أخروية إلا من تاب فإنها حينئذ تسقط عنه الأخروية بالإجماع للإجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا ويجب أن يحمل الحديث على ما إذا تاب في العقوبة لأنه هو الظاهر لأن الظاهر إن ضربه أو رجمه يكون معه توبة منه


لذوقه بسبب فعله فيقيد به جمعا بين الأدلة وتقييد الظن عند معارضة القطعي له متعينة بخلاف العكس أقول التحقيق وبالله التوفيق إن الأحسن في الجمع أن الحد مطهر له بخصوص ذلك الفعل فإن الله أرحم من أن يثني على عباده العقوبة ويؤيده قول الصحابي طهرني يا رسول الله على ما سيأتي في الحديث ثم إن انضم معه التوبة فبها ونعمت وإن دام على إصراره فيعذب بمقداره ويتفرع عليه ما لو تعدد منه ما يوجب الحد ثم حد فإن تاب حين الحد كفر عنه الجميع وإلا فكفر عنه ما حد به وحده والباقي تحت مشيئته تعالى وبهذا يحصل الجمع بين الآية والحديث وتبين إن خلاف العلماء لفظي والله تعالى أعلم ثم الحد يثبت بالبينة والإقرار لا بعلم الإمام وعليه جماهير العلماء وقال أبو ثور ونقل قولا عن الشافعي إنه يثبت به وهو القياس لأن الحاصل بالبينة والإقرار دون الحاصل بمشاهدة الإمام قلنا نعم لكن الشرع اهدر اعتباره بقوله تعالى فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون النور ونقل فيه إجماع الصحابة كذا حققه ابن الهمام
الفصل الأول
عن أبي هريرة وزيد بن خالد لم يذكره المؤلف في أسمائه إن رجلين اختصما أي ترافعا للخصومة إلى رسول الله فقال أحدهما اقض أي احكم بيننا بكتاب الله قال الطيبي أي بحكمه إذ ليس في القرآن الرجم قال تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم الأنفال أي الحكم بأن لا يؤاخذ على جهالة ويحتمل على أن يراد به القرآن وكان ذلك قبل أن تنسخ آية الرجم لفظا وقال الآخر أجل بفتحتين وسكون اللام أي نعم يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله الفاء فيه جواب شرط محذوف يعني إذا اتفقت


معه بما عرض على جنابك فاقض فوضع كلمة التصديق موضع الشرط ذكره الطيبي وقال و إنما سأل المترافعان أن يحكم بينهما بحكم الله وهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله ليفصل ما بينهم بالحكم الصرف لا بالتصالح والترغيب فيما هو الأرفق بهما إذ للحاكم أن يفعل ذلك ولكن برضا الخصمين وائذن لي أن أتكلم قال تكلم قال إن ابني كان عسيفا أي أجيرا ثابت الأجرة على هذا قال التوربشتي وإنما قال على هذا لما يتوجه للأجير على المستأجر من الأجرة بخلاف ما لو قال عسيفا لهذا لما يتوجه للمستأجر عليه من الخدمة والعمل قال الطيبي يريد أن قوله على هذا صفة مميزة للأجير أي أجيرا ثابت الأجرة عليه وإنما يكون كذلك إذا لابس العمل وأتمه ولو قيل لهذا لم يكن كذلك فزنى أي الأجير بامرأته أي المستأجر فأخبروني أي بعض العلماء إن على ابني الرجم وفيه أنه يجوز السؤال من المفضول مع وجود الفاضل فافتديت منه أي ولدي بمائة شاة وبجارية لي أي أعطيتهما فداء وبدلا عن رجم ولدي ثم إني سألت أهل العلم أي كبراءهم وفضلاءهم فأخبروني أن على ابني جلد مائة بفتح الجيم أي ضرب مائة جلدة لكونه غير محصن وتغريب عام أي إخراجه عن البلد سنة وإنما الرجم على امرأته أي لأنها محصنة فقال رسول الله أما بتخفيف الميم بمعنى ألا للتنبيه والذي نفسي أي ذاتي أو روحي بيده أي بقبضة قدرته وحيز إرادته لأقضين بينكما بكتاب الله وقيل الرجم وإن لم يكن منصوصا عليه صريحا لنسخ آية الرجم لفظا لكنه مذكور في الكتاب على سبيل الإجمال وهو قوله تعالى اللذان يأتيانها منكم فآذوهما النساء والأذى يطلق على الرجم وغيره من العقوبات هذا وقد فصل الحكم المجمل في قوله لأقضين بقوله أما غنمك وجاريتك فرد عليك أي مردود إليك وأما ابنك فعليه جلد مائة بالإضافة وفي نسخة بتنوين جلد ونصب مائة على التمييز ولا بد من تقدير فعليه ذلك على تقدير ثبوته بإقرار أو شهادة أربعة وتغريب عام هذا عند الشافعي ومن تبعه ومن


لم يره من العلماء كأئمتنا يحمل الأمر فيه على المصلحة ويقول ليس التغريب بطريق الحد بل بطريق المصلحة التي رآها الإمام من السياسة وقيل إنه كان في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور وأما أنت يا أنيس تصغير أنس وهو ابن الضحاك الأسلمي ولم يذكره المؤلف في أسمائه فاغد بضم الدال وهو أمر بالذهاب في الغدوة كما أن رح أمر
بالذهاب في الرواح ثم استعمل كل في معنى الآخر أي فاذهب على امرأة هذا أي إليها وفيه تضمين أي حاكما عليها فإن اعترفت فارجمها به أخذ مالك والشافعي في أنه يكفي في الإقرار مرة واحدة فإنه علق رجمها باعترافها ولم يشترط الأربع كما هو مذهبنا وأجيب بأن المعنى فإن اعترفت الاعتراف المعهود وهو أربع مرات فارجمها فاعترفت فرجمها قال الطيبي الحديث يدل على جواز الإفتاء في زمانه فإن أبا الزاني قال سألت أهل العلم فأخبروني الخ والرسول لم ينكر عليه وإن حد البكر جلد مائة وتغريب عام وأن حضور الإمام ليس بشرط في إقامتها فإنه بعث أنيسا لها وأن الاستنابة فيها جائزة قلت فحضوره حضوره فلم يتم الاستدلال به قال النووي إن بعث أنيس إليها محمول على إعلامها بأن أبا العسيف قذفها بابنه فيعرفها بأن لها عنده حد القذف هل هي طالبة به أم تعفو عنه أو تعترف بالزنا فإن اعترفت فلا يحد القاذف وعليها الرجم لأنها كانت محصنة ولا بد من هذا التأويل لأن ظاهره أنه بعث لطلب إقامة حد الزنا وتجسسه وهذا غير مراد لأن حد الزنا لا يتجسس ولا ينقر عنه بل لو أقر به الزاني استحب أن يلقن الرجوع كما سيجيء وفيه أنه يستحب للقاضي أن يصبر على قول أحد الخصمين اقض بالحق ونحو ذلك إذا تعدى عليه خصمه في شرح السنة إن للحاكم أن يبدأ باستماع كلام أي الخصمين شاء وفي قوله فرد عليك دليل على أن المأخوذ بحكم البيع الفاسد والصلح الفاسد مستحق الرد على صاحبه غير مملوك للآخذ وفيه أن من أقر بالزنى على نفسه مرة


يقام الحد عليه ولا يشترط فيه التكرار كما لو أقر بالسرقة مرة واحدة يقطع ولو أقر بالقتل مرة واحدة يقتص منه وإليه ذهب الشافعي وقال أصحاب أبي حنيفة ينبغي أن يقر أربع مرات في أربع مجالس فإذا أقر أربع مرات في مجلس واحد فهو كإقرار واحد قال المحقق ابن الهمام اختلف الحكم في اشتراط تعدد الإقرار فنفاه الحسن وحماد بن أبي سليمان ومالك والشافعي وأبو ثور واستدلوا بحديث العسيف ولأن الغامدية لم تقر أربعا وإنما رد ماعزا لأنه شك في أمره فقال أبك جنون وذهب كثير من العلماء إلى اشتراط الأربع واختلفوا في اشتراط كونها في أربعة مجالس وقال به علماؤنا ونفاه ابن أبي ليلى وأحمد فيما ذكر عنه واكتفوا بالأربع في مجلس واحد وما في الصحيحين ظاهر فيه وهو عن أبي هريرة قال أتى رجل من المسلمين رسول الله وهو في المسجد فقال يا رسول الله إني زنيت فاعرض عنه حتى بين ذلك أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله فقال أبك جنون فقال لا قال هل أحصنت قال نعم فقال رسول الله اذهبوا به فارجموه فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه فهذا ظاهر في أنه كان في مجلس واحد قلنا نعم هو ظاهر فيه لكن أظهر منه في إفادة أنها مجالس ما في صحيح مسلم عن بريدة إن ماعزا أتى النبي فرده ثم أتاه الثانية من الغد فرده ثم أرسل إلى قومه هل


تعلمون بعقله بأسا فقالوا ما نعمله إلا وفي الفعل من صالحينا فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسألوه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كان الرابعة حفر له حفيرة فرجمه وأخرج أحمد وإسحاق بن راهويه في مسنديهما وابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال أتى ماعز بن مالك النبي فاعترف وأنا عنده مرة فرده ثم جاء فاعترف وأنا عنده الثانية فرده ثم جاء فاعترف وأنا عنده الثالثة فرده فقلت له إن اعترفت الرابعة رجمك قال فاعترف الرابعة فحبسه ثم سأل عنه فقالوا لا نعلم إلا خيرا فأمر به فرجم فصرح بتعداد المجيء وهو يستلزم غيبته ونحن إنما قلنا إنه إذا تغيب ثم عاد فهو مجلس آخر وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي فقال إن الأبعد زنى فقال له ويلك وما يدريك الزنا فأمر به فطرد فأخرج ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك فأمر به فطرد فأخرج ثم أتاه الثالثة فقال له مثل ذلك فأمر به فطرد فأخرج ثم أتاه الرابعة فقال مثل ذلك فقال أدخلت وأخرجت قال نعم فأمر به أن يرجم فهذا وغيره مما يطول ذكره ظاهر في تعدد المجالس فوجب أن يحمل الحديث الأول عليها متفق عليه وعن زيد بن خالد قال سمعت النبي وفي نسخة صحيحة رسول الله يأمر فيمن زنى ولم يحصن بكسر الصاد وفي نسخة بفتحها في النهاية الإحصان المنع والمرأة تكون محصنة بالإسلام والعفاف والحرية والتزويج يقال أحصنت المرأة فهي محصنة ومحصنة وكذلك الرجل والمحصن بالفتح بمعنى الفاعل والمفعول وهو أحد الثلاثة التي جئن نوادر يقال أحصن فهو محصن وأسهب فهو مسهب وألفح فهو ملفح في شرح السنة هو الذي اجتمع فيه أربع شرائط العقل والبلوغ والحرية والإصابة في النكاح الصحيح جلد مائة مفعول يأمر وتغريب عام رواه البخاري قال ابن الهمام وروى عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير أن رجلا أتى النبي فقال يا رسول الله إني


أصبت حدا فأقمه علي فدعا عليه الصلاة والسلام بسوط فأتى بسوط شديد له ثمرة فقال سوط دون هذا فأتى بسوط مكسور لين فقال سوط فوق هذا فأتى بسوط دون سوطين فقال هذا فأمر به فجلدوه ورواه ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم أن النبي أتى برجل فذكره وذكره مالك في الموطأ والحال أنه يجتنب كل ما يطلق عليه الثمرة من العقدة والفرع الذي يصير به ذنبين وروى ابن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن حنظلة السدوسي عن أنس بن مالك
قال كان يؤمر بالسوط فيقطع ثمرته ثم يدق بين حجرين حتى يلين ثم يضرب به قلنا له في زمن من كان هذا قال في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه والحاصل أن المراد أن لا يضرب وفي طرفه يبس لأنه حينئذ يجرح أو يبرز فكيف إذا كان فيه عقدة وذكر الطحاوي أن عليا رضي الله عنه جلد الوليد بسوط له طرفان أربعين جلدة الضربة ضربتين وفي الهداية ويفرق الضرب على أعضائه لأن جمعه في عضو قد يفسده واستثنى الرأس والوجه والفرج وذكر عن النبي أنه قال للذي أمره بضرب الحد اتق الوجه والمذاكير قال ابن الهمام ولم يحفظه المخرجون مرفوعا بل موقوفا عن علي أنه أتى برجل سكران أو في حد فقال اضرب واعط كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما وسعيد بن منصور وقال ابن المنذر وثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال وقد أتى برجل اضرب واعط كل ذي عضو حقه قال وروينا هذا القول عن علي وابن مسعود والنخعي اه ولا شك أن معنى ما ذكره المصنف في الصحيحين عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام قال إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه والمذاكير ولا شك أن هذا ليس مرادا على الإطلاق لأنا نقطع إن حال قيام الحرب مع الكفار لو توجه لأحد ضرب وجه من يبارزه أو هو في مقابلته حالة الحملة لا يكف عنه إذ يمتنع عليه بعد ذلك ويقتله فليس المراد إلا من يضرب صبرا في حد قتل أو غير قتل وما قيل في المنظومة والكافي إن الشافعي يخص الظهر لاستدلال الشارحين عليه بقوله عليه


الصلاة والسلام البينة وإلا فحد في ظهرك غير ثابت في كتبهم بل الذي فيها كقولنا وإنما يذكر رواية عن مالك أنه خص الظهر وما يليه وأجيب بأن المراد بالظهر نفسه أي حد عليك بدليل ما ثبت من كبار الصحابة عن عمر وعلي وابن مسعود ثم خص منه الفرج بدليل الإجماع وقال أبو يوسف يضرب الرأس ضربة واحدة رجع إليه بعد أن كان أولا يقول لا يضرب لما روى ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن المسعودي عن القاسم إن أبا بكر أتى برجل انتفي من أبيه فقال اضرب في رأسه فإن فيه شيطانا والمسعودي مضعف ولكن روى الدارمي في مسنده عن سليمان بن يسار إن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وأعد له عراجين النخل فلما جاء قال له من أنت فقال أنا عبد الله صبيغ فأخذ عمر رضي الله عنه عرجونا من تلك العراجين فضربه على رأسه وقال أنا عبد الله عمر وجعل يضربه حتى دمى رأسه فقال يا أمير المؤمنين حسبك فقد ذهب الذي كنت أجد في رأسي وعن عمر رضي الله عنه قال إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل


عليه الكتاب أي بالصدق وهذا مقدمة للكلام وتوطئة للمرام رفعا للريبة ودفعا للتهمة الناشئة من فقدان تلاوة آية الرجم بنسخها مع بقاء حكمها فكان مما أنزل الله تعالى آية الرجم بالرفع على أنها اسم كان ومن التبعيضية في مما أنزل خبره وفي نسخة بالنصب فالتقدير فكان بعض ما أنزل الله آية الرجم وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم أي الثيب والثيبة كذا فسره مالك في الموطأ والأظهر تفسيرهما بالمحصن والمحصنة رجم رسول الله استئناف بيان لبقاء حكمها ورجمنا بعده أي تبعا له وفيه دلالة على وقوع الإجماع بعده والرجم في كتاب الله حق أي ثابت أو واجب على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ظرف للزنا إذا قامت البينة أي المعروفة في الزنا أو كان أي أو إذا وقع الحبل بفتحتين أي الحمل من غير ذات الزوج أو الاعتراف أي إذا وقع الإقرار بالزنا أو بالحبل ظرف للرجم متفق عليه قال الطيبي رحمه الله وإنما جعل قوله إن الله بعث محمدا بالحق الخ مقدمة للكلام دفعا للريبة والاتهام ويدل عليه قوله في تمام هذا الحديث بعد قوله ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان من أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله في كتابه فإن الرجم في كتاب الله حق وفي آخره وأيم الله لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله لكتبتها أخرجه الأئمة إلا النسائي وفي رواية ابن ماجه وقد قرأ بها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة قال ابن الهمام الرجم عليه إجماع الصحابة ومن تقدم من علماء المسلمين وإنكار الخوارج للرجم باطل لأنهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة فجهل مركب بالدليل بل هو إجماعي قطعي وإن أنكروا وقوعه عن رسول الله فهو متواتر المعنى كشجاعة علي وجود حاتم والآحاد في تفاصيل صوره وخصوصياته وأما أصل الرجم فلا شك فيه ولقد كوشف بهم عمر وكاشف بهم حيث قال خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم


في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف رواه البخاري وروى أبو داود أنه خطب وقال إن الله تعالى بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ورجم رسول الله ورجمنا من بعده وإني خشيت أن يطول بالناس زمان فيقول قائل لا نجد الرجم الحديث وقال لولا أن يقال إن عمر زاد في كتاب الله لكتبتها على حاشية المصحف وفي الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب


الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة وروى الترمذي عن عثمان أنه أشرف عليهم يوم الدار وقال أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله قال لا يحل دم امرىء مسلم إلا من إحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس ورواه البزار والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين والبيهقي وأبو داود والدارمي وأخرجه البخاري عن فعله عليه الصلاة والسلام من قول أبي قلابة حيث قال والله ما قتل رسول الله أحدا قط إلا في ثلاث خصال رجل قتل بجريرة نفسه فقتل أو رجل زنى بعد إحصان أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام ولا شك في رجم عمر وعلي ولا يخفى أن قول المخرج حسن أو صحيح في هذا الحديث يراد به المتن من حيث هو واقع في خصوص ذلك السند وذلك لا ينافي الشهرة وقطعية الثبوت بالتظافر والقبول والحاصل إن إنكاره إنكار دليل قطعي بالاتفاق فإن الخوارج يوجبون العمل بالمتواتر لفظا ومعنى كسائر المسلمين إلا أن انحرافهم عن الاختلاط بالصحابة والتابعين وترك التردد إلى علماء المسلمين ورواتهم أوقعهم في جهالات كثيرة لخفاء السمع عنهم والشهرة ولذا حين عابوا على عمر بن عبد العزيز القول بالرجم لأنه ليس في كتاب الله ألزمهم بإعداد الركعات ومقادير الزكوات فقالوا ذلك لأنه فعله رسول الله والمسلمون فقال لهم وهذا أيضا فعله هو والمسلمون قال صاحب الهداية وإن لم يكن محصنا وكان حرا فحده مائة جلدة لقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور وإنما قدم الزانية مع أن العادة عكسه لأنهها هي الأصل إذ الداعية منها أكثر ولولا تمكينها لم يزن قال ابن الهمام وهذا عام في المحصن وغيره نسخ في حق المحصن قطعا ويكفينا في تعيين الناسخ القطع برجم النبي فيكون من نسخ الكتاب بالسنة القطعية وهو أولى من إدعاء كون الناسخ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم لعدم القطع بكونها قرآنا ثم انتساخ تلاوتها


وإن ذكرها عمر وسكت الناس فإن كون الإجماع السكوتي حجة مختلف فيه وبتقدير حجيته لا يقطع بأن جميع المجتهدين من الصحابة كانوا إذ ذاك حضروا ثم لا شك أن الطريق في ذلك إلى عمر ظني ولهذا والله تعالى أعلم قال على أن الرجم سنة سنها رسول الله فقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ولم ينسبه للقرآن المنسوخ تلاوة وعرف من قوله ذلك إنه قائل بعدم نسخ عموم الآية فيكون رأيه أن الرجم حكم زائد في حق المحصن ثبت بالسنة وهو قول قيل به ويستدل له بقوله عليه الصلاة والسلام الثيب بالثيب جلد مائة والرجم بالحجارة وفي رواية أبي داود ورمي بالحجارة وعن عبادة بن الصامت أن النبي قال خذوا عني أي حكم حد الزنا خذوا


عني كرره للتأكيد قد جعل الله لهن سبيلا أي حدا واضحا وطريقا ناصحا في حق المحصن وغيره وهو بيان لقوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة إلى قوله أو يجعل الله لهن سبيلا النساء ولم يقل لكم ليوافق نظم القرآن ومع هذا فيه تغليب للنساء لأنهن مبدأ للشهوة ومنتهى الفتنة قال التوربشتي كان هذا القول حين شرع الحد في الزاني والزانية والسبيل ههنا الحد لأنه لم يكن مشروعا ذلك الوقت وكان الحكم فيه ما ذكر في كتاب الله واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا النساء البكر بالبكر أي حد زنا البكر بالبكر جلد مائة أي ضرب مائة جلدة لكل واحد منهما تغريب عام أي نفي سنة كما في رواية والمعنى أن اقتضت المصلحة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم الجلد منسوخ في حقهما بالآية التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها ولأنه اقتصر على رجم ماعز وغيره ولو كان الجمع حدا لما تركه وقيل معناه الثيب بالثيب جلد مائة إن كانا غير محصنين والرجم إن كانا محصنين قال الطيبي التكرير في قوله خذوا عني يدل على ظهور أمر قد خفي شأنه واهتم ببيانه فإن قوله قد جعل الله لهن سبيلا مبهم في التنزيل ولم يعلم ما تلك السبيل أي الحد الثابت في حق المحصن وغيره فقوله البكر بالبكر الخ بيان للمبهم وتفصيل للمجمل على طريقة الاستئناف مصداقا لقوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون النحل والتقسيم حاصر من حيث المفهوم لأن اللاتي يأتين الفاحشة لا تخلوا ما أن تكون بكرا أو ثيبا والأولى أما زنت بالبكر أو بالثيب والثانية أيضا كذلك فبين في الحديث ما حد البكر بالبكر والثيب بالثيب وترك ذكر الثيب مع البكر لظهوره ولحديث عسيف على ما سبق قال النووي اختلفوا في هذه الآية فقيل هي محكمة وهذا الحديث مفسر لها وقيل منسوخة بالآية التي في أول سورة النور وقيل إن آية النور في البكرين


وهذه الآية في الثيبين قال الطيبي البكر بالبكر مبتدأ وجلد مائة خبره أي حدزنا البكر بالبكر جلد مائة قال النووي هو ليس على سبيل الاشتراط بل حد البكر الجلد والتغريب سواء زنى ببكر أم ثيب وحد الثيب الرجم سواء زنى بثيب أو ببكر فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب واعلم أن المراد بالبكر من الرجال والنساء من لم يجامع في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل سواء جامع بوطء شبهة أو نكاح فاسد أو غيرهما والمراد بالثيب عكس ذلك سواء في كل ذلك المسلم والكافر والرشيد والمحجور عليه بسفه قلت في الكافر خلاف لنا سيأتي في محله قال وأجمعوا على وجوب جلد الزاني البكر مائة ورجم المحصن وهو الثيب واختلفوا في جلد الثيب مع الرجم فقالت طائفة يجلد ثم يرجم وبه قال علي رضي الله عنه والحسن وإسحاق وداود


وأهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي وقال الجمهور الواجب الرجم وحده واحتجوا بأن النبي اقتصر على رجم الثيب في أحاديث كثيرة منها قضية ماعز وقضية المرأة الغامدية وقضية المرأة مع العسيف وحديث الجمع بين الجلد والرجم منسوخ لأنه كان في بدء الأمر وأما تغريب عام ففيه حجة للشافعي والجمهور بأنه يجب نفي سنة رجلا كان أو امرأة وقال الحسن لا يجب النفي وقال مالك والأوزاعي لا نفي على النساء وروي مثله عن علي قالوا لأنها عورة وفي نفيها تضييع لها وتعريض للفتنة وأما العبد والأمة ففيهما أقوال للشافعي أصحها تغريب نصف سنة رواه مسلم وكذا أحمد والأربعة قال ابن الهمام لا يجمع في المحصن بين الجلد والرجم وهو قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد ويجمع في رواية أخرى عنه وعن أهل الظاهر لذلك وللجمهور أنه عليه الصلاة والسلام لم يجمع وهذا على وجه القطع في ماعز والغامدية وصاحبة العسيف وتظاهرت الطرق عنه عليه الصلاة والسلام أنه بعد سؤاله عن الإحصان وتلقينه الرجوع لم يزد على الأمر بالرجم فقال اذهبوا به فارجموه وقال اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يقل فاجلدها ثم ارجمها وقال في باقي الحديث فاعترفت فأمر بها رسول الله فرجمت وكذا في الغامدية والجهينية إن كانت غيرها لم يزد على الأمر برجمها وتكرر ولم يزد أحد على ذلك فقطعنا بأنه لم يكن غير الرجم فقوله عليه الصلاة والسلام خذوا عني إلى قوله الثيب بالثيب جلد مائة ورجم أو رمي بالحجارة يجب قطعا كونه منسوخا وإن لم يعلم خصوص الناسخ وأما جلد على شراحة في رجمها فأما لأنه لم يثبت عنده إحصانها إلا بعد جلدها أو هو رأي لا يقاوم إجماع الصحابة وما ذكر من القطع عن رسول الله ثم لا يجمع في البكر بين الحد والنفي والشافعي يجمع بينهما وكذا أحمد والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح وله في العبد تغريب نصف سنة ولنا لا يغرب أصلا وأما تغريب المرأة فمع محرم وأجرته عليها في قول وفي بيت المال


في قول ولو امتنع في قول يجبره الإمام وفي قول لا ولو كانت الطريق آمنة ففي تغريبها بلا محرم قولان لقوله عليه الصلاة والسلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من رواية عبادة بن الصامت مرفوعا خذوا عني الحديث ولأن فيه حسم مادة الزنا لقلة المعارف لأنه هو الداعية إلى ذلك ولذا قيل لامرأة من العرب ما حملك على الزنا مع فضل عقلك قالت طول السواد وقرب الوساد والسواد المسارة من ساوده إذا ساره ولنا قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا النور شارعا في بيان حكم الزنا فكان المذكور تمام حكمه وإلا كان تجهيلا إذ يفهم منه أنه تمام الحكم وليس تمامه في الواقع فكان نفي الشروع في البيان أبعد من ترك البيان لأنه يوقع في الجهل المركب وذاك في البسيط ولأنه هو المفهوم جعل جزاء الشرط فيفيدان الواقع هذا فقط ولو ثبت معه شيء آخر كان مثبته معارضا أو مبينا لما سكت عنه الكتاب وهو الزيادة الممنوعة نعم يرد عليه إن هذا الخبر مشهور تلقته الأمة بالقبول فتجوز به الزيادة اتفاقا والمصنف يعني صاحب الهداية عدل


عن هذه الطريقة إلى ادعاء نسخ هذا الخبر مستأنسا له بنسخ شطره الثاني وهو الدال على الجمع بين الرجم والجلد فكذا نصفه الآخر وأنت تعلم أن هذا ليس بلازم بل يجوز أن يروى جمل بعضها نسخ وبعضها لا ولو سلك الطريق الأول وادعى أنه آحاد لا مشهور وتلقى الأمة بالقبول أن كان لإجماعهم على العمل به فممنوع لظهور الخلاف وإن كان لإجماعهم على صحته بمعنى صحة سنده فكثير من أخبار الأحاد كذلك فلم تخرج عن كونها آحاد أو قد خطىء من ظنه أنه يصير قطعيا وادعى فيما رواه البخاري ذلك وغلط على ما يعرف في موضعه وإذا كان آحادا وقد تطرق إليه احتمال النسخ بقرينة نسخ شطره فلا شك أن ينزل عن الآحاد التي لم يتطرق ذلك إليها فأحرى أن لا ينسخ به ما أفاده الكتاب من أن جميع الموجب الجلد فإنه يعارضه فيه لا أن الكتاب ساكت عن نفي التغريب فكيف وليس فيه ما يدل على أن الواجب منه التغريب بطريق الحد فإن أقصى ما فيه دلالة قوله البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام فهو عطف واجب على واجب وهو لا يقتضيه بل ما في البخاري من قول أبي هريرة أن رسول الله قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد ظاهر في أن النفي ليس من الحد لعطفه عليه فجاز كونه تغريبا لمصلحة وأما مالك فرأى أن الحديث إنما دل على الرجل بقوله البكر بالبكر فلم تدخل المرأة ولا شك أنه كغيره من المواضع التي تثبت الأحكام في النساء بالنصوص المفيدة إياها للرجال بتنقيح المناط وأيضا فإن نفس الحديث يجب أن يشملهن فإنه قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر البكر الحديث فنص على أن النقي والجلد سبيل لهن والبكر يقال على الأنثى ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام البكر تستأذن ثم عارض ما ذكر الشافعي من المعنى بأن في النفي فتح باب الفتنة لانفرادها عن العشيرة وعمن تستحي منهم إن كان لها شهوة قوية فتفعله وقد تفعل لحامل آخر وهو حاجتها إلى ما يقوم أودها ولا شك أن هذا المعنى في إفضائه إلى الفساد


أرجح مما ذكره من إفضاء قلة المعارف إلى عدم الإفساد خصوصا في مثل هذا الزمان لمن شاهد أحوال النساء والرجال فيترجح عليه ويؤيده ما روى عبد الرزاق ومحمد بن الحسن في كتاب الآثار أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال قال عبد الله بن مسعود في البكر يزني بالبكر يجلدان مائة وينفيان سنة قال قال علي بن أبي طالب حسبهما من الفتنة أن ينفيا وروى محمد بن الحسن أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال كفى بالنفي فتنة وروى عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الشراب إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر لا أغرب بعده مسلما نعم لو غلب على ظن الإمام مصلحة في التغريب تعزيزا له أن يفعله وهو محل التغريب الواقع للنبي والصحابة عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فهذا التغريب كما غرب عمر نصر بن الحجاج وغيره بسبب أنه افتتن بجماله بعض النساء حتى سمع قول قائلة هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبيل إلى نصر بن حجاج


إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل سهل المحيا كريم غير ملجاج وذلك لا يوجب نفيا وعلى هذا كثير من مشايخ السلوك المحققين رضي الله تعالى عنهم وعنا بهم وحشرنا معهم يغربون المريد إذا بدا منه قوة نفس ولجاج لتنكسر نفسه وتلين ومثل هذا المريد أو من هو قريب منه ينبغي أن يقع عليه رأي القاضي في التغريب لأن مثله في ندم وشدة وإنما زل زلة لغلبة النفس إما من لم يستحيى وله حال يشهد عليه بغلبة النفس فنفيه لا شك أنه يوسع طريق الفساد ويسهلها عليه وعن عبد الله بن عمر إن اليهود أي طائفة منهم جاؤوا إلى رسول الله فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة وفي رواية امرأة ورجلا زنيا أي وكانا محصنين فقال لهم رسول الله ما تجدون استفهام أي شيء تجدونه مذكورا في التوراة في شأن الرجم قالوا نفضحهم بفتح الضاد أي نعزرهم ويجلدون بصيغة المجهول أي يضربون على جلودهم قال الطيبي أي لا نجد في التوراة حكم الرجم بل نجد أن نفضحهم ويجلدون وإنما أتى أحد الفعلين مجهولا والآخر معروفا ليشعر بأن الفضيحة موكولة إليهم وإلى اجتهادهم إن شاؤوا سخموا وجه الزاني بالفحم أو عزروه والجلد لم يكن كذلك قال عبد الله بن سلام وهو من علماء اليهود وكان قد أسلم كذبتم أن فيها الرجم فأتوا بالتوراة بصيغة الأمر وفي نسخة بفتحتين على الماضي ويؤيد الأول ما في رواية مسلم قال فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنت صادقين فجاؤوا بها فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم وفي رواية والذي وضع يده على آية الرجم عبد الله بن صوريا فقرأ ما قبلها وما بعدها قال عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع أي فرفع يده كما في رواية فإذا فيها أي في التوراة آية الرجم فقالوا صدق أي ابن سلام فيها آية الرجم فأمر بهما النبي فرجما به


أخذ الشافعي في عدم اشتراط الإسلام في الإحصان وأجيب بأن رجم اليهوديين إنما كان بحكم التوراة والإحصان لم يكن شرطا في دينهم وكان يعمل بحكم التوراة قبل أن ينزل حكم القرآن فلما نزل حكم القرآن نسخ ذلك قال النووي فيه دليل لوجوب حد الزنا على الكافر وأنه يصح نكاحهم وعلى المحصن الرجم ولا يجلد مع الرجم إذ لو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه ولم يرجم وفيه إن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وأن الكفار إذا تحاكموا إلينا يحكم القاضي بينهم بحكم شرعنا قالوا وسؤاله ما تجدون في التوراة فليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم بينهم وإنما هو لإلزامهم ما يعتقدون في كتابهم ولإظهار ما كتموه من حكم التوراة وأرادوا تعطيل نصها ففضحهم بذلك ولعله قد أوحى إليه أن الرجم في التوراة موجود في أيديهم لم يغيروه كما لم يغيروا أشياء أو أخبره بذلك من أسلم منهم فإن قيل كيف رجمهما بما ذكرت اليهود من قولهم إن رجلا منهم وامرأة زنيا إذ لا اعتبار بشهادتهم قلنا الظاهر أنهما أقرا بذلك أو شهد عليهما أربعة من المسلمين لاحتمال ما جاء في سنن أبي داود وغيره أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجمها قال ابن الهمام والشافعي يخالفنا في اشتراط الإسلام في الإحصان وكذا أبو يوسف في رواية وبه قال أحمد وقول مالك كقولنا فلو زنى الذمي الثيب الحر يجلد عندنا ويرجم عندهم لهم هذا الحديث وأجاب صاحب الهداية بأنه إنما رجمهما بحكم التوراة فإنه سألهم عن ذلك أو لا وإن ذلك إنما كان عندما قدم المدينة ثم نزلت آية حد الزنا وليس فيها اشتراط الإسلام في الرجم ثم نزل حكم اشترط الإسلام فالرجم باشتراط الإحصان وإن كان غير متلو علم ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام من أشرك بالله فليس بمحصن رواه إسحاق بن راهويه في مسنده أخبرنا عبد العزيز بن محمد حدثنا عبد الله بن نافع عن نافع عن ابن عمر عن النبي من أشرك بالله فليس بمحصن قال إسحاق رفعه مرة فقال عن رسول الله ووقفه مرة ومن


طريقه رواه الدارقطني في سننه وقال لم يرفعه غير إسحاق بن راهويه ويقال إنه رجع عن ذلك والصواب أنه موقوف قال في النهاية ولفظ إسحاق كما تراه ليس فيه رجوع وإنما ذكر عن الراوي أنه مرة رفعه ومرة أخرجه مخرج الفتوى ولم يرفعه ولا شك أن مثله بعد صحة الطريق إليه محكوم برفعه على ما هو المختار في علم الحديث من أنه إذا تعارض الرفع والوقف حكم بالرفع وبعد ذلك إذا خرج من طريق فيها ضعف لا يضر قال ابن الهمام واعلم أن الأسهل مما أن يدعي أن يقال حين رجمهما كان الرجم ثبتت مشروعيته في الإسلام وهو الظاهر من قوله عليه الصلاة والسلام ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ثم الظاهر كون اشتراط الإسلام لم يكن ثابتا وإلا لم يرجمهم لانتساخ شريعتهم وإنما كان يحكم بما أنزل الله إليه وإنما سألهم عن الرجم ليبكتهم بتركهم ما أنزل عليهم فحكم برجمهما بشرعه الموافق لشرعهم وإذا لزم كون الرجم كان ثابتا في شرعنا حال رجمهم بلا اشتراط الإسلام وقد ثبت الحديث المذكور المفيد لاشتراط الإسلام وليس تاريخ يعرف به إما تقدم الإسلام على عدم اشتراطه أو تأخره فيكون رجمه اليهوديين


وقوله المذكور متعارضين فيطلب الترجيح والقول مقدم على الفعل وفيه وجه آخر وهو أن تقديم هذا القول يوجب درء الحدود وتقديم ذلك الفعل يوجب الاحتياط في إيجاب الحد والأولى في الحدود ترجيح الدافع عند التعارض وفي رواية قال ارفع يدك فرفع أي الواضع يده فإذا فيها آية الرجم تلوح أي تظهر غاية الوضوح فقال وفي نسخة فقالوا يا محمد إن فيها آية الرجم لكنا نتكاتمه أي حكم الرجم بيننا أي لنخص به الضعيف دون الشريف فأمر أي النبي بهما أي برجمهما أو بإحضارهما فرجمهما متفق عليه وعن أبي هريرة قال أتى النبي أي جاء رجل وهو في المسجد حال من المفعول فناداه يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه النبي فتنحى أي الرجل وهو تفعل من النحو بمعنى الجهة لشق وجهه بكسر الشين وضمير وجهه راجع إلى النبي في شرح السنة أي قصد الجهة التي إليها وجهه ونحا نحوها من قولك نحوت الشيء أنحوه الذي صفة وجهه أعرض أي عنه كما في نسخة صحيحة قبله بكسر ففتح أي مقابل شق وجهه فقال إن زنيت فأعرض عنه أي النبي كما في نسخة صحيحة فلما شهد أي أقر على نفسه كأنه شهد عليها بإقراره بما يوجب الحد أربع شهادات أي مرات في أربعة مجالس بشرط غيبوبته في كل مرة على ما سبق وبالدليل تحقق فكان الشهادات الأربع بمنزلة الشهود الأربعة في شرح السنة يحتج بهذا الحديث من يشترط التكرار في الإقرار بالزنا حتى يقام عليه الحد ويحتج أبو حنيفة بمجيئه من الجوانب الأربعة على أنه يشترط أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس ومن لم يشترط التكرار قال إنما رده مرة بعد أخرى لشبهة داخلته في أمره ولذلك دعاه النبي أي سأله فقال أبك جنون قال لا وفي رواية فقال أشربت خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح الخمر فقال أزنيت قال نعم فأمر به فرجم فرد مرة بعد أخرى للكشف عن حاله لا أن التكرار فيه شرط اه وفيه إن هذا التأويل إنما يتم لو كان المأخذ منحصرا في هذا الدليل ولم يوجد التكرار في غير هذا الشخص المتوهم


بالتعليل قال النووي رحمه الله إنما قال أبك جنون لتحقق حاله
فإن الغالب أن الإنسان لا يصر على إقرار ما يقتضي هلاكه مع أن له طريقا إلى سقوط الإثم بالتوبة وهذا مبالغة في تحقيق حال المسلم وصيانة دمه وفيه إشارة إلى أن إقرار المجنون باطل وأن الحدود لا تجري عليه فقال وفي نسخة قال أحصنت أي أأحصنت قال نعم يا رسول الله قال النووي وفيه إشارة إلى أن على الإمام أن يسأل عن شروط الرجم من الإحصان وغيره سواء ثبت بالإقرار أم بالبينة وفيه مؤاخذة الإنسان بإقراره وفيه تعريض بالعفو عن حد الزاني إذا رجع عن الإقرار قال اذهبوا به فارجموه فيه دليل على أن الرجم كاف ولا يجلد قال ابن شهاب أي الزهري فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله أي من الصحابة أو التابعين يقول أي جابر فرجمناه بالمدينة فلما أذلقته الحجارة أي أصابته بحدها فعقرته من ذلق الشيء طرقه هرب أي فر في شرح السنة فيه دليل على أن المرجوم لا يشد ولا يربط ولا يجعل في الحفرة لأنه لو كان شيء من ذلك لم يمكنه الفرار والهرب قلت فيه بحث لا يخفى ثم قال فقال قوم لا يحفر مطلقا وقيل يحفر للمرأة لا للرجل قال ابن الهمام ويضرب الرجل في الحدود كلها وكذا التعزير قائما غير ممدود وتضرب المرأة جالسة لما روي عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي قال يضرب الرجل قائما والمرأة قاعدة في الحد ولأن مبنى الحد على التشهير زجرا للعامة عن مثله والقيام أبلغ فيه والمرأة مبني أمرها على الستر فيكتفي بتشهير الحد فقط بلا زيادة وإن حفر لها في الرجم جاز لأنه أستر ولذلك حفر عليه الصلاة والسلام للغامدية إلى ثندوتها والثندوة والهمزة مكان الواو وفتحها مع الواو مفتوحة ثدي الرجل أو لحم الثديين والدال مضمومة في الوجهين وما قيل الثدي للمرأة والثندوة للرجل غير صحيح لحديث الذي وضع سيفه بين ثدييه وكذا حفر علي لشراجة الهمدانية بسكون الميم وهي قبيلة كانت عيبة على


وقد مدحهم وقال في مدحه لهم ولو كنت بوابا على باب الجنة لقلت لهمدان ادخلن بسلام وتقدم حديث شراجة وفيه من رواية أحمد عن الشعبي أنه حفر لها إلى السرة ولا يحفر للرجل لأنه عليه الصلاة والسلام لم يحفر لماعز وتقدم من رواية مسلم وتقدم من روايته أيضا من حديث بريدة الأسلمي أنه حفر له وهو منكر لمخالفته الروايات الصحيحة المشهورة والروايات الكثيرة المتظافرة ولأن مبنى الحد على التشهير فيزاد في شهرة الرجل لأنه لا يضره ذلك ويكتفي في المرأة بالإخراج والإتيان بها إلى مجتمع الإمام والناس خصوصا في الرجم وأما في الجلد فقد قال تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين النور أي الزانية والزاني واستحب أن يأمر الإمام طائفة أي جماعة أن يحضروا إقامة


الحد وقد اختلف في هذه الطائفة فعن ابن عباس واحد وبه قال أحمد وقال عطاء وإسحاق اثنان وقال الزهري ثلاثة وقال الحسن البصري عشرة وعن الشافعي ومالك أربعة والربط والإمساك غير مشروع لقول ابن مسعود ليس في هذه الأمة تجريد ولا مد ولأن ماعزا انتصب لهم قائما لم يمسك ولم يربط إلا أن لا يصبر وأعياهم فحينئذ يمسك فيربط حتى إذا أدركناه بالحرة وهي أرض ذات حجارة سود بين جبلي المدينة فرجمناه حتى مات قال ابن الهمام فإذا هرب في الرجم فإن كان مقرا لا يتبع ويترك وإن كان مشهودا عليه اتبع ورجم حتى يموت لأن هربه رجوع ظاهرا ورجوعه يعمل في إقراره لا في رجوع الشهود وذكر الطحاوي في صفة الرجل أن يصفوا ثلاثة صفوف كصفوف الصلاة كلما رجمه صف تنحو لم يذكره في الأصل في حديث علي في قصة شراجة على ما قدمناه من رواية البيهقي عن الأجلح عن الشعبي وفيه إحاطة الناس بها وأخذوا الحجارة قال ليس هذا الرجم إذا يصيب بعضكم بعضا صفوا كصف الصلاة صفا خلف صف إلى أن قال ثم رجمها فرجها صف ثم صف متفق عليه وفي رواية للبخاري عن جابر بعد قوله قال نعم فأمر به فرجم بالمصلى قال النووي قالوا المراد به مصلى الجنائز وتشهد له الرواية الأخرى في بقيع الغرقد وهو موضع الجنائز بالمدينة قال البخاري وغيره فيه دليل على أن مصلى الجنائز والأعياد إذ لم يجعل مسجدا لم يثبت له حكم المسجد إذ لو كان له حكمه لاجتنب الرجم فيه لتلطخه بالدماء وقال الدارمي من أصحابنا إن مصلى العيد وغيره إذا لم يكن مسجدا هل يثبت له حكم المسجد فيه وجهان أصحهما له حكم المسجد قال ابن الهمام ولا يقام حد في مسجد بإجماع الفقهاء ولا تعزير إلا ما روى عن مالك أنه لا بأس بالتأديب في المسجد خمسة أسواط قال أبو يوسف أقام ابن أبي ليلى الحد في المسجد فخطأه أبو حنيفة وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم وشراءكم وبيعكم وإقامة حدودكم وجمروها في جمعكم


وضعوا على أبوابها المطاهر ولأنه لا يؤمن خروج النجاسة من الحد فيجب نفيه عن المسجد لما أذلقته أي مسته وأصابته وأقلقته الحجارة أي طرفها الحاد فر فأدرك بصيغة المجهول من الإدراك بمعنى اللحوق فرجم حتى مات فقال له النبي أي أثنى عليه بعد موته خيرا وصلى عليه قال النووي اختلفوا في المحصن إذا أقر بالزنا وشرعوا في رجمه فهرب هل يترك أم يتبع ليقام عليه الحد قال الشافعي وأحمد وغيرهما يترك ولكن يستقال له فإن رجع عن


الإقرار ترك وإن أعاده رجم واحتجوا بما جاء في رواية أبي داود أن النبي قال هلا تركتموه ولعله يتوب فيتوب الله عليه قلت الحديث دل على أنه يترك مطلقا قال وقال مالك وغيره أنه يتبع ويرجم لأن النبي لم يلزمهم ديته مع أنهم قتلوه بعد هربه وأجيب عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع وقد ثبت عليه الحد قلت الظاهر أنهم لم يعرفوا الحكم قبل ذلك والجهل به عذر وعن ابن عباس لما أتى أي جاء ماعز بن مالك النبي وفي نسخة إلى النبي فقال له لعلك قبلت بتشديد الباء أي فعلت القبلة بالضم أو غمزت أي لمست كما في رواية من غمزت الشيء بيدي أي لمست بها أو أشرت إليه بها أو نظرت أي قصدت النظر إليها فإن كلا يسمى زنا قال لا يا رسول الله قال أنكتها بكسر النون وسكون الكاف أي أجامعتها وهو مقول القول وقوله لا يكنى حال مأخوذ من الكناية ضد التصريح وهو قول الراوي أي قال عليه الصلاة والسلام ذلك مصرحا غير مكن عنه وهذا التصريح تصريح في استحباب التعريض بالعفو إذا كنى الجاني ولم يصرح قال أي ابن عباس فعند ذلك وفي نسخة قال أي ماعز نعم فعند ذلك أمر أي النبي برجمه أي فرجم قال النووي فيه استحباب تلقين المقر بالزنا والسرقة وغيرهما بالرجوع وبما يعتذر به من شبهة فيقبل رجوعه لأن الحدود مبنية على المساهلة والدرء بخلاف حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى المالية كالزكاة والكفارة وغيرهما فإنه لا يجوز التلقين فيها رواه البخاري قال ابن الهمام وأخرج أبو داود والنسائي وعبد الرزاق في مصنفه فأعرض عنه فأقبل في الخامسة فقال أنكتها قال نعم قال حتى غاب ذلك منك في ذلك منها قال نعم قال كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر قال نعم قال فهل تدري ما الزنا قال نعم أتيت منها حراما كما يأتي الرجل من امرأته حلالا قال فما تريد بهذا القول قال أريد أن تطهرني فأمر به فرجم فسمع النبي رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى


رجم رجم الكلب فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجليه فقال أين فلان وفلان فقالا نحن ذان يا رسول الله فقال انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار فقالا ومن يأكل من هذا يا رسول الله قال فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من الأكل منه والذي نفسي بيده أنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها
وعن بريدة قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي فقال يا رسول الله طهرني أي كن سبب تطهيري من الذنب بإجراء الحد علي فقال ويحك في النهاية ويح كلمة ترحم وتوجع يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر وقد ترفع وتضاف ولا يضاف يقال ويح زيد وويحا له وويح له ارجع أي عن هذا المقال وعن هذا الكلام فاستغفر لله أي باللسان وتب إليه أي بالجنان والمراد بالاستغفار التوبة وبالتوبة المداومة والاستقامة عليها قال فرجع غير بعيد أي غير زمان بعيد كقوله تعالى فمكث غير بعيد النحل ذكره الطيبي والأظهر غير مكان بعيد أو رجوعا غير بعيد بمعنى غيبة غير بعيدة ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني ولعله لم يقدر على تطهير نفسه بالتوبة الصحيحة والرجعة النصيحة فقال النبي مثل ذلك أي ويحك الخ حتى إذا كانت الرابعة أي وقال طهرني فقال له رسول الله فيم أطهرك قال الطيبي وفي نسخ المصابيح مم أطهرك وفي نسخة بم أطهرك والرواية الأولى في صحيح مسلم وكتاب الحميدي قال النووي فيم بالفاء والياء التحية بنقطتين في جميع النسخ وهو صحيح وفيه معنى التسبب قال من الزنا أي من ذنبه بإقامة الحد قال الطيبي ما يسأل بها عن عموم الأحوال ومن ابتدائية في الجواب مضمنة معنى السبب لأنها الإنشاء الابتداء فخصت ما به ليطابقها كأنه قيل في أي سبب أطهرك وأجاب بسبب الزنا ونظيره في المعنى قوله تعالى قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله المؤمنون لأن قوله من رب السموات معنى المالكية كأنه قيل لمن السموات والأرض قال رسول الله أي لأصحابه


أبه جنون فأخبر بصيغة المجهول أي فأخبروه أنه ليس بمجنون فقال أشرب خمرا فقام رجل فاستنكهه أي طلب نكهته أي رائحة فمه ليعلم أشارب هو أم غير شارب فلم يجد منه ريح خمر فقال أزنيت قال نعم فأمر به أي برجمه فرجم فلبثوا يومين أي بعد رجمه أو ثلاثة ثم جاء رسول الله فقال استغفروا لماعز بن مالك أي اطلبوا له مزيد المغفرة وترقى الدرجة لقد تاب توبة أي من ذنبه هذا لو قسمت أي ثوابها بين أمة
أي جماعة من الناس لوسعتهم بكسر السين قال الطيبي أي لكفتهم سعة يعني توبة تستوجب مغفرة ورحمة تستوعبان جماعة كثيرة من الخلق يدل عليه قوله في الغامدية لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له فإن قلت فإذا ما فائدة قوله استغفروا لماعز قلت فائدة قوله إذا جاء نصر الله إلى قوله واستغفره النصر وقوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله الفتح فإن الثاني طلب مزيد الغفران وما يستدعيه من الترقي في المقامات والثبات عليها ومنه قوله تعالى واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه هود ثم جاءته امرأة من غامد بغين معجمة قبيلة من اليمن من الأزد قبيلة كبيرة قال ابن الهمام الغامدية من بني غامد حي من الأزد قاله المبرد في الكامل وفي كتاب أنساب العرب غامد بطن من خزاعة وفي حديث عمران بن حصين أتت امرأة من جهينة فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت تريد أن ترددني أي ترجعني كما رددت ماعز بن مالك أنها حبلى من الزنا قال ابن الهمام الزنا مقصور في اللغة الفصحى لغة أهل الحجاز التي جاء بها القرآن قال تعالى ولا تقربوا الزنا الإسراء ويمد في لغة نجد وعليها قال الفرزدق أبا طاهر من يزن يعرف زناؤه ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا بفتح الكاف وتشديدها من السكر والخرطوم من أسماء الخمر قال الطيبي قوله إنها حبلى جملة مستأنفة بيان لموجب قياس حالها على حال ماعز والعلة غير جامعة فكأنها قالت إني غير متمكنة من الإنكار بعد الإقرار


لظهور الحبل بخلافه وقوله إنها حبلى على الغيبة حكاية معنى قولها إني حبلى يدل على الجواب فقال أنت وفي نسخة بالمد على الاستفهام لأنه تقرير لما تكلمت به قالت نعم قال لها حتى أي اصبري إلى أن تضعي وقال الطيبي غاية لجواب قولها طهرني أي لم أطهرك حتى تضعي ما في بطنك قال ابن الملك فيه أن الحامل لا يقام عليها الحد ما لم تضع الحمل لئلا يلزم إهلاك البريء بسبب المذنب سواء كانت العقوبة لله تعالى أو للعباد قال أي الراوي فكفلها بالتخفيف أي قام بمؤنتها ومصالحها رجل من الأنصار حتى وضعت قال النووي وليس هو من الكفالة التي بمعنى الضمان لأنها غير جائزة في حدود الله فأتى أي الرجل النبي أي بعد مدة فقال قد وضعت الغامدية أي فما الحكم فيها فقال إذا بالتنوين لا ترجمها بالنصب وفي نسخة بالرفع وتدع ولدها بالوجهين قال الطيبي إذا هو جواب وجزاء يعني إذا وضعت الغامدية فلا نرجمها وتترك ولدها صغيرا ليس له من يرضعه بضم الياء وكسر


الضاد فقام رجل من الأنصار فقال إلي رضاعه بفتح الراء ويكسر أي رضاعه موكول إلي يا نبي الله قال أي الراوي فرجمها أي فأمر النبي برجمها فرجمت وفي رواية أنه قال لها اذهبي حتى تلدي فلما ولدت قال اذهبي فارضعيه حتى تفطميه بفتح التاء وكسر الطاء وسكون الياء أي تفصلينه من الرضاع فلما فطمته أتته بالصبي حال من فاعل أتته وضمير المفعول راجع إليه في يده وفي نسخة وفي يده كسرة خبز الجملة حال من الصبي فإنه مفعول فقالت هذا أي ولدي يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فيه أن رجم الحامل يؤخر إلى أن يستغني عنها ولدها إذا لم يوجد من يقوم بتربيته وبه قال أبو حنيفة في رواية فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين قال النووي الرواية الأخيرة مخالفة للأولى فإن الثانية صريحة في أن رجمها كان بعد الفطام وأكل الخبز والأولى ظاهرة في أن رجمها عقيب الولادة فوجب تأويل الأولى لصراحة الثانية لتتفقا لأنهما في قضية واحدة والروايتان صحيحتان فقوله في الأولى فقام رجل من الأنصار فقال إلى رضاعة إنما قاله بعد الفطام وأراد بالرضاعة كفالته وتربيته سماها رضاعا مجازا قال ابن الهمام والطريقان في مسلم وهذا يقتضي أنه رجمها حين فطمت بخلاف الأول فإنه يوجب أنه رجمها حين وضعت وهذا أصح طريقا لأن في الأول بشير بن المهاجر وفيه مقاتل وقيل يحتمل أن يكونا امرأتين ووقع في الحديث الأول نسبتها إلى الأزد وفي حديث عمران بن حصين جاءت امرأة من جهينة وفيه رجمها بعد أن وضعت قال الطيبي ويحتمل أن يقال معنى قوله إلى رضاعه أي أني أتكفل مؤنة المرضعة لترضع ولدها كما كفل الرجل مؤنتها حين كانت حاملا فإذا الفاء في قوله فرجمها فصحيحة أي سلمها رسول الله مع ولدها فأرضعته حتى فطمته وأتته به في يده كسرة خبز فدفع الصبي إلى غيرها ثم أمر بها أي برجمها فحفر لها إلى صدرها بصيغة المجهول وهو يحتمل أن يكون بأمر منه ولهذا قال صاحب الهداية إن ترك الحفر لم يضر لأن النبي لم يأمر


بذلك اه والظاهر أنه بأمره أو بتقريره فيستحب الحفر لها على ما سبق ولذا قال ابن الهمام يعني لم يوجبه بناء على أن حقيقة الأمر هو الإيجاب وقال إنه عليه الصلاة والسلام حفر للغامدية ومعلوم أنه ليس المراد إلا أنه بذلك فيكون مجازا عن أمر وأمر الناس فرجموها ولا يلزم منه عدم حضوره في رجمها بل الظاهر وجوده حينئذ لما سيأتي من قوله عليه الصلاة والسلام لخالد بعد سبه إياها ولما رواه أبو داود عن زكريا بن عمران قال سمعت شيخا يحدث عن ابن أبي بكرة عن أبيه عن


النبي رجم الغامدية فحفر لها إلى الثندوة ثم ذكر إسنادا آخر وزاد ثم رماها بحصاة مثل الحمصة وقال ارموا واتقوا الوجه فلما طفئت أخرجها وصلى عليها رواه النسائي والطبراني والبزار وفيهم مجهول قال ابن الهمام وأنت تعلم أنه لو تم أمر هذا الحديث بالصحة لم يكن فيه دليل على اشتراط على ما هو المذهب فالمعول عليه ما روى ابن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عليا كان إذا شهد عنده الشهود على الزنا أمر الشهود أن يرجموا ثم يرجم هو ثم يرجم الناس فإن كان بإقرار بدأ هو فرجم ثم رجم الناس قال وحدثنا أبو خالد الأحمري عن الحجاج عن الحسن بن سعد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن علي قال أيها الناس إن الزنا زنا آن زنا السر وزنا العلانية فزنا السر أن يشهد الشهود فيكون الشهود أول من يرمي ثم الإمام ثم الناس وزنا العلانية أن يظهر الحبل والاعتراف فيكون الإمام أول من يرمي قال وفي يده ثلاثة أحجار فرماها بحجر فأصاب صدغها فاستدارت ورمى الناس وروى الإمام أحمد في مسنده عن الشعبي قال كان لشراجة زوج غائب بالشام وأنها حملت فجاء بها مولاها فقال إن هذه زنت فاعترفت فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وحفر لها إلى السرة وأنا شاهد ثم قال إن الرجم سنة سنها رسول الله ولو كان شهد على هذه أحد لكان أول من يرمي الشاهد يشهد ثم يتبع شهادته حجره ولكنها أقرت فأنا أول من يرميها فرماها بحجر فرماها الناس ورواه البيهقي عن الأجلح عن الشعبي عن علي وفيه أنه قال لها لعله وقع عليك وأنت نائمة قالت لا قال لعله استكرهك قالت لا قال فأمر بها فحبست فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة وأحاط الناس بها الحديث وفيه أيضا أنه صفهم ثلاثة صفوف ثم رجمها ثم أمرهم فرجم صف ثم صف ثم صف فيقبل من الإقبال والمضارع لحكاية الحال خالد بن الوليد بحجر قال التوربشتي يروى هذا اللفظ


بالياء ذات النقطتين من تحت بين يدي القاف واللام على زنة الماضي من التقبيل وليس بشيء معنى أو رواية وإنما أتاهم الغلط من حيث أن الراوي أتى به على بناء المضارع من الإقبال كأنه يريد حكاية الحال الماضية وروى أنه لو كان من الإقبال لأتى به على زنة الماضي لكونه أشبه بنسق الكلام وصحح القاضي هذه الرواية وقال وفي بعض النسخ فتقيل بالياء على صيغة الماضي من التقيل وهو التبع أي تبعها بحجر فرمى رأسها قال الطيبي قد تقرر في علم المعاني أن القصة إذا كانت عجيبة الشأن يعدل من الماضي إلى المضارع لتصوير تلك الحالة مشاهدة واستحضارا ليتعجب السامع منها ولا ارتياب أن قصة خالد وما قاله النبي من قوله مهلا ومن تمثيل توبتها بتوبة العشار مما يتعجب منها ويستغرب فيها قلت فعلى هذا كان ينبغي أن تكون الأفعال المذكورة كلها بالصيغة المضارعية فتأمل فتنضح بتشديد الضاد المعجمة الدم على وجه


خالد قال النووي روي بالحاء المهملة وبالمعجمة والأكثرون على المهملة والمعنى ترشش وانصب و في النهاية النضح قريب من النضخ وقيل بالمعجمة الأثر يبقى في الثوب والجسد وبالمهملة الفعل نفسه وقيل هو بالمعجمة ما فعل تعمدا وبالمهملة من غير تعمد فسبها أي فشتهما خالد فقال النبي مهلا أي امهل مهلا أي ارفق رفقا فإنها مغفورة فلا تسبها فهو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة أي ندمت ندامة أو رجعت إلى حكم الله رجعة لو تابها أي لو تاب توبتها صاحب مكس بفتح الميم وأصله الجناية ويطلق على الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار لغفر له قال النووي فيه إن المكس من أعظم الذنوب والمعاصي الموبقات وذلك لكثرة مطالبة الناس ومظلماتهم عنده لتكرر ذلك منه وأخذ أموال الناس بغير حقها وصرفها في غير وجهها قلت ومن هو أقبح أنواع الظلم فإنه يأخذ المال الذي شقيق الروح في وقت ضيق قهرا من غير وجه شرعي ولا طريق عرفي بل يتعدى على المسلمين زيادة على مصطلح الكافرين والعجب كل العجب من علماء زماننا ومشايخ أواننا إنهم يقبلون منهم هذا المال ويصرفونه في تحصيل المنال ولا يتأملون في المآل نسأل الله تعالى العافية والرزق الحلال وحسن الأعمال ثم أمر أي الناس بها أي بالصلاة عليها فصلى بصيغة المجهول ونائبه قوله عليها وفي نسخة بصيغة الفاعل وهو النبي أو المأمور بالصلاة عليها قال القاضي عياض هي بفتح الصاد واللام عند جماهير رواه صحيح مسلم وعند الصبري بضم الصاد قال وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود كذا نقله النووي فينبغي أن يجعل فصلى بصيغة الفاعل أصلا ويكون المراد بقوله ثم أمر بها أي بتجهيزها من غسلها وتكفينها وإحضارها ويؤيده ما في رواية مسلم أمر بها النبي فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت فهذه الرواية صريحة في أن النبي صلى عليها وفي رواية لأبي داود ثم أمرهم أن يصلوا عليها وهذه الرواية لا تنافي الأولى فتحمل على


الجمع بينهما قال القاضي عياض ولم يذكر مسلم صلاته على ماعز وقد ذكرها البخاري اه ولا شك أن المثبت مقدم على النافي وزيادة الثقة مقبولة ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وكان أرباب النسخ المعتمدة في المشكاة لما رأوا أن الروايات اختلفت في أنه صلى عليها أم لا اختاروا ضبط لفظة صلى بصيغة المجهول ليشمل الاحتمالين لكنه موهم فالأولى متابعة الجمهور وموافقة النقل المشهور ودفنت قال النووي اختلفوا في الصلاة على المرجوم وكرهها مالك وأحمد للإمام ولأهل الفضل دون باقي الناس وقال الشافعي وآخرون يصلي عليه الإمام وأهل الفضل في غيرهم واتفقوا على الصلاة على الفساق والمقتولين في المحاربة والحدود وأولاد الزنا سوى قتادة فإنه منع من أن يصلي على أولاد الزنا وفي الحديث دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية التي حد لها فإن قيل ما بال ماعز والغامدية لم يقنعا بالتوبة وهي محصلة لغرضهما من سقوط الإثم فأصرا على الإقرار فرجما فالجواب أن تحصيل البراءة بالحد متيقن لا سيما


بمشاهدة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وأما التوبة فيخاف أن لا تكون نصوحا وأن يخل بشيء من شروطها وفيه احتجاج لأصحاب مالك وجمهور الحجازيين أنه يحد من وجد فيه ريح الخمر وإن لم تقم عليه بينة ولم يقر ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحد بمجرد الريح بل لا بد من بينة وإقرار وفيه أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع سواء كان حملها من زنا أو غيره لئلا يقتل البريء من الذنب وكذا لا تجلد وأنه إن وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع حملها وترضع ولدها رواه مسلم قال ابن الهمام وروى ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن ابن أبي بريدة عن أبيه بردة قال رجم ماعز قالوا يا رسول الله ما تصنع به قال اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم من الغسل والحنوط والكفن والصلاة عليه وأما صلاته عليه الصلاة والسلام على الغامدية فأخرجه الستة إلا البخاري عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت النبي وهي حبلى من الزنا فقالت يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي الحديث بطوله إلى أن قال ثم أمر برجمها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت فقال لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله وفي صحيح البخاري من حديث جابر في أمر ماعز قال ثم أمر به فرجم فقال له النبي خيرا وصلى عليه ورواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه غير واحد منهم أبو داود وصححوه وأما ما رواه أبو داود من حديث أبي برزة الأسلمي أنه عليه الصلاة والسلام لم يصل على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه ففيه مجاهيل فإن فيه عن أبي بسر حدثني نفر من أهل البصرة عن أبي برزة نعم حديث جابر في الصحيحين في ماعز وقال له خيرا ولم يصل عليه معارض صريح في صلاته عليه لكن المثبت أولى من النافي وعن أبي هريرة قال سمعت النبي إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها أي ظهر فليجلدها أي أحدكم الحد أي الجلد كما أشار إليه بقوله


فليجلدها قال الطيبي
الحد مفعول مطلق أي فليجلدها الحد المشروع وقال بعض علمائنا وفي ذكر الأمة إشعار بأن حدها منكوحة كانت أو غيرها الجلد إلا أنه نصف جلد الحرائر لقوله تعالى فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء وأريد بالعذاب الجلد لا الرجم لأنه لا ينصف واستدل الشافعي بالحديث على أن للمولى إقامة الحد على مملوكه وعلماؤنا حملوا قوله فليجلدها على التسبب أي ليكن سببا لجلدها بالمرافعة إلى الإمام وفي الهداية لا يقيم المولى الحد على عبده إلا بإذن الإمام وقال الشافعي ومالك وأحمد يقيم بلا إذن وعن مالك إلا في الأمة المزوجة واستثنى الشافعي من المولى أن يكون ذميا أو مكاتبا أو امرأة وهل يجري ذلك على العموم حتى لو كان قتلا بسبب الردة أو قطع الطريق أو قطعا للسرقة ففيه خلاف عندهم قال النووي الأصح المنصوص نعم لإطلاق الخبر وفي التهذيب الأصح إن القتل والقطع إلى الإمام قال ابن الهمام لهم ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال سئل رسول الله عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال إن زنت فاجلدوها وإن زنت فاجلدوها وإن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير قال ابن شهاب ما أدري أبعد الثالثة أو الرابعة والضفير الحبل وفي السنن قال عليه الصلاة والسلام أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ولأنه يملك تعزيره صيانة لملكه عن الفساد فكذا الحد ولأن له ولاية مطلقة عليه حتى ملك منه ما لا يملك الإمام من التصرف فملكه الإقامة عليه أولى من الإمام ولنا ما روى الأصحاب في كتبهم عن ابن مسعود وعن ابن عباس وابن الزبير موقوفا ومرفوعا أربع إلى الولاة الحدود والصدقات والجمعات والفيء ولأن الحد خالص حق الله فلا يستوفيه إلا نائبه وهو الإمام وهذا الاستدلال يتوقف على صحة هذا الحديث وكونه حق الله وإنما يستوفيه نائبه مسلم لكن الاستنابة تعرف بالسمع وقد دل على أنه استناب في حقه المتوجه منه على الأرقاء مواليهم بالحديث السابق ودلالته


على الإقامة بنفسه ظاهرة وإن كنا نعلم أنه ليس المراد الإقامة بنفسه فإنه لو أمر به غيره كان ممتثلا فجاز كون المراد ذكره للإمام ليأمر بإقامته لكن لما لم يثبت المعارض المذكور لا يجب الحمل على ذلك بل على الظاهر المتبادر من كون القائل أقام فلان أو جلد فلان أنه باشره أو أمر به على أن المتبادر أحد دائر فيهما لا في ثلاثة وهما هذان مع رفعه إلى الحاكم ليحده نعم من استقر اعتقاده على أن إقامة الحدود إلى الإمام فالمتبادر إليه من ذلك اللفظ الأخير بخصوصه اه كلام المنصف المحقق والله الموفق ولا يثرب بتشديد الراء أي لا يعيب عليها أي على الأمة ولا يعيرها أحد بعد إقامة الحد لأنه كفارة لذنبها قال القاضي التثريب التأنيب والتعيير وكان تأديب الزناة قبل شرع الحد هو التثريب وحده فأمرهم بالجلد ونهى عن الاقتصار بالتثريب ولعله إنما أسقط التغريب عن المماليك نظرا للسادة وصيانة لحقوقهم قال النووي فيه دليل على وجوب حد الزنا على


الإماء والعبيد وأن السيد يقيم الحد عليهما وله أن يتفحص عن جرمهما ويسمع البينة عليهما وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وقال أبو حنيفة وطائفة ليس له ذلك وهذا الحديث صريح في الدلالة للجمهور قلت الصراحة ممنوعة لأن الخطاب عام لهذه الأمة وكذا لفظ أحدكم فيشمل الإمام وغيره ولا شك أنه الفرد الأكمل فينصرف المطلق إليه ولأنه العالم بما يتعلق بالحد من الشروط وليس كل واحد من المالكين له أهلية ذلك مع أن المالك متهم في ضربه وقتله أنه لذلك أو لغيره ولا شك أنه لو جوز له على إطلاقه لترتب عليه فساد كثير وعلى هذا التأويل رواية إن زنت فاجلدوها ورواية أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ولعل وجه التخصيص أن الزنا لم يكن عيبا في الجواري والعبيد أيام الجاهلية فنبه على أنهم متساوون في الحد مع الأحرار لكن بطريق التنصيص كما دل عليه الآية ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب فيه أنه لا يجمع بين الحد والتثريب قال النووي وفيه أن الزاني إذا تكرر منه الزنا تكرر عليه الحد فأما إذا زنا مرات ولم يحد فيكفي حد واحد للجميع ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها أي بعد إقامة الحد أو قبلها وهو الظاهر وفيه إشارة إلى أن المراد بقوله فليجلدها ليكن سبب جلدها بالمرافعة ليحصل تأديبها ولما تكرر منها وعلم عدم النفع فيها فأمره ببيعها من غير إقامة حدها ولو بحبل من شعر بفتح العين ويسكن أي وإن كان ثمنها قليلا قال النووي فيه ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وهذا البيع المأمور به مستحب وقال أهل الظاهر هو واجب وفيه جواز بيع الشيء الثمن بثمن حقير إذا كان البائع عالما وإن كان جاهلا ففيه خلاف لأصحاب مالك فإنهم لا يجوزونه خلافا للجمهور وعلى البائع بيان حال السلعة وعيبها للمشتري قلت هذا كلام برأسه مستفاد من قواعد الشرع إذ ليس في الحديث دلالة عليه ثم قال إن قيل كيف يكره شيئا لنفسه ويرتضيه لأخيه المسلم


فالجواب لعل الزانية تستعف عند المشتري بنفسها أو بصونها أو بالإحسان إليها والتوسعة عليها أو تزويجها قلت إذا ظهر العيب فلا محذور في ذلك فالسؤال ساقط من أصله نعم يحتاج الجواب عمن يشتريها وهو عالم بها والأظهر أن بيعها بمنزلة التغريب زجرا وسياسة ودلالة إلى أنها غير قابلة للتربية عنده متفق عليه وعن علي رضي الله عنه قال يا أيها الناس أي المؤمنون أقيموا على
أرقائكم بتشديد القاف جمع رقيق أي من عبيدكم وإمائكم الحد أي ضرب جلد من أحصن أي تزوج منهم أي ومنهن ففيه حذف أو تغليب ومن لم يحصن قال الطيبي وتقييد الأرقاء بالإحصان مع أن الحرية شرط الإحصان يراد به كونهن مزوجات لقوله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب النساء حيث وصفهن بالإحصان فقال فإذا أحصن وحكم فإن أمة لرسول الله زنت فأمرني أن أجلدها وهذا التعليل يؤيد ما قدمناه من التأويل فإذا هي حديث عهد أي جديد زمان بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها قال الطيبي هو مفعول فخشيت وجلدتها مفسر لعامل أنا المقدر بعد أن الشرطية كقول الحماسي وإن هي لم تحمل عن النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام المعترض فيه بين الفعل ومفعوله فذكرت ذلك للنبي فقال أحسنت فيه إن جلد ذات النفاس يؤخر حتى تخرج من نفاسها لأن نفاسها نوع مرض فتؤخر إلى زمان البرء قال ابن الهمام وإذا زنى المريض وحده الرجم بأن كان محصنا حد لأن المستحق قتله ورجمه في هذه الحالة أقرب إليه وإن كان حده الجلد لا يجلد حتى يبرأ لأن جلده في هذه الحالة قد يؤدي إلى هلاكه وهو غير المستحق عليه ولو كان المرض لا يرجى زواله كالسل أو كان خداجا ضعيف الخلقة فعندنا وعند الشافعي يضرب بعثكال فيه مائة شمراخ فيضرب به دفعة ولا بد من وصول كل شمراخ إلى بدنه ولذا قيل لا بد حينئذ أن تكون مبسوطة ولخوف التلف لا يقام الحد في البرد الشديد والحر الشديد بل يؤخر إلى


اعتدال الزمان وإذا زنت الحامل لا تحد حتى تضع حملها ولو جلدا كيلا يؤدي إلى هلاك الولد لأنه نفس محترمة لأنه مسلم لا جريمة منه رواه مسلم وفي رواية أبي داود قال دعها أي اتركها حتى ينقطع دمها أي دم نفاسها ثم أقم عليها الحد وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم أي لا تتركوا الحدود عليهم فإن منفعتها واصلة إليكم وإليهم وليس فيه صراحة دلالة على أن للموالي إقامة حدود مواليهم ونظيره ما ورد من قوله أقيموا حدود الله تعالى في البعيد والقريب ولا تأخذكم في الله لومة لائم رواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت ويدل عليه اتفاق أصحابنا في كتبهم نقلا عن الصحابة موقوفا ومرفوعا أن ولاية الحد إلى الولاة والله تعالى أعلم

الفصل الثاني


عن أبي هريرة قال جاء ماعز الأسلمي إلى رسول الله فقال أنه قد زنى هذا نقل بالمعنى كما لا يخفى إذ لفظه أني قد زنيت أو المراد أن ماعزا قد زنى فأعرض عنه ثم جاءه من شقه الآخر أي بعد غيبته عن المجلس فقال إنه قد زنى فأعرض عنه ثم جاءه من شقه الآخر فقال يا رسول الله أنه قد زنى فأمر به أي برجمه في الرابعة أي في المرة الرابعة من مجالس الاعتراف فأخرج بصيغة المجهول أي أمر بإخراجه إلى الحرة وهي بقعة ذات حجارة سود خارج المدينة فرجم بالحجارة فلما وجد مس الحجارة أي ألم إصابتها فر أي هرب يشتد بتشديد الدال أي يسعى وهو حال حتى مر برجل معه لحى حمل بفتح اللام وسكون الحاء المهملة أي عظم ذقنه وهو الذي ينبت عليه الأسنان فضربه أي الرجل به أي باللحى وضربه الناس أي آخرون بأشياء أخر حتى مات فذكروا أي بعض أصحابه ذلك لرسول الله أنه بفتح الهمزة فر حين وجد مس الحجارة قال الطيبي قوله ذلك إذا جعل إشارة إلى المذكور السابق من فراره من مس الحجارة كأن قوله إنه فر حين وجد مس الحجارة تكرارا لأنه بيان ذلك فيجب أن يكون ذلك بهما وقد فسر بما بعده كقوله تعالى وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين الحجر ولعله كرر لزيادة البيان وقوله ومس الموت عطف على مس الحجارة على سبيل البيان كقوله تعالى وإن من الحجارة لما يتفجر البقرة ولعله كرر لزيادة البيان وقوله ومس الموت عطف على مس الحجارة على سبيل البيان كقوله تعالى وإن من الحجارة لما يتفجر البقرة الآية عطف على قوله فهي كالحجارة أو أشد قسوة البقرة بيانا فقال رسول الله هلا تركتموه رواه الترمذي وابن ماجه وفي رواية أي لابن ماجه أولهما أو لغيرهما


هلا تركتموه لعله أن يتوب أي عسى أن يرجع عن فعله فيتوب الله عليه أي يرجع الله عليه بقبول توبته قال ابن الملك فيه أن المقر على نفسه بالزنا لو قال ما زنيت أو كذبت أو رجعت سقط عنه الحد فإن رجع في أثناء إقامته عليه سقط الباقي وقال جمع لا يسقط إذ لو سقط لصار ماعز مقتولا خطأ فتجب الدية على عواقل القاتلين قلنا إنه لم يرجع صريحا لأنه هرب وبالهرب لا يسقط الحد وتأويل قوله هلا تركتموه أي لينظر في أمره أهرب من ألم الحجارة أو رجع عن إقراره بالزنا قال الطيبي فإن قلت إذا كان رسول الله واخذهم بقتله حيث فر فهل يلزمهم قود إذا قلت لا لأنه واخذهم بشبهة عرضت تصلح أن يدفع بها الحد وقد عرضت لهم شبهة أيضا وهي إمضاء أمر رسول الله فلا جناح عليهم اه ولا يخفى أن قوله فهل يلزمهم قود خطأ إذ لا معنى للقود في هذا المقام في شرح السنة فيه دليل على أن من أقر على نفسه بالزنا إذا رجع في خلال إقامة الحد فقال كذبت أو ما زنيت أو رجعت سقط ما بقي من الحد عنه وكذلك السارق وشارب الخمر وعن ابن عباس أن النبي قال لماعز بن مالك أحق أي أثابت ما بلغني عنك قال وما بلغك عني قال بلغني أنك قد وقعت بجارية آل فلان وفي نسخة صحيحة على جارية آل فلان أي على بنتهم قال نعم فشهد أي أقر أربع شهادات أي مرات في مجالس متعددة فأمر به أي برجمه فرجم رواه مسلم قال الطيبي فيه تنبيه من المؤلف على أن هذا الحديث غير مقر في مكانه بل مكانه الفصل السابق فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين حديث بريدة يعني على ما سبق فإن هذا يدل على أنه كان عارفا بزنا ماعز فاستنطقه ليقربه ليقيم عليه الحد وحديث بريدة وأبي هريرة أي السابق ويزيد بن نعيم أي اللاحق يدل على أنه لم يكن عارفا به فجاء ماعز فأقر فأعرض عنه مرارا ثم جرت بعد ذلك أحوال جمة ثم رجم قلت للبلغاء مقامات فمن مقام يقتضي الإيجاز فيقتصرون على كلمات معدودة ومن مقام يقتضي الأطناب فيظنون فيه كل الأطناب قال


يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء فابن عباس سلك طريق الاختصار فأخذ من أول القصة وآخرها إذ كان قصده بيان رجم الزاني المحصن بعد إقراره وبريدة وأبو هريرة ويزيد سلكوا سبيل الأطناب في بيان مسائل مهمة للأمة وذلك أنه لا يبعد أن رسول الله بلغه حديث ماعز فأحضره بين يديه فاستنطقه لينكر ما
نسب إليه لدرء الحد فلما أقر أعرض عنه فجاءه من قبل اليمين بعدما كان ماثلا بين يديه فأعرض عنه فجاءه من قبل الشمال يدل عليه حديث أبي هريرة ثم جاءه من شقه الآخر وكل ذلك ليرجع عما أقر فلما لم يجد فيه ذلك فقال أبه جنون الخ ونظير سلوك ابن عباس في أخذ القصة أولها وآخرها ملخصا قوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا المزمل فالفاء في فأخذناه كالفاء في فأمر به فرجم فالفاء تستدعي حالات وتارات وشؤونا لا تكاد تنضبط إلى أن تتصل إلى أول القصة من قوله كما أرسلنا فعصى والله تعالى أعلم وقال النووي في شرح مسلم هكذا وقع في هذه الرواية والمشهور في باقي الروايات أنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال طهرني قال العلماء لا تناقض بين هذه الروايات فيكون قد جيء به إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غير استدعاء من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقد جاء في غير مسلم أن قومه أرسلوه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للذي أرسله لو سترته بثوبك يا هزال لكان خيرا لك وكان ماعز عنده هزال فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لماعز بعد أن ذكر له الذين حضروا معه ما جرى له أحق ما بلغني عنك الخ وعن يزيد بن نعيم بالتصغير عن أبيه أي هزال الأسلمي يكنى أبا نعيم روى عنه ابنه نعيم ومحمد بن المنكدر أن ماعزا أتى النبي فأقر عنده أربع مرات أي في أربعة مجالس فأمر برجمه أي فرجم وقال أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لهزال بتشديد الزاي مبالغة هازل لو سترته


بثوبك كان خيرا لك قال وفي نسخة وقال ابن المنكدر إن هزالا أمر ماعزا أن يأتي النبي فيخبره وذلك لأن هزالا كان له مولاة اسمها فاطمة وقع عليها ماعز فعلم به هزال فأشار إليه بالمجيء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يريد به السوء والهوان قصاصا لفعله بمولاته كذا قيل والأظهر أنه كان ذلك نصيحة له من هزال على ما سيروى في الحديث الثاني من الفصل الثالث رواه أبو داود قال ابن الهمام أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعا من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه وأخرج أبو داود والنسائي عن عقبة بن عامر عنه عليه


الصلاة والسلام قال من رأى أي عورة فسترها كان كمن أحيا موؤدة فإذا كان الستر مندوبا إليه ينبغي أن تكون الشهادة به خلاف الأولى التي مرجعها إلى كراهة التنزيه لأنها في رتبة الندب في جانب الفعل وكراهة التنزيه في جانب الترك وهذا يجب أن يكون بالنسبة إلى من لم يعتد الزنا ولم يتهتك به أما إذا وصل الحال إلى إشاعته والتهتك به بل بعضهم ربما افتخر به فيجب كون الشهادة به أولى من تركها لأن مطلوب الشارع إخلاء الأرض من المعاصي والفواحش بالخطابات المفيدة لذلك وذلك يتحقق بالتوبة من الفاعلين وبالزجر لهم فإذا ظهر الشره في الزنا مثلا والشرب وعدم المبالاة به وإشاعته وإخلاء الأرض المطلوب حينئذ بالتوبة احتمال يقابله ظهور عدمها مما اتصف بذلك فيجب تحقق السبب الآخر للإخلاء وهو الحدود بخلاف من زل مرة أو مرارا مستترا متخوفا متندما عليه فإنه محل استحباب ستر الشاهد وقوله عليه الصلاة والسلام لهزال في ماعز لو كنت سترت بثوبك الحديث كان في مثل من ذكرنا والله تعالى أعلم وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله قال تعافوا أمر من التعافي والخطاب لغير الأئمة أي ليعف بعضكم عن بعض الحدود فيما بينكم أي قبل أن يبلغني ذلك فما بلغني من حد فقد وجب أي فوجب علي إقامته عليكم وفيه أن الإمام لا يجوز له العفو عن حدود الله إذا رفع الأمر إليه وهو بإطلاقه يدل على أن ليس للمالك أن يجري الحد على مملوكه بل يعفو عنه أو يرفع إلى الحاكم أمره فإنه داخل تحت هذا الأمر وهو الاستحباب رواه أبو داود والنسائي وعن عائشة أن النبي قال أقيلوا أمر من الإقالة ذوي الهيئات عثراتهم بفتحتين أي زلاتهم إلا الحدود أي إلا ما يوجب الحدود والخطاب مع الأئمة


وغيرهم من ذوي الحقوق ممن يستحق المؤاخذة والتأديب عليها وأراد من العثرات ما يتوجه فيه التعزير لإضاعة حق من حقوق الله ومنها ما يطالب به من جهة العبد فأمر الفريقين بذلك ندب واستحباب بالتجافي عن زلاتهم ثم إن أريد بالعثرات الصغائر وما يندر عنهم من الخطايا فالاستثناء منقطع أو الذنوب مطلقا وبالحدود ما يوجبها من الذنوب فهو متصل وقال الشافعي في تفسير ذوي الهيئة هو من لم يظهر منه ذنبه وقال ابن الملك الهيئة الحالة التي يكون عليها الإنسان من الأخلاق المرضية وقال القاضي الهيئة في الأصل صورة أو حالة تعرض لأشياء متعددة فيصير بسببها مقولا عليها إنها واحدة ثم يطلق على الخصلة فيقال لفلان هيئات أي خصال والمراد بذوي الهيئات أصحاب المروآت والخصال الحميدة وقيل ذوو الوجوه بين الناس أهم والمعنى بهم الاشراف وقيل أهل الصلاح والورع وقيل كأنه عليه الصلاة والسلام خاف تغير الزمان وميل الناس إلى المداهنة مع الأكابر في التجاوز والستر إلى أن يتركوا إقامة الحدود عليهم وعلى من يلازمهم خوفا منهم أو طمعا فيهم فأمرهم أن يقيموا الحدود عليهم كما يقيمون على السوقة فإن وقع العفو فليقع فيما لا يوجب الحد فأتى بأسلوب لطيف حتى لا يتأذى الأكابر بتصريح العبارة والله تعالى أعلم بالمراد رواه أبو داود وكذا أحمد والبخاري في الأدب ورواه ابن عدي عن ابن عباس ولفظه ادرؤوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله وعنها أي عن عائشة قالت قال رسول الله ادرؤوا بفتح الراء أمر من الدرء أي ادفعوا الحدود أي إيقاعها عن المسلمين ما استطعتم أي مدة استطاعتكم وقدر طاقتكم فإن كان له أي للحد المدلول عليه بالحدود مخرج اسم مكان أي عذر يدفعه فخلوا سبيله أي اتركوا إجراء الحد على صاحبه ويجوز أن يكون ضمير له للمسلم المستفاد من المسلمين ويؤيده ما ورد في رواية فإن وجدتم للمسلم مخرجا فالمعنى اتركوه أو لا تتعرضوا له فإن الإمام أن


يخطىء أي خطؤه في العفو مبتدأ خبره خير من أن يخطىء في العقوبة والجملة خبر إن ويؤيده ما في رواية لأن يخطىء بفتح اللام وهي لام الابتداء وقال المظهر بأن يخطىء أو لأن يخطىء إشارة إلى حذف باء السببية أو لام العلة لكن لا يظهر له وجه بل ولا معنى فتأمل ثم قال يعني ادفعوا الحدود ما استطعتم قبل أن تصل إلي فإن الإمام إذا سلك سبيل الخطأ في العفو الذي صدر منكم خير من أن يسلك سبيل الخطأ في الحدود فإن الحدود إذا وصلت إليه وجب عليه الانفاذ قال الطيبي نزل


معنى هذا الحديث على معنى الحديث السابق وهو تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب وجعل الخطاب في الحديث لعامة المسلمين ويمكن أن ينزل على حديث أبي هريرة في قصة رجل وبريدة في قصة ماعز فيكون الخطاب للأمة لقوله للرجل أبك جنون ثم قوله أحصنت ولماعز أبه جنون ثم قوله أشرب لأن كل هذا تنبيه على أن للإمام أن يدرأ الحدود بالشبهات قلت هذا التأويل متعين والتأويل الأول لا يلائمه قوله فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن عامة المسلمين مأمورون بالستر مطلقا ولا يناسبه أيضا لفظ خير كما لا يخفى فالصواب أن الخطاب للأمة وإنه ينبغي لهم أن يدفعوا الحدود بكل عذر مما يمكن أن يدفع به كما وقع منه عليه الصلاة والسلام لماعز وغير من تلقين الأعذار وتفتيش مخارج الأوزار ثم بالغ مبالغة بليغة بقوله فإن الإمام الخ وأشار إلى أنه إذا وقع لأجل الدرء في الخطأ المتعلق بالعفو خير من وقوعه في الخطأ المتعلق بجانب العقوبة لما في سعة فضل الله تعالى وللاحتياط في جانب البريء أن لا يضرب ولا يقتل فتأمل قال الطيبي فيكون قوله فإن الإمام مظهر أقيم مقام المضمر على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة حثا على إظهار الرأفة قلت الظاهر أن تقدير الكلام فإن الإمام منكم أو إمامكم على أن اللام بدل من المضاف إليه فكأنه قال فإن واحدا منكم سبيل عفوه بعذر خير من طريق عقوبته من غير عذر رواه الترمذي وقال أي الترمذي وقد روي أي هذا الحديث عنها ولم يرفع أي هذا الحديث والمعنى أنه موقوف على عائشة وهو أي الوقف أصح أي من رفعه والمراد أن سند الموقوف أصح من سند المرفوع وقد رواه ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في شعبه عن عائشة مرفوعا بلفظ ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فإن الإمام لأن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة ورواه الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن عن علي مرفوعا ادرؤوا الحدود ولا ينبغي


للإمام تعطيل الحدود ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم له مدفعا قال ابن الهمام وما يدرأ الحد إن لا يعلم أن الزنا حرام ونقل في اشتراط العلم بحرمة الزنا إجماع الفقهاء واستدل عليه بما رواه أبو يعلى في مسنده من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام ادرؤوا الحدود ما استطعتم وما أخرجه الترمذي الحديث الذي في الأصل قال وقال الترمذي لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيد بن زياد ويزيد ضعيف وأسند في علله عن البخاري يزيد منكر الحديث ذاهب وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي به قال البيهقي والموقوف أقرب إلى الصواب ولا


شك أن هذا الحكم وهو درء الحد مجمع عليه وهو أقوى وكان ذكر هذه الأحاديث ذكر المستند الإجماع وفي مسند أبي حنيفة عن مقسم عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى عليه تعالى وسلم ادرؤا الحدود بالشبهات وأسند ابن أبي شيبة عن إبراهيم هو النخعي قال قال عمر بن الخطاب لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات وأخرج عن معاذ وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر قالوا إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ونقل ابن حزم عن أصحابه الظاهرية أن الحد بعد ثبوته لا يحل أن يدرأ بشبهة وشنع بأن الآثار المذكورة لإثبات الدرء بالشبهات ليس فيها عن رسول الله صلى الله عليه تعالى وسلم شيء بل عن بعض الصحابة من طرق لا خير فيها وأعل ما عن ابن مسعود مما رواه عبد الرزاق عنه بالإرسال وهو غير رواية ابن أبي شيبة فإنها معلولة بإسحاق بن أبي فروة وأما التمسك بما في البخاري من قوله عليه الصلاة السلام ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان والمعاصي حمى الله تعالى ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه فإنما معناه إن من جهل حرمة شيء وحله فالورع أن يمسك عنه ومن جهل وجوب أمر وعدمه فلا يوجبه أوجب الحد أم لا وجب أن يقيمه ونحن نقول إن الإرسال لا يقدح وإن الموقوف في هذا له حكم المرفوع لأن إسقاط الواجب بعد ثبوته بشبهة خلاف مقتضى العقل بل مقتضاه إن بعد تحقق الثبوت لا يرتفع بشبهة فحيث ذكر صحابي حمل على الرفع وأيضا في إجماع فقهاء الأمصار على أن الحدود تدرأ بالشبهات كفاية ولذا قال بعض الفقهاء هذا الحديث متفق عليه وأيضا تلقته الأمة بالقبول ففي تتبع المروي عن النبي والصحابة ما يقطع في المسألة فقد علمنا أنه عليه الصلاة والسلام قال لماعز لعلك قبلت لعلك غمزت لعلك لمست كل ذلك يلقنه أن يقول نعم بعد إقراره بالزنا وليس لذلك فائدة إلا كونه إذا قالها تركه وإلا فلا فائدة ولم يقل لمن اعترف عنده بدين لعله كان وديعة عندك فضاعت ونحوه وكذا


قال للسارق الذي جيء به إليه أسرقت ما أخاله سرق وللغامدية نحو ذلك وكذا قال علي لشراجه لعله استكرهك لعله وقع عليك وأنت نائمة لعل مولاك زوجك منه وأنت تكتمينه وتتبع مثله عن كل أحد يوجب طولا فالحاصل من هذا كله كون الحد يحتال في درئه بلا شك ومعلوم أن هذه الاستفسارات المفيدة لقصد الاحتيال للدرء كلها كانت بعد الثبوت لأنه كان بعد صريح الإقرار وبه الثبوت وهذا هو الحاصل من هذه الآثار ومن قوله ادرؤوا الحدود بالشبهات فكان هذا المعنى مقطوعا بثبوته من جهة الشرع فكان الشك فيه شكا فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه وإنما يقع الاختلاف أحيانا في بعض أهي شبهة صالحة للدرء أو لا وبين الفقهاء في تقسيمها وتسميتها اصطلاحا إلى آخر ما ذكره المحقق والله الموفق


وعن وائل بن حجر بضم حاء مهملة وسكون جيم وبالراء كذا ضبطه المصنف وقد سبق ذكره قال استكرهت امرأة بصيغة المجهول أي جامعها رجل بالإكراه على عهد النبي أي في زمانه صلى الله عليه وسلم فدرأ أي منع عنها الحد وأقامه على الذي أصابه أي جامعها ولم يذكر أي الراوي وفي نسخة بصيغة المجهول أي ولم يذكر في الحديث أنه أي النبي جعل لها مهرا أي على مجامعها قال المظهر وكذا ابن الملك لا يدل هذا على عدم وجوب المهر لأنه ثبت وجوبه لها بإيجابه في أحاديث أخر رواه الترمذي وعنه أي عن وائل أن امرأة خرجت على عهد النبي تريد الصلاة حال أو استئناف تعليل فتلقاها رجل أي فقابلها فتجللها أي فغشيها بثوبه فصار كالجل عليه فقضى حاجته منها قال القاضي أي غشيها وجامعها كنى به عن الوطء كما كنى عنه بالغشيان فصاحت أي بعد تخليتها وانطلق أي الرجل ومرت عصابة بكسر أوله أي جماعة قوية من المهاجرين فقالت إن ذلك الرجل فعل بي كذا أي من الغشيان وكذا أي من قضاء الحاجة فأخذوا الرجل فأتوا به رسول الله فقال لها اذهبي فقد غفر الله لك لكونها مكرهة وقال أي لأصحابه للرجل الذي وقع عليها أي في حقه ارجموه ومعناه أنه أقر بالزنا فأمر برجمه فرجموه لكونه محصنا وقال لقد تاب توبة أي باعترافه أبو بإجراء حده لو تابها أي لو تاب مثل توبته أهل المدينة أي أهل بلد فيهم عشار وغيره من الظلمة لقبل منهم وقال ابن الملك لو قسم هذا المقدار من التوبة على أهل المدينة لكفاهم اه ولا يخفى أنه ليس تحته شيء من المعنى فإن التوبة غير قابلة للقسمة والتجزئة فأما ما ورد استغفروا لماعز بن مالك لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم فلعله محمول


على المبالغة أو على التأويل الذي ذكرنا والله تعالى أعلم رواه الترمذي وأبو داود وكذا النسائي وعن جابر أن رجلا زنى بامرأة فأمر به النبي فجلد بصيغة المجهول أي فضرب الحد بالنصب على أنه مفعول مطلق قال الطيبي قوله فأمر ليس خبر الأول وإن كان اسمها نكرة موصوفة لعدم شيوعه وإبهامه بل هو معطوف على محذوف هو خبر أي أخبر به النبي فأمر بقرينة قوله أخبر اه وهو تكلف مستغنى عنه والظاهر أن زنى خبران وقوله فأمر عطف عليه وهو يحتمل أنه أخبر بأنه غير محصن ويحتمل أنه ما وقع أخبار وإنما ظن ظنا ولعل هذا كان في أول الأمر ثم أخبر أنه محصن بفتح الصاد ويكسر فأمر به فرجم فيه دليل على أن أحد الأمرين لا يقوم مقام الآخر وعلى أن الإمام إذا أمر بشيء من الحدود ثم بان له أن الواجب غيره عليه المصير إلى الواجب الشرعي ذكره الأشرف وتبعه ابن الملك لكن قوله أحد الأمرين لا يقوم مقام الآخر لا يصح على إطلاقه إذ الرجم يقوم مقام الجلد صورة ومعنى فإنه لا شك في أنه يكفره مع الزيادة رواه أبو داود وعن سعيد بن عبادة لم يذكره المؤلف في أسمائه إن سعد بن عبادة بضم أوله وتخفيف الموحدة قال المؤلف يكنى أبا ثابت الأنصاري الساعدي الخزرجي كان أحد النقباء الاثني عشر وكان سيد الأنصار مقدما فيهم وجيها له رياسة وسيادة تعترف له قومه بها روى عنه نفر يقال إن الجن قتلته لأنهم لم يختلفوا أنه وجد ميتا في مغتسله وقد أحضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهم فلم يخطه فؤاده أتى النبي أي جاءه وسلم برجل كان في الحي أي في القبيلة مخدج مجرور بصيغة المجهول أي ناقص الخلقة سقيم أي مريض لا يرجى برؤه لما سبق فوجد أي الرجل على أمة من إمائهم يخبث بضم الموحدة أي يزني بها فإن الزنا من خبيث الفعل فقال النبي خذوا له عثكالا بكسر أوله أي كباسة وهي للرطب بمنزلة العنقود للعنب فيه مائة شمراخ بكسر أوله


وهو ما عليه
البسر من عيدان الكباسة وقال الطيبي العثكال الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان صغار ويسمى كل واحد من تلك الأغصان شمراخا فاضربوه أي بها كما في نسخة ضربة أي واحدة لكن بحيث يصل أثر ضرب المائة جميعها إلى بدنه رواه في شرح السنة وفي رواية ابن ماجه نحوه قال ابن الملك هذا الحديث غير معمول به لمخالفته النص وهو قوله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله النور والضرب على هذا الوجه من جملة الرأفة اه وهو خطأ تفسيرا وحديثا وفقها أما لتفسير فمعنى قوله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله أي في طاعته وإقامة حده فتعطلوه أو تسامحوا فيه ولذلك قال عليه الصلاة والسلام على ما رواه الستة لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها كذا قاله البيضاوي وفي المعالم اختلفوا في معنى الآية فقال قوم لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وقال جماعة معناها ولا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وروي أن عبد الله بن عمر جلد جارية له زنت فقال للجلاد اضرب ظهرها ورجليها فقال له ابنه ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله فقال يا بني إن الله لم يأمرني بقتلها وقد ضربت فأوجعت اه ومن المعلوم أن المريض الشديد الذي لا يرجى برؤه لو ضرب ضربا وجيعا لمات ولم يؤمر بقتله ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة وما لم يدرك كله لا يترك كله فهذا هو الحيلة مراعاة للمجانبين كما قال تعالى لأيوب عليه الصلاة والسلام وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط لما توهم أنها تستحق الضرب فأمره الله تعالى بقوله خذ بيدك ضغثا ص وهو ملء الكف من الشجر أو الحشيش فاضرب به لعدم استحقاقها الضرب المتعارف ولا تحنث في يمينك فأخذ ضغثا يشتمل على مائة عود صغار فضربها به ضربة واحدة وأما الحديث فتبين لك من التفسير أن الحديث لا يخالف الآية مع أن الآية ليس


فيها نص على مقصوده كما توهم وأما الفقه فقد تقدم نقل الإمام ابن الهمام عن مذهبنا ومذهب الشافعي خصوص هذه المسألة قال القاضي فيه دليل على أن الإمام ينبغي أن يراقب المجلود ويحافظ على حياته وإن حد المريض لا يؤخر إلا إذا كان له أمر مرجو كالحيل لحديث علي رضي الله عنه وقال مالك وأصحاب أبي حنيفة يؤخر الحد إلى أن يبرأ وقد عد الحديث من المراسيل فإن سعيدا لم يدرك النبي ولم يذكر أنه سمعه من أبيه أو
غيره وهو وإن كان كذلك فهم محجوجون به إذ المراسيل مقبولة عندهم قلت نعم المراسيل حجة عندنا وعند الجمهور وقد علمت أنه إنما لم يؤخر لأنه لم يكن يرجى برؤه وعن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله من وجدتموه أي علمتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به في شرح السنة اختلفوا في حد اللوطي فذهب الشافعي في أظهر قوليه وأبو يوسف ومحمد إلى أن حد الفاعل حد الزنا أي إن كان محصنا يرجم وإن لم يكن محصنا يجلد مائة وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مائة وتغريب عام رجلا كان أو امرأة محصنا أو غير محصن لأن التمكين في الدبر لا يحصنها فلا يحصنها حد المحصنات وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم محصنا كان أو غير محصن وبه قال مالك وأحمد والقول الآخر للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به كما هو ظاهر الحديث وقد قيل في كيفية قتلهما هدم بناء عليهما وقيل رميهما من شاهق كما فعل بقوم لوط وعند أبي حنيفة يعزر ولا يحد اه وقيل يقتل بالضرب وقيل الحديث محمول على مجرد التهديد من غير قصد إيقاع القتل لأن الضرب الأليم قد يسمى قتلا ونقل كمال باشا عن شرح الجامع الصغير إن الرأي فيه إلى الإمام إن شاء قتله إن اعتاده وإن شاء ضربه وحبسه رواه الترمذي وابن ماجه وعنه أي عن عكرمة عن ابن عباس وفي نسخة وعن ابن عباس قال قال رسول الله من أتى بهيمة فاقتلوه أي فاضربوه ضربا شديدا أو أراد به وعيدا أو تهديدا واقتلوها معه قيل لئلا يتولد منها حيوان


على صورة إنسان وقيل كراهة أن يلحق صاحبها خزي في الدنيا لا بقائها وفي شرح المظهر قال مالك والشافعي في أظهر قوليه وأبو حنيفة وأحمد أنه يعزر وقال اسحاق يقتل إن عمل ذلك مع العلم بالنهي والبهيمة قيل إن كانت مأكولة تقتل وإلا فوجهان القتل لظاهر الحديث وعدم القتل للنهي عن ذبح الحيوان إلا لأكله قيل لابن عباس ما شأن البهيمة أي إنها لا عقل لها ولا تكليف عليها فما بالها تقتل
قال ما سمعت من رسول الله في ذلك شيئا أي من العلل والحكم ولكن أراه بضم الهمزة أي أظنه كره أي النبي أن يؤكل لحمها أو ينتفع بها أي بلبنها وبشعرها وتوليدها وغير ذلك وقد فعل بها ذلك أي الفعل المكروه والجملة حالية قال الطيبي تحقيق ذلك إن كل ما أوجده الله تعالى في هذا العالم جعله صالحا لفعل خاص فلا يصلح لذلك العمل سواه فإن المأكول من الحيوان خلق لأكل الإنسان إياه لا لقضاء شهوته منه والذكر من الإنسان خلق للفاعلية والأنثى للمفعولية ووضع فيهما الشهوة لتكثير النسل بقاء لنوع الإنسان فإن عكس كان إبطالا لتلك الحكمة وإليه أشار قوله تعالى إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون الأعراف أي لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر ولا ذم أعظم منه لأنه وصف لهم بالبيهمة وأنه لا داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل والتخلي للعبادة ونحوه والله تعالى أعلم رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وعن جابر قال قال رسول الله إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط أخوف أفعل تفضيل بمعنى المعفول قال الطيبي أضاف أفعل إلى ما وهي نكرة موصوفة ليدل على أنه إذا استقصى الأشياء المخوف منها شيئا بعد شيء لم يوجد بشيء أخوف من فعل قوم لوط رواه الترمذي وابن ماجه وكذا أحمد والحاكم وعن ابن عباس أن رجلا من بني بكر بن ليث أتى النبي فأقرأته زنى بامرأة أربع مرات أي في أربعة مجالس وهو ظرف لقوله أقر فجلده مائة أي ضربه مائة جلدة وكان أي الرجل بكرا


ثم سأله أي طلب النبي من الرجل البينة على المرأة أي على زناها فقالت أي بعد عجز الرجل عن البينة كذب أي الرجل علي والله يا رسول الله فجلد أي ثمانين جلدة حد الفرية بكسر فكسون وهي الكذب والمراد بها هنا القذف رواه أبو داود
وعن عائشة قالت لما نزل عذري أي الآيات الدالة على براءتها شبهتها بالعذر الذي يبرىء المعذور من الجرم ذكره القاضي وغيره قام النبي على المنبر فذكر ذلك أي عذري فلما نزل عن المنبر أمر بالرجلين أي بحدهما أو إحضارهما وهما حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة والمرأة أي وبالمرأة وهي حمنة بنت جحش فضربوا بصيغة المجهول حدهم أي حد المفترين وهو مفعول مطلق أي فحد واحدهم رواه أبو داود
الفصل الثالث
عن نافع أي مولى ابن عمر إن صفية بنت أبي عبيد بالتصغير قال المؤلف ثقفية وهي أخت المختار بن أبي عبيد وهي زوجة عبد الله بن عمر أدركت النبي وسمعت منه ولم ترو عنه وروت عن عائشة وحفصة أخبرته أي نافعا إن عبدا من رقيق الإمارة بكسر الهمزة أي من مماليك سلطنة الخليفة وهو عمر رضي الله عنه وقع على وليدة أي جامع أمة من الخمس بضمتين ويسكن الثاني فاستكرهها أي العبد حتى اقتضها بالقاف وتشديد الضاد وفي نسخة بالفاء بدل القاف أي أخذ بكارتها ففي المغرب اقتض الجارية ذهب بقضتها وهي بكارتها ومدار التركيب على الكسر وفي النهاية فض الخاتم كناية عن الوطء وجاء بنطفة في أداوة فاقتضها أي صبها وروي بالقاف أي فتح رأسها من اقتضاض البكر وقال الكرماني هو بالقاف والضاد المعجمة أي أزال بكارتها والقضية بالكسر عذرة الجارية والافتضاض بالفاء أيضا بمعناه وقال العسقلاني هو بقاف وضاد معجمة مأخوذ من القضة وهي عذرة البكر فجلده عمر أي العبد خمسين جلدة ولم يجلدها أي الوليدة من أجل أنه استكرهها رواه البخاري


وعن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه أي نعيم قال كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي بفتح الحاء ويكسر أي في تربية أبي هزال فأصاب جارية أي جامع مملوكة من الحي أي القبيلة فقال له أبي أي هزال ائت أمر من الإتيان أي احضر رسول الله فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك إنما وفي نسخة صحيحة وإنما يريد وفي نسخة هو يريد بذلك أي بما ذكر من الإتيان والإخبار رجاء أن يكون له مخرجا أي عن الذنب أي لا قصد أن يقع عليه الحد كما توهم بعضهم لكونه هزالا قال الطيبي اسم كان يرجع إلى المذكور وخبره مخرجا وله ظرف لغو كما في قوله تعالى ولم يكن له كفوا أحد الصمد والمعنى يكون إتيانك وإخبارك رسول الله مخرجا لك وبنصره ما اتبعه من قوله فأتاه فقال يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب الله أي حكمه فأعرض عنه فعاد أي فرجع بعد ما غاب فقال يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب الله حتى قالها أي هذه الكلمات أربع مرات أي في أربعة مجالس قال رسول الله إنك قد قلتها أربع مرات فيمن أي فيمن زنيت وهذا دليل صريح في اعتبار العدد المذكور للإقرار بالزنا على الخصوص والحكمة فيه كمال ستره تعالى على عبده قال الطيبي الفاء في قوله فيمن جزاء شرط محذوف أي إذا كان كما قلت فيمن زنيت قال بفلانة بفتح التاء وفي نسخة بالتنوين قال هل ضاجعتها أي عانقتها قال نعم قال هل باشرتها أي وصل بشرتك بشرتها وقد يكنى بالمعاشرة عن المجامعة قال تعالى فالآن باشروهن البقرة قال نعم قال هل جامعتها قال نعم قال أي الراوي فأمر به أن يرجم بدل اشتمال من الضمير المجرور في به فأخرج به بصيغة المجهول إلى الحرة قال الطيبي وعدي أخرج بالهمزة والباء تأكيدا كما في قوله تعالى تنبت بالدهن المؤمنون قاله الحريري في درة الغواص قيل في جواز الجمع بين حرفي التعدية في قراءة ضم التاء عدة أقوال والأحسن أنه إنما زيدت التاء لأن إنباتها الدهن بعد إنبات الثمر الذي يخرج الدهن منه فلما كان الفعل في


المعنى قد تعلق بمفعولين يكونان في حال بعد حال وهما الثمرة والدهن احتيج إلى تقويته في التعدي بالباء قال ابن الهمام في الحديث الصحيح فرجمناه يعني
ماعزا بالمصلى وفي مسلم وأبي داود فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد والمصلى كان به لأن المراد مصلى الجنائز فيتفق الحديثان وأما ما في الترمذي من قوله فأمر به في الرابعة فأخرج إلى الحرة فرجم بالحجارة فإن لم يتأول على أنه اتبع حين هرب حتى أخرج إلى الحرة وإلا فهو غلط لأن الصحاح والحسان متظافرة على أنه إنما صار إليها هاربا لا أنه ذهب به إليها ابتداء ليرجم بها فلما رجم فوجد مس الحجارة أي ألم أصابتها فجزع أي فلم يصبر فخرج أي من مكانه الذي يرجم فيه يشتد أي يسعى ويجري حال فلقيه أي فتلقاه عبد الله بن أنيس بالتصغير وقد عجز أصحابه أي أصحاب عبد الله أو أصحاب ماعز الذين يرجمونه والجملة حال فنزع له بوظيف بعير والوظيف على ما في القاموس مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل وغيرهما وفي المغرب وظيف البعير ما فوق الرسغ من الساق فرماه به فقتله ثم أتى النبي أي جاء ابن أنيس فذكر ذلك أي جزعه وهربه فقال هلا تركتموه جمع الخطاب ليشمله وغيره لعله أن يتوب أي يرجع عن إقراره فيتوب الله عليه أي فيقبل الله توبته ويكفر عنه سيئته من غير رجمه قال الطيبي الفاآت المذكورة بعد لما في قوله فلما رجم إلى قوله فقتله كل واحدة تصلح للعطف إما على الشرط أو على الجزاء إلا قوله فوجد فإنه لا يصلح لأن يكون عطفا على الجزاء وقوله فقال هلا تركتموه يصلح للجزاء وفيه إشكال لأن جواب لما لا يدخله الفاء على اللغة الفصيحة وقد يجوز أن يقدر الجزاء ويقال تقديره لما رجم فكان كيت فكيت علمنا حكم الرجم وما يترتب عليه وعلى هذا الفاآت كلها لا تحتمل إلا العطف على الشرط رواه أبو داود قال ابن الهمام ورواه عبد الرزاق في مصنفه وقال فيه فأمر به أن يرجم فرجم فلم يقتل حتى رماه عمر بن الخطاب بلحى بعير فأصاب رأسه فقتله


وقال ابن الهمام لو لم يكن الأربعة عددا معتبرا في اعتبار أفراده لم يؤخر رجمه إلى الثانية ومما يدل على ذلك ترتيبه الحكم عليها وهو مشعر بعليتها وكذا الصحابة فمن ذلك قوله في حديث هزال إنك قد قلتها أربعا فبمن وهو حديث أخرجه أبو داود والنسائي والإمام أحمد وزاد فيه قال هشام فحدثني يزيد بن نعيم عن أبيه أن رسول الله قال له حين رآه والله يا هزال لو كنت سترته بثوبك لكان خيرا لك مما صنعت به قال صاحب التنقيح وإسناده صالح ويزيد بن نعيم روى له مسلم وذكره ابن حبان في الثقات وأبو نعيم ذكره في الثقات وهو مختلف في صحبته وقد روى ترتيبه عليه الصلاة والسلام على الأربع جماعة بألفاظ مختلفة فمنها ما ذكرنا ومنها ما في لفظ لأبي داود عن ابن عباس إنك قد شهدت على نفسك أربع مرات وفي لفظ لابن أبي شيبة أليس أنك


قلتها أربع مرات وتقدم في مسند أحمد عن أبي بكر أنه قال بحضرته عليه الصلاة والسلام إن اعترفت الرابعة رجمك إلا أن في إسناده جابر الجعفي وكونه روى في الصحيح أنه رده مرتين أو ثلاثا فمن اختصار الراوي ولا شك أنه أقر أربعا فقوله في حديث العسيف فإن اعترفت فارجمها معناه الاعتراف المعروف في الزنا بناء على أنه كان معلوما بين الصحابة خصوصا لمن كان قريبا من خاصة رسول الله وأما كون الغامدية لم تقر إلا مرة واحدة فممنوع بل أقرت أربعا يدل عليه ما عند أبي داود والنسائي قال كان أصحاب رسول الله يتحدثون إن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما وإنما رجمهما بعد الرابعة فهذا نص في إقرارها أربعا غاية ما في الباب أنه لم ينقل تفاصيلها والرواة كثيرا ما يحذفون بعض صورة الواقعة على أنه روى البزار في مسنده عن زكريا بن سليم حدثنا شيخ من قريش عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه فذكره وفيه أنها أقرت أربع مرات وهو يردها ثم قال اذهبي حتى تلدي الحديث غير أن فيه مجهولا تنجبر جهالته بما يشهد له من حديث أبي داود والنسائي هذا وفي حديث أبي هريرة في استفسار ماعز أنه رجمه بعد الخامسة وتأويله أنه عد آحاد الإقرارين فإن منها إقرارين في مجلس واحد فكانت خمسا والله تعالى أعلم وعن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله يقول ما من قوم يظهر أي ظهورا فاشيا فيهم الزنا إلا أخذوا بالسنة بفتحتين في النهاية هي الجدب يقال أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقحطوا وهي من الأسماء الغالبة نحو الدابة في الفرس والمال في الإبل قال الطيبي ولعل الحكمة في استجلاب الزنا القحط أن الزنا يؤدي إلى إبطال النسل والسنة لازمة لا هلاك الحرث وليس الفساد إلا ذلك كما قال تعالى ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد البقرة وما من قوم يظهر فيهم الرشا بضم الراء ويكسر جمع الرشوة وفي القاموس الرشوة مثلثة الجعلة وفي النهاية هي الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة


والراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل والمرتشي الآخذ والرائش الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا اه وهي مأخوذة من الرشاء وهو حبل الدلو إذ يتوصل بها إلى البغية كما يتوصل بالرشاء إلى الماء ألا أخذوا بالرعب بضم فسكون وبضمتين أي الخوف فإن الحاكم إنما ينفذ حكمه ويمضي أمره في الوضيع والشريف إذا تنزه عن الرشوة فإذا تلطخ بها خوف ورعب رواه أحمد وعن ابن عباس وأبي هريرة أن رسول الله قال ملعون من
عمل عمل قوم لوط رواه رزين وفي الجامع الصغير ملعون من سب أباه ملعون من سب أمه ملعون من ذبح لغير الله ملعون من غير تخوم الأرض ملعون من كمه أعمى طريق ملعون من وقع على بهيمة ملعون من عمل بعمل قوم لوط رواه أحمد بسند حسن عن ابن عباس وفي رواية له أي لرزين عن ابن عباس أي وحده أن عليا كرم الله وجهه أحرقهما أي أمر بإحراق الفاعل والمفعول به في اللواطة وأبا بكر أي وإن أبا بكر رضي الله عنه هدم عليهما حائطا أي أمر بهدم جدار عليهما وعنه أي عن ابن عباس أن رسول الله قال لا ينظر الله عز وجل أي نظر رحمة ورعاية إلى رجل أتى رجلا أي في دبره أو امرأة في دبرها رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وعنه أي عن ابن عباس أنه قال مرفوعا وإلا فلا معنى لقول الثوري كما سيأتي أن هذا أصح من أتى بهمية فلا حد رواه الترمذي وأبو داود وقال الترمذي عن سفيان الثوري أي ناقلا عنه أنه قال وهذا أي هذا الحديث أصح من الحديث الأول وهو أي الأول من أتى بهيمة فاقتلوه والعمل على هذا أي هذا الحديث وهو من أتى بهيمة فلا حد عليه عند أهل العلم فالحاصل أن هذا أصح من الأول في المعنى إذ تقدم أنه رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه ومقتضاه أنه أصح في الإسناد ويمكن أن يكون مراده إن هذا الموقوف أصح من ذلك المرفوع والله تعالى أعلم


وعن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله أقيموا حدود الله في القريب والبعيد يحتمل أن يراد بهما القرب والبعد في النسب أو القوة أو الضعف والثاني أنسب لأن المعنى أقيموا حدود الله في كل أحد ولا يأخذكم بالجزم عطف على أقيموا فيكون نهيا تأكيدا للأمر وفي نسخة بالرفع فيكون خبرا بمعنى النهي في الله أي في إجراء حكمه وإقامة حدوده لومة لائم أي ملامة أحد من اللائمين والموافقين أو المخالفين المنافقين رواه ابن ماجه وعن ابن عمر أن رسول الله قال إقامة حد من حدود الله خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله أي جميعها قال الطيبي وذلك أن في إقامتها زجرا للخلق عن المعاصي وسببا لفتح أبواب السماء وفي القعود عنها والتهاون بها انهماك لهم في المعاصي وذلك سبب لأخذهم بالجدب وإهلاك الخلق كما ورد أن الحبارى لتموت هزلا بذنب بني آدم أي أن الله تعالى يحبس القطر عنها بشؤم ذنوبهم وخص الحبارى بالذكر لأنها أبعد الطير نجعة فربما تذبح بالبصرة ويوجد في حوصلتها الحبة الخضراء وبين البصرة وبين منابتها مسيرة أيام وتخصيص الليلة بالأمطار تتميم لمعنى الخصب رواه ابن ماجه أي عن ابن عمر ورواه النسائي عن أبي هريرة


باب قطع السرقة
بفتح فكسر وأما بفتحهما فجمع سارق وفي المغرب سرق منه مالا وسرقه مالا سرقا وسرقة إذا أخذه في خفاء وحيلة وفتح الراء في السرقة لغة وأما السكون فلم نسمعه قال الطيبي والإضافة إلى المفعول على حذف المضاف أي قطع أهل السرقة وقال ابن الهمام
وهي لغة أخذ الشيء من الغير على وجه الخفية ومنه استراق السمع وهو أن يسمع مستخفيا وفي الشريعة هي هذا أيضا وإنما زيد على مفهومها قيود في إناطة حكم شرعي بها إذ لا شك أن أخذ أقل من النصاب خفية سرقة شرعا لكن لم يعلق الشرع به حكم القطع فهي شروط لثبوت ذلك الحكم الشرعي فإذا قيل السرقة الشرعية الأخذ خفية مع كذا وكذا لا يحسن بل السرقة التي علق بها الشرع وجوب القطع هي أخذ العاقل البالغ عشرة دراهم أو مقدارها خفية عمن هو يقصد للحفظ مما لا يتسارع إليه الفساد من المال المتمول للغير من حرز بلا شبهة وتعمم الشبهة في التأويل فلا يقطع السارق من السارق ولا أحد الزوجين من الآخر أو ذي الرحم والأصل في وجوب القطع قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما المائدة
الفصل الأول


عن عائشة عن النبي قال لا تقطع بالتأنيث والرفع وفي نسخة بالتذكير والجزم يد السارق أي جنسه فيشمل السارقة أو يعرف حكمها بنص الآية والمقايسة والمراد يمينه لقراءة ابن مسعود فاقطعوا أيمانهم أي إلى الرسغ كما سيأتي تحقيقهما إلا بربع دينار بضم الباء ويسكن وفي رواية في ربع دينار والمعنى بسببه أو لأجله فصاعدا أي فما فوقه من الزيادة وبه أخذ الشافعي في أنه لا يقطع فيما دون ربع دينار وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم متفق عليه ورواه النسائي وابن ماجه وهو معارض بما روي عن ابن مسعود مرفوعا وموقوفا لا يقطع إلا في دينار على ما سيأتي قال النووي اتفقوا على قطع يد السارق واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره فقال الشافعي النصاب ربع دينار ذهبا أو ما قيمته ربع دينار وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث وأبي ثور وإسحاق وغيرهم وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية يقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم


أو ما قيمته أحدهما وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يقطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك والصحيح ما قاله الشافعي لأن النبي بين النصاب بلفظه في الحديث وأنه ربع دينار وأما رواية أنه قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم فمعمولة على هذا القدر ربع دينار فصاعدا أو على أنها قضية عين لا عموم لها ولا يجوز ترك صريح اللفظ في تحديد النصاب للمحتمل بل يجب حملها على موافقة لفظه وأما الرواية الأخرى لم تقطع يد سارق في أقل من ثمن المجن فمحمولة على أنه كان ربع دينار وأما ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت قطع في مجن قيمته عشرة دراهم وفي رواية خمسة فهي ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة مع أنه يمكن حملها على أنه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقا لا أنه شرط ذلك في قطع السارق وأما رواية لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل فتقطع يده فقال جماعة المراد بهما بيضة الحديد وحبل السفينة وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار وأنكره المحققون وقالوا ليس هذا السياق موضع استعمالهما بل البلاغة تأباه لأنه لا يذم في العادة من خاطر بيده في شيء له قدر وإنما يذم من خاطر فيما لا قدر له فالمراد التنبيه على عظم ما خسر يده في مقابلة حقير من المال فربع دينار يشارك البيضة والحبل في الحقارة فالمراد جنس البيض وجنس الحبال وقيل هو على عادة الولاة سياسة لا قطعا جائزا شرعا وقيل أن النبي قال هذا عند نزول آية السرقة فمجملة من غير بيان نصاب ثم بين بعد ذلك النصاب والله تعالى أعلم بالصواب قال ابن الهمام اختلف في أنه هل يقطع بكل مقدار من المال أو بمعين لا يقطع في أقل منه فقال بالأول الحسن البصري وداود والخوارج وابن بنت الشافعي لإطلاق الآية ولقوله عليه الصلاة والسلام لعن الله السارق الحديث ومن سوى هؤلاء من فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار على أنه لا قطع إلا بمال مقدر لقوله عليه الصلاة والسلام لا قطع


إلا في ربع دينار فصاعدا فلزم في الأول التأويل بالحبل الذي يبلغ عشرة دراهم وبيضة من الحديد أو النسخ ولو قيل ونسخة أيضا ليس أولى من نسخ ما رويتم قلنا لا تاريخ بقي وجه أولوية الحمل وهو مع الجمهور فإن مثله في باب الحدود متعين عند التعارض ثم قد نقل إجماع الصحابة على ذلك وبه يتقيد إطلاق الآية وبالعقل إن الحقير مطلقا تفتر الرغبات فيه فلا يمنع أصلا كحبة قمح وهو مما يشمله إطلاق الآية وكذا لا يخفى أخذه فلا يتحقق بأخذه ركن السرقة وهو الأخذ خفية ولا حكمة الزجر أيضا لأنها فيما يغلب فإن ما لا يغلب لا يحتاج إلى شرع الزاجر لأنه لا يتعاطى فلا حاجة إلى الزجر عنه فهذا مخصص عقلي بعد كونها مخصوصة بما ليس من حرز بالإجماع ثم اختلف الشارحون لمقدار معين في تعيينه فذهب أصحابنا في جماعة من التابعين إلى أنه عشرة دراهم وذهب الشافعي إلى أنه ربع دينار وذهب مالك وأحمد إلى أنه ربع دينار أو ثلاثة دراهم لما روى مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر عن


أبيه عن عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقا سرق في زمن عثمان بن عفان أترجه فأمر بها عثمان فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر بدينار فقطع عثمان يده قال مالك أحب ما يجب فيه القطع إلى ثلاثة دراهم سواء ارتفع الصرف أو اتضع وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم وعثمان قطع في أترجة قيمتها ثلاثة دراهم وهذا أحب ما سمعته اه وكون المجن بثلاثة في حديث ابن عمر أن رسول الله قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم وأخرجهما الشيخان وفي لفظ لهما عن عائشة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا غير أن الشافعي يقول كانت قيمة الدينار على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اثني عشر درهما فالثلاثة ربعها ففي مسند أحمد عن عائشة عنه عليه الصلاة والسلام اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم ولنا أن الأخذ بالأكثر في هذا الباب أولى احتيالا للدرء تعرف أنه قد قيل في ثمن المجن أكثر مما ذكر وهو ما رواه الحاكم في المستدرك عن مجاهد عن أيمن قال لم تقطع اليد على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا في ثمن المجن وثمنه يومئذ دينار وسكت عليه ونقل عن الشافعي أنه قال لمحمد بن الحسن هذه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقطع في ربع دينار فصاعدا فكيف قلت لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم فصاعدا فقال قد روى شريك عن مجاهد عن أيمن أخي أسامة بن زيد لأمه وأن الشافعي أجاب بأن أيمن قتل مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم حنين قبل أن يولد مجاهد قال ابن أبي حاتم في المراسيل سألت أبي عن حديث رواه الحسن بن صالح عن منصور عن الحكم عن عطاء ومجاهد عن أيمن ابن أم أيمن وكان فقيها قال تقطع يد السارق في ثمن المجن وكان ثمن المجن على عهد رسول الله دينارا قال أبي هو مرسل وأرى أنه والد عبد الواحد بن أيمن وليس له صحبة وظهر بهذا


القدر أن أيمن اسم للصحابي وهو ابن أم أيمن وأنه استشهد مع رسول الله بحنين واسم التابعي آخر وقال أبو الحجاج المزني في كتابه أيمن الحبشي مولى بني مخزوم روى عن سعد وعائشة وجابر وعنه ابنه عبد الواحد وثقه أبو زرعة ثم قال أيمن مولى ابن الزبير وقيل مولى ابن أبي عمر عن النبي في السرقة إلى أن قال وعنه عطاء ومجاهد قال النسائي ما أحسب أن له صحبة وقد جعله اسما لتابعين وأما ابن أبي حاتم وابن حبان فجعلاهما واحدا قال ابن أبي حاتم أيمن الحبشي مولى ابن أبي عمر روى عن عائشة وجابر وروى عنه عطاء ومجاهد وابنه عبد الواحد سمعت أبي يقول ذلك وسئل أبو زرعة عن أيمن والد عبد الواحد فقال مكي ثقة وقال ابن حبان في الثقات أيمن ابن عبيد الحبشي مولى لابن أبي عمر المخزومي من أهل مكة وروى عن عائشة وروى عنه مجاهد وعطاء وابنه عبد الواحد بن أيمن وكان أخا أسامة بن زيد لأمه وهو الذي يقال له أيمن ابن أم أيمن مولاة النبي قال ومن زعم أن له صحبة وهم حديثه في القطع مرسل فهذا يخالف الشافعي وغيره ممن ذكر أن أيمن بن أم أيمن قتل يوم حنين وأنه صحابي حيث جعله


من التابعين وهكذا قول الدارقطني في سننه أيمن لا صحبة له وهو من التابعين ولم يدرك زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا الخلفاء بعده وهو الذي يروي أن ثمن المجن دينار وروى عنه ابنه عبد الواحد وعطاء ومجاهد والحاصل أنه اختلف في أيمن راوي قيمة المجن هل هو صاحبي أم تابعي ثقة فإن كان صحابيا فلا إشكال وإن كان تابعيا ثقة كما ذكره أبو زرعة الإمام العظيم الشأن وابن حبان فحديثه مرسل والإرسال ليس عندنا ولا عند جماهير العلماء قادحا بل هو حجة فوجب اعتباره حينئذ وقد اختلف في تقويم المجن أهو ثلاثة أو عشرة فيجب الأخذ بالأكثر هنا لإيجاب الشرع الدرء ما أمكن في الحدود ثم يقوي بما رواه النسائي أيضا بسنده عن أبي إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عشرة دراهم وأخرجه الدارقطني أيضا وأخرجه هو وأحمد في مسنده عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وكذا إسحاق بن راهويه وروى ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب اللقطة عن سعيد بن المسيب عن رجل من مزينة عن النبي قال ما بلغ ثمن المجن قطعت يد صاحبه وكان ثمن المجن عشرة دراهم قال المصنف يعني صاحب الهداية ويؤيد ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم وهذا بهذا اللفظ موقوف على ابن مسعود وهو مرسل عنه رواه عبد الرزاق ومن طريق الطبراني في معجمه وأشار إليه الترمذي في كتاب الجامع فقال وقد روى عن ابن مسعود أنه قال لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم وهو مرسل رواه القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود والقاسم بن عبد الرحمن لم يسمع من ابن مسعود اه وهو صحيح لأن الكل ما ورد إلا عن القاسم لكن في مسند أبي حنيفة من رواية ابن مقاتل عن أبي حنيفة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال كان تقطع اليد على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في عشرة دراهم وهذا موصول وفي


رواية خلف بن ياسين عن أبي حنيفة إنما كان القطع في عشرة دراهم وأخرجه ابن خسرو من حديث محمد بن الحسن عن أبيه عن أبي حنيفة يرفعه لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم فهذا موصول مرفوع ولو كان موقوفا لكان له حكم الرفع لأن المقدرات الشرعية لا دخل للعقل فيها فالموقوف فيها محمول على المرفوع وعن ابن عمر قال قطع النبي يد سارق أي يمينه من الرسغ في مجن بكسر ميم وفتح جيم وتشديد النون وهي الجنة بضم الجيم والدرقة بفتحتين والترس من جن


إذا ستر ثمنه ثلاثة دراهم قال الشمني هو معارض بما رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال كان ثمن المجن عشرة دراهم قال ابن الهمام أما كون المراد باليد اليمين فبقراءة ابن مسعود فاقطعوا أيمانهما وهي مشهورة فكان خبرا مشهورا فيفيد إطلاق النص فهذا من تقييد المطلق لا من بيان المجمل لأن الصحيح أنه لا إجمال في فاقطعوا أيديهما وقد قطع عليه الصلاة والسلام اليمين وكذا الصحابة فلو لم يكن التقييد مرادا لم يفعله وكان يقطع اليسار وذلك لأن اليمنى أنفع من اليسار لأنه يتمكن بها من الأعمال وحدها ما لم يتمكن به من اليسار فلو كان الإطلاق مرادا والامتثال يحصل بكل لم يقطع إلا اليسار على عادته من طلب الأيسر لهم ما أمكن وأما كون القطع من الزند وهو مفصل الرسغ ويقال له الكوع لأنه المتواتر ومثله لا يطلب بسند بخصوصه كالمتواتر لا يبالي فيه بكفر الناقلين فضلا عن فسقهم أو ضعفهم وروي فيه خصوص متون منها ما رواه الدارقطني في حديث رجاء بن صفوان قال فيه ثم أمر بقطعه من المفصل وضعف بالعذري وابن عدي في الكامل عن عبد الله بن عمر قال قطع رسول الله يد سارق من المفصل فيه عبد الرحمن بن سلمة قال ابن القطان لا أعرف له حالا وأخرج ابن أبي شيبة عن رجاء بن حيوة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قطع رجلا من المفصل وفيه الإرسال وفيه عن عمر وعلي أنهما قطعا من المفصل وانعقد الإجماع فما نقل عن شذوذ من الاكتفاء بقطع الأصابع لأن بها البطش وعن الخوارج القطع من المنكب لأن اليد اسم لذلك والله تعالى أعلم بثبوته وبتقدير ثبوته هو خرق للإجماع وهم لم يقدحوا في الإجماع قبل الفتنة ولأن اليد تطلق على ما ذكر وعلى ما إلى الرسغ إطلاقا أشهر منه إلى المنكب بل صار يتبادر من إطلاق اليد فكان أولى باعتباره ولئن سلم اشتراك الاسم جاز كون ما إلى المنكب هو المراد وما إلى الرسغ فيتعين ما إلى الرسغ درأ للزائد عند احتمال عدمه متفق عليه وعن أبي


هريرة عن النبي قال لعن الله السارق قال النووي فيه جواز لعن غير المعين من العصاة لأن لعن الجنس مطلقا قال تعالى ألا لعنة الله على الظالمين هود وأما المعين فلا يجوز لعنه قال الطيبي لعل المراد من اللعن الإهانة والخذلان كأنه قيل لما استعمل أعز شيء عنده في أهون شيء وأحقره خذله الله وأهانه حتى قطع يسرق
البيضة فتقطع بالتأنيث ويذكر يده ويسرق الحبل فتقطع يده قيل المراد بيضة الحديد وحبل السفينة وقيل كان القطع في ابتداء الإسلام ثم نسخ وقيل المراد الحقير فإن النصاب يشارك البيضة والحبل في الحقارة وقيل الحقير يؤدي بالاعتياد إلى القطع ويفضي إليه وقيل المراد به التهديد وقيل يقطع سياسة والله تعالى أعلم متفق عليه ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه
الفصل الثاني


عن رافع بن خديج عن النبي قال لا قطع في ثمر بفتح المثلثة والميم وهو يطلق على الثمار كلها ويغلب عندهم على ثمر النخل وهو الرطب ما دام على رأس النخل في النهاية الثمر الرطب ما دام على رأس النخلة فإذا قطع فهو الرطب فإذا كنز بالكاف والنون والزاي فهو التمر ولا كثر بفتح الكاف والمثلثة جمار النخل وهو بضم الجيم وتشديد الميم شحمه الذي في وسطه وهو يؤكل وقيل هو الطلع أول ما يبدو وهو يؤكل أيضا رواه مالك والترمذي وأبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه وكذا الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه في شرح السنة ذهب أبو حنيفة إلى ظاهر هذا الحديث فلم يوجب القطع في سرقة شيء من الفواكه الرطبة سواء كانت محرزة أو غير محرزة وقاس عليه اللحوم والألبان والأشربة والخيور وأوجب الآخرون القطع في جميعها إذا كان محرزا وهو قول مالك والشافعي وتأول الشافعي الحديث على الثمار المعلقة غير المحرزة وقال نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها والدليل عليه حديث عمرو بن شعيب وفيه دليل على أن ما كان منها محرزا يجب القطع بسرقته اه وسيأتي الكلام عليه وفي الهداية لا قطع فيما يوجد تافها مباحا في دار الإسلام قال ابن الهمام أي إذا سرق من حرز لا شبهة فيه بعد أن أخذ وأحرز وصار مملوكا لما رواه ابن أبي شيبة عن عائشة قالت لم يكن السارق يقطع على عهد رسول الله في الشيء التافه زاد في مسنده ولم يقطع في أدنى من ثمن حجفة أو ترس وأما


حديث لا قطع في الطير فلا يعرف رفعه بل رواه عبد الرزاق بسند فيه الجعفي عن عبد الله بن يسار قال أتي عمر بن عبد العزيز برجل سرق دجاجة فأراد أن يقطعه فقال له سلمة بن عبد الرحمن قال عثمان لا قطع في الطير ورواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي عن زهير بن محمد عن يزيد بن حفصة قال أتي عمر بن عبد العزيز برجل قد سرق طيرا فاستفتى في ذلك السائب بن يزيد فقال ما رأيت أحدا قطع في الطير وما عليه في ذلك قطع فتركه فإن كان هذا مما لا مجال للرأي فيه فحكمه حكم السماع وإلا فتقليد الصحابي عندنا واجب لما عرف أي في الأصول وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله أنه سئل عن التمر المعلق قال من سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين بفتح الجيم وكسر الراء موضع يجمع فيه التمر للتجفيف وهو له كالبيدر للحنطة كذا في النهاية فبلغ ثمنه المجن فعيلة القطع قال الطيبي فإن قلت كيف طابق هذا جوابا عن سؤاله عن التمر المعلق فإنه سئل هل يقطع في سرقة التمر المعلق وكان ظاهر الجواب أن يقال لا فلم أطنب ذلك الإطناب قلت ليجيب عنه معللا كأنه قيل لا يقطع لأنه لم يسرق من الحرز وهو أن يؤويه الجرين قال النووي قالوا الحرز مشروط فلا قطع إلا فيما سرق من حرز والمعتبر فيه العرف فما لم يعده العرف حرزا لذلك الشيء فليس بحرز له ويشترط أن لا يكون للسارق في المسروق شبهة وإن كانت لم يقطع ويشترط أن يطالبه المسروق منه بالمال رواه أبو داود والنسائي قال ابن الهمام ولا قطع فيما يتسارع إليه الفساد كاللبن واللحم والخبز والفواكه الرطبة وعن أبي يوسف يقطع بها وبه قال الشافعي لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر وأنه عليه الصلاة والسلام سئل عن التمر المعلق فقال من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه


ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع أخرجه أبو داود عن ابن عجلان وعن الوليد بن كثير وعن عبيد الله بن الأخنس وعن محمد بن إسحاق أربعتهم عن عمرو بن شعيب به وأخرجه الشافعي أيضا من طريق وهب عن عمرو بن الحارث وهشام بن سعد عن عمرو بن شعيب به وفي رواية أن رجلا من مزينة سأل رسول الله عن الحريسة التي
تؤخذ من مراتعها فقال فيها ثمنها مرتين وضرب ونكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قالوا يا رسول الله فالثمار وما أخذ من أكمامها فقال من أخذ بفيه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء ومن احتمل المجن فعليه ثمنه مرتين وضرب ونكال وما أخذ من أجرانه ففيه القطع رواه أحمد والنسائي وفي لفظ ما ترى في الثمر المعلق فقال ليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا ما أواه الجرين فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات ونكال ورواه الحاكم بهذا المتن وقال قال إمامنا إسحاق بن راهويه إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر ورواه ابن أبي شيبة ووقفه على عبد الله بن عمر وقال ليس في شيء من الثمار قطع حتى يأوي الجرين وأخرجه عن ابن عمر مثله سواء أجاب بأنه أخرج على وفق العادة أو الذي يؤويه الجرين في عادتهم هو اليابس من الثمر وفيه القطع لكن ما في المغرب من قوله الجرين المربد وهو الموضع الذي يبقى فيه الرطب ليجف يقتضي أن يكون فيه الرطب في زمان وهو أول وضعه واليابس هو الكائن في آخر حاله فيه والجواب أنه معارض بإطلاق قوله لا قطع في ثمر ولا كثر وقوله لا قطع في الطعام أما الأول فرواه الترمذي عن الليث بن سعد والنسائي وابن ماجه عن سفيان بن عيينة كلاهما عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان أن غلاما سرق وديا من حائط فرفع إلى مروان فأمر بقطعه فقال رافع بن خديج قال النبي لا قطع في ثمر ولا كثر ورواه ابن حبان في صحيحه مرتين في


القسم الأول وفي القسم الثاني قال عبد الحق هكذا رواه سفيان بن عيينة ورواه غيره ولم يذكروا فيه واسعا اه وكذا رواه مالك والحاصل أن تعارض الانقطاع فالوصل أولى لما عرف أنه زيادة من الراوي الثقة وقد تلقت الأمة هذا الحديث بالقبول فقد تعارضا في الرطب الموضوع في الجرين وفي مثله من الحدود يجب تقديم ما يمنع الحد درأ للحد ولأن ما تقدم متروك الظاهر فإنه لا يضمن المسروق بمثلي قيمته وإن نقل عن أحمد فعلماء الأمة على خلافه لأنه لا يبلغ قوة كتاب الله تعالى وهو قوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم البقرة فلا يصح عنه عليه الصلاة والسلام ذلك ففيه دلالة الضعف أو النسخ فينفرد هذا الحديث فبطل قول من قال يتقيد حديث الثمر والكثر بهذا التفصيل يعني تفصيل الحديث المذكور بين أن يأكله من أعلى النخل فلا شيء عليه أو يخرجه ففيه ضعف قيمته وجلدات ونكال أو يأخذ من بيدره فيقطع وأما الحديث الثاني فأخرجه أبو داود في المراسيل عن جرير بن حازم عن الحسن البصري أن رسول الله قال أني لا أقطع في الطعام وذكره عبد الحق ولم يعله بغير الإرسال وأنت تعلم أنه ليس بعلة عندنا فيجب العمل بموجبه وحينئذ يجب اعتباره في غير محل الإجماع ولما كان الإجماع على أنه يقطع في الحنطة والسكر لزم أن يحمل على ما يتسارع إليه الفساد كالمهيأ للأكل منه وما في معناه كاللحم والثمار الرطبة مطلقا في الجرين وغيره هذا والقطع في الحنطة وغيرها إجماعا إنما هو في غير سنة القحط أما فيها فلا سواء كان مما يتسارع إليه الفساد أولا


لأنه عن ضرورة ظاهر أو هي تبيح التناول وعنه عليه الصلاة والسلام لا قطع في مجاعة مضطر وعن عمر لا قطع في عام سنة وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي وفي نسخة عن بدل ابن والصواب هو الأول قال المؤلف هو قرشي تابعي روى عن أبي الطفيل وسمع نفرا من التابعين وروى عنه مالك والثوري وابن عيينة أن رسول الله قال لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل قال الطيبي فعليه بمعنى مفعول أي محروسة جبل وهي دابة ترعى في الجبل ولها من يحفظها وقيل الحريسة الشاة المسروقة ليلا وإنما أضيفت إلى الجبل لأن السارق يذهب بها إلى الجبل لتكون أحرز من المطالب في النهاية ومنه الحديث أنه سئل عن حريسة الجبل قال فيها غرم مثليها وجلدات نكالا قال ابن الهمام وإن سرق من القطار بعيرا أو حملا لم يقطع لأنه ليس بحرز مقصود فيمكن فيه شبهة العدم وهذا السائق والقائد والراكب يقصدون قطع المسافة ونقل المتعة دون الحفظ حتى لو كان مع الإحمال من يتبعها للحفظ قالوا يقطع وإن شق الحمل وأخذ منه قطع لأن الجوالق في مثل هذا حرز لأنه يقصد بوضع الأمتعة فيه صيانتها كالكم فوجد الأخذ من الحرز فيقطع وعند الأئمة الثلاثة كل من الراكب والسائق حافظ حرز فيقطع في أخذ الجمل والجوالق والشق ثم الأخذ وأما القائد فحافظ للجمل الذي زمامه بيده فقط عندنا وعندهم إذا كان بحيث يراها إذا التفت إليها حافظ للكل فالكل محرزة عندهم بقوده وفرض أن قصده قطع المسافة ونقل الأمتعة لا ينافي أن يقصد الحفظ مع ذلك بل الظاهر ذلك فوجب اعتباره والعمل به وكونه عليه الصلاة والسلام لم يوجب القطع في حريسة الجبل يحمل على ترك الراعي إياها في المرعى وغيبته عنها أو مع نومه اه وبهذا يظهر فساد قول الطيبي كما لا يخفى فإذا آواه بالمد والضمير المفرد باعتبار المذكور المراح بضم الميم وهو ما تأوي إليه الإبل والغنم بالليل للحرز ويقال للشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مراحها حريسة وفلان يأكل


الحريسات إذا سرق أغنام الناس فأكلها والاحتراس أن يسرق الشيء من المرعى كذا في النهاية والجرين موضع التمر الذي يجفف وفي نسخ الموطأ أو الجرين فالواو هنا بمعنى أو للتنويع فالقطع أي لازم فيما بلغ أي كل منهما ثمن المجن قال ابن الهمام والمعنى من قوله حتى يؤويه الجرين أي المريد حتى يجف أي حتى يتم إيواء الجرين إياه وعند ذلك ينقل عنه ويدخل الحرز وإلا فنفس الجرين ليس حرزا ليجب القطع بالأخذ منه اللهم إلا أن يكون له حارس مترصد رواه مالك كان حق المصنف أن يقول مرسلا لما


عرفت أن المروي عنه تابعي نقله موصولا ولم يذكر الصحابي ثم قال الطيبي الثالث عبد الله والرابع والخامس والسادس جابر والسابع بسر فمقتضاه أنه سقط من الأصل حديث واحد وهو مخالف للأصول المعتمدة والنسخ المصححة ولعله أراد بالسادس حديث صفوان فيكون قصور في تعبير الطيبي وعن جابر قال قال رسول الله ليس على المنتهب قطع النهب هو الأخذ على وجه العلانية قهرا وهو وإن كان أقبح من أخذ مسرا لكن ليس عليه قطع لعدم إطلاق السرقة عليه ومن انتهب نهبة بضم النون المال الذي ينهب ويجوز أن يكون بالفتح ويراد بها المصدر مشهورة أي ظاهرة غير مخفية صفة كاشفة فليس منا أي من أهل طريقتنا أو من أهل ملتنا زجرا رواه أبو داود وعنه أي عن جابر عن النبي قال ليس على خائن قال ابن الهمام هو اسم فاعل من الخيانة وهو أن يؤتمن على شيء بطريق العارية والوديعة فيأخذه ويدعي ضياعه أو ينكر أنه كان عنده وديعة أو عارية وعلله صاحب الهداية بقصور الحرز لأنه قد كان في يد الخائن وحرزه لا حرز المالك على الخلوص وذلك لأن حرزه وإن كان حرز المالك فإنه أحرزه بإيداعه عنده لكنه حرز مأذون للسارق في دخوله ولا منتهب لأنه مجاهر بفعله لا مختف فلا سرقة ولا قطع ولا مختلس لأنه المختطف للشيء من البيت ويذهب أو من يد المالك في المغرب الاختلاس أخذ الشيء من ظاهر بسرعة وقوله قطع اسم ليس قال المظهر ليس على المغير والمختلس والخائن قطع ولو كان المأخوذ نصابا أو قيمته لأن شرطه إخراج ما هو نصاب أو قيمته من الحرز أي بخفية وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض شرع الله تعالى إيجاب القطع على السارق ولم يجعل ذلك في غيرها كالاختلاس والانتهاب والغصب لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستغاثة إلى ولاة الأمور وتسهيل إقامة البينة عليه بخلافها فيعظم أمرها واشتدت عقوبتها ليكون أبلغ في الزجر عنها رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي قال ابن الهمام


رواه الأربعة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وسكت عنه ابن القطان وعبد الحق في
إحكامه وهو تصحيح منهما وتعليل أبي داود مرجوح بذلك وفي الجامع الصغير ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا على الخائن قطع رواه أحمد والأربعة وابن حبان في صحيحه قال ابن الهمام هذا مذهبنا وعليه باقي الأئمة الثلاثة وهو مذهب عمر وابن مسعود وعائشة ومن العلماء من حكى الإجماع على هذه الجملة لكن مذهب إسحاق بن راهويه ورواية عن أحمد في جاحد العارية أنه يقطع لما في الصحيحين من حديث عائشة إن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي بقطعها وجماهير العلماء أخذوا بهذا الحديث وأجابوا عن حديث عائشة بأن القطع كان لسرقة صدرت منها بعد أن كانت متصفة مشهورة بجحد العارية فعرفتها عائشة بوصفها المشهور فالمعنى امرأة كان وصفها جحد العارية سرقت فأمر بقطعها بدليل أن في قصتها أن أسامة بن زيد شفع فيها الحديث وهذا بناء على أنها حادثة واحدة لامرأة واحدة لأن الأصل عدم التعدد والجمع بين الحديثين خصوصا وقد تلقت الأمة الحديث الآخر بالقبول والعمل به فلو فرض أنها لم تسرق على ما أخرجه أبو داود عن الليث حدثني يونس عن ابن شهاب قال كان عروة يحدث أن عائشة قالت استعارت مني حليا على ألسنة أناس يعرفون ولا تعرف هي فباعته فأخذت فأتي بها النبي فأمر بقطع يدها ولا التي شفع فيها أسامة بن زيد وقال فيها رسول الله ما قال كان حديث جابر مقدما فيحمل القطع بجحد العارية على النسخ ولذا حمل على أنهما واقعتان وأنه عليه الصلاة والسلام قطع امرأة بجحد المتاع وأخرى بالسرقة فيحمل على نسخ القطع بالعارية لما قلنا وفي سنن ابن ماجه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا محمد بن اسحاق عن محمد بن طلحة بن ركانة عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود عن أبيها قال لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله أغضبنا ذلك وكانت امرأة من قريش فجئنا النبي نكلمه فقلنا نحن


نفديها بأربعين وقية فقال تطهرها خير لها فأتينا أسامة بن زيد فقلنا له كلم لنا رسول الله فلما كلمه قال ما إكثاركم علي في حد من حدود الله والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها قال ابن سعد في الطبقات هذه المرأة هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسود وقيل هي أم عمر بنت سفيان بن عبد الأسود أخت عبد الله بن سفيان وروى أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بإسناده أن صفوان بن أمية بالتصغير قال المؤلف هو صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي هرب يوم الفتح فاستأمن له عمير بن وهب وابنه وهب بن عمير رسول الله فأمنه وأعطاهما رداءه أمانا له فأدركه


وهب فرده إلى النبي فلما وقف عليه قال له إن هذا وهب بن عمير زعم أنك امنتني على أن أسير شهرين فقال له رسول الله انزل أبا وهب فقال لا حتى تبين لي فقال رسول الله انزل فلك أن تسير أربعة أشهر فنزل وخرج معه إلى حنين فشهدها وشهد الطائف كافرا وأعطاه من الغنائم فأكثر فقال صفوان أشهد بالله ما طاب بهذا إلا نفس نبي فأسلم يومئذ وأقام بمكة ثم هاجر إلى المدينة فنزل على العباس فذكر ذلك لرسول الله فقال رسول الله لا هجرة بعد الفتح وكان صفوان أحد أشراف قريش في الجاهلية وأفصحهم لسانا وكان من المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامه قدم المدينة فنام في المسجد أي ليلا أو نهارا كما سيأتي وتوسد رداءه أي جعل رداءه وسادة له تحت رأسه في الهداية الأصح إن وضع الشيء تحت الرأس حرز وقال ابن الهمام الإخراج من الحرز شرط عند عامة أهل العلم وعن عائشة والحسن والنخعي إن من جمع المال في الحرز قطع وإن لم يخرج به وعن الحسن مثل قول الجماعة وعن داود لا يعتبر الحرز أصلا وهذه الأقوال غير ثابتة عمن نقلت عنه ولا يقال لأهل العلم إلا ما ذكرنا فهو كالإجماع قاله ابن المنذر ثم هو أي الحرز على نوعين حرز بالمكان كالدور والبيوت وقد يكون بالحافظ وهو بدل عن الأماكن المبنية على ما ذكر في المحيط وذلك كمن جلس في الطريق أو في الصحراء أو في المسجد وعنده متاع فهو محرز به فجاء سارق وأخذ رداءه فأخذه أي السارق صفوان فجاء به إلى رسول الله وفي نسخة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر أي بعد إقراره بالسرقة أو ثبوتها بالبينة أن تقطع يده بتأنيث الفعل وجوز تذكيره فقال صفوان إني لم أرد هذا أي قطعه بل قصدت تعزيره هو أي ردائي كما في رواية عليه أي على السارق صدقة فقال رسول الله فهلا قبل أن تأتيني به أي لم لا تركت حقك عليه وعفوت عنه قبل إتيانك به إلي وأما الآن فقطعه واجب ولا حق لك فيه بل هو من الحقوق الخالصة للشرع ولا سبيل فيها إلى الترك وفيه أن العفو جائز قبل أن


يرفع إلى الحاكم كذا ذكره الطيبي وتبعه ابن الملك قال ابن الهمام إذا قضي على رجل بالقطع في سرقة فوهبها له المالك وسلمها إليه أو باعها منه لا يقطع وقال زفر والشافعي وأحمد يقطع وهو رواية عن أبي يوسف لأن السرقة قد تمت انعقادا بفعلها بلا شبهة وظهورا عند الحاكم وقضى عليه بالقطع ويؤيده حديث صفوان رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي وفي رواية فقطعه رسول الله والجواب أن الحديث في رواية كما ذكر وفي رواية الحاكم في المستدرك أنا أبيعه وأنسئه ثمنه وسكت عليه وفي كثير من الروايات لم يذكر ذلك بل قوله ما كنت أريد هذا أو قوله أو يقطع رجل من


العرب في ثلاثين درهما ولم يثبت أنه سلمه إليه في الهبة ثم الواقعة واحدة فكان في هذه الزيادة اضطراب والاضطراب موجب للضعف وروى نحوه أي في المعنى ابن ماجه عن عبد الله بن صفوان عن أبيه والدارمي بالرفع عطف على ابن ماجه عن ابن عباس متعلق برواه المقدر فتدبر قال ابن الهمام ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده من غير وجه والحاكم وحكم صاحب التنقيح ابن عبد الهادي أنه حديث صحيح وله طرق كثيرة وألفاظه مختلفة وإن كان في بعضها انقطاع وفي بعضها من هو مضعف ولكن تعددت طرقه واتسع مجيئه اتساعا يوجب الحكم بصحته بلا شبهة وفي طريق السنن عن عبد الله بن صفوان عن أبيه أنه طاف بالبيت وصلى ثم لف رداء له من برد فوضعه تحت رأسه فقام فأتاه لص فاستله من تحت رأسه فأخذه فأتي به النبي فقال إن هذا سرق ردائي فقال له النبي أسرقت رداء هذا قال اذهبا به فاقطعا يده فقال صفوان ما كنت أريد أن تقطع يده في ردائي فقال لولا كان قبل أن تأتيني به زاد النسائي فقطعه وفي المستدرك سماه خميصة ثمنه ثلاثون درهما اه ولا يخفى أن هذا الحديث يعارض ما في الأصل من قوله قدم المدينة إذ القضية لا تحتمل التعدد فهو إما وهم من البغوي حيث خالف أصحاب السنن أو المراد بالمدينة المدينة اللغوية الشاملة لمكة وعن بسر بضم موحدة وسكون سين مهملة وراء ابن أرطاة بفتح أوله كذا في النسخ بغير لفظ أبي وقال المؤلف هو بسر بن أبي أرطاة أبو عبد الرحمن واسم أبي أرطاة عمر العامري القرشي قيل إنه لم يسمع من النبي لصغره وأهل الشام يثبتون له سماعا قال الواقدي ولد قبل وفاة النبي بسنتين ويقال إنه خرف في آخر عمره مات في زمن معاوية وقيل زمن عبد الملك اه وهو موافق لما في المغني حيث قال أبو0أرطاة


بفتح أوله وسكون ثانيه قال سمعت رسول الله يقول لا تقطع الأيدي في الغزو قال ابن الملك أي لا تقطع أيدي السارق في الغزو إذا كان الجيش في دار الحرب ولم يكن الإمام فيهم وإنما يتولاهم أمير الجيش وإنما لم يقطع لاحتمال افتتان المقطوع باللحوق إلى دار الحرب فيترك إلى أن ينفصل الجيش وقيل أي في مال الغزو أي الغنيمة قبل القسمة إذ له حق فيها قال المظهر يشبه أن يكون إنما أسقط عنه الحد لأنه لم يكن إماما وإنما كان أميرا أو صاحب جيش وأمير الجيش لا يقيم الحدود في أرض الحرب في مذهب بعض الفقهاء إلا أن يكون إماما أو أميرا واسع المملكة كصاحب العراق أو الشام أو مصر فإنه يقيم الحدود في عسكره وهو قول أبي حنيفة وقال الأوزاعي لا يقطع أمير العسكر حتى يقفل من الدرب فإذا قفل قطع وأما أكثر الفقهاء فإنهم لا يفرقون بين أرض الحرب ولا غيرها ويرون إقامة الحدود على من ارتكبها كما يرون وجوب الفرائض والعبادات عليهم في دار الإسلام والحرب سواء قال التوربشتي ولعل الأوزاعي رأى فيه احتمال افتتان المقطوع بأن يلحق بدار الحرب أو رأى أنه إذا قطعت يده والأمير متوجه إلى الغزو لم يتمكن من الدفع ولا يغني عنا فيترك إلى أن يقفل الجيش قال القاضي ولعله أراد المنع من القطع فيما يؤخذ من المغانم اه قال ابن الهمام ولا يقطع السارق من بيت المال وبه قال الشافعي وأحمد والنخعي والشعبي وقال مالك يقطع وهو قول حماد وابن المنذر لظاهر الكتاب ولأنه مال محرز ولا حق له فيه قبل الحاجة ولنا أنه مال العامة وهو منهم وعن عمر وعلي مثله وعن ابن مسعود فيمن سرق من بيت المال قال ارسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق رواه الترمذي والدارمي وأبو داود والنسائي إلا أنهما أي أبا داود والنسائي قالا في السفر بدل الغزو أي عوض قوله في الغزو وقال الطيبي السفر المذكور في الرواية الأخرى مطلق يحمل على المقيد وفي الجامع الصغير لا تقطع الأيدي في السفر رواه أحمد


والثلاثة والضياء عن بسر بن أبي أرطاة وعن أبي سلمة قال المؤلف يقال إن اسمه كنيته وهو كثير الحديث سمع ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر وغيرهم وروى عنه الزهري ويحيى بن أبي كثير والشعبي وغيرهم وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في المدينة ومن مشاهير التابعين روى عن عمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة أن رسول الله قال في السارق
أي في شأنه أو لأجله إن سرق فاقطعوا يده أي اليمنى ثم إن سرق فاقطعوا رجله أي اليسرى قال صاحب الهداية وهذا بالإجماع قال ابن الهمام ثم القطع من الكعب عند أكثر أهل العلم وفعل عمر ذلك وقال أبو ثور والروافض تقطع من نصف القدم من معقد الشراك لأن عليا كان يقطع كذلك ويدع له عقبا يمشي عليه ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا أرجله به أخذ الشافعي ومن تبعه وقال أبو حنيفة وأصحابه يحبس بعد الثاني لإجماع الصحابة على ذلك والحديث إن صح محمول على التهديد أو السياسة كذا ذكره بعض علمائنا وفي شرح السنة اتفقوا على أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى واختلفوا فيما إذا سرق ثالثا بعد قطع يده ورجله فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى ثم إذا سرق رابعا تقطع رجله اليمنى ثم إذا سرق بعده يعزر ويحبس وهو المروي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه وقال قوم إن سرق بعد ما قطعت إحدى يديه وإحدى رجليه لم يقطع وحبس ويروى ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه وفي الهداية فإن سرق ثالثا لايقطع بل يعذر ويخلد في السجن حتى يتوب أو يموت وسيأتي تحقيقه رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بإسناده وعن جابر قال جيء بسارق إلى النبي قال اقطعوه أي يده فقطع ثم جيء به الثانية أي المرة الثانية أو المجيئة الثانية فقال اقطعوه فقطع ثم جيء به الثالثة فقال اقطعوه فقطع ثم جيء به الرابعة فقال اقطعوه فقطع فأتي به الخامسة قال الطيبي أصله فأتوا به النبي فأقيم المفعول مقام الفاعل


وهو ضمير النبي ويحتمل أن يكون الجار والمجرور قد أقيم مقام الفاعل وكذا القول في جيء به قلت وكذا في جيء بسارق فقال اقتلوه قال بعض الشراح من علمائنا إن صح هذا فالوجه فيه أنه منسوخ فقد صح أنه لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث الحديث وفي السراجية للإمام أن يقتله سياسة قال الخطابي لا أعلم أحدا من الفقهاء يبيح دم السارق إن تكررت منه السرقة مرة بعد أخرى إلا أنه قد يخرج على مذهب بعض الفقهاء أن يباح دمه وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض وللإمام أن يجتهد في تعزير المفسد ويفعل به ما رأى من العقوبة وإن زاد على الحد وإن رأى أن يقتل قتل ويعزى ذلك إلى مالك بن أنس والحديث إن كان ثابتا


فهو يؤيد هذا الرأي اه كلامه وقيل هذا منسوخ بقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه من الجر فألقيناه في البئر ورمينا عليه الحجارة قال الطيبي فيه دلالة على أن قتله هذا للإهانة والصغار لا يليق بحال المسلم وإن ارتكب الكبائر فإنه قد يعزر ويصلي عليه لا سيما بعد إقامة الحد وتطهيره فلعله ارتد ووقف على ارتداده كما فعل بالعرنيين من المثلة والعقوبة الشديدة ولعل الرجل بعد القطع تكلم بما يوجب قتله اه وقد يقال إنه كان مستحلا للسرقة والله تعالى أعلم رواه أبو داود والنسائي قال ابن الهمام أخرج أبو داود عن جابر قال جيء بسارق إلى النبي فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال فاقطعوه فقطع ثم جيء به في الثانية فقال اقتلوه قالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه فقطع ثم جيء به في الثالثة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ثم جيء به الرابعة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ثم جيء به الخامسة قال اقتلوه قال جابر فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة قال النسائي حديث منكر ومصعب بن ثابت ليس بالقوي وأخرج النسائي عن أحمد بن سلمة أنا يوسف بن سعد عن الحارث بن حاطب اللخمي أن النبي أتي بلص فقال اقتلوه قالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ثم سرق فقطعت رجله على عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه الأربع كلها ثم سرق الخامسة فقال أبو بكر كان رسول الله أعلم بهذا حين قال اقتلوه ورواه الطبراني والحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد وقال المصنف يعني صاحب الهداية وروي مفسرا كما هو مذهبه أي مذهب الشافعي أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام قال إذا سرق السارق فاقطعوا يده فإن عاد فاقطعوا رجله فإن عاد فاقطعوا يده فإن عاد فاقطعوا


رجله وفي سنده الواقدي وهنا طرق كثيرة متعددة لم تسلم من الطعن ولذا طعن الطحاوي فقال تتبعنا هذه الآثار فلم نجد لشيء منها أصلا وفي المبسوط غير صحيح وإلا احتج به بعضهم في مشاورة علي ولئن سلم يحمل على الانتساخ لأنه كان في الابتداء تغليظ في الحدود ألا ترى أن النبي قطع أيدي العرنيين وأرجلهم وسمر أعينهم ثم انتسخ ذلك وأما فعل أبي بكر فروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن رجلا من اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه فكان يصلي في الليل ويبكي فيقول أبو بكر رضي الله عنه وأبيك ما ليلك بليل


سارق ثم إنهم فقدوا عقدا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق فجعل الرجل يطوف معهم ويقول اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاء به فاعترف الأقطع وشهد عليه فأمر به أبو بكر فقطعت يده اليسرى وقال أبو بكر لدعاؤه على نفسه أشد عليه من سرقته ورواه عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قدم على أبي بكر رضي الله عنه رجل أقطع فشكا إليه أن يعلى بن أمية قطع يده ورجله في سرقة وقال والله ما زدت على أنه كان يوليني شيئا من عمله فخنته في فريضة واحدة فقطع يدي ورجلي فقال له أبو بكر إن كنت صادقا فلأقيدنك منه فلم يلبثوا إلا قليلا حتى فقد آل أبي بكر حليا لهم فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال اللهم اظهر من سرق أهل هذا البيت الصالح قال فما انتصف النهار حتى عثروا على المتاع عنده فقال له أبو بكر ويلك إنك لقليل العلم فقطع أبو بكر يده الثانية قال محمد بن الحسن في موطئه قال الزهري ويروى عن عائشة قالت إنما كان الذي سرق عقد أسماء أقطع اليد اليمنى فقطع أبو بكر رجله اليسرى قال وكان ابن شهاب أعلم بهذا الحديث من غيره هذا وقد حكي عن عطاء وعمرو بن العاص وعثمان وعمر بن عبد العزيز رحمهم الله أنه يقتل في المرة الخامسة كما هو ظاهر ما روي من ذلك وذهب مالك والشافعي إلى أنه يعزر ويحبس كقولنا في الثالثة ولنا قول علي كرم الله وجهه قال محمد بن الحسن في كتاب الآثار أخبرنا أبو حنيفة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي بن أبي طالب قال إذا سرق السارق قطعت يده اليمنى وإن عاد قطعت رجله اليسرى فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خيرا إني لأستحي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها ويستنجي بها ورجل يمشي عليها ومن طريق محمد رواه الدارقطني ورواه عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا معمر عن جابر عن الشعبي قال كان علي لا يقطع إلا اليد والرجل وإن سرق بعد ذلك سجنه ويقول إني لأستحي من الله أن لا


أدع له يدا يأكل بها ويستنجي بها ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كان علي لا يزيد على أن يقطع يدا ورجلا فإذا أتي به بعد ذلك قال إني لأستحي من الله لأدعه لا يتطهر لصلاته ولكن احبسوه وأخرجه البيهقي عن عبد الله بن سلمة عن علي أنه أتي بسارق فقطع يده ثم أتي به فقطع رجله ثم أتي به فقال اقطع يده بأي شيء يتمسح وبأي شيء يأكل اقطع رجله على أي شيء يمشي إني أستحي من الله ثم ضربه وخلده في السجن وروى ابن أبي شيبة أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن السارق فكتب إليه بمثل قول علي وأخرج عن سماك أن عمر رضي الله تعالى عنه استشارهم في سارق فاجمعوا على مثل قول علي وأخرج عن مكحول أن عمر قال إذا سرق فاقطعوا يده ثم إن عاد فاقطعوا رجله ولا تقطعوا يده الأخرى وذروه يأكل بها ويستنجي بها ولكن احبسوه عن المسلمين وأخرج عن النخعي كانوا يقولون لا يترك ابن آدم مثل البهيمة ليس له يد يأكل بها ويستنجي بها وهذا كله قد ثبت ثبوتا لأمر دله فبعيد أن يقع في زمن رسول الله مثل هذه الحادثة التي غالبا تتوفر الدواعي على نقلها مثل سارق يقطع أربعته ثم يقتله أو الصحابة


يجتمعون على قتله ولا خبر بذلك عند علي وابن عباس وعمر من الأصحاب الملازمين له بل أقل ما في الباب أنه كان ينقل لهم إن غابوا بل لا بد من علمهم بذلك وبذلك تقضي العادة فامتناع علي بعد ذلك إما لضعف الروايات المذكورة في الإتيان على أربعته وإما لعلمه أن ذلك ليس حدا مستمرا بل من رأى الإمام قتله لما شاهد فيه من السعي بالفساد في الأرض وبعد الطباع عن الرجوع فله قتله سياسة فيفعل ذلك القتل المعنوي قال صاحب الهداية وبهذا حاج على بقية الصحابة فحجهم فانعقد إجماعا يشير إلى ما في تنقيح ابن عبد الهادي قال سعد بن منصور ثنا أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه قال حضرت علي بن أبي طالب وأتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق قال لأصحابه ما ترون في هذا قالوا اقطعه يا أمير المؤمنين قال قتلته إذ أوما عليه القتل بأي شيء يأكل الطعام بأي شيء يتوضأ للصلاة بأي شيء يغتسل من جنابته بأي شيء يقوم على حاجته فرده إلى السجن أياما ثم استخرجه فاستشار أصحابه فقالوا مثل قولهم الأول وقال لهم مثل ما قال أول مرة فجلده جلدا شديدا ثم أرسله وقال سعيد أيضا ثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عائذ قال أتي عمر بن الخطاب بأقطع اليد والرجل قد سرق فأمر أن يقطع رجله فقال علي رضي الله عنه قال الله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله المائدة فقد قطعت يد هذا ورجله فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها إما أن تعزره وإما أن تودعه السجن فاستودعه السجن وهذا رواه البيهقي في سننه لا يقال اليد اليسرى محل للقطع بظاهر الكتاب ولا إجماع على خلاف الكتاب لأنا نقول لما وجب حمل المطلق منه على المقيد عملا بالقراءة المشهورة خرجت عن كونها مرادة وبقيت اليمنى مرادة والأمر المقرون بالوصف وإن تكرر بتكرر الوصف لكن إنما يكون حيث أمكن وإذا انتفى إرادة اليسرى بما ذكرنا من التقييد انتفى محليتها للقطع فلا يتصور تكراره فيلزم إن


معنى الآية السارق والسارقة مرة واحدة فاقطعوا أيديهما وثبت قطع الرجل في الثانية بالسنة والإجماع وانتفى ما رواء ذلك لقيام الدليل على العدم والله تعالى أعلم وروى أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بإسناده في قطع السارق عن النبي اقطعوه ثم احسموه قال ابن الهمام أما دليل الحسم فقد روى الحاكم من
حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام أتي بسارق سرق شملة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ما أخاله سرق فقال السارق بلى يا رسول الله فقال اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به فقطع ثم حسم ثم أتي فقال تبت إلى الله قال تاب الله عليك وقال صحيح على شرط مسلم ورواه أبو داود في المراسيل وكذا رواه القاسم بن سلام في غريب الحديث وأخرج الدارقطني في حجته عن علي أنه قطع أيديهم من المفصل ثم حسمهم فكأني أنظر إليهم وإلى أيديهم كأنها أيور الحمر والحسم الكي لينقطع الدم وفي المغرب والمغني لابن قدامة هو أن يغمس في الدهن الذي أغلي وثمن الزيت وكلفة الحسم في بيت المال عندهم وبه قال الشافعي في وجه وعندنا هو على السارق وقول صاحب الهداية لأنه لو لم يحسم يؤدي إلى التلف يقتضي وجوبه والمنقول عن الشافعي وأحمد أنه مستحب فإن لم يفعل لا يأثم وعن فضالة بفتح الفاء ابن عبيد بالتصغير قال أتي رسول الله بسارق فقطعت يده ثم أمر بها أي بيده فعلقت بتشديد اللام مجهولا في عنقه أي ليكون عبرة ونكالا قال ابن الهمام المنقول عن الشافعي وأحمد أنه يسن تعليق يده في عنقه لأنه عليه الصلاة والسلام أمر به وعندنا ذلك مطلق للإمام أن رآه ولم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام في كل من قطعة ليكون سنة رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا سرق المملوك أي أي نوع من السرقة شرعية أو عرفية فبعه أي ولا تمسكه فإنه معيوب من وجهين ولو بنش بفتح نون وتشديد شين معجمة أي عشرين درهما نصف أوقية والمعنى بعه ولو بثمن بخس في شرح السنة


قالوا العبد إذا سرق قطع آبقا كان أو غير آبق يروى عن ابن عمر أن عبدا له سرق وكان آبقا فأرسل به إلى سعيد بن العاص ليقطع يده فأبى سعيد وقال لا تقطع يدا لآبق إذا
سرق فقال عبد الله في أي كتاب وجدت هذا فأمر به عبد الله فقطعت يده وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه أمر به وهو قول مالك والشافعي وعامة أهل العلم قال ابن الهمام وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر أو العبد من سيده أو زوج سيدته لم يقطع لوجود الإذن في الدخول عادة فاختل الحرز وفي موطأ مالك عن عمر أنه أتي بغلام سرق مرآة لامرأة سيده فقال ليس عليه شيء خادمكم يسرق متاعكم فإذا لم يقطع خادم الزوج فالزوج أولى رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وكذا أحمد والبخاري في تاريخه
الفصل الثالث
عن عائشة قالت أتي أي جيء رسول الله بسارق فقطعه أي أمر بقطعه وفي نسخة صحيحة فقطع بصيغة المجهول وجوز أن يكون معلوما فقالوا أي الصحابة من حضار المجلس العالي أو الذين جاؤوا به ما كنا نراك بضم النون أي نظنك وفي نسخة بفتحها من الرأي تبلغ به بفتح التاء وضم اللام والباء للتعدية أي توصله هذا أي القطع قال لو كانت فاطمة أي لو فرض كون السارق فاطمة الزهراء لقطعتها أي لإطلاق الآية وتسوية الأمة المقتضية لكمال العدالة قال الطيبي أي ما كنا نظنك أن تقطعه بل تترحم عليه وترأف به فأجاب إن هذا حق من حقوق الله تعالى وجب علي إمضاؤه ولا يسع المسامحة فيه ولو صدر ذلك عن بضعة مني لقطعتها وكأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لمح إلى قوله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله النور رواه النسائي وعن ابن عمر قال جاء رجل إلى عمر بغلام أي عبد له فقال اقطع يده فإنه سرق مرآة بكسر ميم وسكون راء وهمزة ممدودة لامرأتي أي لزوجتي قال ابن الهمام وكان ثمن المرآة ستين درهما فقال عمر لا قطع عليه هو وفي نسخة وهو خادمكم أخذ


متاعكم رواه مالك قال ابن الهمام ولو سرق المولي من مكاتبه لا يقطع بلا خلاف لأن للمولى حقا في أكسابه ولأن ماله موقوف دائر بين السارق وغيره كما إذا سرق أحد المبتاعين ما شرط فيه الخيار وكما لا قطع على السيد لا قطع على المكاتب إذا سرق مال سيده لأنه عبد له أو من زوجة سيده وهو قول أكثر أهل العلم وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر يقطع بسرقة مال من عدا سيده كزوجة سيده لعموم الآية وتقدم أثر عمر وهو في السرقة من مال زوجة سيده وعن ابن مسعود مثله ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافه فحل محل الإجماع فتخص به الآية والحكم في المدبر كذلك وكذلك السارق من المغنم لا يقطع لأن له فيه نصيبا وهو مأثور عن علي كرم الله وجهه ردا وتعليلا رواه عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا الثوري عن سماك بن حرب عن أبي عبيد بن الأبرص وهو يزيد بن دثار قال أتي علي برجل سرق من المغنم فقال له نصيب وهو خائن فلم يقطعه وكان قد سرق مغفرا ورواه الدارقطني وقيل في الباب حديث رواه ابن ماجه ثنا جيادة بن المفلس عن حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس إن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس فرفع إلى النبي فلم يقطعه وقال مال الله سرق بعضه بعضا ولا يخفى أن هذا ليس مما نحن فيه ألا ترى إلى قوله مال الله سرق بعضه بعضا وكلامنا فيما سرقه بعض مستحقي الغنيمة وإسناده ضعيف وعن أبي ذر قال قال لي رسول الله يا أبا ذر قلت لبيك يا رسول الله وسعديك أي أجبت لك مرة بعد أخرى وطلبت السعادة لإجابتك في الأولى والأخرى قال كيف أنت أي كيف حالك ومالك إذا أصاب الناس موت أي وباء عظيم يكون البيت أي بيت الموت أو الميت وهو القبر فيه أي في وقت إصابتهم بالوصيف أي مقابل به في النهاية الوصيف العبد يريد أنه يكثر الموت حتى يصير موضع قبر يشتري بعبد من كثرة الموتى وقبر الميت بيته يعني أي يريد النبي بالبيت القبر وهو جملة معترضة من أبي ذر أو غيره من الرواة قلت الله ورسوله أعلم أي


لأنه تعالى قال وما تدري نفس ماذا تكسب غدا لقمان الآية قال عليك بالصبر أي الزم الصبر في جميع ما يتعلق به الأمر فإن الصابر على دينه حينئذ كالقابض على الجمر وفيه إيماء إلى أن الفتنة تعم الدين والبدن أحياء
وأمواتا قال حماد بن سليمان تقطع يد النباش أي نباش القبور لأخذ الكفن لأنه دخل على الميت بيته بالجر وفي نسخة بالنصب قال الطيبي يجوز أن يكون مجرورا على البدل من الميت ومنصوبا على التفسير والتمييز كقوله تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه البقرة أو على تقدير أعني اه وجواز كون التمييز نكرة مذهب بعض النحاة قال واستدل حماد بتسمية القبر البيت على أن القبر حرز للميت فتقطع يد النباش اه وفيه أنه لا يلزم من جواز إطلاق البيت عليه حقيقة أو حكما كونه حرزا ألا ترى أنه لو أخذ أحد شيئا من بيت لم يكن له باب مغلق أو حارس لم يقطع بلا خلاف اللهم إلا أن يقال حرز كل شيء بحسب ما يعده العرف حرزا ولذا اختلف العلماء في قطعه قال ابن الهمام ولا قطع على نباش وهو الذي يسرق أكفان الموتى بعد الدفن هذا عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف وباقي الأئمة الثلاثة عليه القطع وهو مذهب عمر وابن مسعود وعائشة ومن العلماء أبو ثور والحسن والشافعي والشعبي والنخعي وقتادة وحماد وعمر بن عبد العزيز وقول أبي حنيفة قول ابن عباس والثوري والأوزاعي والزهري لهم قوله عليه الصلاة والسلام من نبش قطعناه وهو حديث منكر وإنما أخرجه البيهقي وصرح بضعفه عن عمران بن يزيد بن البراء بن عازب عن أبيه عن جده وفي سنده من يجهل حاله كبشر بن حازم وغيره ومثله الحديث الذي ذكره صاحب الهداية لا قطع في المختفي قال وهو النباش بلغة أهل المدينة أي بعرفهم وأما الآثار فقال ابن المنذر روي عن ابن الزبير أنه قطع نباشا وهو ضعيف ذكره البخاري في تاريخه ثم أعله بسهيل بن زكوان المكي قال عطاء كنا نتهمه بالكذب ويماثله أي في الضعف أثر عن ابن عباس رواه ابن أبي شيبة


وفيه مجهول قال حدثنا شيخ لقيته بمنى عن روح بن القاسم عن مطرف عن عكرمة عن ابن عباس قال ليس على النباش قطع وأما ما رواه عبد الرزاق أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي أخبرني عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه وجد قوما يختفون القبور باليمن على عهد عمر بن الخطاب فكتب فيهم إلى عمر فكتب عمر إن اقطع أيديهم فأحسن منه بلا شك ما رواه ابن أبي شيبة ثنا عيسى بن يونس عن معمر عن الزهري قال أتي مروان بقوم يختفون أي ينبشون القبور فضربهم ونفاهم والصحابة يتوافرون اه وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا معمر به وزاد وطوف بهم وكذا أحسن منه بلا شك ما روي عن ابن أبي شيبة ثنا حفص بن أشعث عن الزهري قال أخذ نباش في زمن معاوية وكان مروان على المدينة فسأل من بحضرته من الصحابة والفقهاء فاجمع رأيهم على أن يضرب ويطاف به اه فحينئذ فلا يشك في ترجيح مذهبنا من جهة الآثار قلت فعلى تقدير ثبوت قطع نباش يحمل على السياسة أو على أنه من الساعي في الفساد والله تعالى أعلم بالعباد رواه أبو داود


باب الشفاعة في الحدود

الفصل الأول
عن عائشة إن قريشا أهمهم أي أحزنهم وأوقعهم في الهم شأن المرأة قال التوربشتي يقال أهمني الأمر إذا أقلقك وأحزنك المخزومية أي المنسوبة إلى بني مخزوم قبيلة كبيرة من قريش منهم أبو جهل وهي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة التي سرقت أي وكانت تستعير المتاع وتجحده أيضا وقد أمر النبي بقطع يدها فقالوا أي قومها من يكلم أي بالشفاعة فيها أي في شأنها رسول الله ظنا منهم أن الحدود تندرىء بالشفاعة كما أنها تندرىء بالشبهة فقالوا وفي نسخة قالوا أي بعض منهم ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله بكسر الحاء أي محبوبه وهو بالرفع عطف بيان أو بدل من أسامة قال الطيبي قوله ومن عطف على محذوف أي لا يجترىء عليه منا أحد لمهابته ولما لا يأخذه في دين الله رأفة وما يجترىء عليه إلا أسامة اه والأظهر أن من استفهام إنكار يعطي معنى النفي ولا يحتاج إلى تقدير فالمعنى لا يجترىء عليه إلا أسامة كقوله تعالى فهل يهلك إلا القوم الفاسقون الأنعام قال النووي معنى يجترىء يتجاسر عليه بطريق الإدلال وهذه منقبة ظاهرة لأسامة فكلمه أسامة أي فكلموا أسامة فكلمه أسامة ظنا منه أن كل شفاعة حسنة مقبولة وذهولا عن قوله تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها النساء فقال رسول الله أتشفع في حد من حدود الله الاستفهام للتوبيخ ثم قام فاختطب أي بالغ في


خطبته أو أظهر خطبته وهو أحسن من قول الشارح أي خطب ثم قال أي في أثناء خطبته أو بعد فراغ حمده وثناء ربه إنما أهلك بصيغة الفاعل وفي نسخة على بناء المفعول الذين من قبلكم يحتمل كلهم أو بعضهم أنهم كانوا أي كونهم إذا سرق الخ أو ما أهلكهم إلا لأنهم كانوا والحصر ادعائي إذ كانت فيهم أمور كثيرة من جملتها أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف أي القوي تركوه أي بلا إقامة الحد عليه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد أي القطع أو غيره وايم الله بهمزة وصل وسكون ياء وضم ميم وبكسر وبفتح همزة ويكسر ففي القاموس وايمن الله وايم الله بكسر أولهما وايم الله بكسر الهمزة والميم وهو اسم وضع للقسم والتقدير أيمن الله قسمي وفي النهاية وايم الله من ألفاظ القسم وفي همزها الفتح والكسر والقطع والوصل وفي شرح الجزرية لابن المصنف الأصل فيها الكسر لأنها همزة وصل لسقوطها وإنما فتحت في هذا الاسم لأنه ناب مناب حرف القسم وهو الواو ففتحت لفتحها وهو عند البصريين مفرد وعنه سيبويه من اليمن بمعنى البركة فكأنه قال بركة الله قسمي وذهب الكوفيون إلى أنه جمع يمين وهمزته همزة قطع وإنما سقطت في الوصل لكثرة الاستعمال وفي المشارق لعياض وايم الله بقطع الألف ووصلها أصله أيمن فلما كثر في كلامهم حذفوا النون فقالوا أيم الله وقالوا أم الله وم الله اه وفيه لغات كثيرة ذكرت في القاموس لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها إنما ضرب المثل بفاطمة لأنها أعز أهله متفق عليه وفي رواية لمسلم قالت كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده وإنما ذكرت الجحود لتعريفها وإلا فالقطع كان لسرقتها كما في الحديث السابق المتفق عليه فالتقدير فسرقت فأمر النبي بقطع يدها فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم رسول الله فيها ثم ذكر أي مسلم أو الراوي عن عائشة بنحو ما تقدم قال الطيبي المراد أنها قطعت بالسرقة وإنما ذكرت العارية تعريفا لها ووصفا لا لأنها سبب القطع وإنما لم تذكر


السرقة في هذه الرواية لأن المقصود منها عند الراوي ذكر منع الشفاعة في الحدود لا الأخبار عن السرقة قال الجمهور لا قطع على من جحد العارية وقال أحمد وإسحاق يجب القطع في ذلك وقد أجمعوا على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام لهذا الحديث وعلى أنه يحرم التشفيع فيه فأما قبل البلوغ فقد أجاز فيها أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس وأما المعاصي التي يجب فيها التعزير فيجوز الشفاعة والتشفيع فيها سواء بلغت الإمام أم لا لأنها أهون بل هي مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى

الفصل الثاني


عن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله يقول من حالت من الحيلولة أي حجبت شفاعته دون حد أي عنده والمعنى من منع بشفاعته حدا من حدود الله قال الطيبي أي قدام حد فيحجز عن الحد بعد وجوبه عليه بأن بلغ الإمام فقد ضاد الله أي خالف أمره لأن أمره إقامة الحدود قال الطيبي وإنما قال فقد ضاد الله لأن حدود الله حماه ومن استباح حمى الله تعدى طوره ومن نازع الله تعالى فيما حماه فقد ضاد الله ومن خاصم أي جادل أحدا في باطل وهو يعلمه أي يعلم أنه باطل أو يعلم نفسه أنه على الباطل أو يعلم أن خصمه على الحق أو يعلم الباطل أو ضده الذي هو الحق ويصر عليه لم يزل في سخط الله تعالى حتى ينزع أي يترك وينتهي عن مخاصمته يقال نزع عن الأمر نزوعا إذا انتهى عنه ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أي من المساوىء أسكنه الله ردغة الخبال بسكون الدال المهملة ويفتح والخبال بفتح الخاء المعجمة قال ابن الملك الردغة بسكون الدال وفتحها وأهل الحديث يروونه بالسكون لا غير وفي النهاية جاء تفسيرها في الحديث أنها عصارة أهل النار والردغة بسكون الدال وفتحها طين ووحل كثير والخبال في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول اه قيل سمى به الصديد في الحديث لأنه من المواد الفاسدة وقيل الخبال موضع في جهنم مثل الحياض يجتمع فيه صديد أهل النار وعصارتهم حتى يخرج مما قال أي من عهدته باستيفاء عقوبته أو باستدراك شفاعته أو بإلحاق مغفرته قال القاضي وخروجه مما قال أن يتوب عنه ويستحل من المقول فيه وقال الأشرف ويجوز أن يكون المعنى أسكنه الله ردغة الخبال ما لم يخرج من إثم ما قال فإذا خرج من إثمه أي إذا


استوفى عقوبة إثمه لم يسكنه الله ردغة الخبال بل ينجيه الله تعالى منه ويتركه قال الطيبي حتى على ما ذهب إليه القاضي غاية فعل المغتاب فيكون في الدنيا فجيب التأويل في قوله أسكنه الله ردغة الخبال بسخطه وغضبه الذي هو سبب في إسكانه ردغة الخبال ويؤيده القرينة السابقة واللاحقة لأن النزع في القرينة الأولى مفسر بترك الخصومة الباطلة وعلى هذا في الثالثة والحيلولة بالشفاعة أعظمها لأنه مضادة الله تعالى ولم يذكر فيها النزع قلت لأن الحيلولة ليست مستمرة في العادة بخلاف البقية ويؤيده تقييده بحد قال ثم الاغتياب بوضع المسبب موضع السبب تصوير لتهجين أمر المغتاب وكأنه فيها الآن والله أعلم اه وفيه أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه وهو فيه وإن لم يكن فهو بهتان كما ثبت في الحديث الصحيح فمن قال في مؤمن ما ليس فيه لا يكون مغتابا بل يكون آتيا بالبهتان رواه أحمد وأبو داود وفي رواية للبيهقي وفي نسخة بالإضافة في شعب الإيمان من أعان أي تعصبا أو عبثا على خصومة لا يدري أحق أي هي أم باطل فهو في سخط الله حتى ينزع وعن أبي أمية قيل لا يعرف له اسم المخزومي قال المؤلف صحابي عداده في أهل الحجاز روى عنه أبو المنذر مولى أبي ذر أن النبي أتي بلص بضم اللام وتكسر وتشديد الصاد المهملة وفي القاموس مثلث اللام أي جيء بسارق قد وفي نسخة فقد اعترف اعترافا أي أقر إقرارا صريحا ولم يوجد معه متاع أي من المسروق منه فقال له رسول الله ما أخالك بسكر الهمزة وفتحها والكسر هو الأفصح وأصله الفتح قلبت الفتحة بالكسرة على خلاف القياس ولا يفتح همزتها إلا بنو أسد فإنهم يجرونها على القياس وهو من خال يخال أي ما أظنك سرقت قاله درأ للقطع قال بلى أي سرقت فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا شك من الراوي كل ذلك بالنصب وفي نسخة بالرفع ولا وجه له قال الطيبي كل ذلك ظرف يعترف قدم للاهتمام والمعنى يعترف في كل من تلك المرات وذكر ذلك باعتبار المذكور والجملة صفة لقوله


ثلاثا وثلاثا نصب على المصدر وعامله فأعاد فأمر به فقطع وجيء به أي بالسارق فقال له رسول الله استغفر الله أي اطلب باللسان
مغفرة الله وتب إليه أي ارجع إلى الله بالجنان فقال أي السارق استغفر الله وأتوب إليه فقال رسول الله اللهم تب عليه ثلاثا أي اقبل توبته أو ثبته عليها وهذا منه يدل على أن الحد ليس مطهرا بالكلية مع فساد الطوية وإنما هو مطهر لعين ذلك الذنب فلا عقاب عليه ثانيا من جهة الرب وقال الطيبي الأمر بالاستغفار بعد القطع وتكرير رسول الله الاستغفار له تأكيد وتقرير لتوبته اه وما فيه لا يخفى قال القاضي وبهذا الحديث يستشهد علي أن للإمام أن يعرض للسارق بالرجوع وأنه إن رجع بعد الاعتراف قبل لإسقاط الحد كما في الزنا وهو أصح القولين المحكيين عن الشافعي ولمن زعم أن السرقة لا تثبت بالإقرار مرة واحدة كأحمد وأبي يوسف وزفر أن يتمسك به أيضا لأنه لو ثبت بإقراره الأول لوجب عليه إقامة الحد ويحرم تلقينه بالرجوع لقوله في حديث عبد الله بن عمر تعافوا بالحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب وجوابه أنه عليه الصلاة والسلام إنما لقنه لما رأى أن له مخرجا عنه بالرجوع وقد قال ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله وإنما يجب حيث لم يكن له مخرج قال الخطابي وجه قوله عليه الصلاة والسلام ما أخالك سرقت عندي أنه ظن بالمعترف غفلة عن السرقة وأحكامها أو لم يعرف معناها فأحب أن يستبين ذلك منه يقينا وقد نقل تلقين السارق عن جماعة من الصحابة اه وفيه أنه لم يقع منه إلا إعادة الإقرار ولم يظهر منه استبانة أمر السرقة وأحكامها إلا ظنا ولا يقينا وقال الطيبي ويمكن أن يقال أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ظن ما ظن لما اعترف الرجل ذلك الاعتراف والحال أنه لم يوجد معه متاع ما فإن هذه الإمارة كافية في الظن بالخير من المسلمين اه وفيه إن ظن الخير بالمسلم لا يتوقف على أمارة مع أن من حسن الظن بالمسلم أيضا أنه


لا يكذب خصوصا عن نفسه فقوله ولم يوجد معه متاع إما وقع اتفاقا أو احترازا من أنه لو كان معه متاع من المسروق منه لما لقنه لئلا يفوت مال المظلوم ولهذا من أقر بمال عنده أو دين عليه فلا يسن التلقين له كما سبق تحقيقه على أن الحديث لا دلالة فيه على إعادة الاعتراف فإن الاعتراف الأول يحتمل أنه لم يكن عنده ومع وجود الاحتمال يسقط الاستدلال قال ابن الهمام ويجب القطع بإقراره مرة واحدة وهذا عند أبي حنيفة ومحمد ومالك والشافعي وأكثر علماء الأمة وقال أبو يوسف لا يقطع وهو قول أحمد وابن أبي ليلى وزفر وابن شبرمة لهذا الحديث حيث لم يقطعه إلا بعد تكرار إقراره ولما أسند الطحاوي إلى علي رضي الله تعالى عنه أن رجلا أقر عنده بسرقة مرتين فقال قد شهدت على نفسك شهادتين فأمر به فقطع فعلقها في عنقه ولأبي حنيفة ما أسند الطحاوي إلى أبي هريرة في هذا الحديث قالوا يا رسول الله إن هذا سرق فقال ما أخاله سرق فقال السارق


بلى يا رسول الله قال اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به قال فذهب به فقطع ثم حسم ثم أتي به فقال تب إلى الله عز وجل فقال تبت إلى الله عز وجل فقال تاب الله عليك فقد قطعه بإقراره مرة اه وفيه أنه وقع حينئذ التعارض بين الحديثين ويحتاج إلى التصحيح والترجيح فالأولى حمل الحديث السابق على أن اعترافه الأول كان بحضرة الصحابة ثم الصحابة بناء على اعترافه عندهم قالوا يا رسول الله إن هذا سرق لا إنهم شهدوا وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين ويرفع التناقض بين الدليلين فمآلهما واحد في أنه لا يحتاج إلى الإقرار المتعدد والله أعلم رواه أي الحديث عن أبي أمية أبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي هكذا أي مثل ما ذكرت من أن الحديث عن أبي أمية لا عن أبي رمثة وجدت في الأصول الأربعة أي المذكورة من سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والدارمي وجامع الأصول أي وفي جامع أصول السنة لابن الأثير وشعب الإيمان أي للبيهقي ومعالم السنن أي للخطابي عن أبي أمية بالتصغير وفي نسخ المصابيح عن أبي رمثة بالراء أي المكسورة قبل ميم ساكنة والثاء المثلثة بدل الهمزة والياء أي في صورة الخط مع قطع النظر عن الشكل وفيه لف ونشر مرتب


ثم اعلم أن هذا الباب خال عن الفصل الثالث ولم يبينه المؤلف لعدم احتياجه بناء على عدم التزامه وفيه أنه بقي من الأحاديث المتعلقة بأصل الباب المهم علمه في الكتاب ما ورد في رد المسروق عند وجوده وضمان السارق عند فقده بعد قطعه وأنا أذكر لك المسألة واختلاف العلماء فيها مع الأدلة ففي الهداية وإذا قطع السارق والعين قائمة في يده ردت على صاحبها لبقائها على ملكه وإن كانت مستهلكة لم تضمن قال ابن الهمام وهذا الإطلاق يشمل الهلاك والاستهلاك لأنه لما لم يضمن بالاستهلاك وله فيه جناية ثابتة فلإن لا يضمن بالهلاك ولا جناية أخرى له فيه أولى وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة وهو المشهور وبه قال سفيان الثوري وعطاء والشعبي ومكحول وابن شبرمة وابن سيرين وروى الحسن عنه أنه يضمن في الاستهلاك وقال الشافعي يضمن فيهما أي في الهلاك والاستهلاك وهو قول أحمد والحسن والنخعي والليث وإسحاق وحماد وقال مالك إن كان السارق موسرا ضمن وإن كان معسرا لا ضمان عليه نظرا للمجانبين ولا خلاف إن كان باقيا أنه يرد على المالك وكذا إذا باعه أو وهبه يؤخذ من المشتري والموهوب له وهذا كله بعد القطع ولو قال المالك


قبله أنا أضمنه لم يقطع عندنا فإنه يتضمن رجوعه عن دعوى السرقة إلى دعوى المال وجه قولهم عموم قول الله تعالى فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم البقرة وعلى اليد ما أخذت حتى ترد ولأنه أتلف مالا مملوكا عدوانا فيضمنه قياسا على الغصب والمانع إنما هو المنافاة بين حقي القطع والضمان ولا منافاة لأنهما حقان بسببين مختلفين أحدهما حق الله تعالى وهو النهي عن هذه الجناية الخاصة والآخر حق الضرر فيقطع حقا لله ويضمن حق العبد وصار كاستهلاك صيد مملوك في الحرم يجب الجزاء حقا لله ويضمنه حقا للعبد ولنا قوله عليه الصلاة والسلام فيما روى النسائي عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن يزيد قال سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد ولفظ الدارقطني لا غرم على السارق بعد قطع يمينه وضعف فإن المسور بن إبراهيم لم يلق عبد الرحمن بن عوف وهو جده فإنه المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن إبراهيم مجهول وفيه انقطاع آخر فإن إسحاق بن الفرات رواه عن المفضل فأدخل بين يونس بن يزيد وسعد بن إبراهيم الزهري وقال ابن المنذر سعد بن إبراهيم هذا مجهول وقيل إنه الزهري قاضي المدينة وهو أحد الثقات الإثبات وعندنا الإرسال غير قادح بعد ثقة الراوي وأمانته وذلك الساقط إن كان قد ظهر أنه الزهري فقد عرف وبطل القدح به وما قال ابن قدامة إنه يحمل غرم السارق على أجرة القاطع مدفوع برواية البزار لا يضمن السارق سرقته بعد إقامة الحد وفي المبسوط روى هشام عن محمد أنه إنما يسقط الضمان عن السارق قضاء لتعذر الحكم بالمماثلة وأما ديانة فيفتي بالضمان للحوق الخسران والنقصان للمالك من جهة السارق وفي الإيضاح قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يحل للسارق الانتفاع به بوجه من الوجوه لأن الثوب على ملك المسروق منه وكذا لو خاط قميصا لا


يحل له الانتفاع لأنه ملكه بوجه محظور وقد تقرر إيجاب القضاء به كمن دخل دار الحرب بأمان وأخذ شيئا من أموالهم لم يلزمه الرد قضاء ويلزمه ديانة كالباغي إذا تلف مال العادل ثم تاب لم يحكم عليه بالضمان لتعذر إيجاب الضمان بعارض ظهر أثره في حق الحكم وأما ديانة فيعتبر قضية السبب والله تعالى أعلم بالصواب


باب حد الخمر
قال الطيبي الخمر ستر الشيء ويقال لما يستر به خمار والخمر سمي به لكونه خامر مقر العقل وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر
اه وسيأتي بيانه عند باب بيان الخمر إن شاء الله تعالى روى الترمذي عن علي بن أبي طالب صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون قال فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ألا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون النساء قال ابن الهمام ولو ارتد السكران لأتبين امرأته لأن الكفر من باب الاعتقاد أو الاستخفاف ولذا حكم بكفر الهازل مع اعتقاده لما يقول ولا اعتقاد للسكران ولا استخفاف لأنهما فرع قيام الإدراك والأظهر أن قراءة على إنما وقعت سهوا لا قصدا والله تعالى أعلم واعلم أن من المسائل المتعلقة بالباب إن شارب الخمر إن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لمحمد وكذا إذا شهد عليه بعد ما ذهب ريحها أو ذهب من غيرها وأما التقادم فيمنع قبول الشهادة بالاتفاق ولا يحد السكران حتى يزول عنه السكر تحصيلا لمقصود الانزجار وهذا بإجماع الأئمة الأربعة لأن غيبوبة العقل أو غلبة الطرب والترح تخفف الألم قال ابن الهمام روى عبد الرزاق ثنا سفيان الثوري عن يحيى بن عبد الله التيمي الجائز عن أبي ماجد الحنفي قال جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد الله بن مسعود فقال عبد الله ترتروه ومز مزوه واستنكهوه ففعلوا فدفعه إلى السجن ثم دعا به من الغد فدعا بسوط ثم أمر به فدقت تمرته بين حجرين حتى صارت درة ثم قال للجلاد اجلد وارفع يدك واعط كل عضو حقه ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني ورواه اسحاق بن راهويه أخبرنا جرير ابن عبد الحميد عن يحيى بن عبد الله الجائز والترترة والمزمزة التحريك بعنف وإنما فعله لأن التحريك يظهر الرائحة


من المعدة التي كانت خفيت وكان ذلك مذهبه ويدل عليه ما في الصحيحين عن ابن مسعود قرأ سورة يوسف فقال رجل ما هكذا أنزلت فقال عبد الله والله لقد قرأتها على رسول الله فقال أحسنت فبينما هو يكلمه إذ وجد منه رائحة الخمر فقال أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب فضربه الحد وأخرج الدارقطني بسند صحيح عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب أنه ضرب رجلا وجد منه ريح الخمر وفي لفظ ريح شراب والحاصل أن حده عند وجود الريح عند عدم البينة والإقرار لا يستلزم اشتراط الرائحة مع أحدهما ثم هو مذهب لبعض منهم مالك وقول للشافعي ورواية عن أحمد والأصح عن الشافعي وأكثر أهل العلم نفيه وما ذكرنا عن عمر يعارض ما ذكر عنه أنه عزر من وجد منه الرائحة ويترجح لأنه أصح وإن قال ابن المنذر ثبت عن عمر أنه جلد من وجد منه ريح الخمر الحد تاما وقد استبعد بعض أهل العلم حديث ابن مسعود من جهة المعنى وهو أن الأصل في الحدود إذا جاء صاحبها مقرا أن يرد ويدرأ ما أستطيع فكيف يأمر ابن
مسعود بالمزمزة عند عدم الرائحة ليظهر الريح فيحده فإن صح فتأويله أنه كان رجلا مولعا بالشراب مدمنا فاستجاز ذلك فيه قال صاحب الهداية ولا حد على من وجد به ريح الخمر لأن الرائحة محتملة فلا تثبت مع الاحتمال ما يندرىء بالشهبات قال قال الشاعر يقولون لي انكه شربت مدامة فقلت لهم لا بل أكلت السفرجلا وانكه بوزن أمنع ونكه من بابه أي أظهر رائحة فمه وقال الآخر سفرجلة تحكي ثدي الفراهد لها عرف ذي فسق وصفرة زاهد
الفصل الأول


عن أنس أن النبي ضرب أي أمر بالضرب في الخمر أي في شاربها أو التقدير ضرب شارب الخمر لأجل شربها بالجريد وهو جمع جريدة وهي السعفة سميت بها لكونها مجردة عن الخوص وهو ورق النخل والنعال بكسر أوله جمع النعل وهو ما يلبس في الرجل والمعنى أنه ضربه ضربا من غير تعيين عدد وهذا مجمل بينته الرواية الآتية عنه أنه كان العدد أربعين ويحتمل أنه كان الضرب أولا من غير تعيين كما صرح به ابن الهمام لكنه دون الأربعين وقد يصل إلى الأربعين لما سيأتي في حديث السائب وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام ضرب رجلا بجريدتين أربعين فتصير ثمانين وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمرو مرفوعا من شرب نصيفة من خمر فاجلدوه ثمانين وهذه الأحاديث تدل على عدم التعيين وكان الرأي للإمام في التبيين مما يقارب الأربعين إلى تمام الثمانين على ما سيأتي برهانه وتمام بيانه وجلد لعل فيه تجريدا أي ضرب أبو بكر أربعين أي جلدة أو ضربة في شرح السنة اختلفوا في شارب الخمر فذهب قوم والشافعي إلى أن الحد أربعون جلدة وقوم إلى أنه ثمانون وروي أن عمر استشار عليا رضي الله تعالى عنهما فقال أرى أن يجلد ثمانين فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي وإذا هذى افترى أو كما قال فجلد عمر ثمانين قال وما زاد على الأربعين كان تعزيرا وللإمام أن يزيد في العقوبة إذا أدى إليه اجتهاده وروي أن عثمان


قال لعلي رضي الله تعالى عنهما في رجل شرب الخمر أقم عليه الحد قال علي للحسن أقم فقال الحسن ول حارها من تولى فارها فقال علي لعبد الله بن جعفر أقم عليه الحد قال فأخذ السوط فجلده وعلي كرم الله وجهه يعد فلما بلغ أربعين قال حسبك جلد النبي وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي وفي قول علي عند الأربعين حسبك دليل على أنه الأصل في الحدود وما وراء ذلك فهو تعزير ولو كان حدا لما كان لأحد فيه الخيار وقوله ول حارها أي ول العقوبة والضرب من تولى العمل والنفع والفار البارد وقال الأصمعي ول شديدها من تولى هينها قال الطيبي الضميران المؤنثان راجعان إلى الخلافة وهو تعريض بعثمان رضي الله عنه يعني ول مشاق الخلافة من تولى ملاذها فإن الحرارة والبرودة مثلان للمشقة واللذة قال التوربشتي وكل سنة أي كل واحدة من القضيتين مبناها على السنة فسمي كلتيهما سنة لأنهما أخذتا من السنة ويبين هذا المعنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين قال النووي قول علي كل سنة يدل على أن عليا كان معظما لآثار عمر وإن حكمه وقوله سنة وأمره حق وكذلك أبو بكر بخلاف ما يفتري الشيعة عليه اه وفيه أن عمر ما اختار الثمانين إلا بمشورة علي وإشارته وكان هذا عند عتو أهل الشرب بزيادة الفسق من الهذيان والقذف والضرب ونحوها في حال سكرهم فرأوا تضعيف الحد سياسة مناسبة لحالهم من سوء فعالهم وقبح مقالهم واستمر الحكم على ذلك ففي الهداية وحد الشرب والسكر أي من غيرها ثمانون سوطا وهو قول مالك وأحمد وفي رواية عن أحمد وهو قول الشافعي أربعون إلا أن الإمام لو رأى أن يجلده ثمانين جاز على الأصح واستدل صاحب الهداية على تعيين الثمانين بإجماع الصحابة والله تعالى أعلم متفق عليه وفي رواية عنه أي عن أنس أن النبي كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين وعن السائب بن يزيد قال كان يؤتى بالشارب على عهد رسول الله


وإمرة أبي بكر بكسر همز وسكون ميم أي إمارته وخلافته وصدرا من خلافة عمر أي شيئا من أول عهده فنقوم عليه أي على ضرب الشارب بأيدينا أي بكفوفنا نعالنا وأرديتنا ولعلهم كانوا يلوونها ويضربونه بها وأراد أنه من غير تعيين والظاهر أنه أقل من الأربعين لقوله حتى كان أي وجد ووقع آخر إمرة عمر وفي نسخة بالنصب أي كان الزمان آخر إمارة عمر فجلد أربعين أي على التعيين والتبيين حتى أي واستمر على ذلك حتى إذا عتوا أي أهل الشرب بأن أفسدوا بمقتضى فساد الزمان وانهمكوا في الطغيان وفسقوا أي خرجوا عن الحد وتجاوزوا في العصيان جلد ثمانين أي للسياسة وأجمع عليه الصحابة فلا يجوز لأحد المخالفة مع أن العتو هلم جرا في الزيادة رواه البخاري قال ابن الهمام وأخرج مسلم عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال ثم جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال ما ترون في جلد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف أرى أن يجعل ثمانين كأخف الحدود قال فجعله عمر ثمانين وفي الموطأ استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له علي بن أبي طالب نرى أن نجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون وعن مالك رواه الشافعي ولا مانع من كون كل من علي وعبد الرحمن بن عوف أشار بذلك فروي الحديث مقتصرا على هذا مرة وعلى هذا أخرى وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس أن الشرب كانوا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يضربون بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي وكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي إلى أن قال فقال عمر ماذا ترون فقال علي إذا شرب الخ وروى مسلم عن أنس قال أتي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو أربعين وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر فيمكن أن يكون المراد بجريدتين متعاقبتين


بأن انكسرت واحدة وأخذت أخرى وإلا فهي ثمانون فيكون مما رأى عليه الصلاة والسلام في ذلك الرجل وقول الراوي بعد ذلك فلما كان عمر استشار الخ لا ينافي ذلك فإن حاصله أنه استشار فوقع الاختيار على تقدير الثمانين التي انتهى عليها فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا أن قوله وفعله أبو بكر يبعده وإلا لزم أن أبا بكر جلد ثمانين وما تقدم مما يفيدان عمر هو الذي جلد الثمانين بخلاف أبي بكر والله تعالى أعلم وقد أخرج البخاري ومسلم عن علي قال ما كنت أقيم على أحد حدا فيموت فيه فأجد منه في نفسي إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يسنه والمراد لم يسن فيه عددا معينا وإلا فمعلوم قطعا أنه أمر بضربه فهذه الأحاديث تفيد أنه لم يكن مقدرا في زمنه عليه الصلاة والسلام بعدد معين ثم قدره أبو بكر وعمر بأربعين ثم اتفقوا على ثمانين وإنما جاز لهم أن يجمعوا على تعيينه والحكم المعلوم منه عليه الصلاة والسلام عدم تعيينهم لعلمهم بأنه عليه الصلاة والسلام
انتهى إلى هذه الغاية في ذلك الرجل لزيادة فساد فيه ثم رأوا أهل الزمان تغيروا إلى نحوه أو أكثر على ما تقدم من قول السائب حتى عتوا وفسقوا وعلموا أن الزمان كلما تأخر كان فساد أهله أكثر فكان ما أجمعوا عليه هو ما كان حكمه عليه الصلاة والسلام في أمثالهم وأما ما روي من جلد علي أربعين بعد عمر فلم يصح وذلك ما في السنن من حديث معاوية بن حصين بن المنذر الرقاشي قال شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ورجل آخر فشهد أنه رآه شربها وشهد الآخر أنه رآه يتقاياها فقال عثمان إنه لم يتقيأها حتى شربها فقال لعلي أقم عليه الحد الحديث
الفصل الثاني


عن جابر عن النبي قال من وفي نسخة صحيحة أن من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه المراد الضرب الشديد أو الأمر للوعيد فإنه لم يذهب أحد قديما وحديثا أن شارب الخمر يقتل وقيل كان ذلك في ابتداء الإسلام ثم نسخ قال أي جابر ثم أتي النبي بعد ذلك أي جيء بعد هذا الحديث برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله فثبت بهذا أن القتل بشرب الخمر في الرابعة منسوخ وقال الطيبي هذا قرينة ناهضة على أن قوله فاقتلوه مجاز عن الضرب المبرح مبالغة لما عتا وتمرد ولا يبعد أن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ جلد ثمانين من هذا المعنى قال الخطابي قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل وإنما يقصد به الردع والتحذير كقوله من قتل عبده قتلناه وهو لو قتل عبد نفسه لم يقتل به في قول عامة الفقهاء وقال أبو عيسى إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ قال النووي اجمع المسلمون على تحريم شرب الخمر وعلى وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلا أو كثيرا وعلى أنه لا يقتل وإن تكرر ذلك منه وحكى القاضي عياض عن طائفة شاذة أنهم قالوا يقتل بعد جلده أربع مرات لهذا الحديث وهو باطل مخالف للإجماع والحديث منسوخ قيل نسخه قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل


دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث الحديث وحد العبد على نصف حد الحر كما في الزنا والقذف واختلفوا فيمن شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة فقال مالك والشافعي والجمهور هو حرام يجلد فيه كجلد شارب الخمر سواء كان يعتقد إباحته أو تحريمه وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يحرم ولا يحد وقال أبو ثور هو حرام يجلد بشربه من يعتقد تحريمه دون إباحته اه وسيأتي تحقيق هذه المسألة وما يتعلق بها من الأدلة إن شاء الله تعالى رواه الترمذي أي عن جابر ورواه أبو داود عن قبيصة بفتح فكسر ابن ذؤيب تصغير ذئب تقدم ترجمته وقال المصنف اختلف في صحبته وفي أخرى لهما أي في رواية أخرى للترمذي وأبي داود وللنسائي وابن ماجه والدارمي عن نفر أي جماعة آخرين من أصحاب رسول الله منهم ابن عمر ومعاوية وأبو هريرة والشريد إلى قوله فاقتلوه قال ابن الهمام الأصل في ثبوت حد الشرب قوله عليه الصلاة والسلام من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه إلى أن قال فإن عاد إلى الرابعة فاقتلوه أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي من حديث معاوية فإنه روى من حديث أبي هريرة إذا سكر فاجلدوه ثم إن سكر الخ قال الترمذي سمعت محمد بن إسماعيل يقول حديث أبي صالح عن معاوية أصح من حديث أبي صالح عن أبي هريرة وصححه الذهبي ورواه الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه والنسائي في سننه الكبرى ثم نسخ القتل بما أخرجه النسائي في سننه الكبرى عن محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا من شرب الخمر فاجلدوه الخ قال ثم أتي النبي برجل قد شرب الخمر في الرابعة فجلده ولم يقتله وزاد في لفظ ورأى المسلمون أن الحد قد وقع وأن القتل قد ارتفع ورواه البزار في مسنده عن أبي إسحاق به أنه عليه الصلاة والسلام أتي بالنعمان قد شرب الخمر ثلاثا فأمر به فضرب فلما كان في الرابعة أمر به فجلد فكان نسخا وروى أبو


داود في سننه قال ثنا أحمد بن عبدة الضبي ثنا سفيان قال ثنا الزهري أنا قبيصة بن ذؤيب إن النبي قال من شرب الخمر فاجلدوه وإن عاد فاجلدوه وإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به فجلده فرفع القتل فكان رخصة قال سفيان حدث الزهري بهذا الحديث وعنده منصور بن المعتمر ومخول بن راشد فقال لهما كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث اه وقبيصة في صحبته خلاف وإثبات النسخ بهذا أحسن مما أثبته به صاحب الهداية من قوله لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث الحديث فإنه موقوف على ثبوت التاريخ نعم يمكن أن يوجه بالنسخ الاجتهادي أي تعارضا في القتل فرجح النافي له فيلزم الحكم بنسخة فإن هذا لازم في كل ترجيح عند التعارض وعن عبد الرحمن بن الأزهر أي القرشي وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف شهد حنينا روى عنه ابنه عبد الحميد وغيره مات بالحرة ذكره المؤلف في الصحابة قال كأني انظر إلى رسول الله أي الآن إذا أتي برجل أي في ماضي الزمان وفائدته بيان استحضار القصة كالعيان قد شرب الخمر فقال للناس اضربوه فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم من ضربه بالعصا أي بجنسها وهي بالألف في الأصول ولو وجدت مرسومة بالياء فكان بكسرتين وتشديد الياء جمع العصا ومنهم من ضربه بالميتخة بكسر ميم وسكون تحتية وفتح الفوقية والخاء المعجمة على وزن الملعقة هكذا في الأصول فقط وهي العصا الخفيفة وقيل هي الدرة بكسر دال مهملة وتشديد راء وروي على غير هذه الرواية كذا ذكره بعض الشراح من علمائنا وفي القاموس المتيخة كسكينة العصا والمطرق الدقيق وفي النهاية اختلف في ضبطها فقيل هي بكسر الميم وتشديد التاء وبفتح الميم مع تشديد التاء وبفتح الميم مع التشديد وبكسر الميم وسكون الياء الساكنة بعد التاء قال الأزهري وهذه كلها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون وقيل هو اسم للعصا وقيل للقضيب الدقيق اللين وقيل كل ما ضرب به


من جريد أو عصا أو درة وغير ذلك وأصلها فيما قيل من تنخ الله رقيته بالسهم إذا ضربه وقيل من ينجه العذاب وطبخه إذا أتاح عليه فأبدلت التاء من الطاء ومنه الحديث أنه خرج وفي يده متيخة في طرفها خوص معتمدا على ثابت بن قيس قال ابن وهب أي أحد رواة الحديث يعني أي يريد عبد الرحمن بالميتخة الجريدة الرطبة والجملة معترضة مفسرة قال عبد الرحمن ثم أخذ رسول الله ترابا من الأرض فرمى به الباء للتعدية أي
فرماه في وجهه أي في جانبه وجهته ولعله تكرر منه هذا الفعل حتى استحق زيادة عقوبته وقال الطيبي رمى به إرغاما له واستهجانا لما ارتكبه فإنه أزال أشرف الأشياء ومقر تكاليف الله ومعرفته بأبخس الأشياء وأخبثها اه ولو قال بأبخس الأشياء وأنجسها لكان تجنيسا رواه أبو داود وعن أبي هريرة قال إن رسول الله أتي برجل قد شرب أي الخمر كما في نسخة فقال اضربوه فمنا الضارب بيده أي بكفه والضارب بثوبه أي بردائه الملوي والضارب بنعله أي منا هذه الأصناف ثم قال بكتوه بتشديد الكاف من التبكيت وهو التوبيخ والتعيير باللسان والظاهر إن هذا الأمر للاستحباب بخلاف الأول فإنه للإيجاب فاقبلوا عليه بفتح الهمزة والموحدة ماض من الإقبال أي توجهوا إليه يقولون ما اتقيت الله أي مخالفته ما خشيت الله أي ما لاحظت عظمته أو ما خفت عقوبته وما استحيت من رسول الله أي من ترك متابعته أو من مواجهته ومقابلته فقال بعض القوم أخزاك الله وهو دعاء بالخزي والفضيحة يوم القيامة وقد قال تعالى يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه التحريم ولما لم يكن كلامه نصيحة بل آل إلى فضيحة قال أي نبي الرحمة وكاشف الغمة لا تقولوا خطاب شامل له ولغيره أو عدل عنه غضبا عليه لا تقولوا هكذا أي مثل أخزاك الله أي مما يضره بل قولوا كما سبق مما ينفعه لا تعينوا عليه الشيطان قال القاضي أي بنحو هذا الدعاء فإنه إذا أخزاه الرحمن غلب عليه الشيطان أو لأنه إذا سمع ذلك آيس من رحمة الله وانهمك


في المعاصي أو حمله اللجاج والغضب على الإصرار فيصير الدعاء وصلة ومعونة في إغوائه وتسويله ولكن قولوا أي أولا أو الآن وهو الظاهر لأن المطلوب في الأول هو التبكيت وهو غير ملائم لقوله اللهم اغفر له أي بمحو المعصية اللهم ارحمه أي بتوفيق الطاعة أو اغفر له في الدنيا وارحمه في العقبى رواه أبو داود وعن ابن عباس قال شرب رجل فسكر بكسر العين فلقي بصيغة المجهول
أي رئي يميل حال من السكن في لقي أي مائلا في الفج بفتح الفاء وتشديد الجيم أي الطريق الواسع بين الجبلين فانطلق به بصيغة المفعول أي فأخذ وأريد أن يذهب به إلى رسول الله فلما حاذى أي قابل دار العباس انفلت أي تخلص وفر فدخل على العباس فالتزمه أي التجأ الشارب إليه وتمسك به أو اعتنقه متشفعا لديه قال التوربشتي أرى أن ذلك بمكة لأن دار العباس بها واقعة في أحد شعابها إذ ليست الدار التي تنسب إلى العباس بالمدينة في فج من الفجاج ولا مقاربة منه وقال الطيبي يمكن أن يستعار للزقاق الواسع الفج فيكون بالمدينة اه وفيه إن لقيه مائلا في الفج ثم انطلاقه ووصوله إلى محاذاة دار العباس لا يلزم منه كون دار العباس في الفج أو مقاربة له فذكر ذلك بالبناء للمجهول أي فحكي ما ذكر للنبي فضحك وقال أفعلها بهمزة الاستفهام التعجبي قال الطيبي الضمير للمذكور أن من الانفلات والدخول والالتزام ويجوز أن يكون للمصدر أي أفعل الفعلة كما في قوله واجعله الوارث منا فالفعل حينئذ بمنزلة اللازم ولم يأمر فيه بشيء قال الخطابي هذا دليل على أن حد الخمر أخف الحدود وأن الخطر فيه أيسر منه في سائر الفواحش ويحتمل أن يكون إنما لم يعرض له بعد دخوله دار العباس من أجل أنه لم يكن ثبت عليه الحد بإقرار منه أو شهادة عدول وإنما لقي في الطريق يميل فظن به السكر فلم يكشف عنه رسول الله وتركه على ذلك رواه أبو داود
الفصل الثالث


عن عمير بالتصغير ابن سعيد بالياء النخعي بفتحتين لم يذكره المؤلف في أسمائه قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول ما كنت لأقيم بكسر اللام ونصب الميم وتسمى لام الجحود على أحد حدا قال الطيبي دخل اللام في خبر كان تأكيدا
كقوله تعالى وما كان الله ليضيع أيمانكم البقرة وقوله فيموت مسبب من أقيم وقوله فاجد مسبب من مجموع السبب والمسبب اه وفي نسخة بالرفع فيهما بتقديره هو في الأول وأنا في الثاني بعد فائهما والمعنى فأصادف في نفسي منه أي من ذلك الحد أو المحدود شيئا أي مما يريبني ويزعجني إلا صاحب الخمر فإنه لو مات أي بسبب الزيادة على الأربعين كما هو الظاهر مما سبق وديته أي غرمت ديته قال الطيبي الاستثناء منقطع أي لكن أجد من حد صاحب الخمر إذا مات شيئا ويجوز أن يقدر ما أجد من موت أحد يقام عليه الحد شيئا إلا من موت صاحب الخمر فيكون متصلا وذلك أي مجموع ما ذكر أو الوجدان أو الاستثناء إن أي بأن أو لأن رسول الله لم يسنه بفتح فضم فنون مشددة مفتوحة لا غير أي لم يقدر فيه حدا مضبوطا معينا وإلا فمعلوم أنه أمر بضربه قال النووي أجمعوا على أن من وجب عليه حد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلا دية فيه ولا كفارة على الإمام ولا على جلاده ولا في بيت المال وأما من مات بالتعزير فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة قال ابن الهمام ومن حده الإمام أو عزره فمات فدمه هدر وهو قول مالك وأحمد وقال الشافعي يضمن ثم في قول تجب الدية في بيت المال لأن نفع عمله يرجع إلى عامة المسلمين فيكون الغرم الذي يلحقه بسبب عمله لهم عليهم وفي قوله يجب على عاقلة الإمام لأن أصل التعزير غير واجب عليه ولو وجب فالضرب غير متعين في التعزير فيكون فعله مباحا فيتقيد بشرط السلامة ولم يسلم فتجب على عاقلته وهذا يخص التعزير ونحن نقول إن الإمام مأمور بالحد والتعزير عند ظهور الانزجار له في التعزير لحق الله تعالى وفعل المأمور لا يتقيد بشرط


السلامة كما في الفصاد ولأنه لا بد من الفعل وإلا عوقب والسلامة خارجة عن وسعه إذ الذي في وسعه أن لا يتعرض بسببها القريب وهو ما بين أن يبالغ في التخفيف فلا يسقط الوجوب عنه به أو بفعل ما يقع زاجرا وهو ما هو مؤلم زاجر وقد يتفق أن يموت الإنسان به فلا يتصور الأمر بالضرب المؤلم الزاجر مع اشتراط السلامة عليه بخلاف المباحات فإنها رفع الجناح في الفعل وإطلاقه وهو مخير فيه بعد ذلك غير ملزم به فصح تقييده بشرط السلامة كالمرور في الطريق والاصطياد ولهذا يضمن إذا عزر امرأته فماتت لأنه مباح ومنفعته ترجع إليه كما ترجع إلى المرأة من وجه آخر وهو استقامتها على ما أمر الله به وذكر الحاكم لا يضرب امرأته على ترك الصلاة ويضرب ابنه وكذا المعلم إذا أدب الصبي فمات منه يضمن عندنا والشافعي أما لو جامع امرأته فماتت لا يضمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف ذكره في المحيط مع أنه مباح فيتقيد بشرط السلامة لأنه يضمن المهر بذلك الجماع فلو وجبت الدية وجب ضمانان بمضمون واحد وقال الطيبي يمكن أن يراد بقوله لم يسنه الحد الذي يؤدي إلى التعزير كما سيأتي


بعد وسيق بيانه في حديث أنس ومشاورة عمر عليا وحديث عثمان معه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وقوله حسبك وتلخيص المعنى أنه إنما خاف من سنة سنها عمر وقررها برأي علي لا مما سنه رسول الله من جلد أربعين وقد استدل عليه الشيخ محيي الدين بدلائل على إثباته وروينا في شرح السنة أن عليا قال لجعفر لما بلغ أربعين حسبك جلد النبي أربعين وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي وقد أورده الشيخ محيي الدين أيضا في شرح صحيح مسلم فإن قلت كيف قال إن الثمانين أحب إلي ثم أخاف منه قلت إن المحبة والخوف يتفاوت بحسب الأشخاص والأوقات اه وفيه أن الظاهر من قوله هذا أحب إلي إن المشار إليه عدد الأربعين بقرينة قوله حسبك لا عدد الثمانين وإن كان أقرب بحسب اللفظ ويقويه أنه لا خوف في الأقل المتيقن والله تعالى أعلم متفق عليه وعن ثور باسم الحيوان المعروف كذا في التقريب ابن زيد الديلمي بفتح الدال نسبة إلى ديلم جيل معروف من الناس كذا في المعنى وفي نسخة صحيحة الديلي بغير الميم واختلف في ضبطه والصحيح أنه بكسر المهملة بعدها تحية ساكنة مدني ثقة كذا في التقريب والمغني والأنساب لكن الأخير عبر عنه بابن أبي زيد وكذا في المشارق لعياض قال وهو منسوب إلى بني الديل وفي ميزان الاعتدال ثور بن زيد الديلمي شيخ مالك ثقة اتهمه محمد بن البرقي بالقدر وكأنه شبه عليه بثور بن يزيد وثقه ابن معين وقال أحمد صالح الحديث وروى عنه يحيى بن أبي كثير وقال البيهقي مجهول اه ولم يذكره المؤلف ولعله اشتبه عليه بثور بن يزيد الكلاعي الشامي الحمصي سمع خالد بن معدان روى عنه الثوري ويحيى بن سعيد مات سنة خمس وخمسين ومائة له ذكر في الملاحم وفي نسخة عفيف الدين ضبط بضم الدال مع كسرها وفتح الهمزة قال إن عمر استشار أي الصحابة في حد الخمر أي في أنه هل يضرب شاربها أزيد من أربعين إلى الثمانين لعتو المفسدين وعدم ضبط الدين سياسة لهم وزجرا عن فعلهم حيث ما


انتهوا عن الحد الأيسر فقال علي أرى بفتح الهمزة من الرأي وفي نسخة بضمها أي أظن خيرا إن تجلده ثمانين جلدة فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى أي تكلم بالهذيان وإذا هذى أي وعتا وتعدى كما في هذا الزمان افترى أي قذف على الرجال والنسوان فيستحق الثمانين والحكم للأغلب أو لوجود السبب كما حقق في الناقض للوضوء حكما قال الطيبي جعل سبب السبب سببا وأجرى على الأول ما على الأخير فحد شارب الخمر حد القاذف تغليظا وذلك لعتوه
وتماديه في الفساد كما سبق وما هذا شأنه يكون مبنيا على الاجتهاد فجلد عمر في حد الخمر ثمانين رواه مالك


باب ما لا يدعى على المحدود
وفي نسخة بتنوين باب وحذف ما والمقصود بالمحدود المضروب في الحد
الفصل الأول
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا اسمه عبد الله يلقب حمارا كان يضحك النبي أي يتسبب بالمطايبة لضحكه وكان النبي قد جلده أي مرة في الشراب أي في شربه وفي نسخة في الشرب فأتي به يوما أي أخذ فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه أي أبعده عن رحمتك ما أكثر ما يؤتى به ما الأولى تعجبية والثانية مصدرية أي ما أكثر إتيانه كقولك ما أحسن زيدا فقال النبي لا تلعنوه نظيره مر فتذكر فوالله ما علمت بضم التاء أنه بفتح الهمزة فما مبتدأ خبره أنه أي الذي علمت منه أنه أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي علمت أنه وإن مع اسمه وخبره سد مسد مفعولي علمت والجملة جواب القسم وفي مطالع الأنوار معناه فوالله الذي علمته أنه قال الطيبي فعلى هذا علم بمعنى عرف وأنه خبر الموصول أو مصدرية أي علمي به أنه يحب الله ورسوله وقيل ما زائدة أي والله لقد علمت منه ذلك لكنه قد يصدر منه الزلة وقيل ما نافية والتاء على الخطاب أي أما علمت على طريق التقرير قال الطيبي ويصح حينئذ كسر إنه وفتحها والكسر على جواب القسم وفي رواية شرح السنة إلا أنه
وهو ظاهر وفي الحديث أنه لا يجوز لعن المذنب بخصوصه وإن محبة الله ومحبة رسوله موجبتان للزلفى من الله والقربى منه فلا يجوز لعنه لأنه طرد من رحمته رواه البخاري وعن أبي هريرة قال أتي النبي برجل قد شرب فقال اضربوه فمنا الضارب بيده والضارب بنلعه والضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله قال لا تقولوا هكذا ألا تعينوا عليه الشيطان رواه البخاري
الفصل الثاني


عن أبي هريرة قال جاء الأسلمي أي ماعز إلى نبي الله فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أي بطريق الزنا أربع مرات أي أربع شهادات في أربعة مجالس كل ذلك بالنصب ظرف لقوله يعرض عنه أي في كل مرة من المرات الأربع يعرض النبي عن الأسلمي درأ للحد فأقبل في الخامسة فقال أنكتها بكسر النون أي أجامعتها قال نعم قال حتى غاب ذلك منك إشارة إلى آلة الرجل وهي الذكر في ذلك منها إشارة إلى آلة المرأة وهي الفرج قال نعم قال كما يغيب المرود بكسر الميم أي الميل في المكحلة بضمتين والرشاء بالرفع عطفا على المرود وهو بكسر الراء والمد أي الحبل في البئر بالهمز ويبدل ولعل المثال الأول كناية عن البكر والثاني عن الثيب فقال نعم قال هل تدري ما الزنا قال نعم أتيت منها أي من المرأة المزنية


حراما ما يأتي الرجل من أهله أي امرأته أو جاريته حلالا قال فما تريد بهذا القول قال أريد أن تطهرني أي مما وقع لي من عمل الرجس قال الطيبي كل ذلك تعلل وسوق للمعلوم مساق المجهول لعله يرجع من شهادته تلك إيذانا بأن حق الله تعالى على المساهلة وعلى أن للإمام أن يعرض عن المحدود بإنكار موجبه فأمر به فرجم فسمع نبي الله رجلين من أصحابه أي من أصحاب النبي أو أصحاب ماعز يقول أحدهما لصاحبه أي للآخر أنظر أي نظر تعجب وإنكار إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه أي لم تتركه حتى رجم ماض مجهول رجم الكلب مفعول مطلق فسكت عنهما أي حينئذ لحكمة اقتضته ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل أي رافع برجله أي من شدة الانتفاخ بالموت فقال أين فلان وفلان كنايتان عن المغتابين فقالا نحن ذان يا رسول الله أي حاضران فقال انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار فقالا يا نبي الله من يأكل من هذا قال فما نلتما بكسر أوله أي فما أصبتما قال المظهر ما الموصولة مع صلتها مبتدأ أو أشد خبره والعائد محذوف أي ما نلتماه من عرض أخيكما أي من تناوله آنفا بالمد ويقصر أي قبيل هذه الساعة أشد أي أكثر قبحا من أكل منه أي من الحمار لأن أكله حلال حال الاضطرار في حال الاختيار معصية قاصرة بخلاف الغيبة لا سيما غيبة النفس الطاهرة والذي نفسي بيده أنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها فيه دلالة على حقية عذاب القبر ونعيمه رواه أبو داود وكذا النسائي وعن خزيمة بالتصغير ابن ثابت قال قال رسول الله من أصاب ذنبا أقيم أي من فعل ذنبا يوجب حدا أو من صفته أنه أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو أي الحد كفارته أي يكفر ذلك الذنب أو مصيبة وهو المذنب قال ابن حجر في شرح الأربعين إقامة الحد بمجرده كفارة كما صرح به حديث مسلم أي بالنسبة إلى ذات الذنب


أما بالنسبة إلى ترك التوبة منه فلا يكفرها الحد لأنها معصية أخرى وعليه يحمل قول جمع إن إقامته ليست كفارة بل لا بد من التوبة رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بإسناده وفي الجامع الصغير من أصاب ذنبا فأقيم عليه الحديث رواه أحمد والضياء وعن علي رضي الله عنه عن النبي قال من أصاب حدا أي ذنبا يوجب حدا فأقيم المسبب مقام السبب ويجوز أن يراد بالحد المحرم من قوله تلك حدود الله فلا تعتدوها البقرة أي تلك محارمه ذكره الطيبي فعجل بصيغة المجهول أي فقدم عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني بتشديد النون أي يكرر على عبده العقوبة في الآخرة ومن أصاب حد فستره الله عليه بأن تاب عن الذنب والجمهور على أن ستر العبد على نفسه وتوبته فيما بينه وبين الله أولى من الإظهار وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب ورواه الحاكم في مستدركه


باب التعزير
في المغرب التعزير تأديب دون الحد وأصله من العزر بمعنى الرد والردع قال ابن الهمام وهو مشروع بالكتاب قال تعالى واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا النساء أمر بضرب الزوجات تأديبا وتهذيبا وفي الكافي قال عليه الصلاة والسلام لا ترفع عصاك عن أهلك وروي أنه عليه الصلاة والسلام عزر رجلا قال لغيره يا مخنث وفي المحيط روي عنه عليه الصلاة والسلام قال رحم الله امرأ علق سوطه حيث يراه أهله وأقوى هذه الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام فاضربوهم على تركها بعشر في الصبيان فهذا دليل شرعية التعزير وأجمع عليه الصحابة وذكر التمرتاشي عن السرخسي أنه ليس فيه


شيء مقدر بل مفوض إلى رأي القاضي لأن المقصود منه الزجر وأحوال الناس مختلفة فيه فمنهم من يزجر بالنصيحة ومنهم من يحتاج إلى اللطمة وإلى الضرب ومنهم من يحتاج إلى الحبس وسئل أبو جعفر الهندواني عمن وجد رجلا مع امرأة أيحل له قتله قال إن كان يعلم أنه ينزجر عن الزنا بالصياح والضرب بما دون السلاح لا يقتله وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالقتل حل له قتله وإن طاوعته المرأة حل قتلها أيضا وهذا تنصيص على أن الضرب تعزير يملكه الإنسان وإن لم يكن محتسبا وصرح في المنتقى بذلك وهذا لأنه من باب إزالة المنكر باليد والشارع ولي كل أحد ذلك حيث قال من رأى منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه الحديث بخلاف الحدود لم يثبت توليتها إلا للولاة ثم التعزير فيما شرع فيه التعزير إذا رآه الإمام واجب وهو قول مالك وأحمد وعند الشافعي ليس بواجب لما أن رجلا جاء إلى النبي فقال إني رأيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها فقال رسول الله أصليت معنا قال نعم فتلا عليه إن الحسنات يذهبن السيئات وقال في الأنصار أقيلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم وقال رجل للنبي في الحكم الذي حكم به للزبير في سقي أرضه فلم يوافق غرضه إن كان ابن عمتك فغضب فلم يعزره ولنا إن ما كان منصوصا عليه من التعزير كما في وطء جارية امرأته أو جارية مشتركة يجب امتثال الأمر فيه وما لم يكن منصوصا عليه إذا رأى الإمام بعد مجانبة هوى نفسه المصلحة لو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب لأنه زاجر مشروع لحق الله تعالى فوجب كالحد وما علم أنه ينزجر بدونه لا يجب وهو محمل حديث الذي ذكر للنبي ما أصاب من المرأة فإنه لم يذكره النبي إلا وهو نادم منزجر لأن ذكره له ليس إلا للاستعلام بموجبه ليفعل معه وأما حديث الزبير فالتعزير لحق آدمي وهو النبي ويجوز له تركه
الفصل الأول
عن أبي بردة بضم الموحدة واسمه هانىء بالهمز ابن نيار بكسر نونه فتحتية


مخففة في آخره راء قال المؤلف شهد العقبة الثانية مع السبعين وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد وهو خال البراء بن عازب ولا عقب له مات في أول زمن معاوية بعد شهوده مع علي حروبه كلها روى عنه البراء وجابر عن النبي قال لا يجلد فوق عشر جلدات وفي الجامع الصغير فوق عشرة أسواط جمع جلدة بمعنى ضربة إلا في حد من حدود الله متفق عليه ورواه أحمد والأربعة في شرح مسلم للنووي قال أصحابنا هذا الحديث منسوخ واستدلوا بأن الصحابة جاوزوا عشرة أسواط وقال أصحاب مالك إنه كان ذلك مختصا بزمن النبي وهو ضعيف وقال جمهور أصحابنا لا يبلغ تعزير كل إنسان أدنى الحدود كالشرب فلا يبلغ تعزير العبد عشرين ولا تعزير الحر أربعين وقال أحمد بن حنبل وأشهب المالكي وبعض أصحابنا لا تجوز الزيادة على عشرة وقال مالك وأصحابه وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور والطحاوي رحمهم الله لا ضبط لعدد الضربات بل ذلك إلى رأي الإمام فله أن يزيد على قدر الحدود في شرح السنة مذهب أكثر الفقهاء إن التعزير أدب يقصر عنه مبلغ أقل الحدود لأن الجناية الموجبة للتعزير قاصرة عما يوجب الحد كما أن الحكومة الواجبة بالجناية على العضو وإن قبح شينها تكون قاصرة عن كمال دية ذلك العضو قال ابن الهمام والتعزير أكثره تسعة وثلاثون سوطا عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف يبلغ به خمس وسبعون سوطا والأصل في نقصه عن الحدود قوله عليه الصلاة والسلام من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين ذكر البيهقي أن المحفوظ أنه مرسل وأخرجه عن خالد بن الوليد عن النعمان بن بشير ورواه ابن ناجية في فوائده ثنا محمد بن حصين الأصبحي ثنا عمر بن علي المقدمي ثنا مسعر عن خالد بن الوليد عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله من بلغ الحديث ورواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار مرسلا وقال أخبرنا مسعر بن كدام أخبرني أبو الوليد بن عثمان عن الضحاك بن مزاحم قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من بلغ الحديث والمرسل


عندنا حجة موجبة للعمل وعند أكثر أهل العلم وأبو يوسف قلد عليا كرم الله وجهه فيه لكن قال أهل الحديث أنه غريب ونقله البغوي في شرح السنة عن ابن أبي ليلى وبقولنا قال الشافعي في الحر وقال في العبد تسعة عشر لأن حد العبد عنده عشرون وفي الأحرار أربعون وقال مالك لا حد لأكثره فيجوز للإمام أن يزيد في التعزير في الحد إذا رأى المصلحة في ذلك مجانبا لهوى النفس لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتما على نقش خاتم بيت المال ثم جاء به لصاحب بيت المال فأخذ منه مالا فبلغ عمر ذلك فضربه مائة وحبسه فكلم فيه فضربه مائة أخرى فكلم فيه فضربه مائة فنفاه وروى الإمام أحمد بإسناده إن عليا أتي بالنجاشي الشاعر قد شرب خمرا في رمضان


فضربه ثمانين للشرب وعشرين سوطا لفطره في رمضان وأما الحديث المذكور ولأن العقوبة على قدر الجناية فلا يجوز أن يبلغ بما هو أهون من الزنا فوق ما فرض بالزنا وحديث معن يحتمل أن له ذنوبا كثيرة أو كان ذنبه يشمل كثيرا منها كتزوير أخذه من بيت المال بغير حقه وفتحه باب هذه الحيلة لغيره ممن كانت نفسه عارية عن استشرافها وحديث النجاشي ظاهر أن لا احتجاج فيه فإنه نص على أن ضربه العشرين فوق الثمانين لفطره في رمضان وقد نصت على أنه لهذا المعنى أيضا للرواية الأخرى القائلة إن عليا أتي بالنجاشي الشاعر وقد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين ثم ضربه من الغد عشرين وقال ضربناك العشرين بجراءتك على الله تعالى وإفطارك في رمضان فإن الزيادة في التعزير على الحد ليس في هذا الحديث وعن أحمد لا يزاد على عشرة أسواط وعليه حمل بعض أصحاب الشافعي مذهب الشافعي لما اشتهر عنه من قوله إذا صح الحديث فهو مذهبي وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بردة أنه قال لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله وأجاب أصحابنا عنه وبعض الثقات بأنه منسوخ بدليل عمل الصحابة بخلافه من غير إنكار أحد وكتب عمر إلى أبي موسى أن لا تبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطا ويروى ثلاثين إلى الأربعين وبما ذكرنا من تقدير أكثره تسعة وثلاثين يعرف أن ما ذكر فيما تقدم من أنه ليس في التعزير شيء مقدر بل مفوض إلى رأي الإمام أي من أنواعه فإنه يكون بالضرب وغيره مما تقدم ذكره إما إن اقتضى رأيه الضرب في خصوص الواقعة فإنه حينئذ لا يزيد على التسعة والثلاثين قال ولا حد لأقله والله تعالى أعلم
الفصل الثاني


عن أبي هريرة عن النبي قال إذا ضرب أحدكم أي أحدا في حد أو تعزير فليتق الوجه أي فليجتنب من ضرب وجهه وقد سبق تعليله بقوله فإن الله خلق آدم على صورته وتقدم ما يتعلق بحكمه رواه أبو داود وروى الترمذي عن أبي سعيد مرفوعا إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله فارفعوا أيديكم أي عن ضربه
وعن ابن عباس عن النبي إذا قال الرجل للرجل أي المسلم يا يهودي وفي معناه يا نصراني ويا كافر فاضربوه عشرين أي سوطا وإذا قال يا مخنث بفتح النون المشددة ويكسر فاضربوه عشرين قال الطيبي قوله يا يهودي فيه تورية وإيهام لأنه يحتمل أن يراد به الكفر والذلة لأن اليهود مثل في الصغار والحمل على الثاني أرجح للدرء في الحدود وعلى هذا المخنث اه وفيه بحث ظاهر قال ابن الهمام ومن قذف عبدا أو أمة أو أم ولد أو كافرا بالزنا عزر بالإجماع إلا على قول داود في العبد فإنه يحد به وإنما عزر به لأن هذا الكلام جناية قذف وقد امتنع وجوب الحد على القاذف لفقد الإحصان فوجب التعزير وكذا إذا قذف مسلما بغير الزنا فقال يا فاسق أو يا كافر أو يا خبيث أو يا سارق ومثله يا لص يا فاجر أو يا زنديق أو يا مقبوح يا ابن القحبة يا قرطبان يا من يعمل عمل قوم لوط أو يا لوطي أو قال أنت تلعب بالصبيان يا آكل الربا يا شارب الخمر يا ديوث يا مخنث يا خائن يا مأوي الزواني يا مأوي اللصوص يا منافق يا يهودي عزر هكذا مطلقا في فتاوى قاضيخان وذكره الناطقي وقيده بما إذا قال لرجل صالح أما لو قال لفاسق يا فاسق أو للص يا لص أو للفاجر يا فاجر لا شيء عليه والتعليل يفيد ذلك وهو قولنا أنه آذاه بما ألحق به من الشين فإن ذلك إنما يكون فيمن لم يعلم اتصافه بهذه أما لو علم فإن الشين قد ألحقه هو بنفسه قبل قول القائل ثم في كل ما قذفه بغير الزنا من المعاصي فالرأي إلى الإمام ولو قال يا حمار أو يا خنزير لم يعزر لأنه لم ينسبه إلى شين معصية ولم يتعلق به شين أصلا بل إنما ألحق الشين بنفسه حيث كان كذبه


ظاهرا ومثله يا بقر يا ثور يا حية يا تيس يا قرد يا ذئب ويا ولد حرام يا كلب لم يعزر وعدم التعذير في الكلب والخنزير ونحوهما هو ظاهر الرواية عن علمائنا الثلاثة واختار الهندواني أنه يعزر به وهو قول الأئمة الثلاثة لأن هذه الألفاظ تذكر للشتيمة في عرفنا وصاحب الهداية استحسن التعزير إذا كان المخاطب من الأشراف فتحصلت ثلاثة ثم الأولى للإنسان فيما إذا قيل له ما يوجب التعزير لا يجيبه قالوا ولو قال له يا خبيث الأحسن أن يكف عنه ولو رفع إلى القاضي ليؤدبه يجوز ولو أجاب مع هذا فقال بل أنت لا بأس وإذا أساء العبد حل لمولاه تأديبه وكذا الزوجة وبائع الخمر وآكل الربا يعزر ويحبس وكذا المغني والمخنث والنائحة يعزرون ويحبسون حتى يحدثوا توبة وكذا المسلم إذا شتم الذمي يعزر لأنه ارتكب معصية وكذا من قبل أجنبية أو عانقها أو مسها بشهوة والله تعالى أعلم ومن وقع على ذات محرم أي بالجماع متعمدا فاقتلوه قيل إنه محمول على المستحل لذلك وقال المظهر حكم أحمد بظاهر الحديث
وقال غيره هذا زجر وإلا حكمه حكم سائر الزناة يرجم إن كان محصنا ويجلد إن لم يكن محصنا رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله قال إذا وجدتم الرجل قد غل أي خان في سبيل الله بأن سرق من مال الغنيمة قبل القسمة فاحرقوا متاعه واضربوه قال التوربشتي إحراق المتاع كان في أول الأمر بالمدينة ثم نسخ قال الخطابي أما تأديبه عقوبة في نفسه على سوء فعله فلا أعلم من أهل العلم فيه خلافا وأما عقوبته في ماله فقد اختلف العلماء فيه فقال الحسن البصري يحرق ماله إلا أن يكون مصحفا أو حيوانا وبه قال جماعة من العلماء إلا أنه لا يحرق ما قد غل لأن حق الغانمين يرد عليهم وقال الشافعي يعاقب الرجل في بدنه دون متاعه رواه الترمذي وأبو داود وقال الترمذي هذا حديث غريب وهذا الباب خال عن الفصل الثالث


باب بيان الخمر ووعيد شاربها

الفصل الأول
عن أبي هريرة عن رسول الله قال الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة بالجر فيهما بدلا وفي نسخة برفعهما ويجوز نصبهما ثم إنه خصهما بالذكر لأن
معظم خمورها كان منهما لا أنه لا خمر لا منهما لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم كل مسكر خمر وهو عام كذا ذكره بعضهم وقال الطيبي فيه بيان حصول الخمر منهما غالبا وليس للحصر لخلو التركيب عن أدائه ولأن عمر رضي الله عنه زاد عليه إلى خمسة وتعداد عمر أيضا ليس للحصر لتعقيبه بقوله والخمر ما خامر العقل وسيأتي تحقيق المرام في كلام ابن الهمام متفق عليه ورواه أحمد والأربعة وعن ابن عمر قال خطب عمر على منبر رسول الله فقال إنه أي الشأن قد نزل تحريم الخمر وهي أي الخمر وفي القاموس قد يذكر من خمسة أشياء العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما خامر العقل أي ستره قال ابن الملك وفيه أنها مشتقة من خمر إذا ستر وفيه بطلان قول من زعم أن لا خمر إلا من عنب وهذا غفلة منه عن مذهبه فإن الخمر على ما عرفه علماؤنا هي التي من ماء عنب غلا واشتد وقذف بالزبد عند أبي حنيفة وعندهما لم يشترط القذف بالزبد رواه البخاري وعن أنس قال لقد حرمت الخمر حين حرمت فيه أخبار بأن الخمر حرمها الله تعالى بأن أنزل على رسوله تحريمها وأن رسول الله نص على تحريمها لأن الصحابي إذا قال أمرنا أو حرم أو شبه ذلك كان مرفوعا إلى رسول الله وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا وعامة خمرنا أي أكثرها البسر بضم فسكون والتمر رواه البخاري


وعن عائشة رضي الله عنها قالت سئل رسول الله عن البتع بكسر موحدة وسكون فوقية وقد يحرك وهو نبيذ العسل وكذا قاله في النهاية وزاد في القاموس المشتد أو سلالة العنب وبالكسر الخمر فقال كل شراب أسكر فهو حرام قال الطيبي قوله كل شراب أسكر جوابا عن سؤالهم عن البتع يدل على تحريم كل ما أسكر وعلى جواز القياس باطراد العلة وعلى هذا قوله أي الآتي كل مسكر خمر قال النووي فيه تصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة وإن كلها تسمى خمرا سواء في ذلك الفضيخ ونبيذ التمر والرطب والبسر والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد والجماهير من السلف والخلف وقال أبو حنيفة إنما يحرم عصير ثمرات النخل والعنب قليلها وكثيرها إلا أن يطبخ حتى ينقص ثلثها وأما نقيع التمر والرطب فقال يحل مطبوخها وإن مسته النار شيئا قليلا من غير اعتبار حد كما اعتبر الثلث في سلالة العنب قال والتي منه حرام ولكن لا يحد شاربه وهذا كله ما لم يسكر فإن أسكر فهو حرام بالإجماع قال ابن الملك من اعتبر الإسكار بالقوة منع شرب المثلث ومن اعتبره بالفعل كأبي حنيفة وأبي يوسف لم يمنعه لأن القليل منه غير مسكر بالفعل وأما القليل من الخمر فحرام وإن لم يسكر بالفعل لأنه منصوص عليه اه وسيأتي ما به يستقصي متفق عليه ورواه أحمد والأربعة وعن ابن عمر قال قال رسول الله كل مسكر خمر وكل مسكر حرام قال ابن الهمام ومن سكر من النبيذ حد والحد إنما يتعلق في غير الخمر من الأنبذة بالسكر وفي الخمر بشرب قطرة واحدة وعند الأئمة الثلاثة كل ما أسكر كثيره حرم قليله وحد به لقوله


عليه الصلاة والسلام كل مسكر خمر وكل مسكر حرام رواه مسلم وهذان مطلوبان ويستدلون تارة بالقياس وتارة بالسماع أما السماع فتارة بالاستدلال على أن اسم الخمر لغة كل ما خامر العقل وتارة بغير ذلك فمن الأول ما في الصحيحين من حديث ابن عمر نزل تحريم الخمر الحديث وما في مسلم عنه عليه الصلاة والسلام كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وفي رواية أحمد وابن حبان في صحيحه وكل خمر حرام فأما ما يقال إن ابن معين طعن في هذا الحديث فلم يوجد في شيء من كتب الحديث وكيف له بذلك وقد روى الجماعة عن أبي هريرة قال قال رسول الله الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة وفي الصحيحين من حديث أنس كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر وفي صحيح البخاري قول عمر الخمر ما خامر العقل وإذا ثبت عموم الاسم ثبت تحريم هذه الأشربة بنص القرآن ووجوب الحد بالحديث الموجب بثبوته في الخمر لأنه مسمى الخمر لكن هذه كلها محمولة على التشبيه بحذف أداته فكل مسكر حرام كزيد أسد أي في حكمه وكذا الخمر من هاتين أو من خمسة هو على الادعاء حين اتخذ حكمها بها جاز تنزيلها منزلتها في الاستعمال ومثله كثير في الاستعمالات اللغوية والعرفية تقول السلطان هو فلان إذا كان فلان نافذا لكلمة عند السلطان ويعمل بكلامه أي المحرم لم يقتصر على ماء العنب بل كل ما كان مثله من كذا وكذا فهو هو ولا يراد به إلا الحكم ثم لا يلزم في التشبيه عموم وجهه في كل صفة فلا يلزم من هذه الأحاديث ثبوت الحد بالأشربة التي هي غير الخمر بل يصح الحمل المذكور فيها بثبوت حرمتها في الجملة أما قليلها وكثيرها أو كثيرها المسكر منها وكون التشبيه خلاف الأصل يجب المصير إليه عند الدليل عليه وهو أن الثابت في اللغة من تفسير الخمر بالنيء من ماء العنب إذا اشتد وهذا مما لا يشك فيه من تتبع مواقع استعمالاتهم ولقد يطول الكلام بإيراده ويدل على أن الحمل المذكور على الخمر بطريق التشبيه


قول ابن عمر حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء أخرجه البخاري في الصحيح ومعلوم أنه إنما أراد ماء العنب لثبوت أنه كان بالمدينة غيرها لما ثبت من قول أنس وما شرابهم يومئذ أي يوم حرمت إلا الفضيخ البسر والتمر فعرف أن ما أطلق هو وغيره من الحمل لغيرها عليها هو على وجه التشبيه وأما الاستدلال بغير عموم الاسم لغة فمن ذلك ما روى أبو داود والترمذي من حديث عائشة عنه عليه الصلاة والسلام كل مسكر حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام وفي لفظ الترمذي فالحسوة منه حرام قال الترمذي حديث حسن ورواه ابن حبان في صحيحه وأجود حديث في هذا الباب حديث سعد بن أبي وقاص أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن قليل ما أسكر كثيره أخرجه النسائي وابن حبان قال الترمذي لأنه من حديث محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وهو أحد الثقات عن الوليد بن كثير وقد احتج به الشيخان عن الضحاك بن عثمان واحتج به مسلم عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال واحتج بهما الشيخان فحينئذ فجوابهم بعدم ثبوت هذه غير صحيح وكذا حمله على ما به حصل السكر وهو القدح الأخير لأنه


صريح هذه الروايات القليل ما أسند إلى ابن مسعود وكل مسكر حرام قال هي الشربة التي أسكرتك أخرجه الدارقطني بسند ضعيف فيه الحجاج بن أرطاة وعمار بن مطر قال وإنما هو من قول إبراهيم يعني النخعي وأسند إلى ابن المبارك أنه ذكر له حديث ابن مسعود فقال حديث باطل على أنه لو حسن عارضه ما تقدم من المرفوعات الصريحة الصحيحة في تحريم قليل ما أسكر كثيره ولو عارضه كان المحرم مقدما وما روي عن ابن عباس من قوله حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب لم يسلم نعم هو من طريق جيدة عن ابن عوف عن ابن شداد عن ابن عباس من حرمت الخمر قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب وفي لفظ وما أسكر من كل شراب قال وهذا أولى بالصواب من حديث أبي شبرمة وهذا إنما فيه تحريم الشراب المسكر وإذا كانت طريقه أقوى وجب أن يكون هو المعتبر ولفظ السكر تصحيف ثم لو ثبت ترجيح المنع السابق عليه يكون الترجيح في حق ثبوت الحرمة ولا يستلزم ثبوت الحرمة ثبوت الحد بالقليل إلا بسمع أو قياس فهم يقيسونه بجامع كونه مسكرا ولأصحابنا فيه منع خصوصا وعموما أما خصوصا فمنعوا أن حرمة الخمر معللة بالإسكار إذ ذكر عنه عليه الصلاة والسلام حرمت الخمر بعينها والسكر الخ وفيه ما علمت ثم قوله بعينها ليس معناه أن علة الحرمة عينها بل إن عينها حرمت ولذا قال في الحديث قليلها وكثيرها والرواية المعروفة فيه بالياء لا باللام فالتحقيق أن الإسكار هو المحرم بأبلغ الوجوه لأنه الموقع للعداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإتيان المفاسد من القتل وغيره كما أشار النص إلى عينها ولكن تقدير ثبوت الحرمة بالقياس لا يثبت الحد لأن الحد لا يثبت بالقياس عندهم وإذا لم يثبت بمجرد الشرب من غير الخمر ولكن ثبت بالسكر منه بأحاديث منها ما قدمناه من حديث أبي هريرة فإذا سكر فاجلدوه الحديث ولو ثبت به حل ما لم يسكر لكان بمفهوم الشرط وهو منتف عندهم فموجبه ليس إلا ثبوت الحد


بالسكر ثم يجب أن يحمل على السكر من غير الخمر لأن حمله على المعنى الأعم من الخمر ينفي فائدة التقييد بالسكر لأن في الخمر حدا بالقليل منها بل يوهم عدم التقييد بغيرها أنه لا يحد منها حتى يسكر وإذا وجب حمله على غيرها صار الحد منتفيا عند عدم السكر بالأصل حتى يثبت ما يخرجه عنها ومنها ما روى الدارقطني في سننه إن أعرابيا شرب من أداوة عمر نبيذا فسكر منه فضربه الحد فقال الأعرابي إنما شربته من أداوتك فقال عمر إنما جلدناك بالسكر وهو ضعيف بسعيد بن دني بقوة ضعفه وفيه جهالة وروى ابن أبي شيبة في مصنفه ثنا علي بن مسهر عن الشيباني عن حسان بن مخارق قال بلغني أن عمر بن الخطاب ساير رجلا في سفر وكان صائما فلما أفطر أهوى إلى قربة لعمر معلقة فيها نبيذ فشربه فسكر فضربه عمر الحد فقال إنما شربته من قربتك فقال عمر إنما جلدناك لسكرك وفيه بلاغ وهو عندي انقطاع وأخرجه الدارقطني عن عمران بن داور بفتح الواو فيه مقال وروى الدارقطني في سننه عن وكيع عن شريك عن فراس عن الشعبي أن رجلا شرب من أداوة علي بصفين فسكر فضربه الحد ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ثنا عبد الرحيم بن


سليمان عن مجالد عن الشعبي عن علي نحوه وقال فضربه ثمانين وروى ابن أبي شيبة ثنا عبد الله بن نمير عن حجاج عن ابن عوف عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال في السكر من النبيذ ثمانين فهذه وإن ضعف بعضها فتعدد الطرق يرقيه إلى الحسن مع أن الإجماع على الحد بالكثير فإن الخلاف إنما هو بالحد في القليل ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها أي يداوم على شربها بأن لم يتب عنها حتى مات على ذلك لم يشربها في الآخرة أي إن كان مستحلا لها أو المراد به الزجر الأكيد والوعيد الشديد وفي النهاية هذا من باب التعليق بالبيان أراد أنه لم يدخل الجنة لأن الخمر من شراب الجنة فإذا لم يشربها في الآخرة لم يدخل الجنة قال النووي قيل يدخل الجنة ويحرم عليه شربها فإنها من فاخر أشربة الجنة فيحرمها هذا العاصي بشربها في الدنيا وقيل إنه ينسى شهوتها لأن الجنة فيها كل ما تشتهي الأنفس وقيل لا يشتهيها وإن ذكرها ويكون هذا نقصا عظيما بحرمانه عن أشرف نعيم الجنة قلت ونظيره حرمان المعتزلي ونحوه عن الرؤية ويمكن أن يقيد الحرمان بمقدار مدة عيش العاصي في الدنيا أو المراد أنه لم يشربها في الآخرة مع الفائزين السابقين في دخول الجنة أو لم يشربها شربا كاملا في الكمية والكيفية بالنسبة إلى التائبين والله تعالى أعلم رواه مسلم وكذا أحمد والأربعة وفي الجامع الصغير من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر وعن جابر أن رجلا قدم من اليمن فسأل النبي عن شراب يشربونه بأرضهم أي بدار أهل اليمن من الذرة بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء حب معروف وأصله ذروا وذرى والهاء عوض ذكره الجوهري ومن متعلق بيشرب أو بيانية يقال له المزر بكسر فسكون فقال النبي أو مسكر بفتح الواو أي أيشربونه ومسكر هو قال نعم قال كل مسكر حرام إن على الله عهدا استئناف تعليل أي وعيدا أكيدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه بفتح أوله


وضمه من طينة الخبال بفتح الخاء قال الطيبي ضمن عهد معنى الحتم فعدى بعلى كقوله تعالى كان على ربك حتما مقضيا مريم أي كان ورودهم وسقيهم من طينة الخبال واجبا على الله وعيدا أوجبه على نفسه وأوعد عليه وعزم على أن لا
يكون غيرهما وفيه معنى الحلف والقسم لقوله ألا تحلة القسم وقوله حلف ربي عز وجل بعزتي لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمرة إلا سقيته من الصديد مثلها واللام في لمن يشرب بيان كأنه لما قيل إن على الله عهدا قيل هذا العهد لمن قيل لمن يشرب المسكر نحو قوله تعالى لمن أراد أن يتم الرضاعة البقرة قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال بالرفع على أنه خبر ما وفي نسخة بالجر على الحكاية وعلى طبقه قال عرق أهل النار أو عصارة أهل النار أي ما يسيل عنهم من الدم والصديد رواه مسلم وعن أبي قتادة أن النبي نهى عن خليط التمر والبسر في القاموس هو التمر قبل أرطابه وعن خليط الزبيب والتمر وعن خليط الزهر أي البسر الملون والرطب وقال انتبذوا كل واحدة على حدة أي بانفرداها قال القاضي إنما نهى عن الخلط وجوز انتباذ كل واحد وحده لأنه ربما أسرع التغير إلى أحد الجنسين فيفسد الآخر وربما لم يظهر فيتناوله محرما وفي شرح المظهر قال مالك وأحمد يحرم شرب نبيذ خلط فيه شيئان وإن لم يسكر عملا بظاهر الحديث وهو أحد قولي الشافعي وقول أبي حنيفة لا يحرم إلا أن يكون مسكرا وهو القول الثاني للشافعي رواه مسلم وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه وعن أنس أن النبي سئل عن الخمر تتخذ خلا بصيغة المجهول استئناف بيان أو حال أي عن جواز جعل الخمر خلا بإلقاء شيء فيها من نحو بصل أو ملح أو


بوضعها في شمس فقال لا فيه حرمة التخليل وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة والأوزاعي والليث يطهر بالتخليل وعن مالك ثلاث روايات أصحها عنه أن التخليل حرام فلو خللها عصى وطهرت والشافعي على أنه إذا ألقى فيه شيء للتخلل لم يطهر أبدا وأما بالنقل إلى الشمس مثلا فللشافعية فيه وجهان أصحهما تطهيره وأما الجواب عن قوله لا عند من يجوز تخليل الخمر إن القوم كانت نفوسهم ألفت بالخمر وكل مألوف تميل إليه النفس فخشي النبي من دواخل الشيطان فنهاهم عن اقترانهم نهي تنزيه كيلا يتخذوا التخليل وسيلة إليها وأما بعد طول عهد التحريم فلا يخشى هذه الدواخل ويؤيده خبر نعم الأدام الخل رواه مسلم عن عائشة وخير خلكم خل خمركم رواه البيهقي في المعرفة عن جابر مرفوعا هو محمول على بيان الحكم لأنه اللائق بمنصب الشارع لا بيان اللغة رواه مسلم وكذا أبو داود والترمذي وعن وائل الحضرمي هو ابن حجر وقد مر ذكره وأنه صحابي إن طارق بن سويد بالتصغير قال المؤلف له صحبة وله ذكر في حديث الخمر سأل النبي عن الخمر أي عن شربها أو صنعها فنهاه أي عنها فقال إنما أصنعها أي اشتغلها أو استعملها للدواء فقال إنه أي الخمر وفي القاموس أنه يذكر وقيل ذكر بتأويل اسم مذكر كالشراب ليس بدواء لكنه داء قال النووي فيه تصريح بأنها ليست بدواء فيحرم التداوي بها فإذا لم يكن فيها دواء فكأنه تناولها بلا سبب وأما إذا غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلا الخمر فيلزمه الإساغة بها لأن حصول الشفاء بها حينئذ مقطوع به بخلاف التداوي رواه مسلم
الفصل الثاني
عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله من شرب الخمر أي ولم يتب


منها لم يقبل الله له صلاة بالتنوين وقوله أربعين صباحا ظرف وفي نسخة بالإضافة أي لم يجد لذة المناجاة التي هي مخ العبادات ولا الحضور الذي هو روحها فلم يقع عند الله بمكان وإن سقط مطالبة فرض الوقت وخص الصلاة بالذكر لأنها سبب حرمتها أو لأنها أم الخبائث على ما رواه الدارقطني عن ابن عمر مرفوعا كما أن الصلاة أم العبادات كما قال تعالى إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر العنكبوت وقال من شرب خمرا خرج نور الإيمان من جوفه رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة وقال الأشرف إنما خص الصلاة بالذكر لأنها أفضل عبادات البدن فإذا لم يقبل منها فلان لا يقبل منها عبادة أصلا كان أولى قال المظهر هذا وأمثاله مبني على الزجر وإلا يسقط عنه فرض الصلاة إذا أداها بشرائطها ولكن ليس ثواب صلاة الفاسق كثواب صلاة الصالح بل الفسق ينفي كمال الصلاة وغيرها من الطاعات وقال النووي إن لكل طاعة اعتبارين أحدهما سقوط القضاء عن المؤدي وثانيهما ترتيب حصول الثواب فعبر عن عدم ترتيب الثواب بعدم قبول الصلاة فإن تاب أي بالإقلاع والندامة تاب الله عليه أي قبل توبته فإن عاد أي إلى شربها لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا ولعل وجه التقييد بالأربعين لبقاء أثر الشراب في باطنه مقدار هذه وكذا قال الإمام الغزالي لو ترك الناس كلهم أكل الحرام أربعين يوما لاختل نظام العالم بتركهم أمور الدنيا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا وقد روي أن من أخلص لله أربعين صباحا أظهر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي أيوب وورد ومن حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه الله فقيها رواه جماعة من الصحابة وقال تعالى وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة البقرة والحاصل أن لعدد الأربعين تأثيرا بليغا في صرفها إلى الطاعة أو المعصية ولذا قيل من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فالموت خير له فإن تاب أي رجع إليه تعالى بالطاعة تاب الله عليه أي أقبل عليه بالمغفرة


فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا ظاهره عدم قبول طاعته ولو تاب عن معصيته قبل استيفاء مدته كما يدل عليه الفاء التعقيبية في قوله فإن تاب تاب الله عليه ويمكن أن يكون التقدير ولو كانت التوبة قبل ذلك والفاء تكون تفريعية فإذا عاد الرابعة أي رجع الرجعة الرابعة وفي نسخة في الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا فإن تاب لم يتب الله عليه هذا مبالغة في الوعيد والزجر الشديد وإلا فقد ورد ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة رواه أبو داود والترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال المظهر أي فإن تاب بلسانه وقلبه عازم


على أن يعود لا يقبل توبته قلت فيه إنه حينئذ ليس بتوبة مع أن هذا وارد في كل مرتبة لا خصوصية لها بالرابعة قال الطيبي ويمكن أن يقال إن قوله إن تاب لم يتب الله عليه محمول على إصراره وموته على ما كان فإن عدم قبول التوبة لازم للموت على الكفر والمعاصي كأنه قيل من فعل ذلك وأصر عليه مات عاصيا ولذلك عقبه بقوله وسقاه أي الله من نهر الخبال اه والمعنى أن صديد أهل النار لكثرته يصير جاريا كالأنهار وفيه إيماء إلى ما ورد عن قيس بن سعد من شرب الخمر أتى عطشان يوم القيامة رواه أحمد ولعل نقض التوبة ثلاث مرات مما يكون سببا لغضب الله على صاحبها كما يشير إليه قوله تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم فكروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا النساء وكان الغالب أن صاحب العود إلى الذنب ثلاثا لم تصح له التوبة كما أشار إليه الآية بعدم الهداية والمغفرة قال الطيبي ونظيره قوله تعالى إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم آل عمران الكشاف فإن قلت قد علم أن المرتد كيف ما ازداد كفرا فإنه مقبول التوبة إذا تاب فما معنى لن تقبل توبتهم قلت جعلت عبارة عن الموت على الكفر لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر كأنه قيل إن اليهود والمرتدين ميتون على الكفر داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم اه وحاصل المعنى في الحديث إن من لم يثبت على التوبة في الثالثة يخشى عليه أن يموت على المعصية رواه الترمذي أي عن عبد الله بن عمر ورواه النسائي وابن ماجه والدارمي عن عبد الله بن عمرو أي بالواو وروى الطبراني بإسناد حسن عن السائب بن يزيد مرفوعا من شرب مسكر إما كان لم يقبل له صلاة أربعين يوما وعن جابر أن رسول الله قال ما أسكر كثيره فقليله حرام رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وكذا أحمد وابن حبان في صحيحه عن جابر ورواه أحمد


والنسائي وابن ماجه عن ابن عمرو بالواو وعن عائشة عن رسول الله قال ما أسكر منه الفرق بفتح الفاء وسكون الراء ويفتح مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلا كذا قال بعض الشراح من علمائنا وفي النهاية الفرق بالفتح مكيال يسع ستة عشر رطلا وهي اثنا عشر مدا وثلاثة أصوع عند أهل الحجاز وقيل الفرق خمسة أقساط القسط نصف صاع فأما الفرق بالسكون فمائة وعشرون رطلا ومنه الحديث ما أسكر الفرق منه فالحسو منه حرام اه فالسكون هو الأنسب بمقام المبالغة وكذا ضبط به في الأصول المعتمدة وفي القاموس الفرق مكيال المدينة يسع ثلاثة أصوع ويحرك أو هو أفصح أو يسع ستة عشر رطلا وأربعة أرباع وقال ابن الملك الفرق بالسكون من الأواني والمقادير ما يسع ستة عشر رطلا أو اثني عشر مدا وعن محمد بن الحسن ستة وثلاثين رطلا والمعتمد ما قاله المحقق ابن الهمام من أن الفرق بتحريك الراء عند أهل اللغة وأهل الحديث يسكنونها وهو مكيال معروف يسع ستة عشر رطلا فملء الكف منه حرام قال الطيبي الفرق وملء الكف عبارتان عن التكثير والتقليل لا التحديد ويؤيده الحديث السابق رواه أحمد والترمذي وأبو داود وعن النعمان بضم النون ابن بشير قال قال رسول الله أن من الحنطة خمرا قال ابن الملك تسميته خمرا مجاز لإزالته العقل ومن التمر خمرا ومن الزبيب خمرا ومن العسل خمرا رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن أبي سعيد الخدري قال كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت


المائدة قال المظهر يريد الآية التي فيها تحريم الخمر وهي قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر المائدة الآيتين وفيهما دلائل سبعة على تحريم الخمر أحدها قوله رجس والرجس هو النجس وكل نجس حرام والثاني قوله من عمل الشيطان وما هو من عمله حرام والثالث قوله فاجتنبوه وما أمر الله باحتنابه فهو حرام والرابع قوله لعلكم تفلحون وما علق رجاء الفلاح باجتنابه فالإتيان به حرام والخامس قوله إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر وما هو سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين فهو حرام والسادس قوله ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة وما يصد به الشيطان المسلمين عن ذكر الله وعن الصلاة فهو حرام والسابع قوله فهل أنتم منتهون معناه انتهوا وما أمر الله عباده بالانتهاء عنه فالإتيان به حرام الكشاف قوله فهل أنتم منتهون من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل قد تلي عليكم ما فيها من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا وقلت والثامن اقترانها بالأوثان حيث قال إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام المائدة وما يقترن بالكفر فلا أقل من أن يكون حراما ولذا ورد شارب الخمر كعابد الوثن وشارب الخمر كعابد اللات والعزى وسيأتي في الكتاب ما يدل عليه ثم جواب لما قوله سألت رسول الله عنه أي عن الخمر لأنه قد يذكر على ما في القاموس أو بتأويل المشروب أو المدام وقلت إنه ليتيم فقال وفي نسخة قال أهريقوه بفتح الهمزة وسكون الهاء ويفتح أي صبوه قال الطيبي والضمير في عنه راجع إلى خمر على حذف مضاف أي سألت عن شأن خمر يتيم وفي أنه وفي أهريقوه رواه الترمذي وعن أنس عن أبي طلحة أنه قال يا نبي الله إني اشتريت خمر الأيتام في حجري بفتح أوله ويكسر أي في كنفي وتربيتي قال اهرق الخمر واكسر الدنان بكسر أوله جمع الدن وهو ظرفها وإنما أمر بكسره لنجاسته بتشربها وعدم


إمكان تطهيره أو مبالغة للزجر عنها وما قاربها كما كان التغليظ في أول الأمر حيث نهى عن الحنتم ونحوه ثم نسخ رواه الترمذي وضعفه وفي رواية أبي داود أنه سأل النبي عن أيتام ورثوا خمرا قال اهرقها قال أفلا أجعلها خلا قال لا أما زجرا كما سبق أو نهي تنزيه وهو الأحق

الفصل الثالث
عن أم سلمة وهي من أمهات المؤمنين قالت نهى رسول الله عن كل مسكر مفتر بكسر التاء المخففة وفي النهاية المفتر هو الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور وهو ضعف وانكسار يقال أفتر الرحل فهو مفتر إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفه فإما أن يكون أفتر بمعنى فتر أي جعله فاترا وإما أن يكون افتر الشراب إذا فتر شاربه كأقطف الرجل إذ أقطفت دابته قال الطيبي لا يبعد أن يستدل على تحريم البنج والشعثاء ونحوهما مما يفتر ويزيل العقل لأن العلة وهي إزالة العقل مطردة فيها رواه أبو داود وكذا أحمد وعن ديلم بفتح أوله الحميري بكسر أوله نسبة إلى حمير كدرهم موضع غربي صنعاء اليمن وأبو قبيلة قال قلت يا رسول الله وفي نسخة لرسول الله أنا بأرض باردة أي ذات برد شديد ونعالج أي نمارس ونزاول فيها عملا شديدا أي قويا يحتاج إلى نشاط عظيم وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح أي الحنطة نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا قال الطيبي وإنما ذكر هذه الأمور الداعية إلى الشرب وأتى بهذا ووصفه به لمزيد البيان وأنه من هذا الجنس وليس من جنس ما يتخذ منه المسكر كالعنب والزبيب مبالغة في استدعاء الإجازة قال هل يسكر وفي نسخة مسكر قلت نعم قال فاجتنبوه قلت إن الناس غير تاركيه فكأنه وقع لهم هناك نهي عن سالكيه قال إن لم يتركوه أي ويستحلوا شربه قاتلوهم رواه أبو داود


وعن عبد الله بن عمرو بالواو وفي نسخة بدونها إن النبي نهى عن الخمر والميسر أي القمار والكوبة بضم أوله وفي النهاية قيل هي النرد وقيل الطبل أي الصغير وقيل البربط والغبيراء بالتصغير ضرب من الشراب يتخذه الحبش من الذرة والمعنى أنها مثل الخمر التي يتعارفها الناس لأفضل بينهما في التحريم وقال أي لزيادة فائدة التعميم كل مسكر حرام رواه أبو داود كان الأخصر أن يقول روى الأحاديث الثلاثة أبو داود وعنه أي عن عبد الله عن النبي قال لا يدخل الجنة أي مع الفائزين السابقين أو المراد منه المستحل للمعاصي أو قصد به الزجر الشديد وقال الطيبي هو أشد وعيدا من لو قيل يدخل النار لأنه لا يرجى منه الخلاص عاق بتشديد القاف أي مخالف لأحد والديه فيما أبيح له بحيث يشق عليهما ولا قمار بتشديد الميم أي ذو قمار والمعنى من يقامر والقمار في عرف زماننا كل لعب يشترط فيه غالبا أن يأخذ الغالب من الملاعبين شيئا من المغلوب كالنرد والشطرنج وأمثالهما ولا منان أي على الفقراء في صدقته قال الطيبي المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منه واعتد به على من أعطاه وهو مذموم لأن المنة تفسد الصنيعة ويحتمل أن يراد به القطاع للرحم من من أي قطع ومنه قوله تعالى لهم أجر غير ممنون فصلت ويؤيد هذا الاحتمال حديث أبي موسى الذي يأتي ولا مدمن خمر أي مصر على شربها رواه الدارمي وفي رواية له ولا ولد زنية بكسر فسكون بدل قمار قال الطيبي وفيه تغليظ وتشديد على ولد الزنية تعريضا بالزاني ليلا يورطه في السفاح فيكون سببا لشقاوة نسمة برئية ومما يؤذن أنه تغليظ وتشديد سلوك ولد زنية في قرن العاق والمنان والقمار ومدمن خمر ولا ارتياب أنهم ليسوا من زمرة من لا يدخل الجنة أبدا وقيل إن النطفة إذا خبثت خبث الناشىء منها فيجترىء على المعصية فتؤديه إلى الكفر الموجب للخلود قلت ولعل هذا مبني على الأغلب ولذا ورد ولد الزنا شر الثلاثة رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة


مرفوعا ورواه الطبراني والبيهقي عن ابن عباس وزاد إذا عمل بعمل أبويه
وعن أبي أمامة قال قال النبي إن الله بعثني رحمة للعالمين وهي تعم الكافرين وهدى للعالمين لكن خص المتقين لكونهم المنتفعين وأمرني ربي عز وجل بمحق المعازف أي بمحو آلات اللهو وفي النهاية العزف اللعب بالمعازف وهي الدفوف وغيرها مما يضرب وقيل إن كل لعب عزف والمزامير جمع مزمار وهي القصبة التي يزمر بها والأوثان أي الأصنام والصلب بضمتين جمع صليب الذي للنصارى قاله القاموس وفي النهاية الثوب المصلب الذي فيه نقش أمثال الصلبان وضربه فصلب بين عينيه أي صارت الضربة كالصليب وأمر الجاهلية كالنياحة والحمية للعصبية والفخر بالأحساب والطعن بالأنساب وقولهم مطرنا بنوء كذا على ما نص عليه في الأحاديث ففي حديث الطبراني عن أنس مرفوعا ثلاثة من أعمال الجاهلية الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة وفي حديث الطبراني عن عمرو بن عوف مرفوعا ثلاثة من أعمال الجاهلية لا يتركهن الناس الطعن في الأنساب والنياحة وقولهم مطرنا بنوء كذا وكذا وفي معناه كل أمر مبني على الجهل واصطلاح أهله ولو كان في الأزمنة الإسلامية وحلف ربي عز وجل بعزتي لا يشرب عبد من عبيدي وفي نسخة من عبادي جرعة من خمر إلا سقيته من الصديد مثلها أي مقدارها ولا يتركها أي عبد من عبيدي من مخافتي أي لا لغرض آخر إلا سقيته أي شرابا طهورا من حياض القدس بسكون الدال ويضم قال الطيبي في إفراز هذا النوع الخبيث عن سائر ما تقدم من الخبائث وجعله مصدرا بالحلف والقسم بعدما جعل مقدمة الكل بعثه رحمة وهدى إيذان بأن أخبث الخبائث وأبلغ ما يبعد عن رحمة الله تعالى ويقرب إلى الضلال هي أم الخبائث ثم أنظركم التفاوت بين من يسقيه ربه عز وجل من حياض القدس الشراب الطهور وبين من يسقي في درك جهنم صديد أهل النار رواه أحمد وعن ابن عمر أن رسول الله قال ثلاثة أي أشخاص قد حرم الله عليهم الجنة أي من أن يدخلوها مع الفائزين


مدمن الخمر أي مداومها والعاق أي المخالف
لوالديه والديوث بتشديد التحتية المضمومة الذي يقر بضم أوله أي يثبت بسكوته على أهله أي من امرأته أو جاريته أو قرابته الخبث أي الزنا أو مقدماته وفي معناه سائر المعاصي كشرب الخمر وترك غسل الجنابة ونحوهما قال الطيبي أي الذي يرى فيهن ما يسوءه ولا يغار عليهن ولا يمنعهن فيقر في أهله الخبث رواه أحمد والنسائي وعن أبي موسى الأشعري أن النبي قال ثلاثة لا تدخل الجنة مدمن خمر وقاطع الرحم هو أعم من العاق ومصدق بالسحر أي القائل بتأثيره لذاته رواه أحمد وفي الجامع الصغير ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر ومن مات وهو مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة نهر يجري من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهن رواه أحمد والطبراني والحاكم في مستدركه والمومسة بكسر الميم الزانية وعن ابن عباس قال قال رسول الله مدمن الخمر إن مات أي على إدمانه أو إذا مات وقال الطيبي إن للشك فيقتضي أن يكون لقاء شارب الخمر ربه تعالى بعد الموت مشابها بلقاء عابد الوثن وليس كذلك فهو من الشرط الذي يورده الواثق بأمره المدل لحجته اه كأن كنت ولدي فافعل أو لا تفعل ومنه قوله تعالى إن كنتم مؤمنين في وجه والظاهر ما قدمناه فتدبر لقي الله تعالى أي وهو عليه غضبان كعابد وثن أي صنم وهو وعيد وكيد وزجر شديد ولعل تشبيهه بعابد الوثن حيث تبع هواه وخالف أمر الله وقد قرن الله سبحانه بين الخمر والصنم في قوله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب المائدة أي الأصنام المنصوبة حول الكعبة وغيرها رواه أحمد أي عن ابن عباس ورواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عنه بلفظ من مات وهو مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن وروي الأظهر ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة


والبيهقي في شعب الإيمان عن محمد بن عبيد الله بالتصغير عن أبيه وقال أي البيهقي ذكر البخاري أي الحديث في التاريخ عن محمد بن عبد الله بالتكبير عن أبيه وعن أبي موسى أنه كان يقول ما أبالي شربت الخمر أو عبدت هذه السارية أي الاسطوانة دون الله حال مؤكدة أي عبدتها متجاوزا عن الله تعالى قال الطيبي أي ما أبالي في تسويتي بين هذين الأمرين وجعلهما منخرطين في سلك واحد مبالغة وهو أبلغ مما مر في الحديث السابق من قوله لقي الله كعابد وثن لتصريح أداة التشبيه فيه وخلوه عنه هنا رواه النسائي أي موقوفا

فارغة