Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الإمارة والقضاء

الإمارة بكسر الهمزة الإمرة وقد أمره إذا جعله أميرا كذا في المغرب وأما الأمارة بالفتح فمعناها العلامة والمراد بالقضاء هنا الحكم الشرعي
الفصل الأول


عن أبي هريرة قال قال رسول الله من أطاعني فقد أطاع الله هذا مقتبس من قوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله النساء ومن عصاني فقد عصى الله هذا مأخوذ من قوله عز وجل ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم الحج ومن يطع الأمير ظاهره الإطلاق ويمكن أن يكون التقدير أميري فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني في الحديث دلالة على صحة الخلافة والنيابة قيل كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يدينون لغير رؤساء قبائلهم فلما جاء الإسلام وولى عليهم الأمراء أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة فقال لهم ليعلمهم أن طاعتهم مربوطة بطاعته وعصيانهم منوطة بعصيانه ليطيعوا من ولى عليهم من الأمراء وإنما الإمام أي الخليفة أو أميره جنة بضم الجيم أي كالترس فهو تشبيه بليغ يقاتل بصيغة المجهول من ورائه بكسر الميم ويتقي به بيان لكونه جنة أي يكون الأمير في الحرب قدام القوم ليستظهروا به ويقاتلوا بقوته كالترس للمتترس والأول أن يحمل على جميع الأحوال لأن الإمام يكون ملجأ للمسلمين في حوائجهم دائما قال الطيبي قوله يتقي به بيان لقوله يقاتل من ورائه والبيان مع المبين تفسير لقوله وإنما الإمام جنة قال النووي أي هو


كالساتر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام ويتقيه الناس ويخافون سطوته ومعنى يقاتل من ورائه أن يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد وينصر عليهم فإن أمر أي الإمام بتقوى الله وعدل أي قضى بحكم الله فإن له بذلك أجرا أي عظيما وإن قال أي في الأمر والحكم بغيره أي بغير ما ذكر من التقوى والعدل في شرح السنة قوله قال أي حكم يقال قال الرجل إذا حكم ومنه القيل وهو الملك الذي ينفذ قوله وحكمه وقال التوربشتي أي أحبه وأخذ به إيثارا له وميلا إليه وذلك مثل قولك فلان يقول بالقدر وما أشبهه والمعنى أنه يحبه ويؤثره وقال القاضي أي أمر بما ليس فيه تقوى ولا عدل بدليل أنه جعل قسيم فإن أمر بتقوى الله وعدل ويحتمل أن يراد به القول المطلق أو أعم منه وهو ما يراه ويؤثره من قولهم فلان يقول بالقدر أي وإن رأى غير ذلك وآثره قولا كان أو فعلا ليكون مقابلا لقسيمه بقطريه وما سد الطرق المخالفة المؤدية إلى هيج الفتن المردية فإن عليه أي وزرا ثقيلا منه أي من صنيعه ذلك فمنه جار ومجرور وأما ما وقع في نسخ المصابيح وبعض نسخ المشكاة منه بضم الميم وتشديد النون المفتوحة وتاء التأنيث فتحريف وتصحيف لأنها بمعنى القوة ولا وجه لها هنا قال الطيبي رحمه الله كذا وجدنا منه بحرف الجر في الصحيحين وكتاب الحميدي وجامع الأصول وقد وجدناه في أكثر نسخ المصابيح منة بتشديد النون على أنه كلمة واحدة وهو تصحيف غير محتمل لوجه هنا قال القاضي فإن عليه منة أي وزرا وثقلا وهو في الأصل مشترك بين القوة والضعف قال النووي فيه حث على السمع والطاعة في جميع الأحوال وسببها اجتماع كلمة والمسلمين فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم اه ويستثنى من جميع الأحوال حال المعصية لما يستفاد من صدر الحديث ولما سيأتي في بعض الأحاديث المصححة متفق عليه وعن أم الحصين بالتصغير قال المؤلف هي بنت إسحاق الأحمسية روى


عنها ابنها يحيى بن الحصين وغيره شهدت حجة الوداع قالت قال رسول الله إن أمر بصيغة المجهول من التفعيل أي جعل أميرا عليكم عبد مجدع بتشديد الدال المفتوحة أي مقطوع الأنف والأذن يقودكم أي يأمركم بكتاب الله أي بحكمه المشتمل على حكم
الرسول قال القاضي أي يسوقكم بالأمر والنهي على ما هو مقتضى كتاب الله وحكمه فاسمعوا له وأطيعوا فيه حث على المداراة والموافقة مع الولاة على التحرز عما يثير الفتنة ويؤدي إلى اختلاف الكلمة رواه مسلم وعن أنس أن رسول الله قال اسمعوا أي كلام الحاكم وأطيعوا أي انقادوا في أمره ونهيه ما لم يخالف أمر الله ونبيه وإن استعمل بضم التاء وفتحها عليكم عبد حبشي أي وإن استعمله الإمام الأعظم على القوم لا أن العبد الحبشي هو الإمام الأعظم فإن الأئمة من قريش وقيل المراد به الإمام الأعظم على سبيل الفرض والتقدير وهو مبالغة في الأمر بطاعته والنهي عن شقاقه ومخالفته قال الخطابي قد يضرب المثل بما لا يكاد يصح في الوجود كأن بتشديد النون رأسه زبيبة أي كالزبيبة في صغره وسواده قال الطيبي صفة أخرى للعبد شبه رأسه بالزبيبة إما لصغره وإما لأن شعر رأسه مقطط كالزبيبة تحقيرا لشأنه اه وهذا أيضا من باب المبالغة في طاعة الوالي وإن كان حقيرا مع أن الحث بوصف صغر الرأس الذي هو نوع من الحقارة قال الأشرف أي اسمعوه وأطيعوه وإن كان حقيرا رواه البخاري وكذا أحمد والنسائي وعن ابن عمر قال قال رسول الله السمع والطاعة على المرء وفي الجامع الصغير حق على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر أي المرء بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع أي عليه كما في رواية الجامع ولا طاعة قال المظهر يعني سمع كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم سواء أمره بما يوافق طبعه أو لم يوافقه بشرط أن لا يأمره بمعصية فإن أمره بها فلا تجوز طاعته ولكن لا يجوز له محاربة الإمام متفق عليه رواه أحمد والأربعة


وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله لا طاعة أي لأحد كما في رواية الجامع الصغير أي من الإمام وغيره كالوالد والشيخ في معصية وفي رواية الجامع في معصية الله إنما الطاعة في المعروف أي ما لا ينكره الشرع متفق عليه ورواه أبو داود وابن ماجه وعن عبادة بن الصامت قال بايعنا أي عاهدنا نحن رسول الله على السمع والطاعة في العسر واليسر بضم فسكون فيهما وفي القاموس العسر بالضم وبالضمتين وبالتحريك ضد اليسر وهو بضم وبضمتين اليسار وبالتحريك السهل والمنشط والمكره بفتحتين فيهما فهما مصدران ميميان أو اسما زمان أو مكان قال القاضي أي عاهدناه بالتزام السمع في حالتي الشدة والرخاء وتارتي الضراء والسراء وإنما عبر عنه بصيغة المفاعلة للمبالغة أو للإيذان بأنه التزم لهم أيضا بالأجر والثواب والشفاعة يوم الحساب على القيام بما التزموا والمنشط والمكره مفعلان من النشاط والكراهة للمحل أي فيما فيه نشاطهم وكراهتهم أو الزمان أي في زماني انشراح صدورهم وطيب قلوبهم وما يضاد ذلك وعلى أثرة بفتحتين اسم من أثر بمعنى اختار أي على اختيار شخص علينا بأن نؤثره على أنفسنا كذا قيل والأظهر أن معناه على أن تصبر على ايثار الأمراء أنفسهم علينا وحاصله أن على أثرة ليست بصلة للمبالغة بل متعلق مقدر أي بايعنا على أن نصبر على أثره علينا وفي النهاية الأثرة بفتح الهمزة والثاء اسم من الايثار أي يستأثر عليكم فيفضل غيركم في اعطاء نصيبه من الفيء قال النووي رحمه الله الأثرة الاستئثار والإختصاص بأمور الدنيا أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا عليكم ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم وعلى أن لا ننازع الأمر


أهله أي لا نطلب الإمارة ولا نعزل الأمير منا ولا نحاربه والمراد بالأهل من جعله الأمير نائبا عنه وهو كالبيان والتقرير للسابق لأن معنى معنى عدم المنازعة هو الصبر على الأثرة وعلى أن نقول بالحق أينما كنا أي وعند من كنا لا نخاف استئناف أو حال من فاعل نقول أي غير خائفين في الله أي لأجله أو فيما فيه رضاه لومة لائم أي ملامة مليم وأذيه لئيم قال النووي أي نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر في كل زمان ومكان على الكبار والصغار لا نداهن أحدا ولا نخاف ولا نلتفت إلى لائمة وفي رواية وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا أي تبصروا وتعلموا في الأمراء كفرا بواحا بفتح الموحدة بعدها واو كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا للمشكاة وهو المذكور في المشارق والقاموس والنهاية أي كفرا ظاهرا صريحا فقوله إلا أن تروا حكاية قول رسول الله والقرائن السابقة معنى ما تلفظ به وقوله عندكم خبر مقدم وقوله من الله متعلق بالظرف أو حال من المستتر في الظرف فيه أي في ظهور الكفر برهان أي دليل وبيان من حديث أو قرآن قال الطيبي أي برهان حاصل عندكم كائنا من الله أي من دين الله اه والمعنى أنه حينئذ تجوز المنازعة بل يجب عدم المطاوعة قال النووي بواحا بالواو وفي أكثر النسخ وفي بعضها بالراء يقال باح الشيء إذ ظهر بواحا والبواح صفة مصدر محذوف تقديره أمرا بواحا وبراحا بمعناه من الأرض البراح وهي البارزة والمراد بالكفر هنا المعاصي والمعنى لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقوموا بالحق حيثما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فمحرم بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وأجمع أهل السنة على أن السلطان لا ينزل بالمفسق لتهيج الفتن في عزله واراقة الدماء وتفريق ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ولا تنعقد امامة الفاسق ابتداء وأجمعوا


على أن الإمامة لا تنعقد لكافر ولو طرأ عليه الكفر انعزل وكذا لو ترك اقامة الصلوات والدعاء إليها وكذا البدعة قال القاضي فلو طرأ عليه كفر وتغيير في الشرع أو بدعة سقطت اطاعته ووجب على المسلمين خلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه وإلا فيهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه اه وفيه ابحاث اما أولا فقوله صفة مصدر محذوف مستدرك مستغنى عنه لأنه صفة لكفرا كما هو ظاهر وأما ثانيا فقوله المراد بالكفر هنا المعاصي مع أن الظاهر ان الكفر على بابه والاستثناء على صرافته بخلاف ما إذا أريد المعاصي فإنه لا يصح الاستثناء المتصل الذي هو الأصل إذ لا نجوز منازعة الأمر من أهله بسبب عصيانه كما فهم من تقريره وبيانه وأما ثالثا فقوله لا تنعقد امامة الفاسق فإنه يشكل بسلطنة المتسلطنين الظاهر عليهم حال التولية أنهم من الفاسقين وفي القول بعدم انعقاد امامتهم للمسلمين حرج عظيم في


الدين حيث يلزم منه عدم صحة الجمعة وولاية القضاة وما ترتب عليها من الاحكام والقضايا اللهم إلا أن يقال مراده بعدم الانعقاد حالة الاختيار لكن المراد لا يدفع الايراد وفي شرح العقائد الإجماع على أن نصب الامام واجب لأن كثيرا من الواجبات الشرعية يتوقف عليه كتنفيذ أحكام المسلمين وإقامة حدودهم وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق وإقامة الجمعة والأعياد وتزويج الصغير والصغيرة اللذين لا أولياء لهما وقسمة الغنائم ونحو ذلك من الأمور التي لا يتولاها آحاد الأمة ثم قال ولا ينعزل الإمام بالفسق لأن العصمة ليست بشرط للإمامة ابتداء فبقاء أولى وعن الشافعي أن الإمام ينعزل بالفسق وكذا كل قاض وأمير وأصل المسألة أن الفاسق ليس من أهل الولاية عند الشافعي لأنه لا ينظر لنفسه فكيف ينظر لغيره وعند أبي حنيفة هو من أهل الولاية حتى يصح للأب الفاسق تزويج ابنته الصغيرة والمسطور في كتب الشافعية أن القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام والفرق أن في انعزاله ووجوب نصب غيره إثارة الفتنة لماله من الشوكة بخلاف القاضي متفق عليه وعن ابن عمر قال كنا إذا بايعنا رسول الله على السمع والطاعة قد أشرنا فيما سبق أن تعدية بايعنا بعلى لتضمنه معنى عاهدنا يقول لنا فيما استطعتم متفق عليه قال النووي وفي جميع نسخ مسلم فيما استطعت على التكلم أي قل فيما استطعت تلقينا لهم وهذا من كمال شفقته ورأفته بأمته حيث لقنهم بأن يقول أحدهم فيما استطعت لئلا يدخل في عموم بيعته ما لا يطيقه اه ويحتمل حمل نسخ البخاري أيضا على هذا المعنى ليتفق الحديثان في المبنى ويحتمل أن يكون قيدا في كلامه حالة المبايعة على السمع والطاعة رحمة على الأمة وعن ابن عباس قال قال رسول الله من رأى من أميره شيئا أي أمرا أو فعلا يكرهه أي شرعا أو طبعا فليصبر أي ولا يخرج عليه فإنه أي الشأن ليس


أحد يفارق الجماعة أي المنتظمة بنصب الإمامة شبرا أي قدرا يسيرا فيموت بالنصب على جواب النفي وفي نسخة بالرفع عطفا على يفارق أي فيموت على ذلك من غير توبة إلا مات استثناء مفرغ من أعم الأحوال ميتة بكسر الميم للهيئة والحالة وهي منصوبة على المصدرية جاهلية أي منسوبة إلى الجاهل في الدين قال الطيبي الميتة والقتلة بالكسر الحالة التي يكون عليها الإنسان من الموت أو القتل والمعنى أن من خرج عن طاعة الإمام وفارق جماعة الإسلام وشذ عنهم وخالف إجماعهم ومات على ذلك فمات على هيئة كان يموت عليها أهل الجاهلية لأنهم ما كانوا يرجعون إلى طاعة أمير فلا يتبعون هدى إمام بل كانوا مستنكفين عنها مستبدين في الأمور لا يجتمعون في شيء ولا يتفقون على رأي متفق عليه وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول من خرج من الطاعة أي طاعة الإمام وفارق الجماعة أي جماعة الإسلام فمات أي على ذلك مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية بالألف أي علم عمية بكسر العين ويضم وبتشديد الميم المكسورة بعدها تحتية مشددة وفي القاموس العمية كغنية ويضم الغواية واللجاج وبالكسر والضم مشددتي الميم والياء الكبر والضلال قال النووي بكسر العين وضمها وتشديدها وتشديد الميم والياء لغتان مشهورتان وهي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه كذا قاله ابن حنبل والجمهور وفي الغريبين قال إسحاق هذا في تخارج القوم وقتل بعضهم بعضا وكان أصله من التعمية وهو التلبيس يغضب أي حال كونه يغضب لعصبية وهي الخصلة المنسوبة إلى العصبية أي لا لإعلاء الكلمة الطيبة أو يدعو أي غيره لعصبية أو ينصر أي بالفعل من الضرب والقتل عصبية تمييز أو مفعول له وهو الأظهر قال النووي معناه يقاتل بغير بصيرة وعلم تعصبا كقتال الجاهلية ولا يعرف المحق من المبطل وإنما يغضب لعصبية لا لنصرة الدين والعصبية إعانه قومه على الظلم قال الطيبي قوله تحت راية عمية كناية عن جماعة مجتمعين على أمر مجهول لا يعرف أنه حق أو باطل


فيدعون الناس إليه ويقاتلون له وقوله يغضب بعصبية حال إما مؤكدة إذا ذهب إلى أن هذا الأمر في نفسه باطل أو منتقلة إذا فرض أنهم على الحق وإن من قاتل تعصبا لا لإظهار دين ولا لإعلاء كلمة الله وإن كان المغضوب
له محقا كان على الباطل فقتل أي في تلك الأحوال فقتلة خبر مبتدأ محذوف أي قتلة جاهلية والجملة مع الفاء جواب الشرط ومن خرج على أمتي أي أمة الإجابة بسيفه أي بآلة من آلات القتل قال الطيبي يجوز أن يكون حالا أي خرج مشاهرا بسيفه وقوله يضرب برها أي صالحها وفاجرها أي طالحها حال متداخلة ويجوز أن يكون متعلقا بقوله يضرب والجملة حال وتقديم البر للاهتمام وإظهار الحرص والأذى ولا يتحاشى من مؤمنها أي لا يكترث ولا يبالي بما يفعله ولا يخاف عقوبته ووباله قال الطيبي والمراد بالأمة أمة الدعوة فقوله برها وفاجرها يشتمل على المؤمن والمعاهد والذمي وقوله ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده كالتفصيل له اه ولا يخفى بعد كون المراد أمة الدعوة فليس مني أي من أمتي أو على طريقتي ولست منه وفيه تهديد وتشديد وهذا السلب كسلب الأهلية عن ابن نوح في قوله تعالى إنه ليس من أهلك هود لعدم اتباعه لأبيه رواه مسلم وعن عوف بن مالك الأشجعي عن رسول الله قال خيار أئمتكم بالهمزتين ويجوز إبدال الثانية ياء وهو جمع إمام والمراد هنا الولاة فإنهم كانوا أولاهم الأئمة فلما ولي الجهال والمتكبرون تركوا منصب الإمامة لنوابهم الذين تحبونهم ويحبونكم أي الذين عدلوا في الحكم فتنعقد بينكم وبينهم مودة ومحبة وتصلون عليهم ويصلون عليكم قال الأشرف رحمه الله الصلاة هنا بمعنى الدعاء أي تدعون لهم ويدعون لكم ويدل عليه قوله في قسيمه تلعنونهم ويلعنونكم وكذا في شرح مسلم وقال المظهر أي يصلون عليكم إذا متم وتصلون عليهم إذا ماتوا عن الطوع والرغبة قال الطيبي ولعل هذا الوجه أولى أي تحبونهم ويحبونكم ما دمتم في قيد الحياة فإذا جاء الموت يترحم بعضكم على بعض


ويذكر صاحبه بخير وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم أي تدعون عليهم ويدعون عليكم أو تطلبون البعد عنهم لكثرة شرهم ويطلبون البعد عنكم لقلة خيركم قال قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم أي أفلا نعزلهم ولا نطرح عهدهم ولا نحاربهم عند ذلك أي إذا حصل ما ذكر قال لا أي لا تنابذوهم ما أقاموا فيكم الصلاة أي مدة
إقامتهم الصلاة فيما بينكم لأنها علامة اجتماع الكلمة في الأمة قال الطيبي فيه إشعار بتعظيم أمر الصلاة وإن تركها موجب لنزع اليد عن الطاعة كالكفر على ما سبق في حديث عبادة إلا أن تروا كفرا بواحا الحديث ولذلك كرره وقال لا ما أقاموا فيكم الصلاة وفيه إيماء إلى أن الصلاة عماد الدين كما رواه البيهقي عن ابن عمر إلا للتنبيه من ولي بصيغة المجهول من التولية بمعنى التأمير أي أمر عليه وال فرآه أي المولى عليه الوالي ما يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله إشارة إلى قوله تعالى فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون شعراء والمعنى فلينكره بقلبه إن لم يستطع بلسانه ولا ينزعن يدا من طاعة أي بالخلع والخروج عليه رواه مسلم وعن أم سلمة قالت قال رسول الله أي إخبارا عن الغيب يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون قال القاضي هما صفتان لأمراء والراجع فيها محذوف أي تعرفون بعض أفعالهم وتنكرون بعضها يريد أن أفعالهم يكون بعضها حسنا وبعضها قبيحا فمن أنكر أي من قدر أي ينكر بلسانه عليهم قبائح أفعالهم وسماجة أحوالهم وأنكر فقد برىء أي من المداهنة والنفاق ومن كره أي ومن لم يقدر على ذلك ولكن أنكر بقلبه وكره ذلك فقد سلم أي من مشاركتهم في الوزر والوبال ولكن من رضي أي بفعلهم بالقلب وتابع أي تابعهم في العمل فهو الذي شاركهم في العصيان واندرج معهم تحت اسم الطغيان وحذف الخبر في قوله من رضي لدلالة الحال وسياق الكلام على أن حكم هذا القسم ضد ما أثبته لقسيمه قالوا أفلا نقاتلهم أي حينئذ قال لا أي لا تقاتلوهم


ما صلوا إلا ما صلوا تأكيدا وإنما منع عن مقاتلتهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي عنوان الإسلام والفارق بين الكفر والإيمان حذرا من هيج الفتن واختلاف الكلمة وغير ذلك مما يكون أشد نكاية من احتمال نكرهم والمصابرة على ما ينكرون منهم أي من كره بقلبه و أنكر بقلبه تفسير لقوله فمن أنكر ومن كره المذكورين في الحديث وفيه إشكال وهو لزوم التكرار ويوجه بأن الإنكار اللساني لما كان متفرعا عن الإنكار القلبي صح نسبته إليه وأيضا فيه إشارة إلى أن من أنكر بلسانه بدون إنكار جنانه لم يبرأ من عصيانه فالتقدير من أنكر إنكارا متلبسا بقلبه وفي بعض نسخ المصابيح يعني من كره بقلبه وأنكر بلسانه وهو ظاهر كما لا


يخفى هذا محمل الكلام في هذا المقام وأما تفصيل المرام فقد قال المظهر هذا التفسير غير مستقيم لأن الإنكار يكون باللسان والكراهة بالقلب ولو كان كلاهما بالقلب لكانا منكرين لأنه لا فرق بينهما بالنسبة إلى القلب وقد جاء هذا الحديث في رواية أخرى وفي تلك الرواية من أنكر بلسانه فقد برىء ومن أنكر بقلبه فقد سلم قال الطيبي وهذا التعليل غير مستقيم وأول شيء يدفعه ما في الحديث من قوله تنكرون لأن هذا الإنكار منحصر في اللسان ليرد عليه هذا البيان والبرهان ليس إلا بالقلب لوقوعه قسيما لتعرفون ومعناه على ما قال الشيخ التوربشتي أي ترون منهم من حسن السيرة ما تعرفون وترون من سوء السيرة ما تنكرون أي تجهلونه فإن المعروف ما يعرف بالشرع والمنكر عكسه قلت المظهر لم ينكر أن الإنكار منحصر في اللسان ليرد عليه هذا البيان والبرهان بل مراده أن الإنكار في هذا المقام لا يصح أن يكون بالقلب لأنه قد علم من كراهة القلب وأيضا المنكر واحد فلا بد أن يكون الحكم في الشرطين مختلفا لئلا يلزم التكرار ثم قال الطيبي ولأن قوله فمن أنكر فقد برىء ومن كره فقد سلم تفصيل لينكرون بشهادة الفاء في فمن أنكر فلن يكون المفصل مخالفا للمجمل قلت لا منازعة فيه ولا شك أن المجمل هو المنكر الشرعي والتفصيل إنما هو بالنسبة إلى اختلاف أحوال المنكرين لذلك المنكر فتدبر ثم قال ومعناه فمن أنكر ما لا يعرف حسنه في الشرع فقد برىء من النفاق ومن لم ينكره حق الإنكار بل كرهه بقلبه فقد سلم ولا بد لمن أنكره بقلبه حق الإنكار أن يظهره بالمكافحة بلسانه بل يجاهده بيده وجميع جوارحه وإذا قيد الإنكار بقلبه أفاد هذا المعنى وإذا اخص بلسانه لم يفده قلت وجود الإفادة المذكورة وعدمها إنما هو من الخارج لا من العبارة كما عبرنا عنه فيما سبق بالإشارة ثم قال ويدل على أن الإنكار إذا لم يكن كما ينبغي مسمى بالكراهة قول الشيخ التوربشتي ومن كره ذلك بقلبه ومنعه الضعف عن إظهار ما يضمر


من النكرة قلت ليس الكلام فيه بل هو مؤيد للمظهر على ما هو الظاهر ثم قال وحاشا لمكانة إمام أئمة الدنيا أعني مسلما أن يخرج من فيه كلام غير مستقيم لا سيما في تفسير الكلام النبوي قلت البخاري أجل منه قدرا وقد وقع له سهو في الآية القرآنية في كتابه مع أن هذا مجرد تقليد وإلا فكل أحد يقبل كلامه ويرد إلا المعصوم على أن الظاهر أن هذا التفسير ليس من كلامه بل هو ناقل والله تعالى أعلم بقائله ثم قال والرواية التي استدل المظهر بها في شرح السنة كذا ويروى فمن أنكر بلسانه فقد برىء ومن كره بقلبه فقد سلم ولفظ يروى ونحوه إنما يستعملها أهل الحديث فيما ليس بقوي قلت هذا غالبي وعلي التنزل فالحديث الضعيف يصلح أن يكون تفسيرا للحديث الصحيح ولا شك أنه أقوى في اعتبار المعنى من تفسير الراوي كما لا يخفى قال النووي في هذا الحديث معجزة ظاهرة لما أخبر به عن المستقبل وقد وقع كما أخبر به وفيه أن من عجز عن إزالة المنكر وسكت لا يأثم إذا لم يرض به وقوله ومن كره فقد سلم هذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولسانه فليكرهه بقلبه ويسلم والله تعالى أعلم رواه مسلم وفي الجامع الصغير رواه مسلم وأبو داود ولفظ ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره برىء ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع


وروى ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس ولفظه ستكون أمراء تعرفون وتنكرون فمن نابذهم نجا ومن اعتزلهم سلم ومن خالطهم هلك وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت ستكون عليكم أمراء من بعدي يأمرونكم بما لا تعرفون ويعملون بما تنكرون فليس أولئك عليكم بأئمة أي في الحقيقة وروى أبو يعلى والطبراني عن معاوية ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد عليهم قولهم يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة وعن عبد الله بن مسعود قال قال لنا أي لأجلنا أو مشافها لنا رسول الله أنكم سترون بعدي أثرة بفتح الهمزة والمثلثة في جميع النسخ الموجودة وفي القاموس أثرة بضم الهمزة وسكون الثاء وبفتحهما أيضا وفي شرح مسلم للنووي الأثرة بفتح الهمزة والثاء ويقال بضم الهمزة وإسكان الثاء وبكسر الهمزة وإسكان الثاء ثلاث لغات ذكرهن في المشارق وغيره وهي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا وأمورا أي أشياء أخر تنكرونها أي لا تستحسنونها قيل في بعض الروايات بدون الواو العاطفة فيكون أمورا بيان أثرة قالوا فما تأمرنا أي حينئذ يا رسول الله قال أدوا إليهم حقهم أي طاعتكم إياهم وسلوا بالنقل أو من سال بالألف الله حقكم أي اطلبوا الله أن يوصل إليكم حقكم وهو ما أثروا فيه قال الطييب أي ولا تقاتلوهم باستيفاء حقكم ولا تكافئوا استئثارهم باستئثاركم بل وفروا إليهم حقهم من السمع والطاعة وحقوق الدين وسلوا الله من فضله أن يوصل إليكم حقكم من الغنيمة والفيء ونحوهما وكلوا إلى الله تعالى أمركم والله لا يضيع أجر المحسنين متفق عليه وفي الجامع الصغير إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني غدا على الحوض رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أسيد بن حضير وأحمد والشيخان عن أنس وعن وائل بن حجر بضم الحاء وسكون الجيم مر ذكره قال سأل سلمة بن يزيد الجعفي بضم الجيم وسكون العين لم يذكره المؤلف في أسمائه رسول الله فقال يا


نبي الله أرأيت أي أخبرني إن قامت علينا أمراء يسألونا بتشديد النون ويخفف صفة أمراء أي يطلبونا حقهم أي من الطاعة والخدمة ويمنعونا بالوجهين حقنا أي من العدل وإعطاء الغنيمة وفي نسخة لو ضيعونا حقنا فما تأمرنا قال الطيبي هذا جزاء الشرط على تأويل الأعلام قال اسمعوا أي ظاهرا وأطيعوا باطنا أو اسمعوا قولا وأطيعوا فعلا فإنما عليهم ما حملوا بتشديد الميم أي ما كلفوا من العدل وإعطاء حق الرعية وعليكم ما حملتم أي من الطاعة والصبر على البلية وكأن الحديث مقتبس من قوله تعالى قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وأن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين النور وحاصله أنه يجب على كل أحد ما كلف به ولم يتعد حده قال الطيبي قدم الجار والمجرور على عامله للاختصاص أي ليس على الأمراء إلا ما حمله الله وكلفه عليهم من العدل والتسوية فإذا لم يقيموا بذلك فعليهم الوزر والوبال وأما أنتم فعليكم ما كلفتم به من السمع والطاعة وأداء الحقوق فإذا قمتم بما عليكم فالله تعالى يتفضل عليكم ويثيبكم به رواه مسلم وعن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله يقول من خلع يدا من طاعة أي أي طاعة كانت قليلة أو كثيرة قال الطيبي ولما كان وضع اليد كناية عن العهد وإنشاء البيعة لجري العادة بوضع اليد على اليد حال المعاهدة كنى عن النقض بخلع اليد ونزعها يريد من نقض وخلع نفسه عن بيعة الإمام لقي الله تعالى يوم القيامة ولا حجة له أي آثما ولا عذر له ومن مات وليس في عنقه بيعة أي لإمام مات ميتة جاهلية وهو معنى ما اشتهر على الألسنة وذكره السعد في شرح العقائد من حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية رواه مسلم وعن أبي هريرة عن النبي قال كانت بنو إسرائيل تسوسهم أي يتولى


أمورهم الأنبياء كما يفعل الأمراء والولاة بالرعية والسياسة القيامة على الشيء بما يصلحه وهو خبر كان كلما هلك أي مات نبي خلفه أي جاء خلفه نبي قال الطيبي رحمه الله الجملة حال من الفاعل أي يرأسهم الأنبياء تترى تابعا بعضهم بعضا وقوله وإنه بكسر الهمزة والضمير للشأن لا نبي بعدي معطوف على كانت وإنما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه لإرادة الثبات والتوكيد في الثاني يعني قصة بني إسرائيل كيت وكيت وقصتنا كيت وكيت وسيكون خلفاء أي أمراء فيكثرون بضم المثلثة وفي مسلم فتكثر ففي القاموس كثر ككرم وكثرة تكثيرا وأكثرهم وكاثروهم فكثروهم أي غالبوهم في الكثرة فغلبوهم وأما ما في بعض النسخ من كسر الثاء مع فتح الياء فليس له أصل قالوا فما تأمرنا جواب شرط محذوف أي إذا كثر بعدك الخلفاء فوقع التشاجر والتنازع بينهم فما تأمرنا نفعل قال فوا أمر من وفى يفي أي أوفوا بيعة الأول منصوب بنزع الخافض أي ببيعة الأول كما في نسخة لمسلم وفي بعض نسخ المصابيح قوا بالقاف أمر من وقى يقي أي احفظوا وراعوا بيعة الأول فالأول قال الطيبي الفاء للتعقيب والتكرير للاستمرار ولم يرد به في زمان واحد بل الحكم هذا عند تجدد كل زمان وتجدد بيعة وقوله اعطوهم حقهم كالبدل من قوله فوابيعة الأول وقوله فإن الله سائلهم تعليل للأمر بإعطاء حقهم وفيه اختصار أي فاعطوهم حقهم وإن لم يعطوكم حقكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم ومثيبكم بما لكم عليهم من الحق كقوله في الحديث السابق ادوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم وقوله استرعاهم أي طلب منهم أن يكون راعيهم وأميرهم وقال الطيبي رحمه الله من استرعيته الشيء فرعاه وفي المثل من استرعى الذئب فقد ظلم والراعي الوالي والرعية العامة متفق عليه وعن أبي سعيد قال قال رسول الله إذا بويع الخليفتين أي واحدا بعد واحد فاقتلوا الآخر بكسر ما قبل الآخر منهما والقتل مجاز عن نقض العهد وفيه إشارة إلى أنه لو لم يدفع إلا بالقتل فإنه يجوز


قتله قال القاضي قيل أراد بالقتل المقاتلة لأنها تؤدي إليها من حيث إنها غايتها وقيل أراد إبطال بيعته وتوهين أمره من قولهم قتلت الشراب إذا مزجته وكسرت سورته بالماء قال الطيبي الأول من الوجهين يستدعي الثاني لأن الآخر منهما خارج على الأول باغ عليه فتجب المقاتلة معه حتى يفيء إلى أمر الله وإلا قتل فهو مجاز باعتبار ما
يؤول للحث على دفعه وإبطال بيعته وتوهين أمره قال النووي قاتل أهل البغي غير ناقض عهده لهم إن عهد لأنهم حاربوا من يلزم الإمام محاربته واتفقوا على أنه لا يجوز أن يعقد لشخصين في عصر واحد اتسعت دار الإسلام أم لا قال إمام الحرمين في كتاب الإرشاد قال أصحابنا لا يجوز عقدها لشخصين قال وعندي أنه لا يجوز عقدها للاثنين في صقع واحد وإن بعد ما بينهما وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال وهو خارج من القواطع وحكى المازري هذا قال النووي وهو قول غير سديد مخالف لما عليه السلف والخلف والظاهر إطلاق الحديث رواه مسلم وعن عرفجة قال المؤلف هو ابن سعد رضي الله عنه روى عنه ابنه طرفة وهو الذي أمره النبي أن يتخذ أنفا من ورق ثم ذهب وكان ذهب أنفه يوم الكلاب بضم الكاف قال سمعت رسول الله يقول إنه أي الشأن سيكون هنات بفتح أوله وهنات أي شرور وفسادات متتابعة خارجة عن السنة والجماعة والمراد بها الفتن المتوالية والمعنى أنه سيظهر في الأرض أنواع الفساد والفتنة لطلب الإمارة من كل جهة وإنما الإمام من انعقد أولا له البيعة فمن أراد أن يفرق بتشديد الراء أي يفصل ويقطع أمر هذه الأمة وهي جميع أي والحال أن الأمة مجتمعة وكلمتهم واحدة فاضربوه بالسيف أي فإنه أحق بالتفريق والتقطيع كائنا من كان أي سواء كان من أقاربي أو من غيرهم بشرط أن يكون الأول أهلا للإمامة وهي الخلافة وفي نسخة كائنا ما كان ومشى عليه الطيبي حيث قال إنه حال فيه معنى الشرط أي ادفعوا من خرج على الإمام بالسيف وإن كان أشرف وأعلم وترون أنه أحق وأولى وهذا


المعنى أظهر في لفظه كما في المتن لأنه يجري حينئذ على صفة ذوي العلم كما في قوله تعالى ونفس وما سواها الشمس أي عظيم القدرة على الشأن رواه مسلم ورواه النسائي وابن حبان عن عرفجة بلفظ ستكون بعدي هنات وهنات فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد أن يفرق أمر أمة محمد كائنا من كان فاقتلوه فإن يد الله على الجماعة وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض وروى الحاكم عن خالد بن عرفطة ستكون أحداث وفتنة وفرقة واختلاف فإن استطعت أن تكون المقتول لا القاتل فافعل وروى الطبراني عن أبي سلالة ستكون عليكم أمة يملكون أرزاقكم يحدثونكم فيكذبونكم ويعملون


فيسيؤون العمل لا يرضون منكم حتى تحسنوا قبيحهم وتصدقوا كذبهم فاعطوهم الحق ما رضوا به فإذا تجاوزوا فمن قتل على ذلك فهو شهيد وجاء في حديث رواه البيهقي عن ابن مسعود ولفظه سيليكم أمراء يفسدون في الأرض وما يصلح الله بهم أكثر فمن عمل منهم بطاعة الله فلهم الأجر وعليكم الشكر ومن عمل منهم بمعصية الله فعليهم الوزر وعليكم الصبر وعنه أي عن عرفجة رضي الله عنه قال سمعت يقول من أتاكم وأمركم جميع أي والحال أن أمركم مجتمع على رجل واحد أي له أهلية الخلافة أوله التسلط والغلبة يريد أن يشق عصاكم في النهاية يقال شق العصا إذا فارق الجماعة فقوله أو يفرق جماعتكم للشك من الراوي أو للتنويع فإن التفريق غير المفارقة وإن كان بينهما الملازمة وقال الطيبي شق العصا تمثيل شبه اجتماع الناس واتفاقهم على أمر واحد بالعصا إذا لم تشق وافتراقهم من ذلك الأمر بشق العصا ثم كنى به عنه فضرب مثلا للتفريق يدل على هذا التأويل قوله أمركم جميع على رجل حيث أسند الجميع إلى الأمر إسنادا مجازيا لأنه سبب اجتماع الناس فاقتلوه رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه بالواو قال قال رسول الله من بايع إماما فأعطاه أي الإمام إياه أو بالعكس صفقة يده في النهاية الصفقة المرة من التصفيق باليد لأن المتبايعين يضع أحدهما يده في يد الآخر عند يمينه وبيعته كما يفعل المتبايعان وثمرة قلبه أي إخلاصه أو خالص عهده أو ماله وقيل صفقة يده كناية عن المال وثمرة قلبه كناية عن مبايعته مع ولده فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر أي إمام آخر ينازعه أي الإمام الأول أو المبايع فاضربوا خطاب عام يشمل المبايع وغيره وقال الطيبي جمع الضمير فيه بعد ما أفرد في فليعطه نظرا إلى لفظ من تارة ومعناها أخرى وقوله عنق الآخر وضع موضع عنقه إيذانا بأن كونه آخر يستحق ضرب العنق تقريرا للمراد وتحقيقا له اه وهو ظاهر في أن لفظ الآخر بفتح الخاء وفي نسخة بكسرها وهو الأظهر معنى رواه مسلم


وعن عبد الرحمن بن سمرة أي القرشي أسلم يوم الفتح وصحب النبي عداده في أهل البصرة ومات بها سنة إحدى وخمسين روى عنه ابن عباس والحسن وخلق سواهما قال قال لي رسول الله لا تسأل الإمارة بكسر الهمزة أي لا تطلب الحكومة والولاية لا من الخلق ولا من الخالق فإنك إن أعطيتها عن مسألة أي إعطاء صادرا عن سؤال وكلت إليها أي تركت إليها وخليت معها من غير إعانة لك فيها لأنك استقللت في طلبها وقال الطيبي أي فوضت إلى الإمارة ولا شك أنها أمر شاق لا يقوم بها أحد بنفسه من غير معاونة من الله إلا أوقع نفسه في ورطة خسر فيها دنياه وعقباه وإذا كان كذلك فلا يسألها اللبيب الحازم وإن أعطيتها من غير مسألة أي حال كونك مفوضا أمرك إلى الله ومعتقدا أن لا حول ولا قوة إلا بالله أعنت عليها أي بالتوفيق والتثبيت والتحقيق متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال إنكم ستحرصون بكسر الراء وفي نسخة بفتحها ففي القاموس حرص كضرب ومنع على الإمارة وستكون أي الإمارة المقرونة بالحرص ندامة يوم القيامة أي عند العجز عن الجواب في المحاسبة وحصول العتاب في مقابلة الحقوق والمطالبة فنعم المرضعة وفي نسخ المصابيح فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة المخصوص بالمدح والذم محذوف فيهما وهو الإمارة قال المظهر لفظ نعم وبئس إذا كان فاعلهما مؤنثا جاز إلحاق التأنيث وجاز تركها فلم يلحقها هنا في نعم وألحقها في بئست يعني عملا باللغتين وتفننا في العبارتين ولم يعكس لأن إلحاق الزائد أولى بالثاني وقال الطيبي إنما لم يلحقها بنعم لأن المرضعة مستعارة للإمارة وهي وإن كانت مؤنثة إلا أن تأنيثه غير حقيقي وألحقها ببئس نظرا إلى كون الإمارة حينئذ داهية دهياء وفيه إن ما يناله الأمير من البأساء والضراء أبلغ وأشد مما يناله من النعماء والسراء وأتى بالتاء في المرضع والفاطم دلالة على تصوير تينك الحالتين المتجددتين في الإرضاع والفطام يعني


المرضع والفاطم من الصفات الغالية للنساء فلا يحتاج إلى إتيان تاء التأنيث الفارقة بين وصفي المذكر والمؤنث ولذا يقال طالق وحائض وإنما أتى بها ههنا لتذكير التصوير قال القاضي شبه الولاية بالمرضعة وانقطاعها بالموت أو العزل بالفاطمة أي نعمت المرضعة الولاية فإنها تدر عليك المنافع واللذات العاجلة وبئست الفاطمة المسيئة فإنها تقطع عنك اللذائذ والمنافع وتبقى عليك الحسرة والندامة فلا ينبغي للعاقل أن يلم بلذات يتبعها حسرات اه وقيل جعل الإمارة في حلاوة أوئلها ومرارة أواخرها كمرضعة تحسن بالإرضاع وتسيء بالفطام قلت فيه إشارة لطيفة إلى أن حلاوة الإمارة ومرارة الولاية المشبهتين بالرضاع والفطام إنما هو بالنسبة إلى أطفال الطريقة دون الرجال الواصلين إلى مرتبة الحقيقة ولذا قال بعضهم أضغاث أحلام وظل زائل أن اللبيب بمثلها لا يخدع ولكن أكثر أهل الجنة البله الواقفون على الباب وللعليين أرباب الألباب رواه البخاري وكذا النسائي وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني أي ألا تجعلني عاملا قال أي أبو ذر فضرب بيده أي ضرب لطف وشفقة على منكبي وفي نسخة بالتثنية ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف أي عن تحمل العمل وإنها أي الإمارة أمانة يعني ومراعاة الأمانة لكونها ثقيلة صعبة لا يخرج عن عهدتها إلا كل قوي وفيه الإشارة إلى قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة الأحزاب الآية قال الطيبي تأنيث الضمير إما باعتبار الإمارة المستفادة من قوله ألا تستعملني أو باعتبار تأنيث الخبر اه فعلى الثاني يكون مرجع الضمير هو العمل المستفاد من لفظ الاستعمال ويؤيد الأول قوله وإنها أي الإمارة يوم القيامة خزي أي عذاب وفضيحة للظالم وندامة أي تأسف وتندم على قبولها للعادل إلا من أخذها استثناء منقطع أي خزي وندامة على من أخذها بغير حقها لكن من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها فإنها لا تكون خزيا ووبالا عليه وفيه إشارة لطيفة بأنها إما أن تكون عليه


أو لا تكون عليه وأما كونها له فلا فالأولى تركها بلا ضرورة قال النووي هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولاية لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائفها والخزي والندامة في حق من لم يكن أهلا لها أو كان أهلا ولم يعدل فيخزيه الله يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما فرط فأما من كان أهلا لها وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة كحديث سبعة يظلهم الله في ظله وحديث إن المقسطين على منابر
من نور وغير ذلك ولكثرة الخطر فيها حذره عليه الصلاة والسلام منها ولذلك امتنع منها خلائق من السلف وصبروا على الأذى حين امتنعوا وفي رواية كان حقه أن يقول رواه مسلم وفي رواية أي له قال له فيه التفات أو نقل بالمعنى يا أبا ذر إني أراك بفتح الهمزة إما من الرأي أي أظنك أو من الرؤية العلمية أي أعرفك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي أي لو كنت ضعيفا مثلك لما تحلمت هذا الحمل ولكن الله قواني فحملني ولولا أنه حملني لما حملت وفيه إيماء إلى ما قال بعض الصوفية إن الولاية أفضل من الرسالة يعني ولاية النبي أفضل من رسالته لأن وجه الرسالة إلى الخلق ووجه الولاية إلى الحق فالتوجه إلى المولى لا شك أنه أولى لا تأمرن بحذف إحدى التاءين وتشديد الميم المفتوحة والنون وفي نسخة لمسلم فلا تأمرن أي لا تقبلن الإمارة على اثنين أي فضلا عن أكثر منهما فإن العدل والتسوية أمر صعب بينهما ولا تولين بحذف إحدى التاءين وتشديد اللام المفتوحة والنون مال يتيم أي لا تقبلن ولاية مال يتيم وفي نسخة لمسلم على مال يتيم أي لا تكن واليا عليه لأن خطره عظيم ووباله جسيم وهذا مثال الولاية على الواحد رواه مسلم وعن أبي موسى رضي الله عنه قال دخلت على النبي أنا ضمير فصل ليصح عطف قوله ورجلان من بني عمي فقال أحدهما يا رسول الله أمرنا أمر من التأمير أي اجعلنا أميرا على بعض ما ولاك الله أي على ما جعلك الله حاكما فيه من الأمور وقال الآخر مثل ذلك ولعل إتيان ضمير


المتكلم مع الغير إشارة إلى أن كلا منهما يريد الإمارة له ولصاحبه من أنواع الولاية فقال أنا والله فيه تأكيدان بليغان لا نولي على هذا العمل أي المتعلق بالدين أحدا اسأله لأن بسؤاله يستدل على محبة جاهه وماله المورثة لسوء حاله في مآله فقوله ولا أحدا حرص عليه كالتفسير لديه وضبط حرص بفتح الراء وفي نسخة بكسرها وفي رواية قال لا نستعمل على عملنا من أراده أي لنفسه وهواه فإنه لا يكون حينئذ معانا من عند الله متفق عليه


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله تجدون من خير الناس قال الطيبي ثاني مفعولي تجدون والأول قوله أشدهم ولما قدم المفعول الثاني أضمر في الأول الراجع إليه كقولك على التمرة مثلها زيدا ويجوز أن يكون المفعول الأول خير الناس على مذهب من يجيز زيادة من في الإثبات اه والأظهر أن من تبعيضية أي تجدون بعض خيار الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر أي أمر الإمارة حتى يقع فيه أي فيكون بعده ندامة كما سبق به الرواية وقال الطيبي يحتمل وجهين أحدهما أن يكون غاية تجدون أي تجدون من خير الناس أشد كراهة حتى يقع فيه فحينئذ لا يكون خيرهم وثانيهما أنها غاية أشد أي يكرهه حتى يقع فيه فحينئذ يعينه الله فلا يكرهه والأول أوجه لقوله يقع فيه اه وعلى كل حال فلا يرضى أحد عن الإمارة في المآل متفق عليه وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ألا للتنبيه كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته في النهاية الرعية كل من شمله حفظ الراعي ونظره فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته يقال رعى الأمير القوم رعاية فهو راع أي قام بإصلاح ما يتولاه وهم رعية فعيلة بمعنى مفعول ودخلت التاء لغلبة الاسمية والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده أي ولد زوجها وهي مسؤولة عنهم عن حق زوجها وأولاده وقال الطيبي الضمير راجع إلى بيت زوجها وولده وغلب العقلاء فيه على غيرهم وعبد الرجل راع على مال سيده في شرح السنة معنى الراعي هنا الحافظ المؤتمن على ما يليه أمرهم النبي بالنصيحة فيما يلونهم وحذرهم الخيانة فيه بأخباره أنهم مسؤولون عنه فالرعاية حفظ الشيء وحسن التعهد فقد استوى هؤلاء في الاسم ولكن معانيهم مختلفة أما رعاية الإمام ولاية أمور الرعية فالحياطة من


ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم ورعاية الرجل أهله فالقيام عليهم بالحق في النفقة وحسن العشرة ورعاية المرأة في بيت زوجها فحسن التدبير في أمر بيته والتعهد بخدمة أضيافه ورعاية الخادم فحفظ ما في يده من مال سيده والقيام بشغله ألا للتنبيه ثانيا للتأكيد فكلكم قال الطيبي الفاء جواب شرط محذوف يعني تقديره فإذا كان الأمر كذلك على ما فصلناه فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته كما أجملناه فالجملة فذلكة للكلام وخلاصة للمرام كقوله تعالى تلك عشرة كاملة البقرة بعد ذكر الثلاث والسبعة قال الطيبي والفذلكة هي التي يأتي بها المحاسب بعد التفصيل ويقول فذلك كذا ضبطا للحساب وتوقيا عن الزيادة والنقصان فيما فصله في الكتاب اه والظاهر أن فاء الفذلكة تكون تعريضية والله تعالى أعلم بالصواب متفق عليه وفي الجامع الصغير كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عنه وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت بالرفع عطفا على يلي وفي نسخة بالنصب على جواب النفي قال الطيبي الفاء فيه وفي قوله فلم يحطها يعني الآتي كاللام في قوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا وهو غاش بتشديد الشين المعجمة أي خائن لهم أو ظالم بهم لا يعطي حقوقهم ويأخذ منهم ما لا يجب عليهم إلا حرم الله عليه الجنة أي دخولها مع الناجين أو محمول على المستحل أو زجر وكيد ووعيد شديد أو تخويف بسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك وفي قوله فيموت وهو غاش دليل على أن التوبة قبل حالة الموت باقية وفيه إشارة إلى عرض التوبة على من لم يكن ناصحا في الرعية قال الطيبي


قوله وهو غاش حال قيد للفعل ومقصود للذكر لأن المعتبر من الفعل الحال هو الحال يعني أن الله تعالى إنما ولاه واسترعاه على عباده ليديم النصيحة لهم لا ليغشهم فيموت عليه فلما قلب القضية استحق أن يحرم الجنة وقال القاضي عياض المعنى من قلده الله تعالى شيئا من أمر المسلمين واسترعاه
عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم ودنياهم فإذا خان فيما ائتمن عليه ولم ينصح فيما قلده إما بتضييع حقهم وما يلزمه من أمور دينهم أو غير ذلك فقد غشهم متفق عليه ولفظ الجامع الصغير ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة وعنه أي عن معقل قال سمعت رسول الله يقول ما من عبد يسترعيه الله رعية أي يطلبه أن يكون راعي جماعة وأميرا عليهم فلم يحطها بضم الحاء أي فلم يراعها بنصيحة وهي إرادة الخير للمنصوح له في النهاية يقال حاطه يحوطه حوطا وحياطة إذا حفظه وصانه وذب عنه وتوفر على مصالحه إلا لم يجد رائحة الجنة أي مع الواجدين في القيامة فإن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام أو مع الفائزين السابقين أو لم يجد مطلقا إن مات على الكفر أو استحل الظلم أو استحق أن لا يجد إلا أن يعفو الله عنه ويرضى خصماءه متفق عليه وعن عائذ اسم فاعل من العوذ بالذال المعجمة ابن عمرو بالواو قال المؤلف مدني من أصحاب الشجرة سكن البصرة وحديثه في البصريين روى عنه جماعة قال سمعت رسول الله يقول إن شر الرعاء بالكسر و المد جمع راع كتجار وتاجر كذا في النهاية الحطمة بضم ففتح مبالغة الحاطم من الحطم وهو الكسر وهو من يظلم الرعية ولا يرحمهم في البلية وقيل الأكول الحريص الذي يأكل ما يرى ويقضمه ومنه الحطمة للنار الموقدة فإن من هذا دأبه يكون دنيئا في النفس ظالما بالطبع شديد الطمع فيما في أيدي الناس هذا خلاصة كلام القاضي وفي الفائق الحطمة هو الذي يعنف الإبل في السوق والإيراد والإصدار فيحطمها ضربه مثلا لوالي السوء قال الطيبي لما استعار


للوالي والسلطان
لفظ الراعي اتبعه بما يلائم المستعار منه من صفة الحطم فالحطمة ترشيح لاستعارة الراعي لهم رواه مسلم وفي صحيحه أبسط من هذا حيث قال حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا جرير بن حازم حدثنا الحسن عن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله دخل على عبيد الله بن زياد فقال أي بني إني سمعت رسول الله يقول إن شر الرعاء الحطمة فإياك أن تكون منهم فقال له اجلس إنما أنت من نخالة أصحاب محمد فقال أهل كانت لهم نخالة إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله اللهم من ولي بفتح الواو وكسر اللام المخففة وفي نسخة صحيحة بضم أوله وتشديد المكسورة بعده أي من جعل واليا من أمر أمتي شيئا أي من الأمور أو نوعا من الولاية وقال الطيبي من بيان شيئا كانت صفة قدمت وصارت حالا فشق عليهم فاشقق بضم القاف عليه أي جزاء وفاقا ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به بفتح الفاء في الماضي وضمها في المضارع قال النووي هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس وأعظم الحث على الرفق بهم وقد تظاهرت الأحاديث في هذا المعنى قال الطيبي وهو من أبلغ ما أظهره من الرأفة والشفقة والمرحمة على الأمة فنقول بلسان الحال اللهم هذا أو أن ترحم على أمة حبيبك الكريم وتنجيهم من الكرب العظيم رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله إن المقسطين أي العادلين ضد القاسطين أي الجائرين قال تعالى إن الله يحب المقسطين المائدة وقال تعالى وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا الجن قال التوربشتي القسط بالكسر العدل والأصل فيه النصيب تقول منه قسط الرجل إذا جار وهو أن يأخذ قسط غيره


والمصدر القسوط وأقسط إذا عدل وهو أن يعطي نصيب غيره ويحتمل أن الألف أدخل فيه لسلب المعنى كما أدخل في كثير من الأفعال فيكون الأقساط إزالة القسوط عند الله أي مقربون إليه ومكرمون لديه وفي رواية الجامع زيادة يوم القيامة على منابر أي مرتفعون على أماكن عالية غالية من نور أي منورة كأنها خلقت من نور أو هي نور مبالغة قال النووي المنابر جمع منبر سمي به لارتفاعه قال القاضي عياض يحتمل أن يكونوا على منابر حقيقة على ظاهر الحديث وأن يكون كناية عن المنازل الرفيعة قال الشيخ ويمكن أن يجمع بينهما لأن من كان على منابر فهو على أعلى مرتبة ويؤيده قوله عن يمين الرحمن قال التوربشتي المراد منه كرامتهم على الله وقرب محلهم وعلو منزلتهم وذلك أن من شأن من عظم قدره في الناس أن يبوأ عن يمين الملك ثم إنه نزه ربه سبحانه عما سبق إلى فهم من لم يقدر الله حق قدره من مقابلة اليمين باليسار وكشف عن حقيقة المراد بقوله وكلتا يديه يمين قال الخطابي ليس فيما يضاف إلى الله تعالى من صفة اليدين شمال لأن الشمال على النقص والضعف وقوله وكلتا يديه يمين هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة وقال النووي العرب تنسب الفعل الذي يحصل بالجهد والقوة إلى اليمين وكذا الإحسان والإفضال إليها وضدهما إلى اليسار وقالوا اليمين مأخوذ من اليمن وقال القاضي وكلتا يديه دفع لتوهم من يتوهم أن له يمينا من جنس إيماننا التي يقابلها يسار وإن من سبق إلى التقرب إليه حتى فاز بالوصول إلى مرتبة من مراتب الزلفى من الله عاق غيره عن أن يفوز بمثله كالسابق إلى محل من مجلس السلطان بل جهاته وجوانبه التي يتقرب إليها العباد سواء الذين يعدلون صفة المقسطين أو بدل أو منصوب بأعني أو مرفوع بتقديرهم أو استئناف كأنه قيل من هؤلاء السادة المقربون فقيل هم الذين يعدلون في حكمهم أي


فيما يقلدون من خلافة أو قضاء أو إمارة وأهليهم أي ما يجب لأهليهم من الحقوق عليهم وما ولوا بفتح الواو وضم اللام المخففة والأصل وليوا على وزن علموا نقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سلب حركتها وحذفت لالتقاء الساكنين أي وما كانت لهم عليهم ولاية من النظر على يتيم أو وقف أو حسبة ونحو ذلك وروي بضم الواو وتشديد اللام أي ما جعلوا والين عليه وهو يستوعب من يتولى أمرا من الأمور فيدخل فيه نفسه أيضا قال الأشرف فالرجل يعدل مع نفسه بأن لا يضيع وقته في غير ما أمر الله تعالى به بل يمتثل أوامر الله وينزجر عن نواهيه على الدوام كما هو دأب الأولياء الكرام المقربين أو غالبا كما هو ديدن المؤمنين الصالحين قال الطيبي قسم الله تعالى عباده المصطفين من أمة محمد عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام ظالم ومقتصد وسابق والمقتصد من عدل ولم يتجاوز إلى حد الظلم عن نفسه ولم يترق إلى مرتبة


السابق الذي جمع بين العدل والإحسان رواه مسلم وكذا أحمد والنسائي وعن أبي سعيد قال قال رسول الله ما بعث الله من نبي أي نبيا ولا استخلف من خليفة أي إماما بعده أو ما في معناه من كل أحد إلا كانت له أي لكل منهما بطانتان بكسر الموحدة أي وزيران ومشيران مشبهان بالبطانة لملازمته بحيث لا ينفكان عن صحبته بطانة تأمره بالمعروف أي بالخير وتحضه بتشديد الضاد المعجمة أي تحثه عليه وترغبه إليه وتحسنه لديه وبطانة تأمره بالشر أي بالمنكر وتحضه عليه أي تحرضه عليه والحاصل أنه لا يخلو نبي أو من يخلف مكانه من شخصين مختلفين أو جماعتين متضادتين في الرأي كما هو مشاهد في جلساء الملوك والأمراء والمعصوم أي من النبي والخليفة من عصمه الله أي من صاحب الشر وقبول كلامه والتوفيق لمتابعة الخير وقضاء مرامه والمعصوم من البطانتين من حفظه الله من الشر ووفقه للخير هذا وفي النهاية بطانة الرجل صاحب سره وداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله الكشاف في قوله تعالى لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا آل عمران بطانة الرجل ذو وليجته وخصيصه وصفيه الذي يفضي إليه بحوائجه ثقة به شبه ببطانة الثوب كما يقال فلان شعاري قال الطيبي فإن قلت البطانة في الحديث على هذا المعنى قد تتصور في بعض الخلفاء ولكنها منافية بحال الأنبياء وكيف لا وقد نهى الله تعالى عامة المؤمنين عن ذلك في الآية السابقة قلت الوجه ما روى الأشرف عن بعضهم أن المراد بأحدهما الملك وبالثاني الشيطان ويؤيده قوله والمعصوم من عصمه الله فإنه بمنزلة قوله ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير أقول ويؤيد الأول ما في الترمذي من حديث أبي الهيثم وضيافته له مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حائط له من ذبح الغنم وإحضار الرطب والماء العذب إلى أن قال صلى الله تعالى عليه


وسلم هل لك خادم قال لا قال فإذا أتانا سبي فأتنا فأتي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث فأتاه أبو الهيثم فقال صلى الله تعالى عليه وسلم اختر منهما فقال يا نبي الله اختر لي فقال إن المستشار مؤتمن خذ هذا فإني رأيته يصلي واستوص به معروفا فانطلق به أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها
بقول رسول الله فقالت امرأته ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلا أن تعتقه قال فهو عتيق فقال صلى الله تعالى عليه وسلم إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا ومن يوق بطانة السوء فقد وقى رواه البخاري وعن أنس رضي الله عنه قال كان قيس بن سعد أي ابن عبادة الأنصاري سيد الخزرج وابن سيدها أحد دهاة العرب وأهل الرأي ورياسة البيوت وكان من ذوي النجدة والبسالة والكرم والسخاء وكان مع ذلك جسيما طويلا وكان منتصبا بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لتنفيذ ما يريده ويأمر به النبي بمنزلة صاحب الشرط بضم ففتح من الأمير قال التوربشتي هو جمع شرطي وهو الذي يتقدم بين يدي الأمير وهو الحاكم على الشرط للأمور السياسية سموا بذلك لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها رواه البخاري وعن أبي بكرة رضي الله عنه بالتاء قال لما بلغ رسول الله أن أهل فارس بكسر الراء وفتح السين قد ملكوا بتشديد اللام أي جعلوا الملك عليهم بنت كسرى بكسر الكاف ويفتح ملك الفرس معرب خسرو أي واسع الملك ذكره في القاموس وفي النهاية لقب ملك الفرس يعني كما أن قيصر لقب ملك الروم وفرعون لقب ملك مصر وتبع لملك اليمن قال لن يفلح قوم ولوا بالتشديد أي فوضوا أمرهم أي أمر ملكهم امرأة في شرح السنة لا تصلح المرأة أن تكون إماما ولا قاضيا لأنهما محتاجان إلى الخروج للقيام بأمور المسلمين والمرأة عورة لا تصلح لذلك ولأن المرأة ناقصة والقضاء من كمال الولايات فلا يصلح لها إلا


الكامل من الرجال رواه البخاري وكذا أحمد والترمذي والنسائي

الفصل الثاني
عن الحارث الأشعري رضي الله عنه قال المؤلف هو الحارث بن الحارث الأشعري يعد في الشاميين روى عنه أبو سلام الحبشي وغيره قال قال رسول الله آمركم أي أنا بخمس أي خصال بالجماعة أي باتباع إجماع جماعة المسلمين والاعتقاد والقول والعمل المتعلق بالدين قال الطيبي المراد بالجماعة الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعي التابعين من السلف الصالح أي آمركم بالتمسك بهديهم وسيرتهم والانخراط في زمرتهم والسمع أي إسماع كلمة الحق وقبولها من الأمير والغني والفقير وغيرهما وقال الطيبي المراد بالسمع الإصغاء إلى الأوامر والنواهي وتفهمهما والطاعة أي طاعة الأمير في المشروعات وقال الطيبي المراد بالطاعة الامتثال بالأوامر والانزجار عن النواهي والهجرة أي الانتقال من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة ومن دار الكفر إلى دار الإسلام ومن دار البدعة إلى دار السنة ومن المعصية إلى التوبة لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم المهاجر من هجر ما نهى الله عنه والجهاد في سبيل الله أي مع الكفار لإعلاء كلمة الله وقمع أعدائها ومع النفس بكفها عن شهواتها ومنعها عن لذاتها فإن معاداة النفس مع الشخص أقوى وأضر من معادة الكفرة معه وقد روى أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك فإنه وفي نسخة صحيحة وأنه قال الطيبي اسم أن ضمير الشأن والجملة بعده تفسيره وهو كالتعليل للأمر بالتمسك بعرى الجماعة والواو مثلها في قوله تعالى وقالا الحمد لله النحل بعد قوله ولقد آتينا داود وسليمان علما النحل في الأخبار عن الجملتين وتفويض الترتيب بينهما إلى ذهن السامع من خرج من الجماعة قيد شبر بكسر القاف وسكون التحتية أي قدره وأصله القود من القود وهو المماثلة والقصاص والمعنى من فارق ما عليه الجماعة بترك السنة واتباع البدعة ونزع اليد عن الطاعة ولو كان بشيء يسير يقدر في الشاهد بقدر شبر


فقد خلع ربقة الإسلام أي نقض عهده وذمته من عنقه وانحرف عن الجماعة وخرج عن الموافقة إلا أن يراجع بصيغة المفاعلة للمبالغة والربقة بكسر فسكون وهي في الأصل عروة في حبل يجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها فاستعارها للإسلام يعني ما شد المسلم به نفسه من عرى الإسلام أي حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه وقال بعضهم المعنى فقد نبذ عهد الله وأخفر ذمته التي لزمت أعناق العباد لزوم الربقة بالكسر وهي واحدة الربق وهو حبل فيه عدة عرى يشد به إليه أي أولاد الضأن والواحدة من تلك العرى ربقة ومن دعا بدعوى الجاهلية قال الطيبي عطف على الجملة التي وقعت مفسرة لضمير الشأن للإيذان بأن التمسك بالجماعة وعدم الخروج عن زمرتهم من شأن المؤمنين والخروج من زمرتهم من هجيري الجاهلية كما قال من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية فعلى هذا ينبغي أن يفسر دعوى الجاهلية بسننها على الإطلاق لأنها تدعو إليها وهو أحد وجهي ما قال القاضي والوجه الآخر الدعوى تطلق على الدعاء وهو النداء والمعنى من نادى في الإسلام بنداء الجاهلية وهو أن الرجل منهم إذا غلب عليه خصمه نادى بأعلى صوته قومه يا آل فلان فيبتدرون إلى نصره ظالما كان أو مظلوما جهلا منهم وعصبية وحاصل هذا الوجه يرجع أيضا إلى الوجه السابق وينصره ما روي في شرح السنة في آخر هذا الحديث فادعوا المسلمين بما سماهم الله المسلمون والمؤمنون وعباد الله فهو أي الداعي المذكور من جثا جهنم بضم الجيم مقصورا أي من جماعاتهم جمع جثوة بالحركات الثلاث وهي الحجارة المجموعة وروي من جثى بتشديد الياء وضم الجيم جمع جاث من جثا على ركبتيه يجثو أو يجني وكسر الجيم جائز لما بعدها من الكسرة وقرىء بهما في قوله تعالى ونذر الظالمين فيها جثيا مريم وفي الفائق واحدتها جثوة بضم الجيم أي من جماعات جهنم وهي في الأصل ما جمع من تراب أو غيره فاستعير للجماعة وإن صام أي


ولو صام وصلى وزعم أنه مسلم رواه أحمد والترمذي وعن زياد بن كسيب بالتصغير العدوي بفتحتين نسبة إلى بني عدي قال المؤلف يعد في البصريين تابعي روي عن أبي بكرة قال كنت مع أبي بكرة تحت منبر بن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق بكسر الراء أي رقيقة رفيعة فقال أبو بلال لم يذكره المؤلف ولعله أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ولده بلال كان واليا على البصرة انظروا إلى
أميرنا يلبس ثياب الفساق يحتمل أن تكون ثيابا محرمة من الحرير والديباج لأن الغالب منهما أن تكون رقاقا ولعل الاعتراض الوارد عليه لكونه نصيحة تتضمن فضيحة يتفرع عليه فتنة صريحة ويحتمل أن لا يكون منهما لكن لما كان لبس ثياب الرقاق من دأب المتنعمين نسبه إلى الفسق وقد قال بعضهم من رق ثوبه رق دينه فقال أبو بكرة اسكت سمعت رسول الله يقول من أهان سلطان الله في الأرض أي أذل حاكما بأن آذاه أو عصاه أهانه الله قال الطيبي والظاهر هذا الاحتمال لأن أبا بكرة رده بقوله من أهان الخ يعني تفسيقك إياه بسبب لبسه هذه الثياب التي يصون بها عزته ليس بحق لأن المعنى من أهان من أعزه الله وألبسه خلع السلطنة أهانه الله وفي الأرض متعلق بسلطان الله تعلقها في قوله تعالى إنا جعلناك خليفة في الأرض ص والإضافة في سلطان الله إضافة تشريف كبيت والله وناقة الله ويحكى عن جعفر الصادق مع سفيان الثوري وعلى جعفر جبة خز دكناء فقال له يا ابن رسول الله ليس هذا من لباسك فحسر عن ردن جبته فإذا تحتها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن فقال يا ثوري لبسنا هذا لله وهذا لكم فما كان لله أخفيناه وما كان لكم أبديناه ذكره صاحب جامع الأصول في كتاب مناقب الأولياء والدكناء بالدال المهملة تأنيث الأدكن وهو ثوب مغبر اللون ذكره الطيبي وقال الإمام حجة الإسلام في منهاج العابدين ذكر أن فرقد السنجي دخل على الحسن وعليه كساء وعلى الحسن حلة فجعل يلمسها فقال الحسن ما لك تنظر إلى ثيابي ثيابي ثياب


أهل الجنة وثيابك ثياب أهل النار بلغني أن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية ثم قال الحسن جعلوا الزهد في ثيابهم والكبر في صدورهم والذي يحلف به لأحدكم بكسائه أعظم كبرا من صاحب المطرف بمطرفه رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وعن النواس رضي الله عنه بتشديد الواو ابن سمعان بكسر السين المهملة وقيل بفتحها وسكون الميم وبالعين المهملة قال قال رسول الله لا طاعة لمخلوق صلة طاعة وقوله في معصية الخالق خبر لا وفيه معنى النهي يعني لا ينبغي ولا يستقيم ذلك وتخصيص ذكر الخالق والمخلوق مشعر بعلية هذا الحكم ذكره الطيبي وفي شرح السنة اختلفوا فيما يأمر به الولاة من العقوبات قال أبو حنيفة وأبو يوسف ما أمر به الولاة من ذلك غيرهم يسعهم أن يفعلوه فيما كانت ولايته إليهم وقال محمد بن الحسن لا يسع المأمور أن


يفعله حتى يكون الذي أمره عدلا وحتى يشهد عدل سواه على أن الإمام ذلك الكشاف عن أبي حازم أن سلمة بن عبد الملك قال له ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله تعالى وأولي الأمر منك النساء قال أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول النساء قال الطيبي رحمه الله يريدان قوله وأطيعوا الرسول عطف على أطيعوا الله وكرر الفعل ليدل على استقلال طاعة الرسول ولم يؤت بقوله وأطيعوا في وأولي الأمر منكم دلالة على عدم استقلالهم وعلله بقوله فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى رسوله وكأنه قيل إذا لم يكن أولي الأمر مستقلين وشاهدتم منهم خلاف الحق فردوه إلى الحق ولا يأخذكم في الله لومة لائم رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بإسناده ورواه ابن حبان في صحيحه ورواه أحمد والحاكم في مستدركه عن عمران والحاكم بن عمر الغفاري وذكر الجزري في أسنى المناقب بسنده عن علي رضي الله تعالى عنه قال دعاني رسول الله فقال يا علي إن فيك من عيسى مثلا أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحببته النصارى حتى أنزلته بالمنزلة التي ليس بها قال فقال علي كرم الله وجهه أنه يهلك في محب مطر لي يقرظني بما ليس في ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن بهتني الأواني لست بنبي ولا يوحى إلي ولكني أعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ما استطعت له فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم أو كرهتم وما أمرتكم بمعصية الله أنا أو غيري فلا طاعة لأحد في معصية الله إنما الطاعة في المعروف حديث حسن رواه الحاكم في صحيحه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه اه وفي الجامع الصغير من أمركم من الولاة بمعصية فلا تطيعوه رواه أحمد وابن ماجه والحاكم عن أبي سعيد وروى البيهقي عن ابن عمر ومن أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ما من أمير عشرة بفتحتين ووقع في نسخة السيد بسكون الشين وهو سهو


ومن زائدة لتأكيد النفي في إفادة عموم العادل والظالم ألا يؤتى به وفي رواية ألا وهو يؤتى به أي يحضر يوم القيامة مغلولا أي
يده إلى عنقه عكس ما كان في الدنيا مبسوطة في إرادة نفسه وإفادة حكمه حتى يفك عنه العدل وفي رواية حتى يفكه العدل أي عدله إن كان عادلا أو يوبقه الجور أي يهلكه ظلمه إن كان ظالما فأو للتنويع قال الطيبي أو يوبقه عطف على يفك فيكون غاية قوله يؤتى به يوم القيامة مغلولا أي لم يزل مغلولا حتى يحله العدل أن يهلكه الظلم أي لا يفك عن الغل إلا الهلاك يعني يرى بعد الغل ما الغل في جنبه السلامة كما قال تعالى وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ص صلى الله عليه وسلم يعني يرى يوم الدين من العذاب ما اللعنة بالنسبة إليه سهلة يسيرة رواه الدارمي وكذا البيهقي وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ويل للأمراء مبتدأ وخبر كقوله سلام عليك وهو الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وقيل واد في النار وقد ورد ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد ويل للعرفاء جمع عريف بمعنى فاعل وهو القيم بأمر قبيلة ومحلة يلي أمرهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم ومنهم رؤساء القرى وأرباب الولايات ويل للأمناء جمع أمين وهو من ائتمنه الإمام على الصدقات والخراج وسائر أمور المسلمين ويدل عطفه على الأمراء والعرفاء ويشمل بعمومه كل من ائتمنه غيره على مال أو غيره ومنهم وصي الأيتام وناظر الأوقاف ليتمنين أقوام يوم القيامة نواصيهم أي شعور هم قدام رؤوسهم معلقة أي في الدنيا بالثريا مقصورا في النهاية الثريا النجم تصغير الثروي يقال إن خلال أنجمها الظاهرة كواكب خفية كثيرة العدد يتجلجلون بالجيمين أي يتحركون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا بضم اللام المخففة أي لم يصيروا والين عملا من أعمال العمال من الولاة والقضاة قال الطيبي رحمه الله اللام في ليتمنين لام القسم


والتمني طلب ما لا يمكن حصوله والمتمني قوله إن نواصيهم معلقة بالثريا وأنهم لم يلوا تمنوا يوم القيامة أنهم في الدنيا لم يلوا وكانت نواصيهم معلقة بالثريا يعني تمنوا أنه لم يحصل لهم تلك العزة والرياسة والرفعة على الناس بل كانوا أذلاء ورؤوسهم معلقة بنواصيهم في أعالي تتحرك وتتجلجل ينظر إليهم سائر الناس ويشهدون منزلتهم وهو أنهم بدل تلك الرياسة والعزة والرفعة وذلك أن التعليق بالناصية مثل للمذلة والهوان فإن العرب إذا أرادوا إطلاق أسير جزوا ناصيته مذلة وهوانا وهذا التمني هو المعنى بالندامة في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم إنكم ستحرصون على


الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فقوله ليتمنين أقوام كالتخصيص للعام والتقييد للمطلق فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما عمم التهديد وبالغ في الوعيد أراد أن يستدرك ويخرج من قام بها حق القيام وتجنب فيه عن الظلم والحيف واستحق به الثواب وصار ذا حظ مما وعد به ذو سلطان عادل قال ليتمنين أقوام أي طائفة من هؤلاء وذلك لينبه بالمفهوم على أن طائفة أخرى حكمهم على عكس ذلك وهم على منابر من نور على يمين الرحمن وإنما لم يعكس ولم يصرح بمنطوق المدح للمقسطين ليدل بالمفهوم على ذم الجائرين لأن المقام مقام التهديد والزجر عن طلب الرياسة لأنها وإن كانت مهمة لا ينتظم صلاح حال الناس ومعاشهم دونها لكنه خطر والقيام بحقوقها عشر فلا ينبغي للعاقل أن يقتحم عليها ويميل بطبعه إليها فإن من زلت قدمه فيها عن متن الصواب قد يندفع إلى فتنة تؤدي به إلى العذاب رواه في شرح السنة ورواه أحمد وفي روايته أي أحمد إن ذوائبهم جمع ذائبة أي ظفائرهم كانت معلقة بالثريا يتذبذبون أي يترددون بين السماء والأرض أي مدة عملهم أي جميع عمرهم في الدنيا ولم يكونوا عملوا بتشديد الميم على صيغة المجهول أي أعطوا عملا على شيء أي من أمور الدنيا وعن غالب القطان رضي الله عنه بفتح القاف وتشديد الطاء قال المؤلف في فصل التابعين هو غالب بن أبي غيلان وهو ابن خطاف القطان البصري روى عن بكر بن عبد الله وعنه ضمرة بن ربيعة عن رجل عن أبيه عن جده قال قال رسول الله إن العرافة بكسر أوله حق أي أمر ينبغي أن يكون ثابتا لما دعت إليه الحاجة قال التوربشتي قوله حق وقع هنا موقع المصلحة والأمر الذي تدعو إليه الضرورة في ترتيب البعوث والأجناد وما يلم به شعثهم من الأرزاق والعطيات والإحاطة بعددهم لاستخراج السهمان ونحوه وهذا معنى قوله ولا بد للناس من عرفاء وقوله ولكن العرفاء في النار أي فيما يقربهم إليها ورد هذا القول مورد التحذير عن التبعات التي يتضمنها والآفات التي لا يؤمن


فيها والفتن التي يتوقع منها والأمر بالتيقظ دونها وغير ذلك من الهنات التي قلما يسلم منها الواقع فيها اه والمراد من العرفاء في النار هم الذين لم يعدلوا في الحكم وأتى بصيغة العموم إجراء للغالب مجرى الكل والمعنى أنهم يلابسون ما يجرهم إلى النار أو التقدير يكون أكثرهم في النار قال
الطيبي قوله ولكن العرفاء في النار مظهر أقيم مقام المضمر ليشعر بأن العرافة على خطر ومن باشرها على شفا حفرة من النار فهو كقوله تعالى إنما يأكلون في بطونهم نار النساء فينبغي للعاقل أن يكون على تيقظ وحزم وحذر منها لئلا تورطه في الفتنة وتؤدي به إلى عذاب النار وهذا تلخيص كلام الشيخ رواه أبو داود وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه بضم فسكون قال المصنف نزل الكوفة ومات بالمدينة سنة إحدى وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين قال قال لي أي وحدي أو مخاطبا لي رسول الله أعيذك بالله من إمارة السفهاء أي من عملهم أو من الدخول عليهم أو اللحوق بهم والسفهاء الجهال علما وعملا وقال الطيبي السفهاء الخفاف الأحلام وفي النهاية السفه في الأصل الخفة والطيش وسفه فلان رأيه إذا كان مضطربا لا استقامة له والسفيه الجاهل قال فيه التفات أو تجريد إذ حقه أن يقول قلت وما ذاك يا رسول الله أي أي شيء ما ذكرته من إمارة السفهاء وقال الطيبي إشارة إلى معنى إمارة السفهاء وهو فعلهم المستفاد منه من الظلم والكذب وما يؤدي إليه جهلهم وطيشهم قال أمراء سيكونون من بعدي أي سفهاء موصوفون بالكذب والظلم من دخل عليهم أي من العلماء وغيرهم فصدقهم بكذبهم بفتح فكسر ويجوز بكسر فسكون والأول أصح وأفصح لعدم ورود غيره في القرآن وقيل الكذب إذا أخذ في مقابلة الصدق كان بسكون الذال للازدواج وإذا أخذ وحده كان بالكسر وأعانهم على ظلمهم أي بالإفتاء ونحوه فليسوا مني ولست منهم أي بيني وبينهم براءة ونقض ذمة ولن يردوا وفي نسخة ولم يردوا من الورود أي لم يمروا


علي بتشديد الياء بتضمين معنى العرض أي لن يردوا علي معروضين الحوض أي حوض الكوثر في القيامة أو في الجنة ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وأولئك يردون علي الحوض قال الطيبي أدخل الفاء في خبر من لتضمنه معنى الشرط وزاد فيه أولئك وكرره لمزيد تقرير العلة لأن اسم الإشارة في مثل هذا المقام يؤذن بأن ما يرد عقيبه جدير بما قبله لاتصافه بالخصال المذكورة كقوله تعالى أولئك على هدى من ربه


وأولئك هم المفلحون البقرة بعد قوله الذين يؤمنون بالغيب إلى ما يتصل به استحمادا على فعلهم من الاجتناب عنهم وعن تصديقهم ومعاونتهم قال سفيان الثوري لا نخالط السلطان ولا من يخالطه وقال صاحب القلم وصاحب الدواة وصاحب القرطاس وصاحب الليطة بعضهم شركاء بعض وروي أن خياطا سأل عبد الله بن المبارك عن خياطته للحكام هل أنا داخل في قوله تعالى لا تركنوا إلى الذين ظلموا هود قال بل يدخل فيه من يبيعك الإبرة قال ابن مسعود من رضي بأمر الظالم وإن غاب عنه كان كمن شهده وتلا الآية رواه الترمذي والنسائي وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي قال من سكن البادية جفا أي جهل قال تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا التوبة وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله وقال القاضي جفا الرجل إذا غلظ قلبه وقسا ولم يرق لبر وصلة رحم وهو الغالب على سكان البوادي لبعدهم عن أهل العلم وقلة اختلاطهم بالناس فصارت طباعهم كطباع الوحوش وأصل التركيب للنبو عن الشيء ومن اتبع الصيد أي لازم اتباع الصيد والاشتغال به وركب على تتبع الصيد كالحمام ونحوه لهوا وطربا غفل أي عن الطاعة والعبادة ولزوم الجماعة والجمعة وبعد عن الرقة والرحمة لشبهه بالسبع والبهيمة ومن أتى السلطان أي بابه من غير ضرورة وحاجة لمجيئه افتتن بصيغة المجهول أي وقع في الفتنة فإنه إن وافقه فيما يأتيه ويذره فقد خاطر على دينه وإن خالفه فقد خاطر على دنياه هذا خلاصة كلام الطيبي وقال المظهر يعني من التزم البادية ولم يحضر صلاة الجمعة ولا الجماعة ولا مجالس العلماء فقد ظلم على نفسه ومن اعتاد الاصطياد للهو والطرب يكون غافلا لأن اللهو والطرب يحدث من القلب الميت وأما من اصطاد للقوت فجاز له لأن بعض الصحابة كانوا يصطادون ومن دخل على السلطان وداهنه وقع في الفتنة وأما من لم يداهن ونصحه وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فكان دخوله عليه أفضل الجهاد رواه أحمد والترمذي والنسائي وفي رواية أبي


داود من لزم السلطان أي لازمه افتتن وما ازداد عبد من السلطان دنوا بضمتين وتشديد الواو أي قربا إلا ازداد من الله بعدا وروى الديلمي في مسند الفردوس عن علي كرم الله وجهه مرفوعا من ازداد علما ولم يزدد في الدنيا زهدا لم يزدد من الله إلا بعدا
وعن المقدام رضي الله عنه بكسر الميم ابن معدي كرب رضي الله عنه تقدم ذكره إن رسول الله ضرب أي يديه على منكبيه إظهارا للشفقة والمحبة وتنبيها له عن حالة الغفلة ثم قال أفلحت أي ظفرت بالمقصود الحقيقي يا قديم تصغير مقدام ترخيم بحذف الزوائد وهو تصغير ترخيم كقول لقمان يا بني إن مت بضم الميم وكسرها ولم تكن أميرا ولا كاتبا أي له ولا عريفا أي واحد العرفاء أو ولا معروفا يعرفك الناس ففيه إشارة إلى أن الخمول راحة والشهرة آفة حكي عن الشريف الحسيب النسيب مولانا أبو عز بن بركات والي مكة المكرمة والى عليه بركات الرحمة أنه قال السعيد من لا يعرفنا ولا نعرفه رواه أبو داود وروى الطبراني والحاكم عن فضالة بن عبيد مرفوعا أفلح من هدى إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به وروى البخاري في تاريخه والطبراني في الكبير عن قرة بن هبيرة مرفوعا أفلح من رزق لبا أي عقلا كاملا يختار الباقية على الفانية ويعرض عن العاجلة ويقبل على الآجلة وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه مر ذكره قال قال رسول الله لا يدخل الجنة صاحب مكس بفتح أوله في النهاية هو الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار يعني أي يريد النبي بصاحب المكس الذي يعشر الناس بفتح الياء وسكون العين وضم الشين وفي نسخة من باب التفعيل ففي المصابيح يقال عشرت المال عشرا من باب قتل وعشورا أخذت عشرة وعشرت القوم عشرا من باب ضرب صرت عاشرهم وفي القاموس عشر بعشر أخذ واحدا من عشرة زادوا حدا على تسعة والقوم صار عاشرهم وعشرهم بعشرهم عشرا وعشورا وعشرهم أخذ عشر أموالهم والعشار قابضه وقال الجزري هذا التفسير من محمد بن إسحاق بن منده وفي شرح السنة أراد


بصاحب المكس الذي يأخذ من التجار إذا مروا مكسا باسم العشر فأما الساعي الذي يأخذ الصدقة ومن يأخذ من أهل الذمة العشر الذي صولحوا عليه فهو محتسب ما لم يتعد فيأثم بالتعدي والظلم اه وكذا من يأخذ العشر من مال الحربي إذا دخل دارنا تاجرا بأمان بشروطه المعتبرة في كتب الفقه رواه أحمد وأبو داود والدارمي وكذا الحاكم في مستدركه
وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله إن أحب الناس أي أكثرهم محبوبية إلى الله يوم القيامة وأقربهم وفي رواية وأدناهم منه مجلسا أي مكانة ومرتبة إمام عادل قال بعض علمائنا قبل زماننا من قال لسلطان أيامنا أنه عادل فهو كافر وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا أي لكونه أقواهم حجابا وفي رواية وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر أي ظالم رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وكذا أحمد ورواه ابنه في زوائد الزهد عن الحسن مرسلا إن أحب عباد الله إلى الله أنصحهم لعباده وعنه أي عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله أفضل الجهاد من قال أي جهاد من قال أو أفضل أهل الجهاد من قال كلمة حق أي قول حق ولو كان كلمة واحدة وضده ضده عند سلطان جائر أي صاحب جور وظلم قال الطيبي أي من تكلم كلمة حق لأن كلمة حق تحمله وقال الخطابي إنما صار ذلك أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان مترددا بين الرجاء والخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف فصار ذلك أتلف أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف وقال المظهر وإنما كان أفضل لأن ظلم السلطان يسري في جميع من تحت سياسته وهو جم غفير فإذا نهاه عن الظلم فقد أوصل النفع إلى خلق كثير بخلاف قتل كافر اه ويمكن أن يقال وإنما كان أفضل لأنه من الجهاد الأكبر وهو مخالفة النفس لأنها تتبرأ من هذا القول وتتبعد من الدخول في هذا الهول مع ما فيه من النصيحة للراعي والرعية ولأن تخليص مؤمن من القتل مثلا أفضل من قتل


كافر لقوله تعالى ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا المائدة ولذا قدم كتاب النكاح على باب السير والجهاد لأن إيجاد مؤمن أفضل من إعدام ألف كافر لأن المقصود بالذات من الجهاد وجود
الإيمان وأهله قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات هذا وقال الشيخ أبو حامد في الأحياء الأمر بالمعروف مع السلطان التعريف والوعظ وأما المنع بالقهر فليس ذلك لآحاد الرعية لأن ذلك يحرك الفتنة ويهيج الشر ويكون ما يتولد منه من المحذور أكثر وأما التخشن في القول كقولك يا ظالم يا من لا يخاف الله وما يجري مجراه فذلك إن كان يتعدى شره إلى غيره لم يجز وإن كان لا يخاف إلا على نفسه فهو جائز بل مندوب إليه فلقد كان من عادة السلف التعرض للأخطار والتصريح بالإنكار من غير مبالاة بهلاك المهجة لعلمهم بأن ذلك جهاد وشهادة رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه أي عنه ورواه أحمد والنسائي عن طارق بن شهاب وفي الجامع الصغير بلفظ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر رواه ابن ماجه عن أبي سعيد وأحمد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة وأحمد والنسائي والبيهقي عن طارق بن شهاب وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال أي لي كما في نسخة رسول الله إذا أراد الله بالأمير أي بمن يكون أميرا خيرا في الدنيا والعقبى جعل له وزير صدق أي قدر له وزيرا صادقا مصلحا قال في النهاية الوزير الذي يوازر الأمير فيحمل عنه ما حمله من الأثقال يعني أنه مأخوذ من الوزر وهو الحمل والثقل ومنه قوله تعالى حتى تضع الحرب أوزارها محمد أي انقضى أمرها وخفت أثقالها فلم يبق قتال لكن أكثر ما يطلق في الحديث وغيره على الذنب والإثم ومنه قوله تعالى وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم الأنعام فيمكن أن الوزير سمي وزيرا لأنه يتحمل وزر الأمير في أمور كثيرة إن نسي أي الأمير حكم الله ذكره بالتشديد أي أخبر الأمير به وإن ذكر بالتخفيف أي وإن تذكره الأمير بنفسه أعانه أي حرضه الوزير وحرضه


عليه وإذا أراد به أي الله تعالى بالأمير غير ذلك أي شرا جعل له وزير سوء بفتح السين وضمه إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه بل يصرفه عنه قال الطيبي رحمه الله أصل وزير صدق وزير صادق ثم وزير صدق على الوصف
به ذهابا إلى أنه نفس الصدق ومجسم عنه يعني مبالغة ثم أضيف إليه لمزيد الاختصاص به ولم يرد بالصدق الاختصاص بالقول فقط بل بالأفعال والأقوال وقال الراغب يعبر عن كل فعل فاضل ظاهرا وباطنا بالصدق ويضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به نحو قوله تعالى في مقعد صدق القمر أي وقدم صدق وعلى عكس ذلك وزير سوء رواه أبو داود والنسائي وكذا البيهقي وروى الديلمي في مسند الفردوس عن مهران مرفوعا إذا أراد الله بقوم خيرا ولى عليهم حلماءهم وقضى بينهم علماؤهم وجعل المال في سمحائهم وإذا أراد بقوم شرا ولى عليهم سفهاءهم وقضى بينهم جهالهم وجعل المال في بخلائهم وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي قال إن الأمير وفي معناه الوزير إذا ابتغى الريبة بكسر أوله أي التهمة في الناس بأن طلب عيوبهم وتجسس ذنوبهم واتهمهم في تفحص أحوالهم أفسدهم أي أفسد عليهم أمور معاشهم ونظام معادهم لأن الإنسان قلما يخلو عن ذم فلو أدبهم لكل قول وفعل بهم لشق الحال عليهم بل ينبغي له ما أمكن أن يستر عليهم ألا ترى ما تقدم في الحدود من تلقين المعترف بالذنب دفعا لدرء الحد عنه وقد قال من ستر أخاه المسلم ستره الله يوم القيامة رواه أحمد عن رجل وفي حديث آخر من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا ميتا رواه الطبراني والضياء عن شهاب رواه أبو داود وفي الجامع الصغير رواه أبو داود والحاكم عن جبير بن نفير وكثير بن مرة والمقدام وأبي أمامة وعن معاوية رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول إنك إذا اتبعت من الاتباع أي تتبعت عورات الناس أي عيوبهم الخفية وفي نسخة ابتغيت أي طلبت ظهور معايبهم وخللهم أفسدتهم أي حكمت عليهم بالفساد أو أفسدت أمر المعاش والمعاد والله رؤوف بالعباد قال


الطيبي رحمه الله وإنما عم في هذا الحديث بالخطاب بقوله إنك
وخص في الحديث السابق بقوله إن الأمير لئلا يتوهم أن النهي مختص بالأمير بل لكل من يتأتى منه اتباع العورات من الأمير وغيره ولو قلنا إن المخاطب معاوية على إرادة أنه سيصير أميرا فيكون معجزة لكان وجها وينصر هذا الوجه الحديث الخامس في الفصل الثالث رواه البيهقي في شعب الإيمان وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله كيف أنتم قال الطيبي رحمه الله كيف سؤال عن الحال وعامله محذوف أي كيف تصنعون فلما حذف الفعل أبرز الفاعل كقوله تعالى لو أنتم تملكون الإسراء والحال المسؤول عنه أتصبرون أم تقاتلون يدل عليه قوله أضع سيفي وقوله تصبر حتى تلقاني وقوله وأئمة من بعدي مفعول معه وقوله يستأثرون جملة حالية والعامل هو المحذوف اه وهو مبني على أصله الموافق لما في بعض النسخ من كون أئمة بالنصب وأما على رفعها كما في النسخة المعتمدة والأصول المصححة فالجملة الاسمية محلها النصب على الحالية والمعنى كيف حالكم والحال أن أمراءكم ينفردون بهذا الفيء ويختارونه ولا يعطون المستحقين منه قال ابن الهمام والفيء مال مأخوذ من الكفار بغير قتال كالخراج والجزية وأما المأخوذ بقتال فيسمى غنيمة اه ويؤيده قوله تعالى وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير الحشر الآيات وقوله عز وجل واعلموا إنما غنمتم من شيء فأن الله خمسه الأنفال الآية وفي المغرب الفيء بالهمزة ما نيل من أهل الشرك بعد ما تضع الحرب أوزارها وتصير الدار دار الإسلام وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس والغنيمة ما نيل منهم عنوة والحرب قائمة وحكمها أن تخمس وسائر ما بعد الخمس للغانمين خاصة والنفل ما ينفل الغازي أي يعطاه زائدا على سهمه قال الطيبي رحمه الله والفيء في الحديث يشملها إظهارا لظلمهم واستئثارهم بما ليس من حقهم ومن ثم جاء باسم


الإشارة لمزيد تصوير ظلمهم ويبينه قول المظهر يعني يأخذون مال بيت المال وما حصل من الغنيمة ويستخلصونه لأنفسهم ولا يعطونه لمستحقيه قلت أما بالتخفيف بمعنى إلا للتنبيه والذي بعثك بالحق أي بالصدق أو ملتبسا بالحق أضع سيفي على عاتقي ثم أضرب به أي أحاربهم حتى ألقاك أي أموت وأصل إليك بالشهادة قال الطيبي رحمه الله ثم لتراخي رتبة الضرب عن الوضع وعبر عن كونه شهيدا بقوله حتى ألقاك وحتى يحتمل أن تكون بمعنى كي وبمعنى الغاية
قال أو لا أدلك وفي نسخة أفلا أدلك قال الطيبي دخل حرف العطف بين كلمة التنبيه المركبة من همزة الاستفهام ولا النافية وجعلتا جملتين أي أتفعل هذا أو لا أدلك على خير من ذلك تصبر خبر بمعنى الأمر أي اصبر على ظلمهم ولا تحاربهم حتى تلقاني رواه أبو داود
الفصل الثالث


عن عائشة رضي الله عنه عن رسول الله قال أتدرون أي أتعلمون من السابقون من استفهامية علقت عمل الدراية وسدت بما بعده مسد مفعولية ذكره الطيبي أي المسارعون إلى ظل الله أي ظل عرشه أو تحت حمايته عز أي ذاته وجل أي صفاته يوم القيامة ظرف للسبق قالوا الله ورسوله أعلم قال الذين أعطوا الحق بصيغة المجهول أي إذا أعطى لهم حقهم أو قيل لهم كلمة الحق قبلوه أي أخذوه أو انقادوه وإذا سألوه وفي نسخة بحذف الضمير بذلوه وفي نسخة بحذف الضمير فيهما أي وإذا سئلوا عن كلمة الحق أجابوه ولم يكتموه ولم يخافوا فيه لومة لائم أو إذا طلبهم أحد حقه بذلوه بالإعطاء على وجه الإيفاء وحكموا للناس أي للأجانب ولو كان حقيرا كحكمهم لأنفسهم أي لذواتهم وقراباتهم كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا النساء قد سبق في الحديث كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته قال الراغب أصل الحق المطابقة والموافقة لمطابقة رجل الباب في حقه لدورانه على استقامة والحق يقال على أوجه لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة ولهذا قيل في الله تعالى هو الحق ولما يوجد بحسب مقتضى الحكمة ولهذا يقال فعل الله تعالى كله حق وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك لشيء في نفسه وللفعل وللقول الواقع بحسب ما يجب وقدر ما يجب وفي الوقت الذي يجب كقولنا فعلك حق وقولك حق قال تعالى وكذلك حقت كلمة ربك يونس ويقال


أحققت كذا أي أثبته حقا أو حكمت بكونه حقا قال الطيبي يمكن أن ينزل هذا الحديث على أكثر هذه المعاني أحدها على الفعل الحق والقول الحق والمراد بالسابقون العادلون من الأئمة لقوله سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل يعني إذا نصحهم ناصح وأظهر كلمة الحق العادل قبلوها وفعلوا مقتضاها من البذل للرعية ومن الحكم بالسوية وثانيها على الواجب للإنسان من العطيات يعني إذا ثبت له حق ثابت إذا أعطى قبل ثم بذل للمستحقين لينال درجة الأسخياء والأصفياء الذين ينفقون أموالهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ومنه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لعمر رضي الله عنه خذه فتموله وتصدق به الحديث وثالثها على ما يوجد بحسب مقتضى الحكمة وعليه قوله كلمة الحق ضالة الحكيم فحيث وجدها فهو أحق بها لأنه يعلمها ويعمل بها ويعلمها غيره فعلمه بها هو القبول وتعليم الغير هو البذل والعمل بها هو الحكم ولعمري أن هذا الحديث من الكلمات التي هي ضالة كل حكيم فالمراد بالسابقين على الوجهين الأخيرين هم السابقون السابقون أولئك المقربون وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول ثلاث أي من الخصال وفي نسخة ثلاثة أي من الأفعال أخاف على أمتي أي من وقوعهم فيها أو من عدم احترازهم عنها الاستسقاء أي طلب المطر والماء بالأنواء أي بظهور الكواكب أو بمنازل القمر في السماء قال صاحب النهاية الأنواء هي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها ويسقط في المغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر وتطلع أخرى في مقابلتها ذلك الوقت في الشرق فينقضي جميعها في انقضاء السنة وكانت العرب تزعم أن بسقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر أو ينسبونه إليها فيقولون مطرنا بنوء كذا وإنما سمي نوأ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق من ناء ينوء نوأ أي نهض وطلع وقيل أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد وإنما غلظ النبي في أمر


الأنواء لأن العرب كانت تنسب المطر إليها فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى وأراد بقوله مطرنا بنوء كذا أي في وقت كذا وهو هذا النوء الفلاني فإن ذلك جائز لأن الله تعالى قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات أقول الظاهر من الحديث النبوي هو المنع
المطلق سدا للباب وقطعا للنظر عن الأسباب مع أنه قد يتخلف بتقدير رب الأرباب ولذا قال تعالى وينزل الغيث لقمان أي في وقت لا يعلمه إلا الله وحيف السلطان أي جوره وظلمه وتكذيب بالقدر أي بأن خيره وشره وحلوه ومره من عند الله قال الطيبي ولعله إنما خاف من هذه الخصال الثلاث لأن من اعتقد أن الأسباب مستقلة وترك النظر إلى المسبب وقع في شرك الشرك ومن كذب القدر وقال الأمر أنف وقع في حرف التعطيل ومن افتتن بالسلطان الجائر يأتيه الضلال وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال لي أي خصوصا أو خطابا رسول الله ستة أيام ظرف القول والمقول قوله اعقل يا أبا ذر ما يقال لك أي تفكر وتأمل واحفظ واعمل بمقتضى ما أقول لك بعد أي بعد هذا اليوم ومنه قوله تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون العنكبوت وقيل ستة أيام ظرف اعقل وقوله ما يقال جواب لقوله أي شيء أعقل بستة أيام والأول هو الظاهر فلما كان اليوم السابع قال أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته قال الطيبي رحمه الله وإنما فعل ذلك لينبه أن ما يقوله بعد معنى يجب تلقيه بالقبول والقيام بحقه ولعمري أن الكلمة الأولى لو أدى حقها لكفي بها كلمة جامعة قلت ولهذا قال تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله النساء وعنه عليه الصلاة والسلام أني أعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق الآية فما زال يقرؤها ويعيدها وجاء في حديث أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء وفي رواية فإنه رأس الأمر كله قال الطيبي ومنه قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته آل عمران أي


تنزه عما يشغل سرك عن الحق وتوجه بشرا شرك إليه تبتيلا وهذا هو التقوى الحقيقية التي لا غاية لها وقوله وإذا أسأت فأحسن إشارة إلى أن الإنسان مجبول على الشهوات ومقتضى البهيمية والسبعية والملكية فإذا ثارت من تلك الرذائل رذيلة يطفئها بمقتضى الملكية كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم اتبع السيئة الحسنة تمحها وهو يحتمل معنيين أحدهما أنه إذا فعل معصية يحدثها توبة أو طاعة وإذا أساء إلى شخص
أحسن إليه ومنه قوله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فصلت الآية ولا تسألن أحدا أي من المخلوقين شيئا فيه انتهاء درجة التوكل عليه وتفويض الأمور إليه وقوله وإن سقط سوطك تتميم له ووجهه أن السؤال ذل ولا يجوز إلا للعزيز الكريم وقيل إنه حرام لغير ضرورة لاشتماله على الشكاية من الرب الرحيم ولذا كان يقول الإمام أحمد في دعائه اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك فصن وجهي عن مسألة غيرك وفي حديث إن كنت لا بد سائلا فسل الصالحين رواه أبو داود والنسائي الفراسي ولا تقبض أمانة أي من الناس بلا ضرورة مخافة الخيانة ولكونها مظنة التهمة ففيه دلالة على ثقل محملها وصعوبة أدائها ولذلك مثل الله تعالى ماله من التكليفات على المخلوقات بقوله إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا الأحزاب ولا تقض بين اثنين أي لا تحكم بين شخصين فضلا عن أن يكون زائدا وفيه إشارة إلى معنى قوله من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين وسيأتي ويمكن أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما نهى أبا ذر عن قبض الأمانة والحكم في الخصومة لضعفه عن القيام بهما كما سبق في الفصل الأول أنه لما طلب الإمارة قال له صلى الله تعالى عليه وسلم يا أبا ذر إني أراك ضعيفا لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي أنه قال ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتاه الله عز وجل


أي جاءه أمر الله أو ملائكته حال كونه مغلولا يوم القيامة وفي نسخة أتى الله وهو ظاهر موافق لما في الجامع الصغير يده إلى عنقه أي منضمة إليها قال الطيبي قوله يده يحتمل أن يكون مرفوعا بمغلولا وإلى عنقه حالا وعلى هذا يكون يوم القيامة متعلقا بمغلولا ويحتمل أن يكون مبتدأ وإلى عنقه خبره والجملة إما مستأنفة أو حال بعد حال وحينئذ يوم القيامة إما ظرف لأتاه وهو الأوجه أو لمغلولا وإذا كانت مستأنفة كانت بيانا لمغلولا والجملتان مستأنفتان مبينتان للمجموع كأن سائلا سأل أولا عن كيفية هيئة المغلول فأجيب يده إلى عنقه ثم سأل ثانيا فما يجري عليه بعد ذلك فأجيب


فكه بره بكسر الموحدة أي خلصه عدله وإحسانه أو أوبقه اثمه أي أهلكه ظلمه وعصيانه أولها أي ابتداء الإمارة ملامة أي عند أهل السلامة وأوسطها ندامة أي للنفس اللوامة وآخرها أي نتيجتها خزي أي فضيحة تامة يوم القيامة فإن الدنيا مزرعة الآخرة وبهذا يرتفع سؤال وجواب أوردهما الطيبي حيث قال فإن قلت آخر الشيء منقضاه فلا يصح أن يتخلل بينه وبين ما هو آخره غيرهما ولا شك أن الإمارة تنقضي في الدنيا فكيف يكون الخزي يوم القيامة آخره قلت تعتبر صفة الإمارة مستمرة إلى يوم الدين على سبيل المجاز ثم قال قوله أولها ملامة إشارة إلى أن من يتصدى للولاية الغالب غر غير مجرب للأمور ينظر إلى ملاذها ظاهرا فيحرص في طلبها ويلومه أصدقاؤه ثم إذا باشرها يلحقه تبعاتها وما تؤول إليه من وخامة عاقبتها ندم وفي الآخرة خزي ونكال وهذا على رأي من قال إن الجمل المتناسقة إذا أتي بقيد بعدها يختص بالأخير وأما من قال إنه مشترك بينها تكون الملامة والندامة والخزي يوم القيامة ويؤيد الأول قوله أتاه الله عز وجل مغلولا يوم القيامة يده إلى عنقه فإن إتيانه مغلولا يده إلى عنقه هو الخزي وهو الذل والهوان وعن معاوية رضي الله عنه قال قال رسول الله يا معاوية إن وليت بضم واو وتشديد لام مكسورة أي جعلت واليا أمرا أي من أمور الولاية والحكومة فاتق الله أي فيما بينك وبينه واعدل أي فيما بين الناس قال أي معاوية فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول النبي حتى ابتليت بصيغة المجهول وحتى غاية لقوله أظن أو فما زلت قال الطيبي الفاء فيه للتسبب يعني بسبب قول رسول الله حصول ظني فإن حمل أن في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم إن وليت على الجزم كما في قوله في حديث عائشة إن يكن هذا من عند الله يمضه وكان الملك أخبره بالقضية كان الظن بمعنى اليقين كما في قوله تعالى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم البقرة فيكون معنى الغاية في حتى نقلا من علم اليقين إلى حق اليقين وإن حمل على


الترديد فالظن مجرى على معناه لأن ترديد مثل رسول الله لا يكون إلا راجحا عند أمته فمعنى الغاية في حتى النقل من الظن إلى اليقين
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله تعوذوا بالله من رأس السبعين أي من فتنة تنشأ في ابتداء السبعين من تاريخ الهجرة أو وفاته عليه الصلاة والسلام وإمارة الصبيان بكسر أوله أي ومن حكومة الصغار الجهال كيزيد بن معاوية وأولاد الحكم بن مروان وأمثالهم وأغرب الطيبي حيث قال قوله وإمارة الصبيان حال أي والحال أن الصبيان أمراء يدبرون أمر أمتي وهم أغيلمة من قريش رآهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في منامه يلعبون على منبره عليه الصلاة والسلام وقد جاء في تفسير قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس الإسراء أنه رأى في المنام إن ولد الحكم يتداولون المنبر كما يتداول الصبيان الكرة روى الأحاديث الستة أي من أول الفصل أحمد ووافقه الطبراني في الحديث الأول وروى الطبراني والضياء عن عوف بن مالك ولفظه إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل وروى البيهقي حديث معاوية في دلائل النبوة وأخرج ابن عساكر بسند واه عن ابن عباس رضي الله عنه قال كنت عند النبي وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية رضي الله تعالى عنهم إذ أقبل علي فقال النبي لمعاوية أتحب عليا قال نعم قال إنها ستكون بينكما هنية قال معاوية فما بعد ذلك يا رسول الله قال عفو الله ورضوانه قال رضينا بقضاء الله فنزل ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد كذا في الدر المنثور في التفسير المأثور وعن يحيى بن هاشم عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه رضي الله عنه لم يذكره المصنف في الصحابة وقال في فصل التابعين هو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي رأى عليا وابن عباس وغيرهما من الصحابة وسمع البراء بن عازب وزيد بن أرقم وروى عنه الأعمش وشعبة والثوري وهو تابعي


مشهور كثير الرواية ولد لسنتين من خلافة عثمان رضي الله عنه ومات سنة تسع وعشرين ومائة والسبيعي بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وبالعين المهملة قال قال رسول الله كما تكونون أي مثل ما تكونون من الصلاح وضده كذلك أي مثله وعلى وفقه يؤمر بتشديد الميم أي يجعل أميرا وحاكما عليكم قال الطيبي الكاف مرفوع المحل على الابتداء والخبر يؤمر وكذلك
جيء به تأكيدا وتقريرا للتشبيه وفي معناه قوله أعمالكم عمالكم والحديث يوضحه الحديث الآتي لأبي الدرداء اه وفي الجامع الصغير بلفظ كما تكونوا يولي عليكم رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة والبيهقي عن أبي إسحاق السبيعي مرسلا اه وقوله كما تكونوا بحذف النون ويولي بإثبات الياء المنقلبة ألفا وهو المشهور على الألسنة وهو كذلك في لفظ الزركشي وقال رواه ابن جميع في معجمه عن أبي بكرة والبيهقي في الشعب من حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبيه مرفوعا ثم قال وهذا منقطع وفي مختصر المقاصد لابن الربيع حديث كما تكونون بإثبات النون يولي عليكم أو يؤمر عليكم بصيغة الشك أخرجه الديلمي من حديث أبي بكرة مرفوعا وأخرجه البيهقي بلفظ يؤمر عليكم بدون شك وبحذف أبي بكرة وقال إنه منقطع وفي طريقه يحيى بن هاشم وهو في عداد من يضع اه ووجه حذف النون إن ما مصدرية عملت عمل أن كما أنها عوملت معاملة ما في قوله تعالى أن يتم الرضاعة البقرة بالرفع في رواية شاذة وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال إن السلطان ظل الله وفي رواية ظل الرحمن في الأرض لأنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس وقد يكنى بالظل عن الكنف والحماية كذا في النهاية وقال الطيبي ظل الله تشبيه وقوله يأوي إليه كل مظلوم من عباده جملة مبينة لما شبه به السلطان بالظل أي كما أن الناس يستروحون إلى برد الظل من حر الشمس كذلك يستروحون إلى برد عدله من حر الظلم وإضافه إلى الله تشريفا له كبيت الله وناقة الله وإيذانا بأنه ظل ليس


كسائر الظلال بل له شأن ومزيد اختصاص بالله لما جعل خليفة الله في أرضه ينشر عدله وإحسانه في عباده ولما كان في الدنيا ظل الله يأوي إليه كل ملهوف يأوي هو في الآخرة إلى ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر وإذا جار وفي رواية أو حاف أو ظلم كان عليه الإصر بكسر أوله أي الوزر كما في رواية وعلى الرعية الصبر ففيه إشارة إلى أن الإمام العادل نعمة ومنحة والسلطان الظالم نقمة ومحنة وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أي لكل مؤمن إذ ورد في الحديث الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر وفقنا الله تعالى بهما قال الطيبي فإن قلت دلت الإضافة وقوله يأوي إليه كل مظلوم أن السلطان عادل فكيف يستقيم على هذا أن يقول وإذا جار كان عليه الإصر قلت قوله السلطان


ظل الله بيان لشأنه وإنه مما ينبغي أن يكون كذلك فإذا جار كأنه خرج عما من شأنه أن يكون ظل الله تعالى وعليه يا داود إنا جعلناك خلفية في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ص فرتب عليه الحكم بالوصف المناسب ونهى عما لا يناسب أقول الظاهر أن السلطان ظل الله على كل حال فإنه ينتفع به في الجملة والتقسيم إنما هو باعتبار الوصف الأغلب عليه من العدل أو الجور أو بخصوص قضية جزئية من الأحكام الكلية فيجب الصبر والشكر على الرعية بمقتضى هذه الحكمة العلية ويؤيده ما سبق من حديث سيليكم أمراء يفسدون في الأرض وما يصلح الله بهم أكثر فمن عمل منهم بطاعة الله فلهم الأجر وعليكم الشكر ومن عمل منهم بمعصية الله فعليهم الوزر وعليكم الصبر ثم لا شك أن السلطان حين ظلمه إنما يكون ظل الشيطان لكنه بإرادة الرحمن فالرضا بالقضاء باب الله الأعظم والله سبحانه وتعالى أعلم ويؤيده ما رواه أبو الشيخ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه السلطان العادل المتواضع ظل الله وروحه في الأرض يرفع له عمل سبعين صديقا وروى البيهقي عن أنس رضي الله عنه السلطان ظل الله في الأرض فمن غشه ضل ومن نصحه اهتدى وروى أبو الشيخ عن أنس السلطان ظل الله في الأرض فإذا دخل أحدكم بلدا ليس له سلطان فلا يقيمن به وروى ابن البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه الضعيف وبه ينتصر المظلوم ومن أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله إن أفضل عباد الله عند الله منزلة يوم القيامة إمام عادل رفيق أي لين الجانب مع الأقارب والأجانب لطيف مع الشريف والضعيف وإن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة وفي العدول عن شر عباد الله على ما تقتضيه المقابلة ما لا يخفى من النكتة الدالة على أنه سيىء المعاملة إمام جائر أي ظالم خرق بفتح فكسر صفة مشبهة من الخرق وهو ضد الرفق وفي الحديث الرفق يمن


والخرق شؤم وإذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب الرفق فإن الرفق لم يكن في شيء قط الا زانة وإن الخرق لم يكن في شيء قط الا شانة الحديث رواه البيهقي عن عائشة رضي الله عنه قال الطيبي وجعل الرفيق للعادل من باب التكميل فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما وصفه بالعادل رأى أن الوصف بمجرد العدل غير واف لأنه قد يكون العادل جافيا غليظ القلب فكمله بالرفيق وجعل الجائر مردفا بالخرق من باب التتميم لأن الثاني زاد مبالغة في معنى الأول لأن الجفاء والغلظة تزيد في جوره وخرقه


وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه بالواو قال قال رسول الله من نظر إلى أخيه أي المسلم نظرة يخيفه جوز أن يكون حالا من فاعل نظر وأن يكون صفة للمصدر على حذف الراجع أي بها ويؤيده ما في رواية يخيفه بها في غير حق أخافه الله أي بنظر غضب عليه جزاء وفاقا يوم القيامة قال الطيبي ذكر أخيه للاستعطاف يعني إن الأخوة تقتضي الأمنية لا سيما أخوة الإسلام والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده قلت وإيراد هذا الحديث في هذا الباب للإشارة إلى أن مجرد الإخافة يترتب عليه العقوبة يوم القيامة فكيف بما فوقها من أنواع المظلمة ويؤخذ من مفهومه إن من نظر بعين الرحمة والشفقة إلى أخيه نظر الله إليه بعين العناية يوم القيامة كما روى الحكيم عن ابن عمرو أيضا بلفظ من نظر إلى أخيه نظرة ود غفر الله له روى الأحاديث الأربعة البيهقي في شعب الإيمان وقال في حديث يحيى أي في شأنه هذا منقطع أي هذا الحديث له علة الانقطاع والمراد به هنا الإرسال لأنه حذف الصحابي وهو أبو بكرة كما سبق وهو لا يضر إذ المرسل حجة عند الجمهور لكن يضره قوله و روايته ضعيف أي ورواية يحيى ضعيفة بل قيل إنها موضوعة وذكر ضعيف لكون الفعيل يستوي فيه التذكير والتأنيث وكتب مبرك في هامش أصله ورواية ضعيف ووضع عليه رمز ظاهر وهو غير ظاهر لأن الطعن في الحديث إنما هو من جهة يحيى والله تعالى أعلم وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الله تعالى يقول أي في الحديث القدسي أنا الله قال الطيبي على أسلوب أنا أبو النجم أي أنا المعروف المشهور بالوحدانية أو المعبود وقوله لا إله إلا أنا حال مؤكدة لمضمون هذه الجملة وقوله مالك الملوك وملك الملوك من باب التدلي لإفادة التعميم أو الثاني من باب التكميل والتتميم وقال الطيبي رحمه الله وملك الملوك بعد قوله مالك الملوك من باب الترقي فإن الملك أعظم من المالك وأقوى تصرفا منه لأن المالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة والملك هو


المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين وقيل المالك أجمع وأوسع لأنه يقال مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء ولا يقال إلا ملك الناس اه وفيه أن هذا الفرق
إنما يستقيم في حد ذاتهما كما حقق في ملك يوم الدين باعتبار قرائته وإلا فلا يشك عاقل أن مالك الملوك أبلغ من ملك الملوك ولهذا قد يطلق الثاني على المخلوق ولا يصح إطلاق الأول إلا على الله سبحانه وحاصل المعنى أنه تعالى يملك جنس الملوك ويتصرف فيهم تصرف الملاك فيما يملكون وهو مقتبس من قوله تعالى قل اللهم مالك الملك آل عمران الآية وقوله قلوب الملوك في يدي استئناف على سبيل البيان يدل على التصرف التام فيه وقوله وإن العباد الواو فيه بمنزلة الفاء التفصيلية وقد روي فإن العباد إذا أطاعوني أي أكثرهم حولت قلوب ملوكهم أي قلبت قلوب ظلمتهم عليهم أي على عبادي بالرحمة والرأفة أي شدة الرأفة ففي النهاية الرأفة أرق من الرحمة ولا تكاد تقع في الكراهة والرحمة قد تقع فيها لمصلحة وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم أي قلوب ملوكهم العادلين عليهم ولعل حذف عليهم للإشارة إلى أنهم إذا صبر وإلا يضرهم بالسخطة بفتح أوله أي الكراهة وعدم الرضا بالشيء والنقمة بكسر أوله أي الكراهة والعقوبة ففي الصحاح نقمته إذا كرهته وانتقم الله منه أي عاقبه والاسم منه النقمة اه ومن الأول قوله عز وجل وما نقموا منهم البروج فساموهم بضم الميم المخففة من السوم بمعنى التكليف على ما في النهاية أي كلفوهم وعذبوهم وأذاقوهم سوء العذاب أي أشده ومنه قوله تعالى يسومونكم سوء العذاب الأعراف فلا تشغلوا بفتح الغين قال الجوهري شغلت فلانا فأنا شاغل ولا تقل أشغلته لأنها لغة ردية وفي القاموس شغله كمنعه شغلا ويضم واشغله لغة جيدة أو قليلة أو ردية والمعنى لا تستعملوا أنفسكم بالدعاء على الملوك أي بضررهم كموت وعزل فإنه قد يأتي أنحس منه ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر أي بذكرى ونسيان غيري والتضرع أي إلي والتوكل علي كي


أكفيكم بالنصب أي لكي أكفيكم ملوككم أي شرهم إذ من تضرع إليه أنجاه ومن توكل عليه كفاه في أمر دينه ودنياه رواه أبو نعيم في الحلية


باب ما على الولاة من التيسير
الولاة بضم الواو جمع الوالي وهو يشمل الخليفة وغيره ومن بيان لما وعلى للوجوب أي باب ما يجب على الحكام من تيسير الأمور وتسهيلها على رعاياهم في قضاياهم
الفصل الأول
عن أبي موسى رضي الله عنه قال كان رسول الله إذا بعث أحدا أي أراد إرسال أحد من أصحابه في بعض أمره أي من أمر الحكومة قال بشروا أي الناس بالأجر والمثوبات على الطاعات وفعل الخيرات والخطاب له ولأتباعه أو جمع لإفادة التعميم دون تخصيصه ولا تنفروا بتشديد الفاء المكسورة أي لا تخوفوهم بالمبالغة في إنذارهم حتى تجعلوهم قانطين من رحمة الله بذنوبهم وأوزارهم أو بشروهم على الطاعة بحصول الغنائم وغيرها في البلاد ولا تنفروهم بالظلم والغلاظة عن الانقياد وبما ذكرناه من الوجهين في الجهتين المقابلتين ظهرت المناسبة بين الجملتين المتعاطفتين وقال الطيبي هو من باب المقابلة المعنوية إذ الحقيقة أن يقال بشروا ولا تنذروا واستأنسوا ولا تنفروا فجمع بينهما ليعم البشارة والنذارة والاستئناس والتنفير اه وفيه أن الإنذار مطلوب أيضا لقوله تعالى وأنذر به الذين يخافون الأنعام وقوله عز وجل ولينذروا قومهم التوبة ولأن أمر السياسة والحكومة لا يتم بدون الإنذار مع مجرد البشارة ويسروا أي سهلوا عليهم الأمور من أخذ الزكاة باللطف بهم ولا تعسروا أي بالصعوبة عليهم بأن تأخذوا أكثر مما يجب عليهم أو أحسن منه أو بتتبع عوراتهم وتجسس حالاتهم متفق عليه ورواه أبو داود


وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله يسروا ولا تعسروا وسكنوا بتشديد الكاف أمر من التسكين أي سكنوهم بالبشارة أو الطاعة وفي رواية الجامع وبشروا ولا تنفروا أي بالمبالغة في الإنذار أو بتكليف الأمور الصعبة الموجبة للإنكار ويؤيده ما في النهاية أي لا تكلفوهم بما يحملهم على النفور متفق عليه ورواه أحمد والنسائي وعن أبي بردة رضي الله عنه صوابه ابن أبي بردة لما سيأتي قال بعث النبي جده أبا موسى ومعاذا أي ابن جبل إلى اليمن ظاهر إيراد المصنف يقتضي أن أبا موسى جد أبي بردة وليس كذلك بل هو أبوه فالصواب أن يقال عن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه قال بعث النبي جده أبا موسى وضمير جده لعبد الله هكذا رواه البخاري من طريق مسلم بن إبراهيم وفي نسخة عن ابن أبي بردة فلا إيراد ولا إشكال كذا ذكره بعضهم وقال بعضهم صوابه ابن أبي بردة على ما في البخاري حيث قال سعيد بن أبي بردة قال سمعت أبي قال بعث النبي أبي ومعاذا إلى اليمن ونقل بعضهم عن جامع الأصول أن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري كان على البصرة سمع أباه وغيره وروى عنه قتادة ونفر من الإعلام وهو قليل الحديث حسنه وقال المؤلف أبو بردة عامر بن عبد الله بن قيس الأشعري أحد التابعين المشهورين المكثرين سمع أباه وعليا وغيرهما كان على قضاء الكوفة بعد شريح فعزله الحجاج قال أيضا أبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينة ورسول الله بخيبر وولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه البصرة سنة عشرين فافتتح أبو موسى الأهواز ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان ثم عزل عنها فانتقل إلى الكوفة فأقام بها وكان واليا على الكوفة إلى أن قتل عثمان رضي الله عنه ثم انتقل أبو موسى إلى مكة بعد التحكيم فلم يزل بها إلى أن مات سنة اثنتين وخمسين اه والظاهر أن أبا بردة له أولاد متعددة وروى كل منهم عن أبيه عن جده وحيث إن كلا منهم ثقة لم تضره


الجهالة في تنكير ابن في الرواية فقال أي النبي أي لهما معا
أو لكل منهما منفردا والأول هو الظاهر لما سيأتي يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا أي اتفقا في الحكم ولا تختلفا أي في الأمر وهذا بحسب الظاهر يدل على أن أحدهما تحت أمر الآخر قال الطيبي يعني كونا متفقين في أحكامكما ولا تختلفا فإن اختلافكما يؤدي إلى اختلاف أتباعكما وحينئذ تقع العداوة والمحاربة بينهم متفق عليه قال الطيبي الأحاديث الثلاثة متعاضدة على معنى عدم الحرج والتضييق في أمور الملة الحنيفية السمحة كما قال تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج الحج مفعول أول وفي الدين ثان وزيدت من للاستغراق والتنكير في حرج للشيوع وعليكم متعلق به قدم للاختصاص كأنه قيل وسع الله عليكم دينكم يا أمة محمد نبي الرحمة خاصة ورفع الحرج عنكم أيا كان فظهر من هذا ترجيح فعل الأولين من السلف الصالحين على رأي المتكلفين فيما نقله الشيخ محيي الدين النووي في الروضة من الشرح الكبير من أنه لا يشترط أن يكون للمجتهد مذهب مدون وإذا دونت المذاهب فهل يجوز للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب إن قلنا يلزمه الاجتهاد في طلب الأعلم وغلب على ظنه أن الثاني أعلم ينبغي أن يجوز بل يجب وإن خيرناه فينبغي أن يجوز أيضا كما لو قلد في القبلة هذا أياما وهذا أياما ولو قلد مجتهدا في مسائل وآخر في مسائل أخرى واستوى المجتهدان عنده خيرناه لكن الأصوليون منعوا منه وحكى الحناطي وغيره عن أبي إسحاق فيما إذا اختار من كل مذهب ما هو أهون عليه أنه يفسق به وعن أبي حنيفة أنه لا يفسق به ويعضد هذا الترجيح قول الإمام مالك حين أراد الرشيد الشخوص من المدينة إلى العراق وقال له ينبغي أن تخرج معي فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان الناس على القرآن فقال أما حمل الناس على الموطأ فليس لك إلى ذلك سبيل لأن أصحاب رسول الله افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا فعند كل أهل مصر علم وقد قال اختلاف أمتي


رحمة وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله قال إن الغادر أي ناقض العهد والوفاء قال القاضي الغدر في الأصل ترك الوفاء وهو شائع في أن يغتال الرجل من عهده وأمنه ينصب له لواء أي يركز لأجل إفضاحه علم قائما بقدر غدره كما سيأتي يوم القيامة فيقال هذه وفي رواية زيادة إلا للتنبيه أي هذا اللواء وأنث لكونه بمعنى الراية أو مراعاة
لخبره وهي غدرة فلان ابن فلان أي علامتها أو نتيجتها أو عقوبتها فإنها فضيحة صريحة على رؤوس الإشهاد متفق عليه ورواه مالك وأبو داود والترمذي وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال لكل غادر لواء وفي نسخة أن لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به أي قدره متفق عليه وكذا أنس عنه ورواه أحمد ومسلم عن ابن مسعود ومسلم عن ابن عمر ورواه أحمد والطيالسي عن أنس ولفظه أن لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به عند استه وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي قال لكل غادر لواء عند استه بهمزة وصل وسكون سين أي خلف ظهره والاست الدبر يوم القيامة وإنما ينصب للغادر تشهيرا له بالغدر وتفضيحا على رؤوس الأشهاد وإنما قال عند استه استخفافا بذكره واستهانة بأمره أو لأن علم العزة ينتصب تلقاء الوجه فناسب أن يكون علم المذلة فيما هو كالمقابل له وفي شرح مسلم اللواء الراية العظيمة الذي لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعا له وقال العسقلاني الراية بمعنى اللواء وهو العلم الذي يحمل في الحرب يعرف به صاحب الجيش وقد يحمله أمير الجيش وقد يدفعه إلى مقدم العسكر وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادفهما وفي رواية لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدره أي طولا وعرضا في مقابلة غدره كمية وكيفية ألا للتنبيه ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة أي من غدر أمير عامة وهو من يستولي على الأمور بتقديم العوام من غير استحقاق ولا مشورة من أهل الحل والعقد وعظم قدره لنقض العهد المشروع إذ الولاية برأي الخواص وهو قد تولى ما لا


يستعده ومنعه عمن يستحقه فنقض بهذا عهد الله ورسوله وعهود المسلمين أيضا بالخروج على إمامهم والتغلب على نفوسهم وأموالهم قال النووي فيه بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما صاحب الولاية العامة لأن عذره يتعدى ضرره إلى خلق كثير والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الغادر وغدره للأمانة التي قلدها لرعيته والتزام القيام بها
والمحافظة عليها فمتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم والرفق بهم فقد غدر بعهده ويحتمل أن يكون المراد نهى الرعية عن الغدر بالإمام فلا يشق عليهم العصا فلا يتعرض لما يخاف حصول فتنة بسببه والصحيح الأول رواه مسلم
الفصل الثاني


عن عمرو بن مرة بضم الميم وتشديد الراء قال المؤلف يكنى أبا مريم الجهني ويقال الأزدي وشهد أكثر المشاهد وسكن الشام ومات في أيام معاوية روى عنه جماعة أنه قال لمعاوية سمعت رسول الله يقول من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم أي امتنع من الخروج أو من الإمضاء عند احتياجهم إليه وخلتهم بفتح خاء معجمة فلام مشددة أي وعرض شكايتهم عليه وفقرهم أي ومسكنتهم ومسائلتهم لديه يعني احتقارا بهم وعدم مبالاة بشأنهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره أي أبعده ومنعه عما يبتغيه من الأمور الدينية أو الدنيوية فلا يجد سبيلا إلى حاجة من حاجاته الضرورية ويؤيده ما رواه الطبراني عن ابن عمر مرفوعا من ولي شيئا من أمور المسلمين لم ينظر الله في حاجته حتى ينظر في حوائجهم قال القاضي المراد باحتجاب الوالي أن يمنع أرباب الحوائج والمهمات أن يدخلوا عليه فيعرضوها له ويعسر عليهم إنهاؤها واحتجاب الله تعالى أن لا يجيب دعوته ويخيب آماله والفرق بين الحاجة والخلة والفقر أن الحاجة ما يهتم به الإنسان وإن لم يبلغ حد الضرورة بحيث لو لم يحصل لا أختل به أمره والخلة ما كان كذلك مأخوذ من الخلل ولكن ربما لم يبلغ حد الاضطرار بحيث لو لم يوجد لا امتنع التعيش والفقر هو الاضطرار إلى ما لا يمكن التعيش دونه مأخوذ من الفقار كأنه كسر فقاره ولذلك فسر الفقير بالذي لا شيء له أصلا واستعاذ رسول الله من الفقر اه والأظهر أنها ألفاظ متقاربة وإنما ذكرها للتأكيد والمبالغة وقال المظهر يعني من احتجب دون حاجة الناس وخلتهم فعل الله به يوم القيامة ما فعل بالمسلمين قال الطيبي ولعل هذا الوجه أعني


التقييد بيوم القيامة أرجح لأن الترقي في قوله حاجته وخلته وفقره في شأن الملوك والسلاطين يؤذن بسد باب فوزهم بمطالبهم ونجاح حوائجهم بالكلية وليس إلا في العقبى ونحوه قوله تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون المطففين تغليظا عليهم وتشديدا ولما كان جزاء المقسطين يوم القيامة أن يكونوا على منابر من نور عن يمين الرحمن كان جزاء القاسطين البعد والاحتجاب عنهم والإقناط عن مباغيهم ويؤيده الحديث الذي يليه أفقر ما يكون فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس أي على تبليغها أو على قضائها رواه أبو داود والترمذي وفي رواية له أي للترمذي وأحمد أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته
الفصل الثالث
عن أبي الشماخ رضي الله عنه بتشديد الميم الأزدي بفتح فسكون لم يذكره المؤلف في أسمائه عن ابن عم له من أصحاب رسول الله وفي نسخة من أصحاب النبي أنه أتى معاوية فدخل عليه فقال سمعت رسول الله يقول من ولي بضم واو فتشديد لام مكسورة وفي نسخة بفتح فكسر لام مخفف من أمر الناس التعريف فيه لاستغراق الجنس فيدخل فيه المسلم والذمي والمعاهد شيئا أي من الأمور أو الولاية ثم أغلق بابه عبارة عن الاحتجاب ونصب الحجاب أو كناية عن الامتناع عن قضاء مقصود المحتاجين بالباب دون المسلمين أي والمسلم لا يمنع أو المظلوم أو ذي الحاجة وفي نسخة صحيحة دون المسكين والمظلوم وذي الحاجة وهو أنسب بالحديث السابق ودال على أن أو في تلك الرواية للتنويع والتفصيل وأنه مطلقا سواء كان مظلوما أو ذا حاجة أو غيره لا يدخل إلا للتظلم أو لحاجة ماسة أغلق الله دونه أبواب رحمته عند حاجته وفقره أي إلى الله تعالى في أمر الدنيا أو العقبى أو إلى مخلوق مثله في الدنيا حال كونه أفقر ما يكون إليه


أي أحوج أوقات يكون مفتقرا إليه ومحتاجا لديه قال الطيبي رحمه الله قد مر أن ما مصدرية والوقت مقدر وأفقر حال من المضاف إليه في فقره وجاز لأنه من إضافة المصدر إلى الفاعل وليس هذا الافتقار الكلي في وقت من الأوقات إلا يوم القيامة كما سبق في الحديث السابق وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا بعث عماله بضم عين وتشديد ميم جمع عامل أي حكامه شرط عليهم أن لا تركبوا بالخطاب حكاية للفظه برذونا بكسر موحدة وسكون راء وفتح ذال معجمة أي خيلا تركيا في المغرب البرذون التركي من الخيل والجمع البراذين وخلافها العراب والأنثى برذونة قال الطيبي رحمه الله إذا جعل العلة للنهي عن ركوب البراذين الخيلاء والتكبر كان النهي عن العراب أحرى وأولى وقال الراغب الخيلاء أو التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه ومنها تؤول لفظ الخيل لما قيل إنه لا يركب أحد فرسا إلا وجد في نفسه نحوه ولا تأكلوا نقيا وهو ما نخل مرة بعد أخرى ولا تلبسوا رقيقا ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس فإن فعلتم شيئا من ذلك فقد حلت بكم العقوبة أي في الدنيا أو العقبى قال الطيبي فالنهي عن ركوب البرذون نهي عن التكبر وعن أكل النقي ولبس الرقيق نهي عن التنعم والسرف والنهي عن الاحتجاب نهي عن تقاعدهم عن قضاء حوائج الناس والاشتغال عنهم بخويصة نفسه ثم يشيعهم بتشديد التحتية المكسورة وهو عطف على شرط والمشايعة مستحبة لما روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال مشى مع الغزاة رسول الله إلى بقيع الفرقد حين وجههم ثم قال انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم رواهما أي الحديثين البيهقي في شعب الإيمان


باب العمل في القضاء والخوف منه
عطف على العمل والضمير في منه للقضاء
الفصل الأول
عن أبي بكرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول لا يقضين أي لا يحكمن البتة حكم بفتحتين أي حاكم بين اثنين أي متخاصمين وهو غضبان بلا تنوين أي والحال أن ذلك الحكم في حال الغضب لأنه لا يقدر على الاجتهاد والفكر في مسألتهما قال المظهر أي لا ينبغي للحاكم أن يحكم في حال الغضب لأنه يمنعه عن الاجتهاد والفكر وكذلك في الحر الشديد والبرد الشديد والجوع والعطش والمرض فإن حكم في هذه الأحوال نفذ حكمه مع الكراهية متفق عليه وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه بالواو وأبي هريرة قالا قال رسول الله إذا حكم الحاكم فاجتهد عطف على الشرط على تأويل أراد الحكم فأصاب عطف على فاجتهد وفي نسخة صحيحة بالواو أي وقع اجتهاده موافقا لحكم الله فله أجران أي أجر الاجتهاد وأجر الإصابة والجملة جزاء الشرط وإذا حكم فاجتهد فأخطأ وفي نسخة وأخطأ فله أجر واحد قال الخطابي إنما يؤجر المخطىء على اجتهاده في طلب الحق


لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط وهذا فيمن كان جامعا لآلة الاجتهاد عارفا بالأصول عالما بوجوه القياس فأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه الوزر ويدل عليه قوله القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار وهذا إنما هو في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول التي هي أركان الشريعة وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه ولا مدخل فيها للتأويل فإن من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ وكان حكمه في ذلك مردودا قال النووي اختلفوا في أن كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد وهو من وافق الحكم الذي عند الله تعالى والآخر مخطىء والأصل عند الشافعي وأصحابه الثاني لأنه سمي مخطئا ولو كان مصيبا لم يسم مخطئا وهو محمول على من أخطأ النص أو اجتهد فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد ومن ذهب إلى الأول قال قد جعل للمخطىء أجر ولولا إصابته لم يكن له أجر وهذا إذا كان أهلا للاجتهاد وأما من ليس بأهل حكم فلا يحل له الحكم ولا ينفذ سواء وافق الحكم أم لا لأن إصابته اتفاقية فهو عاص في جميع أحكامه اه ومذهب أبي حنيفة فيما لا يوجد بيانه في النصوص من الكتاب والسنة والإجماع فلا إمكان له إلا بالقياس فيكون كمتحري القبلة فإنه مصيب وإن أخطأ متفق عليه ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن العاص وأحمد والستة عن أبي هريرة رضي الله عنه
الفصل الثاني


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من جعل بصيغة المجهول أي من جعله السلطان قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين قال الطيبي يحتمل وجوها الأول قال القاضي يريد به القتل بغيره كالخنق والتغريق والإحراق والحبس عن الطعام والشراب فإنه أصعب وأشد من القتل بالسكين لما فيه من مزيد التعذيب وامتداد مدته الثاني أن الذبح إنما يكون في العرف بالسكين فعدل به إلى غيره ليعلم أن الذي أراد به ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه قال صاحب الجامع قال التوربشتي وشتان بين


الذبحين فإن الذبح بالسكين عناء ساعة والآخر عناء عمر بله ما يعقبه من الندامة يوم القيامة الثالث قال الأشرف يمكن أن يقال المراد به أن من جعل قاضيا فينبغي أن يموت جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة فهو مذبوح بغير سكين قال الطيبي رحمه الله فعلى هذا القضاء مرغوب فيه ومحثوث عليه وعلى الوجهين الأولين تحذير على الحرص عليه وتنبيه على التوقي منه لما تضمن من الأخطار المردية قال المظهر خطر القضاء كثير وضرره عظيم لأنه قلما عدل القاضي بين الخصمين لأن النفس مائلة إلى من يحبه أو يخدمه أو من له منصب يتوقى جاهه أو يخاف سلطنته وربما يميل إلى قبول الرشوة وهو الداء العضال رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه وكذا الحاكم في مستدركه وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله من ابتغى أي طلب في نفسه القضاء أي الحكومة الشاملة للإمارة وسأل أي وطلبه من الناس وفي رواية وسأل فيه شفعاء وكل بضم واو فكاف مخففة مكسورة إلى نفسه أي لم يعنه الله وخلي مع طبعه وما اختاره لنفسه ومن أكره عليه أي واختاره بحكم إجباره أو تعينه معتقدا إن الخير فيما اختاره الله له أنزل الله عليه ملكا أي من حيث لا يعلم يسدده أي يحمله على السداد والصواب قال الطيبي رحمه الله وإنما جمع بين ابتغى وسأل إظهارا لحرصه فإن النفس ماثلة إلى حب الرياسة وطلب الترفع على الناس فمن منعها سلم من هذه الآفات ومن اتبع هواها وسأل القضاء هلك فلا سبيل إلى الشروع فيه إلا بالإكراه وفي الإكراه قمع هوى النفس فحينئذ يسدد ويوفق لطريق الصواب وإلى هذا نظر من قال من جعل قاضيا فينبغي أن يموت جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة قلت ويؤيده ما رواه الدارقطني والبيهقي والطبراني عن أم سلمة مرفوعا من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ومجلسه وفي رواية أخرى للطبراني والبيهقي عنها أيضا من ابتلى بالقضاء بين المسلمين فلا يرفع صوته على أحد الخصمين ما


لا يرفع على الآخر رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه
وعن بريدة رضي الله عنه قال قال رسول الله القضاة ثلاثة أي ثلاثة أنواع واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحكم أي عالما به متعمدا له فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار قال الطيبي رحمه الله قوله ورجل عرف الحق قرنه بقوله فأما الذي في الجنة وترك أداة التفصيل فيها ظاهرا لئلا يسلكا في سلك واحد لبعد ما بينهما وإنما قلنا ظاهرا لأن التقدير فأما الذي في النار فرجل كذا ونحوه قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منهم آل عمران والراسخون في العلم يقولون أي فأما الراسخون فيقولون وهو من فصيح الكلام وبليغه والفاء في فرجل جواب لما وفى فقضى مسبب عن عرف والمسبب صفة رجل والفاء في فجار مثلها في فقضى لكن على التعكيس يعني عرفان الحق سبب لقضاء الحق فعكس وجعله سببا للجور كقوله تعالى وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون الواقعة أي تجعلون شكر رزقكم التكذيب وهو موجب للتصديق وقوله فهو في النار خبر رجل وهو جواب أما المقدر على أن المبتدأ نكرة موصوفة وعلى جهل حال من فاعل قضى أي قضى للناس جاهلا رواه أبو داود وابن ماجه وفي الجامع الصغير القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورواه الأربعة والحاكم عن بريدة ورواه الطبراني عن ابن عمر ولفظه القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة قاض قضى بالهوى فهو في النار وقاض قضى بغير علم فهو في النار وقاض قضى بالحق فهو في الجنة وفي رواية للحاكم عن بريدة قاضيان في النار وقاض في الجنة قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فجار متعمدا أو قضى بغير علم فهما في النار وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من طلب قضاء


المسلمين
حتى يناله أي إلى أن يدرك القضاء ثم غلب عدله جوره أي قوي عدله على جوره بحيث منعه عن الجور أو الظلم في الحكم فله الجنة أي مع الفائزين قال الطيبي إن يقل قوله حتى غاية للطلب وحتى للتدرج فيفهم منه أنه بالغ في الطلب وبلغ مجهوده فيه ثم ناله فمثل هذا موكول إلى نفسه فلا ينزل عليه ملك يسدده فكيف يغلب عدله جوره وقد قال في الحديث السابق من ابتغى القضاء وسأل وكل إلى نفسه فكيف الجمع بينهما يمكن أن يقال الطالب رجلان رجل مؤيد بتأييد الله محدث ملهم كالصحابة ومن بعدهم من التابعين فإذا طلبه بحقه فمثل هذا لا يكون موكولا إلى نفسه وهو يقضي بالحق وهذا هو الذي غلب عدله جوره ورجل ليس كذلك وهو الذي وكل إلى نفسه فيغلب جوره عدله وهذا معنى قوله من غلب جوره عدله فله النار قال التوربشتي ربما يسبق إلى فهم بعض من لا يتحقق القول أن المراد من الغلبة أن يزيد ما عدل فيه على ما جار وهذا باطل قال الطيبي وفي تأويله وجوه أحدها ما قاله التوربشتي إن المراد من الغلبة في كلا الصيغتين أن تمنعه إحداهما عن الأخرى فلا يجور في حكمه يعني في الأول ولا يعدل يعني في الثاني قلت الثاني لا يحتاج إلى تأويل لأن من كثر ظلمه بالنسبة إلى عدله فله النار أيضا ويفهم بطريق الأولى إن من لا يعدل أصلا أنه في النار ففيه إشارة إلى قوله قاض في الجنة وقاضيان في النار وإنما المحتاج إلى التأويل هو الأول فتأمل وثانيهما ما قاله المظهر أن من قوي عدله بحيث لا يدع أن يصدر منه جور قلت هذا هو عين الوجه الأول وثالثها ما قاله القاضي إن الإنسان خلق في بدء فطرته بحيث يقوى على الخير والشر والعدل والجور ثم إنه يعرض له دواع داخلية وأسباب خارجية تتعارض وتتصارع فيجذبه هؤلاء مرة وهؤلاء أخرى حتى يفضي التطارد بينهما إلى أن يغلب أحد الحزبين ويقهر الآخر فينقاد له بالكلية ويستقر على ما يدعوه إليه فالحاكم إن وفق له حتى غلب له أسباب العدل قائما فيه دواعيه صار


بشرا شره مائلا إلى العدل مشغوفا به متحاشيا عما ينافيه فينال به الجنة وإن عدل بأن كان حاله على خلاف ذلك جار بين الناس ونال بشؤمه النار اه وفيه إن هذا تفصيل وتوجيه للقول الأول فلا تغفل نعم له معنى ثان وهو أن يكون المراد من عدله وجوره صوابه وخطأه في الحكم بحسب اجتهاده فيما لا يكون فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع كما قالوه في حق المفتي والمدرس ويؤيده حديث إن الله مع القاضي ما لم يحف عمدا كما سيأتي رواه أبو داود وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله لما بعثه إلى اليمن أي واليا


وقاضيا قال أي امتحانا له كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم تجد أي مصرحا في كتاب الله قال فبسنة رسول الله قال فإن لم تجد في سنة رسول الله قال أجتهد رأيي أي أطلب حكم تلك الواقعة بالقياس على المسائل التي جاء فيها نص وأحكم فيها بمثل المسألة التي جاء فيها نص لما بينهما من المشابهة ولا آلو بمد الهمزة متكلم من ألى يألو أي ما أقصر قال الطيبي قوله اجتهد رأيي المبالغة قائمة في جوهر اللفظ وبناؤه للافتعال للاعتمال والسعي وبذل الوسع ونسبته إلى الرأي أيضا تربية إلى المعنى قال الراغب الجهد والجهد الطاقة والمشقة والاجتهاد أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة يقال جهدت رأيي واجتهدت أتعبته بالفكر قال الخطابي لم يرد به الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه أو يخطر بباله على غير أصل من كتاب أو سنة بل أراد رد القضية إلى معنى الكتاب والسنة من طريق القياس وفي هذا إثبات للحكم بالقياس قال المظهر أي إذا وجدت مشابهة بين المسألة التي أنا بصددها وبين المسألة التي جاء في نص من الكتاب أو السنة حكمت فيها بحكمهما مثاله جاء النص بتحريم الربا في البر ولم يجىء نص في البطيخ قاس الشافعي البطيخ على البر لما وجد بينهما من علة المطعومية وقاس أبو حنيفة رحمه الله الجص على البر لما وجد بينهما من علة الكيلية قال أي معاذ فضرب رسول الله على صدره أو قال الراوي نقلا عن معاذ فضرب رسول الله على صدره ويمكن أن يكون المراد على صدري بطريق الالتفات أو على سبيل التجريد وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله أي لما يحبه ويتمناه من طلب طريق الصواب قال الطيبي فيه استصواب منه لرأيه في استعماله وهذا معنى قولهم كل مجتهد مصيب ولا ارتياب أن المجتهد إذا كدح في التحري وأتعب القريحة في الاستنباط استحق أجرا لذلك وهذا بالنظر إلى أصل الاجتهاد فإذا نظر إلى الجزئيات فلا يخلو من أن يصيب في مسألة من المسائل أو


يخطىء فيها فإذا أصاب ثبت له أجران أحدهما باعتبار أصل الرأي والآخر باعتبار الإصابة وإذا أخطأ فله أجر واحد باعتبار الأصل ولا عليه شيء باعتبار الخطأ رواه الترمذي وأبو داود والدارمي وعن علي رضي الله عنه قال بعثني رسول الله إلى اليمن
قاضيا أي أراد بعثي فقلت يا رسول الله ترسلني فيه تفنن للعبارة والتقدير أترسلني وأنا حديث السن أي والحال أني صغير العمر قليل التجارب ولا علم لي أي كاملا بالقضاء وليس هذا تعللا بل المقصود منه إمداد المدد فقال إن الله سيهدي قلبك أي بالفهم ويثبت لسانك أي بالحكم ونظيره ما وقع لموسى وهارون حيث قال تعالى اذهبا إلى فرعون أنه طغى طه الآية قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى طه ويمكن أن يكون بطريق الإشارة الصوفية ترجيح مرتبة الحضور مع الله ورسوله على جميع المناصب العلية والمراتب السنية ولذا لما عرض السلطان محمود جميع مناصبه على عبده أياز الخاص امتنع من قبولها واختار ملازمة الخواص على وجه الإخلاص قال المظهر لم يرد به نفي العلم مطلقا وإنما أراد به أنه لم يجرب سماع المرافعة بين الخصماء وكيفية دفع كلام كل واحد من الخصمين ومكرهما وقال الطيبي السين في قوله سيهدي قلبك كما في قوله تعالى إني ذاهب إلى ربي سيهدين الصافات فإن السين فيهما صحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه ولا شك أنه رضي الله عنه حين بعثه قاضيا كان عالما بالكتاب والسنة كمعاذ رضي الله عنه وقوله أنا حديث السن اعتذار من استعمال الفكر واجتهاد الرأي من قلة تجاربه ولذلك أجاب بقوله سيهدي قلبك أي يرشدك إلى طريق استنباط القياس بالرأي الذي محله قلبك فينشرح صدرك ويثبت لسانك فلا تقضي إلا بالحق اه وقول المظهر أوفق وأظهر بقوله إذا تقاضى أي ترافع إليك رجلان أي متخاصمان فلا تقض للأول أي من الخصمين وهو المدعي حتى تسمع كلام الآخر أي فإنك لم تتمكن من الاستنباط وتمييز الحق من الباطل بسماع


كلام أحد الخصمين فقوله إذا تقاضى الخ مقدمة للإرشاد وأنموذج منه قال الخطابي فيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب وذلك أنه إذا منعه من أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران حتى يسمع كلام الآخر ففي الغائب أولى بالمنع وذلك لإسكان أن يكون مع الغائب حجة تبطل دعوى الآخر وتدحض حجته قال الأشرف لعل مراد الخطابي بهذا الغائب الغائب عن محل الحكم فحسب دون الغائب إلى مسافة القصر فإن القضاء على الغائب إلى مسافة القصر جائز عند الشافعي فإنه أي ما ذكر من كيفية القضاء أحرى أي حري وحقيق وجدير أن يتبين لك القضاء قال فما شككت في قضاء بعد أي بعد دعائه وتعليمه ولعل هذا وجه كونه رضي الله عنه أقضاهم على ما ذكره الجزري بإسناده في أسنى المناقب عن سعيد بن جبير رضي الله عنه عنه ابن عباس رضي الله عنهما قال قال عمر رضي الله عنه علي أقضانا وأبي بن كعب أقرؤنا رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وسنذكر حديث أم سلمة أي مرفوعا إنما أقضي بينكم برأيي لفظ الحديث
الآتي بينكما بصيغة التنبيه في باب الأقضية والشهادات لأنه أنسب بذلك المحل فتدبر وتأمل إن شاء الله تعالى متعلق بسنذكر
الفصل الثالث


عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله ما من حاكم من زائدة للاستغراق وحاكم نكرة في سياق النفي فيشمل كل عادل وظالم يحكم بين الناس إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بصيغة الفاعل بقفاه ثم يرفع أي الملك رأسه إلى السماء أي منتظرا لأمر الله فيه فإن قال أي الله تعالى ألقه بسكون الهاء وكسر مع إشباعه وقصره أي ارمه ألقاه في مهواة بفتح فسكون أي مهلكة ومسقطة أربعين خريفا أي سنة ففي النهاية الخريف الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء ويريد به أربعين سنة لأن الخريف في السنة لا يكون إلا مرة واحدة وأربعين مجرور المحل صفة مهواة أي مهواة عميقة فكني عنه بأربعين إذ لم يرد به التحديد بل المبالغة في العمق ذكره الطيبي وفي نسخة بالإضافة وفي المغرب المهواة ما بين الجبلين وقيل من الهوة وهي الحفرة وقول ابن مسعود رفعه في مهواة أربعين خريفا على الإضافة يعني في غمرة عمقها مسافة أربعين سنة هذا وقال الطيبي قوله وملك آخذ بقفاه ثم يرفع رأسه يدل على كونه مقهورا في يده كمن رفع رأسه الغل مقحما قال تعالى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ي صلى الله عليه وسلم س ثم قال قوله فإن قال الفاء للتفصيل وإن الشرطية تدل على أن غيره لا يقال في حقه ذلك بل يكون حاله على عكس ذلك فيقال في حقه أدخله الجنة فالمعنى وإن قال أدخله الجنة أدخلها فهذا الحديث كحديث أبي أمامة المذكور في الفصل الثالث من كتاب الإمارة والقضاء وهو قوله ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتاه الله عز وجل مغلولا يوم القيامة يداه إلى عنقه فكه بره أو أوبقه اثمه اه ولا يخفى بعد ضمير يرفع بعد ثم إلى الحاكم فالصواب ما قدمناه أنه راجع إلى الملك والله أعلم ثم


رأيت الحديث في الجامع الصغير بلفظ ما من حاكم يحكم بين الناس إلا يحشر يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقفه على جهنم ثم يرفع رأسه إلى الله فإن قال الله تعالى ألقه ألقاه في مهواة أربعين خريفا اه وهو صريح فيما قلنا على ما لا يخفى رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله قال ليأتين على القاضي العدل أي العادل بناء على أن المصدر بمعنى الفاعل أو أريد به المبالغة أو على تقدير مضاف أي ذي العدل يوم القيامة بالرفع وفي نسخة بالنصب أي ليأتين إتيان أو زمان ويؤيده ما في رواية الجامع ساعة يتمنى أي فيه أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط قال الطيبي قيل يوم القيامة هو فاعل ليأتين ويتمنى حال من المجرور والأوجه أن يكون حالا من الفاعل والراجع محذوف أي يتمنى فيه ويجوز أن يكون يوم القيامة منصوبا على الظرف أي ليأتين عليه يوم القيامة من البلاء ما يتمنى أنه لم يقض فإذا الفاعل يتمنى بتقدير أن وقد عبر عن السبب بالمسبب لأن البلاء سبب التمني والتقييد بالعدل والتمرة تتميم لمعنى المبالغة مما نزل به من البلاء رواه أحمد وكذا الذارقطني وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال المؤلف هو عبد الله بن أنيس الجهني الأنصاري شهد أحدا وما بعدها روى عنه أبو أمامة وجابر وغيرهما رضي الله عنهم مات سنة أربع وخمسين بالمدينة قال قال رسول الله وفي نسخة صحيحة أن الله مع القاضي ما لم يجر بضم الجيم أي ما لم يظلم فإذا جار تخلى عنه أي خذله وترك عونه وفي رواية الجامع تبرأ الله منه ولزمه الشيطان أي ولازمه العصيان رواه الترمذي وابن ماجه وكذا الحاكم والبيهقي وفي روايته أي ابن ماجه فإذا جار وكله بتخفيف الكاف إلى نفسه الجوهري وكله إلى نفسه وكلا ووكولا وهذا الأمر موكول إلى رأيك وفرس


واكل يتكل على صاحبه في العدو وواكلت فلانا مواكلة إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك هذا وفي رواية الطبراني عن ابن مسعود ورواية أحمد عن معقل بن يسار إن الله تعالى مع القاضي ما لم يحف عمدا وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قيل هو أفضل التابعين إن مسلما ويهوديا أي فردا من اليهود اختصما إلى عمر أي مترافعين إليه فرأى الحق لليهودي فقضى له أي حكم لليهودي عمر به أي بالحق فقال اليهودي والله لقد قضيت بالحق أي بتأييد الله وتوفيقه ولم تمل إلى من هو على دينك فضربه عمر بالدرة بكسر فتشديد كذا ضبطه النووي في تهذيب الأسماء وهي آلة للضرب والظاهر أنه حملها عليه وقال وما يدريك أي أي شيء يعلمك بهذا فقال اليهودي والله أنا نجد في التوراة أنه أي الشأن ليس قاض يقضي إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله بكسر أوله أي يساره ملك يسددانه بالتشديد أي يدلانه على السداد والصواب ويوفقانه للحق ما دام مع الحق وفي نسخة على الحق فإذا ترك أي القاضي الحق عرجا أي صعدا وتركاه قال الطيبي فإن قلت لم ضربه وليس بمستحق به لأنه صدقه وكيف يطابق جواب اليهودي والله أنا نجد في التوراة لقوله وما يدريك قلت لم يضربه ضربا مبرحا بل لإصابته كما يجري بين الناس على سبيل المطايبة وتطبيق الجواب أن عمر رضي الله عنه لو مال عن الحق لقضى للمسلم على اليهودي فلم يكن مسددا فلما قضى له عليه عرف بتسديده وثباته وعدم ميله من غير تغيير أنه موفق مسدد رواه مالك أي في كتاب الأقضية في ترجمة الترغيب في القضاء بالحق وعن ابن موهب رضي الله عنه بفتح الميم والهاء لم يذكره المؤلف إن عثمان ابن عفان رضي الله عنه قال لابن عمر اقض بين الناس أي اقبل القضاء بينهم قال أو تعافيني يا أمير المؤمنين أي أترحم علي وتعافيني وهو استعطاف على سبيل الدعاء قال أي


عثمان وما تكره من ذلك أي القضاء وقد كان أبوك يقضي قال لأني سمعت رسول الله يقول من كان قاضيا فقضى بالعدل عطف على الشرط فبالحري أن ينقلب منه أي يرجع من فعله كفافا بفتح الكاف أي خلاصا وهو جواب الشرط يقال فلان تحرى بكذا وحر بكذا فبالحرى أن يكون كذا أي جدير وخليق فحرى إن كان اسم فاعل يكون مبتدأ خبره أن ينقلب والباء زائدة نحو بحسبك درهم أي الخليق والجدير كونه منقلبا منه كفافا وإن جعلته مصدرا فهو خبر والمبتدأ ما بعده والباء متعلق بمحذوف أي كونه منقلبا ثابت بالاستحقاق كذا حققه الطيبي وفي نسخة أن ينفلت بالفاء والفوقية أي يتخلص منه كفافا أي رأسا برأس لا له ولا عليه يعني لا يثاب ولا يعاقب قال صاحب النهاية وفي حديث عمر وددت أني سلمت من الخلافة كفافا لا علي ولا لي والكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة وهو نصب على الحال وقيل أراد به مكفوفا عني شرها وقيل معناها أن لا ينال مني ولا أنال منه أي يكف عني وأكف عنه وقال الطيبي أي يكف هو عن القضاء ويكف القضاء عنه اه ولا يخفى أن المعنى الآخر يقتضي أن يكون الكفاف بكسر الكاف مصدر كافه كفافا ومكاففة قال الطيبي يعني أن من تولى القضاء واجتهد في تحري الحق واستفرغ جهده فيه حقيق أن لا يثاب ولا يعاقب فإذا كان كذلك فأي فائدة في توليه وفي معناه أنشد على أنني راض بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا علي ولاليا فما راجعه أي فما رد عثمان الكلام على ابن عمر ولما رجع إلى ما طلب منه بعد ذلك رواه الترمذي وفي رواية رزين عن نافع إن ابن عمر قال لعثمان يا أمير المؤمنين لا أقضي بين رجلين يعني في جواب أمره له بالقضاء على ما سبق قال فإن أباك كان يقضي فقال إن أبي لو أشكل عليه شيء سأل رسول الله ظاهره أن عمر كان يقضي في حياة رسول الله ولو أشكل على رسول الله شيء سأل جبريل عليه السلام وأني لا أجد من أسأله وكان مذهبه أن لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد من الخليفة وغيره على ما


ذهب إليه علي رضي الله عنه وسمعت رسول الله يقول من عاذ بالله فقد عاذ بعظيم وفي الجامع الصغير من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ رواه أحمد عن عثمان وابن عمر وسمعته يقول من عاذ بالله فأعيذوه وأني أعوذ بالله أن تجعلني قاضيا فأعفاه لغة بمعنى عفاه وسامحه وقال أي عثمان لا نجبر أحدا بصيغة المتكلم من الإجبار بمعنى الإكراه وفي بعض الأصول المصححة لا تخبر بالخاء المعجمة من الأخبار على صيغة الخطاب أي لا تعلم أحدا غيرك بما ذكرته لئلا ينسد الباب هذا ومن غريب ما ورد في ذم القضاء ما رواه تمام وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا عج حجر إلى الله تعالى فقال الهي وسيدي عبدتك كذا وكذا سنة ثم جعلتني في أس كنيف فقال أو ما ترضى إن عدلت بك عن مجالس القضاء كذا في الجامع الصغير للسيوطي


باب رزق الولاة وهداياهم
هو من إضافة المصدر إلى الفاعل لقوله من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا الحديث وسيأتي والفرق بين الرزق والعطاء إن العطاء ما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين والرزق ما يخرج له كل شهر
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله حين قسم الأموال لئلا يقع في قلوب شيء أصحابه من أجل التفاضل في القسمة ما أعطيكم وما أمنعكم أي لا أعطي أحدا منكم شيئا تميل نفسي إليه ولا أمنعه لعدم إقبال قلبي عليه بل كل ذلك لأمر الله تعالى وإنما ذكر الفعلين بصيغة المضارع دون الماضي دلالة على استمرارهما في كل حال وزمان


وهذا معنى قوله أنا قاسم أضع أي كل شيء من المنع والعطاء حيث أمرت قال الطيبي قوله أنا قاسم جملة مبينة للكلام السابق وفيه معنى الاختصاص لتقديم الفاعل المعنوي كقولك أنا كفيت سهمك ولو لم يذهب إلى الاختصاص لم يستقم أن يكون بيانا لأن معنى ما أعطيكم ما أعطيتكم وما أمنعكم ما منعتكم وإنما المعطي والمانع هو الله تعالى وإنما أنا قاسم أقسم بينكم بأمر الله وأضع حيث أمرت فيكون قوله أضع حيث أمرت بيانا للبيان وفيه حجة على من قال إن مثل أنا عارف لا يفيد الاختصاص لأنه ليس بفعلي مثل أنا عرفت اه وفي الحديث التفات إلى قوله تعالى ومنهم أي من المنافقين من يلمزك في الصدقات التوبة أي يعيبك في تقسيمها فإن أعطوا منها أي كثيرا رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون أي كما قاله المؤمنون المخلصون لكان خيرا لهم رواه البخاري وروى الحاكم عنه ولفظه أنا أبو القاسم الله يعطي وأنا أقسم وعن خولة رضي الله عنها بفتح فسكون الأنصارية قال المؤلف هي خولة بنت ثامر الأنصارية حديثها عند أهل المدينة روى عنها النعمان بن أبي عياش الزرقي وقيل هي خولة بنت القيس من بني مالك بن النجار وثامر لقب قيس والصحيح أنهما ثنتان قالت قال رسول الله إن رجالا أي من العمال وغيرهم يتخوضون قال الراغب الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه ويستعار في الأمور وأكثر ما ورد فيما يذم الشروع فيه نحو قوله تعالى فذرهم في خوضهم يلعبون الأنعام اه وفي التفعل مبالغة والمعنى يشرعون ويدخلون ويتصرفون في مال الله أي ما في بيت المال من الزكاة والخراج والجزية والغنيمة وغيرها بغير حق أي بغير إذن من الإمام فيأخذون منه أكثر من أجرة عملهم وقدر استحقاقهم فلهم النار يوم القيامة خبر إن وأدخل الفاء لأن اسمها نكرة موصوفة رواه البخاري وعن عائشة رضي الله عنها قالت لما استخلف


أبو بكر بصيغة المجهول أي جعل خليفة وهو ظرف لقوله قال أي اعتذارا عن إنفاقه على أهله من بيت المال لقد علم
قومي قيل أراد بهم قريشا والأظهر أنه أراد به المسلمين إن حرفتي وهي ما كان يشتغل به من التجارة قبل الخلافة وفي النهاية الحرفة والصناعة وجهة الكسب لم تكن تعجز بكسر الجيم ويفتح ففي القاموس العجز الضعف والفعل كضرب وسمع عن مؤنة أهلي بفتح ميم وضم همزة وسكون واو أي نفقة عيالي وشغلت بصيغة المفعول أي وقد اشتغلت بأمر المسلمين وفي نسخة بأمور المسلمين أي بإصلاح أمورهم فلا سبيل إلى التفرغ للتجارة فسيأكل أي ينتفع آل أبي بكر أي تبعا له والمراد أهله وعياله وفيه التفات من هذا المال إشارة إلى الحاضر في الذهن وهو مال بيت المال للمسلمين ويحترف أي أبو بكر للمسلمين فيه أي في مقابلة ما أكل من المال عوضا له فالضمير راجع إلى معنى قوله فسيأكل وأراد لاحتراف فيه التصرف فيه والسعي لمصالح المسلمين ونظم أحوالهم وجيء بالحرفة مشاكلة لوقوعه في صحبة قوله إن حرفتي قال الشمني وفيه أن للحاكم أن يأخذ من بيت المال ما يكفيه وكان أبو بكر تاجرا في البز وعمر في الطعام وعثمان في التمر والبر وعباس في العطر انتهى وأفضل أنواع التجارة البز وهو الثياب ثم العطر وفي حديث أبي سعيد بسند ضعيف لو اتجر أهل الجنة لأتجروا في البز ولو اتجر أهل النار لأتجروا في الصوف رواه أبو منصور في مسند الفردوس وقال المظهر اللام في لقد علم قسمية أقسم أنه كان مشتهرا بين المسلمين في أنه كان كسوبا ومحصلا لمؤنة أهله وعياله بحرفة التجارة ولم يكن عاجزا عن ذلك وهذا تمهيد منه واعتذار منه في قدر ما يحتاج إليه أهله من بيت المال ومن ثم أتى بالفاء في قوله فسيأكل لأنها فاء النتيجة وآل أبي بكر أهله وعياله ويجوز أن يراد نفسه وفي نسق الكلام من الدليل على أنه أراد بآل أبي بكر نفسه وهو قوله ويحترف للمسلمين أي يكتسب بالتصرف في أموال المسلمين يدل على ما يتناول ذلك


قال الطيبي أراد بنسق الكلام أن يحترف مسند إلى ضمير أبي بكر وهو عطف على فسيأكل فإذا أسند إلى الأهل تنافروا نخرم النظم وقال القاضي آل أبي بكر أهله عدل عن التكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات وقيل نفسه والآل مقحم لقوله ويحترف وليس بشيء بل المعنى أني كنت أكسب لهم فيأكلونه والآن أكسب للمسلمين بالتصرف في أموالهم والسعي في مصالحهم ونظم أحوالهم فسيأكلون من مالهم المعد لمصالحهم وهو مال بيت المال قال الطيبي لا بد في الانتقال من التكلم إلى الغيبة على ما سماه التفاتا من فائدة فقوله آل أبي بكر من باب التجريد جرد من نفسه شخصا متصفا بصفة أبي بكر من كونه كسوبا محصلا لمؤنة الأهل بالتجارة ثم تكفل بهذا الأمر العظيم من تولى أمور المسلمين وامتنع من الاكتساب لمؤنة أهله وغيره وهو هو وفيه إشعار بالعلية وإن من اتصف بتلك الصفة حقيق بأن يأكل هو وأهله من بيت مال المسلمين قال التوربشتي فرض رضي الله عنه لنفسه مدين من طعام وادا مازيتا أو نحوه وإزارا ورداء في الصيف وفروة أو جبة في الشتاء وظهرا معينا لحاجته في السفر والحضر قال المظهر وفيه بيان أن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه
قدر ما يستحقه لعمالته إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة رواه البخاري
الفصل الثاني


عن بريدة رضي الله عنه أي ابن الحصيب الأسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها وبايع بيعة الرضوان وكان من ساكني المدينة ثم تحول إلى البصرة ثم خرج منها إلى خراسان غازيا فمات بمرو زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين وستين روى عنه جماعة والحصيب تصغير الحصب ذكره المؤلف عن النبي قال من استعملناه أي جعلناه عاملا على عمل أي من أعمال الولاية والإمارة فرزقناه أي فأعطيناه رزقا أي مقدارا معينا فما أخذ بعد ذلك جزاء الشرط وما موصولة والعائد محذوف وقوله فهو غلول خبره جيء بالفاء لتضمنه معنى الشرط ويجوز أن تكون موصوفة والغلول بضمتين الخيانة في الغنيمة وفي مال الفيء رواه أبو داود وكذا الحاكم وعن عمر رضي الله عنه قال عملت أي عملا من أعمال الإمارة على عهد رسول الله أي في زمانه وبأمره فعملني بتشديد الميم أي أعطاني العمالة وهي بتثليث أوله والضم أشهر أجرة العمل قال التوربشتي أي أعطاني عمالتي وأجرة عملي وكذا أعملني وقد يكون عملني بمعنى ولاني وأمرني قال الطيبي الوجه هو الأول إذ التقدير عملت في أمر المسلمين ومصالحهم عملا فأعطاني عمالتي والثاني لا يناسب الباب واللفظ ينبو عنه قلت أراد الشيخ استيفاء معناه اللغوي ولم يجعله وجها آخر يرد عليه الاعتراض على أنه لو أريد معناه أيضا لا محذور فيه إذ المعنى عملت عملا فاستحسنه فولاني عملا


آخر غايته أن يكون الحديث سكوتا عن إعطاء عمالته ففي الجملة يناسب الباب وأما نبو اللفظ عنه فلا يظهر وجهه وقد قال في القاموس عمل فلان عليهم بالضم تعميلا أمر والله أعلم بالصواب رواه أبو داود وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه بضم الميم قال بعثني رسول الله إلى اليمن أي فتوجهت إليها فلما سرت قليلا أرسل في أثري بفتحتين وبكسر وسكون أي عقبي قال التوربشتي أثر الشيء حصول ما يدل على وجوده ومن هذا يقال للطريق المستدل به على من تقدم آثار فرددت بصيغة المجهول أي فرجعت إليه ووقفت بين يديه فقال أتدري لم بعثت إليك لا تصيبن فيه إضمار تقديره بعثت إليك لأوصيك وأقول لك لا تصيبن أي لا تأخذن شيئا بغير إذني فإنه أي ذلك الأخذ غلول أي خيانة ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة قال الطيبي أراد بما غل ما ذكره قوله لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء الحديث لهذا أي لأجل هذا النصح دعوتك فإذا أبلغتك فامض أي اذهب لعملك أي مقرونا بعملك رواه الترمذي وعن المستورد رضي الله عنه بكسر الراء ابن شداد بتشديد الدال الأولى أي الفهري القرشي يقال إنه كان غلاما يوم قبض النبي ولكنه سمع منه وروى عنه جماعة قال سمعت رسول الله يقول من كان لنا أي معشر المسلمين عاملا فليكتسب أي من المال زوجة فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما فإن لم يكن له مسكن بفتح الكاف ويكسر فليكتسب مسكنا قال المظهر أي يحل له أن يأخذ مما في تصرفه من مال بيت المال قدر مهر زوجة ونفقتها وكسوتها وكذلك ما لا بد منه من غير إسراف وتنعم فإن أخذ أكثر ما يحتاج إليه ضرورة فهو حرام عليه قال الطيبي وإنما وضع الاكتساب موضع العمالة والأجرة


حسما لطمعه اه وفيه أن الأجرة إذا كانت معلومة فله أن يصرف فيما شاء فما فائدة ذكر هذه الأشياء قال ويفهم من تقييد القرينتين الأخريين بالشرط أن القرينة الأولى مطلقة فإن كانت له زوجات يجوز أن يضيف إليها واحدة أو استغنى بتقييد الأخيرتين عن تقييد القرينة الأولى فهي مقيدة أيضا وفائدة ذكرها أن له مؤنة زوجة واحدة اه والثاني هو الظاهر والأظهر أن له التصرف بقدر ضرورة الحال وعدم المضرة في المآل وفي رواية من اتخذ غير ذلك أي ما ذكر وما في معناه فهو غال بتشديد اللام أي خائن رواه أبو داود وعن عدي رضي الله عنه بفتح فكسر فتحتية مشددة ابن عميرة بفتح فكسر قال العسقلاني ولا يعرف في الرجال أحد يقال له عميرة بالضم بل كلهم بالفتح ووقع في النسائي الأمران كذا في شرح مسلم قال المؤلف هو الكندي الحضرمي سكن الكوفة ثم انتقل إلى الجزيرة وسكنها ومات بها روى عنه قيس بن أبي حاتم وغيره إن رسول الله قال يا أيها الناس من عمل بضم فتشديد ميم أي جعل عاملا منكم لنا على عمل فكتمنا منه أي دس عنا من حاصل عمله مخيطا بكسر فسكون أي ابرة فما فوقه أي في القلة أو الكثرة أو الصغر أو الكبر قال الطيبي الفاء للتعقيب الذي يفيد الترقي أي فما فوق المخيط في الحقارة نحو قوله تعالى إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها البقرة فهو أي العامل الكاتم غال أي خائن يأتي به أي بالمخيط فما فوقه أو بما غل به يوم القيامة أي على عنقه تفضيحا وتشهيرا له بين العباد على رؤوس الإشهاد فقام رجل من الأنصار خوفا على نفسه من الهلاك والبوار فقال يا رسول الله اقبل بفتح الموحدة عني عملك أي أقلني منه قال وما ذاك إشارة إلى ما في الذهن أي ما الذي حملك على هذا القول قال سمعتك تقول كذا وكذا أي في الوعيد على العمل وهو لا يخلو عن الزلل قال وأنا أقول ذلك أي ما سبق من القول من استعملناه على عمل فليأتي بقليله وكثيره فما أوتي منه أي أعطى من ذلك العمل أخذه


وما نهى عنه انتهى أي وما منع من أخذه امتنع عنه وهو تأكيد لما قبله قال الطيبي قوله من استعملناه الخ تكرير للمعنى ومزيد للبيان يعني أنا أقول ذلك ولا أرجع عنه فمن استطاع أن يعمل فليعمل ومن لم يستطع فليترك رواه مسلم
وأبو داود واللفظ له ولعل اختيار لفظ أبي داود لكونه أفيد في المقصود وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه بالواو قال لعن رسول الله الراشي والمرتشي أي معطي الرشوة وآخذها وهي الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة وأصله من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء قيل الرشوة ما يعطي لإبطال حق أو لإحقاق باطل أما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو ليدفع به عن نفسه ظلما فلا بأس به وكذا الآخذ إذا أخذ ليسعى في إصابة صاحب الحق فلا بأس به لكن هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة لأن السعي في إصابة الحق إلى مستحقه ودفع الظالم عن المظلوم واجب عليهم فلا يجوز لهم الأخذ عليه كذا ذكره ابن الملك وهو مأخوذ من كلام الخطابي إلا قوله وكذا الآخذ وهو بظاهره ينافيه الحديث الأول من الفصل الثالث الآتي قال التوربشتي وروى أن ابن مسعود أخذ في شيء بأرض الحبشة فأعطى دينارين حتى خلى سبيله رواه أبو داود وابن ماجه ورواه الترمذي عنه أي عن ابن عمرو وعن أبي هريرة رضي الله عنهم وفي الجامع الصغير لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم رواه أحمد والترمذي والحاكم عن أبي هريرة ورواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن ثوبان وزاد أي ثوبان أو البيهقي والرائش يعني الذي يمشي بينهما وفي الجامع الصغير روى أحمد عن ثوبان لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما اه ومعناه الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا وينتقص لهذا قاله ابن الأثير وقيل المصلح بينهما


وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال ارسل إلي أي رسولا رسول الله أن أجمع أن مصدرية أو تفسيرية لما في الإرسال من معنى القول أي قائلا اجمع عليك سلاحك وثيابك وتقديم السلاح يشعر بالسفر وللاهتمام بأمره ثم ائتني قال فأتيته أي مستعدا وهو يتوضأ فقال يا عمرو فيه دلالة على جواز الكلام الديني في أثناء الوضوء إني أرسلت إليك لأبعثك في كلامه تفنن أي لأجل بعثي إياك في وجه أي في عمل وشغل يسلمك الله بتشديد اللام أي يؤديك بالسلامة إليه ويوصلك بالكرامة لديه ويغنمك بتشديد النون أي يرزقك غنيمة وأزعب بالنصب عطفا على أبعثك وفي نسخة بالرفع أي وأنا أرغب وهو بالزاي المعجمة والعين المهملة أي أقطع أو أدفع لك زعبة بفتح أوله ويضم أي قطعة أو دفعة من المال فقلت يا رسول الله ما كانت هجرتي أي إيماني وهجرة أوطاني للمال وما كانت إلا لله ولرسوله قال نعما بكسر النون ويفتح وكسر العين ويختلس أي نعم شيئا قال الرضي اختلف في ما هذه فقيل كافة هيأت نعم للدخول على الجملة كما في طالما وقلما قيل وفيه بعد لأن الفعل لا يكف لقوته وإنما ذلك في الحروف وما في طالما وقلما مصدرية إلا أن يقال إن نعم لعدم تصرفها شابهت الحروف لكن يحتاج إلى تكلف في إضمار المبتدأ والخبر في نحو فنعما هي وقال الفراء وأبو علي هي موصولة بمعنى الذي فاعل لنعم ويضعفه قلة وقوع الذي مصرحا به فاعلا لنعم ولزوم حذف الصلة بأجمعها في فنعما هي فإن هي مخصوص أي نعم الذي فعله الصدقات وقال سيبويه والكسائي ما معرفة تامة بمعنى الشيء فمعنى فنعم هي نعم الشيء هي فما هو الفاعل لكونه بمعنى ذي اللام وهو مخصوص ويضعفه عدم مجيء ما بمعنى المعرفة التامة أي بمعنى الشيء في غير هذا الموضع بل تجيء ما بمعنى شيء إما موصوفة أو غير موصوفة وقال الزمخشري والفارسي في أحد قوليه ما نكرة مميزة منصوبة المحل إما موصوفة بالجملة بنحو نعما يعظكم به أو غير موصوفة نحو فنعما هي اه بالمال الصالح قال ابن


جني ما في نعما منصوبة لا غير والتقدير نعم شيئا أي المال الصالح والباء زائدة مثلها في كفي بالله اه أو نعم الشيء المال الحلال للرجل الصالح وهو من يراعي حق الله وحق عباده وقال الطيبي ما هذه ليست بموصولة ولا موصوفة لتعين الأولى بالصلة والثانية بالصفة والمراد الإجمال ثم التبيين فما هنا بمنزلة تعريف الجنس في نعم الرجل فإنه إذا قرع
السمع أولا مجملا ذهب بالسامع كل مذهب ثم إذا بين تمكن في ذهنه فضل تمكن وأخذ بمجامع القلب وفي هذا مدح عظيم للمال الصالح والصلاح ضد الفساد وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال وقوبل في القرآن تارة بالفساد وتارة بالسيئة قال تعالى خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا قال ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها الأعراف وخلاصته أن الشيء إذا كان منتفعا به كان صالحا والفساد بخلافه والرجل الصالح من علم الخير وعمل به والمال الصالح ما يكسب من الحلال وينفق في وجوه الخيرات رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بإسناده وروى أحمد نحوه أي بمعناه دون لفظه وفي روايته أي رواية أحمد قال أي النبي نعم المال الصالح للرجل الصالح قلت فيه تأييد للقول بأن ما زائدة كافة
الفصل الثالث
عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله قال من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية وفي نسخة بصيغة المفعول ورفع هدية عليها أي على مقابلة تلك الشفاعة ولأجلها فقبلها أي المهدي إليه وهو الشافع فقد أتى أي القابل بابا أي نوعا عظيما من أبواب الربا وهو في الشرع فضل خال عن عوض شرط لأحد العاقدين في المعاوضة وفي نسخة الرياء بالتحتية والظاهر أنه تصحيف رواه أبو داود


باب الأقضية
أي الحكومات والشهادات أي أنواعها قال الطيبي الأقضية هي ما ترفع إلى الحاكم وقال الأزهري القضاء في الأصل أحكام الشيء والفراغ منه فيكون القضاء إمضاء الحكم ومنه قوله تعالى وقضينا إلى بني إسرائيل الإسراء وسمي الحاكم قاضيا لأنه يمضي
الأحكام ويحكمها ويكون قضى بمعنى أوجب فيجوز أن يكون سمي قاضيا لإيجابه الحكم على من يجب عليه ويسمى حاكما لمنعه الظالم من الظلم ومنه حكمة الدابة لمنعها الدابة من ركونها رأسها وسميت الحكمة حكمة لمنعها النفس من هواها وقال الراغب الشهود والشهادة والمشاهدة الحضور مع المشاهدة إما بالبصر وإما بالبصيرة وشهدت جار مجرى العلم وبلفظه تقام الشهادة ويقال أشهد بكذا ولا يرضى من الشاهد أن يقول أعلم بل يحتاج أن يقول أشهد وفي المغرب الشهادة الإخبار بصحة الشيء عن مشاهدة وعيان ويقال شهد عند الحاكم لفلان على فلان بكذا شهادة فهو شاهدوهم شهود وإشهاد وهو شهيد وهم شهداء
الفصل الأول


عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي قال لو يعطي الناس بصيغة المجهول أي لو فرض أن يعطوا مدعاهم من مالهم ودمائهم بدعواهم أي بمجرد دعواهم من غير بينة للمدعي أو تصديق من المدعى عليه لأدعي ناس أي قوم في الحقيقة نسناس بطريق البطلان على ناس دماء رجال وأموالهم قيل أي لأخذ رجال أموال قوم وسفكوا دماءهم فوضع الدعوى موضع الأخذ لأنها سببه ولا شك أن أخذ مال المدعى عليه ممتنع لامتناع إعطاء المدعى بمجرد الدعوى فصح معنى لو كما لا يخفى هذا ولما كانت الجملة المتقدمة نفت اعتبار الإعطاء بمجرد الدعوى وأفادت أن البينة على المدعى وكانت موهمة لعدم سماع الدعوى من غير حجة مطلقا استدركه بقوله ولكن اليمن بتشديد لكن ونصب اليمين وفي نسخة بالتخفيف والرفع أي الحلف المدعي عليه أي المنكر أن طلب المدعي تحليفه فلو حلفه القاضي بغير طلب المدعي ثم طلب المدعي التحليف فله أن يحلفه كذا في الأصول العمادية وهذا عام خص منه الحدود واللعان ونحوهما رواه مسلم وفي الجامع الصغير رواه أحمد والشيخان وابن ماجه وفي شرحه أي شرح مسلم للنووي يجوز قصره ومده


أنه قال وجاء في رواية البيهقي بإسناد حسن أو صحيح زيادة عن ابن عباس مرفوعا الظاهر مرفوعة لكن البينة بالوجهين على المدعي في المغرب البينة الحجة فيعلة من البينونة أو البيان واليمين بالوجهين على من أنكر قال النووي هذا الحديث قاعدة شريفة كلية من قواعد أحكام الشرع ففيه أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه فإن طلب يمين المدعي عليه فله ذلك وقد بين الحكمة في كونه لا يعطي بمجرد دعواه أنه لو أعطى بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستبيح ولا يتمكن المدعى عليه من صون ماله ودمه وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور على أن اليمين متوجهة على كل مدعى عليه سواء كان بينة وبين المدعي اختلاط أم لا وقال مالك وأصحابه والفقهاء السبعة وفقهاء المدينة إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبينه خلطة لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارا في اليوم الواحد فاشترطت الخلطة دفعا لهذه المفسدة واختلفوا في تفسير الخلطة فقيل هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو بشاهدين وقيل تكفي الشبهة وقيل هي أن يليق به الدعوى بمثلها على مثله ودليل الجمهور هذا الحديث ولا أصل لذلك الشرط في كتاب ولا سنة ولا إجماع وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله من حلف على يمين صبر في النهاية الحلف هو اليمين فحالف بين اللفظين تأكيدا قال النووي يمين صبر بالإضافة أي الزم بها وحبس عليها وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم وقيل لها مصبورة وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها أي حبس فوصفت بالصبر وأضيف إليه مجازا اه وتوضيحه ما قاله ابن الملك الصبر الحبس والمراد بيمين الصبر أن يحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها وهي لازمة لصاحبها من جهة الحكم وعلى بمعنى الباء والمراد المحلوف عليه تنزيلا للحلف منزلة المحلوف عليه فعلى هذا قيل لها مصبورة مجازا وقيل يمين الصبر هي التي يكون فيها


متعمدا للكذب قاصدا لإذهاب مال المسلم كأنه يصبر النفس على تلك اليمين أي يحبسها عليها وهو المراد هنا الظاهر قوله وهو فيها فاجر أي كاذب والجملة حالية وفي رواية بترك الواو يقتطع بها مال امرىء مسلم أي يفصل قطعة من ماله ويأخذها بذلك اليمين وفي معنى مال المسلم مال الذمي فلا مفهوم معتبر له
قال الطيبي فيه إن الكذب في الشهادة نوع من أنواع الفجور ويقتطع بها حال من الراجع إلى المبتدأ في فاجر فهي حال مؤكدة تصويرا لشناعتها وهو المعنى باليمين الغموس وذلك لأن مرتكب هذه الجريمة قد بلغ في الاعتداء الغاية القصوى حيث انتهك حرمة بعد حرمة أحداها اقتطاع مال لم يكن له ذلك والثانية استحقاق حرمة وجب عليه رعايتها وهي حرمة الإسلام وحق الآخرة والثالثة الإقدام على اليمين الفاجرة لقي الله يوم القيامة وفي رواية لقي الله وهو عليه غضبان أي يعرض عنه ولا ينظر إليه بعين الرحمة والعناية وغضبان غير منصرف وهو صيغة مبالغة ولذا قال الطيبي أي ينتقم منه لأن الغضب إذا أطلق على الله كان محمولا على الغاية فأنزل الله تصديق ذلك أي موافقة لما ذكر من الحديث فهو سبب نزول الآية إن الذين يشترون أي يستبدلون بعهد الله أي بما عهد إليه من أداء الأمانة وترك الخيانة وأيمانهم أي الكاذبة ثمنا قليلا شيئا يسيرا من حطام الدنيا مع أن متاعها كلها قليل إلى آخر الآية يعني أولئك لا خلاق لهم أي لا نصيب لهم من الخير في الآخرة ولا يكلمهم الله يوم القيامة أي بما يسرهم ويفرحهم ولا ينظر إليهم أي نظر رحمة تنفعهم ولا يزكيهم أي لا يطهرهم من الذنوب بما حصل لهم من موقف الحساب ولذا قال ولهم عذاب أليم وفي الآية تهديد جسيم وتشديد عظيم متفق عليه ورواه أحمد والأربعة عن الأشعب بن قيس وابن مسعود وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه أي ذهب بطائفة من ماله وفصلها عنه يقال اقتطعت من الشيء قطعة ذكره التوربشتي وفيه أن الحق أعم


من المال ولذا قال النووي يدخل في قوله حق امرىء مسلم من حلف على غير مال كجلد الميتة والسرجين وغير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها وكذا سائر الحقوق التي ليست بمال كحق القذف ونصيب الزوجة من القسم وغير ذلك فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة قال الطيبي يدل على التأبيد بعد احتمال الخروج من قوله أوجب الله عليه النار وقيل في تأويله وجهان أحدهما أنه محمول على المستحل لذلك إذا مات عليه وثانيهما أنه قد استحق النار ويجوز العفو عنه وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع


الفائزين وأما تقييده فلا يدل على عدم تحريم حق الذمي لتفظيع شأن مرتكب هذه العظيمة كما مر لأن أخوة الإسلام تقتضي القيام بحقه ومراعاة جانبه في سائر ماله وعليه وهذه الفائدة كامنة في التقييد فلا يذهب إلى العمل بالمفهوم فقال له أي لرسول الله وإن كان أي الحق شيئا يسيرا يا رسول الله قال وإن كان قضيبا من أراك بفتح أوله أي خشب سواك رواه مسلم وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله قال إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي أي ترفعون المخاصمة إلي قال التوربشتي وإنما ابتدأ في الحديث بقوله إنما أنا بشر تنبيها على أن السهو والنسيان غير مستبعد من الإنسان وإن الوضع البشري يقتضي أن لا يدرك من الأمور إلا ظواهرها فإنه خلق خلقا لا يسلم من قضايا تحجبه عن حقائق الأشياء ومن الجائز أن يسمع الشيء فيسبق إلى وهمه أنه صدق ويكون الأمر بخلاف ذلك يعني أني إن تركت على ما جبلت عليه من القضايا البشرية ولم أؤيد بالوحي السماوي طرأ علي منها ما يطرأ على سائر البشر فإن قيل أو لم يكن النبي مصونا في أقواله وأفعاله معصوما على سائر أحواله قلنا إن العصمة تتحقق فيما يعد عليه ذنبا ويقصده قصدا وأما ما نحن فيه فليس بداخل في جملته فإن الله تعالى لم يكلفه فيما لم ينزل عليه إلا ما كلف غيره وهو الاجتهاد في الإصابة ويدل عليه ما روي عنه في الحديث الذي ترويه أم سلمة من غير هذا الوجه وهو في حسان هذا الباب أنا أقضي بينكم برأي فيما لم ينزل علي ولعل بعضكم أن يكون قال الطيبي زيد لفظة إن في خبر لعل تشبيها له بعسى وقوله ألحن أفعل تفضيل من لحن كفرح إذا فطن بما لا يفطن به غيره أي أفصح وأفطن بحجته من بعض فيزين كلامه بحيث أظنه صادقا في دعواه فاقضي له على نحو ما أسمع منه قال الراغب اللحن صرف الكلام عن سننه الجاري عليه إما بإزالة العرب أو التصحيف وهو مذموم وذلك أكثر استعمالا وإما بإزالته عن التصريح وصرفه بمعناه إلى تعريض وفحوى وهو محمود من حيث


البلاغة وإياه قصد الشارع بقوله وخير الأحاديث ما كان لحنا وكذا قوله تعالى ولتعرفنهم في لحن القول ومنه
قيل للفطن لما يقتضي فحوى الكلام لحن ومنه الحديث الحن بحجته أي ألسن وأفصح وأبين كلاما وأقدر على الحجة فمن قضيت له بشيء من حق أخيه أي من المال وغيره فلا يأخذنه أي إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه فإنما أقطع له أي أعين له بناء على ظاهر الأمر قطعة من النار وفيه دليل على جواز الخطأ في الأحكام الجزئية وإن لم يجز في القواعد الشرعية قال النووي فيه تنبيه على الحالة البشرية وأن البشر لا يعلم من الغيب وبواطن الأمور شيئا إلا أن يطلعه الله تعالى على شيء من ذلك فإنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز على غيره وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر فيحكم بالبينة أو اليمين مع إمكان خلاف الظاهر وهذا نحو قوله أمرت أن أقاتل الناس إلى قوله وحسابهم على الله ولو شاء الله تعالى لأطلعه على باطن أمر الخصمين فحكم بيقين نفسه من غير حاجة إلى شهادة أو يمين ولكن لما أمر الله تعالى أمته باتباعه والاقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه أجرى عليه حكمهم من عدم الاطلاع على باطن الأمور ليكون للأمة إسوة به في ذلك وتطييبا لنفوسهم من الانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن فإن قيل هذا الحديث ظاهرة أنه يقع منه حكم في الظاهر مخالف للباطن وقد اتفق الأصوليون على أنه لا يقر على خطأ في الأحكام فالجواب أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصول لأن مرادهم فيما حكم فيه باجتهاده فهل يجوز أن يقع فيه خطأ فيه خلاف والأكثرون على جوازه وأما الذي في الحديث فليس من الاجتهاد في شيء لأنه حكم بالبينة أو اليمين فلو وقع منه ما يخالف الباطن لا يسمى الحكم خطأ بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف وهو وجوب العمل بشاهدين مثلا فإن كانا شاهدي زورا ونحو ذلك فالتقصير منهما وأما الحاكم فلا حيلة له في ذلك ولا عتب عليه بسببه بخلاف ما


إذا أخطأ في الاجتهاد وفيه دلالة على أن حكم الحاكم لا يحل حراما فإذا شهد شاهد زور لإنسان بمال فحكم به الحاكم لم يحل للمحكوم له ذلك المال ولو شهد عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما وإن شهدا على أنه طلق امرأته لم يحل لمن علم كذبهما أن يتزوجها قال الطيبي وإليه الإشارة بقوله فمن قضيت الخ يعني إن قضيت له بظاهر يخالف الباطن فهو حرام فلا يأخذن ما قضيت له لأنه أخذ ما يؤول به إلى قطعة من النار فوضع المسبب وهو قطعة من النار موضع السبب وهو ما حكم به له متفق عليه وفي الجامع الصغير بلفظ فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها رواه مالك وأحمد والستة عن أم سلمة وفي رواية لمسلم عن رافع بن خديج ولفظه إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء


من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر وفي رواية لأحمد وابن ماجه عن طلحة ولفظه إنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطىء ويصيب ولكن ما قلت لكم قال الله فلن أكذب على الله وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله إن أبغض الرجال وفي رواية أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم قال التوربشتي أي الشديد الخصومة من اللديد وهو صفحة العنق وذلك لما لا يمكن صرفه عما يريده الخصم بكسر الصاد أي المولع بالخصومة بحيث تصير الخصومة عادته فالأول ينبىء عن الشدة والثاني عن الكثرة قال الطيبي هذا إذا قيد الألد بالخصومة فرارا عن التكرار وإذا ترك على أصله يكون المعنى أنه شديد في نفسه بليغ في خصومته فلا يلزم التكرار وعليه قوله تعالى وهو ألد الخصام البقرة الكشاف أي شديد الجدال وإضافة الألد بمعنى في أو جعل الخصام ألد مبالغة متفق عليه ورواه الترمذي وابن ماجه وفي رواية تمام عن معاذ أبغض الخلق إلى الله من آمن ثم كفر وفي رواية العقيلي والديلمي عن عائشة أبغض العباد إلى الله من كان ثوباه خيرا من عمله أن تكون ثيابه ثياب الأنبياء وعمله عمل الجبارين وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قضى بيمين أي للمدعى عليه وشاهد أي وببينة للمدعي ولعل القضية فيما يكتفي بشاهد واحد فالواو بمعنى أو للتنويع وقال المظهر يعني كان للمدعي شاهد واحد فأمره رسول الله أن يحلف على ما يدعيه بدلا من الشاهد الآخر فلما حلف قضى له بما ادعاه وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد وقال أبو حنيفة لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين بل لا بد من شاهدين وخلافهم في الأموال فأما إذا كان الدعوى في غير الأموال فلا يقبل شاهد ويمين بالاتفاق قال التوربشتي وجه هذا الحديث عند من لا يرى القضاء باليمين والشاهد الواحد على المدعى


عليه إنه يحتمل أن يكون قضى بيمين المدعى عليه بعد أن أقام المدعي شاهدا واحدا أو عجز أن يتم البينة وذلك لأن الصحابة لم تبين في حديثه صفة القضاء وقد روى ابن عباس بطرق مرضية أن النبي قضى باليمين مع الشاهد وهذه الرواية تقوي ذلك الاحتمال فلا يترك بعد وجود ذلك الاحتمال ما ورد به التنزيل قال الله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان البقرة فلما ورد التوفيق بذلك لم يروا أن يحكموا بأقل من ذلك إلا بدليل مقطوع به واستدلوا أيضا بحديث علقمة بن وائل الذي يتلو حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا وذلك قوله ألك بينة قال لا قال فلك يمينه فلما أعاد إليه القول قال ليس لك إلا ذلك قال الطيبي قوله إلا بدليل مقطوع به يقال له هل يجاء بأقطع من هذا الحديث صحة ونصا أما الصحة فقد رواه مسلم في صحيحه قال ابن عبد البر لا مطعن لأحد في إسناده ولا خلاف بين أهل المعرفة في صحته قلت الشيخ عارف بصحته غير طاعن في إسناده وإنما كلامه أن هذا دليل ظني لا يعارض الدليل القطعي لا سيما مع وجود الاحتمال لا يصلح للاستدلال وقال الشيخ محيي الدين وجاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة من رواية علي وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعمارة بن حزم وسعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو والمغيرة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وهو حجة جمهور علماء الإسلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار اه ولا يخفى أن هذا كله لا يصلح أن يكون جوابا عن كلام الشيخ التوربشتي لاختلاف النقول عن الصحابة والتابعين من غير المذكورين وهو يفيد نفي القطع قطعا فلا يصلح أن يعارض الكتاب والله أعلم بالصواب قال وأما ظاهر النص فإن قضي يستعمل بالباء واللام وعلى والباء للسببية فإن قلت قضى للمدعي على المدعي عليه بسبب البينة واليمين استقام وصح ولو قلت قضى للمدعي على المدعى عليه بسبب يمينه وشاهد المدعى أبعدت المرمى قلت الشيخ عارف بهذا المعنى


وقائل بهذا المبنى لكنه ينفي النص في المدعي فلا يبتعد عن المرمى ثم قال وأما قوله ألك بينة التنكير فيه للشيوع أي ألك بينة ما فقوله لا يريد به أنه ليس لي بينة أصلا فكيف يستدل به على المطلوب إذ لو كان له شاهد واحد لم يقل للمدعي فلك يمينه بل فعليك اليمين قلت هذا غفلة له من أن البينة لا تطلق شرعا على شاهد واحد إذا لو كانت تطلق عليه لقال ألك شاهد ولأن أل في البينة واليمين للاستغراق في قوله البينة على المدعي واليمين على من أنكر أي جميع البينات في جانب المدعي وجميع الأيمان في جانب المنكر وهذا هو التحقيق والله ولي التوفيق رواه مسلم وعن علقمة بن وائل رضي الله عنه أي ابن حجر الحضرمي وقد سبق ذكره


قال جاء رجل من حضرموت بسكون الضاد والواو بين فتحات ومر تحقيقه وهو موضع من أقصى اليمن ورجل من كندة بكسر فسكون أبو قبيلة من اليمين إلى النبي فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي أي بالغصب والتعدي قال الكندي هي أرضي أي ملك لي وفي يدي أي وتحت تصرفي ليس له فيها حق أي من الحقوق فقال للحضرمي ألك بينة قال لا قال فلك يمينه قال أي الحضرمي يا رسول الله إن الرجل أي الكندي فاجر أي كاذب لا يبالي على ما حلف عليه صفة كاشفة لفاجر وليس يتورع من شيء أي مع هذا قال ليس لك منه إلا ذلك وفي نسخة إلا ذاك أي ما ذكر من اليمين فانطلق أي فذهب الكندي ليحلف أي على قصد أن يحلف فقال رسول الله لما أدبر أي حين ولي على هذا القصد لئن حلف على ماله أي مال الحضرمي ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض قال الطيبي هو مجاز عن الاستهانة به والسخط عليه والإبعاد عن رحمته نحو قوله تعالى لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة آل عمران وغلبني على أي غضبا مني قهرا قال النووي وفي رواية على أرض لأبي وفيه أنواع من الفوائد منها إن صاحب اليد أولى من أجنبي يدعي عليه ومنها أن المدعى عليه تلزمه اليمين إذا لم يقر ومنها أن البينة تقدم على اليد ويقضي لصاحبها بغير يمين ومنها أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل وتسقط عنه المطالبة بها ومنها أن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه أنه ظالم أو فاجر أو نحوه في حال المخاصمة يحتمل ذلك منه ومنها أن الوارث إذا ادعى شيئا لمورثه وعلم الحاكم أن مورثه مات ولا وارث له سواه جازا الحكم له به ولم يكفله آل الدعوى ببينة على ذلك وموضع الدلالة أنه قال غلبني على أرض لي كانت لأبي فقد أقر بأنها كانت لأبيه فلولا أن النبي علم بأنه ورثها وحده لطالبه ببينة على كونه وارثا وببينة أخرى على كونه محقا في دعواه على خصمه رواه مسلم وسيأتي له تتمة في حديث أبي داود وعن أبي ذر رضي الله عنه عنه أنه سمع رسول


الله يقول من ادعى ما ليس
له أي متعمدا فليس منا أي معشر أهل الجنة فليتبوأ مقعده من النار قيل أمر معناه الخبر رواه مسلم ورواه ابن ماجه وعن زيد بن خالد رضي الله عنه أي الجهني لم يذكره المؤلف قال قال رسول الله ألا أخبركم بخير الشهداء جمع شاهد الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها بصيغة المجهول أي قبل أن تطلب منه الشهادة قال النووي فيه تأويلان أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له لأنها أمانة له عنده والثاني أنه محمول على شهادة الحسبة في غير حقوق الآدميين كالطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك فمن علم شيئا من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به قال تعالى وأقيموا الشهادة لله الطلاق وحكي تأويل ثالث أنه محمول على المبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها كما يقال الجواد يعطي قبل السؤال أي يعطي سريعا عقيب السؤال من غير توقف وليس في هذا الحديث مناقضة للحديث الآخر من قوله يشهدون ولا يستشهدون قال أصحابنا إنه محمول على من معه شهادة لا يسأل وهو عالم بها فيشهد قبل أن يطلب منه وقيل أنه شاهد زور فيشهد بما لا أصل له ولم يستشهد وقيل هو الذي انتصب شاهد أو ليس هو من أهل الشهادة رواه مسلم وكذا مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وروى الطبراني عنه بلفظ خير الشهادة ما شهد بها صاحبها قبل أن يسألها ورواه ابن ماجه عنه بلفظ خير الشهود من أدى شهادته قبل أن يسألها وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله خير الناس قرني


أي أصحابي وقيل كل من كان حيا في زمانه وفي النهاية القرن أهل كل زمان وهو مقدار التوسط في أعمار كل زمان مأخوذ من الاقتران وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم اه وقيل ثلاثون سنة وقيل أربعون وقيل ستون وقيل سبعون وقيل ثمانون وقيل مائة روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مسح رأس غلام وقال عش قرنا فعاش مائة سنة ذكره ابن الملك ثم الذين يلونهم أي يقربونهم في الخير كالتابعين ثم الذين يلونهم كاتباع التابعين ثم يجيء قوم وفي رواية أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه بالرفع أي وتسبق يمينه شهادته قيل ذلك عبارة عن كثرة شهادة الزور واليمين الفاجرة وقال القاضي هم الذين يحرصون على الشهادة مشغوفين بترويجها يحلفون على ما يشهدون به فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة وتارة يعكسون وقال المظهر هذا يحتمل أن يكون مثلا في سرعة الشهادة واليمين وحرص الرجل عليهما والإسراع فيهما حتى لا يدري أنه بأيهما يبتدىء وكأنه تسبق شهادته يمينه ويمينه شهادته من قلة مبالاته بالدين قال النووي واحتج به المالكية في رد شهادة من حلف معها والجمهور على أنها لا ترد متفق عليه ورواه أحمد والترمذي ورواه الطبراني عنه بلفظ خير الناس قرني ثم الثاني ثم الثالث ثم يجيء قوم لا خير فيهم وروى الطبراني والحاكم في مستدركه عن جعدة بن هبيرة ولفظه خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والآخرون أراذل وفي رواية لمسلم خير الناس قرني الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عرض على قوم اليمين فأسرعوا أي فبادروا إلى اليمين فأمر أن يسهم أي يقرع بينهم في اليمين أيهم بالرفع يحلف قال المظهر صورة المسألة أن رجلين إذا تداعيا متاعا في يد ثالث ولم يكن لهما بينة أو لكل واحد منهما بينة وقال الثالث لا أعلم بذلك يعني أنه لكما أو لغيركما فحكمها أن يقرع بين المتداعيين فأيهما خرجت له


القرعة يحلف معها ويقضي له بذلك المتاع وبهذا قال علي رضي الله عنه وعند الشافعي يترك في يد الثالث وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين
نصفين وقال ابن الملك وبقول علي قال أحمد والشافعي في أحد أقواله وفي قوله والآخر وبه قال أبو حنيفة أيضا أنه يجعل بين المتداعيين نصفين مع يمين كل منهما وفي قول آخر يترك في يد الثالث قلت وحديث أم سلمة الآتي يؤيد مذهب أبي حنيفة ومن تبعه والله أعلم رواه البخاري
الفصل الثاني
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أي ابن عمرو أن النبي قال البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه رواه الترمذي ورواه البيهقي وابن عساكر عنه بلفظ البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي في رجلين اختصما في مواريث جمع موروث أي تداعيا في أمتعة فقال أحدهما هذه لي ورثتها من مورثي وقال الآخر كذلك لم يكن لهما بينة صفة أخرى لرجلين إلا دعواهما إلا هنا بمعنى غير أو الاستثناء منقطع قال الطيبي هو من باب التعليق بالمحال مبالغة كقوله تعالى لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى الدخان أي لم تكن لهما بينة إلا الدعوى وقد علم أن الدعوى ليست ببينة فيلزم أن لا يكون لهما بينة قط فقال من قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار فقال الرجلان كل واحد منهما بدل من الرجلان أي قال كل واحد من الرجلين يا رسول الله حقي هذا لصاحبي فقال لا أي لا يتصور هذا إذ لا يمكن أن يكون شيء واحد لشخصين استقلالا ولكن اذهبا فاقتسما أي نصفين على سبيل الاشتراك وتوخيا بتشديد الخاء


المعجمة أي اطلبا الحق أي العدل في القسمة واجعلا المتنازع فيه نصفين ثم استهما أي اقترعا لتبين الحصتين إن وقع التنازع بينكما ليظهر أي القسمين وقع في نصيب كل منكما وليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة من القسمة ثم ليحلل بتشديد اللام أي ليجعل حلالا كل واحد منكما صاحبه أي فيما يستحقه والظاهر أن هذا من طريق الورع والتقوى لا من باب الحكومة والفتوى وقيل توخيا في معرفة مقدار الحق وهذا يدل على أن الصلح لا يصح إلا في شيء معلوم والتوخي إنما يفيد ظنا فضم إليه القرعة وهي نوع من البينة ليكون أقوى وأمر بالتحليل ليكون افتراقهما عن تعين براءة وطيب نفس اه وفيه إن البراءة المجهولة تصح عندنا فهو محمول على سلوك سبيل الاحتياط والله أعلم وفي رواية قال إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل علي فيه بصيغة المجهول من الإنزال ويجوز وجهان آخران رواه أبو داود وقد تقدم ما يؤيده من الروايات وفيه دلالة على وقوع اجتهاده وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رجلين تداعيا دابة أي اختصما فيها فأقام كل واحد منهما البينة أنها دابته نتجها بالتخفيف ومصدره النتج أي أرسل عليها الفحل وولدها وولى نتاجها فقضى بها أي فحكم بالدابة رسول الله للذي في يده قيل دل على أن بينة ذي اليد مقدمة على بينة غيرها مطلقا والظاهر أنه في صورة النتاج في شرح السنة قالوا إذا تداعى رجلان دابة أو شيئا وهو في يد أحدهما فهو لصاحب اليد ويحلف عليه ألا أن يقيم الآخر بينة فيحكم له به فلو أقام كل واحد منهما بينة ترجح بينة صاحب اليد وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أن بينة ذي اليد غير مسموعة وهو للخارجي إلا في دعوى النتاج إذا ادعى كل واحد أن هذه الدابة ملكه نتجها وأقام بينة على دعواه يقضي بها لصاحب اليد وإن كان الشيء في أيديهما فتداعيا حلفا وكان بينهما مقسوما بحكم اليد وكذلك لو أقام كل واحد بينة رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بإسناده ورواه الشافعي


والبيهقي
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول الله فبعث أي أقام كل واحد منهما شاهدين أي على طبق مدعاه ووفق دعواه فقسمه النبي بينهما نصفين قال الخطابي يشبه أن يكون البعير في أيديهما قلت أو في يد ثالث غير منازع لهما رواه أبو داود في رواية له وللنسائي وابن ماجه أي من حديث أبي موسى أيضا إن رجلين ادعيا بعيرا ليست لواحد منهما بينة يجوز أن تكون القصة متحدة ويجوز أن تكون متعددة إلا أن الشهادتين لما تعارضتا تساقطتا فصارا كمن لا بينة لهما فالمعنى ليست لأحدهما بينة مرجحة على الأخرى فجعله النبي بينهما قال ابن الملك هذا يدل على أنه لو تداعى اثنان شيئا ولا بينة لواحد منهما أو لكل منهما بينة وكان المدعى به في أيديهما أو لم يكن في يد أحدهما ينصف المدعى به بينهما وقال الطيبي هذا مطلق يحمل على المقيد الذي يليه في قوله استهما على اليمين وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلين اختصما في دابة وليس لهما بينة فقال النبي أستهما على اليمين أي اقترعا وهذا مثل ما تقدم من حديث أبي هريرة في آخر الفصل الأول ويمكن أن يكون معناه استهما نصفين على يمين كل واحد منكما رواه أبو داود وابن ماجه وكذا النسائي وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال لرجل حلفه بتشديد اللام أي أراد النبي تحليفه احلف بصيغة الأمر بالله الذي لا إله إلا هو ماله أي ليس له عندك شيء يعني أي يريد النبي بقوله له في ماله للمدعي رواه أبو داود


وعن الأشعث بن قيس رضي الله عنه أي ابن معدي كرب كنيته أبو محمد الكندي قدم على النبي في وفد كندة وكان رئيسهم وذلك في سنة عشر وكان رئيسا في الجاهلية مطاعا في قومه وكان وجيها في الإسلام وارتد عن الإسلام ثم رجع إلى الإسلام في خلافة أبي بكر ونزل الكوفة ومات بها سنة أربعين وصلى عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما رواه عنه نفر كذا ذكره المؤلف فهو صحابي عند الشافعي تابعي عندنا لبطلان صحبته بالردة قال كان بيني وبين رجل من اليهود أرض أي متنازع فيها فجحدني أي أنكر علي فقدمته بالتشديد أي جئت به ورافعت أمره إلى النبي فقال ألك بينة قلت لا قال لليهودي احلف في شرح السنة فيه دليل على أن الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم قلت يا رسول الله إذن بالنون يحلف بالنصب ويذهب بمالي فأنزل الله تعالى أي في مثل هذه القضية لما سبق من حديث ابن مسعود إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا الآية أي إلى آخرها قال الطيبي فإن قلت كيف يطابق نزول هذه الآية قوله إذن يحلف ويذهب بمالي قلت فيه وجهان أحدهما كأنه قيل للأشعث ليس لك عليه إلا الحلف فإن كذب فعليه وباله وثانيهما لعل الآية تذكار لليهودي بمثلها في التوراة من الوعيد رواه أبو داود وابن ماجه قال السيد جمال الدين أصل الحديث إلى قوله ويذهب بمالي عند الجماعة وقال الطيبي قد جاء آخر هذا الحديث في أكثر نسخ المصابيح صح أو صحيح وليس في سنن أبي داود وابن ماجه وشرح السنة ذلك وعنه أي عن الأشعث أن رجلا من كندة ورجلا من حضرموت اختصما إلى رسول الله في أرض من اليمن فقال الحضرمي يا رسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا


وفي نسخة اغتصبها أبوه وهي في يده أي الآن قال وفي نسخة فقال هل لك بينة قال لا ولكن احلفه بتشديد اللام والله ما يعلم قال الطيبي هو اللفظ المحلوف به أي أحلفه بهذا والوجه أن تكون الجملة القسيمة منصوبة المحل على المصدر أي أحلفه هذا الحلف أنها أرضي بفتح إنها في النسخ المصححة ووقع في نسخة السيد بكسر إنها والظاهر أنه سهوة لم من الناسخ اغتصبنيها وفي نسخة اغتصبها أبوه فتهيأ الكندي لليمين أي أراد أن يحلف فقال رسول الله لا يقطع أحد مالا أي عن أحد بيمين أي بسبب يمين فاجرة إلا لقي الله وهو أجذم أي مقطوع اليد أو البركة أو الحركة أو الحجة وقال الطيبي أي أجذم الحجة لا لسان له يتكلم ولا حجة في يده يعني ليكون له عذر في أخذ مال مسلم ظلما وفي حلفه كاذبا فقال الكندي هي أرضه رواه أبو داود وعن عبد الله بن أنيس بالتصغير وهو الجهني الأنصاري شهد أحدا وما بعدها روى عنه أبو أمامة وجابر وغيرهما ومات سنة أربع وخمسين بالمدينة قال قال رسول الله إن من أكبر الكبائر الشرك بالنصب فنفي الصانع أولى أو المراد به مطلق الكفر إلا أنه عبر عنه به لأنه الغالب في الكفرة ومن زائدة على مذهب من يجوزه في الإثبات كالأخفش أو دخول من باعتبار مجموع المعطوف والمعطوف عليه وإلا فالشرك هو أكبر الكبائر لا من جملته وعقوق الوالدين عطف على الشرك والمراد به مخالفة أحدهما على نهج لا يحتمل مثله من مثل الولد عادة واليمين الغموس أي الحلف على ماض كذبا متعمدا سميت به لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار وفعول للمبالغة وفي النهاية هي اليمين الكاذبة الفاجرة كالتي يقطع بها الحالف مال غيره وما حلف حالف بالله يمين صبر فادخل أي الحالف فيها أي في تلك اليمين مثل جناح بعوضة بفتح الجيم أي ريشها والمراد أقل قليل والمعنى شيئا يسيرا من الكذب والخيانة ومما يخالف ظاهره باطنه لأن اليمين على نية المستحلف إلا جعلت أي تلك اليمين نكتة أي سوداء أي أثرا قليلا


في قلبه كالنقطة تشبه الوسخ في نحو المرآة والسيف إلى يوم القيامة قال الطيبي معنى الانتهاء إن أثر تلك النكتة التي هي من
الرين يبقى أثرها إلى يوم القيامة ثم بعد ذلك يترتب عليها وبالها والعقاب عليها فكيف إذا كان كذبا محضا وإنما ذكر ثلاثة أشياء وخص الأخيرة منها بالوعيد ليؤذن بأنها منها وداخلة في أكبر الكبائر حذرا من احتقار الناس لها زعما منهم أنها ليست من الكبائر مثلها ونحوه في الإلحاق قوله في حديث خريم بن فاتك عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب ورواه أحمد وابن حبان والحاكم وعن جابر رضي الله عنه قال لا يحلف أحد عند منبري هذا لعله احتراز من منبر مكة على يمين آثمة أي كاذبة سميت بها كتسميتها فاجرة اتساعا حيث وصفت بوصف صاحبها أي ذات إثم قال ابن الملك قيد الحلف بكونه عند المنبر تغليظا لشأن اليمين وتعظيمه وشرفه وإلا فاليمين الآثمة موجبة للسخط حيث وقعت لكن في الموضع الشريف أكثر إثما وقال التوربشتي وجه ذكر المنبر فيه عند من يرى ذلك تغليظا في اليمين ظاهر وأما عند من لا يرى التغليظ يتأتى في شيء من الأزمنة والأمكنة فالوجه فيه أن يقال إنما جرى ذكر المنبر لأنهم كانوا يتحاكمون ويتحالفون يومئذ في المسجد فاتخذوا الجانب الأيمن منه وهناك المنبر محلا للأقضية فذكر في الحديث على ما كان وأرى هذا تأويلا حسنا لا نرى العدول عنه لئلا يفتقر أن يعدل بالحلف بالله شيئا واليمين الآثمة موجبة لسخط الله ونكاله على أية صفة كانت قال الطيبي ولناصر القول الأول أن يقول وصف المنبر باسم الإشارة بعد إضافته إلى نفسه ليس إلا للتعظيم وإن للمكان مدخلا في تغليظ اليمين وقوله ولو على سواك أخضر تتميم بمعنى التحقير في السواك لأنه لا يستعمل إلا يابسا إلا تبوأ مقعده من النار أو وجبت له النار شك من الراوي أو للتنويع بأن يكون الأول وعيدا للفاجر والثاني للكافر قال الطيبي يعني أن مثل هذا المحلوف عليه الذي


لا يعتد به لليمين بل يعد لغوا بحسب العرف ولا يؤاخذ به إذا ترتب عليه هذا الوعيد الشديد لأجل هذا المكان الرفيع فكيف بما هو فوقه وفيه أن الإيمان إنما تصير مغلظة بحسب المكان والزمان لا بحسب المحلوف عليه وإن كان عظيما رواه مالك وأبو داود وابن ماجه
وعن خريم رضي الله عنه بضم خاء معجمة وفتح راء وسكون ياء ابن فاتك بفاء بعدها ألف فتاء مثناة فوقية مكسورة كذا قاله ابن الأثير في جامع وقال المؤلف هو خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك عداده في الشاميين وقيل في الكوفيين روى عنه جماعة قال صلاة الصبح فلما انصرف أي عن الصلاة أو عن مجلسه قام قائما أي وقف حال كونه قائما أو قام قياما قال الطيبي هو اسم الفاعل أقيم مقام المصدر وقد تقرر في علم المعاني أن في العدول عن الظاهر لا بد من نكتة فإذا وضع المصدر موضع اسم الفاعل نظر إلى أن المعنى تجسم وانقلب ذاتا وعكسه في عكسه وكان قيامه صار قائما على الإسناد المجازي كقولهم نهاره صائم وليله قائم وذلك يدل على عظم شأن ما قام له وتجلد وتشمر بسببه فقال عدلت شهادة الزور بضم أوله أي الكذب بالإشراك بالله أي جعلت الشهادة الكاذبة مماثلة للإشراك بالله في الإثم لأن الشرك كذب على الله بما لا يجوز وشهادة الزور كذب على العبد بما لا يجوز وكلاهما غير واقع في الواقع قال الطيبي والزور من الزور والأزورار وهو الانحراف وإنما ساوى قول الزور الشرك لأن الشرك من باب الزور فإن المشرك زاعم أن الوثن يحق العبادة ثلاث مرات أي قالها ثلاث مرات للتأكيد والمبالغة في الوعيد ثم قرأ أي استشهادا واعتضادا فاجتنبوا الرجس من الأوثان من بيانية أي النجس الذي هو الأصنام واجتنبوا قول الزور أي قول الكذب الشامل لشهادة الزور قال الطيبي وفي التنزيل عطف قول الزور على عبادة الأوثان وكرر الفعل استقلالا فيما هو مجتنب عنه في كونهما من وادي الرجس الذي يجب أن يجتنب عنه وكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي


هي رؤوس الرجس واجتنبوا قول الزور كله ولا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح والسماجة وما ظنك بشيء من قبيل عبادة الأوثان وسمى الأوثان رجسا على طريق التشبيه يعني أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه فعليكم أن تنفروا من شبيه الرجس مثل تلك النفرة وقرر هذا المعنى تقريرا بعد تقرير بقوله حنفاء لله فإنه حال مؤكدة من الفاعل وأتبعه بقوله غير مشركين به دلالة على أن لا فرق بين الإشراك به وقول الزور وأنهما سيان في الرجس الذي يجب أن يجتنب عنه وفيه أن مراعاة حق العباد معادلة لحق الله تعالى اه وقوله حنفاء جمع حنيف أي مائلين عن الباطل إلى الحق وقيل معناه مسلمين فقوله غير مشركين بيان أو تأكيد رواه أبو داود وابن ماجه أي عن خريم


ورواه أحمد والترمذي عن أيمن أي ضد أيسر ابن خريم إلا أن ابن ماجه لم يذكر القراءة أي قراءة الآية بخلاف الأئمة الثلاثة وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله لا تجوز بالتأنيث ويجوز تذكيره أي لا يصح شهادة خائن ولا خائنة أي المشهور بالخيانة في أمانات الناس دون ما ائتمن الله عليه عباده من أحكام الدين كذا قاله بعض علمائنا من الشراح قال القاضي ويحتمل أن يكون المراد به الأعم منه وهو الذي يخون فيما ائتمن عليه سواء ما ائتمنه الله عليه من أحكام الدين أو الناس من الأموال قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم الأنفال اه فالمراد بالخائن هو الفاسق وهو من فعل كبيرة أو أصر على الصغائر ولا مجلود حدا أي حد القذف قال ابن الملك هو من جلد في حد القذف وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله أن المجلود فيه لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب وقال القاضي أفرد المجلود حدا وعطفه عليه لعظم جنايته وهو يتناول الزاني غير المحصن والقاذف والشارب قال المظهر قال أبو حنيفة إذا جلد قاذف لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب وأما قبل الجلد فتقبل شهادته قلت والدليل عليه قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا النور قال صاحب المدارك نكر شهادة في موضع النفي فتعم كل شهادة فرد الشهادة من الحد عندنا ويتعلق باستيفاء الحد أو بعضه على ما عرف وعند الشافعي يتعلق رد شهادته بنفس القذف فعندنا جزاء الشرط الذي هو الرمي الجلد ورد الشهادة على التأبيد وهو مدة حياتهم وقوله تعالى وأولئك هم الفاسقون الشورى كلام مستأنف غير داخل في حيز جزاء الشرط وكأنه حكاية حال الرامين عند الله تعالى بعد انقضاء الجملة الشرطية وقوله تعالى إلا الذين تابوا من بعد ذلك النور أي القذف وأصلحوا أي أحوالهم استثناء من الفاسقين ويدل عليه فإن الله غفور رحيم أي يغفر ذنوبهم ويرحمهم قال المظهر


وقال غيره أي غير أبي حنيفة القذف من جملة الفسوق لا يتعلق بإقامة الحد بل إن تاب قبلت شهادته سواء جلد أو لم يجلد وإن لم يتب لم تقبل شهادته سواء جلد أو لم يجلد ولا ذي غمر بكسر فسكون أي حقد وعداوة على أخيه أي المسلم يعني لا تقبل شهادة عدو على عدو سواء كان أخاه من
النسب أو أجنبيا وعلى هذا إنما قال على أخيه تليينا لقلبه وتقبيحا لصنيعه ولا ظنين أي ولا على متهم في ولاء بفتح الواو وهو الذي ينتمي إلى غير مواليه ولا قرابة أي ولا على ظنين في قرابة وهو الذي ينتسب إلى غير أبيه أو إلى غير ذويه وإنما رد شهادته لأنه ينفي الوثوق به عن نفسه كذا قاله بعض علمائنا من الشراح وقال المظهر يعني من قال أنا عتيق فلان وهو كاذب فيه بحيث يتهمه الناس في قوله ويكذبونه لا تقبل شهادته لأنه فاسق لأن قطع الولاء عن المعتق وإثباته لمن ليس بمعتقه كبيرة وراكبها فاسق وكذلك الظنين في القرابة وهو الداعي القائل أنا ابن فلان أو أنا أخو فلان من النسب والناس يكذبونه فيه ولا القانع كالخادم والتابع مع أهل البيت قال المظهر القانع السائل المقتنع الصابر بأدنى قوت والمراد به ههنا أن من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع لا تقبل شهادته له لأنه يجر نفعا بشهادته إلى نفسه لأن ما حصل من المال للمشهود له يعود نفعه إلى الشاهد لأنه يأكل من نفقته ولذلك لا تقبل شهادة من جر نفعا بشهادته إلى نفسه كالوالد يشهد لولده أو الولد لوالده أو الغريم يشهد بمال للمفلس على أحد وتقبل شهادة أحد الزوجين لآخر خلافا لأبي حنيفة وأحمد وتقبل شهادة الأخ لأخيه خلافا لمالك رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب ويزيد بن زياد الدمشقي بكسر ففتح وقد يكسر أي الشامي الراوي أي راوي هذا الحديث منكر الحديث بفتح الكاف أي منكر حديثه ففي شرح النخبة من فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه فحديثه منكر وفي الجامع الصغير لا تجوز شهادة ذي الظنة ولا ذي الحنة رواه الحاكم والبيهقي عن أبي


هريرة والظنة بكسر أوله أي التهمة والحنة بكسر الحاء أي العداوة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم عن النبي قال لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية تخصيص بعد تعميم أن أريد بالخيانة المعنى الأعم على ما تقدم وهو الظاهر ولا ذي غمر على أخيه الظاهر أنه مقيد بالعداوة الدنيوية دون الأمور الدينية ورد أي النبي شهادة القانع لأهل البيت قال الطيبي معنى مع في الحديث السابق بمعنى هذه اللام فيكون حالا من القانع والعامل الشهادة أي لا تجوز شهادة القانع مقارنة لأهل البيت ويجوز أن تكون صلة للقانع واللام موصولة وصلة الشهادة


محذوفة أي لا يجوز شهادة الذي يقنع مع أهل البيت لهم رواه أبو داود وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله لا تجوز شهادة بدوي أي لجهالته وضلالته غالبا وقيل لما بينهما من العداوة بسبب كونه من غير أهل القرية على صاحب قرية أي وتقبل له قال الخطابي إنما لا تقبل شهادة البدوي لجهالتهم بأحكام الشريعة وبكيفية تحمل أداء الشهادة وغلبة النسيان عليهم فإن علم كيفية تحمل الشهادة وأدائها بغير زيادة ونقصان وكان عدلا من أهل قبول الشهادة جازت شهادته خلافا لمالك قال الطيبي قيل إن كانت العلة جهالتهم بأحكام الشريعة لزم أن لا يكون لتخصيص قوله على صاحب قرية فائدة فالوجه أن يكون ما قاله الشيخ التوربشتي وهو قوله لحصول التهمة ببعد ما بين الرجلين ويؤيده تعدية الشهادة بعلى وفيه أنه لو شهد له تقبل وقيل لا يجوز لأنه يعسر طلبه عند الحاجة إلى إقامة الشهادة رواه أبو داود ابن ماجه وكذا الحاكم وعن عوف بن مالك أن النبي قضى بين رجلين أي حكم لأحدهما على الآخر فقال المقضي عليه لما أدبر حين تولى ورجع من مجلسه الشريف حسبي الله أي هو كافي في أموري ونعم الوكيل أي الموكول إليه في تفويض الأمور وقد أشار به إلى أن المدعي أخذ المال منه باطلا فقال النبي إن الله تعالى يلوم على العجز أي على التقصير والتهاون في الأمور ولكن عليك بالكيس بفتح فسكون أي بالاحتياط والحزم في الأسباب وحاصله أنه تعالى لا يرضى بالتقصير ولكن يحمد على التيقظ والحزم فلا تكن عاجزا وتقول حسبي الله بل كن كيسا متيقظا حازما فإذا غلبك أمر فقل أي حينئذ حسبي الله ونعم الوكيل ولعل المقضي عليه دين فأداه بغير بينة فعاتبه النبي على التقصير في الإشهاد قال الطيبي استدراك من العجز والمراد بالكيس هنا التيقظ في الأمر وإتيانه بحيث يرجى حصوله فيجب أن يحمل العجز على ما يخالف الكيس وما هو سبب له من التقصير والغفلة


يعني كان ينبغي لك أن تتيقظ في معاملتك ولا تقصر فيها قيل من إقامة البينة ونحوها بحيث إذا حضرت القضاء كنت قادرا على الدفع وحين عجزت عن ذلك قلت حسبي الله وإنما يقال حسبي الله إذا بولغ في الاحتياط وإذا لم يتيسر له طريق إلى حصوله كان معذورا فيه فليقل حينئذ حسبي الله ونعم الوكيل رواه أبو داود وعن بهز رضي الله عنه بفتح موحدة فسكون هاء ثم زاي قال المؤلف في فصل التابعين هو بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري البصري قد اختلف العلماء فيه روى عن أبيه عن جده وعنه جماعة ولم يخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عنه شيئا وقال ابن عدي لم أر له حديثا منكرا عن حكيم أي ابن معاوية القشيري قال البخاري في صحبته نظر روى عنه ابن أخيه معاوية بن الحكم وقتادة عن جده لم يذكره المؤلف أن النبي حبس رجلا في تهمة أي في أداء شهادة بأن كذب فيها أو بأن ادعى عليه رجل ذنبا أو دينا فحبسه ليعلم صدق الدعوى بالبينة ثم لما لم يقم البينة خلى عنه رواه أبو داود وزاد الترمذي والنسائي ثم خلى عنه أي تركه عن الحبس بأن أخرجه منه والمعنى خلى سبيله عنه وهذا يدل على أن الحبس من أحكام الشرع
الفصل الثالث
عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال قضى رسول الله أي حكم وقال ابن الملك تبعا للطيبي أي أوجب إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم قال الطيبي وليس على القاضي أمر أشق ولا أخوف من التسوية بين الخصمين رواه أحمد وأبو داود