Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الجهاد
الجهاد بكسر أوله وهو لغة المشقة وشرعا بذل المجهود في قتال الكفار مباشرة أو معاونة بالمال أو بالرأي أو بتكثير السواد أو غير ذلك وفي المغرب جهده حمله فوق طاقته والجهاد مصدر جاهدت العدو إذا قابلته في تحمل الجهد أو بذل كل منكما جهده أي طاقته في دفع صاحبه ثم غلب في دار الإسلام على قتال الكفار قال ابن الهمام وهو دعوتهم إلى الدين الحق وقتالهم إن لم يقبلوا وفضل الجهاد عظيم وكيف وحاصله بذل أعز المحبوبات وإدخال أعظم المشقات عليه وهو نفس الإنسان ابتغاء مرضاة الله وتقربا بذلك إليه تعالى وأشق منه قصر النفس على الطاعات في النشاط ودفع الكسل على الدوام ومجانبة أهويتها ولذا قال وقد رجع من غزاة رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ويدل على هذا أنه أخره في الفضلية عن الصلاة على وقتها في حديث ابن مسعود قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الصلاة على ميقاتها قلت ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله ولو استزدته لزادني رواه البخاري وقد جاء أنه جعله أفضل بعد الإيمان في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال سئل رسول الله أي العمل أفضل قال إيمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال حج مبرور متفق عليه وهذه وإن كانت صورة معارضة لكن الجمع بينهما يحمل كل منهما على ما يليق بحال السائل فإذا كان السائل يليق به الجهاد لما علمه من تهيئته له واستعداده زيادة على غيره كان جهاد بالنسبة إليه أفضل مما ليس مثله في الجلادة والغنى وفيه نظر لأن المذكور في الحديث السابق الصلاة على وقتها وتلك هي الفرائض وفي هذا لا يتردد أن المواظبة على أداء فرائض الصلاة وأخذ النفس بها في أوقاتها على ما هو المراد من قوله الصلاة على ميقاتها أفضل من الجهاد لأن هذه فرض عين وتتكرر والجهاد ليس كذلك ولأن افتراض الجهاد ليس إلا للإيمان وإقامة الصلاة فكان مقصودا وحسنا لغيره بخلاف


الصلاة فإنها حسنة لعينها وهي المقصودة منه على ما صرح به في حديث معاذ وفيه طول إلى أن قال والذي نفس محمد بيده ما شجت وجه ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات الآخرة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله صححه الترمذي ثم الجهاد فرض على الكفاية أما الفرضية فلقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة وقوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله الأنفال وقوله تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم البقرة وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة التوبة وقوله تعالى انفروا خفافا وثقالا التوبة الآية وقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وبهذه ينتفي ما نقل عن الثوري وغيره أنه ليس بفرض وأن الأمر به للندب وكذا كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خير الوصية البقرة ونقل عن ابن عمر ويجب حمله إن صح على أنه ليس بفرض عين وأما قوله الجهاد ماض إلى يوم القيامة فدليل على وجوبه وأنه لا ينسخ وهذا لأن خبر الواحد لا يفيد الافتراض وقول صاحب الإيضاح إذا تأيد خبر الواحد بالكتاب والإجماع يفيد الفرضية ممنوع بل المفيد حينئذ الكتاب والإجماع وجاء الخبر على وفقهما والحديث رواه أبو داود من حديث أنس قال قال رسول الله من حديث والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن تقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ولا شك أن إجماع الأمة أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة لم ينسخ فلا يتصور نسخه بعد النبي وأنه لا قائل أن بقتال آخر الأمة الدجال ينتهي وجوب الجهاد وأما كونه على الكفاية فلأن المقصود ليس مجرد ابتلاء المكلفين بل إغراء المكلفين ودفع شر الكفار عن المؤمنين بدليل قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله الأنفال فإذا حصل ذلك بالبعض سقط الحصول ما هو المقصود منه كصلاة الجنازة المقصود منها قضاء حق الميت والإحسان إليه وذهب ابن المسيب إلى أنه فرض عين تمسكا بعين الأدلة إذ


بمثلها تثبت فروض الأعيان قلنا نعم لولا قوله تعالى لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون النساء الآية إلى قوله تعالى وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما النساء ولأنه لو كان عينا لاشتغل الناس كلهم به فيتعطل المعاش على ما لا يخفى بالزراعة والجلب بالتجارات ويستلزم قطع مادة الجهاد من الكراع يعني الخيل والسلاح والأقوات فيؤدي إيجابه على الكل إلى تركه للعجز فلزم أن يجب على الكفاية ولا يخفى أن لزوم ما ذكر إنما يثبت إذا لزم في كونه فرض عين أن يخرج الكل عن الأمصار دفعة واحدة وليس ذلك لازما بل يكون كالحج على الكل بل يلزم كل واحد أن يخرج ففي مرة طائفة وفي مرة طائفة أخرى وهكذا وهذا لا يستلزم تعطيل المعاش فالمعول عليه في ذلك نص لا يستوي القاعدون ثم هذا إذا لم يكن النفير عاما فإن كان كأن هجموا على بلدة من بلاد المسلمين فيصير


من فروض الأعيان سواء كان المستنفر عدلا أو فاسقا فيجب على جميع أهل تلك البلدة النفر وكذا من يقرب منهم أن لم يكن بأهلها كفاية أو تكاسلوا وعصوا وهكذا إلى أن يجب على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا كجهاز الميت والصلاة عليه يجب أولا على أهل محلته فإن لم يفعلوا وعجزوا وجب على من ببلدهم على ما ذكرنا هكذا ذكروا وكان معناه إذا دام الحرب بقدر ما يصل الأبعدون وبلغهم الخبر وإلا فهو تكليف ما لا يطاق واستدل على ذلك بقوله تعالى انفروا خفافا وثقالا التوبة قيل المراد به ركبانا ومشاة وقيل شبانا وشيوخا وقيل عزابا ومتزوجين وقيل أغنياء وفقراء وينبغي أن يقال قول آخر وهو كل من هذه أي انفروا مع كل من هذه الأحوال وحاصله إن لم يعذر أحد فأفاد العينية وفيه نظر لأن الجهاد على كل من ذكر في التفسير المذكور على الكفاية فلا يفيد تعيينها العينية بل الحق أن هذه الآية وما تقدم من الآيات كلها لإفادة الوجوب ثم تعرف الكفاية بالآية المتقدمة وأما العينية فالإجماع مع أنه إغاثة الملهوف المظلوم وقد قال محمد الجهاد واجب وأنهم في سعة من تركه حتى يحتاج إليهم هذا ولا بد من الاستطاعة فلا يخرج المريض المدفف وأما الذي يقدر على الخروج دون الدفع فينبغي أن يخرج لتكثير السواد فإن فيه إرهابا
الفصل الأول


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من آمن بالله ورسوله يعني وبما جاء من عندهما مجملا ومفصلا وأقام الصلاة أي في مواقيتها وصام رمضان خصهما بالذكر من بين العبادات البدنية تنبيها على عظم شأنهما وتحريضا عليهما لصعوبة موقعهما على الطباع ومن راعاهما مع كونهما أشق لا يترك غيرهما غالبا ويمكن أن ورود هذا الحديث قبل وجوب الزكاة والحج أو عدم ذكرهما لاختصاصهما بالأغنياء كان حقا أي ثابتا بوعده الصادق على الله أن يدخله الجنة أي دخولا أوليا وإلا فمجرد الإيمان كاف لمطلق الدخول وقيل المراد رفع الدرجات من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم لأن رفعها


يستلزم الدخول فلا يرد أن الدخول بالفضل والرفع بالأعمال جاهد في سبيل الله وروي هاجر أو جلس في أرضه التي ولد فيها أي ولم يجاهد ولم يهاجر والتسوية تدل على أن الجهاد فرض كفاية قال ابن الملك هذا يدل على أن الحديث صدر يوم فتح مكة لأن الهجرة قبله كانت فريضة لكل مؤمن في الابتداء قالوا أفلا نبشر وفي نسخة به الناس قال إن في الجنة قال السيوطي القائل في قالوا معاذ بن جبل كما في الترمذي وزاد بعده قال ذر الناس يعملون فإن في الجنة مائة درجة زاد الترمذي لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله هم الغزاة أو الحجاج أو الذين جاهدوا أنفسهم في مرضاة الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ورد في حديث إن ما بينهما مسيرة خمسمائة عام فإذا سألتم الله أي على الجهاد درجة عالية فسلوه بالتخفيف والنقل أي فاطلبوا منه الفردوس فإنه أي الفردوس أوسط الجنة أي أعدلها وأفضلها وأوسعها وخيرها ذكره السيوطي وأعلى الجنة قيل فيه دلالة على أن السموات كرية فإن الوسط لا يكون أعلى إلا إذا كان كريا قال الطيبي النكتة في الجمع بين الأعلى والأوسط أنه أراد بأحدهما الحسي وبالآخر المعنوي فإن وسط الشيء أفضله وخياره وإنما كان كذلك لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية محفوظة قال الطيبي كانت هي الوسط المحمى فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا وفوقه عرش الرحمن فهو سقف الجنة كما ورد في الحديث وفوق بالنصب وفي نسخة بالرفع قال التوربشتي قيده الأصيلي بضم القاف أي أعلاه والجمهور بالنصب على الظرف ومنه أي من الفردوس تفجر أي تتفجر أنهار الجنة أي أصول الأنهار الأربعة من الماء واللبن والخمر والعسل قال الطيبي فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين ما ورد في صفة أهل الجنة في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها قلت هو مطلق محمول على هذا المقيد أو تفسير للمجاهدين


بالعموم درجة والدرجات بحسب مراتبهم في الجهاد فيكون الفردوس لمن جاهد حق جهاده قال القاضي عياض يحتمل أن تجري الدرجات على ظاهره محسوسا كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراؤون كالكوكب الدري وإن تجري على المعنى والمراد كثرة النعيم وعظيم الإحسان مما لم يخطر على قلب بشر ذكره النووي في شرح مسلم رواه البخاري
وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم أي بالصلاة والطاعة والعبادة أو المراد به الواقف في الصلاة دون القاعد القانت بآيات الله أي القارىء بها وقال شارح المراد به القارىء للقرآن في الصلاة قال صاحب النهاية القنوت في الحديث يرد لمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت قال الطيبي يحتمل أن يراد هنا بالقانت القائم فيكون تعلق الباء به كتعلقه في قولك قام بالأمر إذا جد فيه وتجلد له فالمعنى القائم بما يجب عليه من استفراغ الجهد في معرفة كتاب الله والامتثال بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه وأن يراد به طول القيام فيكون تابعا للقائم أي المصلي الذي يطول قيامه في الصلاة فتكثر قراءته فيها ويؤيد الوجه الثاني قوله لا يفتر من صيام ولا صلاة ويفتر كينصر أي لا يسأم ولا يمل من العبادة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله أي إلى بيته أو حتى ينصرف عن جهاده قال الطيبي فإن قلت فيما شبهت حال المجاهد بحال الصائم القائم قلت في نيل الثواب الجزيل بكل حركة وسكون في كل حين وأوان لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة من ساعاته آناء الليل وأطراف النهار من صيامه وصلاته شبه المجاهد الذي لا يضيع لمحة من لمحاته من أجر وثواب سواء كان قائما أو نائما يقاتل العدو أم لا بالصائم القائم الذي لا يفتر عما هو فيه فهو من التشبيه الذي المشبه به مفروض غير محقق وهو من قوله تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل التوبة الآيتين


متفق عليه قال ابن الهمام عن أبي هريرة قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله قال لا تستطيعونه فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول لا تستطيعونه ثم قال مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر عن صلاته ولا صيامه حتى يرجع المجاهد في سبيل الله وفي الجامع الصغير مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صدقة حتى يرجع وتوكل الله تعالى للمجاهد في سبيل إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه


وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله انتدب الله أي ضمن لمن خرج في سبيله أي الجهاد لا يخرجه أي حال كونه لا يكون باعث خروجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي فيه التفات وفي جمع الرسل إشارة إلى أن تصديق واحد تصديق للكل أو إيماء إلى تعظيمه فإنه قام مقام الكل إن أرجع أي بفتح همزة وكسر جيم أي أرده بما نال أي أدرك من أجر أي فقط إن لم يغنم شيئا أو غنيمة أي معها أجر فأو للتنويع وكذا في قوله أو أدخله الجنة عطفا على أرجعه أي دخولا أوليا وفي النهاية انتدب الله أي أجابه إلى غفرانه يقال ندبته فانتدب أي بغيته ودعوته فأجاب وقال التوربشتي وفي بعض طرقه تضمن الله وفي بعضها تكفل الله وكلاهما أشبه بنسق الكلام من قوله انتدب الله وكل ذلك صحاح قال الطيبي قوله إن أرجعه متعلق بانتدب بحرف الجار على تضمين تكفل أي تكفل الله بأن يرجعه فأرجعه حكاية قول الله تعالى ولعل انتدب أشبه وأبلغ لأنه مسبوق بدعوة الداعي مثل صورة خروج المجاهد في سبيل الله بالداعي الذي يدعو الله ويندبه لنصرته على أعداء الدين وقهره أحزاب الشياطين ونيل أجوره والفوز بالغنيمة على الاستعارة التمثيلية وكان المجاهد في سبيل الله الذي لا غرض له في جهاده سوى التقرب إلى الله تعالى ووصلة ينال بها الدرجات العلى تعرض بجهاده لطلب النصر والمغفرة فأجابه الله تعالى لبغيته ووعد له إحدى الحسنيين إما السلامة والرجوع بالأجر والغنيمة وإما الوصول إلى الجنة والفوز بمرتبة الشهادة وقوله بما نال على لفظ الماضي وارد على تحقق وعد الله تعالى وحصوله وقوله إلا إيمان بي بالرفع وقال النووي إيمانا وتصديقا بالنصب في جميع نسخ مسلم على أنه مفعول له أي لا يخرجه مخرج ولا يحركه محرك إلا إيمانا وتصديقا قال الطيبي على رواية الرفع المستثنى منه أعم عام الفاعل أي لا يخرجه مخرج ولا يحركه محرك إلا إيمان وتصديق وعلى رواية النصب المستثنى منه أعم عام المفعول له أي لا يخرجه


المخرج ولا يحركه المحرك لشيء من الأشياء إلا للإيمان والتصديق وقال الأشرف في الكلام إضمار أي انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلا لا يخرجه إلا إيمان بي قلت فالجملة مقول القول وهو حال عن الله والأظهر أنه نقل كلامه تعالى أولا بالمعنى ثم عاد إلى نقل نظمه فكأنه قال انتدبت لمن خرج في سبيلي الخ وقال الطيبي والأوفق أن يكون التفاتا إذ لو قيل لا إيمان به لكان مجرى على الظاهر ولم يفتقر إلى الإضمار فعدل تفخيما لشأن


المخرج ومزيد الاختصاص وقربه والجار من أن أرجعه محذوف أي أجاب الله دعاءه بأن قال إما أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة قال التوربشتي يروي أو غنيمة وهو لفظ الكتاب ويروي بالواو وهو أوجه الروايتين وأسدهما معنى قلت فيه بحث إذ يلزم أن لا يرجع المجاهد إلا بالجمع بين الأجر والغنيمة وهي قد تحصل وقد لا تحصل فالرواية بأو هي الأصل والأولى وتحمل الواو على معناها ليتم المعنى على المبنى وفي شرح مسلم للنووي قالوا معناه أرجعه إلى مسكنه مع ما حصل له من الأجر بلا غنيمة إن لم يغنموا أو مع الأجر والغنيمة معا إن غنموا وقيل إن أو هنا بمعنى الواو أي من أجر وغنيمة إذ وقع بالواو في رواية أبي داود وكذا في صحيح مسلم في رواية يحيى بن يحيى قال الطيبي أو بمعنى الواو ورد في التنزيل منه قوله تعالى عذرا أو نذرا المرسلات كذا ذكره القتيبي قلت لا مانع من ورود أو بمعنى الواو وإنما الكلام في صحة إيراده ههنا على ما سبق في تحقيق المعنى مع أن المثال المذكور ليس فيه نص أن أو بمعنى الواو بل الظاهر أن أو فيه للتنويع أيضا أما بالنسبة إلى الملقيات أو بالإضافة إلى المكلفين قال الطيبي قوله أو غنيمة عطف على أجر وأدخله على أرجعه فتكون صلة أن والتقدير أن الله تعالى أجاب الخارج في سبيله إما بأن يرجعه إلى مسكنه مع أجر بلا غنيمة أو أجر مع غنيمة وإما أن يستشهد فيدخله الجنة قال النووي قال القاضي عياض يحتمل أن يدخله عند موته كما قال تعالى في الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون آل عمران وأن يراد دخوله الجنة مع السابقين المقربين بلا حساب ولا عذاب وتكون الشهادة مكفرة لذنوبه متفق عليه ورواه النسائي وابن ماجه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله والذي نفسي بيده لولا أن رجالا أي فقراء من المؤمنين لا تطيب أي لا ترضى أنفسهم أن يتخلفوا عني لعدم مركوبهم ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية أي جماعة قليلة تغزو في سبيل الله والذي


نفسي بيده لوددت بكسر الدال أي تمنيت أن أقتل بالبناء للمجهول أي أستشهد في سبيل الله ثم أحيا بصيغة المفعول من الأحياء ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم
أحيا ثلاث مرات ثم أقتل وفي تركه ثم أحيا مبالغة بليغة لا تخفى قال النووي فيه فضيلة الغزو والشهادة وتمنى الشهادة والخير وما لا يمكن في العادة من الخيرات وفيه إن الجهاد من فروض الكفاية لا من العين قلت وفيه بحث إذ قد يصير عينا وفيه ما كان من الشفقة على المسلمين والرأفة وأنه كان يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين يعني الذين لا مركوب لهم فإنه إذا تعارضت المصالح يوثر أهمها اه فإن قلت كيف صدر منه هذا التمني مع علمه بأنه لا يقتل أجيب بأن التمني لا يستلزم الوقوع متفق عليه وعن سهل بن سعدي رضي الله عنه أي الساعدي قال قال رسول الله رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وفي نسخة وما فيها أي من المال المنفق في سبيل الله أو جزاؤه خير من الدنيا وما فيها والرباط بكسر أوله هو الإقامة في مكان يتوقع هجوم العدو فيه لقصد دفعه لله تعالى وسيأتي زيادة في تحقيقه متفق عليه وزاد البخاري وأحمد والترمذي عنه وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة أو الغدوة يروحها العبد في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وروى أحمد عن ابن عمرو بلفظ رباط يوم خير من صيام شهر وقيامه وروى الترمذي والنسائي والحاكم عن عثمان ولفظه رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل وروى الطبراني عن أبي الدرداء رباط شهر خير من صيام دهر ومن مات مرابطا في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر وغدى عليه يرزقه وريح من الجنة ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله لغدوة بفتح اللام والغين المعجمة وسكون الدال أي ذهاب في النصف الأول من النهار في سبيل الله أو روحة بفتح فسكون أي ذهاب في النصف الأخير منه وأو للتنويع لا للشك خير أي كل منهما


من الدنيا
وما فيها واعلم أن اللام للابتداء أو القسم والمعنى فضل الغدوة والروحة في سبيل الله خير من نعم الدنيا كلها لأنها زائلة فانية ونعم الآخرة كاملة باقية ويحتمل أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا وأنفقها في سبيل الله متفق عليه وزاد في الجامع الصغير ولقاب قوس أحدكم أو موضع قده في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولأضاءت ما بينهما ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أنس والقد بالكسر وتر القوس والنصيف الخمار نصف المقنعة وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه بكسر الراء قال سمعت رسول الله يقول رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه فيه لف ونشر مرتب قال السيوطي الرباط بكسر الراء وبالموحدة الخفيفة ملازمة المكان بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم وقال بعض الشراح من علمائنا الرباط المرابطة وهو أن يربط هؤلاء خيولهم في ثغرهم وهؤلاء خيولهم في ثغرهم ويكون كل منهم معدا لصاحبه مترصدا لمقصده ثم اتسع فيها فأطلقت على ربط الخيل والاستعداد لغزو العدو والحديث يحتمل المعنيين اه وكأنه أخذ من قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم الأنفال الآية ويدل عليه إطلاق قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا آل عمران الآية وروى البخاري عن أبي هريرة عنه من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة وفي النهاية الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها والمرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معدا لصاحبه وسمي المقام في الثغور رباطا فيكون الرباط مصدر رابطت أي لازمة وفي المقدمة الرباط ملازمة الثغر للجهاد وأصله


الحبس كأن المرابط حبس نفسه فيه على الطاعة والثغر ما يلي دار العدو وإن مات أي المرابط بدلالة الرباط في ذلك المقام أو في تلك الحالة جرى عليه عمله أي ثواب عمله الذي كان يعمله أي في حياته والمعنى أنه يصل إليه ثواب عمله أبدا قال النووي وهذه فضيلة مختصة بالمرابط لا يشاركه فيها غيره وقد جاء مصرحا في غير مسلم
كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة وأجرى عليه بصيغة المجهول أي أوصل إليه رزقه أي من الجنة قال الطيبي ومعنى جرى عليه عمله كقوله جرى عليه القضاء أي يقدر له من العمل بعد الموت كما جرى منه قبل الممات فجرى هنا بمعنى قدر ونحوه في المريض قوله إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا قلت وكذا ورد في المسافر والشيخ الكبير قال ولما كان قوله وأجرى عليه رزقه تلميحا إلى قوله تعالى يرزقون آل عمران أجرى مجراه في البناء للمفعول وأمن الفتان بفتح الفاء وتشديد التاء أي عذاب القبر وفتنته ويؤيده الحديث الآتي في الفصل الثاني أو الذي يفتن المقبور بالسؤال فيعذبه وقيل أراد الدجال وقيل الشيطان فإنه يفتن الناس بخدعه إياهم وبتزيين المعاصي لهم وفي نسخة بضم الفاء وقال شارح للمصابيح من علمائنا ويروي الفتان جمع فاتن أي نار محرقة أو الزبانية الذين يعذبون الكفار قال النووي ضبطوه من وجهين أحدهما بفتح الهمزة وكسر الميم والثاني أو من بضم الهمزة وإثبات الواو والفتان رواية الأكثرين بضم الفاء جمع فاتن ورواية الطبراني بالفتح وفي سنن أبي داود وأمن من فتنة القبر قال الطيبي إذا روي بالفتح فالوجه ما قيل من أن المراد الذي يفتن المقبور بالسؤال فيعذبه وقد قال النبي فيقيض له أعمى أصم وإن روي بالضم فالأولى أن يحمل على أنواع من الفتن بعد الإقبار من ضغطة القبر والسؤال والتعذيب في القبر وبعده من أهوال القيامة رواه مسلم قال ابن الهمام زاد


الطبراني وبعث يوم القيامة شهيدا وروى الطبراني بسند ثقات في حديث مرفوع من مات مرابطا أمن من الفزع الأكبر ولفظ ابن ماجه بسند صحيح وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي قال إن صلاة المرابط تعدل خمسمائة صلاة ونفقته الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره والأحاديث في فضله كثيرة واختلف المشايخ في المحل الذي يتحقق فيه الرباط فإنه لا يتحقق في كل مكان ففي النوازل أن يكون في موضع لا يكون وراءه إسلام لأن ما دونه لو كان رباطا فكل المسلمين في بلادهم مرابطون ويؤيده ما في حديث معاذ بن أنس رضي الله عنهما عنه عليه الصلاة والسلام من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله تبارك وتعالى متطوعا لا يأخذه سلطان لم ير النار بعينه ألا تحلة القسم فإن الله تعالى يقول وإن منكم إلا واردها مريم رواه أبو يعلى لكن ليس يستلزم كون ذلك باعتبار المكان فقد وردت أحاديث كثيرة ليس فيها سوى الحراسة في سبيل الله ولنختم هذه المقدمة بحديث البخاري عن أبي هريرة عنه قال تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة زاد في رواية وعبد


القطيفة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتعش طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع وعن أبي عبس رضي الله عنه بفتح فسكون موحدة قال المؤلف هو عبد الرحمن بن جبير الأنصاري الحارثي غلبت عليه كنيته شهد بدرا ومات بالمدينة سنة أربع وثلاثين ودفن بالبقيع وله سبعون سنة قال قال رسول الله ما أغبرت قدما عبد وفي رواية المستملي أغبرتا ذكره السيوطي فيكون من قبيل أكلوني البراغيث والمعنى صارتا ذاتي غبار في سبيل الله هو في الحقيقة كل سبيل يطلب فيه رضاه فيتناول سبيل طلب العلم وحضور صلاة جماعة وعيادة مريض وشهود جنازة ونحوها لكنه عند الإطلاق يحمل على سبيل الجهاد وقيل يحمل على سبيل الحج لخبر أن رجلا جعل بعيرا له في سبيل الله فأمره أن يحمل عليه الحاج ومن هنا وقع الاختلاف في مصرف الزكاة عند قوله تعالى وفي سبيل الله هل هو منقطع الغزاة وهو قول أبي يوسف أو منقطع الحاج وهو قول محمد فتمسه النار بنصب تمسه على ما صرح به السيوطي وغيره أي أن المس منتف بوجود الغبار المذكور قبل عدم الاغبرار أي عدم الجهاد فيما إذا كان فرض عين سبب للمس لأن سببية الكل تستلزم سببية الجزء وقيل هو من باب التعليق بالمحال أي ليس في شأن المجاهد سبب للمس إلا أن يفرض أن جهاده سبب له وهو ليس بسبب له فالاغبرار ليس سببا له قال البرماوي أي إن الاغبرار المترتب عليه المس منتف بانتفاء المس فقط قال الطيبي قوله فتمسه النار مسبب عن قوله اغبرت والنفي منصب على القبيلين معا وفائدته أن غير المذكور محال حصوله فإذا كان مس الغبار قدميه دافعا لمس النار إياه فكيف إذا سعى فيها واستفرغ جهده وألقى النفس النفيس عليها بشرا شره فقتل وقتل رواه البخاري وكذا الترمذي والنسائي وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال لا


يجتمع كافر وقاتله في
النار في شرح مسلم قال القاضي يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرا في الجهاد فيكون ذلك مكفرا لذنوبه حتى لا يعاقب عليها وأن يكون عقابه بغير النار أو يعاقب في غير مكان عقاب الكفار ولا يجتمعان في إدراكها قال الطيبي والأول هو الوجه وهو من الكناية التلويحية نفي الاجتماع فيلزم منه نفي المساواة بينهما فيلزم أن لا يدخل المجاهد النار أبدا فإنه لو دخلها لساواه ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الفصل الثاني ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم وفي رواية في منخري مسلم وقوله أبدا بمعنى قط في الماضي وعوض في المستقبل تنزيلا للمستقبل منزلة الماضي الجوهري يقال لا أفعله أبدا لا بد وأبد الآبدين كما يقال دهر الداهرين وعوض العائضين والمقام يقتضيه لأنه ترغيب في الجهاد وحث عليه ونحوه قوله ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار رواه مسلم وكذا أبو داود وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله قال القاضي المعاش المتعيش به يقال عاش الرجل معاشا ومعيشا وما يعاش به فيقال له معاش وعيش وفي الحديث يصح تفسيره مبهما أي بالمعنيين ورجل بالابتداء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي معاش رجل هذا شأنه من خير معاش الناس وقوله لهم أي معاش الناس الكائن لهم لا عليهم أي هو من خير معاشهم النافع لهم يطير على متنه أي يسرع راكبا على ظهر مستعار من طيران الطائر كلما سمع هيعة بفتح هاء وسكون تحتية أي صيحة يفزع منها ويجبن من هاع يهيع إذا جبن أو فزعة أي مرة من الاستغاثة واو للتنويع قال الطيبي الفزعة فسر هنا بالاستغاثة من فزع إذا استغاث وأصل الفزع شدة الخوف طار عليه أي أسرع راكبا على فرسه طائرا إلى الهيعة أو الفزعة يبتغي القتل والموت مظانه بدل اشتمال من الموت والأكثر على أنه ظرف يبتغي وهو استئناف مبين لحاله أو


حال من فاعل طار قال الطيبي أي لا يبالي ولا يحترز منه بل يطلبه حيث يظن أنه يكون ومظان جمع مظنة وهي الموضع الذي يعهد فيه الشيء ويظن أنه فيه ووحد الضمير في مظانه إما لأن الحاصل والمقصود منها واحد أو لأنه اكتفى بإعادة الضمير إلى الأقرب كما اكتفى بها في قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله التوبة قلت وفي كثير من الروايات بأو فإفراده
على القياس ويمكن جعل الواو بمعنى أو لتجتمع الروايات أو رجل في غنيمة أي في معاشه والظرف متعلق به إن جعل مصدرا أو بمحذوف هو صفة لرجل وغنيمة تصغير غنم وهو مؤنث سماعي ولذلك صغرت بالتاء والمراد قطعة غنم في رأس شعفة بفتحتين أي رأس جبل من هذه الشعف يريد به الجنس لا العهد أو بطن واد أي في بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة أي إن كانت عليه ويعبد ربه تعميم بعد تخصيص حتى يأتي اليقين أي الموت سمي به لأنه لا شك في تحقيق وقوعه وقال الغزالي الموت يقين يشبه الشك ليس أي كل واحد من الرجلين أو الثاني وهو أقرب من الناس أي من أمورهم إلا في خير أي في أمر خير قال الطيبي قوله هذه في الموضعين للتحقير نحو قوله تعالى وما هذه الحياة الدنيا العنكبوت ومن ثم صغر غنيمة وصفا لقناعة هذا الرجل بأنه يسكن في أحقر مكان ويجتزىء بأدنى قوت ويعتزل الناس شره ويستكفي شرهم عن نفسه ويشتغل بعبادة ربه حتى يجيئه الموت وعبر عن الموت باليقين ليكون نصب عينه مزيدا للتسلي فإن في ذكرها ذم اللذات ما يعرضه عن أغراض الدنيا ويشغله عن ملاذها بعبادة ربه ألا ترى كيف سلى حبيبه صلوات الله عليه وسلامه حين لقي ما لقي من أذى الكفار بقوله ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون الحجر إلى قوله حتى يأتيك اليقين الحجر قال النووي في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الخلطة وفي ذلك خلاف مشهور فمذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن ومذهب طواف من


الزهاد أن الاعتزال أفضل واستدلوا بالحديث وأجاب الجمهور بأنه محمول على زمان الفتن والحروب أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على أذاهم وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المريض وحلق الذكر وغير ذلك قال الطيبي وفي تخصيص ذكر المعاش تلميح فإن العيش المتعارف من أنباء الدهر هو استيفاء اللذات والانهماك في الشهوات كما سميت البيداء المهلكة بالمفازة والمنجاة واللديغ بالسليم وتلميح إلى قوله اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة وفيه أن لا عيش ألذ وأمر أو أشهى وأهنأ مما يجد العبد من طاعة ربه ويستروح إليها حتى يرفع تكاليفها ومشاقها عنه بل إذا فقدها كان أصعب عليه مما إذا أوتر أهله وماله وإليه ينظر قوله أرحنا يا بلال وقوله وجعل قرة عيني في الصلاة وتعريض بذم عيش الدنيا وجماع معنى الحديث الحث على مجاهدة أعداء الدين وعلى مخالفة النفس والشيطان والإعراض عن استيفاء اللذات العاجلة رواه مسلم


وعن زيد بن خالد رضي الله عنه لم يذكره المؤلف في أسمائه أن رسول الله قال من جهز بتشديد الهاء غازيا أي هيأ أسباب سفره في سبيل الله أي في الجهاد فقد غزا أي حكما وحصل له ثواب الغزاة ومن خلف بفتح اللام المخففة غازيا أي قام مقامه بعده وصار خلفا له برعاية أموره في أهله فقد غزا قال القاضي يقال خلفه في أهله إذا قام مقامه في إصلاح حالهم ومحافظة أمرهم أي من تولى أمر الغازي وناب منابه في مراعاة أهله زمان غيبته شاركه في الثواب لأن فراغ الغازي له واشتغاله به بسبب قيامه بأمر عياله فكأنه مسبب عن فعله متفق عليه وفي رواية ابن ماجه عن عمر رضي الله عنه مرفوعا من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع وعن بريدة رضي الله عنه بالتصغير قال قال رسول الله حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم مبالغة في اجتناب نسائهم ومراعاة حقوقهن وما من رجل من القاعدين يخلف بضم اللام أي يعقب رجلا من المجاهدين في أهله أي امرأته أو جاريته أو قرابته في بيته فيخونه فيهم أي فيخون الرجل فيهن وأهلهن ففيه تغليب وقال الطيبي الضمير المفعول عائد إلى رجلا وفي فيهم إلى الأهل تعظيما وتفخيما لشأنهن كقول الشاعر وإن شئت حرمت النساء سواكم وإنهن ممن يجب مراعاتهن وتوقيرهن وإلى هذا المعنى أشار بقوله كحرمة أمهاتهم الأوقف بصيغة المفعول من الوقوف أي جعل الخائن واقفا له أي للرجل ولأجل ما فعل من سوء الخلافة للغازي في أهله يوم القيامة وزاد في الجامع الصغير فقيل له قد خلفك في أهلك فخذ من حسناته ما شئت فيأخذ أي الرجل من عمله أي من أعمال


الخائن ما شاء أي في مقابلة ما شاء من عمله بالنسبة إلى أهل الغازي فما ظنكم قال النووي معناه فما تظنون في رغبة المجاهد في أخذ حسناته والاستكثار منها في ذلك المقام أي لا يبقى منها شيء إلا أخذه وقال المظهر أي ما ظنكم بالله مع هذه الخيانة هل تشكون في هذه المجازاة أم لا يعني فإذا علمتم صدق ما أقول فاحذروا من الخيانة في نساء المجاهدين وقال التوربشتي أي فما ظنكم بمن أحله الله بهذه المنزلة وخصه بهذه الفضيلة فربما يكون وراء ذلك من الكرامة رواه مسلم وكذا أحمد والنسائي وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه مر ذكره قال جاء رجل بناقة مخطومة أي فيها خطام وهو قريب من الزمام كذا في شرح مسلم وفي النهاية خطام البعير أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل في أحد طرفيه خلقة ثم يشد به الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة ثم يقلد البعير ثم يثنى على مخطمه وأما الذي يجعل في الأنف دقيقا فهو الزمام وفي الحديث لا زمام أراد به ما كان عباد بني إسرائيل يفعلونه من زم الأنوف وهو أن يخرق الأنف ويعمل فيه زمام كزمام الناقة لتقاد به والخطم الأنف والخطام ككتاب الذي يقاد به البعير وخطم البعير وضع الخطام في رأسه فقال هذه أي صدقة في سبيل الله فقال رسول الله لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة قال النووي قيل يحتمل أن يكون المراد أن له أجر سبعمائة ناقة في غير سبيل الله وأن يكون على ظاهره ويكون له في الجنة بها سبعمائة ناقة يركبها حيث شاء للتنزه كما جاء في خيل الجنة رواه مسلم وكذا النسائي وعن أبي سعيد أي الخدري رضي الله عنه كما في نسخة إن رسول الله بعث بعثا أي أراد أن يرسل جيشا إلى بني لحيان بكسر اللام فصح من فتحها من


هذيل بالتصغير أي ليغزوهم فقال لينبعث أي لينتهض إلى العدو من كل رجلين أحدهما بأن يتخلف الآخر عن صاحبه لمصالحه والأجر أي ثواب الغزو بينهما أي بين الغازي والقاعد المقيم القائم في أهل الغازي بأمورهم والمعنى ليخرج من كل قبيلة نصف عددها رواه مسلم وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه بفتح فضم قال قال رسول الله لن يبرح أي لا يزال هذا الدين قائما يقاتل بالتذكير ويجوز تأنيثه أي يجاهد عليه أي على الدين عصابة بكسر أوله أي جماعة من المسلمين والمعنى لا يخلو وجه الأرض من الجهاد إن لم يكن في ناحية يكون في ناحية أخرى حتى تقوم الساعة أي يقرب قيامها قال الطيبي جملة يقاتل مستأنفة بيان للجملة الأولى وعداه بعلى لتضمينه معنى يظاهر أي يظاهرون بالمقاتلة على أعداء الدين يعني أن هذا الدين لم يزل قائما بسبب مقاتلة هذه الطائفة وما أظن هذه العصابة إلا الفئة المنصورة بالشام وفي نسخة زيادة بالمغرب قلت والأغلب في هذا الزمان بالروم نصرهم الله وخذل أعدائهم قال النووي ورد في الحديث لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة قيل هم أهل الشام وما وراء ذلك قلت فيه بحث فإن أهل المغرب أيضا من الأروام وغيرهم يحاربون الكفار أيدهم الله تعالى فالتحقيق أن المراد بالطائفة الجماعة المجاهدة لا على التعيين فإن فيما وراء النهر أيضا طائفة يقاتلون الكفرة قواهم الله تعالى وجزى المجاهدين عنا خيرا حيث قاموا بفرض الكفاية وأعطوا التوفيق والعناية قال النووي وفيه معجزة ظاهرة فإن هذا الوصف لم يزل بحمد الله تعالى من زمن النبي إلى الآن ولا يزال حتى يأتي أمر الله تعالى اه وهو لا ينافي أن يكون خبرا معناه الأمر كقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون الحجر فإنا مأمورون وجوبا أن تحفظ القرآن بالقراءات المتواترة على سبيل الكفاية رواه مسلم وكذا أبو داود وفي معناه حديث لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون رواه


الشيخان عن المغيرة وحديث ولا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه وحديث لا تزال طائفة من أمتي
ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة رواه الحاكم عن عمر نعم هذه الأحاديث شاملة للعلماء أيضا حتى قيل المراد بهم علماء الحديث والله أعلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا يكلم بصيغة المفعول من الكلم وهو الجرح أي لا يجرح أحد في سبيل الله قال السيوطي أي سواء مات صاحبه منه أم لا كما يؤخذ من رواية الترمذي والله أعلم بمن يكلم في سبيله جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه مؤكدة مقررة لمعنى المعترض فيه وتفحيم شأن من يكلم في سبيله ومعناه والله أعلم بعظم شأن من يكلم في سبيل الله ونظيره قوله تعالى قالت رب أني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى آل عمران قوله والله أعلم بما وضعت معترض بين كلامي أم مريم تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها والمعنى والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور ويجوز أن يكون تتميما للصيانة من الرياء والسمعة قلت هذا هو الظاهر ثم الأول إنما يتمشى كونه تنظيرا على قراءة من قرأ وضعت بصيغة الغائبة لا على قراءة من قرأ بصيغة المتكلم كما لا يخفى وقد قال النووي هذا تنبيه على الإخلاص في الغزو وإن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه لتكون كلمة الله هي العليا وهذا الفضل وإن كان ظاهرا في قتال الكفار لكن يدخل فيه من جرح في قتال البغاة وقطاع الطريق وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك إلا جاء يوم القيامة وجرحه بضم أوله يثعب قال السيوطي بسكون المثلثة وفتح العين المهملة وموحدة وفي شرح مسلم أي يجري منفجرا أي كثيرا وهو معنى الرواية الأخرى يتفجر دما اللون لون الدم وفي نسخة لمسلم لون دم والريح ريح المسك قال النووي الحكمة في مجيئه كذلك أن يكون معه شاهد في فضيلته وبذل


نفسه في طاعة الله تعالى قال التوربشتي ثعبت الماء فجرته فانثعب إضافة الفعل إلى الجرح لأنه السبب في فجر الدم ودما يكون مفعولا ولو أراد به التمييز لكان من حقه أن يقول ينثعب دما أو يثعب على بناء المجهول ولم أجده رواية قال الطيبي مجيئه متعديا نقل عن الجوهري وظاهر كلام صاحب النهاية أنه لازم حيث فسره بقوله يجري ولأنه جاء في حديث آخر وجرحه
يشخب دما والشخب السيلان وقد شخب يشخب ويشخب فحينئذ يكون من قبيل قوله تعالى وأعينهم تفيض من الدمع المائدة فإن الظاهر أن يقال إن الدمع يفيض من العين فجعل العين فائضة مبالغة وكذلك الدم سائل من الجرح لا الجرح سائل اه ويؤيد الشيخ ما في القاموس ثعب الماء والدم كمنع فجره فانثعب لكن المفهوم من التاج أنه لازم ومتعدد كذا في دستور اللغة ثعب الدم أي سال وأسال وفي المشارق للقاضي عياض ثعب تفجر وكذلك قوله يثعب فيه ميز بأن وكان الشيخ لم يطلع على مجيئه لازما وأما حديث يشخب فغير حجة عليه كما لا يخفى متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله ما من أحد يدخل الجنة بصيغة الفاعل ويجوز أن يكون بصيغة المفعول يحب أن يرجع أي يصير إلى الدنيا وله في رواية مسلم وأن له ما في الأرض من شيء قال ابن الملك جاز كونه عطفا على أن يرجع أي ما يحب أن يرجع ولا أن يكون له شيء في الدنيا وكونه حالا أي لا يحب الرجوع حال كونه مالكا لكثير من أمتعة الدنيا والبساتين والأملاك والرقاب اه والظاهر هو الثاني وأن له جميع ما في الأرض لأن من شيء بيان لما فيفيد الاستغراق إلا الشهيد بالرفع على أنه بدل من أحد وفي بعض النسخ بالنصب على الاستثناء يتمنى أي فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات الظاهر أن المراد به الكثرة لما يرى من الكرامة أي كرامة الشهادة وفيه إيماء إلى أنه لا يتمنى شيئا من شهوات الدنيا إلا الشهادة وهي ليست منها فيكون من قبيل ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم متفق


عليه ورواه الترمذي وعن مسروق رضي الله عنه تابعي جليل وقد مر ذكره قال سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ولا تحسبن بالخطاب وفتح السين وكسرها وفي رواية بالغيبة وفتح
السين الذين قتلوا بصيغة المجهول من القتل وفي قراءة من باب التفعيل في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون وفي نسخة الآية قال أي ابن مسعود رضي الله عنه إنا قد سألنا أي رسول الله عن ذلك أي عن معنى هذه الآية قال النووي الحديث مرفوع بقوله إنا قد سألنا عن ذلك فقال يعني النبي وقال القاضي المسؤول والمجيب هو الرسول صلوات الله عليه وسلامه وفي رواية فقال ضمير له ويدل عليه قرينة الحال فإن ظاهر حال الصحابي أن يكون سؤاله واستكشافه من الرسول لا سيما في تأويل آية هي من المتشابهات وما هو من أحوال المعاد فإنه غيب صرف لا يمكن معرفته إلا بالوحي ولكنه بهذه المثابة من التعين أضمر من غير أن يسبق ذكره قلت وأيضا جلالة ابن مسعود تأبى أن يسأله عن ذلك غيره والله أعلم وقوله أرواحهم في أجواف طير خضر أي يخلق لأرواحهم بعدما فارقت أبدانهم هياكل على تلك الهيئة تتعلق بها وتكون خلفا عن أبدانهم وإليه الإشارة بقوله تعالى أحياء عند ربهم فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذائذ الحسية وإليه يرشد قوله تعالى يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله آل عمران والطير جمع طائر ويطلق على الواحد وخضر بضم فسكون جمع أخضر لها أي للطير أو للأرواح قناديل معلقة بالعرش بمنزلة أوكار الطير تسرح أي تسير وترعى وتتناول من الجنة أي من ثمراتها ولذاتها حيث شاءت ثم تأوي أي ترجع إلى تلك القناديل أي فتستقر فيها ثم تسرح وهكذا فاطلع بتشديد الطاء أي نظر إليهم وتجلى عليهم ربهم وإنما قال إطلاعة ليدل على أنه ليس من جنس إطلاعنا على الأشياء قال القاضي وعداه بإلى وحقه أن يعدى بعلى لتضمنه معنى الانتهاء فقال أي ربهم هل تشتهون شيئا قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا يعني


وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ففعل أي ربهم ذلك أي ما ذكر من الاطلاع والقول لهم ثلاث مرات قال القاضي اطلاع الله عليهم واستفهامه عما يشتهون مرة بعد أخرى مجاز عن مزيد تلطفه بهم وتضاعف تفضيله عليهم قلت ولا مانع للحمل على الحقيقة بل هي أحق عند عدم الصارف كما هو مقرر في محله فلما رأوا أنهم لن يتركوا بصيغة المفعول أي لن يخلوا من أن يسألوا بصيغة الفاعل ومن زائدة لوقوعها في سياق النفي وأن يسألوا بدل من نائب فاعل يتركوا أي لن يترك سؤالهم قالوا


يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا أي الأولية حتى نقتل بصيغة المجهول أي نستشهد في سبيلك مرة أخرى قال القاضي المراد به أنه لا يبقى لهم متمنى ولا مطلوب أصلا غير أن يرجعوا إلى الدنيا فيستشهدوا ثانيا لما رأوا بسببه من الشرف والكرامة فلما رأى أي علم الله علما تنجيزيا مطابقا لما علم علما غيبيا تعليقيا أن ليس لهم حاجة أي حاجة معتبرة لأنهم سألوا ما هو خلاف إرادة الله تعالى تركوا أي من سؤال هل تشتهون قال ابن الملك رؤية الله كانت أعظم النعم فلم لم يطلبوها قلت يجوز أن تكون رؤية الله تعالى موقوفة في ذلك على كمال استعداد يليق بها فصرف الله قلوبهم عن طلب ذلك إلى وقت حصول الاستعداد فإن قلت إعادة الروح إلى الجسد إن كان لطلب ما هم فيه فلا فائدة وإن كان لغيره فهلا اشتهوه أو لا قلت يجوز أن يكون مرادهم بذلك الكلام القيام بموجب الشكر في مقابلة النعم التي أنعم الله عليهم قال القاضي الحديث تمثيل لحالهم وما عليهم من البهجة والسعادة شبه لطافتهم ودماءهم وتمكنهم من التلذذ بأنواع المشتهيات والتبوء من الجنة حيث شاؤوا ومقربهم من الله تعالى وانخراطهم في غار الملأ الأعلى الذين هم حول عرش الرحمن بما إذا كانوا في أجواف طير خضر تسرح إلى الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش وشبه حالهم في استجماع اللذائذ وحصول جميع المطالب بحال من يبالغ ويسرد عليه ربه المتفضل المشفق عليه غاية التفضل والإشفاق القادر على جميع الأشياء بأن يسأل منه مطلوبا ويكرر مرة بعد أخرى بحيث لا يرى بدا من السؤال فلم ير شيئا ليس له أن يسأل إلا أن يرد إلى الدنيا فيقتل في سبيل الله مرة بعد أخرى والعلم عند الله تعالى وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض اختلفوا فيه قيل ليس للأقيسة والعقول في هذا حكم فإذا أراد الله أن يجعل الروح إذا خرجت من المؤمن أو الشهيد في قناديل أو أجواف طير أو حيث شاء كان ذلك ووقع ولم يبعد لا سيما مع القول بأن


الأرواح أجسام فغير مستحيل أن يصور جزء من الإنسان طائرا أو يجعل في جوف طائر في قناديل تحت العرش وقد اختلفوا في الروح فقال كثير من أرباب المعاني وعلم الباطن والمتكلمين لا يعرف حقيقته ولا يصح وصفه وهو مما جهل العباد علمه واستدلوا بقوله تعالى قل الروح من أمر ربي الإسراء وقال كثيرون من شيوخنا هو الحياة وقال آخرون هو أجسام لطيفة مشابكة للجسم يحيا بحياته وأجرى الله تعالى العادة بموت الجسم بعد فراقه وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب وهذا باطل مردود لا يطابق ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر والنشر والجنة والنار ولهذا قال في حديث آخر حتى يرجعه الله إلى جسده يوم بعثة الأجساد قلت قال ابن الهمام اعلم أن القول بتجرد الروح يخالف هذا الحديث كما أنه يخالف قوله تعالى فادخلي في عبادي الفجر اه وفي بعض حواشي شرح


العقائد اعلم أن التناسخ عند أهله هو رد الأرواح إلى الأبدان في هذا العالم لا في الآخرة إذ هم ينكرون الآخرة والجنة والنار ولذا كفروا اه وفيه بيان أن الجنة مخلوقة موجودة وهو مذهب أهل السنة وهي التي أهبط منها آدم ويتنعم فيها المؤمنون في الآخرة وفيه إن مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل يوم القيامة وإن الأرواح باقية لا تفنى فيتنعم المحسن ويعذب المسيء وهو مذهب أهل السنة وبه نطلق التنزيل والآثار خلافا لطائفة من المبتدعة قال الله تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر رواه مسلم وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه وعن أبي قتادة رضي الله عنه صحابي مشهور أن رسول الله قام أي واعظا فيهم أي في أصحابه فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال الواو لمطلق الجمع ولعل فيه الإشارة إلى أن الجهاد مع الإيمان أفضل أعمال القلبي والقالبي ولا يشكل بما عليه الجمهور من أن الصلاة أفضل الأعمال لاختلاف الحيثيتين فالصلاة أفضل لمداومتها والجهاد أفضل لمشقته لا سيما الجهاد يستلزم الصلاة وإلا فلا فضيلة له فقام رجل فقال يا رسول الله أرأيت أي أخبرني إن قتلت في سبيل الله أي إن استشهدت يكفر بالتذكير على بناء المفعول ويجوز تأنيثه وفي نسخة بالتذكير على بناء الفاعل وعلى كل فالاستفهام مقدر أي يمحو الله عني خطاياي فقال رسول الله نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر أي غير جزع محتسب أي طالب للأجر والثوبة لا للرياء والسمعة مقبل أي على العدو غير مدبر أي عنه وهو تأكيد لما قبله وقال النووي احتراز ممن يقبل في وقت ويدبر في وقت والمحتسب هو المخلص لله تعالى فإن قاتل لعصبية أو لأخذ غنيمة ونحو ذلك فليس له الثواب ثم قال رسول الله كيف قلت فقال أرأيت أي قلت أرأيت أو معناه كيف قلت أعد القول والسؤال فقال أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر بهمزة الاستفهام هنا أي يمحى عني خطاياي


فقال رسول الله نعم وأنت صابر أي نعم إن قتلت والحال أنك صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين استثناء منقطع ويجوز أن يكون
متصلا أي الدين الذي لا ينوي أداءه قال التوربشتي أراد بالدين هنا ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين إذ ليس الدائن أحق بالوعيد والمطالبة منه من الجاني والغاصب والخائن والسارق وقال النووي فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين وإنما يكفر حقوق الله قلت إلا شهيد البحر فإنه يغفر له الذنوب كلها والدين كما ورد في حديث وورد أيضا أن الله تعالى يقبض أرواح شهداء البحر لا يكل ذلك إلى ملك الموت فإن جبريل قال لي ذلك أي إلا الدين قال الطيبي فإن قلت كيف قال كيف قلت وقد أحاط بسؤاله علما وأجابه بذلك الجواب قلت ليسأل ثانيا ويجيبه بذلك الجواب ويعلق به إلا الدين استداركا كأبعد أعلام جبريل عليه السلام إياه صلوات الله وسلامه عليه رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي قال القتل مصدر بمعنى المفعول في سبيل الله يكفر كل شيء أي يكون سببا لتكفير كل شيء من الخطايا عن المقتول وفي الجامع الصغير بلفظ كل خطيئة إلا الدين أي وما في معناه من حقوق العباد رواه مسلم ورواه الترمذي عن أنس ورواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود ولفظه القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع اه فالمراد بالدين الواجبات الشرعية من أمور الدين وعن أبي هريرة رضي الله عنه عنه أن رسول الله قال يضحك الله تعالى أي يرضى مقبلا إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة أي معا يقاتل استئناف مبين أي يجاهد هذا أي أحدهما في سبيل فيقتل أي فيرحمه لأنه قتل شهيدا ثم يتوب الله


على القاتل أي الكافر بأن يوفقه للإيمان فيؤمن فيستشهد أي فيقتل شهيدا فيرحمه بفضله لأنه مات سعيدا قال الطيبي عدى يضحك بإلى لتضمنه معنى الانبساط والإقبال مأخوذ من قولهم ضحكت إلى فلان إذا انبسطت إليه وتوجهت إليه بوجه طلق وأنت راض عنه وقال النووي ويحتمل أن يراد ضحك ملائكة الله تعالى المتوجهين لقبض روحه كما يقال قتل السلطان فلانا إذا أمر بقتله اه وقيل هو من الصفات المتشابهات ينزه عن التشبيه ويوكل علمه إليه سبحانه متفق عليه رواه النسائي وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه بضم حاء مهملة وفتح نون وسكون تحتية ففاء وتقدم ذكره قال قال رسول الله من سأل الله الشهادة بصدق أي بإخلاص بلغه بتشديد اللام أي أوصله الله منازل الشهاداء وإن مات على فراشه بكسر أوله أي ولو مات غير شهيد فهو في حكم الشهداء وله ثوابهم رواه مسلم وكذا الأربعة وعن أنس رضي الله عنه أن الربيع بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة صحابية وهي عمة أنس بن مالك بنت البراء أي ابن عازب صحابيان مشهوران وهي أي الربيع أم حارثة بن سراقة بضم أوله قال المصنف شهد بدرا وقتل فيها شهيدا وهو أول من قتل شهيدا من الأنصار يومئذ وقد جاء في صحيح البخاري إن اسمها أم الربيع والذي في كتب أسماء الصحابة أنها الربيع وهو الصحيح أتت النبي فقالت يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة أي عن حاله ومآله وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب يجوز بالإضافة والصفة وبسكون الراء وفتحها أي لا يدرى راميه وقيل بالسكون إذا أتاه من حيث لا يدرى راميه وبالفتح إذا رماه فأصاب غيره كذا في النهاية وقيل بالوصف إذا لم يعرف


راميه وبالإضافة هو المتخذ من شجر الغرب فإن كان أي حارثة في الجنة صبرت أي عن إظهار البكاء شكرا لما أنعم عليه وإن كان غير ذلك بالرفع وفي نسخة بالنصب على أن كان تامة أو ناقصة اجتهدت عليه أي على حارثة في البكاء أي كما هو دأب النساء فقال يا أم حارثة إنها قال الطيبي هو ضمير مبهم يفسره ما بعده من الخير كقولهم هي العرب تقول ما شاءت أو الضمير للقصة والجملة بعدها خبرها أو هي جنان في الجنة والتنوين للتعظيم والمراد بها درجات فيها لما ورد إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها وهذا معنى قوله وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى رواه البخاري وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال انطلق رسول الله وأصحابه أي ذهبوا من المدينة حتى سبقوا المشركين إلى بدر والمعنى أنهم نزلوا بدرا قبل الكفار قال الطيبي بدر موضع يذكر ويؤنث وهو اسم ماء قال الشعبي بئر بدر كانت لرجل يدعى بدرا ومنه يوم بدر وجاء المشركون أي بعد المسلمين وتصافوا فقال رسول الله قوموا إلى جنة أي إلى عمل هو سبب دخولها أو أريد به المبالغة كما ورد الجنة تحت ظلال السيوف رواه الحاكم عن أبي موسى عرضها السموات والأرض تشبيه بليغ أي كعرض السماء والأرض كما في آية أخرى قال الطيبي عدى القيام بإلى لإرادة معنى المسارعة كما في قوله تعالى سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة آل عمران ووصف الجنة بالعرض مبالغة عرفا وتخصيص العرض بها دون الطول دلالة على أن العرض إذا كان كذلك فما بال الطول قال عمير بالتصغير ابن الحمام بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم وهو ابن الأجدع الأنصاري أحد بني سلمة قيل إنه أول من قتل من الأنصار في الإسلام قتله خالد بن الأعلم بخ بخ بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفي نسخة بالتنوين في الكلمتين وهي كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرر للمبالغة وهي مبنية فإن وصلت جررت ونونت فقلت بخ بخ وربما شددت وأصحاب الحديث يروونها


بالسكون وقفا ووصلا كذا ذكره بعضهم وفي القاموس بخ أي عظم الأمر تقال وحدها ويكرر بخ بخ
الأول منون والثاني مسكن ويقال بخ بخ مسكنين ومنونين ومشددين كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء أو المدح أو الفخر فقال رسول الله ما يحملك أي ما باعثك على قولك بخ بخ قال لا والله يا رسول الله قال بعضهم فهم عمير أنه توهم أن ذلك صدر عنه من غير نية وروية شبيها بقول من سلك مسلك الهزل والمزاح فنفى عمير عن نفسه ذلك بقوله لا والله يا رسول الله ما قلت ذلك إلا رجاء بترك التنوين وفي نسخة بالتنوين وفي نسخة رجاءة بالتاء قال النووي في شرح مسلم قوله إلا رجاءة في أكثر النسخ المعتمدة بالمد ونصب التاء وفي بعضها رجاء بلا تنوين وفي بعضها بالتنوين ممدود أن بحذف التاء وكلها صحيح معروف والمعنى إلا لطمع إن أكون من أهلها أي من أهل الجنة فالاستثناء من مقدر وقيل الأولى أنه لما قال قوموا إلى الجنة ببذل الأرواح قال عمير بخ بخ تعظيما للأمر وتفخيما له فقال عليه السلام ما حملك على هذا التعظيم أخوفا قلت هذا أم رجاء فقال لا بل رجاء أن أكون من أهلها قال أي رسول الله فإنك من أهلها خبر أو دعاء قال أي الراوي فاخرج تمرات بفتحات وفي نسخة تميرات بالتصغير للتقليل من قربه بقاف وراء مفتوحتين جعبة النشاب فجعل أي شرع يأكل منهن تقوية للبدن على الجهاد ثم قال أي في أثناء أكلهن لئن أنا حييت بفتح فكسر أي عشت واللام موطئة للقسم وإن شرطية وأنا فاعل فعل مضمر يفسره ما بعده حتى آكل تمراتي أي جميعها إنها لحياة طويلة يعني والأمر أسرع من ذلك شوقا إلى الشهادة وذوقا إلى الشهود وهي جواب القسم واكتفى به عن جواب الشرط قال أي الراوي فرمى بما كان معه الباء زائدة لتقوية التعدية أي طرح جميع ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل قال الطيبي ويمكن أن يذهب إلى مذهب أصحاب المعاني فيقال إن الضمير المنفصل قدم للاختصاص وهو على منوال قوله تعالى قل لو أنتم تملكون


الإسراء فكأنه وجد نفسه مختارة للحياة على الشهادة فأنكر عليها ذلك الإنكار وإنما قال ذلك استبطاء للانتداب بما ندب به من قوله قوموا إلى جنة أي سارعوا إليها ومما ارتجز به عمير يومئذ قوله ركضا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد فكل زاد عرضة النفاد غير التقى والبر والرشاد أي اركض ركضا وأسرع إسراعا مثل إسراع الخيل وركضه خفف في القول كما خفف في الأكل مبادرة إلى ما انتدب إليه رضي الله عنه وأقبل عليه رواه مسلم


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ما تعدون بتشديد الدال أي ما تحسبون الشهيد فيكم قيل عد ملحق بظن معنى وعملا على ما قال ابن الملك فالشهيد مفعول أول وما استفهامية مفعول ثان والمراد السؤال عن الوصف أي بأي وصف تنال مرتبة الشهادة وقال التوربشتي ما استفهامية ويسأل بكلمة ما عن جنس ذات الشيء ونوعه وعن صفات جنس الشيء ونوعه وقد يسأل بها عن الأشخاص الناطقين ولما كانت حقيقة الاستفهام هنا السؤال عن الحالة التي ينال بها المؤمن رتبة الشهادة استفهم عنها بكلمة ما لتكون أدل على وصفها وعلى المعنى المراد منها ثم إنها مع ذلك لما كانت تسد مسد من قالوا يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد وقال الطيبي ما هنا سؤال عن وصف من له كرامة وقرب عند الله تعالى قال الله تعالى والشهداء عند ربهم الحديد فيشمل على ما ذكره صلوات الله عليه من قوله من قتل في سبيل الله الخ فلما لم يطابق جوابهم سؤاله عليه السلام قال ردا عليهم إن شهداء أمتي إذا لقليل وكان يكفي على ظنهم أن يقولوا من قتل في سبيل الله فاطنبوا أو اتوا في الخبر بالفاء دلالة على أن صلة الموصول علة للخبر فحصوا ما أريد العموم فيه والأظهر أنه كان السؤال عن أصناف الشهيد الشامل للحقيقي والحكمي كما يشير إليه لفظة تعدون فلما حصروه في الحقيقي قال إن شهداء أمتي إذا القليل من قتل في سبيل الله فهو شهيد أي حقيقة لا شبهة فيه ومن مات في سبيل الله فهو شهيد أي أيضا لكن حكما لقوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله النساء وأيضا إنما الأعمال بالنيات ونية المؤمن خير من عمله وقد سبق حديث من سأل الله الشهادة بصدق بلغة الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ومن مات في الطاعون فهو شهيد لأنه مقتول الجن على ما ورد به الخبر ومن مات في البطن فهو شهيد في شرح مسلم المبطون صاحب داء البطن وهو الإسهال قال القاضي عياض رحمه


الله وقيل هو الذي به الاستسقاء وانتفاخ البطن وقيل الذي يموت بداء بطنه مطلقا اه ولعل كونه شهيدا لأن الغالب فيه أن يموت حاضر القلب منكشفا عند الموت قال القاضي البيضاوي الشهيد فعيل من الشهود بمعنى مفعول لأن الملائكة تحضره وتبشره بالفوز والكرامة أو بمعنى فاعل لأنه يلقى ربه ويحضر عنده كما قال تعالى والشهداء عند ربهم الحديد أو من الشهادة فإنه بين صدقه في
الإيمان والإخلاص في الطاعة ببذل النفس في سبيل الله أو يكون تلو الرسل في الشهادة على الأمم يوم القيامة ومن مات في الطاعون أو بوجع في البطن ملحق بمن قتل في سبيل الله لمشاركته إياه في بعض ما ينال من الكرامة بسبب ما كابده من الشدة لا في جملة الأحكام والفضائل اه وقد جمع شيخ مشايخنا الحافظ جلال الدين السيوطي ما ورد من أنواع الشهادة الحكمية في كراسة منهم الغريق والحريق والمهدوم والغريب والمرابط ومن مات يوم الجمعة أو ليلته وغير ذلك والمعنى أنهم يشاركون الشهداء في نوع من أنواع المئويات التي يستحقها الشهداء لا المساواة في جميع أنواعها رواه مسلم وأخرج الطبراني في الكبير عن سلمان أن النبي قال ما تعدون الشهيد فيكم قالوا الذي يقتل في سبيل الله قال إن شهداء أمتي إذا لقليل القتل في سبيل الله شهادة والطاعون شهادة والنفساء شهادة والحرق شهادة والغرق شهادة والسل شهادة والبطن شهادة وعن عبد الله بن عمرو بالواو رضي الله عنه قال قال رسول الله ما من غازية أي قطعة من الجيش أو جماعة تغزوا أو سرية هي أربعمائة رجل وفي ذكرهما إشارة إلى أن الحكم ثابت في القليل والكثير من الغزاة فأو للتنويع وقيل أو للشك من الراوي تغزو فتغثم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم بضم اللام ويسكن قال القاضي المعنى أن من غزا الكفار فرجع سالما غانما فقد تعجل فاستوفى ثلثي أجره وهما السلامة والغنيمة في الدنيا وبقي له ثلث الأجر يناله في الآخرة بسبب ما قصد بغزوه محاربة أعداء الله تعالى


وما من غازية أو سرية تخفق من الإخفاق أي تغزو ولا تغنم وتصاب أي بجرح أو بقتل أو تصيبه مصيبة الأتم أجورهم قال القاضي والمعنى من غزا في نفسه بقتل أو جرح ولم يصادف غنيمة فأجره باق بكماله لم يستوف منه شيئا فيوفر عليه بتمامه في الآخرة قال الطيبي ولفظ تعجلوا يستدعي أن يكون لكل غاز في غزواته ثواب فمن أصاب السلامة والغنيمة استوفى ثلثي ثوابه في الدنيا بدل ما كان له في الآخرة وإليه الإشارة بقوله تعجل ومن لم يغنم وقتل أتم أجره حيث لم يتعجل بشيء بقي قسمان من سلم وأخفق فقد تعجل بثلثه وبقي له ثلثان في الآخرة ومن رجع مجروحا يقسم على هذا التقسيم بحسب جرحه إن الله لا يضيع أجر المحسنين اه ويمكن أن يكون المراد بالرجوع سالما رجوعه حيا فلا


يحتاج إذا إلى التقسيم بحسب الجراحة قال ابن الملك الغازي إذا أصاب غنيمة وسلم فقد أصابه شيئان من ثمرات الغزو وبقي له دخول الجنة فصح أنه قد تعجل ثلثي الأجر فعلى هذا تكون سلامة النفس وحصول المغنم من أجزاء أجر الغزو اه وفي كون السلامة من أجزاء الثواب محل بحث اللهم إلا أن يقال قصد الغازي في مسيره ثلاثة أشياء إما الشهادة وإما الغنيمة وإما السلامة فقط فقوله وتسلم بعد قوله تغنم قيد واقعي يلزم من وجوده وجوده ولهذا ورد بحذفه في حديث رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمرو ولفظه ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة ألا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة ثم لهم أجرهم رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من مات ولم يغز وفي نسخة بإثبات الواو وهو لغة ضعيفة ولم يحدث بالتشديد أي لم يكلم به أي بالغزو نفسه بالنصب على أنه مفعول به أو بنزع الخافض أي في نفسه وفي نسخة بالرفع على أنه فاعل والمعنى لم يعزم على الجهاد ولم يقل يا ليتني كنت مجاهدا وقيل معناه ولم يرد الخروج وعلامته في الظاهر إعداد آلته قال تعالى ولو أرادوا والخروج لأعدوا له عدة ويؤيده قوله مات على شعبة من نفاق أي نوع من أنواع النفاق أي من مات على هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد ومن تشبه بقوم فهو منهم وقيل هذا كان مخصوصا بزمانه والأظهر أنه عام ويجب على كل مؤمن أن ينوي الجهاد إما بطريق فرض الكفاية أو على سبيل فرض العين إذا كان النفير عاما ويستدل بظاهره لمن قال الجهاد فرض عين مطلقا وفي شرح مسلم للنووي قال عبد الله بن المبارك نرى أن ذلك على عهد رسول الله قال وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل وقد قال غيره إنه عام والمراد أن من فعل فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق وفيه إن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه


عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها فأخرها بنية أن يفعلها ومات أو أخر الحج كذلك قيل يأثم فيهما وقيل لا يأثم فيهما وقيل يأثم في الحج
دون الصلاة اه والأخير موافق لمذهبنا رواه مسلم وعن أبي موسى رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي فقال أي ذلك الرجل الرجل أي جنس الرجل بمعنى الشخص يقاتل للمغنم والرجل أي الآخر يقاتل للذكر أي للصيت والشهرة والرياء والسمعية في النهاية أي ليذكر بين الناس يوصف بالشجاعة والذكر والشرف والفخر والصيت والرجل أي الآخر يقاتل ليرى بصيغة المجهول أي ليعلم أو يبصر بين الناس مكانه بالرفع أي مرتبته في الشجاعة وفي نسخة بصيغة المعلوم من الإراءة ونصب مكانه قال الأشرف هو من باب الأفعال فإن قرىء معلوما ففاعله ضمير الرجل والمفعول الثاني محذوف أي بقاتل ذلك الرجل ليرى هو مكانه أي منزلته ومكانته من الشجاعة الناس فالفرق على هذا بين قوله يقاتل للذكر وبين هذا إن الأول سمعة والثاني رياء أي من الغزاة من سمع ومنهم من رآءى وإن قرىء مجهولا فالذي أقيم مقام الفاعل ضمير الرجل ومكانه نصب على أنه المفعول الثاني أي قاتل ذلك الرجل ليبصر هو منزلته من الجنة وتحقيقه أنه قاتل للجنة لا لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه وقال المظهر أي ليرى منزلته من الجنة أي ليحصل له الجنة ويؤيده قوله فمن في سبيل الله قال من قاتل لتكون كلمة الله أي كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله هي العليا فهو في سبيل الله أي لا غير لكن الظاهر أن إرادة الجنة غير مزاحمة لإرادة كون كلمة الله هي العليا ولذا قال قوموا إلى جنة كما سبق فالمراد بهما واحد والمآل متحد وقال الطيبي قوله فالذي أقيم مقام الفاعل ضمير الرجل ومكانه نصب على المفعول الثاني غير صحيح بل المفعول الثاني أقيم مقام الفاعل وكذا في نسخة صحيحة للبخاري وجامع الأصول مضبوط بالرفع أي ليرى الناس منزلته في سبيل الله قلت


مبنى كلام الأشرف على نصب مكانه لا على رفعه فقوله غير صحيح غير صحيح قال وأيضا لا فرق بين السمعة والرياء المغرب يقال فعل ذلك سمعة ليريه الناس من غير أن يكون قصد به التحقيق وسمع بكذا أشهره تسميعا ومنه الحديث من سمع الناس بعمله سمع الله به أسامع خلقه وحقره وصغره ونوه الله لريائه وبلائه لسماع خلقه فيفتضح قلت كلام الأشرف مبني على التحقيق الأصلي والتدقيق اللغوي فإنه لا شك أن الرياء مأخوذ من الرؤية كما أن السمع هو مأخذ السمعة نعم اتسع فيهما فتطلق إحداهما على الأخرى


وقد يجمع بينهما على الأصل فيقال رياء وسمعة قال ولعل الأظهر أن يراد بالذكر الصيت والسمعة وبالرؤية علم الله ونحوه قوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين آل عمران يعني المجاهدين منكم للغنيمة والذكر والمجاهد الصابر الذي يستفرغ جهده في سبيل الله قلت هو غير ظاهر فضلا أن يكون أظهر قال ويجوز أن يراد بالرؤية رؤية المؤمنين في القيامة منزلته عند الله تعالى كما سيجيء في الفصل الثالث في حديث فضالة عن رسول الله أن الشهداء أربعة رجل جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا الحديث فيكون قد سأل الرجل عن أحوال المجاهدين بأسرها ومقاتلتهم إما للغنيمة أو للذكر والصيت والفخر رياء أو ليحمده الله تعالى فكنى بقوله عن الثالث من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا إحمادا عليه وشكرا لصنيعه وإلا كان يكفيه في الجواب أن يقول من يقاتل ليرى مكانه قلت ووجه العدول إن هذا مبهم غير دال على المقصود صريحا أو صحيحا قال والمكان ههنا بمنزلة المكانة في قوله تعالى اعملوا على مكانتكم الكشاف المكانة تكون مصدرا يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة أي اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها وكلمة الله عبارة عن دين الحق لأن الله تعالى دعا إليه وأمر الناس بالاعتصام به كما قيل لعيسى كلمة الله وهي فصل والخبر العليا فأفاد الاختصاص أي لم يقاتل لغرض من الأغراض إلا لإظهار الدين والله أعلم متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله رجع من غزوة تبوك وفي نسخة بالتنوين وهي أرض بين الشام والمدينة فدنا من المدينة أي قاربها فقال إن بالمدينة أقواما أي جماعات ممن يتمنون الغزو ويحدثون أنفسهم بالخروج ولهم مانع ضروري ما سرتم مسيرا أي سيرا أو مكانا ولا


قطعتم واديا تخصيص لكون قطع الوادي أشق وليدل على الاستيفاء إلا كانوا معكم أي بالقلب والهمة والدعاء والنية وفي رواية إلا شركوكم بكسر الراء ففي القاموس شركه في البيع والميراث كعلمه يشركه بالكسر والمعنى شاركوكم
في الأجر وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضى زيادة الثواب قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر قال الطيبي يدل هذا على أن القاعدين الإضراء يشاركون المجاهدين في الأجر ولا يدل على استوائهما فيه والدال على نفي الاستواء قوله تعالى فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة النساء وقوله تعالى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات النساء أي على غير الإضراء أو فضل الله المجاهدين على القاعدين والاضراء درجة وهي الغنيمة ونصرة دين الله تعالى في الدنيا وفضل الله المجاهدين عليهم درجات في العقبى قال النووي فيه فضيلة النية في الخير وإن من نوى غزوا أو غيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته وأنه كلما أكثر التأسف على فوات ذلك أو تمنى كونه من الغزاة ونحوهم كان أكثر ثوابا رواه البخاري أي عن أنس وكذا أبو داود ورواه مسلم عن جابر رضي الله عنهم وعن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه بالواو قال جاء رجل إلى رسول الله فاستأذنه في الجهاد فقال له أحي والداك قال نعم قال ففيهما أي ففي خدمتهما فجاهد قال الطيبي رحمه الله فيهما متعلق بالأمر قدم للاختصاص والفاء الأولى جزاء شرط محذوف والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط أي إذا كان الأمر كما قلت فاختص المجاهدة في خدمة الوالدين نحو قوله تعالى فإياي فاعبدون العنكبوت أي إذا لم تخلصوا لي العبادة في أرض فاخلصوها في غيرها فحذف الشرط وعوض منه تقديم المفعول المفيد للاختصاص ضمنا وقوله فجاهد جيء به مشاكلة يعني حيث قال فجاهد في موضع فأخدمهما لأن الكلام كان في الجهاد ويمكن أن يكون الجهاد بالمعنى الأعم


الشامل للأكبر والأصغر قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا العنكبوت متفق
عليه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وفي رواية أي لمسلم فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما في شرح السنة هذا في جهاد التطوع لا يخرج إلا بإذن الوالدين إذا كانا مسلمين فإن كان الجهاد فرضا متعينا فلا حاجة إلى إذنهما وإن منعاه عصاهما وخرج وإن كانا كافرين فيخرج بدون إذنهما فرضا كان الجهاد أو تطوعا وكذلك لا يخرج إلى شيء من التطوعات كالحج والعمرة والزيارة ولا يصوم التطوع إذا كره الوالدان المسلمان أو أحدهما إلا بإذنهما قال ابن الهمام لأن طاعة كل منهما فرض عليه والجهاد لم يتعين عليه وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص جاء رجل إلى رسول الله فقال جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال ارجع إليهما واضحكهما كما أبكيتهما وفيه عن الخدري أن رجلا هاجر إلى رسول الله من اليمن فقال هل لك أحد باليمن قال أبواي قال إذنا لك قال لا قال فارجع واستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي قال يوم الفتح أي فتح مكة لا هجرة بعد الفتح يعني الهجرة المفروضة أي بعد فتح مكة كما في رواية البخاري عن مجاشع بن مسعود أي من مكة إلى المدينة وبقيت المندوبة وهي الهجرة من أرض يهجر فيه المعروف ويشيع به المنكر أو من أرض أصاب فيها الذنب وارتكب الأمر الفظيع قال الخطابي كانت الهجرة على معنيين أحدهما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فأمر من أسلم منهم بالهجرة عنهم ليسلم دينهم وليزول أذى المشركين بهم ولئلا يفتنوا والمعنى الثاني الهجرة من مكة إلى المدينة فإن أهل الدين بالمدينة كانوا قليلين ضعيفين يومئذ فوجبت الهجرة إلى النبي على كل من أسلم يومئذ في أي موضع كان ليستعين النبي بهم إن حدث حادث وليتفقهوا في الدين فيعلموا أقوامهم أمر الدين وأحكامه فلما فتحت مكة وأسلموا استغنى النبي وأصحابه عن ذلك إذ كان


معظم خوف المؤمنين من أهل مكة فلما أسلموا أمكن المسلمين أن يقروا في قعر دارهم فقيل لهم أقيموا في أوطانكم وقروا على نية الجهاد وهذا معنى قوله ولكن جهاد ونية أي قصد جهاد أو إخلاص عمل وإذا استنفرتم بصيغة المجهول فانفروا بكسر الفاء أي إذا استخرجتم بالنفير العام فاخرجوا فالأمر على فرض
العين أو إذا دعيتم إلى قتال العدو فانطلقوا فالأمر على فرض الكفاية وحاصله أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت إلا أن المفارقة بسبب الجهاد أو بسبب نية صالحة كالفرار من ديار الكفر أو البدعة أو الجهل أو من الفتن أو لطلب العلم باقية غير منسوخة قال الطيبي لكن يقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها فالمعنى أن مفارقة الأوطان إلى الله ورسوله التي هي الهجرة المعتبرة الفاضلة المميزة لأهلها من سائر الناس امتيازا ظاهرا انقطعت لكن المفارقة من الأوطان بسبب نية خالصة لله تعالى كطلب العلم والفرار بدينه من دار الكفر ومما لا يقام فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزيارة بيت الله وحرم رسول الله والمسجد الأقصى وغيرها أو بسبب الجهاد في سبيل الله باقية مدى الدهر وقال النووي معناه أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة لكن حصلوه بالجهاد والنية الصالحة وفيه حث على نية الخير وأنه يثاب عليها وإذا استنفرتم معناه إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا هذا دليل على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض كفاية إذا فعله من يحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين وإن تركوه كلهم أثموا أجمعين اه وفيه أن لا دلالة له على كون الجهاد فرض كفاية بل ظاهره يدل على أن الجهاد فرض عين حيث لم يقل فلينفر بعضكم مع أنه لو قال كذلك لما دل صريحا على نفي فرض العين إذ كان المراد أن لا يخرجوا كلهم معا فيضيع العباد وتخرب البلاد ويفوت علم المعاد كما قال تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين


التوبة الآية وقد تقدم تحقيق هذا المبحث في كلام المحقق ابن الهمام قال الطيبي وقد خص الاستنفار بالجهاد ويمكن أن يحمل على العموم أيضا أي إذا استنفرتم إلى الجهاد فانفروا وإذا استنفرتم إلى طلب العلم وشبهه فانفروا قال تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين التوبة أي هلا نفروا حين استنفروا قلت وإنما أخص الاستنفار بالجهاد لقوله انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله التوبة الآيات وأما استدلاله بالآية المذكورة فغفلة عن صدرها ومعناها لأنه قال تعالى بعد وصف المجاهدين وما كان المؤمنون لينفروا كافة أي جميعا مع النبي حين أرادوا ذلك فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة أي للغزو ليتفقهوا أي بقية الفرقة أو المراد الحث على خروج طائفة للغزو مع النبي ليتفقهوا في الدين أي ما يتعلق بالجهاد وغيره ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون متفق عليه
الفصل الثاني


عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق أي على تحصيله وإظهاره ظاهرين أي غالبين منصورين أو معروفين مشهورين على من ناواهم قال التوربشتي أي غالبين على من عاداهم والمناواة المعاداة والأصل فيه الهمز لأنه من النوء وهو النهوض وربما يترك همزه وإنما استعمل ذلك في المعاداة لأن كل واحد من المتعاديين ينهض إلى قتال صاحبه وفي شرح مسلم هو بهمزة بعد الواو وهو مأخوذ من ناء إليهم وناؤوا إليه أي نهضوا للقتال وفي النهاية النواء والمناواة المعاداة وفي القاموس ناء نهض بجهد ومشقة وناواه مناواة فاخره وعاداه اه فالأولى أن يقرأ لفظ الحديث بالهمز ولا يلتفت إلى أكثر النسخ حيث لم يضبطوا به فإن الرسم واحد قال الطيبي قد سبق في الفصل الأول أن تنزيل أمثال هذا الحديث على الطائفة المنصورة من أهل الشام أولى وأحرى اه والأولى أن يقال من جهة الشام ليدخل أهل الروم في المراد فإنهم القائمون في هذا الزمان بهذه الوظيفة الشريفة حق القيام نصرهم الله وخذل أعداءهم اللئام إلى يوم القيام حتى يقاتل آخرهم أي المهدي وعيسى عليهم السلام وأتباعهما المسيح الدجال ويقتله عيسى عليه السلام بعد نزوله من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق بباب له من بيت المقدس حين حاصر المسلمين وفيهم المهدي وبعد قتله لا يكون الجهاد باقيا أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة والطاقة عليهم وبعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه السلام حيا في الأرض وأما بعد موته عليه السلام وكفر من كفر بعده فلموت المسلمين كلهم عن قريب بريح طيبة وبقاء الكفار بحيث لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول الله فما وقع في بعض الأحاديث كما رواه الحاكم عن عمر رضي الله عنه لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة يحمل على قربها فإن خروج الدجال من أشراطها وسيجيء تفصيل هذا المبحث في حديث الدجال إن شاء


الله تعالى رواه أبو داود
وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي قال من لم يغز أي حقيقة ولم يجهز غازيا أي لم يهيىء أسباب غاز أو يخلف بالجزم وضم اللام على المنفى أي لم يخلف غازيا في أهله والظاهر أن وللتنويع وللإشارة إلى أنه وما قبله في رتبة واحدة من الغزو الحكمي وقوله بخير قيد للأخير قال الطيبي متعلق بيخلف حال من فاعله أتى به صيانة عما عسى أن ينوي الخيانة فيهم اه ويمكن أن يكون قيدا للكل والمراد به نية الخير المعبر عنه بالإخلاص قال الطيبي قوله أو يخلف هو عطف على يجهز وإنما لم يعد الجازم لئلا يتوهم استقلاله وليؤذن بأن تجهيز الغازي وكون تخليف الغازي في أهله ليس بمثابة الشخوص بنفسه إلى الغزو ثم جواب الشرط قوله أصابه الله بقارعة أي بشدة من الشدائد والباء فيه للتعدية أي ببلية تقرعه وتهلكه وتصرعه وتدقه ولذا سميت القيامة بالقارعة قبل يوم القيامة رواه أبو داود كان الأخصر أن يجمع بينه وبين الحديث السابق ويقول رواهما أبو داود كما هو دأب المؤلف هذا وروي الترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة وهي بضم أوله النقص والعيب وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال جاهدوا المشركين أي قاتلوهم وهو بظاهره يشمل الحرم والأشهر الحرم والبدء بالقتال قال ابن الهمام وقتال الكفار الذين لم يسلموا وهم من مشركي العرب أو لم يسلموا ولم يعطوا الجزية من غيرهم واجب وإن لم يبدأونا لأن الأدلة الموجبة له لم تقيد الوجوب ببدئهم خلافا لما نقل عن الثوري والزمان الخاص كالأشهر الحرم وغيرها سواء خلافا لعطاء ولقد استبعد ما عن الثوري وتمسكه بقوله تعالى فإن قاتلوكم فاقتلوهم أي فإنه لا يخفى عليه البقرة نسخه وصريح قوله في الصحيحين أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث يوجب ابتداءهم بأدنى تأمل وحاصر الطائف لعشر بقين من ذي الحجة إلى آخر المحرم أو إلى شهر وق


استدل على نسخ الحرمة في الأشهر الحرم بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة وهو بناء على التجوز بلفظ حيث في الزمان ولا شك أنه كثير في الاستعمال وقوله بأموالكم أي بالتجهيز وأنفسكم أي بالمباشرة وألسنتكم أي بدعوتهم إلى الله تعالى وقال المظهر أي جاهدوهم بها أي بأن تذموهم وتعيبوهم وتسبوا أصنامهم ودينهم الباطل وبأن تخوفوهم بالقتل والأخذ وما أشبه ذلك فإن قلت هذا يخالف قوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم الأنعام قلت كان المسلمون يسبون آلهتهم فنهوا لئلا يكون سبهم سببا لسب الله تعالى والنهي منصب على الفعل المعلل فإذا لم يؤد السب إلى سب الله تعالى جاز اه وفيه أنه سبب غالبي وعدم كونه تسببا أمر موهوم فيتعين النهي لا سيما مبنى الأحكام الشرعية على الأمور الغالبية مع أن حالة الاستواء بل وقت الاحتمال يرجح النهي نعم يمكن أن يكون النهي واردا على أن يكون الابتداء من المؤمنين لأنه ربما يكون سببا لسبهم أما إذا كان الابتداء منهم فليس كذا لأن هذا الخوف في الذين غلب الجهل والسفه عليهم من الكفار أما أكثرهم فيعظمون الله ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله رواه أبو داود والنسائي والدارمي وكذا أحمد وابن حبان والحاكم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله افشوا بفتح الهمزة أي أشيعوا وعمموا السلام أي ردوه فيما بينكم فالأمر للوجوب في الجملة ويمكن أن يكون الأمر للاستحباب فالمراد به السلام وفرضية الجواب مفهومة من قوله تعالى وإذا حييتم بتحية النساء وهذه سنة فضل من الفريضة وهي من غرائب المسألة قال القاضي إفشاء السلام إظهاره ورفع الصوت به أو إشاعته بأن تسلم على من تراه عرفته أو لم تعرف اه والظاهر هو الثاني لأن السلام مع عدم إظهاره ورفع الصوت به لا يسمى سلاما فضلا عن أن يكون إفشاء للسلام وأطعموا الطعام فإنه من شعائر


الكرام لا سيما للفقراء والمساكين والأيتام واضربوا الهام جمع هامة بالتخفيف وهو الرأس أي اقطعوا رؤوس الكفار وهو كناية عن الجهاد في الإسلام تورثوا بصيغة المجهول من الإيراث أي تعطوا في مقابلة ما ذكر من الخصال العظام الجنان بكسر الجيم أي جنات النعيم في دار السلام قال تعالى تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون الزخرف قال القاضي المراد بضرب الجهاد ولما كانت أفعالهم هذه تخلف عليهم الجنان فكأنهم ورثوها منها قلت وفيه إشارة إلى ارتكاب


المجاهدات وترك المشتهيات لكونها من التكليفات المكروهات تعد من المصيبات التي تورث الدرجات العاليات والثمرات الطيبات تشبيها بمن فاته أحد من الأقارب وحصل له من ارثه ما لم يحصل للأجانب ولذا ورد في صحيح مسلم وغيره عن أنس رضي الله عنه حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وفي رواية افشوا السلام تسلموا رواه البخاري في تاريخه وأبو يعلى في مسنده وابن حبان والبيهقي عن البراء وفي رواية افشوا السلام بينكم تحابوا رواه الحاكم عن أبي موسى وفي رواية افشوا السلام فإن لله تعالى رضا رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل وفي رواية للطبراني عن أبي الدرداء افشوا السلام كي تعلوا وفي رواية ابن ماجه عن ابن عمر بلفظ افشوا السلام واطعموا الطعام وكونوا إخوانا كما أمركم الله تعالى وفي رواية الطبراني عن أبي أمامة ولفظه افش السلام وابذل الطعام واستحي من الله تعالى كما تستح رجلا أي من رهطك ذا هيئة ولتحسن خلقك وإذا أسأت فأحسن ف فإن الحسنات يذهبن السيئات وعن فضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة ابن عبيد بالتصغير ومر ذكره عن رسول الله قال كل ميت يختم بصيغة المجهول أي ينقطع عن أهله ويطبع على عمله والمعنى لا يكتب له ثواب جديد إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمي أي يزاد له عمله بأن يصل إليه كل لحظة أجر جديد إلى يوم القيامة فإنه فدى نفسه فيما يعود نفعه على المسلمين وهو إحياء الدين يدفع أعدائهم من المشركين ويأمن فتنة القبر أي مع ذلك ولعله بهذا امتاز عن غيره الوارد في حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعا إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له رواه الترمذي وأبو داود أي عن فضالة


ورواه الدارمي عن عقبة بن عامر وفي الجامع الصغير بلفظ ويأمن من فتان القبر رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن فضالة والترمذي عن عمر وأحمد عن عقبة بن عامر وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول من قاتل في سبيل الله فواق ناقة هو بالفتح والضم ما بين الحلبتين في الفائق هو في الأصل رجوع اللبن إلى الضرع بعد الحلب وسمي فواقا لأنه نزل من فوق اه وهذا يحتمل أن يكون ما بين الغداة إلى العشاء لأن الناقة تحلب فيهما وأن يكون قدر مدتي الضرع من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب ثانية وهذه الأخيرة أليق بالترغيب في الجهاد أي من قاتل في سبيل الله لحظة فقد وجبت له الجنة أي ابتداء أو استحقها ومن جرح بصيغة المفعول جرحا بضم الجيم وبالفتح هو المصدر أي جراحة كائنة في سبيل الله بسلاح من عدو أو نكب بصيغة المجهول أي أصيب نكبة بالفتح أي حادثة فيها جراحة من غير العدو فأو للتنويع قيل الجرح والنكبة كلاهما واحد وقيل الجرح ما يكون من فعل الكفار والنكبة الجراحة التي أصابته من وقوعه من دابته أو وقوع سلاح عليه قلت هذا هو الصحيح وقد ثبت عنه أنه قال هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت وفي النهاية نكبت أصبعه أي نالتها الحجارة والنكبة ما يصيب الإنسان من الحوادث فإنها أي النكبة التي فيها الجراحة تجيء يوم القيامة قال الطيبي قد سبق شيئان الجرح والنكبة وهي ما أصابه في سبيل الله من الحجارة فأعاد الضمير إلى النكبة دلالة على أن حكم النكبة إذا كان بهذه المثابة فما ظنك بالجرح بالسنان والسيف ونظيره قوله تعالى والذي


يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها التوبة اه أو يقال افراد الضمير باعتبار أن مؤداهما واحد وهي المصيبة الحادثة في سبيل الله فهي تظهر وتتصور كأغزر ما كانت أي كأكثر أوقات أكوانها في الدنيا قال الطيبي الكاف زائدة وما مصدرية والوقت مقدر يعني حينئذ تكون غزارة دمه أبلغ من سائر أوقاته اه والأظهر أن الكاف غير زائدة والمراد أن الجراحة والنكبة تكون يوم القيامة مثل أكثر ما وجد في الدنيا لونها الزعفران وريحها المسك كل منهما تشبيه بليغ ومن خرج به الباء للإلصاق أي ظهر به خراج وهو بضم المعجمة ما يخرج في البدن من القروح والدماميل في سبيل الله فإن عليه أي على نفس الخراج أو على صاحبه طابع الشهداء بفتح الموحدة ويكسر أي ختمهم يعني علامة الشهداء وأمارتهم ليعلم أنه سعى في إعلاء الدين ويجازي جزاء المجاهدين قال الطيبي ونسبة هذه القرينة مع القرينتين الأوليين الترقي في المبالغة من الإصابة بآثار ما يصيب المجاهد في سبيل الله من العدو تارة ومن غيره أخرى وطورا من نفسه رواه الترمذي وأبو داود والنسائي ورواه أحمد عن عمرو بن عبسة ولفظه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة حرم الله على وجهه النار وعن خريم بضم المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية رضي الله عنه ابن فاتك بالفاء وكسر الفوقية قال المؤلف هو وخريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك عداده في الشاميين وقيل في الكوفيين روى عنه جماعة قال قال رسول الله من أنفق نفقة أي صرف نفقة صغيرة أو كبيرة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف أي مثل وهذا أقل الموعود والله يضاعف لمن يشاء رواه الترمذي والنسائي وكذا أحمد والحاكم وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله أفضل الصدقات ظل فسطاط بضم أوله ويكسر أي خيمة كبيرة أو صغيرة وفي الفائق ضرب من الأبنية في السف


دون السرادق وفي التهذيب الفسطاط بيت من شعر وفيه ست لغات فسطاط وفستاط وفساط بضم الفاء وكسرها فيهن والضم أجود في سبيل الله وهو أعم من أن يعطي للغازي أو الحاج ونحوهما أو عارية أو استظلالا على وجه المشاركة ومنحة خادم بكسر الميم في سبيل الله وفي رواية الجامع أو منحة خادم أي عطية خادم ملكا أو إعارة ومنه يعلم خدمته بنفسه بالأولى أو طروقة فحل بفتح الطاء وضم الراء أي إعطاء مركوب كذلك في سبيل الله طروقة الفحل هي التي بلغت أوان ضراب الفحل والتقييد به لبيان الأفضلية وكذا لو قيدت المنحة بالملكية ففي النهاية منحة للبن أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها زمانا ويعيدها وقد تقع المنحة على الهبة مطلقا لا قرضا ولا عارية قال الطيبي فقوله أو طروقة فحل عطف على منحة خادم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أي منحة ناقة وكان من الظاهر أن يقال منحة فسطاط كما في الغريبين فوضع الظل موضعها لأن غاية منفعتها الاستظلال بها رواه الترمذي وكذا أحمد ورواه الترمذي عن عدي بن حاتم وفي رواية الطبراني عن ابن مسعود أفضل الصدقة المنح أن تمنح الدرهم أو ظهر الدابة وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا يلج النار أي لا يدخلها من بكى من خشية الله فإن الغالب من الخشية امتثال الطاعة واجتناب المعصية حتى يعود اللبن في الضرع هذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى حتى يلج الجمل في سم الخياط الأعراف ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم فكأنهما ضدان لا يجتمعان كما أن الدنيا والآخرة نقيضان رواه الترمذي وكذا النسائي وابن ماجه وزاد النسائي في أخرى أي في رواية أخرى في منخري مسلم بفتح الميم وكسر الخاء وهو الأصح الأفصح ففي الصحاح المنخر ثقب الأنف وقد تكسر الميم إتباعا لكسرة الخاء وفي القاموس المنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما وكمجلس خرق الأنف وفي الضياء حقيقته موضع النخر وهو مد النفس في الخياشيم والمعنى لا


يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم في خرقي أنف مسلم أبدا أي في زمان من الأزمان وفي أخرى له
أي في رواية أخرى للنسائي في جوف عبد أبدا أي حيث دخل فيه الغبار فيمتنع دخول الدخان عليه لأن الاجتماع في حيز الامتناع ولا يجتمع الشح أي البخل الذي يوجب منع الواجب أو يجر إلى ظلم العباد والإيمان أي الكامل في قلب عبد أبدا الكشاف الشح بالضم والكسر اللوم وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع وقد أضيف إلى النفس في قوله تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون التغابن لأنه غريزة فيها ولذا قال تعالى قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا الإسراء وقال وقد قيل إنه من الآيات المنسوخة لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وأما البخل فهو المنع نفسه قال الطيبي فإذا البخل أعم لأنه قد يوجد البخل ولا شح ثمة ولا ينعكس وعليه ما ورد في شرح السنة جاء رجل إلى ابن مسعود فقال إني أخاف أن أكون قد هلكت فقال ما ذاك قال أسمع الله يقول ومن يوق شح نفسه أي يحفظ فأولئك هم المفلحون وأنا رجل شحيح لا يكاد أن يخرج من يدي شيء فقال ابن مسعود ليس ذاك بالشح الذي ذكر الله إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما ولكن ذاك البخل وبئس الشيء البخل وقال ابن جبير الشح إدخال الحرام ومنع الزكاة وروينا عن مسلم عن جابر أن رسول الله قال اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا محارمهم واعلم أن حقيقة الإنسان على ما أشار إليه شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي عبارة عن روح ونفس وقلب وإنما سمي القلب قلبا لأنه تارة يميل إلى الروح ويتصف بصفتها فيتنور ويفلح وأخرى إلى النفس فيصير مظلما فإذا اتصف بصفة الروح تنور وكان مقرا للإيمان والعمل الصالح ففاز وأفلح قال تعالى أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون البقرة وإذا


اتصف بصفة النفس أظلم وكان مقرا للشح الهالع فخاب وخسر ولم يفلح قال تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون الحشر فأنى يجتمعان في قلب واحد اه والمعنى أنهما لا يجتمعان في قلب واحد على وجه الكمال فإن المخلط يميل قلبه إلى الروح تارة فتزول عنه الخصائل الذميمة وقد يميل إلى النفس فيعود إليها الأحوال الدينية وقد يكون في آن واحد له جولان وميلان إلى الطرفين كجولان المرآة إلى الجانبين فينطبع وينعكس فيها من كل من الحالين وإليه الإشارة بما ورد في الحديث من أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء رواه الترمذي وغيره وفي رواية أحمد مثل القلوب كريشة بأرض فلاة يقلبها الرياح ظهر البطن وهذا أمر


مشاهد لأرباب الشهود ولذا كان يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وفي حديث آخر لا تكلني إلى نفسي طرفة فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة ومن أراد الاستقصاء فعليه بالأحياء وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله عينان لا تمسهما النار وفي رواية أبدا أي لا يصيبهما أدنى إصابة وفي رواية لا تريان النار وفي رواية زيادة أبدا عين بكت من خشية الله وهي مرتبة المجاهدين مع النفس التائبين عن المعصية سواء كان عالما أو غير عالم وعين باتت تحرس وفي رواية تكلأ في سبيل الله وهي مرتبة المجاهدين في العبادة وهي شاملة لأن تكون في الحج أو طلب العلم أو الجهاد أو العبادة والأظهر أن المراد به الحارس للمجاهدين لحفظهم عن الكفار قال الطيبي قوله عين بكت هذا كناية عن العالم العابد المجاهد مع نفسه لقوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر حيث حصر الخشية فيهم غير متجاوز عنهم فحصلت النسبة بين العينين عين مجاهد مع النفس والشيطان وعين مجاهد مع الكفار والخوف والخشية مترادفان قال الشيخ أبو حامد في الأحياء الخوف سوط الله تعالى يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل لينالوا بهما رتبة القرب إلى الله تعالى اه فكل خوف لا يورث ما ذكر لم يكن خوفا حقيقا والتحقيق أن الخشية خوف مع التعظيم ولذا جرد عن معنى الخوف وأريد التعظيم في قراءة شاذة إنما يخشى الله من عباده العلماء برفع الجلالة ونصب العلماء رواه الترمذي أي عن أنس وفي الجامع الصغير لفظه عين بكت في جوف الليل من خشية الله ورواه الضياء والطبراني في الأوسط عن أنس بتغيير يسير كما أشرنا إليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال مر رجل من أصحاب رسول الله بشعب بكسر أوله وهو ما انفرج من الجبلين وغيره وفيه عيينة تصغير عين بمعنى المنبع


من ماء قال الطيبي صفة عيينة جيء بها مادحة لأن التنكير فيها يدل على نوع ماء صاف تروق به الأعين وتبهج به الأنفس عذبة بالرفع صفة عيينة وبالجر على الجوار أي طيبة أو طيب ماؤها قال الطيبي وعذبة صفة أخرى مميزة لأن الطعم الألذ سائغ في المريء ومن ثم أعجب الرجل وتمنى الاعتزال عن الناس فقال أي الراوي فأعجبته أي العيينة وما يتعلق بها من المكان فقال أي الرجل لو اعتزلت الناس لو للتمني ويجوز أن تكون لو امتناعية وقوله فأقمت في هذا الشعب عطف على اعتزلت وجواب لو محذوف أي لكان خيرا لي قال التوربشتي وجدنا في سائر النسخ فيه غيضة وليس ذلك بسديد ولم يشهد به رواية قال القاضي وفي أكثر النسخ غيضة من ماء فإن صحت الرواية بها فالمعنى غيضة كانت من ماء وهي الأجمة من غاض الماء إذا نضب فإنها مغيض ماء يجتمع فيه الشجر والجمع غياض واغياض فذكر بصيغة المجهول أي ذكروا ذلك أي ما صدر عن الرجل لرسول الله وفي نسخة بالفاعل أي ذكر بنفسه استئذانا لما خطر بقلبه فقال لا تفعل نهى عن ذلك لأن الرجل صحابي وقد وجب عليه الغزو فكان اعتزاله للتطوع معصية لاستلزامه ترك الواجب ذكره ابن الملك تبعا للطيبي رحمه الله وفيه أنه يمكن أنه أراد الاعتزال بعد فراغه من الجهاد كما هو شأن العباد والزهاد من العباد فإن مقام أحدكم بفتح الميم أي قيامه وفي نسخة بضمها وهي الإقامة بمعنى ثبات أحدكم في سبيل الله أي بالاستمرار في القتال مع الكفار خصوصا في خدمة سيد الأبرار أفضل من صلاته في بيته يدل على أن طلبه كان مفضولا لا محرما سبعين عاما المراد به الكثرة لا التحديد فلا ينافي ما ورد أن رسول الله قال مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة رواه الحاكم عن عمران بن حصين وقال على شرط البخاري ورواه ابن عدي وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنهم ولفظه قيام أحدكم ألا بالتخفيف للتنبيه أي أما تحبون أن يغفر الله لكم أي مغفرة تامة


ويدخلكم الجنة أي إدخالا أوليا اغزوا في سبيل الله أي دوموا على الغزو في دينه تعالى كقوله تعالى يا أيها النبي اتق الله الأحزاب من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة رواه الترمذي وعن عثمان رضي الله عنه عن رسول الله قال رباط يوم
في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه أي فيما سوى الرباط أو فيما سوى سبيل الله فإن السبيل يذكر ويؤنث من المنازل وخص منها المجاهد في المعركة بدليل منفصل عقلي ونقلي وهو لا ينافي تفسير الرباط بانتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد وقوله فذلكم الرباط لأنه رباط دون رباط بل هو مشبه بالرباط للجهاد فإنه الأصل فيه أو هذا رباط للجهاد الأكبر كما أن ذاك رباط للجهاد الأصغر وتفسير لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا ورابطوا آل عمران فإن الرباط الجهادي قد فهم مما قبله كما لا يخفى وقال الطيبي فإن قلت هو جمع محلى بلام الاستغراق فيلزم أن يكون المرابط أفضل من المجاهد في المعركة ومن انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد وقد قال فيه فذلكم الرباط فذلكم الرباط وقد شرحناه ثمة قلت هذا في حق من فرض عليه المرابطة وتعين بنصب الإمام على ما سبق في الحديث السابق قلت في فرض العين لا يقال إنه خير من غيره لأنه متعين لا يتصور خلافه إذ اشتغاله بغير معصية رواه الترمذي وكذا النسائي والحاكم وقد تقدمت روايات أخر تفيده وتقويه وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال عرض علي أي ظهر لدي أول ثلاثة يدخلون الجنة بصيغة الفاعل ويجوز كونه للمفعول قال الطيبي أضاف أفعل إلى النكرة للاستغراق أي أول كل ثلاثة من الداخلين في الجنة هؤلاء الثلاثة وأما تقديم أحد الثلاثة على الآخرين فليس في اللفظ إلا التنسيق عند علماء المعاني اه قوله للاستغراق كأنه صفة النكرة أي النكرة المستغرقة لأن النكرة الموصوفة تعم فالمعنى أول كل ممن يدخل الجنة ثلاثة ثلاثة هؤلاء الثلاثة ثم لا شك أن تقديم الذكرى يفيد الترتيب الوجودي


في الجملة وإن لم يكن قطعيا كما في آية الوضوء وقد قال ابدؤوا بما بدأ الله به في أن الصفا والمروة من شعائر الله وروي ثلة بالضم وهي الجماعة أي أول جماعة يدخلون الجنة وروي برفع ثلاثة فضم أول للبناء كضم قبل وبعد وهو ظرف عرض أي عرض على أول أوقات العرض ثلاثة أو ثلة يدخلون الجنة شهيد فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول قال
السيوطي إنما سمي الشهيد شهيدا لأنه حي فكأن روحه شاهدة أي حاضرة وقيل لأن الله تعالى وملائكته يشهدون له بالجنة وقيل لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعده الله له من الكرامة وقيل لأنه يشهد له بالإيمان من النار وقيل لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل وعفيف أي عما لا يحل متعفف أي عن السؤال مكتف باليسير عن طلب الفضول في المطعم والملبس وقيل أي متنزه عما لا يليق به صابر على مخالفة نفسه وهواه وعبد أي مملوك أحسن عبادة الله بأن قام بشرائطها وأركانها وقال الطيبي أي أخلص عبادته من قوله الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ولا يخفى عدم ملاءمته للمقام لأن المراد به أنه قام بحق خالقه مما يجب عليه ونصح لمواليه أي أراد الخير لهم وقام بحقوقهم رواه الترمذي ورواه أحمد والبيهقي والحاكم عنه بلفظ عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد ومملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده وعفيف متعفف وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مسلط وذو سروة من مال لا يؤدي حق الله في ماله وفقير فجور وعن عبد الله بن حبشي رضي الله عنه بضم مهملة وسكون موحدة وفي آخره ياء النسبة قال المؤلف خثعمي له رواية عداده في أهل الحجاز سكن مكة روى عنه عبيد بن عمير مصغران وغيره أن النبي سئل أي الأعمال أي أعمال الصلاة أفضل قال طول القيام لأنه يلزم منه كثرة القراءة وإطالة العبادة وأما ما ورد من إن إطالة السجود أفضل فلكونها تدل على كمال المسكنة الموجبة للقرب إلى الله تعالى قيل فأي الصدقة أي من أنواعها


أفضل قال جهد المقل بضم الجيم وضم الميم وكسر القاف وتشديد اللام أي طاقة الفقير ومجهوده لأنه يكون بجهد ومشقة لقلة ماله ولهذا ورد سبق درهم مائة ألف درهم رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف قتصدق بها رواه النسائي عن أبي ذر وهو والحاكم وابن حبان عن أبي هريرة وقيل المراد بجهد المقل ما أعطاه الفقير مع احتياجه إليه فيقيد بما إذا قدر على الصبر ولم يكن له عيال تضيع بإنفاقة قيل فأي الهجرة أي من أصنافها أفضل قال من هجر أي هجرة من هجر أو


يقال التقدير فأي صاحب الهجرة أفضل قال من هجر ما حرم الله وكذا قوله قيل فأي الجهاد أفضل قال من جاهد المشركين بماله ونفسه ولتوقف هذا الجهاد على مجاهدة النفس ورد أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه رواه ابن النجاري عن أبي ذر ولهذا سمي جهادا أكبر ولا ينافيه ما ورد أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر على ما وراه أحمد وغيره لأنه أشق على النفس أو الأفضلية إضافية أو التقدير من أفضل الجهاد قيل فأي القتل أشرف قال من أهريق بسكون الهاء أي أريق وسفك دمه وعقر جواده أي جرح فرسه الجيد في سبيل الله وفي الكلام كنايتان عن قتله وقتل مركوبه حيث اجتمع له الاجتهاد في الجهاد راكبا وماشيا ومالا ونفسا قال الطيبي ولعل تغيير العبارة في قوله فأي القتل أشرف إنما كان لاهتمام هذه الخصلة لأن معنى الشرف هو القدر والقيمة والرفعة وذلك أن منزلة درجة الشهيد الذي نال من درجات الشهادة أقصاها وغايتها هو الفردوس الأعلى وهذا الشهيد هو الذي بذل نفسه وماله وجواده في سبيل الله وقطع عقب الجواد كناية عن غاية شجاعته وأنه كان مما لا يطاق أن يظفر به إلا بعقر جواده رواه أبو داود وفي رواية النسائي أن النبي سئل أي الأعمال أفضل قال إيمان لا شك فيه أي بعده إذ لا يجتمعان وجهاد لا غلول فيه والغلول بضم أوله الخيانة في المغنم وورد في أفضل الأعمال أحاديث مختلفة ولعلها باختلاف أحوال سائلها أو بعضها إضافية أو التقدير من أفضلها وحجة مبرورة وفي حديث رواه مالك والبخاري ومسلم وغيرهم الحج المبرور ليس جزءا إلا الجنة واختلف في المراد بالمبرور فقال النووي إن الأصح أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم وقيل المتقبل وقيل الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق وقيل الذي لا معصية بعده وقال الحسن البصري هو أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في العقبى قيل فأي الصلاة أي من أحوالها أفضل قال طول القنوت أي القيام أو السكون والخشوع في السجود ثم اتفقا أي أبو


داود والنسائي في الباقي أي باقي الحديث
وعن المقدام بن معدي كرب قال قال رسول الله للشهيد عند الله ست خصال لا يوجد مجموعها لأحد غيره يغفر له بصيغة المجهول أي تمحي ذنوبه في أول دفقة بفتح أوله وفي نسخة بضم أوله الجوهري الدفقة من المطر وغيره بالضم مثل الدفعة وبالفتح المرة الواحدة أي يغفر له في أول دفقة وصيبة من دمه ويرى بضم أوله على أنه من الأراءة ويفتح وقوله مقعده بالنصب لا غير على أنه مفعول ثان والمفعول الأول نائب الفاعل أو على أنه مفعول به وفاعله مسكن في يرى وقوله من الجنة متعلق به هذا وينبغي أن يحمل قوله ويرى مقعده على أنه عطف تفسير لقوله يغفر له لئلا تزيد الخصال على ست ولئلا يلزم التكرار في قوله ويجار من عذاب القبر أي يحفظ ويؤمن إذ الإجارة مندرجة في المغفرة إذا حملت على ظاهرها ويأمن من الفزع الأكبر فيه إشارة إلى قوله تعالى لا يحزنهم الفزع الأكبر الأنبياء قيل هو عذاب النار وقيل العرض عليها وقيل هو وقت يؤمر أهل النار بدخولها وقيل ذبح الموت فييأس الكفار عن التخلص من النار بالموت وقيل وقت أطباق النار على الكفار وقيل النفخة الأخيرة لقوله تعالى ويوم ينفخ في الصورة فزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله النحل ويوضع على رأسه تاج الوقار أي المعزة وفي النهاية التاج ما يصاغ للملوك من الذهب والجواهر الياقوتة منها أي من التاج والتأنيث باعتبار أنه علامة العز والشرف أو باعتبار أنه مجموع من الجواهر وغيرها خير من الدنيا وما فيها ويزوج أي يعطي بطريق الزوجية ثنتين وسبعين زوجة في التقييد بالثنتين والسبعين إشارة إلى أن المراد به التحديد لا التكثير ويحمل على أن هذا أقل ما يعطي ولا مانع من التفضل بالزيادة عليها من الحور العين أي نساء الجنة واحدتها حوراء وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها والعين جمع عيناء وهي الواسعة العين ويشفع بتشديد الفاء أي يقبل شفاعته في سبعين من أقربائه أي أقاربه


وأحبابه رواه الترمذي وابن ماجه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من لقي الله بغير أثر من
جهاد الأثر بفتحتين ما بقي من الشيء دالا عليه قاله القاضي والمراد به هنا العلامة أي من مات بغير علامة من علامات الغزو ومن جراحة أو غبار طريق أو تعب بدن أو صرف مال أو تهيئة أسباب وتعبية أسلحة لقي الله أي جاء يوم القيامة وفيه ثلمة بضم المثلثة وسكون اللام أي خلل ونقصان بالنسبة إلى كمال سعادة الشهادة ومجاهدة المجاهدة ويمكن أن يكون الحديث مقيدا بمن فرض عليه الجهاد ومات من غير الشروع في تهيئة الأسباب الموصلة إلى المراد وقال الطيبي قوله من جهاد صفة أثر وهي نكرة في سياق النفي فتعم كل جهاد مع العدو والنفس والشيطان وكذلك الأثر بحسب اختلاف المجاهدة قال تعالى سيماهم في وجوههم من أثر السجود الفتح والثلمة ههنا مستعارة للنقصان وأصلها أن تستعمل في نحو الجدار ولما شبه الإسلام بالبناء في قوله بني الإسلام على خمس جعل كل خلل فيه ونقصان ثلمة على سبيل الترشيح وهذا أيضا يدل على العموم وينصره حديث أبي أمامة يعني الآتي وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله رواه الترمذي وابن ماجه وكذا الحاكم وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله الشهيد أي الحقيقي وفي معناه الحكمي لا يجد ألم القتل وفي رواية مس القتل أي شدة الموت إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة وفي رواية مس القرصة وهي بفتح القاف وسكون الراء هي المرة من القرص وهو عض النملة الإنسان وقيل أخذ الجلد بنحو ظفر قال الطيبي القرص الأخذ بأطراف الأصابع وأتي بأداة الحصر دفعا لتوهم من يتصور أن ألمه يفضل على ألمها وذلك في شهيد دون شهيد شهيد يتلذذ ببذل مهجته في سبيل الله طيبة به نفسه كعمير بن الحمام والقاء ثمراته ولقائه الموت كما مر وأنشد خبيب الأنصاري حين قتل ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان لله مصرع وذلك في ذات الإله وإن يشأ


يبارك على أوصال شلو ممزع اه والمعنى يبارك على أعضاء جسم مقطع وهو أول من صلب في الإسلام وقصته أنه شهد بدرا وأسر في غزوة الرجيع سنة ثلاث فانطلق به إلى مكة فاشتراه أبو الحارث بن عامر وكان خبيب قد قتل الحارث يوم بدر كافرا فاشتراه بنوه ليقتلوه فأقام عندهم أسيرا ثم صلبوه
بالتنعيم كذا ذكره المؤلف وفي المواهب لما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال دعوني أصلي ركعتين ثم أنشد خبيب يقول البيتين رواه الترمذي والنسائي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب ورواه الطبراني في الأوسط عن أبي قتادة وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي قال ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين أي خطوتين قطرة دموع بجرها على البدل ويجوز رفعها ونصبها أي قطرة بكاء حاصلة من خشية الله أي خوفه وعظمته المورثة لمحبته وقطرة دم تهراق بصيغة المجهول وسكون الهاء ويفتح وهو بصيغة التأنيث على أنه صفة قطرة وفي نسخة بالتذكير على أنه صفة دم في سبيل الله وهو بعمومه يشمل الجهاد وغيره من سبيل الخير ولعل وجه إفراد الدم وجمع الدموع أن الدمع غالبا يتقاطر ويتكاثر بخلاف الدم وقال الطيبي المراد بقطرة الدم قطراتها فلما أضيفت إلى الجمع أفردت ثقة بذهن السامع وفي إفراد الدم وجمع الدموع إيذان بتفضيل إهراق الدم في سبيل الله على تقاطر الدمع بكاء اه ولما كان ما سبق في قوة قوله فأما القطرتان فكذا وكذا عطف عليه وقال وأما الأثران فأثر في سبيل الله كخطوة أو غبار أو جراحة في الجهاد أو سواد حبر في طلب العلم وأثر فريضة من فرائض الله تعالى كإشقاق اليد والرجل من أثر الوضوء في البرد وبقاء بلل الوضوء في الحر واحتراق الجبهة من الرمضاء وخلوف فمه في الصوم واغبرار قدمه في الحج رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وعن عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله لا تركب البحر بصيغة النهي للمخاطب خطابا عاما وفي بعض النسخ بالنفي وهو بمعنى النهي إلا حاجا أو معتمرا أو غازيا في


سبيل الله قال القاضي يريد أن العاقل لا ينبغي أن يلقي نفسه إلى المهالك وبوقعه مواقع الأخطار إلا لأمر ديني يتقرب به إلى الله تعالى ويحسن بذل النفس فيه وإيثاره على الحياة وفيه رد على من قال إن البحر عذر لترك الحج والصواب ما قاله الفقيه أبو الليث
السمرقندي من أنه إذا كان الغالب السلامة ففرض عليه يعني وإلا فهو مخير وأما قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة أي لا توقعوا أنفسكم في الهلاك فمحمول على ما إذا لم يكن هناك غرض شرعي وأمر ديني ولذا قال البيضاوي في تفسيره أي بالإسراف وتضييع وجه المعاش أو بالكف عن الغزو والإنفاق فإنه يقوي العدو ويسلطهم على إهلاككم ويؤيده ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال أعز الله الإسلام وكثر الله أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نقيم فيها فنزلت أو بالإمساك وحب المال فإنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد وقوله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا يريد به تهويل شأن البحر وتعظيم الخطر في ركوبه فإن راكبه متعرض للآفات المهلكة كالنار والفتن المغرقة كالبحر إحداهما وراء الأخرى فإن أخطأت ورطة منها جذبته أخرى بمخالبها فمهالكها متراكمة بعضها فوق بعض لا يؤمن الهلاك عليه وقد احترقت سفينة في زماننا واحترق جمع كثير من أهلها وغرق بعض منهم وقليل منهم نجو بمحن شديدة وقيل هو على ظاهره فإن الله على كل شيء قدير ويؤيده حديث البحر من جهنم على ما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي يعلى ويقويه قوله تعالى وإذا البحار سجرت التكوير أي أحميت وأوقدت أو ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا وتصير نارا رواه أبو داود وعن أم حرام ضد الحلال قال المؤلف هي بنت ملحان بكسر الميم ابن خالد النجارية وهي أخت أم سليم أسلمت وبايعت وكان النبي يقيل في بيتها وهي زوجة عبادة بن الصامت ماتت غازية مع زوجها بأرض الروم وقبرها بقبرص روى عنها ابن أختها أنس وزوجها عبادة قال ابن عبد البر لا أقف لها على اسم صحيح


غير كنيتها وكان موتها في خلافة عثمان رضي الله عنه عن النبي قال المائد في البحر اسم فاعل من ماد يميد إذا مال وتحرك وهو الذي يدور رأسه من ريح البحر واضطراب السفينة بالأمواج كذا في النهاية الذي يصيبه القيء قال الطيبي صفة مبنية لا مخصصة له أجر شهيد قال المظهر يعني من ركب البحر وأصابه دوران فله أجر شهيد إن ركبه لطاعة كالغزو والحج وتحصيل العلم أو للتجارة إن لم يكن له طريق سواه ولم يتجر لطلب زيادة المال بل للقوت و الغريق أي في البحر لما ذكر له أجر شهيدين أحدهما القعود الطاعة والآخر للغرق وكل منهما في حكم الشهادة رواه أبو داود ورواه الطبراني في الكبير عنها بلفظ للمائد أجر شهيد وللغريق أجر شهيدين


وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال المؤلف هو أبو مالك كعب بن عاصم الأشعري كذا قاله البخاري في التاريخ وغيره وقال البخاري في رواية عبد الرحمن بن غنم عنه حدثنا أبو مالك أو أبو عامر بالشك قال ابن المديني وأبو مالك هو الصواب روى عنه جماعة مات في خلافة عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول من فصل أي خرج من منزله ومنه قوله تعالى فلما فصل طالوت بالجنود البقرة الكشاف فصل عن موضع كذا إذا انفصل عنه وجاوزه وأصله فصل نفسه ثم كثر محذوفا به المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كانفصل وقيل فصل عن البلد فصولا في سبيل الله أي للجهاد ونحوه فمات أي بجراحة أو قتل أو وقصه قال المظهر أي صرعه ودق عنقه فرسه أو بعيره أو لدغته بالدال المهملة والغين المعجمة أي لسعته هامة بتشديد الميم أي ذات سم تقتل أما ما يسم ولا يقتل فهو السامة كالعقرب والزنبور كذا في النهاية أو مات على فراشه بأي حتف بفتح فسكون أي أي نوع من الهلاك شاء الله أي قدره وقضاه فإنه شهيد أي إما حقيقة أو حكما وإن له الجنة أي دخولا أوليا مع الشهداء والصالحين قال الطيبي هو تقرير لمعنى حصول الشهادة بسبب المقاتلة في سبيبل الله وإن له بدله الجنة فهو تلميح إلى قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة التوبة رواه أبو داود وعن عبد الله بن عمرو إن رسول الله قال قفلة كغزوة في النهاية هو المرة من القفول وهو الرجوع من سفره وفيه وجوه أحدها إن أجر المجاهد في انصرافه إلى أهله بعد غزوه كأجره في إقباله إلى الجهاد لأن في قفوله إراحة للنفس واستعداد بالقوة للعود وحفاظا لأهله برجوعه إليهم ونظيره ما ورد أن الحاج في ضمان الله مقبلا ومدبرا وثانيها إرادته التعقيب وهو رجوعه ثانيا في الوجه الذي جاء منه منصرفا وإن لم يلق عدوا ولم يشهد قتالا وقد يفعل ذلك الجيش إذا انصرفوا من مغزاهم نوعين أحدهما أن العدو إذا رآهم قد انصرفوا عنهم أمنوهم


وخرجوا من أمكنتهم فإذا قفل الجيش إلى دار العدو نالوا الفرصة منهم فأغاروا عليهم والآخر إنهم إذا انصرفوا ظاهرين لم يأمنوا أن يقفوا العدو أثرهم فيوقعوا بهم وهم غارون فربما استظهر الجيش أو بعضهم بالرجوع على أدراجهم فإن كان العدو طلب كانوا مستعدين للقائهم وإلا فقد سلموا وأحرزوا ما معهم من الغنيمة وثالثها أن يكون سئل
عن قوم قفلوا لخوفهم أن يدهمهم من عدوهم من هو أكثر عددا منهم فقفلوا ليتضيفوا أليهم ععدا من أصحابهم ثم يكروا على عددهم قال النوربشتي والأول أقوم لأن القفول إنما يستعمل في الرجوع عن الوجه الذي ذهب إليه لحاجة إلى حيث توجه منه قلت ويؤيده أن القفلة على ما ذكرت في الوجهين الآخرين لا يشك أحد فيها أنها غزوة فلا يظهر وجه قوله كغزوة فالمعول على الأول والمعنى يثاب الغازي بقفوله ورجوعه كما يثاب بتوجهه إلى العدو وغزوه لأن حركات القفول من توابع الغزو فتكون في حكمه قال الطيبي رحمه الله التشبيه إنما يذهب إليه إما لإلحاق الناقص بالكامل أو لبيان المساواة فالتنكير إما للتعظيم فيكون معناه رب قفلة تساوي الغزوة لمصلحة ما كما ذكر في الوجه الأول بل يمكن أن تكون القفلة أرجح من الغزوة إذا لم يكن في الغزوة مصلحة للمسلمين وفي القفلة مصلحة لهم كما ذكر في الوجه الثالث ولا يبعد أن تستعار القفلة للكرة رواه أبو داود وكذا أحمد والحاكم وعنه أي عن عبد الله بن عم رو قال قال رسول الله للغازي أجره أي ثوابه الكامل المختص به وللجاعل أي للمعين للغازي ببذل جعل له أو بتجهيز أسبابه وما يحتاج إليه أجره أي أجر نفقته وأجر الغازي أي الذي يغزو بسبب أجرته قال ابن الملك الجاعل من يدفع جعلا أي أجرة إلى غاز ليغزو وهذا عندنا صحيح فيكون للغازي أجر سعيه وللجاعل أجران أجر إعطاء المال في سبيل الله وأجر كونه سببا لغزو ذلك الغازي ومنعه الشافعي وأوجب رده أن أخذه قال الطيبي رحمه الله تقرر في علم المعاني أن المعرفة إذا أعيدت كان


الثاني عين الأول فالمراد بالغازي الأول هو الذي جعل له جعالة فمن شرط للغازي جعلا فله أجر بذل المال الذي جعله جعلا وأجر غزاء المجعول له فإنه حصل بسببه كما قال من سن سنة حسنة فله أجرها الحديث قلت الأظهر كقوله الدال على الخير كفاعله وفي شرح السنة فيه ترغيب للجاعل ورخصة للمجعول له واختلفوا في جواز أخذ الجعل على الجهاد فرخص فيه الزهري ومالك وأصحاب أبي حنيفة ولم يجوزه قوم وقال الشافعي لا يجوز أن يغزو بجعل فإن أخذه فعليه رده قال القاضي وعلى هذا فتأويل الحديث أن يحمل الجاعل على المجهز للغازي والمعين له ببذل ما يحتاج إليه ويتمكن به من الغزو من غير استئجار وشرط قلت ويؤيد مذهبنا جعله غازيا لا أجيرا كما سيجيء في الحديث الذي يليه رواه أبو داود


وعن أبي أيوب رضي الله عنه سمع النبي وفي نسخة رسول الله يقول ستفتح عليكم الأمصار أي البلدان الكبار وخصت لأنه عليها مدار الديار وستكون أي توجد وتقع جنود جند أي أعوان وأنصار مجندة بتشديد النون المفتوحة أي مجتمعة وفي النهاية أي مجموعة كما يقال ألوف مؤلفة وقناطير مقنطرة يقطع بصيغة المجهول أي يعين ويقدر عليكم فيها أي في تلك الجنود بعوث جمع بعث بمعنى الجيش يعني يلزمون أن يخرجوا بعثوثا تنبعث من كل قوم إلى الجهاد قال المظهر يعني إذا بلغ الإسلام في كل ناحية يحتاج الإمام إلى أن يرسل في كل ناحية جيشا ليحارب من يلي تلك الناحية الكفار كيلا يغلب كفار تلك الناحية على من في تلك الناحية من المسلمين فيكره الرجل البعث أي الخروج من البعث إلى الغزو بلا أجرة فيتخلص من قومه أي يخرج من بين قومه ويفر طلبا للخلاص من الغزو ثم يتصفح القبائل يعرض نفسه عليهم أي يتفحص عنها ويتساءل فيها والمعنى أنه بعد أن فارق هذا الكسلان قومه كراهية الغزو يتتبع القبائل طالبا منهم أن يشرطوا له شيئا ويعطوه قائلا من أكفيه بعث كذا أي من يأخذني أجيرا أكفيه جيش كذا ويكفيني هو مؤنتي وعيش كذا إلا للتنبيه وذلك أي الرجل الذي كره البعث تطوعا الأجير أي لا أجر له إلى آخر قطرة من دمه فالأجير خبر ذلك أي وذلك الأجير أجير وليس بغاز إلى أن يقتل قال التوربشتي أراد بقوله هذا من حضر القتال رغبة فيما عقد له من المال لا رغبة في الجهاد ولهذا سماه أجيرا وقال ابن الملك أفاد به أنه لم يكن له جهاد كسائر الأجير إذا لم يقصد بغزوه وإلا الجعل المشروط والمراد المبالغة في نفي ثواب الغزو عن مثل هذا الشخص اه وهذا يؤيد مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه رواه أبو داود وعن يعلى بن أمية بالتصغير قال آذن بالمد أي أعلم أو نادى رسول الله بالغزو أي بالخروج للغزو وأنا شيخ كبير ليس لي خادم قال الطيبي ليس لي خادم صفة شيخ أي ليس لي من يخدمني في الغزو ويعاونني اه والظاهر أنه


خبر ثان أو حال من المبتدأ على مذهب من يجوزه ولو كان صفة شيخ لقال ليس له خادم فالتمست أي طلبت أجيرا يكفيني فوجدت رجلا سميت له ثلاثة دنانير وفي نسخة سمى أي عين له ثلاثة
دنانير ولعلها ما عدا الأكل والشرب وتوابعها فلما حضرت غنيمة أي وقعت وحصلت أردت أن أجري من الإجراء أي أمضي له سهمه أي راكبا أو ماشيا كسائر الغزاة فترددت في جوازه وعدمه فجئت النبي فذكرت له أي القضية فقال ما أجد أي ما أعرف له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي تسمى بصيغة المجهول أي تعين ولعل اختيار المضارع لاستحضار الحال الماضية وتقبيح حاله في ميله إلى المال وإعراضه عن المآل في شرح السنة اختلفوا في الأجير للعمل وحفظ الدواب يحضر الواقعة هل يسهم له فقيل لا سهم له قاتل أو لم يقاتل أتماله أجرة عمله وهو قول الأوزاعي وإسحاق واحد قولي الشافعي وقال مالك وأحمد يسهم له وإن لم يقاتل إذا كان مع الناس عند القتال وقيل يخير بين الأجرة والسهم اه ويظهر لي قول والله تعالى أعلم به أنه إذا قاتل ولم يشترط في إجارته القتال يجمع له من الأجرة والسهم لأنهما غير متنافيين بل متعادضين وهو ظاهر قاعدة مذهبنا السابق بأن الإجارة والأجر يجتمعان رواه أبو داود وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله رجل يريد الجهاد أي في سبيل الله كما في نسخة صحيحة وهو أي والحال أنه يبتغي عرضا بفتح الراء ويسكن قيل العرض بالتحريك ما كان من مال قل أو كثر والعرض بالتسكين المتاع وكلاهما هنا جائز وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير فإنها عين أي يطلب شيئا من عرض الدنيا أي من أعراضها من المال بالأجرة أو الجاه بالسمعة فقال النبي لا أجر له إذ لم يغز لله وأما إذا غزا لله وقصد حصول الغنيمة فلا شك أن له الأجر نعم أجره أنقص من أجر من غزا لله ولم يقصد الغنيمة لقوله تعالى منكم من يريد الدنيا آل عمران أي الغنيمة أيضا ومنكم من يريد الآخرة أي الأجر فقط


وقد سبق في حديث أن الغازي يرجع بأجر وغنيمة رواه أبو داود كان الأخصر أن يجمع المؤلف بين الأحاديث الثمانية ويقول رواها أبو داود كما هو عادته وعن معاذ رضي الله عنه قال قال رسول الله الغزو أي جنسه لا الغزو
المعهود غزوان أي نوعان أو قسمان قال القاضي أي غزو على ما ينبغي وغزو لا على ما ينبغي فاقتصر الكلام واستغنى بذكر الغزاة وعد أصنافها وشرح حالهم وبيان أحكامهم عن ذكر القسمين وشرح كل واحد منهما مفصلا حيث قال فأما من ابتغى وجه الله أي طلب رضا مولاه وفي رواية فأما من غزا ابتغاء وجه الله تعالى وأطاع الإمام أي في غزوه فأتى به على نحو ما أمره وأنفق الكريمة أي المختارة من ماله وقتل نفسه والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية وياسر الشريك من المياسرة بمعنى المساهلة أي ساهل الرفيق على وجه المبالغة واستعمل اليسر معه نفعا بالمعونة وكفاية بالمؤنة واجتنب الفساد أي التجاوز عن المشروع قتلا وضربا وتخريبا ونهبا على قصد الفساد لقوله تعالى ولا تعثوا في الأرض مفسدين البقرة أي لا تفسدوا فيها حال كونكم قاصدين الفساد بل مريدين صلاح البلاد والعباد فإن نومه أي حينئذ ونبهه بفتح الموحدة وفي نسخة صحيحة بسكونها أي يقظته وفي معناهما غفلته وذكره وأكله وشربه وحركته وسكونه أجر أي ذو أجر وثواب كله بالرفع على أنه مبتدأ خبره مقدم عليه والجملة خبران أي كل ما ذكر أجر مبالغة كرجل عدل أو مقتض للأجر جالب للثواب وفي نسخة بالنصب على أنه تأكيد لاسم أن أتى به بعد الخبر وفي جوازه محل نظر قال الطيبي لا يصح أن يكون كله تأكيدا للأجر على ما لا يخفى أي لمضي الخبر الذي هو محط الحكم فإن فائدة التأكيد إنما تظهر قبل إيقاع الخبر عليه فالوجه أن يقال التقدير أعني كله فيكون جملة مؤكدة قال والمعنى كل من ذلك أجر وهذا التركيب مشعر باهتمام حمل الأجر على النوم والنبه مبالغة في بيان كونهما شيئين مستقلين غاية الاستقلال وأما من غزا فخرا أي مفاخرة


أو للفخر ففي النهاية الفخر ادعاء العظمة والكبرياء والشرف ومنه أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي لا أقول تبجعا ولكن شكرا لله وتحدثا بنعمته ورياء وسمعة أي ليراه الناس ويسمعوا صيته في جلادته وشجاعته وعصى الإمام أي في أمره ونهيه وأفسد في الأرض أي قصد الفساد فيها بإهلاك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد فإنه لم يرجع بالكفاف بفتح الكاف وفي نسخة بكسرها ففي القاموس كفاف الشيء كسحاب مثلثة ومن الرزق ما كف عن الناس وكفاف الشيء بالكسر خياره وفي النهاية الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه قال القاضي أي لم يرجع بالثواب مأخوذ من كفاف الشيء وهو خياره أو من الرزق أي لم يرجع بخير أو بثواب يغنيه يوم القيامة فقوله الأول يشير إلى أن الكفاف بالكسر والثاني إلى أنه بالفتح وقال المظهر أي لم يعد من الغزو رأسا برأس بحيث لا يكون له أجر ولا عليه وزر


بل وزره أكثر لأنه لم يغز لله وأفسد في الأرض يقال دعني كفافا أي تكف عني وأكف عنك اه ويدل على أنه اقتصر على كسر الكاف وأراد به المصدر من باب المفاعلة قال الطيبي الوجه ما قاله القاضي لأن الكفاف على هذا المعنى يقتضي أن يكون له ثواب أيضا وإثم ويزيد اثمه على ثوابه كما قال عمر رضي الله عنه وددت أنى سلمت من الخلافة كفافا لا علي ولا لي والمرائي المفسد ليس له ثواب البتة قال الشيخ أبو حامد في المرائي الذي لا يبتغي وجه الله بل يعمل فخرا ورياء وسمعة تبطل عبادته لأن الأعمال بالنيات وهذا ليس يقصد العبادة ثم لا يقتصر على إحباط عبادته حتى يقال صار كما كان قبل العبادة بل يعصي بذلك ويأثم اه ولا يخفى أن كلام الإمام قيد المرائي بالذي لا يبتغي وجه الله وليس في الحديث دلالة على ذلك فيمكن أن يكون ممن جمع في العبادة بين النيتين وقد صرح الإمام في منهاج العابدين أن الرياء ضربان رياء محض رياء تخليط فالمحض أن يريد به نفع الدنيا لا غير والتخليط أن يريدهما جميعا فهذا أحدهما وأما تأثيرهما فإن إخلاص العمل أن يجعل الفعل قربة وإخلاص طلب الأجر أن يجعله مقبولا وافر الأجر إلى أن قال والمختار أن من تأثير الرياء رفع القبول والنقصان في الثواب والله أعلم بالصواب وقال في عين العلم الأفحش في الرياء أن لا يريد الثواب أصلا وهو في غاية المقت ثم ما فيه إرادتان والرياء غالب فهو بقربه ثم ما استويا فيه فالمرجو أن لا يكون له ولا عليه ثم ما ترجح فيه قصد الثواب فالمظنون أن الراجح فيه النقصان لا البطلان أو الثواب والعقاب بحسب القصدين والأصل أن القرب منه تعالى بالميل إليه والبعد عنه بالذهول وما ورد أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ونحوه محمول على الأول وهو أن لا يريد الثواب أصلا وفي الأحياء أنه محمول على ما إذا تساويا أو ترجح الرياء قال الأشرف ولا بد في قوله فأما من ابتغى وجه الله وفي قوله وأما من غزا من إضمار مضاف تقديره فأما غزو من


ابتغى وأما غزو من غزا فإنهما قسمان لمورد القسمة قال الطيبي ولا يستتب على هذا التقدير إجراء الخبر على المبتدأ فينبغي أن يقدر الغزو غزوان غزو من ابتغى وجه الله وغزو من لم يبتغ وجه الله فحكمه كذا وأما من غزا فخرا فحكمه كذا فيكون من باب الجمع مع التفريق والتقسيم كقوله تعالى يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا هود الآيتين فحذف التفريق لدلالة التقسيم عليه وهذا معنى قول القاضي فاقتصر الكلام واستغنى بذكر الغزاة عن ذكر القسمين رواه مالك وأبو داود والنسائي وكذا أحمد والحاكم والبيهقي وعن عبد الله بن عمرو بالواو أنه قال يا رسول الله أخبرني عن الجهاد أي


تفضيله وتفصيله قال الطيبي هو مطلق يحتمل أنه سأل عن حقيقته وعن ثوابه عن كونه مقبولا عند الله وغيره مقبول والجواب ينبىء أنه سأل عن الثالث فقال يا عبد الله بن عمرو لعل المراد بالنداء إظهار خصوصيته والحث على إقباله بكليته إن قاتلت صابرا محتسبا أي خالصا لله تعالى وهما حالان مترادفان أو متداخلان بعثك الله تعالى صابرا محتسبا أي متصفا بهذين الوصفين لما روي كما تعيشون تموتون وكما تموتون تحشرون قال الطيبي أعاده في الجزاء ليؤذن بالتنكير فيهما على أن له أجرا وثوابا لا يقادر قدره أي بعثك الله صابرا كاملا فيه فيوفي أجرك بغير حساب ومحتسبا أي مخلصا متناهيا في إخلاصه راضيا مرضيا ورضوان من الله أكبر وإن قاتلت مرائيا أي في نية الأعمال مكاثرا أي في تحصيل المال بعثك الله مرائيا مكاثرا قال الطيبي التكاثر التباري في الكثرة والتباهي بها وقد يكون هذا في الأنفس والأموال قال تعالى وتكاثر في الأموال والأولاد الحديد فالرجل يجاهد للغنيمة وإكثار المال ليباهى به ولأن يكثر رجاله وأعوانه وأجناده ولإعلاء كلمة الله وإظهار دينه وقال ابن الملك قوله مكاثرا أي مفاخرا وقيل هو أن يقول الرجل لغيره أنا أكثر منك مالا وعددا أي غزوت ليقال إنك أكثر جيشا وأشجع أي ينادي عليك يوم القيامة إن هذا غزا فخرا ورياء لا محتسبا بأعماله يا عبد الله بن عمرو أي كن حاضرا يقظا متأملا متفكرا على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال وكذا بقية الأعمال على هذا المنوال رواه أبو داود وعن عقبة بن مالك رضي الله عنهما لم يذكره المؤلف في أسمائه عن النبي قال أعجزتم بفتح الجيم ويكسر أي أما قدرتم إذا بعثت رجلا أي أميرا والمعنى إذا جعلته عليكم أميرا فلم يمض لأمري بأن خالف أمري أو نهي أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري مفعول أعجزتم قال الطيبي أي إذا أمرت أحدا أن يذهب إلى أمر فلم يذهب إليه فأقيموا مكانه غيره أو إذا بعثته لأمر ولم يمض لإمضاء أمري


وعصاني فاعزلوه قال ابن الملك أي فاعزلوه واجعلوا مكانه أميرا آخر يمتثل أمري وعلى هذا إذا ظلم الأمير رعيته ولم يقم بحق حفظهم جاز لهم أن يعزلوه ويقيموا غيره مكانه وقيل هذا إذا لم يكن في عزله إثارة فتنة وإراقة دم فإن كان ذلك فإن كان ظالما في الأموال لم يجز لهم ذلك وإن كان سفاكا للدماء ظلما فإن كان حصول القتل في عزله أقل من القتل في بقائه على العمل جاز لهم قتله
وقتل متعصبته وإن كان الأمر بالعكس لا يجوز لهم قتله رواه أبو داود وذكر حديث فضالة بفتح الفاء المجاهد من جاهد نفسه أي في طاعة الله في كتاب الإيمان أي في ضمن حديث طويل فلتكراره على وضع المصابيح أسقطه المؤلف من ههنا
الفصل الثالث


عن أبي أمامة رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله في سرية بفتح سين مهملة وكسر راء وتشديد تحتية وهي الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من السري وهو الشيء النفيس وفي المغرب سرى بالليل يسري من باب ضرب بمعنى سار ليلا وأسرى مثله ومنه السرية لواحدة السرايا لأنها تسري خفية ويجوز أن يكون من الإسراء والاختيار لأنها جماعة سراة أي مختارة ولم يرد في تحديدها نص ومحصول ما ذكره محمد رحمه الله في السير إن التسعة فما فوقها سرية والثلاثة والأربعة ونحو ذلك طليعة لا سرية وما روي أن رسول الله بعث أنيسا وحده سرية يخالف ذلك هذا وقد قال السيد جمال الدين في روضة الإحباب ما معناه أن الغزو في اصطلاح أهل السير والمحدثين هو الذي حضره بنفسه الأنفس وغيره يسمى بعثا وسرية فعلى هذا يشكل قول أبي أمامة خرجنا مع رسول الله في سرية اللهم إلا أن يقال إنه مشيعا لهم أو يراد بالسرية المعنى اللغوي وهو طائفة قليلة تسري بالمعنى الأعم ويراد به الأخص وهو علنا أو جرد في معناه من قيد خفية فمر رجل أي من رجال السرية بغار فيه شيء أي قليل من ماء أي يكفي لطهارة السالك وشربه وهو يحتمل أنه كان جاريا أم لا وبقل بالجر عطف على ماء وفي نسخة بالرفع عطفا على شيء والمراد بقل يأكل منه الطالب أو يتنزه منه الناظر فحدث أي كلم الرجل نفسه على التجريد أو حدث في نفسه بأن يقيم فيه أي بعد الجهاد أو قبله بحسب الجذبة ويتخلى من الدنيا أي من أهلها ومتعلقاتها ويكون متجردا لعبادة الله وثمراته فاستأذن رسول الله في ذلك أي في ذلك الأمر في ذلك المكان أو بعد مراجعته إليه فقال رسول الله إني لم أبعث


بصيغة المجهول أي لم أرسل ولم أومر باليهودية والنصرانية أي بالملة التي فيها أمور شاقة من الرهبانية ونتيجتها قاصرة على سلاك تلك الطريقة ولكني بعثت بالحنيفية أي الملة المائلة عن السيل الزائغة إلى طريق التوحيد وسبيل الاستقامة السمحة أي السهلة ليس فيها حرج ومشقة زائدة ومنفعتها إلى الغير متعدية كالجهاد والجمعة والجماعة وعيادة المريض وتشييع الجنازة وتعلم وتعليم وتحصيل كمال ثم تكميل فإن العلماء الأولياء ورثة الأنبياء قال الطيبي لكن يقتضي مخالفة وما بعدها لما قبلها كما هو مقرر أي ما بعثت بالرهبانية الشاقة بل بعثت بالحنيفية السمحة فوضع قوله باليهودية ولا بالنصرانية موضع الرهبانية الشاقة والذي نفس محمد بيده أي بتصرفه فضلا عن سائر النفوس لغدوة أو روحة في سبيل الله أي الجهاد أو الحج أو العلم أو غيرهما من طرق الطاعة والعبادة وأو للتنويع والغدوة مرة من ذهاب أول النهار والروحة من آخر النهار أو أول الليل ولعل التقييد باعتبار الغالب العادي خير من الدنيا وما فيها قال النووي الظاهر أن الغدوة والروحة غير مختصتين بالغدو والرواح بل كل لمحة وساعة هو في سبيل الله خير له من الدنيا وما فيها لو ملكها وتصور تنعمه فيها لأنه زائل ونعيم الآخرة باق وقيل لو ملكها وأنفقها في أمور الآخرة ولمقام أحدكم بفتح الميم أي لوقوفه وثباته في الصف أي صف القتال أو صف الجماعة خير من صلاته أي على انفراده ستين سنة أراد به التكثير فلا ينافي ما ورد من رواية سبعين رواه أحمد وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله من غزا في سبيل الله أي من أراد الجهاد ولم ينو إلا عقالا بكسر العين أي تحصيله وهو حبل صغير يشد به ركبة البعير لئلا يفر فله ما نوى قال الطيبي هو مبالغة في قطع الطمع عن الغنيمة بل ينبغي أن يكون خالصا لله تعالى غير مشوب بأغراض دنيوية كقوله وإنما لامرىء ما نوى انتهى وسبق أن هذا هو الكمال وإلا فقد تقدم جواز قصد


الغنيمة لكن لا بخصوص شيء معين وأيضا سبق أن الرياء المخلط لا يبطل الثواب بالكلية رواه النسائي وكذا أحمد والحاكم
وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله قال من رضي بالله ربا تمييز أي من رضي بربوبيته على وفق قضائه وقدره من خيره وشره وحلوه ومره وبالإسلام دينا أي بشرائعه وأحكامه من المأمورات والمنهيات وبمحمد رسولا أي وبرسالته المورثة لمتابعته في أقواله وأفعاله وأحواله المعبر عنها بالشريعة والطريقة والحقيقة وجبت له الجنة أي ثبتت وتحققت وعبر عنه بالمضي مبالغة في تحقق وقوعه أو حصلت له الجنة في الدنيا وهو الغيبة عن السوي والحضور مع المولى ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن أي جنة في الدنيا وأخرى في الأخرى فعجب لها أي لأجل هذه الكلمات أو لهذه القضية أبو سعيد فقال أعدها علي يا رسول الله فأعادها عليه ثم قال أي النبي وأخرى أي وكلمة أو فائدة أو قضية أخرى مما يتعجب لها فيتعين أن يرغب فيها وهي يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض قال أي أبو سعيد وما هي أي تلك الخصلة الأخرى يا رسول الله قال الجهاد أي هي الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله ثلاث مرات وفيه إيماء إلى أن الجهاد فرض كفاية حيث عطف على لوازم الإسلام بطريق الإلزام فإن العطف يقتضي المغايرة في الكلام وقال الطيبي أخرى صفة موصوف محذوف وهو مبتدأ وقوله يرفع الله خبره أو منصوب على إضمار فعل أي ألا أبشرك بشارة أخرى وقوله يرفع الله صفة أو حال وقيل هناك خصلة أخرى وفي هذا الأسلوب تفخيم أمر الجهاد وتعظيم شأنه فإن قوله من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا مشتمل على جميع ما أمر الله به ونهى عنه ومنه الجهاد وكذا إبهامه بقوله وأخرى وإبرازه في صورة البشارة ليسأل عنها فيجاب بما يجاب لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس وكذا تكراره ثلاث مرات ونظير الحديث قوله


تعالى هل أدلكم على تجارة تنجيكم إلى قوله وبشر المؤمنين الصف وقال ابن الملك قيل قد ورد من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه كل من خزنة الجنة الحديث وذلك أعظم أجرا وأجيب بما تقرر من أن الحكم المترتب على الأثقل مقدم على الحكم المترتب على الأخف وبأن سبيل الله أعم من الجهاد فيدخل فيه أو يكون المراد بالزوجين الراكب ومركوبه وإنفاقهما إهلاكهما فصار الحديثان متقاربين في المعنى وفيه أن الأجر فضل من الله تعالى يجوز أن
يعطي من شاء ممن عمل عملا قليلا أجرا جزيلا وقدرا جليلا فأي حاجة إلى وجه التكلف اه ولا يخفى عدم التنافي بين الحديثين فالسؤال ساقط من أصله في البين رواه مسلم وعن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف يعني كون المجاهد في القتال بحيث يعلوه سيوف الأعداء سبب الجنة حتى كان أبوابها حاضرة معه أو المراد بالسيوف سيوف المجاهدين وهذا كناية عن الدنو من العدو في الحرب لأنها أكثر سلاح الجهاد وقال الطيبي قوله تحت ظلال السيوف مشعر بكونها مشهرة غير مغمدة ثم هو مشعر بكونها واقعة فوق رؤوس المجاهدين كالظلال ثم هو على التسايف والتضارب في المعارك ثم هو على إعلاء كلمة الله العليا ونصرة دينه القويم الموجبة لأن يفتح لصاحبها أبواب الجنة كلها ويدعي أن يدخل من أي باب شاء وهو أبلغ في الكرامة من أن يقال الجنة تحت ظلال السيوف اه وأراد أنه أبلغ مما ورد أن الجنة تحت أقدام الأمهات وفي كونه أبلغ نظر لأهل البلاغة إذ لا خفاء أن نفس شيء تحت ظل شيء أبلغ


من أن يكون تحت ظله بابه فيحتاج إلى الدخول بخلاف الأول فإنه يدل على أنه واقع فيه لكمال قربه قال النووي معناه أن الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب لدخولها أقول هو كذلك وهو لا ينافي المبالغة أنه في حال جهاده كأنه في الجنة كما سبق إليه الإشارة فقام رجل رث الهيئة أي فقير الحال كسير البال في النهاية متاع رث أي خلق بال فقال يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله يقول هذا أي سماعك هذا الحديث بطريق الجزم واليقين قال نعم فرجع أي الرجل إلى أصحابه أي من أهل رحله فقال اقرأ عليكم السلام أي سلام مودع ثم كسر جفن سيفه بفتح الجيم وسكون الفاء أي غلافه فألقاه أي الغلاف إشعارا بأنه لا يريد الرجوع إلى الدنيا بعد إقباله على العقبى ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل رواه مسلم كان الأخصر أن يجمع بين الحديثين ويقول رواهما مسلم وكذا أحمد والترمذي وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال لأصحابه أي المخصوصين في بابه أنه أي الشأن لما أصيب إخوانكم أي من سعادة الشهادة يوم أحد أي في سبيل أحد لا ثاني له جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر أي في أجواف طيور خضر خالية من الأرواح على أشباح مصورة بصور الطيور حتى تتلذذ الأرواح بنسب الأشباح وفيه رد على من يقول إن عذاب البرزخ ونعميه إنما هو روحاني فقط ترد أنهار الجنة من الماء واللبن والعسل والشراب الطهور تأكل من ثمارها استئناف أو حال أو بدل وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش أي بمنزلة أوكار الطيور فلما وجدوا أي الشهداء طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم بفتح فكسر أي مأواهم ومستقرهم والثلاثة مصادر ميمية ولا يبعد أن يراد بها المكان والزمان ثم أصل المقيل المكان الذي يؤوي إليه للاستراحة وقت الظهيرة والنوم فيه قال الطيبي رحمه الله وهو ههنا كناية عن التنعم والترفه لأن المترفهين في الدنيا


يعيشون منعمين اه وفيه ما لا يخفى قالوا جواب لما من يبلغ بتشديد اللام وفي نسخة بتخفيفها أي من يوصل إخواننا أي من المسلمين عنا أي عن قيلنا أننا أحياء في الجنة أي مرزوقون من أنواع اللذة لئلا يزهدوا في الجنة أي في شأنها بل ليرغبوا في تحصيل درجاتها ولا ينكلوا بضم الكاف أي لا يجبنوا عند الحرب فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى ولا تحسبن بالخطاب مع فتح السين وكسرها وفي رواية بالغيبة مع فتح السين أي لا تظنن الذين قتلوا بالتخفيف والتشديد في سبيل الله أمواتا مفعول ثاني بل أحياء أي بل هم أحياء وفي نسخة عند ربهم يرزقون أي من ثمرات الجنة إلى آخر الآيات يعني فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين رواه أبو داود وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء أي أصناف ومنه أجزاء المركبات كالسكنجبين ونحوه وسموا أجزاء للاختلاط الواقع فيما بينهم وعدم تمايزهم في الظاهر مع تفاوتهم في الضمائر وقال الطيبي الأجزاء إنما تقال فيما يقبل التجزئة من الأعيان فجعل المؤمنين كنفس واحدة في التعاطف والتواد كما جعلوا يدا واحدة في قوله هم يد على من سواهم الذين أي منها أو أحدها أو أولها الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا أي لم يشكوا ولعل العطف بثم إيذانا بنفي الارتياب بعد الإيمان ولو بمهلة فإن العبرة بالخاتمة ولا يضر تقدم الارتياب أو معنى لم يرتابوا أنهم عملوا بمقتضى الإيمان ولم يتركوا شيئا من الأوامر والنواهي لأن المقسم هم المؤمنون الكاملون وقال الطيبي ثم في ثم لم يرتابوا كما في قوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فصلت للتراخي في الرتبة لأن الثبات على الاستقامة وعلى عدم الارتياب أشرف وأبلغ من مجرد الإيمان والعمل الصالح والذي


يأمنه الناس على أموالهم
وأنفسهم لعل اختيار الأفراد إشارة إلى أنه قليل الوجود بين العباد وكذا قوله ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه لله عز وجل والظاهر أن ثم ههنا للترقي وأن هذا الجزء أفضل مما قبله وكذا ما قبله أفضل مما قبله وباعتبار أن كلا من المتأخر مشتمل على وصف المتقدم مع زيادة صفة جليلة وقال الطيبي ثم للتراخي في الرتبة أيضا والطمع ههنا يراد به انبعاث هوى النفس إلى ما تشتهيه فتؤثره على متابعة الحق فترك مثله منتهى غاية المجاهدة وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى اه والظاهر أن المراد بالطمع هنا الميل إلى مال أو جاه ولو كان على سبيل الإباحة فإن تركه هو الكمال عند أرباب الوصال رواه أحمد وعن عبد الرحمن بن أبي عميرة بفتح فكسر مدني وقيل قرشي مضطرب الحديث لا يثبت في الصحابة قاله ابن عبد البر وهو شامي روى عنه نفر ذكره المؤلف أن رسول الله قال ما من نفس مسلمة يقبضها ربها قال بعض الأكابر الله يتوفى الأنفس حقيقة ويتوفاكم ملك الموت مجازا ويمكن أن تكون هذه خصوصية لبعض تحب خبر ما أي تود وتتمنى أن ترجع أي تنقلب إليكم وإن لها الدنيا وما فيها بفتح أن وفي نسخة بكسرها قال الطيبي يجوز أن يكون هو معطوفا على أن يرجع وأن يكون حالا إن روي بكسر أن وقوله غير الشهيد بدل من فاعل تحب اه وفي نسخة بنصب غير على الاستثناء قال ابن أبي عميرة قال قال رسول الله لأن أقتل بصيغة المجهول أي لكوني مقتولا في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أي ملكا أهل الوبر والمدر بفتحتين فيهما قال الطيبي المراد بأهل الوبر سكان البوادي لأن خباءهم من الوبر غالبا وبأهل المدر سكان القرى والأمصار وأراد به الدنيا وما فيها كما سبق فغلب العقلاء على غيرهم كما في قوله تعالى رب العالمين في أحد وجهيه وأسند المحبة إلى نفسه الزكية صلوات الله وسلامه عليه والمراد به غيره لقوله اه ولا بعد أن يكون الإسناد على حقيقته وله زيادة


ثواب على نيته في تمنيه ومودته رواه النسائي
وعن حسناء بفتح فسكون ممدودا بنت معاوية أي ابن سليم قال المؤلف في التابعيات هي حسناء بنت معاوية الصرمية روت عن عمها عن النبي وروى عنها عوف الأعرابي حديثها في البصريين هكذا أوردها ابن ماكولا في حسناء وذكرها الحازمي يقال خنساء بنت معاوية ويقال حسناء الصرمية وعماها الحارث وأسلم والصرمية بفتح الصاد المهملة وكسر الراء وحسناء فعلاء من الحسن وخنساء بالخاء المعجمة وتقديم النون على السين قال حدثنا وفي نسخة حدثني عمي قال قلت للنبي من في الجنة قال أي النبي عليه السلام النبي أي جنس الأنبياء في الجنة والشهيد يعني المؤمن لقوله تعالى والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم الحديد والحاصل أن الشهيد أعم من أن يكون حقيقة أو حكما في الجنة والمولود في الجنة قال الخطابي المولود هو الطفل والسقط ومن لم يدرك الحنث أي الذنب والوئيد أي المدفون حيا في الأرض في الجنة وكانوا يئدون البنات ومنهم من كان يئد البنين أيضا عند المجاعة والضيق ذكره السيوطي وقال الطيبي الظاهر أنه أراد بالمولود جنس من هو قريب العهد من الولادة سواء كان من أولاد الكفار وغيرهم والوئيد الموؤد وهو الذي يدفن حيا من البنات رواه أبو داود وكذا أحمد عن رجل كذا في الجامع الصغير وعن علي وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بالواو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين بالتصغير رضي الله عنهم أجمعين كلهم يحدث الأفراد باعتبار لفظ كل أي يحدثون عن رسول الله أنه قال من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم وهو مقتبس من قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبة مائة حبة البقرة ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك أي في جهته التي قصدها وهي الجهاد قال الطيبي أي في جهته وقصده فأينما


تولوا فثم وجه الله المغرب أي جهته التي
أمر بها تعالى ورضيها فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم للجمع بين أتعاب البدن وبذل المال ثم تلا الظاهر أي النبي استشهادا أو اعتضادا والله يضاعف لمن يشاء أو دلالة على أن المذكور هو أقل الموعود والله يضاعف لمن يشاء أضعافا كثيرة رواه ابن ماجه وعن فضالة بفتح الفاء ابن عبيد بالتصغير أنصاري أوسي أول مشاهده أحد ثم شهد ما بعده وبايع تحت الشجرة روى عنه ميسرة مولاه وغيره قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله يقول الشهداء أربعة أي أنواع أو أربعة رجال رجل مؤمن جيد الإيمان أي خالصه أو كامله بمعنى صالح العمل وهو الظاهر فيما سيأتي لقي العدو أي من الكفار فصدق الله بتخفيف الصاد أي صدق بشجاعته ما عاهد الله عليه وفي نسخة بالتشديد أي صدقه فيما وعد على الشهادة حتى قتل بصيغة المجهول أي حتى قاتل إلى أن استشهد قال الطيبي رحمه الله يعني أن الله وصف المجاهدين الذين قاتلوا لوجهه صابرين محتسبين فتحرى هذا الرجل بفعله وقاتل صابرا محتسبا فكأنه صدق الله تعالى بفعله قال تعالى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الأحزاب فذلك أي المؤمن هو الذي يرفع الناس أي عامة المؤمنين إليه أعينهم يوم القيامة هكذا مصدر قوله يرفع أي رفعا مثل رفع رأسي هكذا كما تشاهدون ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته بفتحتين فسكون فضم أي طاقيته وهذا القول كناية عن تناهي رفعة منزلته فما أدري هذا قول الراوي عن فضالة بناء على أن قوله حتى سقطت كلام فضالة أو كلام عمر والمعنى فما أعلم أقلنسوة عمر أراد أي فضالة أم وفي نسخة أو قلنسوة النبي قال أي النبي وإعادته للفصل ورجل مؤمن جيد الإيمان يعني لكن دون الأول في مرتبة الشجاعة لقي العدو كإنما ضرب أي مشبها بمن طعن جلده بشوك طلح بفتح فسكون وهو شجر عظيم من شجر العضاء قال الطيبي إما كناية عن كونه يقشعر شعره من الفزع والخوف أو عن ارتعاد فرائصه وأعضائه وقوله من الجبن


بيان التشبيه أقول الأظهر أن من تعليلية والجبن ضد الشجاعة وهما خصلتان جبليتان مركوزتان في الإنسان وبه يعلم أن الغرائز الطبيعية المستحسنة من فضل الله ونعمه يستوجب العبد بها زيادة درجة أتاه سهم غرب أي مثلا والتركيب
توصيفي وجوز الإضافة والمعنى لا يعرف راميه فقتله أي ذلك السهم مجازا فهو في الدرجة الثانية وفي الحديث إشعار بأن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف كما روي ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر شيئا الواو بمعنى الباء أو للدلالة على أن كل واحد منهما مخلوط بالآخر كما ذكره البيضاوي في تفسير قوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا التوبة لقي العدو فصدق الله حتى قتل أي بوصف الشجاعة فذاك في الدرجة الثالثة ورجل مؤمن أسرف على نفسه أي بكثرة المعاصي وفيه رد صريح على المعتزلة لقي العدو فصدق الله حتى قتل أي بوصف الشجاعة المفهوم من قوله فصدق الله فذاك في الدرجة الرابعة وفي نسخة فذلك وهو يناسب المراتب لأن ما قبله معبر بذاك وهو المتوسط وما قبله معبر بهو المناسب للقريب وأما ما قبله المعبر بذلك فهو للبعد المعنوي الذي لا يصل إليه كل أحد كما تقرر في قوله تعالى في ذلك الكتاب قال الطيبي الفرق بين الثاني والأول مع أن كليهما جيد الإيمان أن الأول صدق الله في إيمانه لما فيه من الشجاعة وهذا بذل مهجته في سبيل الله ولم يصدق لما فيه من الجبن والفرق بين الثاني والرابع أن الثاني جيد الإيمان غير صادق بفعله والرابع عكسه فعلم من وقوعه في الدرجة الرابعة أن الإيمان والإخلاص لا يعتريه شيء وأن مبنى الأعمال على الإخلاص اه وفيه أنه لا دلالة للحديث على الإخلاص مع أنه معتبر في جميع مراتب الاختصاص بل الفرق بين الأولين بالشجاعة وضدها مع اتفاقهما في الإيمان وصلاح العمل ثم دونهما المخلط ثم دونهم المسرف مع اتصافهما بالإيمان أيضا ولعل الطيبي أراد بالمخلط من جمع بين نية الدنيا والآخرة وبالمسرف


من نوى بمجاهدته الغنيمة أو الرياء والسمعة والله أعلم رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب أي إسنادا ورواه أحمد أيضا عن عمر وليس في رواية الجامع الصغير قوله فما أدري الخ في البين وعن عتبة رضي الله عنه بضم فسكون الفوقية ابن عبد السلمي بضم ففتح قال المصنف وعتبة هذا كان اسمه عتلة فسماه النبي عتبة شهد خيبر روى عنه جماعة مات بحمص سنة سبع وثمانين وهو ابن أربع وتسعين وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي قال قال رسول الله القتلى جمع قتيل ثلاثة أي أصناف مؤمن أي أحدهم


مؤمن كامل صالح في العمل جاهد بصيغة الماضي وفي نسخة بصيغة الفاعل أي مجتهد بنفسه وماله في سبيل الله قال الطيبي بين القتلى بقوله مؤمن باعتبار ما يؤول إليه بقوله فإذا لقي العدو قاتل حتى قتل ولعل العدول عن الماضي إلى المضارع استحضارا للحال وحسن المآل قال النبي فيه أي في شأنه فذلك الشهيد الممتحن أي المشروح صدره وهو الذي امتحن الله قلبه للتقوى في خيمة الله تحت عرشه قال الطيبي قوله الشهيد يجوز أن يكون خبر ذلك والممتحن صفة الشهيد وقوله في خيمة الله خبر بعد خبر وأن يكون الشهيد صفة ذلك وكذا الممتحن صفة لذلك وفي خيمة الله خبر والممتحن المجرب من قولهم امتحن فلان لأمر كذا جرب له ودب للنهوض به فهو مضطلع غير وان عنه والمعنى أنه صابر على الجهاد قوي على احتمال مشاقه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة لجمعه بين العلم والعمل وزيادة سعادة الشهادة والأنبياء يشاركون أممهم فيما صدر عنهم من الطاعة والعبادة والجملة معترضة بين المتعاطفين ومؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله إذا كذا في النسخ والظاهر فإذا لقي العدو قاتل حتى يقتل قال النبي فيه أي في حقه مصمصة بالمهملتين وفي نسخة بالمعجمتين ففي القاموس الممصمصة بطرف اللسان ومصمصة الذنوب تمحيصها والمضمضة تحريك الماء في الفم وفي الفائق مصمصة أي مطهرة من دنس الخطايا من قولهم مصمصت الإناء بالماء إذا حركته حتى يطهر ومنه مصمصة الفم وهو غسله بتحريك الماء فيه كالمضمضة وقيل هي بالصاد غير المعجمة بطرف اللسان وبالضاد بالفم كله وإنما أنث لأنه في معنى الشهادة أو أراد خصلة ممصمصة فأقام الصفة مقام الموصوف محت ذنوبه وخطاياه إن السيف محاء أي كثير المحو للخطايا أي الصغائر وأما الكبائر فتحت المشيئة لكن ورد في صحيح مسلم عن ابن عمر القتل في سبيل الله يكفر كل خطيئة إلا الدين وأدخل من أي أبواب الجنة شاء تعظيما له وتكريما قال الطيبي قوله قال النبي ذكره


في أثناء الحديث مرتين احتياط لئلا يلتبس نص النبي بروايته اهتماما بشأن المقول اه وهو يشعر بأن المعترضتين من رواية الراوي غير حال رواية هذا الحديث فأدرجهما فيه والأظهر أنه قاله فيما بين كل من المتعاطفين بيانا لعلو مرتبتهما وتبيانا لتفاوت منزلتهما
ولذلك قال بعد قوله ومنافق أي ومن القتلى منافق جاهد بنفسه وماله فإذا لقي العدو قاتل حتى يقتل فذاك في النار وإلا فالكل مشترك في وصف المقاتلة إلى أن يقتلوا فلا بد من التمايز بينهم لحصول المرام في الكلام إن السيف استئناف فيه معنى التعليل وفي نسخة بفتح أن لا يمحو النفاق فهو كما قال إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر على ما رواه الطبراني عن عمرو بن النعمان بن مقرن وفي رواية له عن ابن عمر بلفظ إن الله ليؤيد الإسلام برجال ما هم من أهله وفي رواية النسائي وابن حبان عن أنس وأحمد والطبراني عن أبي بكرة بلفظ إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم رواه الدارمي وعن ابن عائذ اسم فاعل من العوذ رضي الله عنه قال المؤلف هو عائذ بن عمر والمدني من أصحاب الشجرة سكن البصرة وحديثه في البصريين روى عنه جماعة قال خرج رسول الله في جنازة رجل بفتح أو كسر فلما وضع أي الميت أو النعش وأراد أنه يصلي عليه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تصل عليه يا رسول الله فإنه رجل فاجر أي منافق أو فاسق ليكون زجرا لأمثالهم وردعا عن أعمالهم فالتفت رسول الله إلى الناس فقال هل رآه أحد منكم على عمل الإسلام أي على عمل يدل على إسلامه الحقيقي فقال رجل نعم يا رسول الله حرس ليلة في سبيل الله أي ولم يكن هناك باعث من الرياء بل كان لوجه الله فصلى عليه رسول الله وحثا عليه التراب أي بيديه الكريمتين مرة أو مرتين ترغيبا لأمته على أعمال الإسلام وإظهارا للرحمة على عموم الآنام في المغرب حثيت التراب وحثوته إذا قبضته ورميته اه فيجوز كتابة حثا بالياء والألف كما لا يخفى وقال أي النبي أصحابك أي


بعضهم أوكلهم يظنون أنك من أهل النار لكونهم مما غلب عليهم الخوف وأنا أشهد أنك من أهل الجنة نظرا إلى حسن الظن بالله وسعة الرحمة وقال يا عمر لا تسأل بصيغة المجهول عن أعمال الناس أي من المعاصي وفي نسخة
زيادة في الإسلام أي في حال حصول إسلامهم وتحقق إيمانهم ولكن تسأل عن الفطرة أي عما يدل على الإسلام من شعائر الدين وعلامات اليقين والمقصود منع عمر عما أقدم عليه فإن الاعتبار بالفطرة والاعتماد على الاعتقاد والله رؤوف بالعباد قال الطيبي قوله عن الفطرة أي عن الإسلام وأعمال الخير لقوله كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه يعني أنت يا عمر مثلك لا يخبر في مثل هذا الموطن عن أعمال الشر للموتى بل أخبر عن أعمال الخير كما قال اذكروا امواتكم بالخير فوضع لا تسأل موضع لا تخبر لئلا يسأل أحد ذلك ولا يخبر نفيا للسؤال بالكلية فينتفي الأخبار أيضا ولذلك سأل عن أعمال الخير بقوله هل رآه أحد على عمل الإسلام وشهد له بالجنة لحراسته فاكتفى بالحراسة عن غيرها من الأعمال الصالحة ترجيحا للفطرة على الأعمال السيئة اه وظاهر كلامه أن قوله تسأل بصيغة الفاعل في الموضعين وهو الظاهر في المعنى والله أعلم بحقيقة المبنى رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب إعداد آلة الجهاد
أي تهيئة أسباب المجاهدة من السلاح وغيره
الفصل الأول
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أي الجهني كان واليا على مصر لمعاوية بعد أخيه عتبة بن أبي سفيان ثم عزله ومات بها سنة ثمان وخمسين روى عنه نفر من الصحابة وخلق كثير من التابعين ذكره المؤلف قال سمعت رسول الله وهو على المنبر يقول
حالان وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الكشاف هي كل ما يتقوى به في الحرب من عددها قال الطيبي ما في ما استطعتم موصولة والعائد محذوف ومن قوة بيان له فالمراد هنا نفس القوة وفي هذا البيان والمبين إشارة إلى أن هذه العدة لا تستثب بدون المعالجة والإدمان الطويل وليس شيء من عدة الحرب وأداتها أحوج إلى المعالجة والإدمان عليها مثل القوس والرمي بها ولذلك كرر صلوات الله وسلامه عليه تفسير القوة بالرمي بقوله إلا للتنبيه إن القوة الرمي أي هو العمدة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي كررها ثلاثا لزيادة التأكيد وإشارة إلى الأحوال الثلاث من القلة والكثرة وما بينهما فإنها نافعة في جميعها رواه مسلم قال النووي فيه وفي الأحاديث بعده فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله والمراد بهذا التمرن على القتال والتدرب فيه ورياضة الأعضاء بذلك وعنه أي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول ستفتح عليكم الروم أي بفتح الله ونصره ويكفيكم الله أي شرهم بقوته وقهره لكن ثوابكم وأجركم مترتب على سعيكم وتعبكم فلا يعجز أحدكم بصيغة النهي وفي نسخة بالنفي وفي شرح مسلم هو بكسر الجيم على المشهور وبفتحها لغة والمعنى لا يكسل أحدكم من أن يلهو أي يشتغل أو يلعب بأسهمه أي مع قسيه بنية الجهاد مع أهل الروم وغيرهم من ذوي العناد رواه مسلم وفي الجامع الصغير بلفظ ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو باسهمه رواه أحمد ومسلم عن عقبة بن عامر قال المظهر يعني أهل الروم غالب حربهم الرمي وأنتم تتعلمون


الرمي ليمكنكم محاربة أهل الروم وستفتح عليكم ويدفع الله عنكم شر أهل الروم فإذا فتح لكم الروم فلا تتركوا الرمي وتعلمه بأن تقولوا لم نكن نحتاج في قتالهم إلى الرمي بل تعلموا الرمي وداوموا عليه فإن الرمي مما يحتاج إليه أبدا وقال الأشرف أي لا ينبغي أن يعجز أحدكم عن تعلم الرمي حتى إذا حان وقت فتح الروم أمكنه العون على الفتح وهذا حث وتحريض منه صلوات الله عليه على تعلم الرمي والمعنى له أن يلعب بها وليس ممنوعا عنه قال الطيبي لعل الأوجه التوجيه الثاني فإن الفاء في قوله فلا يعجز سببية كأنه قيل إن الله سيفتح لكم عن قريب الروم وهم رماة ويكفيكم الله تعالى بواسطة الرمي شرهم فإذا لا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه أي عليكم أن تهتموا بشأن النضال وتمرنوا فيه وعضوا عليه


بالنواجذ حتى إذا زاولتم محاربة الروم تكونوا متمكنين وإنما أخرجه مخرج اللهو إمالة للرغبات إلى تعلم الرمي وإلى الترامي والمسابقة فإن النفوس مجبولة على ميلها إلى اللهو وعنه أي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول من علم الرمي ثم تركه فليس منا أي ليس بمتصل منا ومعدود في زمرتنا وهو أشد مما لم يتعلم لأنه لم يدخل في زمرتهم وهذا دخل ثم خرج كأنه رأى النقص فيه واستهزأ به وكل ذلك كفران لتلك النعمة الخطيرة ذكره الطيبي أو قد عصى الظاهر أنه شك من الراوي ويحتمل أن يكون للتنويع على أن الأول محمول على أنه تركه تكاسلا وتهاونا والثاني على أنه رأى فيه نقصانا وامتهانا رواه مسلم وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال خرج رسول الله على قوم من أسلم قبيلة يتناضلون بالضاد المعجمة أي يترامون للسبق بالسوق بضم أوله وهو معروف وقيل اسم موضع ذكره الطيبي وقال القاضي السوق جمع ساق استعمله للأسهم على سبيل الاستعارة أقول الأظهر أنه كناية عن المشي أي ماشين غير راكبين وقال ابن الملك هو بفتح السين المهملة اسم موضع والباء بمعنى في فقال ارموا أي داموا على الرمي بني إسماعيل أي يا بنيه فإن أباكم يعني إسماعيل كان راميا أي عظيما أو مخترعا للرمي وأنا مع بني فلان وهذا بناء على المعتاد من أن من حضر من الرماة يكون مع قوم منهم لأحد الفريقين متعلق بقوله فقال أي قال لأجل أحد الفريقين أنا معهم فامسكوا أي الفريق الآخر بأيديهم الباء زائدة والمعنى أنهم تركوا الرمي فقال ما لكم أي في امتناعكم من الرمي قالوا وفي نسخة فقالوا كيف نرمي وأنت مع بني فلان أي بالنصر والمعونة قال ارموا وأنا معكم كلكم بالجر تأكيد للضمير المجرور رواه البخاري وعن أنس رضي الله عنه قال كان أبو طلحة وهو زيد بن سهل الأنصاري


الخزرجي النجاري شهد المشاهد كلها وقال فيه لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل وقتل يوم حنين عشرين رجلا وأخذ سلبهم وقوله يتترس مع النبي بترس واحد يدل على كمال قربه به قيل وكان ذلك في أحد وكان أبو طلحة حسن الرمي فكان أي أبو طلحة إذا رمى تشرف النبي أي تحقق نظره وتطلع عليه والاستشراف أن تضع يدك على حاجبك وتنظر كالذي يستظل الشمس حتى يستبين الشيء وكذا في النهاية فينظر إلى موضع نبله أي موقع سهم أبي طلحة قال الطيبي الفاء في فكان سببية أي لأجل أنه كان حسن الرمي يتبع النبي بصره سهمه لينظر المصاب من الأعداء من هو لأن النبي إنما تترس بترسه وقاية واستشرافا رواه البخاري وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله البركة في نواصي الخيل أي في ذواتهم كنى عن الذات بالناصية يقال فلان مبارك الناصية أي مبارك الذات وإنما جعلت البركة في الخيل لأن بها يحصل الجهاد الذي فيه خير الدنيا والآخرة وقد قال تعالى وأعدوا لهم ما استعطتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم الأنفال الآية متفق عليه ورواه أحمد والنسائي وعن جرير بن عبد الله أي البجلي رضي الله عنه قال قال رأيت رسول الله وفي نسخة النبي يلوي أي يدير ويفتل ناصية فرس بأصبعه قال النووي أراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة وقال الخطابي قالوا كني بالناصية عن جميع ذات الفرس يقال فلان مبارك الناصية ومبارك الغرة أي الذات اه فهو مجاز بذكر الجزء وإرادة الكل نحو الرقبة والرأس وأمثالهما مما يطلق ويراد به الكل وهو يقول أي في


حال لي ناصية الفرس الخيل أي جنسها معقود بنواصيها أي في نواصيها كما في رواية الخير أي ملازم بها كأنه معقود فيها كذا في النهاية إلى يوم القيامة أي إلى قربه وفي شرح السنة فيه ترغيب في اتخاذ الخيل للجهاد وإن الجهاد لا ينقطع وقوله الأجر والغنيمة تفسيران للخير فهما بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الأجر والغنيمة وفيه أن المال المكتسب بها هو خير مال رواه مسلم وقال في الجامع الصغير الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة رواه مالك وأحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر ورواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن عروة بن الجعد والبخاري عن أنس ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة وأحمد عن أبي ذر وعن أبي سعيد والطبراني عن سوادة بن الربيع وعن النعمان بن بشير وعن أبي كبشة وروى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة بلفظ الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة والمنفق على الخيل كالباسط كفه بالنفقة لا يقبضها وفي رواية لأحمد والشيخين والترمذي والنسائي عن عروة البارقي بلفظ الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنم ورواه أحمد ومسلم والنسائي عن جرير وفي رواية الطبراني في الأوسط الخيل معقود في نواصيها الخير واليمن إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها قلدوها ولا تقلدوها الأوتار وفي رواية الطبراني في الكبير الخيل معقود بنواصيها الخير والنبل إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها والمنفق عليها كباسط يده في صدقته وأبوالها وأرواثها لأهلها عند الله يوم القيامة من مسك الجنة وفي رواية أحمد عن جابر الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها فامسحوا بنواصيها وادعوا لها بالبركة وقلدوها ولا تقلدوا الأوتار اه فهو حديث متواتر أو كاد أن يتواتر فهو مشهور بلا شبهة وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من احتبس فرسا في سبيل الله أي ربطه وحبسه على نفسه مما عسى


أن يحدث من غزو أو غير ذلك وقد يجيء
بمعنى الوقف قال التوربشتي حبسته واحتبس أيضا بنفسه يتعدى ولا يتعدى والمعنى أنه يحبسه على نفسه لسد ما عسى أن يحدث في ثغر من الثغور ثلمة إيمانا بالله مفعول له أي ربطه خالصا لله تعالى وامتثالا لأمره وتصديقا بوعده عبارة عن الثواب المرتب على الاحتباس وتلخيصه أنه احتبس امتثالا واحتسابا وذلك إن الله تعالى وعد الثواب على الاحتباس فمن احتبس فكأنه قال صدقتك فيما وعدتني فإن شبعه بكسر ففتح وريه بكسر فتشديد تحتية أي ما يشبعه ويرويه وروثه وبوله في ميزانه أي في ميزان صاحبه ثواب هذه الأشياء يوم القيامة رواه البخاري وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يكره الشكال بكسر أوله في الخيل ولفظ الجامع الصغير من الخيل والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى أو في يده اليمنى ورجله اليسرى أو للتنويع والظاهر أن هذا من كلام الراوي وليس من لفظ النبوة وإلا لكان نصا في المقصود وما وقع الإشكال في تفسير الشكال ثم وجه الكراهة مفوض إلى الشارع قال النووي في شرح مسلم كان رسول الله يكره الشكال وفسره في الرواية الثانية بأن يكون في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى أو يده اليمنى ورجله اليسرى وهذا التفسير هو أحد الأقوال في الشكال وقال أبو عبيد وجمهور أهل اللغة والغريب هو أن يكون منه ثلاث قوائم محجلة وواحدة مطلقة تشبيها بالشكال الذي يشكل به الخيل فإنه يكون في ثلاث قوائم غالبا قال أبو عبيد وقد يكون الشكال ثلاث قوائم مطلقة وواحدة محجلة ولا تكون المطلقة أو المحجلة إلا للرجل وقال ابن دريد الشكال أن يكون محجلا من شق واحد في يده ورجله فإن كان مخالفا قيل شكال مخالف قال القاضي وقال أبو عمرو والمطرز قيل الشكال بياض الرجل اليمنى واليد اليمنى وقيل بياض الرجل اليسرى واليد اليسرى وقيل بياض اليدين وقيل بياض الرجلين ويد واحدة وقيل بياض اليدين ورجل واحدة قال العلماء


وإنما كرهه لأنه على صورة المشكول يعني تفاؤلا وقيل يحتمل أن يكون قد جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة وقال بعض العلماء إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبه الشكال رواه مسلم وكذا أحمد والأربعة
وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله سابق بين الخيل التي أضمرت قال السيوطي الإضمار أن تعلف حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل بيتا وتغشى بالجلال حتى تحمي وتعرق فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري وقال التوربشتي الضمر الهزال وخفة اللحم وأراد بالإضمار التضمير وهو أن يعلف الفرس حتى يسمن ثم يرده إلى القوت وذلك في أربعين يوما وقد كانوا يشدون عليه السرج ويجللونه حتى يعرق تحته فيذهب رهله ويشتد لحمه وهذه المدة تسمى المضمار والموضع الذي يضمر فيه أيضا مضمار والرواية على ما ذكرنا والمشهور من كلام العرب التضمير فلعله من بعض الرواة أقام الإضمار موضع التضمير أو كانوا يستعملون ذلك اه وفي القاموس الضمر بالضم وبضمتين الهزال ولحاق البطن وضمر الخيل تضميرا علفها القوت بعد السمن كأضمرها اه فدل على أنهما لغتان من الحفياء بفتح الحاء وسكون الفاء يمد ويقصر موضع ومن لابتداء الغاية وأمدها بفتحتين أي نهايتها ثنية الوداع بكسر ففتح الواو ويكسر موضع آخر وأضيف الثنية إلى الوداع لأنها موضع التوديع وفي القاموس الثنية العقبة أو طريقها والجبل أو الطريقة فيه أو إليه وبينهما أي بين الحفياء والثنية ستة أميال أي فرسخان وسابق بين الخيل التي لم تضمر بالتخفيف من الثنية أي ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق بضم الزاي وفتح الراء اسم رجل وبينهما أي بين الثنية والمسجد ميل قال ابن الملك وإنما جعل غاية المضمرة أبعد لكونها أقوى وفيه جواز المسابقة بالخيل أيضا متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه قال كانت ناقة لرسول الله تسمى العضباء بفتح المهملة وسكون المعجمة فموحدة ممدودا المقطوعة الإذن أو المشقوقة وهي القصواء أو غيرها قولان ذكره


السيوطي وفي النهاية هو علم لها من قولهم ناقة عضباء أي مشقوقة الإذن ولم تكن مشقوقة الاذن وقال بعضهم إنها كانت مشقوقة الاذن والأول أكثر قال الزمخشري
هو منقول من قولهم ناقة عضباء وهي القصيرة اليد وكانت لا تسبق بصيغة المجهول أي لا تسبق عنها إبل قط فجاء أعرابي على قعود له بفتح القاف وضم العين ابل ذلول تقتعده كل أحد قال الطيبي القعود من الابل ما أمكن أن يركب وأدناه أن يكون له سنتان ثم هو قعود إلى السنة السادسة ثم هو جمل فسبقها فاشتد ذلك أي صعب سبقه إياها على المسلمين فقال رسول الله إن حقا على الله أي أمرا ثابتا أن لا يرتفع شيء من الدنيا أي من أمر الدنيا كما في رواية الجامع الصغير إلا وضعه أي الله قال الطيبي قوله على الله متعلق بحقا وأن لا يرتفع خبران وأن مصدرية فيكون معرفة والاسم نكرة فيكون من باب القلب أي أن عدم الارتفاع حق على الله على نحو قولهم كان مزاجها عسل ويمكن أن يتمحل بأن يقال على الله صفة حقا أي حقا ثابتا واجبا على الله وفيه وفي الذي قبله جواز المسابقة بالخيل والإبل رواه البخاري وكذا أحمد وأبو داود والنسائي
الفصل الثاني
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد أي بسبب رميه على الكفار ثلاثة نفر الجنة بالنصب فيهما على المفعولية صانعة بدل بعض من ثلاثة يحتسب أي حال كونه يطلب في صنعته أي لذلك السهم الخير أي الثواب والرامي به أي كذلك محتسبا وكذا قوله ومنبله بتشديد الموحدة ويخفف أي مناول النبل وهو السهم سواء كان ملك المعطي أو الرامي ففي النهاية يقال نبلت الرجل بالتشديد إذا ناولته النبل ليرمي به وكذلك أنبلته قال أبو عمرو الزاهد نبلته وأنبلته ونبلته ويجوز أن يراد بالنبل الذي يرد النبل على الرامي من الهدف اه واختاره ابن الملك قال فالضمير للرامي وفيه بحث وارموا واركبوا أي لا تقتصروا على الرمي ماشيا واجمعوا


بين الرمي والركوب أو المعنى اعلموا هذه الفضيلة وتعلموا الرمي والركوب بتأديب الفرس والتمرين عليه كما يشير إليه آخر الحديث وقال الطيبي عطف واركبوا يدل على المغايرة وإن الرامي يكون راجلا والراكب رامحا فيكون معنى قوله وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا أي أن الرمي بالسهم أحب إلي من الطعن بالرمح اه والأظهر أن معناه أن معالجة الرمي وتعلمه أفضل من تأديب الفرس وتمرين ركوبه لما فيه من الخيلاء والكبرياء ولما في الرمي من النفع الأعم ولذا قدمه تعالى في قوله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل الأنفال مع أنه لا دلالة في الحديث على الرمح أصلا ويؤيد ما ذكرناه تأكيده ما سبق بقوله كل شيء يلهو به الرجل أي يشتغل ويلعب به باطل لا ثواب له إلا رميه بقوسه احتراز عن رميه بالحجر والخشب وتأديبه فرسه أي تعليمه إياه بالركض والجولان على نية الغزو وملاعبته امرأته فإنهن من الحق أي وليس من اللهو الباطل فيترتب عليه الثواب الكامل وفي معناها كل ما يعين على الحق من العلم والعمل إذا كان من الأمور المباحة كالمسابقة بالرجل والخيل والإبل والتمشية للتنزه على قصد تقوية البدن وتطرية الدماغ ومنها السماع إذا لم يكن بالآلات المطربة المحرمة رواه الترمذي وابن ماجه أي إلى هنا وكذلك أحمد وزاد أبو داود والدارمي أي على ما سبق ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه أي إعراضا عن الرمي فإنه نعمة هذا علة لجواب الشرط المقدر أي فليس منا أو قد عصى فإنه أي الرمي نعمة تركها أي ترك شكرها أو أعرض عنها أو قال أي بدل تركها وهو شك من أحد الرواة فالضمير لمن قبله كفرها أي ستر تلك النعمة أو ما قام بشكرها من الكفران ضد الشكر وفي الجامع الصغير من ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها رواه الطبراني عن عقبة وعن أبي نجيح بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة السلمي بضم ففتح قال المؤلف اسمه عمرو بن عبسة بفتح العين والباء الموحدة وبالسين


المهملة رضي الله عنه أسلم قديما في أول الإسلام قيل كان رابع أربعة في الإسلام ثم رجع إلى قومه بني سليم وقد قال له النبي إذا سمعت أني خرجت فاتبعني فلم يزل مقيما بقومه حتى انقضت خيبر فقدم بعد ذلك على النبي وأقام بالمدينة وعداده في الشاميين روى عن
جماعة قال سمعت رسول الله يقول من بلغ بالتخفيف وفي نسخة بالتشديد بسهم في سبيل الله أي أوصله إلى كافر فهو له درجة فقوله ومن رمى بسهم في سبيل الله أي ولم يوصله إلى كافر فهو له عدل محرر بكسر العين ويفتح أي مثل ثواب معتق يكون تنزلا وقيل معناه من بلغ مكان الغزو ملتبسا بسهم وإن لم يرم فيكون ترقيا فالباء على الأول للتعدية وعلى الثاني للملابسة ويلائمه نسخة التشديد ومن شاب شيبة في الإسلام يعني أعم من أن يكون في الجهاد أو غيره كانت له نورا يوم القيامة فيه إشعار بالنهي عن نتف الشيب وعدم كراهته وإنما لم يقع له كثير من الشيب لأنه كان يحب النساء وهن بالطبع يكرهن الشيب وقد رأى أبو يزيد في مرآة وجهه فقال ظهر الشيب ولم يذهب العيب وما أدري ما في الغيب رواه أي الحديث بكماله من الفصول الثلاثة البيهقي في شعب الإيمان وروى أبو داود الفصل الأول أي الفقرة الأولى من الحديث والنسائي الأول و الثاني والترمذي الثاني والثالث وفي روايتهما لا يصح إرجاع الضمير إلى النسائي والترمذي مع أنهما أقرب مذكور لأن النسائي لم يرو الثالث فالمعنى وفي رواية البيهقي والترمذي من شاب شيبة في سبيل الله بدل في الإسلام وفيه إشكال وهو أن رواية البيهقي كما تقدمت إنما هي في الإسلام وجوابه أن معناه وفي رواية للبيهقي ورواية الترمذي أو في رواية لهما في سبيل الله دل في الإسلام أو المراد بقوله رواه البيهقي أنه روى هذا الحديث بكماله مع قطع النظر عن لفظه ثم قوله وفي روايتهما الخ تحقيق للفظه ويكون كالاعتراض على صاحب المصابيح والله أعلم قال الطيبي الرواية الثانية وهي من شاب شيبة في سبيل الله أنسب


بهذا المقام ومعناه من مارس المجاهدة حتى يشيب طاقة من شعر فله ما لا يوصف من الثواب بدل عليه تخصيص ذكر النور والتنكير فيه ومن روى في الإسلام بدل في سبيل الله أراد بالعام الخاص أو سمى الجهاد إسلاما لأنه عموده وذروة سنامه اه وهذا مبنى على أن صدور الفصول كانت منه متصلة في الكلام وإلا فالظاهر أنها جمل مفصلة أجملها الراوي في روايته ويدل عليه تفريقها في الجامع الصغير حيث قال من رمى بسهم في سبيل الله فهو له عدل محرر رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن أبي نجيح وقال من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة ورواه الترمذي والنسائي عن كعب بن مرة


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا سبق بفتحتين وفي نسخة بسكون الموحدة ففي النهاية هو بفتح الباء ما يجعل من المال رهنا على المسابقة وبالسكون مصدر سبقت أسبق وقال الخطابي الرواية الفصيحة بفتح الباء والمعنى لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في نصل أي للسهم أو خف أي للبعير أو حافر أي للخيل قال الطيبي ولا بد فيه من تقدير أي ذي نصل وذي خف وذي حافر وقال ابن الملك المراد ذو نصل كالسهم وذو خف كالإبل والفيل وذو حافر كالخيل والحمير أي لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في أحدها والحق بعض بها المسابقة بالإقدام وبعض المسابقة بالأحجار وفي شرح السنة ويدخل في معنى الخيل البغال والحمير وفي معنى الإبل الفيل قيل لأنه أغنى من الابل في القتال والحق بعضهم الشد على الأقدام والمسابقة عليها وفيه إباحة أخذ المال على المناضلة لمن نضل وعلى المسابقة على الخيل والإبل لمن سبق وإليه ذهب جماعة من أهل العلم لأنها عدة لقتال العدو أو في بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد قال سعيد بن المسيب ليس برهان الخيل بأس إذا أدخل فيها محلل والسباق بالطير والرجل والحمام وما يدخل في معناها مما ليس من عدة الحرب ولا من باب القوة على الجهاد فأخذ المال عليه قمار محظور وسئل ابن المسيب عن الدحو بالحجارة فقال لا بأس به يقال فلان يدحو بالحجارة أي يرمي بها رواه الترمذي وأبو داود والنسائي ولفظ الجامع الصغير لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل رواه أحمد والأربعة عن أبي هريرة وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من أدخل فرسا بين فرسين وفي نسخة بين الفرسين قال ابن الملك هذا إشارة إلى المحلل وهو من جعل العقد حلالا وهو أن يدخل ثالثا بينهما فإن كان يؤمن بصيغة المجهول وكذا قوله أن يسبق أي من أن يسبق قال الطيبي وتبعه ابن الملك أي يعمل ويعرف أن هذا الفرس سابق غير مسبوق فلا خير فيه بخلافه إذا لم يعمل ولم يعرف وهذا معنى قوله وإن كان لا يؤمن


أن
يسبق فلا بأس به رواه أي صاحب المصابيح بهذا اللفظ في شرح السنة أي بإسناده وفي رواية أبي داود قال من أدخل فرسا بين فرسين يعني وهو لا يأمن أن يسبق أشار بقوله يعني أنه رواية بالمعنى فليس بقمار بكسر القاف أي بمقامرة ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار وضبط في نسخ المصابيح لفظ أن يسبق بصيغة المعلوم في المواضع الأربعة قال المظهر اعلم أن المحلل ينبغي أن يكون على فرس مثل فرس المخرجين أو قريبا من فرسيهما في العدو فإن كان فرس المحلل جوادا بحيث يعلم المحلل أن فرس المخرجين لا يسبقان فرسه لم يجز بل وجوده كعدمه وإن كان لا يعلم أنه يسبق فرسي المخرجين يقينا أو أنه يكون مسبوقا جاز وفي شرح السنة ثم في المسابقة إن كان المال من جهة الإمام أو من جهة واحد من عرض الناس شرط للسابق من الفارسين مالا معلوما فجائز وإذا سبق استحقه وإن كان من جهة الفارسين فقال أحدهما لصاحبه أن سبقتني فلك علي كذا وإن سبقتك فلا شيء لي عليك فهو جائز أيضا فإذا سبق استحق المشروط وإن كان المال من جهة كل واحد منهما بأن قال لصاحبه إن سبقتك فلي عليك كذا وإن سبقتني فلك علي كذا فهذا لا يجوز إلا بمحلل يدخل بينهما أن سبق المحلل أخذ السبقين وإن سبق فلا شيء عليه وسمي محللا لأنه محلل للسابق أخذ المال فبالمحلل يخرج العقد عن أن يكون قمارا لأن القمار يكون الرجل مترددا بين الغنم والغرم فإذا دخل بينهما لم يوجد فيه هذا المعنى ثم إذا جاء المحلل أولا ثم جاء المستبقان معا أو أحدهما بعد الآخر أخذ المحلل السبقين وإن جاء المستبقان معا ثم المحلل فلا شيء لأحد وإن جاء أحد المستبقين أولا ثم المحلل والمستبق الثاني إما معا أو أحدهما بعد الآخر أحرز السابق سبقه وأخذ سبق المستبق الثاني وإن جاء المحلل وأحد المستبقين معا ثم جاء الثاني مصليا أخذ السابقان سبقه وعن عمران بن حصين قال قال رسول الله لا جلب بفتحتين أي لا صياح على الخيل والمعنى لا


يصوت على الفرس ليكون أشد عدوا ولا جنب بفتحتين وهو أن يجنب إلى جنب مركوبه فرسا آخر ليركبه إذا خاف أن يسبق ذكره ابن الملك وفي النهاية الجلب في الزكاة مر معناه وفي السباق أن يتبع الرجل فرسه رجلا فيزجره ويصيح حثا له على الجري والجنب في السباق أن يجنب فرسا إلى فرسه الذي سابق عليه فإذا فتر المركوب
تحول إلى المجنوب زاد يحيى في حديثه أي في مرويه قوله في الرهان قال ابن حجر بين أبو داود أن قوله في الرهان مدرج عن قتادة رضي الله عنه رواية وقال الطيبي هو قول أبي داود روي هذا الحديث بإسنادين إسناد ليس فيه يحيى بن خلف هذا ولا هذه الزيادة وإسناد فيه يحيى والزيادة وأما ما في المصابيح من قوله يعني في الرهان فهو تفسير مؤلفه كما قال الشيخ التوربشتي لعله فسر الحديث الذي ليس فيه هذه الزيادة اه وقال شارح أنه من كلام بعض الرواة ثم الرهان والمراهنة المراد منه المخاطرة والمسابقة على الخيل ذكره صاحب القاموس رواه أبو داود والنسائي أي هذا المقدار من الحديث ورواه الترمذي مع زيادة في باب الغصب والزيادة هي ولا شغار في الإسلام ومن انتهب نهبة فليس منا والشغار أن تشاغر الرجل بأن تزوجه أختك على أن يزوجك أخته مثلا وفي الجامع الصغير لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام رواه النسائي والضياء عن أنس رضي الله عنه وعن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي قال خير الخيل الأدهم قال التوربشتي الأدهم الذي يشتد سواده وقوله الأقرح الذي في وجهه القرحة بالضم وهي ما دون الغرة يعني فيه بياض يسير ولو قدر درهم وقوله الأرثم بالمثلثة أي في حجفلته العليا بياض يعني أنه الأبيض الشفة العليا وقيل الأبيض الأنف ثم أي بعد ما ذكر من الأوصاف المجتمعة في الفرس خير الخيل الأقرح المحجل والتحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منهما أو في رجليه قل أو كثر بعد أن يجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين طلق اليمين بضم الطاء واللام ويسكن إذا لم يكن في


إحدى قوائمها تحجيل فإن لم يكن أي الفرس أدهم أي أسود من الدهمة وهي السواد على ما في القاموس وفي نسخة برفع أدهم أي فإن لم يوجد أو لم يقع أدهم فكميت بالتصغير أي بأذنيه وعرفه سواد والباقي أحمر وقال التوربشتي الكميت من الخيل يستوي فيه المذكر والمؤنث والمصدر الكمية وهي حمرة يدخلها قترة وقال الخليل إنما صغر لأنه بين السواد والحمرة لم يخلص لواحد منهما فأرادوا بالتصغير أنه قريب منهما على هذه الشية بكسر الشين المعجمة وفتح التحتية أي العلامة وهي في الأصل كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره والهاء عوض عن الواو الذاهبة من أوله وهمزها لحن وهذه إشارة إلى الأقرح الأرثم ثم المحجل طلق اليمين رواه


أحمد والترمذي والدارمي وفي الجامع الصغير بلفظ خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجل ثلاث طلق اليمين الحديث رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عنه وعن أبي وهب الجشمي بضم وفتح قال المؤلف اسمه كنيته وله صحبة ورواية قال قال رسول الله عليكم اسم فعل بمعنى الزموا بكل كميت أغر أي في جبهته بياض كثير محجل أو أشقر الشقرة الحمرة الصافية قال الطيبي الفرق بين الكميت والأشقر بقترة تعلو الحمرة وبسواد العرف والذنب في الكميت أغر محجل أو أدهم أغر محجل أو فيهما للتنويع وظاهره الترتيب رواه أبو داود والنسائي وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله يمن الخيل أي بركتها في الشقر بضم أوله جمع أشقر وهو أحمر وفي رواية الجامع الصغير في شقرها رواه الترمذي وأبو داود وكذا الإمام أحمد وعن عتبة بضم ففوقية ساكنة ابن عبد السلمي مر ذكره قريبا أنه سمع رسول الله يقول لا تقصوا من القص وهو القطع أي لا تجزوا نواصي الخيل أي شعر مقدم رأسها ولا معارفها قال القاضي أي شعور عنقها جمع عرف على غير قياس وقيل هي جمع معرفة وهي المحل الذي ينبت عليها العرف فأطلقت على الأعراف مجازا ولا أذنابها فإن أذنابها مذابها أي مراوحها تذب بها الهوام عن أنفسها ومعارفها بالنصب عطف على أذنابها وبالرفع على أنه مبتدأ خبره دفاؤها بكسر الدال أي كساؤها الذي تدفأ به ونواصيها بالوجهين


معقود فيها الخير رواه أبو داود وعن أبي وهب الجشمي سبق آنفا قال قال رسول الله ارتبطوا الخيل أي لقوله تعالى ومن رباط الخيل الأنفال أي بالغوا في ربطها وإمساكها عندكم وامسحوا بنواصيها أي تلطفا بها وتنظيفا لها وإعجازها أو قال أكفالها بفتح الهمزة جمع عجز وهو الكفل قال ابن الملك يريد بهذا المسح تنظيفها من الغبار وتعرف حالها من السمن وقلدوها أي اجعلوا ذلك لازما لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق وقيل معناه اجعلوا في أعناق الخيل ما شئتم ولا تقلدوها الأوتار جمع الوتر بفتحتين أي لا تجعلوا أوتار القوس في أعناقها فتختنق لأن الخيل ربما رعت الأشجار أو حكت بها عنقها فيتشبث الأوتار ببعض شعبها فيخنقها وقيل إنما نهاهم عنها لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى فتكون كالمعوذة لها فنهاهم عنها واعلمهم أنها لا تدفع ضرا ولا تصرف حذرا وفي النهاية أي قلدوها طلب إعلاء الدين والدفاع عن المسلمين ولا تقلدوها أوتار الجاهلية التي كانت بينكم على أن الأوتار جمع وتر بكسر فسكون وهو الدم وطلب الثأر أي لا تركبوها لتطلبوا عليها أوتار الجاهلية ومداخلها التي كانت بينكم رواه أبو داود والنسائي وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله عبدا مأمورا أي بأوامره ومنهيا عن نواهيه أو مأمورا من الله بأن يأمر أمته بشيء وينهاهم عن شيء كذا قيل وقال القاضي أي مطواعا غير مستبد في الحكم ولا حاكم بمقتضى ميله وتشهيه حتى يخص من شاء بما شاء من الأحكام اه والأظهر أن يقال إنه كان مأمورا بتبليغ الرسالة عموما لقوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك المائدة الآية ما اختصنا أي أهل البيت يريد به نفسه وسائر أهل بيت النبوة دون الناس أي متجاوزا عنهم بشيء إلا بثلاث أي ما اختصنا بحكم لم يحكم به على سائر أمته ولم يأمرنا بشيء لم يأمرهم به إلا


بثلاث خصال أمرنا أن نسبغ الوضوء بضم أوله أي نستوعب ماءه أو نكمل أعضاءه قال في المغرب أي وجوبا لأن إسباغ الوضوء مستحب للكل وأن لا نأكل الصدقة وأن لا ننزي حمارا على فرس بالياء في آخره وفي نسخة بالهمز من أنزى الحمر على الخيل حملها عليه ولعله كان هذا نهي تحريم بالنسبة إليهم وقال القاضي الظاهر أن قوله أمرنا الخ تفصيل للخصال وعلى هذا ينبغي أن يكون الأمر أمر إيجاب وإلا لم يكن فيه اختصاص لأن إسباغ الوضوء مندوب على غيرهم وإنزاء الحمار على الفرس مكروه مطلقا الحديث على الآتي والسبب فيه قطع النسل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير فإن البغلة لا تصلح للكر والفر ولذلك لا سهم لها في الغنيمة ولا سبق فيها على وجه ولأنه علق بأن لا يأكل الصدقة وهو واجب فينبغي أن يكون قرينه أيضا كذلك وإلا لزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين اللهم إلا أن يفسر الصدقة بالتطوع أو الأمر بالمشترك بين الإيجاب والندب ويحتمل أن المراد به أنه ما اختصنا بشيء إلا بمزيد الحث والمبالغة في ذلك اه وفي الحديث رد بليغ على الشيعة حيث زعموا أن النبي اختص أهل البيت بعلوم مخصوصة ونظيره ما صح عن علي رضي الله عنه حين سئل هل عندكم شيء ليس في القرآن فقال والذي خلق الجنة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطي الرجل في كتابه وما في الصحيفة الحديث وقد سبق ذكره رواه الترمذي والنسائي وعن علي رضي الله عنه قال أهديت بصيغة المجهول أي أتيت هدية لرسول الله بغلة فركبها فقال علي لو حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذه وفي نسخة مثل ذلك أي المركوب وهو عطف على حملنا وجواب لو مقدر أي لكان حسنا أو للتمني فقال رسول الله إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون أي إن إنزاء الفرس على الفرس خير من ذلك لما ذكر من المنافع أو لا يعلمون أحكام الشريعة ولا يهتدون إلى ما هو أولى لهم وأنفع سبيلا قال الطيبي قوله لا يعلمون مطلق يحتمل أن يقدر مفعوله


بدلالة الحديث السابق أي لا يعلمون كراهيته وعلتها كما سبق وأن لا يقدر ويجري مجرى اللازم للمبالغة أي الذين ليسوا من أهل المعرفة في شيء وأنهم غير عارفين أنه بعيد عن الحكمة أو تغيير لخلق
الله ومال المظهر إلى كراهية ذلك حيث قال وإنزاء الحمار على الفرس جائز لأن النبي ركب البغل وجعله تعالى من النعم ومن على عباده بقوله والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة النحل قال الطيبي لعل الإنزاء غير جائز والركوب والتزين به جائزان كالصور فإن عملها حرام واستعمالها في الفرش والبسط مباح اه وفي تنظيره نظر لا يخفى رواه أبو داود والنسائي وعن أنس رضي الله عنه قال كانت قبيعة سيف رسول الله أي قبضته من فضة في النهاية هي التي تكون على رأس قائم السيف وقيل ما تحت شاربي السيف وفي القاموس قبيعة السيف كسفينة ما على طرف قبضته من حديد أو فضة وكذا ذكره الجوهري وفي شرح السنة فيه دليل على جواز تحلية السيف بالقليل من الفضة وكذلك المنطقة واختلفوا في تحلية اللجام والسرج فأباحه بعضهم كالسيف وحرم بعضهم لأنه من زينة الدابة وكذلك اختلفوا في تحلية سكين الحرب والمقلمة بقليل من الفضة فأما التحلية بالذهب فغير مباح في جميعها رواه الترمذي وأبو داود والنسائي والدارمي وعن هود رضي الله عنه بضم الهاء وسكون الواو على ما في المغني وذكر في الأزهار أنه قال الخطابي هوذة بن عبد الله رضي الله عنهما بفتح الهاء والذال المعجمة وبالتاء هكذا هو في بعض نسخ المصابيح وليس كذلك بل هو هود بضم الهاء وسكون الواو ودال مهملة بلا تاء سمى هود النبي ابن عبد الله بن سعد عن جده أي لأمه كذا قيل مزيدة بفتح الميم وكسر الزاي وسكون الياء على وزن كبيرة ذكره في التقريب وفي نسخة بفتح الميم والياء على وزن مسعدة قال المصنف هود بن عبد الله بن سعد البصري روى عن جده مزيدة ومعبد بن وهب الصحابيين وعنه طالب بن حجير وقال في حرف الميم في فصل الصحابة مزيدة بن جابر العبدي


يعد في البصريين وحديثه عندهم روى عنه هود بن عبد الله بن سعد وهو ابن ابنه ومزيدة بفتح الميم وسكون الزاي وفتح الياء تحتها نقطتان قال دخل أي
مكة رسول الله يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب قال التوربشتي حديث مزيدة لا يقوم به حجة إذ ليس له سند يعتد به ذكر صاحب الاستيعاب حديثه وقال إسناده ليس بالقوي وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال المؤلف حضر حجة الوداع مع أبيه وهو ابن سبع سنين روى عنه الزهري ومحمد بن يوسف أن النبي كان عليه يوم أحد بضمتين موضع معروف بالمدينة السكينة درعان قد ظاهر أي عاون بينهما بأن ليس أحدهما فوق الآخر من التظاهر بمعنى التعاون والتساعد كذا في النهاية وفيه إشارة إلى جواز المبالغة في أسباب المجاهدة وأنه لا ينافي التوكل والتسليم بالأمور الواقعة المقدرة رواه أبو داود وابن ماجه وعن ابن عباس قال كانت راية نبي الله وفي نسخة رسول الله سوداء قال ابن الملك أي ما غالب لونه أسود بحيث يرى من البعيد أسود لا أنه خالص السواد يعني لما سيأتي من أنها كانت من نمرة ولواؤه أبيض بالنصب على خبر كان ويجوز رفعه على الخبرية في النهاية الراية العلم الضخم وكان اسم راية النبي العقاب ويقال ربيت الراية أي ركزتها يعني أن ألفه منقلبة عن ياء وفي المغرب اللواء علم الجيش وهو دون الراية لأنه شقة ثوب يلوي ويشد إلى عود الرمح والراية علم الجيش ويكنى أم الحرب وهو فوق اللواء قال الأزهري والعرب لا تهمزها وأصلها الهمز وأنكر أبو عبيد والأصمعي الهمز أي في الراية وقال التوربشتي الراية هي التي يتولاها صاحب الحرب ويقاتل عليها وتميل المقاتلة إليها واللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دار وفي شرح مسلم الراية العلم الصغير واللواء الكبير قلت ويؤيده حديث بيدي لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة رواه الترمذي وابن ماجه وكذا الحاكم


وعن موسى بن عبيدة بالتصغير قال المؤلف في فصل التابعين هو الزيدي روى عن محمد بن كعب ومحمد بن إبراهيم التيمي وعنه شعبة وعبد الله بن موسى ومكي ضعفوه مولى محمد بن القاسم أي الخلاد العنبري المعروف بأبي العيناء مولى أبي جعفر المنصور أصله من اليمامة ومولده بالأهواز ومنشؤه بالبصرة كان من أحفظ الناس وأفصحهم لسانا وأسرعهم جوابا روى عنه جماعة ذكره المؤلف في التابعين قال أي موسى بعثني أي أرسلني محمد بن القاسم إلى البراء بن عازب هما صحابيان يسأله عن راية رسول الله أي عن لونها وكيفيتها فقال كانت سوداء مربعة قال القاضي أراد بالسوداء ما غالب لونه سواد بحيث يرى من البعيد أسود لا ما لونه سواد خالص لأنه قال من نمرة بفتح فكسر وهي بردة من صوف يلبسها الأعراب فيها تخطيط من سواد وبياض ولذلك سميت نمرة تشبيها بالنمر ويقال لها العباء أيضا رواه أحمد والترمذي وأبو داود وعن جابر رضي الله عنه أن النبي دخل مكة أي يوم الفتح ولواؤه أبيض رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه
الفصل الثالث
عن أنس رضي الله عنه قال لم يكن شيء أحب إلى رسول الله بعد النساء من الخيل أي للجهاد وقال الطيبي ذكر الخيل هنا كناية عن الغزو والمجاهدة في سبيل الله


وقرانه مع النساء هنا لإرادة التكميل كما جاء في حديث آخر حبب إلي الطيب والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة فإنه لما أخبر أن النساء كان أحب إلى رسول الله والخيل لمصلحة العباد على ما مر في حديث الاستغفار أحس في نفسه أن هذا الوصف يوهم أنه كان مائلا إلى معاشرة أرباب الخدور ومشتغلا بهن عن أعالي الأمور فكمل بقوله من الخيل ليؤذن بأنه مع ذلك مقدام يظل في الكر والفر مجاهد مع أعداء الله كما كمل في الحديث الآخر بقوله وجعل قرة عيني في الصلاة فآذن بأنه مجاهد مع نفسه واصل إلى مخدع القرب اه قيل وقد أعطى قوة أربعة آلاف رجل في الجماع فعلى هذا كان غاية في التصبر عنهن ونهاية في الامتناع عن اجتماعهن رواه النسائي وعن علي رضي الله عنه قال كانت بيد رسول الله قوس عربية أي منسوبة إلى العرب في الصناعة فرأى رجلا بيده قوس فارسية بكسر الراء ويسكن أي عجمية قال ما هذه أي القوس الفارسية ألقها أي اطرحها وعليكم بهذه أي القوس العربية وأشباهها أي في الهيئة ورماح القنا بفتح القاف جمع القناة أي برماح كاملة فإنها أي القصة يؤيد الله لكم بها أي بكل من القوس والرماح في الدين ويمكن لكم في البلاد يقال مكنته في الأرض تمكينا أثبته فيها قال الطيبي اسم أن ضمير القصة كقوله تعالى فإنها لا تعمي الأبصار الحج ولعل الصحابي رأى أن القوس الفارسية أقوى وأشد وأبعد مرمى فآثرها على


العربية زعما بأنها أعون في الحرب وفتح البلاد فأرشده بأنه ليس كما زعمت بل الله تعالى هو الذي ينصركم في الدين ويمكنكم في البلاد بعونه لا بعونكم ولا قوة أعدادكم وفي القاموس القوس مؤنث وقد تذكر وذو القوس حاجب بن زرارة أتى كسرى في جدب أصابهم بدعوة النبي يستأذنه لقومه أن يصيروا في ناحية من بلاده حتى يحيوا فقال إنكم معاشر العرب غدر حرص فإذا أذنت لكم أفسدتم البلاد وأغرتم على العباد قال حاجب إني ضامن للملك أن لا يفعلوا قال فمن لي بأن تفي قال أرهنك قوسي فضحك من حوله فقال كسرى ما كان ليسلمها أبدا فقبلها منه وأذن لهم ثم أحيى الناس بدعوة النبي وقد مات حاجب فارتحل عطارد ابنه رضي الله عنه إلى كسرى يطلب قوس أبيه فردها عليه وكساه حلة فلما رجع أهداها للنبي فباعها من يهودي بأربعة آلاف درهم رواه ابن ماجه


باب آداب السفر
أي من الغزو والحج وغيرهما
الفصل الأول
عن كعب بن مالك رضي الله عنهما أن النبي خرج يوم الخميس في غزوة تبوك غير منصرف بالعلية ووزن الفعل وفي نسخة بالصرف على أنه فعول وهو غير صحيح لأنه من البوك وهو على ما في النهاية تثوير الماء بعود ونحوه ليخرج الماء من الأرض وبه سميت غزوة تبوك فإنهم كانوا يبوكون وهو موضع في أرض الشام بينه وبين المدينة مسيرة شهر ووقع غزوته في سنة تسع من الهجرة وهي آخر غزواته بنفسه وكان يحب أن يخرج أي إذا غزا كما في رواية الجامع يوم الخميس قال التوربشتي اختياره يوم الخميس للخروج محتمل لوجوه أحدها أنه يوم مبارك يرفع فيه أعمال العباد إلى الله تعالى وقد


كانت سفراته لله وفي الله وإلى الله فأحب أن يرفع له فيه عمل صالح وثانيها أنه أتم أيام الأسبوع عددا وثالثها أنه كان يتفاءل بالخميس في خروجه وكان من سنته أن يتفاءل بالاسم الحسن والخميس الجيش لأنهم خمس فرق المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة فيرى في ذلك من الفأل الحسن حفظ الله له وإحاطة جنوده به حفظا وحماية وزاد القاضي ولتفاؤله بالخميس على أنه يظفر على الخميس الذي هو جيش العدو ويتمكن عليهم والأشرف أو لأنه يخمس فيه الغنيمة رواه البخاري وكذا أحمد وعن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله لو يعلم الناس ما في الوحدة أي من الضرر الديني والدنيوي لشغل باله وعدم مؤنس بحاله ما أعلم أي مقدار ما أعلمه وما فيهما موصولة والثانية بدل من الأولى ونافية في قوله ما سار راكب بليل وحده أي منفردا وقال الطيبي ما في الوحدة استفهامية علق العلم عن العمل والثانية موصولة والثالثة نافية قال المظهر فيه مضرة دينية إذ ليس من يصلي معه بالجماعة ومضرة دنياوية إذ ليس من يعينه في الحوائج قال الطيبي وكان من حق الظاهر أن يقال ما سار أحد وحده فقيده بالراكب والليل لأن الخطر بالليل أكثر فإن انبعاث الشر فيه أكثر والتحرز منه أصعب ومنه قولهم الليل أخفى للويل وقولهم أعذر الليل لأنه إذا أظلم كثر فيه العذر لا سيما إذا كان راكبا فإن له خوف وجل المركوب من النفور من أدنى شيء والتهوي في الوهدة بخلاف الراجل اه ويمكن أن يكون التقييد بالراكب ليفيد أن الراجل ممنوع بطريق الأولى ولئلا يتوهم أن الوحدة لا تطلق على الراكب كما لا يخفى رواه البخاري وكذا أحمد والترمذي وابن ماجه بلفظ لو يعلم الناس من الوحدة ما أعلم الحديث على ما في الجامع الصغير وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تصحب الملائكة أي ملائكة الرحمة لا الحفظة رفقة بضم أوله وفي نسخة بكسرها أي جماعة ترافقوا وهي


مثلثة الراء على ما في القاموس وقال النووي بكسر الراء وضمها فيها كلب أي لغير الصيد والحراسة ولا جرس بزيادة لا للتأكيد قال الطيبي جاز عطفه على قوله فيها كلب وإن كان مثبتا لأنه في سياق النفي في المغرب الجرس بفتحتين ما يعلق بعنق الدابة وغيره فيصوب قال النووي وسبب الحكمة في عدم مصاحبة الملائكة مع الجرس أنه شبيه بالنواقيس أو لأنه من المعاليق المنهى عنها لكراهة صوتها ويؤيده قوله أي الآتي مزامير الشيطان وهو مذهبنا ومذهب مالك وهي كراهة تنزيه وقال جماعة من متقدمي علماء الشام يكره الجرس الكبير دون الصغير اه وقال بعض العلماء جرس الدواب منهي عنه إذا اتخذ للهو وأما إذا كان فيه منفعة فلا بأس وفي شرح السنة روي أن جارية دخلت على عائشة وفي رجلها جلاجل فقالت عائشة أخرجوا عن مفرقة الملائكة وروي أن عمر رضي الله عنه قطع أجراسا في رجل الزبير وقال سمعت رسول الله يقول إن مع كل جرس شيطانا رواه مسلم وكذا أحمد وأبو داود والترمذي وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال الجرس مزامير الشيطان قال الطيبي أخبر عن المفرد بالجمع إما لإرادة الجنس أو لأن صوتها لا ينقطع كلما تحرك الخلق به لا سيما في السفر بخلاف المزامير المتعارفة كقوله الشاعر معي جياعا وصف المفرد بالجمع ليشعر بأن كل جزء من أجزاء المعي بمثابته لشدة الجوع وأضاف إلى الشيطان لأن صوته لم يزل يشغل الإنسان من الذكر والفكر والله أعلم رواه مسلم وكذا أحمد وأبو داود وعن أبي بشير رضي الله عنه بفتح موحدة وكسر معجمة الأنصاري قال المؤلف في فصل الصحابة هو قيس بن عبيد الله رضي الله عنه الأنصاري المزني قال ابن عبد البر صاحب الاستيعاب لا يوقف له على اسم صحيح ولا سيما من يؤمن به ويعتمد عليه وذكره ابن منده في الكنى ولم يسمه روى عنه جماعة مات بعد الحرة وكان قد عمر طويلا


أنه كان مع رسول الله في بعض أسفاره فأرسل رسول الله رسولا أي مقولا له لا يبقين بضم أوله وفتح القاف مؤكدا بالنون الثقيلة على صيغة المجهول من الإبقاء وفي نسخة بفتحها على صيغة المعلوم من البقاء والمعنى لا تتركن في رقبة بعير أي مثلا قلادة بكسر القاف وهي نائب الفاعل أو الفاعل من وتر بفتحتين واحد أوتار القوس أو قلادة شك من الراوي والمراد أنه بغير قيد قوله من وتر والمعي قلادة مطلقا إلا قطعت أي قلعت وإنما أمر بقطعها لأن الأجراس كانت متعلقة بها وهي من مزامير الشيطان ومانعة لمصاحبة الملائكة الرفقة التي هي فيها أو لئلا يتشبث بها العدو فيمنعها عن الركض قال الطيبي قوله لا يبقين إما صفة لرسولا أي أرسل رسولا ينادي في الناس بهذا أو حال من فاعل أرسل أي أرسل رسولا آمرا له أن ينادي بهذا والأول أظهر ومعنى الاستثناء إنما يستقيم إذا فسر لا يبقين بلا يتركن والاستثناء مفرغ والمستثنى منه أعم عام الأحوال في شرح السنة تأول مالك أمره بقطع القلائد على أنه من أجل العين وذلك أنهم كانوا يشدون بتلك الأوتار والقلائد التمائم ويعلقون عليها العوذ يظنون أنها تعصم من الآفات فنهاهم النبي عنها وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا وقال غيره إنما أمر بقطعها لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس قال النووي قال محمد بن الحسن وغيره معناه لا تقلدوها أوتار القسي لئلا يضيق على عنقها فيخنقها اه وقد سبق أنها ربما رعت الشجرة أو حكت بها عنقها فتشبث بها متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا سافرتم في الخصب بكسر المعجمة أي زمان كثرة العلف والنبات فأعطوا الإبل حقها أي حظها من الأرض أي من نباتها يعني دعوها ساعة فساعة ترعى إذ حقها من الأرض رعيها فيه وإذا سافرتم في السنة أي القحط أو زمان الجدب فأسرعوا عليها أي راكبين عليها السير مفعول أسرعوا والمعنى لا توقفوها في الطريق لتبلغكم المنزل قبل أن تضعف وإذا عرستم بتشديد


الراء أي نزلتم بالليل فيه تجريد إذ التعريس هو النزول في آخر الليل على ما في المصباح وقال صاحب القاموس أعرس القوم نزلوا في آخر الليل للاستراحة كعرسوا وهذا أكثر والظاهر أن المراد هنا النزول في الليل مطلقا كما يدل عليه تعليله عليه الصلاة والسلام بقوله
فاجتنبوا أي في نزولكم الطريق فإنها طرق الدواب أي دواب المسافرين أو دواب الأرض من السباع وغيرها ومأوى الهوام بالليل وهي بتشديد الميم جمع هامة كل ذات سم وقال النووي التعريس النزول في آخر الليل وللراحة فيه وقيل هو النزول في أي وقت كان من ليل أو نهار والمراد في الحديث الأول أرشد إليه صلوات الله وسلامه عليه لأن الحشرات ودواب الأرض وذوات السموم والسباع وغيرها تطرق في الليل على الطرق لتلقط ما سقط من المارة من مأكول ونحوه وفي رواية إذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها بكسر فسكون فتحتية أي أسرعوا عليها السير ما دامت قوية باقية النقي وهو المخ قال التوربشتي ومن الناس من يروي نقبها بالباء الموحدة بعد القاف ويرى الضمير فيه راجعا إلى الأرض ويفسر النقب بالطريق وليس ذلك بشيء وهو من التصحيفات التي زل فيها العالم فضلا عن الجاهل قال الأشرف في الصحاح نقب البعير بالكسر إذا رقت أخفافه وأنقب الرجل إذا نقب بعيره ونقب الخف الملبوس إذا تخرقت فيمكن أن يجعل هذا اللفظ بهذا المعنى فلا يكون تصحيفا قلت حكم الشيخ عليه بالتصحيف فرع عدم ثبوته ووجود ثبوت الرواية بغيره فبمثل هذا الاحتمال من الدراية لا يرتفع كونه تصحيفا في الرواية لأنه لم يدع أنه ليس له معنى حتى يرد عليه ما ذكره من المبنى وفي شرح مسلم للنووي نقيها بكسر النون وإسكان القاف وهو المخ اه والظاهر أنه منصوب على أنه مفعول بادروا وعليه الأصول من النسخ المضبوطة قال الطيبي يحتمل الحركات الثلاث أن يكون منصوبا مفعولا به وبها حال منه أي بادروا نقيها إلى المقصد ملتبسا بها أو من الفاعل أي ملتبسين بها ويجوز أن تكون


الباء سببية أي بادروا بسبب سيرها نقيها وأن تكون للاستعانة أي بادروا نقيها مستعينين بسيرها ويجوز أن يكون مرفوعا فاعلا للظرف وهو حال أي بادروا إلى المقصد ملتبسا بها نقيا أو مبتدأ والجار والمجرور خبره والجملة حال كقولهم فوه إلى في وأن يكون مجرورا بدلا من الضمير المجرور والمعنى سارعوا بنقيها إلى المقصد باقية النقي فالجار والمجرور حال وليت شعري كيف يستقيم المعنى مع إرادة نقب الخف اه ملخصا رواه مسلم وكذا أبو داود والترمذي وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال بينما نحن أي معاشر الصحابة في سفر مع رسول الله إذ جاء رجل وفي نسخة صحيحة إذ جاءه رجل على راحلة أي ضعيفة فجعل أي شرع وطفق يضرب أي الراحلة يمينا وشمالا أي بيمينه وشماله أو يمينها


وشمالها لعجزها عن السير وقيل يضرب عينيه إلى يمينه وشماله أي يلتفت إليهما طالبا لما يقضي له حاجته فقال رسول الله من كان معه فضل ظهر أي زيادة مركوب عن نفسه فليعد به أي فليرفق به على من لا ظهر له ويحمله على ظهره من عاد علينا بمعروف أي رفق بنا كذا في أساس البلاغة ومن كان له فضل زاد أي منه ومن دابته فليعد به على من لا زاد له أي مقدار كفايته ولعله أطلع على أنه تعبان من قلة الزاد أيضا أو ذكره تتميما وقصدا إلى الخير تعميما قال المظهر أي طفق يمشي يمينا وشمالا أي يسقط من التعب إذ كانت راحلته ضعيفة لم يقدر أن يركبها فمشى راجلا ويحتمل أن تكون راحلته قوية إلا أنه قد حمل عليها زاده وأقمشته ولم يقدر أن يركبها من ثقل حملها فطلب له من الجيش فضل ظهر أي دابة زائدة على حاجة صاحبها قال الطيبي في توجهيه إشكال لأن على راحلته صفة رجل أي راكب عليها وقوله فجعل عطف على جاء بحرف التعقيب اللهم إلا أن يتمحل ويقال إنه عطف على محذوف أي فنزل فجعل يمشي أقول الأظهر أن يقال التقدير حامل متاعه على راحلته أو على بمعنى مع كقوله تعالى وآتى المال على حبه البقرة قال الطيبي الأوجه أن يقال أن يضرب مجاز عن يلتفت لا عن يمشي وبهذا أيضا يسقط الاحتمال الثاني الذي يأباه المقام ويشهد له ما روي في صحيح مسلم قال النووي جاء رجل على راحلة فجعل يضرب بصره يمينا وشمالا هكذا في بعض النسخ وفي بعضها يصرف يمينا وشمالا وليس فيها ذكر بصره وفي بعضها يضرب بالضاد المعجمة والمعنى يصرف بصره متعرضا بشيء يدفع بها حاجته وفيه حث على الصدقة والمواساة والإحسان إلى الرفقة والأصحاب والاعتناء بمصالحهم والسعي في قضاء حاجة المحتاج بتعرضه للعطاء وتعريضه من غير سؤال وإن كانت له راحلة وعليه ثياب أو كان موسرا في وطنه فيعطي من الزكاة في هذا الحال والله أعلم قال أي أبو سعيد فذكر أي النبي من أصناف المال كالثوب والنعال والقربة والماء والخيمة والنقود ونحوها


حتى رأينا أي ظننا أنه أي الشأن لاحق لأحد منا في فضل رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله السفر أي جنسه قطعة من العذاب أي نوع من عذاب جهنم لقوله تعالى سأرهقه صعودا المدثر
ففي حديث رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد الصعود جبل من نار يتصعد فيه الكافر سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبدا وقال النووي سمي السفر قطعة من العذاب لما فيه من المشقة والتعب ومعاناة الحر والبرد والخوف والسري ومفارقة الأهل والأصحاب وخشونة العيش قلت وأما ما اشتهر على الألسنة من أن السفر قطعة من السقر فغير ثابت المبنى ولعله نقل بالمعنى وأما ما روي عن علي كرم الله وجهه لولا أن هذا قوله لعكست وقلت السقر قطعة من السفر فالظاهر أنه غير صحيح عنه لأنه زيادة في المبالغة أولا وفوت للمعنى المقصود من الصعود وخروج عن معنى البعضية المستفاد من الاعتبارات الخطبية والحسابات الجملية يمنع أي السفر أحدكم نومه وطعامه وشرابه أي عن الوجه الأكمل وهو استئناف بيان أو حال فإذا قضى أي أحدكم نهمته بفتح فسكون أي حاجته من وجهه قال التوربشتي النهمة بلوغ الهمة في الشيء وقد نهم بكذا فهو منهوم أي مولع به قال الطيبي ومن وجهه متعلق بقضى أي إذا حصل مقصوده من جهته وجانبه الذي توجه إليه فليعجل بفتح الجيم وفي نسخة بالتشديد ففي القاموس عجل كفرح أسرع وعجل تعجيلا أي فليبادر إلى أهله أي وبلده قال الخطابي فيه الترغيب في الإقامة لئلا تفوته الجمعة والجماعات والحقوق الواجبة للأهل والقرابات وهذا في الأسفار غير الواجبة ألا تراه يقول فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله أشار إلى السفر الذي له نهمة وأرب من تجارة أو تقلب دون السفر الواجب كالحج والغزو اه والظاهر أن النهمة بمعنى الحاجة مطلقا وإن الحكم عام ويؤيده ما رواه الحاكم والبيهقي عن عائشة مرفوعا إذا قضى أحدكم حجة فليعجل الرجوع إلى أهله فإنه أعظم لأجره وفي شرح السنة فيه دليل على


تغريب الزاني فإن الله تعالى قال وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين النور والتغريب عذاب كالجلد قلت لا شك أن التغريب عذاب لكن الكلام في أنه المراد أم لا والخلاف في أنه حد أو سياسة متفق عليه ورواه مالك وأحمد وابن ماجه ولفظ الجامع الصغير فليعجل الرجوع إلى أهله وعن عبد الله بن جعفر هو ابن أخي علي كرم الله وجهه ورضي عنهم قال
كان رسول الله إذ قدم من سفر تلقى ماض مجهول من التلقي وفي نسخة مضارع مجهول من باب التفعيل أي يستقبل بصبيان أهل بيته أي من أولاد أعمامه وأنه بكسر الهمزة قدم من سفر فسبق بصيغة المفعول أي بودر بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة يعني أحد الحسنين فأردفه خلفه قال أي عبد الله فأدخلنا بصيغة المجهول أي فأدخلنا الله المدينة ثلاثة قال الطيبي حال موطئة أي ثلاثة كائنة على دابة كقوله تعالى لسانا عربيا رواه مسلم وكذا أحمد وأبو داود وعن أنس رضي الله عنه أنه أي أنسا أقبل أي عن سفر هو أي أنس وأبو طلحة أي زوج أمه مع رسول الله أي مرافقين له ومع النبي صفية فيه تفنن ووضع الظاهر موضع الضمير لدفع توهم رجعه إلى أبي طلحة أو أنس مردفها حال من النبي أي جاعل صفية مردفها على راحلته قال الطيبي أكد المستتر ليعطف المظهر عليه ومع النبي ظرف أقبل أو حال أي مصاحبين للنبي وقوله مردفها حال من النبي والعامل متعلق الظرف كأنهم أقبلوا من سفر على هذه الهيئة والحالة وكذا صرح في شرح السنة عن أنس قال أقبلنا من خيبر وبعض نساء النبي رديفه رواه البخاري وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله لا يطرق بضم الراء أي لا يأتي أهله ليلا فيه تجريد ففي النهاية الطروق من الطرق وهو الدق وسمي الآتي بالليل طارقا لحاجته إلى دق الباب قلت أو مأخوذ من الطارق بمعنى النجم الناقب لظهوره ليلا وكان أي النبي لا يدخل إلا غدوة بضم أوله أو فتحه وفي نسخة بفتحتين ففي القاموس الغدوة بالضم البكرة أو ما بين صلاة الفجر


وطلوع الشمس كالغداة وفي النهاية الغد وسير أول النهار والغدوة مرة منه والغدوة بالضم ما بين صلاة الغدوة وطلوع الشمس أو
عشية في النهاية العشي ما بعد الزوال إلى المغرب وفي القاموس العشي والعشية آخر النهار قال الطيبي لم يرد بالعشية الليل لقوله لا يطرق أهله ليلا وإنما المراد بعد صلاة العصر كقوله تعالى وعشيا وحين تظهرون الروم الكشاف عشيا صلاة العصر وتظهرون صلاة الظهر اه وفيه أن الكشاف بين المعنى المراد في الآية بقرينة تظهرون لا أنه تفسير لغوي متفق عليه ورواه أحمد والنسائي وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا أطال أحدكم الغيبة أي في سفره فلا يطرق أهله ليلا في شرح السنة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال فطرق رجلان بعد نهي النبي فوجد كل واحد منهما مع امرأته رجلا متفق عليه ورواه أحمد وعنه أي عن جابر رضي الله عنه أن النبي قال إذا دخلت أي قاربت دخول بلدك يعني ليلا كما في نسخة صحيحة فلا تدخل على أهلك أي ليلا أو على غفلة حتى تستحد المغيبة بضم الميم وكسر الغين أي حتى تستعد بالنظافة التي غاب عنها زوجها مستقبلة لوصوله على أحسن الوجوه ولذا قال وتمتشط الشعثة بفتح فكسر أي تعالج بالمشط المتفرقة الشعر لتصون القادم من سوء المنظر وقال التوربشتي الاستحداد حلق شعر العانة وأغابت المرأة إذا غاب عنها زوجها فهي مغيبة بالهاء وشذ بلا هاء وأراد بالاستحداد أن تعالج شعر عانتها بما منه المعتاد من أمر النساء يعني من النتف والتنور ولم يرد به استعمال الحديد فإن ذلك غير مستحسن في أمرهن قال النووي هذه كلها تكره لمن طال سفره وأما من كان سفره قريبا يتوقع إتيانه ليلا فلا بأس لقوله إذا طال الرجل الغيبة وكذا إذا كان في قفل عظيم أو عسكر ونحوهم واشتهر قدومهم وعلمت امرأته وأهله أنه قادم فلا بأس بقدومه


ليلا لزوال المعنى الذي هو سببه فإن المراد التهيؤ وقد حصل ذلك قلت لكن لا بد من دق الباب وانتظار الجواب متفق عليه وعنه أي عن جابر رضي الله عنه أن النبي لما قدم بكسر الدال أي جاء ونزل المدينة أي بعد الهجرة أو بعد غزوة نحر جزورا بفتح فضم في النهاية الجزور البعير ذكرا كان أو أنثى إلا أن اللفظ مؤنث تقول هذه الجزور وإن أردت ذكرا أو بقرة شك من الراوي أي السنة لمن قدم من السفر أن يضيف بقدر وسعه ذكره الطيبي وقال ابن الملك الضيافة سنة بعد القدوم رواه البخاري وعن كعب بن مالك رضي الله عنهما قال كان النبي لا يقدم من سفر إلا نهارا في الضحى فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه أي قبل أن يجلس ركعتين أي تحية المسجد أو صلاة الضحى ثم جلس فيه للناس أي لمقالاتهم وسؤالاتهم وجواباتهم وحكوماتهم متفق عليه وقد سبق هذا الحديث بعينه في باب المساجد أول الكتاب ورواه أبو داود والنسائي عنه وروى الطبراني والحاكم عن أبي ثعلبة أنه كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم يثني بفاطمة ثم يأتي أزواجه وعن جابر رضي الله عنه قال كنت مع النبي في سفر فلما قدمنا المدينة قال لي أدخل المسجد فصل فيه ركعتين فثبت استحباب دخول المسجد المسافر وصلاته فيه
بحديثه فعلا وقولا وفيه إشعار إلى تعظيم شعائر الله وإشارة إلى أن المسجد بمنزلة بيت من بيوت الله تعالى وإن زائره زائر له سبحانه وتعالى رواه البخاري
الفصل الثاني


عن صخر بن وداعة رضي الله عنه بفتح الواو الغامدي قال المؤلف في فصل الصحابة هو ابن عمرو بن عبد الله بن كعب من الأزد سكن الطائف وهو معدود من أهل الحجاز قال قال رسول الله اللهم بارك أي أكثر الخير لأمتي في بكورها أي صباحها وأول نهارها والإضافة لأدنى ملابسة وهو يشمل طلب العلم والكسب والسفر وغيرها وكان أي النبي إذا بعث سرية أو جيشا أو للتنويع وقد سبق الفرق بينهما بعثهم من أول النهار أي مطابقة لدعائه وكان صخر تاجرا فيه تجريد أو التفات والأظهر أنه من كلام الراوي عنه فكان يبعث تجارته أي مالها أول النهار فأثرى أي صار ذا ثروة أي مال كثير وكثر ماله عطف تفسير لقوله أثرى قال المظهر المسافرة سنة في أول النهار وكان صخر هذا يراعي هذه السنة وكان تاجرا يبعث ماله في أول النهار إلى السفر للتجارة فكثر ماله ببركة مراعاة السنة لأن دعاءه مقبول لا محالة رواه الترمذي وأبو داود والدارمي وكذا ابن ماجه وفي رواية له عن أبي هريرة بلفظ اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم الخميس وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله عليكم بالدلجة بضم فسكون اسم من أدلج القوم بتخفيف الدال إذا ساروا أول الليل ومنهم من جعل الأدلاج سير


الليل كله وكأنه المعنى به في الحديث لأنه عقبه بقوله فإن الأرض تطوي بالليل بصيغة المجهول أي تقطع بالسير في الليل وقال المظهر والدلجة أيضا اسم من أدلجوا بفتح الدال وتشديدها إذا ساروا آخر الليل يعني لا تقنعوا بالسير نهارا بل سيروا بالليل أيضا فإنه يسهل بحيث يظن الماشي أنه سار قليلا وقد سار كثيرا رواه أبو داود وكذا الحاكم والبيهقي وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أن رسول الله قال الراكب أي إذا كان وحده شيطان لفوات الجماعة وتعسر المعيشة وعدم المعونة عند الحاجة وإمكان المنية والراكبان شيطانان إذ ربما مات الواحد أو مرض واضطر الآخر بغير مساعد له الثلاثة ركب بفتح فسكون أي جماعة وفي الحديث يد الله على الجماعة وفي النهاية الركب اسم من أسماء الجموع كنفر ورهط ولذا صغر على لفظه وقيل جمع راكب كصحب جمع صاحب ولو كان كذلك لقيل في تصغيره رويكبون كما يقال صويحبون والراكب في الأصل هو راكب الإبل خاصة ثم اتسع فيه وأطلق على كل من ركب دابة قال المظهر يعني مشي الواحد منفردا منهي وكذلك مشى الاثنين ومن ارتكب منهيا فقد أطاع الشيطان ومن أطاعه فكأنه هو ولذا أطلق اسمه عليه وفي شرح السنة معنى الحديث عندي ما روي عن سعيد بن المسيب مرسلا الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في رجل سافر وحده أرأيتم إن مات من أسأل عنه وقال الخطابي المنفرد في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه ولا عنده من يوصي إليه في ماله ويحتمل تركته إلى أهله ويورد خبره عليهم ولا معه في السفر من يعينه على الحمولة فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا وتناوبوا المهنة والحراسة وصلوا الجماعة وأحرزوا الحظ فيها رواه مالك والترمذي وأبو داود والنسائي وكذا أحمد والحاكم


وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال إذا كان ثلاثة أي مثلا في سفر والمعنى أنه إذا كان جماعة وأقلها ثلاثة وكذا إذا كان اثنان وإنما اقتصر على الثلاثة لما سبق أن الراكبان شيطانان فليؤمروا أحدهم أي فليجعلوا أميرهم أفضلهم وفي شرح السنة إنما أمرهم بذلك ليكون أمرهم جميعا ولا يقع بينهم خلاف فيتعبوا فيه وفيه دليل على أن الرجلين إذا حكما رجلا بينهما في قضية فقضى بالحق نفذ حكمه رواه أبو داود وروى أحمد ومسلم والنسائي عن أبي سعيد وإن كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم وروى البزار عن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين إذا سافرتم فليؤمكم أقرؤكم وإن كان أصغركم وإذا أمكم فهو أميركم وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي قال خير الصحابة بالفتح جمع صاحب ولم يجمع فاعل على فعالة غير هذا كذا في النهاية أربعة أي ما زاد على ثلاثة قال أبو حامد المسافر لا يخلو عن رحل يحتاج إلى حفظه وعن حاجة يحتاج إلى التردد فيها ولو كانوا ثلاثة لكان المتردد واحد فيبقى بلا رفيق فلا يخلو عن خطر وضيق قلب لفقد الأنيس ولو تردد اثنان كان الحافظ وحده قال المظهر يعني الرفقاء إذا كانوا أربعة خير من أن يكونوا ثلاثة لأنهم إذا كانوا ثلاثة ومرض أحدهم وأراد أن يجعل أحد رفيقيه وصي نفسه لم يكن هناك من يشهد بإمضائه إلا واحد فلا يكفي ولو كانوا أربعة كفى شهادة اثنين ولأن الجمع إذا كانوا أكثر يكون معاونة بعضهم بعضا أتم وفضل صلاة الجماعة أيضا أكثر فخمسة خير من أربعة وكذا كل جماعة خير ممن هو أقل منهم لا ممن فوقهم وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب بصيغة المجهول أي لن يصير مغلوبا اثنا عشر ألفا قال الطيبي جميع قرائن الحديث دائرة على الأربع واثنا عشر ضعفا أربع ولعل الإشارة بذلك إلى الشدة والقوة واشتداد ظهرانيهم تشبيها بأركان البناء وقوله من قلة معناه أنهم لو صاروا مغلوبين لم يكن للقلة بل لأمر آخر


سواها وإنما لم يكونوا قليلين والأعداء مما لا يعد ولا يحصى لأن كل أحد من هذه الأثلاث جيش قوبل بالميمنة أو الميسرة أو القلب
فليكفها ولأن الجيش الكثير المقاتل منهم بعضهم وهؤلاء كلهم مقاتلون ومن ذلك قول بعض الصحابة يوم حنين وكانوا اثني عشر ألفا لن نغلب اليوم من قلة وإنما غلبوا عن إعجاب منهم قال تعالى ويوم حنين إذا أعجتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا التوبة وكان عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من مسلمي فتح مكة رواه الترمذي وأبو داود والدارمي وكذا الحاكم وقال الترمذي هذا حديث غريب ولفظ الجامع ولا تهزم اثنا عشر ألفا من قلة وعن جابر رضي الله عنه قال كان رسول الله يتخلف في المسير أي يعقب أصحابه في السير تواضعا وتعاونا فيزجي بضم الياء وسكون الزاي وكسر الجيم أي فيسوق الضعيف أي مركبه ليلحقه بالرفاق ويردف من الإرداف أي يركب خلفه الضعيف من المشاة ويدعو لهم أي لجميعهم أو لباقيهم فالحاصل أنه كان مددهم وعددهم رواه أبو داود وكذا الحاكم وعن أبي ثعلبة الخشني بضم ففتح رضي الله عنه قال المؤلف هو مشهور بكنيته بايع النبي بيعة الرضوان وأرسله إلى قومه فأسلموا نزل الشام ومات بها سنة خمس وخمسين قال كان الناس أي من الصحابة إذا نزلوا منزلا أي في السفر تفرقوا في الشعاب بكسر أوله جمع الشعب وهو الطريق وقيل الطريق في الجبل والأودية جمع الوادي وهو المسيل مما بين الجبلين فقال رسول الله إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم أي تفرقكم من الشيطان أي ليخوف أولياء الله ويحرك أعداءه قال الطيبي وقع موقع خبران كما في قوله تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنم


استزلهم الشيطان آل عمران والتركيب من باب الترديد للتعليق كقوله الشاعر لو مسها حجر مسته سراء أي لو مسها حجرا لسرته فإن إن زيدت للتوكيد وطول الكلام وما لتكفها عن العمل وأصل التركيب إن تفرقكم في هذه الشعاب ذلكم من الشيطان فلم ينزلوا أي الناس بعد ذلك أي القول منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال لو بسط بصيغة المجهول أي لو أوقع عليهم ثوب لعمهم أي لشمل جميعهم رواه أبو داود وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كنا أي أصحاب رسول الله يوم بدر أي في غزوته كل ثلاثة أي من الأنفار على بعير أي عقبة ومناوية فكان أي من جملتنا أبو لبابة وهو رفاعة بن عبد المنذر الأنصاري الأوسي غلبت عليه كنيته وكان من النقباء وشهد العقبة وبدرا والمشاهد بعدها وقيل لم يشهد بدرا بل أمره رسول الله على المدينة وضرب له بسهم مع أصحاب بدر مات في خلافة علي بن أبي طالب روى عنه ابن عمر ونافع وغيرهما ذكره المؤلف وعلي بن أبي طالب أي كلاهما زميلي رسول الله بفتح الزاي وكسر الميم أي عديليه ففي النهاية الزميل العديل الذي حمله مع حملك على البعير وقد زاملني عادلني والزميل أيضا الرفيق وقال بعض الشراح أي رديفيه يكونان معه على الزاملة وهي البعير الذي يحمل المسافر عليه طعامه ومتاعه اه والأظهر أن الزميل هو الذي يركب معك على دابة واحدة بالنوبة بقرينة ما بعده وهو قال أي ابن مسعود فكانت أي القصة وفي نسخة وكان أي الشان إذا جاءت وفي نسخة إذا جاء عقبة رسول الله بضم فسكون أي نوبة نزوله قالا أي أبو لبابة وعلى نحن نمشي عنك أي نمشي مشيا عوضا عن مشيك وقال الطيبي ضمن المشي معنى الاستغناء أي نستغنيك عن المشي يعني نمشي بدلك قال ما أنتما أي لستما بأقوى مني أي في الدنيا وما أنا أي ولست بأغنى عن الأجر منكما أي في العقبى قال الطيبي فيه إظهار غاية التواضع منه والمواساة مع الرفقة والافتقار إلى الله تعالى رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي


بإسناده
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي لا تتخذوا أي لا تجعلوا ظهور دوابكم منابر والمعنى لا تجلسوا على ظهورها فتوقفونها وتحدثون بالبيع والشراء وغير ذلك بل انزلوا واقضوا حاجاتكم ثم اركبوا قال الطيبي قوله منابر كناية عن القيام عليها لأنهم إذا خطبوا على المنابر قاموا اه والمراد بالقيام الوقوف لا الشخوص قال الخطابي قد ثبت أن النبي خطب على راحلته واقفا عليها فدل ذلك على أن الوقوف على ظهورها إذا كان لأرب أو لبلوغ وطر لا يدرك مع النزول إلى الأرض مباح وإنما النهي انصرف إلى الوقوف عليها لا لمعنى يوجبه فيتعب الدابة من غير طائل وكان مالك بن أنس يقول الوقوف على ظهور الدواب بعرفة سنة والقيام على الإقدام رخصة فإن الله تعالى إنما سخرها لكم أي الدواب والجمال والخيل والبغال والحمير لتبلغكم بتشديد اللام ويخفف أي لتوصلكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه أي واصلين إليه إلا بشق الأنفس بكسر أوله أي مشقتها أو تعبها وجعل لكم الأرض أي بساطا وقرارا فعليها أي على الأرض لا على الدواب اقضوا حاجاتكم قال الطيبي الفاء الأولى للسببية والثانية للتعقيب أي إذا كان كذلك فعلى الأرض اقضوا حاجاتكم لا على الدواب ثم عقبه بقوله فاقضوا حاجاتكم تفسيرا للمقدر ففيه توكيد مع التخصيص وجمع الحاجات وإضافها إلى سائر المخاطبين ليفيد العموم يعني خصوا الأرض بقضاء حاجاتكم المختلفة الأنواع ويكفيكم من الدواب أن تبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس رواه أبو داود وعن أنس قال كنا أي معشر الصحابة إذا نزلنا منزلا لا نسبح أي لا نصلي حتى نحل بفتح النون وضم الحاء أي حتى نفك الرحال أي الأحمال عن ظهور الجمال شفقة عليها وسببا لجمع الخاطر عنها وعن الالتفات إليها وفي نسخة نحل بصيغة المجهول مذكرا ومؤنثا ورفع الرحال قال الطيبي قيل أراد بالتسبيح صلاة الضحى والمعنى أنهم كانوا مع اهتمامهم بأمر الصلاة لا يباشرونها حتى يحطوا الرحال ويريحوا


الجمال رفقا بها وإحسانا إليها رواه أبو داود
عن بريدة بالتصغير وتقدم ذكره قال بينما رسول الله يمشي إذ جاءه رجل معه حمار فقال يا رسول الله اركب وتأخر الرجل أي وأراد أن يركب خلفه متأخرا عنه أو تأخر الرجل عن حماره أدبا عن أن يركب معه فيكون كناية عن التخلية فقال رسول الله لا أي لا أركب وحدي أو في الصدر أنت أحق بصدر دابتك صدرها من ظهرها ما يلي عنقها قال الطيبي لا ههنا حذف فعله وأنت أحق تعليل له أي لا أركب وأنت تأخرت لأنك أحق بصدر دابتك إلا أن تجعله أي الصدر لي أي صريحا قال جعلته لك فركب أي على صدرها فيه بيان إنصاف رسول الله وتواضعه وإظهار الحق المر حيث رضي أن يركب خلفه ولم يعتمد على غالب رضاه رواه الترمذي وأبو داود وعن سعيد بن أبي هند رضي الله عنه قال المؤلف هو مولى سمرة روى عن أبي موسى وأبي هريرة وابن عباس وعنه ابنه عبد الله ونافع بن عمر الجمحي ثقة مشهور عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال قال رسول الله تكون بالتأنيث وفي نسخة بالتذكير أي ستوجد وتحدث إبل للشياطين يريد بها المعدة للتفاخر والتكاثر ولم يقصد بها أمرا مشروعا ولم تستعمل فيما يكون فيه قربة وبيوت بكسر الباء وضمها أي مساكن للشياطين أي إذا كانت زائدة على قدر الحاجة أو مبنية من مال الحرام أو للرياء والسمعة فأما ابل الشياطين فقدر رأيتها أي في زماني هذا من كلام الراوي وهو أبو هريرة والحديث هو ذلك المحمل السابق يخرج أحدكم استئناف بيان بنجيبات معه جمع نجيبة وهي الناقة المختارة ففي النهاية النجيب من الإبل القوي منها الخفيف السريع قد أسمنها أي للزينة فلا يعلو أي لا يركب بعيرا منها ويمر أي في السفر بأخيه أي في الدين قد انقطع به على صيغة المجهول أي كل عن السير فالضمير للرجل المنقطع وبه نائب الفاعل والجملة حال فلا يحمله أي فلا يركب أخاه الضعيف عليها وهذا لأن الدواب إنما خلقت للانتفاع بها بالركوب والحمل عليها فإذا لم يحمل عليها من أعيا


في الطريق فقد أطاع الشيطان في منع الانتفاع
فكأنها للشياطين وقد حدث في زماننا أعظم منه وهو أن يكون مع الأكابر إبل كثيرة ويأخذوا إبل الضعفاء سخرة وربما تكون مستأجرة في طريق الحج فيرموا الحمول عنها ويأخذوها ولا حول ولا قوة إلا بالله وأما بيوت الشياطين فلم أرها إلى هنا كلام الصحابي كان سعيد أي ابن هند التابعي الراوي عن أبي هريرة هذا الحديث رضي الله عنه يقول لا أراها بضم الهمزة أي لا أظنها وفي نسخة بفتحها أي لا أعلمها إلا هذه الأقفاص أي المحامل والهوادج التي يستر وفي نسخة يسترها الناس بالديباج أي بالأقمشة النفيسة من الحرير وغيره والظاهر أن النهي عنها ليس لذاتها بل لسترها بالحرير وتضييع المال والتفاخر والسمعة والرياء قال القاضي عين الصحابي من أصناف هذا النوع من الإبل صنفا وهو نجيبات سمان يسوقها الرجل معه في سفره فلا يركبها ولا يحتاج إليها في حمل متاعه ثم إنه يمر بأخيه المسلم قد انقطع به من الضعف والعجز فلا يحمله وعين التابعي صنفا من البيوت وهو الأقفاص المحلاة بالديباج يريد بها المحامل التي يتخذها المترفون في الأسفار قال الأشرف وليس في الحديث ما يدل عليه بل نظم الحديث دليل على أن جميعه إلى قوله فلم أرها من متن الحديث ومن قول النبي وعلى هذا فمعناه أنه قال فأما إبل الشيطان فقد رأيتها إلى قوله فلا يحمله وأما بيوت الشياطين فلم أرها فإن النبي لم ير من الهوادج المستورة بالديباج والمحامل التي يأخذها المترفون في الأسفار ومما يدل على ما ذكرنا قول الراوي بعد قوله فلم أرها كان سعيد يقول الخ قال الطيبي هذا توجيه غير موجه يعرف بأدنى تأمل والتوجيه ما عليه كلام القاضي اه ولا يخفى أن ظاهر العبارة مع الأشرف ويحتاج إلى العدول عنه إلى نقل صريح أو دليل صحيح وليس للتأمل فيه مدخل إلا مع وجود أحدهما فتأمل فإنه موضع زلل اللهم إلا أن يثبت بقوله يكون فإن الظاهر منه أنه للاستقبال كما أشرنا إليه أولا فحينئذ


لا يلائمه أن يكون قوله فأما الإبل فقد رأيتها من كلام النبي بل يتعين أن يكون قول غيره فلما نسب آخر الحديث إلى التابعي تبين أن تفصيل أوله راجع إلى الصحابي فيصح الاستدلال ويزول الإشكال والله أعلم بالحال رواه أبو داود وعن سهل بن معاذ عن أبيه رضي الله عنهما قال المؤلف هو معاذ بن أنس الجهني معدود في أهل مصر وحديثه عندهم روى عنه ابنه سهل اه فما وقع في بعض النسخ سعد بن معاذ خطأ ولأن سعد بن معاذ من أكابر الصحابة وأبوه ما أسلم قال غزونا مع


النبي فضيق الناس المنازل أي على غيرهم بأن أخذ كل منزلا لا حاجة له فيه أو فوق حاجته وقطعوا الطريق بتضييقها على المارة فبعث نبي الله وفي نسخة رسول الله مناديا ينادي في الناس حال أو استئناف إن بفتح الهمزة ويجوز كسرها من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له أي ليس له كمال ثواب المجاهدة لإضراره الناس رواه أبو داود وزاد في الجامع الصغير أو آذى مؤمنا وقال رواه أبو داود وعن جابر رضي الله عنه عن النبي قال إن أحسن ما دخل الرجل أهله إذا قدم من سفر أول الليل قال القاضي ما موصولة والراجع إليه محذوف والمراد به الوقت الذي دخل فيه الرجل على أهله وأهله منصوب بنزع الخافض وإيصال الفعل إليه على سبيل الاتساع ويحتمل أن تكون مصدرية على تقدير مضاف أي أن أحسن دخول الرجل أهله دخول أول الليل قال الطيبي والأحسن أن تكون موصوفة أي أحسن أوقات دخول الرجل فيها أهله أول الليل وإذا هذا مرفوع محلا خبر لأن قال التوربشتي وتبعه القاضي التوفيق بينه وبين ما رواه أنه قال إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلا أن يحمل الدخول على الخلو بها وقضاء الوطر منها لا القدوم عليها وإنما اختار ذلك أول الليل لأن المسافر لبعده عن أهله يغلب عليه الشبق ويكون ممتلئا تواقا فإذا قضى شهوته أول الليل خف بدنه وسكن نفسه وطاب نومه قال الطيبي قد سبق عن الشيخ محيي الدين أنه قال يكره لمن طال سفره طروق الليل فإما من كان سفره قريبا يتوقع إتيانه ليلا وكذا إذا أطال واشتهر قدومه وعلمت امرأته قدومه فلا بأس بقدومه ليلا لزوال المعنى الذي هو سببه فإن المراد التهيؤ وقد حصل ذلك اه كلامه والأحسن أن ينزل الحديث على الثاني لأن من طال سفره وبعد مدة الفراق طار قلبه اشتياقا وخصوصا إذا قرب من الدار ورأى منها الآثار قال إذا دنت المنازل زاد شوقي ولا سيما إذا بدت الخيام ولأنه يكره للمسافر الذي طال سفره أن يقرب من الأهل إلا بعد أيام لأنه يتضرر به اه وقوله يكره


ليس على مقتضى القواعد الشرعية بل على طبق كلام الحكماء الفلسفية رواه الترمذي

الفصل الثالث
عن أبي قتادة رضي الله عنه قال كان رسول الله إذا كان في سفر فعرس بالتشديد أي نزل بليل أي قبل السحر اضطجع على يمينه أي ليستريح بدنه وإذا عرس قبيل الصبح أي وقت قرب طلوعه نصب ذراعه أي اليمين ووضع رأسه على كفه لئلا يغلب عليه النوم رواه مسلم ورواه أحمد وابن حبان والحاكم عنه بلفظ كان إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه وإذا عرس قبل الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال بعث النبي عبد الله بن رواحة في سرية قال المؤلف هو أنصاري خزرجي أحد النقباء شهد العقبة وبدرا واحدا والخندق والمشاهد بعدها إلا الفتح وما بعده فإنه قتل يوم مؤتة شهيدا أميرا فيها سنة ثمان وهو أحد الشعراء المحسنين روى عنه ابن عباس وغيره فوافق ذلك أي زمن البعث يوم الجمعة فغدا أي ذهب أصحابه من الغداة وقال أي في نفسه أو لبعض أصحابه أتخلف أي أتأخر وأصلي مع رسول الله أي الجمعة ثم ألحقهم من لحق به إذا اتصل فلما صلى مع رسول الله رآه فقال ما منعك أن تغدو مع أصحابك فقال أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم بالنصب فقال لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم بفتح الغين وضمها أي فضيلة إسراعهم في ذهابهم إلى الجهاد قال الطيبي كان الظاهر أن يقال غدوتهم أفضل من صلاتك هذه فعدل إلى المذكور مبالغة كأنه قيل لا يوازيها شيء من الخيرات وذلك أن تأخره ذاك ربما يفوت عليه مصالح كثيرة ولذلك ورد لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها رواه الترمذي


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تصحب الملائكة رفقة بضم الراء وتكسر وفي القاموس أنها مثلثة أي جماعة بينهم ترافق فيها جلد نمر بفتح فكسر في النهاية نهى عن ركوب النمار أي جلودها وإنما نهى عن استعمالها لما فيها من الزينة والخيلاء ولأنه زي العجم أو لأن شعره لا يقبل الدباغ عند أحد الأئمة إذا كان غير ذكي ولعل أكثر ما كانوا يأخذون جلود النمار إذا ماتت لأن اصطيادها عسر رواه أبو داود وروى ابن ماجه عن أبي ريحانة أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ركوب النمور قيل أراد بها السباع المعروفة وعن سهل بن سعد أي الساعدي رضي الله عنهما قال قال رسول الله سيد القوم في السفر خادمهم قال الطيبي وفيه وجهان أحدهما أنه ينبغي أن يكون السيد كذلك لما وجب عليه من الإقامة بمصالحهم ورعاية أحوالهم ظاهرا وباطنا نقل عن عبد الله المروزي أنه صحبه أبو علي الرباطي فقال لأبي علي أتكون أنت الأمير أم أنا فقال بل أنت فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي على ظهره وأمطرت السماء ليلة فقام عبد الله طول الليل على رأس رفيقه وفي يده كساء يمنع المطر عنه وكل ما قال الله الله لا تفعل يقول ألم تقل إن الإمارة مسلمة لك فلا تتحكم علي حتى قال أبو علي وددت أني مت ولو أؤمره كذا في الأحياء وثانيهما أخبر أن من يخدمهم وإن كان أدناهم ظاهر فهو في الحقيقة سيدهم وأنه يثاب بعمله لله تعالى وإليه الإشارة بقوله فمن سبقهم بخدمة لم يسبقوه بعمل إلا الشهادة أي القتل في سبيل الله وذلك لأنه شريكهم فيما يزاولونه من الأعمال بواسطة خدمته رواه البيهقي في شعب الإيمان وكذا الحاكم في تاريخه وروى ابن ماجه عن أبي قتادة والخطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما سيد القوم خادمهم وراد أبو نعيم في الأربعين الصوفية عن أنس وساقيهم آخرهم شربا ذكره السيوطي في الجامع الصغير


باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
الكتاب مصدر بمعنى المكاتبة أو بمعنى المكتوب روي أنه لما رجع رسول الله من الحديبية أراد أن يكتب إلى الروم فقيل له إنهم لا يقرؤون كتابا إلا أن يكون مختوما فاتخذ خاتما من فضة ونقش فيه ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر وختم به الكتب وإنما كانوا لا يقرؤون الكتب إلا مختومة خوفا من كشف أسرارهم وللأشعار بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون مما لا يطلع عليها غيرهم وقد ورد كرامة الكتاب ختمه رواه الطبراني عن ابن عباس وعن أنس أن ختم كتاب السلطان والقضاة سنة متبعة وقال بعضهم هو سنة لفعله
الفصل الأول
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي كتب أي أمر بالكتابة منهيا إلى قيصر وهو ممنوع الصرف لقب ملك الروم وكسرى لقب لملك الفرس والنجاشي للحبشة والخاقان للترك وفرعون للقبط وعزيز لمصر وتبع لحمير كذا ذكره النووي يدعوه إلى الإسلام استئناف مبين أو حال وبعث بكتابه إليه دحية الكلبي بكسر الدال ويفتح قال المؤلف هو دحية بن خليفة الكلبي من كبار الصحابة شهد أحدا وما بعدها من المشاهد وبعثه


رسول الله إلى قيصر في الهدنة وذلك في سنة ست فآمن به قيصر وأبت بطارقته فلم تؤمن وهو الذي كان ينزل جبريل في صورته أي غالبا نزل الشام وبقي أيام معاوية روى عنه نفر من التابعين ودحية بكسر الدال وسكون الحاء المهملة وبالياء تحتها نقطتان كذا يروي أكثر أصحاب الحديث وأهل اللغة وقيل هو بالفتح وفي شرح مسلم دحية بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان واختلفوا في الراجحة منهما ادعى ابن السكيت أنه بالكسر لا غير وأبو حاتم السجستاني أنه بالفتح لا غير اه وفي المغني دحية بكسر الدال وعند ابن ماكولا بفتح كذا ذكره النووي وفي القاموس دحية بالكسر ويفتح وأمره أي دحية أن يدفعه أي كتابه إلى عظيم بصرى بضم الموحدة وسكون المهملة وراء مفتوحة مقصورة أي أميرها وهي مدينة حوران ذات قلعة وأعمال قريبة من طرف البرية بين الشام والحجاز ليدفعه أي ليعطى هو الكتاب إلى قيصر فإذا للمفاجأة فيه أي في الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم من محمد أي هذا المكتوب من محمد أو من محمد سلام وقال ابن الملك من محمد متعلق بمحذوف أي صدر من محمد وقوله عبد الله صفته أو بدل منه وليس عطف بيان لأن محمدا أشهر منه قلت في قوله عبد الله ثم قوله ورسوله إشارة إلى أنه جامع بين اتصافه بكمال العبودية وجمال الرسالة وإشعار بأنه كامل مكمل وأنه داع للخلق إلى العبادة التي خلقوا لأجلها وإيماء إلى التعريض للنصارى في غلوهم في حق نبيهم قال ابن الملك وفيه أن من آداب المكاتبة تصدير المكتوب بالبسملة وباسم المكتوب عنه قلت ويؤخذ هذا من قوله تعالى إنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم النمل على أن الواو لمطلق الجمع وقيل إنه من سليمان كان في العنوان والبسملة في داخل الرقعة إلى هرقل بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف غير منصرف وفي نسخة بكسرتين وحكاه الجوهري في صحاحه والأول هو المشهور كما قاله النووي في شرح مسلم وهو اسم علم لملك الروم في ذلك الوقت وقيصر لقب لجميع ملك


الروم وقيل كلاهما واحد عظيم الروم بدل أو بيان ولم يكتب ملك الروم لئلا يكون ذلك مقتضيا لتسليم الملك إليه وهو بحكم الدين معزول عنه ولم يخله من الإكرام لمصلحة التأليف إلى الإسلام سلام أي عظيم أو منا أو من الله على من اتبع الهدى أي الهداية بالإسلام والديانة وهو مقتبس من قول موسى عليه الصلاة والسلام والسلام على من اتبع الهدى وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز الابتداء بالسلام لغير أهل الإسلام إلا على طريق الكناية أما بعد أي بعد البسملة والسلام على من اتبع الهداية فإني أدعوك بداعية الإسلام مصدر بمعنى الدعوة كالعافية والعاقبة ويروي بدعاية الإسلام أي بدعوته وهي كلمة الشهادة التي يدعى إليها أهل الملل الكافرة أسلم أمر بالإسلام تسلم من السلامة أي لكي تسلم من العقائد الدنية والأعمال والأخلاق الردية وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين أي أجر النصرانية التي كنت عليها محقا قبل بعثتي وأجر الإيمان بي ويجوز أن يتعلق


قوله مرتين بتسلم أيضا على طريق التنازع أي تسلم مرة في الدنيا من القتل أو أخذ الجزية ومرة من عقاب العقبى وتكرير أسلم مبالغة وإيذان بشفقته وحرصه على إسلامه لكونه سبب إسلام خلق كثير وفيه نفع كبير وإن توليت أي أعرضت عن قبول الإسلام فعليك إثم الأريسيين بفتح الهمزة وكسر الراء فتحتية ساكنة فسين مكسورة ثم تحتية مشددة ثم ساكنة أي اثم إتباعك في إعراضهم ومفهومه أنك إن أسلمت يكون لك أجر أصحابك أن أسلموا فحاصل المعنى أن عليك مع اثمك إثم الاتباع بسبب أنهم أتبعوك على استمرار الكفر قال النووي اختلفوا في ضبطه على أوجه أحدها بياءين بعد السين والثاني بياء واحدة بعدها وعلى الوجهين الهمزة مفتوحة والراء مكسورة مخففة والثالث بكسر الهمزة وتشديد الراء وياء واحدة بعد السين ووقع في الرواية الثانية في مسلم وفي أول صحيح البخاري اثم اليريسيين بياء مفتوحة في أوله وياءين بعد السين ثم اختلفوا في المراد بهم على أقوال أصحها وأشهرها أنهم الأكارون أي الفلاحون والزراعون ومعناه أن عليك اثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا لأنهم الأغلب ولأنهم أسرع انقياد فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا قلت لما روى من أن الناس على دين ملوكهم قال وقد جاء مصرحا به في رواية دلائل النبوة للبيهقي قال عليك اثم الأكارين والثاني أنهم النصارى وهم الذين اتبعوا أريس الذي ينسب إليه الأروسية من النصارى اه وفي القاموس الأريسي والأريس كجليس وسكيت الأكار وكسكيت الأمير ويا أهل الكتاب يعم أهل الكتابين ومن جرى مجراهم والآية قل يا أهل الكتاب تعالوا آل عمران وفي الحديث للعطف على بسم الله الخ تعالوا بفتح اللام أمر من التعالي وأصله بقوله من كان في علو لمن كان في سفل ثم اتسع فيه بالتعميم وفي قراءة شاذة بضم اللام على النقل والحذف إلى كلمة سواء مصدر أي مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها الرسل والكتب والكلمة تطلق على


الجملة المفيدة وتفسيرها ما بعدها والتقدير هي أن لا نعبد إلا الله أي نوحده بالعبادة ونخلص فيها ولا نشرك به شيئا أي من الأشياء أو من الإشراك والمعنى لا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلا لأن يعبد ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله أي ولا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلا منهم بشر مثلنا فإن تولوا أي أعرضوا عن الإسلام فقولوا الخطاب له ولأمته عليه السلام اشهدوا أي أيها الكفار بأنا مسلمون والمعنى لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم متفق عليه وفي رواية لمسلم قال أي ابن عباس رضي الله عنهما من


محمد رسول الله وقال إثم اليريسيين بياء مفتوحة بدل الهمزة قال ميرك وفي رواية البخاري أيضا البريسيين وقال بدعاية الإسلام قال ميرك هذه رواية البخاري ولمسلم بدعاية الإسلام كما يفهم من كلام الشيخ ابن حجر يعني العسقلاني قال النووي وفي هذا الكتاب جمل من القواعد وأنواع من الفوائد منها قوله سلام على من اتبع الهدى فيه دليل لمذهب الشافعي وجمهور أصحابه أن الكافر لا يبدأ بالسلام قلت ما أظن فيه خلافا ومنها دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم وهو واجب والقتال قبله حرام إن لم تكن بلغتهم دعوة الإسلام قلت وكذا ذكره ابن الهمام من أئمتنا وقال لأن النبي أمر بذلك أمراء الأجناد فمن ذلك حديث سليمان بن بريدة الآتي والأحاديث في ذلك كثيرة وفي نفس هذا الحكم شهيرة وإحماع ولأن بالدعوة يعلمون إنما نقاتلهم على أخذ أموالهم وسبي عيالهم فربما يجيبون إلى المقصود من غير قتال فلا بد من الاستعلام وقد روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين قال ما قاتل رسول الله قوما حتى دعاهم ورواه الحاكم وصححه وفي المحيط بلوغ الدعوة حقيقة أو حكما فإن استفاض شرقا وغربا أنهم إلى ماذا يدعون وعلى ماذا يقاتلون فأقيم ظهورها مقامها اه ولا شك أن في بلاد الله من لا شعور له بهذا الأمر فيجب أن المدار عليه ظن أن هؤلاء لم تبلغهم الدعوة فإذا كانت بلغتهم لا تجب ولكن يستحب إما عدم الوجوب فلما في الصحيحين عن ابن عوف كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام قد أغار رسول الله على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث حدثني به عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش وأما الاستحباب فلأن التكرار قد يجدي المقصود فينعدم الضرر وقيد هذا الاستحباب بأن لا يتضمن ضررا بأن يعلم بأنهم بالدعوة يستعدون أو يحتالون أو


يتحصنون وغلبة الظن في ذلك تظهر من حالهم كالعلم بل هو المراد إذ حقيقته يتعذر الوقوف عليها اه كلام المحقق قال ومنها وجوب العمل بخبر الواحد لأنه بعثه مع دحية وحده ومنها استحباب تصدير الكلام بالبسملة وإن كان المبعوث إليه كافرا ومنها جواز المسافرة إلى أرض العدو بآية أو آيتين ونحوهما والنهي عن المسافرة بالقرآن محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار وجواز مس المحدث والكافر آية أو آيات يسيرة مع غير القرآن قلت هذا كله مبني على أنه قصد بقوله تعالوا لفظ القرآن والظاهر أن هذا نقل بالمعنى ولم يقصد التلاوة بدليل حذف قل من أول الآية ويؤيد ما قلنا ما ذكره القسطلاني في المواهب أنه عليه السلام كتب هذه الآية قبل نزولها فوافق لفظه لفظها لما نزلت لأن هذه الآية نزلت في قصة وفد نجران وكانت قصتهم سنة الوفود سنة تسع وقصة أبي سفيان هذه كانت قبل ذلك سنة ست وقيل نزلت في اليهود وجوز بعضهم نزولها مرتين وهو بعيد جدا والله أعلم قال ومنها أن السنة في المكاتبة بين الناس أن يبدأ بنفسه فيقول من زيد إلى عمر وسواء فيه تصدير الكتاب به أو العنوان قال تعالى إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحم


الرحيم النمل وقيل الصواب في الكتب في العنوان إلى فلان ولا يكتب لفلان لأنه إليه لا له قلت تأتي اللام بمعنى إلى كقوله تعالى بأن ربك أوحى لها الزلزلة ثم في قول بلقيس إنه من سليمان الخ ليس نصا على أن الكتاب ولا العنوان مصدر بمن سليمان إذ يحتمل أن يكون التصدير بالبسملة والختم بمن سليمان فإن الواو ولمجرد الجمع قال ومنها أن لا يفرط ولا يفرط في المدح والتعظيم ومن ثم قال إلى هرقل عظيم الروم ولم يقل ملك الروم لأنه لا ملك له ولا لغيره بحكم دين الإسلام ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه رسول الله أو من أذن له وإنما ينفذ من تصرفات الكفار ما فيها الضرورة ولم يقل إلى هرقل فحسب بل أتى بنوع من الملاطفة فقال عظيم الروم أي الذي يعظمونه ويقدمونه وقد أمر الله تعالى بالإنة القول لمن يدعى إلى الإسلام فقال فقولا له قولا لينا طه ومنها استحباب استعمال البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة فإن قوله في غاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني مع ما فيه من بديع التجنيس فإن تسلم شامل لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل وأخذ الديار والأموال ومن عذاب الآخرة ومنها إن من كان سبب ضلال ومنع هداية كان أكثر إثما قال تعالى وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم العنكبوت ومنها استحباب أما بعد في الخطب والمكاتبات قال الأشرف تقديم لفظ العبد على الرسول دال على أن العبودية لله تعالى أقرب طرق العباد إليه قلت بل لا طريق إليه إلا بها إذ ما خلقوا إلا لأجلها قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات وقال عز وجل لأفضل الخلق واعبد ربك حتى يأتيك اليقين الحجر أي الموت بإجماع المفسرين قال الطيبي وفي هذا التقديم تعريض بالنصارى وقولهم في عيسى بالإلهية مع أنه عليه الصلاة والسلام قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وصدر هذا الحديث سيذكر في باب علامات النبوة في الفصل الثالث وعنه أي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله بعث


بكتابه إلى كسرى بكسر الكاف ويفتح ويفتح الراء وبمال ملك الفرس معرب خسر وأي واسع الملك كذا في القاموس مع عبد الله بن حذافة بضم أوله السهمي قال المؤلف هو عبد الله بن جزء بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة أبو الحارث سكن مصر وشهد بدرا ومات سنة خمس وثمانين بمصر فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين وهو بلد على ساحل البحر قريب البصرة فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى قال التوربشتي الفاء في فدفعه معطوف على مقدرات معدودة أي فذهب إلى عظيم البحرين فدفعه إليه ثم بعثه العظيم إلى كسرى فدفعه


إليه فلما قرأ أي قرأه كما في نسخة مزقه أي قطعه قال ابن المسيب في البخاري قال الراوي فحسبت أن ابن المسيب قال فدعا عليهم أي عليه وعلى أتباعه ممن حمله على التمزيق رسول الله أن يمزقوا كل ممزق قال التوربشتي أي يفرقوا كل نوع من التفريق وأن يبددوا كل وجه والممزق مصدر كالتمزيق والذي مزق كتاب رسول الله هو ابرويز بن هرمز بن أنوشروان قتله ابنه شيرويه ثم لم يلبث بعد قتله إلا ستة أشهر يقال إن أبرويز لما أيقن بالهلاك وكان مأخوذا عليه فتح خزانة الأودية وكتب على حقة السم الدواء النافع للجماع وكان ابنه مولعا بذلك فاحتال في هلاكه فلما قتل أباه فتح الخزانة فرأى الحقة فتناول منها فمات من ذلك السم ويزعم الفرس أنه مات أسفا على قتله أباه ولم يقم لهم بعد الدعاء عليهم بالتمزيق أمر نافذ بل أدبر عنهم الإقبال ومالت عنهم الدولة وأقبلت عليهم النحوسة حتى انقرضوا عن آخرهم اه وكان فتح بلاد العجم في زمن عمر رضي الله عنه وكان ملكهم في ذلك يزدجرد بن شهريار بن شيرويه بن برويز وتزوج الحسين بن علي رضي الله عنهما بنت يزدجرد رواه البخاري وفي المواهب كتب إلى كسرى بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أدعوك بدعاية الله فإني رسول الله إلى الناس كلهم لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين أسلم تسلم فإن توليت فعليك اثم المجوس فلما قرأ عليه الكتاب مزقه فبلغ ذلك رسول الله فقال مزق ملكه قيل بعثه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي في البخاري هو الصحيح وفي كتاب الأموال لأبي عبيد من مرسل عمر بن إسحاق قال كتب رسول الله إلى كسرى وقيصر فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه وأما قيصر فلما قرأ الكتاب طواه ثم رفعه فقال رسول الله أما هؤلاء فيمزقون وأما هؤلاء فسيكون لهم بقية روي أنه لما جاءه جواب كسرى قال مزق


ملكه ولما جاءه جواب هرقل قال ثبت ملكه وذكر في فتح الباري عن سيف الدين المنصوري أنه قدم على ملك الغرب بهدية من الملك المنصور قلاوون فأرسله ملك الغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة وأنه قبله وأكرمه وقال لا تحفنك بتحفة سنية فأخرج له صندوقا مصفحا بذهب فأخرج له مقلمة من ذهب وأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه وقد ألصقت عليه خرقة حرير فقال هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر ما زلنا نتوارثه إلى الآن وأوصانا آباؤنا عن آبائهم إلى قيصر أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا قال القسطلاني هم قيصر بالإسلام فلم توافقه الروم فخافهم على ملكه فأمسك


وعن أنس رضي الله عنه أن النبي كتب إلى كسرى وإلى قيصر في إعادة العامل إفادة الاستقلال وإلى النجاشي بتشديد الياء وبتخفيفها أفصح ويكسر نونها وهو أفصح أصحمة ملك الحبشة كذا في القاموس وإلى كل جبار أتى به اختصارا أي كسرى وأمثاله يدعوهم إلى الله في المواهب أنه كتب إلى المقوقس ملك مصر والاسكندرية وإلى المنذر بن ساوى وإلى ملك عمان وإلى صاحب اليمامة وإلى الحارث بن أبي شمر ولأهل جربا وأذرج وإلى أهل وج ولأكيدر وصورة المكاتيب مكتوبة فيه وليس أي النجاشي الذي كتب إليه بالنجاشي الذي يعني وقد وهم من قال إنه النجاشي الذي صلى عليه وقد خلط رواية فإنهما اثنان وكلاهما مسلمان رواه مسلم وعن سليمان بن بريدة رضي الله تعالى عنه بالتصغير عن أبيه الظاهر أنه بريدة بن الحصيب وقد مر ذكره قال كان رسول الله إذا أمر بتشديد الميم أي جعل أحدا أميرا على جيش أو سرية أوصاه أي ذلك الأمير في خاصته أي في حق نفسه خصوصا وهو متعلق بقوله بتقوى الله وهو متعلق بأوصاه وقوله ومن معه معطوف على خاصته أي وفيمن معه من المسلمين وقوله خيرا نصب على انتزاع الخافض أي بخير قال الطيبي ومن في محل الجر وهو من باب العطف على عاملين مختلفين كأنه قيل أوصى بتقوى الله في خاصة نفسه وأوصى بخير فيمن معه من المسلمين وفي اختصاص التقوى بخاصة نفسه والخير بمن معه من المسلمين إشارة إلى أن عليه أن يشد على نفسه فيما يأتي ويذر وأن يسهل على من معه من المسلمين ويرفق بهم كما ورد يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ثم قال اغزوا بسم الله أي مستعينين بذكره في سبيل الله أي لأجل مرضاته وإعلاء دينه قاتلوا من كفر بالله جملة موضحة لا غزوا وأعاد قوله اغزوا ليعقبه بالمذكورات بعده فلا تغلوا بالفاء وفي نسخة بالواو وهو بضم الغين المعجمة وتشديد اللام أي لا تخونوا في الغنيمة ولا تغدروا بكسر الدال أي لا تنقضوا العهد وقيل لا تحاربوهم قبل أن تدعوهم إلى الإسلام ولا تمثلوا بضم


المثلثة وفي نسخة من باب
التفعيل ففي تهذيب النووي مثل به يمثل كقتل إذا قطع أطرافه وفي القاموس مثل بفلان مثله بالضم نكل كمثل تمثيلا وفي الفائق إذا سودت وجهه أو قطعت أنفه ونحوه قال صاحب الهداية والمثلة المروية في قصة العرنيين منسوخة بالنهي المتأخر وقد روى البيهقي عن أنس رضي الله عنه قال ما خطبنا رسول الله بعد ذلك خطبة إلا ونهى فيها عن المثلة وقد جاء في حديث صحيح مسلم أنه إنما سمل النبي أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة وتحقيق هذا المبحث في شرح ابن الهمام ولا تقتلوا وليدا أي طفلا صغيرا قال ابن الهمام والصبي والمجنون يقتلان في حال قتالهما وكذا الصبي الملك والمعتوه الملك لأن في قتل الملك كسر شوكتهم وإذا لقيت عدوك من المشركين الخطاب لأمير الجيش وهو نظير يا أيها النبي إذا طلقتم النساء الطلاق قال الطيبي هو من باب تلوين الخطاب خاطب أولا عاما فدخل فيه الأمير دخولا أوليا ثم خص الخطاب به فدخلوا فيه على سبيل التبعية كقوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم الطلاق خص النبي بالنداء فادعهم إلى ثلاث خصال أي مرتبة أو خلال شك من الراوي والخصال والخلال بكسرهما جمع الخصلة والخلة بفتحهما في معنى واحد فأيتهن بالرفع والضمير للخصال المدعوة ما أجابوك أي قبلوها منك وما زائدة فاقبل منهم جزاء الشرط ومكف بضم الكاف وفتح الفاء ويجوز ضمها وكسرها أي امتنع عنهم أي في الأوليين ثم ادعهم أي إذا عرفت ما ذكر من الخصال على وجه الإجمال فاعلم حكمها على طريق التفصيل فادعهم أي أولا إلى الإسلام قال النووي هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم ثم ادعهم قال القاضي عياض الصواب رواية ادعهم بإسقاط ثم وقد جاء بإسقاطها على الصواب في كتاب أبي عبيد وفي سنن أبي داود وغيرهما لأنه تفسير للخصال الثلاث وليست غيرها وقال المازري ثم هنا زائدة وردت لافتتاح الكلام والأخذ فيه فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول أي الانتقال من دارهم أي من


بلاد الكفر إلى دار المهاجرين أي إلى دار الإسلام وهذا من توابع الخصلة الأولى بل قيل إن الهجرة كانت من أركان الإسلام قبل فتح مكة وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك أي التحول فلهم ما للمهاجرين أي من الثواب واستحقاق مال الفيء وذلك الاستحقاق كان في زمنه فإنه كان ينفق على المهاجرين من حين الخروج إلى الجهاد في أي وقت أمرهم الإمام سواء كان من بإزاء العدو كافيا أو لا بخلاف غير المهاجرين فإنه لا يجب عليهم الخروج إلى الجهاد إن كان بإزاء العدو من به الكفاية وهذا معنى قوله وعليهم ما على المهاجرين أي من الغزو


فإن أبوا أن يتحولوا منها أي من دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين أي الذين لازموا أوطانهم في البادية لا في دار الكفر يجري بصيغة المجهول وفي نسخة بصيغة المعلوم أي يمضي عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين أي من وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما والقصاص والدية ونحوهما ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وهو يفيد المبالغة والتقدير لتكرير الإسناد في التعبير أي فإن امتنعوا عن الإسلام فسلهم بالهمز والنقل أي فاطلب منهم الجزية وهو أشار إلى الخصلة الثانية قال النووي في الحديث فوائد منها أنه لا يعطى الفيء والغنيمة لأهل الصدقات من هؤلاء الأعراب الذين لم يتحولوا وكانوا فقراء مساكين ولا تعطى الصدقات لأهل الفيء والغنيمة وقال مالك وأبو حنيفة المالان سواء يجوز صرف كل منهما إلى النوعين والحديث مما يستدل به مالك والأوزاعي ومن وافقهما على جواز أخذ الجزية من كل كافر عربيا كان أو عجميا كتابيا أو غير كتابي وقال أبو حنيفة تؤخذ الجزية من جميع الكفار إلا من مشركي العرب ومجوسهم وقال الشافعي لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس أعرابا كانوا أو أعاجم ويحتج بمفهوم الآية وبحديث سنوا بهم سنة أهل الكتاب وتأول هذا الحديث على أن المراد بهؤلاء أهل الكتاب لأن اسم المشرك يطلق على أهل الكتاب وغيرهم وكان تخصيصه معلوما عند الصحابة قال ابن الهمام وهذا إن لم يكونوا مرتدين ولا مشركي العرب فإن هؤلاء لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف على ما سيتضح فإن هم أجابوك أي قبلوا بذل الجزية وكذا هو المراد بالإعطاء المذكور في القرآن بالإجماع فاقبل منهم وكف عنهم في الهداية قال علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا قال ابن الهمام والأحاديث في هذا كثيرة بل هو من الضروريات ومعنى حديث علي كرم الله وجهه رواه الشافعي في مسنده


أخبرنا محمد بن الحسن الشيباني أنبأنا قيس بن الربيع الأسدي عن أبان بن ثعلب عن الحسين بن ميمون عن أبي الجنوب قال قال علي من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا وضعف الطبراني أبا الجنوب فإن هم أبوا أي عن قبول الجزية فاستعن بالله وقاتلهم إشارة إلى الخصلة الثالثة وإذا حاصرت أهل حصن أي من الكفار فأرادوك أي طلبوا منك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه أي عهدهما وأمانهما فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه أي لا بالاجتماع ولا بالانفراد ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم وهو بالخطاب على ما في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وجامع الأصول ووقع في نسخ المصابيح فإنهم بالغيبة أن تخفروا من


الأخفار أي تنقضوا ذممكم وذمم أصحابكم والظاهر أن بفتح الهمزة كما في نسخ المصابيح وأن مع صلتها في تأويل المصدر بدل من ضمير المخاطب وخبر إن قوله أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله وقد وقع في نسخة إن بكسر الهمزة على الشرط وهو مشكل كذا في الخلاصة ولعل وجه الإشكال أنه حينئذ أهون بتقدير هو جزاء الشرط والفاء لازمة ويمكن دفعه بأن يحمل على الشذوذ كقوله من يفعل الحسنات الله يشكرها ثم المعنى أنهم لو نقضوا عهد الله ورسوله لم تدر ما تصنع بهم حتى يؤذن لكم بوحي ونحوه فيهم وقد يتعذر ذلك عليك لسبب غيبتك وبعدك من مهبط الوحي بخلاف ما إذا نقضوا عهدك فإنك إذا نزلت عليهم فعلت بهم من قتلهم أو ضرب الجزية أو استرقاقهم أو المن أو الفداء بحسب ما ترى من المصلحة في حقهم وإن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله أي ولا على حكم رسوله لما سبق ولقوله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا زاد ابن الهمام وفي رواية ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم قال النووي قوله فلا تجعل لهم ذمة الله نهي تنزيه فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقها وينتهك حرمتها بعض الأعراب وسواد الجيش وكذا قوله فلا تنزلهم على حكم الله نهي تنزيه وفيه حجة لمن يقول ليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب واحد وهو الموافق لحكم الله في نفس الأمر ومن يقول إن كل مجتهد مصيب يقول معنى قوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم إنك لا تأمن أن ينزل علي وحي بخلاف ما حكمت كما قال في حديث أبي سعيد من تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة لقد حكمت فيهم بحكم الله وهذا المعنى منتف بعد النبي فيكون كل مجتهد مصيبا اه وهو مذهب المعتزلة وبعض أهل السنة رواه مسلم وكذا الأربعة وألفاظ بعضهم تزيد على بعض وتختلف وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله في بعض أيامه التي


لقي فيها العدو أي الكفار في الغزو انتظر حتى مالت الشمس أي ليطيب الوقت ويؤدي الصلاة ثم قام أي خطيبا في الناس أي فيما بينهم أو لأجلهم فقال يا أيها الناس ولعل العدول عن يا أيها المؤمنون ليعم المنافقين لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية أي اطلبوه كفاية شر الأعداء فإذا لقيتم فاصبروا أي على البلاء قال النووي وإنما نهى عن تمني لقاء العدو ولما فيه من صورة الأعجاب والاتكال على النفس والوثوق بالقوة وأيضا هو يخالف الحزم والاحتياط وأول بعضهم النهي في صورة خاصة وهي إذا شك في المصلحة في القتال ويمكن حصول ضرر وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة والأول هو الصحيح واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف أي كون المجاهد بحيث تعلوه سيوف الأعداء سبب للجنة أو المراد سيوف المجاهدين وإنما ذكر السيوف لأنها أكثر آلات الحروب وفي النهاية هو كناية عن الدنو من الضرب في الجهاد حتى يعلوه السيف ويصير ظله عليه والظل الفيء الحاصل من الحاجز بينك وبين الشمس أي شيء كان وقيل هو مخصوص بما كان منه إلى زوال الشمس وما كان بعده فهو الفيء وقال النووي معناه ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف ومشى المجاهدين في سبيل الله فاحضروا فيه بصدق النية وأثبتوا ثم قال اللهم منزل الكتاب أي جنسه أو القرآن ومجرى السحاب وهازم الأحزاب أي أصناف الكفار السابقة من قوم نوح وثمود وعاد وغيرهم اهزمهم أي هؤلاء الكفار بحولك ونصرك وانصرنا عليهم أي ليكون لنا أجر الغزو بسبب المباشرة قال الطيبي وفي قوله انتظر حتى مالت الشمس إشارة إلى الفتح والنصرة لأنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس وقالوا سببه فضيلة أوقات الصلاة والدعاء عندها والوجه الجمع بينهما لما نص عليه في الحديث الآخر المخرج في البخاري من طريق النعمان بن مقرن قال شهدت القتال مع رسول الله فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تهب الأرياح وتحضر الصلاة وفي رواية أبي داود حتى تزول الشمس


وتهب الرياح وينزل النصر قال التوربشتي مصداق ذلك قوله نصرت بالصبا وفيه استحباب الدعاء والاستعفاء عند القتال متفق عليه ورواه أبو داود وفي رواية للشيخين اللهم منزل الكتاب سريع الحساب أهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي كان إذا غزا بنا قوما الباء بمعنى المصاحبة أي إذا غزونا وهو معنا لم يكن يغزو بنا بإثبات الواو على أن الجملة خبر أي لم يكن غازيا بنا قال التوربشتي لم يكن يغز بنا هكذا هو في المصابيح وأرى الواو قد سقط عن قلم الكاتب وصوابه إثباتها ولو جعل من الاغتراء على زنة يلهينا لم يستقم لأن معناه يحرزنا للعزو قال القاضي وهو يستقيم لأن معناه لم يرسلنا إليه ولم يحملنا عليه على سبيل المجاز قال الطيبي لا بد أن يجعل الثاني عين الأول لأن المعنى إذا أراد الغزو بنا قوما لم يغز بنا اه وفي القاموس غزا العدو سار إلى قتالهم وأغزاه حمله عليه كغزاه وأمهله والظاهر أن هذا معناه اللغوي لا المجازي كما أفاده البيضاوي وأما جعل الثاني عين الأول فهو مبني على المناسبة اللفظية دون المراعاة المعنوية مع أنها حاصلة أيضا فإن المعنى إذا أراد الغزو لم يحملنا عليه في ساعته بل كان يمهلنا حتى نستعد ويرى المصلحة في مباشرة المقاتلة كما يدل عليه قوله حتى يصبح وينظر أي إليهم كما في نسخة أي يتأمل في حالهم ويستدل على عقائدهم بأفعالهم فإن سمع أذانا أي إعلاما بالصلاة كف عنهم أي امتنع عن قتالهم وأخذ أموالهم وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم قال القاضي أي كان يتثبت فيه ويحتاط في الإغارة حذرا عن أن يكون فيهم مؤمن فيغير عليه غافلا عنه جاهلا بحاله قال الخطابي فيه بيان أن الأذان شعار لدين الإسلام لا يجوز تركه فلو أن أهل بلد أجمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه اه وكذا نقل عن الإمام محمد من أئمتنا قال أي أنس رضي الله عنه فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب وركبت خلف أبي


طلحة وهو زوج أم أنس وإن قدمي لتمس قدم نبي الله قيل يعني كنت أنا وأبو طلحة والنبي راكبين على بعير واحد والظاهر إن مس القدم كناية عن كمال الدنو والقرب ولا يلزم منه كونه مع النبي على بعير واحد قال أي أنس فخرجوا أي أهل خيبر من حصنهم إلينا أي غير عالمين بنا بل قاصدين عمارة نخليهم بمكاتلهم جمع مكتل بكسر الميم وهو الزنبيل الكبير ومساحيهم جمع مسحاة وهي المجرفة من الحديد والميم زائدة لأنه من السحو أي الكشف لما يكشف به الطين عن


وجه الأرض فلما رأوا النبي قالوا محمد والله أي هذا محمد أو أتانا محمد وقوله محمد تأكيد والخميس أي ومعه الجيش كذا ذكره التوربشتي وقال النووي الخميس عطف على قوله محمد وروي منصوبا على أنه مفعول معه قال الطيبي رحمه الله على الأول والخميس حال والخبر مقدر والعامل اسم الإشارة اه وفي كونه مفعولا معه إشكال إلا أن يقال التقدير وصل محمد والخميس وسمي الجيش خميسا لانقسامه خمسة أقسام المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب أو لتخميس الغنائم فيه فلجؤوا أي فرجعوا والتجؤوا إلى الحصن فلما رآهم رسول الله أي هاربين قال تفاؤلا بانهزامهم وانكسارهم وخراب ديارهم الله أكبر أي أعز وأغلب الله أكبر تأكيد أو المراد في الدنيا والعقبى خربت خيبر خبر أو دعاء أنا أي معشر الإسلام أو معاشر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا نزلنا بساحة قوم قال الطيبي جملة مستأنفة بيان لموجب خراب خيبر وقوله الله أكبر الله أكبر فيه معنى التعجب من أنه تعالى قدر نزوله بساحتهم بعدما أنذروا ثم أصبحهم وهم غافلون عن ذلك وفي شرح مسلم الساحة الفضاء وأصلها الفضاء بين المنازل فساء صباح المنذرين بفتح الذال أي الكفار واللام للعهد أو للجنس أي بئس صباحهم لنزول عذاب الله بالقتل والإغارة عليهم إن لم يؤمنوا وفيه اقتباس من قوله تعالى أفبعذابنا يستعجلون الصافات فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين الصافات قال البيضاوي فإذا نزل العذاب بفنائهم شبهه بجيش هجمهم فأناخ بفنائهم بعثه وقيل الرسول وقرىء نزل على إسناده إلى الجار والمجرور ونزل أي العذاب فبئس صباح المنذرين صباحهم واللام للجنس والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب ولما كثر فيهم الهجوم والغارة في الصباح سمو الغارة صباحا وإن وقعت في وقت آخر متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه قال النووي فيه استحباب التكبير عند لقاء العدو وفيه جواز الاستشهاد في مثل هذا الشأن بالقرآن في الأمور


المحققة وقد جاء له نظائر منها عند فتح مكة وطعن الأصنام قال جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا قال العلماء ويكره من ذلك ما كان على سبيل ضرب المثل في المحاورات ولغو الحديث تعظيما لكتاب الله تعالى قلت بل صرح بعض علمائنا بكفر من وضع كلام الله تعالى موضع كلامه بأن خاطب شخصا مسمى بيحيى مناولا له بكتاب وقال يا يحيى خذ الكتاب بقوة وكذا وضع بسم الله موضع كل ذا دخل ونحوهما وأما قوله جاء الحق وزهق الباطل فليس من باب الاستشهاد بل من باب الامتثال حيث قال تعالى وقل جاء الحق وزهق الباطل الإسراء وكذا من قال عند قوله تعالى وقل رب زدني علما طه ونحوه بل يستحب له ذلك
وعن النعمان رضي الله عنه بضم أوله ابن مقرن بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وبالنون قال المؤلف هو النعمان بن عمرو بن مقرن المزني روي أنه قال قدمنا على النبي في أربعمائة من مزينة سكن البصرة ثم تحول إلى الكوفة وكان عامل عمر على جيش نهاوند واستشهد يوم فتحها قال شهدت القتال مع رسول الله فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح جمع ريح لأن أصلها الواو ويجمع على أرياح قليلا وعلى رياح كثيرا كذا في النهاية وفي القاموس الريح معروف جمعه أرواح وأرياح ورياح وريح كعنب وجمع الجمع أراويح وأراييح والمعنى حتى تجيء الرياح ومنها ريح النصر وتكسر حرارة النهار شوكة الشمس التي هي معبودة الكفار وزوال تعليتها والميل إلى غيبوبتها وتحضر الصلاة أي فتؤدى في وقتها وهو زمان عبادة العابدين ودعوة الساجدين رواه البخاري
الفصل الثاني


عن النعمان بن مقرن رضي الله عنه قال شهدت أي القتال كما في نسخة صحيحة مع رسول الله وكان وفي نسخة فكان إذا لم يقاتل أول النهار وهو بكوره المبارك على ما ورد اللهم بارك لأمتي في بكورها انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر أي ريح النصر أو حصوله ببركة دعاء المسلمين بعد صلاتهم للمجاهدين رواه أبو داود وعن قتادة رضي الله عنه تابعي مشهور جليل عن النعمان بن مقرن قال
غزوت مع النبي وفي نسخة مع رسول الله فكان قال الطيبي ما أظهره من دليل على وجود الفاء التفصيلية لأن قوله غزوت مع النبي مشتمل مجملا على ما ذكر بعده مفصلا إذا طلع الفجر أمسك أي عن الشروع في القتال حتى تطلع الشمس أي ويفرغ عن أداء صلاة الصبح فإذا طلعت قاتل فإذا انتصف النهار أي الشرعي وهي الضحوة الكبرى أمسك أي عن القتال حتى تزول الشمس أو المراد بالنهار العرفي فيكون التقدير حتى تزول ويصلي الظهر فإذا زالت الشمس أي وصلى قاتل حتى العصر أي إلى العصر ثم أمسك حتى يصلي العصر ثم يقاتل ولعل هذا فيما إذا كان هو الباديء للقتال فصلاة الخوف محمولة على غلبة الكفار قال قتادة رضي الله عنه كان يقال أي يقول الصحابة الحكمة في إمساك النبي عن القتال إلى الزوال عند ذلك الخ وفي نسخة يقول أي النعمان عند ذلك أي عند زوال الشمس وهو من جملة المقول ظرف لقوله تهيج أي تجيء رياح النصر وينصره قوله نصرت بالصبا ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم أي في أوقات صلاتهم بعد فراغها أو في أثنائها بالقنوت عند النوازل وقال الطيبي إشارة إلى أن تركه القتال في الأوقات المذكورة كان لاشتغالهم بها فيها اللهم إلا بعد العصر فإن هذا الوقت مستثنى منها لحصول النصر فيها لبعض الأنبياء عن النبي قال غزا نبي من الأنبياء عدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه رواه البخاري عن أبي هريرة ولعل لهذا السر خص في


الحديث هذا الوقت بالفعل المضارع حيث قال ثم يقاتل وفي سائر الأوقات قاتل على لفظ الماضي استحضارا لتلك الحالة في ذهن السامع تنبيها على أن قتاله في هذا الوقت كان أشد وتحريه فيه أكمل رواه الترمذي وعن عصام المزني رضي الله عنه قال المؤلف له صحبة ورواية وهو قليل الحديث حديثه في الجهاد وأخرجه الترمذي وأبو داود ولم ينسباه قال بعثنا رسول الله في سرية فقال إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا أي إذا حققتم علامة فعلية أو قولية من شعائر الإسلام فلا تقتلوا أحدا أي حتى تميزوا المؤمن من الكافر رواه الترمذي وأبو داود

الفصل الثالث


عن أبي وائل رضي الله عنه قال المؤلف هو شقيق بن أبي سلمة الأسدي الكوفي أدرك الجاهلية والإسلام وأدرك النبي ولم يره ولم يسمع منه قال كنت قبل أن يبعث النبي ابن عشر سنين أرعى غنما لأهلي بالبادية روي عن خلق من الصحابة منهم عمرو بن مسعود رضي الله عنهما وكان خصيصا به من أكابر أصحابه وكان كثير الحديث ثقة ثبت حجة مات زمن الحجاج قال كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه قال المؤلف هو قرشي مخزومي وأمه لبابة الصغرى أخت ميمونة زوج النبي كان أحد أشراف قريش في الجاهلية سماه رسول الله سيف الله مات سنة إحدى وعشرين وأوصى إلى عمر بن الخطاب روى عنه ابن خالته ابن عباس وعلقمة وجبير بن نفير وفي الإصابة للعسقلاني قال في خالد فنعم عبد هذا سيف من سيوف سله الله على الكفار وفي رواية صبه الله على الكفار وروي أنه أتى بسم فوضعه في كفه ثم سمى وشربه فلم يضره وأنه رأى مع رجل زق خمر فقال اللهم اجعله عسلا فصار عسلا إلى أهل فارس بكسر الراء أي إلى سلاطينهم وأمرائهم بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى رستم بضم فسكون ففتح وهو غير منصرف للعلمية والعجمة ومهران بكسر الميم ويفتح في ملا فارس حال من المجرورين أي كائنين في زمرة أكابر فارس والملا أشراف الناس ورؤساؤهم ومقدموهم وهم الذين يرجع إلى قولهم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإنا أي معشر المسلمين ندعوكم إلى الإسلام فإن أبيتم فاعطوا الجزية عن يد حال من الضمير أي عن يد مؤاتية بمعنى منقادين أو عن يدكم بمعنى مسلمين بأيديكم غير باعثين بأيدي غيركم أو عن غني لذلك لا تؤخذ من الفقير أو حال من الجزية بمعنى نقدا مسلمة عن يد إلى يد أو عن أنعام عليكم فإن إبقاءكم بالجزية نعمة عظيمة وأنتم صاغرون حال ثان من الضمير أي ذليلون قال ابن عباس تؤخذ الجزية من الذمي ويوجا عنقه كذا في تفسير البيضاوي وفي كلام خالد اقتباس من الآية الشريفة وتفسير وبيان لها فإنها لا تدل على قبول الإسلام منهم


ولعل تركه لكمال الوضوح وغاية الظهور فإن أبيتم فإن معي قوما يحبون القتل مصدر بمعنى المفعول أي كونهم مقتولين في سبيل الله كما يحب بالتذكير والتأنيث فارس أي أهله الخمر أي مع كونها مرا لما يترتب على شربها عندهم من اللذات الحسية الفانية فكذا القتل وإن كان مكروها في نظر الطبع إلا أنه مطبوع حبه في قلوب أهل الشرع لما يترتب عليه من اللذات الحسية والمعنوية الباقية فظهر وجه الشبه بينهما وقال الطيبي وضع قوله فإن معي قوما موضع فتهيؤا للقتال وشبه محبتهم بالموت ولقاء العدو بمحبتهم الخمر إيذانا بشجاعتهم وأنهم من رجال الحرب فوارس لا يملون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزبون وأنهم ليسوا منها في شيء بل هم قوم مشتغلون باللهو والطرب كالمخدرات فخرت بأن لك مأكولا ولبسا وذلك فحرربات الحجول اه ويمكن أن يقال المراد أن الشجاعة سجية لهم حتى يحبوا القتل بمغيبته كما يحب فارس الخمر لأنها تحملهم على الحرارة وتقويهم على الشجاعة ففيه تعريض لهم بأن شجاعتهم عارضة وليست خلقية والسلام على من اتبع الهدى فكان السلام الأول مبادأة والثاني موادعة أو مراده أن السلام أولا وآخرا على من اتبع الهدى باطنا وظاهرا رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة كتاب مشهور له بأسانيده


باب القتال في الجهاد
أي في حث القتال وترغيبه وثوابه في المجاهدة مع الكفار
الفصل الأول
عن جابر رضي الله عنه قال قال رجل لرسول الله يوم أحد أرأيت أي أخبرني إن قتلت أي شهيدا فأين أنا أي فأين أكون أنا في الجنة أم في النار قال في الجنة فألقى تمرات في يده أي مبادرة إلى الشهادة وسعادة دخول الجنة ثم قاتل حتى قتل وليس هذا عمير بن الحمام على ما سبق فإنه قتل في بدر متفق عليه وعن كعب بن مالك أي الأنصاري رضي الله عنه الخزرجي شهد العقبة الثانية والمشاهدة بعدها غير تبوك وكان أحد شعراء النبي وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك والآخر أن هلال بن أمية ومرارة بن ربيعة روى عنه جماعة مات سنة خمسين وهو ابن سبع وسبعين سنة بعد أن عمي كذا ذكره المؤلف قال لم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورى بغيرها في النهاية ورى بغيره أي ستره وكنى عنه وأوهم أنه يريد غيره وأصله من الوراء أي ألقى البيان وراء ظهره قال ابن الملك أي سترها بغيرها وأظهر أنه يريد غيرها لما فيه من الحزم وإغفال العدو والأمن من جاسوس يطلع على ذلك فيخبر به العدو وتوريته كان تعريضا بأن يريد مثلا غزوة مكة فيسأل الناس عن حال خيبر وكيفية طرقها لا تصريحا بأن يقول إني أريد غزوة أهل الموضع الفلاني وهو يريد غيرهم لأن هذا كذب غير جائز حتى كانت تلك الغزوة أي غزوة العسرة يعني أي يريد كعب بتلك الغزوة غزوة تبوك وهو موضع قريب الشام غزاها رسول الله في حر شديد استئناف مبين للعلة واستقبل سفرا بعيدا ومفازا أي برية قفرا وعدوا كثيرا فجلى بتشديد اللام أي فأظهر للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم بضم الهمزة أي ليتهيؤوا عدة قتالهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد أي صريحا رواه البخاري قال ميرك الحديث متفق عليه لكن اللفظ للبخاري وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله الحرب خدعة بفتح الخاء أصح وبضمها أشهر ويجوز كسرها ففي القاموس الحرب خدعة مثلثة وكهمزة وروى


بهن جميعا أي ينقضي بخدعة وفي مختصر النهاية للسيوطي بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال
وبضمها مع فتح الدال فالأول معناه إن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع أي أن المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم يكن لها إقالة وهو أفصح الروايات وأصحها ومعنى الثاني هو الاسم من الخداع ومعنى الثالث إن الحرب تخدع الرجال وتميتهم ولا تفي لهم كما يقال فلان رجل لعبة وضحكة الذي يكثر منه اللعب والضحك وفي المشارق لعياض قوله الحرب خدعة كذا لأبي ذر وأكثر الرواة للصحيحين وضبطها الأصيلي خدعة وقال أبو ذر لغة النبي خدعة بالفتح وبه قال الأصمعي وغيره وحكى يونس فيها الوجهين ووجها ثالثا بضم الخاء وفتح الدال ولغة رابعة خدعة بفتحهما فالخدعة بمعنى أن أمرها ينقضي بخدعة واحدة يخدع بها المخدوع فتزل قدمه ولا يجد لها تلافيا ولا إقالة فكأنه نبه على أخذ الحذر من ذلك ومن ضم الخاء وفتح الدال نسب الفعل إليها أي تخدع هي من اطمأن إليها أو أن أهلها يخدعون فيها ومن فتحهما جميعا كان جمع خادع يعني أن أهلها بهذه الصفة فلا تطمئن إليهم كأنه قال أهل الحرب خدعة وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلافه وقال التوربشتي روى ذلك من وجوه ثلاثة بفتح الخاء وسكون الدال أي أنها خدعة واحدة من تيسرت له حق له الظفر وبضم الخاء وسكون الدال أي معظم ذلك المكر والخديعة وبضم الخاء وفتح الدال أي أنها خداعة للإنسان بما تخيل إليه وتمنيه ثم إذا لابسها وجد الأمر بخلاف ما خيل إليه قال النووي أفصح اللغات فيها فتح الخاء وإسكان الدال وهي لغة النبي واتفقوا على جواز الخداع مع الكفار في الحرب كيف اتفق إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء وقال الطبري إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض وحقيقته لا تجوز والظاهر إباحة حقيقة الكذب لكن الاقتصار على التعريض أفضل متفق عليه ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر وكذا الشيخان عن أبي هريرة وكذا


أحمد عن أنس وكذا أبو داود عن كعب بن مالك ورواه ابن ماجه عن ابن عباس وعن عائشة والبزار عن الحسين والطبراني عن الحسن وعن زيد بن ثابت وعن النواس بن سمعان وابن عساكر عن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عليهم أجمعين وكذا في الجامع الصغير فكاد الحديث أن يكون متواترا لكثرة الصحابة المخرجين وأسانيدهم
وعن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله يغزو أي يسافر للغزو مصاحبا بأم سليم بالتصغير أي أم أنس قال النووي وهي بنت ملحان بكسر الميم وفي اسمها خلاف تزوجها مالك بن النضر أبو أنس بن مالك فولدت له أنسا ثم قتل عنها مشركا وأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت ودعته إلى الاسلام فأسلم فقالت إني أتزوجك ولا آخذ منك صداقا لإسلامك فتزوجها أبو طلحة روى عنها خلق كثير ونسوة بالجر أي وبجماعة من النساء من الأنصار معه تأكيد للمصاحبة وفي نسخة بالرفع فالجملة حالية قال الطيبي إن روي بالجر عطفا على أم سليم لم يكن لقوله معه زيادة فائدة لأن الباء في بأم سليم بمعناه فالوجه أن يكون مرفوعا على الابتداء ومعه خبره والجملة حالية إذا غزا أي النبي مع أصحابه يسقين بفتح أوله وضمه أي النساء يسقين الماء للغزاة ويداوين الجرحى أي المجروحين منهم وفي نسخة فيسقين فإذا ظرفية للمعية وعلى الأول شرطية قال النووي هذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس بشرة إلا في موضع الحاجة وقال ابن الهمام الأولى في إخراج النساء العجائز للمداواة والسقي ولو احتيج إلى المباضعة فالأولى إخراج الإماء دون الحرائر ولا يباشرن القتال لأنه يستدل به على ضعف المسلمين إلا عند الضرورة وقد قاتلت أم سليم يوم حنين وأقرها النبي حيث قال لمقامها خير من مقام فلان يعني بعض المنهزمين رواه مسلم وعن أم عطية قال المؤلف هي نسيبة بالتصغير بنت كعب وقيل بنت الحارث الأنصارية بايعت النبي قالت غزوت مع رسول الله سبع غزوات أخلفهم بضم اللام أي أقوم مقام الغزاة


في رحالهم أي منازلهم ومتاعهم فاصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى أي على مؤنة خدمتهم رواه مسلم وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال نهى رسول الله عن قتل النساء
والصبيان متفق عليه قال ابن الهمام أخرج الستة إلا النسائي عن ابن عمران امرأة وجدت مقتولة فنهى عن قتل النساء والصبيان قال وما أظن إلا أن حرمة قتل النساء والصبيان إجماع وعن أبي بكر أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام فقال لا تقتلوا الولدان ولا النساء ولا الشيوخ الحديث قال لكن يقتل من قاتل من كل من قلنا إنه لا يقتل كالمجنون والصبي والمرأة والشيوخ والرهبان إلا أن الصبي والمجنون يقتلان في حال قتالهما أما غيرهما من النساء والرهبان ونحوهم فإنهم يقتلون إذا قاتلوا بعد الأسر والمرأة الملكة تقتل وإن لم تقاتل وكذا الصبي الملك والمعتوه الملك لأن في قتل الملك كسر شوكتهم وعن الصعب بن جثامة بتشديد المثلثة قال المؤلف هو لبثى كان ينزل ودان والأبواء من أرض الحجاز حديثه في الحجازيين روى عنه ابن عباس وغيره مات في خلافة أبي بكر رضي الله عنه قال سئل رسول الله عن أهل الديار وفي نسخة عن أهل الدار قال ابن الملك المراد بأهل الديار كل قبيلة اجتمعت في محلة باعتبار أنها تجمعها وتدور حولهم يبيتون هو على صيغة المجهول حال من أهل الدار وقوله من المشركين حال أخرى ومن بيانية ذكره الطيبي وفي النهاية أي يصابون ليلا وتبييت العدو هو أن يقصد بالليل من غير أن يعلم فيؤخذ بغتة وهو البيات فيصاب أي بالقتل والجرح من نسائهم وذراريهم في شرح مسلم الذراري بالتشديد أفصح وهي النساء والصبيان اه والمراد هنا الأطفال والولدان من الذكور والإناث قال هم منهم أي النساء والصبيان من الرجال يعني أنهم في حكمهم إذا لم يتميزوا فالنهي محمول على التشخص قال ابن الهمام وفي لفظ هم من آبائهم فيجب دفعا للمعارضة حمله على مورد السؤال وهم المبيتون وذلك إن فيه ضرورة عدم


العلم والقصد إلى الصغار بأنفسهم لأن التبييت يكون معه ذلك والتبييت هو المسمى في عرفنا بالكبسية وما الظن إلا أن حرمة مقتل النساء والصبيان إجماع وقيل المراد استرقاق
النساء والصبيان قال القاضي أراد به تجويز سبيهم واسترقاقهم كما لو أتوا أهلها نهارا وحاربوهم جهارا أو أن من قتل منهم في ظلمة الليل اتفاقا من غير قصد وتوجه إلى قتله فهدر لا حرج في قتله لأنهم أيضا كفار وإنما يجب التحرز عن قتلهم حيث يتيسر ولذلك لو تترسوا بنسائهم وذراريهم لم يبال بهم قال ابن الهمام ولا بأس يرميهم وإن كان فيهم أسير مسلم أو تاجر بل ولو تترسوا بأسارى المسلمين وصبيانهم سواء علم أنهم إن كفوا عن رميهم انهزم المسلمون أو لم يعلم ذلك إلا أنه لا يقصد رميهم في صورة التترس إلا إذا كان في الكف عن رميهم في هذه الحالة انهزام المسلمين وهو قول الحسن بن زياد فإن رموا أصيب أحد من المسلمين فعند الحسن بن زياد فيه الدية والكفارة وعند الشافعي فيه الكفارة قولا واحدا وفي الدية قولان والأدلة مبسوطة في شرحه قال محمد إذا فتح الإمام بلدة ومعلوم أن فيها مسلما أو ذميا لا يحل قتل أحد منهم لاحتمال كونه ذلك المسلم أو الذمي إلا أنه قال ولو أخرج واحد من عرض الناس حل إذا قتل الباقي لجواز كون المخرج هو ذاك فصار في كون المسلم في الباقين شك بخلاف الحالة الأولى فإن كون المسلم أو الذمي فيهم معلوم باليقين وقال النووي أما شيوخ الكفار فإن كان فيهم رأي قتلوا وإلا ففيهم وفي الرهبان خلاف قال مالك وأبو حنيفة لا يقتلون والأصح في مذهب الشافعي قتلهم وفيه أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا كحكم آبائهم وأما في الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ ثلاث مذاهب الصحيح أنهم في الجنة والثاني في النار والثالث لا يجزم فيهم بشيء وفي رواية هم من آبائهم متفق عليه وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قطع نخل بني النضير وحرق بتشديد الراء أي أمر بقطع نخيلهم وتحريقها وهم


طائفة من اليهود وقصتهم مشهورة مذكورة في كتب السير كالمواهب وفي تفسير سورة الحشر كالبغوي ولها أي لهذه القصة أو الحادثة أو لهذه النخلة يقول حسان بتشديد السين ويجوز صرفه وعدمه بناء على أنه مأخوذ من الحسن أو الحسن والأول أحسن وهو ابن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري شاعر رسول الله صحابي مخضرم عاش هو وأبوه وجده وجد أبيه كل واحد منهم مائة وعشرين سنة ولا يعرف ذلك مجتمعا لغيرهم كذا في حاشية القاموس وهان أي سهل على سراة بني


لؤي بفتح السين جمع سرى وبنو لؤي بضم اللام وهمزة مفتوحة ويبدل وياء مشددة أي أشراف قريش ورؤسائهم حريق أي محروق فاعل هان بالبويرة بضم الموحدة موضع نخل لبني النضير مستطير صفة لحريق أي منتشر وفي ذلك أي فيما ذكر من القطع والتحريق نزلت أي هذه الآية ما قطعتم من لينة أي أي شيء قطعتم من نخلة أو تركتموها الضمير لما وتأنيثه لأنه مفسر باللينة قائمة على أصولها أي لم تقطعوها فبإذن الله أي فبأمره وحكمه المقتضي للمصلحة والحكمة وتمام الآية وليخزي الفاسقين الحشر أي وفعلتم أو أذن لكم في القطع بهم ليجزيهم على فسقهم بما ظنهم فيه وروي أنه عليه السلام لما أمر بقطع نخيلهم قالوا يا محمد قد كنت تنهي عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها فنزلت واستدل به على جواز هدم ديار الكفار وقطع أشجارهم زيادة لغيظهم ذكره البيضاوي وقال النووي اللينة المذكورة في القرآن هي أنواع التمر كلها إلا العجوة وقيل كرام النخل وقيل كل النخل وقيل كل الأشجار وقيل إن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعا وفيه جواز قطع شجر الكفار وإحراقه وبه قال الجمهور وقيل لا يجوز قال ابن الهمام يجوز ذلك لأن المقصود كبت أعداء الله وكسر شوكتهم وبذلك يحصل ذلك فيفعلون ما يمكنهم من التحريق وقطع الأشجار وإفساد الزرع لكن هذا إذا لم يغلب علي الظن إنهم مأخوذون بغير ذلك فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وإن الفتح باد كره ذلك لأنه إفساد في غير محل الحاجة وما أبيح إلا لها متفق عليه قال ابن الهمام ورواه الستة في كتبهم وعن عبد الله بن عون بالنون في آخره وفي نسخة بالفاء رضي الله عنه أن نافعا أي مولى ابن عمر كتب إليه أي إلى ابن عون يخبره أي نافع إن ابن عمر أخبره أي نافعا أن النبي أغار على بني المصطلق بضم فسكون ففتح فكسر فقاف بطن من خزاعة ذكره السيوطي غارين بتشديد الراء أي غافلين حال من بني المصطلق في نعمهم بفتحتين أي كائنين في مواشيهم بالمريسيع بالتصغير اسم ماء


لبني المصطلق بالعصب وهو من نواحي قديد بين مكة والمدينة فقتل أي النبي المقاتلة بكسر التاء جمع مقاتل والتاء باعتبار الجماعة كذا ذكره ابن الملك والظاهر أن المقاتلة صيغة الواحدة أطلق على الجماعة
والمراد بها ههنا من يصلح للقتال وهو الرجل البالغ العاقل وسبى أي النبي عليه الصلاة والسلام الذرية أي النساء والصبيان قال ابن الملك وفيه جواز قتل الكفار وأخذ أموالهم حال كونهم غافلين متفق عليه قال ابن الهمام وفي الصحيحين عن ابن عون كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فكتب إلي إنما كان ذلك أول الإسلام قد أغار رسول الله على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث حدثني به عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش وعن أبي أسيد رضي الله عنه قال التوربشتي الراوي هو أبو أسيد بضم الهمزة وفتح السين ومنهم من فتح الهمزة وكسر السين والأول أصح وأشهر قال المؤلف هو أبو أسيد مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي شهد المشاهد كلها وهو مشهور بكنيته روي عنه خلق كثير مات سنة ستين وله ثمان وسبعون سنة بعد أن ذهب بصره وهو آخر من مات من البدريين وأسيد بضم الهمزة وفتح السين المهملة وسكون الياء اه وزاد في جامع الأصول وبالدال المهملة إن النبي قال لنا يوم بدر حين صففنا لقريش أي لقتالهم وصفوا لنا إذا أكثبوكم بالهمز أي قاربوكم بحيث يصل إليهم سهامكم فعليكم بالنبل بفتح النون وسكون الموحدة أي بالسهم العربي الذي ليس بطويل كالنشاب كذا في النهاية وفي رواية إذا كثبوكم والكثب القرب والهمزة في أكثبوكم للتعدية فلذلك عداها إلى ضميركم وفي القاموس القرب والهمزة في أكثبوكم للتعدية فلذلك عداها إلى ضميركم وفي القاموس الكثب بالتحريك القرب وكثب عليه حمل وأكثبه دنا منه وفي رواية أي للبخاري ويحتمل غيره إذا أكثبوكم بالهمز فارموهم والمعنى لا تستعجلوا في الرمي ولا ترموهم من بعد فإنه قد


يخطىء واستبقوا نبلكم بسكون الموحدة فيهما قال ابن الملك استفعال من البقاء بخلاف قوله تعالى فاستبقوا الخيرات البقرة فإنه افتعال من السبق وقال المظهر أي لا ترموا كلها فإنكم إن رميتموها بقيتم بلا نبال اه والمعنى ما قدمناه رواه البخاري وحديث سعد أي هنا هل تنصرون بصيغة المفعول وآخره إلا بضعفائكم سنذكره أي نحن في باب فضل الفقراء يعني أنه به أنسب وحديث البراء بعث رسول الله رهطا في باب المعجزات أي سنذكره فيه إن شاء الله تعالى

الفصل الثاني


عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أحد العشرة المبشرة ومر ذكره قال عبأنا بالألف وفي نسخة بالهمز قال التوربشتي يهمز ولا يهمز يقال عبأت الجيش وعبيتهم تعبيه وتعبئة أي هيأتهم في مواضعهم وألبستهم السلاح أي رتبنا وهيأنا للحرب النبي وفي نسخة صحيحة رسول الله ببدر ليلا يعني سوى الصفوف وأقام كلا منا مقاما يصلح له في الليل ليكون على طبقه ووفقه في النهار هذا وفي القاموس عبأ المتاع والأمر كمنع هيأه والجيش جهزه كعباء تعبئة فيهما هذا في المهموز وأما في المعتل فقال تعبية الجيش تهيئته في مواضعه ولا يخفى أن المادة الثانية هي أنسب بالمقام رواه الترمذي وعن المهلب بتشديد اللام المفتوحة قال المؤلف هو المهلب بن أبي صفرة الأزدي صاحب المقامات المأثورة والحروب المشهورة مع الخوارج سمع سمرة وابن عمر روى عنه جماعة مات سنة ثلاث وثمانين بمرو الرود من أرض خراسان في أيام عبد الملك بن مروان وهو في الطبقة الأولى من تابعي البصرة اه فالحديث مرسل فكان ينبغي التنبيه عليه أن رسول الله قال أي في غزوة الخندق ذكره السيد جمال الدين أن بيتكم العدو بتشديد التحتية أي أن قصدكم بالقتل ليلا واختلطتم معهم فليكن شعاركم بكسر أوله ويفتح ففي القاموس الشعار ككتاب علامة يعرف بها في الحروب ويفتح وهو مرفوع وفي نسخة منصوب على أن الخبر قوله حم بالفتح والإمالة لا ينصرون بصيغة المفعول وهو دعاء أو أخبار قال القاضي أي علامتكم التي تعرفون بها أصحابكم هذا الكلام والشعار في الأصل العلامة التي تنصب ليعرف بها الرجل رفقته وحم لا ينصرون معناه بفضل السور المفتتحة بحم ومنزلتها من الله لا ينصرون وقيل إن الحواميم السبع سور لها شأن قال ابن مسعود إذا وقعت في آل حم وقعت في رياضات دفعات فنبه على أن ذكرها لعظم شأنها وشرف منزلتها عند الله مما يستظهر به المسلمون على استنزال النصر عليه والخذلان على عدوهم


فأمرهم أن يقولوا حم ثم استأنف وقال لا ينصرون جوابا لسائل عسى أن يقول ماذا يكون إذا قلت هذه الكلمة فقال لا ينصرون وقيل حم من أسماء الله تعالى وأن المعنى اللهم لا ينصرون وفيه نظر لأن حم لم يثبت في أسماء الله تعالى ولأن جميع أسمائه مفصحة عن ثناء وتحميد وحم ليس إلا اسمي حرفين من الحروف المعجمة ولا معنى تحته يصلح لأن يكون بهذه المثابة قلت الظاهر أن مراد القائل أن حم من أسماء الله بمعنى أن حروفها دالة على أسمائه سبحانه كالحميد والحي والملك والمقتدر والمنتقم وأمثالهما مما كل حرف منه يفتتح به اسم من أسماء الله تعالى فإذا ذكر ذلك الحرف فكأنما ذكر ذلك الاسم هذا وفي المعالم قال السدي عن ابن عباس قال حم اسم الله الأعظم وقال عطاء الخراساني الحاء افتتاح أسمائه حليم حميد حي حكيم حنان والميم افتتاح أسمائه ملك مجيد منان وقال الضحاك والكسائي معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه حم بضم الحاء وتشديد الميم اه قال ولأنه لو كان اسما كسائر الأسماء لأعرب كما أعربه الشاعر حيث جعله اسما للسورة فقال يذكر لي حم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم ومنعه الصرف للعملية والتأنيث قلت وفيه نظر لأن الشاعر إنما أعربه لضرورة إقامة الوزن مع أنه قرىء حم في القرآن بفتح الميم وكسرها على التقاء الساكنين والنصب بإضمارا قرأ ومنع صرفه للتركيب أو للتعريف والتأنيث أو لأنها على زنة أعجمي كقابيل وهابيل قال وقد نسب هذا القول إلى ابن عباس رضي الله عنهما فإن صح عنه فتوجيهه أن يقال أراد بحاميم منزل حاميم وهو الله تعالى فلما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وأجري على الحكاية صار حم كالمطلق على الله تعالى والمستعمل فيه فعد من أسمائه بهذا التأويل اه وتصريحه بأنه الاسم الأعظم على ما تقدم يأبى عن هذا التأويل فتأمل وقال الخطابي بلغني عن ابن كيسان النحوي أنه سأل أبا العباس أحمد بن يحيى عنه فقال معناه الخبر ولو كان


بمعنى الدعاء لكان لا ينصرون مجزوما كأنه قال والله لا ينصرون قال الطيبي ويمكن أن يقال عن وقوعه كما تقول رحمك الله ويهديك ونحوه لكن في معنى النهي كقوله تعالى لا تعبدون إلا الله البقرة الكشاف لا تعبدون إخبار في معنى النهي وهو أبلغ من صريح النهي لأنه كان سورع إلى الانتهاء فهو يخبر عنه اه وقد ذكر السيد جمال الدين في روضة الأحباب إن شعار المهاجرين كان يا خيل الله فطريق الجمع أن يكون شعار حم لا ينصرون مختصا بالأنصار رواه الترمذي وأبو داود وعن سمرة بفتح فضم ابن جندب بضمهما وبفتح الدال رضي الله عنه قال


كان شعار المهاجرين عبد الله وشعار الأنصار عبد الرحمن وفي شعاريهما إشعار بتفاوت منزلتهما ولعل هذا كان في غزوة أخرى رواه أبو داود وعن سلمة بن الأكوع قال غزونا مع أبي بكر وليس رضي الله عنه في الأصل في زمن النبي فبيتناهم نقتلهم استئناف مبين أو حال وكان شعارنا بالرفع لا غير تلك الليلة أمت أمت التكرار للتأكيد أو المراد أن هذا اللفظ كان مما يتكرر قيل المخاطب هو الله تعالى فإنه المميت فالمعنى يا ناصر أمت العدو وفي شرح السنة يا منصور أمت فالمخاطب كل واحد من المقاتلين رواه أبو داود وعن قيس بن عباد بضم مهملة وتخفيف موحدة قال المؤلف بصري من الطبقة الأولى من تابعي البصرة روى عن جماعة من الصحابة قال كان أصحاب النبي وفي نسخة رسول الله يكرهون الصوت أي بغير ذكر الله عند القتال قال المظهر عادة المحاربين أن يرفعوا أصواتهم إما لتعظيم أنفسهم أو لإظهار كثرتهم بتكثير أصواتهم أو لتخويف أعدائهم أو لإظهار الشجاعة بأن يقول أنا الشجاع الطالب للحرب والصحابة كانوا يكرهون رفع الصوت بشيء منها إذ لا يتقرب بها إلى الله تعالى بل يرفعون الأصوات بذكر الله فإن فيه فوز الدنيا والآخرة رواه أبو داود وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي قال اقتلوا شيوخ المشركين أراد ما يقابل الصبيان وأما الشيخ الفاني فلا يقتل إلا إذا كان ذا رأي واستحيوا أي استبقوا شرخهم بفتح فسكون أي صبيانهم تفسير من الصحابي أو أحد الرواة ويؤيده ما في النهاية الشرخ الصغار الذين لم يدركوا وأما تفسير الاستحياء بالاسترقاق فتوسع ومجاز وذلك أن الغرض من استبقائهم أحياء استرقاقهم واستخدامهم قال أبو عبيد أراد


بالشيوخ الرجال والشبان أهل الجلد منهم والقوة على القتال ولم يرد الهرمي الذين إذا سبوا لم ينتفع بهم للخدمة وأراد بالشرخ الشبان أهل الجلد الذين يصلحون للملك والخدمة قال أبو بكر الشرخ أول الشباب فهو واحد يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع يقال رجل صوم ورجلان صوم ورجال صوم وامرأة صوم وامرأتان صوم ونسوة صوم وقيل إن الشرخ جمع كصاحب وصحب وراكب وركب قلت واختاره صاحب القاموس قال التوربشتي وفي الشيوخ وجه آخر وهو أن تقول ولم يرد استبقاء هؤلاء للملك والخدمة لما في نفوسهم من العصبية ولاستمرارهم على الكفر طول العمر ثم لما فيهم من المكر والدهاء فلا يؤمن إذا غائلتهم ودخلتهم وما يتولد منهم من الفساد في الدين أو ثلمة في الإسلام وهؤلاء غير الفتاة الذين لا يعبأ بهم ولا يكترث لهم وهذا أولى ما يؤول عليه هذا الحديث لئلا يخالف حديث أنس الذي في هذا الباب وذلك ما روى عنه لا تقتلوا شيخا فانيا وقال أيضا قوله أي صبيانهم ليس من متن الحديث ولا من كلام الصحابي فلعل بعض الرواة في بعض طرقه أدرجه في الحديث فوجده المؤلف فيما بلغه فذكره والظاهر أنه من عند المؤلف قلت وفيه نظر ظاهر إذ لو كان من عنده كيف يصح قوله رواه الترمذي وأبو داود لكن يؤيد كلام الشيخ أن السيوطي ذكر الحديث من غير التفسير وقال رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال الطيبي إنما فسر الشرخ بالصبيان ليقابل الشيوخ فيكون المراد بالشيوخ الشبان وأهل الجلد فيصح التقابل وعن عروة بضم أوله تابعي مشهور سبق ذكره قال حدثني أسامة أي ابن زيد حب رسول الله إن رسول الله كان عهد إليه أي أوصاه حين بعثه أميرا قال تفسير العهد أغر بفتح الهمزة وكسر الغين المعجمة أمر من الإغارة وقيل أمر من الغزو فيكون بضم الهمزة والزاي وهو غير صحيح ويرد عليه لفظ على ومنهم من ضبطه بفتح الهمزة وكسر الغين وتشديد الراء من الغرة ولا عبرة به فإنه تصحيف على أبني بضم الهمزة والقصر اسم موضع من فلسطين


بين عسقلان والرملة ويقال لها بيني بالياء ذكره في النهاية وقال التوربشتي بضم الهمزة موضع من بلاد جهينة ومن الناس من يجعل بدل الهمزة لاما ولا عبرة به اه وتوضيحه أنه بضم الهمزة وسكون موحدة ونون بعده ألف أي على أهله قال ابن الهمام قيل إنه اسم قبيلة صباحا أي حال غفلتهم وفجاءة نبهتهم وعدم أهبتهم وحرق بصيغة الأمر
وفي رواية ثم حرق أي زروعهم وأشجارهم وديارهم قال ابن الهمام إذا أراد الإمام العود ومعه مواش من مواشي أهل الحرب ولم يقدر على نقلها إلى دار الإسلام ذبحها ثم حرقها ولا يعقرها كما نقل عن مالك لما فيه من المثلة بالحيوان وعقر جعفر بن أبي طالب فرسه ربما كان لظنه عدم الفتح في تلك الوقعة فخشي أن ينال المشركون فرسه فلم يتمكن من الذبح لضيق الحال عنه بالشغل بالقتل أو كان قبل نسخ المثلة أو علمه بها ولا يتركها لهم وقال الشافعي وأحمد يتركها لأنه عليه السلام نهى عن ذبح الشاة إلا لمآكلة قلنا هذا غريب عنه عليه السلام نعم روي من قول أبي بكر نفسه رواه مالك في موطئه ثم هو محمول على ما إذا أيقن الفتح وصيرورة البلاد دار الإسلام وكان ذلك هو المستمر في بعوث أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فباعتباره كان ذلك وقد قلنا بذلك وذكرنا فيما تقدم أنه إذا كان كذلك فلا يحرق ولا يخرب لأنه إتلاف مال المسلمين ألا ترى إلى قول أبي بكر رضي الله عنه عنه في الحديث المذكور ولا تحرق وهو قد علم قوله عليه الصلاة والسلام أغر على ابني صباحا ثم حرق بقي مجرد ذبح الحيوان وأنه لغرض الأكل جائز لأنه غرض صحيح ولا غرض أصح من كسر شوكتهم وتعريضهم على المهلكة والموت وإنما يحرق لقطع منفعة عن الكفار وصار كتخريب البنيان والتحريق لهذا الغرض الكريم بخلاف التحريق قبل الذبح لأنه منهي عنه وفيه أحاديث كثيرة منها حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعثنا رسول الله في بعث فقال لنا إن وجدتم فلانا وفلانا فاحرقوهما بالنار فلما خرجنا دعانا رسول


الله وقال إن وجدتم فلانا وفلانا فاقتلوهما ولا تحرقوهما فإنه لا يعذب بها إلا الله ورواه البزار وسماهما هبار بن الأسود ونافع بن عبد القيس وطوله البيهقي وذكر أن السبب أنهما كانا روعا زينب بنت رسول الله حين خرجت لاحقة به حتى ألقت ما في بطنها والقصة مفصلة عند ابن إسحاق معروفة لأهل السير وذكر البخاري أيضا تحريق علي الزنادقة الذين أتى بهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهى رسول الله لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلتهم لقوله من بدل دينه فاقتلوه وأخرج البزار في مسنده عن عثمان بن حبان قال كنت عند أم الدرداء فأخذت برغوثا فرميته في النار فقالت سمعت أبا الدرداء يقول قال رسول الله لا يعذب بالنار إلا رب النار وأما ما في فتاوى الوالجي بترك النساء والصبيان في أرض غامرة أي خربة حتى يموتوا جوعا كيلا يعودوا حربا علينا لأن النساء بهن النسل والصبيان يبلغون فيصيرون حربا علينا فبعيد لأنه قتل بما هو أشد من القتل الذي نهى عنه النبي في النساء والصبيان لما فيه من التعذيب ثم هم قد صاروا أسارى بعد الاستيلاء وقد أوصى النبي بالأسرى خيرا حدث ابن إسحاق عن نبيه بن وهب أخي بني عبد الدار إن رسول الله حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه وقال استوصوا بالأسارى خيرا فقال أبو عزير مولى أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار فأسرني فقال له شد يديك به فإن أمه ذات متاع قال وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر بوصية رسول الله


إياهم بنا ما يقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلانفحني بها قال فأستحيي فأردها على أحدهم فيردها على من يمسكها فكيف يجوز أن يقتلوا جوعا اللهم إلا أن يضطروا إلى ذلك بسبب عدم الحمل والميرة فيتركوا ضرورة والله أعلم رواه أبو داود قال ابن الهمام رواه أبو داود وغيره والغارة لا تكون مع دعوة فيحمل على أنهم بلغتهم الدعوة أولا فاكتفى بها وعن أبي أسيد مر ذكره قريبا رضي الله عنه قال قال رسول الله يوم بدر إذا أكثبوكم فارموهم ولا تسلوا بضم السين وتشديد اللام أي لا تخرجوا السيوف أي من غلافها حتى يغشوكم بفتح الشين أي حتى يقربوكم قربا يصل سيفكم إليهم رواه أبو داود وعن رباح بفتح الراء والموحدة وفي نسخة بكسر الراء والتحتية ابن الربيع بفتح الراء وكسر الموحدة وكذا ضبطه المغني بالوجهين وفي التقريب رباح بن الربيع الأسدي رضي الله عنه أخو حنظلة الكاتب ويقال بكسر أوله وبالتحتانية صحابي له حديث وفي المنقبة لتحرير المشتبه للعسقلاني رباح بالموحدة عدة وبياء وكسر أوله جماعة واختلف في رباح بن الربيع الصحابي أخو حنظلة الكاتب وقال المؤلف هو رباح بن الربيع الأسدي الكاتب حديثه في البصريين روى عنه قيس بن زهير الأسدي بضم الهمزة وفتح السين وتشديد الياء الأولى والثانية قال كنا مع رسول الله في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال أي له انظر على ما اجتمع هؤلاء فجاء أي الرجل فقال على امرأة قتيل أي مقتولة وإذا ذكر الموصوف يستوي في الفعيل بمعنى المفعول المذكر والمؤنث فقال ما كانت هذه أي المرأة لتقاتل اللام هي الداخلة في خبر كان لتأكيد النفي كقوله تعالى وما كان الله ليطلعكم على الغيب آل عمران وعلى المقدمة بكسر الدال ويفتح خالد بن الوليد فبعث أي النبي رجلا أي إلى خالد فقال قل لخالد لا تقتل امرأة ولا عسيفا أي أجيرا وتابعا للخدمة ولعل علامته أن يكون بلا سلاح رواه أبو داود


وكذا النسائي وأخرجه النسائي أيضا وابن ماجه وكذا أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وفي لفظ فقال هاه ما كانت هذه تقاتل ثم قال وهكذا رواه المغيرة وابن عبد الرحمن وابن جريج عن أبي الزناد فصار الحديث صحيحا على شرط الشيخين وهاه كلمة زجر والهاء الثانية للسكت كذا حققه ابن الهمام وقد سبق عنه أنه قال أخرج الستة إلا السنائي عن ابن عمر أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله مقتولة فنهى عن قتل النساء والصبيان وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال انطلقوا أي اذهبوا وسيروا متبركين باسم الله مستعنين وبالله ثابتين وعلى ملة رسول الله والأحوال يجوز أن تكون مترادفات أو متداخلات لا تقتلوا وفي نسخة ولا تقتلوا شيخا فانيا أي إلا إذا كان مقاتلا أو ذا رأي وقد صح أمره عليه السلام بقتل زيد بن الصمة وكان عمره مائة وعشرين عاما أو أكثر وقد جيء به في جيش هوازن للرأي ذكره ابن الهمام ولا طفلا صغيرا الظاهر أنه بدل أو بيان أي صبيا دون البلوغ واستثنى منه ما إذا كان ملكا أو مباشرا للقتال ولا امرأة أي إذا لم تكن مقاتلة ولم تكن ملكة ولا ذات رأي في المحاربة ولا تغلوا وضموا بضم أوله أي اجمعوا غنائمكم وأصلحوا أي أموركم وأحسنوا أي فيما بينكم فإن الله يحب المحسنين أي يثيبهم ويكرمهم رواه أبو داود قال ابن الهمام وفيه خالد بن العزر قال ابن معين ليس بذاك وأما معارضته بما سبق من قوله اقتلوا شيوخ المشركين فاضعف منه ثم على أصول كثير من الناس لا معارضة بل يجب أن يخص الشيوخ بغير الفاني ثم المراد بالشيخ الفاني الذي لا يقتل من لا يقدر على القتال ولا الصياح عند التقاء الصفين ولا على إلاحبال لأنه يجيء منه الولد فيكثر محارب المسلمين ذكره في الذخيرة وزاد الشيخ أبو بكر الرازي في كتاب المرتد في شرح الطحاوي أنه إذا كان كامل العقل نقتله ومثله نقتله إذا ارتد والذي لا نقتله الشيخ الفاني الذي خرف وزال عن حدود العقلاء


المميزين فهذا حينئذ يكون بمنزلة المجنون فلا نقتله ولا إذا ارتد اه ولا نقتل مقطوع اليد اليمنى والمقطوع يده ورجله من خلاف وفي السير الكبير لا يقتل الراهب في صومعته ولا أهل الكنائس الذين لا يخالطون الناس فإن خالطوا قتلوا كالقسيس وروى مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر بعث جيوشا إلى الشام فخرج يشيع يزيد بن أبي سفيان فقال إني أوصيك بعشر لا تقتلن صبيا ولا امرأة ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا تعقرن شاة ولا بقرة إلا


لمأكلة ولا تحرقن ولا تخربن عامرا ولا تفرقن ولا تجبن ولا تغل وعن علي رضي الله عنه قال لما كان أي وجد يوم بدر تقدم أي من الكفار للقتال عتبة بن ربيعة وتبعه ابنه أي الوليد وأخوه أي شيبة فنادى أي عتبة من يبارز في القاموس برز بروزا خرج إلى البراز أي الفضاء وبارز القرن مبارزة وبرازا برز إليه والمعنى من يبرز إلي فيقاتلني فانتدب يقال ندبته فانتدب أي دعوته فأجاب كذا في النهاية وقوله له أي لعتبة والمعنى برز لمقاتلته ومقاتلة من معه شباب جمع شاب وفي نسخة شبان بضم أوله وتشديد الموحدة من الأنصار فقال من أنتم فأخبروه فقال لا حاجة لنا فيكم أي ما نريدكم إنما أردنا بني عمنا أي القرشيين من أكفائنا فقال رسول الله قم يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة بن الحارث بفتح التاء وضمها ففي الكافية العلم الموصوف بابن مضافا إلى علم آخر يختار فتحه وأما ابن فمنصوب لا غير فاقبل حمزة أي توجه إلى عتبة أي إلى محاربته فقتله وأقبلت إلى شيبة أي فقتلته كذا في سنن أبي داود وشرح السنة وفي بعض نسخ المصابيح إلى عتبة فقتله وأقبلت إلى شيبة فقتلته واختلف وفي نسخة فاختلف وهو بصيغة المعلوم وفي نسخة بصيغة المجهول بين عبيدة والوليد ضربتان أي ضرب كل واحد منهما صاحبه تعاقبا فأثخن أي جرح وأضعف كل واحد منهما صاحبه أي قرنه ثم ملنا بكسر الميم من الميل وفي نسخة بكسر الصاد من الصولة أي حملنا على الوليد أو ملنا حاملين عليه فقتلناه واحتملنا عبيدة في شرح السنة فيه إباحة المبادرة في جهاد الكفار ولم يختلفوا في جوازها إذا أذن الإمام واختلفوا فيها إذا لم تكن عن إذن الإمام فجوزها جماعة وإليه ذهب مالك والشافعي لأن الأنصار كانوا قد خرجوا وأقبل حمزة وعلي وعبيدة رضي الله عنهم إذا عجز واحد عن قرنه وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وقال الأوزاعي لا يعينونه لأن المبارزة إنما تكون هكذا رواه أحمد وأبو داود قال الحافظ ابن حجر العسقلاني وهذا أصح الروايات لكن


الذي في السير من أن الذي بارز الوليد علي هو
المشهور وهو اللائق بالمقام لأن عبيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة بخلاف علي والوليد فكانا شابين وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن علي قال أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحارث على الوليد بن عتبة فلم يعب النبي علينا ذلك وهو موافق لرواية أبي داود والله أعلم وبقية القضية في المواهب اللدنية وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال بعثنا رسول الله في سرية فحاص الناس حيصة قال القاضي أي فمالوا ميلة من الحيص وهو الميل فإن أراد بالناس أعداءهم فالمراد بها الحملة أي حملوا علينا حملة وجالوا جيلة فانهزمنا عنهم فأتينا المدينة وإن أراد به السرية فمعناها الفرار والرجعة أي مالوا عن العدو ملتجئين إلى المدينة ومنه قوله تعالى ولا يجدون عنها محيصا النساء أي مهربا ويؤيد المعنى الثاني قول الجوهري حاص عنه عدل وحاد يقال للأولياء حاصوا عن الأعداء وللأعداء انهزموا وفي الفائق فحاص حيصة أي انحرف وانهزم وروي فجاض جيضة بالجيم والضاد المعجمة وهو الحيدودة حذرا وفي النهاية فحاض المسلمون حيضة أي جالوا جولة يطلبون الفرار فاختفينا بها أي في المدينة حياء وقلنا أي في أنفسنا أو لبعضنا هلكنا أي عصينا بالفرار ظنا منهم أن مطلق الفرار من الكبائر ثم أتينا رسول الله فقلنا يا رسول الله نحن الفرارون قال بل أنتم العكارون أي الكرارون إلى الحرب والعطافون نحوها كذا في النهاية ومعناه الرجاعون إلى القتال وأنا فئتكم في النهاية الفئة الجماعة من الناس في الأصل والطائفة التي تقوم وراء الجيش فإن كان عليهم خوف أو هزيمة التجؤوا إليه وفي الفائق ذهب النبي في قوله أنا فئتكم إلى قوله تعالى أو متحيزا إلى فئة الأنفال يمهد بذلك عذرهم في الفرار أي تحيزتم إلي فلا حرج عليكم في شرح السنة قال عبد الله بن مسعود من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر والفرار من الزحف من الكبائر فمن فر من اثنين فليس له أن يصلي


بالإيماء في الفرار لأنه عاص كقاطع الطريق اه وهو تفريع على مقتضى مذهب الإمام الشافعي رواه الترمذي وفي رواية أبي داود نحوه وقال لا بل أنتم العكارون قال أي ابن عمر فدنونا فقبلنا يديه فقال أنا فئة المسلمين وسنذكر حديث أمية بالتصغير ابن عبد الله كان يستفتح أي يطلب الفتح والنصرة بصعاليك المهاجرين وحديث أبي الدرداء
بغوني أي اطلبوا رضاي في ضعفائكم تمامه فإنما ترزقون أو تنصرون بضعفائكم في باب فضل الفقراء إن شاء الله تعالى
الفصل الثالث


عن ثوبان بن بزيد رضي الله عنه صوابه ثور بن يزيد فإنه كذا في شرح ابن الهمام وكذا في أسماء الرجال للمغني وكذا في تحرير المشتبه للعسقلاني وكذا في أصل الجامع للترمذي وهو المفهوم من التقريب والكاشف بل ثوبان بن يزيد لا يوجد ذكره في الصحابة والتابعين وقال المؤلف في أسمائه ثور بن يزيد كلاعي شامي حمصي سمع خالد بن معدان روى عنه الثوري ويحيى بن سعيد مات سنة خمس وخمسين ومائة له ذكر في باب الملاحم اه لكن ما وجدناه في باب الملاحم وإنما ذكر بعده في باب أشراط الساعة ولفظه عن ثوبان من غير ذكر ابن يزيد ولا شك أن المراد به مولى رسول الله ولذا لم يقل في آخر الحديث مرسلا إن النبي نصب المنجنيق بفتح الميم وبكسر وفتح الجيم آلة يرمي بها الحجارة معربة وقد تذكر فارسيتها من جيرنيك أي ما أجودني كذا في القاموس على أهل الطائف أي بلاد ثقيف في واد أول قراها لقيم وآخرها الرهط سميت به لأنها طافت على الماء في الطوفان أو لأن جبريل طاف بها على البيت أو لأنها كانت بالشام فنقلها الله تعالى إلى الحجاز بدعوة إبراهيم عليه السلم كذا في القاموس رواه الترمذي مرسلا قال ابن الهمام رواه الترمذي معضلا فإنه قال قتيبة حدثنا وكيع عن رجل عن ثور بن يزيد الحديث قلت لوكيع من هذا الرجل فقال صاحبكم عمر بن هارون ورواه أبو داود في المراسيل عن مكحول مرسلا وكذلك رواه ابن سعد في الطبقات وزاد أربعين يوما وذكره الواقدي في المغازي وذكر أنه الذي أشار به سلمان الفارسي


باب حكم الإسراء
بضم الهمزة وفتح السين جمع أسير
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال عجب الله أي رضي من قوم يدخلون الجنة بصيغة المفعول وهو المناسب للمقام وفي نسخة بصيغة الفاعل في السلاسل حال من ضمير يدخلون والمعنى أنهم يؤخذون أسارى قهرا وكرها في السلاسل والقيود فيدخلون في دار الإسلام ثم يرزقهم الله الإيمان فيدخلون به الجنة فأحل الدخول في الإسلام محل دخول الجنة لإفضائه إليه وفي رواية أي للبخاري أو لغيره يقادون أي يجرون إلى الجنة بالسلاسل قال القاضي قد سبق غير مرة أن صفات العباد إذا أطلقت على الله تعالى أريد بها غاياتها فغاية التعجب والاستبشار بالشيء الرضا به واستعظام شأنه فالمعنى عظم الله شأن قوم يؤخذون عنوة في السلاسل فيدخلون في الإسلام فيصيرون من أهل الجنة ورضي عنهم وأحلهم محل ما يتعجب منه وقيل أراد بالسلاسل ما يردون به من قتل الأنفس وسبي الأزواج والأولاد وتخريب الديار وسائر ما يلجئهم إلى الدخول في الإسلام الذي سبب دخول الجنة فأقام المسبب مقام السبب ويحتمل أن يكون المراد بها جذبات الحق التي يجذب بها خاصة عباده من الضلالة إلى الهدى ومن الهبوط في مهاوي الطبيعة إلى العروج بالدرجات العلى إلى جنة المأوى قلت وكذا في معنى السلاسل مكروهات النفس من الفقر والمرض والخمول وسائر المصيبات البدنية وفوات اللذات النفسية فإنها تجر إلى الحالات السنية الروحية والمقامات العلية الأخروية ومن هذا القبيل كراهة الأولاد للكتاب والقراءة رواه البخاري وفي الجامع الصغير عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة


في السلاسل رواه أحمد والبخاري وأبو داود وفي رواية الطبراني عن أبي أمامة وأبي نعيم عن أبي هريرة عجبت لأقوام يساقون إلى الجنة في السلاسل وهم كارهون وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال أتى النبي عين من المشركين قال القاضي العين الجاسوس سمي به لأن عمله بالعين أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأن جميع بدنه صار عينا وهو أي والحال أن النبي في سفر فجلس أي الجاسوس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل أي انصرف فقال النبي اطلبوه واقتلوه فقتلته أي فطلبته فوجدته فقتلته فنفلني بتشديد الفاء ويجوز تخفيفه أي أعطاني سلبه بفتحتين أي ما كان عليه من الثياب والسلاح سمي به لأنه يسلب عنه قال ابن الهمام وكذا مركبه وما عليه من السرج والآلة وما معه على الدابة من مال وما على وسطه من ذهب وفضة قال الطيبي فنفلني أي أعطاني نفلا وهو ما يخص به الرحل من الغنيمة ويزاد على سهمه في شرح السنة فيه دليل على أن من دخل دار الإسلام من أهل الحرب من غير أمان حل قتله ومن تجسس للكفار من أهل الذمة كان ذلك منه نقضا للعهد وإن فعله مسلم فلا يحل قتله بل يعزر فإن ادعى جهالة بالحال ولم يكن منهما يتجافى عنه أي يتجاوز هذا قول الشافعي وفيه دليل على أن السلب للقاتل قال ابن الهمام التنفيل إعطاء الإمام الفارس فوق سهمه وهو من النفل وهو الزائد ومنه النافلة للزائد على الفرض ويقال لولد الولد كذلك أيضا ويقال نفله تنفيلا ونقله بالتخفيف نفلا لغتان فصيحتان ويستحب للإمام التحريض على القتال بالتنفيل فيقول من قتل قتيلا فله سلبه أو يقول للسرية قد جعلت لكم النصف أو الربع بعد الخمس متفق عليه وعنه أي عن سلمة رضي الله عنه قال غزونا مع رسول الله هوازن قبيلة مشتهرة بالرمي لا يخطىء سهمهم وكانوا في حنين وهو واد وراء عرفة دون الطائف وقيل


بينه وبين مكة ثلاث ليال وكان مسيره إليها يوم السبت لست ليال خلون من شوال لما فرغ من فتح مكة فبينما نحن نتضحى أي نتغدى مأخوذ من الضحاء بالمد وفتح الضاد وهو بعد امتداد النهار وفوق الضحى بالضم والقصر كذا في شرح مسلم وفي النهاية الأصل فيه أن العرب كانوا يسيرون في ظعنهم فإذا مروا ببقعة من الأرض فيها كلأ وعشب قال قائلهم الأ ضحوا رويدا أي ارفقوا بالإبل حتى تنضحي أي تنال من هذا المرعى ثم وضعت التضحية مكان الرفق ليصل الابل إلى المنزل وقد شبعت ثم اتسع فيه حتى قيل لكن من يأكل في وقت الضحى هو يتضحى أي يأكل في هذا الوقت كما يتغدى ويتعشى وقيل معناه نصلي الضحى مع رسول الله إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه وجعل ينظر أي يطالع وفينا ضعفة بسكون العين وفي نسخة بفتحها قال النووي ضبطوه على وجهين الصحيح المشهور بفتح الضاد وإسكان العين أي حالة ضعف وهزال والثاني بفتح العين جمع ضعيف وفي بعض النسخ بحذف الهاء قلت فيقوى القول الأول قال الطيبي ويؤيد الوجه الأول عطف قوله ورقة عليه بكسر الراء وتشديد القاف وقوله من الظهر بفتح الظاء صفة لها أي رقة حاصلة من قلة المركوب وبعضنا مشاة جمع ماش وكأنه عطف بيان إذ خرج أي الرجل من بيننا يشتد أي يعدو فأتى جملة فأثاره أي أقامه بعد ركوبه فاشتد وفي نسخة صحيحة بالواو أي أسرع به الجمل فخرجت وفي نسخة وخرجت اشتد أي في عقبه حتى أخذت بخطام الجمل بكسر أوله أي بزمامه فأنخته ثم اخترطت سيفي أي سللته من غمده فضربت رأس الرجل ثم جئت بالجمل أقوده أي أجره عليه أي على الجمل رحله أي متاع الرجل وسلاحه فاستقبلني رسول الله والناس بالرفع فقال من قتل الرجل قالوا ابن الأكوع قال سلبه اجمع متفق عليه وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال لما نزلت بنو قريظة بالتصغير طائفة من اليهود على حكم سعد بن معاذ قال القاضي إنما نزلوا بحكمه بعدما حاصرهم


رسول الله خمسة وعشرين يوما وجهدهم الحصار وتمكن الرعب في قلوبهم لأنهم كانوا حلفاء الأوس فحسبوا أنه يراقبهم ويتعصب لهم فأبى إسلامه وقوة دينه أن يحكم فيهم بغير ما حكم الله فيهم وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة في شوالها حين نقضوا عهدا لرسول الله ووافقوا الأحزاب روي أنهم لما انكشفوا على المدينة وكفى الله المؤمنين شرهم أتى جبريل النبي في ظهر اليوم الذي تفرقوا في ليلته فقال وضعتم السلاح والملائكة لم يضعوه فإن الله تعالى أمركم بالمسير إلى بني قريظة فائتهم عصرهم بعث جواب لما أي أرسل وفي نسخة إليه أي إلى سعد رسول الله فجاء على حمار أي شاكيا وجعه فإنه قد أصيب يوم الخندق فلما دنا أي قرب قال رسول الله قوموا إلى سيدكم قال النووي فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم والقيام لهم إذا أقبلوا واحتج به الجمهور وقال القاضي عياض ليس هذا من القيام المنهي عنه وإنما ذاك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويتمثلون قياما طول جلوسه وقيل لم يكن هذا القيام للتعظيم بل كان للإعانة على نزوله لكونه وجعا ولو كان المراد منه قيام التوقير لقال قوموا لسيدكم ويمكن دفعه بأن التقدير قوموا متوجهين إلى سيدكم لكن الأول أظهر لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ما كانوا يقومون له لكراهيته للقيام فجاء فجلس فقال رسول الله إن هؤلاء أي بني قريظة نزلوا على حكمك قال النووي وإنما فوض الحكم إلى سعد لأن الأوس طلبوا من النبي العفو عنهم لأنهم كانوا حلفاءهم فقال لهم النبي أما ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم فرضوا به قال فإني أحكم أن تقتل المقاتلة بكسر التاء أي من يتأتى منهم القتال ولو بالرأي وإن تسبى الذرية أي النساء والصبيان قال أي النبي عليه الصلاة والسلام لقد حكمت فيهم بحكم الملك بكسر اللام وهو الله ويؤيده قوله وفي رواية بحكم الله أي أصبت بهم وقضيت بقضاء ارتضى الله به ويروى بفتحها أي الملك النازل بالوحي وهو جبريل أو الذي ألقى الصواب في القلب قال


النووي الرواية المشهورة الملك بكسر اللام ويؤيده الرواية الأخرى قال القاضي وضبطه بعضهم في صحيح البخاري بكسر اللام وفتحها فإن صح الفتح فالمراد به جبريل أي الحكم الذي جاء به جبريل عن الله تعالى اه وفيه جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهماتهم العظام ولا يخالف في هذا الإجماع إلا الخوارج فإنهم أنكروا على علي رضي الله عنه التحكيم وإذا حكم الحاكم العادل في شيء لزمه حكمه ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع عنه بعد الحكم متفق عليه


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعث رسول الله أي في السنة السادسة خيلا هو على حذف المضاف أي فرسان الخيل وفي الحديث يا خيل الله اركبي أي يا فرسان خيل الله أو سميت الجماعة خيلا لأنهم تجردوا لما لا يتم إلا بها كما سميت الربيئة عينا قبل نجد بكسر القاف وفتح الموحدة أي حذاءه وجانبه في القاموس النجد وبضم جيمه مذكر وهو ما خالف الغور أي تهامة أعلاه تهامة واليمن وأسفله العراق والشام أوله من جهة الحجاز ذات عرق فجاءت أي الخيل برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال بضم أولهما سيد أهل اليمامة في القاموس هي بلاد الجو منسوبة إلى جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام وسميت باسمها أكثر نخيلا من سائر الحجاز وبها تنبأ مسيلمة الكذاب وهي دون المدينة في وسط الشرق عن مكة على ست عشرة مرحلة من البصرة وعن الكوفة نحوها والنسبة يمامي فربطوه بسارية أي اسطوانة من سواري المسجد أي المسجد النبوي فخرج إليه رسول الله فقال ماذا عندك أي من الظن في أن أفعل بك يا ثمامة قال الطيبي فيه وجهان أن تكون ما استفهامية وذا موصولا وعندك صلة أي ما الذي استقر عندك من الظن فيما أفعل بك فقال عندي يا محمد خير لأنك لست ممن تظلم بل ممن تحسن وتنعم وأن يكون ماذا بمعنى أي شيء مبتدأ وعندك خبره وقوله إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر تفصيل لقوله خير لأن فعل الشرط إذا كرر في الجزاء دل على فخامة الأمر قال النووي قوله ذا دم فيه وجوه أحدها معناه إن تقتل تقتل صاحب دم لدم موقع يشتفي بقتله قاتله ويدرك قاتله بثاره أي لرياسته وفضله وحذف هذا لأنهم يفهمونه في عرفهم وثانيها أن تقتل تقتل من عليه دم مطلوب به وهو مستحق عليه فلا عتب عليك وثالثها ذا ذم بالذال المعجمة وتشديد الميم أي ذا ذمام وحرمة في قومه ورواها بعضهم في سنن أبي داود كذلك قال القاضي وهي ضعيفة لأنها تقلب المعنى فإن احترامه يمنع القتل قال الشيخ ويمكن تصحيحها بأن يحمل


على الوجه الأول أي تقتل رجلا جليلا يحتفل قاتله بقتله بخلاف ما إذا قتل حقيرا مهينا فإنه لا فضيلة ولا يدرك به قاتله ثاره قال الطيبي واختار الشيخ التوربشتي الوجه الثاني حيث قال المعنى أن تقتل تقتل من توجه عليه القتل بما أصابه من دم ورآه أوجه للمشاكلة التي بينه وبين قوله وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل بالهمز والنقل تعط بصيغة المفعول منه أي من المال وهو بيان لقوله
ما شئت فتركه رسول الله أي على حاله حتى كان أي وقع الغد وفي نسخة بالنصب أي كان الزمان الغد فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله حتى كان بعد الغد قال الطيبي اسم كان ضمير عائد إلى ما هو مذكور حكما أي حتى كان ما هو عليه ثمامة بعد الغد فقال له ما عندك يا ثمامة فقال عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت قال الأشرف في تقديم قوله إن تقتل تقتل ذا دم على قسميه في اليوم الأول وتوسيطه بينهما في اليوم الثاني والثالث ما يرشد إلى حذاقته وحدسه فإنه لما رأى غضب النبي في اليوم الأول قدم فيه القتل تسلية فلما رأى أنه لم يقتله رجا أن ينعم عليه فقدم في اليوم الثاني والثالث قوله إن تنعم قال الطيبي ويمكن أن يقال إنه لما نفي الظلم عن ساحته ونظر إلى استحقاقه القتل قدمه وحين نظر إلى لطفه وإحسانه عليه الصلاة والسلام أخر القتل وهذا أدعى للاستعطاف والعفو كما قال الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم المائدة أقول ويمكن أن يقال المناسب للمجرم أن يعترف بذنبه ثم يستغفر أولا فلذا قدم القتل ثم يطلب العفو ولا ينسى الذنب ولذا أخره فيما بعده وحاصل كلام الطيبي أنه في اليوم الأول كان الخوف غالبا عليه وفي اليومين الآخرين كان الغالب


عليه الرجاء والإناء يترشح بما فيه وبهذا يظهر وجه التنظير بقول عيسى عليه السلام فإن المقام مقام غلبة الخوف أولا ألا ترى إلى قوله تعالى يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها أي حتى تقول الأنبياء نفسي نفسي ثم لهم مقام الشفاعة لمن شاء الله تعالى النحل فقال رسول الله اطلقوا أي حلوا ثمامة وخلوا سبيله فانطلق إلى نخل بنون مفتوحة وسكون خاء معجمة وفي نسخة بالجيم أي ماء قليل النبع قريب من المسجد فاغتسل قال النووي قوله نخل هكذا في البخاري ومسلم وغيرهما بالخاء المعجمة وتقديره انطلق إلى نخل فيه ماء فاغتسل قال القاضي عياض وقال بعضهم صوابه نجل بالجيم وهو الماء القليل المنبعث وقيل الجاري قلت بل الصواب الأول لأن الروايات صحت به ولم تر وإلا هكذا وهو صحيح فلا يجوز العدول عنه ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والله يا محمد ما كا


على وجه الأرض وجه أبغض بالنصب أي أكثر مبغوضا إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي قال الطيبي وجه بالرفع على أنه صفة وجد وهو اسم كان وعلى وجه الأرض خبره وهذا ليس بصحيح لأن قوله أحب الوجوه خبر أصبح قطعا وقد قوبل به ولأن أبغض في القرينتين الأخيرتين وقع خبرا لكان ولأنه أخبر عن الوجه بالأبغضية لا أن وجهها أبغض كائنا على وجه الأرض فإذا قلنا بجواز وقوع الحال من اسم كان فقوله على وجه الأرض كان صفة لقوله وجه فقدم فصار حالا وإذا منعناه قلنا إنه ظرف لغو قدم للاهتمام ليؤذن في بدء الحال باهتمام العموم والشمول كما في قوله تعالى والأرض جميعا قبضته الزمر والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك يعني المدينة فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة جملة حالية فماذا ترى أي من الرأي في حقي فبشره رسول الله أي بما حصل له من الخير العظيم بالإسلام وأنه يهدم ما كان قبله من الآثام وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل أصبوت من الصبوة والصبو الميل إلى الجهل كذا في تاج المصادر للبيهقي وفي نسخة صحيحة أصبأت وهو مهموز ففي النهاية صبأ فلان إذا خرج من دين إلى دين غيره وكذا في الفائق وفي المشارق للقاضي عياض قوله أصبوت هكذا الرواية أي أصبأت وقريش كانت لا تهمز وتسهل الهمزة أي أخرجت عن دينك وقال النووي أصبوت هكذا في الأصول أصبوت وهي لغة والمشهور أصبأت بالهمز اه وفيه أن الاعتماد على الأصول ولا وجه مع ثبوتها إلى العدول ثم المتبادر من قوله وهي لغة أنه لغة في صبأت وهو غير ظاهر مادة ومعنى والعجب من الطيبي أنه اقتصر على صبأت بالهمز فقال لا ولكني أسلمت مع رسول الله فإن قلت كيف قال لا وهو قد خرج من الشرك إلى التوحيد قلت وهو من الأسلوب الحكيم كأنه قال ما خرجت من الدين لأنكم لستم على دين فاخرج منه بل استحدثت دين الله وأسلمت


مع رسول الله لله رب العالمين فإن قلت مع يقتضي إحداث المصاحبة لأن معنى المعية المصاحبة وهي مفاعلة وقد قيل الفعل بها فيجب الاشتراك فيه كذا نص عليه صاحب الكشاف في الصافات قلت لا يبعد ذلك فلعله وافقه فيكون منه صلوات الله عليه استدامة ومنه استحداثا أقول هذا لا يبعد عقلا لكن يستبعد نقلا فإنه لو كان كذلك لنقل فيه
أو في غيره إلينا وفي المعية يكتفي بالمشاركة الفعلية كما في قول بلقيس وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ثم جواب سؤاله الأول مبني على نسخة صبأت لا على صبوت كما لا يخفى والأظهر أن مرادهم من صبأت أي من دين الحق إلى الباطل فجوابه بلا مطابق لما في نفس الأمر وحقيقة الحق ولا قال الطيبي لا يقتضي منفيا والواو معطوفا عليه أي لا أوافقكم في دينكم ولا أرفق بكم في هذه السنين المجدبة ثم أقسم عليه بقوله والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رواه مسلم واختصر البخاري في الهداية ولا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب إذا حضروا مستأمنين ولا يجهز إليهم مع التجار إلى دار الحرب لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب وحمله إليهم قال ابن الهمام المعروف ما في سير البيهقي ومسند البزار ومعجم الطبراني عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله نهى عن بيع السلاح في الفتنة قال البيهقي الصواب أنه موقوف قال صاحب الهداية وهو القياس في الطعام أي القياس فيه أن يمنع من حمله إلى دار الحرب لأنه به التقوي على كل شيء والمقصود إضعافهم إلا أنا عرفنا نقل الطعام إليهم بالنص يعني حديث ثمامة وحديث أسامة رواه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فذكر قصة إسلام ثمامة وفي آخره قوله لأهل مكة حين قال له قائل صبوت فقال إني والله ما صبوت ولكن أسلمت وصدقت محمدا وآمنت به وايم الله الذي نفس ثمامة بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة وكانت قريب مكة حتى


يأذن فيها محمد فانصرف إلى بلده ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش فكتبوا إلى رسول الله يسألونه بإرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يحمل إليهم الطعام ففعل رسول الله وذكره ابن هشام في آخر السير وذكر أنهم قالوا أصبأت فقال لا والله ولكني اتبعت خير الدين دين محمد والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله إلى أن قال فكتبوا إلى رسول الله إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا فكتب رسول الله إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل وفي شرح السنة فيه دليل على جواز المن على الكافر وإطلاقه بغير مال قال ابن الهمام ولا يجوز المن على الأسارى وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب بغير شيء خلافا للشافعي إذا رأى الإمام ذلك وبقولنا قال مالك وأحمد وجه قول الشافعي قوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء محمد ولأنه عليه الصلاة والسلام من على جماعة من أسارى بدر منهم العاص بن أبي الربيع على ما سيأتي وأجاب صاحب الهداية بأنه منسوخ بقوله تعالى فاقتلوا المشركين التوبة من سورة براءة فإنها تقتضي عدم جواز المن وهي آخر سورة نزلت في هذا الشأن وقصة بدر كانت سابقة عليها قال النووي فيه جواز ربط الأسير وحبسه وإدخال الكافر المسجد وفيه إذا أراد الكافر الإسلام يبادر به ولا يؤخره


للاغتسال ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره ومذهبنا أن اغتساله واجب إن كان عليه جنابة في الشرك سواء كان اغتسل منها أم لا وقال بعض أصحابنا إن اغتسل قبل الإسلام أجزأه وإن لم يكن عليه جنابة فالغسل مستحب وقال أحمد وآخرون يلزمه الغسل وفي تكرير سؤاله عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام تأليف لقلبه وملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأسارى الذين يتبعهم على الإسلام كثير من الخلق وعن جبير بالتصغير ابن مطعم بكسر العين رضي الله عنه أن رسول الله قال في أسارى بدر أي في شأنهم لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني أي شفاعة في هؤلاء النتنى جمع نتن بالتحريك بمعنى منتن كزمن وزمني وإنما سماهم نتنى إما لرجسهم الحاصل من كفرهم على التمثيل أو لأن المشار إليه أبدانهم وجيفهم الملقاة في قليب بدر لتركتهم له أي لأجله قال القاضي هو مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وابن عم جد رسول الله وكان له يد عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ جاره حين رجع من الطائف وذب المشركين عنه فأحب أنه إن كان حيا فكافأه عليها بذلك ويحتمل أنه أراد به تطييب قلب ابنه جبير وتأليفه على الإسلام وفيه تعريض بالتعظيم لشأن الرسول وتحقير حال هؤلاء الكفرة من حيث إنه لا يبالي بهم وبتركهم لمشرك كانت له عنده يد اه قيل وفيه بيان حسن المكافأة وجواز فرض المحال قال ابن الهمام واستدل به على جواز المن على مذهب الشافعي خلافا لباقي الأئمة والعجب من قول شارح بهذا لا يثبت المن لأن لو لامتناع الشيء لامتناع غيره يعني فيفيد امتناع المن ولا يخفى على من له أدنى بصر بالكلام أن التركيب إخبار بأنه لو كلمه لتركهم وصدقه واجب وهو بأن يكون المن جائزا فقد أخبر بأنه كان يطلقهم لو سألهم إياه والإطلاق على ذلك التقدير لا يثبت منه إلا وهو جائز شرعا وكونه لم يقع لعدم وقوع ما علق عليه لا ينفي جوازه شرعا وهو المطلوب اه فما اشتهر على لسان المنطقيين أن الشرطية غير لازمة للوقوع إنما


يصح إذا ورد على لسان غير الشارع رواه البخاري أي عن جبير وقد سمع هذا الحديث وهو كافر من النبي وحدث به عنه وهو مسلم فإنه قال أتيت النبي في فداء أسارى بدر فسمعته يقرأ في المغرب بالطور ولم أسلم يومئذ وقال لو كان مطعم حيا الخ وفي رواية سمعته يقرأ في المغرب والطور فلما بلغ هذه الآية أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون أو عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون الطور كاد قلبي أن يطير


وعن أنس رضي الله عنه إن ثمانين رجلا من أهل مكة أي من كفارهم هبطوا أي نزلوا على رسول الله أي عام الحديبية من جبل التنعيم في القاموس التنعيم موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة أقرب أطراف الحل إلى البيت سمي به لأن على يمينه جبل نعيم وعلى يساره جبل ناعم والوادي اسمه نعمان متسلحين أي حال كونهم لابسين السلاح من الدروع وغيرها يريدون غرة النبي وأصحابه بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء أي غفلتهم فأخذهم سلما بكسر السين ويفتح مع سكون اللام وبفتحهما وبهن ورد التنزيل قال النووي ضبطوه بوجهين بفتح السين واللام وبإسكان اللام مع كسر السين وفتحها قال الحميدي معناه الصلح قال القاضي هكذا ضبطه الأكثرون قال والرواية الأولى أظهر أي أسرهم وجزم الخطابي على فتح اللام والسين قال والمراد به الاستسلام والإذعان كقوله تعالى وألقوا إليكم السلم النساء أي الانقياد وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع قال ابن الأثير هذا هو الأشبه بالقضية فإنهم لم يؤخذوا صلحا وإنما أخذوا قهرا وأسلموا أنفسهم عجزا قال وللوجه الآخر وجه وهو أنه لما لم يجر معهم القتال بل عجزوا عن دفعهم والنجاة منهم فرضوا بالأسر كأنهم قد صولحوا على ذلك فاستحياهم أي استبقاهم وتركهم أحياء ولم يقتلهم وفي رواية فأعتقهم فأنزل الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة الفتح قال الطيبي لما كان سلامة المسلمين من أولئك ومجازاتهم بالكف عنهم بعدما أرادوا الغرة والفتك بهم من الأمور العظام ولولا أن الله تعالى ألقى في قلوبهم الرأفة والرحمة بهم وأن الله تعالى قهرهم وذبهم عنهم لم تحصل السلامة أسند الفعلين إليه تعالى على سبيل الحصر حيث قال وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم الفتح أي الكف إنما صدر منه تعالى لامنكم ونظيره قوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى الأنفال وإنما فصل الآية بقوله تعالى وكان الله بما يعملون بصيرا الأحزاب وعدا لهم


بجزاء ما صدر عنهم من العفو بعد الظفر جبرانا لما نفى عنهم بالكلية إثباتا للكسب بعد نفي القدرة قلت الأنسب تنظيره بقوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم الأنفال هذا وقال البيضاوي في تفسيره وذلك أن عكرمة بن أبي
جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية فبعث رسول الله خالد بن الوليد على جند فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد قال سعد بن جبير رواه ابن جرير والطبري وابن أبي حاتم عن ابن أبي ابزى قلت وهو الملائم لقوله تعالى ببطن مكة وأما السيد معين الدين الصفوي فقال فيه شيء وكيف وخالد بن الوليد لم يكن أسلم بل كان طليعة للمشركين يومئذ كما ثبت في صحيح البخاري وغيره بل هو من من الله تعالى بصلح الحديبية وحفظ المسلمين عن أيدي الكفار وعن القتال بمكة وهتك حرمة المسجد الحرام وأما ظفرهم على المشركين فهو إن سبعين أو ثمانين أو ثلاثين رجلا متسلحين الحديث وقيل المراد فتح مكة واستشهد به أبو حنيفة على أن مكة فتحت عنوة قال البيضاوي وهو ضعيف إذ السورة نزلت قبله ورد بأنه عبر عن المضارع بالماضي لتحقق وقوعه فيكون وعدا من الله تعالى ولا يرد عليه هذا الحديث لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والله تعالى أعلم قال ابن الهمام والمشهور في كتب المغازي أن سواد العراق فتح عنوة وإن عمر وظف ما ذكرنا ولم يقسمها بين الغانمين محتجا بقوله تعالى ما أفاء الله على رسوله الحشر إلى قوله والذين جاؤوا من بعدهم وإنما يكون لهم بالمن بوضع الخراج والجزية وتلا عمر هذه الآية ولم يخالفه أحد إلا نفر يسير كبلال وسلمان ونقل عن أبي هريرة فدعا عمر على المنبر وقال اللهم اكفني بلالا وأصحابه قال في المبسوط ولم يحمدوا وندموا ورجعوا إلى رأيه ويدل على أن قسمة الأراضي ليس حتما إن مكة فتحت عنوة ولم يقسم النبي أرضها ولهذا ذهب مالك أن بمجرد الفتح تصير الأرض وقفا للمسلمين وهو أدرى بالأخبار والآثار ودعواهم أن مكة فتحت صلحا لا دليل عليها بل على نقيضها


ألا ترى أنه ثبت في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه عليه فهو آمن ولو كان صلحا لآمنوا كلهم به بلا حاجة إلى ذلك وإلى ما ثبت من إجارة أم هانىء من أجارته ومدافعتها عليا عمن أراد قتله وأمره عليه الصلاة والسلام بقتل ابن خطل بعد دخوله وهو متعلق بأستار الكعبة وأظهر من هذا كله قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض لا يسفك بها دم إلى أن قال فإن أحد تربص بقتال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم فقوله بقتال رسول الله صريح في ذلك رواه مسلم وعن قتادة رضي الله عنه قال ذكر لنا أنس ابن مالك عن أبي طلحة رضي الله عنه أن النبي أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا أي من الكفار من صناديد قريش أي أشرافهم


وعظائمهم ورؤسائهم الواحد صنديد وكل عظيم غالب صنديد كذا في النهاية وقال الجوهري هو الشجاع والمراد هنا أكابرهم فقذفوا بصيغة المجهول أي طرحوا ورموا في طوى أي بئر مطوية بالحجارة محكمة بها من أطواء بدر في النهاية هو في الأصل صفة فعيل بمعنى مفعول ولذلك جمعوه على الأطواء كشريف وأشراف وإن كان قد انتقل إلى الاسمية خبيث مخبث بكسر الموحدة أي فاسد مفسد لما يقع فيه قال التوربشتي فإن قيل كيف التوفيق بين الطوى والقليب البئر الذي لم تطو قلت يحتمل أن الراوي رواه بالمعنى ولم يدر أن بينهما فرقا ويحتمل أن الصحابي حسب أن البئر كانت مطوية وكانت قليبا ويحتمل أن بعضهم ألقي في طوى وبعضهم في قليب قلت الأظهر أن هذا أصلهما حالة الوصف ثم نقلا إلى اسم البئر مطلقا ولذا قال صاحب القاموس القليب البئر أو العادية القديمة منها وطوى كغنى بئر بمكة اه ويمكن أن يكون مجازا على التجريد قال الطيبي إنهم قد يطلقون على حقيقة مقيدة بقيد اسم الحقيقة التي هي غير مقيدة بها توسعا في الكلام فإن المرسن اسم لأنف فيه رسن وقد يطلق على أنف الإنسان وكذا المشفر والحجفلة اسم لشفة البعير والفرس وقد يراد بهما شفة الإنسان وعليه قوله تعالى في وجه طلعها كأنه رؤوس الشياطين الصافات وكان أي النبي إذا ظهر على قوم أي غلب أقام بالعرصة أي عرصة القتال وساحته من أرضه قال الطيبي العرصة كل موضع واسع لا بناء فيه ثلاث ليال فلما كان ببدر أي مقيما بها اليوم الثالث بالنصب وفي نسخة بالرفع أي فلما وقع أو مضى أو وجد أو تم ببدر اليوم الثالث أمر براحلته أي بشدها فشد عليها رحلها أي قتبها ثم مشى واتبعه بالتخفيف أي ويشدد أي وتبعه ولحقه أصحابه حتى قام على شفة الركى بفتح الشين المعجمة ويكسر على ما في القاموس أي حافة البئر التي فيها صناديد قريش فجعل أي شرع وطفق يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم أي للتمييز يا فلان ابن فلان بفتح نون فلان وضمها وبنصب ابن كما سبق ويا


فلان ابن فلان أي نادى كل واحد منهم على حدة ثم قال خطابا للجميع أيسركم بضم السين أي يوقعكم في السرور ويعجبكم إنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا أي ثابتا من غلبتنا عليكم فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا أي من العذاب فهذا سؤال توبيخ وتقريع لهم قال المظهر أي هل تتمنون أن تكونوا مسلمين بعدما وصلتم إلى عذاب الله قلت فالهمزة للتقرير وقال الطيبي أي أتحزنون وتتحسرون على ما فاتكم من طاعة الله ورسوله أم لا وتذكرون قولنا لكم إن الله سيظهر دينه على الدين كله وينصر أولياءه ويخذل


أعداءه فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ما مبتدأ بمعنى الذين ومن بيان ما ولا أرواح لها خبره أي من تكلم معهم أشباح بلا أرواح فكيف يجيبونك وقيل ما استفهامية ومن زائدة قال الطيبي على الثاني فيه معنى الإنكار لأن في الاستفهام معنى النفي وعلى الأول الخبر محذوف أي الذين تكلمهم لا يسمعون كلامك أو من زائدة على مذهب الأخفش وأجساد خبر له اه ويجوز أن يكون تكلم بمعنى تسأل ومن متعلق به على تقدير كون كلمة ما استفهامية قال النبي والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم متعلق بأسمع وفي رواية ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون وفي شرح مسلم للنووي قال المازري قيل إن الميت يسمع عملا بظاهر هذا الحديث وفيه نظر لأنه خاص في حق هؤلاء ورد عليه القاضي وقال يحمل سماعهم على ما يحمل عليه سماع الموتى في أحاديث عذاب القبر وفتنته التي لا مدفع لها وذلك بإحيائهم أو إيحاء أجزاء منهم يعقلون به ويسمعون في الوقت الذي يريده الله قال الشيخ هذا هو المختار قال ابن الهمام في شرح الهداية اعلم أن أكثر مشايخ الحنفية على أن الميت لا يسمع على ما صرحوا به في كتاب الإيمان لو حلف لا يكلمه فكلمه ميتا لا يحنث لأنها تنعقد على ما يجيب بفهم والميت ليس كذلك أقول هذا منهم مبني على أن مبنى الإيمان على العرف فلا يلزم منه نفي حقيقة السماع كما قالوا فيمن حلف لا يأكل اللحم فأكل السمك مع أن الله تعالى سماه لحما طريا قال وأجابوا عن هذا الحديث تارة بأنه مردود من عائشة رضي الله عنها قالت كيف يقول رسول الله ذلك والله تعالى يقول أي وما أنت بمسمع من في القبور أنك لا تسمع الموتى أي أقول والحديث المتفق عليه لا يصح أن يكون مردودا لا سيما ولا منافاة بينه وبين القرآن فإن المراد من الموتى الكفار والنفي منصب على نفي النفع لا على مطلق السمع كقوله تعالى صم بكم عمي فهم لا يعقلون البقرة أو على نفي


الجواب المترتب على السمع قال البيضاوي في قوله تعالى لا تسمع الموتى النحل وهم مثلهم لما سدوا عن الحق مشاعرهم إن الله يسمع من يشاء أي هدايته فيوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته وما أنت بمسمع من في القبور فاطر ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات ومبالغة في إقناطه عنهم اه فالآية من قبيل إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء القصص ثم قال وتارة بأن تلك خصوصية له معجزة وزيادة حسرة على الكافرين أقول وهذا قول قتادة الآتي ويرده أن الاختصاص لا يصح إلا بدليل وهو مفقود هنا بل السؤال والجواب ينافيانه قال وتارة بأنه من ضرب المثل أقول ويدفعه جوابه ثم قال ويشكل عليهم خبر مسلم أن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا اللهم إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال جمعا بينه وبين الآيتين فإنهما


يفيدان تحقق عدم سماعهم فإنه تعالى شبه الكفار بالموتى لإفادة بعد سماعهم وهو نوع عدم سماع الموتى اه وهو كما ترى فيه نوع نقض لا يحصل به جمع مع أن ما ورد من السلام على الموتى يرد على التخصيص بأول أحوال الدفن والله أعلم متفق عليه وزاد البخاري قال قتادة أحياهم الله تعالى حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا أي تحقيرا ونقمة أي انتقاما وحسرة وندما أي تحسيرا وتنديما وكأن المازري أخذ الاختصاص من هذا القول وهو خلاف قول الجمهور كما هو مبين في شرح الصدور في أحوال القبور وعن مروان رضي الله عنه قال المؤلف في فصل الصحابة هو ابن الحكم القرشي الأموي يكنى أبا عبد الملك جد عمر بن عبد العزيز ولد على عهد رسول الله قيل سنة اثنين من الهجرة وقيل عام الخندق وقيل غير ذلك فلم ير النبي لأن النبي أمر أباه إلى الطائف فلم يزل بها حتى ولي عثمان فرده إلى المدينة فقدمها وابنه معه مات بدمشق سنة خمس وستين روى عن نفر من الصحابة منهم عثمان وعلي وعنه عروة بن الزبير وعلي بن الحسين والمسور بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو ابن مخرمة بفتح الميم والراء وخاء معجمة بينهما قال المؤلف هو زهري قرشي ابن أخت عبد الرحمن بن عوف ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين وقبض النبي وله ثمان سنين وسمع منه وحفظ عنه وكان فقهيا من أهل الفضل لم يزل بالمدينة إلى أن قتل عثمان فانتقل إلى مكة فلم يزل بها حتى مات معاوية وكره بيعة يزيد فتم مقيما بمكة إلى أن بعث يزيد عسكره وحاصر مكة وبها ابن الزبير فأصاب المسور حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي في الحجر فقتله وذلك في مستهل ربيع الأول سنة أربع وستين روى عنه خلق كثير أن رسول الله قام كذا في كتاب الحميدي وجامع الأصول وشرح السنة على ما ذكره الطيبي فالمعنى قام واعظا وفي بعض نسخ المصابيح قال حين جاءه وفد هوازن قبيلة مشهورة مسلمين أي بعد أن أغاروا مالهم وأسروا ذريتهم وقسموا فيما بينهم فسألوه أي طلبوا من النبي


أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم قيل كان السبي سبعة آلاف فقال فاختاروا أمر من الاختيار والفاء جزاء شرط محذوف أي إذا جئتم مسلمين فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال قال الطيبي جعل المال طائفة إما على المجاز أو على التغليب قلت أو على المشاكلة لكن في القاموس
الطائفة من الشيء القطعة منه أو الواحد فصاعدا أو إلى الألف وقال الجوهري الطائفة من الشيء قطعة منه فلا مجاز ويؤيده كلام الراغب الطواف المشي حول الشيء ومنه الطائف لمن يدور حول البيت ومنه استعير الطائف للخيال والحادثة وغيرها والطائفة من الناس جماعة منهم ومن الشيء القطعة منه قالوا فأنا نختار سبينا فإنه أعز من المال مع أن في سبيهم العار ومن أمثالهم النار ولا العار فقام رسول الله أي خطيبا واعظا ولعل إعادته لطول الفصل فأثنى على الله بما هو أهله أي بما يليق لجماله وكماله ثم قال أما بعد أي بعد الثناء الجميل والحمد الجزيل فإن إخوانكم أي في الدين أو في النسب جاؤوا تائبين أي من الشرك راجعين عن المعصية مسلمين منقادين وأني قد رأيت من الرأي إن أرد إليهم سبيهم أي جميعه إليهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك أي السبي يعني رده قال ميرك ناقلا عن الشيخ هو بفتح الطاء المهملة وتشديد التحتانية المكسورة أي يعطيه عن طيب نفسه من غير عوض فليفعل وقال الطيبي ذلك إشارة إلى ما رأى النبي من الرأي وهو رد السبي والمعنى من يطيب على نفسه الرد اه وظاهره أن يطيب بالتخفيف ومن أحب منكم أن يكون على حظه أي نصيبه وأراد أن يدوم على حظه لأجله فيترقب حتى نعطيه إياه أي عوضه من أول ما يفيء الله علينا من الإفاءة فليفعل والفيء ما أخذ من الكفار بغير الحرب كالجزية والخراج فقال الناس أي بعضهم مما بينهم أو كلهم من غير تمييز قد طيبنا بتشديد الياء وسكون الباء ذلك أي الرد يا رسول الله فقال رسول الله إنا لا ندري أي بطريق الاستغراق من أذن منكم أي رضي ذلك الرد ممن لم يأذن أي لم يرض أو


من أذن لنا ممن لم يأذن قال المظهر وإنما استأذن رسول الله الصحابة في رد سبيهم لأن أموالهم وسبيهم صار ملكا للمجاهدين ولا يجوز رد ما ملكوا إلا بإذنهم فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أي رؤساؤكم ونقباؤكم أمركم أي تفصيله قال الطيبي الظاهر أن حتى ههنا غير حتى السابقة لأن الأولى ما بعدها المستقبل وهي بمعنى كي وهذه ما بعدها في معنى الحال فيكون مرفوعا كقولهم شربت الإبل حتى يجيء البعير فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا أي عرفاؤهم إلى رسول الله فأخبروه أنهم أي الناس كلهم قد طيبوا أي ذلك الرد وأذنوا أي بالرد إليهم رواه البخاري


وعن عمران بن حصين رضي الله عنه بالتصغير قال كان ثقيف بالتنوين وفي نسخة بتركه وهو على ما في القاموس كامير أبو قبيلة من هوازن حليفا لبني عقيل قال التوربشتي على صيغة المصغر قبيلة كانوا حلفاء ثقيف فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله وفي نسخة من أصحاب النبي وأسر أصحاب رسول الله رجلا من بني عقيل أي عوضا من الرجلين اللذين أخذهما ثقيف وكان عادتهم أن يأخذوا الحليف بجرم حليفه ففعل هذا الصنيع على عادتهم ذكره ابن الملك فأوثقوه أي شدوه بالوثاق وهو بكسر الواو ما يشد به ويوثق فطرحوه في الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود فمر به رسول الله فناداه يا محمد فيم بالياء وفي نسخة بالموحدة وحذفت ألف ما الاستفهامية بعد دخول حرف الجر أي لأي شيء أخذت بصيغة المجهول أي أسرت وأوثقت قال بجريرة حلفائكم ثقيف بدل والجريرة بفتح الجيم وكسر الراء الأولى الجناية والذنب وذلك أنه كان بين رسول الله وبين ثقيف موادعة فلما نقضوها ولم تنكر عليهم بنو عقيل وكانوا معهم في العهد صاروا مثلهم في نقض العهد فأخذوه بجريرتهم وقيل معناه أخذت لندفع بك جريرة حلفائك من ثقيف ويدل عليه أنه فدى بعد بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف من المسلمين فتركه ومضى فناداه يا محمد يا محمد مرتين فرحمه رسول الله لكونه رحمة للعالمين فرجع أي إليه فقال ما شأنك قال إني مسلم أي الآن أو من قبل هذا الزمان فقال لو قلتها أي كلمة الشهادة أو هذه اللفظة وأنت تملك أمرك أي في حال اختيارك وقبل كونك أسيرا أفلحت كل الفلاح أي نجوت في الدنيا بالخلاص من الرق وفي العقبى بالنجاة من النار قال ابن الملك فيه دلالة على أن الكافر إذا وقع في الأسر فادعى أنه كان قد أسلم قبله لم يقبل منه إلا ببينة وإن أسلم بعده حرم قتله وجاز استرقاقه وإن قبل الجزية قبله بعد الأسر ففي حرمة قتله خلاف زاد في شرح السنة وفيه دليل على جواز الفداء بعد الإسلام الذي بعد


الأسر وعلى أنه لا يجب إطلاقه وفي الهداية ولو أسلم الأسير وهو في أيدينا لا يفادى به لأنه لا يفيد إلا إذا طالب نفسه وهو مأمون على إسلامه فيجوز لأنه
يفيد تخليص مسلم من غير إضرار لمسلم آخر اه فقيل إنما رده إلى دار الحرب بعد إظهار كلمة الإسلام لأنه علم أنه غير صادق فهذا خاصة به وقيل رده وأخذ الرجلين بدله لا ينافي إسلامه لجواز أن يكون الرد شرطا بينهم في المعاهدة والله أعلم قال أي عمران ففداه رسول الله أي أبدله بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف رواه مسلم قال صاحب الهداية ولا يفادى بالأسارى عند أبي حنيفة قال ابن الهمام هذا إحدى الروايتين عنه وعليها مشى القدوري وصاحب الهداية وعن أبي حنيفة أنه يفادى بهم كقول أبي يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد إلا بالنساء فإنه لا يجوز المفاداة بهن عندهم ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم هذه رواية السير الكبير قيل وهو أظهر الروايتين عن أبي حنيفة وقال أبو يوسف تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة لا بعدها وعند محمد تجوز بكل حال وجه رواية الكتاب يعني الهداية ما ذكر أن فيه معونة الكفر لأنه يعود حربا علينا ودفع شر حرابته خير من استنقاذ المسلم لأنه إذا بقي في أيديهم كان إيذاء في حقه فقط والضرر بدفع أسيرهم إليهم يعود على جماعة المسلمين ووجه الرواية الموافقة لقول العامة إن تخليص المسلم أولى من كسب الكافر للانتفاع به ولأن حرمته عظيمة وما ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إليهم يدفعه نفع المسلم الذي يتخلص منهم لأنه ضرر شخص واحد فيقوم بدفعه واحد مثله ظاهرا فيتكافأ ثم تبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله كما ينبغي زيادة ترجيح ثم إنه قد ثبت ذلك عن رسول الله أخرج مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين أن رسول الله فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين وأخرج مسلم أيضا عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه خرجنا مع أبي بكر أمره علينا رسول الله إلى أن قال فلقيني


رسول الله في السوق فقال يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك أعني التي كان أبو بكر نفله إياها فقلت هي لك يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوبا ففدى بها رسول الله ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة إلا أن هذا يخالف رأيهم فإنهم لا يفادون بالنساء قلت لعل كلامهم محمول على واحدة بواحدة والمورد بخلافه
الفصل الثاني
عن عائشة رضي الله عنها قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم أي
حين غلب النبي يوم بدر عليهم فقتل بعضهم وأسر بعضهم وطلب منهم الفداء بعثت زينب أي بنت النبي في فداء أبي العاص أي زوجها حينئذ بمال وبعثت فيه أي في جملة المال أو لأجل خلاصه أيضا بقلادة لها وهي بكسر القاف ما جعل في العنق كانت أي تلك القلادة أولا عند خديجة أدخلتها أي أدخلت خديجة القلادة بها أي مع زينب على أبي العاص والمعنى دفعتها إليها حين دخل عليها أبو العاص وزفت إليه فعرفها النبي فلما رآها أي تلك القلادة رسول الله رق لها أي لزينب رقة شديدة أي لغربتها ووحدتها وتذكر عهد خديجة وصحبتها فإن القلادة كانت لها وفي عنقها وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها قال الطيبي المفعول الثاني لرأيتم وجواب الشرط محذوفان أي إن رأيتم الإطلاق والرد حسنا فافعلوهما فقالوا نعم أي رأينا ذلك وكان النبي أخذ عليه أي على أبي العاص عهدا عند إطلاقه أن يخلي سبيل زينب إليه أي يرسلها إلى النبي ويأذن لها بالهجرة إلى المدينة قال القاضي وكانت تحت أبي العاص زوجها منه قبل المبعث وبعث رسول الله زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار فقال كونا ببطن يأجج بفتح التحتية وهمزة ساكنة وجيم مكسورة ثم جيم منونة وفي نسخة مفتوحة على أنه غير منصرف وهو موضع قريب من التنعيم وقيل موضع أمام مسجد عائشة وقال القاضي بطن يأجج من بطون الأودية التي حول الحرم والبطن المنخفض من الأرض وقال ابن الملك هو بالنون والجيم والخاء المهملة بعد الجيم اه وفي القاموس في فصل الياء من باب


الجيم يأجج بالألف كيمنع ويضرب موضع وذكر في أجأج وقال سيبويه ملحق بجعفر وذكر في فصل الهمزة من باب الجيم كيسمع وينصر ويضرب موضع بمكة اه وفي فصل النون من باب الحاء لم يتعرض له وذكر في المغني في حرف الياء بطن يأجح بجيم فحاء موضع حتى تمر بكما زينب أي مع من يصحبها فتصحباها حتى تأتيا بها أي إلى المدينة قال الأشرف فيه دليل على جواز المن على الأسير من غير أخذ فداء وعلى أن للإمام الأعظم أن يرسل اثنين فصاعدا من الرجال مع امرأة أجنبية في طريق عند الأمن من الفتنة قلت الاستدلال الثاني فيه نظر لجواز أن يكون معها محرم أو نساء ثقات وكان قبل النهي عن السفر بغير محرم وأما الأول فقد تقدم الجواب عنه فتذكر قال ابن الهمام وأما المفاداة بالمال بأخذه منهم فلا يجوز في المشهور من المذهب لما بينا في المفاداة بالمسلمين من رده حربا علينا وفي السير الكبير أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة استدلالا بأسارى بدر إذ لا شك في احتياج المسلمين بل في شدة حاجتهم إذ ذاك فليكن محمل المفاداة الكائنة في بدر بالمال وقد أنزل الله تعالى في شأن


تلك المفاداة من العتب بقوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض الأنفال أي حتى يقتل أعداء الله فينفيهم عنها تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة الأنفال وقوله لولا كتاب من الله سبق الأنفال وهو أن لا يعذب أحدا قبل النهي ولم يكن نهاهم لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والأسارى عذاب عظيم ثم أحلها له ولهم رحمة منه تعالى فقال فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا الأنفال هي المجموع من الفداء وغيره وقيل للغنيمة فإن قيل لا شك أنه من الغنيمة قلنا لو سلم فلا شك أنه يسلم تقييده ما إذا لم يضر بالمسلمين من غير حاجة وفي رده تكثير المحاربين لأجل غرض دنيوي وفي الكشاف وغيره أن عمر كان أشار بقتلهم وأبو بكر بأخذ الفداء تقويا ورجاء أن يسلموا قال وروي أنهم لما أخذوا الفداء أنزلت الآية فدخل عمر على النبي عليه الصلاة والسلام وإذا هو وأبو بكر يبكيان فسأله فقال ابك على أصحابك في أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة قال وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر وسعد بن معاذ لقوله كان الأثخان في القتل أحب إلي والله أعلم بذلك رواه أحمد وأبو داود في الإصابة أن أبا العاص هو الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف أمه هالة بنت خويلد وكانت زينب بنت رسول الله تحت أبي العاص بن الربيع فهاجرت وأبو العاص على دينه واتفق أنه خرج إلى الشام في تجارة فلما كان قريب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه فيأخذوا ما معه ويقتلوه فبلغ ذلك زينب فقالت يا رسول الله أليس عهد المسلمين واحدا قال نعم قالت فأشهدت أني أجرت أبا العاص فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله خرجوا هزلا بغير سلاح فقالوا يا أبا العاص إنك في شرف من قريش وأنت ابن عم رسول الله فهل لك أن تسلم فتغتنم ما معك من أموال أهل مكة قال بئس ما أمرتموني به أن أنسخ ديني بعذرة فمضى حتى قدم مكة فرفع إلى كل ذي حق حقه ثم قام فقال


يا أهل مكة أوفيت ذمتي قالوا اللهم نعم قال إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم قدم المدينة مهاجرا فدفع إليه رسول الله زينب بالنكاح الأول وعنها أي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله لما أسر أهل بدر وفي نسخة بصيغة المجهول قتل عقبة بضم فسكون ابن أبي معيط بالتصغير والنضر بن الحارث في الهداية وهو في الأسارى بالخيار إن شاء قتلهم قال ابن الهمام يعني إذا لم يسلموا لأنه عليه الصلاة والسلام قد قتل من الأسرى إذ لا شك في قتله عقبة بن أبي معيط وغيره لأن في قتلهم حسم مادة الفساد الكائن منهم بالكلية وإن شاء استرقهم لأن فيه دفع


شرهم مع وفور المصلحة لأهل الإسلام ولهذا قلنا ليس لواحد من الغزاة أن يقتل أسيرا بنفسه لأن الرأي فيه إلى الإمام وإن شاء تركهم أحرارا ذمة للمسلمين لما بينا من أن عمر فعل ذلك في أهل السواد إلا مشركي العرب والمرتدين إذا أسروا فإنه لا يقبل منهم جزية ولا يجوز استرقاقهم بل إما الإسلام وإما السيف فإن أسلم الأسارى بعد الأسر لا نقتلهم ولكن يجوز استرقاقهم لأن الإسلام لا ينافي الرق جزاء على الكفر الأصلي وقد وجد بعد انعقاد سبب الملك وهو الاستيلاء على الحربي غير المشرك من العرب بخلاف ما لو أسلموا قبل الأخذ فإنهم لا يسترقون ويكونون أحرارا لأنه إسلام قبل انعقاد سبب الملك فيهم ومن أي بالتخليص على أبي عزة بفتح العين المهملة وتشديد الزاي الجمحي بمضمومة وفتح ميم وإهمال جاء منسوب إلى جمح بن عمر وكذا في المغني وقد تقدم أن هذا الحكم منسوخ رواه في شرح السنة كذا في أصح النسخ وفي نسخة رواه الشافعي وابن إسحاق في سيرته وفي نسخة وعن في أول الحديث مع بياض وفي آخره رواه وبياض بعده والله أعلم وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله لما أراد قتل عقبة بن أبي معيط قال من للصبية بكسر الحاء وسكون الموحدة جمع صبي كفتية والقياس صبوة والمعنى من يكفل بصبياني ويتصدى لتربيتهم ومؤنتهم وأنت تقتل كافلهم قال أي النبي النار يحتمل وجهين أحدهما أن يكون النار عبارة عن الضياع يعني إن صلحت النار أن تكون كافلة فهي هي وثانيهما أن الجواب من الأسلوب الحكيم أي لك النار والمعنى اهتم بشأن نفسك وما هيىء لك من النار ودع عنك أمر الصبية فإن كافلهم هو الله الذي ما من دابة في الأرض إلا عليه رزقها وهذا هو الوجه ذكره الطيبي والأظهر أن الأول هو الوجه فإنه لو أريد هذا المعنى لقال الله بدل النار رواه أبو داود وعن علي رضي الله عنه عن رسول الله أن جبريل هبط عليه أي نزل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له خيرهم يعني أي يريد بالضمير أصحابك


وإنما قال أصحابك نظرا إلى المعنى وهذا التفسير إما من علي أو ممن بعده من الرواة والمعنى
قل لهم أنتم مخيرون في أسارى بدر القتل أو الفداء بالنصب فيهما أي فاختاروا القتل أو الفداء والمعنى أنكم مخيرون بين أن تقتلوا أسارى ولا يلحقكم ضرر من العدو وبين أن تأخذوا منهم الفداء على أن يقتل منهم أي من الصحابة قابلا أي في السنة القابلة الآتية والمراد بها السنة التي وقعت فيها غزوة أحد مثلهم يعني بعدد من يطلقون منهم يكون الظفر للكفار فيها وقد قتل من الكفار يومئذ سبعون وأسر سبعون قالوا أي الصحابة الفداء أي اخترنا الفداء ويقتل منا بالنصب بإضمار أن بعد الواو العاطفة على الفداء أي وأن يقتل منا في العام المقبل مثلهم وفي نسخة بالرفع فيهما أي اختيارنا فداءهم وقتل بعضنا فقتل من المسلمين يوم أحد مثل ما افتدى المسلمون منهم يوم بدر وقد قتل من الكفار يومئذ سبعون وأسر سبعون قال تعالى ولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم آل عمران وإنما اختاروا ذلك رغبة منهم في إسلام أسارى بدر وفي نيلهم درجة الشهادة في السنة القابلة وشفقة منهم على الأسارى بمكان قرابتهم منهم رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب قال التوربشتي هذا الحديث مشكل جدا لمخالفته ما يدل على ظاهر التنزيل ولما صح من الأحاديث في أمر أسارى بدر إن أخذ الفداء كان رأيا رأوه فعوتبوا عليه ولو كان هناك تخيير بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليه وقد قال الله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى الأنفال إلى قوله لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم الأنفال وأظهر لهم شأن العاقبة بقتل سبعين منهم بعد غزوة أحد عند نزول قوله تعالى أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها آل عمران وممن نقل عنه هذا التأويل من الصحابة علي رضي الله عنه فلعل عليا ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية وبيانها فاشتبه الأمر فيه على بعض الرواة ومما جرأنا على هذا التقدير سوى ما ذكرناه


هو أن الحديث تفرد به يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن سفيان من بين أصحابه فلم يروه غيره والسمع قد يخطىء والنسيان كثيرا يطرأ على الإنسان ثم إن الحديث روي عنه متصلا وروي عن غيره مرسلا فكان ذلك بما يمنع القول لظاهره قال الطيبي أقول وبالله التوفيق لا منافاة بين الحديث والآية وذلك أن التخيير في الحديث وارد على سبيل الاختبار والامتحان ولله أن يمتحن عباده بما شاء امتحن الله تعالى أزواج النبي بقوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن الأحزاب الآيتين وامتحن الناس بتعليم السحر في قوله تعالى وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة البقرة وامتحن الناس بالملكين وجعل المحنة في الكفر والإيمان بأن يقبل العامل تعلم السحر فيكفر ويؤمن بترك تعلمه ولعل الله تعالى امتحن النبي وأصحابه بين أمرين القتل والفداء وأنزل جبريل عليه السلام بذلك هل هم يختارون ما فيه رضا الله تعالى من قتل أعدائه أم يؤثرون العاجلة من قبول الفداء فلما اختاروا الثاني عوقبوا بقوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض الأنفال قلت بعون الله إن هذا الجواب غير


مقبول لأنه معلول ومدخول فإنه إذا صح التخيير لم يجز العتاب والتعيير فضلا عن التعذيب والتعزير وأما ما ذكره من تخيير أمهات المؤمنين فليس فيه أنهن لو اخترن الدنيا لعذبن في العقبى ولا في الأولى وغايته أنهن يحرمن من مصاحبة المصطفى لفساد اختيارهن الأدنى بالأعلى وأما قضية الملكين وقضية تعليم السحر فنعم امتحان من الله وابتلاء لكن ليس فيه تخبير لأحد ولهذا قال المفسرون في قوله تعالى من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الكهف إنه أمر تهديد لا تخيير وأما قوله أم يؤثرون الأعراض العاجلة من قبول الفدية فلما اختاروه عوقبوا بقوله ما كان لنبي الكهف الآية فلا يخفى ما فيه من الجراءة العظيمة والجناية الجسيمة فإنهم ما اختاروا الفدية إلا للتقوية على الكفار وللشفقة على الرحم والرجاء أنهم يؤمنون أو في أصلابهم من يؤمن ولا شك أن هذا وقع منهم اجتهادا وافق رأيه غايته أن اجتهاد عمر وقع أصوب عنده تعالى فيكون من موافقات عمر رضي الله عنه ويساعدنا ما ذكره الطيبي من أنه يعضده سبب النزول روى مسلم والترمذي عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم أنهم لما أسروا الأسارى يوم بدر قال رسول الله لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو بكر يا رسول الله بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام فقال ما ترى يا ابن الخطاب قلت لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده فهوى رسول الله ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد فإذا رسول الله وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي وصاحبك فقال أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة أنزل الله تعالى الآية اه قال البيضاوي والآية دليل على أن الأنبياء مجتهدون وأنه قد يكون خطأ ولكن لا


يقرون عليه وقوله تعالى لولا كتاب من الله سبق الأنفال أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ وهو أن لا يعاقب المخطىء في اجتهاده أو أن لا يعذب أهل بدر أو قوما لم يصرح لهم بالنهي عنه أو أن الفدية التي أخذوها ستحل لهم لمسكم أي لنا لكم فيما أخذتم من الفداء عذاب عظيم اه ويمكن أن يقال جمعا بين الآية والحديث أن اختيار الفداء منهم أولا كان بالإطلاق ثم وقع التخيير بعده بالتقييد والله أعلم ثم قال الطيبي وأما قوله ثم إن الحديث روي عنه متصلا وروي عن غيره مرسلا فكان ذلك مما يمنع القول بظاهره ففيه بحث فإن المرسل إذا اعتضد بضعيف متصل يحصل فيه نوع قوة فيدخل في جنس الحسن فكيف يقال عند ذلك فكان ذلك مما يمنع القول بظاهره قلت لعل مراده أنه اضطرب في إسناده والمضطرب ضعيف لاحتمال أن السهو وقع من المرسل أو من الموصل فبهذا الاعتبار يدخل الضعف في سنده وإلا فالمرسل حجة عند الجمهور ومنهم إمام الشيخ وأما قوله فكان ذلك فالإشارة إلى جميع ما ذكر من مخالفته للآية وانفراد إسناده وإرساله ثم قال الطيبي وقول الترمذي هذا حديث غريب لا يشعر بالطعن فيه لأن الغريب قد يكون صحيحا


قلت وقد يكون ضعيفا فيصلح للطعن في الجملة والله أعلم وعن عطية القرظي بضم ففتح رضي الله عنه قال كنت في سبي بني قريظة أي وقعت في إسرائهم عرضنا على النبي فكانوا أي الصحابة ينظرون أي في صبيان السبي بكشف عانتهم فمن أنبت الشعر بفتح العين ويسكن قتل فإنه من علامات البلوغ فيكون من المقاتلة ومن لم ينبت أي الشعر فلم يقتل لأنه من الذرية فكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت فجعلوني في السبي قال التوربشتي وإنما اعتبر الإنبات في حقهم لمكان الضرورة إذ لو سئلوا عن الاحتلام أو مبلغ سنهم لم يكونوا يتحدثوا بالصدق إذ رأوا فيه الهلاك رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي وعن علي رضي الله عنه قال خرج عبدان بكسر العين المهملة وبضم وبسكون الموحدة وفي نسخة عبدان بكسرهما وتشديد الدال جمع عبد قال الطيبي وقد روي هذا الحديث بالصيغتين الأوليين إلى رسول الله يعني يوم الحديبية بتخفيف الياء الثانية ويشدد قبل الصلح فكتب إليه أي إلى النبي مواليهم أي سيادهم أو معتقوهم قالوا يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك وإنما خرجوا هربا بفتحتين أي خلاصا من الرق أي من العبودية أو أثرها وهو الولاء فقال ناس أي جمع من الصحابة صدقوا أي الكفار يا رسول الله ردهم أي عبيدهم إليهم فغضب رسول الله قال التوربشتي وإنما غضب رسول الله لأنهم عارضوا حكم الشرع فيهم بالظن والتخمين وشهدوا لأوليائهم المشركين بما ادعوه أنهم خرجوا هربا من الرق لا رغبة في الإسلام وكان حكم الشرع فيهم أنهم صاروا بخروجهم من ديار الحرب مستعصمين بعروة الإسلام أحرارا لا يجوز ردهم إليهم فكأن معاونتهم لأوليائهم تعاونا على العدوان وقال وفي نسخة فقال ما


أريكم بضم الهمزة أي ما أظنكم وفي نسخة بفتحها أي ما أعلمكم تنتهون أي عن العصبية أو عن مثل هذا الحكم وهو الرد يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا أي على ما ذكر من التعصب أو الحكم بالرد قال الطيبي فيه تهديد عظيم حيث نفى العلم بانتهائهم وأراد ملزومه وهو انتهاؤهم كقوله تعالى أتنبؤن الله بما لا يعلم يونس أي بما لا ثبوت له ولا علم لله متعلق به وأبى أن يردهم وقال هم عتقاء الله قال الطيبي هذا عطف على قوله وقال ما أريكم وما بينهما قول الراوي معترض على سبيل التأكيد رواه أبو داود
الفصل الثالث
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة قبيلة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا أي لم يقدروا على أداء كلمة الإسلام على ما هو حقها فيقولون صبأنا صبأنا أي كل واحد يقول صبأنا أي خرجنا من ديننا إلى دين الإسلام فجعل خالد يقتل أي بعضهم ويأسر أي آخرين ودفع إلى كل رجل منا أسيره أي أبقى أسير كل واحد منا بيده حتى إذا كان يوم أي من الأيام قال الطيبي مغياه محذوف فكان تامة أي دفع إلينا الأسير وأمرنا بحفظه إلى يوم يأمرنا بقتله فلما وجد ذلك اليوم أمرنا بقتلهم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أي رفقائي أسيره أي فأبقيناهم حتى قدمنا على النبي قال الطيبي مغياه محذوف والتقدير ولا يقتل رجل منا أسيره بل يحفظه حتى نقدم إلى رسول الله فحفظنا حتى قدمنا فذكرناه أي الأمر له فرفع يديه


فقال اللهم إني أبرأ أي أتبرأ إليك مما صنع خالد مرتين قال الطيبي ضمن أبرأ معنى أنهى فعدى بإلى أي أنهى إليك براءتي وعدم رضائي من فعل خالد نحو قولك أحمد إليك فلانا قلت ومنه ما ورد في الحديث أحمد الله إليك أي أشكره منهيا إليك ومعلما لديك قال الخطابي إنما نقم رسول الله من خالد موضع العجلة وترك التثبت في أمرهم إلى أن يستبين المراد من قولهم صبأنا لأن الصبا معناه الخروج من دين إلى دين ولذلك كان المشركون يدعون رسول الله الصابىء وذلك لمخالفته دين قومه فقولهم صبأنا يحتمل أن يراد به خرجنا من ديننا إلى دين آخر غير الإسلام من يهودية أو نصرانية أو غيرهما فلما لم يكن هذا القول صريحا في الانتقال إلى دين الإسلام نفذ خالد فيهم القتل إذ لم توجد شرائط حقن الدم بصريح الإسلام وقد يحتمل أنه ظن أنهم إنما عدلوا عن اسم الإسلام إليه أنفة من الاستسلام والانقياد رواه البخاري


باب الأمان
الفصل الأول
عن أم هانىء رضي الله عنها بكسر نون وهمزة اسمها فاختة وقيل عاتكة بنت أبي طالب أسلمت عام فتح مكة قالت ذهبت إلى رسول الله عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره أي عنها وعن غيرها بثوب فسلمت فقال من هذه فقلت أنا أم هانىء بنت أبي طالب فقال مرحبا بأم هانىء الباء إما زائدة في الفاعل أي أنت أم هانىء مرحبا أي موضعا رحبا أي واسعا لا ضيقا أو للتعدية أي أتى الله بأم هانىء مرحبا فمرحبا


منصوب على المفعول به وهذه كلمته اكرام والتكلم بها سنة فلما فرغ من غسله بضم أوله وفي نسخة بفتحه قام فصلى ثماني ركعات أي صلاة الضحى كما بينه الترمذي في الشمائل ملتحفا في ثوب ثم انصرف أي عن الصلاة فقلت يا رسول الله زعم ابن أمي أي وأبي وإنما اقتصرت عليها لأنها تقتضي الرحمة والشفقة أكثر وكذا قال هارون يا ابن أم علي بدل أو عطف بيان أنه قاتل رجلا أجرته بفتح الهمزة وقصرها صفة رجلا أي أمنته من الإجارة بمعنى الأمن أصله أجورته فنقلت حركة الواو إلى الجيم فانقلبت ألفا وحذفت لالتقاء الساكنين فلانا بالنصب وفي نسخة بالرفع ابن هبيرة بضم الهاء وفتح الموحدة قال ابن الأثير في جامع الأصول كذا وقع في البخاري ومسلم والموطأ ولم يسمه أحد منهم في كتابه وهو الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وقيل إنه بعض بني زوجها منها أو من غيرها وزوجها كان هبيرة بن وهب بن عمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم وهو الأشبه لأنها قالت فلان ابن هبيرة فقال رسول الله قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء وذلك أي ما ذكر ضحى أي وقته فتكون تلك الصلاة صلاة الضحى وقد ذكر الترمذي في الشمائل عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال ما أخبرني أحد أنه رأى النبي يصلي الضحى إلا أم هانىء فإنها حدثت أن رسول الله دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل فسبح ثماني ركعات ما رأيته صلى صلاة قط أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود اه ولا تخفى المخالفة بين الحديثين حيث يدل حديث الترمذي على أن الغسل في بيت أم هانىء بخلاف ما سبق فإن ظاهره أنه كان الاغتسال في بيته أو في بيت فاطمة رضي الله عنها اللهم إلا أن يقال التقدير فوجدته يغتسل في بيتي أو يحمل على تعدد الواقعة والله أعلم متفق عليه وفي رواية للترمذي قالت أجرت رجلين من أحمائي جمع حمو قريب الزوج فقال رسول الله قد أمنا أي أعطينا الأمان من أمنت قال ابن الهمام ورواه الأزرقي من طريق الواقدي عن أبي ذئب عن المقبري


عن أبي مرة مولى عقيل عن أم هانىء بنت أبي طالب قالت ذهبت إلى رسول الله فقلت يا رسول الله إني أجرت حموين لي من المشركين فأراد هذا أن يقتلهما فقال ما كان له ذلك الحديث وكان اللذان أجارت أم هانىء عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة والحارث بن هشام بن المغيرة كلاهما من بني مخزوم

الفصل الثاني
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال إن المرأة لتأخذ أي الأمان للقوم يعني تجير على المسلمين أي جاز أن تأخذ المرأة المسلمة الأمان للقوم رواه الترمذي قال ابن الهمام وروى أبو داود ثنا عثمان بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين وترجم الترمذي باب أمان المرأة ثنا يحيى بن أكثم إلى أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال إن المرأة لتأخذ للقوم يعني تجير القوم على المسلمين وقال حديث حسن غريب وقال في علله الكبرى سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هو حديث صحيح ومن أحاديث الباب حديث إجارة زينب بنت رسول الله أبا العاص فقال إلا وأنه يجير على المسلمين أدناهم رواه الطبراني بطوله وعن عمرو بن الحمق بفتح فكسر رضي الله عنه قال المؤلف خزاعي له صحبة روى عنه جبير بن نفير ورفاعة بن شداد وغيرهما قتل بالموصل سنة إحدى وخمسين قال سمعت رسول الله يقول من أمن رجلا على نفسه أي أعطاه الأمان والضمير في نفسه إلى الرجل فقتله أعطى لواء الغدر فيه استعارة يوم القيامة كناية عن فضيحته على رؤوس الإشهاد رواه في شرح السنة وفي شرح ابن الهمام والغدر محرم بالعمومات نحو ما صح في البخاري عنه عليه الصلاة والسلام من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أربع خصال من كانت فيه كان منافقا خالصا من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر


وعن سليم رضي الله عنه بالتصغير ابن عامر تابعي قال كان بين معاوية وبين الروم عهد أي إلى وقت معهود وكان يسير نحو بلادهم أي يذهب معاوية قبل انقضاء العهد ليقرب من بلادهم حين انقضاء العهد حتى إذا انقضى العهد أي زمانه أغار عليهم وفي رواية غزاهم وفي رواية فجاء رجل على فرس أو برذون بكسر الموحدة وفتح الذال المعجمة قال الطيبي المراد بالفرس هنا العربي وبالبرذون التركي من الخيل وهو أي الرجل يقول الله أكبر تعجبا واستبعادا الله أكبر تأكيدا وفاء لا غدر بالرفع على أن لا للعطف أي الواجب عليك وفاء لا غدر وفي نسخة بالفتح على أن لا لنفي الجنس فيكون خبرا معناه النهي كقوله تعالى لا ريب فيه البقرة قال الطيبي فيه اختصار حذف لضيق المقام أي ليكن منكم وفاء لا غدر يعني بعيد من أهل الله وأمة محمد ارتكاب الغدر وللاستبعاد صدر الجملة بقوله الله أكبر وكرره فنظروا أي فرأى الناس في مكان مجيء الرجل فإذا هو أي الرجل عمرو بن عبسة بفتح العين المهملة والباء الموحدة والسين المهملة كنيته أبو نجيح بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة سلمي أسلم قديما في أول الإسلام قيل كان رابع أربعة في الإسلام عداده في الشاميين روى عنه جماعة ذكره المؤلف في شرح السنة وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك لأنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة المضروبة كالمشروط مع المدة في أن لا يغزوهم فيها فإذا سار إليهم في أيام الهدنة كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه فعد ذلك عمرو غدرا وأما إن نقض أهل الهدنة بأن ظهرت منهم خيانة فله أن يسير إليهم على غفلة منهم فسأله معاوية عن ذلك أي عن دليل ما ذكره فقال سمعت رسول الله يقول من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهدا أي عقد عهد ولا يشدنه أراد به المبالغة عن عدم التغيير وإلا فلا مانع من الزيادة في العهد والتأكيد و المعنى لا يغيرن عهدا ولا ينقضنه بوجه وفي رواية فيشده ولا يحله


قال الطيبي هكذا بجملته عبارة عن عدم التغيير في العهد فلا يذهب على اعتبار معاني مفرداتها وقال ابن الملك أي لا يجوز نقض العهد ولا الزيادة على تلك المدة وفيه نظر والحاصل أنه يترك المعاهد العهد من غير نقض حتى يمضي أمده بفتحتين أي تنقضي غايته أو ينبذ بكسر الباء أي يرمي عهدهم إليهم بأن يخبرهم بأنه نقض العهد على تقدير خوف
الخيانة منهم على سواء أي ليكون خصمه مساويا معه في النقض كي لا يكون ذلك منه غدرا لقوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء الأنفال قال الطيبي قوله على سواء حال قال المظهر أي يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم وأن الصلح قد ارتفع فيكون الفريقان في علم ذلك سواء قال أي سليم فرجع معاوية بالناس الباء للتعدية فإن رجع لازم ومتعد قال تعالى فإن رجعك الله التوبة أي فذهب بهم والأظهر أن الباء للمصاحبة أي فرجع معهم رواه الترمذي وأبو داود قال ابن الهمام وصححه الترمذي ورواه أحمد وابن حبان وابن أبي شيبة وغيرهم وعن أبي رافع لم يذكره المؤلف في أسمائه وإنما ذكر أسلم مولى النبي غلبت عليه كنيته كان قبطيا وكان للعباس فوهبه للنبي فلما بشر النبي عليه الصلاة والسلام بإسلام العباس أعتقه وكان إسلامه قبل بدر اه فلعله هو ولكن سياق الحديث يأباه والله أعلم قال بعثني قريش إلى رسول الله فلما رأيت رسول الله ألقي بصيغة المجهول أي أوقع في قلبي الإسلام أي نفسه وهو التصديق أو مجبته قال الطيبي رحمه الله فيه أن إلقاء الإسلام لم يتخلف عن الرؤية وأنشد لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بداهته تنبيك عن خبر فدل على فراسته ودهائه ونظره الصائب وأن رسول الله سوى المعجزات لو نظر إليه الناظر الثابت النظر لآمن فقلت يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم وهذا كناية عن تمكن الإسلام من قلبه ولذلك أكده بالقسم وذيله بقوله أبدا قال أي النبي أني لا أخيس بكسر الخاء المعجمة بعدها تحتية أي لا أغدر بالعهد ولا أنقضه وفيه أن


العهد يراعى مع الكفار كما يراعى مع المسلمين ولا أحبس البرد بضمتين وقيل بسكون الراء جمع بريد وهو الرسول وإنما لم يحسبه لاقتضاء الرسالة جوابا على وفق مدعاهم بلسان من استأمنوه قال الطيبي المراد بالعهد ههنا العادة الجارية المتعارفة بين الناس من أن الرسل لا يتعرض لهم بمكروه ويدل عليه قوله في الحديث الآتي بعده أما والله لولا أن الرسل لا تقتل الحديث ألا ترى كيف صدر الجملة بلفظ أما التي هي من طلائع القسم ثم عقبها به دلالة على أن ارتكاب هذا الأمر من عظائم الأمور فلا ينبغي أن يرتكب وقوله ولكن ارجع استدراك عن مقدر أي لا تقم ههنا وتظهر الإسلام ولكن ارجع فإن كان أي ثبت في


نفسك أي في مستقبل الزمان الذي في نفسك الآن فارجع أي من الكفار إلينا ثم أسلم لأني لو قبلت منك الإسلام الآن وما أردك عليهم لغدرت قاله ابن الملك وفيه أن قبول الإسلام منه لا يكون غدرا ولا يتصور أن يكون عدم حبسه له غدرا بل المراد منه أنه لا يظهر الإسلام ويرجع إليهم حيث يتعذر حبسه فإنه أرفق ثم بعد ذلك يرجع إلى الحق على الطريق الأحق قال أي أبو رافع رضي الله عنه فذهبت أي إليهم ثم أتيت النبي فأسلمت أي أظهرت الإسلام رواه أبو داود وعن نعيم بالتصغير ابن مسعود أي الأشجعي هاجر إلى النبي وأسلم بالخندق وهو الذي سعى بين بني قريظة وأبي سفيان بن حرب وأبو سفيان يومئذ رأس الأحزاب وخذلهم عن رسول الله وحكايته معروفة سكن المدينة روى عنه ابنه سلمة ومات في خلافة عثمان وقيل بل قتل في وقعة الجمل قبل قدوم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن رسول الله قال لرجلين أحدهما عبد الله بن النواحة والثاني ابن أثال كما سيأتي جاآ بصيغة التثنية أي كلاهما من عند مسيلمة بضم الميم الأولى وفتح السين وكسر اللام وهو الكذاب المشهور بدعوى النبوة أما بتخفيف الميم للتنبيه والله لولا أن الرسل لا تقتل قال التوربشتي وذلك لأنهم كما حملوا تبليغ الرسالة حملوا تبليغ الجواب فلزمهم القيام بكلا الأمرين فيصيرون برفض مآربهم موسومين بسمة الغدر وكان نبي الله أبعد الناس عن ذلك ثم إن في تردد الرسل المصلحة الكلية ومهما جوز حبسهم أو التعرض لهم بمكروه صار ذلك سببا لانقطاع السبل من الفئتين المختلفتين وفي ذلك من الفتنة والفساد ما لا يخفى على ذي اللب موقعه وقوله لضربت أعناقكما إنما قال ذلك لهما لأنهما قالا بحضرته نشهد أن مسيلمة رسول الله اه وقيل عدم جواز قتل الرسل مستفاد من قوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره التوبة والوافد في حكم المستجيرة قلت وهو ما ينافي كلام الشيخ من الحكمة الجلية رواه أحمد وأبو داود وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن


رسول الله قال في خطبته أي على ملأ من الناس أوفوا بحلف الجاهلية بفتح الحاء وكسر اللام وفي نسخة بكسر فسكون
أي بالعقود والعهود والإيمان الواقعة في زمن الجاهلية على التعاون لقوله تعالى أوفوا بالعقود المائدة لكنه مقيد بما قال تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان المائدة فإنه أي الشأن لا يزيده أي العهد وفاعل يزيد مضمر فسره الراوي بالإسلام حيث قال يعني الإسلام أي يريد النبي بفاعل يزيد المستتر فيه معنى الإسلام أي لا يزيد الإسلام الحلف إلا شدة فإن الإسلام أقوى من الحلف فمن استمسك بالعاصم القوي استغنى عن العاصم الضعيف في النهاية أصل الحلف المعاقدة على التعاضد والتساعد والاتفاق فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله لا حلف في الإسلام وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم وصلة الأرحام ونحوهما فذلك الذي قال فيه أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ولا تحدثوا أي لا تتبدلوا ولا تبتدعوا حلفا في الإسلام أي لأنه كاف في وجوب التعاون قال الطيبي التنكير فيه يحتمل وجهين أحدهما أن يكون للجنس أي لا تحدثوا حلفا ما والآخر أن يكون للنوع قلت الظاهر هو الثاني ويؤيده قول المظهر يعني إن كنتم حلفتم في الجاهلية بأن يعين بعضكم بعضا ويرث بعضكم من بعض فإذا أسلمتم فأوفوا به فإن الإسلام يحرضكم على الوفاء به ولكن لا تحدثوا مخالفة في الإسلام بأن يرث بعضكم من بعض رواه هنا بياض في الأصل والحق الجزري في تصحيحه حيث قال رواه الترمذي من طريق حسين بن ذكوان عن عمرو وقال حسن وذكر حديث علي رضي الله عنه المسلمون تتكافأ بالتأنيث والتذكير أي دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم الحديث بطوله في كتاب القصاص يعني فأسقطناه من ههنا للتكرار قال ابن الهمام إذا أمن الرجل حرا وامرأة حرة كافرا أو جماعة أو أهل


حصن أو مدينة صح أمانهم على إسناد المصدر إلى المفعول ولم يجز لأحد من المسلمين قتالهم والأصل فيه هذا الحديث وقد أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله المسلمون تتكافؤ دماؤهم أي لا تزيد دية الشريف على دية الوضيع ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم ولفظ ابن ماجه ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم أي كأنهم آلة واحدة مع سواهم من الملك كالعضو الواحد باعتبار تعاونهم عليه قال ولا يصح أمان العبد المحجور عليه عند أبي حنيفة إلا أن يأذن له مولاه في القتال وقال محمد يصح وهو قول الشافعي وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف في رواية لإطلاق الحديث المذكور وهو قوله ويسعى بذمتهم


أدناهم ولما روى عبد الرزاق ثنا معمر عن عاصم بن سليمان عن فضيل بن يزيد الرقاشي قال شهدت قرية من قرى فارس يقال لها شاهرتا فحاصرناها شهرا حتى إذا كنا ذات يوم وطمعنا أن نصبحهم انصرفنا عنهم عند المقيل فتخلف عبد منا فاستأمنوه فكتب إليهم أمانا ثم رمى به إليهم فلما رجعنا إليهم خرجوا إلينا في ثيابهم ووضعوا أسلحتهم فقلنا ما شأنكم فقالوا أمنتمونا وأخرجوا إليهم السهم فيها كتاب بأمانهم فقلنا هذا عبد لا يقدر على شيء قالوا لا ندري عبدكم من حركم فقد خرجنا بأمان فكتبنا إلى عمر فكتب أن العبد المسلم من المسلمين وأمانه أمانهم ورواه ابن أبي شيبة وزاد فأجاز عمر أمانه والحديث جيد وفضيل بن يزيد الرقاشي وثقه ابن معين وأما ما ذكره صاحب الهداية من رواية أبي موسى الأشعري مرفوعا أمان العبد أمان فحديث لا يعرف اه وحجة أبي حنيفة ومالك في رواية سحنون عنه مذكورة في شرح ابن الهمام مبسوطة قال وإن آمن الصبي وهو لا يعقل الإسلام ولا يصفه لا يصح بإجماع الأئمة الأربعة كالمجنون وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال فعلى الخلاف بين أصحابنا لا يصح عند أبي حنيفة ويصح عند محمد ويقول أبي حنيفة قال الشافعي وأحمد في وجه لأن قوله غير معتبر كطلاقه وعتاقه ويقول محمد قال مالك وأحمد وإن كان مأذونا له في القتال فالأصح أنه يصح بالاتفاق بين أصحابنا وبه قال مالك وأحمد
الفصل الثالث


عن ابن مسعود رضي الله عنه قال جاء ابن النواحة بفتح النون وتشديد الواو وبالحاء المهملة ذكره ابن الأثير وابن أثال بضم الهمزة وبالمثلثة رسولا مسيلمة إلى النبي متعلق بجاء أو برسولا والأول أظهر ويحتمل التنازع فقال لهما أتشهدان أني رسول الله فكأنه أراد بذلك دعوتهما إلى الإسلام مع احتمال كونهما مسلمين فقالا وفي نسخة قالا وفي نسخة بزيادة لا ثم استأنفا بقولهما نشهد أن مسيلمة رسول الله أرادا بذلك أنهما من اتباع مسيلمة لا غير قال الطيبي جواب غير مطابق للسؤال ولا لنفس الأمر لأن رسول الله أراد بقوله أتشهدان أني رسول الله أني قد ادعيت الرسالة وصدقتها بمعجزة فاقرأ بذلك فقولهما نشهد الخ رد لهذا المعنى كأنهم أنكروا أن الرسالة تثبت بالمعجزات
فكان جوابهم من الأسلوب الأحمق فقال النبي آمنت بالله ورسوله الظاهر أن المراد بهذا المضاف الجنس ويؤيده ما في نسخة ورسوله قال الطيبي فيه إشارة إلى المعنى السابق حيث لم يقل آمنت بالله وبي بل قال ورسوله أي من ادعى الرسالة وأثبتها بالمعجزة كائنا من كان وهو كلام المنصف يعني وإلا فلا يجوز أن يكون معه ولا بعده من يدعي الرسالة ولذا قال بعض علمائنا من قال لمدعي الرسالة أظهر المعجزة فقد كفر ثم قال الطيبي وكأنهم ترقبوا أن يشرك مسيلمة في الرسالة فنفاه بقوله ورسوله أي أنه ليس من معنى الرسالة في شيء فيكون كلامه من الأسلوب الحكيم اه وفي كونهم مراقبين لشركة محل بحث لأنهم لو أرادوا ذلك لأقروا برسالة نبينا أيضا والله أعلم لو كنت وفي نسخة ولو كنت قاتلا رسولا أي قادما بالخبر من عند أحد بأمان لقتلتكما قال عبد الله أي ابن مسعود فإنه الراوي بل هو المراد عند الإطلاق فمضت السنة أن الرسول لا يقتل قال الطيبي معناه جرت السنة على العادة الجارية فجعلتها سنة رواه أحمد


باب قسمة الغنائم والغلول فيها
مو المغرب الغنيمة ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة وهو أعم من النفل والفيء أعم من الغنيمة لأنه اسم لكل ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك قال أبو بكر الرازي الغنيمة فيء والجزية فيء ومال أهل الصلح فيء والخراج فيء لأن ذلك كله مما أفاء الله على المسلمين من المشركين وعند الفقهاء كل ما يحل أخذه من مالهم فهو فيء ذكره الطيبي وقال ابن الهمام المأخوذ من الكفار بقتال يسمى غنيمة وبغير قتال كالجزية والخراج فيئا
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال فلم وفي نسخة لم تحل


الغنائم لأحد قبلنا قال الطيبي الفاء عاطفة على كلام سابق لرسول الله على هذا ولفظه قال الراوي يوضحه حديث أبي هريرة في الفصل الثالث ذلك بأن الله تعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا أي أحلها كما في رواية قال المظهر الإشارة إلى تحليل الله الغنائم لنا وقال الطيبي المشار إليه بذلك ما في الذهن بينه الخبر وهو استقرار حل يوجبه الضعف والعجز اه وكلام المظهر أظهر كما لا يخفى قيل كان الأمم الماضية إذا غزوا كانوا يجمعون الغنائم فإن نزلت نار من السماء وأحرقتها علموا أن غزوتهم مقبولة وإلا فلا اه فعلى تستمر أيضا لحال غزاة هذه الأمة متفق عليه وعن أبي قتادة قال خرجنا مع النبي وفي نسخة مع رسول الله عام حنين في القاموس هو كزبير موضع بين الطائف ومكة فلما التقينا أي نحن والمشركون كانت أي صارت للمسلمين جوله بفتح الجيم وسكون الواو من الجولان أي هزيمة قليلة كأنها جولان واحد يقال جال في الحرب جوله أي دار وقد فسرت في الحديث بالهزيمة وعبر عنها بالجولة لاشتراكهما في الاضطراب وعدم الاستقرار ففي النهاية جال واجتال إذا ذهب وجاء ومنه الجولان في الحرب والجائل الزائل عن مكانه قال التوربشتي أرى الصحابي كره لهم لفظ الهزيمة فكنى عنها بالجولة ولما كانت الجولة مما لا استقرار عليه استعملها في الهزيمة تنبيها على أنهم لم يكونوا استقروا عليها قال النووي وإنما كانت الهزيمة من بعض الجيش وأما رسول الله وطائفة معه فلم يزالوا والأحاديث الصحيحة في ذلك مشهورة ولم ير واحد قط أن رسول الله انهزم في موطن من المواطن بل يثبت فيها بأقدامه وثباته في جميع المواطن فرأيت رجلا من المشركين قد علا أي غلب رجلا من المسلمين فضربته أي المشرك من ورائه على حبل عاتقه بكسر الفوقية وهو ما بين العنق والكتف بالسيف فقطعت الدرع أي درعه وأوصلت الجراحة إلى بدنه وأقبل علي فضمني أي ضغطني وعصرني ضمة وجدت منها ريح الموت استعارة عن أثره أي وجدت منه شدة كشدة


الموت والمعنى قد قاربت الموت ثم أدركه الموت فأرسلني أي فخلى سبيلي فخليته فلحقت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقلت ما بال الناس أي منهزمين
قال أمر الله أي كان ذلك من قضائه وقدره أو ما حال المسلمين بعد الانهزام فقال أمر الله غالب والنصرة للمؤمنين ثم رجعوا أي المسلمون وجلس النبي فقال من قتل قتيلا أوقع القتل على المقتول باعتبار مآله كقوله تعالى أعصر خمرا يوسف له أي للقاتل عليه أي على قتله للمقتول بينة أي شاهد ولو واحدا فله سلبه بفتحتين فعل بمعنى المفعول أي ما على القتيل ومعه من ثياب وسلاح ومركب وجنيب يقاد بين يديه قال النووي فيه دليل للشافعي والليث إن السلب لا يعطى إلا لمن له بينة بأنه قتل ولا يقبل قوله وقال مالك يقبل لأنه أعطاه بقول واحد ولم يحلفه والجواب أنه علم أنه القاتل بطريق من الطرق وقد صرح بالبينة فلا يكفي الواحد واحتج بعضهم بأنه استحق بإقرار من هو في يده وهو ضعيف لأن الإقرار إنما ينفع إذا كان المال منسوبا إلى من هو في يده فيؤخذ بإقراره وهنا منسوب إلى جميع الجيش قال ابن الملك استدل الشافعي بالحديث على أن السلب للقاتل وقال أبو حنيفة السلب لا يكون للقاتل إذا لم ينفل الإمام به والحديث محمول على التنفيل جمعا بينه وبين حديث آخر ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك وقال النووي اختلفوا فيه فقال مالك والأوزاعي والثوري وأحمد وغيرهم يستحق القاتل السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك هذا القول أم لا قالوا وهذا فتوى من النبي وأخبار عن حكم الشرع وقال أبو حنيفة والشافعي ومن تابعهما لا يستحق بمجرد القتل إلا أن يقول الإمام قبل القتال من قتل قتيلا فله سلبه وجعلوا هذا إطلاقا من النبي وليس بفتوى منه ولا إخبار عام وهذا الذي قالوه ضعيف لأنه صريح في أن النبي قاله بعد الفراغ قال الطيبي ويؤيده حديث عوف بن مالك في الفصل الثاني لأنه مطلق والأصل عدم التقييد قلت لا شك أنه قاله في هذا الحديث بعد


الفراغ لكنه يحتمل أن يكون إعادة لما قاله قبله وأما حديث عوف قضى في السلب للقاتل فقابل للتقييد وأما حديث أنس في الفصل الثاني قال قال رسول الله يومئذ يعني يوم حنين من قتل كافرا فله سلبه فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم فصريح في أن القتل وقع بعد القول فيقيد المطلق به وفي التكرار الآتي دليل أيضا على أنه ليس بإفتاء وأخبار بل لإجراء الحكم المقرر من قبل قال ابن الهمام وإذا لم يجعل السلب للقاتل فهو من جملة الغنيمة والقاتل وغيره سواء وهو قول مالك وقال الشافعي السلب للقاتل إذا كان من أهل أن يسهم له وبه قال أحمد فقلت أي في نفسي أو جهارا وفي رواية فقمت فقلت من يشهد لي أي بأني قتلت رجلا من المشركين فيكون سلبه لي ثم جلست فقال النبي مثله أي مثل قوله الأول فقلت أي فقمت فقلت من يشهد لي ثم جلست ثم قال النبي مثله ثم قمت فقال ما لك يا أبا قتادة أي تقوم وتجلس على هيئة طالب لغرض أو


صاحب غرض فأخبرته فقال رجل صدق أي أبو قتادة وسلبه عندي فأرضه مني من باب الأفعال والخطاب لرسول الله أي فأعطه عوضا عن ذلك السلب ليكون لي أو أرضه بالمصالحة بيني وبينه قال الطيبي من فيه ابتدائية أي أرض أبا قتادة لأجلي ومن جهتي وذلك إما بالهبة أو بأخذه شيئا يسيرا من بدله فقال أبو بكر لاها الله بالجر أي لا والله إذا بالتنوين أي إذا صدق أبو قتادة لا يعمد بكسر الميم ورفع الدال إلى أسد من أسد الله بضم الهمزة وسكون السين وقيل بضمهما جمع أسد والجملة تفسير للمقسم عليه والمعنى لا يقصد النبي إلى إبطال حقه وإعطاء سلبه إياك قال النووي في جميع روايات المحدثين في الصحيحين وغيرهما إذا بالألف قبل الذال وأنكره الخطابي وأهل العربية اه كلامه ولقد أطال الطيبي من مقال النحويين والمعربين في هذا المحل مع تعارض تقديراتهم وتناقض تقديراتهم قال النووي فيه دليل على أن هذه اللفظة تكون يمينا قال أصحابنا إن نوى اليمين كانت يمينا وإلا فلا لأنها ليست متعارفة في الإيمان يقاتل عن الله ورسوله أي لرضاهما ونصرة دينهما فيعطيك أي هو أو النبي سلبه أي جميعه أو بعضه من غير سببه قال الطيبي قوله عن الله فيه وجهان أحدهما أن يكون عين صلة فيكون المعنى يصدر قتاله عن رضا الله ورسوله أي بسببهما كقوله تعالى ما فعلته عن أمري الكهف وثانيهما أن يكون حالا أي يقاتل ذابا عن دين الله أعداء الله ناصرا لأوليائه فقال النبي صدق أي الصديق فأعطه أي أبا قتادة سلبه قال النووي المعنى يقاتل لنصرة دين الله وشريعة رسوله لتكون كلمته هي العليا وفيه دلالة ظاهرة على فضل الصديق رضي الله عنه ومكانته عند رسول الله لإفتائه بحضرته وتصديقه له وعلى منقبة أبي قتادة فإنه سماه أسدا من أسد الله فأعطانيه فابتعت أي اشتريت به أي بذلك السلب مخرفا بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء ويجوز كسرها نقله ميرك عن الشيخ وقال السيوطي الأول هو المشهور وروي بالكسر أي


بستانا في بني سلمة بكسر اللام فإنه وفي نسخة وأنه لأول مال تأثلته أي أقنيته وتأصلته يعني جمعته وجعلته أصل مالي في الإسلام متفق عليه قال ابن الهمام لا خلاف في أنه عليه السلام قال ذلك وإنما الكلام إن هذا منه نصب الشرع على العموم في الأوقات والأحوال أو كان تحريضا بالتنفيل قاله في تلك الوقعة وغيرها يخصها فعند الشافعي نصب الشرع لأنه هو الأصل في قوله لأنه إنما بعث لذلك وقلنا كونه تنفيلا هو أيضا من نصب الشرع والدلالة على أنه على الخصوص واستدل صاحب الهداية بأنه قال لحبيب بن أبي سلمة ليس لك ملك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك فكان دليلا على أحد محتملي قوله من قتل قتيلا فله سلبه وهو أنه تنفيل في تلك الغزوة لا نصب عام للشرع وهو حسن لو صح الحديث أو حسن لكنه إنما رواه الطبراني في معجمه الكبير والوسط بلغ حبيب بن سلمة أن صاحب قبرص خرج يريد طريق أذربيجان ومعه زمرد وياقوت


ولؤلؤ وغيرها فخرج إليه فقتله فجاء بما معه وأراد أبو عبيدة أن يخمس فقال له حبيب بن سلمة لا تحرمني رزقا رزقنيه الله فإن رسول الله جعل السلب للقاتل فقال معاذ الله يا حبيب إني سمعت رسول الله يقول إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه وهذا معلول بعمرو بن واقد وقد رواه إسحاق بن راهويه ثنا بقية بن الوليد حدثني رجل عن مكحول عن جنادة بن أمية قال كنا معسكرين بدانفاء وذكر لحبيب بن سلمة الفهري إلى أن قال فجاء بسلبه على خمسة أبغال من الديباج والياقوت والزبرجد فأراد حبيب أن يأخذه كله وأبو عبيده يقول بعضه فقال حبيب لأبي عبيدة قد قال رسول الله من قتل قتيلا فله سلبه قال أبو عبيدة إنه لم يقل ذلك للأبد فسمع معاذ ذلك فأتى أبا عبيدة وحبيب يخاصمه فقال معاذ ألا تتقي وتأخذ ما طابت به نفس إمامك فإن مالك إلا ما طابت به نفس إمامك فحدثهم بذلك معاذ عن النبي فاجتمع رأيهم على ذلك فأعطوه من الخمس فباعه حبيب بألف دينار وفيه كما ترى مجهول ولكن قد لا يضر ضعفه فأنا إنما نستأنس به لأحد محتملي لفظ روي عن رسول الله وقد يتأيد بما في البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف في مقتل أبي جهل يوم بدر فإن فيه أن عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ ابن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء بعد ما رأى سيفهما كلاكما قتله ثم قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وحده ولو كان مستحقا للقاتل لقضى به لهما إلا أن البيهقي رفعه بأن غنيمة بدر كانت للنبي بنص الكتاب يعطي من يشاء وقد قسم لجماعة لم يحضروا ثم نزلت آية الغنيمة بعد بدر فقضى عليه الصلاة والسلام السلب للقاتل واستقر الأمر على ذلك اه يعني ما كان إذ ذاك قال السلب للقاتل حتى يصح الاستدلال وقد يدعى أنه قال في بدر أيضا على ما أخرجه ابن مردويه من طريق فيه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وعن عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين قال قال عليه الصلاة والسلام يوم بدر من قتل قتيلا فله سلبه


فجاء أبو اليسر بأسيرين فقال سعد بن عبادة إن رسول الله ما كان يظن بنا جبنا عن العدو ولا ظن بالحياة أن يصنع ما صنع إخواننا ولكن رأيناك قد أفردت فكرهنا ندعوك بضيعة قال فأمرهم رسول الله أن يوزعوا تلك الغنائم بينهم فظهر أنه حيث قاله ليس نصب الشرع للأبد وهو وإن ضعف سنده فقد ثبت أنه قال يوم بدرا من قتل قتيلا فله كذا وكذا في أبي داود ولا شك أنه لم يقل كذا وكذا فإنما كنى به الراوي عن خصوص ما قاله وقد علمنا أنه لم يكن هنا دراهم ودنانير فإن الحال بذلك غير معتاد ولا الحال تقتضي ذلك لقلتها أو عدمها فيغلب على الظن أن ذلك المكنى عنه للراوي هو السلب وما أخذ لأنه المعتاد أن يجعل في الحرب للقاتل وليس كما روي بطريق ضعيفة بإطلاق فيقع الظن بصحة جعله في بدرا لسلب للقاتل والمأخوذ للآخذ فيجب قبوله غاية الأمر أنه تظافرت به أحاديث ضعيفة على ما يفيد أن المذكور من قوله من قتل قتيلا فله سلبه ليس نصبا عاما مستمرا أو الضعيف إذا تعددت طرقه ارتقى إلى الحسن فيغلب الظن أنه تنفيل في تلك الوقائع ومما يبين ذلك بقية حديث أبي داود فإنه قال بعد قوله كذا وكذا فتقدم


الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلما فتح الله عليهم قال المشيخة كنا رد ألكم لو انهزمتهم فئتم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ويبقى فأبى الفتيان ذلك وقالوا جعله رسول الله لنا الحديث فقوله جعله يبين أن كذا وكذا هو جعله السلب للقاتلين والمأخوذ للآخذين وحديث مسلم وأبي داود عن عوف بن مالك الأشجعي دليل ظاهر أنه كما قلنا قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقي مددي من أهل اليمن فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف شجرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر فعلاه فقتله فحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه سلب الرومي قال عوف فأتيت خالدا فقلت له يا خالد أما علمت أن رسول الله قضى بالسلب للقاتل قال بلى ولكني استكثرته قلت أتردنه أو لا عرفنكما عند رسول الله فأبى أن يعطيه قال عوف فاجتمعنا عند رسول الله فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد فقال عليه الصلاة والسلام لخالد رد عليه ما أخذت منه قال عوف دونك يا خالد ألم أوف لك فقال وما ذاك فأخبرته فقال غضب رسول الله فقال يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركوا لي أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدرة ففيه أمران الأول رد قول من قال إنه عليه الصلاة والسلام لم يقل من قتل قتيلا فله سلبه إلا في حنين فإن مؤتة كانت قبل حنين وقد اتفق عوف وخالد أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالسلب للقاتل قبل ذلك والآخر أنه منع خالدا من رده بعد ما أمر به فدل أن ذلك حيث قال عليه الصلاة والسلام كان تنفيلا وأن أمره إياه بذلك كان تنفيلا طابت نفس الإمام له به ولو كان شرعا لازما لم يمنعه من مستحقه وقول الخطابي إنما منعه أن يرد على عوف سلبه زجرا لعوف لئلا يتجرأ الناس على الأئمة وخالد كان مجتهدا فأمضاه عليه الصلاة والسلام واليسير من الضرر يتحمل للكثير من النفع غلط وذلك لأن السلب لم يكن للذي تجرأ وهو


عوف وإنما كان للمددي فلا تزر وازرة وزر أخرى وغضب رسول الله لذلك كان أشد على عوف من منع السلب وأزجر له منه فالوجه أنه عليه السلام أحب أولا أن يمضي شفاعته للمددي في التنفيل فلما غضب منه رد شفاعته وذلك يمنع السلب لا أنه لغضبه وسياسته يزجر بمنع حق آخر لم يقع له جناية وهذا أيضا يدل على أنه ليس شرعا عاما لازما وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه قال المظهر اللام في له للتمليك وفي لفرسه للتسبب أي


لأجل فرسه في شرح السنة لفنائه في الحرب إذ مؤنة فرسه إذا كان معلوما تضاعف على مؤنة صاحبه قال ابن الملك وهذا قول الأكثر وقيل للفارس سهمان وعليه أبو حنيفة أخذا بما سيأتي في الحسان من أنه أعطى الفارس سهمين اه فأخذ أبو حنيفة بالمتيقن وترك المشكوك متفق عليه قال التوربشتي هذا الحديث صحيح لا يروون خلافه وإنما ترك أبو حنيفة العمل بهذا الحديث لا لرأيه بل لما يعارضه من حديث ابن عمر أنه قال رسول الله للفارس سهمان وللراجل سهم وأبو حنيفة أخذ بحديث مجمع بن حارثة وهو مذكور في الحسان قال النووي اختلفوا فيه فقال ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد واسحاق وأبو عبيد وابن جرير وآخرون للفارس ثلاثة أسهم وقال أبو حنيفة للفارس سهمان فقط سهم له وسهم لها ولم يقل بقوله هذا أحد إلا ما روي عن علي وأبي يوسف وحجة الجمهور هذا الحديث وهو صريح وأما الحديث المذكور وفيه قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهما هكذا في أكثر الروايات وفي بعضها للفرس سهمين وللراجل سهما بالألف وفي بعضها للفارس سهمين والمراد بالنفل هنا الغنيمة لغة فإن النفل في اللغة الزيادة والعطية والغنيمة عطية من الله تعالى ومن روى الراجل بالألف فرواية محتملة فيتعين حملها على موافقة الأول جمعا بين الروايتين قال الطيبي يريد أنه لما تعارض الروايتان في هذا الحديث أعني فارس وفرس وراجل ورجل فينبغي أن ترجح إحدى الروايتين على الأخرى فرجحنا الأولى لحديث ابن عمر على أن رواة إحدى الروايتين أكثر من الأخرى وإن تؤول الأخرى بأن المراد بالسهم النصيب على الإجمال أي للفارس نصيبان نصيب له ونصيب لفرسه فيكون المبين للرواية الأخرى وحديث ابن عمر يبينه الحديث الذي يتلوه في قول ابن الأكوع أعطاني سهمين إذ لم يرد به المساواة لقوله سهم للفارس وسهم للراجل قال ابن الهمام عند أبي حنيفة وزفر للفارس وللراجل


سهم وعندهما وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم لهم ما روي عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام جعل للفرس سهمين ولصاحبها سهما هذا لفظ البخاري وأخرجه الستة إلا النسائي وفي مسلم عنه قسم النفل للفرس سهمين وللراجل سهما وفي رواية بإسقاط لفظ النفل وفي رواية أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وهذه الألفاظ كلها تبطل قول من أول من الشراح كون المراد من الراجل الرجالة ومن الخيل الفرسان بل في بعض الألفاظ القابلة قسم خيبر على ثمانية عشر سهما وكان الرجالة ألفا وأربعمائة والخيل مائتين واستدل صاحب الهداية لأبي حنيفة بما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام أعطى للفارس سهمين وللراجل سهمين وهو غريب من حديث ابن عباس بل الذي رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عنه قال أسهم رسول الله للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما لكن في هذا أحاديث منها ما في أبي داود عن مجمع يعني ما سيأتي في الفصل الثاني ومنها ما في معجم الطبراني عن المقداد بن عمر وأنه كان


يوم بدر على فرس يقال له سبحة فأسهم له النبي سهمين لفرسه سهم واحد وله سهم واحد وكذا في مسند الواقدي وأخرج الواقدي أيضا في المغازي عن جعفر بن خارجة قال قال الزبير بن العوام شهدت بني قريظة فارسا فضرب لي بسهم وأخرج ابن مردويه في تفسيره بسنده إلى عروة عن عائشة قالت أصاب رسول الله سبايا بني المصطلق فأخرج الخمس منها ثم قسمها بين المسلمين فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما ومنها حديث ابن عمر الذي عارض به صاحب الهداية رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ثنا أبو أسامة وابن نمير قالا حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله جعل للفارس سهمين وللراجل سهما اه ومن طريقه رواه الدارقطني ورواه القعنبي بالشك في الفارس أو الفرس ومن طريق جزم بالفارس ورواه الدارقطني أيضا في كتابه المؤتلف والمختلف وإذا ثبت التعارض في حديث ابن عمر بل في فعله عليه الصلاة والسلام مطلقا نظرا إلى تعارض رواية غير ابن عمر أيضا ترجح النفي بالأصل وهو عدم الوجوب وبالمعنى وهو أن الكر والفر واحد والثبات جنس فهما اثنان للفارس وللراجل أحدهما وله ضعف ماله فإن قيل المعارضة الموجبة للترك فرع المساواة وحديث ابن عمر في البخاري فهو أصح قلنا قدمنا غير مرة أن كون الحديث في كتاب البخاري أصح من حديث آخر في غيره مع فرض أن رجاله رجال الصحيح أو رجال روى عنهم البخاري تحكم محض لا نقول به مع أن الجمع وإن كان أحدهما أقوى من الآخر أولى من إبطال أحدهما وذلك فيما قلنا بحمل رواية ابن عمر على التنفيل وكذا حديث أحمد أنه عليه الصلاة والسلام أعطى الزبير سهما وفرسه سهمين وكذا حديث جابر شهدت مع رسول الله غزاة فأعطى الفارس منا ثلاثة أسهم وأعطى الراجل سهما بل هذا ظاهر في أنه ليس أمره المستمر وإلا لقال كان عليه الصلاة والسلام ونحوه فلما قال غزاة وقد علم أنه شهد مع النبي غزوات ثم خص هذا الفعل بغزاة منها كان ظاهرا في أن غيرها لم يكن كذلك وما في حديث سهل بن أبي


حثمة أنه شهد حنينا فأسهم لفرسه سهمين وله سهم لا يقتضي أن ذلك مستمر عنه عليه الصلاة والسلام أما حديث ابن أبي كبشة عن النبي قال إني جعلت للفرس سهمين وللفارس سهما فمن نقصهما نقصه الله فلا يصح لأن رواية محمد بن عمران القسي أكثر الناس على تضعيفه وتوهينه اه وعلى تقدير صحته يحتمل التنفيل كما يدل عليه قوله إني جعلت على ما هو الظاهر والله أعلم بالسرائر والضمائر وعن يزيد بن هرمز رضي الله عنه بضم الهاء والميم غير مصروف وقيل مصروف قال المؤلف همداني مولى بني ليث روى عن أبي هريرة وعنه ابنه عبد الله وعمرو بن دينار رواه الزهري قال كتب نجدة بفتح نون وسكون جيم رئيس الخوارج وفي


القاموس نجدة بن عامر الحنفي خارجي الحروري بفتح فضم نسبة إلى قرية بظاهر الكوفة نسبة الخوارج إليها لأنها كانت محل اجتماعهم حين خرجوا على علي رضي الله عنه في القاموس حروراء كجلولاء وقد يقصر قرية بالكوفة وهو حروري والحرورية هم نجدة وأصحابه إلى ابن عباس يسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم هل يقسم لهما فقال أي ابن عباس ليزيد أي ابن هرمز اكتب إليه أي إلى نجدة أنه بالفتح ويجوز الكسر على الحكاية أي اكتب هذا الكلام أنه أي الشأن ليس لهما سهم أي نصيب وفي رواية شيء أي من الغنيمة إلا أن يحذيا بصيغة المجهول أي يعطيا شيئا قليلا قيل أقل من نصف السهم وقيل أقل من السهم وهو المعتمد وفي النهاية في الحديث إن لم يحذك من عطره علتك من ريحه أي لم يعطك وفي رواية أي رواية أبي داود كما صرح به ابن الهمام كتب إليه أي إلى نجدة ابن عباس أنك بالفتح كما في قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس المائدة الآية ويجوز الكسر على أن المكتوب هذا اللفظ وقال ميرك الظاهر فيه الكسر ويجوز الفتح على المعنى أي كتب معنى هذا القول كتبت أي إلي تسألني استئناف مبين أو حال هل كان رسول الله يغزو بالنساء وهل كان يضرب لهن بسهم فقد كان يغزو بهن أي يسافر بهن في غزوه يداوين المرضى أي ويعالجن الجرحى ويسقين الغزاة ويهيئن لهم أمورهم كما سبق في كلام ابن الهمام من حديث أم سليم ويحذين أي يعطين من الغنيمة وفيه تأييد لمذهبنا كما سيأتي وأما السهم أي سؤاله فلم يضرب أي لم يقسم ولم يعين ولم يبين لهن بسهم أي تام وفي رواية ابن الهمام فإما أن يضرب لهن بسهم فلا وقد كان يرضخ لهن رواه مسلم وفيه أنه موهم أن مروي أبي داود رواه مسلم أيضا وليس كذلك في شرح السنة العمل على هذا عند أكثر أهل العلم إن العبيد والصبيان والنسوان إذا حضروا القتال يرضخ لهم ولا يسهم اه والرضخ بضم الراء وبالمعجمتين إعطاء القليل قال ابن الهمام ولا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبي


ولا ذمي ولكن يرضخ لهم ويعطون قليلا من كثير فإن الرضخ في الإعطاء كذلك والكثير السهم فالرضخ لا يبلغ السهم ولكن دونه على حسب ما يراه الإمام وسواء قاتل العبد بإذن سيده أو بغير إذنه وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه عن عمير مولى آبى اللحم قال شهدت خيبر مع ساداتي إلى أن قال فأخبرأني مملوك فأمر لي بشيء وأما ما في أبي داود والنسائي عن جدة حشوج بن زياد أم أبيه أنها خرجت في غزوة خيبر سادسة ست من النسوة فبلغ رسول الله فبعث إلينا فجئنا فرأينا في وجهه الغضب فقال مع من خرجتين بإذن من خرجتين فقلنا يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ومعنا دواء للجرحى ونتاول السهام


ونسقي السويق فقال قمن حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال وبه وقال الأوزاعي فقال الخطابي إسناده ضعيف لا يقوم به حجة وذكر غيره أنه لجهالة رافع وحسير حينئذ من رواته وقال الطحاوي يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام استطاب أهل الغنيمة وقال غيره يشبه أنه إنما أعطاهن من الخمس الذي هو حقه هذا و يمكن أن يكون التشبيه في أصل العطاء وإرادة بالسهم ما خصصن به والمعنى خصنا بشيء كما فعل بالرجال ثم الرضخ عندنا من الغنيمة قبل إخراج الخمس وهو قول الشافعي وأحمد وفي قول وهو رواية عن أحمد من أربعة الأخماس وفي قول للشافعي من خمس الخمس وقال مالك من الخمس ثم إن العبد إنما يرضخ له إذا قاتل وكذا الصبي والذمي لأنهم يقدرون على القتال إذا فرض الصبي قادرا عليه فلا يقام غير القتال في حقهم مقامه بخلاف المرأة فإنها تعطى بالقتال وبالخدمة لأهل العسكر وإن لم تقاتل لأنها عاجزة عنه فأقام هذه المنفعة منها مقامه وعن سلمة بن الأكوع قال بعث رسول الله بظهره أي ابله ومركوبه في النهاية الظهر الإبل التي يحمل عليها ويركب يقال عند فلان ظهر أي ابل مع رباح بفتح الراء غلام رسول الله أي مولى له ولم يذكره المؤلف في أسمائه وأنا معه فلما أصبحنا أي في منزل إذا للمفاجأة عبد الرحمن الفزاري بفتح الفاء والزاي وروي بقاف مضمومة قد أغار على ظهر رسول الله فقمت على أكمة بفتحات أي مكان مرتفع فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثا أي ثلاث مرات يا صباحاه كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما يغيرون عند الصباح فكان المستغيث يقول قد غشينا العدو وقيل هو نداء المقاتل عند الصباح يعني قد جاء وقت الصباح فتهيؤوا للقتال ثم خرجت في آثار القوم أي أعقابهم أرميهم بالنبل أي السهم وأرتجز في القاموس الرجز محركة ضرب من الشعر وزنه مستفعلن ست مرات سمى لتقارب أجزائه وقلة حروفه وزعم الخليل أنه ليس بشعر وإنما هو أنصاف أبيات وأثلاث والأجوزة


القصيدة منه وقد رجز وارتجز ورجزيه ورجزه أنشد أرجوزة أقول بدل أو حال أي قائلا أنا ابن الأكوع بسكون العين وفي نسخة بكسرها واليوم يوم الرضع بضم الراء وتشديد المعجمة جمع راضع قال النووي أي يوم هلاك اللئام
من قولهم لئيم راضع أي رضيع اللؤم في بطن أمه وقيل لأنه يمص حلمة الشاء والناقة لئلا يسمع السؤال والضيفان صوت الحلاب فيقصدوه وقيل اليوم يعرف من أرضعته كريمة فأشجعته أو لئيمة فهجنته وقيل معناه اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها ويعرف غيره اه أو المعنى اليوم تهلكون أيها الكفار بأيدنا فإنكم عاجزون كالأطفال الذين يرضعون عندنا فما زلت أرميهم وأعقر بهم أي أقتل مركوبهم وأجعلهم راجلين بعقر دوابهم حتى ما خلق الله ما نافية من بعير من ظهر رسول الله أي من ابله بيان قوله من بعير ومن فيه زائدة تفخيما لشأنها إلا خلفته بتشديد اللام أي تركته وراء ظهري فيه تجريد أو تأكيد ثم أتبعتهم بتشديد التاء الأولى أرميهم حتى ألقوا أي طرحوا ورموا أكثر من ثلاثين بردة وهي شملة مخططة أو كساء أسود مربع صغير يلبسه الأعراب وثلاثين رمحا يستخفون بتشديد الفاء أي يطلبون الخفة بإلقائها في الفرار ولا يطرحون شيئا أي من البرد والرمح وغيرهما إلا جعلت عليه آراما بمد في أوله جمع ارم كعنب وأعناب وهو العلامة فقوله من الحجارة تجريد أو تأكيد يعرفها رسول الله وأصحابه في النهاية كان من عادة الجاهلية إذا وجدوا شيئا في طريقهم لا يمكنهم استصحابه تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه حتى رأيت فوارس رسول الله أي اقبلوا ولحق أبو قتادة فارس رسول الله أي منهم بعبد الرحمن أي الفزاري فقتله فقال رسول الله خير فرساننا جمع فارس راكب الفرس اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بتشديد الجيم جمع راجل بمعنى الماشي على ما في القاموس ونظيره السيارة جمع سائر النظارة جمع ناظر قال النووي فيه فضيلة الشهادة ومنقبة لسلمة وأبي قتادة وجواز


الثناء على من فعل جميلا واستحقاق ذلك إذا ترتب عليه مصلحة وجواز عقر خيل العدو في القتال واستحباب الرجز في الحرب وجواز القول بأني أنا ابن فلان وجواز المبارزة بغير إذن الإمام وحب الشهادة والحرص عليها وإلقاء النفس في غمرات الموت قال أي أبو سلمة ثم أعطاني رسول الله سهمين سهم الفارس وهو ثلاثة أسهم أو سهمان على ما سبق وسهم الراجل أي أعطاني سهم فارس مع سهم راجل لأن معظم أخذ تلك الغنيمة كانت بسبب سلمة وللإمام أن يعطي من كثر سعيه في الجهاد شيئا زائدا على نصيبه لترغيب الناس وإنما لم يعطه الجميع لأنه لم ينفل


قبل القتال وقيل لأن من حضر الحرب قبل انقضائها بنية الحرب فهو شريك في الغنيمة وتسمى هذه الغزوة غزوة ذي قرد بفتح القاف والراء وهو موضع قريب المدينة وكانت في السنة السادسة فجمعهما لي جميعا أي هذا من خصوصياتي قال الخطابي يشبه أن يكون إنما أعطاه من الغنيمة سهم الراجل فحسب لأن سلمة كان راجلا في ذلك اليوم وأعطاه الزيادة نفلا لما كان من جنس بلائه ثم أردفني رسول الله أي اركبني وراءه أي وراء ظهره على العضباء ناقة له راجعين بصيغة التثنية وفي نسخة بصيغة الجمع إلى المدينة رواه البخاري وكذا مسلم وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله كان ينفل بتشديد الفاء أي يعطيهم من الغنيمة زائدا بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسمة عامة الجيش متفق عليه وعنه أي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال نفلنا أي أعطانا رسول الله نفلا بالتحريك ويسكن أي زيادة أو غنيمة ففي النهاية النفل بالتحريك الغنيمة وجمعه الأنفال وبالسكون وقد يحرك الزيادة ومنه نوافل العبادات لأنها زائدة على الفرائض سوى نصيبنا من الخمس بضمتين ويسكن الميم فأصابني شارف أي ناقة سنة على ما في النهاية والشارف المسن الكبير هذا تفسير من أحد الرواة في شرح السنة النفل اسم لزيادة يعطيها الإمام بعض الجيش على القدر المستحق ومنه سميت النافلة لما زاد على الفرائض من الصلاة وقد اختلفوا في إعطاء النفل وفي أنه من أين يعطى وتمامه مذكور في شرح السنة اه وتقدم حاصله مما في شرح ابن الهمام متفق عليه


وعنه أي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ذهبت فرس له أي نفرت وشردت إلى الكفار فأخذها العدو فظهر أي غلب عليهم أي على العدو وهو يطلق على المفرد والجمع المسلمون فرد بصيغة المجهول أي الفرس عليه أي على ابن عمر ففي الصحاح الفرس يؤنث وقد يذكر وفي القاموس الفرس للذكر والأنثى لكن عدها ابن الحاجب في رسالته مما لا بد فيه من تأنيثه فيمكن أن يجعل الجار نائب الفاعل وفي نسخة فردت عليه في زمن رسول الله وفي رواية أبق عبد له فلحق بالروم فظهر عليهم المسلمون فرد عليه خالد بن الوليد بعد النبي رواه البخاري قال ابن الملك فيه أنهم لا يملكون عبدا آبقا فإذا أخذوه وجب رده على صاحبه قبل القسمة وبعدها وبه قلنا وفي شرح السنة فيه دليل على أن الكفار إذا أحرزوا أموال المسلمين واستولوا عليها لا يتملكونها وإذا استنقذها المسلمون من أيديهم ترد إلى ملاكها وهو قول الشافعي سواء كان قبل القسمة أو بعدها خلافا لجماعة إذا كان بعد القسمة قال ابن الهمام إن أبق عبد لمسلم أو ذمي وهو مسلم ودخل عليهم دار الحرب فأخذوه لم يملكوه عند أبي حنيفة وقالا يملكونه وبه قال مالك وأحمد أما لو ارتد فأبق إليهم فأخذوه ملكوه اتفاقا وكذا إذا ند بعير إليهم فأخذوه ملكوه فيتفرع على ملكهم إياه أنه لو اشتراه رجل وأدخله دار الإسلام فإنما يأخذه مالكه منه بالثمن إن شاء وإذا غلبوا على أموالنا وأحرزوها بدارهم ملكوها وهو قول مالك وأحمد إلا أن عند مالك بمجرد الاستيلاء يملكونها ولأحمد فيه روايتان كقولنا وقول مالك وقال الشافعي لا يملكونها لما روى الطحاوي مسندا إلى عمران بن الحصين قال كانت العضباء من سوابق الحاج فأغار المشركون على سرح المدينة وفيه العضباء وأسروا امرأة من المسلمين وكانوا إذا نزلوا يريحون إبلهم في أفنيتهم فلما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد توموا فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغا حتى أتت على العضباء فأتت على ناقة ذلول فركبتها ثم توجهت قبل


المدينة ونذرت لئن الله عز وجل نجاها لتنحرنها فلما قدمت عرفت الناقة فأتوا بها النبي فأخبرت المرأة بنذرها فقال بئس ما جزيتها أو فديتها لا وفاء لنذر في معصية الله تعالى ولا فيما لا يملك ابن آدم وفي لفظ فأخذ ناقته وللجمهور قوله تعالى للفقراء المهاجرين الحشر سماهم هم فقراء والفقير من لا يملك شيئا فدل على أن الكفار ملكوا أموالهم التي خلفوها وهاجروا عنها وليس من يملك مالا وهو في مكان لا يصل إليه فقيرا بل هو مخصوص بابن السبيل ولذا عطفوا عليهم في نص الصدقة وأما ما استدل به


الشارحون مما في الصحيحين أنه قيل له عليه الصلاة والسلام في الفتح أين تنزل غدا بمكة فقال هل ترك لنا عقيل من منزل وفي رواية أتنزل بدارك قال فهل ترك لنا عقيل من رباع وإنما قاله لأن عقيلا كان استولى عليه وهو على كفره فغير صحيح لأن الحديث إنما هو دليل أن المسلم لا يرث الكافر فإن عقيلا إنما استولى على الرباع بإرثه إياها من أبي طالب فإنه توفي وترك عليا وجعفرا مسلمين وعقيلا وطالبا كافرين فورثاه لأن الديار كانت للنبي فلما هاجر واستولوا عليها فملكوها بالاستيلاء وروى أبو داود في مراسيله عن تميم بن طرفة قال وجد رجل مع رجل ناقة له فارتفعا إلى النبي فأقام البينة أنها له وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو فقال إن شئت أن تأخذ بالثمن الذي اشتراها به فأنت أحق وإلا فخل عن ناقته والمرسل حجة عندنا وعند أكثر أهل العلم وأخرج الطبراني مسندا عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة وفي سنده يس الزيات ضعف وأخرج الدارقطني ثم البيهقي في سننهما عن ابن عباس رضي الله عنهما عنه عليه الصلاة والسلام قال فيما أحرز العدو فاستنقذه المسلمون منهم إن وجده صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق به وإن وجده قد قسم فإن شاء أخذه بالثمن وضعف بالحسن بن عمارة وأخرج الدارقطني عن ابن عمر سمعت رسول الله يقول من وجد ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له ومن وجده بعد ما قسم فليس له شيء وضعف بإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ثم أخرجه من طريق آخر فيه رشدين وضعف به وأخرجه الطبراني عن ابن عمر مرفوعا من أدرك ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له وإن أدرك بعد أن يقسم فهو أحق بالثمن وفيه يس ضعف به قال الشافعي واحتجوا أيضا بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال من أدرك ما أخذ العدو قبل أن يقسم فهو له وما قسم فلا حق له فيه إلا بالقيمة قال وهذا إنما روى عن الشعبي عن عمر وعن رجاء بن حيوة عن عمر مرسلا وكلاهما لم يدرك عمر وروى الطحاوي بسنده إلى قبيصة بن ذؤيب أن عمر بن


الخطاب قال فيما أخذه المشركون فأصابه المسلمون فعرفه صاحبه إن أدرك قبل أن يقسم فهو له وإن جرت فيه السهام فلا شيء له وروي عنه أيضا عن أبي عبيدة مثل ذلك وروي بإسناده إلى سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت مثله وروي أيضا بإسناده إلى قتادة عن جلاس أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال من اشترى ما أحرز العدو فهو جائز والعجب ممن يشك بعد هذه الكثرة في أصل هذا الحكم ويدور في ذلك بين تضعيف بالإرسال أو التكلم في بعض الطرق فإن الظن بلا شك يقع في مثل ذلك إن هذا الحكم ثابت وإن هذا الجمع من علماء المسلمين لم يتعمدوا الكذاب ويبعد أنه وقع غلط للكل في ذلك وتوافقوا في هذا الغلط بل لا شك أن الراوي الضعيف إذا كثر مجيء معنى ما رواه يكون مما أجاد فيه وليس يلزم الضعيف الغلط دائما ولا أن يكون أكثر حاله السهو والغلط هذا مع اعتضاده بما ذكرنا من الآية والحديث الصحيح وحديث العضباء كان قبل إحرازهم بدار الحرب ألا ترى إلى قوله وكانوا إذا نزلوا منزلا الخ فإنه يفهم أنها فعلت ذلك وهم في الطريق اه وبه يعلم حكم الحديثين السابقين في الأصل والله سبحانه وتعالى أعلم


وعن جبير بالتصغير ابن مطعم رضي الله عنه كمحسن ابن عدي من أشراف قريش ذكره في القاموس قال المؤلف كنيته أبو محمد القرشي النوفلي أسلم قبل الفتح ونزل المدينة مات بها سنة أربع وخمسين روى عنه حماعة وكان من أنسب قريش قال مشيت أنا وعثمان بن عفان وهو أموي قرشي إلى النبي فقلنا أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن بمنزلة واحدة منك أي من كوننا بني عبد مناف وذلك أن هاشما والمطلب ونوفلا وعبد شمس هم أبناء عبد مناف وعبد مناف هو الجد الرابع لرسول الله وجبير من بني نوفل وعثمان من بني عبد شمس والنبي من بني هاشم فقال إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد أي كشيء واحد بأن كانوا متوافقين متحابين متعاونين فلم تكن بينهم مخالفة في الجاهلية ولا في الإسلام وفي شرح السنة أراد الحلف الذي كان بين بني هاشم وبني المطلب في الجاهلية وذلك أن قريشا وبني كنانة حالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي غير هذه الرواية إنما لم تفترق في جاهلية ولا في إسلام وكان يحيى بن معين يرويه سي واحد بالسين المهملة يعني وبالتحتية المشددة أي سواء يقال هذا سي هذا أي مثله ونظيره والمعنى كل واحد منهما مقترن بالآخر ملاصق به لا يقال لهما سيان بل سي واحد وفيه مبالغة لا تخفى قال جبير ولم يقسم النبي لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا لأنهم لم يكن بينهم وبين بني هاشم موافقة بل مخالفة ظاهرة فلهذا أحرمهم عن خمس الخمس مع أنهم من ذوي القربى رواه البخاري واعلم أن ذكر الله تعالى في قوله سبحانه واعلم إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه الأنفال للتبرك به وليس المراد أن له سبحانه سهما كما لكل من الأصناف سهم فإن لله ما في السموات وما في الأرض فسهم الله ورسوله واحد وقال أبو الغالية سهم الله ثابت يصرف إلى بناء الكعبة إن كانت خربة وإلا فإلى كل مسجد من كل بلدة ثبت فيها الخمس ودفعه أن السلف


فسروه بما ذكر أولا روى الطبراني في تفسيره عن أبي بن كعب رضي الله عنه وكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ثم قال فإن لله خمسه مفتاح الكلام لله ما في السموات وما في الأرض وفي غيره حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما كان رسول الله إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة فصرف ذلك الخمس في خمسة وعلى قول هذا القائل تكون ستة وكذا روى الحاكم عن الحسن بن محمد بن علي بن الحنفية فيه قال هذا مفتاح كلام الله الدنيا والآخرة وسهم النبي سقط بموته


كما سقط الصفي لأنه عليه الصلاة والسلام كان يستحقه برسالته ولا رسول بعده والصفي شيء كان يصطفيه لنفسه من الغنيمة مثل درع وسيف وجارية قبل القسمة وإخراج الخمس كما اصطفى ذا الفقار وهو سيف منبه بن الحجاج حين أتى به علي بعد أن قتل منبها ثم دفعه إليه وكما اصطفى صفية بنت حيي بن أخطب من غنيمة خيبر رواه أبو داود في سننه عن عائشة والحاكم وصححه وقد تقدم وقال الشافعي يصرف سهم الرسول إلى الخليفة لأنه إنما كان يستحقه بإمامته لا برسالته ودفع بأن الخلفاء الراشدين إنما قسموا الخمس على ثلاثة فلو كان كما ذكر لقسموه على أربعة ورفعوا سهمه لا يقسم ولم ينقل ذلك عن أحد وأيضا هو حكم علق بمشتق وهو الرسول فيكون مبدأ الاشتقاق علة وهو الرسالة والحاصل أن الخمس يقسم عندنا على ثلاثة أسهم سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل يدخل فقراء ذوي القربى فيهم فيقدمون على غيرهم لأن غيرهم من الفقراء يتمكنون من أخذ الصدقات وذوو القربى لا يحل لهم هذا رأي الكرخي ورأي الطحاوي أنه يدخل فقراء اليتامى من ذوي القربى في سهم اليتامى المذكورين دون أغنيائهم واليتيم صغير لا أب له والمساكين منهم في سهم المساكين وفقراء أبناء السبيل من ذوي القربى في أبناء السبيل فإن قيل فلا فائدة حينئذ في ذكر سهم اليتيم حيث كان استحقاقه بالفقر والمسكنة لا باليتم أجيب بأن فائدته دفع توهم أن اليتيم لا يستحق من الغنيمة شيئا لأن استحقاقها بالجهاد واليتيم صغير فلا يستحقها ومثله ما ذكر في التأويلات للشيخ أبي منصور لما كان فقراء ذوي القربى يستحقون بالفقر فلا فائدة في ذكرهم في القرآن أجاب بأن إفهام بعض الناس قد تفضي إلى أن الفقير منهم لا يستحق لأنه من قبيل الصدقة ولا تحل لهم وفي التحفة هذه الثلاثة مصارف الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق حتى لو صرف إلى صنف واحد منهم جاز كما في الصدقات وقال الشافعي لذوي القربى خمس الخمس يستوي فيه غنيهم وفقيرهم ويقول


الشافعي قال أحمد وعند مالك الأمر مفوض إلى الإمام إن شاء قسم بينهم وإن شاء أعطىء بعضهم دون بعض وإن شاء أعطى غيرهم إن كان أمرهم أهم من أمرهم ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ويكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم من القرابات ونحن نوافقه على أن القرابة المرادة هنا تخص بني هاشم وبني المطلب فالخلاف في دخول الغني من ذوي القربى وعدمه وقال المزني يستوي فيه الذكر والأنثى ويدفع للقاصي والداني وهو ظاهر إطلاق النص للشافعي إطلاق قوله تعالى ولذي القربى الأنفال بلا فصل بين الغني والفقير ولأن الحكم معلق بوصف يوجب أن مبدأ الاشتقاق علة له ولا تفصيل فيها بخلاف اليتامى فإنهم يشترطون فيهم الفقر مع تحقق الإطلاق كقولنا وذلك لأن اسم اليتيم يشعر بالحاجة فكان مقيدا معنى بها بخلاف ذوي القربى ثم لا ينتفي مناسبتها بالمعنى لأنه لا يبعد كون قرابة رسول الله توجب استحقاق هذه الكرامة ولنا أن الخلفاء الراشدين قسموه على ثلاثة أسهم على نحو ما قلنا وكفى بهم قدوة ثم إنه لم ينكر عليهم ذلك أحد مع علم جميع الصحابة بذلك وتوافرهم فكان إجماعا إذ لا يظن بهم خلاف رسول الله والكلام في


إثباته فروى أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهم أن الخمس كان يقسم على عهد رسول الله على خمسة أسهم لله والرسول سهم ولذي القربى سهم ولليتامى سهم وللمساكين سهم ولابن السبيل سهم ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين على ثلاثة أسهم سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل وروى الطحاوي عن محمد بن خزيمة عن يوسف بن عدي عن عبد الله بن المبارك عن محمد بن إسحاق قال سألت أبا جعفر يعني محمد بن علي فقلت رأيت علي بن طالب حيث ولي العراق ودعا من ولى من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوي القربى قال سلك أبي والله سبيل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقلت وكيف وأنتم تقولون ما تقولون قال أما والله ما كان أهله يصدرون عن رأيه قلت فما منعه قال كره والله أن يدعي عليه بخلاف سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما اه وكون الخلفاء فعلوا ذلك لم يختلف فيه وبه تصح رواية أبي يوسف عن الكلبي فإن الكلبي مضعف عند أهل الحديث إلا أنه وافق الناس وإنما الشافعي يقول لا إجماع بمخالفة أهل البيت وحين ثبت هذا حكمنا بأنه إنما فعله لظهور أنه الصواب لأنه لم يكن يحل له أن يخالف اجتهاده لاجتهادهما وقد علم أنه خالفهما في أشياء لم توافق رأيه كبيع أمهات الأولاد وغير ذلك وحين وافقهما علمنا أنه رجع إلى رأيهما إن كان ثبت عنه أنه كان يرى خلافه وبهذا يندفع ما استدل به الشافعي عن أبي جعفر محمد بن علي قال كان رأي علي في الخمس رأي أهل بيته ولكن كره أن يخالف أبا بكر وعمر قال ولا إجماع دون أهل البيت لأنا نمنع أن فعله كان لكراهة أن ينسب إليه خلافهما وكيف وفيه منع المستحقين عن حقهم في اعتقاده فلم يكن منعه إلا لرجوعه وظهور الدليل له وكذا ما روي عن ابن عباس من أنه كان يرى ذلك محمول على أنه كان في الأول كذلك ثم رجع ولئن لم يكن رجع فالأخذ بقول الراشدين مع اقترانه بعدم النكير من أحد أولى فإن قيل لو صح ما ذكرتم


لم يكن سهم مستحقا لذوي القربى أصلا لأن الخلفاء لم يعطوهم وهو مخالف للكتاب ولفعله عليه الصلاة والسلام لأنه أعطاهم بلا شبهة أجيب على قول الكرخي إن الدليل دل على أن السهم للفقير منهم لما أسند الطبراني في معجمه إلى ابن عباس قال بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله فقال لهما انطلقا إلى عمكما لعله يستعين بكما على صدقات فأتيا رسول الله فأخبراه بحاجتهما فقال لهما لا يحل لأهل البيت من الصدقات شيء ولا غسالة الأيدي إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم ويكفيكم ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره بلفظ رغبت عن غسالة أيدي الناس إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم وهو إسناد حسن ثم إن هذا يقتضي أن المراد بقوله تعالى ولذي القربى الأنفال فقراء ذوي القربى فيقتضي اعتقاد استحقاق فقرائهم وكونهم مصرفا مستمرا وينافيه اعتقاد حقيقة منع الخلفاء الراشدين إياهم مطلقا كما هو ظاهر ما روينا أنهم لم يعطو لذوي القربى شيئا من غير استثناء فقرائهم وكذا ينافيه إعطاؤه عليه الصلاة والسلام للأغنياء منهم كما روي أنه أعطى العباس وكان له عشرون عبدا يتجرون وقول


صاحب الهداية والنبي أعطاهم للنصرة يدفع السؤال الثاني لكن يوجب عليه المناقضة مع ما قبله لأن الحاصل حينئذ أن القرابة المستحقة هي التي كانت نصرته وذلك لا يخص الفقير منهم ومن الأغنياء من تأخر بعده عليه الصلاة والسلام كالعباس فكان يجب على الخلفاء أن يعطوهم وهو خلاف ما تقدم عنه أنهم لم يعطوهم بل حصروا القسمة في الثلاثة ويعكر عليه ما سيرويه في تصحيح قول الكرخي أن عمر أعطى الفقراء منهم سهما مع أنه لم يعرف إعطاء عمر بقيد الفقراء مرويا بل المروي في ذلك ما في أبي داود عن سعيد بن المسيب ثنا جبير بن مطعم أن رسول الله لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئا كما قسم لبني هاشم وبني المطلب قال وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله كما كان يعطيهم النبي وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده منه وأخرج أبو داود أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعت عليا قال اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبي فقلت يا رسول الله أرأيت أن توليني حقنا في هذا الخمس في كتاب الله أقسمه في حياتك لئلا ينازعني أحد بعدك فأفعل قال ففعل ذلك فقسمته حياة رسول الله ثم ولاية أبي بكر رضي الله عنه حتى كان آخر سنة من سني عمر أتاه مال كثير فعزل حقنا ثم أرسله إلي فقلت بنا العام غنى وبالمسلمين إليه حاجة فأردده عليهم فرده ثم لم يدعني إليه أحد بعد عمر فلقيت العباس بعدما خرجت من عند عمر فقال يا علي حرمتنا الغداة شيئا لا يرد علينا فكان رجلا ذاهبا فهذا ليس فيه تقييد الإعطاء بفقر المعطي منهم وكيف والعباس كان ممن يعطي ولم يتصف بالفقر مع أن الحافظ المنذري ضعف هذا الحديث فقال وفي حديث جبير بن مطعم أن أبا بكر لم يقسم لذوي القربى وفي حديث أنه قسم لهم وحديث جبير صحيح وحديث علي لا يصح اه والذي يجب أن يعول على اعتقاده أن الراشدين لم يعطوا ذوي القربى لبيان مصرف الاستحقاق على ما هو المذهب وإلا لم


يجز لهم منعهم بعده عليه الصلاة والسلام وذلك أن القربى وإن قيدت بالنصرة والموازرة في الجاهلية فإنهم بقوا بعده عليه الصلاة والسلام فكان يجب أن يعطوهم فلما لم يعطوهم كان المراد بيان أنهم مصارف حتى جاز الاقتصار على صنف واحد كان يعطي تمام الخمس لأبناء السبيل وأن يعطي تمامه للمساكين وأن يعطي تمامه لليتامى كما ذكرنا عن التحفة فجاز للراشدين أن يصرفوه إلى غيرهم خصوصا وقد رأوهم أغنياء متمولين إذ ذاك ورأوا صرفه إلى غيرهم أنفع ونقول ذلك أن الفقير منهم مصرف ينبغي أن يقدم على الفقراء كما قدمنا وأما أنه يكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم لأن كونهم مصارف كان للنصرة فلما في أبي داود وغيره بسنده إلى سعيد بن المسيب قال أخبرني جبير بن مطعم قال فلما كان يوم خيبر وضع سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس فانطلقت أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه حتى أتينا رسول الله فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضع فيهم فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة فقال عليه الصلاة والسلام أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما


نحن وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه أشار بهذا إلى نصرتهم إياه نصرة المؤانسة والموافقة في الجاهلية فإنه ليس إذ ذاك آخر قتال فهو يشير إلى دخولهم معه في الشعب حين تعاقدت قريش على هجران بني هاشم وأن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم والقصة في السيرة شهيرة وعن هذا استحقت ذراريهم مع أنه لا يتأتى نصرة منهم هذا خلاصة كلام ابن الهمام في هذا المقام والله أعلم بالمرام وعن أبي هريرة قال قال رسول الله أيما قربة أتيتموها أي بلا قتال بأن خلا أهلها أو صالحوا عليها وأقمتم فيها فسهمكم فيها أي لا يختص بكم بل تكون مشتركة بينكم وبين من لم يخرج منكم من جيش المسلمين لأن مثل هذا المال يكون فيأ والفيء لا يختص بالخارجين للمحاربة وأيما قرية عصت الله ورسوله أي فأخذتم منهم مالا بإيجاف خيل وركاب فإن خمسها لله ولرسوله ثم هي أي بقية أموالهم وأراضيها لكم قال ابن الملك أي ذلك المال يكون غنيمة ويؤخذ خمسها لله ورسوله ويقسم الباقي منها وفيه إن مال الفيء لا يخمس وقال الشافعي أنه يخمس كمال الغنيمة فالحديث حجة عليه وقال بعض علمائنا من الشراح المراد بالأولى ما فتحه العسكر من غير أن يكون فيهم النبي فهي للعسكر وبالثانية أن يكون النبي فيهم فيأخذ الخمس والباقي لهم وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض يحتمل أن يكون المراد بالأولى الفيء الذي لم يوجف المسلمون بخيل ولا ركاب بل خلا عنه أهله وصالحوا عليه فيكون سهمهم فيها أي حقهم من العطاء كما يصرف الفيء ويكون المراد بالثانية ما أخذه عنوة فيكون غنيمة يخرج منها الخمس وقد أوجب الشافعي الخمس في الفيء كما أوجبوه كلهم في الغنيمة وقال جميع العلماء سواء لا خمس في الفيء قال الأشرف أي كل قرية غزوتموها واستوليتم عليها أو لم أكن أنا فيكم وقسمتم الغنائم بأنفسكم فسهمكم في تلك الغنائم وأيما قرية عصت الله تعالى ورسوله أي وأنا قد حضرت قتالها بنفسي فأنا أخمس الغنائم ثم أقسم عليكم بنفسي قال الطيبي ثم في


قوله ثم هي لكم للتراخي في الأخبار ولضمير في فإن خمسها للقرية والمراد هي وما فيها ولذلك هي راجعة إلى القرية أي القرية مع ما فيها بعد إخراج الخمس لكم وكنى عن مقاتلتهم بقوله عصت الله ورسوله تعظيما لشأن المخاطبين وأنهم إنما يقاتلون في الله ويجاهدون لله فمن قاتلهم فقد عصى الله ورسوله قال ابن الهمام إذا فتح الإمام بلدة عنوة فهو بالخيار إن شاء قسمها بين الغانمين مع رؤوس أهلها استرقاقا وأموالهم بعد إخراج الخمس لجهاته وإن شاء قتل مقاتلتهم وقسم ما سواهم من الأراضي والأموال والذراري ويضع على الأراضي المقسومة العشر لأنه ابتداء التوظيف على


المسلم وإن شاء من عليهم برقابهم وأرضهم وأموالهم فوضع الجزية على الرؤوس والخراج على أرضهم من غير نظر إلى الماء الذي يسقى به أهو ماء العشر كماء السماء والعيون والأودية والآبار أو ماء الخراج كالأنهار التي شقتها الأعاجم لأنه ابتداء التوظيف على الكافر وأما المن عليهم برقابهم وأرضهم فقط فمكروه إلا أن يدفع إليهم من المال ما يتمكنون به من إقامة العمل والنفقة على أنفسهم وعلى الأراضي إلى أن يخرج العلاق وإلا فهو تكليف بما لا يطاق وأما المن عليهم برقابهم مع المال دون الأرض أو برقابهم فقط فلا يجوز لأنه إضرار بالمسلمين بردهم حربا علينا إلى دار الحرب نعم له أن يبقيهم أحرار ذمة بوضع الجزية عليهم بلا مال يدفعه إليهم فيكونون فقراء يكتسبون بالسعي والأعمال وله أن يسترقهم ثم استدل على جواز قسمة الأرض بقسمته عليه الصلاة والسلام خيبر مما في البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال قال عمر لولا آخر المسلمين ما فتحت بلدة ولا قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم رسول الله خيبر ورواه مالك في الموطأ أنا زيد بن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر يقول لولا أن يترك آخر الناس لا شيء لهم ما فتح على المسلمين قرية إلا قسمتها سهمانا كما قسم سهمانا فظاهر هذا أنه قسمها كلها في أبي داود بسند جيد أنه قسم خيبر نصفين نصفا لنوائبه ونصفا بين المسلمين قسما بينهم على ثمانية عشر سهما وأخرجه أيضا من طريق محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن بشير بن بشار عن رجال من أصحاب النبي أنه قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة يعني أعطى لكل مائة رجل سهما وقد جاء مبينا كذلك وفي رواية البيهقي وكان النصف لرسول الله وللمسلمين النصف من ذلك أي لمن ينزل به من الوفود والأمور ونوائب المسلمين وحاصله أنه نصف النصف لنوائب المسلمين وهو معنى مال بيت المال ثم ذكر من طريق آخر وبين أن ذلك النصف كان الوطيخ والكئيبة والسلالم وتوابعها فلما صارت الأموال بيد رسول الله


والمسلمين ولم يكن لهم عمال يكفونهم عملها فدعا رسول الله اليهود فعاملهم زاد أبو عبيد في كتاب الأموال فعاملهم بنصف ما يخرج منها فلم يزل حياة رسول الله وأبي بكر رضي الله عنه حتى كان عمر فكثر العمال في المسلمين وقوفا على العمل فأجلى عمر اليهود إلى الشام وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم وقد اختلف أصحاب المغازي في أن خيبر فتحت كلها عنوة أو بعضها صلحا وصحح أبو عمر بن عبد البر الأول وروي موسى بن عقبة عن الزهري الثاني وغلطه ابن عبد البر قال فإنما دخل له ذلك من جهة الحصنين اللذين أسلمهما أهلهما في حقن دمائهم وهما الوطيخ والسلالم كما روى أنه ولما حصرهم فيهما حتى أيقنوا بالهلاك سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ففعل فحاز رسول الله الأموال وجميع الحصون إلا ما كان من ذينك الحصنين إلى أنه قال فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين مغنومين ظن أن ذلك صلح ولعمري أنه في الرجال والنساء والذرية لضرب من الصلح ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال فكان حكمها كحكم سائر أموالهم فالحق في ذلك ما قاله ابن إسحاق عن الزهري من أنها فتحت عنوة دون ما قاله موسى بن عقبة عنه اه ولا شك في إقرار عمر أهل السواد ووضع الخراج على أراضيهم على


كل جريب عامر أو غامر عمله صاحبه أو لم يعمله درهما وقفيزا وفرض على جريب الكرم عشرة وعلى الرطاب خمسة وفرض على رقاب الموسرين في العام ثمانية وأربعين وعلى من دونه أربعة وعشرين وعلى من لم يجد شيئا اثني عشر درهما فحمل في أول سنة إلى عمر ثمانون ألف ألف درهم وفي السنة الثانية مائة وعشرون ألف ألف درهم إلا أن في المشهور عن أصحاب الشافعي أنها فتحت عنوة وقسمت بين الغانمين فجعلت لأهل الخمس والمنقولات للغانمين والصحيح المشهور عندهم أنه لم يخصها بأهل الخمس لكنه استطاب قلوب الغانمين واستردها وردها على أهلها بخراج يؤدونه كل سنة وقال ابن شريح باعها من أهلها بثمن منجم والمشهور في كتب المغازي أن السواد فتح عنوة وإن عمر وظف ما ذكرنا ولم يقسمها بين الغانمين محتجا بقوله تعالى ما أفاء الله على رسوله إلى قوله والذين جاؤوا من بعدهم أي الغنيمة لله ولرسوله ولأصحابه وللذين جاؤوا من بعدهم وإنما تكون لهم بالمن وبوضع الخراج والجزية وتلا عمر هذه الآية ولم يخالفه أحد إلا نفر يسير كبلال وسلمان ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه فدعا عمر على المنبر وقال اللهم اكفني بلالا وأصحابه قال في المبسوط فلم يحمدوا وندموا ورجعوا إلى رأيه ويدل على أن قسمة الأراضي ليس حتما إن مكة فتحت عنوة ولم يقسم النبي أرضها ولذا ذهب مالك أن بمجرد الفتح تصير الأرض وقفا للمسلمين وهو أدعى بالأخبار والآثار اه وتقدم أن دعوى الشافعية إن مكة فتحت صلحا لا دليل عليها بل على نقيضها والله سبحانه أعلم رواه مسلم وعن خولة الأنصارية بفتح الخاء وسكون الواو رضي الله عنها قال المؤلف هي صحابية بنت تامر حديثها عند أهل المدينة قالت سمعت رسول الله يقول إن رجالا يتخوضون بالمعجمتين أي يسرعون ويدخلون ويتصرفون في مال الله أي في الغنيمة والفيء والزكاة بغير حق أي بغير استحقاق فلهم النار أي أبدا إن استحلوا وإلا فمدة شاءها الله تعالى يوم القيامة فيه إشارة إلى سرعة


دخولهم النار قبل انقضاء ذلك اليوم ويمكن أن يراد به مطلق الدار الآخرة والله تعالى أعلم رواه البخاري وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله ذات يوم أي يوما
من الأيام وذات مقحمة مانعة من كون اليوم بمعنى الوقت المطلق فذكر الغلول بضم المعجمة قال أبو عبيدة هو الخيانة في الغنيمة وقال غيره هو أعم ذكره النووي فعظمه أي شأنه عطف على فذكر تفسيرا له وعظم أمره عطف تفسير لما قبله أيضا وأغرب الطيبي وقال هو عطف على فعظمه على طريقة أعجبني زيد وكرمه أي كرم زيد وقوله تعالى يخادعون الله والذين آمنوا البقرة و يخادعون الذين آمنوا بالله وقوله فعظمه عطف على ما ذكر الغلول على هذا المنوال اه وفيه ما لا يخفى ثم قال لا ألفين بضم الهمزة وكسر الفاء لا أجدن أحدكم كقولهم لا أرينك ههنا نهى نفسه عن أن يجدهم على هذه الحالة والمراد نهيهم عن ذلك وهو أبلغ وقوله يجيء يوم القيامة حال من أحدكم وقوله على رقبته من الضمير في يجيء وقوله بعير فاعل الظرف لاعتماده أي هذه حالة فظيعة شنيعة لا ينبغي أن أراكم عليها لفضيحتكم على رؤوس الإشهاد ويدل على هذا التأويل حديث عبادة بن الصامت في الفصل الثاني من قوله فإنه عار على أهله يوم القيامة له أي للبعير رغاء بضم الراء صوت الإبل يقال رغا يرغو رغاء ذكره في النهاية يقول أي أحدكم يا رسول الله اغثني أمر من الإغاثة والمراد منه الشفاعة فأقول لا أملك أي من الله لك أي لأجلك شيئا أي من الدفع والنفع والمعنى لا أدفع عنك شيئا من عذاب الله قد أبلغتك أي وثبتت عليك الحجة فيما بين المؤمنين وما على الرسول إلا البلاغ المبين لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة بالحاءين المهملتين صوت الفرس دون الصهيل ذكره في النهاية ويمكن أن يجرد ويراد به مطلق صوته وسبق عن القاموس أن الفرس يذكر ويؤنث فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة


على رقبته شاة لها ثغاء بضم المثلثة صوت الشاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس له صياح بكسر أوله قال التوربشتي يريد بالنفس المملوك الذي يكون قد غله من السبي وقيل المقتول بغير حق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع بكسر الراء جمع رقعة وهي قطعة من الثوب أي ثياب يغلها من الغنيمة أو يأخذها بغير حق أو يلبسها بغير استحقاق كمرقعات الصوفية الجهلة تخفق بكسر الفاء أي تضطرب وتتحرك اضطراب الراية فيقول يا رسول الله


أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت خلاف ناطق أي ذهب وفضة وما في معناهما فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك متفق عليه أي معنى وهذا لفظ مسلم وهو أي لفظ مسلم أتم أي أتم تفصيلا من لفظ البخاري ولذا اختير وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أهدى رجل لرسول الله غلاما أي مملوكا يقال له أي للغلام مدعم بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملة قال المؤلف مدعم مولى النبي وهو عبد أسود كان عبد الرفاعة بن زيد فأهداه لرسول الله له ذكر في الغلول فبينما بالميم وفي نسخة فبينا مدعم يحط أي يضع رحلا أي عن ظهر مركوب لرسول الله إذ بسكون الذال للمفاجأة وفي نسخة إذا أصابه سهم عائر بكسر الهمزة المبدلة أي لا يدري من رماه وفي شرح السنة هو الحائد عن قصده ومنه عار الفرس إذا ذهب على وجهه كأنه منفلت فقتله فقال الناس هنيئا له أي لمدعم الجنة لأنه مات في خدمة النبي وهو في سبيل الله فقال رسول الله كلا للردع أي ليس الأمر كما تظنون والذي نفسي بيده أن الشملة وهي كساء يشتمل به الرجل التي أخذها يوم خيبر من المغانم وفي نسخة من الغنائم لم تصبها المقاسم الضمير للشملة أو للغنائم والمعنى أخذها قبل قسمتها أو قبل إدخالها في القسمة قال ابن الملك الجملة حال من منصوب أخذها أي غير مقسومة أي أخذها قبل القسمة فكان غلولا لأنها كانت مشتركة بين الغانمين ولم يفد الرد شيئا لتشتعل عليه نارا أي إن لم يعف الله ففيه رد لكلامهم المفهوم منه الجزم بأنه من أهل الجنة بغير سابقة عقوبة وقال الطيبي قوله أن الشملة الخ جواب عن قولهم هنيئا له الجنة مشعر بأنهم قطعوا على أنه الآن في الجنة يتنعم فيها وأدخل كلا ليكون ردعا لحكمهم وإثباتا لما بعده وينصره الرواية الأخرى أني رأيته في النار وقوله نارا تمييز وفيه مبالغة أي الشملة اشتعلت وصارت بجملتها نارا


كقوله تعالى واشتعل الرأس شيبا فلما سمع ذلك أي الوعيد الشديد الناس أي الذين تهاونوا في أمر خيانة المغنم وظنوا أن محقراتها مما يتسامح فيها جاء رجل بشراك بكسر أوله أحد سيور النعل التي تكون على وجهه ذكره في النهاية أو بشراكين إلى النبي بالشك فقال شراك من نار أي إن لم يرد أو باعتبار ما كان أو شراكان من نار أي يعذب بهما حال كونهما مجعولين من النار أو بمقدارهما منها وفيه تهديد عظيم ووعيد جسيم في حق من يأكل من المال الذي يتعلق به حق جمع من المسلمين كمال الأوقاف وكمال بيت المال فإن التوبة مع الاستحلال أو رد حقوق العامة متعذر أو متعسر قال النووي فيه تنبيه على المعاقبة بهما أما بنفسهما أي يغلي بهما وهما من نار أو هما سببان لعذاب النار وفيه غلظ تحريم الغلول وأنه لا فرق بين قليله وكثيره في التحريم حتى الشراك وأن الغلول يمنع من إطلاق اسم الشهادة على من غل قلت وفيه بحث إذ لا دلالة في الحديث على نفي شهادته كيف وقد قتل في سبيل الله وخدمة رسول الله ولا يشترط في الشهيد أن لا يكون عليه ذنب أو دين بالإجماع وجواز الحلف بالله من غير ضرورة قلت بل هو لتأكيد الحكم فليس بلا فائدة وإن من رد شيئا مما غل يقبل منه ولا يحرق متاعه وأما حديث من غل فأحرقوا متاعه فضعيف بين ابن عبد البر وغيره ضعفه وقال الطحاوي لو كان صحيحا لكان منسوخا اه وفيه أن الحديث إنما يدل على رده قبل القسمة وإنما الكلام بعدها حيث يتعذر وصوله إلى أصحابه وسيأتي في الحديث أنه رده بعد القسمة ولم يقبله متفق عليه وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال كان أي في بعض المغازي على ثقل النبي أي رحله ومتاعه وهو بفتح المثلثة والقاف المتاع المحمول على الدابة على ما في الفائق وفي المغرب يقال لكل خطير نفيس ثقل وقال عياض وتبعه النووي هو المتاع ونحوه وفي القاموس الثقل كعنب ضد الخفة والثقل محركة متاع المسافر والأثقال كنوز الأرض وموتاها والذنوب والأحمال الثقيلة


واحدة لكل ثقل بالكسر رجل يقال له كركرة بفتح الكافين وكسرهما كذا في المغني وجامع الأصول وقال النووي هو بفتح الكاف الأولى وكسرها والثانية مكسورة فيهما وقال ابن الملك بكسرهما اسم ذلك الرجل كان يحمل أمتعة رسول الله وينقلها من منزل إلى منزل اه وأكثر الأصول بفتح الكافين فمات فقال رسول الله هو في النار فذهبوا قال الطيبي الفاء عاطفة على محذوف أي سمعوا ذلك منه وحققوا أن سبب
وروده النار هو الغلول مع كونه على ثقله فذهبوا ينظرون أي يتأملون أو يبصرون في متاعه فوجدوا عباءة بالمدمع فتح أوله كساء واسع مخطط قال بعض الشراح هي بفتح العين وبالياء المنقوطة من تحت بنقطتين بعد الألف والعباءة لغة فيها وقال الجوهري العباة والعباءة ضرب من الأكسية وفي باب الهمز من القاموس العباء كساء معروف كالعباءة وفي باب الباء ضرب من الأكسية كالعباءة قد غلها أي خانها من الغنيمة رواه البخاري وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا نصيب في مغازينا جمع المغزي وهو مصدر ميمي أو اسم زمان أو مكان من غزا يغزو فاصل مغازينا مغازونا أبدلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها والمعنى نلقي فيها العسل والعنب فنأكله أي كلا منهما ونحوهما ولا نرفعه أي إلى رسول الله لأجل القسمة واتفقوا على جواز أكل الغزاة طعام الغنيمة قبل القسمة على قدر الحاجة ما داموا في دار الحرب الخبز واللحم وغيرهما سواء وقال الطيبي يحتمل أن يريد أنا لا نرفعه إلى رسول الله ونستأذنه في أكله لما سبق منه من الاذن وأن يريد ولا ندخره قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية ولا بأس بأن يعلف العسكر في دار الحرب ويأكلوا ما وجدوه من الطعام حاصل ما هنا أن الموجود إما ما يؤكل أولا وما يؤكل إما يتداوى به كالهليلج أولا فالثاني ليس لهم استعماله إلا ما كان من السلاح والكراع كالفرس فيجوز بشرط الحاجة بأن مات فرسه أو انكسر سيفه أما إن أراد أن يوفر سيفه وفرسه باستعماله ذلك لا يجوز ولو فعل


اثم ولا ضمان عليه لو أتلف نحو الحطب بخلاف الخشب المنحوت لأن الاستحقاق على الشركة فلا يختص بعضهم ببعض المستحق على وجه يكون أثر الملك فضلا عن الاستحقاق بخلاف حالة الضرورة فإنها سبب الرخصة فيستعمله ثم يرده إلى الغنيمة إذا انقضى الحرب وكذا الثوب إذا ضره البرد يستعمله ثم يرده إذ استغنى عنه ولو تلف قبل الرد لا ضمان عليه ولو احتاج الكل إلى الثياب والسلاح قسمها حينئذ بخلاف السبي فإنه لا يقسم إذا احتيج إليه لأنه من فضول الحوائج لا أصولها وأما ما يتداوى به فليس لأحد تناوله وكذا الطيب والأدهان التي لا تؤكل كدهن البنفسج لأنه ليس في محل الحاجة إلى الفضول وقال عليه الصلاة والسلام ردوا الخيط والمخيط ولا شك أنه لو تحقق بأحدهم مرض يحوجه إلى استعمالها كان له ذلك كلبس الثوب فالمعتبر حقيقة الحاجة وأما ما يؤكل لا للتداوي سواء كان مهيأ للأكل كاللحم المطبوخ والخبز والزيت والعسل والسكر والفاكهة اليابسة والرطبة والبصل والشعير والتبن والأدهان المأكولة كالزيت فلهم الأكل والادهان بتلك الادهان لأن الادهان انتفاع في البدن كالأكل وكذا ترقيح الدابة وهو تصليب حافرها بالدهن وكذا كل ما لا يكون


مهيئا كالغنم والبقر فلهم ذبحها وأكلها ويردون الجلد إلى الغنيمة ثم شرط في السير الصغير الحاجة إلى التناول من ذلك وهو القياس ولم يشترطها في السير الكبير وهو الاستحسان وبه قالت الأئمة الثلاثة فيجوز لكل من الغني والفقير تناوله إلا التاجر والراجل لخدمة الجندي بأجر لا يحل لهم ولو فعلوا لا ضمان عليهم ويأخذ ما يكفيهم هو ومن معه من عبيده ونسائه وصبيانه الذين دخلوا معه رواه البخاري قال ابن الهمام وروى البيهقي بإسناده عن ابن عمر قال قال رسول الله يوم خيبر كلوا واعلفوا ولا تحملوا وأخرجه الواقدي في مغازيه بغير هذا السند وأخرج البيهقي عن هانىء بن كلثوم إن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر إنا فتحنا أرضا كثيرة الطعام والعلف فكرهت أن أتقدم لشيء من ذلك إلا بأمرك فكتب إليه دع يأكلون ويعلفون فمن باع شيئا بذهب أو فضة ففيه خمس لله وسهام للمسلمين وعن عبد الله بن مغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة وبالفاء المشددة المفتوحة رضي الله عنه قال المؤلف من أصحاب الصفة مزني سكن المدينة ثم تحول منها إلى البصرة وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس ومات بالبصرة سنة ستين وروى عنه جماعة من التابعين منهم الحسن البصري وقال ما نزل البصرة أشرف منه اه وقال العسقلاني هو بمعجمة وفاء كمحمد فرد ولأبيه صحبة وروى عن ابنه عبد الله قال أصبت جرابا بكسر الجيم وعاء معروف ومن اللطائف لا يفتح الجراب ولا يكسر القنديل وفي القاموس الجراب بالكسر ولا يفتح أو لغية فيما حكاه عياض وغيره من شحم أي فيه بعض منه قال الطيبي من بيان وهو صفة جرابا أي جرابا مملوءا من شحم يوم خيبر فالتزمته أي عانقته وضممته إلي فقلت أي سرا أو جهرا لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا قال الطيبي في قوله اليوم إشعار بأنه كان مضطرا إليه وبلغ الاضطرار إلى أن يستأثر نفسه على الغير ولم يكن ممن قيل فيه ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن ثم تبسم رسول الله


فالتفت أي فنظرت إلى أحد جوانبي فإذا رسول الله تبسم إلى قال ابن الملك فيه جواز أخذ المجاهدين من طعام الغنيمة قدر ما يحتاج إليه اه وتقدم أن الانتفاع بالأدهان في البدن له حكم أكل الطعام وقد يحتاج أيضا إلى الشحم للسراج ونحوه متفق عليه قال النووي فيه إباحة كل الطعام في دار الحرب قال القاضي عياض أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما
دام المسلمون في دار الحرب على قدر حاجتهم ولم يشترط أحد من العلماء استئذان الإمام إلا الزهري وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه منه شيئا إلى عمارة دار الإسلام فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم ولا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب ويجوز أن يركب دوابهم ويلبس ثيابهم ويستعمل سلاحهم في حال الحرب بغير الاستئذان وشرطه الأوزاعي وفيه دليل على جواز أكل شحوم ذبائح اليهود وإن كانت محرمة عليهم وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه ما أعطيكم أي ولا أمنعكم أبا قاسم أضع حيث أمرت في باب رزق الولاة يعني فلتكراره أسقطه هنا
الفصل الثاني


عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي قال إن الله فضلني على الأنبياء أي على سائرهم ومنهم الرسل بدليل قوله آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة أو قال فضل أمتي على الأمم لقوله سبحانه كنتم خير أمة ويلزم من كونهم خير أمة أن يكون رسولهم خير الرسل وقد يقال خيرية أمته إنما هي لخيرية رسولهم وإليه أشار صاحب البردة لما دعا الله داعينا لدعوته بأفضل الرسل كنا أفضل الأمم وأحل لنا الغنائم يعني أن هذا من خصائصنا وفيه إيماء إلى أن علة الاختصاص هي الأفضلية وهي لا تنافي علة أخرى حيث ورد أنه أحلها لنا لعجزنا وضعفنا قال الطيبي عطف أحل على فضل على طريقة الحصول والوجود وفوض ترتب الثاني على الأول إلى ذهن السامع كما في قوله تعالى ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله وفي لنا على التقديرين تعظيم أما على الأول فظاهر لأن العدول إلى ضمير الجمع مشعر بالتعظيم وأما على الثاني فإنه أدخل نفسه الزكية في غمار الأمة وفي هذا الحديث وفي الحديث الأول من الباب وهو قوله ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا أن الفضيلة عند الله تعالى هي إظهار الضعف والعجز بين يدي الله تعالى قلت أو إشعار بأن الفضل وهبي لا كسبي وإن الله يرزق الضعيف بحيث يستعجب القوي ويدل عليه ما سيأتي في الحديث الأول من باب ثواب هذه الأمة رواه الترمذي


وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله يومئذ يعني يوم حنين تفسير من بعض الرواة من قتل كافرا فله سلبه فيه أن السلب للقاتل سواء كان له سهم في الغنيمة أم لا كذا قيل وهذا بطريق التنفيل ويدل عليه فاء التعقيب في قوله فقتل أبو طلحة يعني زوج أم أنس يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم رواه الدارمي قال ابن الهمام ورواه ابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال المؤلف أول مشاهده يوم خيبر وكان مع راية أشجع يوم الفتح سكن الشام ومات بها سنة ثلاث وسبعين روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين وخالد بن الوليد أحد أكابر الصحابة واحد شجعان هذه الأمة أن رسول الله قضى أي حكم وأمر في السلب للقاتل أي تنفيلا أو تشريعا على ما سبق ولم يخمس السلب أي المعهود أو الجنس والمعنى أنه دفع السلب كله إلى القاتل ولم يقسمه خمسة أقسام بخلاف الغنيمة قال الطيبي تكلم الشيخ التوربشتي فيه وأطال وقد سبق بيان الاختلاف فيه بين العلماء في حديث أبي قتادة في الفصل الأول اه وتقدم تحقيق ابن الهمام في مقام المرام رواه أبو داود وعن عبد الله بن مسعود قال نفلني بتشديد الفاء رسول الله قال الطيبي يجيء بحثه في الفصل الثالث اه والمعنى أعطاني نفلا وزائدا على سهم الغنيمة يوم بدر سيف أبي جهل وكان أي ابن مسعود رضي الله عنه قتله أي أبا جهل يعني حز رأسه وبه رمق وإلا فقد قتله الأنصاريان كما سيأتي وهذا من كلام الراوي عنه ويحتمل أن يكون من كلامه على التجريد أو الالتفات وأغرب شارح في قوله وقد كان قتل النبي أبا جهل رواه أبو داود


وعن عمير بالتصغير مولى آبي اللحم أي مملوكه لما سيأتي أو معتوقه باعتبار مآله وهو اسم فاعل من أبى يأبى وكنى بذلك لأنه كان لا يأكل لحم ما ذبح للأصنام قال المؤلف مولاه غفاري حجازي وهو شهد فتح خيبر مع مولاه روى عنه جماعة وسمع النبي وحفظ عنه قال شهدت أي حضرت خيبر أي غزوته مع سادتي أي كبار أهلي فكلموا في أي في حقي وشأني رسول الله بما هو مدح لي أو بأن يأخذني للغزو وكلموه أي واعلموه أني مملوك قال الطيبي عطف على قوله فكلموا في أي كلموا في حقي وشأني أولا بما هو مدح ثم اتبعوه بقولهم أني مملوك فأمرني أي بأن أحمل السلاح وأكون مع المجاهدين لأتعلم المحاربة على تقدير أن يكون صغيرا أو لا قاتل معهم فقلدت بتشديد اللام المكسورة سيفا أي جعلوني مقلدا بسيف فإذا للمفاجأة أنا أجره أي اسحب السيف على الأرض من صغر سني أو قصر قامتي فأمر لي أي عند تقسيم الغنائم بشيء أي قليل دون السهم من خرثي المتاع بضم المعجمة وسكون الراء وكسر المثلثة وتشديد الياء أي أثاث البيت وإسقاطه كالقدر وغيره وإنما رضخه بهذا لأنه كان مملوكا وعرضت عليه رقية بضم فسكون أي تعويذا كنت أرقي بسكر القاف أي أعيذ بها المجانين فأمرني بطرح بعضها أي بتركه وحبس بعضها أي إبقائه رواه الترمذي وأبو داود إلا أن روايته أي أبي داود انتهت عند قوله المتاع وعن مجمع بفتح الميم وفتح الجيم وتشديد الميم وكسرها ويجوز فتحها وبالعين المهملة ابن جارية بالجيم والتحتية وفي بعض النسخ بالحاء والمثلثة وهو تصحيف أو ضعيف قال المؤلف هو مدني وكان أبوه منافقا من أهل مسجد الضرار وكان مجمع مستقيما وكان قارئا يقال أخذ منه ابن مسعود نصف القرآن روى عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد وغيره مات في آخر أيام معاوية قال قسمت خيبر أي غنائمها وأراضيها قال ابن الملك أي قسم نصف أراضي خيبر وحفظ نصف أرضها لنفسه ولما عليه من أسباب أهله وأضيافه اه وسبق تحقيقه في كلام ابن الهمام على أهل


الحديبية بالتخفيف ويشدد فقسمها رسول الله
ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس أي صاحب الفرس مع فرسه سمهين وللراجل بالألف أي الماشي سهما والمعنى أعطى لكل مائة من الفوارس سهمين فبقي اثنا عشر سهما فيكون لكل مائة من الرجالة سهم وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ويؤيده ما روي عن ابن عمر أيضا أنه قال قال رسول الله للراجل سهم وللفارس سهمان قال ابن الملك وهذا مستقيم على قول من يقول لكل فارس سهمان لأن الرجالة على هذه الرواية تكون ألفا ومائتين ولهم اثنا عشر سهما لكل مائة سهم وللفرسان ستة أسهم لكل مائة سهمان فالمجموع ثمانية عشر سهما وأما على قول من قال للفارس ثلاثة أسهم فمشكل لأن سهام الفرسان تسعة وسهام الرجالة اثنا عشر فالمجموع أحد وعشرون سهما رواه أبو داود وقال حديث ابن عمر أصح تقدم الجواب عنه في كلام ابن الهمام مع أن حديثهما متعارضان والأخذ بالأحوط وهو الأقل أولى والعمل أي عند أكثر أهل العلم عليه أي على حديث ابن عمر وآتي الوهم في حديث مجمع أنه أي من أنه قال ثلاثمائة فارس وإنما كانوا مائتي فارس فعلى هذا كان نصيب الفرسان ستة ونصيب الرجالة ثلاثة عشر لما ذكر أن الجيش ألف وخمسمائة فصار المجموع تسعة عشر لا ثمانية عشر فإذا هذه القسمة تحتاج إلى تأويل فقيل كان فيهم مائة عبد ولم يقسم لهم سهم إذ لا سهم للعبد بل يعطي رضخا كذا ذكره بعض الشراح من علمائنا وتبعه ابن الملك قال القاضي هذا الحديث مشعر بأنه قسمها ثمانية عشر سهما فأعطى ستة أسهم منها الفرسان على أن يكون لكل مائة منهم سهمان وأعطى الباقي وهو اثنا عشر سهما الرجالة وهم كانوا ألفا ومائتين فيكون لكل مائة سهم فيكون للراجل سهم وللفارس سهمان وإليه ذهب أبو حنيفة رضي الله عنه ولم يساعده في ذلك أحد من مشاهير الأئمة حتى القاضي أبو يوسف ومحمد لأنه صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمان


لفرسه فإنه حديث متفق على صحته مصرح بأنه أسهم للفارس ثلاثة أسهم وليس في هذا الحديث ما يدل صريحا بل ظاهرا على أن للفارس سهمين فإن ما ذكرناه شيء يقتضي الحساب والتخمين مع أن أبا داود السجستاني هو الذي أورده في كتابه وأثبته في ديوانه وهو قال وهذا وهم وإنما كانوا مائتي فارس فعلى هذا يكون مجموع الغانمين ألفا وأربعمائة نفر ويؤيد ذلك قوله قسمت خيبر على أهل الحديبية وهم كانوا ألفا وأربعمائة على ما صح عن جابر والبراء بن عازب وسلمة بن الأكوع وغيرهم فيكون للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم على ما يقتضيه الحساب فأما ما روي عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أنه قال قال رسول الله للفارس سهمان وللراجل سهم فلا يعارض ما رويناه فإنه يرويه أخوه عبيد الله بن عمر بن حفص عن نافع عن ابن عم وهو أحفظ وأثبت باتفاق أهل الحديث كلهم ولذلك أثبته الشيخان في جامعيهما ورويا عنه ولم يلتفتا إلى رواية عبد الله اه وقد أسمعناك فيما أسلفنا لك


تحقيق هذا المرام في كلام ابن الهمام وعن حبيب بن مسلمة بفتح الميم واللام الفهري بكسر الفاء وسكون الهاء قال المؤلف في فصل الصحابة هو قرشي فهري وكان يقال له حبيب الروم لكثرة مجاهداته إياهم وكان فاضلا مجاب الدعوة مات بالشام سنة ثنتين وأربعين روى عنه ابن مليكة وغيره قال شهدت النبي نفل الربع بضم الموحدة ويسكن والتنفيل إعطاء شيء زائد على سهم الغنيمة في البدأة بفتح فسكون أي ابتداء سفر الغزو والثلث بضم اللام ويسكن أي ونفل الثلث في الرجعة بفتح أوله أي في الرجوع عن الغزو وهم في السفر قال ابن الملك أي إذا نهضت طائفة من العسكر فوقعت بطائفة من العدو قبل وصول الجيش كان لهم الربع مما غنموا ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه وإن رجعوا من الغزو ثم وقع طائفة من العسكر بالعدو كان لهم الثلث مما غنموا لزيادة مشقتهم وخطرهم ويشركهم سائرهم في الثلين لأن وجهة السرية والجيش البدأة واحدة فيصل مددهم إليهم بخلاف الرجعة رواه أبو داود وعنه أي عن حبيب رضي الله عنه أن رسول الله كان ينفل الربع أي في البدأة بعد الخمس أي بعد أن يخرج الخمس والثلث أي وينفل الثلث بعد الخمس إذا قفل قيد للمعطوف أي إذا رجع من الغزو قال ابن الملك هذا الحديث كالذي قبله غير أنه لم يبين في الذي قبله إن إعطاء ذلك كان قبل إخراج الخمس أو بعده وبين ههنا أنه كان يخرج أولا الخمس من المغنم ويصرفه إلى أهله ثم يعطي ربع أو ثلث ما بقي لأهل البدأة والرجعة قال القاضي النفل اسم لزيادة يخص بها الإمام بعض الجيش على ما يعاينه من المشقة لمزيد سعي واقتحام خطر والتنفيل إعطاء النفل وكان رسول الله ينفل الربع أي في البدأة كما صرح به في الحديث الآخر وهي ابتداء سفر الغز وكان إذا نهضت سرية من جملة العسكر وابتدروا إلى العدو وأوقعوا بطائفة منهم فما غنموا كان يعطيهم منها الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه وكان ينفل الثلث في الرجعة وهي قفول الجيش من الغزو


فإذا قفلوا ورجعت طائفة منهم فأوقعوا بالعدو مرة ثانية كان يعطيهم مما غنموا الثلث لأن نهوضهم بعد القفل أشق والخطر فيه أعظم وحكي عن مالك أنه كان يكره التنفيل وقوله بعد الخمس يدل على أنه يعطي من
الأخماس الأربعة التي هي للغانمين وإليه ذهب أحمد وإسحاق وقال سعيد بن المسيب والشافعي وأبو عبيدة إنما يعطي النفل من خمس الخمس سهم النبي وقالوا كان النبي يعطيهم من ذلك وعلى هذا فقوله بعد الخمس وهم من الراوي أو زيادة من بعض الرواة ويؤيد ذلك عدمها في حديثه الآخر المساوي له في المعنى قلت فتح هذا الباب بسد استنباط الحكم من المبني وعدمها في حديث كيف يدل على وهم وجودها في آخر مع أن الإثبات مقدم على النفي والقيد والتبيين حكم على الإطلاق والإجمال بالاتفاق وقال أبو ثور يعطى النفل من أصل الغنيمة كالسلب رواه أبو داود وعن أبي الجويرية تصغير الجارية الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء رضي الله عنه قال المؤلف هو حطان بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملة وبالنون ابن خفاف بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء الأولى تابعي مشهور سمع ابن مسعود ومعن بن يزيد وروى عنه جماعة قال أصبت بأرض الروم جرة بفتح الجيم وتشديد الراء ظرف معروف من الخزف حمراء فيها دنانير في إمرة معاوية بكسر الهمزة وسكون الميم في القاموس الأمر مصدر أمر علينا مثلثة إذا ولى والاسم الإمرة بالكسر وقول الجوهري مصدر وهم والمعنى في زمان إمارته أو خلافته على خلاف في ذلك وعلينا رجل أي أمير من أصحاب رسول الله من بني سليم بالتصغير يقال له معن بفتح الميم وسكون العين المهملة ابن يزيد أي ابن الأخنس السلمي له ولأبيه ولجده صحبة شهدوا بدرا فيما قيل يعد في الكوفيين روى عنه واثل بن كليب وغيره ذكره المؤلف فأتيته بها أي فجئت إلى معن بالجرة فقسمها بين المسلمين أي من الغزاة وأعطاني منها أي من الجرة مثل ما أعطى رجلا منهم ثم قال لولا أني سمعت رسول الله يقول لا نفل بفتحتين إلا بعد


الخمس لأعطيتك أي بعضها نفلا قال القاضي ظاهر هذا الكلام يدل على أنه إنما لم ينفل أبا الجويرية من الدنانير التي وجدها السماعة قوله لا نفل إلا بعد الخمس وأنه المانع لتنفيله ووجهه إن ذلك يدل على أن النفل إنما يكون من الأخماس الأربعة التي هي للغانمين كما دل عليه الحديث السابق ولعل التي وجدها كانت من عداد الفيء فلذلك لم يعط النفل منه قال بعض الشراح من علمائنا أن الراوي كان يرى النفل بعد التخميس ورآه من الخمس ويرى ذلك موكولا إلى رأي الإمام ولما كان هو أميرا على الجيش لم ير لنفسه أن يتصرف في الخمس دون الإمام وقيل إن الحديث لم يرو على وجهه ووقع السهو فيه من جهة


الاستثناء وإنما الصواب فيه لا نفل بعد الخمس أي لا نفل بعد إحراز الغنيمة ووجوب الخمس فيه وهو الأشبه والأمثل اه وفيه ما لا يخفى رواه أبو داود وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قدمنا أي من الحبشة فوافقنا بالفاء والقاف وفي رواية بالتحتية أي صادفنا رسول الله حين فتح خيبر تنازع فيه الفعلان السابقان عليه فأسهم لنا أو قال فأعطانا منها أي من غنائم خيبر وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهد معه استثناء منقطع للتأكيد وقوله إلا أصحاب سفينتنا استثناء متصل من قوله لأحد ذكره الطيبي وقيل جعله بدلا أظهر ويرده أن الرواية بالنصب ووهم بعضهم وزعم أن المراد بمن شهد معه أصحاب الحديبية فيكون الاستثناء متصلا وليس بذلك لأن من حضر فتح خيبر هم أصحاب الحديبية لا غير جعفر وأصحابه عطف بيان لأصحاب السفينة والمراد بهم جعفر بن أبي طالب مع جماعة من أصحاب النبي كانوا هاجروا إلى الحبشة حين كان النبي بمكة فلما سمعوا بهجرة النبي وقوة دينه رجعوا وكانوا راكبين في السفينة فلما وافق قدومهم فتح خيبر وفرح رسول الله م أسهم لهم أي لجعفر وأصحابه معهم أي مع من شهدوا مع النبي في الحديبية وحضروا معه في فتح خيبر قال القاضي وإنما أسهم لهم لأنهم ورودوا عليه قبل حيازة الغنيمة ولذلك قال الشافعي في أحد قوليه من حضر بعد انقضاء القتال وقبل حيازة الغنيمة شارك فيها الغانمين ومن لم ير ذلك حمله على أنه أسهم لهم بعد استئذان أهل الحديبية ورضاهم به قال الطيبي وهذا التأويل أظهر مما ذهب إليه بعضهم من أنه إنما أعطاهم من الخمس الذي هو حقه دون حقوق من شهد الوقعة لأن في قوله فاسهم يقتضي القسمة من نفس الغنيمة وما يعطي من الخمس ليس بسهم قلت يمكن أن يقال المراد بالسهم المعنى اللغوي وهو النصيب فيطابق قوله أو قال فأعطانا منها أي من الغنيمة وهي شاملة للخمس وغيره أو للشك من الراوي ولو أعطاهم برضا الغزاة لشاع فيهم ونقل إلينا والله


أعلم قال وأيضا الاستثناء في قوله إلا أصحاب سفينتنا يقتضي إثبات القسمة لهم والقسمة لا تكون من الخمس قلت القسمة لغوية بمعنى إعطاء شيء في الجملة قال ولأن سياق كلام أبي موسى وارد على الافتخار والمباهاة فيستدعي اختصاصهم بما ليس لأحد غيرهم قلت المباهاة إذا كانت من خمس خمسة أظهر وأطهر قال الرضخ والخمس مشترك فيه اليتامى والمساكين وغيرهما فلا مزية لهم فيه قلت هؤلاء من الحاضرين والكلام في الغائبين فحصل اختصاصهم بما ليس لأحد غيرهم قال وإذا تقرر هذا ظهر أن قسمة خيبر ثمانية عشر سهما قلت


وكذا نزيد على تسعة عشر سهما على ما سبق قال وهذا وهم آخر في حديث مجمع قلت ثبت العرش ثم انقش قال فلا ينتهي دليلا على أن سهمان الفارس سهمان قلت سبق إثباته به وبأدلة أخرى مبسوطة فتدبر رواه أبو داود قال ابن الهمام وإذا لحقه المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام شاركهم المدد فيها وعن الشافعي فيه قولان وما ذكرناه بناء على ما مهدنا من أن الملك لا يتم للغانمين قبل إحراز الغنيمة بدار الحرب فجاز أن يشاركهم المدد إذا قام به الدليل ولا ينقطع حق المدد إلا بثلاثة أمور الإحراز بدار الإسلام والقسمة بدار الحرب وبيع الغنيمة قبل لحاق المدد هذا وعلى ما حققناه المبنى تأكد الحق وعدمه وما استدل به الشافعي من صحيح البخاري عن أبي هريرة بعث عليه الصلاة والسلام أبانا على سرية قبل نجد فقدم أبان وأصحابه على رسول الله بخيبر بعدما افتتحها إلى أن قال ولم يقسم لهم لا دليل فيه لأن وصول المدد في دار الإسلام لا يوجب شركة وخيبر صارت دار الإسلام بمجرد فتحها فكان قدومهم والغنيمة في دار الإسلام وأما إسهامه لأبي موسى الأشعري على ما في الصحيحين عنه قال بلغنا مخرج رسول الله ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهم والآخر أكبرهم في بضع وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة فألقتنا إلى النجاشي فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده فقال جعفر إن رسول الله بعثنا ههنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا فأقمنا حتى قدمنا فوافينا رسول الله حين افتتح خيبر فأسهم لنا ولم يسهم لأحد غاب عن خيبر إلا أصحاب سفينتنا قال ابن حبان إنما أعطاهم من خمس الخمس ليستميل قلوبهم لا من الغنيمة فهو حسن ألا ترى أنه لم يعط غيرهم ممن لم يشهدها وحمل بعض الشافعية على أنهم شهدوا قبل حوز الغنائم خلاف مذهبهم فإنه لا فرق عندهم في عدم الاستحقاق بين كون الوصول قبل الحوز وبعد كونه بعد الفتح ثم لا حق لأهل سوق العسكر في الغنيمة لا


سهم ولا رضخ إلا أن يقاتلوا فحينئذ يستحقون السهم وبه قال مالك وأحمد وللشافعي قولان أحدهما كقولنا والآخر بسهم له واستدل الشافعي بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال الغنيمة لمن شهد الوقعة والصحيح أنه موقوف على عمر ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه ثنا وكيع أنبأنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق عن ابن شهاب أن أهل البصرة غزوانها وندفا مدهم أهل الكوفة وعليهم عمار بن ياسر فظهروا فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة فقال رجل من بني تميم أيها العبد الأجدع تريد أن تشاركنا من غنمائمنا وكانت أذنه جدعت مع رسول الله فقال خير أذني سببت ثم كتب إلى عمر فقال إن الغنيمة لمن شهد الوقعة ورواه الطبراني والبيهقي قال وهو صحيح من قول عمر وأخرج ابن عدي عن علي الغنيمة لمن شهد الوقعة وهذا قول صحابي وهو لا يرى تقليد المجتهد إياه وكذا عند الكرخي من أصحابنا وعلى قول الآخرين تأويله أن يشهد على قصد القتال والوقعة هي القتال وهو معنى قول صاحب المجمل الوقعة صدمة الحرب وشهوده على قصد القتال إنما يعرف بأحد أمرين بإظهار خروجه للجهاد والتجهيز له لا لغيره ثم المحافظة على ذلك القصد الظاهر وهذا هو السبب الظاهر الذي يبتني عليه الحكم وأما تحقيقه قتاله بأن كان خروجه ظاهرا لغيره


كالسوقي وسائس الدواب فإن خروجه ظاهرا لغيره فلا يستحق بمجرد شهوده إذ لا دليل على قصد القتال فإذا قاتل ظهر أنه قصده غير أنه ضم إليه شيئا آخر كالتجارة في الحج لا ينقص به ثواب حجة وعن يزيد بن خالد رضي الله عنه لم يذكره المؤلف في أسمائه وهو في النسخ بإثبات الياء في الأول وقد صرح في المغني بتحتية وزاي ولد خالد وقيل الصواب حذفها إذ ليس في الصحابة يزيد بن خالد إنما فيها زيد بن خالد ووقع في المصابيح عن زيد بن خالد أن رجلا من أصحاب رسول الله توفي يوم خيبر فذكروا أي خبر موته لرسول الله فقال صلوا على صاحبكم والمعنى أنا لا أصلي عليه فتغيرت وجوه الناس لذلك أي لامتناعه من الصلاة عليه حيث لم يعرفوا سببه فقال إن صاحبكم غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا بفتحتين ما ينتظم من جوهر ولؤلؤ وغيرهما من خرز يهود لا يساوي درهمين رواه مالك وأبو داود والنسائي وعن عبد الله بن عمرو بالواو رضي الله عنهما قال كان رسول الله إذا أصاب غنيمة أي وأراد جمعها وتقسيمها أمر بلالا أي بالنداء فنادى أي بلال في الناس أي في محاضرهم فيجيئون بغنائهم الباء للتعدية أي يحضرونها فيخمسه أي ما يجيئون به وهو بتشديد الميم وتخفف ويقسمه بفتح وكسر السين وفي نسخة بضمها وبتشديد السين قال الطيبي حكاية حال ماضية استحضارا لتلك الحالة وهي امتثالهم لأمر رسول الله يعني حين أمرهم بإحضار الغنائم لم يمكثوا ولم يلبثوا ولما مكث الرجل وتخلف عنهم عاد إلى مقتضى الظاهر وقال فجاء رجل يوما بعد ذلك أي بعد التخميس بزمام بكسر الزاي أي بخطام من شعر بفتح العين ويسكن فقال يا رسول الله هذا أي الزمام فيما كنا أصبناه من الغنيمة أي


فيها ومن جملتها قال سمعت بلالا نادى ثلاثا أي ثلاث مرات في يوم أو أيام قال نعم قال فما منعك أن تجيء به أي أولا فاعتذر أي للتأخير اعتذارا غير مسموع قال كن أنت تجيء به يوم القيامة قال الطيبي فيه أنواع من التأكيد وهي تأكيد الضمير المستتر وبناء الخبر عليه على سبيل التقوى وتخصيص الكينونة قلت وكذا تأكيده وتأييده بقوله فلن أقبله عنك قال والأنسب أن يكون أنت مبتدأ وتجيء خبره والجملة خبر كان وقدم الفاعل المعنوي للتخصيص أي أنت تجيء به لا غيرك قال الراغب رحمه الله وقد يستعمل كان في جنس الشيء متعلقا بوصف له هو موجود فيه فبينه إن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك ومنه قوله تعالى وكان الإنسان كفورا الإسراء قال المظهر وإنما لم يقبل ذلك منه لأن جميع الغانمين فيه شركة وقد تفرقوا وتعذر إيصال نصيب كل واحد منهم منه إليهم فتركه في يده ليكون اثمه عليه لأنه هو الغاصب وقال الطيبي هذا وارد على سبيل التغليظ لا أن توبته غير مقبولة ولا أن رد المظالم على أصحابها أو الاستحلال منهم غير ممكن وفيه إن رد المظلمة وحصول الاستحلال شرط في صحة التوبة وإذا كان كل منهما متعسرا أو متعذرا ويتوقف قبولها على حصولهما فهو وارد على سبيل التحقيق والتأكيد لا على التغليظ والتهديد فكلام المظهر أظهر فتدبر رواه أبو داود وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أن رسول الله وأبا بكر وعمر حرقوا بتشديد الراء أي احرقوا متاع الغال وضربوه رواه أبو داود وفي شرح السنة هذا حديث غريب يعني متنا قال وذهب بعض أهل العلم إلى ظاهر هذا الحديث منهم الحسن قال يحرق ماله إلا أن يكون حيوانا أو مصحفا وكذلك قال أحمد وإسحاق قالوا ولا يحرق ما غل لأنه حق الغانمين يرد عليهم فإن استهلكه غرم قيمته وقال الأوزاعي يحرق متاعه الذي غزا به وسرجه واكافه ولا يحرق دابته ولا نفقته ولا سلاحه ولا ثيابه التي عليه وذهب آخرون إلى أنه لا يحرق رحله ولكنه يعزر على سوء


صنيعه وإليه ذهب مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وحملوا الحديث على الزجر والوعيد دون الإيجاب قال البخاري قد روى في غير حديث عن النبي في الغال ولم يأمر بحرق متاعه اه والظاهر أن المرويات فيمن أتى به وهو تائب الكلام فيمن يؤخذ في يده وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه مر مرارا قال كان رسول الله يقول
من يكتم بالرفع على أن من موصولة وفي نسخة بالجزم على أن من شرطية أي يستر غالا أي غلوله ولا يظهره عند الأمير فإنه أي الكاتم مثله أي مثل الغال في الإثم رواه أبو داود وعن أبي سعيد قال نهى رسول الله عن شراء المغانم أي عن بيعها واشترائها حتى تقسم قال القاضي المقتضي للنهي عدم الملك عند من يرى أن الملك يتوقف على القسمة وعند من يرى الملك قبل القسمة المقتضى له الجهل بعين المبيع وصفته إذا كان في المغنم أجناس مختلفة اه وتبعه ابن الملك وغيره من علمائنا قال المظهر يعني لو باع أحد من المجاهدين نصيبه من الغنيمة لا يجوز لأن نصيبه مجهول ولأنه ملك ضعيف يسقط بالأعراض والملك المستقر لا يسقط بالأعراض رواه الترمذي وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي أنه نهى عن أن تباع السهام بكسر أوله جمع السهم وهو النصيب من الغنيمة وفي نسخة الإسهام حتى تقسم رواه الدارمي وعن خولة بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو بنت قيس صحابية جهينية رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله يقول إن هذه المال قال الطيبي أنث المال على تأويل الغنيمة بدليل قوله بعده من مال الله ورسوله اه والأظهر أن يراد بالمال الجنس فكأنه قال إن هذه الأموال وفي نسخة صحيحة إن هذا المال أي جنسه أو مال الغنيمة أو مال بيت المال وهو الأظهر بدليل قوله خضرة بفتح فكسر أي حسنة المنظر حلوة بضم الحاء أي لذيذة المذاق لحصوله من غير تعب ومشقة بدن وقال ابن الملك وإنما وصفه بالخضرة لأن العرب تسمي الناعم خضرا أو أشبهه بالخضراوات في سرعة الزوال فمن أصابه بحقه أي أخذه على قدر استحقاقه بورك له


فيه ورب متخوض أي متكلف للخوض وهو المشي في
الماء وتحريكه ثم استعمل في التلبس والتصرف أي رب شارع ومتصرف فيما شاءت به نفسه من مال الله ورسوله أي من زكاة وغنيمة ليس له يوم القيامة إلا النار قال الطيبي الفاء فمن أصابه تفصيلية وكان من الظاهر أن يقال فمن أصابه بحقه فله كذا ومن لم يصبه بحقه ليس له إلا النار فعدل إلى قوله ورب متخوض إشارة إلى أن من يأخذها بحقها قليل والأكثر من يتخوض فيها بغير حق ولذلك قيل في الأول حلوة خضرة أي مشتهاة والنفوس إليها مائلة جدا وفي القرينة الثانية قيل فيما شاءت به نفسه ومن مال الله مظهر أقيم مقام المضمر إشعارا بأنه لا ينبغي التخوض في مال الله ورسوله والتصرف فيه بمجرد التشهي وقوله ليس له يوم القيامة إلا النار حكم مرتب على الوصف المناسب وهو الخوض في مال الله تعالى فيكون مشعرا بعليته رواه الترمذي وكذا أحمد وفي رواية لأحمد وللشيخين والترمذي والنسائي عن حكيم بن حزام بلفظ إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بحقه بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي تنفل سيفه أي الذي صار له ذا الفقار بفتح الفاء والعامة يكسرونها كذا في الفائق وهو بدل من سيفه يوم بدر أي اصطفاه وجعله صفي المغنم الذي لا يحل لأحد دونه قاله التوربشتي أي أخذه زيادة لنفسه والمراد منه أنه اصطفاه لنفسه ومنه الصفي وهو ما يتخيره من المغنم ولم أجد تنفل مستعملا في المعنى الذي ذكرناه والرواية وجدناها كذلك قال الطيبي وقد وجدناه في الكشاف في قوله تعالى يصوركم في الأرحام حيث قال وقرأ طاوس تصوركم أي صوركم لنفسه ولتعبده كقولك أثلته مالا إذا جعلته أثلة أي أصلا وتأثلته إذ أثلته لنفسك اه وفيه إن كلام الشيخ في عدم وجود التنفل مستعملا في المعنى المذكور لا أنه غير جائز ولا أنه ليس له نظير بل مراده أنه مستعمل في معنى طلب


النافلة وهي العبادة الزائدة على قدر الفريضة والله أعلم قيل كان هذا السيف لمنبه بن الحجاج قتل في غزوة بدر فتنفله وكان يشهد به الحروب دون سائر سيوفه سمي به لأنه كان في ظهره حفر متساوية وقيل كان في شفرتيه خرزات تشبه فقرات الظهر في القاموس ذو الفقار سيف العاص بن منبه قتل يوم بدر كافرا فصار إلى النبي ثم صار إلى علي رضي الله عنه اه وأما حديث لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي فيروى في أثر واه عند الحسن بن عرفة من حديث أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال نادى ملك من السماء يوم بدر يقال له رضوان لا سيف إلا ذو الفقار لا فتى إلا علي والمشهور على الألسنة قلب الجملتين ولعله


مراعاة لتقديم علي أو لكونه موزونا على تخفيف ياء علي رواه ابن ماجه وزاد الترمذي وهو أي ذو الفقار الذي رأى أي النبي فيه الرؤيا يوم أحد قال التوربشتي والرؤيا التي رأى فيه أنه رأى في منامه يوم أحد أنه هز ذا الفقار فانقطع من وسطه ثم هزه هزة أخرى فعاد أحسن مما كان وقيل الرؤيا هي ما قال فيه رأيت في ذباب سيفي ثلما فأولته هزيمة ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة الحديث وعن رويفع بضم الراء وكسر الفاء تصغير رافع ابن ثابت أي الأنصاري رضي الله عنه أن النبي قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين أي غنيمتهم المشتركة من غير ضرورة حتى إذا أعجفها أي أضعفها ردها فيه أي في الفيء بمعنى المغنم ومفهومه أن الركوب إذا لم يؤد إلى العجف فلا بأس لكنه ليس بمراد بدليل قوله ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين أي من غير ضرورة ملجئة حتى إذا أخلقه بالقاف أي أبلاه رده فيه سبق تحقيق المسألتين في كلام ابن الهمام رواه أبو داود وعن محمد بن أبي المجالد بضم الميم وكسر اللام كوفي سمع جماعة من الصحابة ومنه أبو إسحاق وشعبة وغيرهما عن عبد الله بن أبي أوفى أي الأنصاري شهد أحد أو ما بعدها روى عنه أبو أمامة وجابر وغيرهما مات سنة أربع وخمسين بالمدينة قال قلت أي للصحابة هل كنتم تخمسون الطعام بتشديد الميم من التخميس في عهد رسول الله أي في زمانه قال أي بعضهم أصبنا طعاما يوم خيبر فكان بالفاء وفي نسخة صحيحة وكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف تقدم بيانه رواه أبو داود وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن جيشا غنموا بكسر النون في زمن رسول الله


طعاما وعسلا تخصيص بعد تعميم أو أراد بالطعام أنواع الحبوب وما يؤخذ منها فلم يؤخذ منهم الخمس أي فيما أكلوا منهم رواه أبو داود وعن القاسم أي ابن عبد الرحمن الشامي مولى عبد الرحمن أي ابن خالد تابعي جليل سمع أبا أمامة وروى عنه العلاء بن الحارث وغيره قال عبد الرحمن بن يزيد ما رأيت أحدا أفضل من القاسم مولى عبد الرحمن رضي الله عنه عن بعض أصحاب النبي قال كنا نأكل الجزور بفتح الجيم أي البعير في الغزو ولا نقسمه أي لإخراج الخمس منه أو للتسوية بين الغانمين بل نأكل منه حتى إذا كنا لنرجع بفتح اللام وهي الجاعلة للمضارع حالا أي لنعود إلى رحالنا أي منازلنا وأخرجتنا بفتح الهمزة وكسر الراء على وزن أفعلة جمع خرج بالضم وهي الجوالق قال التوربشتي الأخرجة جمع الخرج الذي هو من الأوعية والصواب فيه الخرجة بكسر الخاء وتحريك الراء على مثال حجرة في القاموس الأخرجة جمع الخرج والخرج بالضم وعاء معروف وجمعه أخرجة والمعنى نرجع حال كون أوعيتنا منه أي من لحم الجزور مملوة بتشديد الواو ويجوز بالهمز وفي المصابيح مملاة أي ملآنة والمراد من الرحال منازلهم في سفر الغزو قال ابن الهمام فإذا خرج المسلمون من دار الحرب لم يجز أن يعلفوا من الغنيمة ولا يأكلوا منها لأن الضرورة اندفعت والإباحة التي كانت في دار الحرب إنما كانت باعتبارها ولأن الحق قد تأكد حتى يورث نصيبه ولا كذلك قبل الإخراج ومن فضل معه طعام أو علف يرده إلى الغنيمة إذا لم يكن قسم الغنيمة في دار الحرب بشرطه ولو انتفع به قبل قسمتها بعد الإفراز يرد قيمته وهو قول مالك وأحمد والشافعي في قول وعنه أنه لا يرد اعتبار بالمتلصص وهو الواحد الداخل والاثنان إلى دار الجرب إذا أخذ شيئا فأخرجه يختص به قلنا مال تعلق به حق الغانمين والاختصاص كان للحاجة وقد زالت بخلاف المتلصص لأنه دائما أحق قبل الإخراج وبعهده وأما بعد القسمة فيتصدقون بعينه إن كان قائما وبقيمته إن كانوا باعوه هذا


إذا كانوا أغنياء وانتفعوا به أن كانوا محاويج لأنه صار في حكم اللقطة لتعذر الرد على الغانمين ليفرقهم وإن كانوا تصرفوا فيه فلا شيء عليهم وعلى هذا قيمة ما انتفع به بعد الإحراز يتصدق به الغني لا الفقير رواه أبو داود وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي كان يقول أدوا الخياط
بكسر الخاء أي الخيط أو جمعه والمخيط بكسر الميم وسكون الخاء هو الإبرة وإياكم والغلول بالضم أي اتقوا الخانة في المغنم أو مطلقا فإنه أي الغلول عار على أهله أي عيب في الدنيا وفضيحة وتشويه على رؤوس الأشهاد في العقبى يوم القيامة كما سبق في حديث أبي هريرة من قوله على رقبته بعير له رغاء الحديث رواه الدارمي أي عن عبادة ورواه النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال دنا النبي من بعير فأخذ وبرة بفتحات أي شعرة من سنامه بفتح أوله ثم قال يا أيها الناس إنه أي الشأن ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذا يشير إلى ما أخذ قال الطيبي ولا هذا تأكيد وهو إشارة إلى الوبرة على تأويل شيء ورفع أصبعه أي وقد رفع أصبعه التي أخذ بها الوبرة لإطلاع الناس عليها إلا الخمس بضم الميم ويسكن وهو بالرفع وفي نسخة بالنصب قال الطيبي والمستثنى بالرفع على البدل وهو الأفصح ويجوز النصب والخمس مردود عليكم أي مصروف في مصالحكم من السلاح والخيل وغير ذلك فأدوا الخياط والمخيط أعيد للتأكيد فقام رجل في يده كبة بضم الكاف وتشديد الموحدة أي قطعة مكبكبة من غزل شعر فقوله من شعر فيه تجريد أي قطعة من شعر فقال أي الرجل أخذت هذه أي الكبة لا صلح بها بردعة بفتح الموحدة والدال المهملة وقيل بالمعجمة وفي القاموس إهمال الدال أكثر وفي المغرب هي الحلس الذي تحت رحل البعير فقال النبي أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك أي أما ما كان نصيبي ونصيبهم فأحللناه لك وأما ما بقي من أنصباء الغانمين فاستحلاله ينبغي أن يكون منهم قال الطيبي أما للتفصيل


وقرينتها محذوفة أي أما ما كان لي فهو لك وأما ما كان للغانمين فعليك بالاستحلال من كل واحد فقال أي الرجل أما إذا بلغت أي وصلت هذه أي الكبة أو القصة ما أرى أي إلى ما أرى من التبعة والمضايقة أو إلى هذه الغاية فلا أرب بفتح

الهمزة والراء أي لا حاجة لي فيها أي إليها ونبذها أي ألقاها من يده رواه أبو داود وعن عمرو بن عبسة بفتحات قال صلى بنا رسول الله إلى بعير من المغنم أي متوجها إليه والمعنى استقبل في صلاته إلى جهة بعير وجعله سترة له فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير أي من طرفه الصادق على السنام فتكون القصة متحدة أو من ضلعه فتكون القضية متعددة ثم قال ولا يحل عطف على محذوف هو مقول القول أي لا أتصرف ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس بالرفع لا غير والخمس مردود فيكم أي في مصالحكم رواه أبو داود وعن جبير بن مطعم مر مرارا قال لما قسم رسول الله ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه بالرفع ويجوز نصبه إلى المفعول معه فقلنا يا رسول الله هؤلاء أخواننا من بني هاشم من بيانية لا ننكر أي نحن فضلهم أي وإن كنا متساوين في النسب لمكانك أي لأجل موضعك الذي وضعك الله منهم أي من بني هاشم خاصة من بيننا فإنهم صاروا أفضل منا لكونهم أقرب إليك منا لأن جدك وجدهم واحد وهو هاشم وإن كان جدهم وجدنا واحدا وهو عبد مناف قال الطيبي كنى بمكانك عن ذاته الزكية صلوات الله عليه وسلامه كما في قوله تعالى لمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن على قول وكما تقول أخاف جانب فلان وفعلت هذا لمكانك فإن قلت من أي قبيل هو من فن البيان قلت من فن التعريض على سبيل الكناية فإنهم قد يعبرون عن المسمى بالمجلس والجانب والمكان إجلالا له وتنويها بشأنه وأنشد في معناه زهير فعرض إذا ما جئت بالباب والحمى وإياك أن تنسى فتذكر زينبا سيكفيك من ذاك المسمى إشارة فدعه مصونا بالجلال محجبا ونظيره مثلك يجود بمعنى أنت تجود ولا


يريدون بالمثل الشبيه والنظير وإنما المراد من
هو بمنزلتك من الأريحية والسماحة يجود وحق الظاهر أن يقال الذي وضعه ليرجع إلى الموصول وقام ضمير الخطاب مقام ضمير الغائب نظر إلى لفظة ومكانك وقريب منه أنا الذي سمتني أمي حيدره ومن في منهم ابتدائية متعلقة بوضع أي أنشأ وأصدر وضعك منهم أي لا ننكر فضلهم لأن الله تعالى أنشأك منهم لا منا أرأيت أي أخبرنا إخواننا بالنصب وفي نسخة بالرفع من بني المطلب بيان لإخواننا أعطيتهم وتركتنا عطف أو حال قال الطيبي رحمه الله يجوز نصب إخواننا على شريطة التفسير يعني أعطيت وقوله من بني المطلب حال والرفع على الابتداء ومن بني المطلب خبره أعطيتهم وهو المستخير عنه والجملة موطئة وإنما قرابتنا أي بنو نوفل ومنهم جبير وبنو عبد شمس ومنهم عثمان وقرابتهم يعني بني المطلب واحدة أي متحدة لأن أباهم أخو هاشم وآباؤنا كذلك فقال رسول الله إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك بين أصابعه تفسير لهذا والتشبيك إدخال شيء في شيء أي أدخل أصابع إحدى يديه بين أصابع يده الأخرى والمعنى كما أن بعض هذه الأصابع داخلة في بعض كذلك بنو هاشم وبنو المطلب كانوا متوافقين مختلطين في الكفر والإسلام وأما غيرهم من أقاربنا فلم يكن موافقا لبني هاشم قيل أراد به المخالطة التي كانت بين بني هاشم وبني المطلب في الجاهلية وذلك لأن قريشا وبني كنانة حالفت بني هاشم وبني المطلب على أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي رواه الشافعي وفي رواية أبي داود والنسائي نحوه أي مثله في المعنى مع اختلاف في المبنى وفيه أي في مرويهما أنا بالتخفيف وبنو المطلب بالواو وفي نسخة أنا بالتشديد وكسر الهمزة وبني المطلب بالياء لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء واحد بالشين المعجمة وسبق ما فيه من الخلاف اللفظي وما يتعلق به من الحكم الفقهي وشبك بين أصابعه
الفصل الثالث


عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه هو أحد العشرة المبشرة قال إني
لواقف في الصف يوم بدر روي أنه كان مع النبي يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرا وما كان معهم إلا فرس واحد وقيل فرسان وكان الكفار قريب ألف مقاتل ومعهم مائة فرس فنظرت عن بيميني أي مرة وعن شمالي أي أخرى وهذه نكتة إعادة الجار فإذا للمفاجأة أنا أي حاضر محفوف بغلامين أي شابين من الأنصار حديثة بالجر أي جديدة أسنانهما أي أعمارهما فتمنيت أن أكون أي واقفا أو واقعا بين أضلع منهما في النهاية أي بين رجلين أقوى من الرجلين اللذين كنت بينهما والمعنى أني حقرت أمرهما في الشجاعة لكونهما شابين وهما من الأنصار والشيوخ لا سيما من المهاجرين أقوى في النجدة على ما هو المعروف عندهم ولذا قال أبو جهل فلو غير أكار قتلي كما سيأتي وقد كانا شجيعين وبالهمة قويين فغمزني أحدهما أي أشار إلي بالعين أو باليد وقال الطيبي الغمز العصر والكبس باليد فقال أي عم أي يا عمي هل تعرف أبا جهل قلت فما حاجتك إليك يا ابن أخي قال أخبرت أي أنبئت أنه يسب رسول الله أي يشتمه ويذمه والذي نفسي بيده لئن رأيته أي أبصرته وعرفته لا يفارق سوادي سواده أي شخصي شخصه وفيه استهانة لنفسه وأنه يقربها لله وفي رسول الله حتى يموت الأعجل أي الأقرب أجلا منا أي مني ومنه قال أي عبد الرحمن فتعجبت لذلك يعني لما كنت لم أظن به ذلك قال أي عبد الرحمن وغمزني الآخر عطف على فغمزني أحدهما فقال لي مثلها أي مثل تلك المقالة فلم أنشب بفتح المعجمة أي لم ألبث ولم أمكث إن نظرت إلى أبي جهل يجول بالجيم أي يدور في الناس أي فيما بين قومه من الكفار فقلت أي لهما ألا تريان أي ألا تبصران والهمزة للتقرير هذا صاحبكما بالرفع أي مطلوبكما الذي تسألاني بتشديد النون ويخفف أي يسألني كل واحد منكما عنه وفي نسخة بنصب صاحبكما قال الطيبي يجوز أن يكون منصوبا بدلا من هذا ومرفوعا على أن هذا مبتدأ وهو خبره وتريان مفعوله لا يقدر إذا


المراد إيجاد الرؤية كقوله تعالى قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء القصص الكشاف ترك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول قال فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه أي قاربا قتله ثم انصرفا إلى رسول الله فأخبراه أي بما جرى لهما فقال أيكما قتله فقال كل واحد أنا قتلته فقال هل مسحتما سيفيكما بالتثنية فقالا لا فنظر رسول الله
إلى السيفين أي إلى محل الدمين منهما فقال كلا كما قتله بأفراد الضمير في قتله نظرا إلى لفظ كلا وهو أفصح من التثنية نظرا إلى معناه قال تعالى أي كلتا الجنتين آتت أكلها وإنما قال ذلك تطييبا لقلوبهما من حيث المشاركة في قتله وما يترتب عليه من الثواب والأجر الكثير وإن كان بينهما تفاوت في السبق والتأثير وقضى رسول الله بسلبه أي بمسلوب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح بفتح الجيم لأنه أثخنه بالجراحة أولا فاستحق السلب ثم شاركه الثاني ثم ابن مسعود وجده وبه رمق فحز رأسه كما سيأتي في الحديث الذي يليه والرجلان أي الغلامان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء هي أمه وهما أخوان أمهما واحد وأبوهما مختلف قال النووي واختلفوا في معناه فقال أصحابنا اشترك هذان الرجلان في جراحته لكن معاذ ابن عمرو أثخنه أولا فاستحق السلب وإنما قال كلا كما قتله تطييبا لقلب لآخر من حيث إن له مشاركة في قتله وإلا فالقتل الشرعي يتعلق به استحقاق السلب وهو الاثخان وإخراجه عن كونه ممتنعا وإنما وجد من معاذ بن عمرو فلهذا قضى له بالسلب وإنما أخذ السيفين ليستدل بهما على حقيقة كيفية قتلهما فعلم أن ابن الجموح أثخنه ثم شاركه الثاني بعد ذلك وبعد استحقاقه السلب وقال أصحاب مالك إنما أعطاه لأحدهما لأن الإمام مخير في السلب ينفل فيه ما شاء وذكر في صحيح البخاري في حديث إبراهيم بن سعدان الذي ضربه ابن عفراء وفي رواية أن ابني عفراء ضرباه حتى برد وذكر غيره إن ابن مسعود هو الذي أجهز عليه وأخذ رأسه قال الشيخ يحمل هذا على أن الثلاثة


اشتركوا في قتله فكان إثخانه من معاذ بن عمرو بن الجموح وجاء ابن مسعود بعد ذلك وفيه رمق فحز رأسه وفيه من الفوائد المبادرة إلى الحرب والغضب لله ولرسوله وفيه أنه لا ينبغي لأحد أن يحتقر أحد الصغر ونحافة جسمه أن يصدر عنه أمر خطير واحتج به المالكية على استحقاق القاتل السلب بقوله بلا بينة والجواب أنه لعله عرف ذلك ببينة أو غيرها اه والظاهر أن هذا تنفيل منه ولذا أعطى سيف أبي جهل لابن مسعود ولم يعط لابن عفراء شيئا متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله يوم بدر من ينظر أي يبصر ويتحقق لنا ما صنع أبو جهل بصيغة المعلوم أي من الموت والحياة والهلاك والخلاص ولو روي بصيغة المجهول لكان له وجه وجيه أي ما فعل الله به قال الطيبي ما استفهامية عل


لمعنى ينظر أي من يتأمل لأجلنا ما حال أبي جهل قال النووي وسبب السؤال أن يسر المسلمون بذلك فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد أي قرب من الموت وفي القاموس برد مات قال الطيبي محمول على المشارفة لقوله بعده فأخذ بلحيته وبدليل رواية أخرى حتى برك بالباء الموحدة والكاف وقال النووي في بعض النسخ برك بالكاف والمراد به سقط يعني أن ابني عفراء بركاه عقيرا قال أي أنس رضي الله عنه فأخذ أي ابن مسعود بلحيته الباء زائدة لتأكيد التعدية أي تناولها فقال أنت أبو جهل فقال وهل فوق رجل أي مني قتلتموه قال الطيبي لما بالغ ابن مسعود في إهانته وتحقيره بأخذ لحيته ونبزه بأبي جهل أجابه بهذا الجواب اه والأظهر أنه أراد تعظيم شأنه في تلك الحال أيضا فإن لشخص كما يعيش يموت وقيل معناه وهل فوق رجل واحد قتلتموه لعدم إطلاعه على قتل غيره وفي رواية قال فلو غير أكار بتشديد الكاف والمعنى لا عار علي من قتلكم إياي فلو غير زراع قتلني لكان أحب إلي وأعظم لشأني في النهاية الأكار الزراع أراد به احتقاره وانتقاصه كيف مثله وقال النووي أشار أبو جهل به إلى ابني عفراء اللذين قتلاه وهما من الأنصار وهم أصحاب زرع ونخل ومعناه لو كان الذي قتلني غير أكار لكان أحب إلي وأعظم لشأني قال الطيبي وغيره ينبغي أن يكون مرفوعا بفعل يفسره ما بعده لأن مدخول لو فعل كقوله تعالى قل لو أنتم تملكون ويجوز أن يحمل لو على التمني فلا يقتضي جوابا متفق عليه وعن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة قال أعطى رسول الله أي شيئا من العطاء رهطا أي جماعة وأنا جالس فترك رسول الله منهم أي من الرهط رجلا هو أعجبهم إلي أي أرضاهم دينا عندي فقمت أي ليتوجه إلي وهذا مسلك أدب فقلت ما لك أي ما شأنك عن فلان حال أي متجاوزا عنه والله إني لأراه بضم الهمزة أي لأظنه وفي نسخة بالفتح أي لا علمه مؤمنا أي مصدقا باطنا ومنقادا ظاهرا فقال رسول الله أو بسكون الواو أي بل مسلما أي


أظنه مسلما أو ظنه أنت مسلما وفي نسخة بفتحها وليس له وجه بل هو إضراب عن قول سعد وليس الإضراب هنا بمعنى إنكار كون الرجل مؤمنا بل معناه النهي عن القطع بإيمان من لم يختبر حاله بالخبر الباطن لأن الباطن لا يطلع عليه إلا الله فالأولى التعبير بالإسلام الظاهر والله أعلم قال الطيبي أو بمعنى بل كما في قوله
أو أنت في العين أملح أضرب عن كلامه وترقى أي أنا أعلمه فوق ما تعلم قال الراغب الإسلام في الشرع على ضربين أحدهما دون الإيمان وهو الاعتراف باللسان وبه يحصن الدم حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل وإياه قصد بقوله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا الحجرات والثاني فوق الإيمان وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب ووفاء بالفعل واستسلام لله تعالى في جميع ما قضى وقدر كما ذكر عن إبراهيم عليه السلام في قوله سبحانه إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين البقرة ذكر ذلك أي القول سعد ثلاثا وأجابه وفي نسخة صحيحة فأجابه بمثل ذلك أي في كل مرة ثم قال إني لأعطي الرجل أراد به الجنس أي رجلا من الرجال وغيره أحب إلي منه الجملة حال خشية بالتنوين وتركه وهو أصح أي مخافة أن يكب بصيغة المجهول أي يوقع في النار على وجهه لكونه من المؤلفة قلوبهم أو لأنه من ضعفاء اليقين قال النووي معناه أن سعدا رأى النبي يعطي ناسا ويترك من هو أفضل منهم في الدين فظن أن العطاء بحسب الفضائل في الدين وظن أنه لم يعلم حال هذا الإنسان فأعلمه به ولم يفهم سعد من قوله مسلما نهيه عن الشفاعة مكررا فأعلمه النبي إن العطاء ليس على حسب الفضائل في الدين وقال إني أعطي الرجل الخ والمعنى أني أعطي أناسا مؤلفة في إيمانهم ضعف لو لم أعطهم لكفروا وأترك قوما هم أحب إلي من الذين أعطيهم ولا أتركهم احتقارا لهم ولا لنقص دينهم بل أكلهم إلى ما جعل الله تعالى في قلوبهم من النور والإيمان التام قلت وهذا تخلق بأخلاق الله تعالى حيث هكذا فعل بأنبيائه


وأوليائه من حسن بلائه وأعطى الدنيا لأعدائه قال مولانا القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه فتوح الغيب لا تقولن يا فقير اليد يا عريان الجسد يا ظمآن الكبد يا مولي عنه الدنيا بأصحابها يا خامل الذكر بين ملوك الدنيا وأربابها يا جائع يا نائع يا مشتتا في كل زاوية من أرض وبقاع خراب ومردودا من كل باب إن الله تعالى أفقرني وزوي عني الدنيا وتركني وقلاني ولم يرفع ذكري بين أخواني وأسبل على غيري نعمة سابغة يتقلب بها في ليله ونهاره ويتنعم بها في داره ودياره وكلانا مسلمان ومؤمنان سواء وأبونا آدم وأمنا حواء أما أنت فقد فعل الله ذلك بك لأن طينتك حرة وندى رحمة الله عليك متقاطرة وأنواع من الصبر والرضا واليقين والموافقة وأنوار المعرفة لديك متواترة فشجرة إيمانك وغرسها وبذرها ثابتة مكينة مورقة مستزيدة متشعبة مظللة متفرعة فهي كل يوم في نمو وزيادة فلا حاجة بها إلى علق وسباطة لتمنى وتربي وتزكي وقد فرغ الله تعالى من أمرك على ذلك وأعطاك في الآخرة في دار البقاء دخولك فيها وأجزل عطاءك في العقبى مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون السجدة أي من أداء الأوامر وترك المناكر والتسليم والتفويض إليه في المقدور والاعتماد والتوكل


عليه في جميع الأمور وأما الغير الذي أعطاه من الدنيا ونعيمها وخوله ونعمه فيها فعل به ذلك لأن محل إيمانه أرض سبخة وصخر لا يكاد يثبت فيها الماء وتنبت فيها الأشجار وتتربى فيها الزروع والثمار فصب عليها أنواع سباط وغيرها مما يربى به النبات وهي الدنيا وحطامها ليستحفظ بذلك ما أنبت فيها من شجرة الإيمان وغرس الأعمال فلو قطع ذلك عنها لجف النبات والأشجار وانقطعت الثمار وخربت الديار وهو عز وجل يريد عمارتها فشجرة إيمان الغني ضعيفة المنبت خال عما هو مشحون به منبت شجرة إيمانك يا فقير فقوتها وبقاؤها بما ترى عنده من الدنيا وأنواع نعيمها فلو قطعها مع ضعف الشجرة جفت الشجرة فكان كفرا وجحودا ولحاقا بالمنافقين والمرتدين الكفار اللهم إلا أن يبعث الله عز وجل إلى الغني عساكر من الصبر والرضا واليقين والتوفيق والعلم وأنوار المعارف فيقوي الإيمان بها حينئذ حتى لا يبالي بانقطاع الغنى والنعيم متفق عليه وفي رواية لهما قال الزهري فنرى بضم النون ويفتح أن الإسلام الكلمة أي كلمة الشهادة و والإيمان بالنصب وفي نسخة بالرفع العمل الصالح أي الشامل للعمل القلبي وهو التصديق قال النووي أما على تأويل الزهري فيجب حمل أو على التنويع كما في قوله تعالى عذرا أو نذرا أي مؤمن ومسلم جمع بين الإيمان والإسلام ظاهرا وباطنا وعن ابن عمر رضي الله عنهما إن رسول الله قام يعني يوم بدر تفسير من أحد الرواة فقال إن عثمان رضي الله عنه انطلق في حاجة الله أي خدمته وفي سبيله ورضاه وأمر دينه وحاجة رسوله قال الطيبي ذكر حاجة الله توطئة لقوله حاجة رسوله كقوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله الأحزاب وكرر الحاجة لزيادة تأكيد وعثمان رضي الله عنه تخلف في المدينة لتمريض بنت رسول الله وهي زوجته اه وهي رقية فإنها ماتت ودفنت وهو ببدر وأني أبايع له أي لأجله وبدله فضرب بيمينه على شماله وقال هذه يد عثمان فضرب أي جعل وبين له أي لعثمان رسول الله بسهم ولم


يضرب لأحد غاب غيره بالنصب على الاستثناء وفي نسخة بالجر على البدلية أو الوصفية رواه أبو داود
وعن رافع بن خديج رضي الله عنه سبق ذكره قال كان رسول الله يجعل في قسم المغانم بفتح القاف وسكون السين مصدر وفي نسخة بكسر ففتح جمع قسمة وفي نسخة الغنائم عشرا من الشاء بالهمز اسم جنس مفرده الشاة بالتاء ببعير أي بدل بعير وفي مقابلته رواه النسائي وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله وفي نسخة النبي غزا نبي من الأنبياء هو يوشع بن نون أي أراد الغزو فقال لقومه لا يتبعني بتشديد الثانية وكسر الموحدة وفي نسخة بالتخفيف وكسرها أي لا يرافقي رجل ملك بضع امرأة بضم الموحدة أي فرجها قال الطيبي البضع يطلق على عقد النكاح والجماع معا وعلى الفرج والمعنى نكح امرأة ولم يدخل عليها وهو يريد أن يبني بها أي يدخل عليها ولما يبن بها أي والحال أنه لم يدخل عليها بعد ولا أحد أي ولا يتبعني أحد بنى بيوتا بضم الموحدة وكسرها ولم يرفع سقوفها أي ولم يكمل ما يتعلق بضرورة عمارتها والظاهر أن قيد الجمع اتفاقي أو عادي وإنما نهى عن متابعة هذه الأشخاص في تلك الغزاة لأن تعلق النفس يوهن عزم الأمر المهم فتفوت المصلحة قال النووي وفيه إن الأمور المهمة ينبغي أن لا تفوض إلا إلى أولي الحزم وفراغ البال لها ولا تفوض إلى متعلقي القلب بغيرها لأن ذلك يضعف عزمه ولا رجل اشترى غنما جنس أو خلفان جمع الخلفة بفتح المعجمة وكسر اللام الحامل من النوق وللتنويع وهو ينتظر ولادها بكسر الواو أي نتاجها والضمير إلى الخلفات وهو من باب الاكتفاء لأنه يعلم منها حكم الأخرى إذ التقدير ولاد كل واحدة منها أو ولاد المذكورات ونظيره قوله تعالى والذين يكتزون الذهب والفضة ولا ينفقونها التوبة قال الطيبي يحتمل أن يرجع الضمير إلى الطائفتين من الغنم والإبل على التغليب فغزا أي قصد الغزو وشرع في سفره فدنا من القرية قال الطيبي كذا في البخاري وفي مسلم فأدنى قال النووي في


شرح مسلم هكذا هو في جميع النسخ بهمز القطع وكذا عن القاضي عياض أيضا وهو إما أن يكون تعدية لدنا بمعنى قرب أي أدنى جيوشه إلى القرية وأما أن يكون
بمعنى حان أي حان فتحها من قولهم أدنت الناقة إذا حان وقت نتاجها ولم يقل في غير الناقة في النهاية فأدنى بالقرية هكذا جاء في مسلم وهو افتعل من الدنو وأصله أدتني فأدغم التاء في الدال اه فيكون من قبيل قوله أذان من الدين وحاصله أنه قرب من القرية صلاة العصر أي وقتها والمراد آخر أجزائه لقوله أو قريبا من ذلك أي من آخر العصر فأو للترديد احتياطا ويمكن أن يكون الشك من الراوي فقال أي ذلك النبي للشمس إنك مأمورة أي بالسير وأنا مأمور أي بفتح القرية في النهار وذلك أنه قاتل الجبارين يوم الجمعة فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه فدعا الله وقال اللهم احبسها علينا فحبست أي الشمس حتى فتح الله عليه قال القاضي عياض اختلفوا في حبس الشمس فقيل ردت على أدراجها وقيل وقفت بلا رد وقيل بطؤ تحركها قلت أوسطها لأنه الظاهر في معنى الحبس وكل ذلك من معجزات النبوة قال وقد روي أن نبينا حبست له الشمس مرتين إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها الله عليه حتى صلى العصر قاله الطحاوي وقال رواته ثقات والثانية صبيحة الإسراء حين انتظر العير التي أخبر بوصولها مع شروق الشمس وفي المواهب وأما رد الشمس لحكمه فروي عن أسماء بنت عميس أن النبي كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي رضي الله عنه فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله أصليت يا علي قال لا فقال رسول الله اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فأردد عليه الشمس قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ووقعت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر ورواه الطحاوي في مشكل الحديث كما حكاه القاضي في الشفاء وقال شيخنا يعني العسقلاني قال أحمد لا أصل له وتبعه ابن


الجوزي فأورده في الموضوعات ولكن قد صححه الطحاوي والقاضي عياض وأخرجه ابن منده وابن شاهين وغيرهم وروى يونس بن بكير في زيادة المغازي عن ابن إسحاق مما ذكره القاضي عياض في الشفاء لما أسري بالنبي وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا متى تجيء قال يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولي النهار ولم تجىء فدعا رسول الله فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس وروى الطبراني أيضا في معجمه الأوسط بسند حسن عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله أمر الشمس فتأخرت ساعة من النهار اه وبهذا يعلم أن رد الشمس بمعنى تأخيرها والمعنى أنها كادت أن تغرب فحبسها فيندفع بذلك ما قال بعضهم ومن تغفل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة ولم يلمح إلى عدم الفائدة فيها فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء ورجوع الشمس لا يعيدها أداء اه مع أنه يمكن حمله على الخصوصيات وهو أبلغ في باب المعجزات والله أعلم بتحقيق الحالات قيل يعارضه قوله


في الحديث الصحيح لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع بن نون ويجاب بأن المعنى لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري لا ليوشع والله أعلم فجمع الغنائم فجاءت يعني النار تفسير من بعض الرواة لتأكلها متعلق بجمع فلم تطعمها أي لم تأكلها ففيه تفنن في العبارة والمعنى فلم تحرقها ولم تعدمها قال النووي وكانت عادة الأنبياء عليهم السلام أن يجمعوا الغنائم فتجيء نار من السماء فتأكلها علامة لقبولها وعدم الغلول فيها فقال أي ذلك النبي لقومه أن فيكم أي فيما بينكم إجمالا غلولا بالضم ويحتمل الفتح بمعنى غال فليبايعني بسكون اللام ويسكن من كل قبيلة رجل فلزقت بكسر الزاي أي ففعلوا فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم أي على الخصوص الغلول فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة بجر مثل على الوصف وفي نسخة بالنصب على أنه حال أي مماثلا لرأس بقرة وقوله من الذهب بيان لرأس الأول فتأمل فوضعها أي النبي الرأس وأنث لأن المراد به الغنيمة فجاءت النار فأكلتها زاد أي أبو هريرة رضي الله عنه في رواية أي لهما أو لأحدهما أو لغيرهما فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا الغنائم أي سترا علينا وتوسعة للدنيا وهو تصريح بما علم ضمنا رأى ضعفنا وعجزنا استئناف بيان فأحلها لنا إعاده لترتب الحكم والأول لمجرد الأخبار متفق عليه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثني عمر ليس رضي الله عنه في الأصول قال لما كان يوم خيبر بالرفع وفي نسخة بالنصب أقبل نفر من صحابة النبي بالفتح جمع صاحب ولم يجمع فاعل على فعالة إلا هذا ذكره ابن الأثير في النهاية فقالوا أي بعضهم فلان أي ممن قتل ذلك اليوم شهيد وفلان شهيد أي وهكذا حتى مروا على رجل فقالوا فلان أي الممرور عليه شهيد فقال رسول الله كلا ردع لما فهم من قولهم فلان شهيدان روحه في الجنة إني رأيته في النار في بردة أي لأجل قطعة ثوب


مخطط غلها أي خانها من الغنيمة أو عباءة بفتح أولها ممدودا ويقصر كساء لبسها الأعراب وهي ذات خطوط أي أو في عباءة غلها والشك لأحد من الرواة ثم قال رسول الله يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه بفتح الهمزة ويكسر والضمير للشأن لا يدخل الجنة أي ابتداء إلا المؤمنون أي الكاملون ثلاثا متعلق بناد وقال أي عمر فخرجت فناديت إلا أنه للتنبيه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ثلاثا قال ابن الملك المؤمن في العرف من آمن بمحمد وبما جاء به ومن غل كأنه لم يصدقه لعدم جريه على موجب تصديقه ولم يجعله النبي من المؤمنين زجرا لهم عن ذلك أو يقال المراد بالمؤمنين المتقون من الذنوب وبالدخول الدخول بلا عذاب وقوله إني رأيته في النار يدل على أن بعض من يعذب النار يدخلها ويعذب فيها قبل يوم القيامة وفيه تأمل لأن النصوص شاهدة على أن دخول النار حقيقة يكون بعد الحشر فتحمل هذه الرؤية على وجه التمثيل إشارة إلى أنه سيكون كذلك كما مثل له دخول بلال في الجنة قبل موته نعم عذاب القبر حق لكنه نوع آخر لا بهذا الوجه قلت يحتمل أن يكون في الكلام مجاز أي علمته في المعصية الموجبة للنار كما قال الله تعالى إنم الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين الانفطار ويمكن أن يراد بالنار نار البرزخ كما في حديث القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران أو الرؤية محمولة على الكشف والمشاهدة والمعنى أن مآله إلى النار قال الطيبي فإن قلت الكلام في الشهادة لا في الإيمان فما معنى هذا القول قلت هو تغليظ وارد على سبيل المبالغة يعني جزمتم أنه من الشهداء وأنه من أهل الجنة وقد رأيته في النار فدعوا هذا الكلام لأن الكلام في إيمانه زجرا وردعا عن الغلول اه ويمكن أنه انكشف له أنه في النار وما انكشف له أنه من أهل الإيمان وحقيقة الشهادة متوقفة على الإيمان كما أن دخول الجنة متفرع عليه فلا ينبغي الجزم بالشهادة لا سيما وقد ظهر منه بعض أسباب


الشقاوة وإن كان حصل منه بعض أحوال السعادة والله أعلم رواه مسلم


باب الجزية
قال الراغب الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة وتسميتها بذلك للاجتزاء بها في حقن دمهم قال تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة أي ذليلون حقيرون منقادون وفي الهداية لو بعث بها على يد نائبه لا يقبل منه في أصح الروايات بل يكلف أن يأتي بها بنفسه فيعطي قائما والقابض جالس وفي رواية يأخذه بتلبيبه وهو ما يلي صدره من ثيابه ويقول اعط الجزية يا ذمي قال ابن الهمام الجزية في اللغة الجزاء وإنما بنيت على فعله للدلالة على هيئة الإذلال عند الإعطاء وهو على ضربين جزية توضع بالتراضي والصلح عليها فتتقدر بحسب ما عليه الاتفاق فلا يزاد عليه تحرزا عن الغدر وأصله صلح رسول الله أهل نجران وهم قوم من نصارى بقرب اليمن على ألفي حلة في العام على ما في أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال صالح رسول الله أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والنصف في رجب اه والحلة ثوبان إزار ورداء وفي رواية كل حلة أوقية بمعنى قيمتها أوقية وصالح عمر رضي الله عنه نصارى بني تغلب على أن يؤخذ من كل منهم ضعف ما يؤخذ من المسلم من المال الواجب والضرب الثاني جزية يبتدىء الإمام بتوظيفها إذا غلب على الكفار ففتح بلادهم وأقرهم على آملاكهم فهذه مقدرة بقدر معلوم شاؤوا أو أبوا رضوا أو لم يرضوا فيضع على الغني في سنة ثمانية وأربعين درهما في كل شهر أربعة دراهم وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما في كل شهر درهمين وعلى الفقير المحتمل اثني عشر درهما في كل شهر درهما واحدا ويستحب للإمام أن يماكسهم حتى يأخذ من المتوسط دينارين ومن الغني أربعة دنانير وقال الشافعي يوضع على كل حالم أي بالغ دينارا أو اثني عشر درهما وقال مالك يأخذ من الغني أربعين درهما وأربعة دنانير ومن الفقير عشرة دراهم أو دينارا وقال الثوري وهي رواية عن أحمد هي غير مقدرة بل مفوض إلى رأي الإمام لأنه عليه السلام أمر معاذا بأخذ الدينار وصالح هو عليه السلام نصارى نجران على ألفي


حلة
الفصل الأول
عن بجالة بفتح الموحدة وتخفيف الجيم قال المؤلف هو ابن عبد التميمي
مكي ثقة ويعد في أهل البصرة سمع عمران بن حصين وعنه عمرو بن دينار قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية بفتح الجيم وسكون الزاي وبهمزة هو الصحيح وكذا يرويه أهل اللغة وأهل الحديث ويقولونه بكسر الجيم وسكون الزاي وبعدها ياء تحتها نقطتان قاله الدارقطني وقال عبد الغني بفتح الجيم وكسر الزاي وبعدها ياء ذكره المؤلف وقال ابن الملك الأول هو الصحيح أي مما ذكر في اسمه وهو الموافق لما في الأصول المصححة وقيل بكسر الزاي بعدها ياء مشددة كما في بعض النسخ وهو تميمي تابعي كان والي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالأهواز عم الأحنف أي ابن قيس وهو بدل من جزء فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة فرقوا أي في النكاح بين كل ذي محرم من المجوس أمرهم بمنع المجوسي الذمي عن نكاح المحرم كالأخت والأم والبنت لأنه شعار مخالف للإسلام فلا يمكنون منه وإن كان من دينهم قال الطيبي المحرم مصدر ميمي ومعناه الذي يحرم أذاك عليه في النهاية كل مسلم على مسلم محرم يقال إنه لمحرم عنك أي يحرم أذاك عليه ويقال مسلم محرم وهو الذي لم يحل من نفسه شيئا يرفع به قيل معناه بعدوا أهل الكتاب من المجوس ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس أي عبدة النار حتى شهد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله أخذها أي الجزية من مجوس هجر بفتح هاء وجيم قاعدة أرض البحرين كذا في المغني وقال ابن الهمام هجر بلدة في البحرين اه وهو غير منصرف وفي نسخة بالتنوين وهو الأظهر قال الطيبي اسم بلد باليمن يلي البحرين واستعماله على التذكير والصرف وقال ابن الملك هجر بكسر الهاء وفتحها وبفتح الجيم اسم بلد في اليمن وقيل اسم قرية بالمدينة اه والظاهر أن كسر الهاء سهو قلم لمخالفته أرباب اللغة وأصحاب الحديث ففي القاموس هجر محركة بلد باليمن بينه وبين عثر يوم وليلة مذكر مصروف وقد يؤنث ويمنع واسم لجميع أرض


البحرين ومنه المثل كمبضع ثمر إلى هجر وقول عمر رضي الله عنه عجبت لتاجر هجر كأنه أراد لكثرة مائه أو لركوب البحر وقرية كانت قرب المدينة ينسب إليها القلال أو تنسب إلى هجر اليمن وفي شرح السنة أجمعوا على أخذ الجزية من المجوس وذهب أكثرهم إلى أنهم ليسوا من أهل الكتاب وإنما أخذت الجزية منهم بالسنة كما أخذت من اليهود والنصارى بالكتاب وقيل هم من أهل الكتاب روي عن علي كرم الله وجهه قال كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع من بين أظهرهم رواه البخاري وكذا أبو داود ورواه الترمذي والنسائي مختصرا ذكره السيد جمال الدين وذكر حديث بريدة إذا أمر بتشديد الميم أي عين أميرا
على جيش وفي نسخة على جيشه الحديث بطوله في باب الكتاب أي الكتابة إلى الكفار
الفصل الثاني


عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله لما وجهه أي أرسله إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم أي بالغ يعني محتلم تفسير من أحد الرواة بمعنى أي ولذا جر محتلم قال الطيبي يدل من طريق المفهوم على أن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجل البالغ قال ابن الهمام لا جزية على امرأة ولا صبي وكذا على مجنون بلا خلاف لأن الجزية بدل عن قتلهم على قول الشافعي أو عن قتالهم نصرة للمسلمين على قولنا وهؤلاء ليسوا كذلك ولا على أعمى وزمن ومفلوج ولا من الشيخ الكبير الذي لا قدرة له على قتال ولا كسب ولا على فقير غير معتمل يعني الذي لا يقدر على العمل وعلى قول الشافعي عليه الجزية في ذمته له إطلاق حديث معاذ وهو قوله عليه السلام خذ من كل حالم ولنا أن عثمان بن حنيف حين بعثه عمر لم يوظف الجزية على فقير غير معتمل وروى ابن زنجويه في كتاب الأموال بسنده قال أبصر عمر شيخا كبيرا من أهل الذمة يسأل فقال له ما لك فقال ليس لي مال وإن الجزية تؤخذ مني فقال له عمر ما أنصفناك أكلنا سبيتك ثم نأخذ منك الجزية ثم كتب إلى عماله أن لا تأخذوا الجزية من شيخ كبير ولا يوضع على المملوك والمكاتب والمدبر وأم الولد اتفاقا ولا يوضع على الرهبان جمع راهب وقد يقال للواحد رهبان أيضا بشرط أن لا يخالط الناس ومن خالط منهم عليه الجزية دينارا أو عدله بفتح العين ما يساوي الشيء من جنسه وبالكسر هو المثل كذا قاله بعضهم وقال التوربشتي أي ما يساويه وهو ما يعادل الشيء من غير جنسه فتحوا عينه للتفريق بينه وبين العدل الذي هو المثل اه فينبغي أن يضبط بفتح العين لا غير لكنه في النسخ مضبوط بالوجهين فكأنه مبني على عدم الفرق بينهما ففي مختصر النهاية العدل بالكسر والفتح المثل وقيل بالفتح ما عادله من جنسه وبالكسر ما ليس من جنسه وقيل بالعكس من المعافري بفتح الميم والعين المهملة وكسر الفاء وتشديد الياء قال التوربشتي معافر علم قبيلة من همدان لا ينصرف في معرفة ولا نكرة لأنه جاء على


مثال ما لا ينصرف من الجمع وإليهم تنسب الثياب المعافرية تقول ثوب معافري فتصرفه قال الطيبي قوله معافر كذا في نسخ المصابيح وفي أبي داود وجامع الأصول من المعافري كما في المتن قال ابن الهمام ثوب منسوب إلى معافر بن مرة ثم صار اسما للثوب بلا نسبة ذكره في المغرب وفي الجمهرة لابن دريد المعافر بفتح الميم موضع باليمن ينسب إليه الثياب المعافرية وفي غريب الحديث للقتيبي البرد المعافري منسوب إلى معافر من اليمن وفي الجمهرة قال الأصمعي ثوب معافر غير منسوب فمن نسب فقد خطأ عنده اه وقال شارح للمصابيح قوله معافر أي ثياب معافر بحذف المضاف ثياب بالرفع أي هي ثياب وفي نسخة بالجر على البدل تكون باليمن وفي نسخة في اليمن قال القاضي فيه دليل على أن أقل الجزية دينار ويستوي فيه الغني والفقير لأنه عمم الحكم ولم يفصل وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة يؤخذ من الموسر أربعة دنانير ومن المتوسط ديناران ومن المعسر دينار اه وسبق أن هذا هو المذهب بل المستحب ثم مذهبنا منقول عن عمر وعثمان وعلي ذكره الأصحاب في كتبهم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر بن الخطاب وجه حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف إلى السواد فمسحا أرضها ووضعا عليه الخراج وجعلا الناس ثلاث طبقات على ما قلنا فلما رجعا أخبراه بذلك ثم عمل عثمان كذلك رضي الله عنه وروى ابن أبي شيبة ثنا علي بن مسهر عن الشيباني عن أبي عون محمد بن عبد الله الثقفي قال وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الجزية على رؤوس الرجال على الغني ثمانية وأربعين درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرين وعلى الفقير اثني عشر درهما وهو مرسل ورواه ابن زنجويه في كتاب الأموال ثنا أبو نعيم ثنا معدل عن الشيباني عن أبي عون عن المغيرة بن شعبة أن عمر وضع إلى آخره ومن طريق آخر رواه ابن سعد في الطبقات إلى أبي نصرة أن عمر بن الخطاب وضع الجزية على أهل الذمة فيما فتح من البلاد ووضع على الغني الخ ومن طريق آخر أسنده


أبو عبيد القاسم بن سلام إلى حارثة بن مضرب عن عمر أنه بعث عثمان بن حنيف فوضع عليهم ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين وإثني عشر وكان ذلك بمحضر من الصحابة بلا نكير فحل محل الإجماع قال وما روي من وضع الدينار على الكل محمول على أنه كان صلحا فإن اليمن لم يفتح عنوة بل صلحا فوضع على ذلك وبه قلنا ولأن أهل اليمن كانوا أهل فاقة والنبي يعلم ففرض عليهم ما على الفقراء يدل على ذلك ما رواه البخاري عن مجاهد قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار قال جعل ذلك من قبل اليسار قال ثم اختلف في المراد من الغني والمتوسط والفقير فقيل إن كان له عشرة آلاف درهم فهو موسر ومن كان له مائتان فصاعدا ما لم يصل إلى العشرة فمتوسط فمن كان معتملا أي مكتسبا فهو معسر وقال الفقيه أبو جعفر ينظر إلى عادة كل بلد في ذلك ألا ترى أن صاحب خمسين ألفا ببلخ يعد من المكثرين وفي البصرة وبغداد لا يعد مكثر رواه أبو داود وكذا بقية الأربعة ذكره السيد جمال الدين وقال ابن الهمام روى أبو داود والترمذي والنسائي عن الأعمش عن أبي


وائل عن مسروق عن معاذ قال بعثني رسول الله إلى اليمن وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر من غير فصل بين غني وفقير قال الترمذي حسن صحيح وذكر أن بعضهم رواه عن مسروق عن النبي مرسلا قال وهو أصح ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه وهذا كما ترى ليس فيه ذكر الحالم وفي مسند عبد الرزاق ثنا معمر وسفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ رضي الله عنهم أن النبي بعث معاذا إلى أن قال ومن كل حالم أو حالمة دينار أو عدله معافر وكان معمر يقول هذا غلط ليس على النساء شيء وفيه طرق كثيرة فيها ذكر الحالمة قال أبو عبيد هذا والله أعلم فيما نرى منسوخ إذ كان في أول الإسلام نساء المشركين وولدانهم يقتلون مع رجالهم ويستضاء لذلك بما روى الصعب بن جثامة أن خيلا أصابت من أبناء المشركين فقال عليه السلام هم من آبائهم ثم أسند أبو عبيد عن الصعب بن جثامة قال سألت رسول الله عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم قال نعم فإنهم منهم ثم نهى عن قتلهم يوم خيبر وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله لا تصلح قبلتان أي أهلهما يعني دينين في أرض واحدة وليس على المسلم جزية قال التوربشتي أي لا يستقيم دينان بأرض على سبيل المظاهرة والمعادلة أما المسلم فليس له أن يختار الإقامة بين ظهراني قوم كفار لأن المسلم إذا صنع ذلك فقد أحل نفسه فيهم محل الذي فينا وليس له أن يجر إلى نفسه الصغار ويتوسم بسمة من ضرب عليه الجزية وأنى له الصغار والذلة ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وأما الذي يخالف دينه دين الإسلام فلا يمكن من الإقامة في بلاد الإسلام إلا ببذل الجزية ثم لا يؤذن له في الإشاعة بدينه ووجه التناسب بين الفصلين أن الذمي إنما أقر على ما هو عليه ببذل الجزية والذمي عليه الجزية وليس على المسلم جزية فصار ذلك رافعا لأحدى القبلتين واضعا لإحداهما وذهب بعضهم إلى أن معنى


وليس على المسلم جزية الخراج الذمي وضع على الأراضي التي تركت في أيدي أهل الذمة والأكثرون على أن المراد منه أن من أسلم من أهل الذمة قبل أداء ما وجب عليه من الجزية فإنه لا يطالب به لأنه مسلم وليس على مسلم جزية وهذا قول سديد لو صح لنا وجه التناسب بين الفصلين اه وفيه أن وجه التناسب ليس بشرط إذ يحتمل أن الراوي سمع الفصلين في محلين ثم جمع بينهما في روايته وأظهر الحكمين ويؤيده ما ذكره في الجامع الصغير مفردا قوله ليس على مسلم جزية وقال رواه أحمد وأبو داود مع احتمال أنه قطعه عن الحديث الطويل والله


أعلم وقيل هذا الحديث إشارة إلى إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب قال ابن الملك أي لا يجوز أن يسكن المسلم والكافر في بلدة واحدة وهذا مختص بجزيرة العرب وأما قوله وليس على مسلم جزية فقيل المراد بها الخراج الذي وضع على أراضي بلد فتح صلحا على أن يكون أراضيه لأهلها بخراج مضروب عليهم فإذا أسلموا سقط الخراج عن أراضيهم وتسقط الجزية عن رؤوسهم حتى يجوز لهم بيعها بخلاف ما لو صولحوا على أن تكون الأراضي لأهل الإسلام وهم يسكنون فيها بخراج وضع عليهم أو فتح عنوة وأسكن أهل الذمة بخراج أو دونه فإنه لا يسقط بإسلامهم ولا بالموت رواه أحمد والترمذي وأبو داود قال ابن الهمام من أسلم وعليه جزية بأن أسلم بعد كمال السنة سقطت عنه وكذا لو أسلم في أثنائها خلافا للشافعي فيهما ولنا ما أخرجه أبو داود والترمذي عن جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله ليس على مسلم جزية قال أبو داود وسئل سفيان الثوري عن هذا فقال يعني إذا أسلم فلا جزية عليه وباللفظ الذي فسره به سفيان الثوري رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عمر عن النبي قال من أسلم فلا جزية عليه وضعف ابن القطان قابوسا وليس قابوس في مسند الطبراني فهذا بعمومه يوجب سقوط ما كان استحق عليه قبل إسلامه بل هو المراد بخصوصه لأنه موضع الفائدة إذ عدم الجزية على المسلم ابتداء من ضروريات الدين فالأخبار به من جهة الفائدة ليس كالأخبار بسقوطها في حال البقاء وبهذا الحديث ونحوه أجمع المسلمون على سقوط الجزية بالإسلام فلا يرد طلب الفرق بين الجزية وبين الاسترقاق إذ كل منهما عقوبة على الكفر ثم لا يرتفع الاسترقاق بالإسلام وكذا خراج الأرض وترتفع الجزية لأن كلا منهما محل الإجماع فإن عقلت حكمته فذاك والأوجب الاتباع على أن الفرق بين خراج الأرض والجزية واضح إذ لا إذلال في خراج الأرض لأنه مؤنة الأرض كي تبقى في أيدينا والمسلم ممن يسعى في


بقائها للمسلمين بخلاف الجزية لأنها ذل ظاهر وشعار وأما الاسترقاق فلأن إسلامه بعد تعلق ملك شخص معين بل استحقاق للعموم والحق الخاص فضلا عن العام ليس كالملك الخاص وعن أنس رضي الله عنه قال بعث رسول الله خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون التحتية فدال مهملة مكسورة فراء ابن عبد الملك الكندي اسم ملك دومة بضم الدال وقد يفتح بلد أو قلعة من بلاد الشام قريب تبوك أضيف إليها كما أضيف زيد إلى الخيل وكان نصرانيا فبعث رسول الله سرية من المهاجرين وأعراب من المسلمين وجعل أبا بكر على المهاجرين وخالدا على الأعراب وقال لخالد إنك


ستجده يصيد البقر فانتهت السرية إلى الحصن في ليلة مقمرة وهو على السطح مع امرأته فجاءت بقرة وجعلت تحك باب قصره بقرنيها فقالت له امرأته هل رأيت مثل هذا قال لا والله قال أفنترك مثل هذه فأمر بفرسه وسرج وركب معه نفر من أهل بيته ومعهم أخوه يقال له حسان فتلقاهم خيل رسول الله فأخذوه أي أكيدر وقتلوا حسان وكان وصاهم أن لا يقتلوه وكان قد كتب إليه وهو أهدى إلى النبي فأتوا به فحقن أي وهب له دمه في المغرب حقن دمه إذا منعه أن يسفك وذلك إذا حل به القتل فأنقذه وصالحه على الجزية ثم إنه أسلم وحسن إسلامه رواه أبو داود وعن حرب بن عبيد الله بالتصغير رضي الله عنه عن جده أبي أمه عن أبيه قال المؤلف في فصل التابعين هو حرب بن عبد الله الثقفي مختلف في اسم أبيه وفي حديثه فروى حديثه عطاء بن السائب وقد اختلف عنه فرواه سفيان بن عيينة عن عطاء عن حرب عن خال له عن النبي وقال ابن الأحوص عن عطاء عن حرب عن جده أبي أمه عن أبيه وقال غيره عن عطاء عن حرب بن هلال الثقفي عن أبي أمامة وجاء في رواية أبي داود وعن حرب بن عبيد الله عن جده أبي أمه وهو الأشهر رضي الله عنهم إن رسول الله قال إنما العشور بضمتين جمع عشر على اليهود والنصارى وليس على المسلمين عشور قال ابن الملك أراد به عشر مال التجارة لا عشر الصدقات في غلات أرضهم قال الخطابي لا يؤخذ من المسلم شيء من ذلك دون عشر الصدقات وأما اليهود والنصارى فالذي يلزمهم من العشور هو ما صولحوا عليه وقت العقد فإن لم يصالحوا على شيء فلا عشور عليهم ولا يلزمهم شيء أكثر من الجزية فأما عشور أراضيهم وغلاتهم فلا تؤخذ منهم عند الشافعي وقال أبو حنيفة إن أخذوا منا عشورا في بلادهم إذا ترددنا إليهم في التجارات أخذنا منهم وإن لم يأخذوا لم نأخذ اه وتبعه ابن الملك لكن المقرر في المذهب في مال التجارة إن العشر يؤخذ من مال الحربي ونصف العشر من الذمي وربع العشر من المسلم بشروط ذكرت في كتاب الزكاة نعم


يعامل الكفار بما يعاملون المسلمين إذا كان بخلاف ذلك وفي شرح السنة إذا دخل أهل الحرب بلاد الإسلام تجارا فإن دخلوا بغير أمان ولا رسالة غنموا وإن دخلوا بأمان وشرطه أن يؤخذ منهم عشر أو أقل أو أكثر أخذ المشروط وإذا طافوا في بلاد الإسلام فلا يؤخذ منهم في السنة إلا مرة رواه أحمد وأبو داود
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله إنا أي معشر المسلمين نمر بقوم أي في منازلهم عند الخروج إلى الغزو فلا هم أي من كرمهم ومروأتهم يضيفونا بالتشديد وتخفف من باب التفعيل والأفعال والنون مخففة ويجوز تشديدها ولا هم يؤدون ما لنا عليهم من الحق أي من حق الإسلام وهو المواساة والمعاونة بالدين ونحوه ولا نحن نأخذ منهم أي كرها فيحصل لنا بذلك اضطرار وضرر عظيم فقال رسول الله إن أبوا أي امتنعوا عن كل شيء من الإضافة والبيع معجلا أو مؤجلا إلا أن تأخذوا كرها بضم الكاف ويفتح فخذوا أي كرها وذكر ابن الملك وغيره من علمائنا عن محيي السنة أنه قال قيل كان مرورهم على قوم من أهل الذمة وقد كان شرط عليهم الإمام ضيافة من يمر بهم وأما إذا لم يكن قد شرط عليهم والنازل غير مضطر فلا يجوز أخذ مال الغير إلا عن طيبة نفس رواه الترمذي أي في جامعه وقال معنى الحديث أنهم كانوا يخرجون في الغزو فيمرون بقوم ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن فقال إن أبوا أن يبيعوا إلا أن تأخذوا كرها فخذوا هكذا روي في بعض الأحاديث مفسرا قال الطيبي قوله ولا يجدون من الطعام ما يشترون هذا تفسير لقوله ولا هم يؤدون ما لنا عليهم من الحق على معنى إنا إذا حملنا الاضطرار إلى الطعام الذي عندهم وكان حقا عليهم أن يؤثروا علينا إما بالبيع أو الضيافة فإذا امتنعوا من ذلك كيف نفعل بهم فقال إن أبوا الخ وفيه معنى النفي المصحح للاستثناء أي إن لم يحصل الأخذ بشيء من الأشياء إلا بأن تأخذوا كرها فخذوه
الفصل الثالث


عن أسلم رضي الله عنه قال المؤلف هو مولى عمر كنيته أبو خالد كان حبشيا ابتاعه عمر بمكة سنة إحدى عشرة سمع عمر وروى عنه زيد بن أسلم وغيره مات في ولاية مروان وله مائة وأربع عشرة سنة إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب الجزية على
أهل الذهب أي المكثرين منه أربعة دنانير وعلى أهل الورق بكسر الراء ويسكن أي الفضة أربعين درهما مع ذلك أي منضما مع ما ذكر وفي نسخة ومع ذلك أرزاق المسلمين قال الطيبي يجوز أن يكون فاعل الظرف أن يكون مبتدأ وهو أي الظرف خبره وضيافة ثلاثة أيام عطف تفسيري في شرح السنة يجوز أن يصالح أهل الذمة على أكثر من دينار وأن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين زيادة على أصل الجزية ويبين عدد الضيفان من الرجال والفرسان وعدد أيام الضيافة ويبين جنس أطعمتهم وعلف دوابهم ويفاوت بين الغني والوسط في القدر دون جنس الأطعمة رواه مالك ومما يتعلق بالباب أن الجزية توضع على عبدة الأوثان من العجم وفيه خلاف الشافعي هو يقول القتال واجب لقوله تعالى وقاتلوهم البقرة إلا أنا عرفنا جواز تركه إلى الجزية في حق أهل الكتاب بالقرآن من قوله تعالى حتى يعطوا الجزية التوبة وفي المجوس بالخبر الذي ذكر في صحيح البخاري فبقي من وراءهم على الأصل ولنا أنه يجوز استرقاقهم فيجوز ضرب الجزية عليهم فهذا المعنى يوجب تخصيص عموم وجوب القتال الذي استدل به وذلك لأنه عام مخصوص بإخراج أهل الكتاب والمجوس عند قبولهم الجزية كما ذكر فجاز تخصيصه بعد ذلك بالمعنى كذا ذكره ابن الهمام قال ولا توضع الجزية على عبدة الأوثان من العرب والمرتدين لأن كفرهما قد تغلظ فلم يكونوا في معنى العجم أما العرب فلأن القرآن قد نزل بلغتهم فالمعجزة في حقهم أظهر فكفرهم والحالة هذه أغلظ من كفر العجم وأما المرتدون فلأن كفرهم بعدما هدوا للإسلام ووقفوا على محاسنه فكان كذلك فلا يقبل من الفريقين إلا الإسلام أو السيف زيادة في العقوبة لزيادة الكفر وعند الشافعي


يسترق مشركو العرب وهو قول مالك وأحمد لأن الاسترقاق إتلاف حكما فيجوز كما يجوز إتلاف نفسه بالقتل ولنا قوله تعالى تقاتلونهم أو يسلمون الفتح أي إلى أن يسلموا وروي عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف وذكر محمد بن الحسن عن يعقوب عن الحسن عن مقسم عن ابن عباس وقال أو القتل مكان أو السيف وعنه عليه الصلاة والسلام لا رق على عربي وأخرجه البيهقي عن معاذ أن رسول الله قال لو كان ثابت على أحد من العرب رق لكان اليوم قال وإذا ظهر على مشركي العرب والمرتدين فنساؤهم وصبيانهم فيء يسترقون لأنه عليه الصلاة والسلام استرق ذراري أوطاس وهوازن وأبو بكر استرق بني حنيفة قال الواقدي وحدثني أبو الزناد عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت قد رأيت أم محمد بن علي بن أبي طالب وكانت من سبي بني حنيفة فلذلك سميت الحنفية ويسمى ابنها محمد ابن الحنفية قال وحدثني عبد الله بن نافع عن أبيه قال كانت أم زيد بن عبد الله بن عمر من ذلك السبي واعلم أن ذراري المرتدين ونساءهم يجبرون على الإسلام بعد الاسترقاق بخلاف ذراري عبدة الأوثان لا يجبرون وفي فتاوى قاضيخان وأما الزنادقة فقالوا لو جاء


زنديق قبل أن يؤخذ فأخبر أنه زنديق وتاب تقبل توبته فإن أخذ ثم تاب لا تقبل توبته ويقتل لأنهم باطنية يعتقدون في الباطن خلاف ذلك فيقتل ولا يؤخذ منهم الجزية قال وتغلب بن وائل من العرب من ربيعة تنصروا في الجاهلية فلما جاء الإسلام زمن عمر دعاهم إلى الجزية فأبوا وأنفوا وقالوا نحن عرب خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض الصدقة فقال لا آخذ من مشرك صدقة فلحق بعضهم بالروم فقال النعمان بن زرعة يا أمير المؤمنين إن القوم لهم بأس شديد وهم عرب يأنفون من الجزية فلا تعن عليهم عدوك بهم وخذ منهم الجزية باسم الصدقة فبعث عمر في طلبهم وضعف عليهم فأجمع الصحابة على ذلك ثم الفقهاء ففي كل أربعين لهم شاتان ولا زيادة حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين ففيها أربع شياه وعلى هذا في البقر والإبل وفي رواية قال عمر هذه جزية سموها ما شئتم والله أعلم


باب الصلح
المغرب الصلاح خلاف الفساد والصلح اسم بمعنى المصالحة والتصالح خلاف المخاصمة والتخاصم قال ابن الهمام هو جهاد معنى لا صورة فاخره عن الجهاد صورة ومعنى فإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقا منهم بمال أو بلا مال وكان ذلك مصلحة للمسلمين فلا بأس به لقوله تعالى وإن جنحوا للمسلم فاجنح لها وتوكل على الله الأنفال الآية وإن كانت مطلقة لكن إجماع الفقهاء على تقييدها برؤية مصلحة المسلمين في ذلك بآية أخرى وهي قوله تعالى ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون محمد فأما إذا لم يكن في الموادعة مصلحة فلا تجوز بالإجماع والسلم بكسر السين وفتحها مع سكون اللام وفتحها ومنه قوله تعالى وألقوا إليكم السلم النساء
الفصل الأول
عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما سبق ذكرهما ولعل الجمع بينهما لتصديق مروان في روايته وتقويته قالا خرج النبي وفي نسخة رسول الله


أي يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة وهو المعنى بقوله عام الحديبية بتخفيف الياء وقد يشدد موضع قريب من مكة ذكره في المغرب وفي النهاية قرية قريبة من مكة سميت ببئر هناك وهي مخففة الياء وكثير من المحدثين يشددونها أقول وهي ما بين مكة وجدة بالجيم قريب قرية تسمى حدة بالحاء المهملة وتسمى ببئر شمس وإليها ينتهي حد الحرم من ذلك الصوب وهي من الحل وبعضها من الحرم على ما ذكره الواقدي وهو الموافق لمذهب أبي حنيفة وقد قال المحب الطبري الحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم وهي على تسعة أميال من مكة وهو لا ينافي ما في صحيح البخاري إن الحديبية خارج الحرم قال القاضي وإنما أضاف العام إليها لنزوله بها حين صد عن البيت اه في بضع عشرة مائة بسكون السين وتكسر والبضع بكسر الموحدة ويفتح ما بين الثلاثة إلى التسعة أي مع ألف ومائة من أصحابه وقد سبقت الرواية عن جمع من أكابر الصحابة بأنهم كانوا ألفا وأربعمائة رجل وقيل ألف وثلاثمائة وعن مجمع بن جارية أنهم كانوا ألفا وخمسمائة قال صاحب المواهب والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة فمن قال ألف وخمسمائة جبر الكسر ومن قال ألف وثلاثمائة فيمكن حملها على ما اطلع هو عليه واطلع غيره على زيادة مائتين لم يطلع هو عليهم والزيادة من الثقة مقبولة وأما قول ابن إسحاق إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافقه أحد عليه لأنه قال استنباطا من قول جابر نحرنا البدنة عن عشرة وكانوا نحروا سبعين بدنة وهذا لا يدل على أنهم ما كانوا نحروا غير البدن مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا وجزم موسى بن عقبة أنهم كانوا ألفا وستمائة وعند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع ألف وسبعمائة وحكى ابن سعد ألف وخمسمائة وخمسة وعشرين واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعر قال ابن الملك تقليده أن يعلق شيء على عنق البدنة ليعلم أنها هدي وإشعاره أن يطعن في سنامه


الأيمن أو الأيسر حتى يسيل الدم منه ليعلم أنه هدي وأحرم منها أي من تلك البقعة بعمرة وسار في المواهب نقلا عن البخاري وأحرم منها وفي رواية أحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة وسار النبي حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال إن قريشا جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش أي أحياء من النادة انضموا إلى بني ليث كذا في النهاية وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال أشير وا على أيها الناس أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت وفيه قال أبو بكر يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه بنا فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله وفي رواية للبخاري حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي إن خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش وسار النبي حتى إذا كان بالثنية بتشديد التحتية وهي الجبل الذي عليه الطريق التي يهبط بصيغة المجهول عليهم أي على أهل مكة منها أي من


الثنية بركت به أي بالنبي راحلته والباء للمصاحبة فقال الناس حل حل بمهملة مفتوحة ولام مخففة كلمة زجر للبعير إذا حثثته على الانبعاث والثانية تأكيد في الزجر وينون الأول إذا وصلت بالأخرى والمحدثون يسكنونها في الوصل وفي المواهب فألحت أي تمادت على عدم القيام فقالوا خلأت بفتح الخاء المعجمة واللام والهمزة أي بركت من غير علة وحرنت القصواء بفتح القاف ممدودا الناقة المقطوع طرف أذنها قال الجوهري كان لرسول الله ناقة تسمى قصواء ولم تكن مقطوعة الأذن خلأت القصواء كرر تأكيدا لعدم انبعاثها وحسبوا أنه بسبب تعبها أو أنه من عادتها فقال النبي ما خلأت القصواء أي للعلة التي تظنونها وما ذاك أي الخلأ وهو للناقة كالحران للفرس لها بخلق بضمتين ويسكن الثاني أي بعادة ولكن حبسها حابس الفيل أي منعها من السير كيلا تدخل مكة من منع أصحاب الفيل من مكة وهو الله تعالى لئلا تقع محاربة وإراقة دم في الحرم قبل أوانه لو قدر دخولها كما لو قدر دخول الفيل لكن سبق في علم الله أنه سيدخل في الإسلام منهم ويستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون قال القاضي روي أن أبرهة لما هم بتخريب الكعبة واستباحة أهلها توجه إليها في عسكر جم فلما وصل إلى ذي المجاز امتنعت الفيلة من التوجه نحو مكة وإذا صرفت عنها إلى غيرها أسرعت اه وذو المجاز على ما في القاموس سوق كانت لهم على فرسخ من عرفة بناحية كبكب ثم قال والذي نفسي بيده لا يسألوني بتخفيف النون ويشدد وضمير الجمع لأهل مكة والمعنى لا يطلبونني خطة بضم المعجمة وتشديد المهملة أي خصلة أريد بها المصالحة حال كونهم يعظمون فيها حرمات الله جمع حرمة أراد بها حرمة الحرم والأحرام بالكف فيها عن القتال إلا أعطيتهم إياها أي تلك الخط المسؤولة قال القاضي المعنى لا يسألوني خصلة يريدون بها تعظيم ما عظمه لله وتحريم هتك حرمته إلا أسعفهم إليها ووضع الماضي موضع المضارع مبالغة في الإسعاف ثم زجرها أي الإبل فوثبت أي


قامت بسرعة فعدل عنهم أي مال عن طريق أهل مكة ودخولها وتوجه غير جانبهم وأغرب شارح فقال أي انحرف رسول الله عن الصحابة وذهب أمامهم حتى نزل بأقصى الحديبية أي بآخرها من جانب الحرم على ثمد بفتح المثلثة والميم أي ماء قليل والمراد به هنا موضعه مجاز الاطلاق الاسم الحال على المحل وكان هناك حفرة فيها ماء قليل بدليل وصفه بقوله قليل الماء وقيل إنه صفة كاشفة فوصفه بالقلة مع استغنائه عنها بلفظ الثمد إرادة للتأكيد في كونه أقل القليل قال القاضي والثمد الماء القليل الذي لا مادة له وسمى قوم صالح ثمود لنزولهم على ثمد يتبرضه الناس بالضاد المعجمة أي يأخذونه قليلا قليلا تبرضا مفعول مطلق فلم يلبثه الناس بالتخفيف ويشدد من ألبث ولبث بمعنى على ما


في القاموس أي لم يجعلوا لبث ذلك الماء طويلا في تلك البئر حتى نزحوه أي الماء وشكى بصيغة المجهول إلى رسول الله العطش أي شكوا عدم الماء الموجب للعطش إليه فانتزع أي أخرج سهما من كنانته بكسر الكاف أي جعبته ثم أمرهم أن يجعلوه أي السهم فيه أي في مكان الماء ففعلوا وفيه إيماء إلى إجراء خرق العادة على أيدي اتباعه فوالله ما زال يجيش أي يفور ماؤه لهم بالري بكسر الراء وتشديد الياء أي بما يرويهم من الماء أو بالماء الكثير من قولهم عين رية أي كثيرة الماء حتى صدروا عنه أي رجعوا عن ذلك الماء راضين فبيناهم كذلك إذا جاء بديل بضم الموحدة وفتح المهملة ابن ورقاء الخزاعي بضم الخاء المعجمة في نفر من خزاعة قبيلة كبيرة من العرب ثم أتاه عروة بن مسعود وساق الحديث أي ذكر البخاري الحديث بطوله إلى أن قال والظاهر أن هذا الاختصار من صاحب المصابيح والحاصل أنه قال البخاري راويا بسنده عن المسور ومروان إذا جاء سهيل بالتصغير ابن عمرو بالواو فقال النبي اكتب أي يا علي هذا ما قاضى أي صالح كما في رواية وفي نسخة قضى عليه محمد رسول الله أي فصل به أمر المصالحة من قضى الحكم إذا فصل الحكومة وإنما أتى به على زنة فاعل لأن فصل القضية كان من الجانبين أي هذا ما صالح مع أهل مكة ثم اعلم ما بينهما على ما في المواهب هكذا فبينما هم كذلك إذا جاء بديل في نفر من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله من أهل تهامة فقال إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي أعداد مياه الحديبية أي ذوات المادة كالعيون والأنهار ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت والعوذ بالذال المعجمة جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن والمطافيل الأمهات التي معها أطفالها يريد أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام ليكون أدعى إلى عدم الفرار فقال رسول الله إنا لم نجىء لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب أي أضعفتهم وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة


ويخلوا بيني وبين الناس إن شاؤوا فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا يعني استراحوا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أي صفحة العنق كني بذلك عن القتل ولينفذن الله أمره فقال بديل سأبلغنهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا فقال إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء قال ذو الرأي منهم هات ما سمعته يقول قال يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي فقام عروة بن مسعود فقال أي قوم ألستم بالوالد قالوا بلى قال


ألست بالولد قالوا بلى قال أفهل تتهموني قالوا لا قال ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ أي طلبت منهم الخروج إليكم وفي القاموس عكاظ هو كغراب سوق بصحراء بين نخلة والطائف كانت تقوم هلال ذي القعدة وتستمر عشرين يوما يجتمع قبائل العرب فيتعاكظون أي يتفاخرون اه فلما بلحوا علي وهو بالحاء المهملة أي تمنعوا من الإجابة جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني قالوا بلى قال فإن هذا عرض عليكم خطة رشد أي خصلة خير وصلاح اقبلوها ودعوني آتيه فأتاه فجعل يكلم النبي فقال النبي نحوا من قوله البديل فقال عروة عند ذلك أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاج أصله قبلك وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوها وإني لأرى أشوابا يعني أخلاطا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه قيل وهذا مبالغة من أبي بكر في سب عروة فإنه أقام معبود عروة وهو صنم مقام أمه وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبته إلى الفرار والبظر بالموحدة المفتوحة والظاء المعجمة الساكنة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة واللات اسم صنم والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم اه فقال عروة من هذا قالوا أبو بكر فقال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك قال وجعل يكلم النبي فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ضرب يده بنصل السيف وقال أخر يدك عن لحية رسول الله قال العلماء وكانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية من يكلمه لا سيما عند الملاطفة وفي الغالب إنما يضع ذلك النظير بالنظير لكن كان يفضي لعروة استمالة له وتأليفا والمغيرة يمنعه إجلالا للنبي وتعظيما اه ويمكن أن يكون احتراسا من المكيدة والله أعلم قال فرفع عروة رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال أي غدر وهو معدول عن غادر على ما


في النهاية ألست أسعى في غدرتك وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي أما الإسلام فاقبل فلست منه في شيء ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي بعينه قال فوالله ما يتنخم رسول الله نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له قال في فتح الباري فيه إشارة إلى الرد على ما خشيه من فرارهم فكأنهم قالوا بلسان الحال من يحبه هذه المحبة ويعظمه هذا التعظيم كيف يظن به أن ينفر عنه ويسلمه إلى عدوه بل هم أشد اغتباطا به وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم والله أعلم اه قال فخرج عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله أن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم