Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الآداب

الأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا وقيل الأخذ بمكارم الأخلاق ذكره السيوطي وقيل الوقوف مع الحسنات والإعراض عن السيئات وقيل التعظيم لمن فوقك والرفق بمن دونك ويقال إنه مأخوذ من المادية وهي الدعوة إلى طعام سمى بذلك لأنه يدعى إليه


باب السلام
أي ابتداء وجوابا والأول أفضل مع أنه سنة ومن القواعد أن الواجب ثوابه أكمل ولعل وجهه أنه مشتمل على التواضع مع كونه سببا لأداء الفرض ونظيره النظرة عن المعسر إلى الميسرة فإنها واجبة والإبراء أفضل منها مع أنه سنة وفي الحديث السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكره إياهم السلام فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب رواه البزار والبيهقي عن ابن مسعود
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله خلق الله آدم على صورته أي على صورته التي استمر عليها إلى أن أهبط وإلى أن مات دفعا لتوهم أن صورته


كانت في الجنة على صفة أخرى وقيل الضمير لله والمراد بالصورة الصفة من الحياة والعلم والسمع والبصر وإن كانت صفاته تعالى لا يشبهها شيء وقيل الضمير للعبد المحذوف من السياق وأن سبب الحديث أن رجلا ضرب وجه غلام فنهاه عن ذلك وقال إن الله خلق آدم على صورته كذا في حاشية البخاري للسيوطي وقال الخطابي الهاء مرجعها إلى آدم عليه السلام فالمعنى إن ذرية آدم خلقوا أطوارا في مبدأ الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم صاروا صورا أجنة إلى أن تتم مدة الحمل فيولدون أطفالا وينشؤون صغارا إلى أن يكبروا فيتم طول أجسادهم يقول إن آدم لم يكن خلقه على هذه الصفة ولكنه أول ما تناولته الخلقة وجد خلقا تاما طوله ستون ذراعا وقال الشيخ التوربشتي هذا كلام صحيح في موضعه فأما في تأويل هذا الحديث فإنه غير سديد لما في حديث آخر خلق آدم على صورة الرحمن ولما في غير هذه الرواية أن النبي رأى رجلا يضرب وجه غلام فقال لا تضرب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته فالمعنى الذي ذهب إليه هذا المؤول لا يلائم هذا القول وأهل الحق في تأويل ذلك على طبقتين إحداهما المنزهون عن التأويل مع نفي التشبيه وعدم الركون إلى مسميات الجنس وإحالة المعنى فيه إلى علم الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علما وهذا أسلم الطريقين والطبقة الأخرى يرون الإضافة فيها إضافة تكريم وتشريف وذلك إن الله تعالى خلق آدم أبا البشر على صورة لم يشاكلها شيء من الصور في الجمال والكمال وكثرة ما احتوت عليه من الفوائد الجليلة فاستحقت الصورة البشرية أن تكرم ولا تهان إتباعا لسنة الله فيها وتكريما لما كرمه اه وهو في غاية البهاء ويؤيده قوله تعالى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم التين وأغرب الطيبي في تعقبه عليه وفي قوله إن تأويل أبي سليمان سديد يجب المصير إليه وفي ذكر ما لا طائل تحته ولا منفعة لديه فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك النفر أي الجماعة وهم نفر من الملائكة جلوس أفرد لأنه مصدر أو


مراعاة للفظ نفر أو جمع جالس أو تقديره ذوو جلوس أو من قبيل رجل عدل مبالغة فاستمع أي فسلم عليه فاستمع ما يحيونك بتشديد التحتية أي الذي يحيونك من قوله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها النساء وأما ما وقع في بعض نسخ المصابيح بالجيم والتحتية والموحدة فتصحيف وتحريف ويرده قوله فإنها أي تحيتهم إياك تحيتك وتحية ذريتك أي لمن يسلم عليك وعليهم فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله قال أي النبي فزادوه أي آدم في رد جوابه على أصل سلامه بقولهم ورحمة الله قيل يدل هذا على جواز الزيادة قلت بل الزيادة هي الأفضل كما يستفاد من الآية أيضا نعم يدل على جواز تقديم السلام في الجواب بل على ندبه لأن المقام مقام التعليم لكن


الجمهور على أن الجواب بقوله وعليكم السلام أفضل سواء زاد أم لا ولعل الملائكة أيضا أرادوا إنشاء السلام على آدم كما يقع كثيرا فيما بين الناس لكن يشترط في صحة الجواب أن يقع بعد السلام لا أن يقعا معا كما يدل عليه فاء التعقيب وهذا مسألة أكثر الناس عنها غافلون فلو التقى رجلان وسلم كل منهما على صاحبه دفعة واحدة يجب على كل منهما الجواب قال أي النبي فكل كذا في الأصول المعتمدة من البخاري وغيره وجميع نسخ المصابيح بالفاء وهو مترتب على ما سبق من قوله خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعا وحاصله أن جميع من يدخل الجنة أي من أولاده على صورة آدم أي يدخل على صورته أو فهو على صورته وهي يحتمل النوعية والشخصية وطوله أي والحال أن طول من يدخل الجنة من ذريته أيضا ستون ذراعا بناء على أن كل شيء يرجع إلى أصله وفي الجامع على صورة آدم في طوله ستون ذراعا فلم يزل هذا الفاء للترتيب على قوله طوله ستون ذراعا في صدر الحديث متضمنا لجواب سؤال مقدر تقديره أنه إذا كان آدم طوله ستون ذراعا وذريته يدخلون الجنة أيضا وطولهم ستون ذراعا فما بالهم نقص طولهم عن طول أبيهم على ما نشاهد في الدنيا أهو نقصان تدريجي أو غير ذلك قال فلم يزل الخلق أي غالبهم من أولاد بني آدم ينقص أي طولهم وأما قول الطيبي وجمالهم فما أظنه صحيحا مع أن الحديث لا يدل عليه لا رمزا ولا صريحا بعده أي بعد آدم لحكمة اقتضت والله أعلم بها حتى الآن بالنصب ظرف ينقص أي حتى وصل النقص إلى الوقت الذي ذكر النبي الحديث والظاهر أن النقصان انتهى إلى الزمان وإلا فلم يحفظ تفاوت في طول القامة بين السلف والخلف إلى مدتنا الآن متفق عليه وكذا رواه الإمام أحمد في مسنده وعن عبد الله بن عمرو أي ابن العاص أن رجلا سأل رسول الله أي الإسلام أي أي آداب الإسلام أو أي خصال أهله خير أي أفضل ثوابا أو أكثر نفعا قال الطيبي السؤال وقع عما يتصل بحقوق الآدميين من الخصال دون غيرها بدليل أنه


أجاب عنها دون غيرها من الخصال حيث قال تطعم الطعام الخ وتقديره أن تطعم الطعام فلما حذف أن رجع الفعل مرفوعا كقوله تعالى ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا الروم وقول القائل تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ويمكن أن يكون خبرا معناه الأمر وكذا
قوله وتقرأ السلام وفي نسخة صحيحة وتقرىء من الإقراء ففي النهاية يقال اقرأ فلانا السلام وأقرىء عليه السلام كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده وفي القاموس قرأ عليه السلام أبلغه كإقراه أو لا يقال أقراه إلا إذا كان السلام مكتوبا وقوله على من عرفت ومن لم تعرف ظاهره أنه متعلق بتقرأ ويمكن أن يتنازع فيه الفعلان بأن يضمن تطعم معنى البذل ثم الظاهر أن الخطاب عام شامل للمخاطب وغيره وقال التوربشتي أي أهل الإسلام وآدابهم أفضل ويدل عليه الجواب بالإطعام والسلام على من عرف أو لم يعرف قال ولعل تخصيصهما لعلمه بأنهما يناسبان حال السائل ولذلك أسندهما إليه فقال تطعم الطعام وتقرأ السلام أو علم النبي أنه يسأل عما يعامل المسلمين في إسلامه فأخبره بذلك ثم رأى أن يجيب عن سؤاله بإضافة الفعل إليه ليكون أدعى إلى العمل والخبر قد يقع موقع الأمر متفق عليه وفي رواية ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا أفشوا السلام وأطعموا الطعام وكونوا إخوانا كما أمركم الله تعالى وفي رواية للطبراني في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة مرفوعا أفضل الأعمال بعد الإيمان التودد إلى الناس وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله للمؤمن على المؤمن ست خصال يعوده إذا مرض ويشهده أي يحضر وقت نزعه إذا مات أي قرب موته أو يحضر زمان الصلاة على جنازته إذا مات وهو الأظهر ويجيبه إذا دعاه ويسلم عليه إذا لقيه ويشمته بالشين المعجمة وتشديد الميم أي يدعو له بقوله يرحمك الله إذا عطس بفتح الطاء ويكسر على ما في القاموس يعني فحمد الله كما في رواية وفي النهاية التشميت بالشين والسين الدعاء بالخير والبركة والمعجمة


أعلاهما يقال شمت فلانا وشمت عليه تشميتا واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم كأنه دعاء للعاطس بالثبات على طاعة الله وقيل معناه أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك وينصح له أي يريد الخير للمؤمن ويرشده
إليه إذا غاب أي كل منهما أو شهد أي حضر وأو للتنويع وحاصله أنه يريد خيره في غيبته وحضوره فلا يتملق في حضوره ويغتاب في غيبته فإن هذا صفة المنافقين قال المؤلف لم أجده أي هذا الحديث في الصحيحين أي متنيهما ولا في كتاب الحميدي أي الجامع له لكن ذكره صاحب الجامع أي جامع الأصول برواية النسائي قلت سلمنا أن الحديث بهذا اللفظ غير موجود في الكتب المذكورة لكن قد روى البخاري في تاريخه ومسلم في صحيحه حق المسلم على المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فأنصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه ففي الجملة صح إسناد البغوي الحديث إلى مسلم بل إلى الشيخين ولو بالمعنى وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا قال النووي هكذا هو في جميع الأصول والروايات بحذف النون من آخره اه ولعل حذف النون للمجانسة والازدواج قال الطيبي ونحن استقرينا نسخ مسلم والحميدي وجامع الأصول وبعض نسخ المصابيح فوجدناها مثبتة بالنون على الظاهر قلت أما نسخ المشكاة المصححة المعتمدة المقروءة على المشايخ الكبار كالجزري والسيد أصيل الدين وجمال الدين المحدث وغيرها من النسخ الحاضرة فكلها بحذف النون وما وجدنا نسخة فيها النون مثبتة وأما متن مسلم المصحح المقروء على جملة مشايخ منهم السيد نور الدين الأيجي قدس الله سره العزيز فهو بحذف النون نعم في الحاشية نسخة بثبات النون وأما تيسير الوصول إلى جامع الأصول فليس فيه إلا بحذف النون بل قوله لا تدخلوا محذوف النون أيضا ولعل الوجه أن النهي قد يراد به النفي كعكسه المشهور عند أهل العلم والله سبحانه أعلم


والمعنى لا تؤمنون إيمانا كاملا حتى تحابوا بحذف إحدى التاءين وتشديد الموحدة المضمومة أي حتى يحب كل منكم صاحبه أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم قال الطيبي واعلم أنه جعل إفشاء السلام سببا للمحبة والمحبة سببا لكمال الإيمان وإعلاء كلمة الإسلام وفي التهاجر والتقاطع والشحناء تفرقة بين المسلمين وهي سبب لانثلام الدين والوهن في الإسلام وجعل كلمة الذين كفروا العليا وقد قال تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنت


أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا آل عمران الآية رواه مسلم وكذا أبو داود والترمذي وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يسلم الراكب على الماشي أي تواضعا حيث رفعه الله بالركوب ولئلا يظن أنه بهذا خير من الماشي والماشي على القاعد كذلك القليل على الكثير أي للتواضع المقرون بالاحترام والإكرام المعتبر في السلام مع أن الغالب وجود الكبير في الكثير وسيأتي أن الصغير يسلم على الكبير مع أن الكثير قد يعتبر في معنى الكبير وأيضا وضع السلام للتودد والمناسب فيه أن يكون للصغير مع الكبير وللقليل مع الكثير بمقتضى الأدب المعتبر شرعا وعرفا نعم لو وقع الأمر بالعكس تواضعا فهو مقصد حسن أيضا قال الماوردي إنما استحب ابتداء السلام للراكب لأن وضع السلام إنما هو لحكمة إزالة الخوف من الملتقيين إذا التقيا أو من أحدهما في الغالب أو لمعنى التواضع المناسب لحال المؤمن أو لمعنى التعظيم لأن السلام إنما يقصد به أحد الأمرين إما اكتساب ودا واستدفاع مكروه قال الطيبي فالراكب يسلم على الماشي وهو على القاعد للإيذان بالسلامة وإزالة الخوف والقليل على الكثير للتواضع والصغير على الكبير للتوقير والتعظيم قلت أما التواضع ففي الكل موجود ولو انعكس الوجود ولذا قالوا ثواب المسلم أكثر من أجر المجيب مع أن فعل الأول سنة وفعل الآخر فرض فلا بد من ملاحظة معنى آخر في الترتيب المقدم فتدبر قال النووي وهذا الأدب يعني القيد الأخير إنما هو فيما إذا تلاقى اثنان في طريق أما إذا ورد على قعود أو قاعد فإن الوارد يبدأ بالسلام بكل حال سواء كان صغيرا أو كبيرا أو قليلا أو كثيرا قلت وهذا مفهوم من صدر الحديث في الجملة لأن التعريف في الراكب والماشي للجنس الشامل للقليل والكثير ولكن فيه تنبيه نبيه قال المتولي إذا لقي رجل جماعة فأراد أن يخص طائفة منهم بالسلام كره لأن القصد من السلام المؤانسة والإلفة وفي تخصيص البعض إيحاش الباقين


وربما صار سببا للعداوة وإذا مشى في السوق أو الشوارع المطروقة كثيرا فالسلام هنا إنما يكون لبعض الناس دون بعض لأنه لو سلم على كل تشاغل به عن كل منهم ويخرج به عن العرف متفق عليه
وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله يسلم الصغير على الكبير قال السيوطي لأنه أمر بتوقيره والتواضع له والمار على القاعد والقليل على الكثير لأنهما في معنى الصغير والكبير رواه البخاري وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله مر على غلمان بكسر أوله جمع غلام بمعنى صبي أو مملوك فسلم عليهم أي تواضعا ولأنه كان مارا ولكثرتهم على احتمال قال النووي فيه استحباب السلام على الناس كلهم حتى الصبيان المميزين وبيان تواضعه وكمال شفقته على العالمين ولو سلم على رجال وصبيان ورد صبي منهم الأصح أنه يسقط فرض الرد كما يسقط صلاة الجنازة بصلاة الصبي ولو سلم على جماعة ورد غيرهم لم يسقط الرد عنهم فإن اقتصروا على رده أثموا وأما المرأة مع الرجل فإن كانت زوجته أو جاريته أو محرما من محارمه فهي معه كالرجل وإن كانت أجنبية فإن كانت جميلة يخاف الافتنان بها لا يسلم الرجل عليها ولو سلم لم يجز لها رد الجواب ولا تسلم عليه فإن سلمت لم تستحق جوابا فإن أجابها كره له وإن كانت عجوزا لا يفتتن بها جاز أن تسلم على الرجل وعليه الرد قاله أبو سعيد المتولي قال وإذا كان النساء جماعة فسلم عليهن الرجل أو كان الرجال جمعا فسلموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يخف عليه ولا عليهن ولا عليها أو عليهم فتنة اه وسيأتي كلام بعض علمائنا في حديث جرير في الفصل الثاني رواه البخاري وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى أي ولو كانوا ذميين فضلا عن غيرهما من الكفار بالسلام لأن الابتداء به


إعزاز للمسلم عليه ولا يجوز إعزازهم وكذلك لا يجوز تواددهم وتحاببهم بالسلام ونحوه قال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله المجادلة الآية ولأنا مأمورون بإذلالهم كما أشار إليه سبحانه بقوله وهم صاغرون المجادلة ويؤيده قوله وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه أي الجؤوا أحدهم إلى أضيقه أي أضيق الطريق بحيث لو كان في الطريق جدار يلتصق بالجدار وإلا فيأمره ليعدل عن وسط الطريق إلى أحد طرفيه جزاء وفاقا لما عدلوا عن الصراط المستقيم ولأن قتلهم واجب لكن ارتفع بالجزية وما لا يدرك كله لا يترك كله فهذا قتل معنوي والله أعلم وفي شرح مسلم للنووي قال بعض أصحابنا يكره ابتداؤهم بالسلام ولا يحرم وهذا ضعيف لأن النهي للتحريم فالصواب تحريم ابتدائهم وحكى القاضي عياض عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم للضرورة والحاجة وهو قول علقمة والنخعي وقال الأوزاعي إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون قلت الترك أصلح على ما هو الأصح قال وأما المبتدع فالمختار أنه لا يبدأ بالسلام إلا لعذر وخوف من مفسدة ولو سلم على من لم يعرفه فبان ذميا استحب أن يسترد سلامه بأن يقول استرجعت سلامي تحقيرا له قلت ولا بأس بمثل هذا للمبتدع أو للمباغض أو المتكبر الذين لم يردوا عليه السلام قال وقال أصحابنا لا يترك للذمي صدر الطريق بل يضطر إلى أضيقه ولكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ونحوها وإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج رواه مسلم وكذا أحمد وأبو داود والترمذي وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله إذا سلم عليكم اليهود وفي معناهم النصارى وسيأتي أنه إذا سلم عليكم أهل الكتاب ويمكن الفرق بينهما بقوله فإنما يقول أحدهم أي اليهود السام بالألف أي الموت العاجل عليك بصيغة الإفراد نظرا إلى كل واحد من المسلمين وفي نسخة عليكم بصيغة الجمع وهو ظاهر أو يقال التقدير فإنما يقول أحدهم لأحدكم السام عليك ويمكن أنهم


يكتفون بصيغة الأفراد مع تحقق الجمع أيضا تحقيرا للمسلمين ولهذا أفضل في حقنا مخالفة لهم أن أحدنا يسلم على واحد منا بصيغة الجمع إرادة لزيادة التعظيم أو قصد المراعاة الجنس المفيد للتعميم
فقل وعليك بالواو وخطاب المفرد جزاء وفاقا وفي نسخة بخطاب الجمع ولعل محله إذا كانوا جماعة وسيأتي الكلام عليه مفصلا والمفهوم من كلام القاضي على ما سيأتي أن الأصل في هذا الحديث عليك بغير واو وأنه روي بالواو أيضا متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم بالواو وفي بعض الروايات عليكم بدون الواو وخطاب الجمع لمقابلة الجمع والمعنى إذا سلم عليكم أحد منهم فقولوا وعليك أو عليك ولهذا عبر الجزري في الحصن هكذا حيث قال رد على أهل الكتاب بقوله عليك رواه مسلم والترمذي والنسائي أو وعليك رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي والكل عن ابن عمر فرواية الواو أكثر قال النووي اتفقوا على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا لكن لا يقال لهم وعليكم السلام يعني ولا عليكم السلام ولا عليك السلام بقرينة قوله بل يقال عليكم فقط أو وعليكم يعني إذا كانوا جماعة وأما إذا كان منفردا فلا يأتي بصيغة الجمع لإيهامه التعظيم وإن كان المراد عليكم ما تستحقونه من إرادة التعظيم قال وقد جاءت الأحاديث التي ذكرها مسلم عليكم وعليكم بإثبات الواو وحذفها وأكثر الروايات وعليكم بإثباتها وعلى هذا ففي معناه وجهان أحدهما أنه على ظاهره فقالوا عليكم الموت فقال وعليكم أيضا أي نحن وأنتم فيه سواء كلنا نموت والثاني أن الواو هنا للاستئناف لا للعطف والتشريك وتقديره وعليكم ما تستحقونه من الذم قال القاضي عياض اختار بعض العلماء منهم ابن حبيب المالكي حذف الواو لئلا يقتضي التشريك أي الصوري وقال غيره بإثباتها كما في الروايات أي أكثرها وقال بعضهم يقول وعليكم السلام بكسر السين أي الحجارة وهذا ضعيف أي رواية ودراية قال الخطابي


حذف الواو هو الصواب أي الأصوب ولعله أراد المبالغة قال لأنه صار كلامهم بعينه مردودا عليهم خاصة وإذا أثبتت اقتضت المشاركة معهم فيما قالوه قال النووي والصواب أن إثبات الواو وحذفها جائزان كما صرحت به الروايات وإثباتها أجود ولا مفسدة فيه لأن السام الموت وهو علينا وعليهم فلا ضرر فيه قال التوربشتي إثبات الواو في الرد عليهم إنما يحمل على معنى الدعاء لهم بالإسلام فإنه مناط السلامة في الدارين إذا لم يعلم منهم تعريض بالدعاء علينا وأما إذا علم ذلك


فالوجه فيه أن يكون التقدير وأقول عليكم ما تستحقونه وإنما اختار هذه الصيغة ليكون أبعد عن الإيحاش وأقرب إلى الرفق فإن رد التحية يكون إما بأحسن منها أو بقولنا وعليك السلام والرد عليهم بأحسن مما حبونا به لا يجوز لنا ولا رد بأقل من قولنا وعليك وأما الرد بغير الواو فظاهر أي عليكم ما تستحقونه قال القاضي وإذا علم التعريض بالدعاء علينا فالوجه أن يقدر وأقول عليكم ما تريدون بنا أو ما تستحقونه ولا يكون وعليكم عطفا على عليكم في كلامهم وإلا لتضمن ذلك تقرير دعائهم ولذا قال في الحديث الذي قبله فقل عليك بغير واو وقد روي ذلك بالواو أيضا قال الطيبي السام الموت وألفه منقلبة عن واو قلت هذا الأصل فرع إثبات كونه عربيا ولم يذكر في كتب اللغة نعم في النهاية السام عليكم روي بالهمز أي تسامون دينكم والمشهور بلا همز أي الموت والظاهر أنه بلغة اليهود ومن جملة ما قال تعالى في ذمهم ليا بألسنتهم وطعنا في الدين النساء ولا يبعد أن يريدوا بذلك تغييرا للفظ المشعر بالسلامة عن صرافته وإرادة اللفظ المهمل المشابه باللغو قال الطيبي رواه قتادة مهموزا وقال معناه يسامون دينكم ورواه غيره السام وهو الموت فإن كان عربيا فهو من سام يسوم إذا مضى لأن الموت مضى اه وهو غير مذكور في القاموس وإنما ذكر سوم فلانا خلاه ولعل هذا أقرب مأخذا للمعنى متفق عليه وفي الجامع الصغير بلفظ إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا وعليكم رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت استأذن رهط أي قوم من اليهود على النبي فقالوا السام عليكم أي وقال وعليكم لما سيأتي فقلت بل عليكم السام أي مفهوم ما تريدونه من هذا اللفظ وتحرفونه لفساد المعنى واللعنة أي زيادة على ذلك فقال يا عائشة إن الله رفيق أي رحيم يحب الرفق أي لين الجانب وأصل الرفق ضد العنف في الأمر كله أي مهما أمكن في جميع الأمور وإلا فقد قال تعالى واغلظ عليهم


التوبة قلت أو لم تسمع أي ألم ينكشف لك ولم تسمع ما قالوا أي حين السلام عليك حيث أبدلوا السلام بالسام قال قد قلت وعليكم أي فقط لهذا المعنى والظاهر أن
الواو لاستئناف المبنى وفي رواية أي عنها وإلا ففي روايات أخر أيضا ورد عليكم ولم يذكر الواو أي بدون الواو وحاصله أنه عمل بمقتضى العدل فقال عليكم أو وعليكم لقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها الشورى وأما عائشة رضي الله تعالى عنها فقد زادت في المعنى وتعدت عن المبنى وتركت طريق اللطف واختارت سبيل العنف ولذا أرشدها إلى الرفق المبني عليه باب المداراة وترك المعاداة والمعاناة كما قيل ودارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم لكن الفرق بين المداراة والمداهنة مما خفي على كثير من الناس فسنبينه في محله اللائق به إن شاء الله سبحانه ثم في الحديث إشارة إلى ما في التنزيل وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير المجادلة متفق عليه وفي رواية للبخاري أي عنها قالت إن اليهود أتوا النبي فقالوا السام عليك قال وعليكم فقالت عائشة السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم الظاهر أن القصة متحدة وأن الاقتصار على ذكر اللعنة في الحديث السابق إما من الراوي وهو الأظهر لما في الحديث من الزيادات الأخر أو هو من باب الاكتفاء حيث مؤداهما واحد فقال رسول الله مهلا مصدر لفعل محذوف أي ارفقي رفقا يا عائشة يحتمل أن يكون من متممات السابق وأن يكون من مقدمات اللاحق وهو قوله عليك بكسر الكاف بالرفق بكسر الراء أي بلين الجانب في القول والفعل والأخذ بالأسهل على ما ذكره السيوطي وإياك والعنف بضم أوله هو ضد الرفق والفحش بضم أوله وهو في الأصل كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمراد به ههنا التعدي بزيادة لقبح في القول والجواب قالت أو لم تسمع ما قولوا قال أو لم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم أي إذا أرادوا


بالسام الأمر المكروه المعبر عنه بالسام الذي معناه الموت في أي في حقي وفي رواية لمسلم قال لا تكوني فاحشة أي قائلة للفحش ومتكلمة بكلام قبيح فإن الله لا يحب الفحش وقد مر معناه والتفحش أي التكلف في التلفظ بالفحش والتعمد فيه وإنما قال ذلك لها لقولها واللعنة أو لعنكم الله وفي هذا الحديث دلالة صريحة على جواز نقل الحديث بالمعنى إذ لا خلاف أنه مع كون القضية واحدة مختلف المبنى
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما وهما صحابيان بل حبان لرسول الله فإن أسامة هو ابن مولاه وقد مر ترجمتهما إن رسول الله مر بمجلس فيه أخلاط بفتح الهمزة جمع خلط وهو ما يخلط والمراد جمع مخلوط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان عطف بيان أو بدل للمشركين قال الطيبي وكذا قوله واليهود وجعلهم مشركين إما لقولهم عزيز ابن الله وإما للتغليب أو للتقدير كقوله متقلدا سيفا ورمحا والأولى عطف اليهود على المشركين فسلم عليهم قال النووي لو مر على جماعة فيهم مسلمون أو مسلم وكفار فالسنة أن يسلم عليهم بقصد المسلمين أو المسلم ولو كتب كتابا إلى مشرك فالسنة أن يكتب كما كتب رسول الله إلى هرقل سلام على من اتبع الهدى متفق عليه وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي قال إياكم والجلوس بالطرقات أي فيها وفي رواية على الطرقات وهي جمع الطرق جمع الطريق فقالوا أي بعض الأصحاب يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد بضم موحدة وتشديد دال مهملة قال الطيبي من مجالسنا متعلق بقوله بد أي ما لنا فراق منها والمعنى أن الضرورة قد تلجئنا إلى ذلك فلا مندوحة لنا عنه ومن جملة ما نحتاج إليه ما بينه بقوله نتحدث فيها أي يحدث بعضنا بعضا فيما يتعلق بأمر دنيوي أو أخروي كالمشاورة والمذاكرة والمعالجة والمعاملة والمصالحة قال فإذا أبيتم أي امتنعتم عن ترك المجالسة بالكلية للضرورة الداعية إليها في الجملة وتركتم إلا المجلس بفتح الميم على أنه مصدر ميمي بمعنى الجلوس فأعطوا الطريق


حقه ووقع في نسخة السيد جمال الدين بكسر اللام وهو غير مستقيم المعنى
هنا فإنه اسم مكان أو زمان ولم يصح منه إرادة المصدر المراد في هذا المقام ففي القاموس جلس يجلس جلوسا ومجلسا كمقعد والمجلس أي بالكسر موضعه وقال ابن الملك في شرح المشارق المجلس بفتح اللام مصدر ميمي أي إذا امتنعتم عن الأفعال إلا عن الجلوس في الطريق أي إذا دعت حاجة لمصلحة الجيران وغيره فأعطوا الطريق حقه واقعدوا فيه بقدر الحاجة قالوا وما حق الطريق ولعل وضع الظاهر موضع الضمير لئلا يتوهم رجوعه إلى الحق لأن حق الحق هو ترك القعود على الوجه المطلق يا رسول الله أي بين لنا بما أراك الله قال غض البصر أي كفه عن النظر إلى المحرم أو منع النظر عن عورات الناس وكف الأذى أي الامتناع عن أذى المارين بالتضييق وغيره ورد السلام أي على المسلمين والأمر بالمعروف أي على الوجه المعروف عند العارفين والنهي عن المنكر لكن بحيث لا يتعدى إلى الأمر الأنكر متفق عليه ورواه أحمد وأبو داود عن أبي سعيد على ما في الجامع وعن أبي هريرة عن النبي في هذه القصة بكسر القاف وتشديد المهملة أي في هذه القصة المذكورة في الحديث السابق عن أبي سعيد قال أي أبو هريرة مرفوعا زيادة على مروي أبي سعيد وإرشاد السبيل بالرفع عطفا على قوله والنهي عن المنكر رواه أبو داود عقيب حديث الخدري هكذا أي مثل ما ذكره صاحب المصابيح وتبعه صاحب المشكاة وعن عمر رضي الله عنه عن النبي في هذه القصة قال أي عمر مرفوعا زيادة على الخدري وهو الظاهر المتبادر أو على أبي هريرة أيضا ولكن يحتاج إلى نقل صريح أو دليل صحيح إذ لا عبرة بقول الطيبي قوله وتغيثوا عطف على قوله وإرشاد السبيل وحذف النون على تقدير أن يكلمه الله إلا وحيا أو من رواء حجاب أو يرسل رسولا الكشاف وحيا أو يرسل مصدران واقعان موقع الحال لأن أو يرسل في معنى إرسالا ثم قوله تغيثوا بضم أوله من الإغاثة بالغين المعجمة والثاء المثلثة بمعنى الإعانة


وقوله الملهوف أي المطلق والمتحير في أمره وفي القاموس أي المظلوم المضطر يستغيث وينحسر وتهدوا الضال بفتح التاء أي ترشدوه إلى الطريق وقال الطيبي بناء على ما اختاره من العطف والفرق
بين إرشاد السبيل وهداية الضال إن إرشاد السبيل أعم من هداية الضال رواه أبو داود عقيب حديث أبي هريرة ولعل هذا هو مأخذ كلام الطيبي في العطف لكن ليس فيه نص على المطلوب قال المؤلف ولم أجدهما أي حديثي أبي هريرة وعمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين كما يدل عليه صنيع البغوي حيث أورد الكل في الصحاح لكن قد تقدم الاعتذار عن هذا الاعتراض بأن ذكرهما إنما كان للتتميم والتكميل لما في الصحيحين لا بطريق الأصالة ومثل هذا يغتفر فتدبر والله أعلم بما تفعل وتذر
الفصل الثاني
عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله للمسلم على المسلم ست بالمعروف صفة بعد صفة لموصوف محذوف يعني للمسلم على المسلم خصال ست ملتبسة بالمعروف وهو ما يرضاه الله من قول أو عمل وقيل هو ما عرف في الشرع والعقل حسنه ويحتمل أن يكون الباء بمعنى من يسلم عليه جملة استئنافية مبينة أو تقديره أن يسلم عليه أي على المسلم سواء عرفه أو لم يعرفه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه أي إلى دعوة أو حاجة ويشمته إذا عطس مر تحقيق مبناه ومعناه ويعوده إذا مرض ويتبع بسكون الفوقانية وفتح الموحدة أي يشهد ويشيع جنازته بكسر الجيم ويفتح إذا مات وفي قوله يتبع إشارة إلى أن الأفضل هو المشي خلف الجنازة كما هو المختار من مذهبنا وقد ورد مصرحا في حديث ابن مسعود على ما رواه ابن ماجه مرفوعا الجنازة متبوعة وليست بتابعة ليس منا من تقدمها ويحب له ما يحب أي مثل ما يحب لنفسه وهذا فذلكة الكل ولذا اقتصر عليه في حديث أنس مرفوعا برواية أحمد وأصحاب الست إلا أبا داود لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه رواه أي حديث علي الترمذي والدارمي وكذا الإمام أحمد في المسند


وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبي فقال السلام عليكم بضمير الجمع إما تعظيما له وأما له ولمن كان معه من أصحابه فمع وجود الاحتمال لا يصلح للاستدلال بأن يقال الأفضل أن يؤتى بضمير الجمع وإن كان المسلم عليه واحدا فرد عليه إما بمثله أو بأحسن منه ثم جلس أي الرجل فقال النبي عشر أي له عشر حسنات أو كتب أو حصل له أو ثبت عشر أو المكتوب له عشر ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه فجلس فقال عشرون ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قيل البركات عبارة عن الثبات ولذا لا يزاد عليه لا في السلام ولا في الجواب فرد عليه فجلس فقال ثلاثون أي بكل لفظ عشر حسنات رواه الترمذي وأبو داود وعن معاذ بن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي بمعناه وزاد ثم أتى آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قيل البركة الزيادة على الأصل ومغفرته فقال أربعون وقال هكذا تكون الفضائل أي تزيد المثوبات بكل لفظ يزيده المسلم كذا حرره بعض الشراح من أئمتنا قال النووي اعلم أن أفضل السلام أن يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلم عليه واحدا ويقول المجيب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ويأتي بواو العطف في قوله وعليكم وأقل السلام أن تقول السلام عليكم وإن قال السلام عليك أو سلام عليك حصل أيضا وأما الجواب فأقله وعليك السلام أو وعليكم السلام فإن حذف الواو أجزأه واتفقوا على أنه لو قال في الجواب عليكم لم يكن جوابا فلو قال وعليكم بالواو فهل يكون جوابا فيه وجهان قال الإمام أبو الحسن الواحدي أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار قال النووي ولكن الألف واللام أولى وإذا تلاقى رجلان وسلم كل واحد منهما على صاحبه دفعة واحدة أو أحدهما بعد الآخر فقال القاضي حسين وصاحبه أبو سعيد المتولي يصير كل واحد منهما مبتدئا بالسلام فيجب على كل واحد أن يرد على صاحبه وقال الشاشي فيه نظر فإن


هذا اللفظ يصلح
للجواب فإذا كان أحدهما بعد الآخر كان جوابا وإن كانا دفعة لم يكن جوابا قال وهو الصواب ولو قال بغير واو فقطع الإمام الواحدي بأنه سلام يتحتم على المخاطب به الجواب وإن كان قد قلب اللفظ المعتاد وهو الظاهر وقد جزم به إمام الحرمين قال الطيبي فإن قلت بين لي الفرق بين قولك سلام عليكم والسلام عليكم قلت لا بد للمعرف باللام من معهود إما خارجي أو ذهني فإذا ذهب إلى الأول كان المراد السلام الذي سلمه آدم عليه السلام على الملائكة في قوله قال لآدم اذهب فسلم على أولئك النفر فإنها تحيتك وتحية ذريتك وإلى الثاني كان المراد جنس السلام الذي يعرفه كل أحد من المسلمين إنه ما هو فيكون تعريضا بأن ضده لغيرهم من الكفار وإليه الإشارة بقوله تعالى والسلام على من اتبع الهدى طه رواه أبو داود وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إن أولى الناس أي أقربهم من المتلاقيين بالله أي برحمته وغفرانه من بدأ وفي الجامع من بدأهم بالسلام قال الطيبي أي أقرب الناس من المتلاقيين إلى رحمة الله من بدأ بالسلام الكشاف في قوله إن أولى الناس بإبراهيم أي إن أخصهم به وأقربهم منه وفي شرح السنة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إنه قال مما يصفى لك ود أخيك ثلاث أن تبدأ بالسلام إذا لقيته وإن تدعوه بأحب أسمائه إليه وإن توسع له في المجلس رواه أحمد والترمذي وأبو داود وعن جرير أي ابن عبد الله البجلي أن النبي مر على نسوة فسلم عليهن قال ابن الملك هذا مختص بالنبي لأمنه من الوقوع في الفتنة وأما غيره فيكره له أن يسلم على المرأة الأجنبية إلا أن تكون عجوزة بعيدة عن مظنة الفتنة قيل وكثير من العلماء لم يكرهوا تسليم كل منهما على الآخر اه ومهما قيل بالكراهة على ما هو الصحيح فلم يثبت استحقاق الجواب والله أعلم بالصواب رواه أحمد وسيأتي في هذا المعنى حديث أسماء بنت يزيد في الفصل الثالث رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي


وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يجزىء بضم أوله وكسر الزاي بعده همز أي يكفي عن الجماعة إذا مروا وكذا إذا دخلوا أو وقفوا على جمع أو على أحد أن يسلم أحدهم أي أحد المارين ونحوهم واعلم أن ابتداء السلام سنة مستحبة ليست بواجبة وهي سنة على الكفاية فإن كانوا جماعة كفى عنهم تسليم واحد ولو سلموا كلهم كان أفضل قال القاضي حسين من الشافعية ليس لنا سنة على الكفاية إلا هذا قلت وهذا مطابق لمذهبنا وقال النووي تشميت العطاس أيضا سنة على الكفاية وكذا الأضحية في حق كل أحد من أهل البيت فإذا ضحى واحد منهم حصل الشعار والسنة لجميعهم قلت التشميت فرض كفاية عندنا والأضحية واجبة على الموسر بشروط لا على طريق الكفاية في مذهبنا وتقدم أن التسمية في إلا كل سنة كفاية عند الشافعي والله أعلم ويجزىء عن الجلوس أي ذوي الجلوس أو الجالسين والمراد بهم المسلم عليهم بأي صفة كانوا وإنما خص الجلوس لأنه الغالب على جمع مجتمعين مع الاشعار بأن القائم ينبغي أن يسلم على القاعد ثم المعنى ويكفي أن يرد أحدهم وهذا فرض كفاية بالاتفاق ولو ردوا كلهم كان أفضل كما هو شأن فروض الكفاية كلها رواه البيهقي في شعب الإيمان مرفوعا أي بلا تردد وخلاف وروى أبو داود أي رواه موقوفا وقال أي أبو داود بعد تمام سنده رفعه الحسن بن علي أي أحد مشايخه لأحسن بن علي بن أبي طالب كما يتوهم وهو شيخ أبي داود قال الطيبي هذا كلام المؤلف أراد أن إسناد هذا الحديث قد روي موقوفا ورفعه الحسن بن علي شيخ أبي داود حدثنا أبو داود حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الملك إبراهيم حدثنا سعيد بن خالد قال حدثني عبد الله بن الفضل حدثنا عبد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله تعالى عنه قال أبو داود رفعه الحسن بن علي قال يجزىء عن الجماعة الحديث قلت الظاهر أن أبا داود أراد أن شيخه الحسن بن علي رفعه من طريق آخر وإلا فالسند المذكور ظاهره الموقوف مع احتمال أن يكون قوله ورفعه جملة حالية


مبينة للإسناد السابق كما يقال مثلا روي عن علي مرفوعا ولعل وجه الإبهام عدم التذكر بكيفية الرفع أهل هو بعبارة السماع أو بلفظ القول أو بعن ونحو ذلك ثم على تقدير التسليم أن الحديث روي موقوفا ومرفوعا فلا شك أنه يصير مرفوعا لأن زيادة الثقة مقبولة على أن مثل هذا الموقوف في حكم المرفوع لأنه من فروع المشروع ثم قال الطيبي ويوافقه ما في المصابيح عن علي رضي الله عنه رفعه أقول وفيه ما قدمناه على أنه يحتمل أنه أشار إلى سند البيهقي فإنه مرفوع بلا خلاف والله أعلم


وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله قال ليس منا أي من أهل طريقتنا ومراعي متابعتنا من تشبه بغيرنا أي من غير أهل ملتنا لا تشبهوا بحذف إحدى التاءين أي لا تتشبهوا باليهود ولا بالنصارى زيد لا لزيادة التأكيد فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف بفتح فضم جمع كف والمعنى لا تشبهوا بهم جميعا في جميع أفعالهم خصوصا في هاتين الخصلتين ولعلهم كانوا يكتفون في السلام أورده أو فيهما بالإشارتين من غير نطق بلفظ السلام الذي هو سنة آدم وذريته من الأنبياء والأولياء وكأنه كوشف له أن بعض أمته يفعلون ذلك أو مثل ذلك من الانحناء أو مطأطأة الرأس أو الاكتفاء بلفظ السلام فقط ولقد رأيت في المسجد الحرام واحدا من المتصوفة الداخلة في سلك السالكين المرتاضين المتوكلين الزاهدين في الدنيا المكتفي بإزار ورداء صائم الدهر لازم الاعتكاف ليس شيء عنده من أسباب الدنيا وهو على ذلك أكثر من أربعين سنة ثم اختار السكوت المطلق في آخر العمر بحيث يكتفي في رد السلام بإشارة الرأس مع أنه ما كان خاليا عن نوع معرفة ودوام تلاوة وحسن خلق وسخاوة نفس إلا أنه كان ما يرى أنه يطوف والله أعلم بالحال ويرحمنا وإياه في المآل رواه الترمذي وقال إسناده ضعيف ولعل وجهه أنه من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقد تقدم الخلاف فيه وأن المعتمد أن سنده حسن لا سيما وقد أسنده السيوطي في الجامع الصغير إلى ابن عمرو فارتفع النزاع وزال الإشكال قال الطيبي فيه إيماء إلى أن الحكم قد يكون على خلافه وليس كذلك قلت ليس كذلك لأنه لا يلزم من كون هذا الحديث ضعيفا أن لا يكون للحكم سند آخر نعم فيه إيهام لذلك لا إشعار بذلك كيف وقد صح بالأحاديث المتواترة معنى أن السلام باللفظ سنة وجوابه واجب كذلك فمبجرد كون هذا الحديث ضعيفا لا يتصور أن ينقلب الحكم أبدا قال النووي روينا عن أسماء بنت زيد أن رسول الله مر في المسجد يوما وعصبته من النساء قعود


فألوى بيده بالتسليم قال الترمذي هذا حديث حسن وهو محمول على أنه جمع بين اللفظ والإشارة ويدل على هذا إن أبا داود وروى هذا الحديث وقال في روايته فسلم علينا قلت على تقدير عدم تلفظه عليه السلام بالسلام لا محذور فيه لأنه ما شرع السلام على من مر على جماعة من النسوان وإن ما مر عنه عليه السلام مما تقدم من السلام المصرح فهو من خصوصياته عليه الصلاة والسلام فله أن يسلم ولا يسلم وأن يشير ولا يشير على أنه قد
يراد بالإشارة مجرد التواضع من غير قصد السلام وقد يحمل على أنه لبيان الجواز بالنسبة إلى النساء وإن نهي التشبه محمول على الكراهة لا على التحريم والله أعلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال إذا لقي أحدكم أخاه أي المسلم فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر أي كبير ثم لقيه فليسلم عليه أي مرة أخرى تجديدا للعهد وتأكيدا للود قال الطيبي فيه حث على إفشاء السلام وأن يكرر عند كل تغيير حال ولكل جاء وغاد وقال النووي روينا في موطأ الإمام مالك أن الطفيل أخبر أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق قال قلت له ذات يوم ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق فقال لي إنما نغدو من أجل السلام ونسلم على من لقينا قلت هذا الحديث سيأتي بأبسط من هذا في الفصل الثالث ويناسبه ما كان بعض المشايخ من السادة النقشبندية يختار القعود في السوق قائلا أن هذا خلوة الرجال ولعل وجهه قوله ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين على ما رواه البزار والطبراني في الأوسط كلاهما من حديث ابن مسعود هذا وفي الحديث الصحيح المروي عن عمر رضي الله تعالى عنه برواية أحمد والترمذي وأبي داود والحاكم أنه قال من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة


ومحيي عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة ولعل وجه الحكمة في ذلك أن الله تعالى ينظر في كل ساعة إلى عباده نظر رحمة وعناية فكل من غفل فاته وكل من شهد وحضر أدركه بل وأخذ من نصيب غيره ولعل هذا هو الباعث على الترغيب في الجمعة والجماعة ومجالس الذكر فإنه بمنزلة المأدبة الجامعة لأنواع المشتهيات فكل من يكون حاضرا مشتاقا يأخذ منها حظه ونصيبه والغائب أو الحاضر الغافل أو المريض المعدوم الاشتهاء يقعد محروما هذا وقد قال النووي ويستثنى من ذلك مقامات ومواضع منها إذا كان مشتغلا بالبول والجماع ونحوهما فيكره أن يسلم عليه ومنها إذا كان نائما أو ناعسا أو مصليا أو مؤذنا في حال إذانه أو كان في حمام ونحوه أو كان آكلا واللقمة في فمه فإن سلم عليه في هذه الأحوال لا يستحق جوابا وأما إذا كان في حال المبايعة في المعاملات يسلم ويجب الجواب وأما السلام في حال خطبة الجمعة فقال أصحابنا يكره


الابتداء به لأنهم مأمورون بالإنصات فإن خلف وسلم فهل يرد عليه فيه خلاف منهم من قال لا يرد ومنهم من قال إن قلنا إن الإنصات واجب لا يرد وإن قلنا سنة رد عليه واحد من الحاضرين فحسب قلت المعتمد في مذهبنا إن الإنصات واجب فلا يجوز السلام ولا يستحق الرد بلا كلام قال وأما السلام على القارىء فقال الواحدي الأولى ترك السلام عليه فإن سلم عليه كفاه الرد بالإشارة وإن رد باللفظ استأنف الاستعاذة قال أي الواحدي والظاهر أنه يجب الرد باللفظ رواه أبو داود وكذا ابن ماجه والبيهقي وعن قتادة بفتح أوله وإنما قيدته بذلك لأن عامة أهل مكة يكسرونها وهو تابعي جليل قال قال النبي إذا دخلتم بيتا فسلموا على أهله قال شارح من علمائنا فإن لم يكن في البيت أحد يستحب أن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولعل مأخذه ظاهر قوله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة النور وإذا خرجتم فأودعوا أهله بسلام الظاهر أن الإيداع هنا بمعنى التوديع من الوداع أي فاتركوهم مصحوبين بسلام وقد قال بعض علمائنا من الشراح وجواب هذا السلام مستحب لأنه دعاء ووداع اه ولعل مأخذه قوله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها النساء وهذا ليس بسلام تحية فلا يدخل تحت الأمر المستفاد منه الوجوب والله أعلم وقال الطيبي هو من الإيداع أي اجعلوا السلام وديعة عندهم كي ترجعوا إليهم وتستردوا وديعتكم فإن الودائع تستعاد تفاؤلا للسلامة والمعاودة مرة بعد أخرى رواه البيهقي في شعب الإيمان مرسلا وقد مر أن المرسل حجة عند الجمهور ثم في الحصن من انتهى إلى مجلس فليسلم فإن بدا له أن يجلس فليجلس ثم إذا قام فليسلم رواه أبو داود والترمذي والنسائي كلهم عن أبي هريرة مرفوعا وسيأتي هذا الحديث في الأصل أيضا بأبسط من هذا وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال أي له يا بني بالتصغير مكسورة الياء المشددة ويفتح إذا دخلت على أهلك فسلم يكون


جملة مستأنفة متضمنة للعلة أي فإنه يكون أي السلام بركة أي سبب زيادة بركة وكثرة خير ورحمة عليك وعلى أهل بيتك رواه الترمذي وزيد في نسخة وقال هذا حديث حسن غريب
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله السلام قبل الكلام لأنه تحية يبدأ به فيفوت بافتتاح الكلام كتحية المسجد فإنها قبل الجلوس وقد روى القضاعي عن أنس مرفوعا السلام تحية لملتنا وأمان لذمتنا رواه الترمذي وقال هذا حديث منكر أي إسنادا وإلا فهو معروف من جهة صحة المعنى كما قررناه ثم المنكر من الحديث ما يكون راو من رواة سنده بعيدا عن الضبط جدا قال التوربشتي لأن مداره على عنبسة بن عبد الرحمن وهو ضعيف جدا ثم إنه يرويه عن محمد بن زاذان وهو منكر الحديث وكذلك حديثه الآخر إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه والمحنة فيه من قبل حمزة بن عمرو المصيني فإنه الراوي عن أبي الزبير عن جابر وكذلك الحديث الذي يتلوه ضع القلم على أذنك ومداره أيضا على عنبسة بن عمران ومحمد بن زاذان وقد وجدناه في كتاب المصابيح وقد أخطأ فيه في قوله على أذنيك قلت والحديث الأول رواه السيوطي في الجامع وقال رواه الترمذي عن جابر قال وروى أبو يعلى في مسنده ولفظه السلام قبل الكلام ولا تدعوا أحدا إلى الطعام حتى يسلم وروى ابن النجار عن عمر رضي الله تعالى عنه بلفظ السلام قبل السؤال فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه وروى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر مرفوعا من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه وعن عمران بن حصين قال كنا في الجاهلية نقول أنعم الله بك عينا الباء زائدة لتأكيد التعدية والمعنى أقر الله عينك بمن تحبه وعينا تمييز من المفعول أو بما تحبه من النعمة ويجوز كونه من أنعم الرجل إذا دخل في النعيم فالباء للتعدية وقيل الباء للسببية أي أنعم الله بسببك عينا أي عين من يحبك وأنعم بقطع همز وكسر عين وفي نسخة بهمز وصل وفتح عين من النعومة وقوله صباحا تمييز أو ظرف


أي طاب عيشك في الصباح وإنما خص الصباح لأن الكلام فيه وهو الموافق للمتعارف في زماننا على لسان العامة صبحكم بالخير ومساكم بالكرامة وأسعد الله مقيلكم وأمثال ذلك الجوهري النعم بالضم خلاف البؤس ونعم الشيء بالضم نعومة أي صار ناعما لينا ويقال أنعم الله عليك من النعمة
وأنعم صباحك من النعومة وأنعم الله بك عينا أي أقر الله عينك بمن تحبه وكذلك نعم الله بك عينا وقال صاحب النهاية في حديث مطرف لا تقل نعم الله بك عينا فإن الله لا ينعم بأحد عينا بل قل أنعم الله بك عينا قال الزمخشري الذي منع منه مطرف صحيح فصيح في كلامهم وعينا نصب على التمييز من الكاف والباء للتعدية والمعنى نعمك الله عينا أي نعم عينك وأقرها وقد يحذفون الجار ويوصلون الفعل فيقولون نعمك الله عينا وأما أنعم الله بك عينا فالباء فيه زائدة لأن الهمزة كافية في التعدية تقول نعم زيد عينا وأنعمه الله عينا ويجوز أن يكون من أنعم إذا دخل في النعيم فيعدى بالباء قال ولعل مطرفا خيل إليه أن انتصاب التمييز في هذا الكلام عن الفاعل فاستعظمه تعالى الله أن يوصف بالحواس علوا كبيرا كما يقولون نعمت بهذا الأمر عينا والباء للتعدية فحسب أن الأمر في نعم الله بك عينا كذلك قال الطيبي يحتمل أن يكون الباء سببية وعينا مفعول أنعم والتنوين للتفخيم أي أنعم الله بسببك عينا وأي عين عين من يحبك فيكون كناية عن خفض عيشة ورفاهية لا يحوم حولها خشونة وقوله وأنعم صباحا معناه طاب عيشك في الصباح وإنما خص الصباح به لأن الغارات والمكراه تقع صباحا وقال شارح من علمائنا قيل معناه طاب عيشك في الصباح والصواب أطاب الله عيشك في الصباح أو هو منصوب على التمييز من الفاعل فلما كان أي وجد الإسلام ووقع أحكامه على وجه الأحكام نهينا عن ذلك أي عما ذكر من الأقوال ابتداء بوضعها موضع السلام فلا محذور أن بدأ بالسلام ثم ثناه بنحو ما تقدم من الكلام رواه أبو داود وعن غالب رضي الله عنه أي ابن أبي


غيلان وهو ابن خطاب القطان البصري روى عن بكر بن عبد الله وعنه ضمرة بن ربيعة ذكره المؤلف في فصل التابعين قال أنا لجلوس أي نحن جالسون واللام للتأكيد بباب الحسن البصري أي منتظرون خروجه أو مصطحبون معه هو الأظهر إذ جاء رجل فقال حدثني أبي عن جدي قال أي الجد بعثني أبي إلى رسول الله فقال له آته أمر من أتى يأتي فأقرئه السلام وفي نسخة فأقرأه السلام قال أي الجد فأتيته أي النبي فقلت أبي يقريك وفي نسخة يقرؤك السلام فقال عليك وعلى أبيك السلام رواه أبو داود وفي الحصن إذا بلغ سلاما فليقل وعليه السلام


ورحمة الله وبركاته رواه الجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا أو وعليك وعليه السلام رواه النسائي عن أنس مرفوعا وعن أبي العلاء رضي الله تعالى عنه قيل اسمه زيد بن عبد الله وكنيته أبو العلاء ولم يذكره المؤلف في أسمائه وفي نسخة مطابقة لما في بعض نسخ المصابيح وعن ابن العلاء الحضرمي نسبة إلى حضرموت إن العلاء الحضرمي وفي نسخة أن العلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله قال المؤلف هو عبد الله من حضرموت كان عاملا للنبي على البحرين وأقره أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عليها إلى أن مات العلاء سنة أربع عشرة روى عنه السائب بن يزيد وغيره وكان أي العلاء إذا كتب إليه أي إلى النبي بدأ بنفسه أي ثم يكتب السلام اقتداء به لأنه كان يفعل ذلك ومما يدل عليه كتابته إلى معاذ يعزيه في ابن له بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد الحديث رواه الحاكم وغيره ولعل هذا الصنيع العظيم مقتبس من قوله تعالى إنه من سليمان وأنه بسم الله الرحيم النمل ولا يخفى أن الواو لمطلق الجمع وكان من سليمان في العنوان والله أعلم قال المظهر كان يكتب هكذا من العلاء الحضرمي إلى رسول الله وهكذا أمر النبي أن يكتبوا من لسانه هذا من رسول الله إلى عظيم البحرين وغيره من الملوك قال الطيبي والمقصود من إيراد هذا في باب السلام أن هذا كان مقدمة للسلام يدل عليه قوله في كتابه إلى هرقل من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى رواه أبو داود وروى الطبراني في الكبير بسند حسن عن النعمان بن بشير مرفوعا إذا كتب أحدكم إلى أحد فليبدأ بنفسه وعن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي قال إذا كتب أحدكم كتابا أي مكتوبا للإرسال إلى أحد فليتربه بتشديد الراء فإنه أنجح بتقديم الجيم على الحاء أي أيسر


وأقضى للحاجة قال الطيبي أي يسقطه على التراب حتى يصير أقرب إلى المقصد قال أهل التحقيق إنما أمره بالإسقاط على التراب اعتمادا على الحق سبحانه في إيصاله إلى المقصد المراد به ذر التراب على المكتوب قلت ويساعده ما نقله الإمام الغزالي في منهاج العابدين إن رجلا كان يكتب رقعة وهو في بيت بالكراء فأراد أن يثرب الكتاب من جدران البيت وخطر بباله أن البيت بالكراء ثم إنه خطر بباله أنه لا خطر لهذا فترب الكتاب فسمع هاتفا يقول سيعلم المستخف بالتراب ما يلقى غدا من طول الحساب وقال المظهر قيل معناه فليخاطب الكاتب خطابا على غاية التواضع والمراد بالتتريب المبالغة في التواضع في الخطاب قلت هذا موافق لمتعارف الزمان لا سيما فيما بين أرباب الدنيا وأصحاب الجاه لكنه مع بعد مأخذ هذا المعنى من المبنى مخالف لمكاتبته إلى الملوك وكذا إلى الأصحاب والله أعلم بالصواب رواه الترمذي وقال هذا حديث منكر وقد بين التوربشتي وجهه على ما سبق والظاهر أنه باعتبار رجاله وقد روى الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء مرفوعا إذا كتب أحدكم إلى إنسان فليبدأ بنفسه وإذا كتب فليترب كتابه فهو أنجح وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه وهو من أجلاء الصحابة وأكابر قرائهم وإفضلهم في علم الفرائض وأعظمهم في كتابة الوحي وقد سبقت ترجمته قال دخلت على النبي وبين يديه كاتب فسمعته أي النبي يقول أي له ضع القلم على أذنك بضم الذال ويسكن أي فوق أذنك معتمدا عليها وفي نسخة مطابقة لما في نسخ المصابيح على أذنيك أي على إحداهما وقد تقدم عن التوربشتي إن ما في نسخ المصابيح أذنيك بالتثنية خطأ وتبعه ميرك وقال وفي نسخ المصابيح أذنيك وبالأفراد هو الصحيح قلت إن كان المراد رواية فمسلم وأما دراية فله وجه كما ذكرناه فإنه أي وضع القلم على الأذن أذكر أي أكثر ذكرا للمآل أي لعاقبة الأمر والمعنى أنه أسرع تذكيرا فيما يراد من إنشاء العبارة في المقصود قيل السر في ذلك أن القلم


أحد اللسانين المترجمين عما في القلب من الكلام وفنون العبارات فتارة يترجم عنه اللسان اللحمي المعبر عنه بالقول وتارة يعبر عنه بالقلم وهو المسمى بالكتابة وكل واحد من اللسانين يسمع ما يريد من القول وفنون الكلام من القلب ومحل الاستماع الاذن فاللسان موضوع دائما على محل الاستماع ودرج القلب فلم يزل يسمع منه الكلام والقلم منفصل عنه خارج عن محل الاستماع فيحتاج في الاستماع إلى القرب من محل الاستماع والدنو إلى طريقه ليسمع من القلب ما يريده من العبارات وفنون الكلام فيكتب اه وحاصله أن القرب الصوري له محل تأثير من المقصود المعنوي رواه


الترمذي وقال هذا حديث غريب أي متنا أو إسنادا وفي إسناده ضعف أي بالنسبة إلى بعض رجاله فالحديث ضعيف وقد سبق وجه ضعفه في كلام الإمام التوربشتي لكن يعضده أن ابن عساكر روى عن أنس مرفوعا ولفظه إذا كتبت فضع قلمك على أذنك فإنه أذكر لك وفي الجامع الصغير برواية الترمذي عن زيد بن ثابت مرفوعا بلفظ ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملي أقول ولعل هذا اللفظ هو الصحيح في الحديث وإن لفظ للمآل مصحف عن هذا المقال ويؤيده رواية اذكر لك ويكون المعنى حينئذ إن وضع القلم على الاذن أقرب تذكرا لموضعه وأيسر محلا لتناوله بخلاف ما إذا وضعه في محل آخر فإنه ربما يتعسر عليه حصوله بسرعة من غير مشقة مع أنه يمكن أن يؤول لفظ المآل إلى أن يؤول إلى هذا المعنى بأن يقال التقدير فإنه أذكر لمآلك أو لمآل المملي عند طلب القلم على وجه الاستعجال فيندفع ما تقدم من غاية التكلف ونهاية التعسف مما سبق في المقال والله أعلم بالحال وعنه أي عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال أمرني رسول الله أن أتعلم السريانية بضم أوله وهي لسان اليهود وفي رواية أنه أمرني أن أتعلم كتاب يهود أي كتابتهم ومآل الروايتين واحد وقال أي النبي في تعليل الأمر على وجه الاستئناف المبين إني ما آمن بمد همز وفتح ميم مضارع متكلم أمن الثلائي ضد خاف أي ما استأمن يهود أي في الزيادة والنقصان على كتاب أي لا في قراءته ولا في كتابته قال الطيبي واستعمل بعلى فإن نفي إلا من عبارة عن الخوف كأنه قال أخاف على كتاب كما قال إخوة يوسف ما لك لا تأمنا على يوسف اه وفيه أن هذا المعنى إنما يستقيم في هذا المبنى حيث دخل حرف النفي على الصيغة والأظهر أنه يتعدى بعلى من غير النفي أيضا كما في قول يعقوب عليه السلام هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل وكذا في حديث ابن ماجه عن فضالة بن عبيد المؤمن من أمنه الناس على أموالهم قال المظهر أي أخاف أن أمرت يهوديا بأن يكتب مني كتابا إلى


اليهود أن يزيد فيه أو ينقص وأخاف إن جاء كتاب من اليهود فيقرؤه يهودي فيزيد وينقص فيه قال أي زيد فما مربي أي مضى علي من الزمان نصف شهر حتى تعلمت في معناه مقدر أي ما مر بي نصف من الشهر في التعلم حتى كمل تعلمي قيل فيه دليل على جواز تعلم ما هو حرام في شرعنا للتوقي والحذر عن الوقوع في
الشر كذا ذكره الطيبي في ذيل كلام المظهر وهو غير ظاهر إذ لا يعرف في الشرع تحريم تعلم لغة من اللغات سريانية أو عبرانية أو هندية أو تركية أو فارسية وقد قال تعالى ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم الروم أي لغاتكم بل هو من جملة المباحات نعم يعد من اللغو ومما لا يعني وهو مذموم عند أرباب الكمال إلا إذا ترتب عليه فائدة فحيئذ يستحب كما يستفاد من الحديث فكان أي النبي إذا كتب إلى يهود أي أراد أي يكتب إليهم أو إذا أمر بالكتابة إليهم كتبت أي بلسانهم إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له أي لأجله وفي نسخة عليه أي عنده كتابهم أي مكتوبهم إليه رواه الترمذي وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال إذا انتهى أي إذا جاء ووصل أحدكم إلى مجلس فليسلم فإن بدا بالألف أي ظهر له أن يجلس فليجلس أمر استحباب ثم إذا قام أي بعد أن يجلس والظاهر أن المراد به أنه إذا أراد أن ينصرف ولو لم يجلس فليسلم أي ندبا فليست الأولى أي التسليمة الأولى بأحق أي بأولى وأليق من الآخرة بل كلتاهما حق وسنة مشعرة إلى حسن المعاشرة وكرم الأخلاق ولطف الفتوة ولطافة المروءة فإنه إذا رجع ولم يسلم ربما يتشوش أهل المجلس من مراجعته على طريق السكوت وبهذا يتبين أنه قد يقال بل الآخرة أولى من الأولى لأن تركها ربما يتسامح فيه بخلاف الثانية على ما هو المشاهد في المتعارف لا سيما إذا كان في المجلس ما لإيذاع ولا يشاع ولذا قيل كما أن التسليمة الأولى إخبار عن سلامتهم من شره عند الحضور فكذلك الثانية إخبار عن سلامتهم من شهر عند الغيبة وليست السلامة عند الحضور أولى من


السلامة عند الغيبة بل الثانية أولى هذا وليس في الحديث ما يدل على وجوب جواب التسليمة الثانية أصلا لا نفيا ولا إثباتا وقد قدمنا عن بعض أئمتنا التصريح بعدم وجوب جواب السلام الثاني ووجهنا توجيهه وقال النووي ظاهر هذا الحديث يدل على أنه يجب على الجماعة رد السلام على الذي يسلم على الجماعة عند المفارقة قال القاضي حسين وأبو سعيد المتولي جرت عادة بعض الناس بالسلام عند المفارقة وذلك دعاء يستحب جوابه ولا يجب لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف وأنكره الشاشي وقال إن السلام سنة عند الانصراف كما هو سنة عند اللقاء فكما يجب الرد عند اللقاء كذلك عند الانصراف وهذا هو الصحيح اه والتحقيق ما قالاه مبين بالفرق الدقيق والله ولي التوفيق رواه الترمذي وأبو داود وكذا أحمد وابن حبان


والحاكم وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إن رسول الله قال لا خير أي لأحد في جلوس أي قعود وكذا في وقوف في الطرقات وهو جمع الجمع وفيه إشارة إلى أن المراد أنواع الطرق جميعها إلا لمن هدى السبيل أي أرشد الطريق للضال والأعمى وغيرهما ورد التحية أي السلام وغض البصر أي عن المحرمات أو عن العورات وأعان على الحملة بضم أوله وفي نسخة بفتحه وقد قال الشراح هي بالفتح ما يحمل الأثقال من الدواب ومنه قوله تعالى ومن الأنعام حملة وفرشا الأنعام وبضمها ما يحمل عليها جمع حمل بالكسر أي أعان من يرفع حمله على ظهر دابته أو ظهره أو رأسه ونحو ذلك بأن يحمل على نفسه بعض الأحمال أو كلها شفقة له ومرحمة عليه وفي معناه كل ملهوف على ما سبق رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وذكر حديث أبي جري بضم جيم وفتح راء وتشديد تحتية في باب فضل الصدقة هو حديث طويل مشتمل على فوائد ليس فيها شيء من ذكر الصدقة أصلا وصدر الحديث مما يناسب هذا الباب جدا فإن أبا جري قال قلت عليك السلام يا رسول الله مرتين قال لا تقل عليك السلام عليك السلام تحية الميت قل السلام عليك الحديث وقد حققنا الكلام عليه فإن كنت تريده فارجع إليه
الفصل الثالث
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس بفتح الطاء ويكسر فقال الحمد لله أي فأراد أن يقول الحمد لله فحمد الله بأذنه أي بتيسيره وتوفيقه أو بأمره وحكمه أو بقضائه وقدره قال الطيبي


وتخصيص الحمد بالذكر إشارة إلى بيان قدرته الباهرة ونعمته المتظاهرة لأن الحمد هو الثناء على الجميل من الفضل والأفضال وذلك أنه تعالى أبدعه إبداعا جميلا وأنشأه خلقا سويا صحيحا فعطس فإنه مشعر بصحة المزاج فوجب الحمد على ذلك ولا ارتياب أن وقوفه على قدرة الله تعالى وأفضاله عليه لم يكن إلا بتوفيقه وتيسيره قلت ومن جملة التوفيق والتيسير حكمه وأمره العمل بقضائه وتقديره قال وفي فاء التعقيب إشارة إلى ذلك قلت ولا مانع أن يكون إشارة إلى كل مما ذكر هنالك فقال له ربه يرحمك الله يا آدم يحتمل أن تكون متممة ومقدمة لكن الثاني أظهر ثم الظاهر أن الخطاب المستطاب بعد سجود الملائكة له كما يستفاد من قوله تعالى فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين الحجر والمعنى يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة الظاهر أن المراد بهم جمع من المقربين أو الموكلين على الحسنات من أرباب اليمين وقوله إلى ملأ منهم يحتمل أن يكون بدلا فيكون من كلام الله تعالى ويحتمل أن يكون حالا فيكون من كلام رسول الله بيانا لكلام الله تعالى وهو إلى الحال أقرب منه إلى البدل يعني قال الله تعالى أولئك مشيرا به إلى ملأ منهم جلوس بالجر صفة ملأ أي جالسين أو ذوي جلوس فقل السلام عليكم قال الطيبي لما وفقه تعالى لقيام الشكر على نعمه السابغة وأوقفه على قدرته الكاملة علمه كيفية المعاشرة مع الخلق حتى يفوز بحسن الخلق مع الخلق بعد تعظيم الحق وأما تخصيص السلام بالذكر فإنه فتح باب المودات وتأليف قلوب الإخوان المؤدي إلى استكمال الإيمان فقال أي فذهب آدم إليهم فقال السلام عليكم وفي بعض النسخ هذه الجملة محذوفة للعلم بها فقالوا عليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه أي إلى مكان كلمه ربه فيه تبركا به وتيمنا بمقامه ولما في العادة أن يرجع المأمور إلى حيث أمره الآمر وينتظر بيان حكمة الأمر فقال أي الرب سبحانه هذه أي الكلمات المذكورة تحيتك وتحية بنيك فيه تغليب أي


ذريتك بينهم أي فيما بينهم عند ملاقاتهم فهذه سنة قديمة ومنه جسيمة فقال له الله ويداه مقبوضتان الجملة حال والضمير لله وحقيقة معناه يعجز عنه ما سواه ومذهب السلف من نفي التشبيه وإثبات التنزيه مع التفويض أسلم وسيأتي كلام بعض أهل الخلف مع خلف فيما بينهم مع دعواهم إن هذا المذهب أعلم وكان بعض مشايخنا يقول إن لله تجليات صورية مع تنزه ذاته عن أمور عارضية فيزول بها كثير من الإشكالات المتعلقة بالصفات المفهومة من الأحاديث والآيات وأقرب ما قيل في هذا المقام من التأويل إنه أراد باليدين صفتي الجمال والجلال وإن الجمال هو اليمين المطلق وإن كان اليمين المطلق وإن كان اليمين في الجلال أيضا قد تحقق وبهذا يتضح معنى قوله تعالى لآدم اختر أيتهما أي من اليدين شئت أي أردت فقال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين من كلام آدم أو من كلام النبي


وقوله مباركة صفة كاشفة ثم بسطها أي فتح الرب سبحانه وتعالى يمينه فإذا فيها أي موجود آدم وذريته أي مثاله وأمثلة أولاده قال الطيبي يقول النبي يعني رأى آدم مثاله ومثال بنيه في عالم الغيب فقال أي رب ما هؤلاء ظاهره مشعر بأن هذه القضية قبل الميثاق قال هؤلاء ذريتك الظاهر من كونهم في اليمين اختصاصهم بالصالحين من أصحاب اليمين والمقربين ويدل عليه أيضا قوله فإذا كل إنسان أي منهم مكتوب عمره بين عينيه فإذا فيهم رجل أضوأهم فيه دلالة على أن لكلهم ضياء لكنه يختلف فيهم بحسب نور إيمانهم هذا وقد قال الطيبي قوله وكلتا يدي ربي يمين كالتتميم صونا لما يتوهم من إثبات الجارحة من الكلام السابق قلت هذا غير ظاهر بل أنه تذييل وتكميل احتراسا لما يتوهم من قول آدم اخترت يمين ربي أن له سبحانه يسارا وشمالا فتكون أحدهما أقوى من الأخرى أو أبرك وأيمن وأحرى ثم قال وللشيخ أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك كلام متين فيه قال واليدان إن حملتا على معنى القدرة والملك صح وإن حملتا على معنى النعمة والأثر الحسن صح لأن ذلك مما حدث في ملكه بتقديره وعن ظهور نعمته على بعضهم قلت لا ارتياب في صحة هذا الكلام في نفسه وأما إرادة هذا المعنى من هذا المبنى في هذا المقام فيحتاج إلى بسط في الكلام ليظهر المقصود ويتضح المرام ثم قال ابن فورك قد ذكر بعض مشايخنا أن الله عز وجل هو الموصوف بيد الصفة لا بيد الجارحة وإنما تكون يد الجارحة يمينا ويسارا لأنهما يكونان لمتبعض ومتجز ذي أعضاء ولما لم يكن ما وصف الرب به يد جارحة بين بما قال أن ليست هي يد جارحة وقيل المراد أن الله عز وجل لما وصف باليدين ويد الجارحة تكون إحداهما يمينا والأخرى يسارا واليسرى ناقصة في القوة والبطش عرفنا عليه السلام كمال صفة الله عز وجل وأنه لا نقص فيها ويحتمل أن آدم عليه السلام لما قيل له اختر أيتهما شئت فقال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين أراد به لسان الشكر والنعمة لا


لسان الحكم والاعتراف بالملك فذكر الفضل والنعمة لأن جميع ما يبديه عز وجل من مننه فضل وطول مبتدأ فمن منفوع ينفعه ومن مدفوع عنه يحرسه فقصد قصد الشكر والتعظيم للمنة وقيل أراد به وصف الله تعالى بغاية الجود والكرم والإحسان والتفضل وذلك أن العرب تقول لمن هو كذلك كلتا يديه يمين وإذا نقص حظ الرجل وخس نصيبه قيل جعل سهمه في الشمال وإذا لم يكن عنده اجتلاب منفعة ولا دفع مضرة قيل ليس فلان باليمين ولا بالشمال وقال ابن فورك أيضا في حديث آخر ونحوه إن ذلك كان من ملك أمره الله عز وجل بجمع أجزاء الطين من جملة الأرض أمره بخلطها بيديه فخرج كل طيب بيمينه وكل خبيث بشماله فيكون اليمين والشمال فأضاف إلى الله تعالى من حيث كان عن أمره وجعل كون بعضهم في يمين الملك علامة لأهل الخير منهم وكون بعضهم في شماله علامة لأهل الشر منهم فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال الطيبي وأقول وبالله التوفيق وتقريره على طريقة أصحاب البيان هو أن إطلاق اليد على القدرة تارة وعلى


النعمة أخرى من إطلاق السبب على المسبب لأن القدرة والنعمة صادرتان عنها وهي منشؤهما وكذا القدرة منشأ الفعل والفعل إما خير أو شر وهداية وإضلال واليدان في الحديث إذا حملتا على القدرة حملتا على خلق الخير والشر والهداية والإضلال فاليمين عبارة عن خلق الهدى والإيمان وإليه أشار بقوله فإذا فيهم رجل أضوأهم على أفضل التفضيل الذي يقتضي الشركة والشمال على عكسها ومعنى كلتا يديه يمين أن كلا من خلق الخير والشر والإيمان والكفر من الله عدل وحكمة لأنه عزيز يتصرف في ملكه كيف يشاء لا مانع له فيه ولا منازع حكيم يعلم بلطف حكمته ما يخفى على الخلق يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم فمعنى اليمين كما في قول الشاعر إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين أي بتدبيره الأحسن وتحريه الأصوب وإذا حملتا على النعمة كان اليمين المبسوطة عبارة عن منح الألطاف وتيسير اليسرى على أهل السعادة من أصحاب اليمين والشمال المقبوضة على عكسها ومعنى كلتا يديه يمين على ما سبق قال تعالى الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم العنكبوت فالفاصلتان في الآيتين أعني العزيز الحكيم وبكل شيء عليم ملوحتان إلى معنى ما في الحديث من قوله كلتا يديه يمين والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله الأعراف والله أعلم اه كلامه وحاصل مرامه أن اليدين كنايتان عن آثار صفتي الجمال والجلال من الضياء والظلمة والطاعة والمعصية وما يترتب عليهما من النار والجنة فأصل إيجاد الخلق بعد عدمهم وقع على وجه الجلال إظهارا للكبرياء والجبروت الناشىء عن صفة العدل ثم أظهر لمن شاء منهم كمال الجمال الناشىء عن صفة الفضل ويشير إليه ما ورد عنه إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه فقد ضل وغوى ولا شك أن نور المؤمنين والأنبياء والمرسلين في مراتب مختلفة فقوله فيهم رجل أضوأهم أي


أضوء من بعضهم وهو أهل زمانه كما يدل عليه قوله أو من أضوئهم وهو يحتمل أنه من باب الاستدراك أي بل من أضوئهم ويحتمل أن يكون شبكا من الراوي ووجه تخصيصه من باب تفويض علمه إلى عالمه ولعله كونه من أقل الأنبياء عمرا أو لأنه أكثر الأنبياء في البكاء كآدم على ما ظهر منهما من الخطأ قال الطيبي هو من شك الراوي فعلى هذا من أضوئهم صفة رجل وفيهم خبره وعلى إسقاط من هو مستأنف أي هو أضوأهم وليس المعنى بقوله أضوأهم أن سائر الأنبياء في الضوء والإشراق دونه بل لبيان فضله وجمعه بين النبوة والملك وإفاضة نور العدل من الله عليه وأنه خليفة الله في أرضه قال تعالى إنا جعلناك خليفة في الأرض ص قلت لو كان هذا المعنى مرادا لكان سليمان أولى بذلك مع أن الملك لذاته ليس له نور هنالك بل له حجاب ظلماني يمنع صاحبه غالبا عن كمال نوراني ولذا يدخل سليمان الجنة بعد الأنبياء بخمسمائة سنة وكذا يدخل عبد الرحمن بن عوف بسبب ماله الكثير المشبه بالملك الكبير بعد فقراء المهاجرين بخمسمائة عام قال يا رب من هذا


قال الطيبي ذكر أولا ما هؤلاء لأنه ما عرف ما رآه ثم لما قيل له هم ذريتك فعرفهم فقال من هذا قال هذا ابنك داود وقد كتبت له عمر أربعين سنة وفي نسخة عمره بالإضافة إلى ضميره قال الطيبي فقوله عمر أربعين مفعول كتبت ومؤدي المكتوب لأن المكتوب عمره أربعون سنة ونصب أربعين على المصدر على تأويل كتبت له أن يعمر أربعين سنة قال يا رب زد في عمره أي من عندك وفضلك قال ذلك الذي كتبت له أي قدرت وقضيت لأجله ولا مرد لقضائي ولا تبديل لقدري قال الطيبي ذلك الذي مبتدأ وخبر معرفتان فيفيد الحصر أي لا مزيد على ذلك ولا نقصان وكان كذلك حيث وهب ثم رجع قلت لكن روي أنه أعطي ما وهب له وكمل لآدم عمره من فضله وهذا أظهر وفيه استجابة لدعوة آدم عليه السلام أيضا وقد يكون العمر المعلق يزيد كما أشار إليه سبحانه وتعالى وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير فاطر وكذا ما في بعض الأحاديث من أن الصدقة تزيد في العمر قال يعني آدم أي رب أي يا رب فإني أي إذا أبيت الزيادة من عندك فإني قد جعلت له من عمري أي من جملة مدة عمري وسنيه ستين سنة أي تكملة للمائة والظاهر أن المراد بهذا الخبر الدعاء والاستدعاء من ربه أن يجعله سبحانه كذلك فإن أحدا لم يقدر على هذا الجعل وفي الحديث إشكال إذ تقدم في صدر الكتاب في الفصل الثالث من باب الإيمان بالقدر ما يخالف هذا ويمكن الجمع والله أعلم بأنه جعل له من عمره أولا أربعين ثم زاد عشرين فصار ستين ونظيره قوله تعالى وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة البقرة وقوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة الأعراف ولا يبعد أن يتكرر مأتى عزرائيل عليه السلام للامتحان بأن جاء وبقي من عمره ستون فلما جحده رجع إليه بعد بقاء أربعين على رجاء أنه تذكر بعدما تفكر فجحد ثانيا وهذا أبلغ في باب النسيان والله المستعان والأظهر أنه وقع شك للراوي وتردد في كون العدد


أربعين أو ستين فعبر عنه تارة بالأربعين وأخرى بالستين ومثل هذا وقع من المحدثين وأجاب عنه بما ذكرنا بعض المحققين ومهما أمكن الجمع فلا يجوز القول بالوهم والغلط في رواية الحفاظ المتقنين وأما ما قيل من أن ساعات أيام عمر آدم كانت أطول من زمان داود فموقوف على صحة النقل وإلا فبظاهره يأباه العقل كما حقق في دوران الفلك عند أهل الفضل قال أنت وذاك يحتمل البراءة ويحتمل الإجابة قال الطيبي هو نحو قولهم كل رجل وضيعته أي أنت مع مطلوبك مقرونان وكان أي آدم كما في نسخة صحيحة يعد لنفسه أي يقدر له ويراعي أوقات أجله سنة فسنة فأتاه أي امتحانا ملك الموت أي بعد تمام تسعمائة وأربعين سنة فقال له آدم قد عجلت بكسر الجيم أي


استعجلت وجئت قبل أوانه قد كتب لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة فجحد أي أنكر آدم فجحدت ذريته بناء على أن الولد من سر أبيه ونسي فنسيت ذريته لأن الولد من طينة أبيه والظاهر أن معناه أن آدم نسي هذه القضية فجحد فيكون اعتذارا له إذ يبعد منه عليه السلام أن ينكر مع التذكر فقول الطيبي يشير به إلى قوله تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما طه ليس في محله إذ الآية في قضية أكل الشجرة قال أي النبي فمن يومئذ أمر بصيغة المجهول أي أمر الناس أو الغائب وقوله بالكتاب أي بكتابه الحجة والشهود في القضية وجمع بينهما احتياطا رواه الترمذي أي في جامعه في آخر كتاب التفسير وقال حسن غريب من هذا الوجه وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي اه وأما الحديث السابق في صدر الكتاب فقد أخرجه الترمذي في أثناء سورة الأعراف وقال هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي اه فالحديث السابق أرجح وكذا أوفق لسائر الأحاديث الواردة كما في الدر المنثور والجامع الكبير للسيوطي رحمه الله تعالى والله سبحانه أعلم وعن أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنها أي ابن السكن قالت مر علينا أي معشر النساء رسول الله في نسوة أي حال كوننا مع جماعة كثيرة من النساء قال الطيبي قوله في نسوة غير متعلق بالفاعل لئلا يلزم منه مرور رسول الله في زمرة النسوة عليهن بل هو متعلق بالجار والمجرور وبيان له وهو من باب قولك في البيضة عشرون رطلا من حديد وهي بنفسها هذا المقدار لا أنها ظرف له فسلم علينا قال الطيبي وقد سبق روايتها في الحديث السابع من الفصل الثاني أن رسول الله مر في المسجد يوما وعصبة من النساء قعود الخ اه وفيه أن ما سبق إنما هو الخامس من حديث جرير أن النبي مر على نسوة فسلم عليهن رواه أحمد رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي


وعن الطفيل بالتصغير ابن أبي بن كعب قال المؤلف أنصاري تابعي عزيز الحديث حديثه في الحجازيين روى عن أبيه وغيره وعنه أبو الطفيل أنه أي الطفيل كان يأتي ابن عمر فيغدو معه يحتمل احتمالين في المرجعين والمعنى فيذهبان في الغدوة إلى السوق قال أي الطفيل فإذا غدونا إلى السوق لم يمر بفتح الراء المشددة ويجوز ضمها وكسرها أي لم يأت عبد الله بن عمر على سقاط بتشديد القاف مع فتح أوله وهو الذي يبيع السقط وهو الرديء من المتاع ولا على صاحب بيعة بفتح موحدة وبكسر فالأول للمرة والثاني للنوع والهيئة قال الطيبي يروى بفتح الباء وهي الصفقة وبكسرها الحالة كالركبة والقعدة ولا مسكين أي ولا على مسكين ولا على أحد فيه تعميم بعد تخصيص إلا سلم عليه الظاهر أن المسلم هو ابن عمر ويحتمل العكس قال الطفيف فجئت عبد الله بن عمر يوما فاستتبعني أي طلبني أن أتبعه في ذهابه إلى السوق فقلت له وما تصنع في السوق ما استفهامية وأنت لا تقف على البيع الجملة حال وكذا قوله ولا تسأل عن السلع أي عن مكانها وهو بكسر ففتح جمع سلعة ولا تسوم بها أي لا تسأل عن ثمنها وقيمتها ولا تجلس في مجالس السوق أي للتنزه والتفرج على الصادر والوارد والمذكورات غالب المقاصد فاجلس بنا هنا نتحدث بالرفع أي نحن نستمع الحديث منك أو يتحدث بعضنا بعضا فيما يتعلق من أمور الدين أو من مهمات الدنيا وفي نسخة بالجزم على جواب الأمر قال فقال لي عبد الله بن عمر يا أبا بطن قال أي الراوي عن الطفيل أو هو بنفسه وكان الطفيل ذا بطن أي بطن كبير ولذا لقبه بذلك لا لأنه صاحب أكل كثير كما يتوهم إنما نغدو أي إلى السوق من أجل السلام أي تحصيله فسلم استئناف مبين على من لقينا بكسر القاف وسكون الياء ويؤيده نسخة لقيناه بالضمير وفي نسخة بفتح الياء واللقى يحصل من الجانبين والظاهر أن المراد بالسلام أعم من ابتدائه وجوابه فإن في كل منهما فضيلة كاملة وقد قدمنا بعض ما يتعلق بهذا الحديث في أوائل


الباب رواه مالك والبيهقي في شعب الإيمان
وعن جابر رضي الله عنه قال أتى رجل رسول الله فقال لفلان في حائطي أي بستاني المحدق بالحيطان وقد يراد البستان المجرد عذق بفتح مهملة وسكون معجمة أي نخلة وأما بكسر أوله فالعرجون بما فيه من الشماريخ وأنه أي الشأن أو الفلان قد آذاني بمد أوله أي جعلني في الأذى مكان عذقه بالرفع على أنه فاعل أي آذاني وجوده أو عذقه ومكان مقحم قال الطيبي ونحوه قوله تعالى إن كان كبر عليكم مقامي يونس الكشاف مقامي مكاني يعني نفسه كما تقول فعلت كذا لمكان فلان قلت الأظهر في الآية إن مقامي بمعنى وقوفي الحياة وقيامي بحق النبوة وتذكيري بآيات الله أي وعظي إياكم بالآيات المنقولة أو المعقولة أو الإفاقية والأنفسية أو المعجزات البينات وفي نسخة بالنصب على نزع الخافض أي آذاني مروره بسبب مكان عذقه فأرسل النبي إن مفسرة لما في الإرسال من معنى القول أي بعني عذقك أي بأي ثمن تريد من الدنيا قال أي لا أبيعه قال فهب لي أي حتى أهب له ويحتمل أن يكون معناه فهبه إياه لأجلي وعلى كل كان ذلك بطريق الشفاعة لا الإلزام قال لا أي لا أهب قال فبعنيه بعذق في الجنة قال الطيبي يشعر بأن الرجل كان مسلما وكان سوم رسول الله إياه شفاعة منه لا آمرا وإلا لوجب عليه قبوله والحكم بعصيانه كما في حديث بريدة وقد تقدم فقال لا أي لا أبيعه به أيضا فقال رسول الله ما رأيت الذي هو أبخل منك إلا الذي يبخل بالسلام أي على الناس أو على النبي كما ورد البخيل الذي ذكرت عنده ولم يسلم علي وفي الحديث استحباب المصالحة بين المتخاصمين وبيان كمال حلمه على أصحابه ولعل الرجل كان من جفاة الأعراب أو وقع له المقال في كمال غضبه من الحال حتى غفل عن مقام الأدب وفاته ما كان صريحا له في حسن المآل رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان وعن عبد الله رضي الله تعالى عنه أي ابن مسعود لأنه عند الإطلاق مقصود في مصطلح المحدثين فإنه أجل العباد له لكونه أفقه


الصحابة مما عدا الخلفاء الأربعة عن النبي قال البادىء بالهمز أي المبتدىء بالسلام والمبادر إليه من المتلاقيين إذا اتفقا في
الوصف كماشيين راكبين بريء فعيل من البراءة أي متبرىء ومتنزه من الكبر أي من علته فالسلام علامة سلامته رواه البيهقي في شعب الإيمان وكذا الخطيب في الجامع عن ابن مسعود وعلى ما صرح به السيوطي في الجامع الصغير وقال ورواه أبو نعيم في الحلية عنه أيضا ولفظه بريء من الصرم وهو بالضم الهجر والقطع وروى أحمد بسند حسن عن أبي أمامة مرفوعا من بدأ بالسلام فهو أولى بالله ورسوله


باب الاستئذان
بسكون الهمز ويبدل ياء ومعناه طلب الإذن والأصل فيه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها النور الآيات قال الطيبي وأجمعوا على أن الاستئذان مشروع وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة والأفضل أن يجمع بين السلام والاستئذان واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام أو الاستئذان والصحيح تقديم السلام فيقول السلام عليكم أدخل وعن الماوردي أن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام وإلا قدم الاستئذان قلت وهو بظاهره يخالف ما سبق من حديث السلام قبل الكلام
الفصل الأول
عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال أتانا أبو موسى أي الأشعري قال أي أبو موسى استئناف بيان لعله الإتيان أن عمر رضي الله تعالى عنه أرسل إلي أن آتيه


أي بأن أجيئه فأتيت بابه فسلمت ثلاثا أي ثلاث مرات غير متواليات على ما هو الظاهر من الأدب المتعارف والمراد به سلام الإيذان وهو قد يكون مع أدخل وقد يتجرد عنه اكتفاء وسيأتي بيان حكمة التثليث فلم يرد أي عمر أو أحد علي أي الجواب فرجعت أي لقوله تعالى وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم النور والسكوت في هذا المقام دليل على الإعراض فهو في معنى الأمر بالرجوع فرجعت فقال أي بعد ذلك معاتبا لي ما منعك أن تأتينا أي من الإتيان إلينا مع إرسالنا إليك بالإتيان فقلت إني بفتح الهمزة وكسرها أتيت أي إليك فسلمت والكسر هو الأظهر لأنه استئناف فيه معنى التعليل مع أن المقول لا يكون إلا جملة ولهذا تكون أن بعد القول دائما مكسورة وقال الطيبي الظاهر فتح أن ليكون مطابقا للسؤال فإن السؤال عن المنع فيجب أن يبين المانع ويقال إن المانع إتياني وتسليمي والكسر يدل على المانع بالمفهوم على بابك متعلق بمقدر أي فسلمت عليك حال كوني واقفا على بابك ثلاثا فلم تردوا أي لا أنت ولا أحد من خدامك علي أي السلام أو الجواب فرجعت وقد الواو حالية أو استئنافية قال أي على كما في نسخة صحيحة والمعنى مخاطبا لي رسول الله إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع فإن الأول للتعرف والثاني للتأمل والثالث للإذن وعدمه فقال عمر أقم عليه أي لى أن الحديث الذي رويته هو قول النبي البينة أي تمام البينة والمراد بها الشاهد له ولو كان واحدا وإنما أمره بذلك ليزداد فيه وثوقا فالعلمان خير من علم واحد لا للشك في صدق خبره عنده رضي الله تعالى عنه وقال الطيبي تعلق بهذا الحديث من يقول لا يحتج بخبر الواحد وهو باطل فإنهم أجمعوا على الاحتجاج بخبر الواحد ووجوب العمل به ودلائلهم أكثر مما تحصى وأما قول عمر رضي الله تعالى عنه هذا فليس معناه رد خبر الواحد من حيث هو خبر واحد ولكن خاف مسارعة الناس إلى القول على النبي بما لم يقل كما يفعله المبتدعون والكذابون وكذا


من وقع له قضية وضع فيها حديثا على النبي فأراد سد الباب لا شكا في رواية أبي موسى لأنه أجل من أن يظن به أن يحدث عن النبي ما لم يقل ومما يدل على أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يرد خبر أبي موسى لكونه خبر واحد أنه طلب منه أخبار رجل آخر حتى يعمل بالحديث ومعلوم أن خبر الاثنين خبر واحد وكذا ما زاد حتى يبلغ التواتر لأن ما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد قال أبو سعيد فقمت معه أي مع أبي موسى فذهبت إلى عمر فشهدت أي على الحديث الذي رواه أبو موسى متفق عليه والقدر المرفوع منه رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود عن أبي موسى وأبي سعيد معا والطبراني والضياء عن جندب البجلي


وعن عبد الله بن مسعود قال قال لي أي مخصوصا النبي إذنك بكسر فسكون وهو مبتدأ أي علامة إذنك على أي بالدخول والخبر قوله أن ترفع الحجاب أي رفعك الحجام وهو الستارة وأن تستمع وفي نسخة صحيحة وأن تسمع سوادي بكسر السين أي سري وكلامي الخفي الدال على كوني في البيت حتى أنهاك أي عن الدخول حينئذ لمانع يكون عندي أو عن الدخول بغير استئذان فيكون مع الناس سواء وضبط شارح للمصابيح قوله آذنك بمد أوله وفتح الذال وقال معناه أنا آذن لك علي بأن ترفع الحجاب يعني لا حاجة لك إلى الاستئذان إذا أردت الدخول علي بل أذنت لك أن تدخل علي وأن ترفع الحجاب قلت وفي هذا منقية عظيمة ومدحة جسيمة له رضي الله تعالى عنه وما ذاك إلا لكثرة خدمته وملازمة صحبته فإنه كان صاحب النعلين والسواك والمطهرة والسجادة فهنيأ له ثم هنيأ ثم قال الشارح وقوله سوادي بالكسر أي سراري يقال ساودته مساودة أي ساررته سمي السوار سواد الاقتراب السوادين فيه وهما شخصا المتناجيين اه وهو المفهوم من النهاية وقال الطيبي قوله علي متعلق بأذنك وهو مبتدأ وأن ترفع مع المعطوف خبره يعني إذنك الجمع بين رفعك الحجاب وبين معرفتك إياي في الدار لو كنت مسارا لغيري هذا شأنك مستمر في جميع الأحيان إلا أن أنهاك وفيه دلالة على شرفه وأنه من رسول الله بمنزلة أهل البيت وصاحب السر وليس معناه أنه يدخل عليه في كل حال وأن يدخل على نسائه ومحارمه قال النووي فيه دليل على جواز الاعتماد على العلامة في الاذن بالدخول فإذا جعل الأمير والقاضي أو غيرهما رفع الستر الذي على بابه علامة للاذن في الدخول عليه للناس عامة أو لطائفة خاصة أو لشخص أو جار أو علامة غير ذلك جاز الاعتماد عليها والدخول بغير استئذان رواه مسلم وعن جابر رضي الله تعالى عنه أي ابن عبد الله صحابيان جليلان قتل أبوه في أحد قال أتيت النبي في دين كان على أبي وسيأتي حديثه في الفصل الأول من باب المعجزات فدققت الباب أي بلطف كضرب


الأظافير على ما هو دأب أرباب الألباب فقال
من ذا أي الذي يدق قلت وفي نسخة صحيحة فقلت أنا يقرأ بالألف وقفا وبحذفه وصلا فقال أنا أنا مكررا الإنكار عليه قال الطيبي أي قولك أنا مكروه فلا تعد والثاني تأكيد كأنه كرهها أي كلمة أنا فإنه لم يستأذن بالسلام بل بالدق ذكره البرماوي أو لأن قوله من ذا استكشاف للإبهام وقوله أنا لم يزل به الإشكال والإبهام لأنه بيان عند المشاهدة لا عند الغيبة وكان حق الجواب أن يقول جابر أو أنا جابر وهذا معنى ما قال شارح لأن قوله إنا لا يشعر بصاحبه قلت اللهم إلا إذا كان من أهل البيت ممن يعرف بصوته على ما هو المتعارف إذ لا شك أنه لو عرفه بصوته لما أنكره عليه لحصول المقصود به ثم قال أو لأن فيه تعظيما فلم ير التكلم بلفظ ليس فيه تواضع اه وفيه أنه لو قال أنا جابر لم يكن يكرهها وقال النووي وإنما كره لأنه لم يحصل بقوله أنا فائدة نزيل الإبهام بل ينبغي أن يقول فلان باسمه وإن قال أنا فلان فلا بأس كما قالت أم هانىء حين استأذنت فقال النبي من هذه فقالت أنا أم هانىء ولا بأس أن يصف نفسه بما يعرف به إذا لم يكن منه بد وإن كان صورة له فيها تبجيل وتعظيم بأن يكني نفسه أو يقول أنا المفتي فلان أو القاضي أو الشيخ اه والحاصل أن المقصود المعرفة ليترتب عليه الاذن وعدمه متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال دخلت مع رسول الله أي في بيته وقيل على سعد بن عبادة والله أعلم بصحته فوجد أي النبي لبنا في قدح لعل التنوين للتعظيم فقال أبا هر بحذف حرف النداء لكمال أدبه والمهر يراد به الجنس فلا ينافيه أنه مكنى بأبي هريرة إلحق بهمز وصل وفتح حاء أي اذهب مستعجلا بأهل الصفة أي بالوصول إليهم والأظهر أن الباء للتعدية أي آتيهم فادعهم إلي فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا قال الطيبي أهل الصفة جماعة من صعاليك المهاجرين والأنصار اجتمعوا في صفة ذكرهم الشيخ أبو نعيم الأصفهاني في حلية


الأولياء وفيه دلالة على أن من دعي إلى وليمة أو طعام لا يكفيه الدعاء بل لا بد من الاستئذان اللهم إلا أن يقرب الزمان اه فالتوفيق بينه وبين الحديث الآتي إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك أذن له إن أهل الصفة جاؤوا بعد الداعي فاحتاجوا إلى إذن جديد أو من غاية الأدب والحياء جددوا الاستئذان أو كان هناك ما يقتضي ذلك أو ما وصل إليهم الحديث السابق أو هو متأخر عن هذا الفعل احتمالات والله تعالى أعلم بالحالات رواه البخاري

الفصل الثاني


عن كلدة بفتح الكاف واللام وبالدال المهملة ضبطه المؤلف ابن حنبل بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة على ما في جامع الأصول وهو أسلمي أخو صفوان بن أمية الجمحي لأمه وكان عبد المعمر بن حبيب اشتراه من أهل اليمن بسوق عكاظ وحالفه وأنكحه وأقام بمكة إلى أن مات بها روى عنه عمرو بن عبد الله بن صفوان ذكره المؤلف في الصحابة إن صفوان بن أمية بضم همز وفتح ميم وتشديد تحتية وقد تقدمت ترجمته وكان من أفصح قريش لسانا وكان من المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامه روى عنه نفر بعث بلبن وجداية قال صاحب النهاية والشراح هو بفتح الجيم وكسرها أولاد الظباء ذكرا كان أو أنثى مما بلغ ستة أشهر أو سبعة أشهر بمنزلة الجدي من المعز وضغابيس جمع ضغبوس بفتح الضاد وسكون الغين المعجمتين وهو صغير القثاء إلى النبي والنبي بأعلى الوادي أي فوق المدينة ونكتة العدول عن قوله وهو إلى الوصف الظاهر لا يخفى قال أي صفوان فدخلت عليه ولم أسلم أي قبل الدخول ولم استأذن أي بقولي ادخل فقال النبي ارجع أي تعذيبا له وتأديبا لغيره فقل السلام عليكم ادخل يجوز فيه تحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإبدالها ألفا رواه الترمذي وأبو داود وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال إذا دعي بصيغة المجهول أي إذا طلب أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له أذن أي إجازة بالدخول فإن وقع تقصير من أهل البيت فلا حرج عليه رواه أبو داود وكذا البخاري في تاريخه والبيهقي في شعبه وفي رواية له أي لأبي داود قال أي النبي رسول الرجل إلى الرجل أذنه أي إذا كان مصحوبا معه لما سبق


وعن عبد الله بن بسر بضم موحدة وسكون مهملة سلمي مازني له ولأبيه بسر وأمه وأخيه عطية وأخته الصماء صحبة نزل الشام ومات بحمص فجأة وهو يتوضأ سنة ثمان وثمانين وهو آخر من مات من الصحابة بالشام روى عنه جماعة قال كان رسول الله إذا أتى باب قوم أي وصله لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه أي مقابل وجهه وحذائه لئلا يقع بصره على أهل البيت ولكن أي يستقبل مع الانحراف والميل من ركنه الأيمن أو الأيسر أي من أحد جانبيه الأنسب بالوقوف فيقول السلام عليكم أي أولا السلام عليكم أي ثانيا حتى يتحقق السماع والاذن والمراد بالتكرار التعدد لا الاقتصار على المرتين فإنه كان من عادته التثليث لما سبق وذلك أي ما ذكر من عدم استقبال الباب ووجود الانحراف إن وفي نسخة لأن الدور بالضم جمع الدار أي أبوابها لم يكن عليها يومئذ ستور جمع ستر بالكسر وهو الحجاب وفيه مقابلة الجمع بالجمع والمعنى أنه إذا كان هناك باب أو ستر يحصل به حجاب فلا بأس بالاستقبال لكن الانحراف أولى مراعاة لأصل السنة ولأنه ربما يحصل بعض الانكشاف عند فتح الباب أو رفع الحجاب كما لا يخفى على أرباب الألباب رواه أبو داود وكذا الإمام أحمد في مسنده وذكر حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام أي للاستئذان على باب بعض الأصحاب السلام عليكم ورحمة الله في باب الضيافة متعلق بذكر
الفصل الثالث
عن عطاء بن يسار من أجلاء التابعين أن رجلا سأل رسول الله فقال استأذن أي اطلب الاذن عند إرادتي الدخول على أمي وفي معناها بقية المحارم نسبا


ورضاعا ومصاهرة إلا الزوجة فقال نعم أي لأنه ربما ينكشف عن عضو لا يجوز للولد أن ينظر إليه فقال الرجل إني معها في البيت أي في بيتها أو في بيتي والمعنى إنا في بيت واحد لا أنها في بيت وحدها ليكون دخولي عليها نادرا أفاستأذن حينئذ كما هو المتعارف في زماننا فقال رسول الله استأذن عليها أي ولو كنتما في بيت واحد لاحتمال تكشفها في الغيبة فقال الرجل إني وفي نسخة أنا خادمها أي يكثر ترددي إليها فهل يكون الاذن كل مرة ساقطا لدفع الحرج على مقتضى القواعد الشرعية فقال رسول الله استأذن عليها أي ولو بنحو تنحنح وضرب رجل ورفع صوت أتحب أن تراها عريانة أي كلها أو بعضها قال لا قال فاستأذن عليها أي دائما وبهذا حصل الفرق بين هذه القضية وترك إيجاب الإحرام لمن كثر تردده إلى الحرم من أهل المواقيت كما هو مقرر في محله رواه مالك مرسلا وعن علي رضي الله تعالى عنه قال كان لي من رسول الله مدخل مصدر ميمي أي دخول بالليل ومدخل بالنهار قال الطيبي لي خبر كان واسمه مدخل ومن رسول الله متعلق بالجار والمجرور أي حصل لي من رسول الله دخول بالليل ودخول بالنهار وعلامة الاذن بالليل تنحنحه عليه الصلاة والسلام وهذا معنى قوله كرم الله وجهه فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي قيل إن التنحنح للمنع كما جاء في حديث صريح وفيه أنه يجوز أن يكون التنحنح بالنسبة إلى علي علامة الاذن وإن كان بالنسبة إلى غيره علامة المنع بقي الكلام على علامة دخول علي في النهار فيحتمل أن يكون الأمر بالعكس على مقتضى المفهوم المخالف أي وكنت إذا دخلت بالنهار تنحنحت له ويحتمل غير ذلك والله أعلم رواه النسائي وعن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي قال لا تأذنوا أي بالدخول أو للطعام لمن لم يبدأ بالسلام أي بسلام الاذن أو بسلام الملاقاة بأن دخل ساكتا أو بدأ بالكلام
رواه البيهقي في شعب الإيمان وكذا الضياء وقد سبق أحاديث تقويه في المعنى المرام


باب المصافحة والمعانقة المصافحة
هي الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد وأول من أظهرها أهل اليمن أخرجه البخاري في الأدب وابن وهب في جامعه عن أنس رفعه ذكره السيوطي وفي مختصر النهاية له إن التصفح هو التصفيق وهو ضرب صفحة الكف على صفحة الأخرى ومنه المصافحة وهي إلصاق صفحة الكف بالكف وفي القاموس المصافحة الأخذ باليد كالتصافح ويمكن أن يكون مأخوذا من الصفح بمعنى العفو ويكون أخذ اليد دلالة عليه كما أن تركه مشعر بالأعراض عنه قال النووي اعلم أن المصافحة سنة ومستحبة عند كل لقاء وما اعتاده الناس بعد صلاة الصبح والعصر لا أصل له في الشرع على هذا الوجه ولكن لا بأس به فإن أصل المصافحة سنة وكونهم محافظين عليها في بعض الأحوال ومفرطين فيها في كثير من الأحوال لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها وهي من البدعة المباحة وقد شرحنا أنواع البدع في أول كتاب الاعتصام مستوفي اه ولا يخفى أن في كلام الإمام نوع تناقض لأن إتيان السنة في بعض الأوقات لا يسمى بدعة مع أن عمل الناس في الوقتين المذكورين ليس على وجه الاستحباب المشروع فإن محل المصافحة المشروعة أول الملاقاة وقد يكون جماعة يتلاقون من غير مصافحة ويتصاحبون بالكلام ومذاكرة العلم وغيره مدة مديدة ثم إذا صلوا يتصافحون فأين هذا من السنة المشروعة ولهذا صرح بعض علماؤنا بأنا مكروهة حينئذ وأنها ومن البدع المذمومة نعم لو دخل أحد في المسجد والناس في الصلاة أو على إرادة الشروع فيها فبعد الفراغ لو صافحهم لكن بشرط سبق السلام على المصافحة فهذا من جملة المصافحة المسنونة بلا شبهة ومع هذا إذا مد مسلم يده للمصافحة فلا ينبغي الإعراض عنه بجذب اليد لما يترتب عليه من أذى يزيد على مراعاة الأدب فحاصله أن الابتداء بالمصافحة حينئذ على الوجه المشروح مكروه لا المجابرة وإن كان قد يقال فيه نوع معاونة على البدعة والله أعلم ثم قال النووي وينبغي أن يحترز عن مصافحة


الأمرد والحسن الوجه فإن النظر إليه حرام كما بسطنا القول فيه في كتاب النكاح وقال أصحابنا كل من حرم النظر إليه حرم مسه بل مسه أشد فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها وفي حال البيع والشراء ونحو ذلك ولا يجوز مسها في شيء من ذلك اه ثم المعانقة والتعانق في المحبة والاعتناق في الحرب ونحوها على ما في القاموس لكن يرد
عليه ما ورد من أن الحسن جاءه يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه وكان المناسب أن يذكر التقبيل أيضا في عنوان الباب لما ورد في بعض أحاديثه
الفصل الأول
عن قتادة رضي الله عنه من أكابر التابعين قال قلت لأنس أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله أي ثابتة وموجودة فيهم حال ملاقاتهم بعد السلام زيادة للمودة والإكرام قال نعم رواه البخاري وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قبل بتشديد الموحدة رسول الله الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس قال المؤلف تميمي وفد على النبي بعد فتح مكة مع وفد بني تميم وكان من المؤلفة قلوبهم وكان شريفا في الجاهلية والإسلام استعمله عبد الله بن عامر على جيش العدة على خراسان وأصيب هو والحسن الجوزجاني روى عنه جابر وأبو هريرة فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد بفتحتين ويجوز ضم أوله وسكون ثانيه بمعنى الأولاد ما قبلت منهم أحدا أي في مدة عمري أبدا فنظر إليه رسول الله أي نظر تعجب أو نظر غضب ثم قال من لا يرحم لا يرحم بسكون الميم وفي نسخة بضمها فيهما قال الطيبي يجوز فيه الجزم والرفع على أن من موصولة أو شرطية ولعل وضع الرحمة في الأول للمشاكلة فإن المعنى من لم يشفق على الأولاد لا يرحمه


الله تعالى أو أتى بالعام لتدخل الشفقة أوليا اه والثاني أتم وفائدته أعم ولهذا حذف المفعول ليذهب الفهم كل المذهب فهو بالاعتبار أقرب وأنسب قال النووي تقبيل الرجل خد ولده الصغير واجب وكذا غير خده من أطرافه ونحوها على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة سنة سواء كان الولد ذكرا أو أنثى وكذا قبلة ولد صديقه وغيره من صغار الأطفال على هذا الوجه وأما التقبيل بالشهوة فحرام بالاتفاق وسواء في ذلك الولد وغيره اه وكون تقبيل الرجل خد ولده الصغير واجبا يحتاج إلى حديث صريح أو قياس صحيح متفق عليه وفي الجامع الصغير حديث من لا يرحم لا يرحم أخرجه أحمد والشيخان والترمذي عن أبي هريرة وابن ماجه عن جرير وفي رواية لأحمد والشيخين والترمذي عن جرير ولأحمد والترمذي أيضا عن أبي سعيد بلفظ من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ورواه الطبراني عن جرير ولفظه من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء وفي رواية لأحمد عن جرير من لا يرحم لا يرحم ومن لا يغفر لا يغفر له وزاد الطبراني عن جرير من لا يتب لا يتب عليه اه فهذه الرواية نص على أن من في الحديث شرطية جازمة قال المؤلف وسنذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه إثم بفتح المثلثة وشد الميم أي أهناك لكع بضم لام وفتح كاف غير منصرف وقد ينصرف وهو الصبي ويعني به حسنا فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه الحديث في مناقب أهل بيت النبي وعليهم أجمعين إن شاء الله تعالى متعلق بقوله سنذكر وذكر حديث أم هانىء في باب الأمان وفي حديثها أنه قال لها مرحبا بأم هانىء ففيه أن الترحيب سنة للقادم وغيره

الفصل الثاني


عن البراء بن عازب رضي الله عنهما صحابيان جليلان قال قال النبي ما من مسلمين من مزيدة لمزيد الاستغراق يلتقيان أي يتلاقيان فيصافحان أي بعد سلام أحدهما على الآخر إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا أي بالأبدان وبالفراغ عن المصافحة وهو أظهر في إرادة المبالغة رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وكذا أبو داود والضياء كذا في الجامع الصغير فقول المؤلف وفي رواية أبي داود معناه في رواية له قال أي النبي إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله أي أثينا عليه أو شكراه على نعمائه واستغفراه أي طلبا مغفرة الذنوب من مولاهما غفر لهما بصيغة المجهول وفي نسخة على بناء الفاعل فما في هذا الحديث من الزيادة يحتمل أن يكون لحصول أصل المغفرة المستفاد من الأول أو إفادة لكمالها بأن تكون مستوعبة لجميع ذنوبهما وروى الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن عمر رضي الله عنه مرفوعا إذا التقى المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا بصاحبه فإذا تصافحا أنزل الله عليهما مائة رحمة للبادىء تسعون وللمصافح عشرة وعن أنس رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله الرجل منا أي من المسلمين أو من العرب يلقى أخاه أي المسلم أو أحدا من قومه فإنه يقال له أخو العرب


أو صديقه أي حبيبه وهو أخص مما قبله أينحني له من الإنحناء وهو إمالة الرأس والظهر تواضعا وخدمة قال لا أي فإنه في معنى الركوع وهو كالسجود من عبادة الله سبحانه قال أفيلتزمه أي يعتنقه ويقبله قال لا استدل بهذا الحديث من كره المعانقة والتقبيل وقيل لا يكره التقبيل لزهد وعلم وكبر سن قال النووي تقبيل يد الغيران كان لعلمه وصيانته وزهده وديانته ونحو ذلك من الأمور الدينية لم يكره بل يستحب وإن كان لغناه أو جاهه في دنياه كره وقيل حرام اه وقيل الحرام ما كان على وجه التملق والتعظيم وأما لمأذون فيه فعند التوديع والقدوم من السفر وطول العهد بالصاحب وشدة الحب في الله مع أمن النفس وقيل لا يقبل الفم بل اليد والجبهة وفي شرح مسلم للنووي حتى الظهر مكروه للحديث الصحيح في النهي عنه ولا تعتبر كثرة من يفعله ممن ينسب إلى علم وصلاح والمعانقة وتقبيل الوجه لغير القادم من سفر ونحوه مكروهان صرح به البغوي وغيره للحديث الصحيح في النهي عنهما كراهة تنزيه قال أفيأخذ بيده ويصافحه عطف تفسير أو الثاني أخص وأتم قال نعم رواه الترمذي وعن أبي أمامة رضي الله عنه أي الباهلي أن رسول الله قال تمام عيادة المريض أي كمالها أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده أي يفعل أحدهما فأو للتنويع لا للشك فيسأله بالنصب وهو يحتمل أن يكون معناه فيسأله نفسه أو يسأل عنه أهله ويؤيده قوله كيف هو أي كيف حاله أو مرضه وتمام تحياتكم جمع التحية وجمع إشعارا بأنواعها في الهناء والعزاء وغيرهما بينكم أي الواقعة فيما بينكم المصافحة قال الطيبي يعني لا مزيد على هذين فلو زدتم على هذا دخل في التكلف وهو بيان لقصد الأمور لأنه نهى عن الزيادة والنقصان قلت الظاهر أن كمال الأمرين يحصل بهذين الفعلين ولا دلالة على أنه لا مزيد عليهما وإن الزائد يعد من التكلف فيهما بل المراد أن هذا أدنى الكمال في كل منهما والله أعلم رواه أحمد والترمذي وضعفه وفي الجامع الصغير بلفظ من


تمام الخ وفي رواية للترمذي عن ابن مسعود من تمام التحية الأخذ باليد
وعن عائشة رضي الله عنها قالت قدم زيد بن حارثة المدينة أي من غزوة أو سفر ورسول الله في بيتي الجملة معترضة حالية فأتاه أي فجاء زيد فقرع الباب أي قرعا متعارفا له أو مقرونا بالسلام والاستئذان فقام إليه أي متوجها إليه رسول الله عريانا يجر ثوبه أي رداءه من كمال فرحه بقدومه ومأتاه قال شارح أي كان ساترا ما بين سرته وركبته ولكن سقط رداؤه عن عاتقه فكان ما فوق سرته عريانا والله ما رأيته عريانا أي يستقبل أحدا قبله أي قبل ذلك اليوم وفي نسخة لا قبله ولا بعده أي بعد ذلك اليوم فاعتنقه وقبله قال شارح إن قيل كيف تحلف أم المؤمنين على أنها لم تره عريانا قبله ولا بعده مع طول الصحبة وكثرة الاجتماع في لحاف واحد قيل لعلها أرادت عريانا استقبل رجلا واعتنقه فاختصرت الكلام لدلالة الحال أو عريانا مثل ذلك العري واختيار القاضي الأول وقال الطيبي هذا هو الوجه لما يشم من سياق كلامها رائحة الفرح والاستبشار بقدومه وتعجيله للقائه بحيث لم يتمكن من تمام التردي بالرداء حتى جره وكثيرا ما يقع مثل هذا والله أعلم رواه الترمذي وعن أيوب بن بشير رضي الله عنه بضم الموحدة وفتح معجمة وسكون تحتية فراء لم يذكره المؤلف في أسمائه عن رجل من عنزة بعين مهملة فنون فزاي مفتوحات قبيلة شهيرة إنه أي الرجل قال قلت لأبي ذر هل كان رسول الله يصافحكم أي يقبل مصافحتكم وإنما قلنا هذا لأنه يبعد أن يراد أنه كان مبادئا للمصافحة على ما هو مقتضى باب المفاعلة لا غالبا ولا دائما مستمرا قال أي أبو ذر ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إلي أي إلى طلبي ذات يوم ولم أكن في أهلي فلما جئت أي رجعت إلى أهلي أخبرت بصيغة المجهول فأتيته وهو على سرير قال ابن الملك قد يعبر بالسرير عن الملك والنعمة فالسرير هنا يجوز أن يكون المراد به ملك النبوة ونعمتها وقيل هو السرير من جريد النخل يتخذه كل أحد من أهل


المدينة وأهل مصر للنوم فيه وتوقيا من الهوام اه والمعتمد ما قيل كما لا يخفى فالتزمني أي فعانقني ولما كان الالتزام بمعنى المعانقة قال فكانت تلك أي
المعانقة وقيل الالتزام لأن المصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث أجود أي من المصافحة في إفاضة الروح والراحة أو أحسن من كل شيء وينصره عدم ذكر متعلق أفعل ليعم ويؤيده تأكيد مكررا بقوله وأجود قال الطيبي الواو للتعاقب بمنزلة الفاء في قولهم الأمثل فالأمثل اه وفيه بحث ظاهر فإن الواو هنا عاطفة لتأكيد نسبة الإسناد بخلاف الفاء في الأمثل فإنه للتعقيب الرتبي في الأمر الإضافي ثم الأجود أن يقال التقدير تلك أجود من المصافحة وأجود من كل شيء والله أعلم رواه أبو داود وعن عكرمة رضي الله عنه صحابي جليل حسن إسلامه بحيث كان إذا فتح المصحف يقول هذا كلام ربي ويغشى عليه ابن أبي جهل أي فرعون هذه الأمة كان يكنى أبا الحكم فكناه النبي أبا جهل فغلبت عليه هذه الكنية وأغرب المصنف حيث ذكره في التابعين وكان إذا رأى عكرمة يقول يخرج الحي من الميت قال أي عكرمة قال يوم جئته أي عام الفتح وزاد مالك في الموطأ فلما رآه رسول الله وثب إليه فرحا وما عليه رداء حتى بايعه مرحبا مقول القول أي جئت مرحبا أي موضعا واسعا والأظهر رحب مرحبا بالراكب المهاجر أي إلى الله ورسوله أو من دار الحرب إلى دار الإسلام وفيه إشعار بأن قوله لا هجرة بعد الفتح أي من مكة لأنها صارت دار الإسلام بخلاف ما قبل الفتح فإن الهجرة كانت واجبة بل شرطا وأما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فوجوبها باق إلى يوم القيامة قال المؤلف هو عكرمة بن أبي جهل واسم أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي كان شديد العداوة لرسول الله هو وأبوه وكان فارسا مشهورا وهرب يوم الفتح باليمن فلحقت به امرأته أم حكيم بنت الحارث فأتت به النبي فلما رآه قال مرحبا بالراكب المهاجر فأسلم بعد الفتح سنة ثمان وحسن إسلامه وقتل يوم اليرموك في زمن عمر قالت


أم سلمة عن رسول الله قال رأيت لأبي جهل عذقا في الجنة فلما أسلم عكرمة قال يا أم سلمة هذا هو قالت وشكا عكرمة إلى رسول الله أنه إذا مر بالمدينة قالوا هذا ابن عدو الله أبي جهل فقام رسول الله خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا رواه الترمذي
وعن أسيد بن حضير رضي الله عنه بالتصغير فيهما أنصاري أوسي كان ممن شهد العقبة وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد روى عنه جماعة من الصحابة مات بالمدينة سنة عشرين ودفن بالبقيع رجل بالرفع وفي نسخة بالجر قال الأشرف في لفظ هذا الحديث في المصابيح اضطراب وجامع الأصول ينبىء عنه وهو فيه هكذا عن أسيد بن حضير قال إن رجلا من الأنصار كان فيه مزاح فبينما هو يحدث القوم يضحكهم إذا طعنه النبي بعود كان في يده قال يا رسول الله اصبرني قال اصطبر الخ فليس المراد بقوله رجل من الأنصار هو أسيد بن حضير فلا يجوز جر رجل بل هو مرفوع على أنه مبتدأ ومخصصة قوله من الأنصار وخبره قوله قال مع فاعله المستكن فيه وبينا ظرف لقال قلت وضمير هو يحدث القوم للرجل وكذا بقية الضمائر من قوله وكان فيه مزاح الخ والمزاح بالضم في أكثر النسخ وفي بعضها بالكسر قال بعض الشراح هو بضم الميم اسم المزاح بالكسر وهو المصدر وقال الجوهري المزاح بالضم الاسم وأما المزاح بالكسر فهو مصدر مازحه والمفهوم من القاموس أنهما مصدران إلا أن الضم مصدر المجرد والكسر مصدر المزيد هذا وقال الأشرف والضمير في قوله فيه للرجل وكان فيه مزاح جملة حالية من ضمير يحدث وقعت بين قوله يحدث القوم وبين قوله يضحكهم قلت وفي المتن بينا يضحكهم قال وقوله بينا مع ما بعده مقول لقال وبينا ظرف لقوله طعنه أو لمحذوف دل عليه الفعل الظاهر والتقدير بينا يضحكهم فأضحكهم فطعنه النبي عطف على قوله يضحكهم اه كلام الأشرف في شرح الحديث على ما في جامع الأصول قال الطيبي الحديث على ما هو في المتن والمصابيح


مثبت في سنن أبي داود وفي نسخة يعتمد عليها فبقي أن يقال إن الرجل الذي طعنه رسول الله في خاصرته هل هو أسيد بن حضير أو غيره فعلى ما في جامع الأصول هو غيره وعلى ما في شرح السنة أنه هو ولفظه هكذا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير بينما هو يحدث القوم يضحكهم وكان فيه مزاح فطعنه النبي وكان أسيد بن حضير من نقباء الأنصار وتنزيل الحديث على هذه الرواية أسهل وأبعد من التكلف من تلك الرواية وما قيل إن قال خبر وبينما ظرف له خارج عن المراد فقوله رجل مجرور بدلا من أسيد وقال قول الراوي أي قال الراوي وهو عبد الرحمن بينما أسيد يحدث الخ ولو كان القائل أسيد القال فبينما أنا وبينا الثانية بدل منها وقوله فطعنه هو الجواب اه كلامه والمعنى فضربه على طريق المزاح في خاصرته أي شاكلته بعود أي بخشب من عصا أو غيرها فقال أصبرني بفتح الهمزة وكسر الموحدة


أي أقدرني ومكني من استيفاء القصاص حتى أطعن في خاصرتك كما طعنت في خاصرتي قال أصطبر بصيغة المتكلم أي أمكنك من القصاص واقتص من نفسي وفي نسخة صحيحة بل قبل هي الأصح اصطبر بصيغة الأمر أي استوف القصاص والاصطبار الاقتصاص ذكره شارح وفي النهاية قوله أصبرني أي أقدني من نفسك قال ستقد يقال أصبر فلان من خصمه واصطبر أي اقتص منه وأصبره الحاكم أي أقصه من خصمه قال صاحب الفائق وأصله الحبس حتى يقتل وأصبره القاضي صبار أقصه واصطبر أي اقتص قال إن عليك قميصا وليس علي قميص حكاية الحال الماضية ومن الظاهر أن يقال ولم يكن علي قميص فرفع النبي عن قميصه عداه بعن لتضمينه معنى كشف أي كشف عما ستره قميصه فرفعه عنه ذكره الطيبي ونحوه قوله تعالى وكشفت عن ساقيها النحل فاحتضنه أي اعتنقه وأخذه في حضنه وهو ما دون الابط إلى الكشح وجعل يقبل كشحه أي جنبه قال الشارح وتبعه ابن الملك هو ما بين الخاصرة إلى الضلع الأقصر من أضلاع الجنب قال إنما أردت هذا يا رسول الله أي ما أردت بقولي أصبرني إلا هذا التقبيل وما قصدت حقيقة القصاص أقول وهذا إلا مماثلة فإن هذا أعلى وأغلى من له بطعنه أيضا من الدرجات العلى ما ينسى في جنبه جميع نعيم الدنيا قال الطيبي وفيه إشعار بإباحة المزاح إذا لم يكن فيه محذور شرعا وباستماعه أيضا قلت الظاهر أن المزاح بشرطه من باب الاستحباب لأنه معدود في شمائله وفيه أحاديث موضوعة لهذا الباب قال وبأن الانبساط مع الوضيع من شيم الشريف قلت هذا غير مناسب لما اختاره من أن المازح هو أسيد بن حضير فإنه من أجلاء الصحابة ونقباء الأنصار رواه أبو داود وعن الشعبي بفتح شين معجمة وعين مهملة فموحدة فياء نسبة إلى قبيلة كذا في جامع الأصول وفي القاموس الشعب كالمنع القبيلة العظيمة وهو تابعي جليل قال المؤلف هو عامر بن شرحبيل الكوفي أحد الأعلام ولد في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه روى عن خلق كثير وروى عنه أمم قال أدركت خمسمائة من


الصحابة وقال ما كتبت سوداء في بيضاء قط ولا حدثت بحديث إلا حفظته قال ابن عيينة كان ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه والثوري في زمانه وقال الزهري العلماء أربع ابن المسيب بالمدينة والشعبي بالكوفة والحسن البصري بالبصرة ومكحول بالشام مات سنة أربع ومائة وله اثنتان
وثمانون سنة أن النبي تلقى جعفر بن أبي طالب أي استقبله حين قدم من السفر فالتزمه أي اعتنقه وقبل ما بين عينيه رواه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان مرسلا وفي بعض نسخ المصابيح وفي شرح السنة أي أيضا عن البياضي بفتح الموحدة وتخفيف تحتية وإعجام ضاد متصلا قيل البياضي منسوب إلى بياضة بن عامر بن زريق والبياضي بلا تسمية مطلقا هو عبد الله بن جابر وقال المؤلف في أسمائه البياضي منسوب إلى بياضة واسمه عبد الله بن جابر الأنصاري صاحبي وعن جعفر بن أبي طالب في قصة رجوعه من أرض الحبشة قال أي جعفر فخرجنا أي من الحبشة حتى أتينا المدينة فتلقاني رسول الله فاعتنقني ثم قال ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر الظاهر أن أفرح أفعل تفضيل خبر أنا ويحتمل أن يكون أنا تأكيدا لضمير أدري وأفرح فعل مضارع المتكلم والمعنى أنه تعدد سبب فرحي فما أدري ألاحظ هذا أو ذاك فكان كل واحد لاستقلال كونه سببا للفرح لا يجتمع مع غيره من أسباب الفرح وقال الطيبي هذا الأسلوب من باب الذهاب إلى التشابه من التشبيه مبالغة في إلحاق الناقص بالكامل اه فجعل قدوم جعفر ناقصا بالنسبة إلى فتح خيبر ففيه نظر لإمكان التساوي فتدبر ووافق ذلك أي قدوم جعفر فتح خيبر رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وعن زارع رضي الله عنه بزاي ثم راء مكسورة وأغرب شارح وقال هو اسم رجل وقال المؤلف هو زارع بن عامر بن عبد القيس وفد على النبي في وفد عبد القيس عداده في البصريين وحديثه فيهم وكان أي زارع في وفد عبد القيس أي فيما بينهم ومن جملتهم قال أي زارع لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر أي في النزول من


رواحلنا فنقبل يد رسول الله ورجله رواه أبو داود
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ما رأيت أحدا كان أشبه سمتا أي هيئة وطريقة كانت عليها من السكينة والوقار قال شارح السمت في الأصل القصد والمراد به هيئة أهل الخير والتزيي بزي الصالحين وهديا أي سيرة وطريقة يقال فلان حسن الهدى أي حسن المذهب في الأمور كلها ودلا بفتح دال وتشديد لام فسره الراغب بحسن الشمائل وأصله من دل المرأة وهو شكلها وما يستحسن منها والكل ألفاظ متقاربة قال التوربشتي كأنها أشارت بالسمت إلى ما يرى على الإنسان من الخشوع والتواضع لله وبالهدى ما يتحلى به من السكينة والوقار وإلى ما يسلكه من المنهج المرضي وبالدل حسن الخلق ولطف الحديث وفي رواية حديثا وكلاما أي أشبه تحدثا ومنطقا برسول الله من فاطمة كانت أي فاطمة إذا دخلت عليه قام إليها أي مستقبلا ومتوجها فأخذ بيدها فقبلها أي بين عينها أو رأسها والأظهر الأول لما رواه ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا من قبل بين عيني أمه كان له سترا من النار فكأنه نزلها منزلة أمه تعظيما لها وأجلسها في مجلسه أي تكريما لمأتاها وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته أي عضوا من أعضائه الشريفة والظاهر أنه اليد المنيفة وأجلسته في مجلسها أي موضعها المهيأ للكرامة رواه أبو داود وعن البراء أي ابن عازب رضي الله عنهما قال دخلت مع أبي بكر أول ما قدم المدينة أي من غزوة فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابها حمى بضم الحاء وتشديد الميم مقصورا فأتاها أبو بكر فقال كيف أنت يا بنية تصغير بنت للشفقة وقبل خدها أي للمرحمة والمودة أو مراعاة للسنة رواه أبو داود وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي أتي بصبي أي جيء إليه فقبله


فقال أما بفتح الهمزة وتخفيف الميم للتنبيه أنهم أي الأولاد بقرينة المقام وتقدم ذكر الصبي مبخلة بفتح الميم وسكون الموحدة أي مسبب ومحصل للبخل ففي النهاية المبخلة مفعلة من البخل ومظنة له أي يحمل أبويه على البخل ويدعوهما إليه فيبخلان بالمال لأجله مجبنة بفتح ميم وسكون جيم وفتح موحدة أي باعث على الجبن وهذا يدل على كمال محبتهم وغاية مودتهم حتى يختار أكثر الناس حبهم على محامد المحاسن الرضية والأمور المأمور بها في الشريعة الحنيفية النافعة لهم في القضايا الدينية والدنيوية وفي الفائق معناه إن الولد موقع أباه في الجبن خوفا من أن يقتل في الحرب فيضيع ولده بعده وفي البخل إبقاء على ماله له والواو في قوله وأنهم للحال كأنه قال مع أنهم لمن ريحان الله أي من رزق الله يقال سبحان الله وريحانه أي أسبح له واسترزقه وهو مخفف عن ريحان فيعلان من الروح لأن انتعاشه بالرزق ويجوز أن يراد بالريحان المشموم لأن الشامات تسمى ريحانا ويقال حباه بطاقة نرجس وبطاقة ريحان فيكون المعنى وأنهم مما أكرم الله به الأناسي وحباهم به أو لأنهم يشمون ويقبلون فكأنهم من جملة الرياحين التي أنبتها الله وقال شارح أي من رزق الله تعالى ومن الطيب الذي طيب الله به قلوب الآباء والريحان الرزق وأيضا نبت طيب الريح وقال الطيبي قوله أما أنهم الخ تذبيل للكلام السابق ولذلك جمع الضمير الراجع إلى الصبي ليعقب الحكم الخاص بالعام ويؤكده فيدخل فيه دخولا أوليا وقوله وأنهم لمن ريحان الله من باب الرجوع ذمهم أو لا ثم رجع منه إلى المدح قلت بل نبه أولا على ما قد يترتب على وجودهم من الأمور المذمومة احتراسا عنها ثم مدحهم بأنهم مع ذلك راحة للروح وبيان للرزق والفتوح وبقاء معنوي ونظام دينوي وأخروي ولذا قيل الولد إن عاش نفع وإن مات شفع وقد روى الحكيم الترمذي عن خولة بنت حكيم مرفوعا الولد من ريحان الجنة وروى أبو يعلى عن أبي سعيد مرفوعا الولد ثمر القلب وأنه مجبنة


مبخلة محزنة رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده
الفصل الثالث
عن يعلى رضي الله عنه مضارع على قال المؤلف هو يعلى بن أمية أسلم يوم الفتح وشهد حنينا والطائف وتبوك روى عنه ابنه صفوان وعطاء ومجاهد وغيرهم قتل بصفين مع علي بن أبي طالب قال إن حسنا وحسينا استبقا أي تبادرا وتسابقا إلى رسول الله فضمهما إليه وقال إن الولد مبخلة مجبنة قال الطيبي هما هنا كنايتان عن المحبة على ما يقتضيه المقام فيكون مدحا وإن كان في الحديث السابق كناية عن الذم اه وهو غريب والصواب ما قدمنا وإنما ذكرهما هنا لأنهما يدلان على كمال المحبة الطبيعية والمودة العادية المورثة للبخل والجبن لمن لم يكن كاملا في المرتبة العبودية وما يقتضيها من تقدم محبة مرضاة الرب على ما سواه لأنه هو المحبوب الحقيقي وما سواه مطلوب إضافي وقد سبق في صدر الكتاب حديث متفق عليه لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين رواه أحمد وكذا ابن ماجه وروى الحاكم عن الأسود بن خلف والطبراني عن خولة بنت حكيم ولفظهما إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة محزنة وعن عطاء الخراساني تابعي جليل قال المؤلف هو عطاء بن عبد الله سكن الشام روى عنه مالك بن أنس ومعمر بن راشد إن رسول الله قال تصافحوا يذهب بفتحتين وفي نسخة بضم أوله وكسر الهاء بقوله الغل مرفوع بالفاعلية على الأول منصوب بالمفعولية على الثاني وفاعله ضمير راجع إلى التصافح الدال عليه تصافحوا وهو بكسر الغين وتشديد اللام بمعنى الحقد وتهادوا بفتح التاء والدال المخففة أمر من التهادي تحابوا بفتح التاء وضم الموحدة المشددة من التحابب من باب التفاعل على أنه مضارع مجزوم على جواب الأمر حذف منه إحدى التاءين وتذهب بالضبطين السابقين لكنه هنا مجزوم بالعطف على ما قبله وحرك بالكسر للالتقاء وقوله الشحناء بفتح أوله العداوة المشحون بها القلب رواه مالك مرسلا وقد روى ابن عدي عن ابن عمر مرفوعا تصافحوا يذهب الغل عن


قلوبكم وروى أبو يعلى عن أبي هريرة مرفوعا تهادوا تحابوا وزاد ابن عساكر عنه وتصافحوا يذهب الغل عنكم وفي رواية لابن عساكر عن عائشة بلفظ تهادوا تزدادوا حبا وهاجروا تورثوا أبناءكم مجدا وأقيلوا الكرام عثراتهم وروى أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه تهادوا إن الهدية تذهب وحر الصدر ولا تحقرن جاره لجارتها ولو شق فرسن شاة وفي رواية لابن عدي عن ابن عباس تهادوا الطعام بينكم فإن ذلك توسعة لأرزاقكم وروى الطبراني عن أم حكيم بنت رداع تهادوا فإن الهدية تضعف الحب وتذهب بغوائل الصدور وروى البيهقي عن أنس تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة ولو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدى إلى كراع لقبلت وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال قال رسول الله من صلى أربعا أي صلاة الضحى لقوله قبل الهاجرة أي قبل نصف النهار وهو وقت اشتداد الحر وقد يعبر بها عن الظهيرة فكأنما صلاهن في ليلة القدر لأنه عبد ربه تطوعا مع تحمل مشقة شدة الحرفي وقت الغفلة وزمان الاستراحة والمسلمان إذا تصافحا لم يبق بينهما ذنب أي غل وشحناء على ما سبق في الحديث الأسقط أي ذلك الذنب قال الطيبي وضع الذنب موضعهما لأنه مسبب عنهما رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب القيام
الفصل الأول
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال لما نزلت بنو قريظة بالتصغير وهم جماعة من اليهود على حكم سعد أي ابن معاذ لكونهم من حلفاء قومه وفي المغرب المراد بالسعدين في اصطلاح المحدثين إذا أطلقا سعد بن عبادة وسعد بن معاذ اه وقد تقدمت ترجمته بعث أي رسولا رسول الله أي إليه كما في نسخة صحيحة وكان أي سعد قريبا منه أي نازلا في موضع قريب منه فجاء على حمار أي راكبا عليه لعذر فلما دنا أي قرب من المسجد أي المصلي ذكره ابن الملك وقال ميرك قيل إن المسجد هنا وهم فإنه كان نازلا في بني قريظة إلا أن يراد بالمسجد الذي صلى فيه مدة مقامه فيهم قال رسول الله للأنصار أي مخاطبا لهم كلهم أو لقومه خاصة فإنهم كانوا طائفتين قوموا إلى سيدكم قيل أي لتعظيمه ويستدل به على عدم كراهته فيكون الأمر للإباحة ولبيان الجواز وقيل معناه قوموا لإعانته في النزول عن الحمار إذ كان به مرض وأثر جرح أصاب أكحله يوم الأحزاب ولو أراد تعظيمه لقال قوموا لسيدكم ومما يؤيده تخصيص الأنصار والتنصيص على السيادة المضافة وإن الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يقومون له تعظيما له مع أنه سيد الخلق لما يعلمون من كراهية لذلك على ما سيأتي قال التوربشتي ليس هذا من القيام الذي يراد به التعظيم على ما كان يتعاهده الأعاجم في شيء فكيف يجوز أن يأمر بما صح أنه نهى عنه وعرف منه إلى آخر العهد وإنما كان سعد بن معاذ رضي الله عنه وجعا لما رمى في أكحله مخوفا عليه من الحركة حذرا من سيلان العرق بالدم وقد أتى به يومئذ للحكم الذي سلمت إليه بنو قريظة إليه عند النزول على حكمه فأمرهم بالقيام إليه ليعينوه على النزول من الحمار ويرفقوا به فلا يصيبه ألم ولا يضطر إلى حركة ينفجر منها العرق فكان معنى قوله قوموا إليه أي إلى إعانته ونزوله من المركب ولو كان يريد به التوقير والتعظيم لقال قوموا لسيدكم وأما ما ذكر في قيام النبي لعكرمة بن أبي جهل عند قدومه عليه


وما روي عن عدي بن حاتم ما دخلت على رسول الله إلا قام إلي أو تحرك فإن ذلك مما لا يصح الاحتجاج به لضعفه والمشهور عن عدي إلا وسع لي ولو ثبت فالوجه فيه أن يحمل على الترخيص حيث يقتضيه الحال وقد كان عكرمة من رؤساء قريش وعدي كان سيد بني طيىء فرأى تأليفهما بذلك على الإسلام أو عرف من جانبهما تطلعا إليه على حسب ما يقتضيه حب الرياسة اه والظاهر أن قيامه لعكرمة إنما كان لكونه قادما مهاجرا كما سبق أنه قال له مرحبا بالراكب المهاجر وقد تعقب الطيبي التوربشتي بأن إلى في هذا المقام أفخم من اللام وأتى بما يرجع عليه الملام وخرج عن مقام المرام وقال بعض العلماء في الحديث إكرام أهل الفضل من علم أو صلاح أو شرف بالقيام لهم إذا أقبلوا هكذا احتج بالحديث جماهير العلماء وقال القاضي عياض القيام المنهي تمثلهم قياما طول جلوسه وقال النووي هذا القيام للقادم من أهل الفضل مستحب وقد جاءت أحاديث ولم يصح في النهي عنه شيء صريح وقد جمعت كل ذلك مع كلام العلماء عليه في جزء وأجبت فيه عما يوهم النهي عنه اه وتعقبه ابن الحاج المالكي في مدخله ورد عليه ردا بليغا ثم اختلفوا في الذين عناهم النبي بقوله قوموا إلى سيدكم هل هم الأنصار خاصة أم جميع من حضر من المهاجرين معهم قلت هذا وهم فإنه مع صريح قوله للأنصار قوموا كيف يتصور العموم الشامل للمهاجرين نعم يحتمل عموم الأنصار وخصوص قومه منهم على ما قدمناه والله أعلم وقال الإمام حجة الإسلام القيام مكروه على سبيل الإعظام لا على سبيل الإكرام ولعله أراد بالإكرام القيام للتحية بمزيد المحبة كما تدل عليه المصافحة وبالإعظام التمثل له بالقيام هو جالس على


عادة الأمراء الفخام والله أعلم بكل حال ومقام متفق عليه وكذا رواه الإمام أبو داود ومضى الحديث بطوله في باب حكم الإسراء وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي قال لا يقيم الرجل الرجل من الإقامة من مجلسه أي من مكانه الذي سبقه إليه من موضع مباح ثم يجلس أي المقيم فيه قيد واقعي غالبي ولكن تفسحوا أي ليفسح بعضكم عن بعض من قولهم فسح عني أي تنح فقوله وتوسعوا تأكيد ومعناه لا تتضاموا بل يقرب بعضكم من بعض ليتسع المجلس قال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم المجادلة وقيل التقدير في الحديث ولكن ليقل تفسحوا وتوسعوا قال النووي هذا النهي للتحريم فمن سبق إلى موضع مباح من المسجد وغيره يوم الجمعة أو غيره لصلاة أو غيرها فهو أحق به ويحرم على غيره إقامته لهذا الحديث إلا أن أصحابنا استثنوا منه ماذا ألف من المسجد موضعا يفتي به أو يقرىء قرآنا أو غيره من العلوم الشرعية فهو أحق به وليس لأحد أن ينازعه فيه قلت وفيه بحث ظاهر لأن مثل هذا التعليل هل يصلح لتخصيص العام المستفاد من النهي الصريح بالحديث الصحيح مع ما ورد من النهي عن أخذه مكان معين من المسجد لما يترتب عليه من الرياء المنافي للإخلاص وقد كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال من قام من مجلسه أي مريدا للرجوع إليه قريبا ثم رجع إليه أي من قريب فهو أحق به وإنما قيدنا بقرب الرجوع فإن من أخذ مكانا في عرفة أو مني مثلا ورجع إليه سنة أخرى فليس أحق ممن سبقه خلافا لما يتوهمه العامة قال ابن الملك أي من كان جالسا في مجلس فقام منه ليتوضأ أو


ليقضي شغلا يسيرا سواء ترك فيه خمرة ونحوها أو لا فهو أحق به فإذا وجد فيه من عداه فله أن يقيمه لأنه لم يبطل اختصاصه به اه والظاهر أنه إذا لم يترك فيه شيئا بطل اختصاصه رجوعا للمباح إلى أصله ويدل عليه ما سيأتي أنه إذا جلس فقام فأراد الرجوع نزع نعله الحديث وقد ذكر النووي ما سبق من غير تعميم وقال قال أصحابه الحديث فيمن جلس الخ ثم قال وقال بعضهم هذا مستحب ولا يجب والصواب الأول وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها رواه مسلم
الفصل الثاني
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال لم يكن شخص أحب إليهم أي إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين من رسول الله وكانوا أي جميعهم إذا رأوه أي مقبلا لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك أي لقيامهم تواضعا لربه ومخالفة لعادة المتكبرين والمتجبرين بل اختار الثبات على عادة العرب في ترك التكلف في قيامهم وجلوسهم وأكلهم وشربهم ولبسهم ومشيهم وسائر أفعالهم وأخلاقهم ولذا روي أنا وأتقياء أمتي برآء من التكلف قال الطيبي ولعل الكراهية بسبب المحبة المقتضي للاتحاد الموجب لرفع التكلف والحشمة ويدل عليه قوله لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله وقال الإمام أبو حامد مهما تم الاتحاد خفت الحقوق بينهم مثل القيام والاعتذار والثناء فإنها وإن كانت من حقوق الصحبة لكن في ضمنها نوع من الأجنبية والتكلف فإذا تم الاتحاد انطوى بساط التكلف بالكلية فلا يسلك به إلا مسلك نفسه لأن هذه الآداب الظاهرة عنوان الآداب الباطنة فإذا صفت القلوب بالمحبة استغنت عن تكلف إظهار ما فيها والحاصل أن القيام وتركه يختلف بحسب الأزمان والأشخاص والأحوال والله أعلم رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح


وعن معاوية رضي الله تعالى عنه أي ابن أبي سفيان فإنه المراد عند الإطلاق قال قال رسول الله من سره أي أعجبه وجعله مسرورا ولفظ الجامع من أحب أن يتمثل أي ينتصب له الرجال قياما أي يقفون بين يديه قائمين لخدمته وتعظيمه من قولهم مثل بين يديه مثولا أي انتصب قائما كذا ذكره بعض الشراح والظاهر أنهم إذا كانوا قائمين للخدمة لا للتعظيم فلا بأس به كما يدل عليه حديث سعد قال الطيبي يجوز أن يكون قوله قياما مفعولا مطلقا لما في الانتصاب من معنى القيام وأن يكون تمييزا لاشتراك المثول بين المعنيين فليتبوأ أي فليهىء مقعده من النار لفظه الأمر ومعناه الخبر كأنه قال من سره ذلك وجب له أن ينزل منزله من النار قيل هذا الوعيد لمن سلك فيه طريق التكبر بقرينة السرور للمثول وأما إذا لم يطلب ذلك وقاموا من تلقاء أنفسهم طلبا للثواب أو لإرادة التواضع فلا بأس به وقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن الخطابي في معنى الحديث هو أن يأمرهم بذلك ويلزمه إياهم على مذهب الكبر والفخر قال وفي حديث سعد دلالة على أن قيام المرء بين يدي الرئيس الفاضل والوالي العادل وقيام المتعلم للمعلم مستحب غير مكروه وقال البيهقي هذا القيام يكون على وجه البر والإكرام كما كان قيام الأنصار لسعد وقيام طلحة لكعب بن مالك ولا ينبغي للذي يقام له أن يريد ذلك من صاحبه حتى إن لم يفعل حقد عليه أو شكاه أو عاتبه رواه الترمذي وأبو داود وكذا أحمد وفي شرح السنة عن أبي مجلز أن معاوية خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير جالسان فقام ابن عامر وقعد ابن الزبير فقال معاوية إن رسول الله قال من سره أن يتمثل له عباد الله قياما فليتبوأ مقعده من النار وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال خرج رسول الله متكئا أي معتمدا على عصا أي لمرض كان به فقمنا له أي لتعظيمه فقال لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضها ويروي بعضهم بعضا أي لماله ومنصبه وإنما ينبغي التعظيم للعلم والصلاح


ذكره ابن الملك وكذا قال شارح من علمائنا أيضا وإذا كان القيام والتعظيم لله فحسن اه وفيه أن كلامهما لا يلائم النهي لهم فإنهم لا شك أنهم إنما قاموا لله وتعظيما
لرسول الله ولعل الوجه أن يقال إنهم قاموا متمثلين فنهاهم عن ذلك وعبر عنه بمطلق القيام للمبالغة في المرام أو المراد بالقيام الوقوف والله أعلم رواه أبو داود وعن سعيد بن أبي الحسن هو أخو الحسن البصري قال المؤلف واسم أبي الحسن يسار البصري تابعي روى عن ابن عباس وأبي هريرة وعنه قتادة وعوف مات قبل أخيه بسنة وذلك سنة تسع ومائة قال جاءنا أبو بكرة أي الثقفي صحابي جليل تقدم ذكره في شهادة أي لأداء شهادة كانت عنده فقام له رجل من مجلسه أي ليجلس هو فيه فأبى أن يجلس فيه أي في ذلك المجلس وقال إن النبي نهى عن ذا أي أن يقوم أحد ليجلس غيره في مجلسه ذكره الطيبي والأظهر أن يكون إشارة إلى الجلوس في موضع يقوم منه أحد ويمكن أن تكون الإشارة إلى المعنى المفهوم من السياق وهو أن يقام أحد من مجلسه وهذا في معناه ويؤيده ما سبق من حديث لا يقيم الرجل الرجل ويوافقه ما أخرجه البخاري عن ابن عمر أنه نهى أن يقام الرجل من مقعده ويجلس فيه آخر ونهى النبي أن يمسح الرجل يده أي إذا كانت ملوثة بطعام مثلا بثوب من لم يكسه بفتح الياء وضم السين أي بثوب شخص لم يلبسه ذلك الرجل الثوب والمراد منه النهي عن التصرف في مال الغير والتحكم على من لا ولاية له عليه وقال المظهر معناه إذا كانت يدك ملطخة بطعام فلا تمسح يدك بثوب أجنبي ولكن بإزار غلامك أو ابنك وغيرهما ممن ألبسته الثوب قال الطيبي لعل المراد بالثوب الإزار والمنديل ونحوهما فلما أطلق عليه لفظ الثوب عقبه بالكسوة مناسبة للمعنى أي نهى أن يمسح يده بمنديل الأجنبي فيمسح بمنديل نفسه أو منديل وهبه من غلامه أو ابنه انتهى والأظهر أن صاحب الثوب إذا كان راضيا يجوز له ذلك وكذلك إذا علم أن الشخص قام عن المجلس بطيب خاطره فلا بأس بجلوسه


كما يستفاد من قوله تعالى تفسحوا في المجلس المجادلة وكذا في قوله سبحانه وإذا قيل انشزوا فانشزوا المجادلة ومما يدل عليه حديث صدر الدابة أحق بصاحبها إلا إذا أذن وأمثال ذلك كثير في الفروع كما في باب أمام الجنازة فامتناع الصحابي من الجلوس إما لشك رضا الرجل لكونه قام بأمر بعض أو بسبب حياء وأما الاحتياط والورع وأما لحمله الحديث على الإطلاق والله أعلم رواه أبو داود ووافقه أحمد في النهي الأخير
وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله إذا جلس وجلسنا حوله أي بين يديه وعن يمينه وشماله لورود النهي عن الجلوس وسط الحلقة فقام عطف على جلس فأراد الرجوع نزع نعله جواب الشرط أي خلع نعله وتركها هناك قال الطيبي ولعله يمشي حافيا إلى حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها اه ولا يبعد أن يمشي حافيا إلى مكان آخر لما ثبت أنه كان يأمر أصحابه بأن يمشوا حفاة أحيانا أو بعض ما يكون عليه أي من رداء أو عمامة أو طاقية فيعرف ذلك أي إرادة رجوعه أصحابه فيثبتون أي في مكانهم ولا يتفرقون عنه رواه أبو داود وعن عبد الله بن عمرو أي ابن العاص عن رسول الله قال لا يحل الرجل أن يفرق بتشديد الراء بين اثنين أي بأن يجلس بينهما إلا بإذنهما لأنه قد يكون بينهما محبة ومودة وجريان سر وأمانة فيشق عليهما التفرق بجلوسه بينهما رواه الترمذي وأبو داود وكذا أحمد وروى البيهقي عن ابن عمرو أنه نهى أن يجلس الرجل بين الرجلين إلا بإذنهما وعن عمرو بن شعيب رضي الله تعالى عنه عن أبيه عن جده أي ابن عمر وعلي ما صرح به الجامع إن رسول الله قال لا تجلس أي أنت والمراد به خطاب العام بين رجلين إلا بإذنهما رواه أبو داود

الفصل الثالث


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله يجلس معنا في المسجد يحدثنا فإذا قام قمنا أي لانفضاض المجلس لا للتعظيم لأنهم ما كانوا يقومون له مقبلا فكيف يقومون له مدبرا قياما أي وقوفا ممتدا حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه ولعلهم كانوا ينتظرون رجاء أن يظهر له حاجة إلى أحد معهم أو يعرض له رجوع إلى الجلوس معهم فإذا أيسوا تفرقوا ولم يقعدوا لعدم حلاوة الجلوس بعده عليه السلام وعن واثلة رضي الله تعالى عنه بكسر المثلثة ابن الخطاب لم يذكره المؤلف في أسمائه قال دخل رجل إلى رسول الله وهو قاعد في المسجد فتزحزح أي تنحى عن مكان هو فيه له أي لذلك الرجل رسول الله فقال الرجل يا رسول الله إن في المكان سعة بفتح السين وسعا فلأي شيء تتعب بالتزحزح مع أني من عبيدك فقال النبي إن للمسلم لحقا اللام في الاسم لتأكيد الحكم وفي رواية الجامع بدون اللام إذا رآه أخوه ظرف لقوله أن يتزحزح له وهو بيان لحقا أو بدل قال الطيبي وفيه استحباب إكرام الداخل وإجلاسه صدر المجلس قلت لا دلالة في الحديث على الأجلاس المذكور بل كل أحد يجلس في مقامه اللائق به كما في صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا انزلوا الناس منازلهم وفي رواية الخرائطي عن ابن عباس أنزل الناس منازلهم من الخير والشر وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة رواهما أي الحديثين السابقين البيهقي في شعب الإيمان


باب الجلوس والنوم والمشي وفيه ذكر الاستلقاء

الفصل الأول
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال رأيت رسول الله بفناء الكعبة بكسر فاء ونون ممدودة أي جانبها من قبل الباب ذكره ابن حجر وقال شارح هو سعة أمام البيت وقيل ما امتد من جوانبه وقيل الموضع المتسع المحاذي لبابه وفي القاموس الفناء ككساء ما اتسع من أمامها محتبيا بيديه أي جالسا بحيث يكون ركبتاه منصوبتين وبطن قدميه على الأرض ويداه موضوعتين على ساقيه والمراد به سنية الاحتباء في الجلوس ذكره ابن الملك والظاهر أن سنيته لا تحصل بمجرد هذا الفعل بل هو بيان الجواز ودليل الاستحباب رواه البخاري وعن عباد رضي الله تعالى عنه بفتح عين مهملة فتشديد موحدة ابن تميم عن عمه لم يذكرهما المؤلف في أسمائه قال أي عمه قال ميرك هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني أبو محمد صحابي مشهور روى صفة الوضوء وغير ذلك ويقال هو الذي قتل مسيلمة الكذاب واستشهد بالحرة سنة ثلاث وستين رأيت رسول الله أي رأيته


في المسجد مستلقيا أي حال كونه مضطجعه على ظهره واضعا إحدى قدميه على الأخرى حال متداخلة أو مترادفة ووضع القدم على القدم لا يقتضي كشف العورة بخلاف وضع الرجل على الرجل فإنه قد يؤدي إلى ذلك وبهذا يجمع بين هذا الحديث وبين النهي الآتي عن وضع إحداهما على الأخرى وسيأتي مزيد تحقيق لذلك قال النووي يحتمل أنه فعله لبيان الجواز وأنكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا وأن النهي الذي نهيتكم عنه ليس على الإطلاق بل المراد به الاجتناب عن كشف العورة وفيه جواز الاستلقاء في المسجد قال القاضي عياض لعله فعله لضرورة من تعب أو طلب راحة وإلا فقد علم أن جلوسه عليه السلام في المجامع على خلاف هذا بل كان يجلس متربعا على الوقار والتواضع اه وقال الخطابي فيه دلالة على أن خبر النهي منسوخ وقال غيره إن هذا كان قبل النهي ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال لا يصح بدون معرفة تاريخ فالإعراض عنهما أولى متفق عليه وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال نهى رسول الله أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره فيه تجريد أو تأكيد كما لا يخفى قال المظهر وجه الجمع بين حديث عبادة بن تميم وجابر أن وضع إحدى الرجلين على الأخرى قد يكون على نوعين أن تكون رجلاه ممدوتين إحداهما فوق الأخرى ولا بأس بهذا فإنه لا ينكشف من العورة بهذه الهيئة وأن يكون ناصبا ساق إحدى الرجلين ويضع الرجل الأخرى على الركبة المنصوبة وعلى هذا فإن لم يكن انكشاف العورة بأن يكون سراويل عليه أو يكون إزاره أو ذيله طويلين جاز وإلا فلا اه وقال بعض علمائنا وإنما أطلق النهي لأن الغالب فيهم الاتزار رواه مسلم ورواه أحمد عن أبي سعيد ولفظه نهى أن يضع الرجل الخ وعنه أي عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي قال لا يستلقين أحدكم ثم يضع بالرفع أي ثم هو يضع وفي نسخة بالجزم أي ثم لا يضع إحدى رجليه على الأخرى فالنهي عن الاستلقاء المقيد لا مطلق الاستلقاء كما سبق من فعله رواه مسلم


وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله بينا رجل قيل هو قارون وقيل هو من أعراب فارس وقال النووي يحتمل أن هذا الرجل من هذه الأمة وأنه أخبار عمن قبله كما مر في كتاب اللباس يتبختر أي يمشي خيلاء في بردين ويفتخر ويتكبر في لبسهما وقد أعجبته نفسه أي من عجب وتكبر نشأ منها خسف على بناء المجهول ونائبه قوله به وقوله الأرض بالنصب على أنه مفعول ثان ذكره سعدي جلبي في قوله تعالى فخسفنا به وبداره الأرض القصص وقيل منصوبة بنزع الخافض أي فيها ويؤيده ما في القاموس خسف الله بفلان الأرض أي غيب فيها فهو يتجلجل بجيمين أي يغوص ويذهب فيها أي في الأرض من حيث خسف به إلى يوم القيامة وفي النهاية الجلجلة حركة مع الصوت متفق عليه
الفصل الثاني
عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله أي أبصرته متكئا حال من مفعول رأيت على وسادة متعلق بمتكئا على يساره أي كائنة على جانب يساره أو متعلق بمتكئا بعد تقييده بالظرف الأول فيكون من قبيل تظريف المظروف ذكره الحنفي وقال ابن حجر أي حال كونها موضوعة على يساره وهو لبيان الواقع لا للتقييد فيجوز الاتكاء على الوسادة يمينا ويسارا وقال ابن الملك فيه ندب الاتكاء ووضع الوسادة على الجانب الأيسر اه وفيه نظر لاحتمال وقوع اليسار أمرا اتفاقيا وإلا فمقتضى القياس أن الاضطجاع على الأيمن هو المندوب ويكون هذا الحديث لبيان الجواز والله أعلم رواه الترمذي أي في جامعه ورواه في شمائله أيضا من طريقين وقال لم يذكر وكيع على


يساره وهكذا روى غير واحد عن إسرائيل نحو رواية وكيع ولا نعلم أحدا روى على يساره إلا ما روى إسحاق بن منصور عن إسرائيل فتبين أن رواية إسحاق عن يساره انفرد بها إسحاق فهو غريب في اصطلاح المحدثين وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله إذا جلس في المسجد وفي بعض نسخ الشمائل للترمذي في المجلس موضع في المسجد احتبى بيديه رواه رزين وكذا رواه أبو داود والبيهقي لكن بغير قيد في المسجد على ما في الجامع الصغير وعن قيلة رضي الله تعالى عنها بفتح قاف وسكون تحتية بنت مخرمة بسكون خاء معجمة بين فتحات قال المؤلف تميمية روت عنها صفية وجيبية ابنتا علية وكانتا من ربيبتها وهي جدة أبيهما ولها صحبة أنها رأت رسول الله في المسجد وهو قاعد أي جالس القرفصاء بالنصب على أنه مفعول مطلق وهو ممدود وفي نسخة مقصور قال السيوطي هو بضم القاف والفاء بينهما راء ساكنة ثم صاد مهملة ومد جلسة المحتبي أن يدير ذراعيه ويديه على ساقيه وقال الجوهري القرفصاء ضرب من القعود يمد ويقصر فإذا قلت قعد القرفصاء فكأنك قلت قعود مخصوصا وهو أن مجلس على إليتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه ويضعهما على ساقيه وقيل هو أن يجلس على ركبتيه متكئا ويلصق بطنه لفخذيه ويتأبط كفيه وفي القاموس القرفصاء مثلثة القاف والفاء مقصورة والقرفصاء بالضم والقرفصاء بضم القاف والراء على الاتباع قالت فلما رأيت أي أبصرت رسول الله المتخشع أي الخاشع الخاضع المتواضع الظاهر أنه حال على ما جوزه الكوفيون في قول لبيد وأرسلها العراك ولم يردها مع أن تأويل البصريين قد يأتي هنا أيضا بأنه معرفة موضوعة موضع النكرة بمعنى أن اللام للعهد الذهني أو زائدة وإنما اخترنا الحالية على الوصفية مع أنه لا مانع لأن معنى الحال في هذا المقام أظهر فتأمل وتدبر وقال التوربشتي يجوز أن يكون نعتا لرسول الله وأن يكون مفعولا ثانيا ويكون التقدير الرجل المتخشع وقال القاضي المتخشع صفة رسول


الله ولا يجوز أن يجعل ثاني مفعولي رأيت لأنه ههنا بمعنى أبصرت قال الطيبي سلك الشيخ
التوربشتي مسلك التجريد جرد من ذاته الزكية الرجل المتخشع وجعله شخصا آخر وهو مبالغة لكمال التخشع فيه وإلقاء رداء الهيبة عليه ومن ثم قالت أرعدت من الفرق ونحوه قوله تعالى فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان الرحمان الكشاف قرأ عبيد بن عمير وردة بالرفع بمعنى فحصلت سماة وردة وهو من الكلام الذي يسمى التجريد كقوله فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوي الغنائم أو يموت كريم والتفعل هنا ليس للتكلف بل هو لزيادة المغنى والمبالغة كما في أسماء الله تعالى نحو المتكبر اه وقولها أرعدت بصيغة المجهول أي أخذتني الرعدة والاضطراب والحركة من الفرق بفتحتين أي من أجل الخوف والمعنى هبته مع خضوعه وخشوعه رواه أبو داود وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال كان النبي إذا صلى الفجر تربع في مجلسه أي جلس مربعا واستمر عليه حتى تطلع الشمس أي ترتفع حسنا بفتحتين على ما في الأصول المعتمدة أي طلوعا ظاهرا بينا وفي بعض النسخ المصححة حسناء بفتح فسكون ممدود أي طلعة كاملة قال التوربشتي هذا خطأ والصواب الأول قال القاضي قيل الصواب حسنا على المصدر أي طلوعا حسنا ومعناه أنه كان يجلس متربعا في مجلسه إلى أن ترتفع الشمس وفي أكثر النسخ حسناء فعلى هذا يحتمل أن يكون صفة لمصدر محذوف والمعنى ما سبق أو حالا والمعنى حتى تطلع الشمس نقية بيضاء زائلة عنها الصفرة التي تتخيل فيها عند الطلوع بسبب ما يعترض دونها على الأفق من الأبخرة والأدخنة وقال ميرك هو بفتح الخاء والسين وبالتنوين ورواه بعضهم بفتح الحاء وسكون السين وبالمد والنصب ورواه بعضهم حينا بكسر الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وبالنون أي زمانا يريد مدة جلوسه رواه أبو داود أي بأسانيد صحيحة على ما في الرياض وفي الجامع الصغير بلفظ كان إذا صلى الغدوة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي


والنسائي عنه وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي كان إذا عرس بتشديد الراء ففي
النهاية التعريس نزول المسافر آخر الليل نزوله للنوم والاستراحة فقوله بليل فيه تجريد أو تأكيد والمعنى إذا نزل بليل للراحة والنوم وقال شارح أراد إذا نام بليل أي في سفر اضطجع على شقه الأيمن وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه أي احتراسا لئلا ينام طويلا فيفوته الصبح قال الطيبي هذا القيد مشعر بأن تعريسه بالليل لم يكن على هذه الهيئة اه وهو ظاهر بلا مرية رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وقد روى أحمد وابن حبان بسند صحيح والحاكم في مستدركه عنه أنه إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه وإذا عرس قبيل الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده وعن بعض آل أم سلمة أي من خدمها أو أقاربها ممن كان يدخل عليها قال كان فراش رسول الله نحوا مما يوضع في قبره أي كان ما يفترشه للنوم قريبا مما يوضع في قبره وهو معلوم عند بعض الناس ولعل العدول عن الماضي للمضارع حكاية للحال وفي رواية الجامع مما يوضع للإنسان في قبره وهو واضح وفيه إشعار بأنه كان يوضع فرش لبعض الناس في قبرهم والمعنى أنه كان شيئا خفيفا ولا طويلا ولا عريضا قال الطيبي قوله نحو أخبر كان ومن قيل بيان لمحذوف أي مثل شيء مما يوضع في قبره قيل وقد وضع في قبره قطيفة حمراء أي كان فراشه للنوم نحوها وكان المسجد بكسر الجيم عند رأسه أي إذا نام يكون رأسه إلى جانب المسجد وفي نسخة بفتح الجيم أي وكان مصلاه أو سجادته عند رأسه رواه أبو داود وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رأى رسول الله رجلا مضطجعا على بطنه فقال أي النبي له على ما هو الظاهر أو لغيره إعراضا عنه واعتراضا عليه لكونه غير قابل للنصيحة إن هذه أي هذا الاضطجاع وتأنيثه لتأنيث خبره وهو قوله ضجعة وهي بكسر أوله للنوع لا يحبها الله لأن وضع الصدر والوجه الذين من أشرف الأعضاء على الأرض إذلال في غير السجود أو هذه الضجعة رقدة


اللواطة فالتشبيه بهم مذموم وسيأتي
في الحديث أنها ضجعة يبغضها الله وفي حديث إنما هي ضجعة أهل النار رواه الترمذي وعن يعيش بعين مهملة وشين معجمة على وزن يزيد ابن طخفة بكسر الطاء المهملة وسكون الخاء المعجمة وبالفاء كذا في الأصول المصححة وهو موافق لضبط المصنف وقيل طهفة بالهاء بدل الخاء وفي المعني بمفتوحة وسكون معجمة ففاء ويقال بهاء ويقال بغين معجمة مكان خاء ابن قيس الغفاري بكسر الغين المعجمة عن أبيه أي طخفة وكان أي أبوه من أصحاب الصفة لم يذكره المؤلف في أسمائه بل ذكر يعيش في التابعين وقال في حرف القاف في فصل الصحابة هو قيس بن أبي غرزة الغفاري عداده في أهل الكوفة روى عنه أبو وائل شقيق ابن سلمة وليس له إلا حديث واحد في ذكر التجارة قال أي أبوه بينما أنا مضطجع من السحر بفتحتين وفي نسخة بسكون الثاني وهو الرئة ففي الصحاح السحر الرئة وكذلك السحر ويحرك وفي القاموس السحر ويضم ويحرك الرئة اه وقيل ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن ذكره الطيبي والمعنى راقد من أجل داء به وبسبب وجعه على بطني إذا رجل أي شخص يحركني برجله فقال إن هذه ضجعة يبغضها الله هذا آكد وأبلغ من قوله السابق لا يحبها الله فنظرت فإذا هو أي الرجل رسول الله ولعله عليه السلام لم يتبين له عذره أو لكونه يمكن الاضطجاع على الفخذين لدفع الوجع من غير مد الرجلين والله أعلم رواه أبو داود وابن ماجه وعن علي بن شيبان بفتح معجمة وسكون تحتية فموحدة قال المؤلف في فصل الصحابة حنفي يماني روى عنه ابنه عبد الرحمن رضي الله عنه قال قال رسول الله من بات أي نام ليلا على ظهر بيت أي سطح له ليس عليه أي على أطرافه حجاب أي مانع من السقوط وفي رواية حجار أي بالراء بدل الموحدة وهو جمع حجر بكسر الحاء وهو ما يحجر به من حائط ونحوه ومنه حجر الكعبة فقد برئت منه الذمة قال القاضي معناه من نام على سطح لا ستر له فقد تصدى للهلاك وأزال العصمة عن نفسه وصار كالمهدر


الذي لا ذمة له فلعله ينقلب في نومه فيسقط ويموت مهدرا وأيضا فإن لكل من الناس عهدا من الله تعالى بالحفظ والكلأة فإذا ألقى بيده إلى التهلكة انقطع عنه وقال بعضهم معناه لم يبق بيننا وبينه عهد وهذا تهديد كراهة اضطجاع الرجل في موضع مخوف وهذا من جملة تعليم الأب الناشىء عن مرحمة سيد أولي الألباب وشفقته على أمته لكونه كالأب بل أكمل وأتم وأرحم من كل من يرحم كما قال الله تعالى وهو أعلم العالمين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء رواه أبو داود وكذا البخاري في تاريخه لكن بلفظ حجاب على ما في الجامع وفي معالم السنن للخطابي حجي بكسر الحاء المهملة فجيم وفي نسخة بفتح أوله ففي القاموس الخجا كإلى العقل وبالفتح الناحية اه وهو منون وهو مرفوع تقديرا وفي النهاية حجي هكذا رواه الخطابي في معالم السنن وقال إنه يروى بكسر الحاء وفتحها ومعناه فيهما الستر فمن قال بالكسر شبهه بالحجر العقل لأن العقل يمنع الإنسان من الفساد ويحفظه من التعرض للهلاك فشبه الستر الذي يكون على السطح المانع للإنسان من التردي والسقوط بالعقل المانع له من أفعال السوء المؤدية إلى الردى ومن رواه بالفتح فقد ذهب إلى الناحية والطرف وإحجاء الشيء نواحيه وأحدها حجى بالفتح وفي جامع الأصول الذي قرأته في كتاب أبي داود وليس عليه حجاب وفي نسخة أخرى حجار أما الحجاب بالباء فهو الذي يحجب الإنسان عن الوقوع وبالراء يجوز أن يكون جمع حجر وهو ما حجر به من حائط وذلك أيضا مما يمنع النائم على السطح من السقوط ويعضد رواية الراء الحديث الذي يليه ليس بمحجور عليه اه وفي المصابيح مثل ما ذكره الخطابي حيث قال شارح له ليس عليه حجى بفتح الحاء وكسرها وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال نهى رسول الله أن ينام الرجل أي ليلا أو مطلقا على سطح ليس بمحجور عليه أي ليس حوله جدار مانع من الوقوع عن السطح رواه الترمذي وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال ملعون أي مذموم على لسان محمد


من قعد وسط الحلقة بسكون السين واللام وفي شرح السنة لعن من جلس وسط الحلقة
وهو يتأول على وجهين أحدهما أن يأتي حلقة قوم فيتخطى رقابهم ويقعد وسطها ولا يقعد حيث ينتهي به المجلس والثاني أن يقعد وسط الحلقة فيحول بين الوجوه ويحجب بعضهم عن بعض فيتضررون به وقال التوربشتي المراد منه والله أعلم الماجن الذي يقيم نفسه مقام السخرية ليكون ضحكة بين الناس ومن يجري مجراه من المتأكلين بالسمعة والشعوذة رواه الترمذي وأبو داود وفي الجامع الصغير رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن حذيفة لكن بلفظ لعن الله من قعد وسط الحلقة وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله خير المجالس أوسعها رواه أبو داود وكذا أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه والبيهقي في شعبه عنه ورواه البزار والحاكم والبيهقي عن أنس وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال جاء رسول الله أي حضر وأصحابه جلوس أي جالسون والجملة حال فقال ما لي أراكم أي أبصركم عزين بكسر العين والزاي أي متفرقين جمع عزة والهاء عوض عن الياء وهي فرقة من الناس متميزة عن غيرها والمعنى اجلسوا في الحلقة أو في الصف أمرهم به كيلا يدبر بعضهم بعضا ولا يؤدي إلى التفرقة فيما بينهم قال تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا آل عمران الآية ولئلا يتشبهوا بالكفار على ما حكاه سبحانه عنهم بقوله فمال الذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين المعارج وفي شرح السنة قال سفيان يعني حلقا قال وروى يحيى عن الأعمش فقال دخل رسول الله المسجد وهم حلق فقال ما لي أراكم عزين أي متفرقين مختلفين لا يجمعكم مجلس واحد رواه أبو داود وكذا أحمد ومسلم والنسائي عنه


وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال إذا كان أحدكم في الفيء بفتح فسكون أي في ظل فقلص أي ارتفع عنه الظل أي بعضه وفيه تفنن فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل بيان لما قبله فليقم أي فليتحول منه إلى مكان آخر يكون كله ظلا أو شمسا لأن الإنسان إذا قعد ذلك المقعد فسد مزاجه لاختلاف حال البدن من المؤثرين المتضادين كذا قاله بعض الشراح وتبعه ابن الملك ولأنه خلاف العدالة الموجبة لاختلال الاعتدال مع أنه تشبه بمجلس المجانين ونظيره النهي عن لبس إحدى النعلين والأولى أن يعلل بما علله الشارع من قوله الآتي فإنه مجلس الشيطان رواه أبو داود أي مرفوعا وفي شرح السنة عنه أي عن أبي هريرة قال أي أبو هريرة إذا كان أحدكم في الفيء فقلص أي ارتفع الفيء عنه فليقم فإنه أي ذلك المجلس مجلس الشيطان الظاهر أنه على ظاهره وقيل إنما أضافه إليه لأنه الباعث عليه ليصيبه السوء فهو عدو للبدن كما هو عدو للدين ويدل عليه إطلاق قوله سبحانه إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا فاطر ويمكن أن تكون عداوته للبدن بناء على استعانته بضعف البدن على ضعف الدين هكذا رواه معمر موقوفا أي على أبي هريرة لكنه في حكم المرفوع قال التوربشتي الأصل فيه الرفع وإن لم يرد مرفوعا لأن الصحابي لا يقدم على التحدث بالأمور الغيبية إلا من قبل الرسول صلوات الله عليه وسلامه لا سيما وقد وردت به الروايات من غير هذا الوجه عنه والحق الأبلج فيه وفي أمثاله التسليم لنبي الله عليه السلام في مقاله فإنه يعلم ما لا يعلم غيره ويرى ما لا يرى اه وفي الجامع الصغير أنه نهى أن يجلس الرجل بين الضبح والظل وقال مجلس الشيطان رواه أحمد بسند حسن عن رجل مرفوعا وعن أبي أسيد بضم همز وكسر سين وهو مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري


سبق ترجمته أنه سمع رسول الله يقول وهو أي النبي خارج من المسجد جملة حالية فاختلط قال الطيبي هو مسبب عن محذوف هو المقول أي يقول كيت وكيت فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال للنساء فالفاء في فاختلط مسبب عن مقول يقول وفي فقال عن اختلط اه وقوله استأخرن من باب الاستفعال بمعنى التفعل فالمعنى تأخرن عن وسط الطريق وأبعدن عن حاقها إلى حافتها كما يدل عليه قوله فإنه أي الشأن ليس لكن أن تحققن الطريق بضم القاف الأولى أي تذهبن في حاق الطريق وإلحاق بتشديد القاف الوسط عليكم بحافات الطريق جمع حافة بتخفيف الفاء أي بأطرافها وجوانبها وفي النهاية الحافة الناحية وعينها واو بدليل تصغيرها على حويفة فكانت المرأة أي بعد ذلك الأمر تلصق بفتح الصاد أي تلزق بالجدار وتبالغ في لصوقها حتى إن بكسر الهمزة ثوبها ليتعلق أي أحيانا بالجدار رواه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي نهى أن يمشي يعني الرجل تفسير من بعض الرواة أي يريد النبي بفاعل يمشي الرجل والحاصل أن لفظ الرجل ليس من أصل الحديث فالجملة معترضة بين سابقه ولاحقه وهو قوله بين المرأتين رواه أبو داود ولفظ الجامع نهى أن يمشي الرجل بين المرأتين رواه أبو داود والحاكم وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال كنا إذا أتينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أي مجلسه الشريف جلس أحدنا حيث ينتهي أي هو إليه من المجلس أو حيث ينتهي المجلس إليه والحاصل أنه لا يتقدم على أحد من حضارة تأدبا وتركا للتكلف ومخالفة لح


النفس من طلب العلو كما هو شأن أرباب الجاه رواه أبو داود وذكر حديثا عبد الله بن عمر وفي باب القيام كذا في أكثر الأصول المعتمدة بلفظ التثنية وفي أصل السيد حديث عبد الله بن عمر وبلفظ الأفراد أما على الأصول فالحديثان أولهما لا يحل لرجل والآخر بعده لا تجلس بين رجلين وإنما قال حديثا عبد الله مع أن الحديث الثاني منسوب فيما سبق إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لأن المراد بجده هو عبد الله بن عمر وعلى الصحيح كما قدمنا الخلاف فيه وأما على نسخة السيد فيتعين أن يكون المراد به الحديث الأول والله أعلم وسنذكر حديثي علي وأبي هريرة في باب أسماء النبي وصفاته إن شاء الله تعالى فالأول كان رسول الله إذا مشى تكفأ والثاني ما رأيت أحدا أسرع في مشيه
الفصل الثالث
عن عمرو بن الشريد تابعي عن أبيه أي شريد بن السويد الثقفي روى عنه نفر وهو صحابي مشهور قال مر بي رسول الله وأنا جالس هكذا المشار إليه مفسر بقوله وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي أي اليمنى والألية بفتح الهمزة اللحمة التي في أصل الإبهام فقال أي منكرا علي أتقعد قعدة المغضوب عليهم القعدة بالكسر للنوع والهيئة والظاهر أن عكس فعله أيضا يتعلق به الإنكار وكذا وضع اليدين وراء ظهره متكئا عليهما من قعد المتكبرين لكن في أخذه من الحديث محل تردد قال الطيبي والمراد بالمغضوب عليهم اليهود وفي التخصيص بالذكر فائدتان إحداهما أن هذه القعدة مما يبغضه الله تعالى والأخرى أن المسلم ممن أنعم الله عليه فينبغي أن يجتنب التشبه بمن غضب الله عليه ولعنه اه وفي كون اليهود هم المراد من المغضوب عليهم


هنا محل بحث وتتوقف صحته على أن يكون هذا شعارهم والأظهر أن يراد بالمغضوب عليهم أعم من الكفار والفجار المتكبرين المتجبرين ممن تظهر آثار العجب والكبر عليهم من قعودهم ومشيهم ونحوهما نعم ورد في حديث صحيح أن المغضوب عليهم في سورة الفاتحة هم اليهود وقد بينا وجهه في أول شرح خرب الفتح رواه أبو داود وعن أبي ذر رضي الله عنه قال مر بي أي على النبي وأنا مضطجع على بطني والظاهر أنه كان ممدود الرجل على عادة أجلاف العرب فركضني برجله وقال يا جندب بضم الجيم والدال ويفتح اسم أبي ذر إنما هي أي رقدتك هذه ضجعة أهل النار بكسر الضاد وهو يحتمل أن يكون المراد أن هذه عادة الكفار أو الفجار في هذه الدار أو هذه تكون ضجعتهم حال كونهم في النار والله أعلم رواه ابن ماجه وسبق حديثان في معناه


باب العطاس والتثاؤب
العطاس بضم العين من العطسة والتثاؤب تفاعل من الوثباء وهي فترة من ثقل النعاس يفتح لها فاه ومنه إذا تثاءب أحدكم فليغط فاه والهمزة بعد الألف هو الصواب والواو غلط كذا في المغرب وكذا ذكر شارح للمصابيح وفي القاموس تثاءب أصابه كسل وفترة كفترة النعاس اه ولم يذكره إلا في المهموز وقال النووي في شرح مسلم وقع في بعض النسخ تثاءب بالمد وفي أكثرها تثاوب بالواو قال القاضي عياض قال ثابت لا يقال تثاءب بالمد مخففا بل تثاءب بتشديد الهمز قال ابن دريد أصله من تثأب الرجل بالتشديد إذا استرخى وكسل وقال الجوهري يقال تثاءبت بالمد مخففا على تفاعلت ولا يقال تثاوبت والاسم منه الثوباء ممدودة
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال إن الله يحب العطاس لأنه


سبب خفة الدماغ وصفاء القوى الإدراكية فيحمل صاحبه على الطاعة ويكره التثاؤب لأنه يمنع صاحبه عن النشاط في الطاعة ويوجب الغفلة ولذا يفرح به الشيطان وهو المعنى في ضحكه الآتي قال القاضي التثاؤب بالهمز التنفس الذي يفتح عنه الفم وهو إنما ينشأ من الامتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس ويورث الغفلة والكسل وسوء الفهم ولذا كرهه الله وأحبه الشيطان وضحك منه والعطاس لما كان سببا لخفة الدماغ واستفراغ الفضلات عنه وصفاء الروح وتقوية الحواس كان أمره بالعكس فإذا عطس أحدكم بفتح الطاء نص عليه السيوطي وجوز كسره القاموس وحمد الله قال الحليمي الحكمة في مشروعية الحمد للعاطس أن العطاس يدفع الأذى من الدماغ الذي فيه قوة الفكر ومنه ينشأ الأعصاب التي هو معدن الحس وبسلامته تسلم الأعضاء فهو نعمة جليلة يناسب أن تقابل بالحمد كان حقا على كل مسلم فيه إيذان بأن التشميت فرض عين وإليه ذهب بعض والأكثرون على أنه فرض كفاية وهو لا ينافي الحديث لأن المراد به أنه يجب على كل أحد لكن يسقط بفعل البعض لدليل آخر أو بالقياس على رد السلام وقال الشافعي إنه سنة وحمل الحديث على الندب ثم قوله سمعه صفة لمسلم احترازا من حال عدم سماعه فإنه حينئذ لا يتوجه عليه الأمر وكذلك حكم السلام وسائر فروض الكفاية من عيادة المريض وتجهيز الميت وصلاة الجنازة ونحوها وفي شرح السنة فيه دليل على أنه ينبغي أن يرفع صوته بالتحميد حتى يسمع من عنده ويستحق التشميت وقوله أن يقول اسم كان أي يرد كل مسلم سامع له أي للعاطس الحامد يرحمك الله فهذا حكم العطاس فأما التثاؤب إنما هو من الشيطان أي مما يفرح به أو يبعث على الباعث الجاذب إليه فلذا لا يحمد عليه قال الخطابي صار العطاس محمودا لأنه يعين على الطاعات والتثاؤب مذموما لأنه يثنيه ويصرفه عن الخيرات فالمحبة والكراهية تنصرف إلى الأسباب الجالبة لها وإنما أضيف إلى الشيطان لأنه هو الذي يزين للنفس شهوتها وقيل ما تثاءب نبي قط


فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع أي يكظم فمه فإن أحدكم إذا تثاءب أي وفتح فاه ضحك منه الشيطان أي فرحا بذلك رواه البخاري ووافقه أبو داود والترمذي في الجملة الأولى وفي رواية لمسلم الظاهر وفي رواية مسلم فإن أحدكم إذا قال ها مقصورا أي إذا بالغ في التثاؤب وفتح الفم وقيل هو حكاية صوت التثائب ضحك الشيطان منه وفي الجامع الصغير إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع
فإن أحدكم إذا قال ها ضحك الشيطان منه رواه البخاري عن أنس وفي رواية لأحمد والشيخين وأبي داود عن أبي سعيد بلفظ إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب وفي رواية لابن ماجه عن أبي هريرة إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه ولا يعوي فإن الشيطان يضحك منه وفي رواية للبيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره إذا تجشأ أحدكم أو عطس فلا يرفع بهما الصوت فإن الشيطان يحب أن يرفع بهما الصوت وفي رواية للحاكم والبيهقي عن أبي هريرة إذا عطس أحدكم فليضع كفيه على وجهه وليخفض صوته وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله عده الشارع نعمة فيسن عقيبه الحمد لله وليقل له أخوه أي في الإسلام أو صاحبه شك من الراوي يرحمك الله قيل وإنما شرع الترحم من جانب المشمت لأنه كان قريبا من الرحمة حيث عظم ربه بالحمد على نعمته وعرف قدرها فإن قال له يرحمك الله فليقل أي العاطس في جوابه يهديكم الله ويصلح بالكم أي شأنكم وحالكم لأنه إذا دعا له بالرحمة شرع في حقه دعاء بالخير له تأليفا للقلوب ولفظ العموم خرج مخرج الغالب فإن العاطس قلما يخلو عند عطاسه عن أصحابه أو هو إشارة إلى تعظيمه واحترامه في الدعاء أو إلى أمة محمد كلهم رواه البخاري وعن أنس رضي الله عنه قال عطس رجلان عند النبي فشمت أحدهما


بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم وقال الجزري بالشين المعجمة والمهملة روايتان صحيحتان قال ثعلب معناه بالمعجمة أبعدك عن الشماتة وبالمهملة من السمت وهو حسن القصد والهدى ولم يشمت الآخر فقال الرجل أي الذي لم يشمت له يا رسول الله شمت بتشديدتين هذا ولم تشمتني أي وما الحكمة في ذلك فقال إن هذا وضع موضع ذاك لجوازه في الاستعمال ويمكن أن يكون الرجل حاضرا فالمعنى أن هذا الرجل حمد الله أي فأجبته ولم تحمد الله أي أنت فلم تستحق التشميت قال القاضي تشميت العاطس أن يقال له يرحمك الله وكان أصله إزالة الشماتة فاستعمل للدعاء بالخير لتضمنه ذلك وفي شرح السنة فيه بيان أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يستحق التشميت قال مكحول كنت إلى جنب عمر فعطس رجل من ناحية المسجد فقال يرحمك الله إن كنت حمدت الله وقال الشعبي إذا سمعت الرجل يعطس من وراء جدار فحمد الله فشمته وقيل قال إبراهيم إذا عطست فحمدت وليس عندك أحد قل يغفر الله لي ولكم فإنه يشمتك من سمعك متفق عليه وعن أبي موسى رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتونه وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه رواه مسلم وكذا البخاري في تاريخه والإمام أحمد في مسنده وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه سمع النبي وعطس رجل عنده الجملة حال من مفعول سمع فقال له يرحمك الله قال الطيبي الظاهر أن يقال يقول له لأنه حال من النبي الكشاف في قوله تعالى إننا سمعنا مناديا ينادي آل عمران


تقول سمعت زيدا يتكلم فتوقع الفعل عليه وتحذف المسموع وتجعله حالا منه فأغناك عن ذكره فإذا مقتضى الكلام أن يقال سمعت النبي شمته فقال فلا إشكال حينئذ ثم عطس أخرى أي مرة أخرى فقال أي النبي الرجل مزكوم أي مريض فربما يكثر تعطسه وحمده وفي الجواب كل مرة حرج لا سيما مع عدم تجويز التداخل في المجلس ويؤيد ما ذكرته ما سيأتي في الحديث مرفوعا فما زاد أي على ثلاث مرات فإن شئت فشمته وإن شئت فلا حيث صرح بالتخيير فقول النووي يستحب أن يدعي له لكن غير دعائه للعاطس وقع في غير محله إذ حاصل الحديث أن التشميت واجب أو سنة مؤكدة على الخلاف في ثلاث مرات وما زاد فهو مخير بين السكوت وهو رخصة وبين التشميت وهو مستحب والله أعلم رواه مسلم وفي رواية للترمذي إنه أي النبي قال له في الثالثة أي في المرة الثالثة وفي نسخة في الثالث أي في العطاس الثالث إنه أي الرجل مزكوم كذا في جميع نسخ المشكاة وقال الطيبي كذا في نسخ المصابيح وفي جامع الأصول عن الترمذي أنت مزكوم قال النووي يعني أنت لست ممن يشمت بعد هذا لأن هذا الذي بك مرض ويوافقه في التثليث ما رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعا إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه فإن زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يشمت بعد ثلاث أي لا يجب تشميته بعد ثلاث لا أنه غير جائز لما سبق وفي شرح مسلم للنووي فإن قيل إذا كان مريضا فكان ينبغي أن يدعي له لأنه أحق بالدعاء من غيره فالجواب أنه يستحب أن يدعي له لكن غير دعائه للعاطس بل دعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة ونحو ذلك ولا يكون من باب التشميت قلت بل إنما قال ذلك ليعرف أن التشميت متى يجب ومتى لم يجب فلو دعا له بالعافية والسلامة ونحوهما ربما يتوهم أن في المرة الثانية أو الثالث يدعي له بالسلامة ونحوها فيدخل تحت الوجوب وأما الدعاء بالصحة فمن المستحبات المعلومة مع أن الزكام محمود يخرج كثيرا من الأسقام وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال إذا


تثاءب أحدكم فليمسك بضم أوله وفي نسخة بفتحه بيده الباء للتعدية ففي القاموس مسك به وأمسك
وتمسك وتماسك واستمسك احتبس واعتصم به وفي المغرب أمسك بالشيء وتمسك به واستمسك واعتصم به على فمه أي واضعا عليه فإن الشيطان يدخل يحتمل أن يراد الدخول حقيقة وهو وإن كان يجري مجرى الدم من الإنسان لكنه لا يتمكن منه ما دام منتبها ويحتمل أن يراد به التمكن منه بالوسوسة رواه مسلم وسبق روايات أخر في هذا المعنى
الفصل الثاني
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي كان إذا عطس غطى وجهه بيده أو ثوبه لئلا يظهر تشويه صورة أو تنزيل فضلة وغض أي خفص أو نقص بها أي بالعطسة أو بالتغطية صوته والمعنى لم يرفعه بصيحة والجار والمجرور متعلق بصوته قال التوربشتي هذا نوع أدب بين الجلساء وذلك لأن العاطس لا يأمن عند العطاس مما يكرهه الراؤون من فضلات الدماغ رواه الترمذي وأبو داود وكذا الحاكم وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي رواية لأحمد والطبراني عن عبد الله بن جعفر أنه كان إذا عطس حمد الله فيقال له يرحمك الله فيقول يهديكم الله ويصلح بالكم وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله قال إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال أي تصريحا بالإجمال فالزيادة من باب الإكمال وليقل أي وجوبا على ما هو مذهبنا وعليه الجمهور الذي يرد عليه يرحمك الله خبر معناه الدعاء وليقل أي ندبا هو أي العاطس يهديكم الله ويصلح بالكم البال القلب يقول


فلان ما يخطر ببالي أي قلبي والبال رخاء العيش يقال فلان رخى البال أي واسع العيش والبال الحال يقول ما بالك أي حالك والبال في الحديث يحتمل المعاني الثلاثة والأولى إن الحمل على المعنى الثالث أنسب لعمومه المعنيين الأولين أيضا كذا في المفاتيح والأول أولى فإنه إذا صلح القلب صلح الحال هذا وقال النووي اتفقوا على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقيب عطاسه الحمد لله فلو زاد رب العالمين كان أحسن فلو قال الحمد لله على كل حال كان أفضل قلت وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي موقوفا من قال عند كل عطسة الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان لم يجد وجع ضرس ولا أذن أبدا قال العسقلاني هذا موقوف ورجاله ثقات ومثله لا يقال من قبل الرأي أي فله حكم المرفوع قال النووي ويستحب للسامع أن يقول له يرحمك الله أو يرحمكم الله أو رحمك الله أو يرحمكم الله وللعاطس يهديكم الله ويصلح بالكم أو يغفر الله لنا ولكم قلت أو يغفر الله لي ولكم كما جاء في أحاديث بينها الجزري في الحصن ثم قال النووي وقول السامع يرحمك الله سنة على الكفاية فلو قال بعض الحاضرين أجزأ عنهم ولكن الأفضل أن يقول كل واحد منهم الظاهر قوله كان حقا على كل مسلم سمعه هذا مذهب الشافعي ومذهب مالك في التشميت اختلاف في أنه واجب ومن جعله من جملة ما في قوله حق المسلم على المسلم ست جعله سنة قلت ظاهر قوله كان حقا على كل مسلم إما فرض عين أو كفاية ولا دلالة فيه على أنه سنة كفاية كما لا يخفى على أرباب الدراية من أصحاب البداية والنهاية وأما نقل قوله حق المسلم على المسلم ست فليس فيه لفظ حق كما سبق في حديثين من باب السلام في الفصل الأول بل لفظه للمسلم على المسلم ست بالمعروف وهو مجمل لأن المعروف هو ما عرف في الشرع أعم من أن يكون فرضا أو سنة رواه الترمذي والدارمي وفي الجامع الصغير إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين وليقل له يرحمك الله وليقل هو يغفر الله لنا ولكم رواه


الطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم والبيهقي عن سالم بن عبيد الأشجعي وفي رواية للطبراني عن ابن عباس مرفوعا فقال الحمد لله قالت الملائكة رب العالمين فإذا قال رب العالمين قالت الملائكة رحمك الله وعن أبي موسى قال كان اليهود يتعاطسون أي يطلبون العطسة من أنفسهم
عند النبي يرجون أي يتمنون بهذا السبب أن يقول لهم يرحمك الله فيقول أي النبي عند عطاسهم وحمدهم يهديكم الله ويصلح بالكم ولا يقول لهم يرحمكم الله لأن الرحمة مختصة بالمؤمنين بل يدعو لهم بما يصلح بالهم من الهداية والتوفيق للإيمان قال الطيبي لعل هؤلاء هم الذين عرفوه حق معرفته لكن منعهم عن الإسلام إما التقليد وإما حب الرياسة وعرفوا أن ذلك مذموم فتحروا أن يهديهم الله تعالى ويزيل عنهم ذلك ببركة دعائه اه وفيه بحث لأنهم كانوا يرجون دعاءه بالرحمة لا بالهداية على ما سبق وإلا فدعاؤه بالهداية لجميع أمته قد وقع في قوله اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ولكن كما قال تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء القصص ففي الجملة دعوته مستجابة رواه الترمذي وأبو داود وعن هلال بن يساف بكسر الياء وقيل بفتحها وهو نسخة وجزم به المؤلف في أسمائه ففي القاموس هلال بن يساف بالكسر وقد يفتح تابعي كوفي اه والياء أصلية فيتعين الصرف وفي المغني بفتح المثناة التحتية وتخفيف السين المهملة وبالفاء أو هو بفتح ياء وكسرها وبكسر همزة مكان ياء قال المؤلف هو مولى أشجع أدرك علي بن أبي طالب وروى عن مسلم بن قيس وسمع أبا مسعود الأنصاري وعنه جماعة قال كنا مع سالم بن عبيد بالتصغير قال المؤلف هو أشجعي من أهل الصفة وعداده في أهل الكوفة روى عنه هلال بن يساف وغيره فعطس رجل من القوم فقال السلام عليكم ظنا أنه يجوز أن يقال بدل الحمد لله ذكره ابن الملك ويحتمل أنه وقع من سبق اللسان كما قد يشاهد من غيره لكن يرجح الأول حيث اعترض عليه


فقال له سالم وعليك بالواو وعلى أمك نبه بذلك على حماقتها حيث سرى فيه من صفاتها فافتقر إلى الدعاء بالسلامة من الآفات ذكره ابن الملك وفيه أنه لا وجه لنسبة الحماقة إلى ذاتها الغائبة ولسريان صفاتها إلى ولدها فإنه غير معتبر شرعا بل إنما هو دعاء لهما بالسلامة لكن على طبق كلامه حيث وقع في غير موقعه نعم قد يقال الأوجه في وجه تخصيص الأم أنه كناية عن تربيتها إياه دون أبيه فإنهن ناقصات العقل والدين ولم يعرفن تفصيل الآداب بخلاف الآباء فإنهم لمعاشرة العلماء يعرفون غالبا مثل هذه الأشياء فكان الرجل بتشديد النون وجد أي الكراهة أو الخجالة أو الحزن


لما قال سالم في نفسه لكن لم يظهره وظهر عليه بعض آثاره وقال شارح أي غضب أو حزن من الموجدة وهو الغضب أو الوجد وهو الحزن وقال الجوهري وجد عليه في الغضب موجدة ووجدانا أيضا ووجد في الحزن وجدا بالفتح وفي الحديث إذا حمل على الغضب قيل وجد عليه في نفسه أي لم يظهر الغضب وكظم الغيظ وإذا حمل على الحزن قيل أي أوقع الحزن في نفسه فقال أي سالم إما بالتخفيف للتنبيه إني لم أقل إلا ما قال النبي أي فأنا متبع لا مبتدع إذا عطس رجل عند النبي فقال السلام عليكم فقال النبي عليك بلا واو وعلى أمك قال التوربشتي نبه بقوله عليك وعلى أمك على بلاهته وبلاهة أمه وأنها كانت محمقة فصارا مفتقرين إلى السلام فيسلمان به من الآفات اه وفيه على ما سبق أن تقدير السلام غير متعين في المقام إذ يمكن أن يقال معناه عليك وعلى أمك الملام من جهة عدم التعلم والإعلام وليس المراد به رد السلام بل القصد زجره عن هذا الكلام الواقع في غير المرام قال النووي إذا قال العاطس لفظا آخر غير الحمد لله لم يستحق التشميت قلت والظاهر أنه إذا سلم كذلك لم يستحق الجواب لأنه وقع سلامه في غير صوب الصواب والحاصل أنه لما زجره ومزج من كلامه الحق بطيب حلاوة مزجه الصدق نصح وأفاد وعم العباد فقال إذا عطس أحدكم فليقل أي استحبابا الحمد لله رب العالمين أي مثلا وليقل له من يرد عليه أي وجوبا يرحمك الله أي مثلا وليقل أي العاطس ندبا يغفر الله لي ولكم أي مثلا وقيل الأولى أن يجمع بينه وبين قوله يهديكم الله ويصلح بالكم رواه الترمذي وأبو داود وعن عبيد بن رفاعة بكسر الراء قال المؤلف هو رفاعة بن رافع يكنى أبا معاذ الزرقي الأنصاري شهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله وشهد مع علي الجمل وصفين مات في أول ولاية معاوية روى عنه ابناه عبيد ومعاذ وابن أخيه يحيى بن خلاد اه وأما ابنه فتابعي مشهور روى عن أبيه وأسماء بنت عميس وعنه جماعة فالحديث إما مرسل وإما سقط من صدر الحديث


قوله عن أبيه عن النبي قال شمت العاطس أي لحامد ثلاثا أي ثلاث مرات في مجلس واحد فما زاد أي عطسه عن الثلاث فإن شئت فشمته
وإن شئت فلا رواه أبو داود وقال هذا حديث غريب وعن أبي هريرة رضي الله عنه أي موقوفا قال شمت أخاك ثلاثا فإن زاد وفي نسخة فما زاد فهو أي العطاس زكام أي من أثره وعلامته أو صاحبه ذو زكام ويؤيده الحديث السابق أنه مزكوم رواه أبو داود وقال أي أبو داود حاكيا عمن يروي عن أبي هريرة أو قال أبو داود من تلقاء نفسه لا أعلم الضمير لأبي هريرة إلا أنه أي أبا هريرة رفع الحديث إلى النبي هذا القول إن صدر ممن روى عن أبي هريرة فمعناه اعلم رفعه لكن بحسب الظاهر كان الأولى أن يقول لا أظن إلا أنه ولكني ما أدري بأي لفظ كان من سمعت أو قال ونحوهما وإن كان من غير فمعناه إن هذا الموقوف في حكم المرفوع لأن مثله ما يقال من قبل الرأي والله أعلم
الفصل الثالث
عن نافع رضي الله عنه أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر رضي الله عنهما أي منتهيا جلوسه إلى جنبه فقال أي العاطس الحمد لله والسلام على رسول الله يحتمل أن يكون من جهله بالحكم الشرعي أو ظن أنه يستحب زيادة السلام عليه لأنه من جملة الأذكار أو جزاء لتعليمنا آداب الأبرار أو قياسا على زيادة ذكره بعد الحمدلة في كثير من الأمور كابتداء الخطبة ودخول المسجد ونحوهما لكن لما كان هذا من باب القياس مع الفارق قال ابن عمر وأنا أقول أي كما تقول أيضا الحمد لله والسلام على رسول الله لأنهما ذكر أن شريفان كل أحد مأمور بهما لكن لكل مقام مقال وهذا معنى قوله وليس هكذا أي ليس


الأدب المأمور المندوب هكذا بأن يضم السلام مع الحمد عند العطسة بل الأدب متابعة الأمر من غير زيادة ونقصان من تلقاء النفس إلا بقياس جلي علمنا رسول الله أن نقول الحمد لله على كل حال فالزيادة المطلوبة إنما هي المتعلقة بالحمدلة سواء ورد أو لا وأما زيادة ذكر آخر بطريق الضم إليه فغير مستحسن لأن من سمع ربما يتوهم أنه من جملة المأمورات ثم لا يبعد أن يتعلق قوله على كل حال بقوله نقول فالمعنى أنه علمنا قول الحمد لله عند العطسة على كل حال من الأحوال من غير تفاوت في الأفعال وقال الطيبي في قوله وليس هكذا أي والحال أنه ليس كذلك لأن شأن العاطس أن يقول الحمد لله كما علمنا رسول الله وقوله علمنا رسول الله مستأنف دال على المقدر فهو من باب الرجوع إلى ما هو أحق وأحرى على طريق إرخاء العنان والتساهل والاجتناب عن التخشن خلافا لقول سالم عليك وعلى أمك كما مر في الحديث قلت هذا جرأة عظيمة وغظة جسيمة في نسبة التخشن إلى صاحب النبوة فإن قول سالم عين قوله ثم ما ذكره بعد ذلك من الاعتذار دفعا لما يرد عليه من الاعتراض ذنب آخر أعظم منه حيث قال فإن قلت لم زجر النبي في حديث هلال إذا عطس الرجل فقال السلام عليكم العاطس وسمى أمه على سبيل الفظاظة وهو جدير بالرفق قلت لعله قد سمع منه مرارا التشميت وعدل منه إلى ذلك فلهذا زجره وما كان من ابن عمر ابتداء تعليم وإرشاد فأقول ليته كان تفضض جميع أسنانه وأقلام بنائه ولم ينسب في تقريره وتحريره بل يخطر في خاطره وضميره إسناد الفظاظة إليه وقد قال تعالى ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك آل عمران فإنه كفر صريح ما عنه عذر صحيح إذا أثبت له ما نزهه سبحانه وتعالى عنه ثم من أين له علم الغيب بأنه سمع منه مرارا وما كان من ابن عمر ابتداء مع أن هذا غير معقول ولا في كتب سير الأصحاب منقول أنه نهى بعض أصحابه المؤمنين مرارا عن مثل هذا القول وهو عدل منه إلى المنهي عنه فاحتاج إلى زجره بالعدول


عن رفقه اللائق به ونحن بحمد الله بينا لطافة كلامه في تعليم سلامه بما قدرنا عليه وصرحنا وأشرنا إليه مع الاعتراف بالعجز عن بلوغ فهم كلامه وشرف وكرم وعظم على أن فرقا ظاهرا بين صاحب ابن عمر وبين صاحبه حيث إن الأول وضع السلام المتعارف عند اللقاء مكان حمد الله حال العطاس والثاني زاد السلام على رسول الله بعد قوله الحمد لله فالحمد لله والسلام على رسول الله رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب


باب الضحك
هو بكسر فسكون في الأصول وفي القاموس ضحك ضحكا بالفتح وبالكسر وبكسرتين ككتف هذا ولعل المصنف أراد بالضحك المعنى الأعم الشامل للتبسم وإلا فكان أكثر ضحكة تبسما أو أراد بالضحك من حيث هو استدلالا على جوازه بوقوعه منه ومن أصحابه رضي الله عنهم وأما ما نقل البغوي في تفسيره عند قوله تعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها الكهف عن ابن عباس أنه قال الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك فمحمول على سخرية الكفار بالمؤمنين أو جهلة الفجار بالعلماء الصالحين كما أخبر الله سبحانه بقوله إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون المطففين
الفصل الأول
عن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت النبي مستجمعا ضاحكا أي أي ما أبصرته حال كونه مستجمعا من جهة الضحك فقوله ضاحكا نصب على التمييز وإن كان مشتقا كقوله لله دره فارسا والمعنى ما رأيته يضحك تاما مقبلا بكليته على الضحك حتى أرى منه لهواته بفتح اللام والهاء جمع اللهاة وهي اللحمات في سقف أقصى الفم مشرفة على الحلق إنما كان يتبسم أي غالبا وقد يضحك لكن لا يصل إلى الحد المذكور والاعراب السابق زبدة كلام الطيبي ومال ابن الملك إلى أن قوله ضاحكا حال أي ما رأيته مستجمعا لضحكه في حال ضحكه أي لم أره يضحك تاما ضاحكا بجميع فمه اه وهو مأخوذ من كلام شارح سبقه وقال فكأنها قالت مستجمعا ضحكا وفي المصباح استجمعت شرائط الإمامة واجتمعت بمعنى حصلت فالفعلان على اللزوم وحينئذ لا يحتاج إلى تقدير مفعول وفي المغرب استجمع السيل اجتمع من كل موضع واستجمعت للمرء أموره اجتمع له ما يحبه وهو لازم كما ترى وقولهم استجمع الفرس جريا نصب على التمييز وأما قول


الفقهاء مستجمعا شرائط الجمعة فليس يثبت والله أعلم رواه البخاري وروى أحمد والترمذي والحاكم عن جابر بن سمرة أنه كان لا يضحك إلا تبسما جعل التبسم من الضحك واستثنى منه فإن التبسم من الضحك بمنزلة السنة من النوم ومنه قوله تعالى فتبسم ضاحكا النمل أي شارعا في الضحك وعن جرير أي ابن عبد الله البجلي قال ما حجبني النبي أي ما منعني من مجالسته الخاصة أو من بيته حيث يمكن الدخول عليه والمقصود أني لم أحتج إلى الاستئذان ويحتمل أن يكون المراد ما منعني من ملتمساتي عنه بل أعطاني ما طلبته منه البتة منذ أسلمت وقد أسلم قبل موته بأربعين يوما ولا رآني أي منذ أسلمت إذ الحذف من الثاني لدلالة الأول كثير ويؤيده ما في رواية للترمذي عنه بلفظ ما حجبني رسول الله ولا رآني منذ أسلمت فهو متعلق بكل من الفعلين لكن قوله إلا تبسم مرتبط بالفعل الثاني وفي رواية للترمذي إلا ضحك والمراد به التبسم وهذا من كمال مكارم أخلاقه ولعل منشأ كثرة انبساطه عليه السلام معه أنه رضي الله عنه كان من مظاهر الجمال ولذا قال عمر رضي الله عنه إن جريرا يوسف هذه الأمة متفق عليه وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال كان رسول الله لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه أي الصبح حتى تطلع الشمس أي طلوعا حسنا كما سبق فإذا طلعت الشمس قام أي لصلاة الإشراق وهو مبدأ صلاة الضحى أو معناه قام للانصراف قال النووي فيه استحباب الذكر بعد الصبح وملازمته مجلسها ما لم يكن عذر قال القاضي عياض وكان السلف يواظبون على هذه السنة ويقتصرون في ذلك على الذكر والدعاء حتى تطلع الشمس وكانوا أي أصحابه يتحدثون أي فيما بين الوقتين وهو الأظهر أو في غيره أو مطلقا غير مقيد بوقت دون وقت فيأخذون في أمر الجاهلية أي على سبيل المذمة أو


بطريق الحكاية لما فيها من فائدة وغيره من جملته أنه قال واحد ما نفع أحدا صنمه مثل ما نفعني قالوا كيف هذا قال صنعته من الحيس فجاء القحط فكنت آكله يوما فيوما وقال آخر رأيت ثعلبين جاآ وصعد فوق رأس صنم لي وبالا عليه فقلت أرب يبول الثعلبان برأسه فجئتك يا رسول الله وأسلمت فيضحكون ويتبسم رسول الله رواه مسلم وفي رواية للترمذي يتناشدون الشعر أي يقرؤونه أو يطلب بعضهم من بعض قراءته في الشمائل عن جابر بن سمرة قال جالست النبي أكثر من مائة مرة وكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت وربما يتبسم معهم ومن المعلوم أن في مجلسه الشريف لا يتناشد إلا الشعر المنيف المشتمل على التوحيد والترغيب والترهيب وقد كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويقول ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقد قال وهو الصادق المصدوق إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل أي من نعيم الدنيا لقوله بعد ذلك نعيمك في الدنيا غرور وحسرة وعيشك في الدنيا محال وباطل هذا ومن لطائف ما حكى عن بعض المشايخ أنه قرأ بعد صلاة الصبح خربه من القرآن ثم أنشد أحد من أصحابه شعرا فحصل له بكاء وتواجد فلما سكن قال أتلومون الناس يقولون فلان ملحد أو زنديق قرأت كذا من القرآن ولم يخرج لي دمعة فلما سمعت هذا الشعر كدت أن أتجنن أقول هذا فتح باب للسماع وينجر إلى ما وقع فيه من النزاع ويحتاج إلى بيان الحكمة في الفرق بين حالي الشيخ في ذلك المقام مما يحتاج إلى بسط في الكلام فأعرضنا عنه شروعا في الأهم منه من المرام
الفصل الثاني
عن عبد الله بن الحارث بن جزء بفتح جيم وسكون زاي بعده همز قال ما
رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله رواه الترمذي
الفصل الثالث


عن قتادة من أكابر التابعين قال سئل ابن عمر هل كان أصحاب رسول الله يضحكون قال نعم والإيمان أي نعم يضحكون والحال أن عظمة الإيمان وجلالته في قلوبهم أعظم من الجبل فكانوا في غاية من الوقار والثبات على قواعد الآداب الشرعية وفي نهاية من مراعاة مكارم الأخلاق الرضية حيث لم يتجاوزوا في حال الضحك وغيره عن دائرة الأمور الدينية وقال الطيبي هو من باب الرجوع والقول بالموجب أي نعم كانوا يضحكون لا يتجاوزون إلى ما يميت قلوبهم ويتزلزل بهم إيمانهم من كثرة الضحك كما ورد أن كثرة الضحك تميت القلوب وقال بلال بن سعد تابعي ولم يذكره المؤلف في أسمائه أدركتهم أي كثيرا من الصحابة يشتدون بتشديد الدال من الشد وهو العدو أي يعدون ويجرون بين الأغراض جمع الغرض بفتحتين وهو الهدف زنة ومعنى والمراد بالجمع هنا ما فوق الواحد ليوافق ما في النهاية في حديث عقبة بن عامر تختلف بين هذين الغرضين وأنت شيخ كبير ثم قوله ويضحك بعضهم إلى بعض أي متوجها وملتقيا إليه لا معرضا ومائلا عنه أو إلى بمعنى مع كما نقل في قوله تعالى ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم النساء وفي قوله إلى المرافق المائدة أو ضمن يضحك معنى ينبسط وأغرب الطيبي في قوله وضمن ضحك معنى السخرية وعداه بإلى كقوله تعالى وإذا خلوا إلى شياطينهم البقرة ووجه غرابته من وجهين أما أولا فإن السخرية يتعدى بمن كقوله تعالى فيسخرون منهم سخر الله منهم التوبة نعم في قوله تعالى إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون المطففين ضمن الضحك معنى السخرية وأما ثانيا فلأن قوله تعالى وإذا خلا بعضهم إلى بعض البقرة ليس فيه تضمين السخرية بل ولا يصح لفظا ولا معنى بل فيه تأويلان أحدهما أن إلى بمعنى مع كما في قوله عز وجل من أنصاري إلى الله آل عمران وثانيهما تضمين إلى معنى الانضمام أو الانتهاء هذا


وحاصل المعنى إن هذا كان حالهم في النهار وفي مجالس أصحابهم الأبرار فإذا كان الليل أي وجد أو كان الوقت زمان الليل ومقام الوحدة ومرتبة الخلوة بعد منزلة الجلوة كانوا رهبانا بضم الراء جمع راهب كركبان وراكب وقد يقع على الواحد ويجمع على رهابين ففي النهاية الرهبان من ترك الدنيا وزهد فيها وتخلى عنها وعزل عن أهلها وتعمد مشاقها اه فهم كما قال تعالى فيهم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار النور وقال عز وجل أخبارا عنهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون السجدة وقال سبحانه كانوا قليلا من الليل يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون الذاريات بل أقول إنهم كانوا حال الضحك ظاهرا في عين البكاء باطنا فإنهم فرشيون بأشباحهم عرشيون بأرواحهم كائنون مع الخلق بأبدانهم بائنون عنهم مع الحق بقلوبهم وجنانهم قريبون في الظاهر مع القريب والبعيد غريبون عن الخلق في الباطن على قدم التجريد والتفريد ملوك في سلوك لباس الأطمار وأغنياء مع كمال فقرهم في هذه الدار رضي الله عنهم ونفعنا ببركة ما ظهر منهم رواه أي البغوي في شرح السنة


باب الأسامي

بتشديد الياء وتخفيفها فإن الأسماء جمع اسم وكذا أسامي وأسام على ما في القاموس فأسامي على وزن أفاعيل وأسام على وزن أفاعل
الفصل الأول
عن أنس رضي الله عنه قال كان النبي في السوق أي قاعدا أو واقفا أو مارا فقال رجل يا أبا القاسم فالتفت إليه النبي فقال أي الرجل إنما دعوت هذا أي وأشار إلى غيره فقال النبي سموا باسمي يعني فإنه لا يوجب الالتباس لأنكم منهيون عن دعائي باسمي لقوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا النور وللتعليم العقلي من الله تعالى لعباده حيث ما خاطبه في كلامه إلا بيا أيها النبي ونحوه بخلاف سائر الأنبياء حيث ناداهم بأسمائهم وقال يا آدم ويا إبراهيم ويا موسى ويا عيسى ولا تكتنوا من باب الافتعال وفي نسخة ولا تكنوا بضم التاء وتشديد النون من التكنية من باب التفعيل وفي نسخة بفتح أوله وسكون ثانيه والكل لغات وفي رواية الطبراني عن ابن عباس ولا تكنوا بكنيتي لأن الكنية من باب التعظيم والتوقير بخلاف الاسم المجرد فنهاهم عن ذلك لئلا يقع الالتباس حين مناداة بعض الناس ثم اعلم أن علماء العربية قالوا العلم إما أن يكون مشعرا بمدح أو ذم وهو اللقب وإما أن لا يكون فأما أن يصدر باب أو ابن وهو الكنية أولا وهو الاسم فاسمه محمد وكنيته أبو القاسم ولقبه رسول الله وإنما كني بأكبر أولاده متفق عليه وعن جابر رضي الله عنه أن النبي قال سموا باسمي ولا تكتنوا من باب الافتعال ولفظ الجامع ولا تكنوا وهو يحتمل أن يكون مجردا وأن يكون من باب التفعيل بكنيتي أي المخصوصة بي قيل مذهب العرب في العدول عن الاسم إلى الكنية هو التوقير إلا أن تكون الكنية نبذا يتأذى منه المدعو به ولما كان من حق الرسول فيما يراد به التعظيم أن لا يشاركه فيه أحد كره أن يكنى أحد بكينته وقد قال تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا النور وبين هذا المعنى قوله فإني إنما جعلت أي جعلني الله قاسما وفي


رواية الجامع إنما بعثت قاسما لأقسم بينكم أي العلم والغنيمة ونحوهما وقيل البشارة للصالح والنذارة للطالح ويمكن أن تكون قسمة الدرجات والدركات مفوضة إليه ولا منع من الجمع كما يدل عليه حذف المفعول لتذهب أنفسهم كل المذهب ويشرب كل واحد من ذلك المشرب وهذا المعنى غير موجود حقيقة في حقكم بل مجرد اسم لفظا وصورة في شأنكم وشأن أولادكم والحاصل أني لست أبا لقاسم بمجر دان ولدي كان مسمى بقاسم بل لوحظ في معنى القاسمية باعتبار القسمة الأزلية في الأمور الدينية


والدنيوية فلست كأحدكم لا في الذات ولا في الأسماء والصفات فعلى هذا يكون أبا القاسم نظير قول الصوفية الصوفي أبو الوقت أي صاحبه وملازمه الذي لا ينفك عنه فمعنى أبي القاسم صاحب هذا الوصف كما يقال أبو الفضل وإن لم يكن له ولد مسمى بالفضل ومجمله إن هذه الكنية ترجع إلى معنى اللقب المحمود والله أعلم وقيل النهي مخصوص بحياته لئلا يلتبس خطابه بخطاب غيره وهذا هو الصحيح لما تقدم من سبب ورود النهي في الحديث المنفق عليه بالصريح وقيل النهي عن الجمع بينهما وهو أيضا ينبغي أن يكون مخصوصا بحياته عليه السلام هذا وقد قال الطيبي اختلفوا فيه على وجوه أحدها أنه لا يحل التكني بأبي القاسم أصلا سواء كان اسمه محمدا أو أحمدا ولم يكن اسم لظاهر هذا الحديث وذلك أنه لما كان رسول الله يكنى أبا القاسم لأنه يقسم بين الناس من قبل الله تعالى إما بوحي إليه وينزلهم منازلهم التي يستحقونها في الشرف والفضل وقسم الغنائم ولم يكن أحد منهم يشاركه في هذا المعنى منع أن يكنى به غيره بهذا المعنى وهو مذهب الشافعي وأهل الظاهر قال القاضي هذا إذا أريد به المعنى المذكور أما لو كني به أحد للنسبة إلى ابن له اسمه قاسم أو للعلمية المجردة جاز ويدلك عليه التعليل المذكور للنهي قلت لكن يأبى عليك ما سبق من سبب الورود المسطور للنهي قال وثانيها أن هذا الحكم كان في بدء الأمر ثم نسخ فيباح التكني اليوم بأبي القاسم لكل أحد سواء فيه من اسمه محمد أو غيره وعلته التباس خطابه بخطاب غيره ويدل عليه نهيه عنه في حديث أنس عقيب ما سمع رجلا يقول يا أبا القاسم فالتفت إليه فقال إنما دعوت هذا وما روي في الفصل الثاني عن علي رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله إن ولد لي بعدك ولد أسميه محمدا وأكنيه بكنيتك قال نعم أقول دعوى النسخ ممنوعة لأنها غير مسموعة بل ينبغي أن يقال ينتفي الحكم بانتفاء العلة والعلة في ذلك الاشتباه وهو متعين في حال الحياة قال وهذا مذهب مالك قال


القاضي عياض وبه قال جمهور السلف وفقهاء الأمصار وثالثها أنه ليس بمنسوخ وإنما كان النهي للتنزيه والأدب لا للتحريم وهو مذهب جرير قلت وهو خلاف الأصل في أن النهي للتحريم لا سيما وما يترتب عليه من الأذى له ولو كان في بعض الأحيان من حياته على أنه علل النهي بعلة دالة على اختصاص الاسم به حال وجوده قال ورابعها أن النهي للجمع ولا بأس بالكنية وحدها لمن لا يسمى واحدا من الاسمين ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة أن النبي نهى أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته ونظيره قولهم اشرب اللبن ولا تأكل السمك أي حين شربته فيكون النهي عن الجمع بينهما وهو مذهب جماعة من السلف قلت هذا مع مخالفة ظاهر الحديثين المتفق عليهما من جواز التسمية ومنع التكنية أعم من أن يكون مقارنا بالتسمية أو مفارقا لها لا يلائمه سبب ورود النهي في الحديث الأول ولا يناسبه العلة المسطورة في الحديث الثاني فتأمل والنظير لفظي لا معنوي فإن الجمع بين شرب اللبن وأكل السمك مضر على قول الأطباء وأما هنا فالضرر في التكنية وحدها أعم من أن يوجد معها اشتراك الاسم أم لا فالنظير الحقيقي هو أن يقال خالط


الناس ولا تؤذ قال وخامسها أنه نهى عن التكني بأبي القاسم مطلقا وأراد المقيد وهو النهي عن التسمية بالقاسم وقد غير مروان بن الحكم اسم ابنه حين بلغه هذا الحديث فسماه عبد الملك وكان اسمه القاسم وكذا عن بعض الأنصار قلت لو قيل قول سابع وهو النهي عن التكنية بأبي القاسم كما يدل عليه سبب الورود المذكور وعن التسمية بالقاسم أيضا نظرا إلى التعليل المذكور لكان له وجه وجيه مع التقييد في حال حياته تنزيها لغيره أن يكون مشاركا له في أسمائه وصفاته وأما جواز إطلاق أبي القاسم ومنع القاسم فممنوع ولا له وجه مشروع والظاهر أن مروان غير اسم ابنه القاسم لما بلغه الحديث عن التكني بأبي القاسم وخاف أنه يكنى به ويقع المحظور فغيره تخلصا من حصول المحذور قال وسادسها أن التسمية بمحمد ممنوعة مطلقا وجاء فيه حديث عن النبي تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنوهم قلت ليس في الحديث دلالة على منع التسمية بمحمد بل فيه إشعار إلى أنه سمي ولد بمحمد يجب تعظيمه بسبب هذا الاسم الشريف فلا يعامل معه معاملة سائر الأسماء ويؤيده ما رواه البزار عن أبي رافع مرفوعا إذا سميتم محمدا فلا تضربوه ولا تحرموه وما رواه الخطيب عن علي مرفوعا إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه وأوسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها قال وكتب عمر إلى الكوفة لا تسموا أحدا باسم النبي وسببه أنه سمع رجلا يقول لمحمد بن يزيد بن الخطاب فعل الله بك يا محمد فدعاء عمر رضي الله عنه فقال أرى أن رسول الله يسب بك والله لا تدعى محمدا ما بقيت وسماه عبد الرحمن قلت فالنهي عنه ليس مطلقا لذاته بل مقيد بأن يحصل بسببه إهانة لسميه من حيث إنه شريكه في اسمه قال وهذا أكثره من كلام الشيخ محيي الدين النووي وقال أيضا أجمعوا على جواز التسمية بأسماء الأنبياء إلا ما قدمناه عن عمر بن الخطاب قلت وقد قدمت ما هو الصواب قال وكره مالك التسمى بأسماء الملائكة كجبريل قلت ويؤيده ما رواه البخاري في تاريخه عن عبد


الله بن جرار سموا بأسماء الأنبياء ولا تسموا بأسماء الملائكة متفق عليه وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن قيل أي بعد أسماء الأنبياء عليهم السلام بدليل الإضافة فدل
على أن الاسمين ليسا بأحب من اسم محمد فهما في مرتبة التساوي معه أو يكون اسم محمد أحب من الاسمين إما مطلقا أو من وجه والله سبحانه أعلم رواه مسلم وروى الحاكم في الكنى والطبراني عن أبي زهير الثقفي مرفوعا إذا سميتم فعبدوا أي أنسبوا عبوديتهم إلى أسماء الله فيشمل عبد الرحيم وعبد الملك وغيرهما ولا يجوز نحو عبد الحارث ولا عبد النبي ولا عبرة بما شاع فيما بين الناس وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تسمين أي البتة أيها المخاطب بالخطاب العام غلامك أي صبيك أو عبدك يسارا من اليسر ضد العسر ولا رباحا بفتح من الربح ضد الخسارة ولا نجيحا من النجح وهو الظفر ولا أفلح من الفلاح وهو الفوز فإنك تقول أي أحيانا أثم بفتح المثلثة وتشديد الميم بتقدير استفهام أي أهناك هو أي المسمى بأحد هذه الأسماء المذكورة فلا يكون أي فلا يوجد هو في ذلك المكان اتفاقا فيقول أي المجيب لا أي ليس هناك يسار أو لا رباح عندنا أو لا نجيح هناك أو لا أفلح موجود فلا يحسن مثل هذا في التفاؤل أو فيكره لشناعة الجواب في شرح السنة معنى هذا أن الناس يقصدون بهذه الأسماء التفاؤل بحسن ألفاظها أو معانيها وربما ينقلب عليهم ما قصدوه إلى الضد إذا سألوا فقالوا أثم يسار أو نجيح فقيل لا فتطيروا بنفيه وأضمروا اليأس من اليسر وغيره فنهاهم عن السبب الذي يجلب سوء الظن والأياس من الخير قال حميد بن زنجويه فإذا ابتلى رجل في نفسه أو أهله ببعض هذه الأسماء فليحوله إلى غيره فإن لم يفعل وقيل أثم يسار أو بركة فإن من الأدب أن يقال كل ما هنا يسر وبركة والحمد لله ويوشك أن يأتي الذي تريده ولا يقال ليس هنا ولا خرج والله أعلم رواه مسلم


وفي رواية له أي لمسلم قال لا تسم غلامك رباحا ولا يسارا ولا نافعا في شرح مسلم للنووي قال أصحابنا يكره التسمي بالأسماء المذكورة في الحديث وما في معناها وهي كراهة تنزيه لا تحريم والعلة فيه ما نبه بقوله أثم هو فيقول لا فكره لشناعة الجواب
وعن جابر رضي الله عنه قال أراد النبي أن ينهي عن أن يسمى بيعلى بالفتح مضارع على في الشرف بالكسر وببركة بعدم الصرف وكذا قوله وبأفلح وأما قوله وبيسار فالياء أصلية فصرف وبنافع وبنحو ذلك أي وبمعنى ما ذكر من الأسماء كما سبق بعضها ثم رأيته سكت بعد بالضم مبنيا أي بعد إرادته النهي عن التسمية بما ذكر عنها أي سكت عن الأسماء المسطورة وغيرها ولم يصرح بنهي ولا بجواز ثم قبض أي توفي ولم ينه عن ذلك أي عما ذكر من الأسماء قال الطيبي كأنه رأى أمارات وسمع ما يشعر بالنهي ولم يقف على النهي صريحا فلذا قال ذلك وقد نهاه في الحديث السابق لسمرة وشهادة الإثبات أثبت قلت وله وجه آخر من التأويل وهو أنه أراد أن ينهي نهي تحريم ثم سكت بعد ذلك رحمة على الأمة لعموم البلوى وإيقاع الحرج لا سيما وأكثر الناس ما يفرقون بين الأسماء من القبح والحسن فالنهي المنفي محمول على التحريم والمثبت على التنزيه وقد روى أبو داود وابن ماجه عن سمرة أنه نهى أن يسمى أربعة أسماء أفلح ويسارا ونافعا ورباحا وروى الطبراني بسند حسن عن ابن مسعود أنه نهى أن يسمى الرجل حربا أو وليدا أو امرأة أو الحكم أو أبا الحكم أو أفلح أو نجيحا أو يسارا وروى الطبراني عن بريدة أنه نهى أن يسمى كلب أو كليب وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله أخنى الأسماء بسكون الخاء المعجمة بعدها نون أي أقبحها وروي أخنع أي أذلها وأوضعها باعتبار مسماه يوم القيامة عند الله أي وإن كان اليوم عند عامة الناس أعظم الأسماء وأكرمها رجل أي اسم رجل يسمى بصيغة المجهول من التسمية نص عليه السيد جمال الدين وهو المطابق لما في النسخ المصححة وفي نسخة بفتح


الفوقية وتشديد الميم ماض معلوم من التسمي مصدر من باب التفعل قال بعضهم وقع في أكثر نسخ المصابيح بصيغة المجهول من التسمية وكذا رأيته في
أصل مصحح من كتاب مسلم ووقع في بعض النسخ بصيغة المعروف من التسمي ثم قوله ملك الأملاك منصوب على المفعولية والأملاك جمع ملك كالملوك على ما في القاموس وقد فسره سفيان الثوري فقال هو شهنشاه يعني شاه شاهان بلسان العجم وقدم المضاف إليه ثم حذف الألف وفتح الهاء تخفيفا وهو بالعربي سلطان السلاطين رواه البخاري وفي رواية مسلم قال أي النبي أغيظ رجل اسم تفضيل بني للمفعول أي أكثر من يغصب عليه ويعاقب فإن الغيظ غضب العاجز عن الانتقام وهو مستحيل في حقه سبحانه فيكون كناية عن شدة كراهة هذا الاسم أو مجازا عن عقوبته للتسمي بالاسم الآتي وأضيف إلى مفرد بمعنى الجمع أي أشد أصحاب الأسماء الكريهة عقوبة على الله بحذف مضاف أي بناء على حكمه يوم القيامة وأخبثه أي حالا ومقاما رجل كان يسمى ملك الأملاك وهو من التسمية بصيغة المجهول في جميع الأصول والمفهوم من كلام ابن حجر أنه بصيغة الفاعل حيث قال أي يسمي نفسه بذلك فيرضى أن اسمه على ذلك لا ملك أي لا سلطان إلا الله والجملة استئناف لبيان تعليل تحريم التسمية فبين أن الملك الحقيقي ليس إلا هو وملكية غيره مستعارة فمن سمي بهذا الاسم نازع الله بردائه وكبريائه وقد قال تعالى في الحديث القدسي الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته ولما استنكف أن يكون عبد الله جعل له الخزي على رؤوس الاشهاد وهذا مجمل الكلام في مقام المرام وفي الجامع الصغير رواه الشيخان وأبو داود والترمذي ولفظه أخنع الأسماء عند الله يوم القيامة رجل يسمى ملك الأملاك لا مالك إلا الله اه وظاهره أن الأملاك جمع الملك بالكسر فيكون بهذا المعنى أيضا مذموما على أنه يمكن أن يقرأ ملك مالك كما في قوله تعالى ملك يوم الدين الفاتحة وهو مرسوم بحذف الألف اتفاقا والله أعلم وقال


الطيبي لا بد في الحديث من الحمل على المجاز لأن التقييد بيوم القيامة مع أن حكمه في الدنيا كذلك للإشعار بترتب ما هو مسبب عنه من إنزال الهوان وحلول العقاب والرواية الأخرى لمسلم أخنع اسم عند الله وقال الشيخ محيي الدين سأل أحمد بن حنبل أبا عمرو عن أخنع فقال أوضع والمعنى أشد ذلا وصغارا يوم القيامة اه وقوله رجل يسمى خبر أخنى ولا بد من التأويل ليطابق الخبر المبتدأ وهو على وجهين أحدهما أن يقدر مضاف في الخبر أي اسم رجل وثانيهما أن يراد بالاسم المسمى مجازا أي أخنى الرجال رجل كقوله تعالى سبح اسم ربك الأعلى الأعلى وفيه من المبالغة أنه إذا قدس اسمه عما لا يليق بذاته فكان ذاته بالتقديس أولى وهنا إذا كان الاسم محكوما عليه بالهوان والصغار فكيف بالمسمى فإذا كان حكم الاسم ذلك فكيف بالمسمى وهذا إذا كان رضي المسمى بذلك الاسم واستمر عليه ولم يبدله وهذا التأويل أبلغ


من الأول وأولى لأنه موافق لرواية أغيظ رجل قال القاضي أي أكبر من يغضب عليه غضبا اسم تفضيل بني للمفعول كألوم وأضافه إلى المفرد على إرادة الجنس والاستغراق فيه قال الطيبي وعلى هنا ليست بصلة إلا غيظ كما يقال اغتاظ على صاحبه وتغيظ عليه لأن المعنى يأباه كما لا يخفى ولكن بيان كأنه لما قيل أغيظ رجل قيل على من قيل على الله كقوله تعالى هيت لك يوسف فإن لك بيان لاسم الصوت قلت التقدير ما أفاد التغيير ليكون دفع الفساد بل وقع في عين ما أراد منه الشر إذ ثم ليس نظيره ما ذكره من الآية فإن الغيظ تعديته بعلى في أصل اللغة بخلاف هيت فإنه ليس بمتعد أصلا بل معناه أقبل وبادر أو تهيأت والكلمة على الوجهين اسم فعل بني على الفتح عند جمهور القراء كأين واللام للتبيين كالتي في سقيا لك فالأولى ما أولناه أولا وفي النهاية هذا مجاز الكلام معدول عن ظاهره فإن الغيظ صفة تعتري المخلوق عند احتداده يتحرك لها والله تعالى يتعالى عن ذلك وإنما هو كناية عن عقوبته للمسمى بهذا الاسم أي أنه أشد أصحاب هذه الأسماء عقوبة عند الله سبحانه قال الطيبي إن الغيظ والغضب من الأعراض النفسانية لها بدايات وغايات فإذا وصف الله تعالى بها يتعين حملها على الغايات من الانتقام بإنزال الهوان وحلول العقاب لا على بداياتها من التغيير النفساني فعلى هذا في على معنى الوجوب أي واجب على الله تعالى على سبيل الوعيد أن يغيظ عليه ويتكل به ويعذبه أشد العذاب قلت هذا غاية كلام صاحب النهاية غايته أنه زاد في معنى على أنه للوجوب وهو لا يصح في هذا المقام لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء لذاته وإنما يجب وقوع ما أخبر به إذا كان على سبيل التحتم كما في قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك النساء فحينئذ يقال إنه يجب وقوع عذاب الكفار وألا يقع الخلف في اخباره تعالى عن ذلك فهذا واجب لغيره وهو لا يصح في هذا المحل لأن ما عدا الشرك تحت المشيئة فلا يصح أن يقال واجب عليه تعالى


على سبيل الوعيد أن يعذبه فتدبر وتأمل لئلا تقع في الخلل والخطر وقد أوضحت هذه المسألة في رسالتي المسماة بالقول السديد في خلف الوعيد هذا وفي شرح مسلم للنووي عند قوله ملك الأملاك زاد ابن أبي شيبة في روايته لا مالك إلا الله قال سفيان مثل شاهنشاه وقال القاضي عياض وقع في رواية شاه شاه قال وزعم بعضهم أن الأصوب شاه شاهان قلت كذلك حتى يصح الإضافة أو يقدر مضاف فيقال شاه كل شاه قال القاضي فلا ينكر مجيء ما جاءت به الرواية لأن كلام العجم مبني على التقديم والتأخير في المضاف والمضاف إليه قلت هذا إنما يستقيم في شاهنشاه قال الطيبي فيتغير الاعتبار فيكون المعنى شاهانراشاه قلت والتحقيق ما قدمناه فلا يحتاج إلى زيادة الراء على ما بيناه ثم قال القاضي عياض ومنه قولهم شاه ملوك وشاهان الملوك وكذا ما يقولون قاضي القضاة قال الطيبي ومما يلحق به ملك شاه وتأول بعضهم قوله باسم ملك الأملاك أي تسمى باسم الله عز وجل كقوله الرحمن الجبار العزيز وفي شرح السنة والذي قاله سفيان أشبه وكل له وجه


وعن زينب بنت أبي سلمة وهي ربيبة النبي قالت سميت بصيغة المجهول أي سماني أهلي برة بفتح الموحدة وراء مشددة مبالغة بارة إما على الوصفية أو المصدرية فقال رسول الله لا تزكوا أنفسكم أي كما قال تعالى أي الله اعلم بكم قال ابن الملك تزكية الرجل نفسه ثناؤه عليها والبر اسم لكل فعل مرضي سموها زينب في القاموس زنب كفرح سمن والأزنب السمين وبه سميت المرأة زينب يعني إخبارا أو تفاؤلا أو من زبانا العقرب لزباناها أو من الزيب الشجر حسن المنظر طيب الرائحة أو أصلها زين أب رواه مسلم وفي الجامع الصغير كان يلاعب زينب بنت أم سلمة ويقول يا زوينب يا زوينب مرار رواه الضياء عن أنس وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان وفي نسخة كانت جويرية بجيم مضمومة تصغير جارية وهي من أمهات المؤمنين رضي الله عنها اسمها برة أي قبل أن تدخل في عصمته فحول رسول الله اسمها يعني برة جويرية على نزع الخافض أي إلى جويرية ويمكن أن يجعل حول بمعنى صير فيصير متعديا إلى مفعولين وكان أي النبي يكره أن يقال خرج من عند برة الظاهر أن هذا من عند ابن عباس ويحتمل أنه عليه السلام أخبره عما في ضميره فحينئذ يصح قول النووي بين في الحديثين نوعين من العلة وهما التزكية وخوف التطير قلت يعني أن العلة في الأول التزكية وفي الثاني التطير مع أنه لا منع من الجمع رواه مسلم وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن بنتا كانت لعمر يقال لها عاصية ولعله


سميت بها في الجاهلية ويمكن أن لا يكون من العصيان بل من العيص وهو بالكسر الشجر الكثير المتلف ويطلق على المنبت ومنه عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام وكأنه لما أبدلت الياء ألقاها فتحت العين ومنه العاص وأبو العاص والحاصل أنها مؤنث العاص لا تأنيث العاصي لكن لما كان يتبادر منه هذا المعنى غيرها فسماها رسول الله جميلة ولعله لم يسمها مطيعة مع أنها ضد العاصية مخافة التزكية والله أعلم ثم رأيت التوربشتي قال وإنما كان ذلك منه في الجاهلية فإنهم كانوا يسمون بالعاص والعاصية ذهابا إلى معنى الأباء عن قبول النقائص والرضا بالضيم فلما جاء الله بالإسلام كره له ذلك وقال الطيبي كان من الظاهر أن يسمي بما يقابل اسمها والمقابل برة وهو أيضا غير جائز للعلتين السابقتين ولذلك عدل إلى جميلة وهي مقابلة لها من حيث المعنى لأن الجميل لا يصدر منه إلا الجميل والبر قلت لا يلزم من التحويل المقابلة البتة فلا يحتاج إلى مراعاتها مع أن المقابل للعاصية إنما هو المطيعة على ما قدمناه فالظاهر أن الجميلة هنا بمعنى الحسنة لا بمعنى الآتية بالجمال فإنها ترجع إلى معنى التزكية والله أعلم قال النووي وفيه استحباب تغيير الاسم القبيح كما يستحب تغيير الأسامي المكروهة إلى حسن رواه مسلم وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أي الساعدي الأنصاري وكان اسمه حزنا فسماه النبي سهلا مات النبي وهو ابن خمس عشرة سنة وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة روى عنه ابنه العباس والزهري وأبو حازم قال أي جيء بالمنذر بالكسر ابن أبي أسيد بالتصغير هو الساعدي أيضا إلى النبي حين ولد فوضعه على فخذه بفتح فكسر في القاموس الفخذ ككتف ما بين الساق والورك مؤنث كالفخذ ويكسر فقال أي لمن أتى به ما اسمه قال فلان لم أقف على تعيينه قال لكن وفي نسخة لا لكن أي لا أرضى بذلك لكن اسمه المنذر قال الطيبي أي لا أرضى بما سميتموه ولكن أرضى له أن يكون اسمه المنذر ولعله تفاءل به ولمح إلى


معنى التفقه في الدين في قوله تعالى ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم التوبة متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا يقولن أحدكم
عبدي أي يا عبدي أو عبدي فلان دفعا لتوهم الشركة في العبودية أو في حقيقة العبدية وكذا قوله وأمتي في الإعراب والمعنى فإن الأمة هي المملوكة على ما في القاموس ولا ملك في الحقيقة إلا له سبحانه وتعالى كلكم استئناف تعليل والمعنى كل رجالكم عبيد الله بقرينة المقابلة بقوله وكل نسائكم إماء الله ويحتمل أن يكون الأول عاما على وجه التغليب والثاني تخصيصا بعد تعميم ويؤيد التوجيه السابق قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم النور ولكن ليقل غلامي وجاريتي أي بدلا عن عبدي وأمتي وكذا قوله فتاي وفتاتي فالواو بمعنى أو وهما بمعنى الشاب أو الشابة بناء على الغالب في الخدم أو القوي والقوية ولو باعتبار ما كان ولا يقل العبد ربي أي بالنداء أو الإخبار لأن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد فكره المضاهاة بالاسم لئلا يدخل في معنى الشرك إذا العبد والحر فيهد بمنزلة واحدة ولكن ليقل سيدي لأن مرجع السيادة إلى معنى الرياسة وحسن التدبير في المعيشة ولذلك يسمى الزوج سيدا وفي رواية ليقل سيدي أي تارة ومولاي أي أخرى لكن بمعنى متصرف وفي رواية لا يقل العبد لسيده مولاي أي بمعنى الناصر والمعين فلا ينافي ما سبق ولذا يطلق المولى على المعتق والمعتق ومنه قوله مولى القوم من أنفسهم على ما رواه البخاري عن أنس ومولى الرجل أخوه وابن عمه على ما رواه الطبراني عن سهل بن حنيف والحاصل أن المولى له معان متعددة منها ما يختص به سبحانه فلا يجوز استعماله في حق غيره تعالى وهو نعم المولى ولذا قال فإن مولاكم الله أي المختص بهذا المعنى الخاص ولذا قيل في كراهة هذه الأسماء هو أن يقول ذلك على طريق التطاول على الرقيق والتحقير لشأنه وإلا فقد جاء به القرآن قال الله تعالى والصالحين من


عبادكم وإمائكم النور وقال عبدا مملوكا لا يقدر على شيء وقال اذكرني عند ربك وقال ألفيا سيدها لدى الباب ومعنى هذا راجع إلى البراءة من الكبر والتزام الذل والخضوع فلم يحسن لأحد أن يقول فلان عبدي بل يقول فتاي وإن كان قد ملك فتاه ابتلاء وامتحانا من الله بخلقه كما قال تعالى وجعلنا بعضكم لبعض فتنة الفرقان وعلى هذا امتحان الله تعالى لأنبيائه وأوليائه ابتلى يوسف عليه السلام بالرق كذا في شرح السنة وفي شرح مسلم للنووي قالوا إنما كره للمملوك أن يقول لمالكه ربي لأن فيه إيهام المشاركة لله تعالى وأما حديث حتى يلقاها ربها في الضالة فإنما استعمل لأنها غير مكلفة فهي كالدار والمال ولا كراهة أن يقول رب المال


والدار وأما قول يوسف عليه السلام اذكرني عند ربك يوسف و إنه ربي أحسن مثواي يوسف ففيه جوابان أحدهما أنه خاطبه بما يعرفه وجاز ذلك للضرورة وثانيهما أن هذا منسوخ في شرعنا اه والأظهر في الجواب عن قوله إنه ربي أحسن مثواي يوسف أن الضمير لله تعالى أي أنه خالقي أحسن منزلتي ومأواي بأن عطف علي القلوب فلا أعصيه وعن قوله اذكرني عند ربك يوسف أي اذكر حالي عند الملك كي يخلصني فأنساه الشيطان ذكر ربه أي أنسى يوسف ذكر الله حتى استعان بغيره ويؤيده قوله عليه السلام رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعا بعد الخمس كذا في تفسير البيضاوي وقال أبو سعيد القرشي لما قال لصاحب السجن اذكرني عند ربك أي نزل جبريل عليه السلام فقال الله يقرئك السلام ويقول من حببك إلى أبيك من بين أخوتك ومن قيض لك السيارة لتخليصك ومن طرح في قلب من اشتراك من مودتك حتى قال اكرمي مثواه يوسف الآية ومن صرف عنك وبال المعصية قال الله تعالى قال فإنه يقول أنا الذي حفظتك في هذه المواضع أخشيت أن أنساك في السجن حتى استعنت بغيري وقلت اذكرني عند ربك أما كان ربك أقرب منك وأقدر على خلاصك من رب صاحب السجن لتلبثن فيه بضع سنين قال يوسف وربي عني براض قال نعم قال لا أبالي ولوالي الساعة كذا في حقائق السلمي رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي قال لا تقولوا أي للعنب الكرم بسكون الراء ويفتح على ما في بعض النسخ فإن الكرم قلب المؤمن قال شارح سمت العرب العنبة كرما ذهابا إلى أن الخمر تورث شاربها كرما ويلتفت إليه قول القائل فيا ابنة الكرم لا بل يا ابنة الكرم فلما حرم الخمر نهاهم عن ذلك تحقيرا للخمر وتأكيدا لحرمتها وبين لهم أن قلب المؤمن هو الكرم لأنه معدن التقوى لا الخمر المؤدي إلى اختلال العقل وفساد الرأي وإتلاف المال وصرفه لا على وجه الصواب وفي الفائق أراد أن يقرر ما في قوله تعالى إن أكرمكم عند الله


أتقاكم الحجرات بطريق منيف ومسلك لطيف وفي القاموس الكرم محركة ضد اللؤم وأرض كرم محركة أي طيبة والكرم العنب والكريمان الحج والجهاد ومنه
خير الناس مؤمن بين كريمين وفي الحديث لا تسموا العنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم وليس الغرض حقيقة النهي عن تسمية العنب كرما ولكنه رمز إلى أن هذا النوع من غير الأناسي المسمى بالاسم المشتق من الكرم أنتم أحقاء بأن لا تؤهلوه بهذه التسمية غيرة للمسلم التقي أن يشارك فيما سماه الله وخصه بأن جعله صفته فضلا أن تسموا بالكريم من ليس بمسلم وكأنه قال أن تأتي لكم أن لا تسموه مثلا باسم الكرم فلا تسموا به غيره وقوله فإن الكرم أي فإنما المستحق للاسم المشتق من الكرم المسلم وفي شرح مسلم للنووي قال أهل اللغة رجل كرم وامرأة كرم ورجلان كرم ورجال كرم ونسوة كرم كله بفتح الراء وإسكانها بمعنى كريم وصف بالمصدر كعدل وضيف وفي رواية له أي لمسلم عن وائل بن حجر بضم حاء وسكون جيم لا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب وهو يطلق على الثمر والشجر والمراد به هنا الشجر والحبلة بفتح مهملة وباء موحدة ويسكن وهو الأصل من شجر العنب وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تسموا العنب الكرم ولا تقولوا يا خيبة الدهر الخيبة الحرمان والخسران وهو من إضافة المصدر الفاعل وكانوا في الجاهلية إذا أصابتهم مصيبة قالوا يا خيبة الدهر يريدون سب الدهر فنهوا عن ذلك بقوله فإن الله هو الدهر أي هو ما يضاف إلى الدهر من الخير والشر أو فإن الله خالق الدهر ومصرفه ومقلبه والمتصرف فيه والدهر مسخر حكمه رواه البخاري وفي الجامع الصغير رواه الشيخان وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر قد مر شرحه في كتاب الإيمان مفصلا رواه مسلم


وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله لا يقولن أحدكم خبثت بفتح خاء معجمة وضم موحدة وفتح مثلثة وتاء ساكنة نفسي ولكن ليقل لقست بفتح لام فكسر قاف أي غثيت على ما في النهاية من أن اللقس الغثيان وإنما كره خبثت هربا من لفظ الخبث والخبيث يعني من الاشتراك المعنوي مع التبادر إلى المعنى القبيح وقال شارح لقست بالكسر وخبثت أي غثيت والعرب تستعمل كلا منهما مكان الآخر فكره النبي أن يضرب المؤمن لنفسه مثل السوء ويضيف الخبث الذي يطلق على خباثه النفس وسوء الخلق كما يطلق على الغثيان إلى نفسه ولذلك أطلق على من لم يقم الصلاة الليل كسلا وتهاونا الخبث حيث قال أصبح خبيث النفس كسلانا ذما وزجرا له وقال النووي إنما كره لفظ الخبث لشناعته وعلمهم الأدب في الألفاظ واستعمال أحسنها وهجران قبيحها فإن قيل قد قال في الذي ينام عن الصلاة خبيث النفس كسلان والجواب أنه مخبر هناك عن صفة غيره وعن شخص مبهم مذموم الحال قال التوربشتي وكم مثل ذلك في السنن نهى عن لعن المسلم أشد النهي ثم قال لعن الله من تولى غير مواليه ولعن الله من سرق منار الأرض وأمثال ذلك مما كان القصد فيه الوعيد والزجر لا اللعن لمسلم بعينه متفق عليه وذكر حديث أبي هريرة يؤذيني ابن آدم في باب الإيمان
الفصل الثاني
عن شريح بالتصغير ابن هانىء بنون مكسورة فهمزة عن أبيه أي هانىء بن يزيد أنه لما وفد أي جاء إلى رسول الله سمعهم أي سمع النبي يكنونه بتشديد


النون مع ضم أوله وتخفيف مع فتح أوله بأبي الحكم الكنية قد تكون بالأوصاف كأبي الفضائل وأبي المعالي وأبي الحكم وأبي الخير وقد تكون بالنسبة إلى الأولاد كأبي سلمة وأبي شريح وإلى ما لا يلابسه كأبي هريرة فإنه عليه السلام رآه ومعه هرة فكناه بأبي هريرة وقد تكون للعلمية الصرفة كأبي بكر وأبي عمرو فدعاه رسول الله أي طلب هانئا فقال إن الله هو الحكم عرف الخبر وأتى بضمير الفصل فدل على الحصر وأن هذا الوصف مختص به لا يتجاوز إلى غيره وإليه الحكم أي منه يبتدأ الحكم وإليه ينتهي الحكم له الحكم وإليه ترجعون لا راد لحكمه ولا يخلو حكمه عن حكمته وفي إطلاق أبي الحكم على غيره يوهم الاشتراك في وصفه على الجملة وإن لم يطلق عليه سبحانه أبو الحكم لما فيه من إيهام الوالدية والولديه وقد غير اسم عمرو بن هشام المكنى بأبي الحكم بأبي جهل وفي شرح السنة الحكم هو الحاكم الذي إذا حكم لا يرد حكمه وهذه الصفة لا تليق بغير الله تعالى ومن أسمائه الحكم فلم تكنى أبا الحكم أي فلأي شيء وبأي سبب من أنواع الكنية تكنى بأبي الحكم قال إن قومي استئناف تعليل إذا اختلفوا في شيء وصاروا فرقتين مختلفتين وكاد أن يقتتلا أتوني فحكمت بينهم أي بأي نوع من الحكم فرضي كل الفريقين بحكمي أي لمراعاتي الجانبين والعدل بين الخصمين وحصول الصلح من الطرفين فقال رسول الله ما أحسن هذا أي الذي ذكرته من الحكم بالعدل أو من وجه التكنية وهو الأولى وأتى بصيغة التعجب مبالغة في حسنه لكن لما كان فيه من الإيهام ما سبق في الكلام أراد تحويل كنيته إلى ما يناسبه في المرام فقال إذا كان الأمر كذلك فما لك من الولد وأغرب المظهر في قوله ما للتعجب يعني الحكم بين الناس حسن ولكن هذه الكنية غير حسنة وتبعه الطيبي فقال ولما لم يطابق جواب أبي شريح قال له على ألطف وجه وأرشقه ردا عليه ذلك ما أحسن هذا لكن أين ذلك من هذا فأعدل عنه إلى ما هو يليق بحالك من التكني بالأبناء وهو من باب


الرجوع والتنبيه على ما هو أولى به وأليق بحاله قال لي شريح ومسلم وعبد الله ظاهر الترتيب المقتضي لعقله أنه قدم الأكبر فالأكبر لكن الواو لدلالته على مطلق الجمع كان غير صريح في المدعي قال ومن أكبرهم في شرح السنة فيه أن الأولى أن يكنى الرجل بأكبر بنيه فإن لم يكن له ابن فبأكبر بناته وكذلك المرأة بأكبر بنيها فإن لم يكن لها ابن فبأكبر بناتها قال أي هانىء قلت شريح أي أكبرهم قال فأنت أبو شريح أي رعاية للأكبر سنا فصار ببركته أكبر رتبة وأكثر فضلا فإنه من أجلة أصحاب علي رضي الله عنه وكان مفتيا في زمن الصحابة ويرد على بعضهم وقد ولاه علي رضي الله عنه قاضيا وخالفه في قبول شهادة الحسن له والقضية مشهورة قال بعض علمائنا وأما التابعي فإن ظهرت فتواه في زمن الصحابة كشريح كان مثلهم عند البعض ولعله عد في فصل الصحابة في أسماء رجال المصنف لهذا المعنى أو


لكونه من المخضرمين كما قاله ابن عبد البر في الاستيعاب والله أعلم بالصواب رواه أبو داود والنسائي وعن مسروق همداني كوفي أسلم قبل وفاة النبي وأدرك الصدر الأول من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وكان أحد الأعلام والفقهاء قال محمد بن المنتشر إن خالد بن عبد الله وكان عاملا على البصرة أهدى إلى مسروق ثلاثين ألفا وهو يومئذ محتاج فلم يقبلها يقال إنه سرق صغيرا ثم وجد فسمي مسروقا قال لقيت عمر فقال من أنت قلت مسروق ابن الأجدع قال عمر سمعت رسول الله يقول الأجدع شيطان أي اسم شيطان من الشياطين قال الطيبي وهو استعارة من مقطوع الأطراف لمقطوع الحجة اه وهو يحتمل أن يكون مطايبة من عمر رضي الله عنه أو تنبيها على تغيير هذا الاسم عن أبيه إن كان حيا ويقال له أبو مسروق إن كان ميتا واحتراسا من أن يسمى ولده باسم أبيه ويكنى بأبي الأجدع والله تعالى أعلم رواه أبو داود وابن ماجه وكذا أحمد والحاكم وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله تدعون وفي رواية الجامع إنكم تدعون وهو بصيغة المجهول أي تنادون أو تسمون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فاحسنوا أي أنتم وآباؤكم أسماءكم رواه أحمد وأبو داود وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي نهى أن يجمع أحد بين اسمه


وكنيته وسمي بصيغة المجهول محمد بالرفع أبا القاسم بالنصب ويؤيده ما في بعض النسخ نهى أن يجمع بين اسمه على بناء المفعول من غير ذكر أحد وفي نسخة صحيحة يسمى بصيغة الفاعل ومحمدا بالنصب وهو ظاهر مطابق لما قبله قال الطيبي محمد مرفوع على أنه مفعول أقيم مقام الفاعل كذا في جامع الترمذي وشرح السنة وأكثر نسخ المصابيح والمعنى يسمى المسمى بمحمد أبا القاسم وفي جامع الأصول وبعض نسخ المصابيح محمدا منصوب فالفعل يكون على بناء الفاعل اه ولا يخفى أنه على بناء الفاعل يكون بفتح الياء بالنصب الظاهري بخلاف ما إذا كان مفعولا فإن نصبه مقدر على الألف ثم على الأول يكون تقديره وأن يسمى أحد محمدا أبا القاسم وتقدم تحقيقه وأن النهي في الحقيقة إنما هو عن كنيته في حال حياته ولعل تخصيص اسم محمد لما كان الغالب عليهم ذلك والله أعلم رواه الترمذي وعن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي قال إذا سميتم باسمي أي فلا حرج عليكم في تسميته فلا تكتنوا بكنيتي أي في حياتي لئلا يلتبس في ذاتي كما يدل عليه الحديث الصحيح تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي على ما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أنس وأحمد والشيخان وابن ماجه عن جابر وقال ابن الملك في الحديث أن أفراد لكنية جائز فإنه أقل كراهة من الجمع إذ في الأفراد يمكن رفع اللبس بخلاف الجمع فإنه لا يمكن الرفع إلا بكفه لكثرة الاشتراك سواء كان ذلك في زمانه أو بعده اه وما قررناه سابقا أولى رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب وفي رواية أبي داود قال من تسمى باسمي فلا يكتن بكنيتي ومن تكنى بكنيتي فلا يتسم باسمي وهذه الرواية تؤيد قول ابن الملك لكن تخالف الحديث الصحيح السابق نعم يمكن تقييده بأن هذا بعد موته لئلا يورث الاشتباه في ذكره أو نسبه وأما الكنية في حال حياته فمنهية مطلقا لما سبق من سبب وروده وأما وجه المنع على التعليل المتقدم فإنه مع وجود الفرد الأكمل لا ينبغي إطلاق


الوصف على غيره والله أعلم وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن امرأة قالت يا رسول الله أني
ولدت غلاما أي نفسه فسميته محمدا وكنيته أبا القاسم أي تبركا بهما فذكر بصيغة المجهول أي فذكر بعض لي أنك تكره ذلك أي كراهة تحريم كما يدل عليه ما أجاب فقال ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي بالاستفهام الإنكاري أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي شك من أحد الرواة وفيه تصريح على أن النهي عن الجمع ليس للتحريم بل للتنزيه كما سبق رواه أبو داود وقال محيي السنة غريب أي متنا أو إسنادا وعن محمد ابن الحنفية هو محمد بن علي بن أبي طالب يكنى أبا القاسم وأمه خولة بنت جعفر الحنفية ويقال بل كانت أمه من سبي اليمامة فصارت إلى علي رضي الله عنه وقالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما رأيت أم محمد ابن الحنفية سندية سوداء وكانت أمة بني حنيفة روى عنه ابنه إبراهيم مات بالمدينة سنة إحدى وثمانين وله خمس وستون سنة عن أبيه قال أي أبوه علي كرم الله وجهه قلت يا رسول الله أرأيت أي أخبرني أن ولد لي بعدك أي فرضا وتقديرا ولد أي من فاطمة أو غيرها أسميه وفي نسخة وأسميه باسمك وأكنيه بتشديد النون بكنيتك أي تبركا وتذكرا قال نعم فيه أن النهي مقصور على زمانه فيجوز الجمع بينهما بعده لرفع الالتباس وبه قال مالك وقد حققنا البحث قبل ذلك رواه أبو داود وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال كناني بتشديد النون الأولى أي جعلني مكنى بأبي حمزة رسول الله ببقلة أي بسبب اسم بقلة خريفية في طعمها حموضة اسمها حمزة بالحاء والزاي كنت أجتنيها أي أقلعها رواه الترمذي وقال هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه أي الحديث غريب والغرابة تجتمع مع الصحيح وغيره ولذا قال المؤلف وفي المصابيح صحيحة


وعن عائشة رضي الله عنها قالت إن النبي كان يغير الاسم القبيح أي غير اللائق بضده وقد تقدم بعض الأمثلة وروي أن رجلا كان اسمه أسود فسماه أبيض رواه الترمذي وعن بشر بن ميمون ذكره المؤلف في فصل التابعين وقال صدوق روى عنه بشر بن المفضل وغيره عن عمه أسامة بن أخدري بفتح همزة وسكون خاء معجمة وفتح دال مهملة وكسر راء وياء مشددة لم يذكره المؤلف في أسمائه وقيل في صحبته وفي إسناد حديثه مقال له حديث واحد في تغيير الأسماء أن رجلا يقال له أصرم افعل من الصرم كان في النفر الذي أفرد الموصول باعتبار لفظ النفر وجمع في قوله أتوا بحسب المعنى ونحوه قوله تعالى كالذي خاضوا التوبة وفي نسخة الذين أتوا رسول الله فقال له رسول الله ما اسمك قال أصرم قال بل أنت زرعة بضم زاي وسكون راء مأخوذ من الزرع وهو مستحسن بخلاف أصرم فإنه مأخوذ من الصرم وهو القطع فبادله به وغيره له رواه أبو داود وقال أي أبو داود بطريق التعليق وغير النبي اسم العاص قال شارح لأنه من العصيان وفي الفائق كره العاصي لأن شعار المؤمن الطاعة لكن المفهوم من القاموس أن العاص ليس من مادة العصيان حيث ذكر في معتل العين لأن الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص قال والعيص المنيت وعيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام فلعل التبديل الاسمي لأجل الاشتباه اللفظي وعزيز لأنه من أسماء الله تعالى فينبغي أن يقال عبد العزيز لأن العبد موصوف بالذل والخضوع والعزة لله تعالى وكذا لا ينبغي أن يسمى بحميدة فإنه من أسمائه وصفاته على وجه المبالغة فلا يقال لا عبد الحميد وكذلك الكريم وأمثاله وعتلة بفتحات لأن معناه الغلظة والشدة من عتلته إذا جذبته جذبا عنيفا والمؤمن موصوف بلين الجانب وخفض الجناح وقيل


العتلة عمود حديد يهدم به الحيطان وقيل حديدة كبيرة يقلع بها الحجر والشجر وشيطان لأنه مع قطع النظر عن مسماه يتشاءم به كل من رآه وهو باعتبار اللغة أيضا مأخوذ من شاط احترق أو هلك قال صاحب القاموس ومنه الشيطان في قول أو من شطن ففي القاموس الشاطن الخبيث والشيطان معروف وكل عات متمرد من إنس أو جن أو دابة وشيطن وتشيطن فعل فعله والحية وفي شرح السنة لأن اشتقاقه من الشطن وهو البعد عن الخير والحكم بفتحتين مبالغة الحاكم فإن الله تعالى هو الحاكم ولا حكم إلا له فإذا كان غير أبا الحكم على ما سبق فالحكم بالأولى كما لا يخفى وغراب لأن معناه البعد ولأنه أخبث الطيور لوقوعه على الجيف وبحثه عن النجاسات وقال شارح لأن الغراب طير مذموم شرعا أو لأنه من الغروب وهو غير مستحسن في التفاؤل يعني وكان يحب الاسم الحسن والفأل الحسن على ما ورد كما سبق وحباب بضم الحاء وموحدتين اسم الشيطان ويقع على الحية أو نوع منها وشهاب بكسر الشين المعجمة لأنه شعلة نار ساقطة والنار عقاب الكفار ولأنه يرجم به الشيطان والظاهر أنه إذا أضيف إلى الدين مثلا لا يكون مكروها وقال أي أبو داود اعتذارا عن إيراد هذه الأحاديث معلقا تركت أسانيدها للاختصار ويمكن أن يكون قوله تركت استئناف تعليل وإعادة قال لطول الفصل هذا الذي ظهر لي في حل هذا المحل وقال الطيبي قوله وقال تركت أسانيدها عطف على قوله قال وغير وهو قول راوي أبي داود يقول روى أبو داود أحاديث متعددة بإسناده إلى النبي وفيها أنه غير أسامي رجال ثم عطف أبو داود قوله وغير الخ من حيث المعنى على المذكور ثم قال ما ذكرته من التغيير ورد في أحاديث متفرقة مسندة وإني تركت أسانيدها اختصارا كذا في شرح السنة وفي سنن أبي داود قال أبو داود سليمان بن الأشعث وغير النبي غير اسم العاص ولعله سهو من الناسخ اه كلام الطيبي فتأمل وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال لأبي عبد الله وهو كنية حذيفة عند


الإطلاق في اصطلاح المحدثين أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود الشك من أحد الرواة عنهما ما سمعت رسول الله أي أي شيء فسمعته يقول في زعموا أي في شأن هذه الكلمة أو في حق هذا اللفظ ويمكن أن تكون ما نافية وهمزة الاستفهام مقدرة أي أما سمعته يطعن ويذكر الذم فيما استعمله الناس من قولهم زعموا وينسبون الأخبار إليهم بهذه العبارة ظنا وحسبانا لا تحقيقا وإيقانا قال سمعت رسول الله
يقول بئس مطية الرجل وهو بفتح ميم وكسر طاء مهملة وتشديد تحتية أي مركوبه ويقال له بالفارسية باركير يعني إذا عجز عن كل شيء تعلق به ليخلص عهدته وفي القاموس مطاجد في السير والمطية التي تمطو في سيرها وما أحسن مناسبة اشتقاقها بالمقام فإنه شبه بها الكلام الذي لم يتوقف في تحقيقه ويتبادر فيه إلى نقله ونشره ثم الجملة مفعول يقول والمخصوص بالذم محذوف للعلم به أي بئس مطية الرجل زعموا ولو رويت المطية منصوبة لكان في بئس ضمير راجع إلى زعموا قيل أراد بذلك النهي عن التكلم بكلام يسمعه من غيره ولم يعلم صحته أو عن اختراع القول بإسناده إلى من لا يعرف يقول زعموا أن قد كان كذا وكذا فيتخذ قوله زعموا مطية يقطع بها أودية الإسهاب وقيل سماه مطية لأن الرجل يتوصل بهذا القول إلى مقصوده من إثبات شيء كما أنه يتوصل إلى موضع بواسطة المطية وتوضيحه ما في النهاية من أن معناه أن الرجل إذا أراد شيئا من المسير إلى بلد والظعن في حاجة ركب مطية وسار حتى يقضي أربه فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل به إلى غرضه من قوله زعموا كذا وكذا بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه وإنما يحكى عن الألسن على سبيل البلاغ فذم من الحديث ما كان هذا سبيله والزعم بالضم والفتح الظن اه وفي الحديث مبالغة في الاجتناب عن اخبار الناس كيلا يقع في الكذب وقد ورد في حديث رواه أبو داود والحاكم عن ابن عمر مرفوعا كفى بالمرء اثما أن يحدث بكل ما سمع


لأن الرجل إذا كان مذموما مع قوله زعموا أن الأمر كذا وكذا حيث أسند إلى الناس ولم يجعله إنشاء من تلقاء نفسه ولا جزم به بل عبر بالزعم الذي بمعنى الادعاء والافتراء كما أخبر الله تعالى بقوله زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا التغابن فكيف لا يكون مذموما إذا أسند إليهم القول على وجه التحقيق أو نسب إلى نفسه من غير إسناد إلى من سمعه أو كذب عليه والحاصل من الحديث أنه ينبغي تبديل هذه اللفظة وهذه الإضافة فأما أن يحقق الكلام وينسبه إلى قائله أو يسكت كما قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ولعل وجه مناسبة إيراد هذا الحديث للباب مجرد التغيير المذموم أعم من أن يكون اسما أو غيره وكذا الأمر في الحديث الآتي هذا وقال الطيبي قوله في زعموا أي في شأن زعموا وأمره أي هل كان يرضى به قولا أم لم يرض ولا بد من هذا التأويل ليدخل في باب تغيير الأسماء الشنيعة ولما لم يرض به قال بئس مطية الرجل يعني ينبغي أن لا يكثر الرجل في كلامه زعم فلان وفلان كيت وكيت وينسب الكذب إلى أخيه المسلم اللهم إذا إذا تحقق وتيقن كذبه وأراد أن يحترز الناس عنه كما ورد في كلامه تعالى زعم الذين كفروا التغابن بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا الكهف أين شركائي الذين زعمتم القصص اه وليس مسلك غير ما شرحه الشراح كما قدمناه فتأمل رواه أبو داود أي هكذا على الشك وفي الجامع الصغير بئس مطية


الرجل زعموا رواه أحمد وأبو داود عن حذيفة وقال أي أبو داود أن أبا عبد الله أي المذكور في صدر الحديث هو حذيفة وعن حذيفة لم يقل وعنه لئلا يرجع الضمير إلى أبي مسعود عن النبي قال لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان فيه حذف تقديره فهو كائن أو كان لما فيه من التسوية بين الله وبين عباده لأن الواو للجمع والاشتراك ولكن قولوا ما شاء الله أي كان ثم شاء فلان أي ثم بعد مشيئة الله شاء فلان لأن ثم للتراخي وإنما قدرنا كان قبل ثم شاء فلان ليندفع توهم الاشتراك في الحكم ولو بالتراخي أيضا فتأمل فإنه مسلك دقيق وبالتحقيق حقيق وحينئذ قوله ثم شاء فلان جملة مستأنفة أو معطوفة على الجملة السابقة كما أشرنا إليه وثم لتراخي الأخبار هذا مجمل ما ظهر لي في حل هذا المحل وفي شرح السنة لما كان الواو حرف الجمع والتشريك منع من عطف إحدى المشيئتين على الأخرى وأمر بتقديم مشيئة الله وتأخير مشيئة من سواه بحرف ثم الذي هو للتراخي قال الطيبي ثم ههنا يحتمل التراخي في الزمان وفي الرتبة فإن مشيئة الله تعالى أزلية ومشيئة غيره حادثة تابعة لمشيئة الله تعالى قال تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله التكوير وما شاء الله كان ومشيئة العبد لم يقع أكثرها فأين أحدهما من الأخرى رواه أحمد وأبو داود وفي رواية منقطعا أي إسنادها قال لا تقولوا شاء الله وشاء محمد وقولوا ما شاء الله وحده أي شاء غيره أو لم يشاء وهو لا ينافي ما سبق من جواز ما شاء الله ثم شاء فلان كما لا يخفى قال الطيبي فإن قلت كيف رخص أن يقول ما شاء الله ثم شاء فلان ولم يرخص في اسمه حيث قال قولوا ما شاء الله وحده قلت فيه جوابان أحدهما قال دفعا لمظنة التهمة في قولهم ما شاء الله وشاء محمد تعظيما له ورياء لسمعته وثانيهما أنه رأس الموحدين ومشيئته مغمورة في مشيئة الله تعالى ومضمحلة فيها أقول أصل السؤال مدفوع لأنه داخل في عموم فلان فيجوز أن يقال ما شاء الله ثم شاء محمد ولا


يجوز أن يقال ما شاء الله وشاء محمد فجوابه الأول خطأ فاحش لأنهم لو قالوا ما شاء الله وشاء محمد لكان شركا جليا لا مظنة للتهمة التي ذكرها وجوابه الثاني في نفس الأمر صحيح لكن لا يفيد جواز الإتيان بالواو مع أن مشيئة غيره أيضا مضمحلة في مشيئة الله تعالى سبحانه وأيضا ما سبق من قوله ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان لمجرد الرخصة وقال هنا قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد لكان أمر وجوب أو ندب وليس الأمر كذلك مع أن المشيئة المسندة إلى فلان إنما هي مشيئة جزئية لا يجوز حملها على المشيئة الكلية كما رمزنا إليه فيما سبق من الكلام والله سبحانه أعلم بالمرام رواه أي ما ذكر من الرواية المقطوعة الإسناد في شرح السنة فقوله في المصابيح وفي رواية معناه في رواية أخرى لغير أحمد وأبي داود خلافا لما هو المتبادر من الإطلاق وعنه أي عن حذيفة وفي بعض الحواشي عن بريدة لكن لم يظهر لي وجه صحته عن النبي قال لا تقولوا للمنافق سيد مفهومه أنه يجوز أن يقال للمؤمن سيد وهو لا ينافي ما رواه أحمد والحاكم عن عبد الله بن الشخير مرفوعا السيد الله لأن في الحقيقة لا سيادة إلا له وما سواه مملوكه فإنه أي الشأن أو المنافق إن يك سيدا أي سيد قوم أو صاحب عبد وإماء وأموال أسخطتم ربكم أي أغضبتموه لأنه يكون تعظيما له وهو ممن لا يستحق التعظيم فكيف إن لم يكن سيدا بأحد من المعاني فإنه مع ذلك يكون كذبا ونفاقا وفاقا وفي النهاية فإنه إن كان سيدكم وهو منافق فحالكم دون حاله والله لا يرضى لكم ذلك وقال الطيبي أي إن يك سيدا لكم فتجب عليكم طاعته فإذا أطعمتموه فقد أسخطتم ربكم أو لا تقولوا للمنافق سيد فإنكم إن قلتم ذلك فقد أسخطتم ربكم فوضع الكون موضع القول تحقيقا له قال وفيه إن قول الناس لغير الملة كالحكماء والأطباء مولانا داخل في هذا النهي والوعيد بل هو أشد لورود قوله تعالى مولانا في التنزيل دون السيد قلت إذا كان المراد به تعظيمه فلا شك في عدم


جوازه وأما إذا أريد به أحد معاني المولى مما سبق فلا يبعد جوازه لا سيما عند الحاجة والضرورة والمخلص أن يكون على سبيل التورية وقد قال تعالى في تجويز إطلاق المولى على غيره سبحانه فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين الأحزاب أي في المسلمين ومواليكم في غيرهم والحاصل أن المولى والسيد على الإطلاق هو الله سبحانه وجواز إطلاقه وعدمه على غيره لا يعرف إلا من الشارع ولم يرد نهي عن إطلاق المولى على غيره سبحانه فيجوز على أصل الإباحة وهو المتعارف فيما بين
المسلمين وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن رواه أبو داود ورواه الحاكم والبيهقي عن بريدة بلفظ إذا قال الرجل للمنافق يا سيد فقد أغضب ربه ولعل هذا منشأ وهم المحشي فيما صدر عنه مما ذكرناه في صدر الحديث
الفصل الثالث


عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة قال المؤلف حجبى روى عن عمته صفية وابن المسيب وعنه ابن جريج وابن عيينة قال جلست إلى سعيد بن المسيب بتشديد التحتية المفتوحة وقد تكسر وهو من أكابر التابعين وقد سبق ذكره فحدثني أن جده حزنا بفتح حاء وسكون زاي قدم على النبي فقال ما اسمك فقال اسمي حزن قال بل أنت سهل أي فإن الحزن ضد السهل وقد ورد أن الله تعالى يحب السهل الطليق على ما رواه البيهقي وغيره عن أبي هريرة ومنه قوله اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن سهلا إذا شئت وفي القاموس الحزن ما غلظ من الأرض والسهل من الأرض ضد الحزن قال ما أنا بمغير اسما سمانيه أبي وفي رواية أبي داود لأن السهل يوطأ ويمتهن أي لا أغير اسمي لأن السهل يوطأ ويهان أي يداس بالأقدام وفيه نوع نزغة من نزغات إبليس وقياساته من التلبيس حيث لم يدر أن من تواضع لله رفعه الله وأن المرء عند الامتحان يكرم أو يهان والحاصل أنه كما قيل الأسماء تنزل من السماء يوفق اسمه حزنه الجبلية مطابقا للحزن الجبلي وما أفاده قول الحكيم الإلهي وأبعد الطيبي في قوله بل أنت سهل أي هذا الاسم غير مناسب لك لأنك حليم لين الجانب ينبغي أن تسمى سهلا فإنه لو كان حليما لين الجانب لراعى أدب جانب النبوة وعمل بمقتضى أخلاق الفتوة ولو بدل اسمه السهل بالحزن فكيف والأمر بالعكس وقد أباه حتى سرى هذا الطبع في ذريته قال ابن المسيب فما زالت فينا أي معشر أولاده الحزونة أي صعوبة الخلق على ما ذكره السيوطي بعد أي بعد إباء أبي اسم السهل من النبي رواه البخاري


وعن أبي وهب الجشمي بضم جيم وفتح شين معجمة قال المؤلف اسمه كنيته وله صحبة قال قال رسول الله تسموا بأسماء الأنبياء أي دون الملائكة لما سبق ولا بأسماء الجاهلية من كلب وحمار وعبد شمس ونحوها وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن أي ونحوهما من عبد الرحيم وعبد الكريم وأمثالهما وأصدقها حارث وهمام فإن الأول بمعنى الكاسب والثاني فعال من هم يهم فلا يخلو إنسان عن كسب وهم بل عن هموم وأقبحها حرب ومرة لأن الحرب يتطير بها وتكره لما فيها من القتل والأذى وأما مرة فلان المركريه ولأن كنية إبليس أبو مرة رواه أبو داود وكذا النسائي في مسنده والبخاري في تاريخه


باب البيان والشعر
في النهاية البيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ وهو من الفهم وذكاء القلب وأصله الكشف والظهور وقال الراغب الشعر معروف وشعرت أصبت الشعر ومنه استعير شعرت كذا أي علمت علما في الدقة كإصابة الشعر قيل وسمي الشاعر شاعر الفطنتة ودقة معرفته فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم ليت شعري صار في التعارف أسماء للموزون المقفى من الكلام والشاعر للمختص بصناعته اه وقال بعضهم الشعر كلام مقفى موزون قصدا ليخرج ما وقع في القرآن أو كلام النبوة قلت لكن يشكل مع هذا في الكلام الإلهي لعدم تصور نفي الإرادة فيه فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن اللهم إلا أن يقال بأن وقوعه غير مقصود بالذات كما ذكروا في قوله والخير بيديك والشر ليس إليك
الفصل الأول
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قدم رجلان من المشرق أي من جانبه قال الميداني هما الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وكذا عن الشيخ التوربشتي على ما سيأتي


فخطبا أي بكلمات محسنات جامعة للبلاغة والفصاحة فعجب الناس لبيانهما أي ولفصاحة لسانهما وغرابة شأنهما فقال رسول الله إن من البيان لسحرا أي في استمالة القلوب كالسحر قال التوربشتي وكان هذا القول منه عند قدوم وفد بني تميم وكان فيهم الزبرقان وعمرو ففخر الزبرقان فقال يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيثهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك فقال عمرو إنه لشديد العارضة مانع لجانبه مطاع في أذنه فقال الزبرقان والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال وما منعه أن يتكلم إلا الحسد فقال عمرو أنا أحسدك فوالله أنك لئيم الحال حديث المال ضيق العطن حمق الولد مضيع في الغيرة والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا وما كذبت فيما قلت آخرا ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا فقال النبي إن من البيان لسحرا قال الميداني يضرب هذا المثل في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة اه والأظهر أنه ذو وجهين والمعنى أن بعض البيان بمنزلة السحر في ميلان القلوب له أو في العجز عن الإتيان بمثله وهذا النوع ممدوح إذا صرف إلى الحق كمذمة الخمر مثلا ومذموم إذا صرف إلى الباطل كمدحها مثلا وفي شرح السنة اختلفوا في تأويله فمنهم من حمله على الذم وذلك أنه ذم التصنع في الكلام والتكلف لتحسينه ليروق للسامعين قوله وليستميل به قلوبهم وأصل السحر في كلامهم الصرف وسمي السحر سحرا لأنه مصروف عن جهته فهذا المتكلم ببيانه يصرف قلوب السامعين إلى قبول قوله وإن كان غير حق أو المراد من صرف الكلام فضله وما يتكلف الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة قد يدخله الرياء ويخالطه الكذب وأيضا قد يحيل الشيء عن ظاهره ببيانه ويزيله عن موضعه بلسانه إرادة التلبيس عليهم فيصير بمنزلة السحر الذي هو تخييل لا حقيقة له وقيل أراد به أن من البيان ما يكتسب به صاحبه من الاثم ما يكتسب


الساحر بسحره وقيل معناه الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بحجته من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وشاهده قول النبي إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض الحديث وذهب آخرون إلى أن المراد منه مدح البيان والحث على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ لأن إحدى القرينتين وهو قوله إن من الشعر حكما على طريق المدح فكذلك القرينة الأخرى وقال شارح هذا ورد للذم أي أن من البيان نوعا يحل من العقول والقلوب محل السحر فإن الساحر بسحره يزين الباطل في عين المسحور حتى يراه حقا وكذا المتكلم بمهارته في البيان وتفننه في البلاغة وترصيف النظم يسلب عقل السامع


ويشغله عن التفكر فيه والتدبر له حتى يخيل إليه الباطل حقا والحق باطلا فبين النبي إن جنس البيان وإن كان محمودا فإن فيه ما يذم للمعنى الذي ذكرناه وأن جنس الشعر وإن كان مذموما فإن فيه ما يحمد لاشتماله على الحكم وهو ما فيه موعظة وثناء لله ورسوله وزهد في الدنيا ورغبة في الآخرة قلت ومما يدل على أن البيان في أصله محمود قوله تعالى الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الرحمان ومما يدل على أن الشعر في أصله مذموم قوله تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون الشعراء الآية وقد كثر الأحاديث في ذمه ومن ثم سموا الأدلة الكاذبة شعرا وقيل في الشعر أكذبه أحسنه ولذا قال بعض المفسرين في قول الكفار له إنه شاعر يعنون أنه كاذب لأن ما يأتي الشاعر أكثره كذب والله أعلم وروي عن عمر بن عبد العزيز إن رجلا طلب إليه حاجة كان يتعذر عليه إسعافه بها فاستمال قلبه بالكلام فأنجزها له ثم قال هذا هو السحر الحلال وقال الطيبي من للتبعيض والكلام فيه تشبيه وحقه أن يقال إن بعض البيان كالسحر فقلب وجعل الخبر مبتدأ مبالغة في جعل الأصل فرعا والفرع أصلا ووجه الشبه أنه يتغير بتغير إرادة المدح والذم رواه البخاري وكذا مالك وأحمد وأبو داود والترمذي ورواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس بلفظ إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله إن من الشعر حكمة أي ما فيه حق وحكمة أو قولا صادقا مطابقا للحق وقيل أصل الحكمة المنع فالمعنى إن من الشعر كلاما نافعا يمنع عن السفه والجهل وهو ما نظمه الشعراء من المواعظ والأمثال التي ينتفع به الناس فإن الشعر كلام فحسنه كحسن الكلام رواه البخاري وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله هلك المتنطعون أي المتكلفون في الفصاحة أو المصوتون من قعر حلوقهم والمرددون لكلامهم في أفواههم رعونة في القول قال التوربشتي أراد بهم


المتعمقين الغالين في خوضهم فيما لا يعنيهم من
الكلام والأصل في المتنطع الذي يتكلم بأقصى حلقه مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى قالها أي هذه الكلمة أو الجملة ثلاثا إنما ردد القول ثلاثا تهويلا وتنبيها على ما فيه من الغائلة وتحريضا على التيقظ والتبصر دونهم وكم تحت هذه الكلمة من مصيبة تعود على أهل اللسان والمتكلفين في القول الذين يرومون بسبك الكلام سبي قلوب الرجال نسأل الله العافية من الدخول في الأوحال قال الطيبي لعل المذموم من هذا ما يكون القصد فيه مقصورا على مراعاة اللفظ ومجيء المعنى تابعا للفظ وأما إذا كان بالعكس وكلام الله تعالى وكلام الرسول مصبوب في هذا القالب فيرفع الكلام إلى الدرجة القصوى قال تعالى حكاية عن الهدهد وجئتك من سباء بنبأ يقين النمل الكشاف هذا من جنس الكلام الذي سماه المحدثون البديع وهو من محاسن الكلام التي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعا أو بصيغة عالم بجوهر الكلام يحفظ معه صحة المعنى وسداده ولقد جاء ههنا زائدا على الصحة فحسن وبدع لفظا ومعنى ألا ترى أنه لو وضع مكان بنبأ بخبر لكان المعنى صحيحا وهو كما جاء أصح لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال وقال أبو الحسن الهروي صاحب دلائل النبوة اعلم أن التلاؤم يكون بتلاؤم الحروف وتلاؤم الحركات والسكنات وتلاؤم المعنى فإذا اجتمعت هذه الوجوه خرج الكلام غاية في العذوبة وفي حصول بعضها دون بعض انحطاط عن درجة العذوبة وكلما ظهرت الصيغة أكثر كان الكلام أقرب إلى التعسف رواه مسلم وكذا أحمد وأبو داود وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله أصدق كلمة أي جملة من الكلام قالها الشاعر أراد به جنس الشعراء وفي شمائل الترمذي أشعر كلمة تتكلمت بها العرب أي أحسنها وأجودها كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل قال النووي المراد بالباطل الفاني المضمحل وفي الحديث منقبة للبيد وهو صحابي قال الطيبي وإنما كان أصدق لأنه موافق لأصدق


الكلام وهو قوله كل من عليها فان فإن قلت الأوفق أنه أصدق لما قال الحق كل شيء هالك إلا وجهه وقد بينت وجهه الوجيه في شرح حرب الفتح عند قول الشيخ استغفر الله مما سوى الله وقول بعض العارفين ليس في الدار غير ديار وقول آخر سوى الله والله ما في الوجود وأوضحت معنى التوحيد لتحصيل المريد
إذا كان من أهل المزيد وأما لبيد فهو ابن ربيعة الشاعر العامري قدم على النبي سنة وفد قومه بنو جعفر بن كلاب وكان شريفا في الجاهلية والإسلام نزل الكوفة ومات بها سنة إحدى وأربعين وله من العمر مائة وأربعون سنة وقيل مائة وسبع وخمسون سنة ذكره المؤلف ومن جملة فضائله أنه لما أسلم لم يقل شعرا وقال يكفيني القرآن وتمام كلامه وكل نعيم لا محالة زائل نعيمك في الدنيا غرور وحسرة وعيشك في الدنيا محال وباطل متفق عليه ورواه ابن ماجه وعن عمرو بن الشريد رضي الله عنه سبق ذكرهما عن أبيه قال ردفت رسول الله بكسر الدال أي ركبت خلفه ورواية الشمائل كنت رديفه يوما وهذا يدل على كمال قربه ويشعر إلى كمال حفظه فقال هل معك من شعر أمية بالتصغير ابن أبي الصلت بفتح فسكون شيء بيانه مقدم قال شارح وإنما استنشده شعر أمية لأنه كان ثقفيا أدرك مبادىء الإسلام وبلغه خبر المبعث لكنه لم يوفق للإيمان برسول الله وقال ميرك كان رجلا مترهبا غواصا في المعاني معتنيا بالحقائق مضمنا لها في أشعاره ولذا قال في شأنه كاد أن يسلم وفي خبر آخر آمن لسانه وكفر قلبه قلت نعم قال هيه بكسر هاء وسكون تحتية بينهما أي هات قال ابن الملك هو بمعنى أية بكسر الهمزة فأبدلت الهمزة هاء وهو اسم فعل بمعنى الأمر أي تكلم وقد ينون فتحا وكسرا للتنكير أي حدث حديثا فأنشدته بيتا أي قرأت له بيتا من أشعار أمية فأعجبه فقال هيه أي زد في النهاية تقول للرجل إيه بغير تنوين إذا استزدته من الحديث المعهود بينكما فإن نونته استزدته من حديث ما غير معهود للتنكير ثم أنشدته بيتا فقال هيه حتى أنشدته مائة


بيت والغرض أنه استحسن شعر أمية واستزاد من إنشاده لما فيه من الإقرار بوحدانية الله تعالى والبعث وهذا يؤيد قول من قال من أرباب الحال انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال ويوافق حديث الحكمة ضالة المؤمن وفيه استحباب إنشاد الشعر المحمود المشتمل على الحكمة رواه مسلم
وعن جندب بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفتحها أيضا وهو ابن عبد الله بن سفيان البجلي روى عنه جماعة مات في فتنة ابن الزبير ذكره المؤلف في فصل الصحابة أن النبي كان في بعض المشاهد أي المغازي وهو غزوة أحد على ما قاله العلامة الكرماني في شرح البخاري ووقع في صحيح مسلم كان النبي في غار فدميت أصبعه قال القاضي عياض قال أبو الوليد الباجي لعله غازيا فتصحف قلت الأظهر في التصحيف أن يقال في غاز بالزاي والتقدير في فريق غاز أي معهم ثم قال الباجي لما قال في الرواية الأخرى في بعض المشاهد ولما جاء في رواية للبخاري يعني في كتاب الأدب بينما النبي يمشي إذ أصابه حجر فدميت أصبعه قال القاضي عياض وقد يراد بالغار الجيش والجمع لا الغار الذي هو الكهف ليوافق رواية بعض المشاهد ومنه قول علي كرم الله وجهه ما ظنك يا مريء جمع بين هذين الغارين أي العسكرين وقال العسقلاني وقع في رواية شعبة عن الأسود حرج إلى الصلاة أخرجه الطيالسي وأحمد قلت يمكن الجمع بأنه كان في غزوة وخرج إلى الصلاة فآجره مرتين أو في سبيل الله كرتين وقد دميت بفتح الدال اصبعه بكسر الهمزة وفتح الموحدة على ما في الأصول وفي القاموس أنه مثلث الهمزة والباء ففيه تسع لغات عاشرها أصبوع وفي الشمائل أصاب حجر أصبع النبي فدميت فقال أي النبي اتفاقا على مقتضى الطبع السليم السليقي من غير قصد إلى وزنه كما يقع لكثير من الناس هل أنت إلا أصبع دميت الاستفهام في معنى النفي ودميت صفة أصبع والمستثنى منه أعم عام الصفة أي ما أنت يا أصبع موصوفة بشيء من الأشياء إلا بأن دميت كأنها لما تجرحت وتوجعت خاطبها على


سبيل الاستعارة أو الحقيقة مسليا لها والمعنى هوني على نفسك فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع سوى إنك دميت ولم ذلك هدرا بل كان في سبيل الله ورضاه كما أفاده بقوله وفي سبيل الله ما لقيت ما موصولة أي الذي لقيته هو في سبيل الله لا في سبيل غيره فلا يكون ضائعا فافرحي به قيل ويجوز أن يكون ما نافية أي ما لقيت شيئا تحقيرا لما لقيه فيه قلت هذا تحصيل للحاصل لأنه استفيد من المصراع الأول مع ما يوهم إطلاقه من الخلل فتأمل قال السيوطي


الرواية بكسر التاء فيهما ومن قال إنهما بالسكون فرارا من الوزن يعارضه أنه مع السكون أيضا موزون من الكامل واختلفوا هل قاله النبي منشئا أو متمثلا وبالثاني حزم الطبري وغيره فقيل هو للوليد بن الوليد بن المغيرة وقيل لعبد الله بن رواحة قاله في غزوة مؤتة وقد أصيبت أصبعه وبعده يا نفس إن لا تقتلي تموت هذي حياض الموت قد صئيت وما تمنيت فقد لقيت إن تفعلي فعلهما هديت أي فعل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب اه وقد جزم به بعض شراح المصابيح بأن الرجز الذين في الحديث قول ابن رواحة وقد تلفظ به النبي قلت الظاهر أن ابن رواحة ضمن كلامه تبركا وصدر به شعرا صدر من صدره تيمنا لأن قضية مؤتة متأخرة عن غزوة أحد مع احتمال التوارد والله أعلم قال الخطابي اختلف الناس في هذا وما أشبهه من الرجز الذي جرى على لسان النبي في بعض أسفاره وأوقاته وفي تأويل ذلك مع شهادة الله تعالى بأنه لم يعلمه الشعر وما ينبغي له فذهب بعضهم إلى أن الرجز ليس بشعر وذهب بعضهم إلى أن هذا وما أشبهه وإن استوى على وزن الشعر فإنه لم يقصد به الشعر إذ لم يكن صدوره عن نية له ورواية فيه وإنما هو اتفاق كلام يقع أحيانا فيخرج منه الشيء بعد الشيء على أعاريض الشعر وقد وجد في كتاب الله العزيز من هذا القبيل وهذا مما لا يشك فيه أنه ليس بشعر وقال بعضهم معنى قول الله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له ي صلى الله عليه وسلم س الرد على المشركين في قولهم بل افتراه بل هو شاعر والبيت الواحد من الشعر لا يلزمه هذا الاسم فلا يخالف معنى الآية هذا مع قوله إن من الشعر لحكمة وإنما الشاعر هو الذي قصد الشعر ونشيه ويصفه ويمدحه ويتصرف تصرف الشعراء في هذه الأفانين وقد برأ الله رسوله من ذلك وصان قدره وأخبر أن الشعر لا ينبغي له وإذا كان مراد الآية هذا المعنى لم يضر أن يجري على لسانه الشيء اليسير منه فلا يلزمه الاسم المنفى عنه قال القاضي عياض وقد غفل بعض الناس وقال رواية أنا


النبي لا كذب بفتح الباء وأنا ابن عبد المطلب بالخفض وكذا قوله دميت من غير مد حرصا منه على أنه بغير الرواية ليستغني عن الاعتذار وإنما الرواية بإسكان الباء والمد اه وسبق أن القصر ما يضر بالوزن وأما ما في بعض النسخ من ضبط قوله دميت ولقيت على صيغة الغائبة وإن كان يخرجه عن حيز الوزن لكن لا أصل له أصلا متفق عليه وعن البراء أي ابن عازب رضي الله عنه قال قال النبي يوم قريظة أي
يوم محاصرة بني قريظة طائفة من اليهود في أطراف المدينة لحسان بغير الصرف على الأصح ابن ثابت قال المؤلف أنصاري خزرجي شاعر رسول الله وهو من فحول الشعراء أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر حسان بن ثابت روى عنه عمر وأبو هريرة وعائشة مات في خلافة علي وله مائة وعشرون سنة عاش منها ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام اهج المشركين أمر بالهجو ابتداء أو جوابا فإن جبريل بكسر الجيم وفيه أربع قرآن متواترات ذكرناها سابقا أي الروح الأمين معك أي معين لك وملهم إياك والحديث إلى هنا متفق عليه من حديث البراء وأما ما بعده فمتفق عليه من حديث أبي هريرة كما سيأتي بيانه وكان رسول الله يقول لحسان أجب عني أي من قبلي وعوضا عن جانبي اللهم أيده أي قو حسان بروح القدس بضم الدال ويسكن أي بجبريل سمي به لأنه كان يأتي الأنبياء بما فيه حياة القلوب فهو كالمبدأ لحياة القلب كما أن الروح مبدأ حياة الجسد والقدس صفة للروح وإنما أضيف إليه لأنه مجبول على الطهارة والنزاهة عن العيوب وقيل القدس بمعنى المقدس وهو الله فإضافة الروح إليه للتشريف ثم تأييده إمداده له بالجواب وإلهامه لما هو الحق والصواب قيل لما دعاه أعانه جبريل تسعين بيتا متفق عليه أي من حديث أبي هريرة ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث أبي هريرة وقد حقق ميرك شاه رحمه الله حيث قال ظاهر إيراد المؤلف يقتضي أن قوله وكان رسول الله يقول لحسان أجب الخ من حديث البراء وليس كذلك بل يفهم من الصحيحين إن حديث


البراء ينتهي إلى قوله فإن جبريل معك وقوله وكان الخ من حديث أبي هريرة لا من حديث البراء وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال لشعراء المسلمين اهجوا قريشا أي مجازاة لمهاجاتهم فإنه أي الهجو أشد أي أصعب عليهم وأكثر تأثيرا فيهم من رشق النبل بفتح الراء وسكون الشين المعجمة وبالقاف والنبل بفتح النون فسكون موحدة فلام أي من رمى السهم إليهم قال النووي الرشق بفتح الراء الرمي بالسهم وبالكسر النبل التي ترمي دفعة واحدة وفيه جواز هجو الكفار وإذا هم ما لم يكن لهم أمان لأن الله تعالى قد أمر بالجهاد فيهم والأغلاظ عليهم لأن في الأغلاظ بيانا لنقصهم والانتصار منهم لهجائهم المسلمين ولا يجوز ابتداء لقوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم الأنعام رواه مسلم


وعنها أي عن عائشة رضي الله عنه أنها قالت سمعت رسول الله يقول لحسان إن روح القدس لا يزال يؤيدك بفتح الهمزة ويجوز إبدالها واوا ما نافحت عن الله ورسوله أي دافعت وخاصمت واجتهدت في الذب عن حريمهما في النهاية المنافحة المدافعة والمضاربة والمراد بمنافحة هجاء المشركين ومحاربتهم على إشعارهم قال التوربشتي المعنى إن شعرك هذا الذي تنافح به عن الله وعن رسوله يلهمك الملك سبيله بخلاف ما تقوله الشعراء إذا اتبعوا الهوى وهاموا في كل واد فإن مادة قولهم من إلقاء الشيطان إليهم وقالت أي عائشة سمعت رسول الله يقول هجاهم حسان فشفى أي المسلمين واشتفى أي بنفسه قال التوربشتي ويحتمل أنه أراد بالكلمتين التأكيد أي شفى العيظ بما أمكنه رواه مسلم وعن البراء رضي الله عنه قال كان رسول الله ينقل التراب أي مع الأصحاب يوم الخندق أي يوم الأحزاب حتى اغبر بطنه أي صار ذا غبار يقول استئناف أو بدل من ينقل أو حال من ضميره والله قسم لولا الله أي لو هدايته أو فضله علينا معشر الإسلام بأن هدانا ما اهتدينا أي بنفسنا إلى الإسلام وهو مقتبس من قوله تعالى وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله الأعراف ولا تصدقنا أي على وجه الإخلاص ولا صلينا أي صلاة الاختصاص فأنزلن سكينة أي وقارا وطمأنينة علينا وهو مستفاد من قوله سبحانه فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين الفتح وثبت الأقدام أي أقدامنا إن لاقينا أي إن رأينا الكفار وبلغنا إليهم ثبتنا على محاربتهم وانصرنا عليهم وهو مأخوذ من قوله عز وجل وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين البقرة إن الأولى مقصور أولاء وهو لغة فيه والإشارة إلى أهل مكة والأحزاب الذين تحزبوا معهم يومئذ قد بغوا علينا أي تكبروا وتجبروا وتعدوا بالظلم علينا والسبب في ذلك أنهم كما قال إذا


أرادوا فتنة أي شركا أو قتلا ونهبا أو إضلالنا وإعادتنا في ملتهم أبينا أي امتنعنا عن القبول أشد الامتناع على ما في النهاية وفيه إشارة إلى قوله تعالى إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون الممتحنة يرفع أي النبي بها أي بهذه الكلمة أو بجملة أبينا صوته قائلا أبينا أبينا أي مكررا للتأكيد والتلذذ والتسميع لغيره من المسلمين والكافرين قال الطيبي الضمير في بها راجع إلى الأبيات وأبينا أبينا حال أي خصوصا أبينا أبينا ويحتمل أن يكون مفعولا مطلقا ويجوز أن يكون الضمير في بها مبهم مفسر بقوله أبينا كقوله تعالى كبرت كلمة تخرج من أفواههم الكهف متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه قال جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وهو حفرة كبيرة عريضة طويلة حاجزة بين المسلمين والكافرين وينقلون التراب وهم يقولون نحن الذين بايعوا محمدا بفتح التحتية ماض من المبايعة على الجهاد ما بقينا بكسر القاف أي ما عشنا أبدا يقول النبي استئناف جوابا لما يقال فما كان يقول وقوله وهو يجيبهم جملة حالية معترضة بين القول ومقولة وهو اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة وهي بهاء ساكنة للوقف وفي نسخة بالتاء المخفوضة أي الحياة الهنيئة الدائمة هي حياة الآخرة وفيه تسلية للأصحاب عن تحمل مشاقهم في مجاهدة الأحزاب كقوله تعالى وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور آل عمران وأن الآخرة هي دار القرار غافر والآخرة خير وأبقى الأعلى والآخرة خير لمن اتقى النساء وأمثال ذلك وقال النووي هو ما يسد الرمق وقال القرطبي أي ما يقربهم ويكفيهم بحيث لا يشعرهم الجهد ولا يرهقهم الفاقة ولا تزلهم المسألة والحاجة ولا يكون في ذلك أيضا فضول يخرج إلى الترفه والتبسط في الدنيا والركون إليها وقال الطيبي يعني أنهم إذا وفوا بما عاهدوا الله ورسوله جازاهم مجازاة ليس بعدها ولا يكون ذلك إلا في الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة أي فاغفر لهم الآن ليكون


ذلك
سببا للمطلوب اه ضمن اغفر معنى استر وفي نسخة للأنصار فيقرأ بالنقل مراعاة للوزن والتاء في المهاجرة للجمع يريد جماعة المهاجرين متفق عليه ورواه النسائي وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لأن يمتلىء بهمزة في آخره جوف رجل قيحا نصبه على التمييز أي صديدا ودما وما يسمى نجاسة يريه بفتح ياء وكسر راء وسكون ياء أخرى صفة قيح أي يفسده من الورى وهو داء يفسد الجوف ومعناه قيحا يأكل جوفه ويفسده وقيل أي يصل إلى الرئة ويفسدها ورد بأن المشهور في الرئة الهمز خير من أن يمتلىء أي ما في جوفه من الصدر والقلب شعرا أي مذموما في شرح مسلم قالوا المراد منه أن يكون الشعر غالبا عليه متوليا بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى وهو مذموم من أي شعر كان وإلا فلا يضره حفظ اليسير من الشعر لأن جوفه ليس ممتلئا شعرا وقيل هذا الذم مختص بمعين كما يجيء في الفصل الثالث وقال السيوطي قيل خاص بشعر هجي به النبي لرواية شعر هجبت به قلت الظاهر الإطلاق وهو يدخل فيه دخولا أوليا ولعل وجه تخصيصه بالذكر تنبيها على أنه أقبح أنواعه أو إشعارا بأن الشعر مذموم لأنه قد يؤذي إلى ذلك وإلا فلا يحتاج إلى قيد الامتلاء كما لا يخفى على أرباب الإملاء فإن هذا النوع من الشعر وما يلحق به من هجو مسلم أو افتراء مذموم سواء امتلأ الجوف أم لا متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ذكره ميرك وفي الجامع الصغير رواه أحمد والشيخان والأربعة
الفصل الثاني
عن كعب بن مالك أنصاري خزرجي وكان أحد شعراء النبي روى عنه


جماعة ومات سنة خمسين وهو ابن سبع وسبعين سنة بعد أن عمي ذكره المؤلف وقال ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن سيرين قال كان شعراء المسلمين حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وكان كعب يخوفهم الحرب قال ابن سيرين بلغنا أن دوسا إنما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك ثم اعلم أنه وقع في بعض النسخ هنا عن أبيه وهو خطأ فاحش أنه قال أي كعب للنبي إن الله تعالى قد أنزل في الشعر أي في حقه ما أنزل أي من الذم فكأنه لما سمع قوله تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون الشعراء أنكر على نفسه الشعر فقال النبي إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم اللام زائدة لتأكيد القسم والتقدير والذي نفسي بيده إنما ترمونهم به أي بالشعر أو باللسان نضح النبل بالنصب أي نضحا مثل نضح النبل وقال الطيبي أي كنضح النبل لأن أصل كان زيد الأسد إن زيدا كالأسد فقدم حرف التشبيه اهتماما به ويدل عليه ما في الفصل من قوله والفصل بينه وبين الأصل أنك ههنا بأن كلامك على التشبيه من أول الأمر وثم بعد مضي صدره على الإثبات وقال القاضي نضح النبل رميه مستعار من نضح الماء والمعنى أن هجاءهم ويؤثر فيهم تأثير النبل وقام قيام الرمي في النكاية بهم وقال الطيبي خلاصة جوابه أنه ليس فيه ذم الشعر على الإطلاق فإن ذلك في شأن الهائمين في أودية الضلال وأما المؤمن فهو خارج من ذلك الحكم لأنه إحدى عدتيه في ذب الكفار من اللسان والسنان بل هو أعدى وأبلى كما قال فإنه أشد عليهم من رشق النبل وإليه ينظر قول الشاعر جراحات السنان لها التئام ولا يلتأم ما جرح اللسان رواه في شرح السنة قال ميرك بإسناد الصحيحين إلا أحمد بن منصور فإنه عالم ثبت وفي الاستيعاب لابن عبد البر أنه قال يا رسول الله ما ترى في الشعر فقال إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه قلت وقد رواه أحمد والطبراني عن كعب بن مالك مرفوعا إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه وعن أبي أمامة أي الباهلي عن النبي


قال الحياء والعي بكسر العين المهملة وتشديد التحتية أي العجز في الكلام والتحير في المرام والمراد به في هذا المقام هو
السكوت عما فيه اثم من النثر والشعر لا ما يكون للخلل في اللسان شعبتان من الإيمان فإن المؤمن يحمله الإيمان على الحياء فيترك القبائح حياء من الله تعالى ويمنعه عن الاجتراء على الكلام شفقة عن عثرة اللسان فهما شعبتان من شعب الإيمان والحاصل أن الإيمان منشؤهما ومنشأ كل معروف وإحسان والبذاء بفتح موحدة فذال معجمة فحش الكلام أو خلاف الحياء والبيان أي الفصاحة الزائدة عن مقدار حاجة الإنسان من التعمق في النطق وإظهار التفاصح للتقدم على الأعيان شعبتان من النفاق ومنه قوله تعالى ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام البقرة قال القاضي لما كان الإيمان باعثا على الحياء والتحفظ في الكلام والاحتياط فيه عدا من الإيمان وما يخالفهما من النفاق وعلى هذا يكون المراد بالعي ما يكون بسبب التأمل في المقال والتحرز عن الوبال لا للخلل في اللسان وبالبيان ما يكون سببه الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان والتحرز عن الزور والبهتان رواه الترمذي وقد قال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن مطرف اه ورجاله رجال الصحيحين كذا نقله ميرك عن التصحيح وقد رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه مر ذكره إن رسول الله قال إن أحبكم إلي أي في الدنيا وأقربكم مني يوم القيامة أي منزلة أحاسنكم أخلاقا نصبه على التمييز وجمعه لإرادة الأنواع أو لمقابلة الجمع بالجمع وإن أبغضكم إلي أي في الدنيا وأبعدكم مني أي في العقبى مساويكم أخلاقا بفتح الميم وكسر الواو جمع مسوأ بفتح الميم والواو كمحاسن في جمع محسن وهو إما مصدر وصف به وإما اسم مكان أي محال سوء الأخلاق ويروى أساويكم وهو جمع أسوأ كأحاسن جمع أحسن وهو مطابق لما في أصل المصابيح هذا مجمل الكلام في


مقام المرام وقال القاضي أفعل التفضيل إذا أضيف على معنى أن المراد به زائد على المضاف إليهم في الخصلة التي هو وهم مشتركون فيها جاز الإفراد والتذكير في الحالات كلها وتطبقها لما هو وصف له لفظا ومعنى وقد جمع الوجهان في الحديث فأفرد أحب وأبغض وجمع أحاسن وأساوي في رواية من روى أساويكم بدل مساويكم وهو جمع مسوأ كمحاسن في جمع محسن وهو إما مصدر ميمي نعت به ثم
جمع أو اسم مكان بمعنى الأمر الذي فيه السوء فأطلق على المنعوت به مجازا وقال الدارقطني أراد بغيضكم وبأحبكم لتفضيل فلا يكون المخاطبون بأجمعهم مشتركين في البغض والمحبة وقال الحاجبي تقديره أحب المحبوبين منكم وأبغض المبغوضين منكم ويجوز إطلاق العام وإرادة الخاص للقرينة قال الطيبي إذا جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين فكما لا يجوز أبغضكم لا يجوز بغيضكم لاشتراكهم في المحبة فالقول ما ذهب إليه ابن الحاجب لأن الخطاب عام يدخل فيه البر والفاجر والموافق والمنافق فإذا أريد به المنافق الحقيقي فالكلام ظاهر وإذا أريد به غير الحقيقي كما سبق في باب علامات النفاق فمستقيم أيضا كما يدل عليه قوله الثرثارون الخ وهو إما بدل من مساويكم أخلاقا فيلزم أن تكون هذه الأوصاف أسوأ الأخلاق لأن المبدل كالتمهيد والتوطئة وإما رفع على الذم فإنه خبر مبتدأ محذوف فيكون أشنع وأبلغ وفي النهاية الثرثارون هم الذين يكثرون الكلام تكلفا وخروجا عن الحق من الثرثرة وهي كثرة الكلام وترديده المتشدقون أي المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز وقيل أراد بالمتشدق المستهزىء بالناس يلوي شدقه لهم وعليهم وقيل هم المتكلفون في الكلام فيلوي به شدقيه والشدق جانب الفم المتفيهقون أي الذين يملؤون أفواههم بالكلام ويفتحونها من الفهق وهو الامتلاء والاتساع قيل وهذا من التكبر والرعونة والحاصل أن كل ذلك راجع إلى معنى التزيد في الكلام ليميل بقلوب الناس وأسماعهم إليه قال الطيبي وزاد في الفائق والنهاية على هذا


أي على هذا الحديث أو على هذا الوصف المعهود الموطؤون كنافا الذين يألفون يؤلفون قال وهذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذليل وفراش وطىء لا يؤذي جنب النائم وإلا كناف الجوانب أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم ولا يتأذى رواه البيهقي في شعب الإيمان وروى الترمذي نحوه أي مثله معنى لا لفظا عن جابر قال ميرك ولم يقل فيه مساويكم أخلاقا بل قال وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون الخ وفي روايته أي رواية جابر والترمذي قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون قال المتكبرون أي المظهرون للكبرياء والعظمة في أقوالهم وأفعالهم قال النووي في الأذكار يكره التفخر في الكلام وبالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون من زخارف القول فكل ذلك من التكلف المذموم وكذلك التحري في دقائق الأعراب ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوام بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته إياهم لفظا يفهمونه فهما جليا ولا يدخل في الذم تحسين القادر للخطب والمواعظ إذا لم يكن فيها إفراط


وإغراب لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى ولحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقرة بفتحتين وفي نسخة الباقرة وهي جماعة البقرة بألسنتها أي يجعلون ألسنتهم وسائل أكلهم كالبقرة تأخذ العلف بلسانها قال التوربشتي ضرب للمعنى مثلا يشاهده الراؤون من حال البقر ليكون أثبت في الضمائر وذلك أن سائر الدواب تأخذ من نبات الأرض بأسنانها فضرب بها المثل لمعنيين أحدهما أنهم لا يهتدون من المآكل إلا إلى ذلك سبيلا كما أن البقرة لا تتمكن من الاحتشاش إلا بلسانها والآخر أنهم في مغزاهم ذلك كالبقرة التي لا تستطيع أن تميز في رعيها بين الرطب والشوكة وبين الحلو والمر بل تلف الكل بلسانها لفا فكذلك هؤلاء الذين يتخذون ألسنتهم ذريعة إلى مآكلهم لا يميزون بين الحق والباطل ولا بين الحلال والحرام سماعون للكذب أكالون للسحت رواه أحمد ورواه محيي السنة في شرح السنة بإسناده ذكره ميرك وفي الحلية لأبي نعيم عن أبي هريرة مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يكون الزهد والورع تصنعا وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال إن الله يبغض البليغ أي المبالغ في فصاحة الكلام وبلاغته من الرجال أي مما بينهم وخصوا لأنه الغالب فيهم الذي صفة البليغ يتخلل بلسانه أي يأكل بلسانه أو يدير لسانه حول أسنانه مبالغة في إظهار بلاغته وبيانه كما يتخلل الباقرة بلسانها أي البقرة كأنه أدخل التاء فيها على أنه واحد من الجنس كالبقرة من البقر واستعمالها مع التاء قليل قال القاضي شبه إدارة لسانه حول الأسنان والفم حال التكلم تفاصحا بما تفعل البقرة بلسانها والباقرة جماعة البقرة وفي النهاية هو الذي يتشدق في الكلام ويفخم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة بلسانها لفا اه فالمرضي من الكلام ما يكون قدر الحاجة يوافق ظاهره باطنه على منوال الشريعة رواه الترمذي


وأبو داود وكذا الإمام أحمد وقال الترمذي هذا حديث غريب وذكر الحاكم في تاريخه عن أبي هريرة مرفوعا إن الله يبغض كل عالم بالدنيا جاهل بالآخرة
وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله مررت ليلة أسري بي بنى الليلة على الفتح لإضافتها إلى الجملة وفي نسخة بالتنوين فالتقدير ليلة أسري بي فيها وقوله بقوم متعلق بمررت تقرض بصيغة المجهول أي تقطع شفاههم بكسر أوله جمع الشفة بالفتح بمقاريض جمع مقراض من النار فقلت يا جبريل من هؤلاء فقال هؤلاء إشارة تحقير ولذا أعيد خطباء أمتك أي علماؤهم ووعاظهم أو شعراؤهم الذين يقولون ما لا يفعلون قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون الصف وقال عز وجل أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون البقرة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من تعلم صرف الكلام أي إيراده على وجوه مختلفة وقيل أي الزيادة من القول والتصرف فيه كيف شاء والصرف الفضل ليسبي بكسر الموحدة أي ليسلب ويستميل به أي بصرف الكلام قلوب الرجال أو الناس أي عامتهم وأو للشك من الراوي لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا في النهاية الصرف التوبة أو النافلة والعدل الفدية أو الفريضة رواه أبو داود وقد روى الترمذي عن ابن عمر مرفوعا من تعلم علما لغير الله فليتبوأ مقعده من النار وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال أي عمرو يوما أي من الأيام وقام أي وقد قام رجل أي خطيبا وواعظا فأكثر القول أي أطال الكلام إظهارا للفصاحة والبلاغة حتى حصل للسامعين الملالة فقال عمرو كذا في جميع نسخ المشكاة قال الطيبي كذا في سنن أبي داود وبعض نسخ المصابيح وهو تكرار لطول الكلام لأن قوله لو


قصد في قوله لكان خيرا له هو المقول لقوله قال يوما وقوله وقام رجل حال فلما وقع بينهما طال الكلام فأعاد قال عمرو ونظيره قول الحماسي وإن أمر أدامت مواثيق عهده على مثل هذا أنه لكريم فقوله لكريم خبران الأولى وأعاد أنه لطول الكلام وقال التوربشتي قوله قصد أي لو أخذ في كلامه الطريق المستقيم والقصد ما بين الإفراط والتفريط سمعت رسول الله يقول لقد رأيت أي علمت أو أمرت شك من الراوي أن أتجوز في القول أي أسرع فيه وأخفف المؤنة عن السامع من قولهم تجوز في صلاته أي خفف ذكره التوربشتي فإن الجواز بفتح الجيم وهو الاقتصار على قدر الكفاية هو خير قال شارح التجوز في القول والجواز فيه الاقتصار لأنه إسراع وانتقال من التكلم إلى السكوت رواه أبو داود قال ميرك وفي سنده محمد بن إسماعيل بن عباس عن أبيه وفيهما مقال اه وفي الجامع الصغير بلفظ لقد أمرت أن أتجوز في القول فإن الجواز في القول وهو خير رواه أبو داود والبيهقي عن عمرو بن العاص وعن صخر بن عبد الله بن بريدة تابعي يروي عن أبيه عن جده وعن عكرمة وعنه حجاج بن حسان وعبد الله بن ثابت عن أبيه أي عبد الله بن بريده وهو قاضي مرو تابعي من مشاهير التابعين وثقاتهم سمع أباه وغيره من الصحابة وروى عنه ابنه سهل وغيره مات بمرو وله أحاديث كثيرة عن جده أي بريدة بن الحصيب الأسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها وبايع بيعة الرضوان وكان من ساكني المدينة ثم تحول إلى البصرة ثم خرج منها إلى خراسان غازيا فمات بمرو زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين وستين روى عنه جماعة والحصيب تصغير الحصب ذكره المؤلف قال أي بريدة سمعت رسول الله يقول إن من البيان سحرا مر بيانه وإن من العلم جهلا أي لكونه علما مذموما والجهل به خير منه أو لكونه علما بما لا يعنيه فيصير جهلا بما يعنيه في النهاية قيل هو أن يتعلم من العلوم ما لا يحتاج إليه كالنجوم وعلم الأوائل ويدع ما يحتاج إليه في دينه من علم القرآن والسنة


فالاشتغال به يمنعه عن تعلم ما هو محتاج إليه فيكون جهلا له قال الأزهري وقيل هو أن لا يعمل بعمله فيكون ترك العمل بالعلم جهلا ومصداقه قوله تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا الجمعة قلت ويؤيده أيضا قوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهاله النساء ففي معالم التنزيل قال قتادة أجمع أصحاب النبي على أن كل ما عصي به الله فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن
وكل من عصى الله فهو جاهل وإن من الشعر حكما بضم فسكون أي حكمة كما سبق ولقوله تعالى وآتيناه الحكم صبيا مريم أي الحكمة وإن من القول أي الكلام عبالا بكسر أوله وفي رواية لغير أبي داود عبلا بفتح فسكون أي ثقلا ووبالا عليك أو ثقلا على سامعك لأنه عالم به أو جاهل لا يفهمه ففي النهاية هو عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده وليس من شأنه رواه أبو داود قال ميرك وفي إسناده أبو عبيدة يحيى بن واضح الأنصاري وثقه ابن معين وأبو حاتم قال وأدخله البخاري في الضعفاء قال أبو حاتم تحول من هناك اه ووهم أبو حاتم فيه بل البخاري احتج به
الفصل الثالث


عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما أي قياما ففي المفصل قد يرد المصدر على وزن اسم الفاعل نحو قمت قائما يفاخر عن رسول الله أي لأجله وعن قبله أو ينافح بنون ثم فاء فحاء مهملة أي يدافع عنه ويخاصم المشركين ويهجوهم مجازاة لهم وأو تحتمل الشك والتنويع ويؤيد الأول ما في الشمائل أو قال أي الراوي وفي نسخة أو قالت ويقول رسول الله إن الله يؤيد حسان وفي بعض نسخ الشمائل حسانا بروح القدس بضم الدال ويسكن والمراد به جبريل عليه السلام كما يدل عليه حديث إن جبريل مع حسان ما نافح عني وإضافته إلى القدس وهو الطهارة لأنه خلق منها على ما ذكره في النهاية وقيل المراد به القدس وهو الله تعالى والإضافة فيه للتشريف كبيت الله وتسميته بالروح لأنه يأتي الأنبياء بما فيه الحياة الأبدية والطهارة السرمدية ما نافح أو فاخر عن رسول الله وفي الشمائل ما ينافح أو يفاخر أي ما دام مشتغلا بتأييد دين الله وتقوية رسول الله وقد تقدم بعض ما يتعلق به من المعاني في الحديث المتفق عليه رواه البخاري


وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال كان للنبي حاد اسم فاعل من حدا الإبل وبها حدوا وحداء وحداء زجرها وساقها ذكره صاحب القاموس وفي أساس البلاغة حدا بها إذا عنى بها قال صاحب القاموس وأصل الحداء في دي دي وقال فيه ما كان للناس حداء فضرب أعرابي غلامه وعض أصابعه ومشى وهو يقول دي دي دي أراد بأيدي فسارت الإبل على صوته فقال له الزمه وخلع عليه فهذا أصل الحداء اه وله تأثير بليغ في سرعة مشي الإبل وتأثير الفناء فيهن ومما حكي فيه إن شخصا صار ضيفا لأعرابي فرأى عبدا أسود مسلسلا مقيدا وبين يديه بعير واحد فقال له اشفع لي عند سيدي فإنه لا يرد شفاعة الضيف فتكلم في حقه فقال إن هذا عمل ذنبا كبيرا فإنه كان لي عشرة من الإبل فحدا بهن ليلة حتى سرن فيها مسافة ليالي فلما وصلن إلى المنزل لم يبق إلا هذا الإبل لكني قبلت شفاعتك فقال إذا تأمره أن يسمعني بعض حدياته وهنياته فأمر به فلما أبدى بعض الكلمات قامت الإبل ونفرت وحشية إلى الصحراء وقام الرجل مجنونا أو مجذوبا لا يدري أين يذهب في البيداء يقال له أي للحادي أنجشة بفتح همز وسكون نون وجيم وشين معجمة مفتوحتين مولى رسول الله على ما في القاموس وقال السيوطي هو غلام للنبي حبشي يكنى أبا مارية وكان أي أنجشة حسن الصوت أي وكان يحدو ابل بعض النساء فقال له النبي رويدك أي امهل إمهالك ومنه قوله تعالى أمهلهم رويدا الطارق فهو مصدر منصوب بفعله المقدر والكاف في محل جر وقيل اسم فعل والكاف حرف خطاب يا أنجشة لا تكسر القوارير بالجزم على جواب الأمر والقوارير جمع قارورة سميت بها لاستقرار الشراب فيها وهي الزجاجة كنى بها عن النساء لما فيهن من الرقة واللطافة وضعف البنية أمره أن يغض من صوته الحسن خشية أن يقع من قلوبهن موقعا لضعف عزائمهن وسرعة تأثرهن كسرعة الكسر إلى القوارير وفي النهاية شبهن بالقوارير لأنه يسرع إليها الكسر وكأن أنجشة يحدو وينشد القريض والرجز فلم يأمن أن يصيبهن أو يقع في


قلوبهن حداوه فأمره بالكف عن ذلك وفي المثل الغناء رقية الزنا وقيل أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب وأتعبته فنهاه عن ذلك لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة قلت وهذا المعنى أظهر كما لا يخفى فإنه ناشىء عن الرحمة والشفقة وذاك عن سوء ظن لا يليق بمنصب النبوة قال قتادة تابعي جليل يروي عن أنس وغيره يعني أي يريد النبي بالقوارير ضعفة النساء وهو من إضافة الصفة إلى المصوف متفق عليه


وعن عائشة رضي الله عنه قالت ذكر بصيغة المجهول عند رسول الله الشعر فكأنه ذمه بعض ومدحه بعض على إطلاقه أو ذكر بالذم فقط ومنه قوله تعالى حكاية قالوا سمعنا فتى يذكرهم فقال رسول الله هو كلام أي كسائر الكلام أو هو نوع من الكلام فإنه قول موزون فحسنه حسن وقبيحه قبيح والمعنى أن الحسن والقبح إنما يدوران مع المعنى ولا عبرة باللفظ سواء كان موزونا أو غيره عربيا أو غيره رواه الدارقطني وكذا أبو يعلى الموصلي بإسناد حسن ذكره ميرك وفي الجامع الصغير الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبح الكلام رواه البخاري في الأدب والطبراني في الأوسط عن ابن عمر وعبد الرزاق في الجامع عن عائشة وروي في نسخة ورواه الشافعي عن عروة مرسلا وهو لا يضر لكون المرسل حجة عند الجمهور وكذا عند الشافعي إذا اعتضد وقد تقدم من طرق أنه أسند وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال بينا نحن أي معشر الصحابة نسير مع رسول الله بالعرج بفتح فسكون في القاموس العرج بالفتح بلد باليمن وواد بالحجاز ونخيل وموضع ببلاد هذيل ومنزل بطريق مكة وقال النووي هو بفتح العين المهملة وإسكان الراء وبالجيم قرية جامعة من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة إذ عرض أي ظهر شاعر ينشد بضم أوله أي يقرأ شعره أو شعر غيره فقال رسول الله خذوا الشيطان أو امسكوا الشيطان شك من الراوي أي امنعوه من إنشاده ولعله لما رآه ينشد الشعر متعرضا غير ملتفت إليهم وميال بهم مستهترا بإنشاد الشعر عرف أن الغالب عليه هو قرض الشعر وأنه مسلوب الحياء معزول عن الأدب ولذلك أطلق عليه اسم الشيطان وأتبعه بقوله لأن يمتلىء جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا وقد مر بيانه رواه مسلم


وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله الغناء بكسر الغين ممدودا أي التغني ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع يعني الغناء سبب النفاق ومؤد إليه فأصله وشعبته كما قال البذاء والبيان شعبتان من النفاق وفي شرح السنة قيل الغناء رقية الزنا وقال الشافعي ولو كان يديم الغناء ويغشاه المغنون معلنا فهذا سفه يرد شهادته وإن كان يقل لا ترد شهادته وقال النووي في الروضة غناء الإنسان بمجرد صوته مكروه وسماعه مكروه وإن كان سماعه من الأجنبية كان أشد كراهة والغناء بآلات مطربة هو من شعار شاربي الخمر كالعود والطنبور والصنج والمعازف وسائر الأوتار حرام وكذا سماعه حرام وفي اليراع الوجهان صحح البغوي الحرمة والغزالي الجواز وهو أقرب وليس المراد من اليراع كل قصب بل المزمار العراقي وما يضرب به من الأوتار حرام بلا خلاف ثم قال الأصح أو الصحيح حرمة اليراع وهي هذه المزمارة التي تسمى الشبابة وقد صنف الإمام أبو القاسم الدولقي كتابا في تحريم اليراع مشتملا على نفائس وأطنب في دلائل تحريمه رواه البيهقي في شعب الإيمان ورواه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن ابن مسعود لكن لفظه البقل بدل الزرع وعن نافع رضي الله عنه قال كنت مع ابن عمر في طريق فسمع مزمارا فوضع أصبعيه في أذنيه وناء بهمز بعد الألف أي بعد عن الطريق إلى الجانب الآخر أي مما هو أبعد منه ثم قال لي بعد أن بعد بفتح فضم أي صار بعيدا بعض البعد عن مكان صاحب المزمار يا نافع هل تسمع شيئا أي من صوت المزمار قلت لا فرفع أصبعيه من أذنيه قال استئناف بيان وتعليل بالدليل كنت مع رسول الله فسمع صوت يراع بفتح أوله أي قصب فصنع مثل ما صنعت أي من وضع الأصبعين في الأذنين فقط أو جميع ما سبق من البعد عن الطريق ومراجعة السؤال والله أعلم قال نافع وكنت إذ ذاك صغيرا ولعل ابن عمر أيضا كان صغيرا فيتم به الاستدلال والله أعلم بالحال مع أنه قد يقال إنه أيضا كان واضعا أصبعيه في


أذنيه فلما سأله رفع أصبعيه فأجاب وليس حينئذ محذور فإنه لم يتعمد السماع ومثله يجوز للشخص أن يفعل أيضا بنفسه إذا كان منفردا بل التحقيق إن نفس الوضع من باب الورع والتقوى ومراعاة الأولى وإلا فلا يكلف المرء إلا بأنه لم يقصد السماع لإبانة يفقد السماع والله أعلم وقال الطيبي هذا جواب سؤال مقدر يعني ليس لقائل أن يقول سماع اليراع مباح والمنع ليس للتحريم بل للتنزيه لأنه لو كان حراما لمنع أيضا نافعا عن الاستماع والجواب أن نافعا لم يبلغ مبلغ التكليف وإليه الإشارة بقوله وكنت إذ ذاك صغيرا ولو لم يذهب إلى هذه الفائدة لكان وصفه لنفسه بالصغر ضحكة للساخرين كما في قولك الميت اليهودي لا يبصر هذا وذكر الحديث بعيد السابق شعر بأن استماع الغناء والمزمار واليراع من واد واحد أي في الجملة وفي شرح السنة اتفقوا على تحريم المزامير والملاهي والمعازف وكان الذي سمع ابن عمر صفارة الرعاة وقد جاء مذكورا في الحديث وإلا لم يكن يقتصر فيه على سد المسامع دون المبالغة في الرد والزجر وقد رخص بعضهم في صفارة الرعاة اه ولعله كان صاحب اليراع يهوديا من أهل الذمة أو بعيدا عن المواجهة هذا وفي فتاوى قاضي خان أما استماع صوت الملاهي كالضرب بالقضيب ونحو ذلك حرام ومعصية لقوله عليه السلام استماع الملاهي معصية والجلوس عليها فسق والتلذذ بها من الكفر إنما قال ذلك على وجه التشديد وإن سمع بغتة فلا اثم عليه ويجب عليه أن يجتهد كل الجهد حتى لا يسمع لما روي أن رسول الله أدخل أصبعه في أذنيه وأما قراءة أشعار العرب ما كان فيها من ذكر الفسق والخمر والغلام مكروه لأنه ذكر الفواحش رواه أحمد وأبو داود


باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
حفظ اللسان من باب إضافة المصدر إلى مفعوله والمراد منه حفظه عما لا يعنيه فعطف الغيبة والشتم على الحفظ من باب التخصيص بعد التعميم والغيبة بكسر الغين إن تذكر أخاك بما يكره في الغيبة بالفتح بشرط أن يكون موجود فيه وإلا فهو بهتان والشتم السب واللعن هو يشمل الحاضر والغائب والحي والميت
الفصل الأول
عن سهل بن سعد أي الساعدي قال قال رسول الله من يضمن بالجزم على أن من شرطية لي ما بين لحييه بفتح اللام منبت الأسنان أي من يكفل لي محافظة ما بينهما من اللسان والفم عن تقبيح الكلام وأكل الحرام وما بين رجليه أي من الفرج عن الزنا ونحوه أضمن له الجنة أي دخولها أو لا أو درجاتها العالية قال الطيبي وعن بعضهم من يضمن لي لسانه أي شر لسانه وبوادره وحفظه عن التكلم بما لا يعنيه ويضره مما يوجب الكفر والفسوق وفرجه بأن يصونه أضمن له دخول الجنة ولحييه بفتح اللام تثنية لحى وهما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان علوا وسفلا رواه البخاري ورواه أحمد والحاكم عن أبي موسى بلفظ من حفظ ما بين فقميه ورجليه دخل الجنة والفقم بالضم والفتح اللحى على ما في النهاية ورواه الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا ولفظ من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة وفي رواية للبيهقي عن أنس من وقى شر لقلقه وقبقية وذبذبة فقد وجبت له الجنة واللقلق اللسان والقبقب البطن والذبذب الذكر كذا في مختصر النهاية للسيوطي وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله بكسر أوله ويضم ومن بيانية حال من الكلمة أي من كلام فيه رضاه لا يلقي بضم الياء وكسر القاف أي لا يرى لها أي لتلك الكلمة بالا أي شأنا أو بأسا يرفع الله أي له بها أي بتلك الكلمة درجات والمعنى إن العبد لا يعرف قدرها ويظنها هينة قليلة الاعتبار وهي عند الله عظيمة الاقتدار والجملة مستأنفة بيان للموجب كأن


قائلا يقول ماذا يستحق بعد قيل له يرفع الله بها درجات وفي بعض النسخ بفتح الياء والقاف والمعنى لا يجد لها عظمة عنده ولا يلتفت عاقبتها عند ربه والجملة حال من ضمير يتكلم في النهاية أي لا يستمع إليها ولا يجعل قلبه نحوها اه وفيه حث على التدبر والتفكر عند التكلم وفي شرح المشارق أنه يفتحهما ورفع البال فالبال على هذا بمعنى الحال والظاهر أنه في المصابيح كذلك فإنه قال شارحه زين العرب أي لا يلحقه بأس وتعب في قولها أولا ولا يحضر باله أي قلبه لما يقوله منها أو هو من قولهم ليس هذا من بالي أو مما أباليه والمعنى أنه يتكلم بكلمة الحق يظنها قليلة وهي عند الله جليلة فيحصل له


رضوان الله وقد يتكلم بسوء ولا يعلم أنه كذلك وهو عند الله ذنب عظيم فيحصل له السخط من الله وهذا معنى قوله وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله أي مما يوجب غضبه لا يلقي لها بالا يهوي بكسر الواو أي يخوض ويقع ويسقط بها أي بتلك الكلمة في جهنم رواه البخاري وكذا الإمام أحمد وفي رواية لهما أي الشيخين ذكره السيد جمال الدين يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب أي هويا أبعد من البعد الذي بينهما قال الطيبي الظاهر أنه صفة مصدر محذوف أي هويا بليغا بعيد المبتدأ والمنتهي وفي الجامع الصغير وإن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب رواه أحمد والشيخان عنه وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله سباب المسلم بكسر أوله أي شتمه وهو من باب إضافة المصدر إلى مفعوله فسوق لأن شتمه بغير حق حرام قال الأكمل الفسوق لغة الخروج زنة ومعنى وشرعا هو الخروج عن الطاعة وقتاله أي محاربته لأجل الإسلام كفر كذا قاله شارح لكن بعده لا يخفى لأن هذا من معلوم الدين بالضرورة فلا يحتاج إلى بيانه بل المعنى مجادلته ومحاربته بالباطل كفر بمعنى كفران النعمة والإحسان في أخوة الإسلام وأنه ربما يؤول إلى الكفر أو أنه فعل الكفرة أو أراد به التغليظ والتهديد والتشديد في الوعيد كما في قوله من ترك صلاة متعمدا فقد كفر نعم قتاله مع استحلال قتله كفر صريح ففي النهاية السب الشتم يقال سبه يسبه سبا وسبابا قيل هذا محمول على من سب أو قاتل مسلما من غير تأويل وقيل إنما ذلك على جهة التغليظ لا أنه يخرجه إلى الفسق والكفر وفي شرح السنة إذا استباح دمه من غير تأويل ولم ير الإسلام عاصما له فهو ردة وكفر قال الطيبي معنى الحديث راجع إلى قوله المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وقد تقرر أن المراد بالمسلم هنا الكامل في الإيمان المؤدي لحقوقه بحسب استطاعته فالنسبة إلى الكفر في هذا الحديث إشارة إلى


نقصان إيمانه تغليظا اه وهو منه وهم حيث ظن أن الإضافة من باب إضافة المصدر إلى فاعله
وليس كذلك كما قدمناه لأن سب المسلم وقتاله فسق وكفران سواء يكون كامل الإسلام أم لا هذا وفي شرح السنة فيه دليل على المرجئة الذين لا يرون الطاعة من الإيمان ويقولون إن الإيمان لا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية فإنه أشار بقوله قتاله كفر إلى أن ترك القتال من الإيمان وأن فعله ينقص الإيمان قلت قد سبق في أول الكتاب ما هو فصل الخطاب في هذا الباب من أن القول الصواب هو أن الأعمال ليست من أصل الإيمان بل من كماله وأن حقيقة الإيمان وهو التصديق غير قابل للزيادة والنقصان نعم قد يحصل له قوة بحسب معرفة الدليل وضعف بفقده وقد يثمر ثمرته من ظهور الطاعات وقد لا يثمر فيقع صاحبه في السيئات والله أعلم بالحالات والمقامات متفق عليه ورواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة وعن سعد والطبراني عن عبد الله بن مغفل وعن عمرو بن النعمان بن مقرن والدارقطني في الأفراد عن جابر وزاد الطبراني في رواية عن ابن مسعود وحرمة ماله كحرمة دمه وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله أيما رجل قال لأخيه كافر بضم الراء على البناء فإنه منادي حذف حرف ندائه كما ذكره ميرك ويؤيده ما جاء في رواية بالنداء وفي بعض النسخ بتنوينه على أنه خبر محذوف تقديره أنت أو هو فقد باء بها أي رجع بأثم تلك المقالة أحدهما وفي النهاية التزمها ورجع بها اه وفي بعض نسخ المصابيح به أي بالكفر وهو أولى ذكره ابن الملك وفيه بحث بل الأولى إن معناه رجع بأثم ذلك القول المفهوم من قال أحدهما أما القائل إن اعتقد كفر المسلم بذنب صدر منه أو الآخر إن صدق القائل كذا ذكره بعض الشراح من علمائنا وقال الطيبي لأنه إذا قال القائل لصاحبه يا كافر مثلا فإن صدق رجع إليه كلمة الكفر الصادر منه مقتضاها وإن كذب واعتقد بطلان دين الإسلام رجعت إليه هذه الكلمة


وقال النووي هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث إن ظاهره غير مراد وذلك إن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا وقوله لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام وإذا تقرر ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه أحدها أنه محمول على المستحل لذلك فعلى هذا معنى باء بها أي بكلمة الكفر أي رجع عليه الكفر وثانيها أن معناه رجعت عليه نقيصته ومعصية تكفيره وثالثها أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذا ضعيف لأن المذهب


الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون أن الخوارج كسائر أهل البدع لا تكفر قلت وهذا في غير حق الرافضة الخارجة في زماننا فإنهم يعتقدون كفر أكثر الصحابة فضلا عن سائر أهل السنة والجماعة فهم كفرة بالإجماع بلا نزاع قال وخامسها فقد رجع إليه تكفيره وليس الراجع حقيقة الكفر بل كفر من هو مثله قال لأن كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام وقال الطيبي وفي أكثر الوجوه أحدهما محمول على القائل متفق عليه وفي الجامع الصغير إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما رواه البخاري من أبي هريرة ورواه أحمد والبخاري عن ابن عمر وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه أي رجل رجلا بالكفر إلا ارتدت أي رجعت تلك الكلمة من نسبة الفسق أو الكفر عليه أي على القائل أو على أحدهما والظاهر الأول لقوله إن لم يكن صاحبه أي المقول له كذلك أي مثل ما قيل له من الفسوق أو الكفر رواه البخاري وعنه أي عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله من دعا رجلا بالكفر أي بأن قال له يا كافر أو قال عدو الله بالنصب أي يا عدو الله وفي نسخة عدوا لله أي هو أو أنت عدوا لله ليس كذلك أي والحال أنه ليس مثل ما ذكر من كونه كافرا أو عدو الله بل هو مسلم محب لله إلا حار عليه بالحاء المهملة والراء أي رجع عليه ما نسب إليه كذا في النهاية وقال الطيبي المستثنى منه محذوف دال على جواب الشرط أي من دعا رجلا بالكفر باطلا فلا يلحقه من قوله ذلك شيء إلا الرجوع عليه ويجوز أن يكون من استفهامية وفيه معنى الإنكار أي ما يفعل أحد هذه الفعلة في حالة من الأحوال إلا في هذه الحالة متفق عليه وعن أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله قال


المستبان بتشديد الموحدة تثنية اسم الفاعل من باب التفاعل أي المتشائمان وهما اللذان سب كل منهما الآخر لكن الآخر أراد رد الآخر أو قال شيئا من معايبه الموجودة فيه وهو مبتدأ خبره جملة ما قالا أي إثم قولهما فعلى البادىء أي على المبتدىء فقط والفاء إما لكون إما شرطية أو لأنها موصولة متضمنة للشرط ثم البادىء بالهمز وإنما كان الإثم كله عليه لأنه كان سببا لتلك المخاصمة وقيل إثم ما قالا للبادىء أكثر مما يحصل للمظلوم ما لم يعتد المظلوم فإن جاوز الحد بأن أكثر المظلوم شتم البادىء وإيذاءه صار إثم المظلوم أكثر من إثم البادىء وقيل إذا تجاوز فلا يكون الإثم على البادىء فقط بل يكون الآخر آثما أيضا باعتدائه وحاصل الخلاف يرجع إلى خلاف الاعتداء قال الطيبي يجوز أن تكون ما شرطية وقوله فعلى البادىء جزاؤه أو موصولة فعلى البادىء خبره والجملة مسببة ومعناه إثم ما قالاه على البادىء إذا لم يعتد المظلوم فإذا تعدى يكون عليهما نعم إلا إذا تجاوز غاية الحد فيكون إثم القولين عليه اه وفيه بحث ظاهر وفي شرح السنة من أربى الربا من يسب سبتين بسبة رواه مسلم وفي الجامع الصغير بلفظ المستبان ما قالا فعلى البادىء منهما حتى يعتدي المظلوم رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة من غير ذكر أنس وفي رواية لأحمد والبخاري في الأدب عن عياض بن حمار المستبان شيطانا ن يتهاتران ويتكاذبان والتهاتر التعالج في القول وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال لا ينبغي أي لا يجوز لصديق بكسر فتشديد أي مبالغ في الصدق والمراد به المؤمن لقوله تعالى والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون الحديد ورواية لا يبتغي للمؤمن أن يكون لعانا أي كثير اللعن وهو الطرد والمراد به هنا الدعاء بالبعد عن رحمة الله تعالى وإنما أتى بصيغة المبالغة لأن الاحتراز عن قليله نادر الوقوع في المؤمنين قال ابن الملك وفي صيغة المبالغة إيذان بأن هذا الذم لا


يكون لمن يصدر منه اللعن مرة أو مرتين وقال الطيبي قوله ولا ينبغي لصديق حكم مرتب على الوصف المناسب وذلك أن هذه الصفة تالية صفة النبوة وقال تعالى أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين النساء والأنبياء إنما بعثوا رحمة للخلق ومقربين للبعيد والطريد إلى الله ورحمته واللاعن طارد لهم وطالب لبعدهم منها فاللعنة منافية له اه وفيه أن مفهوم المخالف المختلف جوازه المعتبر عنده يخالفه رواه مسلم


وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول إن اللعانين لا يكونون شهداء أي على الناس وهم الأمم السالفة بأن رسلهم بلغوا الرسالة إليهم فيحرمون عن هذه المرتبة الشريفة المختصة بهذه الأمة كما قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس البقرة قال الطيبي المراد بالوسط العدل واللعنة سالبة للعدالة وقال شارح لا يكونون شهداء لصيرورتهم فاسقين باللعن على الناس ولا شفعاء أي ولا تكون لهم مرتبة الشفاعة لأنهم باللعنة أسقطوا مرتبتهم تلك من مراتب الأنبياء والشهداء يوم القيامة ظرف لهما رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا قال الرجل هلك الناس أي استوجبوا النار بسوء أعمالهم فهو أهلكهم بضم الكاف ويفتح ففي النهاية يروى بفتح الكاف وضمها فمن فتحها كان فعلا ماضيا ومعناه أن الغالين الذين يؤيسون الناس من رحمة الله يقولون هلك الناس فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا الله تعالى يعني ولا عبرة بإيجابه لهم فإن فضل الله واسع ورحمته تعمهم ثم قال أو هو الذي لما قال لهم ذلك وآيسهم حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي فهو الذي أوقعهم في الهلاك وأما الضم فمعناه أنه إذا قال لهم فهو أهلكهم أي أكثرهم هلاكا وهو الرجل يولع بعيب الناس ويذهب بنفسه عجبا ويرى له فضلا عليهم وزاد في شرح السنة أنه روى معنى هذا عن مالك حيث قال إذا قال ذلك عجبا بنفسه وتصاغرا للناس فهو المكروه الذي نهى عنه وأما إذا قال ذلك تحزنا أو تحذيرا لما يرى في الناس من أمر دينهم فلا أرى به بأسا اه وقيل المراد به أهل البدع الذين يؤيسون الناس من رحمة الله ويوجبون الخلود بذنوبهم إذا قالوا ذلك في أهل السنة والجماعة فهم أهلكهم أي هم بهذا الاعتقاد الفاسد أنجس من المؤمن الفاسق رواه مسلم


وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله تجدون شر الناس يوم القيامة ذا الوجهين أي بقصد الفساد الذي يأتي هؤلاء أي طائفة بوجه وهؤلاء بوجه أي بوجه آخر كالمنافقين والنمامين وقد قال تعالى مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار النساء متفق عليه هذا مختصر من حديث رواه أحمد والشيخان عنه ولفظه تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية قبل أن يقع فيه وتجدون شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الحديث وعن حذيفة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول لا يدخل الجنة أي مع الفائزين قتات بفتح القاف وتشديد التاء أي نمام والنميمة نقل الكلام على وجه الفساد فلا يحتاج إلى ما قاله ابن الملك من أن هذا إذا لم يكن للإصلاح فلو كان له جاز لأنه حينئذ يكون مصلحا وقد قال تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما النساء وفي النهاية القتات هو النمام يقال قت الحديث إذا زوره وهيأه وسواه وقيل النمام هو الذي يكون مع القوم يتحدث فيهم وعليهم والقتات هو الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم قال الشيخ أبو حامد قيل النميمة مبنية على الكذب والحسد والنفاق وهي آثافي الذل فينبغي أن يبغض النمام ولا يوثق به وبصداقته حكي أن حكيما زاره أحد وأخبره عن غيره بخبر فقال أبطلت زيارتي ثم أتيتني بثلاث جنايات بغضت إلي أخي وشغلت قلبي الفارغ واتهمت نفسك الأمينة متفق عليه وفي رواية مسلم الأولى وفي رواية لمسلم كما في نسخة نمام


وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله عليكم بالصدق أي إلزموا الصدق وهو الأخبار على وفق ما في الواقع فإن الصدق أي على وجه ملازمته ومداومته يهدي أي صاحبه إلى البر بكسر الباء وهو جامع الخيرات من اكتساب الحسنات واجتناب السيئات ويطلق على العمل الخالص الدائم المستمر معه إلى الموت وإن البر يهدي أي يوصل صاحبه إلى الجنة أي مراتبها العالية ودرجاتها الغالية وما يزال الرجل أي الشخص يصدق أي في قوله وفعله ويتحرى الصدق أي يبالغ ويجتهد فيه حتى يكتب أي يثبت عند الله صديقا بكسر الصاد وتشديد الدال أي مبالغا في الصدق ففي القاموس الصديق من يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة في الصدق وفي الحديث إشعار بحسن خاتمته وإشارة إلى إن الصديق يكون مأمون العاقبة وقيل المراد بالكتابة الحكم عليه بذلك وإظهاره للملأ الأعلى وإلقاء ذلك في الأرض وإياكم والكذب بفتح فكسر وفي نسخة بكسر فسكون والأول هو الأفصح فإن الكذب يهدي إلى الفجور بضم الفاء أي الميل عن الصدق والحق والانبعاث في المعاصي وهو أظهر للمقابلة بالبر وفي القاموس فجر فسو وكذب وكذب وعصى وخالف وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا قال النووي ومعنى يكتب هنا يحكم له بذلك ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم أو صفة الكذابين وعقابهم والمراد إظهار ذلك للمخلوقين وأما بأن يكتب اسمه بخط المصنفين حتى يوضع له القبول أو البغضاء بقدرة الله سبحانه وتعالى متفق عليه وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبخاري في الأدب ومسلم في صحيحه والترمذي عن ابن مسعود وفي رواية لمسلم قال إن الصدق بر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الكذب فجور وإن الفجور يهدي إلى النار وفي الجامع الصغير إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى


الفجور وأن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا رواه الشيخان عن ابن مسعود وعن أم كلثوم بضم الكاف وقد صرح به المغني وفي نسخة بفتحها ففي القاموس أم كلثوم كزنبور بنت رسول الله اه والمراد بها هنا بنت عقبة بن أبي معيط أسلمت بمكة وهاجرت ماشية وبايعت ولم يكن لها بمكة زوج فلما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة فقتل عنها في غزوة مؤنة فتزوجها الزبير بن العوام ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميدا أو مات عنها فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهرا وماتت وهي أخت عثمان بن عفان لأمه روى عنها ابنها حميد قالت قال رسول الله أليس الكذاب بالرفع على أنه اسم ليس وفي نسخة بالنصب على أنه خبرها مقدم على اسمها وهو أظهر دراية لأنه المحكوم به والمحكوم عليه قوله الذي يصلح بين الناس ثم الظاهر أن الفعال هنا للنسبة كلبان وتمار أي ذي كذب كما قيل في قوله تعالى وما ربك بظلام فصلت أي بذي ظلم إذ لا يلزم من نفي المبالغة انتفاء أصل الفعل والمعنى من كذب ليصلح بين الناس لا يكون كاذبا مذموما ويقول خيرا أي قولا متضمنا للخير دون الشر بأن يقول للإصلاح مثلا بين زيد وعمرو يا عمرو يسلم عليك زيد ويمدحك ويقول أنا أحبه وكذلك يجيء إلى زيد ويبلغه عن عمرو مثل ما سبق وينمي خيرا أي يبلغه ويرفعه إليه هذا وأغرب الطيبي في قوله اللام في الكذاب إشارة إلى الكذاب المعهود الذي في الحديث السابق ونحوه يعني الكذاب المذموم عند الله تعالى الممقوت عند المسلمين ليس من يصلح ذات البين فإنه محمود عند الله تعالى وعندهم فعلى هذا يجب أن يكون الكذاب مرفوعا على أنه اسم ليس وقوله الذي يصلح خبره خلافا لمن زعم أن الكذاب خبر ليس والذي اسمه اه ووجه غرابته أنه لا يلزم من سبق الحديث السابق في الكتاب صدوره من صدر صدر الأنبياء أو لا في هذا الباب أو وقوعه عند هذا الخطاب والله أعلم بالصواب ثم في النهاية يقال نميت


الحديث وأنميته إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بالتشديد هكذا قال أبو عبيد وابن قتيبة وغيرهما من العلماء قلت فقوله خيرا أي حديث خير للتأكيد أو على إرادة التجريد وقال الحربي نمى مشددة وأكثر المحدثين يقولها مخففة وهذا لا يجوز ورسول الله لم يكن يلحن ومن خفف لزمه أن يقول خير بالرفع قال صاحب النهاية وهذا ليس بشيء فإنه ينتصب بنما كما انتصب بقال وكلاهما على زعمه لازمان وإنما نمى متعد يقال نميت الحديث أي رفعته وأبلغته اه وفي القاموس نما ينمو زاد كنمى ينمي نميا وأنمى ونمى الحديث ارتفع ونميته


ونميته رفعته وعزوته وأنماه أذاعه على وجه النميمة متفق عليه ولفظ الجامع ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا ويقول خيرا رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أم كلثوم بنت عقبة والطبراني عن شداد بن أوس وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال المؤلف هو المقداد بن عمرو الكندي وذلك أن أباه حالف كندة فنسب إليها وإنما سمي ابن الأسود لأنه كان حليفه أو لأنه كان في حجره وقيل بل كان عبدا فتبناه وكان سادسا في الإسلام روى عنه علي وطارق بن شهاب وغيرهما مات بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة فحمل على رقاب الناس ودفن بالبقيع سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن سبعين سنة قال قال رسول الله إذا رأيتم المداحين أي المبالغين في المدح متوجهين إليكم طمعا سواء يكون نثرا ونظما فاحثوا بهمزة وصل وضم مثلثة أي ارموا في وجوههم وفي نسخة في أفواههم التراب قيل يؤخذ التراب ويرمي به في وجه المداح عملا بظاهر الحديث وقيل معناه الأمر بدفع المال إليهم إذ المال حقير كالتراب بالنسبة إلى العرض في كل باب أي أعطوهم إياه واقطعوا به ألسنتهم لئلا يهجوكم وقيل معناه أعطوهم عطاء قليلا فشبهه لقلته بالتراب وقيل المراد منه أن يخيب المادح ولا يعطيه شيئا لمدحه والمراد زجر المادح والحث على منعه من المدح لأنه يجعل الشخص مغرورا ومتكبرا قال الخطابي المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود يكون منه ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس على الاقتداء في أشباهه فليس بمداح وفي شرح السنة قد استعمل المقداد الحديث على ظاهره في تناول عين التراب وحثيه في وجه المادح وقد يتأول على أن يكون معناه الخيبة والحرمان أي من تعرض لكم بالثناء والمدح فلا تعطوه واحرموه كنى بالتراب عن الحرمان كقولهم ما في يده غير التراب وكقوله إذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا وفي الجملة المدح


والثناء على الرجل مكروه لأنه قلما يسلم المارح عن كذب يقوله في مدحه وقلما يسلم الممدوح من عجب يدخله رواه مسلم ورواه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي عن المقداد والطبراني والبيهقي عن ابن عمر والحاكم في الكنى عن أنس ولفظ الجامع الصغير أحثوا التراب في وجوه المداحين رواه الترمذي عن أبي هريرة وابن عدي في الكامل وأبو نعيم في
الحلية عن ابن عمر وفي رواية ابن ماجه عن المقداد أحثوا في أفواه المداحين التراب وكذلك رواه ابن حبان عن ابن عمر وكذا ابن عساكر عن عبادة بن الصامت وعن أبي بكرة أي الثقفي قال أثنى رجل على رجل عند النبي أي بالغ في مدحه فقال ويلك الويل بمعنى الهلاك أي هلكت هلاكا وأهلكت إهلاكا وفي نسخة ويحك وهو للشفقة والمرحمة بخلاف الأول فإنه للزجر في الموعظة قطعت عنق أخيك بضم عين ونون في جميع النسخ المصححة والأصول المعتمدة وفي القاموس العنق بالضم وبضمتين وكأمير وصرد الجيد ويؤنث وإنما كره ذلك لئلا يغتر المقول له فيستشعر الكبر والعجب وذلك جناية عليه فيصير كأنه قطع عنقه فأهلكه قال النووي هذه استعارة من قطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك لكن هذا الهلاك في الدين وقد يكون من جهة الدنيا ثلاثا أي قاله ثلاث مرات من كان منكم استئناف لبيان المدح الممدوح مادحا أي لأحد لا محالة بفتح الميم أي ألبتة وفي نسخة بضمها ففي القاموس لا محالة منه بالفتح أي لا بد والمحال بالضم من الكلام ما عدل عن وجهه وفي الصحاح لا محالة بالضم بمعنى لا بد أي لا فراق وبالفتح بمعنى لاحتيال فليقل أحسب فلانا بكسر السين وفتحها أي أظنه كذا وكذا يعني رجلا صالحا مثلا والله حسيبه أي محاسبة ومجازيه على أعماله وهو عالم به ومطلع على أحواله والجملة حال من المفعول وبقية المقول إن كان شرط لإباحة القول المسطور أي فليقل ما ذكر إن كان القائل المادح يرى بضم الياء أي يظن وفي نسخة بفتحها أي يعلم أنه أي الممدوح


كذلك أي مثل ما مدحه ولا يزكي أي والحال أن المادح لا يزكي على الله أي على حكمه من قضائه وقدره أحدا والمعنى لا يقطع بتقوى أحد ولا بتزكيته عند الله فإن ذلك غيب وقيل عداه بعلى لتضمنه معنى الغلبة لأن من جزم على تزكية أحد عند الله فكأنه غلب عليه في معرفته هذا ما ظهر لي في حل هذا المحل وقال الأشرف والله حسيبه جملة اعتراضية وقوله إن كان يرى متعلق بقوله أحسب فلانا وقوله ولا يزكى على الله أحدا منع عن الجزم وهو عطف على قوله فليقل اه وفيه أن لا يزكي جاء بإثبات الياء فيحتاج على هذا بأن يقال إخبار في معنى النهي أي ولا يكن منكم التزكية على الله وقد أبعد بعضهم حيث قال ولا يزكي عطف على يرى وهو الصواب وأنت لا يخفى عليك أنه هو الخطأ منه في هذا الباب ثم لا يخلو كلام الطيبي من الإغراب أيضا في


الإعراب حيث قال إن كان يرى الجملة الشرطية وقعت حالا من فاعل فليقل وعلى في على الله فيه معنى الوجوب والله أعلم متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال أتدرون ما الغيبة بكسر الغين المعجمة قيل أي أتعلمون ما جواب هذا السؤال قالوا الله ورسوله أعلم والأظهر أن يقال أتدرون ما الغيبة التي ذكرها الله في قوله ولا يغتب بعضكم بعضا الحجرات قالوا الله ورسوله أعلم يعني ولو علمنا بعض العلم لكن يستفاد منك حقيقة العلم بكل شيء فضلا عن الغيبة ونحوها قال ذكرك أي أيها المخاطب خطابا عاما أخاك أي المسلم بما يكرهه أي بما لو سمعه لكرهه قال النووي اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشارا في الناس حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس وذكرك فيه بما يكرهه عام سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو ماله أو ولده أو والده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو مشيه وحركته وبشاشته وعبوسته وطلاقته أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته بلفظك أو كتابك أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك ونحو ذلك وضابطه إن كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجا أو مطأطئا أو على غير ذلك من الهيئات مريدا حكاية هيئة من ينقصه بذلك قيل أي قال بعض الصحابة أفرأيت أي فأخبرني إن كان في أخي أي موجودا ما أقول أي من المنقصة والمعنى أيكون حينئذ ذكره بها أيضا غيبة كما هو المتبادر من عموم ذكره بما يكره قال إن كان فيه ما تقول أي من العيب فقد اغتبته أي لا معنى للغيبة إلا هذا وهو أن تكون المنقصة فيه وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته بفتح الهاء المخففة وتشديد التاء على الخطاب أي قلت عليه البهتان وهو كذب عظيم يبهت فيه من يقال في حقه رواه مسلم وكذا الثلاثة ذكره السيد جمال الدين والمراد بهم الترمذي وأبو داود والنسائي ولفظهما قيل يا رسول الله ما الغيبة قال ذكرك أخاك بما يكره وذكره


بتمامه على ما حرره ميرك وفي رواية المتبادر منه أنها رواية لمسلم وليس كذلك بل رواية للبغوي في شرح السنة على ما بينه السيد إذا قلت لأخيك ما فيه فقد اغتبته وإذا قلت ما ليس فيه
فقد بهته قال ميرك هذه الرواية ليست في واحد من الصحيحين وإنما رواها صاحب المصابيح في شرح السنة بإسناده عن أبي هريرة اه وفيه تلويح إلى الاعتراض على صاحب المصابيح حيث ذكر هذه الرواية في الصحاح ومر مرارا الاعتذار عنه بأن ذلك الالتزام إنما هو في الأصول لا في معتضدات الفصول وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رجلا قيل هو عيينة الفزاري وقيل مخرمة بن نوفل ويمكن الجمع بتعدد الواقعة استأذن على النبي أي في الدخول عليه فقال ائذنوا بهمزة ساكنة وصلا ويجوز إبدالها ياء لكن إذا ابتدىء به يقرأ بهمزة مكسورة وياء ساكنة والذال مفتوحة مطلقا أي اعطوا الاذن له أو اعلموا بالاذن فبئس أخو العشيرة أي بئس هو من قومه وفي رواية للبخاري بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة من غير شك وفي الشمائل بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة على الشك فقيل يحتمل أن يكون الشك من سفيان فإن جميع أصحاب المنكدر رووه عنه بدون الشك قال الطيبي العشيرة القبيلة أي بئس هذا الرجل من هذه العشيرة كما يقال يا أخا العرب لرجل منهم قال النووي واسم هذا الرجل عيينة بن حصين ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام فأراد النبي أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف بحاله وكان منه في حياة النبي وبعده ما دل على ضعف إيمانه ووصف النبي بأنه بئس أخو العشيرة من أعلام النبوة لأنه ظهر كما وصف فلما جلس أي بعد دخوله تطلق النبي في وجهه أي أظهر له طلاقة الوجه وبشاشة البشرة وانبسط إليه أي تبسم له وألان القول له كما في رواية وقال شارح أي جعله قريبا من نفسه قال النووي وإنما ألان له القول تألفا له ولأمثاله على الإسلام وفيه مداراة من يتقي فحشه وجواز غيبة الفاسق وفي شرح السنة فيه دليل


على أن ذكر الفاسق بما فيه ليعرف أمره فيتقي لا يكون من الغيبة ولعل الرجل كان مجاهرا بسوء أفعاله ولا غيبة لمجاهر قال النووي ومن الذين يجوز لهم الغيبة المجاهر بفسقه أو بدعته فيجوز ذكره بما يجهر به ولا يجوز بغيره فلما انطلق الرجل أي ذهب قالت عائشة لعل هذا نقل بالمعنى ويدل عليه رواية الشمائل عن عروة عن عائشة قالت استأذن رجل على رسول الله وأنا عنده فقال بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة ثم أذن له فألان له القول


فلما خرج قلت يا رسول الله قلت له كذا وكذا وفي الشمائل قلت له ما قلت ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه أي ألنت له القول على ما في الشمائل فقال رسول الله متى عاهدتني أي وجدتني ورأيتني فحاشا أي ذا فحش يعني قائلا للفحش وأصل الفحش زيادة الشيء على مقداره وهذا إنكار على قولها إنك خالفت بين الغيب والحضور فلم لم تذممه في الحضور كما ذممته في الغيب إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة استئناف كالتعليل لقوله متى عاهدتني فحاشا من تركه الناس وفي رواية ودعه الناس كقراءة ما ودعك في الشواذ بالتخفيف وفيه رد لقول الصرفيين أماتوا ماضي يدع إلا أن يريدوا بإماتته ندرته فهو شاذ استعمالا صحيح قياسا والمعنى من ترك الناس التعرض له اتقاء شره كيلا يؤذيهم بلسانه وفيه رخصة المداراة لدفع الضرر وفي رواية أي للشيخين وغيرهما اتقاء فحشه وهو مجاوزة الحد قولا وفعلا وقيل المعنى إنما ألنت له القول لأني لو قلت له في حضوره ما قلته في غيبته لتركني اتقاء فحشي فأكون أشر الناس قيل ذلك الرجل كما وصفه النبي فإنه ارتد بعد موته مع المرتدين وجيء به أسيرا إلى أبي بكر رضي الله عنه وفي فتح الباري أن عيينة ارتد في زمن الصديق وحارب ثم رجع وأسلم وكان يقال له الأحمق المطاع كذا فسره به القاضي عياض والقرطبي والنووي وأخرج عبد الغني من طريق أبي عامر الخزاعي عن عائشة قالت جاء مخرمة بن نوفل يستأذن فلما سمع النبي صوته قال بئس أخو العشيرة الحديث ذكره القسطلاني في المواهب وقد جمع هذا الحديث كما قاله الخطابي علما وأدبا وليس قوله عليه السلام في أمته بالأمور التي يسمهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض بل الواجب عليه أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمورهم فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبه بالمكروه وليقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا


سبيله وفي مداراته ليسلموا من شره وغائلته وقال القرطبي فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة ثم قال تبعا للقاضي حسين والفرق بين المداراة والمداهنة إن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا وهي مباحة وربما استحسنت والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا اه وهذه فائدة جليلة ينبغي حفظها والمحافظة عليها فإن أكثر الناس عنها غافلون وبالفرق بينهما جاهلون متفق عليه وفي الجامع الصغير إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ترك اتقاء فحشه رواه الشيخان وأبو داود والترمذي وفي رواية الطبراني في


الأوسط عن أنس بلفظ من يخاف الناس شره وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله كل أمتي معافى هكذا في جميع نسخ المشكاة وهو اسم مفعول من عافاه الله أي أعطاه الله العافية والسلامة من المكروه وقال النووي في شرح مسلم معافاة بالهاء في آخره هكذا هو في معظم النسخ والأصول المعتمدة قال الطيبي وفي نسخ المصابيح معافى بلا هاء وعلى هذا ينبغي أن يكتب ألفه بالياء فيكون مطابقا للفظ كل كما ورد كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته إلا المجاهرون بالرفع في جميع نسخ المشكاة قال التوربشتي كتب مرفوعا في نسخ المصابيح وحقه النصب على الاستثناء قال الأشرف هو مستثنى من قوله معافى وهو في معنى النفي أي كل أمتي لا ذنب عليهم إلا المجاهرون وأورد الحافظ أبو موسى في مجموعة المغيث إلا المجاهرين بالنصب على الأصل وهكذا أورده في النهاية قال الطيبي والأظهر أن يقال كل أمتي يتركون عن الغيبة إلا المجاهرون كما ورد من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له والعفو بمعنى الترك وفيه معنى النفي ونحوه قوله تعالى ويأبى الله إلا أن يتم نوره التوبة والمجاهرون هم الذين جاهروا بمعاصيهم وأظهروها وكشفوا ما ستر الله عليهم منها فيتحدثون يقال جهر وجاهر وأجهر أقول قول الأشرف كل أمتي لا ذنب عليهم لا يصح على إطلاقه بل المعنى كل أمتي لا يؤاخذون أو لا يعاقبون عقابا شديدا إلا المجاهرون وأما ما ذكره الطيبي من التقييد بالغيبة فلا دلالة للحديث عليه ولا عبرة بعنوان الباب كما لا يخفى على أولي الألباب بل في نفس الحديث ما يؤيد ما ذكرناه وهو قوله على طريق الاستئناف البياني وإن من المجانة بفتح الميم وخفه الجيم مصدر مجن يمجن من باب نصر وهي أن لا يبالي الإنسان بما صنع ولا بما قيل له من غيبة ومذمة ونسبة إلى فاحشة أن يعمل الرجل بالليل أي مثلا عملا أي من أعمال المعصية ثم يصبح بالنصب وفي نسخة بالرفع أي ثم هو يدخل في الصباح وقد ستره الله أي عمله عن الناس أو


ستره ولم يعاقبه في ليله حتى عاش إلى النهار فيقول بالنصب ويرفع أي فينادي صاحبا له يا فلان عملت البارحة أي في الليلة الماضية كذا وكذا أي من الأعمال السيئة وقد بات أي والحال أن الرجل العاصي دام في ليله يستره ربه أي عن غيره ولم يكشف حاله بالعقوبة ويصبح أي الرجل مع ذلك يكشف خبر يصبح أي يرفع ويزيل ستر الله عنه وهو
بكسر السين بمعنى السترة والحجاب وفي نسخة بفتحها وهو مصدر والمقصود غاية الاستغراب ولذا وقع في الكلام نوع من الإطناب متفق عليه وفي الجامع الصغير بلفظ كل أمتي معافى إلا المجاهرون وإن من الجهار أن يعمل الرجل الحديث لكن بدون يا فلان رواه الشيخان عنه ورواه الطبراني في الأوسط عن أبي قتادة ولفظه كل أمتي معافى إلا المجاهر الذي يعمل العمل بالليل فيستره ربه ثم يصبح فيقول يا فلان إني عملت البارحة كذا وكذا فيكشف ستر الله عز وجل قال المؤلف وذكر حديث أبي هريرة من كان يؤمن بالله أي واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت في باب الضيافة أي في حديث طويل ذكر فيه وسببه أن صدره مناسب لذلك الباب فيكون إسقاطه هنا للتكرير فكلامه للاعتذار لكنه متضمن لنوع من الاعتراض
الفصل الثاني


عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله من ترك الكذب أي وقت مرائه كما يدل عليه القرينة الآتية ويحتمل الإطلاق والله أعلم وهو باطل جملة معترضة بين الشرط والجزاء للتنفير عن الكذب فإن الأصل فيه أنه باطل أو جملة حالية من المفعول أي والحال أنه باطل لا مصلحة فيه من مرخصات الكذب كما في الحرب أو إصلاح ذات البين والمعاريض أو حال من الفاعل أي وهو ذو باطل بمعنى صاحب بطلان بني له بصيغة المجهول وله نائبه أي بنى الله له قصرا في ربض الجنة بفتح الراء والموحدة أي نواحيها وجوانبها من داخلها لا من خارجها وأما قول شارح هو ما حولها خارجا عنها تشبيها بالأبنية التي حول المدن وتحت القلاع فهو صريح اللغة لكنه غير صحيح المعنى فإنه خلاف المنقول ويؤدي إلى المنزلة بين المنزلتين حسا كما قاله المعتزلة معنى فالصواب أن المراد به أدناها كما يدل عليه قوله ومن ترك المراء بكسر الميم أي الجدال وهو محق أي صادق ومتكلم بالحق بني له في وسط الجنة بفتح السين ويسكن أي في أوسطها لتركه كسر


قلب من يجادله ودفعه رفعة نفسه وإظهار نفاسة فضله وهذا يشعر بأن معنى صدر الحديث أن من ترك المراء وهو مبطل فوضع الكذب موضع المراء لأنه الغالب فيه أو المعنى أن من ترك الكذب ولو لم يترك المراء بني له في ربض الجنة لأنه حفظ نفسه عن الكذب لكن ما صانها عن مطلق المراء فلهذا يكون أحط مرتبة منه ومن حسن بتشديد السين أي أحسن بالرياضة خلقه بضمتين ويسكن اللام أي جميع أخلاقه التي من جملتها المراء وترك الكذب بني له في أعلاها أي حسا ومعنى وهذا يدل على أن الخلق مكتسب وإن كان أصله غريزيا ومنه خير صحيح اللهم حسن خلقي كما حسنت خلقي وكذا خبر مسلم اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت قال الإمام حجة الإسلام حد المراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما لفظا أو معنى أو في قصد المتكلم وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به وإن كان باطلا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وتمامه لا يعرف إلا من حديث سلمة بن وردان قال ميرك نقلا عن التصحيح وسلمة تكلم فيه لكن حسن حديثه الترمذي وللحديث شواهد اه فالحديث حسن لذاته أو لغيره وكذا في شرح السنة أي حسن وفي المصابيح غريب أي إسنادا لما سبق وهو لا ينافي كونه حسنا كما قررناه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس الجنة أي ما أكثر أسباب إدخالهم الجنة مع الفائزين تقوى الله وأقلها التقوى عن الشرك وأعلاها عن خطور ما سوى الله وحسن الخلق أي مع الخلق وأدناه ترك أذاهم وأعلاه الإحسان إلى من أساء إليه منهم وفيه مبادرة إلى الجواب حيث يعلم جهل أهل الخطاب وفائدة يراد السؤال أولا إبهام وتفصيل وهما يوجبان إيقاع الكلام وتأثيره في النفوس أكثر أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان أي المجوفان أو المعتلان الوسط علة معنوية الفم والفرج لأن المرء غالبا بسببهما يقع


في مخالفة الخالق وترك المخالفة مع المخلوق وبه يظهر الارتباط بين القرينتين من الكلام والله أعلم بحقيقة المرام وقال الطيبي قوله تقوى الله إشارة إلى حسن المعاملة مع الخالق بأن يأتي جميع ما أمره به وينتهي عما
نهى عنه وحسن الخلق إشارة إلى حسن المعاملة مع الخلق وهاتان الخصلتان موجبتان لدخول الجنة ونقيضهما النار فأوقع الفم والفرج مقابلا لهما أما الفم فمشتمل على اللسان وحفظ ملاك أمر الدين كله وأكل الحلال رأس التقوى كله وأما الفرج فصونه من أعظم مراتب الدين قال تعالى والذين هم لفروجهم حافظون المؤمنون لأن هذه الشهوة أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها على العقل عند الهيجان ومن ترك الزنا خوفا من الله تعالى مع القدرة وارتفاع الموانع وتيسر الأسباب لا سيما عند صدق الشهوة وصل إلى درجة الصديقين قال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى النازعات وقصة الرشيد في تعليق طلاق زبيدة مع الإمام أبي يوسف مشهورة ومعنى الأكثرية في القرينتين إن أكثر أسباب السعادة الأبدية الجمع بين هاتين الخلتين وإن أكثر أسباب الشقاقة السرمدية الجمع بين هاتين الخصلتين رواه الترمذي وابن ماجه وعن بلال بن الحارث قال المؤلف في فصل الصحابة وأبو عبد الرحمن المزني سكن بالاستعراء وراء المدينة روى عنه ابنه الحارث وعلقمة بن الوقاص مات سنة ستين وله ثمانون سنة قال قال رسول الله إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الخير من بيانية ما يعلم أي الرجل مبلغها أي قدر تلك الكلمة ومرتبتها عند الله والجملة حال أي والحال أنه يظن أنها يسيرة قليلة وهي عند الله عظيمة جليلة يكتب الله أي يثبت ويديم له بها رضوانه بكسر الراء ويضم أي رضاه وهو يحتمل أن يكون من باب إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله والأول أظهر لمقابلة القرينة الآتية إلى يوم يلقاه بكسر الميم في أكثر النسخ وبفتحها في بعضها وبالتنوين في بعضها والضمير البارز في يلقاه يحتمل


أن يكون إلى اليوم والمستتر إلى الرجل ويمكن عكسه تجوزا ويمكن أن يكون أحد الضميرين إلى الله والآخر إلى الرجل فتأمل وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر ما يعلم مبلغها يكتب الله بها سخطه أي غضبه إلى يوم يلقاه قال ابن عيينة هي الكلمة عند السلطان فالأولى ليرده بها عن ظلم والثانية ليجره بها إلى ظلم وقال ابن عبد البر أعلم خلافا في تفسيرها بذلك نقله السيوطي قال الطيبي فإن قلت ما معنى قوله يكتب الله بها رضوانه وما


فائدة التوقيت إلى يوم يلقاه قلت معنى كتبه رضوان الله توفيقه لما يرضي الله تعالى من الطاعات والمسارعة إلى الخيرات فيعيش في الدنيا حميدا وفي البرزخ يصان من عذاب القبر ويفسح له قبره ويقال له نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ويحشر يوم القيامة سعيد ويظله الله تعالى في ظله ثم يلقى بعد ذلك من الكرامة والنعيم المقيم في الجنة ثم يفوز بلقاء الله ما كل ذلك دونه وفي عكسه قوله يكتب الله بها عليه سخطه ونظيره قوله تعالى لإبليس إن عليك لعنتي إلى يوم الدين ص صلى الله عليه وسلم رواه في شرح السنة أي بهذا اللفظ وروى مالك والترمذي وابن ماجه نحوه أي بمعناه وفي الجامع الصغير رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن بلال بن الحارث مرفوعا ولفظه إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه يوم القيامة وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة وفي الإحياء وكان علقمة يقول وكم من كلام منعنيه حديث بلال بن الحارث وعن بهز بفتح موحدة وسكون هاء فزاي ابن حكيم تابعي قال المصنف قد اختلف العلماء فيه روى عنه جماعة ولم يخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما شيئا منه وقال ابن عدي ولم أر حديثه منكرا عن أبيه أي حكيم بن معاوية القشيري البصري قال البخاري في صحبته نظر روى عنه ابن أخيه معاوية بن حكيم وقتادة عن جده أي معاوية بن حيدة بفتح حاء مهملة فسكون تحتية ودال مهملة لم يذكره المؤلف قال قال رسول الله ويل أي هلاك عظيم أو واد عميق في جهنم لمن يحدث أي لمن يخبر الناس فيكذب أي لا يصدق في تحديثه وإخباره ليضحك بضم أوله وكسر حائه به أي بسبب تحديثه أو الكذب القوم بالنصب على أنه مفعول ثان هكذا في النسخ ويجوز فتح الياء والحاء ورفع القوم ثم المفهوم منه أنه إذا حدث بحديث صدق ليضحك القوم فلا بأس


به كما صدر مثل ذلك عن عمر رضي الله عنه مع النبي حين غضب على بعض أمهات المؤمنين قال الغزالي وحينئذ ينبغي أن يكون من قبيل مزاح رسول الله فلا يكون إلا حقا ولا يؤذي قلبا ولا يفرط فيه فإن كنت أيها السامع تقتصر عليه أحيانا وعلى الندور فلا حرج عليك ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة ويواظب عليه ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل رسول الله فهو كمن يدور مع الزنوج أبدا لينظر إلى رقصهم ويتمسك بأن
رسول الله أذن لعائشة رضي الله عنها في النظر إليهم وهم يلعبون ويل له ويل له إنما أعاده مرتين للتأكيد أو أولها للبرزخ وثانيها للموقف وثالثها للنار رواه أحمد والترمذي أي وقال حسن اه وقد تكلم بعضهم في بهز ووثقه جماعة ذكره ميرك وأبو داود والدارمي وكذا النسائي والحاكم وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إن العبد أي الشخص ليقول الكلمة أي الكاذبة لا يقولها إلا ليضحك به الناس أي بتلفظها أو المراد بها الكلام على أنها كلمة لغوية والمستثنى من أعم عام الغرض يهوي بفتح الياء وكسر الواو أي يسقط في جهنم بها أي بسببها أبعد أي هويا وسقوطا أبعد مما بين السماء والأرض وفي نسخة أبعد ما بين السماء والأرض وقيل معناه يبعد بها عن الخير والرحمة بعدا أبعد ما بينهما وإنه أي العبد والمراد به الجنس فلا يرد أن المعرفة إذا أعيدت تكون عين الأول فتأمل ليزل بفتح اللام والياء وكسر الزاي وتشديد اللام أي ليعثر ويزلق ويخطأ عن لسانه أي عن جهته ومن قبله وبسببه أشد أي زللا أقوى وأكثر مما يزل عن قدمه والمعنى أن صدور الكذب ونحوه عن لسانه أضر عليه من ضرر سقوطه عن رجله على وجهه فإن الضرر البدني أهون من الضرر الديني قال الطيبي قوله وإنه ليزل عن لسانه تمثيل بعد تمثيل مثلا أولا مضرته في جاهه وسقوطه من منزلته عند الله تعالى بمن سقط من أعلى مكان إلى أدناه ثم مثل ثانيا مضرته بها في نفسه وما يلحقه من المشقة والتعب بمن يتردد في


وحل عظيم فيدحض قدماه في تلك المزالق قلما يتخلص منها رواه البيهقي في شعب الإيمان قال ميرك ناقلا عن التصحيح ورواه أحمد في مسنده من طريق مكحول عن أبي هريرة ورواه صاحب المصابيح في شرح السنة بهذا اللفظ من طريق يحيى بن أبي عبيد عن أبيه عن أبي هريرة قلت وفي الجامع الصغير بلفظ إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب رواه أحمد والشيخان عن أبي هريرة وفي رواية للترمذي وابن ماجه والحاكم عنه بلفظ إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار وفي رواية أحمد عن أبي سعيد ولفظه إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يريد بها بأسا ليضحك بها القوم وأنه ليقع بها أبعد من السماء


وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله من صمت أي سكت عن الشر نجا أي فاز وظفر بكل خير أو نجا من آفات الدارين قال الراغب الصمت أبلغ من السكوت لأنه قد يستعمل فيما لا قوة له للنطق وفيما له قوة النطق ولهذا قيل لما لا نطق له الصامت والمصمت والسكوت يقال لما له نطق فيترك استعماله وقال الغزالي اعلم أن ما ذكره من فصل الخطاب وجوامع الكلم وجواهر الحكم ولا يعرف أحد ما تحت كلماته من بحار المعاني الأخواص العلماء وذلك إن خطر اللسان عظيم وآفاته كثيرة من الخطأ والكذب والنميمة والغيبة والرياء والسمعة والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس والخوض في الباطل وغيرها ومع ذلك النفس ماثلة إليها لأنها سباقة إلى اللسان لا تثقل عليه ولها حلاوة في النفس وعليها بواعث من الطبع والشيطان فالخائض فيها قلما يقدر على أن يزم اللسان فيطلقه بما يجب وكفه عما لا يجب ففي الخوض خطر وفي الصمت سلامة مع ما فيه من جمع الهم ودوام الوقار والفراغة للفكر والعبادة والذكر والسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في العقبى وقد قال تعالى أي ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ق صلى الله عليه وسلم ويدلك على لزوم الصمت أمر وهو أن الكلام أربعة أقسام قسم هو ضرر محض وقسم هو نفع محضر وقسم فيه ضرر ومنفعة وقسم لا ضرر فيه ولا منفعة أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا نفي بالضرر وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران ظاهرا فلا يبقى إلا القسم الرابع وفيه خطر إذ قد يمتزج به ما فيه اثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجا يخفي مدركه فيكون الإنسان به مخاطرا اه وحاصله أن آفات اللسان غير محصورة وفي الصمت خلاص منها وقد قيل اللسان جرمه صغير وجرمه كبير وكثير رواه أحمد والترمذي والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان وعن عقبة بن عامر أي الجهني قال لقيت رسول


الله فقلت م
النجاة أي ما نجاة هذا الأمر حتى نتعلق به أو ما الخلاص عن الآفات حتى أحترس به فقال أملك عليك لسانك بفتح الهمزة وكسر اللام أي احفظ لسانك عما ليس فيه خير كما قاله شارح والأظهر أن معناه أمسك لسانك حافظا عليك أمورك مراعيا لأحوالك ففيه نوع من التضمين وفي النهاية أي لا تجره إلا بما يكون لك لا عليك اه وهو حاصل المعنى كما لا يخفى وعن بعضهم أي اجعل لسانك مملوكا لك فيما عليك وباله وتبعته فامسكه عما يضرك وأطلقه فيما ينفعك اه وهو ناظر إلى أن الصيغة من الثلاثي المجرد ففي القاموس ملكه يملكه ملكا مثلثة احتواه قادرا على الاستبداد به وأملكه الشيء وملكه إياه تمليكا بمعنى لكن النسخ المصححة والأصول المعتمدة بصيغة المزيد مضبوطة نعم كتب ميركشاه على هامش كتابه الظاهر إملك بكسر الهمزة من الثلاثي المجرد فإنه متعد لكن في الأصل صحح من الثلاثي المزيد فيه وليس بظاهر تأمل قلت لعل الزيادة لزيادة المبالغة في التعدية فتدبر هذا وقد قال الطيبي هذا الجواب من أسلوب الحكيم سئل عن حقيقة النجاة فأجاب عن سببه لأنه أهم بحاله وأولى وكان الظاهر أن يقول حفظ اللسان فأخرجه على سبيل الأمر الذي يقتضي الوجوب مزيدا للتقرير والاهتمام اه وما فيه من التكلف لا يخفى بل من التعسف في حق الصحابي فإنه جعل العدول عن معرفته حقيقة النجاة بالنسبة إليه أولى فالصواب أن تقدير السؤال ما سبب النجاة بقرينة الجواب وقد أشرنا فيما تقدم إلى تقدير آخر والله أعلم وليسعك بكسر اللام ويسكن بيتك بأن تسكن فيه ولا تخرج منه إلا لضرورة ولا تضجر من الجلوس فيه بل تجعله من باب الغنيمة فإنه سبب الخلاص من الشر والفتنة ولذا قيل هذا زمان السكوت وملازمة البيوت والقناعة إلى أن يموت قال الطيبي الأمر في الظاهر وارد على البيت وفي الحقيقة على المخاطب أي تعرض لما هو سبب للزوم البيت من الاشتغال بالله والمؤانسة بطاعته والخلوة عن الأغيار وابك على خطيئتك أي ابك


إن تقدر وإلا فتباك نادما على معصيتك فيما سبق من أيام حياتك قال الطيبي ضمن بكى معنى الندامة وعداه بعلى أي اندم على خطيئتك باكيا رواه أحمد والترمذي وروى ابن قانع والطبراني عن الحارث بن هشام صدر الحديث فقط وهو أملك عليك لسانك وعن أبي سعيد أي الخدري رفعه أي أسند الحديث إلى النبي وإنما أبهمه الراوي لأنه شك في كيفية رفعه أنه هل هو بصيغة السمع أو القول ونحوهما قال إذا أصبح ابن آدم أي دخل في الصباح وهو مفتاح باب النجاح لأن آفات اللسان إنما هي بمعاشرة الإخوان وهي في النهار أكثر باعتبار أغلب الأزمان فإن الأعضاء أي التي يتأتى


منها العصيان أو مطلقها فإن لها تعلقا ما في الحركات والسكنات للإنسان ويؤيده تأكيدها بقوله كلها تكفر بتشديد الفاء المكسورة أي تتذلل وتتواضع للسان من قولهم كفر اليهودي إذا خضع مطأطأ رأسه وانحنى لتعظيم صاحبه كذا قاله شارح وفي النهاية التكفير هو أن ينحني الإنسان ويطأطىء رأسه قريبا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه فتقول أي الأعضاء اتق الله فينا أي في حفظ حقوقنا فإنما نحن بك أي نتعلق ونستقيم ونعوج بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا قال الطيبي فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب قلت اللسان ترجمان القلب وخليفته في ظاهر البدن فإذا أسند إليه الأمر يكون على سبيل المجاز في الحكم كما في قولك شفى الطبيب المريض قال الميداني في قوله المرء بأصغر به يعني بهما القلب واللسان أي يقوم ويكمل معانيه بهما وأنشد لزهير وكأن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم اه ولا يخفى ظهور نوقف صلاح الأعضاء وفسادها على القلب بحسب صلاحه وفساده فإنه معدن الأخلاق الكريمة كما أنه منبع الأحوال الذميمة ونظيره الملك المطاع والرئيس المتبع فإنه إذا صلح المتبوع صلح التبع وقد قال بعض أكابر الصوفية إن البطن عضو إن جاع هو شبع سائر الأعضاء يعني سكن فلا يطالبك بشيء وإن شبع هو جاع سائر الأعضاء وبيانه على ما في منهاج العايدين إن في كثرة الأكل فتنة الأعضاء وانبعاثها للفضول والفساد فالرجل إذا كان شعبان بطرا اشتهت عينه النظر إلى ما لا يعنيه من حرام أو فضول والاذن والاستماع إليه واللسان التكلم به والفرج الشهوة والرجل المشي إليه وإذا كان جائعا فتكون الأعضاء كلها ساكنة هادية لا تطمح إلى شيء من هذا ولا تنشط له وجملة الأمر إن أفعال الرجل وأقواله على حسب طعامه وشرابه إن دخل


الحرام وخرج الحرام وإن دخل الفضول خرج الفضول كأن الطعام بذر الأفعال والأفعال نبت يبدو منه فهذا المعنى ظاهر جدا في أمر القلب والبطن وأما تعلق الأعضاء جميعها باللسان فلم يظهر لي مدة من الزمان حتى ألهمني الله تعالى ببركة الصلاة على نبيه وهو أن اللسان من أعضاء الإنسان آله البيان للكفر والإيمان فمع استقامته تنفعه استقامة سائر الأعضاء ومع اعوجاجه تبطل أحوالها سواء تكون مستقيمة أو معوجة في أفعالها والله الملهم بالصواب وإليه المرجع والمآب رواه الترمذي وكذا ابن خزيمة والبيهقي


وعن علي بن الحسين أي ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وهو الإمام زين العابدين وقد سبق بعض مناقبه من جملة محاسن مراتبه قال قال رسول الله من حسن إسلام المرء أي من جملة محاسن إسلام الشخص وكمال إيمانه تركه ما لا يعنيه أي ما لا يهمه ولا يليق به قولا وفعلا ونظرا وفكرا فحسن الإسلام عبارة عن كماله وهو أن تستقيم نفسه في الاذعان لأوامر الله تعالى ونواهيه والاستسلام لأحكامه على وفق قضائه وقدره فيه وهو علامة شرح الصدر بنور الرب ونزول السكينة على القلب وحقيقة ما لا يعنيه ما لا يحتاج إليه في ضرورة دينه ودنياه ولا ينفعه في مرضاة مولاه بأن يكون عيشه بدونه ممكنا وهو في استقامة حاله بغيره متمكنا وذلك يشمل الأفعال الزائدة والأقوال الفاضلة فينبغي للمرء أن يشتغل بالأمور التي يكون بها صلاحه في نفسه في أمر زاده بإصلاح طرفي معاشه ومعاده وبالسعي في الكمالات العلمية والفضائل العملية التي هي وسيلة إلى نيل السعادات الأبدية والفوز بالنعم السرمدية ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى والذين هم عن اللغو معرضون المؤمنون قال الغزالي وحد ما لا يعنيك أن تتكلم بكل ما لو سكت عنه ولم تأثم ولم تتضرر في حال ولا مآل ومثاله أن تجلس مع قوم فتحكي معهم أسفارك وما رأيت فيها من جبال وأنهار وما وقع لك من الوقائع وما استحسنته من الأطعمة والثياب وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تتضرر وإذا بالغت في الاجتهاد حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان ولا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة ولا اغتياب لشخص ولا مذمة لشيء مما خلقه الله تعالى فأنت مع ذلك كله مضيع زمانك ومحاسب على عمل لسانك إذ تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير لأنك لو صرفت زمان الكلام في الذكر والفكر ربما ينفتح لك من نفحات رحمة الله تعالى ما يعظم جدواه ولو سبحت الله بنى لك بها قصرا في الجنة ومن قدر على أن يأخذ كنزا من


الكنوز فأخذ بدله بدرة لا ينتفع بها كان خاسرا خسرانا مبينا وهذا على فرض السلامة من الوقوع في كلام المعصية وأنى تسلم من الآفات التي ذكرناها وذكر أن بعض العارفين مر على غرفة بنيت فقال مذ كم بنيت هذه ثم أقبل على نفسه وقال يا نفسي المغرورة تسألين عما لا يعنيك وعاقبتها بصوم سنة وقد ورد في الحديث ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها على ما رواه الطبراني عن معاذ مرفوعا فطوبى لمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون الحشر قال الأوزاعي كتب إلينا عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن من أكثر ذكر الموت رضى من الدنيا باليسير ومن


عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه وقيل ما تكلم الربيع بن خيثم بكلام الدنيا عشرين سنة وكان إذا أصبح وضع قرطاسا نقيا وقلما فكلما تكلم به كتبه ثم يحاسب نفسه عند المساء هذا وعن بعضهم من في قوله من حسن إسلام المرء تبعيضية ويجوز أن تكون بيانية اه وبيانه أن تركه ما لا يعنيه هو حسن إسلام المرء وكماله فيه وتقديم الخبر لكون التركيب من باب على التمرة مثلها زبدا قال الطيبي وعلى أن تكون تبعيضية إشارة إلى قوله الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه الحديث بعد الإيمان والإسلام وأنت تعلم أن التحلية مسبوقة بالتخلية فالترك بعض من الاحسان فيكون إشارة إلى الانسلاخ عما يشغله عن الله فإذا أخذ السالك في السلوك تجرد بحسب أحواله ومقاماته شيئا فشيئا مما لا يعنيه إلى أن يتجرد عن جميع أوصافه ويتوجه بكليته إلى الله سبحانه وإليه يلمح قوله تعالى بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن البقرة وقول إبراهيم عليه السلام إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين البقرة قال النووي هذا أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام قال أبو داود وهي أربعة الأول حديث نعمان بن بشير الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن الثاني من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه الثالث لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه الرابع الأعمال بالنيات وقيل بدل الثالث ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس وأنشد الإمام الشافعي رضي الله عنه في معناه عمدة الخير عندنا كلمات أربع قالهن خيرا لبريه اتق الشبهات وازهد ودع ما ع ليس يعنيك واعملن بنيه قلت مدار الأربعة السنية على تصحيح النية فإنه إذا عمل بالنية المرتبطة بحسن الطوية يورث له اتقاء الشهبات أكلا وترك ما لا يعنيه قولا وفعلا ويترتب عليها الزهد في الدنيا والزهد فيما في أيدي الناس بالأولى فيحب المؤمنين ويحبونه لله تعالى فنية المؤمن خير من عمله كما ورد في حديث وقد جعلت


في شرحه رسالة تعين مبانيه وتبين معانيه رواه مالك وأحمد أي عن علي بن الحسين ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة والترمذي أي في جامعه والبيهقي في شعب الإيمان عنهما أي عن علي
وأبي هريرة معا أما في حديث واحد أو في حديثين والله أعلم وفي الجامع الصغير رواه أحمد والطبراني عن الحسين بن علي والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة والحاكم في الكنى عن أبي بكر والشيرازي عن أبي ذر والحاكم في تاريخه عن علي بن أبي طالب والطبراني في الصغير عن زيد بن ثابت وابن عساكر عن الحارث بن هشام قال المؤلف هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يكنى أبا الحسن المعروف بزين العابدين من أكابر سادات أهل البيت ومن أجلة التابعين وأعيانهم اه فكان حقه أن يقول في آخر الحديث أو أوله مرسلا ويمكن أن يكون عن أبيه ساقطا أو وقع تغيير بتقديم وتأخير من أحد من الرواة أو المصنفين وأصله عن الحسين بن علي على ما نقلناه عن الجامع والله أعلم ثم رأيت كلام ميرك حيث قال حديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه رواه ابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال وحدثنا قتيبة عن مالك عن الزهري علي بن الحسين عن النبي أن من حسن إسلام المرء الخ قال وهكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري عنه عن علي بن الحسين نحو حديث مالك قال وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة اه كلام الترمذي وطريقه عن أبي سلمة عن أبي هريرة جيدة وقال النووي حديث حسن قال الشيخ الجزري وقال جماعة من الحفاظ الصواب أنه عن علي بن الحسين عن النبي مرسل كذا قاله أحمد وابن معين والبخاري وغيرهم وكذا رواه مالك عن الزهري عن علي بن الحسين ذكره المنذري والله أعلم وعن أنس رضي الله عنه قال توفي رجل من الصحابة فقال رجل أبشره بالجنة فقال رسول الله أو لا تدري بفتح الواو على أنها عاطفة على محذوف أي تبشر ولا تدري أو تقول هذا ولا تدري ما تقول أو على أنها للحال أي والحال أنك


لا تدري وفي نسخة بسكونها وهي رواية فأو عاطفة على مقدر أيضا أي أتدري أنه من أهلها أو لا تدري والمعنى بأي شيء علمت ذلك أو كيف دريت ما لم يدر غيرك فلعله تكلم فيما لا يعنيه أي فيما يضره ولا ينفعه أو يخل بما لا ينقصه أي مما لا يغنيه فيما يجب عليه بذله من العبادات المالية أو المسائل العلمية أو إعطاء الماعون بالعارية والضمير المنصوب للرجل والمرفوع لما قال الغزالي وفي حديث آخر أن النبي فقد كعبا فسأل عنه فقالوا مريض فخرج يمشي حتى أتاه فلما دخل عليه قال أبشر يا كعب فقالت أمه هنيأ لك الجنة يا كعب فقال من هذه المتألية على الله قال هي أمي يا رسول الله قال وما يدريك يا أم


كعب لعل كعبا قال ما لا يعنيه أو منع ما لا يغنيه ومعناه أنه إنما تتهنأ الجنة لمن لا يحاسب ولا يعاقب ومن تكلم فيما لا يعنيه حوسب عليه وإن كان مباحا فلا تتهنأ له الجنة مع المناقشة في الحساب فإنه نوع من العذاب رواه الترمذي ورجاله رجال الصحيحين إلا سليمان بن عبد الجبار البغدادي شيخ الترمذي وقد ذكره ابن حبان في الثقات كذا في التصحيح وقال المنذري رواه الترمذي وقال غريب اه ورواته ثقات وروى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى عن أنس أيضا قال استشهد منا رجل يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت هنيأ لك يا بني الجنة فقال النبي ما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره وروى أبو يعلى أيضا والبيهقي عن أبي هريرة قال قتل رجل على عهد رسول الله شهيدا فبكت عليه أمه وقالت واشهيداه فقال النبي وما يدريك أنه شهيد لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يبخل بما لا ينقصه وفقنا الله لما يعنينا ومن سوى مرضاته يغنينا وعن سفيان بن عبد الله أي ابن ربيعة الثقفي قال المؤلف يكنى أبا عمرو يعد في أهل الطائف له صحبة وكان عاملا لعمر بن الخطاب على الطائف وقال الجزري وقع في بعض نسخ المصابيح سعيد بن عبد الله الثقفي والصواب سفيان بن عبد الله قال قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي ما الأولى استفهامية مبتدأ خبره أخوف وهو اسم تفضيل بني للمفعول نحو أشهد وألوم وأشعل وما الثانية مضاف إليه لأخوف وهي موصولة والعائد محذوف أي أي شيء أخوف أشياء تخاف منها علي وقال الطيبي ما في ما تخاف يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وأن تكون مصدرية على طريقة جد جده وجن جنونه وخشيت خشيته قال أي سفيان فأخذ أي النبي بلسان نفسه الباء زائدة لمزيد التعدية وقال هذا هو مبتدأ أو خبر والمعنى هذا أكثر خوفي عليك منه قال في الأحياء وإنما أسند شدة خوفه على أمته في سائر الأخبار إلى اللسان لأنه أعظم الأعضاء عملا إذ ما من طاعة


ومعصية الأوله فيها مجال فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار ولا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ولا ينجى من شره إلا أن يقيد بلجام الشرع وعلم ما يحمد إطلاق اللسان فيه أو يذم غامض عزيز والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير
لكن على ما يسره الله يسير رواه الترمذي وصححه قال ميرك ورواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله إذا كذب العبد تباعد عنه الملك أي الحفظة وفي بعض النسخ لفظ عنه مؤخر ميلا وهو ثلث الفرسخ أو قطعة من الأرض أو مد البصر وذكره ابن الملك من نتن ما جاء به أي عفونته وهو بفتح النون وسكون التاء في القاموس هو ضد الفرح والمعنى من نتن شيء جاء ذلك الشيء بالنتن أي من نتن الكذب أو جاء العبد به والباء للتعدية رواه الترمذي وفي الجامع الصغير بلفظ إذا كذب العبد كذبة الخ رواه الترمذي وأبو نعيم في الحلية وعن سفيان بن أسد بفتحتين وفي نسخة صحيحة بل هي الأصح أسيد بفتح فكسر فتحتية ساكنة الحضرمي زاد المؤلف في أسمائه الشامي روى عنه جبير بن نفير حديثه في الحمصين ذكره المؤلف في الصحابة وقال أسيد بفتح الهمز وكسر السين وهو الأكثر والثانية بضم الهمزة والثالثة بفتح الهمزة والسين وحذف الياء قال سمعت رسول الله يقول كبرت بضم الموحدة أي عظمت خيانة تمييز إن تحدث أخاك فاعل كبرت قال شارح انثه باعتبار التمييز إذ هو فاعل معنى وقيل بتأويل الخصلة أو الفعلة وقال الطيبي أنت الفعل له باعتبار المعنى لأنه يعني التحديث نفس الخيانة وفيه معنى التعجب كما في قوله تعالى كبر مقتا عند الله الصف الكشاف هذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه فإنه قصد في كبر التعجب من غير لفظه ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن


نظائره وأشكاله اه كلامه والمعنى جناية عظيمة منك إذا حدثت أخاك المسلم حديثا هو لك به مصدق وأنت به أي له كما في رواية كاذب أي بحديث كذب وهو يعتمد عليك ويثق بقولك وظن بك أنك مسلم لا
تكذب فيصدقك والحال أنك كاذب رواه أبو داود وكذا البخاري في الأدب عنه ورواه أحمد والطبراني عن النواس وعن عمار أي ابن ياسر قال قال رسول الله من كان ذا وجهين في الدنيا قيل المراد به من يرى نفسه عند شخص أنه من جملة محبيه وناصحيه وهو يحدث في غيبته بماسويه وقيل المعنى مع كل واحد من عدوين كأنه صديقه ويظن أنه ناصر له ويذم هذا عند ذلك وذلك عند هذا كان له يوم القيامة لسانان من نار رواه الدارمي وكذا رواه أبو داود لكن بلفظ من كان له وجهان الخ وقال ميرك نقلا عن المنذري حديث عما رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه وقال العراقي حديث عمار من كان له وجهان البخاري في كتاب الأدب المفرد وأبو داود بسند حسن وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله ليس المؤمن أي الكامل بالطعان أي عيابا للناس ولا اللعان ولعل اختيار صيغة المبالغة فيها لأن الكامل قل أن يخلو عن المنقصة بالكلية ولا الفاحش أي فاعل الفحش أو قائله وفي النهاية أي من له الفحش في كلامه وفعاله قيل أي الشاتم والظاهر أن المراد به الشتم القبيح الذي يقبح ذكره ولا البذيء بفتح موحدة وكسر ذال معجمة وتشديد تحتية وفي نسخة بسكونها وهمزة بعدها وهو الذي لا حياء له كما قاله بعض الشراح وفي النهاية البذاء بالمد الفحش في القول وهو بذيء اللسان وقد يقال بالهمز وليس بكثير اه فعلى هذا يخص الفاحش بالفعل لئلا يلزم التكرار أو يحمل على العموم والثاني يكون تخصيصا بعد تعميم لزيادة الاهتمام به لأنه متعد وقد يقال عطف تفسير ولا زائدة ويؤيده الرواية الآتية رواه الترمذي أي في جامعه والبيهقي في شعب الإيمان وفي أخرى أي وفي رواية أخرى للبيهقي ولا الفاحش البذيء وقال الترمذي هذا حديث غريب قال ميرك


ورجاله رجال الصحيحين
سوى محمد بن يحيى شيخ الترمذي وثقه ابن حبان والدارقطني وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبخاري في تاريخه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله لا يكون المؤمن أي الكامل لعانا أي كثير اللعن وإن كان قد يتبادر منه أحيانا وفي رواية لا ينبغي للمؤمن أي مطلقا أن يكون لعانا رواه الترمذي وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تلاعنوا بحذف إحدى التاءين بلعنة الله أي لا يلعن بعضكم بعضا فلا يقل أحد لمسلم معين عليك لعنة الله مثلا ولا بغضب الله بأن يقول غضب الله عليك ولا بجهنم بأن يقول لك جهنم أو مأواك وفي رواية ولا بالنار بأن يقول أدخلك الله النار أو النار مثواك وقال الطيبي أي لا تدعوا الناس بما يبعدهم الله من رحمته إما صريحا كما تقولون لعنة الله عليه أو كناية كما تقولون عليه غضب الله أو أدخله الله النار فقوله لا تلاعنوا من باب عموم المجاز لأنه في بعض أفراده حقيقة وفي بعضه مجاز وهذا مختص بمعين لأنه يجوز اللعن بالوصف الأعم كقوله لعنة الله على الكافرين أو بالأخص كقوله لعنة الله على اليهود أو على كافر معين مات على الكفر كفرعون وأبي جهل رواه الترمذي وأبو داود وكذا الحاكم ولفظهم ولا بالنار على ما في الجامع وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول إن العبد إذا لعن شيئا صعدت بكسر العين أي طلعت اللعنة وكأنها تتجسد إلى السماء أي جهة العلو


فتغلق أبواب السماء بصيغة المجهول من الإغلاق لأن غلق الباب لثغة أو لغة رديئة في أغلقه على ما في القاموس نعم يجوز تشديد لامه ومنه قوله تعالى وغلقت الأبواب يوسف دونها أي قدام اللعنة ثم تهبط بكسر الموحدة أي تنزل إلى الأرض أي جهة السفل فتغلق أبوابها أي أبواب طبقاتها دونها أي عند ظهور اللعنة ثم تأخذ يمينا وشمالا أي تميل إلى جهتي اليمين واليسار مما بين السماء والأرض فيمنعان دونها قال ابن الملك صعود اللعنة وهبوطها وأخذها يمينا وشمالا تصوير أن فعله ههنا كالمتردد الذي لا يجد سبيلا فإذا لم تجد مساغا بفتح الميم أي مدخلا وطريقا من ساغ الشراب في الحلق دخل فيه بسهولة رجعت إلى الذي لعن بصيغة المجهول فإن كان أي الملعون لذلك أي لما ذكر من اللعنة أهلا جزاء الشرط محذوف تقديره لحقته ونفذت فيه وإلا أي وإن لم يكن أهلا بأن كان مظلوما رجعت إلى قائلها فإنه المستحق لها وأهلها رواه أبو داود أي وسكت عليه وأقره المنذري ورجاله موثوقون نقله ميرك عن التصحيح وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا نازعته الريح أي جاذبته رداءه فلعنها فقال رسول الله لا تلعنها فإنها مأمورة أي بأمر ما أو المنازعة من خاصيتها ولوازم وجودها إعادة أو فإنها مأمورة حتى بهذه المنازعة أيضا ابتلاء لعباده وهو الأظهر وأنه أي الشأن من لعن شيئا ليس أي ذلك الشيء له أي اللعن بأهل أي بمستحق رجعت اللعنة عليه أي على اللاعن لأن اللعنة وكذا الرحمة تعرف طريق صاحبها رواه الترمذي وأبو داود وكذا ابن حبان في صحيحه ذكره ميرك وعن ابن مسعود رضي الله عنهما قال قال رسول الله لا يبلغني بتشديد


اللام ويخفف وهو نفي بمعنى النهي وفي نسخة بالجزم أي لا يوصلني أحد من أصحابي بيان لأحد عن أحد أي عن قبل أحد منهم أو من غيرهم من المسلمين شيئا أي مما أكرهه وأغضب عليه وهو عام في الأفعال والأقوال بأن شتم أحدا وآذاه أو قال فيه خصلة سوء فإني أحب أن أخرج إليكم أي من البيت وألاقيكم وأنا سليم الصدر أي من مساويكم جملة حالية قال ابن الملك والمعنى أنه يتمنى أن يخرج من الدنيا وقلبه راض عن أصحابه من غير سخط على أحد منهم وهذا تعليم للأمة أو من مقتضيات البشرية رواه أبو داود وعن عائشة رضي الله عنه قالت قلت للنبي حسبك من صفية أي من عيوبها البدنية كذا وكذا كناية عن ذكر بعضها وهو كذا في جميع نسخ المشكاة وقيل هذا تحريف في كتاب المصابيح والصواب حسبك من صفية أنها كذا وكذا تعني أي تريد عائشة بقولها كذا وكذا قصيرة أي كونها قصيرة قال شارح قولها كذا إشارة إلى شبرها قلت الظاهر من تكرار كذا تعدد نعتها فلعلها قالت بلسانها أنها قصيرة وأشارت بشبرها أنها في غاية من القصر فأرادت التأكيد بالجمع بين القول والفعل والله أعلم فقال لقد قلت كلمة أي طويلة عريضة ومرة نتنة عند أرباب الحواس الكاملة لو مزج بصيغة المجهول أي لو خلط بها أي على فرض تجسيدها وتقدير كونها مائعا البحر أي ماؤه لمزجته أي غلبته وغيرته قال القاضي المزج الخلط والتغيير بضم غيره إليه والمعنى أن هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن حاله مع كثرته وغزارته فكيف بأعمال قذرة خلطت بها وقال التوربشتي قد حرفت ألفاظ هذا الحديث في المصابيح والصواب لو مزجت بالبحر لمزجته قال الطيبي قد ورد هذا الحديث كما في المصابيح والمتن في نسخة مصححة من سنن أبي داود ولعل التخطئة من أجل الدراية لا الرواية إذ لا يقال مزج بها البحر بل مزجت بالبحر ويمكن أن يقال إن المزج والخلط يستدعيان الامتزاج والاختلاط وكل من الممتزجين يمتزج بالآخر يعني مع قطع النظر عن الكثرة والقلة


والمائعية والجامدية وإن كان الأصل هو الفصل عند أرباب الفضل ثم قال قال تعالى فاختلط به نبات الأرض يونس قال الكشاف وكان حق اللفظ فاختلط بنبات الأرض ووجه صحته أن كل واحد منهما موصوف بصفة صاحبه على أن هذا التركيب أبلغ لأنه حينئذ من باب عرضت الناقة على الحوض أقول فيه أبحاث أما أولا فينبغي أن تكون الدراية تابعة للرواية فتخطئة المحدثين ليس من شأن أرباب العناية فلا بد من تنبيه نبيه وتوجيه وجيه بعد ثبوت هذا


اللفظ ممن أوتي جوامع الكلم وبدائع الحكم وأما ثانيا فقوله يقال مزجت بالبحر لا مزج بها سببه أنه ينسب القليل إلى الكثير لا عكسه عرفا وعادة وإن جاز لغة فإنه يقال اختلط اللبن بالماء وعكسه تفاضلا وتساويا فنقول في الحديث الشريف إشارة لطيفة إلى أن هذه الكلمة منك ولو كانت صغيرة وقليلة عندك فهي عند الله كبيرة وكثيرة بحيث لو مزج بها البحر بأجناسها وأصنافها وأنواعها ووسعها من طولها وعرضها وعمقها لغلبته وهذا من البلاغة غاية مبلغها وفي البليغ من الزجر نهاية حدها ومنتهاها وأما ثالثا فقول الكشاف في قوله تعالى فاختلط به نبات الأرض الكهف حق اللفظ فاختلط نبات الأرض خطأ فاحش لأنه ليس المعنى على أنه اختلط بالماء نبات الأرض إذ ليس تحته طائل بل الصواب أن الباء للسببية وأن المختلط هو بعض نبات الأرض ببعضه وتوضيحه أن المطر سابق وجوده على تحقق النبات على ما أشار إليه فاء التعقيبية في قوله تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض يونس الآية فكيف يتصور اختلاطهما وأما رابعا فقوله إنه من باب عرضت الناقة على الحوض ممنوع ومدفوع بأن العرض إنما يكون على أرباب التمييز فبهذه القرينة يعرف أن الكلام مقلوب بخلاف ما نحن فيه فإن بكل من الطرفين قابلية الخلط على ما بيناه فإن قلت لعل صاحب الكشاف أراد اختلاط أثر ماء المطر بما ينبت به الأرض من الحبة مثلا قلت الظاهر أن هذا مطمح نظره ومطلع فكره لكنه يرده قوله تعالى فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح الكهف إذ تعقيبيه الأصباح المذكور إنما هو عند حصول اختلاط النبات بعضها ببعض لاحين اختلاط الماء بالحب والنوى كما لا يخفى ومما يدل صريحا على كون الباء للسببية قوله تعالى وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء الأنعام ثم رأيت الكشاف اختار ما اخترناه وحرر ما حررناه حيث قال فالتفت بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضا ثم قال وقيل


نجمع في النبات الماء فاختلط به حتى روى ورف رفيفا وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض ووجه صحته إن كلا من المختلطين موصوف بصفة صاحبه اه كلامه فالاعتراض يحول إلى ما قيل ويتوجه عليه أيضا من جهة تحريره وتوجيهه وتقريره ويبين أن نقل الطيبي محمول على تقصيره ثم لا يخفى ما فيه من الدسيسة الاعتزالية في قوله وحق اللفظ مع سوء الأدب بالنسبة إلى الآية القرآنية والله ولي دينه وناصر نبيه رواه أحمد والترمذي وأبو داود وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله ما كان الفحش أي القبيح


من الكلام في شيء أي في أمر من الأمور إلا شانه أي عيبه الفحش والأظهر أن المراد بالفحش العنف لما في رواية عبد بن حميد والضياء عن أنس أيضا ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شأنه وما كان الحياء في شيء إلا زانه أي زينه قال الطيبي قوله في شيء فيه مبالغة أي لو قدر أن يكون الفحش أو الحياء في جماد لزانه أو شأنه فكيف بالإنسان اه ويمكن أن يكون المراد بشيء شيء يتصور فيه الفحش والحياء فكأنه قال ما كان في أحد رواه الترمذي قال ميرك وإسناده صحيح وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبخاري في الأدب والترمذي وابن ماجه لكن بزيادة قط بعد كل من قوله في شيء وعن خالد بن معدان بفتح ميم وسكون عين فدال مهملتين يكنى أبا عبد الله الشامي الكلاعي من أهل حمص قال لقيت سبعين رجلا من الصحابة وكان من ثقات الشاميين مات بالطرطوس سنة أربع ومائة كذا ذكره المؤلف عن معاذ بضم الميم وهو ابن جبل عند الإطلاق قال قال رسول الله من عير بتشديد التحتية أي وبخ ولام أخاه أي المسلم بذنب أي صدر منه سابقا أو على طريق الشماتة لم يمت حتى يعمله أي مثل ذنبه يعني أي يريد النبي التعيير من ذنب قد تاب منه قال ميرك هذا التفسير منقول عن الإمام أحمد رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل لأن خالدا لم يدرك معاذ بن جبل قلت وكان معاذا ليس من السبعين الذين أدركهم ولعل سببه أنه مات سنة ثماني عشرة وإلا فالمعاصرة تكفي في صحة الاتصال عند الجمهور واعتبارا للقي إنما هو عند البخاري ومن تبعه وفي الإحياء قال أعرابي لرسول الله أوصني فقال عليك بتقوى الله وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه فيه يكن وباله عليه وأجره لك قال العراقي رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد من حديث أبي جري الهجيمي قيل اسمه جابر بن سليم وقيل سليم بن جابر وعن واثلة بكسر المثلثة وهو ابن الأسقع الليثي أسلم والنبي متوجه إلى


تبوك ويقال إنه خدم النبي ثلاث سنين وكان من أهل الصفة ومات ببيت المقدس وهو ابن مائة سنة قال قال رسول الله لا تظهر الشماتة أي الفرح ببلية عدوك لأخيك أي لأجل أخيك المسلم الذي وقع في بلية دينية أو دنيوية بدنية أو مالية فيرحمه الله بالنصب على جواب النهي وفي نسخة بالرفع وهو الملائم لمراعاة السجع في عطف قوله ويبتليك والمعنى يرحمه رغما لأنفك ويبتليك حيث زكيت نفسك ورفعت منزلتك عليه ونحوه قوله في قول من قال لصاحبه والله لا يغفر الله لك أبدا فقال الله تعالى للمذنب أدخل الجنة برحمتي وقال للآخر تستطيع أن تحظر عن عبدي رحمتي الحديث رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وفي الإحياء بلفظ فيعافيه الله ويبتليك قال العراقي أخرجه الترمذي من حديث واثلة بن الأسقع وفي رواية ابن أبي الدنيا فيرحمه الله وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال النبي ما أحب أي ما أود إني حكيت أحدا أي فعل أحد والمعنى ما أحب أن أتحدث بعيب أحد قوليا أو فعليا وإن لي كذا وكذا أي ولو أعطيت كذا وكذا من الأشياء بسبب ذلك الحديث كذا قاله شارح أو حكيت بمعنى حاكيت ففي النهاية أي فعلت مثل فعله يقال حكاه وحاكاه وأكثر ما يستعمل في القبيح المحاكاة قلت فيحمل حكيت على الحسن فيفيد المبالغة قال الطيبي وإن لي كذا وكذا جملة حالية واردة على التتميم والمبالغة أي ما أحب أن أحاكي أحدا ولو أعطيت كذا وكذا من الدنيا اه وفيه أن الأصول المعتمدة على فتح أن والظاهر أنه معطوف على ما سبق من قوله إني والمعنى إني ما أحب الجمع بين المحاكاة حصول كذا وكذا من الدنيا وما فيها بسبب المحاكاة فإنها أمر مذموم قال النووي ومن الغيبة المحرمة المحاكاة بأن يمشي متعارجا أو مطأطأ رأسه أو غير ذلك من الهيئات كما مر رواه الترمذي وصححه وفي الجامع الصغير عنها بلفظ ما أحب أني حكيت إنسانا الخ رواه أبو داود والترمذي وعن جندب مر ذكره رضي الله عنه قال جاء أعرابي أي واحد من الأعراب


وهم سكان البادية من العرب فأناخ راحلته ثم عقلها أي قيدها ثم دخل
المسجد فصلى خلف رسول الله فلما سلم أي من الصلاة أو عليه عليه السلام أتى راحلته فأطلقها ثم ركب ثم نادى أي رفع صوته بقوله اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا فقال رسول الله أتقولون في النهاية أي أتظنون هو أضل أم بعيره أي أجهل ألم تسمعوا إلى ما قال فيه تنبيه على أنه يستحق أن يقال في حقه ما قال قالوا بلى وقال الطيبي أيدور هذا الترديد في ظنكم ولا يقول ما قال إلا جاهل بالله وسعة رحمته حيث يحجر الواسع رواه أبو داود ورجاله رجال الصحيحين إلا أبا عبد الله الجشمي الراوي عن جندب لم يرو له غير أبي داود ولم يتكلم فيه أحد كذا نقله ميرك عن التصحيح وفي الحصن للجزري ومن جملة آداب الدعاء أن لا يتحجر رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه قال ميرك كلهم من حديث أبي هريرة أن أعرابيا دخل المسجد فصلى فيه ثم دعا فقال اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فقال النبي لقد تحجرت واسعا قال صاحب النهاية أي ضيقت ما وسعه الله فخصصت به نفسك دون غيرك وذكر حديث أبي هريرة كفى بالمرء كذبا تمامه أن يحدث بكل ما سمع في باب الاعتصام في الفصل الأول كان الأولى أن يقول في الفصل الأول من باب الاعتصام ثم في تحويله من هذا الباب المناسب له أيضا بل الأنسب فإنه يفيد المعنى الأعم من كون الكذب في حديثه أو في حديث غيره بكل ما سمع من غير تثبت خلاف الصواب كما لا يخفى على أولي الألباب فالاعتذار المتضمن للاعتراض مردود عليه
الفصل الثالث
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إذا مدح الفاسق بأن قال له يا سيد مثلا غضب الرب تعالى أي على المادح واهتز له أي لأجل مدحه وفي رواية لذلك العرش أي وكاد أن يتحرك ويندك من هيبة أثر عظمة سخطه سبحانه


ونظيره قوله تعالى تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا مريم وقال الطيبي اهتزاز العرش عبارة عن وقوع أمر عظيم وداهية دهياء لأن فيه رضا بما فيه سخط الله وغضبه بل يقرب أن يكون كفرا لأنه يكاد أن يفضي إلى استحلال ما حرمه الله تعالى وهذا هو الداء العضال لأكثر العلماء والشعراء والقراء المرائين في زماننا هذا وإذا كان هذا حكم من مدح الفاسق فكيف بمن مدح الظالم وركن إليه ركونا وقد قال تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار هود الكشاف النهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم ومد العين إلى زمرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك ويرحمك أصبحت شيخا كبيرا وقد أنقلتك نعم الله بما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله تعالى لتبيننه للناس ولا تكتمونه آل عمران واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل الغي بدونك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك اتخذوك قطبا يدور عليك رحى باطلهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم يدخلون الشك بك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء فما أيسر ما عمرو لك في جنب ما أخربوا عليك وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا مريم فإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل فداو دينك فقد دخله السقم وهيىء زادك فقد حضر السفر البعيد وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء والسلام رواه البيهقي في شعب الإيمان وكذا رواه أبو


يعلى الموصلي وابن أبي الدنيا في الصمت وإسناده ضعيف ذكره ميرك وكذا رواه ابن عدي عن بريدة وعن أبي أمامة أي الباهلي قال قال رسول الله يطبع المؤمن بصيغة المفعول أي يخلق ويجبل على الخلال أي الخصال زنة ومعنى كلها أي جميع الأخلاق الذميمة لأن الكلام فيها أو الأعم منها إلا الخيانة والكذب بنصبهما أي غيرهما فإن المؤمن يخلق ويجبل على الصدق والأمانة كما هو مقتضى التصديق والإيمان ولذا قال تعالى بصيغة الحصر إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون النحل


أي الكاملون في الكذب أو المجبولون عليه وقال لا إيمان لمن لا أمانة له على ما رواه أحمد والبيهقي عن أنس فما يصدر عن المؤمن من الكذب والخيانة فهو من الأمور العارضة لطبيعته لا من أصل خلقته وجبلته ويمكن أن يراد به المبالغة في نفي المؤمن عنهما قال في النهاية قوله يطبع عليها أي يخلق والطباع ما ركب في الإنسان من جميع الأخلاق التي لا يكاد يزاولها من الخير والشر قال الطيبي وإنما كانت الخيانة والكذب منافيين بحاله فإن الإيمان أفعال من الأمن وحقيقته أمنه التكذيب والمخالفة ولأنه حامل أمانة الله تعالى فينبغي أن يكون أمينا لا خائنا رواه أحمد أي عن أبي أمامة والبيهقي والأظهر ما في نسخة ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن سعد بن أبي وقاص وفي الجامع الصغير يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب رواه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر وعن صفوان بن سليم بالتصغير تابعي كبير روى عن أنس بن مالك ونفر من التابعين وكان من خيار عباد الله الصالحين يقال إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة ويقولون إن جبهته ثقبت من كثرة السجود وكان لا يقبل جوائز السلاطين ومناقبه كثيرة روى عنه ابن عيينة كذا ذكره المؤلف أنه قيل لرسول الله أيكون المؤمن جبانا أي بالطبع أو مطلقا وهو بفتح الجيم وتخفيف الموحدة ضد الشجاع قال نعم أي يكون ولا ينافي الإيمان فقيل له أي لرسول الله أيكون المؤمن بخيلا أي بالطبع كما قال تعالى وكان الإنسان قتورا الإسراء أو بإخراج ما يجب عليه من المال لميله على وجه الكمال قال نعم أي يكون ولا ينافيه مطلق الإيمان أو كماله فقيل أي له أيكون المؤمن كذابا أي كثير الكذب مبالغا فيه أو ذا كذب بحسب الطبع والخلقة قال لا رواه مالك والبيهقي في شعب الإيمان مرسلا قيد لهما


وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل أي أحيانا فيأتي القوم أي جماعة فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون فيقول الرجل منهم سمعت رجلا أعرف وجهه أي رسمه ولا أدري ما اسمه أي ووصفه يحدث أي كذا وكذا وظاهره أنه من حديث رسول الله فإنه من أقبح أنواع الكذب حتى عد كفرا فلهذا يعتني به رئيسهم ويتصور بصورة حسية تقوية للوسوسة الداخلية المعنوية فكان الأنسب إيراده في باب الاعتصام ولا يبعد أن يراد به مطلق خبر الكذب أو ما يتفرع عليه الفساد من نحو البهتان والقذف وأمثالهما والمراد بالشيطان واحد من الجنس قال الطيبي وفيه تنبيه على التحري فيما يسمع من الكلام وأن يتعرف من القائل أهو صادق يجوز النقل عنه أو كاذب يجب الاجتناب عن نقل كلامه على ما ورد كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع رواه مسلم وعن عمران بن حصين بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين وبالنون دوسي خزرجي سمع عائشة وابن عباس وأبا ذر وروى عنه محمد بن سيرين ويحيى بن أبي كثير وغيرهما قال أتيت أبا ذر فوجدته في المسجد محتبيا بكساء أسود وحده أي منفردا ليس أحد عنده فقلت يا أبا ذر ما هذه الوحدة أي التي تورث الوحشة والمعنى ما سببها وباعثها فقال سمعت رسول الله يقول الوحدة خير من جليس السوء بفتح السين وبضم أي السيىء الطالح والجليس الصالح خير من الوحدة يعني والجليس الصالح قليل في هذا الزمان وإملاء الخير خير من السكوت والسكوت خير من إملاء الشر يعني ومما يعين على السكوت العزلة والوحدة في الجامع الصغير رواه البيهقي والحاكم وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله قال مقام الرجل بفتح


الميم وبضم أي ثباته بالصمت أي بمداومة سكوته عن الشر وقال الطيبي أي منزلته عند الله أفضل من عبادة ستين سنة أي مع كثرة الكلام وعدم التثبت في المقام قال الطيبي لأن في العبادة آفات يسلم عنها بالصمت كما ورد من صمت نجا وفي الجامع الصغير رواه الطبراني والحاكم عن عمران لكن لفظه مقام الرجل في الصف في سبيل الله اه ولعل الصمت وقع فيه تصحيف فراجع في الأصول وعن أبي ذر رضي الله عنه قال دخلت على رسول الله فذكر أي أبو ذر أو راويه الحديث بطوله قال الطيبي ولعله أراد مثل ما ذكر في حديث أنس التالي لهذا الحديث وفيه أنه لا دلالة له على هذا مع أنه لو كان هو المراد لجمع بينهما في حديث واحد ثم رأيت الحديث في الجامع الصغير وفيه طول لكن في أثنائه وأواخره على ما سنورده إلى أن قال أي أبو ذر قلت يا رسول الله أوصني قال أوصيك بتقوى الله وهو وصية الله للأولين والآخرين كما قال تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله النساء فإنه أي الاتقاء أو ما ذكر من التقوى أزين أي غاية من الزين ونهاية من الحسن لأمرك أي لأمور دينك الاعتقادي والقولي والعملي بل ولأمور دنياك التي هي معاشك المقتضية لحسن معادك كله لأن التقوى بجميع مراتبها من ترك الشرك الجلي والخفي واجتناب الكبائر والصغائر والاحتراز عن الشبهات والتورع في المباحات والتنزه عن الشهوات والتخلي عن خطور ما سوى الله بالبال من شيم أرباب الكمال في الأحوال قال الطيبي نسب الزينة إلى التقوى كما نسب إليه تعالى اللباس في قوله ولباس التقوى ذلك خير الأعراف بعد قوله خذوا زينتكم عند كل مسجد الأعراف فكما أن السماء مزينة بزينة الكواكب كذلك قلوب العارفين مزينة بالمعارف والتقوى قال تعالى فإنها من تقوى القلوب الحج اه وفيه أنه غير مذكور بعد قوله خذوا زينتكم بل قبله بعد قوله يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا الأعراف قلت زدني أي في الوصية


بالعمل الصالح قال عليك بتلاوة القرآن أي فإنها مجلبة للتقوى ومورثة للدرجات العلى وذكر الله عز وجل تعميم وتتميم فإنه أي ما ذكر لك من التلاوة والذكر ذكر لك في السماء نور لك في الأرض وهو يحتمل أن يكون باعتبار كل واحد
وأن يكون بطريق اللف والنشر المرتب فإن ما بينهما من الفرق كما بين السماء والأرض على ما أشار إليه بقوله فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ويمكن أن يكون ضمير فإنه راجع إلى أقرب مذكور وهو الذكر فيعرف مرتبة التلاوة بالأولى على أن التلاوة مناجاة مع الرب سبحانه وتعالى قلت زدني أي في الوصية بما يعنيني على ما ذكرت قال وفي نسخة فقال عليك بطول الصمت أي بدوامه فإنه مطردة للشيطان أي لرئيسهم أو لجنسهم ويؤيده ما في نسخة للشياطين وعون أي معين لك على أمر دينك أي استقامته قلت زدني قال إياك وكثرة الضحك فإنه أي إكثاره وقيل ما ذكر من كثرة الضحك أو الضحك الكثير يميت القلب وفي نسخة القلوب أي يورث قساوة القلب وهي مفضية إلى الغفلة وليس موت القلب إلا الغفلة عن الذكر ويذهب بنور الوجه أي بهائه وحسنه في قوله سبحانه سيماهم في وجوههم من أثر السجود قلت زدني قال قل الحق وإن كان أي وإن كان قول الحق على النفس أو عند أهل الباطل المتلهين بالحلويات النفسانية مرا أي صعب المذاق وشديد المشاق وأنشد لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا قال الطيبي شبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيمن يأباهما بالصبر فإنه مر المذاق لكن عاقبته محمودة قلت زدني قال لا تخف في الله أي في حقه وطريق عبادته لومة لائم أي ملامة أحد وفيه قطع تعلقه عن الخلق بالكلية فيما يأتي ويذرو ثباته على الحق من غير نظر إلى مذمة الناس ومدحهم قال تعالى وتبتل إليه تبتيلا المزمل وقال الطيبي أي كن صلبا في دينك إذا شرعت في إنكار منكر أو أمر بمعروف أمتن فيه كالمسامير المحماة لا يرعك قول قائل ولا اعتراض معترض اه ولا يخفى أن هذا المعنى فهم من قوله


قل الحق ولو كان مرا والحمل على التأسيس أولى من التأكيد قلت زدني قال ليحجزك بكسر اللام وفتح الياء وسكون الحاء المهملة وضم الجيم وسكون الزاي أي ليمنعك عن الناس أي عيوبهم ما تعلم من نفسك أي من عيوبها كما ورد عن أنس أخرجه الديلمي طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس قال ميرك حديث المتن رواه أحمد والطبراني وابن حبان والحاكم واللفظ له وقال صحيح الإسناد وفي الجامع الصغير روى عبد بن حميد في تفسيره والطبراني في الكبير عن أبي ذر مرفوعا أوصيك بتقوى الله تعالى


فإنه رأس الأمر كله عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض عليك بطول الصمت إلا من خير فإنه مطردة للشيطان عنك وعون لك على أمر دينك إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي أحب المساكين وجالسهم انظر إلى من تحتك ولا تنظر إلى من فوقك فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عندك صل قرابتك وإن قطعوك قل الحق وإن كان مرا لا تخف في الله لومة لائم ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك ولا تجد عليهم فيما تأتي وكفى بالمرء عيبا أن يكون فيه ثلاث خصال أن يعرف من الناس ما يجهل من نفسه ويستحيي لهم مما هو فيه ويؤذي جليسه يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله وفي نسخة أن رسول الله قال يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر أي ظهر المكلف وبدنه أو على ظهر اللسان وأثقل في الميزان قال الطيبي تشبيه للمعقول بالمحسوس في تأتيه بالسهولة كما في قوله كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان قال قلت بلى قال طول الصمت أي المتضمن ليتفكر وحسن الخلق أي المشتمل على الصبر والشكر وهو أعم من المعاملة مع الحق أو الخلق والذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما الباء زائدة أي ما عمل الخلائق عملين مثل عملهما أو عمل بمعنى أتي أي ما أتوا بمثلهما من الأعمال قال ميرك نقلا عن المنذري أخرجه ابن أبي الدنيا والبزار والطبراني وأبو يعلى ورواته ثقات ورواه البيهقي ورواه أبو الشيخ ابن حبان من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله ألا أنبئك بأمرين خفيف أمرهما عظيم أجرهما لم تلق الله عز وجل بمثلهما طول الصمت وحسن الخلق ورواه ابن أبي الدنيا أيضا عن صفوان بن سليم مرسلا قال قال رسول الله ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن الصمت وحسن الخلق وعن عائشة رضي الله عنها قالت مر النبي بأبي بكر وهو يلعن بعض رقيقه فالتفت


أي النبي كما في نسخة إليه أي إلى أبي بكر أو فالتفت أبو بكر إليه فقال أي النبي لعانين وصديقين بتقدير همزة الاستفهام في صدر الكلام أي هل رأيت لعانين
وصديقين أي جامعين بين هاتين الصفتين والعطف لتغاير الصفة ويمكن أن يكون الجمع لإرادة تعظيم الصديق كلا ورب الكعبة قال الطيبي أي هل رأيت صديقا يكون لعانا كلا والله لا تتراءى ناراهما فالواو للجمع أي لا يجتمعان أبدا وفي الكلام معنى التعجب فأعتق أبو بكر يومئذ بعض رقيقه أي كفارة لما صدر عنه من غير شعوره ثم جاء إلى النبي أي للاعتذار فقال لا أعود أي في لعن أحد الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وشيخه بشار بن موسى الخفاف وضعفه الجمهور وكان أحمد حسن الرأي فيه ذكره العراقي روى البيهقي الأحاديث الخمسة في شعب الإيمان وعن أسلم هو مولى عمر بن الخطاب كنيته أبو خالد كان حبشيا اشتراه عمر بمكة سنة إحدى عشر سمع عمر بن الخطاب وروى عنه زيد بن أسلم وغيره مات في ولاية مروان وله مائة وأربع عشرة سنة قال إن عمر دخل يوما على أبي بكر الصديق وهو يجبذ بكسر الموحدة أي يجذب لسانه ويمده ويجره ففي المغرب الجبذ بمعنى الجذب وكلاهما من باب ضرب قال الطيبي وفي النهاية الجبذ لغة في الجذب وقيل هو مقلوب منه اه وفي القاموس الجبذ الجذب وليس مقلوبه بل لغة صحيحة ووهم الجوهري وغيره فقال عمر مه بفتح ميم وسكون هاء اسم فعل بمعنى اكفف وامتنع عن ذلك غفر الله لك دعاء أو إخبار عما سمع في حقه فقال له أبو بكر إن هذا أي اللسان والإشارة للتعظيم أو التحقير أوردني الموارد أي أدخلني المهالك رواه مالك وكذا ابن أبي الدنيا والبيهقي وفي لفظ البيهقي قال إن هذا أوردني شر الموارد أن رسول الله قال ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله ذرب اللسان على حدته كذا نقله ميرك عن المنذري وقال العراقي حديث ابن عمر اطلع على أبي بكر وهو يمد لسانه فقال ما تصنع يا خليفة رسول الله فقال إن هذا أوردني الموارد أن رسول


الله قال ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله اللسان على حدته ابن أبي الدنيا في الصمت وأبو يعلى في مسنده والدارقطني في العلل والبيهقي في الشعب من رواية أسلم مولى عمر وقال الدارقطني إن المرفوع وهم على الدراوردي قال وروي هذا الحديث عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر ولا علة له قال الغزالي وفي الآثار روي عن الصديق أنه كان يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه من الكلام
وكان يشير إلى لسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي قال اضمنوا لي بفتح الميم أي تكلفوا لأجلي ستا أي من الخصال من أنفسكم أي من خصالها أو من أجل منفعتها أضمن لكم الجنة أي دخولها مع الفائزين أو وصولها إلى أعلى درجات المقربين أصدقوا بضم الدال أي تكلموا بالصدق إذا حدثتم أي أخبرتم وأوفوا إذا وعدتم أي وعهدتم وأدوا أي أدوا الأمانة وأعطوا الشهادة إذا ائتمنتم بصيغة المجهول واحفظوا فروجكم أي عن الزنا ونحوه وغضوا أبصاركم بضم الغين أي غموضها عن النظر إلى ما لا يجوز وكفوا أيديكم بضم الكاف وتشديد الفاء أي امسكوا أنفسكم عن الظلم قال ميرك حديث عبادة رواه أحمد وابن أبي الدنيا وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عنه وقال الحاكم صحيح الإسناد اه وقال المنذري المطلب لم يسمع من عبادة وفي الجامع الصغير اضمنوا لي ست خصال أضمن لكم الجنة لا تظالموا عند قسمة مواريثكم وانصفوا الناس من أنفسكم ولا تجبنوا عند قتال عدوكم ولا تغلوا غنائمكم وامنعوا ظالمكم من مظلومكم رواه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعا وعن عبد الرحمن بن غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون على ما ضبطه المغني ونص عليه المؤلف وقال هو أشعري شامي أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم على عهد رسول الله ولم يره ولازم معاذ بن جبل منذ بعثه النبي إلى اليمن إلى أن مات معاذ وكان أفقه أهل الشام روى عن قدماء الصحابة مثل عمر بن الخطاب ومعاذ


بن جبل اه فكان حقه أن يقول في آخر الحديث مرسلا تنبيها على ذلك وأسماء بنت يزيد أي ابن السكن ولم يذكرها المؤلف في الأسماء أن النبي قال خيار عباد الله الذين إذا رؤوا
ذكر الله بصيغة المفعول فيهما أي يتذكر برؤيتهم ذكر الله وفيه إيماء إلى حديث المؤمن مرآة القلوب على أحد معانيه قال الطيبي يحتمل وجهين أحدهما أنهم في الاختصاص بالله بحيث إذا رؤوا خطر ببال من رآهم مولاهم لما فيهم من سيما العبادة وثانيهما أن من رآهم يذكر الله تعالى كما روى ابن الأثير في النهاية عن عمران بن حصين قال قال رسول الله النظر إلى وجه علي عبادة قلت وقد رواه الطبراني والحاكم عن أبي مسعود وعن عمران بن حصين بلفظ النظر إلى علي عبادة ونظيره ما روى أبو الشيخ عن عائشة مرفوعا النظر إلى الكعبة عبادة ثم قيل معناه أن عليا كرم الله وجهه كان إذا برز قال الناس لا إله إلا الله ما أكرم هذا الفتى ما أشجع هذا الفتى ما أعلم هذا الفتى ما أحلم هذا الفتى فكانت رؤيته تحملهم على كلمة التوحيد وشرار عباد الله المشاؤون بصيغة المبالغة للنسبة أي الذين يمشون بالنميمة أي على وجه الفساد كما بينه بقوله المفرقون بين الأحبة الباغون أي الطالبون البراء بفتح الموحدة والراء بمعنى البريء مصدر وصف به للمبالغة ففي القاموس أنت بريء والجمع يربؤون وكفقهاء وكرام وأشراف وأنصباء ورجال وأنا براء منه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث بريء قال الطيبي وهو وقوله العنت منصوبان مفعولان للباغين يقال بغيت فلانا خيرا وبغيتك الشيء طلبته لك وبغيت للشيء طلبته اه وحاصله أن العنت مفعول ثان للباغون وفي رواية للبراء العنت وهو بفتح العين المهملة والنون المشقة والفساد والهلاك والإثم والخطأ والغلط والزنا كل ذلك قد جاء وأطلق العنت عليه والحديث يحتمل كلها فإن الموجود في نسخة صحيحة بضم الموحدة في البراء وهو جمع بريء كما سبق وفي نسخة بضم موحدة وفتح راء وهمزة ممدودة قال النووي في شرح مسلم


هو على وزن فضلاء جمع بريء اه والحديث في الجامع الصغير بلفظ خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم وشرارهم المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البراء العنت رواه البيهقي عن ابن عمر لكن قال المؤلف رواهما أي الحديثين السابقين وسبق الكلام على السابق منهما أحمد والبيهقي في شعب الإيمان وفي الجامع الصغير رواه أحمد عن عبد الرحمن بن غنم والطبراني عن عبادة بن الصامت بلفظ خيار أمتي الذين إذا رؤوا ذكر الله وشرار أمتي المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البراء العنت وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلين صليا صلاة الظهر أو العصر أي


معه وكان صائمين عطف أو حال فلما قضى النبي الصلاة أي فرغ عن أدائها قال أي النبي للرجلين أعيدوا بصيغة الجمع على أن الاثنين أقله بقرينة ما بعده وفي نسخة أعيدا وضوءكما وصلاتكما وامضيا بهمز وصل وكسر ضاد أي أنفذا في صومكما يعني لا تقطعاه بالإفطار عن مضي في أمره إذا نفذ فيه ولم يتوقف واقضياه أي صومكما يوما آخر قال الطيبي وهذا في الصوم ظاهر لقوله تعالى أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا الحجرات وأما في الصلاة فلأنه شرب دم أخيه ولحمه فحمل النجاسة اه وحاصله أن الإتيان بالمعصية قبل الطاعة ينقص كمالها كما أن الحسنة بعد السيئة توجب زوالها فإن قوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات هود ورد فيمن قبل امرأة أجنبية ولعله هنا أظهر الزجر الشديد والتغليظ والوعيد لما يتعلق بالغيبة من حق العباد وربما تذهب العبادة بالكلية حيث يعطى لصاحب الغيبة النافلة الطوية فيبقى المذنب بلا صوم وصلاة فلهذا أمرهما بإعادتهما وقضائه وهذا من قبيل فتوى الخاصة لا من قبيل أحكام العامة وفي مسند الفردوس للديلمي عن ابن عمر مرفوعا الغيبة تنقض الوضوء والصلاة قالا وفي نسخة فقالا لم يا رسول الله أي لأي سبب قال اغتبتم فلانا أي قبل الصلاة وبعد الطهارة ومباشرة الصوم و وعن أبي سعيد وجابر رضي الله تعالى عنهما قالا قال رسول الله الغيبة أشد من الزنا أي أصعب منه لتعلقها بحق العباد ألبتة بخلافه قالوا أي بعض الصحابة ويمكن أن يكون هما المراد بهم وكيف الغيبة أشد من الزنا أي والحال أن الزنا ذنب كبير وقد وقع عليه وعيد كثير وتعلق به الحد والرجم ونحو ذلك قال الطيبي أشد من الزنا مبتدأ على سبيل حكاية قول رسول الله وكيف خبره أي كيف قولك هذا قال إن الرجل ليزني فيتوب أي بينه وبين الله فيتوب الله عليه أي فيقبل توبته ويفقه على ثباته وفي رواية فيتوب فيغفر له له وإن صاحب الغيبة عطف على ما سبق لا يغفر له أي ولو تاب بينه وبين ربه حتى يغفر هاله أي لصاحب


الغيبة
وفي رواية أنس قال صاحب الزنا يتوب أي يتصور منه التوبة أو يتوب غالبا لأنه ذنب عظيم عنده وصاحب الغيبة ليس له توبة أي غالبا لأنه يحسبه هينا وهو عند الله عظيم لكن البلية إذا عمت طابت أو ليس له توبة مستقلة لتوقف صحتها على رضا صاحبها روى البيهقي الأحاديث الثلاثة أي حديث ابن عباس وأبي سعيد وأنس في شعب الإيمان قال ميرك نقلا عن المنذري إن حديث أبي سعيد وجابر رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الغيبة والطبراني في الأوسط وروى البيهقي حديث أنس عن رجل لم يسم عنه ورواه عن سفيان بن عيينة غير مرفوع وهو الأشبه وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله إن من كفارة الغيبة أي بعد تحقق التوبة أن تستغفر أي أنت أيها المخاطب خطابا عاما لمن اغتبته تقول بدل أو بيان أو حال اللهم اغفر لنا أي إذا كانوا جماعة أو لنا معشر المسلمين عموما وله أي لمن اغتبته خصوصا والظاهر أن هذا إذا لم تصل الغيبة إليه وأما إذا وصلت إليه فلا بد من الاستحلال بأن تخبر صاحبها بما قال فيه ويتحللها منه فإن تعذر ذلك فليعزم على أنه متى وجده تحلل منه فإذا حلله سقط عنه ما وجب عليه له من الحق فإن عجز عن ذلك كله بأن كان صاحب الغيبة ميتا أو غائبا فليستغفر الله تعالى والمرجو من فضله وكرمه أن يرضى خصمه من إحسانه فإنه جواد كريم رؤوف رحيم وفي روضة العلماء سألت محمدا فقلت له إذا تاب صاحب الغيبة قبل وصولها إلى المغتاب عنه هل تنفعه توبته قال نعم تنفعه توبته فإنه تاب قبل أن يصير الذنب ذنبا يعني ذنبا يتعلق به حق العبد قال لأنها تصير ذنبا إذا بلغت إليه قلت فإن بلغت إليه بعد توبته قال لا تبطل توبته بل يغفر الله لهما جميعا المغتاب بالتوبة والمغتاب عنه بما لحقه من المشقة قلت أو بما حصل له من المغفرة قال لأنه كريم ولا يحمل كرمه رد توبته بعد قبولها بل يعفو عنهما جميعا قلت فيه إنه يحتمل أن يكون قبل توبته موقوفا على عدم تحقق وصولها إليه وحصول مشقته والله


أعلم وقال الفقيه أبو الليث قد تكلم الناس في توبة المغتابين هل تجوز من غير أن يستحل من صاحبه قال بعضهم تجوز وقال بعضهم لا تجوز وهو عندنا على وجهين أحدهما إن كان ذلك القول قد بلغ إلى الذي اغتابه فتوبته أن يستحل منه وإن لم يبلغ فيستغفر الله ويضمر أن لا يعود لمثله اه وهل يكفيه أن يقول اغتبتك فاجعلني في حل أم لا بد أن يبين ما اغتاب قال بعض علمائنا في الغيبة لا يعلمه بها بل يستغفر الله له إن علم أن إعلامه يثير فتنة ويدل عليه ما هو المقرر في الأصول أن الإبراء عن الحقوق المجهولة جائز عندنا ثم اعلم أنه يستحب لصاحب الغيبة أن يبرئه منها ليخلص أخاه من المعصية ويفوز هو بعظيم ثواب الله في العفو وفي القنية تصافح الخصمين لأجل العذر استحلال وقال النووي رأيت في فتاوى الطحاوي أنه يكفي الندم والاستغفار إلى الغيبة وإن بلغت فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه فإن تعذر لموته أو لغيبته البعيدة استغفر الله تعالى ولا اعتبار بتحليل الورثة وإذا اغتاب أحدا فهل يكفي أن يقول قد اغتبتك فاجعلني في حل أم لا بد أن يبين ما اغتابه به فيه وجهان لأصحاب الشافعي أحدهما يشترط فإن أبرأه من غير بيانه لم يصح كما لو أبرأه عن مال مجهول وثانيهما لا يشترط لأن هذا مما يتسامح فيه بخلاف المال والأول أظهر لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن غيبة دون غيبة وقال الشيخ أبو حامد سبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء عليه والتودد إليه ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة محسوبة له فتقابل بها سيئة الغيبة في القيامة رواه البيهقي في الدعوات الكبير اسم كتاب له وقال في هذا الإسناد ضعف قلت وما يضر فإن فضائل الأعمال يكفيها الحديث الضعيف للعمل والله أعلم ثم رأيت في الجامع الصغير ما يعضده وهو ما رواه ابن أبي الدنيا في الصمت عن أنس أيضا ولفظه كفارة من اغتبت أن تستغفر له


باب الوعد
الوعد يستعمل في الخير والشر يقال وعدته خيرا ووعدته شرا فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير الوعد والعدة وفي الشر ألا يعاد والوعيد ومنه قول القائل وأني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف ميعادي ومنجز موعدي
الفصل الأول
عن جابر رضي الله تعالى عنه قال لما مات رسول الله وجاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته وهو بفتح العين واسمه عبد الله من حضرموت وكان عامل رسول الله على البحرين وأقره أبو بكر وعمر رضي الله عنهما عليها إلى أن مات العلاء سنة أربع عشرة روى عنه السائب بن يزيد وغيره فقال أبو بكر من كان له على النبي دين أو كانت له قبله بكسر ففتح أي عنده عدة بكسر فتخفيف دال أي وعد فليأتنا قال الأشرف وغيره من علمائنا فيه استحباب قضاء دين الميت وإنجاز وعده لمن يخلفه بعده وأنه يستوي فيه الوارث والأجنبي اه وفيه إشعار بأن الوعد ملحق بالدين كما ورد عنه العدة دين على ما رواه الطبراني في الأوسط عن علي وابن مسعود قال جابر فقلت وعدني رسول الله أن يعطيني هكذا وهكذا أي ثلاثا وفي نسخة مرتين والأول هو الظاهر لقوله فبسط يديه ثلاث مرات بيانا لهكذا قال جابر فحثا لي حثية أي فملأ أبو بكر كفيه من الدراهم وصبها في ذيلي فعددتها أي ما فيها فإذا هي خمسمائة وقال خذ مثليها أي مثلي ما في الحثية من العدد لئلا يزيد ولا ينقص متفق عليه


الفصل الثاني
عن أبي جحيفة بضم جيم فحاء مهملة مفتوحة فياء ساكنة بعدها قال المؤلف ذكر أن النبي توفي ولم يبلغ الحلم لكنه سمع منه وروى عنه مات بالكوفة سنة أربع وسبعين روى عنه ابنه عوف وجماعة من التابعين قال رأيت رسول الله أبيض أي أبيض اللون مائلا إلى الحمرة ومنه قوله لعائشة يا حميراء قد شاب أي بعض لحيته أو ظهر فيه شيب وكان الحسن بن علي يشبهه والمشهور أنه شبيهه في النصف الأعلى والحسين في النصف الآخر وأمر لنا أي لأجلنا أو لإعطائنا وهو كذا في جامع الأصول


وفي سائر نسخ المصابيح أمر له والأول أنسب لاتفاق الضمائر التالية بثلاثة عشر قلوصا بفتح فضم أي ناقة شابة فذهبنا نقبضه أي فشرعنا في الذهاب إلى المأمور لنقبض العطاء المذكور فأتانا موته أي خبر موته بالقدر المقدور فلم يعطونا شيئا فيه دليل على أن الهبة والعطية والصدقة لا تملك إلا بالقبض فلما قام أبو بكر أي خطيبا أو قام بأمر الخلافة قال من كان له عند رسول الله عدة فليجيء أي فليأت إلينا فإن وفاءه علينا ولعل الاكتفاء بها وعدم ذكر الدين هنا لأنه يلزم منها بالأولى ويمكن أن يكون اقتصارا من الراوي لا سيما وكلامه في العدة فقمت إليه أي متوجها فأخبرته أي بما سبق فأمر لنا بها أي بالقلوص الموعودة رواه الترمذي قال في جامع الأصول اتفق البخاري ومسلم والترمذي على الفصل الأول من حديث أبي جحيفة واتفق البخاري والترمذي على الفصل الثاني وانفرد الترمذي بذكر أبي بكر وإعطائه إياهم كذا قاله الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح قال ميرك ولذا قال المؤلف في آخر مجموع الحديث رواه الترمذي وعن عبد الله ابن الحمساء بفتح الحاء المهملة وإسكان الميم وبالسين المهملة ذكره الشيخ الجزري في التصحيح وهو كذلك في القاموس وزاد المغني وهو بالمد قال بايعت النبي أي بعت منه بمعنى اشتريت فهو من البيع لا من المبايعة فإنه الطيبي وفيه أنه غير مستقيم بحسب القاعدة الصرفية فالظاهر أنه محمول على بيع المقابضة والمعاوضة فتكون الصيغة من المفاعلة على بابه قبل أن يبعث أي للرسالة وبقيت له أي للنبي بقية أي شيء من ثمن ذلك المبيع فوعدته أن آتيه بها أي أجيئه بتلك البقية في مكانه أي المعين أو النسبي فنسيت أي ذلك الوعد فذكرت بعد ثلاث أي ثلاث ليال فجئت ذلك المكان فإذا هو أي النبي ينتظرني في مكانه أي في ذلك المكان أو في مكانه الموعود وفاء بما وعد من لزوم المكان حتى أجيئه بما بقي من الثمن وفيه إرشاد إلى ندب تصديق الوعد والوفاء بالعهد فقال لقد شفقت بقافين


أي حملت المشقة علي وأوصلتها إلي أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك وكان انتظاره لصدق وعده لا لقبض ثمنه قال الطيبي واعلم أن الوعد أمر مأمور الوفاء به في جميع الأديان حافظ عليه الرسل المتقدمون قال تعالى وإبراهيم الذي وفى النجم ومدح ابنه إسماعيل يعني جد
نبينا عليهم السلام بقوله عز وجل أنه كان صادق الوعد مريم يقال إنه وعد إنسانا في موضع فلم يرجع إليه فأقام عليه حتى حال الحول قلت وذلك بحوله وقوته رواه أبو داود وعن زيد بن أرقم يكنى أبا عمر والأنصاري الخزرجي سكن الكوفة ومات بها سنة ثمان وسبعين وهو ابن خمس وثمانين روى عنه عطاء بن يسار وغيره عن النبي قال إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي بفتح فكسر وأصله أن يوفي له أي للرجل فلم يف أي بعذر ولم يجىء للميعاد أي لمانع فلا إثم عليه قال الأشرف هذا دليل على أن النية الصالحة يثاب الرجل عليها وإن لم يقترن معها المنوي وتخلف عنها اه ومفهومه أن من وعد وليس من نيته أن يفي فعليه الإثم سواء وفى به أو لم يف فإنه من أخلاق المنافقين ولا تعرض فيه لمن وعد ونيته أن يفي ولم يف بغير عذر فلا دليل لما قيل من أنه دل على أن الوفاء بالوعد ليس بواجب إذ هو أمر مسكوت عنه على ما حررته وسيجيء بسط الكلام على هذا المرام في آخر باب المزاح رواه أبو داود والترمذي وعن عبد الله بن عامر قال المؤلف قرشي خال عثمان بن عفان ولد على عهد رسول الله فأتى به فتفل عليه وعوذه ورأى النبي وله ثلاث عشرة سنة وقيل إنه لم يرو عن النبي شيئا ولا حفظ عنه ومات سنة تسع وخمسين ولاه عثمان البصرة وخراسان وأقام عليها إلى أن قتل عثمان فلما أفضى الأمر إلى معاوية رد إليه ذلك وكان سخيا كريما كثير المناقب وهو افتتح خراسان وقتل كسرى في ولايته ولم يختلفوا أنه افتتح أطراف فارس وعامة خراسان وأصفهان وكرمان وحلوان وهو الذي شق نهر البصرة قال دعتني أمي يوما أي نادتني وطلبتني وأنا صغير ورسول الله قاعد في بيتنا الجملة


حالية فقالت ها للتنبيه أو اسم فعل بمعنى خذ فقولها تعال بفتح اللام بلا ألف تأكيد أعطيك أي أنا
فهو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وفي نسخة اعطك بغير ياء على أنه مجزوم قال الطيبي هو بالجزم في بعض نسخ المصابيح جوابا للأمر وفي بعضها بإثبات الياء وهو لرواية في سنن أبي داود وشعب الإيمان على أنه استئناف كقوله تعالى فهب لي من لدنك وليا يرثني مريم بالرفع اه وفي الآية الوجهان متواتران على أنه يمكن أن الياء حصل من الإشباع فلا ينافي الجزم على أن إثبات الياء في المجزوم لغة كقوله تعالى إنه من يتقي ويصبر يوسف ونحوه كثير فقال لها رسول الله ما أردت أي شيء أنويت أن تعطيه بسكون التحتية لأن الصيغة للمخاطبة وعلامة نصبها حذف النون ووقع في أصل السيد وبعض النسخ هيا بفتح الياء وهو من زلة القلم أو زلقة القدمة قالت أردت أن أعطيه تمرا أي واحدا أو شيئا من التمر فإنه اسم جنس قال الطيبي قوله فقال لها ما أردت أن تعطيه قالت أردت أن أعطيه تمرا ليس في المصابيح فكأنه سقط من النساخ والله أعلم فقال لها رسول الله أما بالتخفيف للتنبيه إنك لو لم تعطيه بالياء فإنها ضمير الكلمة لا لامها أي لو لم تنوي بإعطائه شيئا كتبت عليك كذبة بفتح الكاف وسكون الذال أي مرة من الكذب وفي بعض النسخ بكسر فسكون أي نوع من الكذب وأما ما في بعض النسخ المصححة على زعم صاحبه من ضبطه بفتح الكاف وكسر الدال فغير صحيح لما سبق تحقيقه من نقل اللغة وكلام الأئمة فكأنه غير كلام ابن الملك حيث قال بفتح الكاف ثم السكون وبفتحهما مع كسر الذال والباء الموحدة اه وهو غير صحيح لأن الفتح مع كسر الذال لم يوجد مع التاء لغة وقد نص النووي أن الذال ساكنة فيهما فكلام ابن الملك مخالف للرواية والدراية رواه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان
الفصل الثالث


عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله قال من وعد رجلا أي مثلا والمعنى أن الرجل وعده أيضا في مكان وزمان معينين فلم يأت أحدهما إلى وقت الصلاة أي قيامها وقد أتى الآخر وذهب الذي جاء ليصلي فلا اثم عليه أي على الجائي لوعده والذاهب لصلاته في غيبته لحضور الصلاة لأنه من ضرورات الدين والظاهر أنه كذلك إذا ذهب لضرورات أمر البدن من أكل وشرب وقضاء حاجة ونحوها رواه رزين


باب المزاح
بضم الميم ويكسر قال شارح المزاح بالضم اسم المزاح بالكسر وقيل بالضم اسم من مزح يمزح وبالكسر مصدر مازح وفي القاموس مزح كمنع مزحا ومزاحه ومزاحا دعب ومازحه ممازحة ومزاحا بالكسر وتمازحا ثم المزاح إنبساط مع الغير من غير إيذاء فإن بلغ الإيذاء يكون سخرية ثم اعلم أنه ورد عنه لا تمار أخاك ولا تمازحه وأخرجه الترمذي في جامعه من حديث ابن عباس وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال الجزري إسناده جيد فقد رواه زياد بن أيوب عن عبد الرحمن بن محمد البخاري عن ليث بن أبي سليم عن عبد الملك بن أبي بشر عن عكرمة عن ابن عباس وهذا إسناد مستقيم وليث بن أبي سليم وإن كان فيه ضعف من قبل حفظه فقد روى له مسلم مقرونا وكان عالما ذا صلاة وصيام ذكره ميرك والحديث له تتمة على ما في الجامع الصغير وهي لا تعده موعدا فتخلفه والحديث سيأتي في أصل الكتاب قال النووي اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله يفعله على الندرة لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته وهو سنة مستحبة فاعلم هذا فإنه مما يعظم الاحتياج إليه اه وقال الحنفي لكن لا يلائمه ما روي عن عبد الله بن الحارث قال ما رأيت أحدا أكثر مزاحا من رسول الله قلت يلائمه من حيث إن غيره ما كان يتمالك من نفسه مثله فكأن ترك المزاح بالنسبة إلى غيره أولى وقد روى الترمذي في الشمائل عن أبي هريرة قال قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال إني لا أقول إلا حقا والمعنى لا يقاس الملوك بالحدادين والحاصل أن غيره داخل تحت نهيه إلا إذا كان متمكنا في الاستقامة على حده وعدم العدول عن جادته


الفصل الأول
عن أنس رضي الله عن قال إن مخففة من المثقلة واسمها ضمير الشأن أي إنه كان النبي ليخالطنا بفتح اللام وتسمى لام المفارقة وفي نسخة للشمائل ليخاطبنا والمعنى ليخالطنا غاية المخالطة ويعاشرنا نهاية المعاشرة ويجالسنا ويمازحنا حتى يقول لأخ لي أي من أمي وأبوه أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري صغير يا أبا عمير بالتصغير واسمه كبشة ما فعل بصيغة الفاعل أي ما صنع النغير بضم ففتح تصغير نفر بضم النون وفتح الغين المعجمة طائر يشبه العصفور أحمر المنقار وقيل هو العصفور وقيل هو الصعو صغير المنقار أحمر الرأس وقيل أهل المدينة يسمونه البلبل والمعنى ما جرى له حيث لم أره معك وفي هذا تسلية له على فقده بموته بينه بقوله كان له نغير يلعب به فمات أي النغير وحزن الولد لفقده على عادة الصغار قال الطيبي حتى غاية قوله يخالطنا وضمير الجمع لأنس وأهل بيته أي انتهت مخالطته لأهلنا كلهم حتى الصبي وحتى الملاعبة معه وحتى السؤال عن فعل النغير وفي مسلم أنه كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه إلا أم سليم فإنه كان يدخل عليها وأم سليم أم أنس بن مالك وقال الراغب الفعل التأثير من جهة مؤثرة والعمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد وهو أخص من الفعل لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها بغير قصد وقد ينسب إلى الجمادات اه كلامه فالمعنى ما حاله وشأنه ذكره الطيبي ولو روي بصيغة المفعول لكان له وجه وجيه وتنبيه نبيه وصار المعنى ما فعل به وفي شرح السنة فيه فوائد منها أن صيد المدينة مباح بخلاف صيد مكة قلت لو ثبت هذا لارتفع الخلاف في أن المدينة لها حرم أم لا لكن للشافعية أن يقولوا ليس نص في الحديث على أنه من صيد المدينة لاحتمال أنه صيد من خارجها وأدخل فيها وحينئذ لا يضر فإن الصيد لو أخذ خارج مكة ثم أدخل في الحرم وذبح كان حلالا عندهم فكذا هذا والله أعلم قال وإنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به من


غير أن يعذبه قلت هذا فرع آخر على المسألة السابقة إذ لو ثبت حرمية المدينة لوجب إرسال الصيد إن أخذ منها وكذا عندنا بعد دخوله في حرم مكة قال وإباحة تصغير الأسماء قلت لأنه مبني على اللطف والشفقة لا سيما وفيه مراعاة السجع وهو مباح الكلام إذا لم يكن مقرونا بالتكلف قال وإباحة الدعابة ما لم يكن اثما قلت بل استحبابه إذا كان تطييبا ومطايبة قال وجواز تكنى الصبي ولا يدخل ذلك في باب الكذب قلت لأنه قصد به التفاؤل قال وقد نقل عن الشيخ نجم الدين الكبير غير ذلك من الفوائد وهي أن يجوز للرجل أن يدخل في بيت فيه امرأة أجنبية إذا أمن على نفسه الفتنة قلت فيه بحث لأنه إن أراد جواز الخلوة مع الأجنبية فهو لا يجوز بالإجماع وإن أراد الدخول عليها مع وجود غيرها فهو أمر ظاهر لا شبهة في جوازه حتى مع عدم الأمن عن الفتنة أيضا كما في مسألة تحمل الشهادة ونحوها وليس في الحديث دلالة على الخلوة مع أنها لو ثبت لكان جوازه من خصوصياته مع كونه معصوما مع أنه أب للأمة وليس لغيره ذلك ولو كان وليا فإن الحفظ مرتبة دون العصمة ولذا لما سئل الجنيد أيزني العارف فأطرق رأسه مليا ثم قال وكان أمر الله قدرا مقدورا وإنما أطلت هذا المبحث لئلا يتعلق به بعض الزنادقة والملأحدة والمباحية مع أنا لا نشك في جلالة الشيخ قدس سره حيث أثر نظره في الكلب قال وأن يجوز للرجل أن يسأل عما هو عالم به تعجبا منه قلت هذا يتوقف على تقدم علمه بموت النغير لاحتمال صدور هذا القول بمجرد فقده وهو أعم من حصول موته قال وفيه كمال خلق النبي وإن رعاية الضعفاء من مكارم الأخلاق ويستحب استمالة قلوب الصغار وإدخال السرور في قلوبهم قلت كيف لا وقد قال تعالى في وصفه الكريم في كلامه القديم وإنك لعلى خلق عظيم القلم متفق عليه
الفصل الثاني


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قالوا يا رسول الله أي بعض الصحابة إنك تداعبنا من الدعابة أي تمازحنا وكأنهم استبعدوه منه فلذلك أكدوا الكلام بأن وباللام أيضا ما في بعض النسخ من قوله لتداعبنا والأظهر أن منشأ سؤالهم أنه نهاهم عن المزاح كما قدمناه قال إني لا أقول إلا حقا أي عدلا وصدقا ولا كل أحد منكم قادر على هذا الحصر لعدم العصمة فيكم رواه الترمذي
وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا قيل وكان به بله استحمل رسول الله أي سأله الحملان والمعنى طلبه أن يحمله على دابة والمراد به أن يعطيه حملة يركبها فقال إني حاملك على ولد ناقة قاله مباسطا له بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك فقال أي يا رسول الله كما في الشمائل ما أصنع بولد الناقة حيث توهم أن الولد لا يطلق إلا على الصغير وهو غير قابل للركوب فقال رسول الله هل تلد الإبل أي جنسها من الصغار والكبار إلا النوق بضم النون جمع الناقة وهي أنثى الإبل والمعنى أنك لو تدبرت لم تقل ذلك ففيه مع المباسطة له الإشارة إلى إرشاده وإرشاد غيره بأنه ينبغي لمن سمع قولا أن يتأمله ولا يبادر إلى رده إلا بعد أن يدرك غوره رواه الترمذي وأبو داود وعنه أي عن أنس رضي الله عنه أن النبي قال له يا ذا الأذنين معناه الحض والتنبيه على حسن الاستماع لما يقال له لأن السمع بحاسة الاذن ومن خلق الله له الأذنين وغفل ولم يحسن الوعي لم يعذر وقيل إن هذا القول من جملة مداعباته ولطيف أخلاقه قاله صاحب النهاية وقال شارح الأظهر أنه حمده على ذكائه وفطنته وحسن استماعه ويحتمل أنه قال ذلك على سبيل الانبساط إليه والمزاح معه قلت لا منافاة بينهما حتى يجعل قولان في معناه فإن مزحه الصوري اللفظي لا ينفك عن مزح حقه المعنوي على أنه يمكن أن يكون في أذنه نوع طول أو قصر أو قصور فأشار بذلك رواه أبو داود والترمذي وعنه أي عن أنس رضي الله عنه عن النبي قال لامرأة عجوز بفتح أوله وأما العجوز بالضم فهو الضعف وفي


القاموس ولا تقل عجوزة أو هي لغة ردئية ثم قيل هي صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام عمة النبي وسيأتي أنها غيرها ويمكن
الجمع بتعدد الواقعة والله أعلم أنه أي الشأن لا تدخل الجنة عجوز فقالت وما لهن أي وأي مانع للعجائز من دخولها وهن من المؤمنات أي الداخلات في عموم المؤمنين من أهل الجنة وكانت تقرأ القرآن أي ولذا سألته مستغربة لمعنى كلامه فقال لها أما تقرئين القرآن أي وقد قال تعالى إنا أنشأناهن إنشاء الضمير لما دل عليه سياق السباق في الآية وهو فرش مرفوعة والمراد النساء أي أعدنا إنشاءهن إنشاء خاصا وخلقناهن خلقا غير خلقهن فجلعناهن أبكار أي عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا وفي الحديث هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز خلقهن الله بعد الكبر فجعلن عذارى متعشقات على ميلاد واحد أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة ومن يكون لها أزواج فتختار أحسنهم خلقا الحديث في الطبراني والترمذي مطولا رواه رزين أي بهذا اللفظ الذي ذكر في المشكاة وفي شرح السنة أي للبغوي بإسناده بلفظ المصابيح وهو روى أنه قال لعجوز إن الجنة لا يدخلها العجز بضمتين جمع عجوز ذكره شارح فولت تبكي قال أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى قال إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا الواقعة اه ورواه الترمذي في الشمائل عن الحسن البصري مرسلا قال أتت عجوز النبي فقالت يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة فقال يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز قال فولت تبكي فقال أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى يقول إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا الواقعة وفي نسخة زيادة عربا أترابا الواقعة والعرب بضمتين ويسكن الثاني جمع عروب كرسل ورسول أي عواشق ومتحببات إلى أزواجهن وقيل العروب الملقة والملق الزيادة في التودد ومنه التملق وقيل الغنجة والغنج في الجارية تكسر وتدلل وقيل الحسنة الكلام والأتراب المستويات في السن والمراد


هنا بنات ثلاثين أو ثلاث وثلاثين كأزواجهن على ما في المدارك وهذا أكمل أسنان أبناء الدنيا وقد أخرج أبو الشيخ ابن حبان في كتاب أخلاق النبي من طريق محمد بن عثمان بن كرامة حدثنا عبيد الله بن موسى عن حسن عن ليث عن مجاهد قال دخل النبي على عائشة وعندها عجوز فقال من هذه قالت هي عجوز من أخوالي فقال النبي إن العجز لا يدخلن الجنة فشق ذلك على المرأة فلما دخل النبي قالت له عائشة فقال إن الله عز وجل ينشئهن خلقا غير خلقهن وأخرج ابن الجوزي في كتاب الوفاء من طريق الزبير بن بكار قال حدثني رجل حدثنا الفضل بن خالد النحوي ثنا خارجة بن مصعب عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس إن عجوز أدخلت على رسول الله فسألته عن شيء فقال لها ومازحها إنه لا يدخل الجنة عجوز فخرج النبي إلى


الصلاة فبكت بكاء شديدا حتى رجع النبي فقالت عائشة يا رسول الله إن هذه المرأة تبكي لما قلت لها إنه لا يدخل الجنة عجوز فضحك وقال أجل لا يدخل الجنة عجوز ولكن قال الله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا وهن العجائز الرمص قال ميرك هو جمع الرمصاء والرمص وسخ العين يجتمع في الموق هذا وجعل بعض المفسرين ضمير أنشأناهن للحور العين على ما يفهم من السياق أيضا فالمعنى خلقناهن من غير توسط ولادة ثم يحتمل أن المراد ثم ربيناهن حتى وصلن لحد التمتع ويحتمل وهو الظاهر أنهن خلقن ابتداء كاملات من غير تدريج في التربية والسن لكن وجه المطابقة بين الحديث والآية غير ظاهر على هذا فالصواب أن يجعل الضمير إلى نساء الجنة بأجمعهن وحاصله إن أهل الجنة كلهم أنشأهم الله تعالى خلقا آخر يناسب الكمال والبقاء والدوام وذلك يستلزم كمال الخلق وتوفر القوى البدنية وانتفاء صفات النقص عنها والله سبحانه أعلم وعنه أي عن أنس رضي الله عنه أن رجلا من أهل البادية في الاستيعاب أنه كان حجازيا يسكن البادية وقال ابن حجر أشجعي شهد بدرا كان اسمه زاهر بن حرام أي ضد حلال ولم يذكره المؤلف في أسمائه وكان يهدي بضم الياء وكسر الدال للنبي أي لأجله أو إليه وفي الشمائل إلى النبي هدية من البادية أي حاصلة مما يوجد في البادية من الثمار والنبات والرياحين والأدوية ونحوها فيجهزه رسول الله بتشديد الهاء وفي نسخة بالتخفيف على ما في الشمائل أي يعدله ويهيىء له أسبابه ويعوضه ما يحتاج إليه في البادية من أمتعة البلدان إذا أراد أي زاهر أن يخرج أي من المدينة إلى البادية فقال النبي إن زاهرا باديتنا أي ساكن باديتنا أو صاحبها أو أهلها وفي بعض نسخ الشمائل بادينا من غير تاء والبادي المقيم بالبادية ومنه قوله تعالى سواء العاكف فيه والباد الحج وهو في المعنى أظهر من الأول ونحن حاضروه من الحضور وهو الإقامة في المدن والقرى قال الطيبي معناه أنا نستفيد من


ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع النباتات ونحن نعد له ما يحتاج إليه من البلد اه وصار المعنى كأنه باديته وقيل تاؤه للمبالغة وقيل من إطلاق اسم المحل على الحال وكان النبي يحبه أي حبا شديدا وكان مع حسن سيرته رجلا دميما بالدال المهملة أي قبيح المنظر كريه الصورة فأتى النبي بالرفع أي فجاءه أو مر عليه النبي يوما وهو أي زاهر يبيع متاعه أي في سوق أو فضاء
فاحتضنه وفي الشمائل بالواو أي أخذه من حضنه وهو ما دون الابط إلى الكشج من خلفه أي من جهة ورائه وحاصله أنه عانقه من خلفه بأن أدخل يديه تحت إبطي زاهر وأخذ عينيه بيديه لئلا يعرفه وقيل معناه أنه أخذ من عقبه من غير أخذ عينيه ذكره النووي وهو لا يبصر جملة حالية وفي الشمائل ولا يبصر وفي نسخة ولا يبصره فقال أرسلني أي أطلقني من هذا أي المعانق وفي الشمائل من هذا أرسلني فالتفت أي زاهر فرآه بطرف عينه فعرف النبي فجعل أي شرع وطفق لا يألو بسكون الهمز ويبدل وضم اللام أي لا يقصر ما ألزق ظهره وفي الشمائل ما ألصق بالصاد وهو بمعناه وما مصدرية منصوبة المحل على نزع الخافض أي في إلزاق ظهره بصدر النبي أي تبركا حين عرفه قيل ذكره ثانيا اهتماما بشأنه وتنبيها على أن منشأ هذا الإلزاق ليس إلا معرفته وجعل بالواو وفي الشمائل فجعل النبي يقول من يشتري العبد وفي بعض نسخ الشمائل هذا العبد ووجه تسميته عبدا ظاهر فإنه عبد الله ووجه الاستفهام عن الاشتراء الذي يطلق لغة على مقابلة الشيء بالشيء تارة وعلى الاستبدال أخرى أنه أراد من يقابل هذا العبد بالإكرام أو من يستبدله مني بأن يأتين بمثله ويمكن أن يكون من قبيل التجريد والمعنى من يأخذ هذا العبد فقال يا رسول الله إذا بالتنوين جواب وجزاء أي أن بعثني أو عرضتني للبيع أو الأخذ إذا والله تجدني كاسدا أي رخيصا أو غير مرغوب فيه وفي بعض نسخ الشمائل إذا تجدني والله كاسدا بتأخير كلمة القسم عن الفعل أي متاعا كاسدا لما فيه من الدمامة وتجد


بالرفع في أكثر النسخ وفي بعضها بالنصب وهو ظاهر فإنه نحو إذا والله نرميهم بحرب ولعل وجه الرفع هو أن يراد بالفعل معنى الحال دون الاستقبال قال ميرك وفي بعض نسخ الشمائل تجدوني بلفظ الجمع ويحتاج إلى تكلف قلت صيغة الجمع قد تأتي للتعظيم فيكون الضمير له أو له ولأصحابه فقال النبي لكن عند الله لست بكاسد تقديم الظرف على متعلقه وعامله للاهتمام والاختصاص وفي الشمائل أو قال أنت عند الله غال والشك من الراوي ولا يبعد أن يكون أو بمعنى بل وفي نسخة لكن عند الله غال وفيه زيادة منقبة لا تخفى رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بإسناده وكذا الترمذي في الشمائل وابن حبان وصححه هذا ونظير هذا الحديث ما روى أبو يعلى أن رجلا كان يهدي إليه العكة من السمن أو العسل فإذا طولب بالثمن جاء بصاحبه فيقول للنبي اعطه متاعه أي


ثمنه فما يزيد على أن يتبسم ويأمر به فيعطي وفي رواية أنه كان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى ثم جاء بها فقال يا رسول الله هذا هدية لك فإذا طالبه صاحبه بثمنه جاء به فقال اعط هذا الثمن فيقول ألم تهده لي فيقول ليس عندي فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه قلت فكأنه رضي الله عنه من كمال محبته للنبي كلما رأى طرفة أعجبت نفسه اشتراها وآثره بها وأهداها إليه على نية أداء ثمنها إذا حصل لديه فلما عجز وصار كالمكاتب رجع إلى مولاه وأبدى له صنيع ما أولاه فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فترجع المطالبة إلى سيده ففعله هذا حق ممزوج بمزاج صدق والله أعلم وعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال المؤلف أول مشاهده خيبر وكان مع راية أشجع يوم الفتح سكن الشام ومات بها سنة ثلاث وسبعين روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين قال أتيت رسول الله وهو في قبة أي خيمة صغيرة من أدم بفتحتين أي جلد فسلمت أي سلام الاستئذان أو سلام الملاقاة فرد علي أي السلام وقال أدخل فقلت أكلي يا رسول الله قال كلك بالرفع وينصب قال الطيبي يجوز فيه الرفع والنصب والتقدير أيدخل كلي فقال كلك يدخل أو أدخل كلي فقال أدخل كلك فدخلت قال عثمان بن أبي العاتكة أحد رواة الحديث إنما قال أدخل كلي بمتكلم ثلاثي وفي نسخة من المزيد قال الطيبي الظاهر أنه مضموم الهمزة على أنه من باب الأفعال ولو ذهب إلى الفتح فوجهه أن يحمل كلي على أنه تأكيد وهو بعيد من صغر القبة ويمكن من كبر عوف لا سيما مع صغرها أو من كثرة الناس فيها وهذا من مزاج أصحابه معه وطي لبساط الأدب عند انبساط الحب وترك التكلف في مقام القرب رواه أبو داود وعن النعمان بضم أوله ابن بشير قيل مات النبي وله ثمان سنين وسبعة أشهر ولأبويه صحبة ذكره المؤلف في فصل الصحابة وقد سبق زيادة في ترجمته قال استأذن أبو بكر على النبي فسمع أي أبو بكر صوت عائشة عاليا فلما دخل أي


بعد الاذن تناولها أي أخذها ليلطمها بكسر الطاء ويجوز ضمها من اللطم وهو ضرب الخد وصفحة الجسد بالكف مفتوحة على ما في القاموس وقال لا أراك أي بعد هذا وهو نفي بمعنى النهي من قبيل لا أرينك ههنا أو على لغة إثبات حرف العلة مع الجازم ومنه قول الجزري ألا قولوا لشخص قد تقوى على ضعفي ولم يخشى رقيبه وقول غيره ألم يأتيك والأنباء تنمي وعليه وردت رواية قنبل عن ابن كثير في قوله تعالى إنه من يتقي ويصبر يوسف ترفعين صوتك على رسول الله الجملة مفعول ثان لأرى ولا يبعد أن يكون لا أراك دعاء وهمزة الإنكار مقدرة على قوله ترفعين وقال الطيبي أي لا تتعرضي لما يؤدي إلى رفع صوتك فالنهي وارد على المتكلم والألف في لا أراك للإشباع ويجوز أن تحمل على النفي الواقع موقع النهي أي لا ينبغي لي أن أراك على هذه الحالة فجعل النبي يحجزه بضم الجيم والزاي أي يمنع أبا بكر من لطمها وضربها وخرج أبو بكر مغضبا بفتح الضاد أي غضبان عليها فقال النبي حين خرج أبو بكر كيف رأيتني أي أبصرتني أو عرفتني أنقذتك من الرجل أي خلصتك من ضربه ولطمه وقال الطيبي الظاهر أن يقال من أبيك فعدل إلى الرجل أي من الرجل الكامل في الرجولية حين غضب لله ولرسوله قالت فمكث قيل هكذا وجد في أصل أبي داود وقال الطيبي وهذا يدل على أن النعمان سمع هذا الحديث من عائشة قلت فيكون من مراسيل الصحابة وهي مقبولة إجماعا ثم هو بضم الكاف ويفتح أي فلبث أبو بكر أياما أي لم يدخل فيها عندهم والظاهر أنه ثلاثة أيام للنهي عن الهجران فوقها قال الطيبي قولها فمكث أبو بكر بدل أبي لما حدث في صحبتها من غضبه عليها فجعلته كأنه أجنبي إذ في الأبوة استعطاف قلت هذا يبعد منها كل البعد مع كمال عقلها وفهمها وأدبها وعلمها بمرتبة النبوة والولاية وأن يكون غضب أبيها في باطنها بعد مدة بمجرد قصده أن يلطمها أو مع تحقق لطمها رعاية لأجل رسول الله وتأديبها لها وقد وقع نظيره كثيرا في الصحابة أن يذكروا


آباءهم بأسمائهم وهذا من عدم تكلفاتهم التي استحدثت بعدهم وإن كان ذكره بوصف الأبوة أولى وأنسب نعم نداؤه باسمه خلاف الأدب على أن الظاهر أن في الحديث تصرفا من الراوي حيث إنه نقل بالمعنى ولذا قال ثم استأذن فوجدهما قد اصطلحا فقال لهما فإن حق الكلام من عائشة فوجدنا قد اصطلحنا فقال لنا ادخلاني في سلمكما بكسر السين ويفتح أي في صلحكما كما
أدخلتماني في حربكما أي في شقاقكما وخناقكما وإسناد الإدخال إليهما في الثاني من المجاز السببي أو من قبيل المشاكلة وإلا فالمعنى كما دخلت في حربكما فقال النبي قد فعلنا مفعوله محذوف أي فعلنا إدخالك في السلم أو نزل الفعل منزلة اللازم أي أوقعنا هذا الفعل وقد للتحقيق وقوله ثانيا قد فعلنا للتأكيد أو ثانيهما عوض عن عائشة أو على لسانها رواه أبو داود وعن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي قال لا تمار بضم أوله من المماراة أي لا تجادل ولا تخاصم أخاك أي المسلم ولا تمازحه أي بما يتأذى منه ولا تعده موعدا أي وعدا أو زمان وعد أو مكانه فتخلفه من الأخلاف وهو منصوب وفي بعض النسخ بالرفع قال الطيبي إن روي منصوبا كان جوابا للنهي على تقدير فيكون مسببا عما قبله فعلى هذا التنكير في موعد النوع من الموعد وهو ما يرضاه الله تعالى بأن يعزم عليه قطعا ولا يستثني فيجعل الله ذلك سببا للأخلاف أو ينوي في الوعد كالمنافق فإن آية النفاق الخلف في الوعد كما ورد إذا وعد أخلف ويحتمل أن يكون النهي عن مطلق الوعد لأنه كثيرا ما يفضي إلى الخلف ولو روي مرفوعا كان المنهي الوعد المستعقب للأخلاف أي لا تعده موعدا فأنت تخلفه على أنه جملة خبرية معطوفة على إنشائية وعلى هذا يتفرع عليه مسائل قال النووي أجمعوا على أن من وعد إنسانا شيئا ليس بمنهي عنه فينبغي أن يفي بوعده وهل ذلك واجب أو مستحب فيه خلاف ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحب فلو تركه فإنه الفضل وارتكب المكروه كراهة شديدة ولا يأثم يعني من


حيث هو خلف وإن كان يأثم إن قصد به الأذى قال وذهب جماعة إلى أنه واجب منهم عمر بن عبد العزيز وبعضهم إلى التفصيل ويؤيد الوجه الأول ما أورده في الإحياء حيث قال وكان إذا أوعد وعدا قال عسى وكان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا ويقول إن شاء الله تعالى وهو الأولى ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر فإن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي به فهذا هو النفاق اه وهذا كله يؤيد الوجوب إذا كان الوعد مطلقا غير مقيد بعسى أو بالمشيئة ونحوهما مما يدل على أنه جازم في وعده فقوله وهو الأولى محل بحث كما لا يخفى رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وقد سبق ما تعلق به


باب المفاخرة والعصبية
الفخر ويحرك التمدح بالخصال كالافتخار وفاخره مفاخرة عارضة بالفخر كذا في القاموس وفي النهاية العصبي هو الذي يغضب لعصبته ويحامي عنهم والعصبة الأقارب من جهة الأب لأنهم يعصبونه ويعتصب بهم أي يحيطون به ويشتد بهم ومنه ليس منا من دعا إلى عصبية أو قاتل عصبية قلت لأنها من حمية الجاهلية والقواعد الشرعية إنهم يكونون قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ولعل وجه الجمع بين المفاخرة والعصبية أن بينهما تلازما غالبيا ومنه قوله تعالى ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر التكاثر أي شغلكم التباهي والتفاخر بالكثرة حتى وصلتم إلى ذكر أهل المقابر روي أن بني عبد مناف وبني أسهم تفاخروا بالكثرة فكثر سهم بني عبد مناف فقال بنو سهم إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثر بنو سهم
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سئل رسول الله أي الناس أي من بين أنواعهم أو أوصافهم أكرم أي أشرف وأعظم قال الطيبي يحتمل أن يراد به أكرم عند الله تعالى مطلقا من غير نظر إلى النسب ولو كان عبدا حبشيا وأن يراد به الحسب مع النسب وأن يراد به الحسب فحسب وكان سؤالهم عن هذا لقوله فعن معادن العرب أي عن أصولهم التي ينسبون إليها وكان جوابهم فسلك على ألطف وجه حيث جمع بين الحسب


والنسب وقال إذا فقهوا قلت لما أطلقوا السؤال وكان المناسب صرفه عليه الصلاة والسلام إلى الفرد الأكمل والوصف الأفضل قال أكرمهم عند الله أتقاهم وهو مقتبس من قوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات بعد قوله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا الحجرات وقد نبه سبحانه وتعالى أن معرفة الأنساب إنما هو للتعارف بالوصلة وأن الكرم لا يكون إلا بالتقوى لأن العاقبة للمتقين والعبرة بما في العقبى ثم يحتمل أنه علم غرضهم ولكن عدل عنه إلى أسلوب الحكيم قال ليس عن هذا نسألك تنزيل للفعل منزلة المصدر قال الطيبي تقديره ليس سؤالنا عن هذا على منوال قوله فقالوا ما تشاء فقلت الهوى اه فلما تبين له أنهم لم يسألوه عن الكرم المطلق وظن أن مرادهم الجمع بين النسب والحسب قال فأكرم الناس أي من حيثية جمعية النسب والحسب النبوية يوسف نبي الله ابن نبي الله أي يعقوب ابن نبي الله أي اسحاق ابن خليل الله بإثبات ألف ابن في المواضع الثلاثة والمراد بالخليل إبراهيم عليه السلام فقد اجتمع شرف النبوة والعلم وكرم الآباء والعدل والرياسة في الدنيا والدين في يوسف وهو قد يهمز ويثلث سينه على ما في القاموس والضم هو المشهور قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب أي قبائلهم تسألوني بتشديد النون وتخفيفه قالوا نعم قال فخياركم في الجاهلية خياركم أي هم خياركم في الإسلام أي في زمنه إذا فقهوا بضم القاف ويكسر أي إذا علموا آداب الشريعة وأحكام الإسلام بعد دخولهم فيه ففي القاموس الفقه بالكسر العلم بالشيء والفطنة له وغلب على علم الدين لشرفه وفقه ككرم وفرح فهو فقيه ولعله أراد بهذا إخراج المنافقين والمؤلفة قلوبهم ويحتمل أن يراد به التنبيه على أن استواء النسب إنما يكون عند استواء الحسب بأن يكونوا مستوين في الفقه وأما من زاد في الفقه فهو أعلى ومن لم يفقه فهو في مرتبة الأدنى والمراد بالفقه هو العلم


المقرون بالعمل وهو حاصل التقوى فرجع الأمر إلى قوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات لكن كما قال عز وجل لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى النجم وقال التقوى ههنا وأشار إلى صدره الشريف موميا إلى انحصارها فيه بحسب كمالها وفي شرح السنة يريد أن من كانت له مأثرة وشرف إذا أسلم وفقه فقد حاز إلى ذلك ما استفاده بحق الدين ومن لم يسلم فقد هدم شرفه وضيع نسبه وفي شرح مسلم للنووي قالوا لما سئل أي الناس أكرم أجاب بأكملهم وأعمهم وقال


أتقاهم لله لأن أصل الكرم كثرة الخير ومن كان متقيا كان كثير الخير وكثير الفائدة في الدنيا وصاحب الدرجات العلى في الأخرى ولما قالوا ليس عن هذا نسألك قالوا يوسف جمع النبوة والنسب وضم مع ذلك شرف علم الرؤيا والرياسة وتمكنه فيها وسياسة الرعية بالسيرة الحميدة والصورة الجميلة متفق عليه وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم قال ابن الملك في شرح المصابيح كتب ابن في الثلاثة بدون الألف وصوابه أن يكتب بها لوقوعها بين الصفات يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم رواه البخاري وكذا الإمام أحمد عنه وعن أبي هريرة أيضا وعن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما صحابيان جليلان قال في يوم حنين ظرف مقدم والجملة هي المقول كان أبو سفيان بن الحارث أي ابن عبد المطلب ابن عم رسول الله وكان أخاه من الرضاعة أرضعتهما حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وكان من الشعراء المطبوعين وكان سبق له هجاء في رسول الله وأجابه حسان بن ثابت ثم أسلم فحسن إسلامه ويقال إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله حياء منه وكان إسلامه عام الفتح وقال له علي كرم الله وجهه ائت رسول الله من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ففعل ذلك أبو سفيان فقال رسول الله لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين وقبل منه وأسلم وكان سبب موته أنه حج فلما حلق الحلاق رأسه قطع أثلوثا في رأسه فلم يزل مريضا منه حتى مات بعد مقدمه من الحج بالمدينة سنة عشرين ودفن في دار عقيل بن أبي طالب وصلى عليه عمر رضي الله عنه والحاصل أنه يوم حنين كان آخذا بعنان بغلته يعني هو كلام بعض الرواة أي يريد البراء بقوله بغلته بغلة رسول الله احترازا من رجع الضمير إلى أبي سفيان فلما غشيه بفتح فكسر المشركون أي أتوه من جميع جوانبه نزل أي عن بغلته فجعل


يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب بسكون الباء فيهما على الصواب وقيل بفتحها في الأول وكسرها في الثاني وقد تقدم الكلام عليه من جهة أنه شعر أم لا قال التوربشتي ليس لأحد أن يحمل هذا على المفاخرة والشيخ يعني صاحب المصابيح لم يرد في إيراد هذا الحديث في هذا الباب ولا شك أنه تبع بعض أصحاب الحديث في منصفاتهم ولم يصيبوا أولئك أيضا وقد نفى نبي الله عن نفسه أن يذكر الفضائل التي خصه الله بها فخرا بل شكرا لأنعمه فقال أنا سيد ولد آدم ولا فخر الحديث وذم العصبية في غير موضع فأنى لأحد أن يعد هذا الحديث من أحد القبيلين وكيف يجوز على نبي الله أن يفتخر بمشرك وكان ينهي الناس أن يفتخروا بآبائهم وإنما وجه ذلك أن تقول تكلم بذلك على سبيل التعريف فإن الله تعالى قد أرى قوما قبل ميلاده ما قد كان علما لنبوته ودليلا على ظهور أمره وأظهر علم ذلك على الكهنة حتى شهد به غير واحد منهم فالنبي ذكرهم بذلك وعرفهم أنه ابن عبد المطلب الذي روي فيه ما روى وذكر فيه ما ذكر قال الطيبي الجواب ما ذكره في شرح السنة من قوله الافتخار والاعتزاز المنهي عنه ما كان في غير جهاد الكفار وقد رخص النبي الخيلاء في الحرب مع نهيه عنها في غيرها وروي أن عليا رضي الله عنه بارز مرحبا يوم خيبر فقال أنا الذي سمتني أمي حيدرة قلت حاصله يرجع إلى تأويل التوربشتي أنه للتعريف لا للافتخار ثم قال الطيبي وكأنه يرى الكفار شدة جأشه وشجاعته مع كونه مؤيدا من عند الله تعالى حين قل شوكة المسلمين وهو السكينة التي أنزلها الله عليه يوم حنين وعلى المسلمين وتلخيص الجواب أن المفاخرة نوعان مذمومة ومحمودة فالمذموم منها ما كان عليها الجاهلية من الفخر بالآباء والأنساب للسمعة والرياء والمحمود منها ما ضم مع النسب الحسب في الدين لا رياء بل إظهارا لأنعمه تعالى عليه فقوله لا فخر احترازا عن المذموم منها وكفى به شاهدا قوله في الحديث السابق خياركم في الجاهلية خياركم


في الإسلام إذا فقهوا وقوله حين جاءه عباس وكأنه سمع شيئا فقام على المنبر فقال من أنا فقالوا أنت رسول الله قال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فرقة ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا قلت وهذا كله تعريف لنسبه الشريف المنضم بحسبه المنيف وليس فيه الافتخار بآبائه الكفار لما سيأتي في أول الفصل الثاني مع أنه لو أراد الافتخار لافتخر بأجداده الأبرار وقال أنا ابن إسماعيل أو إبراهيم عليهما السلام وقد قال في الإحياء كان افتخاره بالله تعالى وبقربه لا بكونه مقدما على ولد آدم كما أن المقبول عند الملك قبولا عظيما إنما يفتخر بقبوله إياه وبه يفرح لا بتقدمه على بعض رعاياه قال أي الراوي فما رئي بصيغة المجهول أي ما عرف من الناس أي أحد منهم يومئذ أشد منه أي أقوى وأشجع من النبي ومما يدل عليه اختياره البغلة


التي لا تصلح للعزة بالمرة ثم زاد عليه بأنه نزل منها وعرف الناس به بإظهار نسبه وحسبه المتضمن لكمال التعريف المنافي عادة لمقام التخويف وما ذاك إلا لقوة قلبه وتوكله على ربه واعتماده على عصمته بمقتضى وعده حيث قال تعالى والله يعصمك من الناس المائدة وبموجب حكمه حيث قال هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله التوبة متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي فقال يا خير البرية بتشديد الياء ويجوز تسكينها وهمز بعدها ومعناها الخليقة ففي النهاية يقال برأه الله يبرأ برأ أي خلقه ويجمع على البرايا والبريات من البري وهو التراب إذا لم يهمز ومن ذهب إلى أن أصله الهمزة أخذه من برأ الله الخلق يبرأهم أي خلقهم ثم ترك فيها الهمز تخفيفا ولم تستعمل مهموزة قلت بل المهموزة مشهورة متواترة قرأ بها الإمام نافع وابن ذكوان عن ابن عامل على الأصل والباقون بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء تخفيفا فقال رسول الله أي تواضعا لربه وأدبا مع جده ذاك أي المشار إليه الموصوف بخير البرية هو إبراهيم قال النووي فيه وجوه أحدها أنه قال هذا تواضعا واحتراما لإبراهيم عليه السلام لخلته وأبوته وإلا فنبينا كما قال أنا سيد ولد آدم ولا فخر وثانيها أنه قال هذا قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم فإن الفضائل يمنحها الله تعالى لمن يشاء فأخبر بفضيلة إبراهيم عليه السلام إلى أن علم تفضيل نفسه فأخبر به قلت وفيه أنه يحتاج إلى معرفة تاريخ ليدفع التعارض به وثالثها أن المراد به أنه أفضل برية عصره فأطلق العبارة الموهمة للعموم لأنه أبلغ في التواضع قلت ومآل هذا يرجع إلى الأول مع أن كون كل منهما أفضل برية عصره ليس فيه مزيد مزية قال وفيه جواز التفاضل بين الأنبياء عليهم السلام قلت لا دلالة عليه في كل من الوجوه الثلاثة نعم أفضلية نبينا ثابتة بأدلة صحيحة صريحة كاد أن تكون المسألة قطعية بل إجماعية منها حديث مسلم وأبي داود أنا


سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع ومنها حديث الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لولاء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر
ومنها حديث الترمذي عن أبي هريرة أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسي حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري وأمثال ذلك من الأحاديث كثيرة صحيحة شهيرة ومما يدل على سيادته وزيادته في سعادته وفي الأحاديث المسطورة إشعار بتأخير قوله أنا سيد ولد آدم عن قوله ذاك إبراهيم لأن الأوصاف المذكورة يوم القيامة لا تتصور أن تكون في المفضول مع أن النسخ لا يوجد في الأخبار هذا وقد قال بعض الشراح من علمائنا بحمل الحديث على أنه قاله تواضعا ليوافق الأحاديث الدالة على فضله على سائر البشر أو على أن إبراهيم كأنه يدعى بهذا النعت حتى صار علما له كالخليل فقال ذاك إبراهيم أي المدعو بهذه التسمية إبراهيم إجلالا له يعني من التشريك فيكون معنى خير البرية راجعا إلى من خلق دون من لم يخلق بعده ولم يكن ذكر البرية على العموم فلم يدخل النبي في غمارهم اه وحاصله أنه مستثنى منهم إما بطريق النقل وهو ما ذكرنا وإما بطريق العقل فإن المتكلم عند بعض الأصوليين غير داخل في أمره وخبره والله أعلم رواه مسلم وعن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تطروني بضم أوله وأصله لا تطريون من الإطراء وهو المبالغة في المدح والغلو في الثناء كما أطرت النصارى ابن مريم أي مثل إطرائهم أياه مفهومه إن إطراءه من غير جنس إطرائهم جائز ولله در صاحب البردة حيث قال دع ما أدعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم وفي شرح السنة وذلك أن النصارى أفرطوا في مدح عيسى عليه السلام وإطرائه بالباطل وجعلوه ولد الله تعالى فمنعهم


النبي أن يطروه بالباطل قال الطيبي وفي العدول عن عيسى والمسيح إلى ابن مريم تبعيدا له عن الألوهية يعني بالغوا في المدح والإطراء والكذب بأن جعلوا من جنس النساء الطوامث إلاها أو ابن إله اه ولكون اليهود بالغوا في قدح المسيح والنصارى في مدحه قال تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق المائدة فالحق هو الوسط العدل كما بينه سبحانه بقول إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله النساء والمعنى أنه عبد الله ورسوله لأن كونه ابن مريم يدل على أنه عبده وابن أمته كما أشار إليه بقوله كانا يأكلان الطعام المائدة أي يبولان ويغوطان


ويحتاجان إلى الأكل والشرب فلا يصلحان للألوهية ولا مناسبة لهما بالربوبية وإنما شأنهما العبودية فإنما أنا عبده أي الخاص في مقام الاختصاص وهو في الحقيقة أفضل مدح عند الفاضل الكامل كما قال القائل لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أفضل أسمائيا ولذا ذكره الله سبحانه في مواضع من كتابه بهذا الوصف المنيع والفضل البديع منها في مقام الإسراء سبحان الذي أسرى بعبده الإسراء ومنها في مقام إنزال الكتاب تبارك الذي نزل الفرقان على عبده الفرقان و الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب الكهف وفيه إشارة لطيفة وبشارة شريفة أن العناية الربوبية باعتبار غاية العبودية فقولوا عبد الله ورسوله أي ليتميز به عن بقية عبيده وفي ذكرهما أيضا إيماء إلى مبدأ حالته ومنتهى غايته وكان إياس الخاص أخذ حظا الشمائل كذا قاله الشيخ الجزري فتأمل في قول المصنف متفق عليه وعن عياض بن حمار بكسر أولهما المجاشعي بضم الميم يعد في البصريين وكان صديقا لرسول الله قديما روى عنه جماعة إن رسول الله قال إن الله أوحى إلي أن تواضعوا إن هذه مفسرة لما في الإيحاء من معنى القول وتواضعوا أمر من التواضع تفاعل من الضعة بالكسر وهي الذل والهوان والدناءة حتى لا يفخر متعلق بأوحى وهو بفتح الخاء من الفخر وهو ادعاء العظمة والكبرياء والشرف أي كي لا يتعاظم أحد على أحد ولا ينبغي بكسر الغين أي ولا يظلم أحد على أحد وفي الجمع بينهما إشعار بأن الفخر والبغي نتيجتا الكبر لأن المتكبر هو الذي يرفع نفسه فوق كل أحد ولا ينقاد لأحد رواه مسلم أي في حديث طويل في آخر صحيحه ذكره ميرك وكذا رواه أبو داود وابن ماجه عنه وروى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه عن أنس ولفظه إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض

الفصل الثاني


عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي قال لينتهين بلام مفتوحة في جواب قسم مقدر أي والله ليمتنعن عن الافتخار أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا أي على الكفر وهذا الوصف بيان للواقع لا مفهوم له ولعل وجه ذكره أنه أظهر في توضيح التقبيح ويؤيده ما رواه أحمد عن أبي ريحانة مرفوعا من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وكرما ما كان عاشرهم في النار وإنما هم أي آبائهم فحم من جهنم حالا ومآلا قال الطيبي حصر آباءهم على كونهم فحما من جهنم لا يتعدون ذلك إلى فضيلة يفتخر بها أو ليكونن بضم النون الأولى عطفا على لينتهين والضمير الفاعل العائد إلى أقوام وهو واو الجمع محذوف من ليكونن والمعنى أو ليصيرن أهون أي أذل على الله أي عنده وفي حكمه من الجعل بضم جيم وفتح عين وهو دويبة سوداء تريد الغائط يقال لها الخنفساء فقوله الذي يدهده الخراء أي يدحرجه بأنفه صفة كاشفة له والخرا بفتح الخاء والراء مقصورا وفي نسخة بالمد وفي نسخة مصححة بكسر الخاء ممدودا وهو العذرة ويحتمل أن يكون بالفتح المصدر وبالكسر الاسم ففي لباب الغريبين إن الخرء العذرة وجمعه خروء كجند وجنود وفي القاموس خرى كفرح خراء أو خراءة ويكسر والاسم منه الخراء بالكسر وفي شرح المصابيح إن الخرء بفتح الخاء وضمها واحد الخروء مثل قرء وقروء والقرء بفتح القاف وضمها الحيض وكتب الخرء في الحديث بالألف إما لأنها مفتوحة فكتبت بحرف حركتها وإما لأنه نقلت حركتها إلى الراء وقلبت ألفا على لفظ العصا والحاصل أنه شبه المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعل وآباءهم المفتخر بهم بالعذرة ونفس افتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف والمعنى أن أحد الأمرين واقع البتة أما الانتهاء عن الافتخار أو كونهم أذل عند الله تعالى من الجعل الموصوف وأغرب القاضي حيث قال أو


ههنا للتخيير والتسوية والمعنى أن الأمرين سواء في أن يكون حال آبائهم الذين يفتخرون بهم وأنت مخير في توصيفهم بأيهما شئت اه والصواب ما قدمناه وقد راعى الأدب معه الطيبي حيث قال الظاهر أنه عطف على قوله لينتهين والضمير فيه ضمير القوم لأن اللام في المعطوف والمعطوف عليه لام الابتداء على نحو قوله تعالى لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا الأعراف كأنه حلف على أن أحد الأمرين كائن لا محالة ثم أغرب الطيبي في سوء سؤاله حيث قال فإن قلت هب أنه عرف أنه تعالى يعذبهم بسبب المفاخرة بآبائهم فاقسم عليه فبم عرف انتهاءهم عنها قلت لما نظمهما بأوفى الحكم الذي هو الحلف آل كلامه إلى قولك ليكونن أحد الأمرين يعني إن كان الانتهاء لم تكن المذلة وإن لم تكن كانت كذا حققه صاحب الكشاف في النمل فكأنه قيل أحد الأمرين لا بد منه أما الانتهاء عما هم فيه أو إنزال الصغار والهوان عليهم من الله تعالى اه وهو ظاهر المرام لكن وقع بسط في الكلام ثم إنه استأنف لبيان علة الانتهاء عن الافتخار بعد زوال زمان الجاهلية وكمال القواعد الإسلامية بقوله إن الله قد أذهب أي أزال ورفع عنكم عبية الجاهلية بضم العين المهملة وكسرها وكسر موحدة فتحتية مشددتين أي نخوتها وكبرها وفخرها أي وافتخار أهل الجاهلية في زمانهم بالآباء قال التوربشتي يقال رجل فيه عبية بضم العين المهملة وكسرها أي كبر وتجبر والمحفوظ عن أهل الحديث تشديد الياء وذكر أبو عبيد الهروي أنه من العبء بمعنى الحمل الثقيل ثم قال وقال الأزهري بل هو مأخوذ من العبء وهو النور والضياء يقال هذا عب الشمس وأصله عبوء الشمس وعلى هذا فالتشديد فيه كما في الذرية من الذرء بالهمز والجوهري أدخله في باب المضاعف قلت وكذا فعل صاحب القاموس حيث قال العبية وبالكسر الكبر والفخر والنخوة وقال أيضا عب الشمس ويخفف ضوءها وذكره في المهموز أيضا وقال العبء بالفتح ضياء الشمس إنما هو أي


المفتخر المتكبر بالآباء لا يخلو عن أحد الوصفين فأما هو مؤمن تقي فلا ينبغي له أن يتكبر على أحد لأن مدار الإيمان على الخاتمة والله سبحانه وتعالى أعلم بمن اتقى أو فاجر أي منافق أو كافر شقي أي غير سعيد فهو ذليل عند الله والذليل لا يناسبه التكبر ولا يلائمه التجبر فالتكبر لا يليق بالمخلوق فإنه صفة خاصة للخالق ولذا قال الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته ثم أشار إلى دليل آخر ينتفي به التكبر عن الإنسان بقوله الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب أي فلا يليق بمن أصله التراب النخوة والتجبر أو إذا كان الأصل واحد قال أخوة فلا وجه للتكبر لأن بقية الأمور عارضة لا أصل لها حقيقة نعم العاقبة للمتقين وهي مبهمة فالخوف أولى للسالك من الاشتغال بهذه المسالك هذا ما اخترناه في هذا المقام من خلاصة المرام وتكلف الطيبي فقال في ضمير هو وجوه أحدها إن في الكلام تقديما وتأخيرا فقوله الناس كلهم بنو آدم مقدم لأنه مجمل وذاك تفصيله على نحو قوله


الناس من جهة التمثال أكفاء أبوهم آدم والأم حواء فإن يكن لهم في أصلهم شرف يفاخرون به فالطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء ووحد الضمير نظرا إلى الجنس أو على تأويل الإنسان وثانيها أنه ضمير مبهم يفسره الخبر كذا قرر صاحب الكشاف في قوله تعالى وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا الجاثية وقولهم هي العرب تقول ما شاءت وثالثها أن يكون بمعنى اسم الإشارة فيرجع إلى المذكور السابق منطوقا ومفهوما وبيانه إن قوله أقوام من باب سوق المعلوم مساق غيره وهم قوم مخصوصون نكرهم وجعلهم غائبين ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب في قوله قد أذهب عنكم وهذا يشعر بغضب شديد وسخط متتابع كان أناسا من المسلمين تفاخروا بأسلافهم الذين ماتوا على الكفر كالعباس بن مرداس وأضرابه حتى قال قائلهم فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع فوبخهم وزجرهم وسفه رأيهم والمعنى لينته من شرفه الله وخلع عليه حلل الإسلام ورفعه من حضيض الكفر إلى بقاع الإيمان عن هذه الشنعاء وإلا فيحطه من تلك المنزلة ويرده إلى أسفل السافلين من الكفر والذل فإن تشبيههم بأخس الحيوانات في أخس أحواله يدل عليه فالمعنى ما ذاك العزيز الكريم عند الله إلا رجل تقي وما ذاك الذليل الدنيء عنده إلا فاجر شقي ثم رجع من ذاك العنف إلى اللطف ومن التوبيخ إلى إسماع الحق قائلا والناس كلهم بنو آدم لقوله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى إلى قوله إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات وفي ذكر التراب إشارة إلى نقصانهم وأنهم فيه سواء طف الصاع بالصاع رواه الترمذي وأبو داود وروى البزار بسند حسن عن حذيفة مرفوعا كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان وعن مطرف بتشديد الراء المكسورة ابن عبد الله بن الشخير بكسر فتشديد خاء معجمة وفي نسخة بالتعريف قال المؤلف في فصل التابعين مطرف عامري بصري روى عن أبي ذر


وعثمان بن أبي العاص وفد أبوه على النبي في بني عامر روى عنه ابناه مطرف ويزيد قال أي قال أبي انطلقت كما في سنن أبي داود ذكره السيد جمال الدين وهو المفهوم من أسماء الرجال في وفد بني عامر إلى رسول الله أي قاصدين ومتوجهين إليه
صلى الله عليه وسلم فقلنا أي بعدما وصلنا أنت سيدنا فقال السيد الله وفي نسخة السيد هو الله بزيادة ضمير الفصل لمزيد تأكيد إفادة الحصر مبالغة في تعظيم ربه وتواضع نفسه فحول الأمر فيه إلى الحقيقة مراعاة للآداب الشرعية والطريقة أي الذي يملك نواصي الخلق ويتولاهم ويسوسهم هو الله سبحانه وهذا لا ينافي سيادته المجازية الإضافية المخصوصة بالأفراد الإنسانية حيث قال أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي لا أقول افتخارا بل تحدثا بنعمة الله وإخبارا بما أمرني الله وإلا فقد روى البخاري عن جابر أن عمر كان يقول أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا اه وهو بالنسبة إلى بلال تواضع والله أعلم فقلنا وأفضلنا فضلا أي مزية ومرتبة ونصبه على التمييز وأعظمنا طولا أي عطاء للأحباء وعلوا على الأعداء والواو الأولى استئنافية لربط الكلام أو من قبيل العطف على التوهم فقال قولوا قولكم أي مجموع ما قلتم أو هذا القول ونحوه أو بعض قولكم أي اقتصروا على إحدى الكلمتين من غير حاجة إلى المبالغة بهما ويمكن أن تكون أو بمعنى بل أي بل قولوا بعض ما قلتم مبالغة في التواضع وقيل قولوا قولكم الذي جئتم لأجله وقصدتموه ودعوا غيركم مما لا يعنيكم ونظيره قوله لجويريات يضربن بالدف ويندين من قتل من آبائهن يوم بدر إذ قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد دعي هذه وقولي ما كنت تقولين أو قولوا قولكم المعتاد المسترسل فيه على السجية دون المستعمل للإطراء والتكلف لمزيد الثناء وحاصله لا تبالغوا في مدحي فضلا عن غيري ولا يستجرينكم الشيطان أي لا يتخذنكم جريا بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتية أي كثيرا لجرى في طريقه ومتابعة خطواته وقيل هو من


الجراءة بالهمزة أي لا يجعلنكم ذوي شجاعة على التكلم بما لا يجوز وفي النهاية أي لا يغلينكم فيتخذكم جريا أي رسولا ووكيلا وذلك أنهم كانوا مدحوه فكره لهم المبالغة في المدح فنهاهم عنه والمعنى تكلموا بما يحضركم من القول ولا تتكلفوه كأنكم وكلاء الشيطان ورسله تنطقون على لسانه هذا زبدة الكلام في مقام المرام وقد تكلف الطيبي حيث قال وأفضلنا عطف على قوله سيدنا كأنهم قالوا أنت سيدنا وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا فكره رسول الله الكل وخص الرد بالسيد فأدخل الراوي كلامه بين المعطوف والمعطوف عليه والذي يدل على كراهة الكل قوله قولوا قولكم أي بقول أهل ملتكم وما هو من شعار المسلمين وذلك قولهم رسول الله ونبي الله وقال المظهر وقوله قولوا قولكم يعني قولوا هذا القول أو أقل منه ولا تبالغوا في مدحي بحيث تمدحونني بشيء يليق بالخالق ولا يليق بالمخلوق وقال الخطابي أراد بقوله قولوا بقول أهل دينكم أو ملتكم وادعوني نبيا ورسولا كما سماني الله في كتابه ولا تسموني سيدا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم لأني لست كأحد منهم إذ كانوا يسودونكم في أسباب الدنيا وأنا أسودكم بالرسالة والنبوة فسموني رسولا ونبيا وقال التوربشتي سلك القوم في الخطاب معه مسلم مع رؤساء القبائل فإنهم يخاطبونهم بنحو هذا الخطاب فكره ذلك لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي والرسول فإنها


المنزلة التي لا منزلة وراءها لأحد من البشر رواه أبو داود وفي نسخة صحيحة رواه أحمد وأبو داود وعن الحسن أي البصري فإنه المراد عند الإطلاق على اصطلاح المحدثين لكن لم يظهر وجه ذكره فإن مقتضى العادة هو الاكتفاء بذكر الصحابي إلا لسبب عارض في الإسناد محوج إلى ذكر التابعي عن سمرة بفتح وضم قال قال رسول الله الحسب بفتحتين المال أي مال الدنيا الحاصل به الجاهل غالبا والكرم أي الكرم المعتبر في العقبى المترتب عليه الإكرام بالدرجات العلى التقوى لقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات وفيه تنبيه نبيه على أن الدنيا فانية والأخرى باقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن من أحب آخرته أضر بديناه ومن أحب دنياه أضر بعقباه فهما ضدان لا يجتمعان فمثالهما كفتا الميزان ونعم ما قال بعض أرباب الحال زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران قال شارح الحسب ما يعده الرجل من مفاخر آبائه والكرم ضد اللؤم فقيل معناه الشيء الذي يكون به الرجل عظيم القدر عند الناس هو المال والشيء الذي يكون به عظيم القدر عند الله التقوى والافتخار بالآباء ليس بشيء منهما وبهذا المعنى يظهر مناسبة إيراد هذا الحديث بعنوان الباب وقيل معناه أن الغني يعظم كما يعظم الحسيب وأن الكريم هو المتقي لا من يجود بماله ويخطر بنفسه ليعد جوادا شجاعا وقال الطيبي الحسب ما يعده من مآثره ومآثر آبائه والكرم الجمع بين أنواع الخير والشرف والفضائل وهذا بحسب اللغة فردهما إلى ما هو المتعارف بين الناس وعند الله أي ليس ذكر الحسب عند الناس للفقير حيث لا يوقر ولا يحتفل به بل كل الحسب عندهم من رزق الثروة ووقر في العيون ومنه حديث عمر رضي الله عنه من حسب الرجل اتقاء ثوبيه أي أنه يوقر لذلك من حيث إنه دليل الثروة وذو الفضل والشرف عند الناس ولا يعد كريما عند الله وإنما الكريم عنده من ارتدى برداء التقوى وأنشد كانت مودة سلمان له نسبا ولم يكن بين نوح وابنه


رحم رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه ذكره ميرك وكذا رواه أحمد والحاكم
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول من تعزى أي انتسب بعزاء الجاهلية بفتح العين أي نسب أهلها وافتخر بآبائه وأجداده فأعضوه بتشديد الضاد والمعجمة من أعضضت الشيء جعلته يعضه والعض أخذ الشيء بالأسنان أو باللسان على ما في القاموس بهن أبيه بفتح الهاء وتخفيف النون وفي النهاية لهن بالتخفيف والتشديد كناية عن الفرج أي قولوا له أعضض بذكر أبيك أو أيره أو فرجه ولا تكنوا بفتح أوله وضم النون أي لا تكنوا بذكر الهن عن الأير بل صرحوا له بآلة أبيه التي كانت سببا فيه تأديبا وتنكيلا وقيل معناه من انتسب وانتمى إلى جاهلية بإحياء سنة أهلها وابتداع سنتهم في الشتم واللعن والتعيير ومواجهتكم بالفحشاء والتكبر فاذكروا له قبائح أبيه من عبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك مما كان يعير به من لؤم ورذالة صريحا لا كناية كي يرتدع عن التعرض لأعراض الناس رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بإسناده وعن عبد الرحمن بن أبي عقبة بضم أوله هو مولى جبير بن عقيق عن أبي عقبة قال ميرك اسمه رشد بضم الراء وفتح الشين المعجمة مولى الأنصار ويقال مولى بني هاشم وقال المؤلف هو صحابي من أبناء فارس وابنه عبد الرحمن تابعي روى عن أبيه وعن داود بن الحصين وكان أي أبو عقبة مولى من أهل فارس قال شهدت مع رسول الله أحدا بضمتين أي حضرته فضربت رجلا من المشركين أي برمي أو برمح أو بسيف فقلت خذها أي الضربة أو الطعنة مني وأنا الغلام الفارسي بكسر الراء والجملة حال وهذا على عادتهم في المحاربة أن يخبر الضارب المضروب باسمه ونسبه إظهارا بشجاعته فالتفت إلي رسول الله فقال هلا قلت أي لا قلت خذها مني وأنا الغلام الأنصاري أي إذا افتخرت عند الضرب فانتسب إلى الأنصار الذين هاجرت إليهم ونصروني


وكان فارس في ذلك الزمان كفارا فكره الانتساب إليهم وأمره بالانتساب إلى الأنصار ليكون منتسبا إلى أهل الإسلام وفيه إشعار بأن الصحابة مما عدا المهاجرين قد يطلق عليهم الأنصار وليسوا بمخصوصين بأهل المدينة كما يتوهم وبهذا يحصل العموم والشمول للصحابة في قوله تعالى من المهاجرين والأنصار التوبة رواه أبو داود وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي قال من نصر قومه على غير الحق أي على باطل أو مشكوك فهو كالبعير الذي ردى بفتح الدال مخففة وفي نسخة بكسرها وفتح الياء وفي نسخة صحيحة بضم الراء وكسر الدال مشددة وفتح الياء أي تردى وسقط في البئر وقيل معناه هلك فهو أي البعير إذا وقع فيها ينزع بصيغة المفعول أي يعالج ويخرج عنها بذنبه أي بجر من ورائه قيل المعنى أوقع نفسه في الهلكة بتلك النصرة الباطلة حيث أراد الرفعة بنصرة قومه فوقع في حضيض بئر الإثم وهلك كالبعير فلا ينفعه كما لا ينفع البعير نزعه عن البئر بذنبه وقيل شبه القوم ببعير هالك لأن من كان على غير حق فهو هالك وشبه ناصرهم بذنب هذا البعير فكما أن نزعه بذنبه لا يخلصه من الهلكة كذلك هذا الناصر لا يخلصهم عن بئر الهلاك التي وقعوا فيها رواه أبو داود وأما ما رواه البيهقي والضياء عن أنس مرفوعا من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا الآخرة فمحمول على نصرة الحق وإن كان اللفظ مطلقا وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ما العصبية أي الجاهلية قال إن تعين قومك على الظلم يعني أن الواجب عليك متابعة الحق من غير نظر إلى ملاحظة الحق ولهذا قال على ما رواه الدارمي وابن عساكر عن جابر مرفوعا انصر أخاك ظالما أو مظلوما إن يك ظالما فأردده عن ظلمه وإن يك مظلوما فانصره رواه أبو داود وكذا ابن ماجه وعن سراقة بضم أوله ابن مالك بن جعشم بضم جيم وسكون عين مهملة


وضم شين معجمة قال المؤلف مدلجي كناني كان ينزل قديدا ويعد في أهل المدينة روى عنه جماعة وكان شاعرا مجيدا مات سنة أربع وعشرين قال خطبنا رسول الله فقال خيركم المدافع عن العشيرة أي أقاربه المعاشر معهم ما لم يأثم أي ما لم يظلم على المدفوع فإنه حينئذ يكون جامعا بين نصرة المظلوم ووصلة الأقارب ثم اعلم أنه لو قدر على دفع الظالم عن قومه بكلام لم يجز له الضرب ولو قدر بالضرب لم يجز له القتل لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب مراعاة الترتيب قال تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن النحل إلى قوله وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به النحل الآية رواه أبو داود وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه من ذكره أن رسول الله قال ليس منا أي من أهل ملتنا أو من أصحاب طريقتنا من دعا أي الناس إلى عصبية أي إلى اجتماع عصبية في معاونة ظالم وفي الحديث ما بال دعوى الجاهلية قال صاحب النهاية هو قولهم يا آل فلان كانوا يدعون بعضهم بعضا عند الأمر الحادث وليس منا من قاتل عصبية أي بالباطل وليس منا من مات على عصبية أي على طريقتهم من حمية الجاهلية رواه أبو داود وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه عن النبي قال حبك من إضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله الشيء وهو مبتدأ خبره يعمي ويصم بضم أولهما وكسر عينهما أي يجعلك أعمى عن رؤية معايب الشيء المحبوب بحيث لا تبصر فيه عيبا ويجعلك أصم عن سماع قبائحه بحيث لا تسمع فيه كلاما قبيحا لاستيلاء سلطان المحبة على فؤادك كما قال وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا وحاصله أنك ترى القبيح منه حسنا وتسمع منه الخنا قولا جميلا كما قيل


ويقبح من سواك الفعل عندي فتفعله فيحسن منك ذاكا وقال الأستاذ أبو علي حبك الشيء يعمي عن الغير غيرة وعن المحبوب هيبة قال الطيبي ومورد الحديث في الذم وذكر العصبية يستدعي أن يقال أنه قال فيمن يتعصب لغيره ويحاميه بالباطل وحبه إياه يعميه عن أن يبصر الحق في قضيته ويصمه عن أن يسمع الحق في قصته وإلا فالحديث ذو وجهين رواه أبو داود وكذا أحمد والبخاري في تاريخه عنه والخرائطي في اعتلال القلوب عن أبي برزة وابن عساكر عن عبد الله بن أنيس والله أعلم
الفصل الثالث
عن عبادة بن كثير الشامي لم يذكره المصنف في أسمائه من أهل فلسطين بكسر ففتح فسكون فنون مفتوحة وفي المغني فلسطون وفلسطين بكسر أولهما وفي القاموس وقد يفتح فاؤهما كورة بالشام تقول في حال الرفع بالواو وبالنصب والجر بالياء أو تلزمها الياء في كل حال عن امرأة منهم أي من أهل فلسطين يقال لها فسيلة بفتح فاء فكسر سين مهملة وفي نسخة بالتصغير ولم يذكرها المؤلف في التابعيات أنها قالت سمعت أبي ليس له ذكر في أسماء المؤلف يقول أي أبو فسيلة سألت رسول الله فقلت يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه أي حبا بليغا قال لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم أي على ظلمهم أو مع ظلمهم أو على وجه الظلم رواه أحمد وابن ماجه وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله أنسابكم هذه أي المعروفة المشهورة كأمر محسوس يشار إليه ليست بمسبة بفتحتين وتشديد موحدة أي


محل سب وسبب عار على أحد أي منكم كلكم بنوا آدم أي جميعكم أولاد آدم وحواء طف الصاع بالصاع بفتح طاء وتشديد فاء وهو مرفوع ومنصوب والثاني أظهر على أنه بنزع الخافض ورفعه على الخبرية وبنو آدم بيان أو بدل أو مبتدأ ثان فيكون من التشبيه البليغ أي كلكم متساوون في النسبة إلى أب واحد متقاربون كتقارب ما في الصاع أو تساويه للصاع إذا لم يملأ ملأ تاما حتى يزداد عليه وهذا معنى قوله لم تملؤوه أي والحال أنكم لم تملؤوه وفي النهاية أي قريب بعضكم من بعض يقال هذا طف المكيال أي ما قرب من ملئه والمعنى كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام شبيههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ المكيال ثم اعلم أن التفاضل ليس بالنسب ولكن بالتقوى حيث قال ليس لأحد أي على أحد كما في نسخة ضعيفة فضل أي زيادة مرتبة الأبدين أي من الأديان الحقة وتقوى بالقصر وفي نسخة بالتنوين أي باجتناب من الشرك الجلي والخفي واحتراز من الكبائر والصغائر والحاصل أن أفراد الإنسان كلهم في مرتبة النقصان والخسران إلا ذوي التقوى والكمال من أهل الأديان كما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات العصر هذا وقال الطيبي قوله طف الصاع يجوز نصبه على أنه حال مؤكدة نحو زيد أبوك عطوفا فإن ذكر بني آدم يدل على النقصان لكونهم من التراب وبالرفع على أنه بدل أو خبر بعد خبر والباء في بالصاع للحال أي طف الصاع مقابلا بمثله من النقصان والمراد التسوية بينهم في النقصان كفى بالرجل الجار والمجرور فاعل كفى والتمييز محذوف أي مسبة وعارا أو نقصانا أن يكون بذيا بيان للتمييز كقوله كفى بالمرء اثما أن يحدث بكل ما سمع وهو فعيل من البذاء بمعنى الكلام القبيح فقوله فاحشا عطف بيان له وفي القاموس البذي كرضى الرجل الفاحش بخيلا أي جامعا بين إطالة اللسان وتقصير الإحسان رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان


باب البر والصلة
في النهاية البر بالكسر الإحسان وهو في حق الأبوين والأقربين ضد العقوق وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم يقال بريبر فهو بار وجمعه بررة وجمع البرابر وصلة الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم وقطع الرحم ضد ذلك يقال وصل رحمه يصلها وصلا وصلة والهاء فيها عوض عن الواو المحذوفة فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر


الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رجل يا رسول الله من أحق أي أولى وأليق بحسن صحابتي بفتح أوله وبكسر أي بإحسان مصاحبتي في معاشرتي قال الجوهري صحبه يصحبه صحبة بالضم وصحابة بالفتح وفي القاموس صحبة كسمعه صحابة ويكسر وصحبه عاشره وقال النووي هو بفتح الصاد هنا بمعنى الصحبة قال أمك بالرفع كذا في الأصول المعتمدة والنسخ المصححة هنا وفيما بعده إلى آخر الرواية الأولى وفي نسخة بالنصب وهو خطأ كما سنذكر وجهه قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك وفي رواية قال قال ميرك هذه الرواية من إفراد مسلم فتأمل في قوله متفق عليه قلت أراد المتفق عليه معنى أمك بالنصب على الإغراء أي ألزم أمك أي أحسن صحبتها أو رعاية معاشرتها أو على نزع الخافض أي أحسن إليها أو على المفعول به والتقدير بر أمك وهو الأظهر ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك أي أقربك أدناك بحذف العاطف وأعيد للتأكيد قال الطيبي قوله أمك الخ جاء مرفوعا في رواية وفي أخرى منصوبا أما الرفع فظاهر والنصب على معنى أحق من أبر ويدل عليه رواية بهز بن حكيم من أبر اه وهو موهم أن أمك في الروايتين جاء مرفوعا ومنصوبا وليس كذلك بل الرفع متعين في الأول لقوله أبوك هناك والنصب متعين هنا لقوله أباك وإياك أن تخلط الرواية فتحرم الدراية وفي شرح للنووي فيه الحث على بر الأقارب وأن الأم أحقهم بذلك ثم بعدها الأب ثم الأقرب فالأقرب قالوا وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه وشفعتها وخدمتها قلت وفي التنزيل إشارة إلى هذا التأويل في قوله تعالى حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاق فالتثليث في مقابلة ثلاثة أشياء مختصة بالأم وهي تعب الحمل ومشقة الوضع ومحنة الرضاع متفق عليه


وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله رغم بفتح فكسر أي لصق بالرغام وهو التراب المختلط بالرمل أنفه والمراد به الذل وهو اخبار أو دعاء والضمير مبهم سيبينه والقصد من الإبهام ثم التبيين كونه أوقع في نفس السامع وكذا تأكيدا بإعادته مرتين رغم أنفه قيل من أي من هو أو هو من أو تعني من أو أنف من يا رسول الله قال من أدرك والديه فيه تغليب عند الكبر خص به لأنه أحوج الأوقات إلى حقوقهما قال المظهر هو ظرف في موضع الحال والظرف إذا كان في موضع الحال يرفع ما بعده فقوله أحدهما مرفوع بالظرف وقوله أو كلاهما معطوف على أحدهما اه فهما فاعلان في المعنى وقال الأشرف يجوز أن يكون أحدهما خبر المبتدأ محذوف أي مدركه أحدهما أو كلاهما فإن من أدرك شيئا فقد أدركه ذلك الشيء وهذه الجملة بيان لقوله من أدرك والديه وفي شرح المصابيح قوله من أدرك والديه الكبر أحدهما أو كلاهما الكبر فاعل أدرك وأحدهما مفعوله قلت الظاهر أنه بدل من مفعوله وهو والديه قال الطيبي قوله عند الكبر بالإضافة وأحدهما أو كلاهما مرفوعان هكذا هو في جميع روايات مسلم وفي كتاب الحميدي وجامع الأصول وبعض نسخ المصابيح وغير في بعضها إلى قوله عنده بالهاء والكبر بالرفع وأحدهما أو كليهما بالنصب نعم هو في الترمذي كذا عن أبي هريرة أنه قال رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة اه ثم عطف على أدرك أي ثم بعد إدراكه ما ذكر وإمهاله مدة يسع فيها قضاء حقوقهما وأداء برهما لم يدخل الجنة بصيغة المعلوم من الدخول أي لم يدخلها بسبب عقوقهما والتقصير في حقوقهما وقال النووي معناه أن برهما عند كبرهما وضعفهما بالخدمة والنفقة وغير ذلك سبب لدخول الجنة فمن قصر في ذلك فاته دخول الجنة وقال الطيبي ثم في قوله ثم لم يدخل الجنة استبعادية يعني ذل وخاب وخسر من أدرك تلك الفرصة التي هي موجبة للفلاح والفوز بالجنة ثم لم ينتهزها وانتهازها هو ما اشتمل عليه قوله تعالى


وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما الإسراء إلى قوله وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا الإسراء فإنه دل على الاجتناب عن جميع الأقوال المحرمة والإتيان بجميع كرائم الأقوال والأفعال في التواضع والخدمة والإنفاق عليهما ثم الدعاء لهما في العاقبة رواه مسلم وفي الجامع الصغير رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه من أدرك أبويه عنده الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة ورواه الترمذي والحاكم عنه بلفظ رغم


أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة وعن أسماء بنت أبي بكر أي الصديق الأكبر رضي الله عنهم قالت قدمت على أمي أي من مكة إلى المدينة وهي مشركة أي ما أسلمت بعد في عهد قريش متعلق بقدمت أي كان ذلك القدوم وفي المدة التي كان عهد المصالحة بينه وبين قريش على ترك قتالهم فيها فقلت يا رسول الله إن أمي قدمت على أي نزلت عندي وهي راغبة بالموحدة أي معرضة عن الإسلام أو مائلة فيه أو راغبة في صلتي أو راغبة في الإشراك وفي نسخة صحيحة راغمة بالميم أي كارهة إسلامي وهجرتي أو ذليلة محتاجة إلى عطائي وقيل أي هاربة من قومها قال التوربشتي قد روي بالباء وكذلك هو في المصابيح والصواب راغمة بالميم بدل الباء وقال النووي في شرح هذا الحديث قدمت على أمي وهي راغبة أو راهبة وفي الرواية الأخرى راغبة بلا شك وهي مشركة قال القاضي عياض الصحيح راغبة بلا شك وفي رواية أبي داود راغبة في عهد قريش وهي راغمة مشركة قيل معناه راغبة عن الإسلام أو كارهة له وقيل طامعة فيما أعطيها حريصة عليه ومعنى راغمة بالميم كارهة للإسلام ساخطة له قال الطيبي تحريره إن قوله راغبة إذا أطلقت من غير تقييد يقدر راغبة عن الإسلام لا غير وإذا قرنت بقوله وهي مشركة أو في عهد قريش يقدر راغبة في صلتي ليطابق ما رواه أبو داود وهي راغمة أفاصلها قال نعم صليها أي واعطيها ما يرضيها قال النووي وفيه جواز صلة القريب المشرك متفق عليه وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول إن آل


أبي أي أبى فلان كما في نسخة صحيحة فقيل هو كناية من بعض الرواة خوفا من الفتنة والمكنى عنه هو أبو سفيان بن حرب وقيل هو الحكم بن العاص والأظهر أنه على العموم من طوائف قريش أو بني هاشم أو أعمامه وهو ظاهر الحديث أي أهل أبي ليسوا لي بأولياء لأنه كما قال تعالى إن أولياؤه إلا المتقون الأسراء وأشار إليه بقوله إنما وليي الله وفي نسخة بياء واحدة مشددة مفتوحة وروي مكسورة وصالح المؤمنين أي صلحاؤهم والمراد بالصالح الجنس ولذلك عم بالإضافة وهو مقتبس من قوله تعالى فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين التحريم وكذلك في قوله إن وليي الله الذي أنزل الكتاب وهو يتولى الصالحين الأعراف إيماء إلى هذا المعنى وفي رواية الطبراني عن أنس مرفوعا آل محمد كل تقي وقيل المراد بصالح المؤمنينن الأنبياء وقيل أبو بكر وعمر وقيل علي والصحيح العموم قال التوربشتي المعنى إني لا أوالي أحدا بالقرابة وإنما أحب الله سبحانه وأوالي من والى بالإيمان والصلاح وأراعي لذوي الرحم حقهم بصلة الرحم وهذا معنى قوله ولكن لهم أي لآل أبي رحم أي قرابة أعم من ذي محرم أو غيره أبلها بضم الموحدة واللام المشددة أي أصلها ببلالها بكسر الموحدة الثانية ويفتح أي بصلتها والإحسان إليها والأصل في معناه أن يقال أنديها بما يجب أن تندى لئلا تنقطع وأصلها بما ينبغي أن توصل به يقال الوصل بل يوجب الالتصاق والاتصال والهجر يبس يفضي إلى التعنت والانفصال فالبلال بالكسر ما يبل به الحلق من الماء واللبن والمراد به ههنا ما يوصل به الرحم من الإحسان وقال بعض الشراح يروى بفتح الباء على المصدر وبكسرها جمع بلل مثل جمل وجمال وقيل الكسر أوجه ومنه قوله عليه السلام على ما رواه البزار عن ابن عباس والطبراني عن أبي الطفيل والبيهقي عن أنس وسويد بن عمر ومرفوعا بلوا أرحامكم ولو بالسلام أي صلوها وندوها والعرب تقول للقطيعة اليبس شبه قطيعة الرحم بالحرارة تطفا بالماء وتندى بالصلة


متفق عليه وعن المغيرة أي ابن شعبة الثقفي أسلم عام الخندق وقدم مهاجرا بالكوفة وهو أميرها لمعاوية قال قال رسول الله إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات أي مخالفتهن من العق وهو القطع والشق المراد صدور ما يتأذى به أحد الوالدين من ولده عرفا بقول أو فعل وخص الأمهات بالذكر للاهتمام بشأنهن وضعفهن ويمكن أن يكون من قبيل الاكتفاء
يذكر أحد الشيئين من الآخر كقوله تعالى وسرابيل تقيكم الحر النحل أي الحر والبرد وقال الخطابي لم يخص الأمهات بالعقوق فإن عقوق الآباء محرم أيضا ولكن نبه بأحدهما عن الآخر فإن بر الأم مقدم على بر الأب إلا أن لعقوق الأمهات مزية في القبح وحق الأب مقدم في الطاعة وحسن المتابعة لرأيه والنفوذ لأمره وقبول الأدب منه وأد البنات بسكون الهمز ويبدل أي دفنهن حيات قيل قدم حقوق الأمهات لأنهن الأصول وعقبه بوأد البنات لأنهن الفروع فكان ذلك تنبيها على أن أكبر الكبائر قطع النسل الذي هو موجب لخراب العالم ومنع بسكون النون ويفتح وبفتح العين على أنه مصدر أو ماض وفي رواية الجامع الصغير ومنعا بالتنوين وهات بكسر التاء وهو اسم فعل بمعنى اعط وعبر بهما عن البخل والسؤال أي كره أن يمنع الرجل ما عنده ويسأل ما عند غيره قيل ولم ينون على رواية المصدر لأن المضاف إليه محذوف منه مرادا أي كره منع ما عنده وقول هات وفي النهاية أي حرم عليكم منع ما عليكم عطاؤه وطلب ما ليس لكم أخذه اه وقيل نهى عن منع الواجب من أمواله وأقواله وأفعاله وأخلاقه من الحقوق اللازمة فيها ونهى عن استدعاء مما لا يجب عليهم من الحقوق وتكليفه إياهم بالقيام بما لا يجب عليهم فكأنه ينصف ولا ينتصف وهذا من أسمج الخلال وكره بكسر الراء وفي نسخة بتشديدها مع فتحها في القاموس كرهه كسمعه وكرهه إليه تكريها صيره كريها لكم أي لأجلكم قيل وقال بصيغتي المجهول والمعلوم للماضي في الفائق نهى عن فضول ما يتحدث به المجالسون من قولهم قيل كذا وقال كذا وبناؤهما على


كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خاليين من الضمير ومنه قوله إنما الدنيا قال وقيل وإدخال حرف التعريف عليهما لذلك في قولهم يعرف من القيل وفي النهاية وهذا النهي إنما يصح في قول لا يصح ولا يعلم حقيقته فأما من حكى ما يصح ويعرف حقيقته وأسنده إلى ثقة صادق فلا وجه للنهي عنه ولا ذم وقال أبو عبيد فيه تجوز عربية وذلك أنه يجعل كلا من القيل والقال مصدرا كأنه نهى عن قيل وقول يقال قلت قولا وقالا وقيلا وهذا التأويل على أنهما اسمان وقيل أراد النهي عن كثرة الكلام مبتدئا ومجيبا وقيل هذا الكلام يتضمن بعمومه حرمة النميمة والغيبة فإن تبليغ الكلام من أقبح الخصال والإصغاء إليها من أفحش الفعال وقال شارح قوله قيل وقال إما مصدران أتى بهما للتأكيد وحذف التنوين لإرادة المضاف إليه المحذوف أي كره لكم قيل وقال ما لا فائدة فيه أو ماضيان وفيه تنبيه على ترك الخوض في إخبار الناس وتتبيع أحوالهم حكاية أقوالهم وأفعالهم وقال السيوطي المراد بها كثرة الكلام لأنها تؤول إلى الخطأ في المرام وقيل حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر بها ويقول قال فلان كذا وقيل له كذا والنهي إما للزجر عن الاستكثار منه أو لشيء مخصوص وهو أن يكرهه المحكي عنه ثم هما فعلان ذكرا على الحكاية وقيل اسمان مصدران بمعنى القول وللكشميهني قيل وقال بالتنوين وكثرة السؤال بالهمز ويبدل وفيه وجوه أحدها ما في الفائق السؤال عن أمور الناس وكثرة البحث عنها وثانيها مسألة الناس


أموالهم قال التوربشتي ولا أرى حمله على هذا فإن ذلك مكروه وإن لم يبلغ حد الكثرة وثالثها كثرة السؤال في العلم للامتحان وإظهار المراء وقيل بلا حاجة أو مطلقا فإنه قد يفضي به إلى ما لا يعنيه ورابعها كثرة سؤال النبي قال تعالى لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم المائدة وإضاعة المال في الفائق هو إنفاقه في غير طاعة الله والسرف قال الطيبي قيل والتقسيم الحاصر فيه الحاوي بجميع أقسامه أن تقول إن الذي يصرف إليه المال إما أن يكون واجبا كالنفقة والزكاة ونحوهما فهذا لا ضياع فيه وهكذا إن كان مندوبا إليه وإما أن يكون مباحا ولا إشكال إلا في هذا القسم إذ كثير من الأمور يعده بعض الناس من المباحات وعند التحقيق ليس كذلك كتشييد الأبنية وتزيينها والإسراف في النفقة والتوسع في لبس الثياب الناعمة والأطعمة الشهية اللذيذة وأنت تعلم أن قساوة القلب وغلظ الطبع يتولد من لبس الرقاق وأكل الرقاق وسائر أنواع الارتقاق ويدخل فيه تمويه الأواني والسقوف بالذهب والفضة وسوء القيام على ما يملكه من الرقيق والدواب حتى تضيع وتهلك وقسمة مالا ينتفع الشريك به كاللؤلؤة والسيف يكسران وكذا احتمال الغبن الفاحش في البياعات وإيتاء المال صاحبه وهو سفيه حقيق بالحجر وهذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق الذي هو منبع الأخلاق الحميدة والخلال الجميلة قلت وهو من جوامع الكلم وبدائع الحكم وممل يدل على جواز السجع حيث لا تكلف متفق عليه وعن عبد الله بن عمرو أي ابن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله من الكبائر يا أي من جملتها أو بعضها شتم الرجل والديه أي سبه إياهما أو أحدهما ولو تسببا قالوا يا رسول الله وهل يشتم بكسر عينه ويضم أي يسب الرجل والديه أي هل يقع ذلك قال نعم أي يقع حقيقة تارة وهو نادر ومجازا أخرى وهو كثير لكن ما تعرفونه ثم بينه بقوله يسب أبا الرجل فيسب أي الرجل أباه أي أبا من سبه ويسب أي تارة أخرى وقد يجمع ويسب أيضا أمه أي أم الرجل


فيسب أي الرجل أمه أي أم سابه وفي الجمع بين الشتم والسب تفنن ففي القاموس شتمه يشتمه ويشتمه سبه وقد يفرق بينهما ويقال السب أعم فإنه شامل للعن أيضا بخلاف الشتم وأصل السب على ما في القاموس سبه قطعه وطعنه في السبة أي الأست وشتمه والسبة بضم العار وقيل وإنما ذلك من الكبائر إذا كان
الشتم مما يوجب حدا كما إذا شتمه بالزنا والكفر وقال له أبوك زان أو كافر أو نحوهما فقال في جوابه بل أبوك كافر أو زان أما إذا شتمه بما دون ذلك بأن قال له أبوك أحمق أو جاهل أو نحوهما فلا يكون من الكبائر قلت إذا كان بعض أفراده كبيرة فيصدق عليه أنه من الكبائر قال الطيبي ويمكن أن يقال إنه من الكبائر مطلقا لأن سبب السب سب فكأنه واجه أباه يقوله أنت أحمق وجاهل ولا شك أن هذا من الكبائر وقد قال تعالى ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما الإسراء ونحوه قوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم الأنعام قلت السب لا يصح أن يكون كبيرة لا سيما إذا وجد من غير قصد ألا ترى أنه من سب رافضيا أو خارجيا فسب أحدهما بعض الصحابة لا يعد الأول سابا وكذا إذا سب أحد بعض الكفار فيسبوا الله فإنه لا يصير كافرا نعم ما يتوسل به إلى الحرام حرام لكن بشرط وعلمه قال النووي وفيه قطع بتحريم الوسائل والذرائع فيؤخذ منه النهي عن بيع العصير لمن يتخذ الخمر والسلاح ممن يقطع الطريق ونحو ذلك قلت ويؤخذ هذا الحكم من قوله وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان المائدة متفق عليه وروى ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن أبي هريرة مرفوعا من الكبائر استطالة الرجل في عرض رجل مسلم ومن الكبائر البهتان بالسبة وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله إن من أبر البر أي أفضله بالنسبة إلى والده وكذا الوالدة أو هي بالأولى صلة الرجل أهل ود أبيه بضم الواو أي أصحاب مودته ومحبته وفي القاموس الود الحب والمحب ويثلث اه وإرادة المعنى الثاني


أبلغ هنا كما لا يخفى بعد أن يولي بتشديد اللام المكسورة أي يدبر ويغيب بسفر أو موت وهو الأظهر لكونه أبعد من الرياء والسمعة فيكون أخلص فأجره أكثر ولما رواه أبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده قال التوربشتي هذه الكلمة مما يتخبط الناس فيها والذي أعرفه هو أن الفعل مسند إلى أبيه أي بعد أن يغيب أبوه أو يموت من ولى يولي ويؤيده حديث أبي أسيد الساعدي يعني الآتي إنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما قال الطيبي وهكذا صحح في جامع الأصول ومشارف الأنوار أن يولي بضم الياء وفتح الوا


وكسر اللام المشددة قلت ولعل الخبط جاء من قبيل الضبط بأن ضبط يولي مجهولا أو معلوما من التولي أو من قبل الإسناد حيث أسند إلى أهل ود أبيه والله أعلم ثم المعنى إن من جملة المبرات الفضلى مبرة الرجل من أحباء أبيه فإن مودة الآباء قرابة الأبناء وخلاصته أنه إذا غاب الأب أو مات يحفظ أهل وده يحسن إليهم فإنه من تمام الإحسان إلى الأب وإنما كان أبر لأنه إذا حفظ غيبته فهو بحفظ حضوره أولى وإذا راعى أهل وده فكأن مراعاة أهل رحمه أخرى رواه مسلم وعن أنس رضي الله عنه أحب أن يبسط بصيغة المجهول أي يوسع له في رزقه أي في دنياه أو آخرته وينسأ بضم فسكون ففتح فنصب فهمزة أي يؤخر له في أثره بفتحتين أي أجله فليصل رحمه في النهاية النسأ التأخير يقال نسأت الشيء انسأ وأنسأنه إذا أخرته والنساء الاسم ويكون في العمر والدين والأثر والأجل ويسمى به لأنه يتبع العمر قال زهير يسعى الفتى لأمور ليس يدركها والنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر وأصله من أثر مشيه في الأرض فإن من مات لا يبقى له أثر فلا يرى لإقدامه في الأرض أثر قال النووي في تأخير الأجل سؤال مشهور وهو أن الآجال والأرزاق مقدرة ولا تزيد ولا تنقص فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون وأجاب العلماء بوجوه أحدها أن الزيادة بالبركة في العمر بسبب التوفيق في الطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانتها عن الضياع وغير ذلك وثانيها أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ ونحو ذلك فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون وقد علم الله تعالى ما سيقع له من ذلك وهو من معنى قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت الرعد فبالنسبة إلى علم الله تعالى وما سبق قدره لا زيادة بل هي مستحيلة وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين يتصور الزيادة وهو مراد الحديث وثالثها أن المراد بقاء ذكره الجميل


فكأنه لم يمت وهو ضعيف اه وإنما قال في القول الأوسط أنه مراد الحديث لأن الأول أيضا يرجع إليه فإن بركة العمر وتوفيق العمل من جملة المقدرات التي لا تزيد ولا تنقص في الحقيقة وكذا الأخير وإنما ضعفه لأنه من جملة الصيت المشتمل على الرياء والسمعة غالبا فلا يصح أن يكون مراد الحديث وإن كان له وجه في الجملة على أنه ورد في
غير حديث أن صلة الرحم تزيد في العمر فإرادة غير الأجل المتعارف خلاف الحقيقة والعدول منها إلى المجاز غير جائز بلا ضرورة وقد غفل الطيبي عن هذا المعنى فتعقب النووي على غير المبني فقال وكان هذا الوجه أظهر فإن أثر الشيء حصول ما يدل على وجوده فمعنى يؤخر في أثره أي يؤخر ذكره الجميل بعد موته أو يجري له ثواب عمله الصالح بعد موته قال تعالى ونكتب ما قدموا وآثارهم ي صلى الله عليه وسلم س قلت وفيه إن المعنى الثاني عام غير مخصوص بواصل الرحم بقي الأول قال وعليه كلام صاحب الفائق حيث قال يجوز أن يكون المعنى أن الله يبقي أثر واصل الرحم في الدنيا طويلا فلا يضمحل سريعا كما يضمحل أثر قاطع الرحم قلت كيف يجوز ما عبر عنه الفائق بيجوز أن يكون هو الأظهر في مراد الحديث والله أعلم متفق عليه ورواه أبو داود والنسائي عن أنس وأحمد والبخاري أيضا عن أبي هريرة وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله خلق الله الخلق أي قدر المخلوقات في العلم السابق على ما هو عليه وقت وجودهم فلما فرغ منه أي لما صح ذلك ووقع ما هنالك قال التوربشتي أي قضاء وأتمه أو نحو ذلك مما يشهد بأنه مجاز القول فإنه سبحانه وتعالى لا يشغله شأن عن شأن حتى يطلق عليه الفراغ الذي هو ضد الشغل قامت الرحم أي قيام صورة مصورة أو معنوية مقدرة فأخذت بحقوى الرحمن أي بكتفي رحمته العامة والخاصة والحقو بفتح الحاء وسكون القاف الإزار والخصر ومعقد الازار في اللغة والمراد به هنا والله أعلم الاستعارة عن الإستغاثة والاستعانة كما يقال أخذت بذيل الملك حتى


أنصفني وتوضيحه أنه لما كان من شأن المستجير أن يستمسك بحقوى المستجار به وهما جانباه الأيمن والأيسر استعير الأخذ بالحقو في اللياذ بالشيء تقول العرب عذت بحقو فلان أي استجرت واعتصمت به والحاصل أن الرحم استعاذت بلسان القال أو ببيان الحال والتجأت وعاذت بعزة الله وعظمته من أن يقطها أحد ووجه تخصيص الرحمن لا يخفى من مناسبة المبنى والمعنى ولا يبعد أن يقال التقدير بحقوى عرش الرحمن أي بطرفيه أو أطراف ذيله مترددة من جانب إلى جانب كما يدل عليه حديث عائشة الآتي الرحم معلقة بالعرش فقال مه بفتح ميم وسكون هاء اسم فعل أي اكففي وامتنعي عن هذا الالتجاء فإن حاجتك مقضية والأظهر أن يكون استفهاما وقلبت الألف هاء ويمكن حذف ألف الاستفهام ثم إتيان هاء السكت والمعنى ما يقول والمراد منه الأمر بإظهار الحاجة ليعلم الاعتناء بها لا الاستعلام فإنه يعلم السر وأخفى قالت هذا أي مقامي هذا مقام العائذ أي المستعيذ بك


من القطيعة أي قطيعتي والمعنى أن سبب عياذي وباعث لياذي بذيل رحمتك التي وسعت كل شيء أن يقطعني أحد فيقع في غضبك وسخطك قال ألا ترضين بفتح الضاد أي ألا تحبين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى يا رب أي أرضى بذلك فإنك الرب تربي من تشاء بما تشاء وتعطي من تشاء ما تشاء قال فذاك بكسر الكاف مبتدأ أو خبره محذوف أي لك والمعنى أفعل ما قلت من الوصل والقطع قال النووي الرحم التي توصل وتقطع إنما هي معنى من المعاني والمعاني لا يتأتى منها القيام ولا الكلام فيكون المراد تعظيم شأنها وفضيلة وأصلها وعظم إثم قاطعها ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة وللصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ومنها مستحب ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها ولا يسمى قاطعا ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له أن يفعله لا يسمى واصلا وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله الرحم قال السيوطي أي رحم الأقارب كيف كانوا شجنة بكسر الشين المعجمة وبضم وسكون الجيم فنون وفي القاموس أنها مثلثة وضبط في النهاية بالكسر والضم وبعض الشراح بالكسر والفتح وهي في الأصل عروق الشجر المشتبكة والمراد منها هنا أنها مشتقة من الرحمن أي من الرحم المشتق من اسم الرحمن فكأنها مشتبكة به اشتباك العروق وقيل في وجه الشجنة أن حروف الرحم موجود في اسم الرحمن ومتداخلة كتداخل العروق لكونهما من أصل واحد والمعنى أنها أثر من آثار رحمته ومشتبكة بها فالقاطع منها قاطع من رحمة الله والواصل فيها واصل إلى رحمته تعالى كما بينه بقوله فقال الله من وصلك أي أيها الرحمن بالصلة وصلته أي بالرحمة ومن قطعك قطعته أي عنها رواه البخاري وكذا أبو داود ولكن عن عائشة وعن عائشة رضي الله عنه قالت قال رسول الله الرحم معلقة بالعرش


أي مستمسكة بعرش الرحمن متعلقة بذيله مستجيرة من القطيعة مخبرة عن حكم الصلة تقول أي بطريق الإخبار بداية ورواية وحكاية وتلذذا بما سمعت من الله تعالى أو على سبيل الدعاء من وصلني وصله الله أي بحسن رعايته وبجميل حمايته ومن قطعني قطعه الله أي عن عين عنايته ومن كمال رحمته ورأفته فالوصل كناية عن الإقبال إليه والقبول منه والقطع عبارة عن الغضب عليه والإعراض عنه قال النووي واختلفوا في حد الرحم التي يجب صلتها فقيل في كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام وأولاد الأخوال واحتج هذا القائل بتحريم بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح ونحوه وجواز ذلك في بنات الأعمام وقيل هو عام في كل رحم من ذوي الأرحام في الميراث يستوي المحرم وغيره ويدل عليه قوله ثم أدناك ثم أدناك قلت وهذا هو الصحيح لقوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وأما ما قاله القائل الأول فإنما هو تعريف ذي رحم محرم لا مطلق الرحم والله أعلم متفق عليه وفي الجامع أسنده إلى مسلم والله أعلم وعن جبير بن مطعم مر ذكره قال قال رسول الله لا يدخل الجنة قاطع أي للرحم أو للطريق ويدل على الأول إيراده في هذا الباب مع أنه يمكن أن يكون باعتبار أحد معنييه قال النووي قد سبق نظائره مما حمل تارة على من يستحل القطيعة بلا سبب ولا شبهة مع علمه بتحريمها وأخرى لا يدخلها مع السابقين قلت وأخرى لا يدخلها مع الناجين من العذاب متفق عليه ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وعن ابن عمرو بالواو وفي نسخة بلا واو قال ميرك الصحيح أن راوي هذا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص لا ابن عمر والله أعلم قلت وكذا أسنده السيوطي في الجامع الصغير إلى ابن عمرو قال قال رسول الله ليس الواصل أي واصل الرحم بالمكافىء بكسر فاء فهمز أي المجازي لأقاربه أن صلة فصلة وإن قطعا فقطع والمراد به


نفي الكمال ولكن الواصل بتشديد النون وفتح اللام وفي نسخة بتخفيف النون وكسرها للالتقاء ورفع اللام أي ولكن الواصل الكامل الذي إذا قطعت بصيغة المجهول رحمه بالرفع على نيابة الفاعل ويؤيده رواية الجامع إذا انقطعت رحمه وفي نسخة بصيغة الخطاب ونصب رحمه على المفعولية وصلها أي قرابته التي تقطع عنه وهذا من باب الحث على مكارم الأخلاق كقوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن السيئة فصلت في آية أخرى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فصلت وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم فصلت ومنه قوله على ما رواه البخاري عن علي صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك وقل الحق ولو على نفسك هذا وقد قال الطيبي التعريف الواصل للجنس أي ليس حقيقة الواصل ومن يعتد بوصله من يكافىء صاحبه بمثل فعله ونظيره قولك هو ليس بالرجل بل الرجل من يصدر منه المكارم والفضائل والرواية في لكن بالتشديد وإن جاز التخفيف رواه البخاري وكذا أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله أن لي قرابة أي ذوي قرابة أصلهم ويقطعوني بتشديد النون ويخفف وكأنه أراد بالوصل المأتي إليهم وبالقطع ضده ولذا قال وأحسن إليهم أي بالبر والوفاء ويسيؤون إلي أي بالجور والجفاء واحلم عنهم أي بالعفو والتحمل ويجهلون علي أي بالسب والغضب وكان لفظة على ساقطة في أصل الطيبي فقال قوله ويجهلون متعلقة بمحذوف أي علي يعني يغضبون ثم هذا كما قال بعض الشعراء وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ع وإن هم هووا عني هويت لهم رشدا فقال أي النبي لئن كنت كما قلت أي إن كان مقولك كما قلت أو إن كنت مثل ما قلت من الأوصاف الجميلة والأخلاق الجزيلة فكأنما بالفاء تسفهم بضم فكسر فتشديد فاء من باب


الأفعال مأخوذ من السقوف بالفتح يقال سفقته بالكسر أسفه وأسعفته
غيري أي تلقي في وجوههم الملل بفتح الميم وتشديد اللام أي الرماد الحار الذي يدفن فيه الخبز لينضج أي تجعل الملة لهم سفوفا يسفونه والمعنى إذا لم يشكروا فإن عطاءك إياهم حرام عليهم ونار في بطونهم وقال التوربشتي أي إحسانك إليهم إذا كانوا يقابلونه بالإساءة يعود وبالا عليهم حتى كأنك في إحسانك إليهم مع إساءتهم إياك أطعمتهم النار اه وقيل إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم فصاروا كمن سف المل وقيل بإحسانك إليهم كالمل يحرق أحشاءهم وقيل يجعل وجوههم كلون الرماد هذا وقال الطيبي قوله فكأنما في المصابيح ومسلم وكتاب الحميدي وجامع الأصول بالفاء والظاهر باللام لأن اللام في قوله لئن كنت موطئة للقسم وهذه جوابه سد مسد جواب الشرط اللهم إلا أن يعكس ويجعل جزاء الشرط سادا مساد جواب القسم وقد ورد في شرح السنة لكأنما ولا يزال معك من الله أي من عنده ظهير عليهم أي معين لك عليهم ودافع عنك أذاهم ما دمت على ذلك أي ما ذكرت من إحسانك وإساءتهم فالجملة عطف على قوله لئن قلت وإن عطفت علي فكأنما فقوله ما دمت واقع موقع التأكيد وإشعار بأن هذا هو المسلك السديد وإن كان على النفس لشديد رواه مسلم
الفصل الثاني


عن ثوبان أي مولى رسول الله رضي الله عنه قال قال رسول الله لا يرد القدر بفتح الدال وقد يسكن أي القضاء المعلق إلا الدعاء أي المستجاب المحقق ولا يزيد في العمر بضمتين وهو الأفصح وبضم فسكون أي أيام الحياة الفانية التي خلقت لعمارة الحياة الباقية إلا البر كما روي أن الدنيا مزرعة الآخرة فالدنيا معمر والآخرة معبر قال التوربشتي يحتمل أن يكون المراد بالقدر أمر لولا الدعاء لكان مقدرا وبالعمر ما لولا البر لكان قصيرا وهو القضاء المعلق في اللوح المحفووظ المكشوف لملائكته وبعض خلص عباده من أنبيائه وأوليائه لا من القضاء المبرم المتعلق به علم الله المعبر عنه بأم الكتاب في قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب الرعد فيكون الدعاء والبر سببين من أسباب ذلك وهما مقدران أيضا كتقدير حسن الأعمال وسيئها اللذين من أسباب السعادة


والشقاوة مع أنهما مقدران أيضا والمراد برد القدر تسهيل للأمر المقدور عليه حتى يصير كأنه قد رد والمراد بزيادة العمر البركة فيه ففي شرح السنة ذكر أبو حاتم السجستاني في معنى الحديث أن دوام المرء على الدعاء يطيب له ورودا القضاء فكأنما رده والبر يطيب له عيشه فكأنما زيد في عمره والذنب يكدر عليه صفاء رزقه إذا فكر في عاقبة أمره فكأنما حرمه وأن الرجل ليحرم بصيغة المفعول وقوله الرزق بالنصب على أنه مفعول ثان والمعنى ليصير محروما من الرزق بالذنب أي بسبب ارتكابه يصيبه أي حال كونه يصيب الذنب ويكتسبه قال المظهر له معنيان أحدهما أن يراد بالرزق ثواب الآخرة وثانيهما أن يراد به الرزق الدنيوي من المال والصحة والعافية وعلى هذا إشكال فإنا نرى الكفار والفساق أكثر مالا وصحة من الصلحاء والجواب أن الحديث مخصوص بالمسلم يريد الله به أن يرفع درجته في الآخرة فيعذبه بسبب ذنبه الذي يصيبه في الدنيا قلت وهذا أيضا من القضاء المعلق لأن الآجال والآمال والأخلاق والأرزاق كلها بتقديره وتيسيره رواه ابن ماجه وكذا ابن حبان والحاكم في صحيحيهما والبغوي في شرح السنة ذكره ميرك وفي الجامع الصغير لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر رواه الترمذي والحاكم عن سلمان وفي الحصن لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في مستدركه قال ميرك رواه الترمذي وابن ماجه عن سلمان والباقيان عن ثوبان لكن في روايتهما لا يرد القدر كما نقله صاحب السلاح عنهما وفي الترغيب للمنذري عن ثوبان كما في أصل المشكاة وقال رواه ابن حبان والحاكم واللفظ له وقال صحيح الإسناد والله أعلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله دخلت الجنة أي في عالم المنام لما سيأتي فسمعت فيها قراءة أي صوت قراءة يقرؤها أحد أو قراءة قارىء على أن التنوين عوض من المضاف إليه فقلت من هذا أي القارىء لها قالوا حارثة


بن النعمان بضم أوله شهد بدرا وأحد والمشاهد كلها وكان من فضلاء الصحابة روي أنه قال مررت على رسول الله ومعه جبريل جالس بالمقاعد فسلمت عليه وجزت فلما رجعت وانصرف النبي قال لي هل رأيت الذي كان معي قلت نعم قال فإنه جبريل وقد رد عليك السلام وكان قد كف بصره هذا ولما قص عليهم الرؤيا كما ورد في رواية أخرى عن الزهري
قال نمت فرأيتني في الجنة الخ خاطبهم بقوله كذلكم البر جزاؤه أو أريد به المبالغة حيث جعل جزاء البر برا كذلكم البر كرره للتقرير والتوكيد قال الطيبي المشار إليه ما سبق والمخاطبون الصحابة فإنه رأى هذه الرؤيا ووقص على أصحابه فلما بلغ إلى قوله حارثة بن النعمان نبههم على سبب نيل تلك الدرجة فقال كذلكم البر أي مثل تلك الدرجة تنال بسبب البر اه ولا يبعد أن يكون كذلك البر من جملة مقول الملائكة والخطاب له وجمع تعظيما أو أريد هو وأصحابه تغليبا وكان أبر الناس بأمه هذا من كلام الراوي ويحتمل أن يكون من كلامه رواه في شرح السنة والبيهقي في شعب الإيمان وفي روايته أي رواية البيهقي قال نمت فرأيتني في الجنة بدل دخلت الجنة وقال الجزري في التصحيح بعد الرواية الأولى رواه الحاكم في صحيحه وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي ورواه البيهقي في شعبه ورواه محيي السنة في شرح السنة من طريقين وعن عبد الله بن عمرو أي ابن العاص قال قال رسول الله رضا الرب في رضا الوالد وكذا حكم الوالدة بل هي أولى وسخط الرب في سخط الوالد رواه الترمذي أي من طريق يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا وموقوفا قال والموقوف أصح أخرجه ابن حبان في صحيحه مرفوعا ولفظه رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد كذا في التصحيح وفي الجامع الصغير رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمرو والبزار عن ابن عمر ورواه الطبراني عن ابن عمرو ولفظه رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما وقال المنذري في حديث الأصل رواه الحاكم وقال


صحيح الإسناد على شرط مسلم ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة إلا أنه قال طاعة الله طاعة الوالد ومعصية الله معصية الوالد رواه البزار من حديث ابن عمر أو ابن عمرو ولا يحضرني الآن أيهما ولفظه قال رضا الرب تبارك وتعالى في رضا الوالدين وسخط الرب تبارك وتعالى في سخط الوالدين وعن أبي الدرداء كان حق المؤلف أنه يذكر التابعي لتستقيم روايته أن رجلا
أتاه أي أبا الدرداء فقال إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله يقول الوالد أوسط أبواب الجنة قال القاضي أي خير الأبواب وأعلاها والمعنى أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة ويتوصل به إلى وصول درجتها العالية مطاوعة الوالد ومراعاة جانبه وقال غيره إن للجنة أبوابا وأحسنها دخولا أوسطها وأن سبب دخول ذلك الباب الأوسط هو محافظة حقوق الوالد اه فالمراد بالولد الجنس أو إذا كان حكم الوالد هذا فحكم الوالدة أقوى وبالاعتبار أولى فإن شئت فحافظ على الباب أي داوم على تحصيله أو ضيع حصول الباب بترك المحافظة عليه وهذا كلان أبي الدرداء والمعنى فاختر خيرهما رواه الترمذي وابن ماجه وكذا ابن حبان في صحيحه وأبو داود الطيالسي والحاكم في مستدركه وصححه وأقره الذهبي والبيهقي في شعبه وصححه الترمذي ونقله ميرك عن التصحيح وقال المنذري رواه الترمذي وغيره واللفظ وقال ربما قال سفيان إن أمي أو ربما قال أبي قال وهذا حديث صحيح رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه إن رجلا أتى أبا الدرداء فقال إن أبي لم يزل بي حتى زوجني وإنه الآن يأمر بطلاقها قال ما أنا بالذي آمرك أن تعق والدك ولا بالذي آمرك أن تطلق امرأتك غير أنك إن شئت حدثتك ما سمعت من رسول الله سمعته يقول الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ على ذلك إن شئت أو دع قال فأحسب عطاء قال فطلقها قلت وسيأتي في الفصل الثالث أنه قال لابن عمر طلقها لأن عمر كان يكرهها وفي الجامع الصغير الوالد أوسط أبواب الجنة رواه أحمد والترمذي


وابن ماجه والحاكم عن أبي الدرداء وعن بهز بفتح موحدة وسكون هاء فزاي ابن حكيم أي ابن معاوية بن حيدة القشيري البصري قد اختلف العلماء فيه وقد روى عن أبيه عن جده ولم يخرج البخاري ومسلم في صحيحهما شيئا وقال ابن عدي لم أر له حديثا منكرا ذكره المؤلف في فصل التابعين عن أبيه أي حكيم قال المؤلف أعرابي حسن الحديث روى عن أبيه وسمع منه ابنه بهز والجريري عن جده أي جد بهز وهو معاوية بن حيدة لم يذكره المؤلف لا في الصحابة ولا في التابعين والظاهر أنه صحابي قال قلت يا رسول الله من أبر بفتح الموحدة


وتشديد الراء على صيغة المتكلم أي من أحسن إليه ومن أصله قال أمك بالنصب أي أبر أمك وصلها أولا قلت ثم من أي أبر قال ثم من قال أمك وتقدمت حكمة هذا الحكم قلت ثم من قال أباك ثم الأقرب فالأقرب أي إلى آخر ذوي الأرحام رواه الترمذي وأبو داود وفي التصحيح أن اللفظ للترمذي وقال حسن وفي بعض النسخ حسن صحيح ورواه أبو داود بلفظ من أبر قال أمك ثم أمك ثم أمك ثم الأقرب فالأقرب ورواه الحاكم وقال صحيح وفي الجامع الصغير أمك ثم أمك ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن معاوية بن حيدة وابن ماجه عن أبي هريرة قلت وتقدم الحديث المتفق عليه في هذا المعنى أول الباب وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أحد العشرة المبشرة قال سمعت رسول الله يقول قال الله تبارك وتعالى أنا الله أي المعبود الواجب الوجود وكان هذا توطئة للكلام حيث ذكر العلم الخاص ثم ذكر الوصف المشتق من مادة الرحم فقال وأنا الرحمن أي المتصف بهذه الصفة خلقت الرحمن أي قدرتها أو صورتها مجسدة وشققت أي أخرجت وأخذت اسما لها أي للرحم من اسمي أي الرحمن وفيه إيماء إلى أن المناسبة الإسمية واجبة الرعاية في الجملة وإن كان المعنى على أنها أثر من آثار رحمة الرحمن ويتعين على المؤمن التخلق بأخلاق الله تعالى والتعلق بأسمائه وصفاته ولذا قال فمن وصلها وصلته أي إلى رحمتي أو محل كرامتي ومن قطعها بتته بتشديد الفوقية الثانية أي قطعته من رحمتي الخاصة رواه أبو داود وكذا الترمذي وكلاهما من رواية أبي سلمة عنه وقال الترمذي حسن صحيح قال المنذري في تصحيحه له نظر فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من رسول الله شيئا قاله ابن معين وغيره نقله ميرك وفي الجامع الصغير بلفظ قال الله تعالى أنا الرحمن أنا خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ومن بتها بتته فهو للتأكيد والمراد بالبت القطع الكلي ومنه طلاق البت وكذا قولهم البتة والله


أعلم رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والحاكم عن عبد الرحمن بن عوف والحاكم أيضا عن أبي هريرة
وعن عبد الله بن أبي أوفى جهني أنصاري شهد أحدا وما بعدها قال سمعت رسول الله يقول لا تنزل الرحمة بصيغة الفاعل على قوم فيهم وفي نسخة فيه وأفرده باعتبار لفظ القوم قاطع رحم قال التوربشتي يحتمل أنه أراد بالقوم الذين يساعدونه على قطيعة الرحم ولا ينكرون عليه ويحتمل أن يراد بالرحمة المطر أي يحبس عنهم المطر بشؤم القاطع رواه البيهقي في شعب الإيمان وعن أبي بكرة أي الثقفي قال قال رسول الله ما من ذنب ما نافية ومن زائدة للاستغراق أحرى أي أحق وأولى أن يعجل الله صلة أحرى على تقدير الباء أي بتعجيله سبحانه لصاحبه أي لمرتكب الذنب العقوبة مفعول يعجل وظرفه قوله في الدنيا مع ما يدخر بتشديد الدال المهملة وكسر الخاء المعجمة أي مع ما يؤجل من العقوبة له أي لصاحب الذنب في الآخرة من البغي أي من بغي الباغي وهو الظلم أو الخروج على السلطان أو الكبر ومن تفصيلية وقطيعة الرحم أي ومن قطع صلة ذوي الأرحام رواه الترمذي وأبو داود قال ميرك وقال الترمذي حسن صحيح ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد اه وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي بكرة ورواه الطبراني عنه أيضا ولفظه ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب وأن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم حتى أن أهل البيت ليكونوا فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله لا يدخل الجنة


منان قيل هو من المنة أي من يمن على الناس بما يعطيهم وذلك مذموم قال تعالى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى البقرة وقيل من المن بمعنى القطع قال تعالى وإن لك لأجرا غير ممنون القلم ومنه المنية أي قاطع الرحم وقاطع الطريق والظاهر أن الصيغة للنسبة أي صاحب المن ولا عاق أي عاص بأحد والديه ولا مدمن خمر أي شاربها من غير توبة وأما ما قيل من أن المعنى من يداوم على شرب الخمر فله مفهوم غير صحيح قال التوربشتي محمل هذا أنه لا يدخل مع الفائزين أو لا يدخل حتى يعاقب بما اجترحه من الإثم بكل واحد من الأعمال الثلاثة قلت لا بد من تقييده بالمشيئة لقوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء أي بشفاعة أو بغيرها رواه النسائي والدارمي وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله تعلموا من أنسابكم أي من أسماء آبائكم وأجدادكم وأعمامكم وأخوالكم وسائر أقاربكم ما أي قدر ما تصلون به أرحامكم وفيه دلالة على أن الصلة تتعلق بذوي الأرحام كلها لا بالوالدين فقط كما ذهب إليه البعض على ما سبق والمعنى تعرفوا أقاربكم من ذوي الأرحام ليمكنكم صلة الرحم وهي التقرب لديهم والشفقة عليهم والإحسان إليهم فإن صلة الرحم محبة بفتحات وتشديد موحدة مفعلة من الحب مصدر المبنى للمفعول وفي نسخة بكسر الحاء أي مظنة للحب وسبب للود في الأهل أي في أهل الرحم وفي نسخة بضم الميم ففي القاموس أحبه وهو محبوب على غير قياس ومحب قليل وحببته أحبه بالكسر شاذ وحببت إليه ككرم صرت حبيبا مثراة في المال أي سبب لكثرة المال وخبر ثان وفي النهاية هي مفعلة من الثرى وهو الكثرة منسأة بفتح الهمزة مفعلة من النسا وهو التأخير في الأثر بفتحتين أي الأجل والمعنى أنها سبب لتأخير الأجل وموجب لزيادة العمر وقيل باعث دوام واستمرار في النسل والمعنى أن يمن الصلة يقضي إلى ذلك رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب أي من هذا الوجه على ما في الجامع ورواه الحاكم وقال صحيح ذكره ميرك وعن ابن


عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجلا أتى النبي فقال يا رسول
الله إني أصبت أي فعلت ذنبا عظيما أي قوليا أو فعليا فهل لي من توبة أي رجعة بطاعة بعد الندامة القلبية تداركا للمعصية العظيمة قال هل لك من أم أي ألك أم فمن زائدة قال لا قال وهل لك من خالة يحتمل أن تكون من زائدة أو تبعيضية قال نعم قال فبرها بفتح الموحدة وتشديد الراء أمر من بررت فلانا بالكسر أبر بالفتح أي أحسنت إليه فأنا بار به وبر به والمعنى أن صلة الرحم من جملة الحسنات التي تذهبن السيئات أو تقوم مقامها من الطاعات وهو أحد معنى قوله تعالى إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات الفرقان قال المظهر يجوز أنه أراد عظيما عندي لأن عصيان الله تعالى عظيم وإن كان الذنب صغيرا ويجوز أن يكون ذنبه كان عظيما من الكبائر وأن هذا النوع من البر يكون مكفرا له وكان مخصوصا بذلك الرجل علمه النبي من طريق الوحي اه وتبعه ابن الملك وفيه أنه لا دلالة على أن الرجل مصر غير تائب من ذلك الذنب ليكون من خصوصياته رواه الترمذي وعن أبي أسيد بالتصغير الساعدي قال المؤلف أنصاري شهد المشاهدة كلها روى عنه خلق كثير مات سنة ستين وله ثمان وسبعون سنة بعد أن ذهب بصره وهو آخر من مات من البدريين قال بينا نحن عند رسول الله إذ جاءه رجل من بني سلمة بكسر اللام بطن من الأنصار ليس في العرب سلمة غيرهم فقال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي أي والدي وفيه تغليب شيء أي من البر أبرهما بفتح الموحدة أي أصلهما وأحسن إليهما به أي بذلك الشيء من البر الباقي بعد موتهما قال نعم الصلاة عليهما أي الدعاء ومنه صلاة الجنازة والاستغفار أي طلب المغفرة لهما وهو تخصيص بعد تعميم وإنفاذ عهدهما أي إمضاء وصيتهما من بعدهما أي من بعد موتهما ولو من من عهدهما وصلة الرحم أي وإحسان الأقارب التي لا توصل إلا بهما أي تتعلق بالأب والأم فالموصول صفة كاشفة للرحم قال الطيبي الموصول ليس بصفة


للمضاف إليه بل للمضاف أي الصلة الموصوفة فإنها خالصة بحقهما ورضاهما لا لأمر آخر ونحوه قلت يرجع المعنى إلى الأول فتدبر وتأمل وأما اعتبار خلوص النية وتصحيح الطوية فمعتبر في كل قضية غير
منحصر في جزئية مع أن ما ذكره مضاف لما نقله عن الإمام في الإحياء وأن العباد أمروا بأن لا يعبدوا إلا الله ولا يريدوا بطاعتهم غيره وكذلك من يخدم أبويه لا ينبغي أن يخدم لطلب منزلة عندهما إلا من حيث إن رضا الله في رضا الوالدين ولا يجوز له أن يرائي بطاعته لينال بها منزلة عند الوالدين فإن ذلك معصية في الحال وسيكشف الله عن ريائه فتسقط منزلته من قلبهما أيضا اه فنقله كلام الحجة عليه لا علينا رواه أبو داود وابن ماجه وعن أبي الطفيل بالتصغير وهو آخر من مات من الصحابة على وجه الأرض قال أرأيت النبي يقسم لحما بالجعرانة بكسر جيم فسكون عين وتخفيف راء وقد يكسر ويشدد الراء على ما في بعض النسخ إذ أقبلت امرأة وهي حليمة حتى دنت أي قربت إلى النبي فبسط لها رداءه فجلست عليه إما لعدم التكلف على ما هو دأب العرب أو لوجود أمر هناك قيل فيه إشارة إلى وجوب رعاية الحقوق القديمة ولزوم إكرام من له صحبة سابقة فقلت أي لبعضهم من هي فقالوا هذه وفي نسخة هي أمه التي أرضعته في المواهب اللدنية أما أمه في الرضاعة فحليمة بنت أبي ذؤيب من هوازن وهي التي أرضعته حتى أكملت رضاعه وجاءته عليه السلام يوم حنين فقام إليها وبسط رداءه لها فجلست عليه وكذا ثويبة جارية أبي لهب أيضا واختلف في إسلامها كما اختلف في إسلام حليمة وزوجها والله أعلم وكانت ثويبة تدخل عليه بعد أن تزوج خديجة فكانت تكرمها وأعتقها أبو لهب وكان عليه السلام يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر ذكره أبو عمرو رواه أبو داود
الفصل الثالث
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال بينما بالميم ثلاثة نفر


بالإضافة البيانية يتماشون بفتح الشين أي يسيرون في طريق أخذهم المطر أي جاءهم بكثرة فمالوا إلى غار في الجبل فانحطت أي نزلت وقعت على فم غارهم صخرة أي حجر كبير من الجبل فأطبقت أي الصخرة عليهم وأغلقت عليهم باب الغار وغطتهم فقال بعضهم لبعض انظروا أي تفكروا وتذكروا أعمالا عملتموها لله صالحة صفة أخرى لأعمالا أي خالصة لوجهه لا رياء ولا سمعة فيها يدل عليه قوله ابتغاء وجهك فيما بعد كذا قاله الطيبي وقال السيد جمال الدين الأظهر أن يقال صالحة لأعمالا وفي العبارة تقديم وتأخير أي انظروا أعمالا صالحة لله فأخرج بالقيد الأول الأعمال الغير الصالحة وبالثاني الغير الصالحة لله ويؤيده ما وقع في رواية للبخاري انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله قلت لا شك أن كلا من صالحة ولله صفة لأعمالا سواء أخرت إحداهما أو قدمت وإنما حمل الطيبي الثانية على أنها صفة مؤكدة لأن الأعمال التي عملت لله لا تكون إلا صالحة لكن قوله يدل عليه قوله ابتغاء وجهك فيما بعد مستدرك لأنه فهم من قوله لله نعم كلام السيد له وجه وجيه وتنبيه نبيه لكن على روايته التي ذكرها فإنه لا يلزم من الأعمال الصالحة أن تكون خالصة لله ولذا قيل الخلق كلهم هلكى إلا العاملون والعالمون كلهم هلكى إلا العالمون والعاملون كلجهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم فادعوا الله بها أي بتلك الأعمال الصالحة وبجعلها شفيعة ووسيلة إلى إجابة الدعوة لعله أي على رجاء أنه تعالى أو لكي يفرجها بتشديد الراء المكسورة وفي نسخة بفتح أوله وتخفيف الراء أي يزيل الصخرة أو يكشف الكربة ففي القاموس فرج الله الغم يفرجه كشفه كفرجه فقال أحدهم اللهم أنه أي الشان كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية بكسر فسكون جمع صبي أو ولي أيضا أطفال صغار كنت أرعى عليهم قال ابن الملك أي أرعى ماشيتهم قال الجوهري يقال فلان يرعى على أبيه أي يرعى غنمه اه والتحقيق ما ذكره الطيبي من أن الرعي ضمن معنى


الإنفاق فعدى بعلى أي أنفق عليهم راعيا الغنيمات وكذا قوله فإذا رحت عليهم ضمن معنى رددت أي إذا رددت الماشية من المرعى إلى موضع مبيتهم فحلبت عطف على رحت وقوله بدأت بوالدي جواب إذا وقوله أسقيهما بفتح الهمزة ويضم قبل ولدي بفتحتين وبضم الواو ويسكن اللام أي أولادي إما حال أو استئناف بيان للعلة وأنه أي الشأن قد نأى بي الشجر أي بعد بي طلب المرعى يوما وفي نسخة ناء بهمز بعد الألف وهو كرواية ابن ذكوان عن ابن عامر في قوله تعالى ونأى بجانبه الإسراء قال النووي وفي بعض نسخ مسلم نأى يجعل الهمزة قبل الألف وبه


قرأ أكثر القراء السبعة وهما لغتان أي صحيحتان فما أتيت أي إليهم لبعد المرعى عنهم حتى أمسيت أي دخلت في المساء جدا فوجدتهما قد ناما أي من الضعف أو من غلبة الانتظار وكثرة الإبطاء فحلبت كما كنت أحلب بضم اللام ويجوز كسره على ما في القاموس فجئت أي إليهما بالحلاب بكسر أوله وهو الإناء الذي يحلب فيه قيل وقد يراد بالحلاب هنا اللبن المحلوب ذكره الطيبي فيكون مجازا يذكر المحل وإرادة الحال والأظهر أنه أتى بالحلاب الذي فيه المحلوب استعجالا فقمت أي وقفت على رؤوسهما أي عند رؤوسهما كما في نسخة صحيحة أكره أن أوقظهما استئناف بيان أو حال وأكره يعني أيضا أن أبدأ بالصبية قبلهما أي مع أنهم غير نائمين لأجل الجوع والصبية يتضاغون بفتح الغين المعجمة أي يضجون ويصيحون من الجوع عند قدمي بفتح الميم وتشديد الياء وفي نسخة بالكسر والتخفيف والجملة حالية فلم يزل ذلك أي ما ذكر من الوقوف وغيره دأبي ودأبهم بالنصب وفي نسخة بالرفع أي عادتي وعادتهم والضمير للوالدين والصبية حتى طلع الفجر انشق الصبح وظهر نوره والمعنى أنه حينئذ سقيتهما أولا ثم سقيتهم ثانيا تقديما لإحسان الوالدين على المولودين لتعارض صغرهم بكبرهما فإن الرجل الكبير يبقى كالطفل الصغير ومن لم يصدق بذلك أبلاه الله بما هنالك فإن كنت أي بالله تعلم إني فعلت ذلك ابتغاء وجهك والترديد في أن عمله ذلك هل اعتبر عند الله لا خلاص فيه أو لا لعدمه فأفرج بهمز وصل وضم راء وفي نسخة بهمز قطع وكسر راء قال ميرك بهمزة الوصل وضم الراء من الفرج ويجوز بهمز القطع وكسر الراء من الإفراج أي اكشف لنا فرجة بضم الفاء وبفتح نرى منها السماء ففرج بتخفيف الراء ويكسر أي كشف الله لهم حتى يرون السماء بإثبات النون كما في بعض نسخ شرح السنة فيكون حكاية حال ماضية كقولك شربت الإبل حتى يخرج بطنه وفي بعضها بإسقاطه وحينئذ بضم الواو وصلا للالتقاء قال الثاني اللهم إنه أي الشأن كانت لي بنت عم أحبها قال


الطيبي ذكر ضمير الشان والمذكور في التفسير مؤنث وهذا يدل على جواز ذلك اه وقال العسقلاني وقع في كلام الأول اللهم إنه والثاني اللهم إنها والثالث اللهم إني وهو من التفنن وإنه في الأول ضمير الشان وفي الثاني للقصة ناسب ذلك أن القصة في امرأة اه فهذا الكلام يدل على أن رواية البخاري وقعت أنها في كلام الثاني خلاف المشكاة ذكره ميرك والظاهر أن عبارة المشكاة مأخوذة من مسلم لفظا ويكون قوله متفق عليه معنى كأشد ما يحب الرجال النساء أي حبا شديدا نحو قوله تعالى يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا


لله البقرة قال الطيبي صفة مصدر محذوف وما مصدرية أي أحبها حبا مثل أشد حب الرجال النساء أو حالا أي أحبها مشابها حبي أشد حب الرجال النساء ونظيره قوله تعالى يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية النساء فإن قوله تعالى أشد خشية حال على تقدير مشبهين أشد خشية من أهل خشية الله فطلبت إليها نفسها فيه تضمين معنى الإرسال أي أرسلت إليها طالبا نفسها فأبت حتى آتيها بالنصب وفي نسخة بالسكون على حكاية الحال الماضية أي أجيئها بمائة دينار فسعيت حتى جمعت مائة دينار فلقيتها أي أتيتها بها فلما قعدت بين رجليها قالت يا عبد الله يحتمل الإسمية والوصفية اتق الله أي عذابه أو مخالفته ولا تفتح الخاتم بفتح التاء وهو كناية عن البكارة فقمت عنها أي معرضا عن تعرضها اللهم فيه زيادة تضرع فإن كنت قال الطيبي عطف على مقدر أي اللهم فعلت ذلك فإن كنت تعلم إني فعلت ويجوز أن يكون اللهم مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه لتأكيد الابتهال والتضرع إلى الله تعالى فلا يقدر معطوف عليه وهو الوجه يدل عليه القرينة السابقة واللاحقة وإنما كرر اللهم في هذه القرينة دون أختيها لأن هذا المقام أصعب المقامات وأشقها فإنه ردع لهوى النفس فرقا من الله تعالى ومقامته قال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى النازعات قال الشيخ أبو حامد شهوة الفرج أغلب الشهوات على الإنسان وأصعبها عند الهيجان على العقل فمن ترك الزنا خوفا من الله تعالى مع القدرة وارتفاع الموانع وتيسر الأسباب لا سيما عند صدق الشهوة حاز درجة الصديقين قوله ذلك أي ما ذكر ابتغاء وجهك فافرج لنا أي زيادة فرجة منها أي من هذه الكرية أو الصخرة ويمكن أن تكون من للتبعيض أي بعض الفرجة ففرج أي الله لهم فرجة أي أخرى وقال الآخر بفتح الخاء وفي نسخة بكسرها ومآلهما واحد والثاني أدل على المقصود اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز بفتح همز وضم راء وتشديد زاي وفي القاموس الأرز


كأشد وعتل وقفل وطنب ورز ورنز وآرز ككابل وارز كعضد اه ففيه لغات بعدد أوله وآخره والفرق بكسر الراء ويسكن قال الطيبي الفرق بفتح الراء مكيال يسع ستة عشر رطلا وفي القاموس الفرق مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع ويحرك أو هو أفصح أو يسع ستة عشر رطلا أو أربعة أرباع وفي النهاية الفرق بالتحريك مكيال يسع ستة عشر رطلا وبالسكون مائة وعشرون رطلا ثم قيل وفي رواية بفرق ذرة فيجمع بأن الفرق كان من صنفين فلما قضى عمله أي عمل عمله وانتهى أجله قال اعطني حقي فعرضت عليه حقه فتركه ورغب عنه أي أعرض عن أخذه لمانع أو باعث فل


أزل أزرعه أي الأرز حتى جمعت منه أي من ذلك الأرز أو من زرعه بقرا وراعيها أي قيمتهما فاشتريتهما وهذا يدل على جواز تصرف الفضولي في مال الغير على وجه النصيحة وطريق الأمانة وإرادة الشفقة حيث استحسن ذلك منه فهو في حكم التقرير لا يقال لعل هذا شرع من قبلنا فإنه قد ورد نظيره في زمانه حيث دفع قيمة كبش لبعض أصحابه فاشتراه بها فباعه بضعف ثمنه واشترى كبشا آخر وأتى به مع قيمته فدعا له بالبركة فجاءني فقال اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي ظاهر كلامه عنف لكن باطنه حق ولطف فقلت اذهب إلى ذلك البقر وراعيها قال الطيبي ذلك إشارة إلى البقر باعتبار السواد المرئي كما يقال ذلك الإنسان أو الشخص فعل كذا وأنت الضمير الراجع إلى البقر باعتبار الجنس فقال اتق الله ولا تهزأ بي بالباء وفي نسخة بالنون ولعله توهم أنه حصل له من كلامه لا تظلمني جزع مع إيهام قوله اذهب إلى ذلك فقلت إني لا أهزأ بك فخذ ذلك البقر وراعيها فأخذه أي مجموع ما ذكر وفي نسخة فأخذها أي كلها فانطلق قال ميرك عند قوله حتى جمعت بقرا وراعيها وقع في رواية الصحيح فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال وفيها فقلت له كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرك وفيها فاستاقه فلم يترك شيئا فدلت هذه الرواية على أن قوله في الرواية المذكورة في المشكاة جمعت بقرا أنه لم يرد جمع البقر فقط وإنما كان الأكثر الأغلب فذلك اقتصر عليه ووقع في بعض الروايات أنه دفع إليه عشرة آلاف درهم وهو محمول على أنها كانت قيمة الأشياء المذكورة قلت ولا بدع أن الدراهم من زوائد الفوائد منضمة إليها فإن البركة توافي فإن كنت تعلم إني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي أي من إطباق الباب ففرج الله عنهم فإن قلت رؤية الأعمال نقصان عند أهل الكمال فما بال هذه الأحوال قلت فكأنهم توسلوا بما وقع له تعالى معهم من توفيق العمل الصالح المقرون بالإخلاص على أنه ينجيهم من مضيق الهلاك إلى قضاء الخلاص فكأنهم


قالوا كما أنعمت علينا بمعروفك أولا فأتم علينا فضلك ثانيا فإنا لا نستغني عن كرمك أبدا قال النووي استدل أصحابنا بهذا على أنه يستحب للإنسان أن يدعو في حال كربه وفي الاستسقاء وغيره ويتوسل بصالح عمله إلى الله تعالى فإن هؤلاء فعلوه واستجيب لهم وذكره النبي في معرض الثناء عليهم وجميل فضائلهم وفيه فضل بر الوالدين وإيثارهما على من سواهما من الأهل والولد وفيه فضل العفاف والانكفاف عن المحرمات لا سيما بعد القدرة عليها وفيه إثبات كرامات الأولياء وهو مذهب أهل الحق


قلت لا خلاف في جواز استجابة الدعاء للولي وغيره ما عدا الكافر فإن فيه خلافا لكنه ضعيف لاستجابة دعاء إبليس والاستدلال بقوله تعالى وما دعاء الكافرين إلا في ضلال الرعد غير صحيح لأنه ورد في دعاء الكفار في النار بخلاف الدنيا فإنه ورد أنه قال اتق دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونه حجاب على ما رواه أحمد وغيره عن أنس فمثل هذا لا يعد بعد من كرامات الأولياء لأن الكرامة من أنواع خوارق العادة قال وتمسك به أصحاب أبي حنيفة وغيرهم ممن يجوز بيع الإنسان مال غيره والتصرف فيه بغير إذنه إذا أجازه المالك بعد ذلك وأجاب أصحابنا بأن هذا إخبار عن شرع من قبلنا وفي كونه شرعا لنا خلاف فإن قلنا إنا متعبدون به فهو محمول على أنه استأجره في الذمة ولم يسلم إليه بل عرضه عليه فلم يقبضه فلم يتعين ولم يصر ملكه فالمستأجر قد تصرف في ملك نفسه ثم تبرع بما اجتمع منه من البقر والغنم وغيرهما قلت وفيه أن قوله استأجره في الذمة غير صحيح لما في الحديث التصريح بخلافه حيث قال استأجرت أجيرا بفرق أرز ولا بد من تعيينه وإلا فالإجارة المجهولة غير صحيحة عندهم وكذا يرد عليه قوله فعرضت عليه حقه لأنه لو فرض أنه في الذمة من غير تعيين لا يسمى حقه فالحق أحق أن يتبع ولا يوصل تقليد ويفرع متفق عليه وعن معاوية بن جاهمة بجيم ثم هاء مكسورة سلمي عداده في الحجازيين روى عن أبيه وعنه طلحة بن عبيد الله كذا ذكره المؤلف في فصل الصحابة ولم يذكر أباه أن جاهمة قيل هو ابن العباس بن مرداس السلمي جاء إلى النبي فقال يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك فقال هل لك من أم قال نعم قال فالزمها أي التزم خدمتها ومراعاة أمرها فإن الجنة أي وإن وردانها تحت ظلال السيوف على ما رواه الحاكم عن أبي موسى فهي حاصلة عند رجلها لكونها سببا لحصولها على ما ورد من رواية الخطيب في الجامع عن أنس أيضا الجنة تحت أقدام الأمهات قال الطيبي قوله عند رجلها كناية عن غاية


الخضوع ونهاية التذلل كما في قوله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة الإسراء ولعله عرف من حاله وحال أمه حيث ألزمه خدمتها ولزومها إن ذلك أولى به رواه أحمد والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان قال المنذري رواه ابن ماجه والنسائي واللفظ له والحاكم وقال صحيح الإسناد ورواه الطبراني بإسناد جيد ولفظه
قال أتيت النبي أستشيره في الجهاد فقال النبي ألك والدان قلت نعم قال ألزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما اه ولعل الاقتصار في الرواية الأولى للإشعار بأن خدمة الوالدة هي الأولى ولهذا اقتصر في حديث آخر على الأم حيث قال الجنة تحت أقدام الأمهات مع أن خدمة الوالد أيضا سبب لدخول الجنة بلا مرية وسيأتي في الحديث هما جنتك ونارك عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كانت تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي طلقها فأبيت أي امتنعت لأجل محبتي فيها فأتى عمر رسول الله فذكر ذلك له فقال لي رسول الله طلقها أمر ندب أو وجوب إن كان هناك باعث آخر رواه الترمذي وأبو داود وكذا النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث صحيح نقله ميرك عن المنذري وعن أبي أمامة أي الباهلي رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال يا رسول الله ما حق الوالدين على ولدهما قال هما جنتك ونارك أي أسبابهما والمعنى أن حقهما رضاهما الموجب لدخول الجنة وترك عقوقهما المقتضي لدخول النار ولا ينحصر في حق دون حق على ما يفهم من السؤال فالجواب له مطابقة مع المبالغة قال الطيبي الجواب من أسلوب الحكيم أي حقهما البر والإحسان إليهما وترك العقوق الموجبان لدخول الجنة وعدا وترك الإحسان والعقوق الموجبان لدخول النار وعيدا فأوجز كما ترى وقوله جنتك ونارك على الخطاب العام لأن سؤاله عام فيدخل فيه السائل دخولا أوليا رواه ابن ماجه وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وأنه لهما أي لأجلهما الصادق لهما أو لأحدهما لعاق اللام فيه للتأكيد ولهما


متعلق بعلق قدم عليه للاختصاص فلا يزال أي العاق في حياتهما التائب بعد موتهما يدعو لهما أي بالرحمة ونحوها ويستغفر لهما أي لذنوبهما حتى يكتبه الله أي في ديوان عمله بأمر الحفظة بارا فإن الحسنات يذهبن السيئات والتائب من الذنب كمن لا ذنب له وإنما قيدنا بالتوبة فإن العقوق من حقوق الله أيضا فلا بد منها حتى يصير بارا وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله من أصبح مطيعا لله في والديه أي في حقهما وفيه أن طاعة الوالدين لم تكن طاعة مستقلة بل هي طاعة الله التي بلغت توصيتها من الله تعالى بحسب طاعتهما لطاعته وكذلك العصيان والأذى وهو من باب قوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله الأحزاب ذكره الطيبي قلت ويؤيده إنه ورد لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق بل من أطاعهما ولم ينو رضا الله تعالى لا يكون بارا وفي نسخة والده وكأنه أراد به الجنس مع قطع النظر عن وصف الذكورة والأنوثة وقيل إنه من صبغ النسب كتامر ولابن فيشمل الأب والأم قلت ومع هذا لا بد أن يراد به الجنس ليستقيم قوله أصبح له بابان مفتوحان من الجنة يجوز أن يكون صفة أخرى لقوله بابان وأن يكون حالا من الضمير في مفتوحان ذكره الطيبي وإن كان وفي نسخة فإن كان أي الوالد المطاع واحدا فواحدا أي فكان الباب المفتوح واحدا إلى هنا رواه ابن عساكر عن ابن عباس ومن أمسى عاصيا لله تعالى في والديه أصبح له بابان مفتوحان من الناس وإن كان واحدا فواحدا قال رجل وإن ظلماه قال الطيبي يراد بالظالم ما يتعلق بالأمور الدنيوية لا الأخروية قال وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه ثلاث مرات للتأكيد والمبالغة وعنه أي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله قال ما من ولد بار ينظر إلى والديه أي أو أحدهما نظر رحمة أي محبة وشفقة إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة أي ثواب حجة نافلة مقبولة قالوا وإن نظر كل يوم مائة مرة أي أيكون


كذلك قال نعم الله أكبر أي أعظم مما يتصور وخيره أكثر مما يحصى ويحصر وأطيب أي أطهر من أن ينسب إلى قصور في قدرته ونقصان في مشيئته وإرادته قال الطيبي ولاستبعاده من أن يعطي الرجل بسبب النظرة حجة وإن نظر مائة مرة يعني الله أكبر مما في اعتقادك من أنه لا يكتب له تلك الأعداد الكثيرة ولا يثاب عليه ما هو أطيب اه وفيه أن قوله أطيب صفة لله لا للثواب والله أعلم بالصواب وعن أبي بكرة بالهاء رضي الله عنه قال قال رسول الله كل الذنوب أي جميع أنواع المعاصي ما عدا الشرك يغفر الله منها أي من جملتها ما شاء فمن تبعيضية والأظهر أنها مبينة مقدمة إلا عقوق الوالدين فإنه أي إليه يعجل أي الله لصاحبه أي لمرتكب العقوق جزاء ذنبه في الحياة قبل الممات أي فلا يؤخر إلى يوم القيامة واللام عوض عن المضاف إليه أي في حياة العاق قبل مماته ويمكن أن يكون التقدير في حياة الوالدين قبل مماتهما ثم يحتمل أن يكون في معناهما سائر حقوق العباد ولأن مثل هذا الوعيد أيضا ورد في حق أهل الظلم والبغي بغير الحق هذا وقال الطيبي إن من تبعيضية منصوبة المحل مفعول يغفر مجازا وما شاء بدل منه ويجوز أن يتعلق بيغفر وتكون ابتدائية وما شاء مفعول ومعنى الشمول في الكل الاستغراق يعني كل فرد فرد من أفراد الذنوب مغفور إذا تعلقت مشيئة الله تعالى به إلا عقوق الوالدين وهذا وارد على سبيل التغليظ والتشديد ومفعول يعجل محذوف أي العقوبة يدل عليه سياق الكلام اه وتبعه ابن الملك لكن في عبارتهما خطأ فاحش إذ مفهومه أن مغفرة عقوق الوالدين مستثنى ولو تعلقت بها مشيئة الله تعالى وليس كذلك فإيراد ما شاء في الحديث إنما هو لإخراج الشرك فقط قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء فالصواب إن معناه كل فرد من أفراد الذنوب التي قد يتعلق به مشيئة الله تعالى مغفور إلا عقوق الوالدين فإن الغالب أن لا يتعلق به مشيئة المغفرة وفي هذا أو في زجر وتهديد


ولا يصح أن يقال التقدير إلا عقوقهما فإنه لا يتعلق به المشيئة مطلقا وحينئذ يكون واردا على سبيل الوعيد والتشديد لأن كلامه لا يحمل على ما يكون ظاهره مناقضا لكلامه سبحانه وقد أخبر بأن مشيئته تتعلق بما عدا الشرك
وعن سعيد بن العاص هو أخو عمرو بن العاص ولد عام الهجرة وكان أحد أشراف قريش وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان واستعمله عثمان على الكوفة وغزا بالناس طبرستان فافتتحها ومات سنة تسع وخمسين ذكره المؤلف في فصل الصحابة قال قال رسول الله حق كبير الأخوة على صغيرهم حق الوالد على ولده أي كحقه عليهم فهو من التشبيه البليغ مبالغة روى البيهقي الأحاديث الخمسة في شعب الإيمان ولفظ الجامع كحق الوالد على ولده والله أعلم


باب الشفقة والرحمة على الخلق
الشفقة الاسم من الإشفاق وهو الخوف والشفقة عناية مختلطة بخوف لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه من المشقة الدنيوية والأخروية وفي القاموس أشفق أي حاذر
الفصل الأول
عن جرير بن عبد الله أي البجلي قال قال رسول الله لا يرحم الله من لا يرحم الناس أي من لا يتعطف عليهم ولا يرأف بهم والظاهر أنه أخبار ويحتمل أن يكون دعاء والمعنى أنه لا يكون من الفائزين بالرحمة الكاملين والسابقين إلى دار الرحمة وإلا فرحمته وسعت كل شيء قال الطيبي الرحمة الثانية محمولة على الحقيقة والأولى على المجاز لأن الرحمة من الخلق التعطف والرقة وهو لا يجوز على الله والرحمة من الله الرضا عمن رحمه لأن من رق له القلب فقد رضي عنه أو الأنعام وإرادة الخير لأن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وأنعامه متفق عليه ورواه أحمد والشيخان وأبو داود


والترمذي عن أبي هريرة والشيخان عن جرير أيضا بلفظ من لا يرحم لا يرحم وفي رواية لأحمد والشيخين والترمذي عن جرير ولأحمد والترمذي أيضا عن أبي سعيد بلفظ من لا يرحم الناس لا يرحمه الله وفي رواية للطبراني عن جرير من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء وفي أخرى له عنه أيضا من لا يرحم لا يرحم ومن لا يغفر لا يغفر له ومن لا يتب لا يتب عليه كذا في الجامع الصغير ولم يذكر فيه لفظ المشكاة والله أعلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت جاء أعرابي إلى رسول الله وفي نسخة إلى النبي فقال أتقبلون الصبيان أي الصغار والهمزة للإنكار فما نقبلهم أي إن كنتم تقبلونهم فما نقبلهم وهو إما للاستكبار أو للاستحقار قال الطيبي الفاء استبعادية أي أتفعلون ذلك وهو مستبعد عندنا قلت الظاهر أن الاستبعاد مفهوم من الاستفهام لا من الفاء لأنه غير معروف في معانيها فقال النبي أو أملك لك بفتح الهمزة الاستفهامية الإنكارية وواو العاطفة أو الرابطة أن نزع الله من قلبك الرحمة بفتح همزة أن فإن مع الفعل مصدر وقع موقع الظرف وفي نسخة بكسرها فإن شرطية دل على جزائها ما قبلها قال الأشرف يروى أن بفتح الهمزة فهي مصدرية ويقدر مضاف أي لا أملك لك دفع نزع الله من قلبك الرحمة أو لا أملك لك أن أضع في قلبك ما نزعه الله منه من الرحمة ويروى بكسرها فتكون شرطية والجزاء محذوف من جنس ما قبله أي إن نزع الله من قلبك الرحمة لا أملك لك دفعه ومنعه متفق عليه وعنها أي عائشة رضي الله عنه قالت جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها تسألني أي عطية فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها أي التمرة ولم تستحقرها لقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة ولقوله عليه السلام اتقوا النار ولو بشق تمرة فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها أي مع جوعها إذ يستبعد أن تكون شبعانة مع جوع ابنتيها ثم قامت فخرجت فدخل النبي فحدثته أي بما جرى فقال


من ابتلي بصيغة المجهول أي امتحن لأن الناس يكرهونهن غالبا من هذه البنات بشيء متعلق بابتلي ومن بيانية مع مجرورها حال من شيء والإشارة إلى الجنس وقال شارح للمصابيح قوله من بلى من الإبلاء من هذه البنات شيئا أي بشيء وفي كتاب مسلم من ابتلي من هذه البنات بشيء وهو الصواب وروى لفظ المصابيح يلي من الولاية لمكان شيئا وليس بشيء وقال التوربشتي قوله من ابتلي من هذه البنات بشيء هذه الرواية هي الصواب والرواية التي اختارها صاحب المصابيح يتخبط الناس فيها لمكان قوله شيئا وروي بالياء من الولاية وليس بشيء والصواب فيه من بلي من هذه البنات بشيء اه وحاصل كلامه أن الرواية الثانية إما ابتلي كما في المشكاة وإما بلي كما في المصابيح وإن الصواب فيهما بشيء وإن شيئا بالنصب خطأ وكذا بلي من الولاية بل هو تصحيف وتحريف والله أعلم قال الطيبي الرواية في البخاري والحميدي والبيهقي وشرح السنة من ابتلي من هذه البنات بشيء ولم أتفق على ما في المصابيح وهو من بلى من هذه البنات شيئا في الأصول اه فأحسن إليهن قيل بتزويجهن الأكفاء والأحسن أن يعم الإحسان كن له أي للمبتلى سترا بكسر أوله أي حجابا دافعا من النار أي دخولها ولعل وجه تخصيصهن أن احتياجهن إلى الإحسان يكون أكثر من الصبيان فمن سترهن بالإحسان عن لحوق العار يجازي بالستر عن النار جزاء وفاقا واختلف في المراد بالابتلاء هل هو نفس وجودهن أو الابتلاء بما صدر منهن أو الإنفاق عليهن وكذا اختلف في المراد بالإحسان هل يقتصر على قدر الواجب أو ما زاد عليه والظاهر الثاني ثم شرط الإحسان أن يوافق الشرع والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر عليه إلى أن يحصل استغناؤهن عنه بزوج أو غيره متفق عليه ورواه أحمد والترمذي بلفظ المشكاة على ما في الجامع الصغير وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله من عال جاريتين أي أنفق عليهما وقام بمؤنتهما حتى تبلغا أي تدركا البلوغ أو تصلا إلى


زوجهما جاء يوم القيامة أنا وهو كذلك جملة حالية بغير واو أي جاء مصاحبا لي وضم أصابعه أي أصبعيه رواه مسلم وفي الجامع الصغير بلفظ من عال جاريتين حتى تدركا دخلت أنا وهو الجنة كهاتين رواه مسلم والترمذي عن أنس وروى أبو داود بسند حسن عن أبي سعيد ولفظه من عال ثلاث بنات فأدبهن وزوجهن وأحسن إليهن فله الجنة
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله الساعي على الأرملة بفتح الميم التي لا زوج لها قيل سواء كانت غنية أو فقيرة وفيه بعد وإن كان ظاهر إطلاق الحديث يعمهما والمسكين وفي معناه الفقير بل بالأولى عند بعضهم كالساعي في سبيل الله أي ثواب القائم بأمرهما وإصلاح شأنهما والإنفاق عليهما كثواب الغازي في جهاده فإن المال شقيق الروح وفي بذله مخالفة النفس ومطالبة رضا الرب قال النووي المراد بالساعي الكاسب لهما العامل لمؤنتهما والأرملة من لا زوج لها سواء تزوجت قبل ذلك أم لا وقيل التي فارقها زوجها قال ابن قتيبة سميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج يقال أرمل الرجل إذا فنى زاده قلت وهذا مأخذ لطيف في إخراج الغنية من عموم الأرملة قال الطيبي وإنما كان معنى الساعي على الأرملة ما قاله النووي لأنه عداه بعلى مضمنا فيه معنى الإنفاق وأحسبه بكسر السين وفتحها أي أظنه قال كالقائم قيل قائله عبد الله بن سلمة القعنبي شيخ البخاري ومسلم الراوي عن مالك كما صرح به في البخاري ومعناه أظن أن مالكا قال كالقائم وظاهر المشكاة أن قائله أبو هريرة فالتقدير أحسب النبي قال أيضا كالقائم أو وقع له الشك في التشبيه الأول والثاني ويؤيده ما في الجامع الصغير برواية أحمد والشيخين والترمذي والنسائي وابن ماجه بلفظ الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار على أنه يمكن أن تكون أو بمعنى بل والله أعلم فقوله كالقائم أي بالليل للعبادة لا يفتر من الفتور وهو الملل والكسل وهو


من باب نصر كما في المفاتيح ومن باب ضرب أيضا على ما في القاموس وأكثر النسخ على الأول فهو المعول والمعنى لا يضعف عن العبادة وكالصائم لا يفطر أي في نهاره بل يصوم الدهر كله قال الأشرف الألف واللام في كالقائم والصائم غير معرفين ولذلك وصف كل واحد بجملة فعلية بعده كقوله الشاعر ولقد أمر على اللئيم يسبني وقال الطيبي هما عبارتان عن الصوم بالنهار والقيام بالليل كقوله نهاره صائم وليله قائم يريدون الديمومة متفق عليه وتقدم رواية غيرهما وعن سهل بن سعد أي الساعدي رضي الله عنه قال قال رسول الله أنا


وكافل اليتيم أي الذي مات أبوه وهو صغير يستوي فيه المذكر والمؤنث أي مربيه له أي كائنا لذلك الكافل كولد ولده وإن سفل أو ابن أخيه ونحوه ولغيره الواو بمعنى أو أي أو كائنا لغيره فيكون أجنبيا منه في الجنة خبر أنا ومعطوفه هكذا إشارة إلى كمال القرب وأشار بالسبابة أي المسبحة والوسطى وفرج بالتشديد أي فرق بينهما شيئا أي قليلا لعدم تصور الكثير وكأنه أشار بذلك إلى علو مرتبة النبوة وإن تلوها رتبة الفتوة والمروة هذا وفي النهاية الكافل هو القائم بأمر اليتيم المربي له وهو من الكفيل بمعنى الضمين والضمير في له ولغيره راجع إلى الكافل أي أن اليتيم سواء كان للكافل من ذوي رحمة وأنسابه أو كان أجنبيا لغيره وتكفل به قال الطيبي قوله في الجنة خبر أنا وهكذا نصب على المصدر من متعلق الخبر وأشار بالسبابة والوسطى أي أشار بهما إلى ما في ضميره عليه السلام من معنى الانضمام وهو بيان هكذا اه والظاهر أنه ضم أصبعيه عند قوله هكذا فعبر الراوي عن فعله بقوله وأشار إذ الإشارة عما في ضميره عليه السلام غير متصور للراوي قيل اليتيم من الناس من مات أبوه ومن الدواب من مات أمه وكافل اليتيم من يقوم بأمره ويعوله ويربيه وينفق عليه ولو من مال اليتيم والله أعلم رواه البخاري وفي الجامع الصغير أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن سهل بن سعد اه وظاهره أن قوله في المشكاة له ولغيره من كلام سهل أو من بعده أدرج في الحديث أو هو رواية أخرى وفيها زيادة مقبولة وأما قوله وأشار فهو من كلام سهل ولعله تركه صاحب الجامع اختصارا والله أعلم وعن النعمان بن بشير مر ذكرهما رضي الله عنهما قال قال رسول الله ترى المؤمنين أي الكاملين في تراحمهم أي في رحم بعضهم بعضا بأخوة الإيمان لا بسبب رحم ونحوه وتوادهم بتشديد الدال المكسورة أي تواصلهم الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي وتعاطفهم أي بإعانة بعضهم بعضا كمثل الجسد أي جنسه


الواحد المشتمل على أنواع الأعضاء إذا اشتكى أي الجسد عضوا لعدم اعتدال حال مزاجه
ونصبه على التمييز والمعنى إذا تألم الجسد من جهة ذلك العضو وفي نسخة إذا اشتكى عضو بالرفع أي إذا تألم عضو من أعضاء جسده تداعى له أي لذلك العضو سائر الجسد أي باقي أعضائه بالسهر بفتحتين أي عدم الرقاد والحمى أي بالحرارة والتكسر والضعف ليتوافق الكل في العسر كما كانوا في حال الصحة متوافقين في اليسر ثم أصل التداعي أن يدعو بعضهم بعضا ليتفقوا على فعل شيء فالمعنى أنه كما أن عند تألم بعض أعضاء الجسد يسري ذلك إلى كله كذلك المؤمنون كنفس واحدة إذا أصاب واحدا منهم مصيبة ينبغي أن يغتم جميعهم ويهتموا بإزالتها عنه وفي النهاية كأن بعضه دعا بعضا ومنه قولهم تداعت الحيطان أي تساقطت أو كادت ووجه الشبه هو التوافق في المشقة والراحة والنفع والضر متفق عليه وعنه أي عن النعمان رضي الله عنه قال قال رسول الله المؤمنون كرجل أي كأعضاء رجل واحد لأنهم على دين واحد إن اشتكى عينه بالرفع وفي نسخة بالنصب وكذا فيما بعده اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله رواه مسلم وكذا الإمام أحمد وعن أبي موسى أي الأشعري رضي الله عنه عن النبي قال المؤمن للمؤمن التعريف للجنس والمراد بعض المؤمن للبعض ذكره الطيبي ويمكن أن يكون للاستغراق أي كل مؤمن لكل مؤمن والأظهر أنه للعهد الذهني في الأول وللجنس في الثاني أي المؤمن الكامل لمطلق المؤمن كالبنيان أي البيت المبني يشد بعضه أي بعض البنيان بعضا والجملة حال أو صفة أو استئناف بيان لوجه الشبه وهو الأظهر ثم لا شك أن القوي هو الذي يشد الضعيف ويقويه وحاصل معناه أن المؤمن لا يتقوى في أمر دينه أو دنياه إلا بمعونة أخيه كما أن بعض البناء يقوي بعضه ثم شبك أي النبي أو أبو موسى بين


أصابعه أي أدخل أصابع إحدى يديه بين أصابع اليد الأخرى قال الطيبي قوله ثم شبك كالبيان لوجه الشبه أي شدا مثل هذا الشد متفق عليه قال ميرك اختص البخاري بذكر التشبيك وبدونه رواه الترمذي والنسائي قلت وفي الجامع الصغير بدون التشبيك أسنده إلى الشيخين والترمذي والنسائي وهذا يؤيد أن ضمير شبك إلى أبي موسى فمن رواه إنما رواه مدرجا والله أعلم قال النووي فيه تعظيم حقوق المسلمين بعضهم لبعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير اثم ولا مكروه وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الإفهام وعنه أي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي أنه كان إذا أتاه السائل أي للعطية أو صاحب الحاجة أي إليه أو إلى غيره وهو أعم من السؤال فأو للتنويع قال اشفعوا أي له فلتؤجروا بسكون الهمزة ويبدل وهو أمر المخاطب باللام نحو قوله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا يونس بالخطاب في رواية يعقوب من العشرة بفاء على الأصل المرفوض وقد روي مرفوعا ويؤيده أنه قرىء فأفرحوا والفاء بمعنى الشرط كأنه قيل إن شفعتم فتؤجروا وفي المغني أن اللام الطلبية قد تخرج عن الطلب إلى غيره كالتي يراد بها أو بمصحوبها الخبر نحو قوله تعالى قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا أي أي اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم العنكبوت أي فيمد ونحمل اه وخلاصة المعنى إشفعوا تؤجروا كما في رواية ابن عساكر عن معاوية وكذا في هذا الحديث على ما سيأتي ثم رأيت الطيبي قال الفاء في فلتؤجروا أو اللام مقحمة للتأكيد بل كلاهما مؤكدان لأنه لو قيل تؤجروا جوابا للأمر ثم كلامه ولا يخفى ما سبق من التحقيق والله ولي التوفيق قال المظهر والمعنى إذا عرض صاحب حاجة حاجته على اشفعوا له إلى فإنكم إن شفعتم له حصل لكم بتلك الشفاعة أجر سواء قبلت شفاعتكم أو لم تقبل وقوله ويقضي الله على لسان رسوله أي يجري على لساني ما شاء أي إن قضيت حاجته من شفاعتكم له فهو بتقدير


الله وإن لم أقض فهو أيضا بتقدير الله اه وقوله على لسان رسوله يحتمل أن يكون نقلا بالمعنى وأن يكون فيه نوع التفات وهو ظاهر كلام المظهر وفي زيادة المضاف إفادة أن غيره في هذا المعنى بطريق الأولى وقال الطيبي هو من باب التجريد إذ الظاهر أن يقال على لساني كأنه قال اشفعوا لي ولا تقولوا ما تدري أيقبل رسول الله شفاعتنا أم لا فإني وإن
كنت رسول الله ونبيه وصفيه لا أدري أيضا أقبل شفاعتكم أم لا لأن الله تعالى هو القاضي فإن قضى لي أن أقبل أقبل وإلا فلا وهو من قوله اعملوا فكل ميسر لما خلق له قلت وفيه تلميح وتلويح إلى قوله ما أدري ما يفعل بي ولا بكم قال النووي أجمعوا على تحريم الشفاعة في الحدود بعد بلوغها إلى الإمام وأما قبله فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس وأما المعاصي التي لا حد فيها والواجب التعزيز فيجوز الشفاعة والتشفع فيها سواء بلغت الإمام أم لاثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه مؤذيا وشريرا متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي ذكره ميرك وفي الجامع الصغير اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء رواه الشيخان والثلاثة وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله أنصر أخاك أي المسلم ظالما حال من المفعول أو مظلوما تنويع فقال رجل يا رسول الله أنصره أي أنا مظلوما أي حال كونه مظلوما وهو ظاهر المبنى فكيف أنصره ظالما فإنه خفى المعنى قال تمنعه من الظلم أي الذي يريد فعله فذلك أي منعك إياه منه نصرك إياه أي على شيطانه الذي يغويه أو على نفسه التي تطغيه متفق عليه قال ميرك فيه نظر فإن الحديث بهذا السياق من أفراد البخاري من حديث أنس ورواه الترمذي أيضا كما صرح به الشيخ الجزري أيضا نعم أخرجه مسلم من حديث جابر في أثناء حديث بلفظ ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره قلت وينصره صنيع صاحب الجامع


الصغير حيث أورد الحديث بلفظ أنصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل كيف أنصره ظالما قال تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أنس ثم قال وفي رواية الدارمي وابن عساكر عن جابر أنصر أخاك ظالما أو مظلوما إن يك ظالما فأردده عن ظلمه وإن يك مظلوما فانصره وعن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله قال المسلم أخو
المسلم فيه إشعار بأن المسلم والمؤمن واحد لقوله تعالى إنما المؤمنون إخوة الحجرات وهو مجمل تفصيله ما بعده ولهذا ورد منقطعا عما بعده على ما رواه أبو داود عن سويد بن حنظلة وابن عساكر عن واثلة وحاصله أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والأخ لا يضر أخاه بل ينفعه في كل ما يراه ويمكن أن يكون التركيب من قبيل التشبيه البليغ مبالغة كما ورد لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه لا يظلمه نفي بمعنى النهي والمعنى لا ينبغي له أن يظلمه وفي حكم المسلم الذمي والمستأمن ثم إنه لا مفهوم له فإن الظلم لا يتصور في حق الكافر وهو استئناف بيان للموجب أو لوجه الشبه فإن الظالم ينحط أولا عن رتبة النبوة لا ينال عهدي الظالمين وثانيا عن درجة الولاية ألا لعنة الله على الظالمين وثالثا عن مزيد السلطنة لبيت الظالم خراب ولو بعد حين ورابعا عن نظر الخلائق جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وخامسا عن حفظ نفسه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون شعر لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم آخره يأتيك بالندم نامت عيونك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم ولا يسلمه بضم أوله وكسر اللام أي لا يخذله بل ينصره ففي النهاية يقال أسلم فلان فلانا إذا ألقاه إلى التهلكة ولم يحمه من عدوه وهو عام في كل من أسلمته إلى شيء لكن دخله التخصيص وغلب عليه الإلقاء في الهلكة وقال بعضهم الهمزة فيه للسلب أي لا يزيل سلمه وهو بكسر السين وفتحها الصلح ومن كان في حاجة أخيه أي ساعيا في قضائها كان الله في حاجته هذا من قبيل


المشاكلة وقد ورد في رواية مسلم عن أبي هريرة ولفظه والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وفيه تنبيه نبيه على فضيلة عون الأخ على أموره وإشارة إلى أن المكافأة عليها بجنسها من العناية الإلهية سواء كان بقلبه أو بدنه أو بهما لدفع المضار أو جذب المنافع إذا لكل عون ومن فرج بتشديد الراء ويخفف وفي رواية من نفس بتشديد الفاء والمعنى واحد أي أزال وكشف عن مسلم كربة أي من كرب الدنيا كما في نسخة وهي كذلك في رواية مسلم عن أبي هريرة والكربة بضم الكاف فعلة من الكرب وهي الخصلة التي يحزن بها وجمعها كرب بضم ففتح والتنوين فيها للأفراد والتحقير أي هما واحدا من همومها أي هم كان صغيرة أو كبيرة عرضه وعرضه عدده وعدده وقوله من كرب الدنيا أي بعض كربها أو كربة مبتدأة من كربها فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة بضم الكاف والراء وفي رواية من كرب يوم القيامة أي التي لا تحصى لأن الخلق كلهم عيال الله وتنفيس الكرب إحسان لهم وقد قال تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان الرحمن وليس هذا منافيا لقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام لما ورد من أنها تجازي بمثلها وضعفها إلى عشرة إلى مائة إلى سبعمائة إلى غير حساب على أن كربة من كرب يوم القيامة تساوي عشرا أو أكثر من كرب الدنيا ويدل عليه


تنوين التعظيم وتخصيص يوم القيامة دون يوم آخر والحاصل أن المضاعفة إما في الكمية أو في الكيفية ومن ستر مسلما أي بدنه أو عيبه بعدم الغيبة له والذب عن معايبه وهذا بالنسبة إلى من ليس معروفا بالفساد وإلا فيستحب أن ترفع قصته إلى الوالي فإذا رآه في معصية فينكرها بحسب القدرة وإن عجز يرفعها إلى الحاكم إذا لم يترتب عليه مفسدة كذا في شرح مسلم للنووي ستره الله يوم القيامة وفي رواية ستره الله في الدنيا والآخرة وفيه إشارة خفيفة صوفية صفية إلى أن من وقف على شيء من مقامات أهل العرفان وكرامات ذوي إلا يقال إن أن يحفظ سره ويكتم أمره فإن كشف الأسرار على الأغيار يسد باب العناية ويوجب الحرمان والغواية من أطلعوه على سر فباح به لم يأمنوه على الأسرار ما عاش متفق عليه وهو مختصر من حديث طويل ذكره الإمام النووي في أربعينه مسند إلى مسلم عن أبي هريرة وقد سبق ذكره في الكتاب وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله بضم الذال المعجمة من الخذلان وهو ترك النصرة والإعانة ولا يحقره بكسر القاف وفتح أوله أي لا يحتقره بذكر المعايب وتنابز الألقاب والاستهزاء والسخرية إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لائق في محادثته فلعله أخلص ضميرا وأتقى قلبا ممن هو على ضد صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله التقوى ههنا وقال المظهر يعني لا يجوز تحقير المتقي من الشرك والعاصي والتقوى محله القلب وما كان محله القلب يكون مخفيا عن أعين الناس وإذا كان مخفيا فلا يجوز لأحد أن يحكم بعدم تقوى مسلم حتى يحقره ويحتمل أن يكون معناه محل التقوى هو القلب فمن كان في قلبه التقوى فلا يحقر مسلما لأن المتقي لا يحقر المسلم قال الطيبي والقول الثاني أوجه والنظم له أدعى لأنه إنما شبه المسلم بالأخ لينبه على المساواة وأن لا يرى أحد لنفسه على أحد من المسلمين فضلا ومزية ويحب له ما يحب لنفسه وتحقيره إياه مما


ينافي هذه الحالة وينشأ منه قطع وصلة الأخوة التي أمر الله بها أن توصل ومراعاة هذه الشريطة أمر صعب لأنه ينبغي أن يسوي بين السلطان وأدنى العوام وبين الغني والفقير وبين القوي والضعيف والكبير والصغير ولا يتمكن من هذه الخصلة إلا من امتحن الله قلبه للتقوى وأخلصه من الكبر والغش
والحقد ونحوها إخلاص الذهب الأبريز من خبثه ونقاه منها فيؤثر لذلك أمر الله تعالى على متابعة الهوي وكذلك جاء قوله التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات معترضا بين قوله ولا يحقره وبين قوله بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم فإن كلا منهما متضمن للنهي عن الاحتقار وأنت عرفت أن موقع الاعتراض بين الكلام موقع التأكيد وقوله كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه هو الغرض الأصلي والمقصود الأولى والسابق كالتمهيد والمقدمة له فجعل المسلم وعرضه جزءا منه تلويحا إلى معنى ما روى حرمة مال المسلم كحرمة دمه والمال يبذل للعرض قال أصون عرضي بمالي لا أدنسه لأبارك لله بعد العرض المال ولما أن التقوى تشتد من عقد هذه الإخوة وتستوثق من عراها قال الله تعالى إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله الحجرات يعني أنكم إن أتقيتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل والائتلاف والمسارعة إلى إحاطة ما يفرط منه وإن مستقر التقوى ومكانها المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله قال تعالى أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى الحجرات ولذلك كرر هذه الكلمة وأشار إلى صدره ثلاثا وإنما عدل الراوي عن الماضي إلى المضارع استحضارا لتلك الحالة في مشاهدة السامع واهتماما بشأنها وهذا الحديث من جوامع الكلم وفصل الخطاب الذي خص به هذا النبي المكرم إلى هنا كلام الطيبي قد تم فلنرجع إلى بعض ما يتعلق بالحديث الشريف من زوائد فوائد شرحه المنيف منها قوله التقوى ههنا قال بعض العارفين معناه أن حقيقة التقوى في صدري وفروعها في قلوب جميع الخلق لأنه


محل عين الجمع ومرآة كشوف الغيب كما قال أنا أعلمكم بالله وأخوفكم منه بين أن من زاد معرفته زاد خشيته وتقواه وليس في الكونين أعرف منه وقد ورد أنه قال لكل شيء معدن ومعدن التقوى قلوب العارفين لأن العارف غائب في عظمة الله تعالى شائق إلى لقائه هائم في محبته تجري عين التقوى من بحار معرفته من روحه إلى قلبه ومن قلبه إلى قالبه وسره معدن التوحيد لأن الحق تجلى فيه بنعت القدم وروحه معدن المعرفة لأن الحق تجلى بوصف البقاء فيها وقلبه معدن الخشية والتقوى لأنه تجلى بوصف الكبرياء والعظمة فالتوحيد من عين القدم والمعرفة من عين البقاء والتقوى من عين الكبرياء وقوله ثلاث مرار براء في آخره في الأصول المعتمدة وفي بعض النسخ بالتاء الفوقية ثم قوله بحسب امرىء مبتدأ والباء فيه زائدة وقوله أن يحقر أخاه خبره أي حسبه وكافيه من خلال الشر ورذائل الأخلاق تحقير أخيه المسلم كذا ذكره الطيبي وهو موهم إن قوله يحقر من باب التفعيل وليس كذلك بل هو بفتح الياء وكسر القاف في الأصول قال بعض المحققين وحسب يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث لأنه مصدر قال النحاة إذا كان ما بعده معرفة فرفعه على الخبرية والإضافة لفظية أو على الابتداء وإن كان نكرة فرفعه على الابتداء فقط


والإضافة معنوية ثم المراد بالعرض ما يجب أو يستحب شرعا حمايته لا العصبية والحمية الجاهلية التي اعتادها كثير من الناس فيصرفون المال لطلب الجاه والمنزلة في قلوب الخلق إذ هو من الهوى المتبع المهلك لكثير من الناس فما أهلك الناس إلا الناس ولو أنصف العلماء لعلموا أن أكثر ما هم فيه من العلوم والعبادات فضلا عن العادات ما يحملهم عليها إلا مراعاة الخلق قال يحيى بن معاذ الرياسة ميادين إبليس ينزل هو وجنوده وقيل آخر شيء يخرج من رأس الصديقين محبة الجاه هذا وزبدة الحديث أنه يجب على كل مسلم أن لا يقع في عرض أخيه بالغيبة والطعن والقذف والشتم والغمز واللمز والتجسس عن عوراته وإفشاء أسراره فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته فيفضحه ولو في جوف بيته ولا يماريه ويرى الفضل لكل أحد على نفسه أما الصغير فلأنه لم يعص الله وهو قد عصى والكبير فلأنه أكثر عبادة والعالم لعلمه والجاهل لأنه قد عصى الله بجهله فحجة الله على العالم أوكد ولذا ورد ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات وأما لكافر فلأن حسن العاقبة غير معلومة والمدار على خاتمتها ختم الله لنا بالحسنى وبلغنا المقام الأسني رواه مسلم وهو أيضا بعض من الحديث الذي رواه الإمام النووي في أربعينه وأسنده إلى مسلم عن أبي هريرة مرفوعا لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوان المسلم أخو المسلم الحديث وعن عياض بن حمار وهو اسم الحيوان المعروف والعرب ما كانوا يتحاشون عن مثل هذه الأسماء حتى كانوا يسمون أولادهم كلبا وكلابا قال المؤلف هو عياض بن حمار التميمي المجاشعي يعد في البصريين وكان صديقا لرسول الله أسلم قديما روى عنه جماعة رضي الله عنه قال قال رسول الله أهل الجنة ثلاثة أي ثلاثة أجناس من الأشخاص ذو سلطان أي حكم قال الطيبي أي سلطان لأنه ذو قهر وغلبة من السلاطة وهي التمكن من القهر قال تعالى ولو شاء الله لسلطهم


النساء ومنه سمي السلطان وقيل ذو حجة لأنه يقام الحجج به مقسط بالرفع صفة المضاف أي عادل يقال اقسط فهو مقسط إذا عدل وقسط فهو قاسط إذا جار فالهمزة فيه للسلب كما يقال شكا إليه فأشكاه متصدق أي محسن إلى الناس موفق أي الذي هيىء له أسباب الخير وفتح له أبواب البر ورجل رحيم أي على الصغير والكبير رقيق القلب لكل ذي قربى خصوصا ومسلم أي لكل مسلم عموما قال الطيبي مفسر لقوله رحيم أي يرق قلبه ويرحم لكل من بينه وبينه لحمة القرابة أو صلة الإسلام اه والظاهر أن يراد بالرحيم صفة فعلية