Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الرقاق

الرقاق بالكسر جمع رقيق وهو الذي له رقة أي لطافة قاله شارح والظاهر ما قاله السيوطي من أن المراد بها الكلمات التي ترق بها القلوب إذا سمعت وترغب عن الدنيا بسببها وتزهد فيها سميت هذه الأحاديث بذلك لأنها تحدث رقة ورحمة
الفصل الأول


عن ابن عباس قال قال رسول الله نعمتان مبتدأ مغبون فيهما كثير من الناس صفة له أو خبره الصحة والفراغ أي صحة البدن والقوة الكسبية وفراغ الخاطر بحصول الأمن ووصول كفاية الأمنية والمعنى لا يعرف قدر هاتين النعمتين كثير من الناس حيث لا يكسبون فيهما من الأعمال كفاية ما يحتاجون إليه في معادهم فيندمون على تضييع أعمارهم عند زوالها ولا ينفعهم الندم قال تعالى ذلك يوم التغابن التغابن وقال ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها وفي حاشية السيوطي رحمه الله قال العلماء معناه أن الإنسان لا يتفرغ للطاعة إلا إذا كان مكفيا صحيح البدن فقد يكون مستغنيا ولا يكون صحيحا وقد يكون صحيحا ولا يكون مستغنيا فلا يكون متفرغا للعلم والعمل لشغله بالكسب فمن حصل له الأمران وكسل عن الطاعة فهو المغبون أي الخاسر في التجارة مأخوذ من الغبن في البيع اه ويمكن أن يكون الغبن كناية عن فساد حاله وضياع ماله كما قال بعضهم إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة وقال العارف بالله ابن الفارض


على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس فيها نصيب ولاسهم رواه البخاري وفي الجامع الصغير رواه البخاري في تاريخه والترمذي وابن ماجه عنه وعن المستورد بن شداد قال سمعت رسول الله يقول والله قسم للمبالغة في تحقق الحكم ما الدنيا ما نافية أي ما مثل الدنيا من نعيمها وزمانها في الآخرة أي في جنبها ومقابلة نعيمها وأيامها إلا مثل بكسر الميم ورفع اللام وفي نسخة بنصبها وما في قوله ما يجعل أحدكم مصدرية أي مثل جعل أحدكم أصبعه وفي الجامع بزيادة هذه والظاهر أن المراد بها أصغر الأصابع في اليم أي مغموسا في البحر المفسر بالماء الكثير فلينظر أي فليتأمل أحدكم بم يرجع أي بأي شيء يرجع أصبع أحدكم من ذلك الماء واعلم أن قوله يرجع ضبط بالتذكير في أكثر الأصول وفي بعض النسخ بالتأنيث وهو الأظهر لأن ضميره يرجع إلى الأصبع وهو مؤنث وقد يذكر على ما في القاموس والمعنى فليتفكر بأي مقدار من البلة الملتصقة من اليم يرجع أصبعه إلى صاحبه اللهم إلا أن يقال المعنى بم يرجع الحال وينتقل المآل وحاصله أن منح الدنيا ومحنها في كسب الجاه والمال من الأمور الفانية السريعة الزوال فلا ينبغي لأحد أن يفرح ويغتر بسعتها ولا يجزع ويشكو من ضيقها بل يقول في الحالتين لا عيش إلا عيش الآخرة فإنه قاله مرة في يوم الأحزاب وأخرى في حجة الوداع وجمعية الأصحاب ثم يعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة وأن الدنيا ساعة فيصرفها في الطاعة قال الطيبي رحمه الله وضع موضع قوله فلا يرجع بشيء كأنه يستحضر تلك الحالة في مشاهدة السامع ثم يأمره بالتأمل والتفكر هل يرجع بشيء أم لا وهذا تمثيل على سبيل التقريب وإلا فأين المناسبة بين المتناهي وغير المتناهي رواه مسلم وكذا أحمد وابن ماجه وعن جابر أن رسول الله مر بجدي أي ولد معز أسك بتشديد الكاف


أي صغير الأذن أو عديمها أو مقطوعها ميت قال أيكم يحب أن هذا له بدرهم أي مثلا فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء أي بشيء ما مما يطلق عليه اسم الشيء من تراب وغيره والمراد أنا لا نحبه بلا شيء أيضا قال فوالله للدنيا أي لجميع أنواع لذاتها أهون أي أسهل وأحقر وأذل على الله أي عنده تعالى من هذا أي من هوان هذا الجدي عليكم ويؤيده ما سيأتي إن الدنيا لو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء والمقصود منه التزهيد في الدنيا والترغيب في العقبى فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة على ما رواه البيهقي عن الحسن مرسلا كما أن ترك الدنيا رأس كل عبادة والسبب في ذلك أن محب الدنيا ولو اشتغل بأمور الدين تكون أعماله مدخولة بأغراض فاسدة وتارك الدنيا ولو اشتغل بأمر دنيوي يكون له مطمح أخروي ولذا قال بعض العارفي من أرباب اليقين من أحب الدنيا لم يقدر على هدايته جميع المرشدين ومن ترك الدنيا لم يقدر على ضلالته جميع المفسدين رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر أي كالسجن للمؤمن في جنب ما أعد له في الآخرة من الثواب والنعيم المقيم وكالجنة للكافر في جنب ما أعد له في الآخرة من العقوبة والعذاب الأليم وقيل إن المؤمن عرض نفسه عن الملاذ وأخذها بالشدائد فكأنه في السجن والكافر فرجها بالشهوات فهي له كالجنة كذا ذكر في الفائق ويؤيد القول الأخير ما قاله فضيل بن عياض من ترك لذات الدنيا وشهواتها فهو في سجن فأما الذي لا يترك لذاتها وتمتعاتها فأي سجن عليه وأقول الظاهر أن مراتب السجن ومنازله مختلفة باختلاف أحوال أهله مع أنه لا يخلو أحد من ضيق التكاليف الشرعية من ارتكاب الواجبات الفعلية واجتناب الأمور المنهية وكذا من مشقات الأحوال الكونية من البرد والحر في الصيف والشتاء والبلاء والغلاء وموت الأحباء وغلبة الأعداء وأمثال ذلك من ابتداء خلق النطفة وأطوارها في مشيمة البطن إلى الظهور في المهد


والبطون في اللحد وما بينهما من أنواع الكد والكبد ولذا قال تعالى لقد خلقنا الإنسان في كبد البلد أي لا يزال في تعب عظيم مبدؤه ظلمة الرحم ومضيقه ومنتهاه الموت وما بعده إلى أن يكون
ما بعد هذا السجن إما إلباس الخلع السلطانية والقرار في المناصب العلية وإما تسليط الزبانية بموجب الغضب الإلهي عليه ونقله من السجن السهل الفاني إلى الحبس الصعب الباقي نعوذ بالله من ذلك ولما مات داود الطائي سمع هاتف يهتف أطلق داود من السجن قال أبو حفص السهروردي إن السجن والخروج منه يتعاقبان على قلب العبد المؤمن على الساعات ومرور الأوقات لأن النفس كلما ظهرت بصفاتها أظلم الوقت على القلب حتى ضاق وانكمد وهل السجن إلا تضييق وحجز من الخروج والولوج فكلما هم القلب بالتبرز عن مشائم الأهواء الدنيوية والتخلص عن قيود الشهوات العاجلة تسببا إلى الآجلة وتنزها في فضاء الملكوت ومشاهدة للجمال الأزلي حجزه الشيطان المردود من هذا الباب المطرود بالإحتجاب فيدلي بحسب النفس الأمارة إليه فكدر صفو العيش عليه وحال بينه وبين محبوب طبعه وهذا من أعظم السجون وأضيقها فإن من حيل بينه وبين محبوبه ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه ولهذا المعنى أخبر الله تعالى عن جماعة من الصحابة حيث تخلفوا عن رسول الله في بعض الغزوات قال تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت التوبة الآية رواه مسلم وكذا أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة والطبراني والحاكم عن سلمان والبزار عن ابن عمرو رواه أحمد والطبراني وأبو نعيم في الحلية والحاكم عن ابن عمرو بن العاص ولفظه الدنيا سجن المؤمن وسنته فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة والسنة بفتح أوله القحط والجدب وأخرج ابن المبارك عن ابن عمر قال إن الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه كمثل رجل كان في سجن فأخرج منه فجعل يتقلب في الأرض ويتفسح فيها وأخرجه ابن أبي شيبة


عنه نحوه وأخرج أبو نعيم عن ابن عمران النبي قال لأبي ذر يا أبا ذر إن الدنيا سجن المؤمن والقبر أمنه والجنة مصيره يا أبا ذر الدنيا جنة الكافر والقبر عذابه والنار مصيره وروى ابن لال عن عائشة الدنيا لا تصفو لمؤمن كيف وهي سجنه وبلاؤه وعن أنس قال قال رسول الله إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة قال شارح
أي لا يضيع أجر حسنة المؤمن ولا يخفى أنه حاصل المعنى وأما بحسب التركيب والمعنى فالظلم يتعدى إلى مفعولين قال تعالى إن الله لا يظلم الناس شيئا يونس وفي القاموس ظلمه حقه أي منعه إياه فالحديث تفسير لما في القرآن وتبيين لما فيه من نوعي جنس الإنسان وبيان أن الله يجازي عبادة المؤمن والكافر على النقير والقطمير والقليل والكثير من الخير والشر إما في الدنيا وإما في العقبى كما قال فمن يعمل مثال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة وقال عز وجل إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما النساء ولذا قال عمر رضي الله عنه لو كانت لي حسنة واحدة لكفتني بناء على المضاعفة المذكورة والمثوبة العظيمة المسطورة يعطى استئناف بيان بصيغة المجهول أي يعطى المؤمن كل خير بها أي بسبب تلك الحسنة في الدنيا من رفع البلاء وتوسعة الرزق وغير ذلك من النعماء وفي نسخة بصيغة الفاعل أي يعطي الله إياه بتلك الحسنة أجرا في الدنيا ويجزى بها في الآخرة على بناء المفعول أو الفاعل طبق ما قبله وأما الكافر فيطعم بصيغة المجهول لا غير أي يعطى وفي العدول إشارة إلى أن مطمح نظر الكافر في العطاء إنما هو بطنه والمعنى أنه يجزى بحسنات ما عمل بها لله أي من إطعام فقير وإحسان ليتيم وإغاثة ملهوف ونحوها من طاعات لا يشترط في صحتها الإسلام في الدنيا ظرف ليطعم حتى إذا أفضى أي وصل إلى الآخرة لم تكن بالتأنيث وتذكر أي لم يبق ولم يوجد له حسنة يجزى بها فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا وفي شرح السنة قوله لا يظلم لا ينقص وهو


معدى إلى مفعولين أحدهما مؤمنا والآخر حسنة ومعناه أن المؤمن إذا اكتسب حسنة يكافئه الله تعالى بأن يوسع عليه رزقه ويرغد عيشه في الدنيا وبأن يجزى ويثاب في الآخرة والكافر إذا اكتسب حسنة في الدنيا بأن يفك أسيرا أو ينقذ غريقا يكافئه الله تعالى في الدنيا ولا يجزى بها في الآخرة اه وحاصلة أن الله يقابل عبده المؤمن بالفضل والكافر بالعدل ولا يسأل عما يفعل ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب الشورى رواه مسلم وفي الجامع رواه أحمد ومسلم عن أنس بلفظ إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى عليها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا اه ومقتضى المقابلة ما ورد في حديث آخر إن المؤمن يجزى بسيآته في الدنيا من أنواع المحنة والمشقة والبلايا والرزايا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له سيئة يعاقب عليها ويؤيده ما روى أحمد وابن حبان أنه لما نزل قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به النساء قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فمن ينجو


من هذا يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام غفر الله لك يا أبا بكر ألست تحزن ألست تنصب ألست تمرض ألست تصبك اللاواء قال بلى يا رسول الله قال هو مما تجزون به وقد صح على ما رواه الترمذي وابن جرير المصائب والأمراض في الدنيا جزاء وروى الحاكم في مستدركه عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه مرفوعا من يعمل سوءا يجز به في الدنيا وعن ابن عمر قال لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله وإن كان عليه كريما رواه ابن أبي الدنيا وعن أبي هريرة قال قال رسول الله حجبت النار أي أحيطت بالشهوات كالخمر والزنا وحجبت الجنة بالمكاره كالصلاة والزكاة متفق عليه إلا عند مسلم حفت بدل حجبت يعني لفظ حجبت للبخاري ولفظ حفت لمسلم فالحديث متفق عليه عن أبي هريرة معنى وقد وافق مسلما أحمد والترمذي عن أنس لكن حديثهم فيه تقديم وتأخير مخالف للبخاري في ترتيبه على ما ذكره في الجامع بلفظ حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات والله تعالى أعلم قال النووي رحمه الله معناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره ولا يوصل إلى النار إلا بارتكاب الشهوات وكذلك هما محجوبتان بهما فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره وهتك حجب النار بارتكاب الشهوات وأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات والمواظبة على الطاعات والصبر عن الشهوات ونحو ذلك وأما الشهوات التي النار محفوفة بها فالظاهر أنها الشهوات المحرمة كالخمر والزنا والغيبة ونحو ذلك وأما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذا اه ويناسب هذا الحديث ما ذكره السيوطي في الجامع الكبير أنه قال إن الله بنى مكة على المكروهات والدرجات أي لا تحصل درجاتها إلا بالتحمل على مكروهاتها والله تعالى أعلم وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله تعس بكسر العين ويفتح


أي خاب وخسر عبد الدينار أي الذي اختاره على رضا معبوده الجبار بأن يأخذه من غير حله وأن لا يصرفه في محله وكذا قوله عبد الدرهم وهذان مثالان وخصا بالذكر لأنهما النقدان الحاصل بهما جميع مقاصد النفس والشيطان وعبد الخميصة وهي ثوب خز أو صوف معلم وخصت بالذكر لأن الغالب في لبسها الخيلاء والرعونة والرياء والسمعة ومن كمال ميل النفس إليها وعدم الطاقة على مفارقتها فكأنه عبد لها وقيل هي كساء أسود مربع له علمان أراد به محب كثرة الثياب النفيسة والحريص على التجمل فوق الطاقة وحاصله ذم التقيد بالزينة الظاهرة مما يتعلق بالثياب الجميلة لا سيما إذا كانت محرمة أو مكروهة وعدم التعلق بتخلية الباطن عن الأوصاف الدنية وتحليتها بالنعوت الرضية فإن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن رق ثوبه رق دينه ثم تطويل الأكمام وجر الأذيال حرام على وجه التكبر والخيلاء ومكروه إذا كان بخلافه وأما إذا كان اللبس على الوجه المباح في الشريعة فيختلف باختلاف النية في اختيار التكلف والتقشف فقد قال تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الأعراف الآية واختلف السادة الصوفية في أيهما أفضل ومختار الشاذلية والنقشبندية والبكرية التلبس بلباس الأغنياء كما عليه بعض السلف من الأولياء كما روي أن فرقد السنجي دخل على الحسن وعليه كساء وعلى الحسن حلة فجعل يلمسها فقال له الحسن ما لك تنظر إلى ثيابي ثيابي ثياب أهل الجنة وثيابك ثياب أهل النار بلغني أن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية ثم قال الحسن جعلوا الزهد في ثيابهم والكبر في صدورهم والذي يحلف به لأحدهم بكسائه أعظم كبرا من صاحب المطرف بمطرفه ثم الجملة أنها خبر أو دعاء على من استعبده حب الدنيا واسترقه الهوى وأعرض عن عبودية المولى ولذا قال بعض العارفين أتمنى على الزمان محالا أن ترى مقلتاي طلعة حر ولم يقل صاحبها إيذانا بأن المذموم من يكون أسيرا لجمع المال بحيث لا


يؤدي حق الملك المتعال إن أعطي أي هذا التعيس رضي وإن لم يعط سخط بكسر الخاء أي غضب والجملة بيان لشدة حرصه وانقلاب حاله كما أخبر الله تعالى عن حال المنافقين بقوله ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون التوبة الآية وكما قال عز وجل ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين الحج تعس كرر للتأكيد وليعطف عليه التشديد


قوله وانتكس إي صار ذليلا وإذا شيك بكسر أوله أي دخل شوك في عضوه فلا انتقش بصيغة المجهول وفي نسخة على بناء المعلوم أي فلا يقدر على إخراجه أو لا يجد من يخرجه والمعنى أنه إذا وقع في البلاء لا يرحم عليه ولا يقدر على دفعه بنفسه أيضا هذا وفي النهاية تعس إذا عثر وانكب على وجهه وقد تفتح العين وهو دعاء عليه بالهلاك وانتكس أي انقلب على رأسه وهو دعاء عليه بالخيبة لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر وإذا شيك أي إذا شاكته شوكة فلا يقدر على انتقاشها وهو إخراجها بالمنقاش والخميصة ثوب خز أو صوف معلم وقيل لا تسمى خميصة إلا إذا كانت سوداء معلمة وكانت من لباس الناس قديما قال الطيبي رحمه الله قيل خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا خلاص له عن أسره ولم يقل مالك الدينار ولا جامع الدينار لأن المذموم من الدنيا الزيادة على قدر الحاجة لا قدر الحاجة وقوله إن أعطي رضى وإن لم يعط سخط يؤذن إلى شدة حرصه في جمع الدنيا وطمعه فيما في أيدي الناس وفي قوله تعس وانتكس صيغة الترديد مع الترقي أعاد تعس الذي هو الإنكباب على الوجه ليضم معه الإنتكاس الذي هو الإنقلاب على الرأس ليترقى في الدعاء عليه من الأهون إلى الأغلظ ثم ترقى منه إلى قوله وإذا شيك فلا انتقش على معنى أنه إذا وقع في البلاء فلا يترحم عليه فإن من وقع في البلاء إذا ترحم له الناس ربما هان الخطب عليه وتسلى بعض التسلي وهؤلاء بخلافه بل يزيد غيظهم بفرح الأعداء وشماتتهم وإنما خص انتقاش الشوك بالذكر لأن الإنتقاش أسهل ما يتصور من المعاونة لمن أصابه مكروه فإذا نفى ذلك الأهون فيكون ما فوق ذلك منفيا بالطريق الأولى طوبى أي حالة طيبة أو شجرة في الجنة لعبد أي خالص لله تعالى آخذ بصيغة الفاعل أي ماسك بعنان فرسه بكسر العين أي بلجامه في سبيل الله أي طريق الجهاد أشعث بالنصب على أنه صفة عبد أو حال منه وقوله رأسه مرفوع على الفاعلية لأشعث وهو


مغبر الرأس وفي نسخة برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة عبد وقوله مغبرة بالنصب وفي نسخة بالرفع وفي أخرى بالجر على أنها صفة عبد وقوله قدماه فاعلها وقال الطيبي رحمه الله أشعث ومغبرة حالان من الضمير في آخذ لإعتماده على الموصوف ويجوز أن يكونا حالين من العبد لأنه موصوف إن كان أي ذلك العبد في الحراسة بكسر الحاء أي حماية الجيش ومحافظتهم عن أن يتهجم عليهم عدوهم كان أي كاملا في الحراسة غير مقصر فيها بالنوم والغفلة ونحوهما والحراسة وإن كانت في اللغة أعم لكنها في العرف مختصة بمقدمة العسكر ولذا قال وإن كان في الساقة أي في مؤخرة الجيش منها الحراسة


أيضا كان أي كاملا في الساقة في تلك الحالة أيضا بأن لا يخاف من الانقطاع ولا يهتم إلى السبق بل يلازم ما هو لأجله وقد تقرر في علم المعاني أن الشرط والجزاء إذا اتحدا يراد بالجزاء الكمال فالمعنى إن كان في الحراسة أو الساقة يبذل جهده فيها ولا يغفل عنها على وجه الكمال قال التوربشتي رحمه الله أراد بالحراسة حراسته من العدو أن يهجم عليهم وذلك أن يكون في مقدمة الجيش والساقة مؤخرة الجيش فالمعنى ائتماره لما أمر وإقامته حيث أقيم لا يفقد من مكانه بحال وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة الأول عند دخولهم دار الحرب والآخر عند خروجهم إن استأذن أي طلب الإذن في دخول محفل وفي نسخة إذا استأذن لم يؤذن له أي لعدم ماله وجاهه وإن شفع أي لأحد لم يشفع بتشديد الفاء المفتوحة أي لم تقبل شفاعته وتوضيحه ما قيل أن فيه إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأربابها بحيث يفنى بكليته في نفسه لا يبتغي مالا ولا جاها عند الناس بل يكون عند الله وجيها ولم يقبل الناس شفاعته وعند الله يكون شفيعا مشفعا رواه البخاري وروى الترمذي صدر الحديث بلفظ لعن عبد الدينار لعن عبد الدرهم مختصرا وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال إن مما أخاف عليكم أي من جملة ما أخشى عليكم أيها الصحابة أو أيها الأمة من بعدي أي بعد وفاتي وفقد حياتي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا بفتح الزاي وسكون الهاء ويفتح ففي القاموس الزهرة ويحرك النبات أو نوره أو الأصفر منه والمراد حسنها وبهجتها فقوله وزينتها عطف تفسير وإنما عبر بالزهرة إشارة إلى حدوثها خضرة وحلوة وسرعه فنائها والمعنى أني أخاف عليكم أن كثرة أموالكم عند فتح بلادكم تمنعكم من الأعمال الصالحة وتشغلكم عن العلوم النافعة وتحدث فيكم الأخلاق الدنية من التكبر والعجب والغرور ومحبة المال والجاه وما يتعلق بهما من لوازم الأمور الدنيوية والإعراض عن الإستعداد للموت وما بعده من الأحوال الأخروية فقال رجل


يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر بفتح الواو والاستفهام للإسترشاد والمعنى أيفتح علينا ويأتي الخير من الغنائم والمال والحلال وتوسيع الرزق مصحوبا بالشر المترتب عليه ترك الخير من الطاعة والعبادة مما يخاف علينا وقيل الباء صلة يأتي وهي للتعدية أي هل يستجلب الخير الشر وتوضيحه أن حصول الغنيمة لنا خير وهل يكون ذلك الخير سببا للشر
فسكت أي متأملا أو مستغرقا أو منتظرا للوحي سكوتا ممتدا حتى ظننا أنه ينزل بصيغة المجهول أي نزل الوحي عليه أي بواسطة جبريل وإلا فهو ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إما وحيا جليا أو خفيا قال أي الراوي فمسح عنه أي عن وجهه الشريف الرحضاء بضم الراء وفتح الحاء المهملة وبالضاد المعجمة وبالمد عرق الحمى على ما في المقدمة والمراد هنا عرق يظهر عليه عند نزول الوحي عليه فالتركيب من باب التشبيه البليغ والمعنى أنه مسح عنه عرقا كعرق أثر الحمى ترحض الجسد أي تغسله من كثرته وقال أين السائل وكأنه أي النبي حمده أي حمد السائل واستحسنه في سؤاله لكونه سؤال استرشاد لنفع العباد والعباد فقال إنه أي الشأن لا يأتي الخير بالشر أي حقيقة لتنافيهما لكن قد يكون الخير سببا للشر فضرب لذلك مثلا بقوله المناسب لتعبير الخير بالزهرة حيث قال وإن مما ينبت الربيع أي بقدرته تعالى وإرادته وخلق أسبابه وآلته ما يقتل أي نباتا أو شيئا يهلك الدواب حبطا بفتحتين أي انتفاخ بطن من الامتلاء وهو تمييز والمراد أنه قد يقتل حقيقة أو يلم بضم ياء وتشديد ميم أي يكاد أن يقتل ويقرب أن يهلك فأو للتنويع والمعنى أن الربيع ينبت خيار العشب فتستكثر منه الماشية لإستطابتها إياه حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنفتق أمعاؤها من ذلك فتموت أو تقرب الموت ومن المعلوم أن الربيع ينبت أضراب العشب فهي كلها خير في نفسها وإنما يأتي الشر من قبل إفراط الأكل فكذلك المفرط في جمع المال من غير حله أو من الحلال المشغل عن حاله يكثر في


التنعيم بماله من غير تأمل في مآله فيقسو قلبه من كثرة الأكل فيورث الأخلاق الدنية فيتكبر ويتجبر ويحقر الناس ويمنع ذا الحق الحق منها فحيث آل مآل المال لهلاكه في الدنيا ولعذابه في العقبى يصير سببا للوبال وشدة النكال وسوء الحال إلا آكلة الخضر بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين وهو الطري الغض من النبات وفي نسخة بضم ففتح على أنه جمع خضرة وروي بزيادة الهاء والمعنى يقتل أو يلم آكلة إلا آكلة الخضر على الوجه المذكور والبيان المسطور بقوله أكلت أي الماشية الآكلة المفرطة في أكلها حتى امتدت أي امتلأت وشبعت خاصرتاها أي جنباها وعبر عن الشبع بامتدادهما لأنهما يمتدان عند امتلاء البطن استقبلت عين الشمس أي ذاتها وقرصها والمعنى إنها بركت مستقبلة إليها تستمري بذلك ما أكلت وقال شارح أي تركت الأكل ولم تأكل ما فوق طاقة كرشها حتى تقتلها كثرة الأكل وتوجهت إلى مسقط ضوئها واستراحت فيه فثلطت أي ألقت روثها رقيقا سهلا وبالت أي فزال عنها الحبط ثم عادت فأكلت أي ثم إذا حصل لها


خفة واحتاجت إلى الأكل عادت فأكلت كذلك من أخرج ما في المال من الحقوق وعالج نفسه بالاحتماء عن مساوى الأغنياء وعرف الداء والدواء بتتبع كلام الحكماء من الأنبياء والأولياء فيكون المال حينئد خيرا له لأنه معونة له في تحصيل الخير ودفع الشر لكن لما كان الخطر فيه كثيرا بحيث يضر السالكين بحسب الأغلب اختار الله لأكثر الأنبياء والأولياء طريق الفقر والفاقة وذهب الصوفية أجمعهم والعلماء أكثرهم إلى أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر والله سبحانه وتعالى أعلم هذا مجمل الكلام في مرام المقام وأما تفصيله لغة وحلا من جهة المبنى والمعنى ففي النهاية الحبط بالتحريك الهلاك يقال حبطت الدابة تحبط حبطا بالتحريك إذا أصابت مرعى طيبا فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب فتستكثر منه الماشية ويلم أي يقرب ويدنو من الهلاك والخضر بكسر الضاد نوع من البقول ليس من أحرارها وجيدها وإنما ترعاها المواشي إذا لم تجد غيرها فلا تكثر من أكلها ولا تستمرئها قال القاضي آكلة نصب على أنه مفعول يقتل والاستثناء مفرغ والأصل أن مما ينبت الربيع ما يقتل أكله إلا أكل الخضر على هذا الوجه وإنما صح الإستثناء المفرغ من المثبت لقصد التعميم فيه ونظيره قرأت إلا يوم كذا قال الطيبي رحمه الله تعالى وعليه ظاهر كلام المظهر والأظهر أن الإستثناء منقطع لوقوعه في الكلام المثبت وهو غير جائز عند الكشاف في أكثر النسخ إلا بالتأويل فيه لأن ما يقتل حبطا بعض ما ينبت الربيع لدلالة من التبعيضية عليه والتقسيم في قوله إلا آكلة الخضر لأن الخضر غير ما يقتل حبطا يشهد له ما في شرح السنة قال الأزهري فيه مثلان ضرب أحدهما للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها وضرب الآخر للمقتصد في أخذها والانتفاع بها وأما قوله وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا فهو مثل للمفرط الذي يأخذها بغير حق وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب فتستكثر منها الماشية حتى تنتفخ


بطونها لما قد جاوزت حد الاحتمال فتنفتق أمعاؤها فتهلك كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويمنع ذا الحق حقه يهلك في الآخرة بدخول النار وأما مثل المقتصد فقوله إلا آكلة الخضر وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول التي ينبتها الربيع فتستكثر منها الماشية ولكنها من كلأ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هشيم البقول شيئا فشيئا من غير استكثار فضرب مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص على أخذها فهو ينجو من وبالها قال الأشرف في قوله حتى امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس أن المقتصد المحمود العاقبة وإن جاوز حد الإقتصاد في بعض الأحيان وقرب من السرف المذموم لغلبة الشهوة المركوزة في الإنسان وهو المعني بقوله أكلت حتى امتدت خاصرتاها لكنه يرجع عن قريب عن ذلك الحد المذموم ولا يلبث عليه بل يلتجىء إلى الدلائل النيرة والبراهين الواضحة الدافعة


للحرص المهلك القامعة له وهو المدلول عليه بقوله استقبلت عين الشمس وثلطت وبالت فحذف ما حذف في المرة الثانية لدلالة ما قبلها عليه وفيه إرشاد إلى أن المحمود العاقبة وإن تكرر منه الخروج عن حد الاقتصاد والقرب من حد الإسراف مرة بعد أولى وثانية بعد أخرى لغلبة الشهوة عليه وقوتها فيه لكنه يمكن أن يبعد بمشيئة الله تعالى عن الحد المذموم الذي هو الإسراف ويقرب من الاقتصاد الذي هو الحد المحمود قال الطيبي رحمه الله فعلى هذا الاستثناء متصل لكن يجب التأويل في المستثنى منه والمعنى أن من جملة ما ينبت الربيع شيئا يقتل آكله إلا الخضر منه إذا اقتصد فيه آكله وتحرى دفع ما يؤديه إلى الهلاك وإن هذا المال أي المحسوس في البال خضرة بفتح فكسر حلوة بضم الحاء أي حسنة المنظر لزيادة المذاق والتأنيث باعتبار أن هذا المال عبارة عن الدنيا وزينتها إذ التقديران زهرة هذا المال خضرة حلوة قال التوربشتي رحمه الله كذلك نرويه من كتاب البخاري على التأنيث وقد روى أيضا خضر حلو والوجه فيه أن يقال إنما أنث على معنى تأنيث المشبه به أي أن هذا المال شيء كالخضرة وقيل معناه كالبقلة الخضرة أو يكون على معنى فائدة المال أي إن الحياة أو المعيشة خضرة قال الطيبي رحمه الله ويمكن أن يعبر عن المال بالدنيا لأنه أعظم زينتي الحياة الدنيا لقوله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا الكهف فيوافق حديث أبي سعيد الخدري الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم على ما مر في الباب السابق اه والمعنى أن هذا المال جنسه أو نوع مشبه بالمرعى المشتهاة للأنعام فمن أخذه بحقه أي بقدر احتياجه من طريق حله أي في محله الواجب أو ندبه فنعم المعونة أي ما يعان به على ال طاعة يدفع به ضرورات المؤنة إذ المراد بالمعونة الوصف مبالغة أي فنعم المعين على الدين هو أي المال ونظيره ما ورد نعم المال الصالح للرجل الصالح ومن أخذه بغير حقه أي من غير احتياج إليه وجمعه من حرام ولم يصرفه


في مرضاة ربه كان كالذي يأكل ولا يشبع فيقع في الداء العضال والورطة المهلكة لغلبة الحرص كالذي به جوع البقر وكالمريض الذي به الإستسقاء حيث ما يروى وكل ما يشرب يزيد عطشا وانتفاخا ويكون أي المال شهيدا عليه يوم القيامة أي حجة عليه يوم يشهد على حرصه وإسرافه وإنه أنفقه فيما لا يرضاه الله تعالى ولم يؤد حقه من مال الله لعباد الله قال الغزالي رحمه الله مثال المال مثال الحية التي فيها ترياق ناقع وسم ناقع فإن أصابها المعزم الذي يعرف وجه الإحتراز عن شرها وطريق استخراج ترياقها كانت نعمة وإن أصابها السوادي الغبي


فهي عليه بلاء مهلك وتوضيحه ما قاله الخواجة عبيد الله النقشيندي رحمه الله أن الدنيا كالحية فكل من يعرف رقيتها يجوز له أخذها وإلا فلا فقيل وما رقيتها فقال أن يعرف من أين يأخذها وفي أين يصرفها متفق عليه وعن عمرو بن عوف قال قال رسول الله فوالله لا الفقر بالنصب مفعول مقدم للإهتمام على عامله وهو قوله أخشى عليكم والمعنى ما أخشى عليكم الفقر لأن الغالب عليه السلامة وأنه أنفع لكم ولذا قيل إن من العصمة أن لا تقدر وإن كان كاد الفقر أن يكون كفرا ولكن أخشى عليكم أن تبسط أي توسع عليكم الدنيا أي فتعملوا معاملة الأغنياء الأغبياء فتهلكوا بأنواع البلاء كما بسطت على من كان قبلكم أي فهلكوا بسبب عدم ترحمهم على الفقراء لأجل كمال الميل إلى المال فتنافسوها بحذف إحدى التاءين عطف على تبسط من نافست في الشيء أي رغبت فيه وبحقيقة أن المنافسة والتنافس ميل النفس إلى الشيء النفيس ولذا قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون والمعنى فتختاروها أنتم وترغبوا فيها غاية الرغبة كما تنافسوها بصيغة الماضي أي كما رغب فيها من قبلكم وتهلككم أي الدنيا كما أهلكتهم قال الطيبي رحمه الله فإن قلت ما الفائدة في تقديم المفعول في القرينة الأولى دون الثانية قلت فائدته الاهتمام بشأن الفقر لأن الأب المشفق إذا احتضر إنما يكون اهتمامه بشأن الولد وضياعه وإعدامه المال كأنه يقول حالي معكم خلاف حال الوالد فإني لا أخشى الفقر كما يخشاه الوالد ولكن خوفي من الغنى الذي هو مطلوب الوالد للولد ثم التعريف في الفقر أما أن يكون للعهد فهو الفقر الذي كانت الصحابة عليه من الإعدام والقلة والبسط هو ما بسط الله عليهم من فتح البلاد وأما للجنس وهو الفقر الذي يعرفه كل أحد كما هو والبسط الذي يعرفه كل أحد ونظيره ما فسر به قوله تعالى فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا الشرح اه والظاهر أن المراد بالفقر ما لم يكن عنده جميع ما يحتاج إليه من ضروريات الدين والبدن


وبالغنى الزيادة على مقدار الكفاية الموجبة للطغيان وشغل الإنسان عن عبادة الرحمان فالمعنى كما قال الطيبي رحمه الله ترغبون فيها فتشتغلون بجمعها وتحرصون على إمساكها فتطغون بها فتهلكون بها قال تعالى كلا إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى ويحتمل أن يكون هلاكهم من أجل أن
المال مرغوب فيه فيطمع الناس ويتوقعون منه فمنعه منهم فتقع العداوة بينهم فيفضى ذلك إلى الهلاك اه وهذا الاحتمال بعيد عن أن يكون مراد الحديث بل محال بلا مجال متفق عليه وروى الطبراني في الصغير عن أنس مرفوعا قال من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه تعالى ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو الله تعالى ومن تضعضع لغنى لينال مما في يديه أسخط الله تعالى ومن أعطى القرآن فدخل النار فأبعده الله تعالى ورواه أبو الشيخ في الثواب من حديث أبي الدرداء إلا أنه قال في آخره ومن قعد أو جلس إلى غنى فتضعضع له لدنيا تصيبه ذهب ثلثا دينه ودخل النار وعن أبي هريرة أن رسول الله قال اللهم اجعل رزق آل محمد أي ذريته وأهل بيته أو اتباع محمد وأحبابه على وجه الكمال قوتا أي ما يكسب قوة على الطاعة ويسد رمقا في المعيشة وفي رواية كفافا بفتح الكاف وهو من القوت ما يكف الرجل من الجوع أو عن السؤال والظاهر أن هذه الرواية تفسير للأولى وبيان أن الإكتفاء بأدنى المعيشة هو الطريق الأولى وقد استجاب الله دعاءه في حق من شاءه ممن أراد اصطفاءه واجتباءه ويؤيد القول الثاني وهو أن يكون المراد بالآل خواص أمته من أرباب الكمال ما ورد في دعائه عليه الصلاة والسلام على ما رواه ابن ماجه عن عمرو بن غيلان الثقفي والطبراني عن معاذ بن جبل اللهم من آمن بي وصدقني وعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك فأقلل ماله وولده وحبب إليه لقاءك وعجل له القضاء ومن لم يؤمن بي ولم يصدقني ولم يعلم أن ما جئت به الحق من عندك فأكثر ماله وولده وأطل عمره ولعل السبب في ذلك ما ورد عنه قليل يكفيك خير من


كثير يطغيك وفي رواية قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ونعم ما قال بعض أرباب الحال زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران هذا وفي النهاية الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه قال الطيبي رحمه الله هذه الرواية مفسرة للرواية الأولى لأن القوت ما يسد به الرمق وقيل سمي قوتا لحصول القوة منه سلك طريق الاقتصاد المحمود فإن كثرة المال تلهى وقلته تنسي فما قل وكفى خير مما كثر وألهى وفي دعاء النبي إرشاد لأمته كل الإرشاد إلى أن الزيادة


على الكفاف لا ينبغي أن يتعب الرجل في طلبه لأنه لا خير فيه وحكم الكفاف يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فمنهم من يعتاد قلة الأكل حتى أنه يأكل في كل أسبوع مرة فكفافه وقوته تلك المرة في أسبوع ومنهم من يعتاد الأكل في كل يوم مرة أو مرتين فكفافه ذلك أيضا لأنه إن تركه أضره ذلك ولم يقو على الطاعة ومنهم من يكون كثير العيال فكفافه ما يسد رمق عياله ومنهم من يقل عياله فلا يحتاج إلى طلب الزيادة وكثرة الاشغال فإذا قدر الكفاية غير مقدر ومقداره غير معين إلا أن المحمود ما به من القوة على الطاعة والاشتغال به على قدر الحاجة متفق عليه وفي الجامع اللهم ارزق آل محمد في الدنيا قوتا رواه مسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله قد أفلح أي فاز وظفر بالمقصود من أسلم أي انقاد لربه المعبود ورزق أي من الحلال كفافا أي ما كفاه في أمر دنياه وكفه عما سواه وقنعه الله أي جعله قانعا بما آتاه أي بما أعطاه إياه بل جعله شاكرا لما أعطاه راضيا بكل ما قدره وقضاه رواه مسلم وكذا أحمد والترمذي وابن ماجه وفي رواية لأحمد عن أبي ذر مرفوعا قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليما ولسانه صادقا ونفسه مطمئنة وخليقته مستقيمة وأذنه مستمعة وعينه ناظرة وجاء في رواية مختصرا قد أفلح من رزق لبا رواه البيهقي عن قرة بن هبيرة وقد قال تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون المؤمنون الآيات والله تعالى أعلم بحقيقة النيات وعن أبي هريرة قال قال رسول الله يقول العبد أي مع أن العبد وما في يده لمولاه ولا ينبغي له أن ينسب إلى نفسه شيئا كما قالته الصوفية الصفية مالي مالي


أي مالي كذا مالي كذا والمعنى يعده افتخارا أو يذكره احتقارا أو لم يعرف المقصود من المال ولا ما يترتب عليه في المآل من الوبال وإن ما له من ماله ثلاث ما الأولى موصولة وله صلته ومن ماله متعلق بالصلة وثلاث خبر وإنما أنثه على تأويل المنافع ذكره الطيبي رحمه الله والمعنى أن الذي يحصل له من ماله ثلاث منافع في الجملة لكن منفعة واحدة منها حقيقة باقية والباقي منها صورية فانية ما أكل أي ما استعمل من جنس المأكولات والمشروبات بغية تغليب أو اكتفاء فأفنى أي فأعدمها أو لبس أي من الثياب فأبلى أي فأخلقها أو أعطى أي لله تعالى فاقتنى أي جعله قنية وذخير للعقبى وما سوى ذلك أي وما عدا ما ذكر من سائر أنواع المال من المواشي والعقار والخدم والنقود والجواهر ونحو ذلك فهو أي العبد ذاهب أي عنه وتاركه للناس أي من الورثة أو غيرهم بلا فائد راجعة إليه مع أن مطالبة المحاسبة والمعاقبة عليه رواه مسلم وعن أنس قال قال رسول الله يتبع الميت أي إلى قبره ثلاثة أي من أنواع الأشياء فيرجع اثنان أي إلى مكانهما ويتركانه وحده ويبقى معه واحد أي لا ينفك عنه يتبعه أهله أي أولاده وأقاربه وأهل صحبته ومعرفته وماله كالعبيد والإماء والدابة والخيمة ونحوها قال المظهر أراد بعض ماله وهو مماليكه وقال الطيبي رحمه الله أتباع الأهل على الحقيقة واتباع المال على الاتساع فإن المال حينئذ له نوع تعلق بالميت من التجهيز والتكفين ومؤونة الغسل والحمل والدفن فإذا دفن انقطع تعلقه بالكلية وعمله أي من الصلاح وغيره فيرجع أهله وماله أي كما تشاهد حاله ومآله ويبقى أي معه عمله أي ما يترتب عليه من ثواب وعقاب ولذا قيل القبر صندوق العمل وفي الحديث القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران متفق عليه وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله أيكم مال وارثه أحب إليه


من ماله أي من مال نفسه قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال فإن ماله أي حقيقة ما قدم أي ما قدمه على موته بإرساله إلى الدار الآخرة فإنه النافع الباقي له فيها قال تعالى وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله البقرة ومال وارثه ما أخر أي ما خلفه لهم حيث يفعلون فيه ما قدره الله عليهم من الخير والشر قال تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت الانفطار رواه البخاري وعن مطرف بضم الميم وكسر الراء المشددة عن أبيه أي عبد الله بن الشخير بكسر فتشديد ومر ذكره قال أتيت النبي وهو يقرأ ألهاكم التكاثر أي أشغلكم طلب كثرة المال قال يقول ابن آدم أي لكونه ظلوما جهولا في حمل الأمانة المانعة عن الخيانة مالي مالي أي يغتر بنسبة المال تارة ويفتخر به أخرى قال أعيد للتأكيد ودفعا لتوهم أن يكون من قول الراوي وهل لك أي وهل يحصل لك من المال وينفعك في المآل يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت أي فأمضيته من الإفناء والإبلاء وأبقيته لنفسك يوم الجزاء قال تعالى ما عندكم ينفد وما عند الله باق النحل وقال عز وجل من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم البقرة رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ليس الغنى أي المعتبر عند أرباب الحقيقة غنى صادرا عن كثرة العرض وهو غنى اليد من الأمور العارضة والأحوال الحادثة وهو بفتح العين والراء متاع الدنيا وحطامها على ما في النهاية وقال شارح العرض بالتحريك يتناول النقود وغيرها من الأموال وبالسكون لا يتناول النقود وقال الطيبي رحمه الله وعن هذه مثلها في قوله تعالى فأزلهما الشيطان عنها البقرة الكشاف أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنه ولكن بتشديد


النون ويجوز تخفيفه الغنى أي الغنى الحقيقي غنى النفس أي عن المخلوق لإستغناء القلب بإغناء الرب والمعنى إن الغنى الحقيقي هو قناعة النفس بما أعطاه المولى والتجنب عن الحرص في طلب الدنيا فمن كان قلبه حريصا على جمع المال فهو فقير في حقيقة الحال ونتيجة المآل وإن كان له كثير من الأموال لأنه محتاج إلى طلب الزيادة بموجب طول الآمال ومن كان له قلب قانع بالقوت وراض بعطية مالك الملك والملكوت فهو غني بقلبه مستغن عن الغير بربه سواء يكون في يده مال أو لا إذ لا يطلب الزيادة على القوت ولا يتعب نفسه في طلب الدنيا إلى أن يموت بل يستعين بالقليل من الدنيا لتحصيل الثواب الجميل في العقبى والثناء الجزيل من المولى رزقنا الله المقام الأعلى وفي الحديث القناعة كنز لا يفنى وفي رواية لا ينفد وما أحسن من قال من أرباب الحال عزيز النفس من لزم القناعة ولم يكشف لمخلوق قناعه قال الأشرف المراد بغنى النفس القناعة ويمكن أن يراد به ما يسد الحاجة قال الشاعر غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا قال الطيبي رحمه الله ويمكن أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العملية والعلمية وأنشد أبو الطيب معناه ومن ينفق الساعات في جمع مالهه مخافة فقر فالذي فعل الفقر يعني ينبغي أن ينفق ساعاته وأوقاته في الغنى الحقيقي وهو طلب الكمالات ليزيد غنى بعد غنى لا في المال لأنه فقر بعد فقر اه وقد قال بعض أرباب الكمال رضينا قسمة الجبار فينا لنا علم وللأعداء مال فإن المال يفنى عن قريب وإن العلم يبقى لا يزال ومن المعلوم أن المال إرث فرعون وقارون وسائر الكفار والفجار وأن العلم إرث الأنبياء والأولياء والعلماء الأبرار متفق عليه رواه أحمد والترمذي وابن ماجه
الفصل الثاني
عن أبي هريرة قال قال رسول الله من يأخذ عني هؤلاء الكلمات أي


الأحكام الآتية للسامع المصورة في ذهن المتكلم ومن للاستفهام فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن أو بمعنى الواو كما في قوله تعالى عذرا أو نذرا المرسلات ذكره الطيبي رحمه الله وتبعه غيره والظاهر أن أو في الآية للتنويع كما أشار إليه البيضاوي بقوله عذرا للمحققين أو نذرا للمبطلين ويمكن أن تكون أو في الحديث بمعنى بل إشارة إلى الترقي من مرتبة الكمال إلى منصة التكميل على أن كونها للتنويع له وجه وجيه وتنبيه نبيه على أن العاجز عن فعله قد يكون باعثا لغيره على مثله كقوله فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه قلت أنا أي آخذها عنك يا رسول الله وهذه مبايعة خاصة ومعاهدة خالصة و نظيره ما عاهد بعض أصحابه بأنه لا يسأل مخلوقا أو كان إذا وقع سوطه من يده وهو راكب نزل وأخذه من غير أن يستعين بأحد من أصحابه فأخذ بيدي أي تحقيقا للقضية وتقريبا للخصوصية فعد خمسا أي من الخصائل أو من الأصابع على ما هو المتعارف واحدة بعد واحدة فقال اتق المحارم وهي شاملة لجميع المحرمات من فعل المنهيات وترك المأمورات تكن أعبد الناس إذ لا عبادة أفضل من الخروج عن عهدة الفرائض وعوام الناس يتركونها ويعتنون بكثرة النوافل فيضيعون الأصول ويقومون بالفضائل فربما يكون على شخص قضاء صلوات ويغفل عن أدائها ويطلب علما أو يجتهد عملا في طواف وعبادات نفل أو يكون على أحد من الزكاة أو حقوق الناس فيطعم الفقراء أو يبني المساجد والمدارس ونحوها ولعل التعبير بالإتقاء اعتناء لجانب الاحتماء على قاعدة الحكماء في معالجة الداء بالدواء وارض بما قسم الله لك أي سواء يقع لك بواسطة مخلوق أو بغيرها تكن أغنى الناس سأل شخص السيد أبا الحسن الشاذلي رحمة الله عن الكيمياء فقال هي كلمتان اطرح الخلق عن نظرك واقطع طمعك عن الله أن يعطيك غير ما قسم لك وقال السيد عبد القادر الجبلي عليه رحمة الباري اعلم أن القسم لا يفوتك بترك الطلب وما ليس بقسم لا تناله بحرصك في الطلب والجد والاجتهاد


فاصبر والزم الحال وأرض به ليرضى عنك ذو الجلال وأحسن إلى جارك أي ولو أساء إليك تكن مؤمنا أي كاملا أو معطيا له الأمن لقوله لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه أي شروره وغوائله وأحب للناس أي عموما ما تحب لنفسك أي مثل ما تحبه لك خاصة حتى تحب الإيمان للكافر والتوبة للفاجر ونحو ذلك تكن مسلما أي كاملا وهذا الحديث أعم من حديث المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وقد استشهد الطيبي رحمه الله به فالأظهر فيما اعتضده حديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولا تكثر الضحك أي تكن طيب القلب وحيا بذكر الرب فإن كثرة


الضحك أي المورثة للغفلة عن الاستعداد للموت وما بعده من الزاد للمعاد تميت القلب أي إن كان حيا ويزيد اسودادا إن كان ميتا رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب وفي التصحيح للجزري رواه الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة والحسن لم يسمع من أبي هريرة قال وروى أبو عبيدة الباجي عن الحسن هذا الحديث قوله ولم يذكر عن أبي هريرة عن النبي وقال المنذري بعد نقل قول الترمذي الحسن لم يسمع من أبي هريرة و رواه البزار والبيهقي بنحوه في كتاب الزهد له عن مكحول عن واثلة لكن بقية إسناده فيه ضعف ذكره ميرك وفيه أن حديث الحسن اعتضد بحديث مكحول فترقى عن درجة الضعف مع أنه معتبر في فضائل الأعمال إجماعا وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله تعالى يقول ابن آدم خص بالنداء لأنه عمدة العابدين وأضيف إلى آدم إشعارا بأنه يتبعه في مرتبة التائبين تفرغ لعبادتي أي بالغ في فراغ قلبك لعبادة ربك املأ صدرك غنى أي أحسن قلبك علوما ومعارف تورث الغنى عن غير المولى وأسد فقرك أي وأسد باب حاجتك إلى الناس وهو بفتح الدال المشددة في النسخ المصححة لعطفه على المجزوم من جواب الأمر وفي نسخة بضمها لمتابعة عينها وقد جوز في لم بمد الحركات الثلاث مع الإدغام وإن لا تفعل أي ما أمرتك من الإعراض عن الدنيا والإقبال على عبادة المولى النافعة في الدنيا والأخرى ملأت يدك أي جوارحك كما يدل عليه رواية يديك وفي الجامع يديك بصيغة التثنية وإنما خصت اليد لمزاولة أكثر الأفعال بها شغلا بضم فسكون ويجوز ضمهما وفتحهما وفتح فسكون على ما في القاموس أي اشتغالا من غير منفعة ولم أسد فقرك أي لا من شغلك ولا من غيره وحاصله أنك تتعب نفسك بكثرة التردد في طلب المال ولا تنال إلا ما قدرت لك من المال في الأزل وتحرم عن غنى القلب لترك عبادة الرب رواه أحمد وابن ماجه وكذا الترمذي والحاكم على ما ذكر في الجامع وفي التصحيح رواه الترمذي وابن ماجه من طريق أبي خالد الوالبي


واسمه هريرة ويقال هرم عن أبي هريرة قال ابن عدي في حديث
أبي خالد لين وقال الحافظ المنذري في الترغيب رواه ابن ماجه والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن وابن حبان في صحيحه باختصار إلا أنه قال يديك شغلا والحاكم وقال صحيح الإسناد والبيهقي في كتاب الزهد قال ميرك وله شاهد من حديث معقل بن يسار قال قال رسول الله يقول ربكم يا ابن آدم تفرغ لعبادتي املأ قلبك غنى واملأ يديك رزقا يا ابن آدم لا تباعد عني املأ قلبك فقرا وأملأ بدنك شغلا رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد وروى ابن عساكر والديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس مرفوعا خير سليمان بين المال والملك والعلم فاختار العلم فأعطي الملك والمال لإختياره العلم وروى البيهقي عن عمران بن حصين مرفوعا من انقطع إلى الله عز وجل كفاه كل مؤونة ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليها وروى الديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة والبيهقي عن علي مرفوعا آلى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب وعن جابر قال ذكر رجل عند رسول الله بعبادة واجهاد أي في طاعة مع قلة ورع عن معصية والتنوين فيهما للتعظيم أو للتنكير وذكر أي عنده آخر برعة بكسر الراء على وزن عدة أي بورع عن حرام مع قلة عبادة والمعنى أنه طلب منه بيان الأفضل منهما فقال النبي لا تعدل بصيغة الفاعل مجزوما وقيل بصيغة المفعول مرفوعا أي لا تزن ولا تقابل العبادة بالرعة يعني الورع تفسيره من الراوي والمراد بالورع التقوى عن المحرمات فإنه قد يفضى إلى امتثال الواجبات من العبادات قال المظهر لا تعدل يجوز أن يكون نهي المخاطب المذكر مجزوم اللام يعني لا تقابل شيئا بالرعة وهي بكسر الراء وتخفيف العين الورع فإن الورع أفضل من كل خصلة ويجوز أن يكون خبرا منفيا بضم التاء وفتح الدال أي لا تقابل خصلة بالورع فإنه أفضل الخصال قال الراغب الورع في عرف الشرع عبارة عن ترك التسرع إلى تناول أعراض الدنيا وذلك ثلاثة


أضرب واجب وهو الإحجام عن المحارم وذلك للناس كافة وندب وهو الوقوف عن الشبهات وذلك للأوسط وفضيلة وهو الكف عن كثير من المباحات والاقتصار على أقل الضرورات وذلك للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين رواه الترمذي قال الطيبي رحمه الله وقد ألحق في بعض
نسخ المصابيح بعد قوله لا تعدل بالرعة قوله شيئا وليس في جامع الترمذي وأكثر نسخ المصابيح منه أثر قلت وفي الجامع ضبط لا يعدل بصيغة المذكر المجهول على أن الجار والمجرور نائب الفاعل وهو ظاهر جدا حيث لا يحتاج إلى تقدير شيء مطلقا وعن عمرو بن ميمون الأودي بفتح فسكون فمهملة نسبة إلى أود بن صعب ذكره السيوطي رحمه الله وقال المؤلف أدرك الجاهلية وأسلم في حياة النبي ولم يلقه وهو معدود في كبار التابعين من أهل الكوفة روى عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن مسعود قال قال رسول الله لرجل وهو يعظه حال اغتنم من الاغتنام وهو أخذ الغنيمة خمسا أي من الأحوال الموجودة في الحال قبل خمس أي من العوارض المتوقعة في الاستقبال شبابك أي زمان قوتك على العبادة قبل هرمك بفتحتين أي قبل كبرك وضعفك عن الطاعة وصحتك أي ولو في هرمك قبل سقمك بفتحتين وبضم فسكون أي مرضك وغناك أي قدرتك على العبادات المالية والخيرات والمبرات الأخروية في مطلق الأحوال ومن أعم الأموال قبل فقرك أي فقدك إياه بالحياة أو الممات فإن المال في صدد الزوال وفراغك قبل شغلك سبق بيان مبناه ومعناه وحياتك ولو في الكبر المقرون بالمرض والفقر الممكن فيه الإتيان بذكر الله قبل موتك أي وقت إتيان أجلك وانقطاع عملك رواه الترمذي مرسلا قال الجزري رحمه الله في التصحيح حديث عمرو بن ميمون رواه النسائي هكذا مرسلا وعمرو بن ميمون تابعي كبير من المخضرمين أدرك الجاهلية وأسلم في حياة النبي ولم يلقه قال ميرك وله شاهد مرفوع من حديث ابن عباس الحديث بهذا اللفظ أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرطهما قلت وفي الجامع بلفظ اغتنم خمسا قبل خمس حياتك


قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا ورواه أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية والبيهقي عن عمرو بن ميمون مرسلا وعن أبي هريرة عن النبي قال ما ينتظر أحدكم خرج مخرج التوبيخ على تقصير المكلفين في أمر دينهم أي متى تعبدون ربكم فإنكم إن لم تعبدوه مع قلة الشواغل
وقوة البدن فكيف تبعدونه مع كثرة الشواغل وضعفت القوى لعل أحدكم ما ينتظر إلا غنى مطغيا أي جاعلك طاغيا عاصيا مجاوزا للحد أو فقرا منسيا من باب الإفعال ويجوز أن يكون من باب التفعيل ولكن الأول أولى لمشاكلة الأولى أي جاعلا صاحبه مدهوشا ينسيه الطاعة من الجوع والعري والتردد في طلب القوت أو مرضا مفسدا أي للبدن لشدته أو للدين لأجل الكسل الحاصل به أو هرما مفندا بالتخفيف أي مبلغا صاحبه إلى الفند وهو ضعف الرأي يقال أفنده إذا جعل رأيه ضعيفا وقال شارح يقال فند الرجل إذا كثر كلامه من الخرف وأفنده الكبر يعني الذي لا يدري ما يقول من غاية كبره اه والأظهر أن التفنيد للنسبة إلى الخرف ومنه قوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه الصلاة والسلام إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون يوسف قال البيضاوي رحمه الله أي تنسبوني إلى الفند وهو نقصان عقل يحدث من هرم وفي القاموس الفند بالتحريك الخرف وإنكار العقل لهرم أو مرض والخطأ في القول والرأي والكذب كالإفناد وفنده تفنيدا كذبه وعجزه وخطأ رأيه كأفنده ولا تقل عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي أبدا اه وكذا قال البيضاوي رحمه الله معللا يكون نقصان عقلها ذاتي أقول ولا شك أن نقصان عقلها إضافي ومع هذا لا ينافي صحة إطلاقه عليها لنقصان عرضي هذا وفي النهاية الفند في الأصل الكذب وأفند تكلم بالفند وفي الفائق قالوا للشيخ إذا هرم قد أفند لأنه يتكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة فشبه بالكاذب في تحريفه والهرم المفند من أخوات قولهم نهاره صائم جعل الفند للهرم وهو


للهرم ويقال أيضا أفنده الهرم وفي كتاب العين شيخ مفند يعني منسوب إلى الفند ولا يقال امرأة مفندة لأنها لا تكون في شبيبتها ذات رأي فتفند في كبريتها قال التوربشتي رحمه الله قوله مفند الرواية فيه بالتخفيف ومن شدده فليس بمصيب أو موتا مجهزا بالتخفيف أي قاتلا بغتة من غير أن يقدر على توبة ووصية ففي النهاية المجهز هو السريع يقال أجهز على الجريح إذا أسرع قتله قال القاضي رحمة الله الموت المجهز المسرع يريد به الفجاءة ونحوها مما لم يكن بسبب مرض أو كبر سن كقتل وغرق وهدم أو الدجال فالدجال وفي نسخة والدجال شر غائب ينتظر أي أسوأه أو الساعة أي القيامة والساعة أدهى أي أشد الدواهي وأفظعها وأصعبها وأمر أي أكثر مرارة من جميع ما يكابده الإنسان في الدنيا من الشدائد لمن غفل عن أمرها ولم يعد لها قبل حلولها قال الطيبي رحمه الله الفاء في قوله فالدجال تفسيرية لأنه فسر ما أبهم مما سبق والواو في والساعة نائبة مناب الفاء الملابسة للعطف قلت الظاهر أن الواو للحال والله تعالى أعلم وحاصل مجمل الحديث أنه استبطاء لمن تفرغ لأمر وهو لا يغتنم


الفرصة فيه فالمعنى أن الرجل في الدنيا ينتظر إحدى الحالات المذكورة فالسعيد من انتهز الفرصة واغتنم المكنة واشتغل بأداء مفترضه ومسنونه قبل حلول رمسه وهذه موعظة بليغة وتذكرة بالغة رواه الترمذي والنسائي وعنه أي عن أبي هريرة أن رسول الله قال ألا للتنبيه إن الدنيا ملعونة أي مبعودة من الله لكونها مبعدة عن الله ملعون ما فيها أي مما يشغل عن الله إلا ذكر الله بالرفع وفي نسخة بالنصب وهو استثناء منقطع وما والاه أي أحبه الله من أعمال البر وأفعال القرب أو معناه ما والى ذكر الله أي قاربه من ذكر خير أو تابعه من اتباع أمره ونهيه لأن ذكره يوجب ذلك قال المظهر أي ما يحبه الله في الدنيا والموالاة المحبة بين اثنين وقد تكون من واحد وهو المراد هنا يعني ملعون ما في الدنيا إلا ذكر الله وما أحبه الله مما يجري في الدنيا وما سواه ملعون وقال الأشرف هو من الموالاة وهي المتابعة ويجوز أن يراد بما يوالي ذكر الله تعالى طاعته واتباع أمره واجتناب نهيه وعالم أو متعلم أو بمعنى الواو أو للتنويع فيكون الواوان بمعنى أو قال الأشرف قوله وعالم أو متعلم في أكثر النسخ مرفوع واللغة العربية تقتضي أن يكون عطفا على ذكر الله فإنه منصوب مستثنى من الموجب قال الطيبي رحمه الله هو في جامع الترمذي هكذا وما والاه وعالم أو متعلم بالرفع وكذا في جامع الأصول إلا أن بدل أو فيه الواو وفي سنن ابن ماجه أو عالما أو متعلما بالنصب مع أو مكررا والنصب في القرائن الثلاث هو الظاهر والرفع فيها على التأويل كأنه قيل الدنيا مذمومة لا يحمد ما فيها إلا ذكر الله وعالم ومتعلم قال في مختصر الإحياء الدنيا أدنى المنزلتين ولذلك سميت دنيا وهي معبرة إلى الآخرة والمهد هو الميل الأول واللحد هو الميل الثاني وبينهما مسافة هي القنطرة وهي عبارة عن أعيان موجودة للإنسان فيها حظ وله في إصلاحها شغل ويعني بالأعيان الأرض وما عليها من النبات والحيوان والمعادن ويعني بالحظ


حيها فيندرج فيها جميع المهلكات الباطنة كالرياء والحقد وغيرهما ونعني بقولنا له في إصلاحها شغل أنه يصلحها بحظ له أو لغيره دنيوي أو أخروي فيندرج فيه الحرف والصناعات وإذا عرفت حقيقة الدنيا فدنياك ما لك فيه لذة في العاجل وهي مذمومة فليست وسائل العبادات من الدنيا كأكل الخبز مثلا للتقوى عليها وإليه الإشارة بقوله الدنيا مزرعة
الآخرة وبقوله الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ما كان لله منها وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إن الله تعالى جعل الدنيا ثلاثة أجزاء جزء للمؤمن وجزء للمنافق وجزء للكافر فالمؤمن يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع قال الطيبي رحمه الله وكان من حق الظاهر أن يكتفي بقوله وما والاه لإحتوائه على جميع الخيرات والفاضلات ومستحسنات الشرع ثم بينه في المرتبة الثانية بقوله والعلم تخصيصا بعد التعميم دلالة على فضله فعدل إلى قوله وعالم ومتعلم تفخيما لشأنهما صريحا بخلاف ذلك التركيب فإن دلالته عليه بالالتزام وليؤذن أن جميع الناس سوى العالم والمتعلم همج ولينبه على أن المعني بالعالم والمتعلم العلماء بالله الجامعون بين العلم والعمل فيخرج منها الجهلاء والعالم الذي لم يعمل بعلمه ومن تعلم علم الفضول وما لا يتعلق بالدين وفي الحديث إن ذكر الله رأس كل عبادة و رأس كل سعادة بل هو كالحياة للأبدان والروح للإنسان وهل للإنسان عن الحياة غنى وهل له عن الروح معدل وإن شئت قلت به بقاء الدنيا وقيام السموات والأرض روينا عن مسلم قال لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله فالحديث إذا من بدائع الحكم وجوامع الكلم التي خص بها هذا النبي المكرم لأنه دل بالمنطوق على جميع الأخلاق الحميدة وبالمفهوم على رذائلها رواه الترمذي أي وقال حسن وابن ماجه وكذا البيهقي وفي الجامع نسب إليهما بدون لفظ إلا وبالنصب ولفظ أو في قوله عالما أو متعلما وهذا في باب الهمزة وأما في باب الدال فقال الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما


كان منها لله عز وجل رواه أبو نعيم في الحلية والضياء عن جابر وأيضا الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد وأيضا الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكر الله رواه البزار عن أبي مسعود وأيضا الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله عز وجل رواه الطبراني عن أبي الدرداء وعن سهل بن سعد أي الساعدي الأنصاري صحابيان جليلان


قال قال رسول الله لو كانت الدنيا تعدل بفتح التاء وكسر الدال أي تزن وتساوي عند الله جناح بعوضة أي ريشة ناموسة وهو مثل للقلة والحقارة والمعنى أنه لو كان لها أدنى قدر ما سقى كافرا منها أي من مياه الدنيا شربة ماء أي يمنع الكافر منها أدنى تمتع فإن الكافر عدو الله والعدو لا يعطى شيئا مما له قدر عند المعطي فمن حقارتها عنده لا يعطيها لأوليائه كما أشار إليه حديث إن الله يحمي عبده المؤمن عن الدنيا كما يحمي أحدكم المريض عن الماء وحديث ما زويت الدنيا عن أحد إلا كانت خيرة له ومن كلام الصوفية أن من العصمة أن لا يقدر وفي دعائه الجامع المانع القائم في مقام الرضا القانع بما جرى عليه من القضاء اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب اللهم وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب ومن دناءتها لديه أن يكثرها على الكفار والفجار بل قال تعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة الزخرف الآية وقال لعمر أما ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال تعالى وما عند الله خير للأبرار آل عمران ورزق ربك خير وأبقى طه رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وكذا الضياء وقال الترمذي حديث صحيح وعن ابن مسعود قال قال رسول الله لا تتخذوا الضيعة وهي البستان والقرية والمزرعة وفي النهاية الضيعة في الأصل المرة من الضياع وضيعة الرجل ما يكون منه معاشه كالضيعة والتجارة والزراعة وغير ذلك فترغبوا في الدنيا أي فتميلوا إليها عن الأخرى والمراد النهي عن الاشتغال بها وبأمثالها مما يكون مانعا عن القيام بعبادة المولى وعن التوجه كما ينبغي إلى أمور العقبى وقال الطيبي رحمه الله المعنى لا تتوغلو في اتخاذ الضيعة فتلهوا بها عن ذكر الله قال تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله النور الآية رواه الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان وكذا أحمد والحاكم


وعن أبي موسى قال قال رسول الله من أحب دنياه أي حبا يغلب على حب مولاه أضر بآخرته الباء للتعدية وكذا في القرينة الآتية أي نقص درجته في الآخرة لأنه يشغل ظاهره وباطنه بالدنيا فلا يكون له فراغ لأمر الأخرى ولطاعة المولى ومن أحب آخرته أضر بدنياه أي لعدم توجه فكره وخاطره لأمرها لإشتغاله بأمر الآخرة ومهمها فآثروا تفريع على ما قبله أو جواب شرط مقدر فكأنه قال إذا عرفتم أنهما ضدان لا يجتمعان ولذا قال أجوعكم في الدنيا أشبعكم في العقبى ورب كاسية في الدنيا عارية في الأخرى وقال تعالى في حق الساعة خافضة رافعة الواقعة فآثروا بالمد أي فاختاروا ما يبقى على ما يفنى فإن العاقل يختار الخزف الباقي على الذهب الفاني فكيف والأمر بالعكس ولذا قال الغزالي رحمه الله أقل العلم بل أقل الإيمان بل أقل العقل أن يعرف صاحبه أن الدنيا فانية وأن الأخرى باقية ونتيجة هذا العلم أن يعرض عن الفاني ويقبل على الباقي وعلامة الإقبال على العقبى والإعراض عن الدنيا الاستعداد للموت قبل وقوع الميعاد وظهور المعاد قال الطيبي رحمه الله أي هما ككفتي ميزان فإذا رجحت إحدى الكفتين خفت الأخرى وبالعكس وذلك أن محبة الدنيا سبب لإشتغاله بها والإنهماك فيها وذلك للإشتغال عن الآخرة فيخلو عن الذكر والفكر والطاعة فيفوت الفوز بدرجاتها وثوابها وهو عين المضرة سوى ما يقاسيه من الخوف والحزن والغم والهم والتعب في دفع الحساد وتجشم المصاعب في حفظ الأموال وكسبها في البلاد رواه أحمد ورواته ثقات والبيهقي في شعب الإيمان وكذا الحاكم في مستدركه وروى الخطيب في الجامع عن أنس مرفوعا خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته ولم يكن كلا على الناس وعن أبي هريرة عن النبي قال لعن عبد الدينار ولعن عبد الدرهم كذا بالعطف في الأصول المعتمدة والنسخ المصححة ووقع في الجامع بغير الواو العاطفة والله تعالى أعلم ونظيره من حديث تعس عبد الدينار قد تقدم رواه الترمذي


وعن كعب بن مالك أنصاري خزرجي شهد العقبة الثانية عن أبيه هكذا في النسخ الحاضرة جميعا وهو سهو قلم وخطأ قدم ولذا قال ميرك صوابه عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أو عن كعب بن مالك بدون عن أبيه وقال السيد جمال الدين هكذا وقع في أكثر نسخ المشكاة التي رأيناها وكذلك وجدناه في غير واحد من نسخ المصابيح وهو سهو والظاهر أنه كان واقعا من كتاب المصابيح ووقع من صاحب المشكاة تقليدا وصوابه عن ابن كعب بن مالك عن أبيه كما في أصل الترمذي والابن المذكور هو عبد الله كما هو مصرح في جامع الأصول قال قال رسول الله ما نافية ذئبان بهمزة ساكنة ويبدل جائعان أتى به للمبالغة أرسلا أي خليا وتركا في غنم أي في قطعة غنم بأفسد الباء زائدة أي أكثر إفسادا لها أي تلك الغنم والتأنيث باعتبار الجنس أو القطعة من حرص المرء المشبه بالذئبين لتعلقه بالشيئين ظاهرا وباطنا وهما قوله على المال أي الكثير والشرف أي الجاه الوسيع وقوله لدينه متعلق بأفسد والمعنى أن حرص المرء عليهما أكثر فسادا لدينه المشبه بالغنم لضعفه بجنب حرصه من افساد الذئبين للغنم قال الطيبي رحمه الله تعالى ما بمعنى ليس وذئبان اسمها وجائعان صفة له وأرسلا في غنم الجملة في محل الرفع على أنها صفة بعد صفة وقوله بأفسد خبر لما والباء زائدة وهو أفعل تفضيل أي بأشد إفسادا والضمير في لها للغنم واعتبر فيها الجنسية فلذا أنث وقوله من حرص المرء هو المفضل عليه لاسم التفضيل وقوله على المال والشرف يتعلق بالحرص والمراد به الجاه وقوله لدينه اللام فيه بيان كما في قوله تعالى لمن أراد أن يتم الرضاعة البقرة كأنه قيل بأفسد لأي شيء قيل لدينه ومعناه ليس ذئبان جائعان أرسلا في جماعة من جنس الغنم بأشد افسادا لتلك الغنم من حرص المرء على المال والجاه فإن إفساده لدين المرء أشد من إفساد الذئبين الجائعين لجماعة من الغنم إذا أرسلا فيها أما المال فإفساده أنه نوع من القدرة يحرك داعية الشهوات ويجر إلى


التنعم في المباحات فيصير التنعم مألوفا وربما يشتد أنسه بالمال ويعجز عن كسب الحلال فيقتحم في الشبهات مع أنها ملهية عن ذكر الله تعالى وهذه لا ينفك عنها أحد وأما الجاه فكفى به إفسادا أن المال يبذل للجاه ولا يبذل الجاه للمال وهو الشرك الخفي فيخوض في المراءاة والمداهنة والنفاق وسائر الأخلاق الذميمة فهو أفسد وأفسد اه وقد قالت السادة الصوفية رحمهم الله إن آخر ما يخرج من رأس الصديقين محبة الجاه فإن الجاه وإن كان في الأمور العلمية والعملية والمشيخة والحالات الكشفية فمن حيث النظر إلى المخلوق والغفلة عن الغيرة الربوبية أو الرؤية


الإثنينية بعد ظهور أنوار الأحدية يحجب السالك عن الخلوة في الجلوة بوصف البقاء بالله والفناء عما سواه هذا وقد روى صاحب الكشاف في ربيع الأبرار عن ابن مسعود رضي الله عنه يكون الرجل مرائيا في حياته وبعد موته قيل كيف ذاك قال يحب أن يكثر الناس في جنازته رواه الترمذي والدارمي لعل لفظ الحديث للترمذي وإلا فحق الترتيب أن يقدم الدارمي فإنه روى عنه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم هذا وفي الجامع رواه أحمد والترمذي عن كعب بن مالك من غير ذكر عن أبيه وعن خباب بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى وهو ابن الأتر بفتحتين وتشديد الفوقية يكنى أبا عبد الله التميمي لحقه سبي في الجاهلية فاشترته امرأة من خزاعة وأعتقته أسلم قبل دخول النبي دار الأرقم وهو ممن عذب في الله على إسلامه فصبر نزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين وله ثلاث وسبعون سنة روى عنه جماعة عن رسول الله قال ما أنفق مؤمن من نفقة إلا أجر بصيغة المجهول أي أثيب فيها أي في تلك النفقة أو إنفاقها إلا نفقته بالنصب على الإستثناء من الموجب لأن النفي عاد إلى الإيجاب بالإستثناء الأول فتأمل في هذا التراب أي البناء فوق الحاجة وهذا للتحقير وقيل التراب كناية عن البدن وما يحصل له من اللذة الزائدة على قدر الضرورة الدينية والدنيوية قال الطيبي رحمه الله نفقته منصوبة على الإستثناء من الكلام الموجب إذ المستثنى منه مستثنى من كلام منفي فيكون موجبا رواه الترمذي وابن ماجه وعن أنس قال قال رسول الله النفقة كلها في سبيل الله أي ثابت في طريق رضاه إلا البناء اللام للعهد أي البناء الزائد على مقدار الحاجة فلا خير فيه لوقوع الإسراف وإن الله لا يحب المسرفين وأما النفقة فلا يتصور فيها السرف لأنها من باب الإطعام والإنعام وكل منها خير سواء وقع لمستحق أو غيره من الأنام والفاء في قوله فلا


خير فيه تفريعية وهي ثابته في جميع النسخ الحاضرة وكأنه وقع في أصل الطيبي رحمه الله بالواو حيث قال في شرحه قوله ولا خير فيه حال مؤكدة من الجملة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعنه أي عن أنس أن رسول الله خرج يوما أي وقتا ونحن معه جملة حالية فرأى قبة مشرفة أي بناء عاليا فقال ما هذا استفهام إنكار أي ما هذه العمارة المنكرة ومن بانيها قال أصحابه هذه لفلان رجل بالجر وفي نسخة بالرفع من الأنصار فسكت وحملها أي أضمر تلك الفعلة في نفسه غضبا على فاعلها في فعلها ففي أساس البلاغة حملت الحقد عليه إذا أضمرته قال الشاعر ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا حتى لما جاء صاحبها فسلم أي صاحبها عليه أي على النبي عليه الصلاة والسلام في الناس أي في محضر منهم أو فيما بينهم فأعرض عنه أي فلم يرد عليه السلام أو رد وأعرض عن الإلتفات كما هو دأبه من الملاطفة لديه تأديبا له وتنبيها لغيره صنع ذلك مرارا لا يبعد أن يكون جواب لما ويحتمل أن يكون مدخول حتى ولما الحينية ظرف معترض بين العامل والمعمول مسامحة وكان الطيبي رحمه الله جعل قوله صنع استئناف بيان حيث قال قوله فأعرض يجوز أن يكون جواب لما مع الفاء وهو قليل ويجوز أن يقدر جواب لما أي كرهه فأعرض عنه وقوله حتى عرف الرجل الغضب فيه أي عرف أن الغضب كان لأجله والإعراض عنه أي بسببه فشكا ذلك أي ما رآه من أثر الغضب والإعراض إلى أصحابه أي أصحابه الخلص أو إلى أصحاب نبيه وقال تفسير لما قبله والله إني لأنكر رسول الله أي أرى منه ما لم أعهده من الغضب والكراهة ولا أعرف له سببا وفي نسخة إلى رسول الله ولا يظهر لها وجه قالوا خرج فرأى قبتك فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض اختيارا لرضا الله تعالى على نفسه وما تهواه فخرج رسول الله ذات يوم فلم يرها أي القبة قال استئناف بيان ما فعلت القبة


بصيغة الفاعل وفي نسخة على بناء المجهول قالوا شكا إلينا صاحبها إعراضك أي سببه فأخبرناه أي بأنه لأجل بنائك القبة فهدمها فقال أما بتخفيف الميم للتنبيه إن كل بناء بكسر الموحدة وهو إما مصدر أو أريد به المبنى وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا كرره للتأكيد يعني إلا ما لا بد منه أي لا فراق عنه قيل معنى الحديث أن كل بناء بناه صاحبه فهو وبال أي عذاب في الآخرة والوبال في الأصل الثقل والمكروه أراد ما بناه للتفاخر والتنعم فوق الحاجة لا أبنية الخير من المساجد والمدارس والرباطات فإنها من الآخرة وكذا ما لا بد منه للرجل من القوت والملبس والمسكن رواه أبو داود روى البيهقي عن أنس مرفوعا كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مسجدا وروى الطبراني عن واثلة مرفوعا كل بنيان وبال على صاحبه إلا ما كان هكذا وأشار بكفه وكل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما عمل به وعن أبي هاشم بن عتبة بضم عين فسكون فوقية فموحدة بعدها هاء قال المؤلف هو شيبة بن عتبة بن ربيعة القرشي وهو خال معاوية بن أبي سفيان أسلم يوم الفتح وسكن الشام وتوفي في خلافة عثمان وكان فاضلا صالحا رضي الله تعالى عنه روى عنه أبو هريرة وغيره قال عهد إلي رسول الله أي أوصاني قال بدل من عهد أو تفسير وبيان للعهد واختار الطيبي رحمه الله الأول حيث قال بدل منه بدل الفعل من الفعل كما في قوله متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججا أبدل تلمم بنا من قوله تأتنا إنما يكفيك من جمع المال أي للوسيلة بحسن المآل خادم أي في السفر لضرورة الحاجة إليه ومركب أي مركوب يسار عليه في سبيل الله أي في الجهاد أو الحج أو طالب العلم والمقصود منه القناعة والاكتفاء بقدر الكفاية مما يصح أن يكون زادا للآخرة كما رواه الطبراني والبيهقي عن خباب إنما يكفى أحدكم ما كان في الدنيا مثل زاد الراكب رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وفي الجامع من قوله إنما


يكفيك الخ نسبة إلى الثلاثة الأخيرة عن أبي هاشم بن عتبة وللحديث تتمة قصة تأتي في الفصل الثالث وفي بعض نسخ المصابيح عن أبي هاشم بن عتبد بضم فسكون فوقية ففتح موحدة بالدال أي المهملة بدل التاء أي الفوقية الواقعة في آخر لفظ عتبة وهو تصحيف إذ لم يوجد في الأسماء مع مخالفته لما سبق من الضبط الواقع في الأصول وهنا تحريف في بعض النسخ وبعض الحواشي أيضا فاحذر فإن الصواب ما تحرر وعن عثمان رضي الله عنه أن النبي قال ليس لابن آدم حق أي حاجة في سوى هذه الخصال قال الطيبي رحمه الله موصوف سوى محذوف أي شيء سوى هذه اه وفي نسخة موافقة لما في الجامع فيما سوى هذه الخصال والمراد بها ضروريات بدنه المعين على دينه بيت بالجر وروي بالرفع وكذا فيما بعده من الخصال المبينة يسكنه أي دفعا للحر والبرد وثوب يواري أي يستر به عورته أي عن أعين الناس أو حال الصلاة لكونه شرطا فيها وجلف الخبز بكسر جيم وسكون لام ويفتح ففي القاموس الجلف بالكسر الغليظ اليابس من الخبز غير المأدوم أو حرف الخبز والظرف والوعاء وقال شارح الجلف ظرفهما من جراب وركوة وأراد المظروف والأظهر أنه أراد الظرف والمظروف واكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لتلازمهما في الحاجة والماء بالجر عطفا على الحلف أو الخبز وهو الظاهر المفهوم من كلام الشراح وفي بعض النسخ بالرفع بناء على أنه إحدى الخصال قال شارح أراد بالحق ما وجب له من الله من غير تبعة في الآخرة وسؤال عنه وإذا اكتفى بذلك من الحلال لم يسأل عنه لأنه من الحقوق التي لا بد للنفس منها وأما ما سواه من الحظوظ يسأل عنه ويطالب بشكره وقال القاضي رحمه الله أراد بالحق ما يستحقه الإنسان لإفتقاره إليه وتوقف تعيشه عليه وما هو المقصود الحقيقي من المال وقيل أراد به ما لم يكن له تبعة حساب إذا كان مكتسبا من وجه حلال وفي النهاية الجلف الخبز وحده لا أدم معه وقيل هو الخبز الغليظ اليابس قال ويروى بفتح اللام جمع جلفة وهي الكسرة من


الخبز وفي الغريبين قال شمر عن ابن الأعرابي الجلف الظرف مثل الخرج والجوالق قال القاضي رحمه الله ذكر الظرف وأراد به المظروف أي كسرة خبز وشربة ماء اه والمقصود غاية القناعة ونهاية الكفاية كما نقل عن ابن أدهم وما هي إلا جوعة قد سددتها وكل طعام بين جنبي واحد
وللشافعي رحمه الله تعالى أيا نفس يكفيك طول الحياة إذا ما قنعت ورب الفلق رغيف بفودنج يابس وما روى ولبس خلق وخفس تكفك جدرانه فماذا العنا وماذا القلق رواه الترمذي وكذا الحاكم في مستدركه وعن سهل بن سعد قال جاء رجل فقال يا رسول الله دلني على عمل أي جامع نافع في باب المحبة إذا أنا للتأكيد عملته أحبني الله وأحبني الناس بفتح ياء المتكلم ويسكن قال ازهد في الدنيا أي بترك حبها والإعراض عن زوائدها والإقبال على الآخرة وعوائدها يحبك الله أي لعدم محبتك عدو الله تعالى وهو بفتح الموحدة المشددة للجزم على جواب الأمر وقيل مرفوع على الاستئناف وازهد فيما عند الناس أي من المال والجاه يحبك الناس لتركك محبوبهم وعدم المزاحمة على مطلوبهم وأنشد بعضهم وما الزهد إلا في انقطاع الخلائق وما الحق إلا في وجود الحقائق وما الحب إلا حب من كان قلبه عن الخلق مشغولا برب الخلائق وقيل الزهد عبارة عن عزوب النفس عن الدنيا مع القدرة عليها لأجل الآخرة خوفا من النار أو طمعا في الجنة أو ترفعا عن الإلتفات إلى ما سوى الحق ولا يكون ذلك إلا بعد شرح الصدر بنور اليقين ولا يتصور الزهد ممن ليس له مال ولا جاه وقيل لابن المبارك رحمه الله يا زاهد قال الزاهد عمر بن عبد العزيز إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها وأما أنا ففيم زهدت قلت هذا بيان كمال الزهد وإلا فأصل الزهد هو عدم الميل إلى الشيء وهو في الحقيقة لا يحصل إلا بجذبة إلهية تصرف السالك عن الأمور الفانية وتشغله بالأحوال الباقية وغايته أن النفس مدعية للزهد ولا يظهر صدقها من كذبها إلا عند القدرة على الدنيا ووجودها وأما عند فقدها فالأمر


دائر بين أحد الاحتمالين والله تعالى أعلم وثمرته القناعة من الدنيا بقدر الضرورة من زاد الطريق وهو مطعم يدفع الجوع وملبس يستر عورته ومسكن يصونه عن الحر والبرد وأثاث يحتاج إليه كما سبق في الحديث المتقدم وفي المنازل ما حاصله أن الزهد إسقاط الرغبة في الشيء عنه بالكلفة وهو على ثلاث مراتب الزهد في الشبهة بالحذر عن
معتبة الحق عليه ثم الزهد فيما زاد على البلاغ من القوت باغتنام التفرغ إلى عمارة الوقت بالإشتغال بالمراقبة ثم الزهد في الزهد باستحقار ما زهدت فيه بالنسبة إلى عظمة الرب واستواء الزهد وعدمه عنده والذهاب عند اكتساب أجر بتركها ناظرا بعين الحقيقة إلى وحدانية الفاعل الحق فيشاهد تصرف الله في العطاء والمنع والأخذ والترك قال الطيبي رحمه الله وفيه دليل على أن الزهد أعلى المقامات وأفضلها لأنه جعله سببا لمحبة الله تعالى وأن محب الدنيا متعرض لبغض الله سبحانه رواه الترمذي وابن ماجه قال ميرك أظن أن ذكر الترمذي وقع سهوا من نساخ الكتاب أو من صاحبه فإن الحافظ المنذري والإمام النووي والشيخ الجزري رحمهم الله تعالى قالوا كلهم رواه ابن ماجه فقط فتأمل قلت ذكر النووي في أربعينه أنه حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره اه لكن الترمذي غير مذكور في الأصول ويؤيده أنه ذكر في الجامع من قوله ازهد في الدنيا الخ وقال رواه ابن ماجه والطبراني والحاكم والبيهقي عن سهل بن سعد نعم في حديث رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي ذر مرفوعا الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله تعالى وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك وفي حديث رواه أحمد في الزهد والبيهقي عن طاوس مرسلا الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن والرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن ورواه القضاعي عن ابن عمرو مرفوعا ولفظه يكثر بدل يطيل ورواه الطبراني في


الأوسط وابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا والبيهقي عن عمر موقوفا بلفظ تتعب القلب والبدن وروى البيهقي عن الضحاك مرسلا أزهد الناس من لم ينى القبر والبلى وترك أفضل زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد غدا من أيامه وعد نفسه في الموتى وعن ابن عمر مرفوعا صلاح أول هذه الأمة بالزهادة واليقين وهلاك آخرها بالبخل والأمل رواه الطبراني وعن ابن مسعود أن رسول الله نام على حصير فقام أي عن ا لنوم وقد
أثر أي أثر الحصير في جسده أي غاية التأثير فقال ابن مسعود لو أمرتنا أن نبسط بضم السين يحتمل أن تكون لو للتمني وأن تكون للشرطية والتقدير لو أذنت لنا أن نبسط لك فراشا لينا ونعمل أي لك ثوبا حسنا أي لكان أحسن من اضطجاعك على هذا الحصير الخشن فقال ما لي وللدنيا وما أنا والدنيا ما نافية أي ليس لي ألفة ومحبة مع الدنيا ولا للدنيا ألفة ومحبة معي حتى أرغب إليها وأنبسط عليها وأجمع ما فيها ولذتها أو استفهامية أي ألفة ومحبة لي مع الدنيا أو أي شيء لي مع الميل إلى الدنيا أو ميلها إلي فإني طالب الآخرة وهي ضرتها المضادة لها هذا وقال الطيبي رحمه الله قوله ونعمل متعلقه محذوف فيقدر من جنس الكلام السابق وهو وجود التنعم في التلذذ بالأعراض الدنيوية أعم من أن يكون بساطا ومن ثم طابقه قوله ما لي وللدنيا وقوله وما أنا والدنيا أي ليس حالي مع الدنيا إلا كراكب أي إلا كحال راكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها وهو من التشبيه التمثيلي وهو التشبيه بسرعة الرحيل وقلة المكث ومن ثم خص الراكب واللام في الدنيا مقحمة للتأكيد إن كان الواو بمعنى مع وإن كان للعطف فالتقدير ما لي مع الدنيا وما للدنيا معي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وكذا الحاكم والضياء وعن أبي أمامة عن النبي قال أغبط أوليائي أفعل تفضيل بني للمفعول لأن المغبوط به حال أي أحسنهم حالا وأفضلهم مآلا عندي أي في ديني ومذهبي لمؤمن اللام زائدة في خبر المبتدأ للتأكيد وهي


للإبتداء أو المبتدأ محذوف أي لهو مؤمن خفيف الحاذ بتخفيف الذال المعجمة أي خفيف الحال الذي يكون قليل المال وخفيف الظهر من العيال فيتمكن من السير في طريق الخالق بين الخلائق ولا يمنعه شيء من العلائق والعوائق ومجمل المعنى أحق أحبائي وأنصاري عندي بأن يغبط ويتمنى حاله مؤمن بهذه الصفة ذو حظ من الصلاة أي ومع هذا هو صاحب لذات وراحة من المناجاة مع الله والمراقبة واستغراق في المشاهدة ومنه قوله قرة عيني في الصلاة وارحنا بها يا


بلال أي بوجودها وحصولها وما أقرب الراحة من قرة العين وما أبعدها مما قيل معناه أذن بالصلاة لنستريح بأدائها من شغل القلب بها وقوله أحسن عبادة ربه تعميم بعد تخصيص ذحره الطيبي رحمه الله أو الأول إشارة إلى الكمية والثاني عبارة عن الكيفية وأطاعه في السر أي كما أطاعه في العلانية فهو من باب الإكتفاء والتخصيص لما فيه من الاعتناء وجعله الطيبي عطف تفسير على أحسن وتفسيرنا أحسن ويمكن أن يكون المعنى وأطاعه في عبادته بالإخفاء ولا يظهر طاعته في الملأ الأعلى على عادة الملامتية من الصوفية ويناسبه قوله وكان غامضا أي خاملا خافيا غير مشهور في الناس أي فيما بينهم وفيه إشارة إلى أنه لا يخرج عنهم فإن الخروج عنهم يوجب الشهرة بينهم وفيه إيماء إلى أن المراد بالناس عمومهم فلا يضره معرفة خصوصهم من الأولياء والصلحاء ممن يصاحبهم كما يدل عليه قوله لا يشار إليه بالأصابع أي علما وعملا وهو بيان وتقرير لمعنى الغموض وكان رزقه كفافا أي قدر كفايته بحيث يكفه ويمنعه عن الإجناح إلى الكافة فصبر على ذلك أي على الرزق الكفاف أو على الخمول والغموض أو على ما ذكر دلالة على أن ملاك الأمر الصبر وبه يتقوى على الطاعة قال تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة البقرة وقال أولئك يجزون الغرفة بما صبروا الفرقان وقال وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا السجدة ثم نقد بالنون والقاف والدال المهملة المفتوحات بيده أي نقد النبي بيده بأن ضرب إحدى أنملتيه على الأخرى حتى سمع منه صوت وفي النهاية هو من نقدت الشيء بأصبعي أنقده واحدا بعد واحد نقد الدراهم ونقد الطائر الحب إذا لقطه واحدا بعد واحد وهو مثل النقر ويروى بالراء اه وهو كذا في نسخة أي صوت بأصبعه وفي رواية وهي الظاهر من جهة المعنى جدا ثم نفض يده فقال عجلت بصيغة المجهول من باب التفعيل منيته أي موته قلت بواكيه جمع باكية وهي المرأة التي تبكي على الميت قل تراثه أي ميراثه وماله المؤخر عنه مما


يورث عنه حمل على سبيل التعداد قال التوربشتي رحمه الله أريد بالنقد ههنا ضرب الأنملة على الأنملة وضربها كالمتقلل للشيء أي لم يلبث قليلا حتى قبضه الله تعالى يقال مدة عمره وعدد بواكيه ومبلغ تراثه وقيل الضرب على هذه الهيئة يفعله المتعجب من الشيء أو من رأى ما يعجبه حسنه وربما يفعل ذلك من يظهر قلة المبالاة بشيء أو يفعل طربا وفرحا بالشيء اه والمعنى من كان هذه صفته فهو يتعجب من حسن حاله وجمال مآله وقيل قوله عجلت منيته أنه يسلم روحه سريعا لقلة تعلقه بالدنيا وغلبة شوقه إلى المولى


لحديث الموت تحفة المؤمن قال الأشرف رحمه الله ويمكن أنه أراد به أنه قليل مؤن الممات كما كان قليل مؤن الحياة رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وفي الجامع رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي أمامة ولفظه أغبط الناس عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة وكان رزقه كفافا فصبر عليه حتى يلقى الله وأحسن عبادة ربه وكان غامضا في الناس عجلت منيته وقل تراثه وقلت بواكيه وروى الديلمي في مسنده عن حذيفة خيركم في المائتين كل خفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد قال شيخ مشايخنا السخاوي في المقاصد الحسنة في الأحاديث المشهورة على الألسنة علته داود ولذا قال الخليل ضعفه الحفاظ فيه وخطؤوه اه فإن صح فهو محمول على جواز الترهب أيام الفتن وفي معناه أحاديث كثيرة واهية منها ما رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث ابن مسعود مرفوعا سيأتي على الناس زمان تحل فيه العزبة ولا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق ومن حجر إلى حجر كالطائر بفراخه وكالثعلب بأشباله وأقام الصلاة وآتى الزكاة واعتزل الناس إلا من خير الحديث ومنها ما رواه الديلمي من حديث زكريا بن يحيى الصوفي عن ابن حذيفة بن اليمان عن أبيه حذيفة مرفوعا خير نسائكم بعد ستين ومائة العواقر وخير أولادكم بعد أربع وخمسين البنات وفي الترمذي من طريق علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا أن أغبط أوليائي إلى أن قال فصبر على ذلك ثم نفض يده فقال عجلت منيته الحديث وقال عقبة على ضعيف وقد أخرجه أحمد والبيهقي في الزهد والحاكم في الأطعمة من مستدركه وقال هذا إسناد للشاميين صحيح عندهم ولم يخرجاه اه ولم ينفرد به علي بن يزيد فقد أخرجه ابن ماجه في الزهد من سننه من غير طريقه من حديث صدقة بن عبد الله عن إبراهيم بن قرة عن أيوب بن سليمان عن أبي أمامة ولفظه أغبط الناس عندي مؤمن خفيف الحاذ وذكر نحوه ومن شواهده ما للخطيب وغيره من حديث ابن مسعود رفعه إذا أحب الله العبد اقتناه


لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد وللديلمي من حديث عبد الله بن عبد الوهاب رحمهم الله الخوارزمي عن داود بن غفال عن أنس رفعه يأتي على الناس زمان لأن يربي أحدكم جرو كلب خير له من أن يربي ولدا من صلبه وعنه أي عن أبي أمامة قال قال رسول الله عرض علي ربي أي إلى
عرضا حسيا أو معنويا وهو الأظهر والمعنى شاورني وخيرني بين الوسع في الدنيا واختيار البلغة لزاد العقبى من غير حساب ولا عتاب ليجعل لي أي ملكا لي أو مخصوصا لأمتي على تقدير إقبالي عليها والتفاتي إليها ويصير لأجلي بطحاء مكة أي أرضها ورمالها ذهبا أي بدل حجرها ومدرها وأصل البطحاء مسيل الماء وأراد هنا عرصة مكة وصحاريها فإضافته بيانية قال الطيبي قوله بطحاء مكة تنازع فيه عرض وليجعل أي عرض علي بطحاء مكة ليجعلها لي ذهبا فقلت لا أي لا أريد ولا أختار يا رب ولكن أشبع يوما أي أختار أو أريد أن أشبع وقتا أي فأشكر وأجوع يوما أي فأصبر كما فصله وبينه بقوله فإذا جعت تضرعت إليك أي بعرض الافتقار عليك وذكرتك أي بسببه فإن الفقر يورث الذكر كما أن الغنى يورث الكفر وإذا شبعت حمدتك أي بما ألهمتني من ثنائك وشكرتك على إشباعك وسائر نعمائك قال الطيبي رحمه الله جمع في القرينتين بين الصبر والشكر وهما صفتا المؤمن الكامل قال تعالى إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور إبراهيم لقمان سبأ الشورى الكشاف صبار على بلائه شكور لنعمائه وهما صفتا المؤمن المخلص فجعلهما كناية عنه أقول وتحقيقه على طريقة الصوفية السادة الصفية أن الصفتين المذكورتين والخصلتين المسطورتين ناشئتان من تربية الله للسالك بين صفتي الجلال والجمال إذ بهما تتم مرتبة الكمال وهو الرضا عن المولى بكل حال بخلاف حال المتحرفين وأفعال المتحيرين المذنبين حيث قال تعالى فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون التوبة وقال ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا


والآخرة وذلك هو الخسران المبين الحج رواه أحمد والترمذي وعن عبيد الله بن محصن بكسر الميم وفتح الصاد قال المؤلف في فصل الصحابة أنصاري خطمي يعد في أهل المدينة وحديثه فيهم روى عنه ابنه سلمة قال ابن عبد البر ومن الناس من يرسل حديثه اه وهو يحتمل كونه صحابيا لكن ليس له سماع منه فحديثه من مراسيل الصحابة وهو حجة اتفاقا ويحتمل كونه تابعيا فمرسله معتبر عند الجمهور خلافا للشافعية والله تعالى أعلم والأول أظهر لإطلاقهم حديثه قال قال رسول الله من أصبح منكم أي أيها المؤمنون آمنا أي غير خائف من عدو أو من أسباب عذابه


تعالى بالتوبة عن المعاصي والعصمة عن المناهي ولذا قيل ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن أمن الوعيد في سربه المشهور كسر السين أي في نفسه وقيل السرب الجماعة فالمعنى في أهله وعياله وقيل بفتح السين أي في مسلكه وطريقه وقيل بفتحتين أي في بيته كذا ذكره شارح وقال التوربشتي رحمه الله أبى بعضهم إلا السرب بفتح السين والراء أي في بيته ولم يذكر فيه رواية ولو سلم له قوله أن يطلق السرب على كل بيت كان قوله هذا حريا بأن يكون أقوى الأقاويل إلا أن السرب يقال للبيت الذي هو في الأرض وفي القاموس السرب الطريق وبالكسر الطريق والبال والقلب والنفس وبالتحريك جحر الوحش والحفير تحت الأرض اه فيكون المراد من الحديث المبالغة في حصول الأمن ولو من بيت تحت الأرض ضيق كجحر لوحش أو التشبيه به في خفائه وعدم ضيائه معافى اسم مفعول من باب المفاعلة أي صحيحا سالما من العيوب في جسده أي بدنه ظاهرا وباطنا عنده قوت يومه أي كفاية قوته من وجه الحلال فكأنما حيزت بصيغة المجهول من الحيازة وهي الجمع والضم له والضمير عائد لمن رابط للجملة أي جمعت له الدنيا أي بحذافيرها كما في نسخة مصححه أي بتمامها والحذافير الجواب وقيل الأعالي وأحدها حذافار أو حذفور والمعنى فكأنما أعطى الدنيا بأسرها رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وفي الجامع رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن ماجه من غير ذكر حذافيرها وعن المقدام بن معدي كرب قال سمعت رسول الله يقول ما ملأ آدمي وعاء أي ظرفا شرا من بطن صفة وعاء بحسب ابن آدم مبتدأ والباء زائدة وقوله أكلات بضمتين خبره نحو قوله بحسبك درهم والأكلة بالضم اللقمة وفي رواية لقيمات بالتصغير للإشارة إلى التحقير مع الدلالة على التقليل بالتنكير يقمن صلبه أي ظهره لإقامة الطاعة وقيام المعيشة وإسناد الإقامة إلى الأكلات مجازية سببية فإن كان لا محالة بفتح الميم ويضم أي لا بد من الزيادة فثلث بضمهما ويسكن للام طعام


مبتدأ وخبر أي ثلث منه للطعام وكذا قوله وثلث شراب وللام مقدرة فيهما بقرينة قوله وثلث لنفسه بحركتين والمعنى فإن كان لا يكتفي بأدنى قوت البتة ولا بد أن يملأ بطنه فليجعل ثلث
بطنه للطعام وثلثه للشراب وليترك ثلثه خاليا بخروج النفس ولا ينبغي أن يكون كطائفة القلندرية حيث يقولون بملء البطن من الطعام والماء يحصل مكانة ولو في المسام والنفس إن اشتهى خرج وإلا فلا بعد تمام المرام فأولئك كالأنعام بل هم أضل قال تعالى ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون الحجر وسبق أن المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء وقال الطيبي رحمه الله أي الحق الواجب أن لا يتجاوز عما يقام به صلبه ليتقوى به على طاعة الله تعالى فإن أراد البتة التجاوز فلا يتجاوز عن القسم المذكور جعل البطن أولا وعاء كالأوعية التي تتخذ ظروفا لحوائج البيت توهينا لشأنه ثم جعله شر الأوعية لأنها استعملت فيما هي له والبطن خلق لأنه يتقوم به الصلب بالطعام وامتلاؤه يفضى إلى الفساد في الدين والدنيا فيكون شرا منها قال الشيخ أبو حامد في الجوع عشر فوائد الأولى صفاء القلب وإيقاد القريحة ونفاد البصيرة فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ كشبه الشبكة حتى يحتوي على معادن الفكر فيثقل القلب بسببه عن الجريان وثانيتها رقة القلب وصفاؤه الذي به هيء لإدراك لذة المناجاة والتأثر بالذكر وثالثتها الإنكسار والذل وزوال البطر والأشر والفرح الذي هو مبدأ الطغيان ولا تنكسر النفس لشيء ولا تذل كما تذل بالجوع فعنده تستكن لربها وتقف على عجزها ورابعتها أنه لا ينسى بلاء الله وعذابه وأهل البلاء فإن الشبعان ينسى الجائعين والجوع وخامستها وهي من كبار الفوائد كسر شهوات المعاصي كلها والإستيلاء على النفس الأمارة بالسوء وتقليلها يضعف كل شهوة وقوة والسعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه والشقاوة في أن تملكه نفسه وسادستها دفع النوم ودوام السهر


فإن من شبع شرب كثيرا ومن كثر شربه كثر نومه وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوات التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب والعمر أنفس الجواهر وهو رأس مال العبد فيه يتجر والنوم موت فتكثيره تنقيص من العمر وسابعتها تيسير المواظبة على العبادة فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل بالأكل وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام أو طبخه ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلاء ثم يكثر تردده إلى بيت الماء ولو صرف هذه الأوقات في الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه قال السري رأيت مع علي الجرجاني سويقا يستف منه فقلت ما دعاك إلى هذا فقال إني حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة وثامنتها من قلة الأكل صحة البدن ودفع الأمراض فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق ثم المرض يمنع عن العبادات ويشوش القلب ويحوج إلى الفصد والحجامة والدواء والطبيب وكل ذلك يحتاج إلى مؤن وفي الجوع ما يدفع عنه كل ذلك وتاسعتها خفة المؤونة فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير وعاشرتها أن


يتمكن من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على المساكين فيكون يوم القيامة في ظل صدقته فما يأكله فخزانته الكنيف وما يتصدق به فجزاؤه فضل الله تعالى رواه الترمذي وابن ماجه وفي الجامع رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم بلفظ فثلث لطعامه وثلث لشرابه وعن ابن عمران رسول الله سمع رجلا يتجشأ بتشديد الشين المعجمة بعدها همزة أي يخرج الجشاء من صدره وهو صوت مع ريح يخرج منه عند الشبع وقيل عند امتلاء المعدة وقيل الرجل وهب بن عبد الله وهو معدود في صغار الصحابة وكان في زمانه عليه الصلاة والسلام لم يبلغ الحلم روي أنه لم يملأ بطنه بعد ذلك قال التوربشتي الرجل هو وهب أبو جحيفة السوائي روى عنه أنه قال أكلت ثريدة بربلحم وأتيت رسول الله وأنا أتجشأ فقال أقصر بفتح الهمزة وكسر الصاد أي امتنع من جشا ئك بضم الجيم ممدودا وكان أصل الطيبي رحمه الله أقصر عنا فقال معناه أكفف عنا والنهي عن الجشاء هو النهي عن الشبع لأنه السبب الجالب له اه وقيل التجشؤ التكلف فإن أطول الناس أي أكثرهم في الزمان جوعا يوم القيامة أطولهم شبعا بكسر ففتح في الدنيا رواه في شرح السنة قال ميرك هو وهب بن عبد الله أبو جحيفة روى عنه أنه قال أكلت ثريدة بلحم وأتيت رسول الله وأنا أتجشأ فقال يا هذا كف من جشائك فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا يوم القيامة رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد قال المنذري بل هو واه جدا فيه وهد بن عوف وعمرو بن موسى لكن رواه البزار بإسنادين رواة وأحدهما ثقات ورواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي وزاد قال الراوي فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا كان إذا تعشى لا يتغدى وإذا تغدى لا يتعشى وفي رواية لابن أبي الدنيا قال أبو جحيفة فما ملأت بطني منذ ثلاثين سنة اه وروى الترمذي نحوه قال ميرك ولفظه عن ابن عمر قال تجشأ رجل عند رسول الله فقال له كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم


جوعا يوم القيامة رواه ابن ماجه والبيهقي كلهم من رواية يحيى البكاء عن ابن عمر وقال الترمذي حديث حسن كذا في الترغيب للمنذري وقال الشيخ الجزري في سند هذا الحديث عبد العزيز بن عبد الله عن يحيى البكاء وهما ضعيفان لكن للحديث شاهد من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي
وعن كعب بن عياض أي الأشعري معدود في الشاميين روى عنه جابر بن عبد الله وجبير بن نفير قال سمعت رسول الله يقول إن لكل أمة فتنة وهي ما توقع أحدا في الضلالة والمعصية وفتنة أمتي بالرفع وفي نسخة بالنصب المال لأنه جامع لحصول المنال ومانع عن كمال المآل رواه الترمذي وكذا الحاكم في مستدركه وعن أنس عن النبي قال يجاء أي يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه أي من كمال ضعفه بذج بفتح موحدة وذال معجمة فجيم ولد الضأن معرب برة أراد بذلك هوانه وعجزه وفي بعض الطرق كأنه بذج من الذل وفي شرح السنة شبه ابن آدم بالبذج لصغاره وصغره أي يكون حقيرا ذليلا فيوقف أي فيحبس قائما بين يدي الله تعالى أي عند حكمه وأمره سبحانه فيقول له أي بلسان ملك أو بلا واسطة ببيان القال أو الحال أعطيتك أي الحياة والحواس والصحة والعافية ونحوها وخولتك أي جعلتك ذا خول من الخدم والحشم والمال والجاه وأمثالها وقيل معناه جعلتك مالكا لبعض وملكا لبعض وأنعمت عليك أي بإنزال الكتاب وبإرسال الرسل وغير ذلك فما صنعت أي فيما ذكر فيقول رب جمعته أي المال وثمرته بتشديد الميم أي أنميته وكثرته وتركته أي في الدنيا عند موتي أكثر ما كان أي في أيام حياتي فارجعني بهمزة وصل أي ردني إلى الدنيا آتك به كله أي بإنفاقه في سبيلك كما أخبر عن الكفار أنهم يقولون في الأخرة رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت المؤمنون فيقول له أي الرب أرني ما قدمت أي لأجل الآخرة من الخير فيقول أي ثانيا كما قال أولا رب جمعته وثمرته وتركته أكثر ما كا فارجعني آتك به كله فإذا عبد الفاء فصيحة تدل على المقدر وإذا للمفاجأة وعبد


خبر مبتدأ محذوف أي قال رسول الله فإذا هو عبد لم يقدم خيرا أي فيما أعطي ولم
يمتثل ما أمر به ولم يتعظ ما وعظ به من قوله تعالى ولتنظر نفس ما قدمت لغد الحشر وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله البقرة فيمضي بصيغة المجهول أي فيذهب به إلى النار قال الطيبي رحمه الله فظهر مما حكي عن هذا الرجل أنه كان كعبد أعطاه سيده رأس مال ليتجر به ويربح فلم يمتثل أمر سيده فأتلف رأس ماله بأن وضعه في غير موضعه وأتجر فيما لم يؤمر بالتجارة فيه فإذا هو عبد خائب خاسر قال تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين البقرة فما أحسن موقع العبد وذكره في هذا المقام قال الشيخ أبو حامد رحمه الله اعلم أن كل خير ولذة وسعادة بل كل مطلوب ومؤثر يسمى نعمة ولكن النعمة الحقيقية هي السعادة الأخروية وتسمية ما عداها غلط أو مجاز كتسمية السعادة الدنيوية التي لا يعبر عليها إلى الآخرة فإن ذلك غلط محض وكل سبب يوصل إلى السعادة الأخروية ويعين عليها إما بواسطة واحدة أو بوسائط فإن تسميته نعمة صحيح وصدق لأجل أنه يفضي إلى النعمة الحقيقة رواه الترمذي وضعفه بتشديد العين أي نسب إسناده إلى الضعف وإن كان صحيحا وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن أول ما يسأل العبد أي عنه يوم القيامة ما موصولة أي أول شيء يحاسب به في الآخرة من النعيم بيان لما أن يقال له خبر إن وكان الطيبي رحمه الله جعل من النعيم متعلقا بيسأل حيث قال ما فيه مصدرية وأن يقال خبر إن أي أول سؤال العبد هو أن يقال له ألم نصح أي بعظمتنا جسمك من الإصحاح وهو إعطاء الصحة ونروك بتشديد الواو وفي نسخة من الإرواء من الماء البارد فالماء البارد نعمة عظيمة ومصحة جسيمة عند الذوق السليم وعدم البدن السقيم ولذا بالغ في مدحه حيث قال في دعائه اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد ومن غرائب حال الماء أنه لا قيمة له من الرخاء ولا في الغلاء إذ حال


كثرة وجوده لا يشترى ووقت فقده لا يباع ومن عجائب ما حكي فيه أن ملكا وقع في برية وعطش عطشا شديدا كاد أن يهلك فظهر له عارض وملك فقال ما تعطيني إن سقيتك فقال نصف ملكي فسقاه فحبس له البول حتى اشتد عليه الأمر فظهر له ثانيا فقال ما تنعم علي أن أعالجك منه قال أعطيك النصف الآخر من الملك فعالجه ثم قال له خذ ملكك واعرف قيمته
ولا يغرك زهرته وفي الجمع بين نعمة الصحة وتروية الماء إشارة إلى ذلك والله أعلم رواه الترمذي وكذا ابن حبان والحاكم ولفظهما أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له ألم أصح لك جسمك وأروك من الماء البارد وقال الحاكم صحيح الإسناد ذكره ميرك وعن ابن مسعود عن النبي قال لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس أي خمسة أحوال تذكر وتؤنث وقال الطيبي رحمه الله أنثه بتأويل الخصال عن عمره بضمتين ويسكن الميم أي عن مدة أجله فيما أفناه أي صرفه وعن شبابه أي قوته في وسط عمره فيما أبلاه أي ضيعه وفيه تخصيص بعد تعميم وإشارة إلى المسامحة في طرفيه من حال صغره وكبره وقال الطيبي رحمه الله فإن قلت هذا داخل في الخصلة الأولى فما وجهه قلت المراد سؤاله عن قوته وزمانه الذي يتمكن منه على أقوى العبادة وعن ماله مما اكتسبه أي أمن حلال أو حرام وفيما أنفقه أي في طاعة أو معصية وماذا عمل فيما علم ولعل العدول عن الأسلوب للتفنن في العبارة المؤدية للمطلوب وأما ما ذكره الطيبي رحمه الله من أنه إنما غير السؤال في الخصلة الخامسة حيث لم يقل وعن علمه ماذا عمل به لأنها أهم شيء وأولاه فغير ظاهر نعم يمكن أن يكون نكتة لختم الخصال بها ترقيا ثم قال وفيه إيذان بإن العلم مقدمة العمل وهو لا يعتد به لولا العمل اه وهو غير صحيح بإطلاقه وإنما يصلح هذا في العلم بالفروع الدنيوية وأما العلم بذات الله تعالى وصفاته ومعرفة كتابه وآياته ونحو ذلك من الأصول الدينية فأشرف العلوم وأفضلها وألطفها وأكملها ولذا قال الشيخ أبو


سعيد بن أبي الخير قدس سره لأبي علي بن سينا سامحه الله تعالى ما تعلم علما ينتقل معك بانتقالك وفيه إشارة إلى ما ورد من أن أهل الجنة فيها يحتاجون إلى العلماء أيضا هذا وفي حديث رواه ابن عساكر عن أبي الدرداء رضي الله عنه كيف أنت يا عويمر إذا قيل لك يوم القيامة أعلمت أم جهلت فإن قلت علمت قيل لك فماذا عملت فيما علمت وإن قلت جهلت قبل لك فما كان عذرك فيما جهلت ألا تعلمت ومع هذا روي ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات وفي حديث صحيح أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وتمامه لا
نعرفه من حديث ابن مسعود إلا من حديث حسين بن قيس وهو ضعيف في الحديث ذكره ميرك
الفصل الثالث


عن أبي ذر أن رسول الله قال له إنك لست بخير أي بأفضل من أحمر أي جسما ولا أسود أي لونا والمراد أن الفضيلة ليست بلون دون لون وإنما خصهما بالذكر مثلا لكونهما أكثر وجودا والأظهر أن المراد بهما لون السيد والعبد كما هو الغالب وأغرب الطيبي رحمه الله حيث جزم وقال المراد بالأحمر العجم وبالأسود العرب إلا أن تفضله بضم الضاد أي تزيد أنت أحدهما بتقوى بالقصر وفي نسخة بالتنوين وقد قال تعالى أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله التوبة ففي قراءة شاذة بالتنوين والمعنى أن الفضيلة ليست بالصورة الظاهرة ولا بالنسبة الباهرة بل بالتقوى كما قال تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى الحجرات إلى أن قال إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات قال الطيبي رحمه الله والضمير في تفضله عائد إلى كل واحد منهما أو لهما بتأويل الإنسان والإستثناء مفرغ والتقدير لست بأفضل منهما بشيء من الأشياء إلا بالتقوى وقوله أن تفضله تكرير تأكيد اه فتأمل فيه فإن جعل الضمير إلى كل واحد منهما مع دلالتهما على العموم من الجنس الذي وقع المخاطب فردا منه غير صحيح وكذا تأويلهما بالإنسان المراد به الجنس فتدبر ثم الظاهر أن الإستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لست بأفضل عند الله من أحد النوعين في حال من الأحوال إلا حال زيادتك عليه بتقوى معتبرة في الشرع وهي لها مراتب أدناها التقوى عن الشرك الجلي وأوسطها عن المعاصي والمناهي والملاهي وعن الشرك الخفي وهو الرياء والسمعة في الطاعة وأعلاها أن يكون دائم الحضور مع الله غائبا عن حضور ما سواه وإليه الإشارة فيما روي عنه ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه ذكره الغزالي رحمه الله وقال العراقي لم أجده مرفوعا وهو عند الحكيم الترمذي في النوادر من قول بكر بن عبد الله المزني رواه أحمد وفي الجامع انظر فإنك لست بخير الحديث


وعنه أي عن أبي ذر قال قال رسول الله ما زهد بكسر الهاء عبد في الدنيا أي زيادتها على قدر الحاجة من مال أو جاه إلا أنبت الله الحكمة أي أنبت المعرفة المتقنة في قلبه وأنطق بها لسانه وبصره بتشديد الصاد من البصيرة أي جعله معاينا عيب الدنيا أي معايبها من كثرة عنائها وقلة غنائها وخسة شركائها وسرعة فنائها وغير ذلك من أتعاب البدن وإكثار الحزن وإشغال القلب عن ذكر الرب قال الطيبي رحمه الله هو إشارة إلى الدرجة الثانية يعني لما زهد في الدنيا لما حصل له من علم اليقين بعيوب الدنيا أورثه الله تعالى به بصيرة حتى حصل له بها حق اليقين وداءها أي علة محبتها وسبب طلبتها ودواءها أي معالجتها بمعجون العلم والعمل والاحتمال عنها بالصبر والقناعة والرضا بما قسم له منها وأخرجه أي الله تعالى منها أي من الدنيا وآفاتها وبلياتها سالما أي بالإعراض عنها والإقبال على العقبى إلى دار السلام وفيه إشارة إلى أن من لم يزهد فيها ولم يطلع على عيبها ودائها ودوائها لم يدخل الجنة أصلا أو لم يدخل بسلام بل بعد سابقة عذاب أو لاحقة حجاب والله تعالى أعلم رواه البيهقي في شعب الإيمان وروى أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما زان الله العباد بزينة أفضل من زهادة في الدنيا وعفاف في بطنه وفرجه وعنه أي عن أبي ذر أيضا أن رسول الله قال قد أفلح من أخلص الله قلبه للإيمان أي جعل قلبه خالصا للإيمان بحيث لا يسعه غيره وما يتبعه وجعل قلبه سليما أي عن الحسد والحقد والبغض وسائر الأخلاق الذميمة والأحوال الرديئة من حب الدنيا والغفلة عن المولى والذهول عن العقبى قال تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم الشعراء ولسانه صادقا أي في قوله ووعده وعهده ونفسه مطمئنة أي بذكر ربه وحبه وخليقته أي جبلته التي خلق عليها من أصلها مع قطع النظر عن عوارضها المعبر عنها بالفطرة مستقيمة أي غير مائلة إلى طرفي الإفراط والتفريط وجعل


أذنه بضمتين ويسكن الثانية مستمعة أي للحق واعية للعلم وعينه ناظرة أي إلى دلائل الصنع من
الآفاق والأنفس فأما بالفاء العاطفة ولعل المعطوف عليه مقدر والمعنى أما ما سبق من القلب واللسان وغيرهما فأمره ظاهر في كونه شرط للإفلاح وأما الأذن فقمع بفتح فسكون وبكسر القاف مع سكون الميم وفتحها ففي القاموس القمع بالفتح والكسر وكعنب ما يوضع في فم الإناء فيصب فيه الدهن وغيره وفي النهاية القمع كضلع إناء يترك في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والدهان قال الطيبي رحمه الله شبه أسماع الذين يستمعون القول ويعونه بقلوبهم بالأقماع وأما العين فمقرة بضم الميم وكسر القاف وتشديد الراء كذا في أصل الأصيل وفي أكثر النسخ فتحات وهو الأظهر أي محل قرار لما يوعي أي يحفظ القلب بالرفع وفي بعض النسخ بالنصب وهو يؤيد ما في الأصيل ويناسب الإيعاء قال الطيبي قوله فمقرة وارد على سبيل الإستعارة لأنها تثبت في القلب وتقر فيه ما أدركته بحاستها وكان القلب لها وعاء وهي تقر فيه ما رأته قال في أساس البلاغة ومن المجاز قر الكلام في أذنه وضع فاه على أذنه فأسمعه وهو من قر الماء في الإناء إذا صبه فيه والقلب مرفوع على أنه فاعل يوعي ويحتمل النصب أي يقر في القلب أي يحفظه وإنما خص السمع والبصر لأن الآيات الدالة على وحدانية الله إما سمعية فالأذن هي التي تجعل القلب وعاء لها أو نظرية فالعين هي التي تقرها في القلب وتجعله وعاء لها ومن ثم جعل قوله وقد أفلح من جعل قلبه واعيا أي حافظا كالفذلكة للقرينتين قلت وبه يتم آلات العلم وأسبابه ولذا قال تعالى إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا الإسراء وفي تقديم السمع إشعار بأن العمدة هي العلوم الشرعية التي تعرف من الأدلة السمعية المورثة لعلم اليقين ثم يرتقى إلى مرتبة النظر ورتبة الفكر إلى أن يصير علمه عين اليقين وينتهي إلى القلب الذي هو عرش الرب وبه يصل إلى كمال حق اليقين رزقنا الله


تعالى جميع مراتب اليقين في درجات الدين المعبر عنها بقوله سبحانه واعبد ربك حتى يأتيك اليقين الحجر ووجه الغاية أنه لا يتصور بعد تحقق اليقين ترك العبادة في الدين بل يحصل له مرتبة وضع الميت بين يدي الغاسل كما قيل موتوا قبل أن تموتوا ولذا أجمع المفسرون على أن المراد باليقين في الآية هو الموت وما أحسن هذا الموت الذي هو عين الحياة أذاقنا الله منه بعض الذوق الممزوج بحلاوة الشوق رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان وعن عقبة بن عامر عن النبي قال إذا رأيت الله عز وجل


يعطي العبد من الدنيا على معاصيه أي مع وجود فعله إياها ما يحب أي من أسبابها فإنما هو أي ذلك الإعطاء استدراج أي مكر منه سبحانه قال تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون الأعراف قال الطيبي رحمه الله الإستدراج هو الأخذ في الشيء والذهاب فيه درجة فدرجة كالمراقي والمنازل في ارتقائه ونزوله ومعنى استدراج الله استدراجهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم وذلك أن يواتر الله نعمة عليهم مع إنهماكهم في الغي فكلما جدد عليهم نعمة ازدادوا بطرا وجددوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم ظانين أن متواترة النعم أثرة من الله وتقريب وإنما هي خذلان منه وتبعيد ثم تلا رسول الله أي استشهادا أو اعتضادا فلما نسوا أي عهده سبحانه أو تركوا أمره ونهيه وهو المعني بقوله ما ذكروا به أي وعظوا فتحنا بالتخفيف ويشدد عليهم أبواب كل شيء أي من أسباب النعم التي في الحقيقة من موجبات النقم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أي أعطوا من المال والجاه وصحة البدن وطول العمر أخذناهم بغتة أي فجأة بالموت أو العذاب فإنه أشد في تلك الحالة فأذا هم مبلسون الأنعام أي واجمون ساكتون محسرون متحيرون آيسون رواه أحمد وفي الجامع عنه بلفظ إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج رواه الطبراني وأحمد والبيهقي وعن أبي أمامة أن رجلا من أهل الصفة في النهاية هم فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منزل يسكنه وكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه قال الطيبي رحمه الله وفي وصف الرجل بهذا النعت إشعار بأن الحكم الذي يليه معلل به يعني انتماءه إلى الفقراء الذين زهدوا في الدنيا مع وجود الدينارين أو الدينار دعوى كاذبة يستحق به العقاب وإلا فقد كان كثير من الصحابة كعثمان بن عفان وعبد الرحمان بن عوف وطلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنهم أجمعين يقتنون الأموال ويتصرفون فيها


وما عليهم أحد ممن أعرض عن الفتنة لأن الإعراض اختيار للأفضل وإلا دخل في الورع والزهد في الدنيا والإقتناء فيها مباح مرخص لا يذم صاحبه ولكل شيء حد والحاصل أن رجلا منهم توفي بصيغة المجهول وجوز المعلوم أي قبض ومات وترك دينارا أي وجد عنده أو عند
غيره فقال رسول الله كية أي هوكية للمبالغة أو سبب كية أو آلة وهو الأظهر لقوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم التوبة الآية قال أي الراوي ثم توفي آخر أي من أهل الصفة فترك دينارين فقال رسول الله كيتان وتوضيح المرام في هذا المقام أنهما لما كانا مع الفقراء الذين كان الناس يتصدقون عليهم بناء على نهاية حاجتهم وغاية فاقتهم فهم بمنزلة السائلين أما قالا وأما حالا ولا يحل لأحد يسأل وعنده قوت يوم فوقع أي السؤال لكليهما مع وجود الدينار لهما حراما وكذا كل من أظهر نفسه بصورة الفقراء من لبس الخلق أو زي الشحاذين وعنده شيء من النقود أو ما يقوم مقامها وأخذ مما في أيدي الناس وأكل فهو حرام عليه وكذا من أظهر نفسه عالما أو صالحا أو شريفا ولم يكن في نفس الأمر مطابقا وأعطى لأجل عمله أو صلاحه أو شرفه فيكون حراما عليه وقد حكى أن الشيخ أبا إسحاق الكازروني رحمه الله رأى جمعا من الفقراء يأكلون من الطعام الموضوع للمستحقين من تكية فقال يا أكلة الحرام فامتنعوا من الأكل فقال كل من لم يكن معه شيء من الدنيا يأكل وإلا فلا فأكل بعضهم وامتنع بعضهم فقال سبحانه جل شأنه طعام واحد حرام لقوم وحلال لآخرين فليحذر أهل الحرمين الشريفين أعزهما الله تعالى في الدارين من أن يأكل أحد منهم والحال أنه غنى شرعي من الأوقاف الموضوعة للفقراء وكذلك كل من سكن الخلاوي الموقوفة للمساكين فقد صرح ابن الهمام رحمه الله بأن الغني يحرم عليه أن يسكن في خلاوي الأربطة ولا يغتر أحد بما اشتهى من أن أوقاف الحرمين عام للفقير والغنى فإنه على تقدير صحته لا يصح الوقف عندنا على الأغنياء إذا كانوا


غير محصورين بهذا يظهر أن إمامنا الأعظم ومقتدانا الأقوم لو كان في هذا الزمان وشاهد سكان هذا المكان لقال بحرمة المجاورة خلافا لما قال في الصدر الأول من كراهتها لعدم من يقوم بحق عظمتها وحرمتها إلا نادرا والنادر لا حكم له رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان وعن معاوية أي ابن أبي سفيان وهو خال المؤمنين أنه دخل على خاله أي النسبي أبي هاشم بن عتبة ومر ترجمته يعوده حال أو استئناف بيان أي يزوره لمرضه فبكى أبو هاشم فقال ما يبكيك أي أي شيء يجعلك باكيا يا خال بكسر اللام وفي نسخة بضمها على حد يا غلام أوجع يشئزك بضم الياء وكسر الهمزة أي يقلقك ويتعبك فيبكيك ففي القاموس شئز شأزا غلظ واشتد ويقال قلق وأشأزه أقلقه أم حرص على


الدنيا أي يقلقك فيبكيك وفيه تنبيه على أن الأمر لا يخلو إما من اشتداد مرض صوري أو عرض معنوي يكون كل منهما باعثا على نكد ظاهري وباطني قال كلا أي ارتدع عن حسبانك كلا ومعناه ليس الباعث أحدهما ولكن رسول الله عهد إلينا عهدا لم آخذ به والمراد بالعهد أما وصية عامة أو مبايعة خاصة قال وما ذلك أي العهد وفي نسخة وما ذاك قال سمعته يقول إنما يكفيك من جمع المال أي الذي يحصل المنال في المآل خادم ومركب في سبيل الله وإني أراني بضم الهمزة أي أظن وفي نسخة بفتحها أي أبصر أو أعلم قد جمعت أي زيادة على ما عهدت وأغرب الطيبي رحمه الله حيث قال حذف متعلقه ليدل على الكثرة من أنواع المال والله تعالى أعلم بالحال رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وعن أم الدرداء قالت قلت لأبي الدرداء ما لك لا تطلب أي مالا أو منصبا كما يطلب فلان أي وهو من نظرائك فقال إني بكسر الهمزة ويجوز فتحها بتقدير لأني سمعت رسول الله يقول إن أمامكم بفتح الهمزة أي قدامكم وهو ظرف وقع خبرا مقدما والاسم قوله عقبة بفتحات أي مرقى صعبا من الجبال على ما في القاموس كؤودا بفتح فضم همزة فواو فدال أي شاقة فاصلة بينكم وبين دخول الجنة قال الطيبي رحمه الله والمراد بها الموت والقبر والحشر وأهوالها وشدائدها شبهها بصعود العقبة ومكابدة ما يلحق الرجل من قطعها لا يجوزها أي لا يتجاوز تلك العقبة على طريق السهولة المثقلون من باب الإفعال أي الحاملون ثقل المال ومؤونة الجاه وسعة الحال ولذا قيل فاز المخفون وهلك المثقلون فأحب أن أتخفف أي بترك الطلب والصبر على قلة المؤونة لتلك العقبة لئلا يحصل لي التعب فيها وعن أنس قال قال رسول الله هل من أحد يمشي على الماء


إلا ابتلت قدماه أي هل يمشي على الماء في حال من الأحوال إلا في حال الإبتلال وحاصل معناه هل يتحقق المشي على الماء بلا ابتلال قالوا لا يا رسول الله قال كذلك صاحب الدنيا لا يسلم من الذنوب أي من المعاصي اللازمة لصاحب حب الدنيا قال الطيبي رحمه الله فيه تخويف شديد للمتقين وحث أكيد على الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة على الأولى وكفى بها تبعة أن يدخل الفقراء في الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام عافانا الله منها بكرمه وفضله رواهما أي الحديثين البيهقي في شعب الإيمان وكذا الحاكم روى الحديث الأول وقال ميرك نقلا عن المنذري حديث أم الدرداء رواه الطبراني بإسناد صحيح ورواه البزار عن أبي الدرداء رفعه إن بين أيديكم عقبة كؤودا لا ينجو منها إلا كل مخف وإسناده حسن وعن جبير بن نفير بالتصغير فيهما قال المؤلف تابعي خضرمي أدرك الجاهلية والإسلام وهو من ثقات الشاميين وحديثه فيهم روى عن أبي الدرداء وأبي ذر وعنه جماعة مرسلا أي بحذف الصحابي قال قال رسول الله ما أوحي إلى أي لم يوح إلى أن أجمع المال أن مصدرية والباء مقدرة وقوله وأكون عطف عليه من التاجرين أي المتوغلين في التجارة ولكن أوحي إلي أي قيل لي بالوحي أن سبح أن مفسرة لما في الوحي من معنى القول أي سبح بحمد ربك أي مقرونا به والمعنى نزه الله تعالى عما لا يليق بذاته وصفاته منتهيا إلى ثناء ربك بإثبات صفات الجلال والجمال له وكن من الساجدين أي المصلين بذكر أحد الأركان وإرادة تمام الصلاة فهو من قبيل مجاز إطلاق الجزء وإرادة الكل ووجه تخصيص السجدة ما ورد في حديث مسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد واعبد ربك تعميم بعد تخصيص سواء كان المراد به الأمر بالعبادة أو بالعبودية حتى يأتيك اليقين أي الموت بإجماع المفسرين وفيه اقتباس من قوله تعالى ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين الحجر آيات رواه أي البغوي في شرح


السنة أي عن جبير بن نفير وأبو نعيم بالتصغير في الحلية عن أبي مسلم قال المؤلف هو أبو
مسلم الخولاني الزاهد لقي أبا بكر وعمر ومعاذا رضي الله عنهم روى عنه جبير بن نفير وعروة وأبو قلابة ومناقبه كثيرة مات سنة اثنتين وستين انتهى فيحتمل أن الحديث مروي من طريق جبير عن أبي مسلم أو من طريق غيره والله تعالى أعلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من طلب الدنيا حلالا أي من طريق حلال استعفافا أي لأجل طلب العفة عن المسألة ففي النهاية الإستعفاف طلب العفاف والتعفف وهو الكف عن الحرام والسؤال من الناس وسعيا على أهله أي لأجل عياله ممن يجب عليه مؤونة حاله وتعطفا على جاره إحسانا عليه بما يكون زائدا لديه لقي الله تعالى يوم القيامة ووجهه أي والحال أن وجهه من جهة كمال النور وغاية السرور مثل القمر ليلة البدر قيد به لأنه وقت كماله وفيه إشارة خفية إلى أن هذا النور له ببركة المصطفى المنزل عليه طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى طه فإن طه أربعة عشر بحساب أبجد الذي يعرفه الأب والجد وهذا يوم لا ينفع ذا الجد منك الجد ومن طلب الدنيا حلالا أي فضلا عن أن يطلب حراما مكاثرا أي حال كونه طالبا كثرة المال لا حسن الحال ولا صرفه في تحسين المآل مفاخرا أي على الفقراء كما هو دأب الأغبياء من الأغنياء مرائيا أي إن فرض عنه صدرو خير أو عطاء لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ولعله لم يذكر من طلب الحرام أما اكتفاء بما يفهم من فحوى الكلام وأما إيماء إلى أنه ليس من صنيع أهل الإسلام أو إشعار بأن الحرام أكله وقربه حرام ولو لم يكن هناك طلب ومرام قال الطيبي رحمه الله وفي الحديث معنى قوله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه آل عمران وهما عبارتان عن رضا الله تعالى وسخطه فقوله ووجهه مثل القمر مبالغة في حصول الرضا بدلالة قوله في مقابلته وهو عليه غضبان رواه البيهقي في شعب الايمان وأبو نعيم في الحلية وعن سهل بن سعد أن رسول الله قال إن هذا الخير أي هذا


الجنس من الخير المدسوس المعلوم كالمحسوس خزائن أي أنواع كثيرة مخزونة مكنونة مركوزة موضوعة فيما بين عباده لتلك الخزائن خبر مقدم على مبتدئه وهو قوله مفاتيح أي على أيدي
الذين هم بمنزلة وكلائه ثم الظاهر أن ذكر الخير بدون ذكر الشر من باب الإكتفاء أو إشارة إلى أن الشر ما خلق لذاته ولذا ورد في قوله تعالى بيدك الخير آل عمران مع أن الأمر كله لله وفي الحديث الشريف الخير كله بيديك والشر ليس إليك أدبا فقيل المعنى أنه لا ينسب إليك والأظهر أن الشر إنما يحصل بترك الخير فيكون بينهما نسبة التضاد كالنور والظلمة والوجود والعدم ومما يدل على أن لله خزائن للشر أيضا قوله فطوبى لعبد جعله الله مفتاحا للخير أي علما أو عملا أو حالا أو مآلا مغلآقا للشر وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر أي للكفر والعصيان والبطر والبخل وسوء العشرة مع الإخوان مغلافا للخير قال الراغب الخير ما يرغب فيه الكل كالعقل مثلا والعدل والفضل والشيء النافع والشر ضده والخير والشر قد يتحدا وهو أن يكون خير الواحد شر الآخر كالمال الذي يكون رياء كان خيرا لزيد وشرا لعمرو ولذلك وصفه الله تعالى بالأمرين فقال في موضع إن ترك خيرا البقرة أي مالا وقال في موضع آخر أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات المؤمنون وكذا العلم بالنسبة إلى بعضهم حجاب وسبب العذاب وبالنسبة إلى بعض آخر اقتراب إلى رب الأرباب وقس على هذا العبادة فإن منها ما يورث العجب والغرور ومنها ما يورث النور والسرور والحبور كالسيف والخيل ونحوهما قد يجعل آلة للجهاد مع الكفار ويتوصل بها إلى القرار في دار الأبرار وقد يتوصل بها إلى قتل الأنبياء والأولياء وينتهي بها إلى الدرك الأسلف من النار وهذا معنى ما سيأتي من قوله إلا وأن الخير كله بحذافيره في الجنة إلا وأن الشر كله بحذافيره في النار يعني بحسب ما قسم لأهلها قسمة أزلية أبدية مبنية على جعل بعضهم مرائي الجمال وبعضهم مظاهر


الجلال كما قال فريق في الجنة وفريق في السعير الشورى وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي مشيرا إلى قوله سبحانه يسئل عما يفعل وهم يسئلون الأنبياء فبحر القضاء والقدر عريض عميق لا يغوص فيه إلا من له تحقيق بتوفيق يتحير فيه أرباب السواحل ويمضي منه أصحاب سفن الشرائع الكوامل رواه ابن ماجه وروى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعا أن هذه الأخلاق من الله فمن أراد الله تعالى به خيرا منحه خلقا حسنا ومن أراد به سوءا منحه سيئا وعن علي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إذا لم يبارك للعبد


في ماله أي بأن لا يصرفه في رضا مولاه وعمارة عقباه وحسن مآله جعله أي أنفق ماله وضيعه في الماء والطين أي المعبر بهما عن عمارة الدنيا بسبب إعراضه عن أعراض الدين وعن ابن عمر أن النبي قال اتقوا الحرام أي احذروا إنفاقه وفي الجامع اتقوا الحجر الحرام في البنيان أي في صرف عمارة الدنيا الفانية فإنه أساس الخراب أي في الأيام الآتية كما ورد لدوا للموت وابنوا للخراب والتقييد بالحرام ليس له مفهوم معتبر بل فيه إشارة إلى أن المال الحلال لم ينفق صرفه في غير حسن المآل فقد قال الإمام الغزالي لو أكل الناس أربعين يوما من الحلال لخربت الدنيا ولم يبق لها نظام في الحال ولذا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا وقال بعضهم الغفلة رحمة ولذا قال تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون الأنبياء قيل التقدير أسباب خراب الدين أو أساس خراب البنيان فعلى الأول يدل على جواز إنفاق الحلال في البنيان وعلى الثاني لا وهذا أنسب بالباب والله تعالى أعلم بالصواب رواهما أي الحديثين البيهقي في شعب الإيمان وروى الطبراني الحديث الأول عن أبي هريرة مرفوعا ولفظه للرجل بدل للعبد وعن عائشة عن رسول الله قال الدنيا دار من لا دار له قال الطيبي رحمه الله لما كان القصد الأول من الدار الإقامة مع عيش هنيء ودار الدنيا خالية عنها لا يستحق لذلك أن تسمى دارا فمن داره الدنيا فلا دار له قال تعالى وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون العنكبوت وقال اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ومال من لا مال له فإن المقصود من المال هو الانفاق في المبرات والصرف في وجوه الخيرات فمن أتلفه في تحصيل الشهوات واستيفاء اللذات فحقيق بأن يقال لا مال له قال تعالى وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور آل عمران ولذا قدم الظرف على عامله في قوله ولها أي للدنيا يجمع أي المال من لا عقل له أي عقلا كاملا أو عقل الدين


دلالة على أن جمع الدار الآخرة للتزود هو المحمود قال تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى البقرة قلت ومجمل المعنى أن الدنيا لا تستحق أن تعد دارا إلا لمن لا دار له ولا مالا إلا لمن لا مال له والمقصود استحقارها وانحطاطها عن أن تعد دارا أو مالا لمن كانت الآخرة له قرار ومآلا قال الراغب كل اسم نوع يستعمل على وجهين أحدهما دلالة على المسمى وفصلا بينه وبين وبين غيره والثاني لوجود المعنى المختص به وذلك هو الذي يمدح به فكل شيء لم يوجد كاملا لما خلق له لم يستحق اسمه مطلقا بل قد ينفي عنه كقولهم فلان ليس بإنسان أي لا يوجد فيه المعنى الذي خلق لأجله رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان ورواه البيهقي أيضا في الشعب عن ابن مسعود موقوفا وعن حذيفة قال سمعت رسول الله يقول في خطبته أي موعظته الخمر جماع الإثم بكسر الجيم أي مجمعه ومطيته و قيل أصل الجماع ما يجمع عددا ويرادفه حديث ابن عباس على ما رواه الطبراني مرفوعا الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر من شربها وقع على أمه وخالته وعمته وفي رواية البيهقي عن ابن عمر بلفظ الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر ومن شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وعمته وخالته قيل دعي رجل إلى سجدة لصنم فأبى ثم إلى قتل النفس فأبى ثم إلى الزنا فأبى ثم إلى شرب الخمر فلما شرب فعل جميع ما طلب منه والنساء أي جنسهن حبائل الشيطان والمراد به الجنس أو رئيسهم ويؤيد الأول ما في نسخة بلفظ الشياطين أي مصائدهم واحدها حباله بالكسر وهي ما يصاد بها من أي شيء كان قيل ما أيس الشيطان من بني آدم إلا أتى من قبل النساء وحب الدنيا رأس كل خطيئة أي ملاكها ومفهومه أن ترك الدنيا رأس كل عبادة وقد قيل من أحب الدنيا لا يهديه جميع المرشدين ومن تركها لا يغويه جميع المفسدين قال الطيبي رحمه الله والكلمات الثلاث كلها من الجوامع لأن كل واحدة منها على الإنفراد أصل في المغرم والمأثم قال أي حذيفة وسمعته أي النبي يقول أخروا


النساء حيث أخرهن الله قال الطيبي رحمه الله حيث للتعليل أي أخرهن الله تعالى في الذكر
وفي الحكم وفي المرتبة فلا تقدموهن ذكرا وحكما ومرتبة قلت وأصحابنا استدلوا به على بطلان محاذاة المرأة بشروطها المعتبرة على ما هو مقرر عندهم ومحقق عند المحقق ابن الهمام رحمه الله رواه أي الحديث بكماله رزين وفي التمييز لابن الربيع حديث أخروهن من حيث أخرهن الله يعني النساء قال شيخنا في مصنف عبد الرزاق رحمه الله ذكر أحاديث بمعناه من طريق الطبراني ثم قال ولا نطيل بها وأشار شيخنا لبعضها في مختصر تخريج الهداية انتهى فالحديث مشهور عند المحدثين لكن بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الإصطلاحي فإنه يطلق على القريب من المتواتر القطعي ولذا قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية ولنا الحديث المشهور لا يثبت رفعه فضلا عن شهرته والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود لكنه في حكم المرفوع وروى البيهقي عنه أي من الحديث الطويل المتشعب على جمل من الكلام في شعب الإيمان أي بإسناد حسن عن الحسن مرسلا حب الدنيا رأس كل خطيئة قلت وهو عند أبي نعيم في ترجمة سفيان الثوري من قول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وعند ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان له من قول مالك بن دينار وكذا البيهقي في الزهد من كلام عيسى عليه الصلاة والسلام قال السيوطي رحمه الله وقد عد الحديث في الموضوعات وتعقبه شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني رحمه الله بأن ابن المديني اثنى على مراسيل الحسن والإسناد حسن إليه وقد رواه الديلمي من حديث علي بن أبي طالب في مسنده ولم يذكر له إسنادا وهو في تاريخ ابن عساكر عن سعد بن مسعود الصدفي التابعي بلفظ حب الدنيا رأس الخطايا وعن جابر قال قال رسول الله إن أخوف ما أتخوف على أمتي الهوى أي هوى النفس ومشتهياتها وطول الأمل أي بتسويف العمل وتأخيره إلى آخر حياتها فأما الهوى أي المخالف للهدي الموافق للباطل فيصد أي يمنع صاحبه عن الحق أي عن قبوله وانقياده


وأما طول الأمل فينسىء من الإنساء ويجوز بالتشديد الآخرة لأن ذكرها يقطع
الأمل ويوجب العمل وهذه الدنيا أي المعلومة هنا والمفهومة حسا مرتحلة أي ساعة فساعة ذاهبة أي رائحة من حيث لا يدري صاحبها كما لا يشعر بسير السفينة راكبها ولذا قيل كل نفس خطوة إلى أجل راعيها وهذه الآخرة مرتحلة قادمة أي آتية شبههما بالمطيتين المختلفتين في طريقهما وفيه إشعار بأن كل ما هو آت قريب وإيماء إلى أن كل ساعة يحتمل أنها تكون النفس الأخير المقتضي أن يصرفها في طاعة ولكل واحدة منهما بنون أي ملازمون ومحبون وراكبون وراغبون والجمع بينهما من الأضداد المعلومة كما حققه العلماء العاملون فإن استطعتم أن لا تكونوا من بني الدنيا فافعلوا وفيه اهتمام تام بترك الدنيا ومبالغة بليغة في ملازمة أمر الآخرة حيث لم يقل فإن استطعتم أن تكونوا من أبناء الآخرة فافعلوا ولعل العدول لما يلزم من ترك حب الدنيا حصول الآخرة ولا يلزم من وصول الآخرة ترك حظ الدنيا لقوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب الشورى ولقوله سبحانه من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا الإسراء فإنكم اليوم في دار العمل أي في دار يطلب منكم عمل الآخرة فإن الدنيا دار تكليف فاغتنموا العمل قبل حلول الأجل بترك الأمل لأن الدنيا ساعة فينبغي أن تصرف في طاعة ولا حساب أي اليوم بحسب الظاهر بالنسبة إلى الفاجر وإلا فروي خطابا للأبرار حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ويدل عليه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون النور وأنتم


غدا في دار الآخرة أي وفي الحساب المترتب عليه الثواب والعقاب ولا عمل أي يومئذ لإنقطاعه بالأجل قال السيوطي رحمه الله قوله ولا حساب بالفتح بغير التنوين ويجوز الرفع بالتنوين وكذا قوله ولا عمل قال الطيبي رحمه الله أشار بهذه الدنيا إلى تحقير شأنها ووشك زوالها وفي قوله الآخرة أشار إلى تعظيم أمرها وقرب نزولها وقوله فإن استطعتم يعني بينت لكم حال الدنيا من غرورها وفنائها وحال الآخرة من نعيمها وبقائها وجعلت زمام الاختيار في أيديكم فاختاروا أيا ما شئتم وكان من حق الظاهر أن يقال فإنكم اليوم في دار الدنيا ولا حساب فوضع دار العمل موضعها المؤذن بأن الدنيا ما خلقت


إلا للعمل والتزود منها للدار الآخرة ولم يعكس ليشعر بأن الدار هي دار الآخرة رواه البيهقي في شعب الإيمان قال الطيبي رحمه الله وهذا الحديث رواه جابر مرفوعا وفي رواية البخاري عن علي رضي الله تعالى عنه كما سيأتي موقوفا وهذا الحديث يدل على أن حديث علي كرم الله وجهه أيضا مرفوع قلت وفيه بحث لأنه إنما يقال في الموقوف الذي لا مجال للرأي فيه أنه في حكم المرفوع ولا شك أن هذا الموقوف ليس من ذلك القبيل المعروف فيحتمل أن يكون مرفوعا مسموعا ويحتمل أن يكون وقع منه رضي الله تعالى عنه تواردا مطابقا مطبوعا وعن علي رضي الله عنه أي موقوفا قال ارتحلت الدنيا ا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة أي ظهر إدبار الدنيا وفناؤها وإقبال الآخرة وبقاؤها ولكل واحدة منهما بنون أي بها متعلقون فكونوا من أبناء الآخرة أي بالتوجه إليها ولا تكونوا من أبناء الدنيا أي بالإعراض عنها وعدم الإقبال عليها فإن اليوم عمل أي وقت عمل ولا حساب أي زمان لا محاسبة على الإكتساب وقد يقال جعل اليوم نفس العمل والمحاسبة مبالغة كذا قوله وغدا أي يوم القيامة حساب ولا عمل وتقدم ما في الحساب والعمل من اختلاف الإعراب رواه البخاري في ترجمة باب أي من غير ذكر إسناد في كتاب وعن عمرو بالواو أن النبي خطب يوما فقال في خطبته لا للتنبيه إن الدنيا عرض بفتحتين أي مال حادث وحال عارض حاضر أي عاجل محسوس يأكل منه أي من العرض وفي نسخة منها أي من الدنيا البر والفاجر أي المؤمن والكافر فإنه تعالى قال وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها الأنعام وقال كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا الإسراء أي ممنوعا هذا وقال الراغب العرض ما لا يكون له ثبات ومنه استعار المتكلمون قوله العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون والطعم وقيل للدنيا عرض حاضر تنبيها على أن الإثبات لها ألا وأن الآخرة قال الطيبي رحمه الله حرف التنبيه هنا مقحم وما بعده معطوف على قوله


إن الدنيا قوبلت القرينة السابقة بقوله ألا وأن الآخرة أجل أي مؤجل صادق أي وقوعها
ويقضي أي يحكم فيها ملك قادر أي مميز بين البر والفاجر والمؤمن والكافر بالثواب والعقاب قال الطيبي رحمه الله الأجل الوقت المضروب الموعود وصفه بالصدق دلالة على تحققه وثباته وبقائه وقال الراغب يستعمل التصديق في كل ما فيه تحقيق يقال صدقني فعله وكتابه وفي المثل صدقني سن بكره وصدق في القتال إذا وفى حقه وفعل على ما يحب وكما يحب ألا وإن الخير أي أصحابه كله أي جميع أصنافه بحذافيره أي بجوانبه وأطرافه في الجنة ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار الظاهر أن كلا من المعطوف والمعطوف عليه أتى بحرف التنبيه إشارة إلى استقلال كل من الجملتين خلافا لما سبق عن الطيبي رحمه الله فتدبر ألا فاعملوا أي الخير وأنتم من الله على حذر أي على خوف من وقوع شر واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم قال الطيبي رحمه الله أي الأعمال معروضة عليكم من باب القلب كقولهم عرضت الناقة على الحوض انتهى وإلا ظهر أن معناه مقابلون بأفعالكم مجزيون على أعمالكم كعرض العسكر على الأمير ومنه قوله تعالى يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية الحاقة على أنها تحتمل أن تكون على العلة كما قال تعالى ولتكبروا الله على ما هداكم البقرة أو التركيب من قبيل علفت ماء وتبنا والتقدير معرضون على مجازون على أعمالكم إن كان خيرا فخير أو كان شرا فشر فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره أي جزاءه في إحدى الدارين ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره قال السيوطي رحمه الله الذرة النمل الأحمر الصغير وسئل ثعلب عنها فقال إن مائة نملة وزن حبة وقيل الذرة ليس لها وزن ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في الكرة النافذة رواه الشافعي وعن شداد بتشديد الدال الأولى أي ابن أوس قال سمعت رسول الله يقول أيها ا لناس إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها أي من الدنيا ويتمتع بها البر والفاجر أي المؤمن والكافر وإن الآخرة وعد أي موعود


صادق أي واقع غير كاذب في مختصر الطيبي رحمه الله وصف الوعد بالصدق على الإسناد المجازي أي صادق وعده أي في وعده يحكم فيها أي يقضي في الآخرة ملك أي سلطان عادل أي غير ظالم قادر أي غير
عاجز يحق الحق أي يثبت ويعين ويبطل أي يزهق الباطل والمعنى يميز بين أهليهما ويفصل بينهما بالثواب والعقاب كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن كل أم يتبعها ولدها فكأن الدنيا الباطلة مقرها النار وبئس القرار والآخرة الحقة محلها الجنة فنعم الدار وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله ما طلعت الشمس إلا وبجنبتيها بفتح الجيم والنون ويسكن وفتح الموحدة وسكون التحتية تثنية الجنبة وهي الناحية ففي المقدمة إنها بالتحريك وفي القاموس الجنب والجانب والجنبة محركة شق الإنسان وغيره وجانبتا الأنف وجنبتاه ويحرك جنباه قال الطيبي رحمه الله الواو للحال والإستثناء مفرغ من أعم عام الأحوال وقوله ملكان يجوز أن يكون فاعل الجار والمجرور على رأي أو مبتدأ والجار والمجرور خبره انتهى وقوله يناديان حال أو استئناف أو صفة لقوله ملكان وقوله يسمعان الخلائق غير الثقلين بدل مما قبله أو حال من ضميره أو بيان بعد بيان والظاهر حمل الإسماع للخليقة على الحقيقة ثم لعل السر لعدم إسماع الثقلين أن لا يرتفع التكليف بمعاينة الغيب كما حقق في قوله لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر فإن قلت فما فائدة النداء لغيرهما مع أنهما هما المحتاجان للتنبيه عن غفلة الإنباء قلت فائدته أن يخبر الصادق المصدق بقوله ناقلا عما سمع بنفسه أو بما أخبر به الحق المطلق يا أيها الناس هلموا أي تعالوا إلى ربكم أي أمره وحكمه أو انقطعوا إليه من غيره كما قال تعالى ففروا إلى الله الذاريات وتبتل إليه تبتيلا ما قل أي من المال وما موصولة وكفى أي في أمر الدنيا وزاد العقبى خير مما كثر أي من المال وألهى أي شغل عن المولى وحسن الحال وتحسين المآل وقال الطيبي رحمه


الله يجوز أن يكون الاسماع على الحقيقة وأن يكون على التنبيه عن الغفلة مجازا فمعنى يسمعان الخلائق غير الثقلين أنهما يقصدان بالإسماع الثقلين فيسمعان غيرهما ثم خص من الثقلين الإنسان بقوله يا أيها الناس تنبيها على تماديهم في الغفلة وانهماكهم في الحرص وجمع حطام الدنيا حتى ألهاهم ذلك عن الإقبال إلى ذكر الله تعالى وعبادته فقيل لهم إلى كم هذه الغفلة والإعراض عن ذكر الله هلموا إلى طاعة ربكم ما قل من المال ويكفيكم ولا


يلهيكم خير مما كثر وألهى سمع هذا النداء من ألقى السمع وهو شهيد أولئك هم الذين أشار الله بذكرهم ورفع من منزلهم في قوله لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله النور الآية ومعنى اسماع غير المكلفين كونها مسبحة لله منقادة لما يراد منها وإن من شيء إلا يسبح بحمده انتهى ولا يخفى أن صحة كلامه يحتاج إلى أن يقال التقدير غير عامة الثقلين والله تعالى أعلم رواهما أي الحديثين أبو نعيم في الحلية وقد روى ابن حبان الأول في صحيحه وعن أبي هريرة يبلغ بفتح الياء به والباء للتعدية والمعنى يرفع مرويه إلى النبي قال إذا مات الميت قال الطيبي رحمه الله هو من باب المجاز باعتبار ما يؤول فإن الميت لا يموت بل الحي هو الذي يموت قلت إلا الحي الذي لا يموت وفي الكشاف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض وتضل الضالة فسمى المشارف للمرض والضلال مريضا وضالة وعلى هذا يسمى المشارف للموت ميتا قلت ومنه قوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون الزمر ومآل القولين واحد وإنما الخلاف باعتبار النظر في أول أمره أو آخر حاله كنظر الصوفية في أمر السابقة واللاحقة والأولى هي الأولى قالت وفي رواية الجامع تقول الملائكة ما قدم بتشديد الدال أي من الأعمال وقال بنو آدم وفي رواية الجامع ويقول الناس ما خلف بتشديد اللام أي أخر من الأموال قال الطيبي رحمه الله تعالى وفائدته اهتمام شأن الملائكة بالأعمال أي ما قدم من عمل حتى يثاب به أو يعاقب عليه واهتمام الوراث بماله ليرثوه رواه البيهقي في شعب الإيمان وعن مالك أي ابن أنس أن لقمان قال لابنه يا بني بتشديد الياء المفتوحة وتكسر على صيغة التصغير للشفقة إن الناس أي من عهد آدم إلى يومنا هذا قد تطاول أي بعد عليهم ما يوعدون أي من البعث والحساب وما بعدهما من الثواب والعقاب وقال الطيبي رحمه الله أي طال عليهم مدة ما وعدوا به وهم إلى الآخرة سراعا أي مسرعين حال من المبتدأ أو من


ضمير الخبر وهو قوله يذهبون قدم اهتماما والجملة حال من ضمير ما يوعدون والمعنى تطاول على الناس بعد الوعد وقرب العهد والحال أنهم كل ساعة بل كل نفس يذهبون إلى ما يوعدون كالقافلة السيارة لكنهم لا يحسون كالسكان في الفلك
المشحون ثم بين هذا المعنى بقوله وإنك أي أيها الولد وأريد به خطاب العامة الشامل لنفسه وغيره قد استدبرت أي أنت الدنيا أي ساعة فساعة مذ كنت أي وجدت وولدت واستقبلت الآخرة أي نفسا فنفسا من غير اختيار لك في هذا المسير من البدء والمصير ثم أوضح له القصة بطريق الحكمة حيث بين الدارين المعنويتين بالدارين المحسوستين فقال وإن دارا تسير إليها أقرب إليك من دار تخرج منها والمقصود من هذه الموعظة دفع ا لغفلة عن أمر الآخرة رواه رزين وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قيل لرسول الله أي الناس أفضل قال كل مخموم القلب بالخاء المعجمة أي سليم القلب لقوله تعالى إلا من أتى الله بقلب سليم من خممت البيت إذا كنسته على ما في القاموس وغيره فالمعنى أن يكون قلبه مكنوسا من غبار الأغيار ومنظفا من أخلاق الأقذار صدوق اللسان بالجر أي كل مبالغ للصدق في لسانه فيحصل به المطابقة بين تحسين لسانه وبيانه فيخرج عن كونه منافقا أو مرائيا مخالفا قالوا صدوق اللسان بالجر على الحكاية ويجوز رفعه على إعراب الابتدائية والخبر قوله نعرفه فما مخموم القلب قال هو النقي أي نقي القلب وطاهر الباطن عن محبة غير المولى التقي أي المجتنب عن خطور السوي لا إثم عليه فإنه محفوظ وبالغفرانة محفوظ وبعين العناية ملحوظ ومن المعلوم أن لا لنفي الجنس فقوله ولا بغي أي لا ظلم له ولا غل أي لا حقد ولا حسد أي لا تمني زوال نعمة الغير من باب التخصيص والتعميم على سبيل التكميل والتتميم لئلا يتوهم اختصاص الإثم بحق الله فصرح بأنه لا مطالبة عليه لا من الخلق ولا من جهة الخالق والله تعالى أعلم بالحقائق قال الطيبي رحمه الله الجواب ينظر إلى قوله تعالى أولئك


الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى الحجرات أي أخلصها للتقوى من قولهم امتحن الذهب وفتنه إذا أذابه فخلص ابريرة من خبثه ونقاه وعن عمر رضي الله تعالى عنه أذهب الشهوات عنها رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان
وعنه أي عن ابن عمرو أن رسول الله قال أربع أي من الخصال إذا كن فيك أي وجدن في وجودك ظاهرا وباطنا فلا عليك أي لا بأس ما فاتك الدنيا وفي الجامع ما فاتك من الدنيا قال الطيبي رحمه الله يحتمل أن تكون ما مصدرية والوقت مقدر أي لا بأس عليه وقت فوت الدنيا إن حصلت لك هذه الخصال وأن تكون نافية أي لا بأس عليك لأنه لم تفتك الدنيا إن حصلت لك هذه الخصال انتهى والأول أظهر كما لا يخفى حفظ أمانة يشمل أمانة الأموال والأعمال وصدق حديث يعم الأقوال وحسن خليقة أي خلق والتعبير بها إشارة إلى الحسن الجبلي لا التكلفي والتصنعي في الأحوال وعفة في طعمة بضم الطاء مع تنوين التاء أي احتراز من الحرام واحتفاظ على الحلال رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان ولفظ الجامع صدق الحديث وحفظ الأمانة وحسن الخلق وعفة مطعم رواه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عمر بلا واو والطبراني عن ابن عمرو بالواو وابن عدي وابن عساكر عن ابن عباس وعن مالك أي الإمام قال بلغني أنه قيل للقمان الحكيم ما بلغ بك ما نرى يعني الفضل يحتمل أن يكون من كلام مالك أو غيره تفسيرا والمعنى يريد لقمان بما الموصولة في قوله ما نرى الفضل وأما ما الأولى فهي استفهامية والمعنى أي شيء أوصلك هذه المرتبة التي نراها فيك من الفضيلة الزائدة على غيرك قال صدق الحديث أي ملازمة صدق الحديث قولا ونقلا وأداء الأمانة أي مالا وفعلا وترك ما لا يعنيني أي ما لا ينفعني حالا ومآلا رواه أي مالك في الموطأ أي عن مالك وقد تقدم بحث ذلك وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله تجيء


بالتأنيث ويجوز تذكيرها أي تأتي الأعمال أي مجسمة لتحتج لصاحبها وتشفع لمراعيها أو تخاصم لمخالفيها وتاركيها فتجيء الصلاة فتقول أي بلسان القال ويمكن أن يكون بلسان الحال وأن المراد بالمجيء ظهور أثر الأعمال ونتيجة الأفعال في المآل فتقول يا رب أنا الصلاة أي المبدوءة في كتابك عن جميع الأعمال حيث قلت إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون المعارج والمختومة منها بقولك والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك في جنات مكرمون المؤمنون وقيل التقدير أنا المعروفة المشهورة بالفضل والمزية كما يقال أنا العالم ومنه قول القائل أنا أبو النجم وشعري شعري وقال الطيبي رحمه الله أي إن لي مرتبة الشفاعة لأني عماد الدين فيقول أي الرب إنك على خير وهذا رد لها على ألطف وجه أي أنت ثابتة مستقرة على خير كقوله تعالى أولئك على هدى ولكن لست بمستقلة فيها ولا كافية في الاحتجاج وعلى هذا المنوال سائر الأعمال من الصدقة والصيام وبقية الأفعال فتجىء الصدقة فتقول يا رب أنا الصدقة فيقول إنك على خير ثم يجيء الصيام ولعل وجه تأخيره عن الصدق في العقبى تأخير وجوبه عنها في الدنيا فيقول يا رب أنا الصيام فيقول إنك على خير ثم تجيء الأعمال أي سائرها من الحج والجهاد وطلب العلم ونحوها على ذلك أي على هذا المنوال متفقة على هذا المقال يقول استئناف أو حال وكان مقتضى الظاهر فيقول الله تعالى وفي نسخة صحيحة عز وجل إنك أي أيها العمل على خير ثم يجيء الإسلام أي الإنقياد الباطن الموجب للانقياد الظاهر المعبر عنه بالإيمان وعلى ترادفهما أصحاب الإيقان وأرباب الإتقان فيقول يا رب أنت السلام وأنا الإسلام أي وبيننا مناسبة الإشتقاق الاسمية المعتبرة عند العلماء الرسمية والوسمية كما حقق في حديث الرحم شجنة من الرحمان فإن المقتضى بذلك أن القائم بي يدخل دارك دار السلام فيقول الله تعالى إنك على خير أي خير عظيم لاشتمالك على دين وسيم بك اليوم آخذ بصيغة المتكلم أي


آخذ بك من اؤاخذه بالعقوبة وبك أعطي أي من أسامحه بالمثوبة فإنك أنت الأصل لتدار عليك أمر الطاعة والمعصية قال الله تعالى في كتابه ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين وفيه
إشارة لطيفة متضمنة لبشارة تشريفه وهي أن من مات على الإسلام ليس من الخاسرين أبدا بل من المفلحين الناجين مآلا ومنالا وأن أمر الطاعة والعبادة مع قوة الإسلام يرجى فيهما المسامحة نسأل الله العفو والعافية ونعوذ بالله من درك الهاوية وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كا لنا ستر بكسر السين أي شيء يستر به الجدار وباب الدار فيه تماثيل طير أي تصاوير طيور أو طير فقال رسول الله يا عائشة حوليه أي غيريه بتبديله أو تنقيله فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا وفي هذا التعليل دليل على أن الصور كانت صغيرة جدا أو قبل العلم بتحريم التصوير وامتناع دخول ملائكة الرحمة في مكانه مع الإيماء إلى أن رؤيته أسباب يتنعم بها الأغنياء مما تذهب بحلاوة قلوب الفقراء وقد قال تعالى لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى طه وعن أبي أيوب الأنصاري قال جاء رجل إلى النبي فقال عظني وأوجز أي اختصر وعلى المهم اقتصر فقال إذا قمت أي شرعت في صلاتك فصل صلاة مودع بكسر الدال المشددة أي مودع لما سوى الله بالاستغراق في مناجاة مولاه أو المعنى صل صلاة من يودع الصلاة ومنه حجة الوداع أي اجعل صلاتك آخر الصلوات فرضا فحسن خاتمة عملك واقصر طول أملك لاحتمال قرب أجلك وقال الطيبي رحمه الله أي فأقبل على الله بشراشرك و ودع غيرك لمناجاة ربك ولا تكلم بحذف إحدى التائين وفي نسخة بإثباتهما أي لا تتحدث بكلام تعذر بفتح التاء وكسر الذال أي تحتاج أن تعتذر منه أي من أجل ذلك الكلام غدا أي يوم القيامة وهو المعنى بقوله من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وأجمع الإياس بفتح الهمزة وكسر الميم ويجوز عكسه ومنه قوله تعالى


فأجمعوا كيدكم طه فقد قرأ أبو عمرو بوصل الهمزة وفتح الميم من جمع يجمع والباقون بقطعها والكسر من أجمع بمعنى عزم على الأمر أو هما لغتان بمعنى الجمع فالمعنى اعزم على قطع الياس أو أجمع خاطرك على قصد الياس وترك الطمع مما في أيدي الناس أي قناعة بالكفاية المقدرة بالقسمة المحررة المقررة في قوله تعالى نحن قسمنا بينهم معيشته
في الحياة الدنيا الزخرف إلى أن قال وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين الزخرف وفي الحديث إشارة إلى أن الاستئناس بالناس من علامة الافلاس وأن الغنى القلبي هو الاياس مما في أيدي الناس وقال الطيبي رحمه الله أي أجمع رأيك على اليأس من الناس وصمم عليه وهو من قوله تعالى فاجمعوا كيدكم طه قال والظاهر أن الاياس وقع موقع اليأس سهوا من الكاتب لأن الإياس مصدر أسه إذا أعطاه وليس مصدر أيس مقلوب يئس لأن مصدر المقلوب يوافق الفعل الأصلي لا المقلوب ويمكن أن يقال إنه من آيس نفسه مما في أيدي الناس إيناسا فخفف الهمزة أي بالنقل والحذف انتهى وفي القاموس أيس منه كسمع إياسا قنط فبطل تخطئة الرواة الحفاظ المعتمدين على ذوات الصدور لا على ما في السطور خصوصا وقد جاء هذا الحديث من طرق متعددة مصححة على ما ذكره ميرك نقلا عن المنذري بعد قول المؤلف رواه أحمد أي عن أبي أيوب ولهذا الحديث شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص قال جاء رجل إلى النبي فقال يا رسول الله أوصني قال عليك بالإياس مما في أيدي الناس وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر وصل صلاتك وأنت مودع وإياك وما يعتذر منه رواه الحاكم والبيهقي في الزهد وقال الحاكم واللفظ له صحيح الإسناد ورواه الطبراني من حديث ابن عمر نحوه اه ومن المحال اتفاق الحفاظ والأصحاب على سهو وقع من أحد الكتاب والله تعالى أعلم بالصواب وعن معاذ بن جبل قال لما بعثه رسول الله أي لما أراد إرساله قاضيا أو عاملا إلى اليمن خرج معه رسول الله يوصيه بالتخفيف ويشدد ومعاذا


راكب أي بأمره ورسول الله يمشي تحت راحلته أي تواضعا لله وتلطفا للمؤمنين ومنه يؤخذ استحباب متابعة الأصحاب فلما فرغ أي من الوصية قال يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري أي مع قبري على أن الواو بمعنى مع ذكره الطيبي رحمه الله والظاهر أنه عطف على مسجدي والتقدير أن تمر بمسجدي هذا وبقبري أيضا وأبهمه لعدم ظهوره حينئذ على ما لا يخفى ثم اعلم أن عسى معناه الترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه وقد اجتمعا في قوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم


وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم البقرة وأما لعل فمعناه التوقع وهو ترجي المحبوب والإشفاق من المكروه نحو لعل الحبيب واصل ولعل الرقيب حاصل ويختص بالممكن بخلاف ليت فإنه يستعمل في المحال نحو ليت الشباب يعود فاستعمال عسى ولعل في الحديث بالمعنيين الأخيرين على ما هو الظاهر المتبادر ثم في المغني يقترن خبر لعل بأن كثيرا حملا على عسى كقوله لعلك يوما أن تلم ملمة عليك من اللائي يدعنك أجدعا وقال الطيبي رحمه الله استعمال لعل على الحقيقة لكونه راغبا للقاء الله تعالى وأدخل أن في الخبر تشبيها للعل بعسى تلويحا إلى قوله عز وجل عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا الإسراء فبكى معاذ جشعا بفتح الجيم والشين المعجمة أي جزعا وفزعا ففي النهاية الجشع الجزع لفراق الإلف فقوله لفراق رسول الله للتأكيد أو للتجريد ثم التفت أي رسول الله عن معاذ فأقبل بوجهه نحو المدينة تفسير للإلتفات ولعل وجه الإلتفات بإدارة وجهه الشريف عن معاذ لئلا يرى بكاءه ويصيره سببا لبكائه عليه الصلاة والسلام ويشتد الحزن في ذلك المقام مع الإيماء بأنه لا بد من المفارقة في الدنيا والمواجهة في العقبى فسلاه فعلا ووصاه قولا حيث بين فيه أنك تفارقني وتفارق المدينة وترى المدينة ولا تراني وأشار إلى أن مجمع الأنبياء والأتقياء في دار البقاء فقال إن أولى الناس بي أي بشفاعتي أو أقرب الناس إلى منزلتي المتقون من كانوا جمع باعتبار معنى من والمعنى كائنا من كان عربيا أو عجميا أبيض أو أسود شريفا أو وضيعا وحيث كانوا أي سواء كانوا بمكة والمدينة أو باليمن والكوفة والبصرة فسره فانظر إلى رتبة أويس القرني باليمن على كمال التقوى وحالة جماعة من أكابر الحرمين الشريفين من حرمان المنزلة الزلفى بل من إيصال ضررهم إليه حتى من بعض ذوي القربى وحاصله أنه لا يضرك بعدك الصوري عني مع وجود قربك المعنوي لي فإن العبرة بالتقوى كما يستفاد من إطلاق قوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم


الحجرات من غير اختصاص بمكان أو زمان أو نوع إنسان ففيه تحريض على مراعاة التقوى المناسبة للوصية عند المفارقة الصغرى والكبرى وقد قال تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله النساء مع ما فيه من التسلية لبقية الأمة الذين لم يدركوا زمن الحضرة ومكان الخدمة هذا الذي سنح لي في هذا المقام من حل الكلام على ظهور المرام وقال الطيبي رحمه الله لعل الإلتفات كان تسلية لمعاذ بعد ما نعى نفسه إليه يعني إذا رجعت إلى المدينة بعدي فاقتد بأولى الناس بي وهم المتقون وكنى به عن أبي بكر الصديق ونحوه حديث جبير بن مطعم أن امرأة أت


النبي فكلمته في شيء فأمرها أن ترجع إليه فقالت يا رسول الله أرأيت إن جئت ولم أجدك كأنها تريد الموت قلت والذي ظن أنه المراد خلاف الأدب على ما هو المتبادر بل الظاهر أنها تريد عدم وجوده في المدينة أو البيت قال فإن لم تجديني فأتي أبا بكر قال وفيه دليل على أنه رضي الله تعالى عنه خليفة رسول الله بعده وقائم مقامه قلت لما لم يكن صريحا في المدعي لإحتمال أن القضية تتعلق بأبي بكر رضي الله تعالى عنه صرح العلماء بأنه لا نص في أمر الخلافة لا على الصديق ولا على المرتضى روى الأحاديث الأربعة أحمد أي في مسنده وأقل مراتب أسانيده أنه حسن وعن ابن مسعود قال تلا أي قرأ رسول الله فمن يرد الله أن يهديه أي هديه الخاص الموصل إلى مقام الاختصاص يشرح صدره أي يوسع قلبه للإسلام أي لشرائعه على سبيل الإخلاص قال الطيبي رحمه الله أي يلطف به ويقذف النور فيه حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه قلت هذا معنى صحيح في نفس الأمر لكنه غير ملائم لما سيجيء في تفسير شرح الصدر فقال رسول الله إن النور أي نور الهداية إذا دخل الصدر انفسح أي انشرح وتوسع بحيث يسعه قبول جميع شرائع الإسلام ويحلو في مذاقه مرارة ما قدره وقضاه من الأحكام وهذا القلب في الحقيقة عرش الرب الذي عبر عنه بالحديث القدسي لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن لأن السفليات والعلويات ليس لهن قابلية إدراك الكليات والجزئيات المتعلقة بالذات والصفات ولهذا قال تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الأحزاب الآيات وهذا فيمن شرح الله صدره وأراد هدايته بخلاف غيره ممن يرد الله غوايته كما أخبر عنه بقوله ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء الأنعام فقيل يا رسول الله هل لتلك أي الخصلة كذا قيل والصواب هل لتلك الحالة المعبر عنها بالإنفساح من علم أي علامة وأمارة ومن زائدة للمبالغة تعرف أي تلك الحالة وفي نسخة


بالتذكير نظرا إلى معناها وهو الانفساح به أي بذلك العلم حتى نقيس حالنا عليه ونرجع عند اختلاف الآراء إليه قال نعم أي فيه علم بل علامات وهي التجافي أي المبالغة والتكلف في البعد على طريق الزهد لتحصيل
السعد من دار الغرور أي الدنيا الغرارة السحارة الغدارة المكارة كما قال تعالى فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور لقمان فاطر فإنها دار العناء والشقاء وإن كان صورتها أنها النعماء كسراب بقيعة يحسبه الظمآن أنه الماء حتى اتبعهم فيها الملوك والأمراء والأغنياء الأغبياء والإنابة أي الرجوع والميل التام إلى دار الخلود أي دار البقاء واللقاء والاستعداد للموت أي بالتوبة والمبادرة إلى العبادة وصرف الطاقة في الطاعة قبل نزوله أي قبل حلول الموت أو ظهور مقدماته من المرض والهرم حيث لم يقدر حينئذ على تحصيل علم أو عمل ولا ينفعه الندم وكان هذا فذلكة لما قبله وهو العمدة لكونه علما له وما قبله إنما هو باعث بطرفيه هنالك على أقدام السالك على ذلك و وعن أبي هريرة وأبي خلاد بتشديد اللام قال المؤلف أبو خلاد رجل من الصحابة وقال ابن عبد البر لم أقف له على اسم ولا نسبة حديثه عند يحيى بن سعيد عن أبي فروة عن أبي خلاد قال إذا رأيتم المؤمن قد أعطي زهدا في الدنيا وقلة منطق فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة وفي رواية مثله ولكن بين أبي فروة وأبي خلاد أبو مريم وهذا أصح انتهى ففيه إشارة إلى الخلاف في أن هذا الحديث منقطع أو متصل وأنه أراد برواية مثله ما ذكره المصنف بقوله أن رسول الله قال إذا رأيتم العبد يعطى زهدا أي قلة رغبة في الدنيا وقلة منطق أي في اللغو والهوى فاقتربوا منه أي اطلبوا القرب منه والتمسوا في مجالسته القربى إلى المولى فإنه يلقى بتشديد القاف المفتوحة وفي نسخة بتخفيفها أي يلقن ويؤتى الحكمة أي الموعظة المطابقة للكتاب والسنة لقوله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا


أولوا الألباب البقرة والحكمة في الحقيقة إتقان العلم والعمل على سبيل الشريعة والطريقة وصاحبها بحكم حديث من أخلص لله أربعين صباحا أظهر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه هو العالم العامل المخلص الكامل يكون مرشدا مكملا فيجب على كل أحد أن يطلب مجالسته ويحصل محادثته قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين التوبة أي قالا وحالا وقال بعض العارفين اصحبوا مع الله فإن لم تطيقوا فأصحبوا مع من يصحب مع الله وعلامة صحة أحواله بعد تصحيح أقواله وأفعاله ما تقدم في الحديث السابق


من علامة انشراح الصدر بحيث تؤثر صحبته في جميع الأمور ويزهد أصحابه في الدنيا وتوابعها من تحصيل المال والجاه زيادة على قدر الحاجة الموصلة إلى دار العقبى بل يجعلهم فارغين عن أمور الكونين على ما أشار إليه خلع النعلين غائبين عن السوى حاضرين في حضرة المولى ذاهلين عن مراقبة الفناء واصلين إلى مشاهدة البقاء حاصلين في الجنة العاجلة على لذة اللقاء فهذا العارف حينئذ خليفة الأنبياء وقائم مقام الأولياء الأصفياء رزقنا الله رؤيته وخدمته وصحبته رواهما أي الحديثين البيهقي في شعب الإيمان والحديث الأول منهما أخرجه ابن المبارك في الزهد والفريابي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي جعفر المدايني رجل من بني هاشم وليس هو محمد بن علي قال سئل النبي أي المؤمنين أكيس قال أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم لما بعده استعدادا قال وسئل النبي عن هذه الآية فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام الأنعام قالوا كيف يشرح صدره يا رسول الله قال نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح له قالوا فهل لذلك من أمارة يعرف بها قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت وفي رواية قبل نزول الموت وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام يقول يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا يقول شاكا كأنما يصعد في السماء يقول كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر على أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه وللحديث في الدر المنثور طرق كثيرة والله تعالى أعلم


باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي صلى الله عليه وسلم
المراد بالفضل هنا زيادة الأجر والثواب لا فضيلة المال وزيادة تحسين الثياب وقوله وما كان من عيش النبي أي معيشته وفي نسخة من عيش رسول الله على فضل الفقراء على ما لا يخفى ونكته الجمع بينهما أنه كان عيشه عيش الفقراء كأكثر الأنبياء والأولياء وكفى به فضلا للفقراء على الأغنياء وإن خفي هذا الأمر على بعض الأغنياء ممن ادعى أنه من العلماء

الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله رب أشعث أي رب رجل أشعث أي متفرق شعر رأسه مدفوع بالجر بالأبواب أي ممنوع منها باليد أو اللسان والمعنى أنه لا يدخله أحد في بيته لو فرض وقوفه على بابه من غاية حقارته في نظر الناس وذلك لما أراد الله ستر حاله عن الخلق لئلا يحصل له بالغير شيء من الاستئناس فيحفظه من الوقوف على أبواب الظلمة وأكلة الحرام كما يحمي أحدنا المريض عن استعمال الطعام فلا يحضر إلا باب مولاه ولا يسأل عما سواه من كمال غناه وليس المراد منه أنه يأتي أبواب أرباب الدنيا فيطردونه عنها ويدفعونه عن دخوله منها فإن الأولياء محفوظون عن هذه المذلة وإن كان قد بلغ لبعضهم من اختيار أرباب الملامة أو ممن صدر عنه الذلة ولعل في بعض النسخ مرفوع بالراء حتى قال القاضي البيضاوي رحمه الله الأشعث هو المغبر الرأس المتفرق الشعر وأصل التركيب هو التفرق والإنتشار والصواب مدفوع بالدال أي يدفع عن الدخول على الأعيان والحضور في المحافل فلا يترك أن يلج الباب فضلا أن يحضر معهم ويجلس فيما بينهم لو أقسم على الله أي على فعله سبحانه بأن حلف أن الله يفعل كذا أو لا يفعله لأبره أي لصدقه وصدق يمينه وأبره فيها بأن يأتي بما يوافقه كما وقع لأنس بن النضر في قوله والله لا تكسر ثنيتها بعد قوله كتاب الله القصاص فرضوا أهلها بالدية بعد ما أبوا عليها وقال القاضي أي لو سأل الله شيئا وأقسم عليه أن يفعله لم يخيب دعوته فشبه إجابة المنشد


والمقسم على غيره بوفاء الحالف على يمينه وبره فيها وقال شارح قيل معناه لو أقسم على الله بأن يقول اللهم إني أقسم عليك بجلالك أن تفعل كذا ولا يستقيم هذا المعنى في هذا الموضع لأنه قال لأبره أي صدقه ولا مدخل للصدق والكذب في مثل هذا اليمين فيدخلها الأبرار قلت اللهم إلا أن يقال المعنى صدق رجاءه ووافق دعاءه رواه مسلم وكذا أحمد وفي رواية الحاكم وأبي نعيم في الحلية عنه بلفظ رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره


وعن مصعب بن سعد أي ابن أبي وقاص القرشي سمع أباه وعلي بن أبي طالب وابن عمر روى عنه سماك بن حرب وغيره قال رأى سعد أي ظن أو توهم أن له فضلا أي زيادة فضيلة أو مثوبة من جهة الشجاعة أو السخاوة ونحوهما على من دونه أي من الفقراء والضعفاء فقال رسول الله أي جوابا له وإسماعا لغيره هل تنصرون أي على أعدائكم وترزقون أي الأموال من الغنيمة وغيرها إلا بضعفائكم أي إلا ببركة وجود ضعفائكم ووجود فقرائكم فهم بمنزلة الأقطاب والأوتاد لثبات العباد والبلاد وحاصله أنه إنما جعل النصر على الأعداء وقدر توسيع الرزق على الأغنياء ببركة الفقراء فأكرموهم ولا تتكبروا عليهم فإنهم أهل سلوك المحبة على أضيق المحجة وملوك الجنة في أعلى مراتب المعزة وقال الطيبي رحمه الله قوله إن له فضلا أي شجاعة وكرما وسخاوة فأجابه بأن تلك الشجاعة ببركة ضعفاء المسلمين وتلك السخاوة أيضا ببركتهم وأبرزه في صورة الاستفهام ليدل على مزيد التعزيز والتوبيخ رواه البخاري ورواه أبو نعيم في الحلية عنه بلفظ هل تنصرون إلا بضعفائكم بدعوتهم وإخلاصهم وعن أسامة بن زيد قال قال رسول الله قمت على باب الجنة أي ليلة المعراج أو في المنام أو حالة كشف المقام أو بطريق دلالة المرام فكان عامة من دخلها أي أكثرها وهي مرفوعة وقيل منصوبة فيعكس المساكين أي الفقراء والضعفاء وأصحاب الجد وفي الجامع وإذا أصحاب الجد بفتح الجيم أي أرباب الغنى من المؤمنين الأغنياء والأمراء محبوسون أي موقوفون يوم القيامة في الصحراء وخلاصته أن أصحاب الحظ الفاني من أرباب الأموال والمناصب محبوسون في العرصات لطول حسابهم في المتاعب بسبب كثرة أموالهم وتوسيع جاههم وتلذذهم بهما في الدنيا وتمتعهم على وفق شهوات النفس والهوى فإن حلال الدنيا له حساب ولحرامها عقاب والفقراء من هذا برآء فلا يحاسبون ولا يحبسون بل قيل الأغنياء بأربعين خريفا في الجنة يدخلون مكافأة لهم في العقبى لما فاتهم من الدنيا غير أن


أصحاب النار أي الكفار قد أمر بهم إلى النار قال الطيبي رحمه الله أي يساق الكفار إلى النار ويوقف المؤمنون في العرصات للحساب والفقراء هم السابقون إلى
الجنة لفقرهم أي من غير وقوف في العرصات وفي الجامع إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار وخلاصته أن غير بمعنى لكن والمعنى أن أصحاب الجنة جعلوا قسمين محبوسين ومدخلين ولكن أصحاب النار جعلوا قسما واحدا أمر بإدخالهم النار وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها أي أكثر من دخلها مع الكفار النساء لكثرة ميلهن إلى الدنيا ولمنعهن الرجال عن طريق العقبى متفق عليه ورواه أحمد والنسائي عنه وعن ابن عباس قال قال رسول الله اطلعت في الجنة أي أشرفت عليها لقوله تعالى لو اطلعت عليهم الكهف ففي بمعنى على كقوله تعالى لأصلبنكم في جذوع النخل طه وحاصلة نظرت إليها أو أوقعت الإطلاع فيها فرأيت أي علمت أكثر أهلها الفقراء وقال الطيبي رحمه الله تعالى ضمن اطلعت بمعنى تأملت ورأيت بمعنى علمت ولذا عداه إلى مفعولين ولو كان الإطلاع بمعناه الحقيقي لكفاه مفعول واحد انتهى وفيه أنه لم يتعد هنا إلى مفعولين كما لا يخفى واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء متفق عليه هذا الحديث رواه البخاري من حديث عمران بن حصين ومن حديث أبي هريرة أيضا ورواه مسلم من حديث ابن عباس ورواه الترمذي من حديث عمران وابن عباس كذا قال الشيخ الجزري وعلى هذا فقول المؤلف في آخر حديث ابن عباس متفق عليه لا يخلو عن تأمل ذكره ميرك وفيه أن مبناه على المسامحة حيث وقع الإتفاق على لفظ الحديث وإن اختلفا في المروي عنه من الصحابة نعم كان حقه أن يقول رواه مسلم ورواه البخاري عن عمران بن حصين كما قال في الجامع بعد إيراد الحديث بعينه رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن عباس والبخاري والترمذي عن ابن عباس والبخاري والترمذي عن عمران بن حصين وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله إن فقراء المهاجرين


يسبقون الأغنياء أي من المهاجرين فغيرهم بالأولى ولذا أطلق الأغنياء وعلى هذا يقاس فقراء كل طائفة من أهل زمان ومكان على أغنيائهم يوم القيامة أي لمحاسبة الأغنياء ولخلاص الفقراء عن العناء فإن المفلس في أمان الله دنيا وأخرى إلى الجنة متعلق بيسبقون أي يسابقون ويبادرون إليها بأربعين خريفا قال الطيبي رحمه الله نقلا عن النهاية الخريف الزمان المعروف بين الصيف والشتاء ويريد به أربعين سنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة انتهى فالمعنى بمقدار أربعين سنة من أعوام الدنيا أو الأخرى مع احتمال أن يراد بها الكثرة ويختلف باختلاف أحوال الفقراء والأغنياء في الكمية والكيفية المعتبرة وخلاصته أن الفقراء في تلك المدة لهم حسن العيش في العقبى مجازاة لما فاتهم من التنعم في الدنيا كما قال تعالى كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية الحاقة أي الماضية أو الخالية عن المأكل والمشرب صياما أو وقت المجاعة وقد ورد على ما سبق إن أطول الناس جوعا يوم القيامة أطولهم شبعا في الدنيا ويؤيد ما ذكرناه من تفاوت المراتب أنه جاء في رواية ابن ماجه عن أبي سعيد بلفظ أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار خمسمائة سنة رواه مسلم وعن سهل بن سعد قال مر رجل على رسول الله فقال لرجل عنده الظاهر أنه كان من الأغنياء فيكون في سؤاله وجوابه له تنبيه نبيه على فضل الفقراء جالس بالجر صفة رجل وفي نسخة بالرفع على أنه فاعل الظرف أو خبر بعد خبر أو خبر لمبتدأ محذوف هو هو ما رأيك في هذا أي ما ظنك في حق هذا الرجل المار تظنه خيرا أم شرا ذكره ابن الملك فقال أي الذي عنده رجل أي هو أو هذا يعني المار من أشراف الناس أي كبرائهم وعظمائهم هذا أي هذا الرجل بعينه أو هذا الشخص بجنبه أي مثل هذا الرجل والله حري على وزن فعيل وهو خبر هذا والقسم معترض بينهما أي جدير وحقيق إن خطب الناس أي طلب أن يتزوج امرأة أن ينكح بصيغة المجهول أي


بأن يزوجه إياها أهلها وإن شفع أي لأحد عند الحكام أو الرؤساء في جلب العطاء أو دفع البلاء أن يشفع بصيغة المفعول مشددا أي تقبل شفاعته قال أي الراوي فسكت رسول الله أي عن الجواب ولم يذكر ما تقتضيه المحاورة من الخطاب ثم مر رجل أي آخر فقال له أي
للرجل الذي عنده ما رأيك في هذا فقال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري ترك القسم لإحتمال التخلف وأما تأكيد الحكم به سابقا فللمبالغة في تحقق الظن فيه والمعنى هذا لائق إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أي بكلام ولو كان صدقا أو حقا أن لا يسمع بصيغة المجهول ونائب الفاعل قوله لقوله والمعنى أن أحدا لا يسمع لكلامه ولا يلتفت إليه من غاية فقره وقلة نظام أمره ففي غرائب ما يحكى أن رجلا غريبا فقيرا رافق شخصا ملك بعيرا وحمله حملا ثقيلا فقال ما حملك هذا وما حملك على هذا قال عدل منه حب الطعام وعدل آخر مليء من البطحاء ليعتدل النظام قال الفقير له لو تركت البطحاء وقسمت الحب في العدلين متناصفين لخف حملك وركبت جملك فقال بارك الله فيك لما صدر من فيك فأطاعه فيما بينه وركب على وجه عينه فسأله هل أنت بهذا العقل كنت في بلادك سلطانا فقال لا فقال فوزيرا فأميرا فتاجرا فرئيسا فصاحب إبل وصاحب خيل أو غنم أو زراعة ونحو ذلك فيقول لا فقال أكنت في بلدك فقيرا على هذا الحال وحقيرا على هذا المنوال فقال نعم فقال أنت شؤم ووجهك شؤم وكلامك شؤم ومن يسمعك أيضا شؤم ونزل عن بعيره وأمر على تغييره من سوء تدبيره ومثل هذا مشاهد في العالم كثيرا مثلا إذا كان العالم فقيرا والشيخ إذا كان حقيرا حيث لا يلتفت أحد إلى كلامه ولا يعظم على قدر مقامه بخلاف العالم والشيخ إذا كان مشهورا وعلم جاهه بين العوام منشورا فإنه يقبل قوله ويتبع فعله ولو كان في نفس الأمر ناقصا في علمه أو عمله والله ولي دينه وناصر نبيه ومن هذا القبيل قول أهل الجاهلية في حقه لما كان تاركا للمال والجاه على ما


حكاه الله تعالى عنهم بقوله وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم الزخرف وأرادوا بالقريتين مكة والطائف كان كل أهل قرية قالوا هذه المقالة فلف النشر اعتمادا على معرفة تلك الحالة فقال تعالى ردا عليهم أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا الزخرف الآيات فقال رسول الله هذا أي هذا الرجل وحده وكذا أمثاله خير من ملء الأرض مثل هذا أي مثل الرجل الأول ووجهه والله تعالى أعلم أن الفقير لصفاء قلبه أقرب إلى قبول أمر ربه والوصول إلى مرتبة حبه بخلاف الأغنياء الأغبياء فإن لهم الطغيان والإستغناء والتكبر والخيلاء وقد قال الله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق الأعراف وهذا أمر مشاهد مرئي في تلامذة العلماء ومريدي الصلحاء والتابعين أولا للأنبياء بل السابقين إلى العبادات من الصلوات وغيرها حتى الحج الذي لم يجب إلا على الأغنياء فالفائزون به لا سيما على وجه الإخلاص المبرأ عن الأغراض الفاسدة والمكاسب


الكاسدة إنما هم الفقراء هذا وقال شارح مثل منصوب على التمييز من ملء الأرض ويؤيده قول الطيبي رحمه الله وقع ملء الأرض مفضلا عليه باعتبار مميزة وهو قوله مثل هذا لأن البيان والمبين شيء واحد انتهى ويمكن أن يكون نصبه بنزع الخافض ويؤيده أنه وقع في بعض النسخ بالجر أي من مثل هذا الرجل الأول لكن النسخ المصححة من نسخة السيد وغيرها على الأول فهو المعول ولا يغرك قول ابن حجر مثل هذا بكسر اللام ويجوز فتحها ثم المراد من الرجل الأول المعبر عنه بأنه من أشراف الناس واحد من أغنياء المؤمنين وإنما عبر عن الخاص بلفظ العام للمبالغة في تحصيل المرام فإن الغنى يغير الخواص والعوام ولا يتوهم أن المراد بالرجل الأول أحد من الكفار لعدم انتظام الكلام حينئذ في قوله عليه الصلاة والسلام هذا خير بمعنى أفضل منه إذ لا مفاضلة بين الكفار وأهل الإسلام لأنه لا خير في كفار الأنام حتى قال بعض العلماء الأعلام إن من قال النصراني خير من اليهودي يخشى عليه الكفر إذا ثبت الخير فيمن لا خير فيهم وإنما لم يجزم بكفره لأنه قد يقصد بالخير أنه أقرب إلى الحق ولذا قال تعالى لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى المائدة كما أنه قد يقصد بالخير مجرد زيادة الحسن ومنه قوله تعالى أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا الفرقان لكن إيراد الحديث في هذا الباب يدل على أن ما ذكرناه هو الصواب وهو لا ينافي ما ذكره الغزالي أن عذاب الكافر الفقير الدنيء أخف من الكافر الغني فإذا كان الفقر ينفع الكافر في النار فما ظنك بنفعه للأبرار في دار القرار متفق عليه وعن عائشة قالت ما شبع آل محمد أي أهل بيته من حرمه وخدمه من خبز الشعير فمن البر بالأولى يومين متتابعين أي بل إن حصل الشبع يوما وقع الجوع يوما بناء على ما اختاره حين عرض عليه خزائن الأرض وأن يجعل جبال مكة ذهبا فاختار الفقر قائلا


أجوع يوما فأصبر وأشبع يوما فأشكر لأن الإيمان نصفان نصفه شكر ونصفه صبر كما قال تعالى إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور إبراهيم لقمان سبأ الشورى أي لكل مؤمن كامل بالوصفين عالم وعامل حتى أي استمر عدم الشبع على الوجه المذكور حتى قبض رسول الله أي ودرعه مرهونة عند يهودي في جملة صاع من الشعير وفيه رد على من قال صار في آخر عمره غنيا نعم وقع مال كثير في
يده لكنه ما أمسكه بل صرفه في مرضاة ربه وكان دائما غني القلب بغنى الرب متفق عليه ورواه الترمذي في شمائله عنها روى عن ابن عباس قال كان رسول الله يبيت الليالي الممتابعة طاويا أي جائعا هو وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير وبهذا الحديث يتبين أن أحدا في زماننا من الفقراء ما يعيش عيشه وهو أفضل الأنبياء ففي فعله تسلية عظيمة للفقراء كما أن في قوله توصية جسيمة للأغنياء فهو رحمة للعالمين وإمام للعالمين العاملين وعن سعيد وفي نسخة أبي سعيد وهو خطأ مخالف للأصول المعتمدة والنسخ المصححة على ما صرح به بعضهم وقال هو سعيد بن أبي سعيد المقبري واسم أبي سعيد كيسان وكان يسكن عند مقبرة فنسب إليها انتهى ولم يذكرهما المؤلف في أسمائه ثم قوله المقبري بفتح ميم وسكون قاف وضم موحدة وبفتح وبكسر نسبة إلى موضع القبور والمراد أبو سعيد وابنه سعيد كذا في أنساب المغني عن أبي هريرة أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية اسم مفعول من صلى على وزن مرمية أي مشوية فدعوه أي أبا هريرة إلى أكلها فأبى أن يأكل أي فامتنع من أكله إياها وقال أي معتذرا خرج النبي من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير رواه البخاري وعن أنس أنه مشى إلى النبي بخبز شعير أي مصحوبا به وإهالة بكسر الهمزة كل دهن يؤتدم به سنخة فتح سين مهملة وكسر نون وفتح خاء معجمة بعدها هاء أي متغيرة الريح لطول المكث في النهاية قيل الإهالة ما أذيب من الألية والشحم وقيل الدسم الجامد والسنخة المتغيرة الريح ولقد رهن النبي درعا له


بالمدينة عند يهودي
وأخذ منه شعيرا أي مقدارا معينا من الشعير لأهله أي لأهل بيته ولعل وجه الأخذ منه لتكون الحجة بالغة عليه أو سترا لحاله عن المساكين أو لئلا يثقل عليهم فيعطوه استحياء أو لم يأخذوا منه وقت العطاء رياء والأظهر أنه مبالغة في تنزهه عن طلب الأجر من الأمة ولو صورة حيث قال تعالى قل لا أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله الشورى ونظيره ما وقع لإمامنا الأعظم رحمه الله حيث لم يقف في ظل جدار من كان يطالبه بدين معللا بحديث كل قرض جر منفعة فهو رياء وقد روى أن الإمام حمزة أحد الأئمة القراء السبعة الذي قال الشاطبي رحمه الله في حقه من المنقبة وحمزة ما أزكاه من متورع إماما صبورا للقرآن مرتلا كان لا يأخذ أجرا على الإقراء لأنه تمذهب بحديث التغليظ في أخذ الأجرة عليه أو من كمال تورعه حتى عرض تلميذه عليه ماء في يوم حر فأبى وقيل إنه وقع في بئر فكل من جاء ليستخرجه منها سأله هل قرأت علي فيقول بلى فيمتنع أن يستعين به إلى الخروج من الخلا إلى الملا وأهل الكوفة كانوا كلهم تلاميذه فعجزوا حتى رأوا أعرابيا فأتاه فأخرجه منها بعد أن بين له أنه قط ما قرأ عليه ولا سمع ممن يقرأ لديه ولقد سمعته قال الطيبي ضميرا المفعول في سمعته عائد إلى أنس والفاعل هو راوي أنس انتهى وتبعه ابن الملك وغيره من الشراح أي قال راوي الحديث عن أنس سمعت أنسا يقول ما أمسى أي للذخيرة عند آل محمد صاع بر أي للقوت ولا صاع حب تعميم بعد تخصيص والمعنى أنه لم يدخر في الليل للغد وإن عنده لتسع نسوة بكسر الهمزة والجملة حالية وفي بعض الروايات وإن عنده يومئذ لتسع نسوة وهذه الجملة من كلام الراوي قطعا لقوله عنده والتأويل بالإلتفات مما لا يلتفت إليه ولا يعول عليه وإنما الخلاف فيما قبله حيث قال بعضهم الحق أن الضمير المفعول راجع إلى النبي والفاعل هو أنس كما صرح به الشيخ ابن حجر العسقلاني رحمه الله ويدل عليه رواية أحمد قال ولقد سمعت رسول


الله الخ ويؤيده قوله ما أمسى عند آل محمد إذ لو كان من كلام الراوي ناسب أن يقول عند آل النبي والله تعالى أعلم رواه البخاري وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال دخلت على رسول الله فإذا هو
مضطجع على رمال حصير بالإضافة أي على رمال من حصير قال شارح الرمال بكسر الراء وضمها جمع رميل بمعنى مرمول أي منسوج ويستعمل في الواحد وهذا من إضافة الجنس إلى النوع كخاتم فضة والمراد بالحصير هنا المنسوج من ورق النخل انتهى وقيل الرمال ما ينسج عودا عودا والظاهر أن ضم الراء أشهر ولذا صاحب القاموس عليه اقتصر وقال رمال الحصير كغراب مرموله وفي النهاية الرمال ما رمل أي نسج قال الزمخشري ونظيره الحطام والزكام لما يحطم ويزكم وقال غيره الرمال جمع رمل بمعنى مرمول كخلق الله تعالى بمعنى مخلوقه والمراد أنه كان السرير قد نسج وجهه بالسعف ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير ذكره الطيبي رحمه الله لكن كون المراد برمال الحصير شريط السرير بعيد عند الفقير بل الظاهر أنه مضطجع على منسوج من حصير ليس بينه أي بين النبي وبينه أي بين الحصير فراش أي لا من القطن ولا من الحرير قد أثر الرمال بجنبه أي من بدنه لا سيما عند كشفه من ثوبه متكئا أي حال كونه معتمدا على وسادة أي مخدة من أدم بفتحتين أي جلد حشوها أي محشو الوسادة ءليف في القاموس ليف النخل بالكسر معلوم قلت يا رسول الله ادع الله فليوسع بكسر السين المشددة وسكون العين على أمتك أي فإنهم لا يطيقون متابعتك في تحمل محنتك فربما يتنفرون عن الميل إلى ملتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله وكأن ابن الخطاب الناطق بالصواب الموافق رأيه للكتاب أخذ هذا المعنى من قوله تعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة الزخرف الآية ومفهومها أنه ما وسع عليهم توسيعا كليا ولا ضيق على المؤمنين تضييقا كليا وإن كان ذلك مقتضى ظاهر العدل من تقسيم الدارين بين


الفريقين كما أخبر به في حديث الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فالحكمة البالغة هي المانعة من ميل المؤمنين إلى طريق الكافرين وهي الحالة الوسطى بالنسبة إلى عموم الخلق وإن كانت المرتبة العليا بالإضافة إلى الخواص من الأنبياء والأولياء كمال الزهد في الدنيا والقناعة بأقل ما يتصور من متاعها ليكون تمتعهم تاما في العقبى فقال أي النبي أو في هذا أنت بفتح الواو بعد استفهام إنكاري والمعطوف عليه مقدر أي أتقول هذا الكلام وأنت إلى الآن في هذا المقام ولم يحصل لك الترقي إلى فهم المرام وقيل قدم الاستفهام لصدارته والواو لمجرد الربط بين الكلام السابق واللاحق يا ابن الخطاب قيل في خطابه بابن الخطاب دون عمر إيذان بأن الالتذاذ بطيبات الدنيا من خصال ذوي الجهل


والعمى وكأنه يقول يا ابن ذلك المقيد بطيبات الدنيا الغافل عن نعيم دار العقبى أولئك أي فارس والروم وسائر الكفار عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا أي كما أخبر الله في كتابه أنه ينكر عليهم يوم القيامة بخطابه حيث قال ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون الأحقاف هذا وقد قال الطيبي رحمه الله قوله فليوسع الظاهر نصبه ليكون جواب الأمر أي ادع الله فيوسع واللام للتأكيد والرواية الجزم على أنه أمر للغائب كأنه التمس من رسول الله الدعاء لأمته بالتوسعة وطلب من الله الإجابة وكان من حق الظاهر أن يقال ادع الله ليوسع عليك فعدل إلى الدعاء للأمة إجلالا لمحله وإبعادا لمنزلة من رسخ للنبوة أن يطلب من الله تعالى هذا الدنيء الخسيس لنفسه النفيس ومع ذلك أنكر عليه هذا الإنكار البليغ وقوله أو في هذا مدخول الهمزة محذوف أي أتطلب هذا وفي هذا أنت وكيف يليق بمثلك أن يطلب من الله التوسعة في الدنيا وفي رواية أما ترضى أن تكون لهم الدنيا أي موسعة خاصة ولنا الآخرة أي مرصعة خالصة متفق عليه وروى ابن ماجه الرواية الأخيرة وعن أبي هريرة قال لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة وفي نسخة من أهل الصفة وهم كانوا أربعمائة من المهاجرين تهيؤوا لتعلم القرآن والخروج في السرايا لقتال أهل الطغيان وكان أبو هريرة ناظرهم ونقيبهم ومتفقد حالهم ورقيبهم وكانوا يأوون في صفة آخر مسجده وقد نزل في حقهم للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا البقرة أي أصلا بل كانوا متوكلين ومتقنعين بالتقاط النواة ونحوها من جهة الزاد للمعاش والمعاد وأما من جهة الكسوة فكما بينه أبو هريرة بقوله ما منهم رجل عليه رداء ففي النهاية هو الثوب أو البرد الذي يضعه الإنسان


على عاتقه وبين كتفيه فوق ثيابه قال السيد جمال الدين رحمه الله قوله فوق ثيابه خلاف ما عليه أئمة اللغة وإنما الرداء هو الذي يستر أعالي البدن فقط قلت ويؤيده قوله إما إزار وإما كساء أي إزار واحد يستر عورته وإما كساء واحد يشتمل به كما بينه بقوله قد ربطوا أي طرفه في أعناقهم وحاصل المعنى
أنه لم يكن له ثوب يتردى به بل كان له إما إزار فحسب أو كساء فحسب وفي العدول عن ضمير المفرد إلى الجمع في قوله قد ربطوا في أعناقهم حيث لم يقل قد ربطه في عنقه إشعار بأن حال جميعهم كان على هذا المنوال كما يفيده تنكير رجل واستغراق النفي مع زيادة المبالغة بزيادة من في قوله منهم ثم تأنيث الضمير في قوله فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين مع أنه راجع إلى الكساء والإزار باعتبار الجمعية في الأكسية والإزار أو الأكسية وحدها لقربها ولمقايسة غيرها عليها ولها نظائر من قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين البقرة ومن قوله عز وجل والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله التوبة فإن المفرد يدل على الجمع لا سيما والمراد به الجنس الذي قد يعبر عنه بالتأنيث لدلالته على جمعية الجماعة كما قد يفرد باعتبار لفظه وهو المعني بقوله فيجمعه أي يجمع الرجل ذلك الثوب من الكساء أو الإزار بيده لئلا يفترق أحد طرفيه من الآخر كراهة أن ترى عورته أي في نظر غيره أو حال صلاته هذا وقد قال الطيبي رحمه الله التأنيث باعتبار الجمعية في الأكسية والإزار وتعدد المكتسين والإفراد في بيده باعتبار الرجل المذكور رواه البخاري وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه بصيغة المجهول من التفضيل أي زيد عليه في المال والخلق أي في الصورة أو في الخدم والحشم وحاصله أنه إذا رأى أحدكم من هو أكثر منه حشمة ومالا ولباسا وجمالا ولم يعرف أن له في الآخرة به وبالا فلينظر إلى من هو أسفل منه بفتح


اللام ويضم أي من هو دونه في الدنيا وأقل رتبة منه مالا ومنالا وله في الآخرة الدرجة العليا مآلا وفي الحديث دلالة على أن حال أكثر الخلق هو الإعتدال ولو بحسب الإضافة والانتقال فالسالك بالنظر إلى حال طرفيه يحصل له حسن الحال وإيماء إلى أن المفضل على الخلق كلهم من جميع الوجوه مثلا أو فرضا لا ينظر إلى من تحته لئلا يحصل له العجب والغرور والإفتخار والتكبر والخيلاء بل يجب عليه أن يقوم بحق شكره على النعماء وأما من لم يكن تحته أحد في الفقر فينبغي أن يشكر ربه حيث لم يبتله بالدنيا لقلة غنائها وكثرة عنائها وسرعة فنائها وخسة


شركائها ولذا كان الشبلي رحمه الله تعالى إذا رأى أحدا من أرباب الدنيا قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والعقبى ويناسبه ما حكي أن شخصا من الفقراء قام في مجلس واعظ من الأولياء وشكا أنه لم يأكل كذا مدة في الخلا والملا فقال الشيخ كذبت يا عدو الله فإنه لا يعطي الجوع الشديد إلا لأصفيائه وخاصة أنبيائه وخلاصة أوليائة ولو كنت منهم لما أظهرت هذه الشكاية ولسترت عن الخلق هذه الغاية ومجمل الحال وخلاصة المقال أن المؤمن إذا سلم دينه من الخلل والزوال فلا يبالي بنقصان الجاه والمال وسائر المشقات الكائنة في الحال والاستقبال كما روي أن صاحبا للغزالي ضرب وحبس فشكا إليه فقال اشكر فإن البلاء قد يكون أعظم من هذا ثم طرح في بئر من السجن فشكا إليه ورد بما سبق عليه ثم أتي بيهودي يسهل كل ساعة ووضع معه مسلسلا بسلسلته يحتاج كل نفس إلى مرافقته ومصاحبته مع ضيق المكان وظلمة الزمان والعفونة في كل آن فشكا إلى الإمام من ضيق الصدر فأمره بالشكر والصبر فأجاب جزعا أي بلاء أشد من هذا العذاب فقال الإمام في الجواب هو أن يوضع في رقبتك طوق الكفر والحجاب ويسلك بك عن صوب الصواب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب متفق عليه ورواه أحمد وفي رواية لمسلم وقد أخرجها أحمد والترمذي وابن ماجه عنه أيضا مرفوعا قال انظروا إلى من هو أسفل منكم أي دونكم رتبة ولا تنظروا إلى من هو فوقكم أي مرتبة فهو أي النظر المذكور إثباتا ونفيا أجدر أي أحق وأولى أن لا تزدروا نعمة الله عليكم أي بعدم الازدراء والاحتقار لما قسم الله عليكم في هذه الدار فإنه يظهر لكم بذلك النظر أن لله تعالى عليكم نعما كثيرة بالنسبة إلى من دونكم أو نعما كثيرة حيث اختار لكم الفقر والبلاء وجعلكم من أهل الولاء وشبهكم بالأنبياء والأولياء وخلصكم عن ظلم الأمراء وظلمة الأغنياء الأغبياء
الفصل الثاني


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله يدخل الفقراء أي الصابرون وقيل ولو كانوا شاكين الجنة قبل الأغنياء أي الشاكرين بخمسمائة عام أي سنة نصف
يوم بالجر على أنه صفة فارقة أو بدل أو عطف بيان عن خمسمائة عام فإن اليوم الأخروي مقدار طوله ألف سنة من سني الدنيا لقوله تعالى وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون الحج فنصفه خمسمائة وأما قوله تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة المعارج فمخصوص من عموم ما سبق أو محمول على تطويل ذلك اليوم على الكفار كما يطوى حتى يصير كساعة بالنسبة إلى الأبرار كما يدل عليه قوله تعالى فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير المدثر قال الأشرف فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث والحديث السابق من قوله بأربعين خريفا قلت يمكن أن يكون المراد من الأغنياء في الحديث الأول أغنياء المهاجرين أي يسبق فقراء المهاجرين إلى الجنة بأربعين خريفا ومن الأغنياء في الحديث الثاني الأغنياء الذين ليسوا من المهاجرين فلا تناقض بين الحديثين انتهى وفيه أن هذا إنما يتم إذا أريد بالفقراء الخاص وبالأغنياء العام فلا يفهم حكم الفقراء من غير المهاجرين فالأولى حمل الحديث على معنى يفهم الحكم عموما وهو بأن يقال المراد بكل من العددين إنما هو التكثير لا التحديد فتارة عبر به وأخرى بغيره تفننا ومآلهما واحد أو أخبر أولا بأربعين كما أوحي إليه ثم أخبر ثانيا بخمسمائة عام زيادة من فضله على الفقراء ببركته أو التقدير بأربعين خريفا إشارة إلى أقل المراتب وبخمسمائة عام إلى أكثرها ويدل عليه ما رواه الطبراني عن مسلمة بن مخلد ولفظه سبق المهاجرون الناس بأربعين خريفا إلى الجنة ثم يكون الزمرة الثانية مائة خريف انتهى فالمعنى أن يكون الزمرة الثالثة مائتين وهلم جرا وكأنهم محصورون في خمس زمر والله تعالى أعلم أو الاختلاف باختلاف مراتب أشخاص الفقراء في حال صبرهم ورضاهم وشكرهم وهو الأظهر المطابق لما في جامع


الأصول حيث قال وجه الجمع بينهما أن الأربعين أراد بها تقدم الفقير الحريص على الغني وأراد بالخمسمائة تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب فكان الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد وهذه نسبة الأربعين إلى الخسمائة ولا تظنن أن هذا التقدير وأمثاله يجري على لسان النبي جزافا ولا باتفاق بل أدركه ونسبة أحاط بها علمه فإنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى النجم رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابن حبان في صحيحه قال المنذري ورجاله محتج بهم في الصحيح ورواه ابن ماجه بزيادة من طريق موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر وعن أنس أن النبي قال اللهم أحيني مسكينا ولم يقل فقيرا لئلا يتوهم


كونه محتاجا حقيرا فينافيه دعاؤه اللهم اجعلني في نفسي صغيرا وفي أعين الناس كبيرا وأما المسكين فهو من مادة المسكنة وهو التواضع على وجه المبالغة ولو أفضى إلى المذلة أو من السكون والسكينة وهو الوقار والاطمئنان والقرار تحت أحكام الأقدار رضا بقضاء الجبار وقال بعضهم أي اجعلني متواضعا لا جبارا متكبرا وفيه تعليم الأمة ليعرفوا فضل الفقراء فيحبوهم ويجالسوهم لينالهم بركتهم وفيه تسلية للمساكين وتنبيه على علو درجاتهم ويجوز أن يراد بهذا أن يجعل قوته كفافا ولا يشغله بالمال فإن كثرة المال في حق المقربين مؤونة من الوبال في خشية المآل وخشونة الحال وأمتني وفي رواية الحاكم وتوفني مسكينا دل على أنه كان على وصف المسكنة إلى آخر العمر واحشرني في زمرة المساكين أي فريقهم وجماعتهم وفيه مبالغة لا تخفى لأنه لو قال واحشرهم في زمرتي لكان لهم فضل كثير وعلو كبير ونظيره ما قال فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم حيث لم يقل كفضلي على أعلاكم هذا وقد مر بعض سلاطين الإسلام على طائفة من الفقراء والصلحاء الكرام فلم يلتفتوا إليه ولم يقبلوا عليه فقال من أنتم فقالوا نحن قوم محبتنا ترك الدنيا وعداوتنا ترك العقبى فجاوزهم وتجاوز عنهم وقال نحن لم نقدر على محبتكم ولا طاقة لنا على عداوتكم فقالت عائشة رضي الله عنها لم يا رسول الله أي لأي شيء دعوت هذا الدعاء واخترت الحياة والممات والبعثة مع المساكين والفقراء دون أكابر الأغنياء قال إنهم استئناف في معنى التعليل أي لأنهم مع قطع النظر عن بقية فضائلهم وحسن أخلاقهم وشمائلهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم أي زمانا ومكانا ومكانة بأربعين خريفا والاكتفاء به لأنه أقل موعود في مدة المسابقة كمضاعفة الحسنة بالعشرة في الطاعة يا عائشة لا تردي المسكين أي لا ترديه خائبا بل سامحيه جائيا وآيبا وأحسني إليه قليلا أو كثيرا ولو بشق تمرة أي بنصفها أو ببعضها أو رديه ردا جميلا تستحقي به جزاء جزيلا ولذا


لما وقف مسكين عندها وأعطته حبة عنب بقيت في يدها وعاتب المسكين عليها ولم يدر ما ألقي من الفهم إليها قالت قال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة والحبة مشتملة على مقدار كذا من الذرة يا عائشة أحبي المساكين أي بقلبك وقربيهم أي إلى مجلسك حال تحديثك فإن الله يقربك يوم القيامة أي بتقريبهم تقربا إلى الله سبحانه وتعالى رواه أي الحديث بكماله الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان أي عن أنس
وروى وفي نسخة ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد إلى قوله في زمرة المساكين قال ميرك نقلا عن المنذري ورواه الحاكم أي عن أبي سعيد وزاد وإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة وقال صحيح الإسناد ورواه أبو الشيخ والبيهقي عن عطاء بن أبي رباح سمع أبا سعيد يقول أيها الناس لا يحملنكم العسر على طلب الرزق من غير حله فإني سمعت رسول الله يقول اللهم توفني فقيرا ولا توفني غنيا واحشرني في زمرة المساكين فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة قال أبو الشيخ زاد فيه غير أبي زرعة عن سليمان بن عبد الرحمان ولا تحشرني في زمرة الأغنياء قلت إن لم يكن دليل آخر غير هذا الحديث الشريف لكفى حجة واضحة وبينة لائحة على أن الفقير الصابر خير من الغني الشاكر وأما حديث الفقر فخري وبه أفتخر فباطل لا أصل له على ما صرح به الحفاظ من العسقلاني وغيره وأما حديث كاد الفقر أن يكون كفرا فهو ضعيف جدا وعلى تقدير صحته فهو محمول على الفقر القلبي المؤدي إلى الجزع والفزع بحيث يفضي إلى عدم الرضا بالقضاء والاعتراض على تقسيم رب الأرض والسماء ولذا قال ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس وقد روي الفقر أ زين على المؤمن من العذار الحسن على خد العروس رواه الطبراني عن شداد بن أوس وروي الفقر شين عند الناس وزين عند الله يوم القيامة رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس وروي الفقر أمانة فمن كتمه كان عبادة ومن باح به فقد قلد إخوانه


المسلمين رواه ابن عساكر عن عمر وعن أبي الدرداء عن النبي قال ابغوني بهمزة قطع مفتوحة وفي بعض النسخ بهمزة وصل مسكورة أي اطلبوا رضائي في ضعفائكم أي فقرائكم بالإحسان إليهم والمظلومين ولو من أغنيائكم بالمساعدة لديهم فإنما ترزقون أي رزقا حسيا أو معنويا أو
تنصرون أي على الأعداء الظاهرة والباطنة وأو للتنويع ويؤيده رواية الواو ويحتمل أن تكون أو للشك من الراوي بضعفائكم أي ببركة وجودهم وإحسانهم إذ منهم الأقطاب والأوتاد وبهم نظام البلاد والعباد قال ابن الملك يعني اطلبوا إلي حفظ حقوقهم وجبر قلوبهم فإني معهم بالصورة في بعض الأوقات وبالقلب في جميعها لا أعلم من شرفهم وعظيم منزلتهم عند الله فمن أكرمهم فقد أكرمني ومن آذاهم فقد آذاني انتهى ويؤيده الحديث القدسي من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب قال الطيبي رحمه الله قوله ابغوني بهمزة القطع والوصل يقال بغى يبغي بغاء إذا طلب وهذا نهي عن مخالطة الأغنياء وتعليم منه انتهى ويؤيده حديث اتقوا مجالسة الموتى قيل ومن الموتى قال الأغنياء وفي مختصر النهاية ابغني كذا بهمزة الوصل أي اطلبه لي وبهمزة القطع أعني على الطلب وفي القاموس بغيته طلبته وأبغاه الشيء طلبه له كبغاه إياه كرماه أو أعانه على طلبه رواه أبو داود وكذا الترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن صحيح نقله ميرك عن التصحيح وفي الجامع بلفظ ابغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم رواه أحمد والثلاثة والحاكم وابن حبان عنه وعن أمية بالتصغير بن خالد بن عبد الله بن أسيد بفتح فكسر لم يذكره المؤلف في أسمائه ونقل ميرك عن التصحيح أنه قال ابن عبد البر أمية بن خالد روى عن النبي وذكر هذا الحديث وقال ولا يصح عندي صحبته والحديث مرسل قلت مرسل التابعي حجة عند الجمهور فكيف مرسل من اختلف في صحة صحبته عن النبي أنه كان يستفتح أي يطلب الفتح والنصرة على الكفار من الله تعالى بصعاليك المهاجرين أي بفقرائهم وببركة دعائهم وفي


النهاية أي يستنصر بهم ومنه قوله تعالى إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح الأنفال وقال ابن الملك بأن يقول اللهم انصرنا على الأعداء بحق عبادك الفقراء المهاجرين وفيه تعظيم الفقراء والرغبة إلى دعائهم والتبرك بوجوههم أقول ولعل وجه التقييد بالمهاجرين لأنهم فقراء غرباء مظلومون مجتهدون مجاهدون فيرجى تأثير دعائهم أكثر من عوام المؤمنين وأغنيائهم والصعاليك جمع صعلوك كعصفور الفقير على ما في القاموس رواه أي البغوي في شرح السنة بإسناده وحيث أطلقه وما بين إرساله دل على أنه قال بصحبة الراوي واتصال سنده مع أنه معتضد في المعنى بما سبق من حديث إنما


تنصرون بضعفائكم ثم رأيت في الجامع أنه رواه ابن أبي شيبة والطبراني عن أمية بن عبد الله ولفظه كان يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تغبطن بكسر الموحدة وتشديد النون المؤكدة فاجرا أي كافرا أو فاسقا بنعمة أي بنعمة هو فيها من طول عمر أو كثرة أولاد أو سعة مال وجاه بأن تطلب زوالها عنه أو تريد مثلها لنفسك فإنك لا تدري ما هو لاق أي ملاق في مقابلة تلك النعمة من النقمة والمحنة بعد موته أي في القبر أو الحشر إن له أي للفاجر عند الله قاتلا أي مهلكا له أو معذبا عذابا شديدا من شأنه أن يقتل لا يموت أي لا يفنى ولا ينعدم ذلك القاتل بل موجود دائما ولا ينقطع أبدا يعني النار قال الطيبي رحمه الله تعالى هذا تفسير عبد الله ابن مريم راوي أبي هريرة كذا في شرح السنة انتهى وقال الجزري قيل قوله قائلا بهمزة مكسورة من القيلولة أي مقيلا باقيا يعني تحشر معه النار وتقبل حيث قال وتبيت حيث بات وقيل هو بالتاء المثناة من فوق أي من تقتله أي النار رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وفي الجامع رواه البيهقي في الشعب عنه ولفظه لا تغبطن فاجرا بنعمة إن له عند الله قاتلا لا يموت وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله الدنيا سجن المؤمن أي حبسه وعذابه بالنسبة إلى ما أعد الله له في الآخرة من نعيمه وثوابه وسنته بفتحتين أي قحطه وشدة معيشته ولذا روي لا يخلو المؤمن من قلة أو علة أو ذلة وقد يجتمع للمؤمن الكامل جميع ذلك قال الطيبي رحمه الله السنة من الأسماء الغالبة للقحط وقال ابن عطاء ما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار أي بل استغرب خلاف ذلك إن وقع شيء هنالك وإذا فارق الدنيا أي المؤمن فارق السجن والسنة ولعل الجمع بينهما لدفع ما يتوهم أن السجن قد يكون فيه السعة كما قد يقع نادرا فدفع هذا الوهم بقوله والسنة فيكون زيادته من باب التذييل والتكميل وأطلق فيما سبق من الحديث الصحيح


اعتمادا على غالب
الأحوال مع أنه لا يخلو من نوع ضيق مكان وبطء رزق وتشتت البال ولو قام بخدمته الرجال رواه في شرح السنة وقد أخرجه ابن المبارك والطبراني عنه قال ميرك رواه الحاكم في صحيح لكن في سنده عبد الله بن أيوب المغافري انتهى وقد سبق طرف هذا الحديث وبعض معانيه في أول الباب والله تعالى أعلم بالصواب قال الإمام الحافظ أبو القاسم الوراق إن قيل كيف يكون معنى الحديث وقد نرى مؤمنا في عيش رغد وكافرا في ضنك وقصر يد قلنا الجواب من وجهين أحدهما أن الدنيا كالجنة للكافر في جنب ما أعد الله له من العذاب في الآخرة وإنها كالسجن للمؤمن بالإضافة إلى ما وعده الله له من الثواب في الآخرة ونعيمها فالكافر يحب المقام فيها ويكره مفارقتها والمؤمن يتشوف الخروج منها ويطلب الخلاص من آفاتها كالمسجون الذي يريد أن يخلي سبيله الثاني أن يكون هذا صف المؤمن المستكمل الإيمان الذي قد غرق نفسه عن ملاذ الدنيا وشهواتها فصارت عليه بمنزلة السجن في الضيق والشدة وأما الكافر فقد أهمل نفسه وأمرحها في طلب اللذات وتناول الشهوات فصارت الدنيا كالجنة له في السعة والنعمة وعن قتادة بن النعمان بضم أوله قال المؤلف أنصاري عقبي بدري شهد المشاهد كلها وروى عنه أخوه من أمه أبو سعيد الخدري وعمر ابنه وغيرهما مات سنة ثلاث وعشرين وله خمس وستون سنة وصلى عليه عمر وكان من فضلاء الصحابة إن رسول الله قال إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا أي حفظه من مال الدنيا ومنصبه وما يضر بدينه ونقصه في العقبى قال الأشرف أي منعه عنها ووقاه من أن يتلوث بزينتها كيلا يمرض قلبه بداء محبتها كما يظل بفتح الظاء من ظل زيد صائما أي صار والمعنى كما يكون أحدكم يحمي سقيمه أي مريضه لا سيما إذا كان معه مرض الإستسقاء أو ضعف المعدة ونحوهما مما يضره الماء فيمنعه الماء أي لئلا يزيد مرضه بشربه ولا ينظر إلى رأي العليل من طلب الماء وحبه مع أن الماء أرخص شيء غالبا فلا يتصور فيه


البخل خصوصا بالنسبة إلى المريض الذي يحن عليه كل أحد والحاصل أن الحكمة تقتضي أن المحبوب عند أهله وآله يكون ممنوعا من كل شيء يضره في حاله رواه أحمد والترمذي ولفظ الجامع إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا كما يحمى أحدكم سقيمه الماء رواه الترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب وفي رواية للبيهقي عن حذيفة بلفظ إن الله يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي
الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة وهذا المعنى مقتبس من التنزيل وهو قوله وأنت أرحم الراحمين الأعراف الأنبياء وعن محمود بن لبيد بفتح فكسر قال المؤلف أنصاري أشهلي ولد على عهد رسول الله وحدث عنه أحاديث قال البخاري له صحبة وقال أبو حاتم لا يعرف له صحبة وذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية منهم قال ابن عبد البر والصواب قول البخاري فأثبت له صحبة وكان محمود أحد العلماء روى عن ابن عباس وعتبان بن مالك مات سنة ست وتسعين أن النبي قال اثنتان أي خصلتان يكرههما أي بالطبع ابن آدم أي وهما خير له بالشرع كما بينه بقوله يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة قال ابن الملك الفتنة التي الموت خير منها هي الوقوع في الشرك أو فتنة يسخطها الإنسان ويجري على لسانه ما لا يليق وفي اعتقاده ما لا يجوز وقال الراغب الفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة قال الطيبي رحمه الله وقد تكون الفتنة في الدين مثل الارتداد وإكراه الغير على المعاصي وإليه أشار بقوله إذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون قلت وقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي عبد الله الصنابحي قال الدنيا تدعو إلى فتنة والشيطان يدعو إلي خطيئة ولقاء الله خير من الإقامة معهما ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب أي وأبعد من العذاب رواه أحمد وكذا سعيد بن منصور في سننه بسند صحيح عن محمود بن لبيد وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن زرعة بن عبد الله مرسلا أن النبي


قال يحب الإنسان الحياة والموت خير لنفسه ويحب الإنسان كثرة المال وقلة المال أقل لحسابه هذا وأخرجه الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير وابن المبارك في الزهد والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله تحفة المؤمن الموت وأخرج المروزي في الجنائز وابن أبي شيبة في المصنف والطبراني عن ابن مسعود قال ذهب صفو الدنيا فلم يبق منها إلا الكدر فالموت تحفة لكل مسلم وأخرج المروزي وابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال حبذا المكروهان الفقر والموت وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا عن


ابن مسعود قال ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله تعالى وأخرج ابن أبي الدنيا عن جعفر الأحمر قال من لم يكن له في الموت خير فلا خير له في الحياة قلت وكذا من لم يكن له خير في الحياة فلا خير له في الممات وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد الرزاق في تفسيره والحاكم في المستدرك والطبراني والمروزي في الجنائز عن ابن مسعود قال ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة فإن كان بارا فقد قال الله تعالى وما عند الله خير للأبرار آل عمران وإن كان فاجرا فقد قال تعالى ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين آل عمران وعن عبد الله بن مغفل قال جاء رجل إلى النبي فقال إني أحبك أي حبا بليغا وإلا فكل مؤمن يحبه قال انظر ما تقول أي تفكر فيما تقول فإنك تدعي أمرا عظيما وتقصد خطبا جسيما فقال والله إني لأحبك ثلاث مرات ظرف لقال قال إن كنت صادقا أي في دعوى محبتي وعلى تحمل محنتي ولفظ الجامع إن كنت تحبني فأعد أي فهيىء للفقر أي بالصبر عليه بل بالشكر والميل إليه تجفافا بكسر الفوقية وسكون الجيم أي درعا وجنة ففي المغرب هو شيء يلبس على الخيل عند الحرب كأنه درع تفعال من جف لما فيه من الصلابة واليبوسة انتهى فتاؤه زائدة على ما صرح به في النهاية وفي القاموس التجفاف بالكسر آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه في الحرب فمعنى الحديث إن كنت صادقا في الدعوى ومحقا في المعنى فهيىء آلة تنفعك حال البلوى فإن البلاء والولاء متلازمان في الخلا والملا ومجمله أنه تهيأ للصبر خصوصا على الفقر لتدفع به عن دينك بقوة يقينك ما ينافيه من الجزع والفزع وقلة القناعة وعدم الرضا بالقسمة وكنى بالتجفاف عن الصبر لأنه يستر الفقر كما يستر التجفاف البدن عن الضر للفقر بلام مفتوحة وهي لام الابتداء أسرع إلى من يجبني من السيل أي الماء الكثير إلى منتهاه والمعنى أنه لا بد من وصول الفقر بسرعة إليه ومن


نزول البلايا والرزايا بكثرة عليه فإن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل خصوصا سيد الأنبياء فيكون بلاؤه أشد من بلائهم ويكون لأتباعه نصيب على قدر ولائهم والمرء مع من أحب مشاركة فيما يكره ويحب وفيه أن الفقر أشد البلايا لاشتماله على جميع المحن والرزايا لكنه مع مرارته في الدنيا يورث حلاوة في العقبى بمزيد العطايا رواه الترمذي وكذا أحمد وقال أي الترمذي هذا حديث حسن غريب
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله لقد أخفت مجهول ماض من الإخافة أي خوفت في الله أي في إظهار دينه وما يخاف بضم أوله أي مثل ما أخفت أحد أي غيري ولقد أوذيت أي بالفعل بعد التخويف بالقول في الله أي في سبيله وطريق رضاه وما يؤذى أحد أي خوفت وحدي وأوذيت بانفرادي وفائدة التقييد بالجملة الحالية في الجملتين أن أمرهما صعب في تينك الحالتين فإن البلية إذا عمت طابت وخلاصة المعنى أنه حكاية حال لا شكاية بال بل تحدث بالنعمة وتوفيق بالصبر على المحنة إلى أن تنتهي إلى المنحة على ما تقتضيه المحبة وتسلية للأمة لإزالة ما قد يصيبم من الغمة أي كنت وحيدا في ابتداء إظهاري للدين فخوفني في ذلك وآذاني الكفار الملاعين ولم يكن معي أحد حينئذ يوافقني في تحمل الأذى إلا مساعدة المولى ومعاونة الرفيق الأعلى ثم بين أنه كان مع ذلك كله في قلة الزاد وعدم الاستعداد بقوله ولقد أتت أي مضت على ثلاثون من بين ليلة ويوم أي من بين أوقات وهي الليلة واليوم وقال الطيبي تأكيد للشمول أي ثلاثون يوما وليلة متواترات لا ينقص منها شيء من الزمان وما لي أي والحال أنه ليس لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد بفتح فكسر وفي القاموس بالفتح والكسر وككتف معلوم أي حيوان قال الطيبي أي ما معنا طعام سواء كان مما يأكل الدواب أو الإنسان إلا شيء أي قليل يواريه أي يستره ويغطيه إبط بلال بكسر الهمزة وسكون الموحدة وتكسر ففي الصحاح الإبط بسكون الباء ما تحت الجناح وفي القاموس الإبط ما


تحت المنكب وتكسر الباء وقد يؤنث والمعنى أن بلالا كان رفيقي في ذلك الوقت وما كان لنا من الطعام إلا شيء قليل بقدر ما يأخذه بلال تحت إبطه ولم يكن لنا ظرف نضع الطعام فيه رواه الترمذي وفي الجامع بتقديم لقد أوذيت رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان عنه وقال أي الترمذي وفي نسخة قال ومعنى هذا الحديث حين خرج النبي هاربا من مكة أي فارا من الخلق إلى الله كما قال تعالى ففروا إلى الله الذاريات روي أنه خرج من مكة هاربا إلى عبد ياليل بالطائف ليحميه من كفار مكة حتى يؤدي رسالة ربه فسلط عليه صبيانه فرموه بالأحجار حتى أدموا كعبه كذا ذكره بعضهم وفي المواهب اللدنية أن خروجه عليه الصلاة والسلام إلى الطائف كان بعد موت خديجة بثلاثة أشهر في ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة لما ناله من قريش بعد موت أبي طالب وكان معه زيد بن حارثة فأقام به شهرا


يدعو أشراف ثقيف إلى الله تعالى فلم يجيبوه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه قال موسى بن عقبة ورجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء زاد غيره وكان إذا أزلفته الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه فإذا مشى رجموه وهم يضحكون وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه شجاجا وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت للنبي هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فلم يحبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبرائيل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين وفي القاموس هما جبلا مكة أبو قبيس والأحمر أو جبلا مني قال النبي بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا وعبد ياليل بتحتانية بعدها ألف فلام مكسورة فتحتانية ساكنة فلام ابن عبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام وكان عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف وقرن الثعالب هو ميقات أهل نجد ويقال له قرن المنازل وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن عبد الله بن جعفر قال لما توفي أبو طالب خرج النبي ماشيا إلى الطائف فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه فأتى تحت ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين إلى من تكلني إلى عدو بعيد يتجهمني أي يلقاني بغلظة ووجه كريه على ما في النهاية أم إلى صديق قريب كلفته أمري إن لم تكن غضبانا علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت


له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ثم قوله ومعه بلال لا ينافي كون زيد بن حارثة معه أيضا مع احتمال تعدد خروجه عليه الصلاة والسلام لكن أفاد بقوله معه بلال إنه لم يكن هذا الخروج في الهجرة من مكة إلى المدينة لأنه لم يكن معه بلال حينئذ إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمل تحت إبطه وهو كناية عن كمال قلته وخفة مؤونته وعن أبي طلحة قال شكونا إلى رسول الله وفي نسخة إلى النبي الجوع فرفعنا عن بطوننا أي فكشفنا ثيابنا عنها كشفا صادرا عن حجر حجر أي لكل منا


حجر واحد ورفع عنه فالتكرير باعتبار تعداد المخبر عنهم بذلك فرفع رسول لله عن بطنه عن حجرين قال الطيبي رحمه الله عن الأولى متعلقة برفعنا على تضمين الكشف والثانية صفة مصدر محذوف أي كشفنا عن بطوننا كشفا صادرا عن حجر ويجوز أن يحمل التنكير في حجر على النوع أي عن حجر مشدود على بطوننا فيكون بدلا وعادة من اشتد جوعه وخمص بطنه أن يشد على بطنه حجرا ليتقوم به صلبه انتهى وتوضيحه أن تعلق حرفي جر بمعنى لعامل في مرتبة واحدة غير جائز وأما تعلق الثاني بعد تقييد الأول فجائز كما تقرر في محله فكونه صفة مصدر محذوف ظاهر لا غبار عليه وأما تجويز البدل على أنه بدل اشتمال بإعادة الجار مع أن بدل الإشتمال لا يخلو عن ضمير المبدل فمبني على أن يراد بالحجر النوع والتقدير عن حجر مشدود عليها وكلام الطيبي رحمه الله يوهم أن القول بالبدل كلامه وقد نقل ميرك عن زين العرب أنه قال بدل اشتمال كما تقول زيد كشف عن وجهه عن حسن خارق ثم قيل فائدة شد الحجر على البطن أن لا يدخل النفخ في الأمعاء الخالية وأن نفس شد الأمعاء إعانة على شد الصلب وقيل إنما ربط الحجر على البطن لئلا يسترخي البطن وينزل المعي فيشق التحرك فإذا ربط حجرا على بطنه يشتد بطنه وظهره فيسهل عليه الحركة وإذا اشتد الجوع يربط حجرين فكان رسول الله أكثرهم جوعا وأكثرهم رياضة فربط على بطنه حجرين قال صاحب المظهر وهذا عادة أصحاب الرياضة وقال ابن حجر رحمه الله هذا عادة العرب أو أهل المدينة وقال صاحب الأزهار في ربط الحجر على البطن أقوال أحدها إن ذلك أحجار بالمدينة تسمى المشبعة كانوا إذا جاع أحدهم يربط على بطنه حجرا من ذلك وكأن الله تعالى خلق فيه برودة تسكن الجوع والحرارة وقال بعضهم يقال لمن يؤمر بالصبر اربط على قلبك حجرا فكأنه أمر بالصبر وأمر أمته بالصبر قالا وحالا والله تعالى أعلم رواه الترمذي أي في جامعه وقال هذا حديث غريب وهو ما يتفرد بروايته عدل ضابط من رجال النقل


فإن كان المنفرد برواية متنه فهو غريب متنا أو بروايته عن غير المعروف عند من كان يعرف الحديث عن صحابي فيرويه عدل وحده عن صحابي آخر فهو غريب إسنادا وهذا هو الذي يقول فيه الترمذي غريب من هذا الوجه وقد صرح في الشمائل بقوله هذا حديث غريب من حديث أبي طلحة لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى فغرابته ناشئة عن طريق أبي طلحة لا من سائر الطرق مع أنه قال ميرك رواته ثقات وعن أبي هريرة أنه أصابهم أي الصحابة والظاهر أنهم أصحاب الصفة


جوع أي شديد والظاهر أنه في سفر بعيد فأعطاهم رسول الله تمرة تمرة أي مقدارا قليلا من التمر بحيث عند توزيعه عليهم وتقسيمه إليهم وصل لكل واحد منهم تمرة واحدة إذ كانوا أربعمائة بل أكثر وربما وقعت البركة في تلك التمرة حتى كانت ثمرتها رفع المحنة وحبتها أنتجت المحبة التي فوق كل منحة رواه الترمذي وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أي ابن عمرو على ما صرح به في الجامع عن رسول الله قال خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابرا شاكرا أي مؤمنا كاملا لقوله تعالى إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور إبراهيم لقمان سبأ الشورى وفي الحديث الإيمان نصفان نصفه صبر ونصفه شكر فالصبر عن السيئات والشكر على الطاعات وزاد في الجامع ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا من نظر في دينه أي خصلة من نظر في أمر دينه من الأعمال الصالحة إلى من هو فوقه أي إلى من هو أكثر منه علما وعبادة وقناعة ورياضة أحياء وأمواتا فاقتدى به أي في الصبر على مشاق الطاعات وعن ارتكاب السيئات أو تأسف على ما فاته من الكمالات ويمكن أن يكون قوله من نظر استئنافا مبينا للصابر والشاكر المتضمن للخصلتين المبهمتين إحداهما هذه والثانية مبينة بقوله ونظر في دنياه إلى من هو دونه أي إلى من هو أفقر منه وأقل منه مالا وجاها فحمد الله على ما فضله الله عليه أي فشكره على ما زاده عليه من فضله وفي رواية الجامع فحمد الله على ما فضله به كتبه الله شاكرا أي للخصلة الثانية صابرا أي للخصلة السابقة ففيه لف ونشر مشوش اعتمادا على فهم ذوي العقول بالنسبة إلى الفذلكة وإن كان مرتبا باعتبار المقدمة ولما كان المفهوم قد يعتبر وقد لا يعتبر ومع اعتباره المنطوق أقوى أيضا صرح بما علم ضمنا حيث قال ومن نظر في دينه إلى من هو دونه أي في الأعمال الصالحة وأنتجه الغرور والعجب والخيلاء ونظرنا في دنياه إلى من هو فوقه أي من أصحاب المال والجاه وأورثه الحرص والأمل والرياء فأسف بكسر السين أي


حزن على ما فاته منه أي من المال وغيره بعدم وجوده أو بحصول فقده وقد قال تعالى لكيلا تأسو
على ما فتكم ولا تفرحوا بما آتاكم الحديد وروي عنه من أسف على دنيا فاتته اقترب من النار مسيرة ألف سنة ومن أسف على آخرة فاتته اقترب من الجنة مسيرة ألف سنة لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا لعدم صدور واحد منه بل قام بضديهما من الكفران والجزع والفزع باللسان والجنان رواه الترمذي وذكر حديث أبي سعيد أي في ضمن حديث طويل صدره يناسب باب القراءة ابشروا يا معشر صعاليك المهاجرين أي بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة رواه أبو داود في باب أي بغير عنوان بعد فضائل القرآن أي بعد كتاب فضائل القرآن
الفصل الثالث
عن أبي عبد الرحمن الحبلي بحاء مهملة وموحدة وضمها قال المؤلف اسمه عبد الله بن يزيد المصري تابعي قال سمعت عبد الله بن عمرو بالواو قال الطيبي لا بد من محذوف أي سمعته يقول قولا يفسره ما بعده أقول ويمكن أن يقدر مضاف ويقال سمعت قول عبد الله بن عمرو وسأله أي وقد سأله رجل قال أي الرجل استئناف مبين ألسنا أي نحن وأمثالنا من فقراء المهاجرين أي من خواصهم الذين يسبقون أغنياءهم فقال له عبد الله ألك امرأة تأوي إليها أي تضمها وتسكن إليها وتقبل عليها قال نعم قال ألك مسكن بفتح الكاف وتكسر أي مكان تسكنه قال نعم قال فأنت من الأغنياء أي أغنياء المهاجرين فإن فقراءهم ما كان لهم امرأة ولا مسكن أو إن كان لأحدهم أحدهما ما كان له الآخر منهما قال فإن لي خادما أي عبدا أو جارية أو أجيرا زيادة على ما سبق قال فأنت من الملوك أي ولا يصح أن يقال لك الصعلوك فلست من


صعاليك المهاجرين ولعله اقتبس هذا الكلام من قوله تعالى وجعلكم ملوكا المائدة على ما رواه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى وجعلكم ملوكا قال الزوجة والخادم وزاد ابن جرير عنه وكان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكا قال عبد الرحمان هكذا في جميع نسخ المشكاة الحاضرة وصوابه أبو عبد الرحمان لما سبق قال السيد جمال الدين المحدث هكذا في أكثر نسخ المشكاة التي رأيناها وهو غلط ظاهر والصواب أبو عبد الرحمان وهو راوي الحديث كما في مسلم وجاء ثلاثة نفر بالإضافة كقوله تعالى تسعة رهط والجملة عطف على قوله وسأله رجل أي والحال أنه أتى ثلاثة نفر فقراء إلى عبد الله بن عمرو وأنا عنده فقالوا يا أبا محمد والله لا نقدر على شيء لا نفقة تعميم مبين ولا دابة أي لنجاهد عليها أو نحج بها ولا متاع أي زائد يباع ويصرف ثمنه في النفقة والدابة فقال لهم ما شئتم ما استفهامية أي أي شيء شئتم ويمكن أن تكون موصولة مبتدأ والخبر محذوف أي ما أردتم من الأمور المعروضة عليكم فعلناه إن شئتم أي أن نعطيكم شيئا من عندنا رجعتم إلينا فإنه لا يحضرنا الآن شيء فأعطيناكم أي بعد هذا ما يسر الله لكم أي ما سهله على أيدينا وإن شئتم أي أن نرفع أمركم إلى الخليفة أو من يقوم مقامه ذكرنا أمركم للسلطان أي للمنسلط على خزانة بيت المال فيعطيكم ما يوسع لكم البال وإن شئتم صبرتم أي على هذه الحال فإنه مقام أرباب الكمال وأصحاب حسن المآل وطيب المنال فإني سمعت رسول الله يقول إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء أي أغنياءهم فضلا عن غيرهم يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا أي سنة قالوا فإنا نصبر لا نسأل شيئا أي حال كوننا لا نطلب شيئا من أحد بعد ذلك رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال بينا وفي نسخة بينما أنا قاعد في المسجد أي مسجد المدينة وحلقة بفتح فسكون ويفتح أي وجماعة متحلقة وقلوبهم به متعلقة من


فقراء المهاجرين قعود أي قاعدون أو ذوو قعود ففي القاموس حلقة الباب والقوم وقد يفتح لامها ويكسر أو ليس في الكلام حلقة محركة إلا جمع حالق أو لغة
ضعيفة والجمع حلق محركة أو كبدر إذ دخل النبي فقعد إليهم أي فجلس متوجها إلى الفقراء لقوله تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الكهف الآية فقمت إليهم أي مائلا إليهم ميلا للمتابعة ونيلا للقربة لديهم ولأطلع على كلام من طلع عليهم فقال النبي ليبشر أمر مجهول من التبشير ويجوز من البشارة أريد به الخبر أو الدعاء فقراء المهاجرين بما يسر وجوههم بالنصب أي بشيء يفرح قلوبهم ويظهر أثر السرور على ظاهر أشرف بشرتهم وألطف جلدتهم وفي نسخة برفع وجوههم فيكون التقدير بما يسر به وجوههم فإنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاما قال أي ابن عمرو فلقد اللام جواب القسم أي فوالله لقد رأيت ألوانهم أسفرت أي أضاءت من الإسفار وهو إشراق اللون قال الله تعالى وجوه يومئذ مسفرة عبس والصبح إذا أسفر المدثر وفي الحديث أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر قال عبد الله بن عمرو حتى تمنيت متعلقة بأسفرت أي أشرقت إشراقا كاملا تاما حتى وددت أن أكون معهم أي في الدنيا دائما موصوفا بحالهم أو منهم أي في العقبى محشورا في زمرتهم وحسن مآلهم فأو للتنويع أو للشك والمعنى أحببت أن أكون من جملة فقراء المهاجرين رواه الدارمي ورواه أبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد ولفظه ليبشر فقراء المهاجرين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة عام هؤلاء في الجنة ينعمون وهؤلاء يحاسبون وعن أبي ذر قال أمرني خليلي أي حبيبي ورسولي بسبع أي بسبع خصال أمرني بحب المساكين والدنو منهم أي والقرب من حالهم أو التقرب من مآلهم وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني أي في الأمور الدنيوية ولا أنظر إلى من هو فوقي أي في المال والجاه والمناصب الدنية وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت أي ولت بأن غابت أو بعدت والمراد


أهلها ويؤيده حديث صلوا أرحامكم ولو بالسلام وقال الطيبي رحمه الله أي وإن قطعت على ما ورد صل من قطعك وأسند الإدبار إلى الرحم مجازا لأنه لصاحبها وأمرني أن لا أسأل أي لا أطلب أحدا شيئا ومن دعاء الإمام أحمد اللهم كما صنت وجهي عن
سجود غيرك فصن وجهي عن مسألة غيرك ويمكن أن يكون أحدا على عمومه بناء على ما قاله بعض أرباب الكمال إلهي كفى علمك بالحال عن المقال وكرمك عن السؤال وهو المقام الجليل المأخوذ من حال الخليل حيث قال له جبريل ألك حاجة قال أما إليك فلا قال فسل ربك قال حسبي من سؤالي علمه بحالي وهو معنى قوله تعالى حكاية عن قول أصحاب الجميل حسبنا الله ونعم الوكيل آل عمران وفي الحكم لابن عطاء الله ربما استحيا العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه اكتفاء بمشيئته فكيف لا يستحيي أن يرفعها إلى خليقته وأمرني أن أقول بالحق أي أتكلم به وإن كان مرا أي على السامع أو صعبا علي وأمرني أن لا أخاف أي ظاهرا أو باطنا ءفي الله أي في حقه أو في سبيله ولأجله لومة لائم ملامة أحد من خلقه وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله أي للإستعانة على الطاعة وإصابة المصيبة والإستعانة على دفع المعصية خصوصا العجب والغرور والمخيلة فإنهن أي هذه الكلمات من كنز تحت العرش أي من جملة كنز معنوي موضوع تحت عرش الرحمان لا يصل إليه أحد إلا بحول الله وقوته أو كنز من كنوز الجنة لأن العرش سقفها وأبعد من قال فإنهن أي الخصال السبع من كنز تحت العرش إذ لا طائل تحته بل ورد من طرق كثيرة أخرجه الستة عن أبي موسى الأشعري وأحمد والبزار عن أبي هريرة والطبراني عن معاذ والنسائي عن أبي هريرة وأبي ذر أيضا مرفوعا قل لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة واختلف العلماء في معناه فقيل سمى هذه الكلمة كنزا لأنها كالكنز في نفاسته وصيانته من أعين الناس أو أنها من ذخائر الجنة أو من محصلات نفائس الجنة وقال النووي المعنى أن قولها يحصل ثوابا


نفيسا يدخر لصاحبه في الجنة انتهى ويحتمل أن يقال إنها كنز من كنوز الجنة العاجلة فمن قام بها وأدرك معناها واستمر على مبناها فإنه ظفر بكنز عظثيم مشتمل على كنوز لا يعرف كنهها ومنتهاها فقد روى البزار عن ابن مسعود قال كنت عند النبي فقلتها فقال تدري ما تفسيرها قلت الله ورسوله أعلم قال لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله قال النووي رحمه الله هي كلمة استسلام وتفويض وأن العبد لا يملك شيئا وليس له حيلة في دفع شر ولا قوة في جلب خير إلا بإرادة الله تعالى انتهى فيكون صاحبها في ملك جسيم وكنز عظيم حال كونه حاضرا بقلبه مشاهدا فعل ربه بالنسبة إلى جميع خلقه فصح ما قال بعض العارفين في قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمان جنة في الدنيا وجنة في


العقبى وقال بعض الصوفية في معنى قول رابعة العدوية استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير أرادت أن الاعتذار من الذنب مشتمل على ذنوب كثيرة تستحق أن تكون كبيرة من دعوى الوجود الأصلي ودعوى الفعل الحقيقي ودعوى الاقتدار الإستقلالي وقد قال إيماء إلى نفي ما سوى الله لا حول ولا قوة إلا بالله رواه أحمد وعن عائشة قالت كان رسول الله يعجبه من الدنيا ثلاثة أي ثلاثة أشياء كما في رواية الطعام أي حفظا لبدنه وتقوية على دينه والنساء أي صونا لنفسه النفيسة عن الخواطر الخسيسة والطيب أي لتقوية الدماغ الذي هو محل العقل عند بعض الحكماء فأصاب اثنين أي شيئين بوصف الكثرة ولم يصب واحدا أصاب النساء أي حتى بلغ تسعا والطيب أي من الخارج مع أن عرقه كان من أفضل أنواع الطيب ولم يصب الطعام أي إلا بوصف القلة فإطلاق النفي للمبالغة لما سبق من أنه لم يشبع من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض وأغرب الطيبي رحمه الله في قوله أي لم يكثر من إصابته إكثارهما حيث أنه يوهم أنه وقع له إكثار من الطعام أقل من إكثار النساء والطيب رواه أحمد قال السيوطي رحمه الله في تخريج أحاديث الشفاء إسناده صحيح إلا أن فيه رجلا لم يسم وعن أنس قال قال رسول الله حبب إلي أي من دنياكم كما في رواية الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة كذا في نسخ المشكاة بلفظ جعلت وكأنه غير موجود في أصل الطيبي رحمه الله كما ورد في رواية أو غفل عنه حيث قال قوله قرة عيني في الصلاة جملة أسمية عطفت على جملة فعلية لدلالته على الثبات والدوام في الثانية والتجدد في الأولى قلت وفيه بحث إذ القول بالتجدد إنما هو في الفعل المضارع وأما الماضي فهو للثبات حتى إذا عبر عن المضارع بالماضي يعلل بأنه لتحققه كأنه قد وقع قال وجيء بالفعل المجهول دلالة على أن ذلك لم يكن من جبلته وطبعه وأنه مجبور على الحب رحمة للعباد بخلاف الصلاة فإنها محبوبة لذاتها ومنه قوله أرحنا يا بلال أي


اشغلنا عما سواها بها فإنه تعب وكدح وإنما الاسترواح في الصلاة فأرحنا بندائك بها رواه أحمد والنسائي وكذا الحاكم في مستدركه والبيهقي في الشعب كذا في الجامع وذكر ابن الربيع في مختصر المقاصد للسخاوي أن الطبراني رواه في الكبير والنسائي في سننه بهذا اللفظ والحاكم في مستدركه بدون لفظ جعلت وقال إنه صحيح على شرط مسلم وأما ما اشتهر في هذا الحديث من زيادة ثلاث فقال السخاوي لم أقف عليه إلا في موضعين من الإحياء وفي تفسير آل عمران من الكشاف وما رأيتها في شيء من طرق هذا الحديث بعد مزيد التفتيش وبذلك صرح الزركشي فقال إنه لم يرد فيه لفظ ثلاث قال وزيادته محيلة للمعنى فإن الصلاة ليست من الدنيا وزاد ابن الجوزي بعد قوله حبب إلي من الدنيا أي قوله من الدنيا منصوبا على أنه مفعول زاد وقد ذكر الحافظ السيوطي في الفتاوي الحديثية مسألة قوله حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة لم بدأ الناء وأخر الصلاة الجواب لما كان المقصود من سياق الحديث ما أصاب النبي من متاع الدنيا بدأ به كما قال في الحديث ما أصابنا من دنياكم هذه إلا النساء ولما كان الذي حبب إليه من متاع الدنيا هو أفضلها وهو النساء بدليل قوله في الحديث الآخر الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ناسب أن يضم إليه بيان أفضل الأمور الدينية وذلك الصلاة فإنها أفضل العبادات بعد الإيمان فكان الحديث على أسلوب البلاغة من جمعه بين أفضل أمور الدنيا وأفضل أمور الدين وفي ذلك ضم الشيء إلى نظيره وعبر في أمر الدين بعبارة أبلغ مما عبر به في أمر الدنيا على مجرد التحبيب وقال في أمر الدين جعلت قرة عيني فإن قرة العين من التعظيم في المحبة ما لا يخفى انتهى ولعل السكوت عن الطيب لأنه تابع للنساء وجودا وعدما على ما في الروايتين ثم الصلاة عند الجمهور محمولة على العبادة المعروفة وقيل المراد بالصلاة في هذا الحديث الصلاة عليه وشرفه لديه وعن معاذ بن جبل أن


رسول الله لما بعث به أي أرسله إلى اليمن أي قاضيا وواليا قال إياك والتنعم وهو المبالغة في تحصيل قضاء الشهوات على وجه التكلف في البغية بتكثير النعمة والحرص على النهمة فإن عباد الله أي المخلصين ليسوا بالمتنعمين بل التنعم مختص بالكافرين والفاجرين والغافلين والجاهلين كما قال تعالى ذرهم يأكلو
ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون الحجر وقال ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم محمد وقال إنهم كانوا قبل ذلك مترفين الواقعة رواه أحمد وكذا البيهقي في شعب الإيمان وعن علي كرم الله وجهه قال قال رسول الله من رضي من الله باليسير من الرزق أي من قنع منه بقليل من العطاء رضي الله منه وفي نسخة عنه بالقليل وفي نسخة باليسير من العمل أي من الطاعة وفي حديث رواه ابن عساكر عن عائشة من رضي عن الله رضي الله عنه فإن قلت هذا الحديث يدل على أن رضا العبد مقدم وفي قوله سبحانه رضي الله عنهم ورضوا عنه المائدة التوبة المجادلة البينة إيماء إلى أن رضا العبد متأخر قلت التحقيق أن رضا العبد محفوف برضاءين من الله رضا أزلي تعلق به العلم الأولي ورضا أبدي تعلق بعمل العبد يترتب عليه الجزاء الأخروي وفي الحقيقة رضا العبد إنما هو أثر رضا الله عنه أولا وأما رضا الله آخرا فإنما هو غاية الرضا الذاتي من النعت الصفاتي وهو الإحسان والإنعام وكذلك القول في قوله تعالى يحبهم ويحبونه المائدة وقوله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران وعن ابن عباس قال قال رسول الله من جاع أي في نفسه بالفعل أو احتاج أي إلى ما يدفع الجوع أو غيره فأو للتنويع فكتمه الناس قيل أي من الناس ففيه إشارة إلى أن الرواية بتخفيف التاء وأنه متعد إلى واحد فنصب الناس على نزع الخافض ويحتمل أن تكون الرواية بتشديدها وأنه حينئذ متعد إلى اثنين على ما في القاموس كتمه كتما وكتمانا وكتمه إياه كان حقا على الله عز وجل أي وعدا ثابتا عليه أو أمرا لازما لديه أن


يرزقه رزق سنة من حلال والمراد بالجوع جوع يتصور معه الصبر ويجوز فيه الكتمان وإلا فقد صرح العلماء بأن الشخص إذا مات جوعا ولم يسأل أو لم يأكل ولو من الميتة يمو
عاصيا رواهما أي الحديثين البيهقي في شعب الإيمان وعن عمران بن حصين قال قال رسول الله إن الله يحب عبده المؤمن الفقير المتعفف أبا العيال المعنى أنه مع كونه صاحب العيال وفقير الحال وكسير البال تعفف عن السؤال فهو المؤمن على وجه الكمال فلذا أحبه ذو الجلال والجمال رواه ابن ماجه وعن زيد بن أسلم قال المؤلف يكنى أبا أسامة مولى عمر بن الخطاب مدني من أكابر التابعين سمع جماعة من الصحابة وروى عنه الثوري وأيوب السختياني ومالك وابن عيينة مات سنة ست وثلاثين ومائة قال استسقى أي طلب الماء يوما عمر فجيء بماء قد شيب بكسر أوله أي خلط بعسل فقال إنه أي ماء العسل الطيب أي طبعا وشرعا ورفعا ونفعا لكنني أسمع الله عز وجل قال الطيبي رحمه الله مستدرك عن مقدر يعني إنه لطيب أشتهيه لكني أعرض عنه لأني سمعت الله عز وجل نعى أي عاب على قوم شهواتهم أي استيفاءها فقال أذهبتم بهمزة إنكار مقدرة وهي في قراءة موجودة أذهبتم طيباتكم أي أخذتم لذاتكم في حياتكم الدنيا أي في مدة الحياة الدنيوية الدنية واستمتعتم بها أي متابعة للشهوات النفسية وما تركتم شيئا ذخيرة للدار الأخروية فأخاف أن تكون حسناتنا أي مثوباتها عجلت لنا قال الطيبي رحمه الله أي ثواب حسناتنا التي نعملها نستوفيها في الدنيا قبل الآخرة قال تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا الإسراء قلت الآيتان وإن كانتا نزلتا في الكفار لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلم يشربه أي لم يشرب عمر ذلك الماء تورعا ومخالفة للنفس والهوى رواه رزين
وعن ابن عمر قال ما شبعنا أي أهل بيت عمر أو نحن معشر الصحابة معه وهو الأظهر حتى فتحنا خيبر رواه البخاري


باب الأمل والحرص
الجوهري الأمل الرجاء وقال الراغب الحرص فرط الشره في الإرادة قال تعالى إن تحرص على هداهم النحل أي إن تفرط إرادتك في هدايتهم وفي القاموس أسوأ الحرص أن تأخذ نصيبك وتطمع في نصيب غيرك انتهى والمراد بالأمل هنا طول الأمل في أمر الدنيا غافلا عن الاستعداد للموت وزاد العقبى كما قال سبحانه ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل الحجر وأما طول الأمل في تحصيل العلم والعمل فمحمود بالإجماع كما قال طوبى لمن طال عمره وقال لو عشت إلى قابل لأصومن التاسع وكذلك الحرص في أمر جمع المال وكثرة الجاه والإقبال مذموم وإلا فالحرص على القتال وعلى تحصيل العلوم وتكثير الأعمال فمستحسن بلا نزاع ثم تحقيق الأمل على ما حققه المحققون من أهل اليقين ما ذكره الغزالي في منهاج العابدين رحمه الله أنه قال أكثر علمائنا أنه إرادة الحياة للوقت المتراخي بالحكم وقصر الأمل ترك الحكم فيه بأن يقيده بالإسناد لمشيئة الله تعالى وعلمه في الذكر أو بشرط الصلاح في الإرادة فإذن إن ذكرت حياتك بأن أعيش بعد نفس ثان أو ساعة ثانية أو يوم ثان بالحكم والقطع فأنت آمل وذلك منك معصية إذ هو حكم على الغيب وإن قيدته بالمشيئة والعلم من الله تعالى فقد خرجت عن حكم الآمل فتأمل وإنما جمع بينهما في العنوان لتلازمهما في الإمكان وقدم الأمل لأنه الباعث على تأخير العمل والحرص على الزلل


الفصل الأول
عن عبد الله أي ابن مسعود قال خط النبي خطا مربعا الظاهر أنه كان بيده المباركة على الأرض قال الطيبي رحمه الله المراد بالخط الرسم والشكل وخط أي خطا كما في نسخة مصححة والمعنى وخط خطا آخر في الوسط أي وسط التربيع خارجا منه أي حال كون الخط خارجا من أحد طرفي المربع وخط خططا بضم الخاء المعجمة والطاء الأولى للأكثر وجوز فتح الطاء أي خطوطا صغارا جمع صغيرة إلى هذا أي متوجهة ومائلة ومنتهية إلى هذا الخط الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط أي من جانبيه اللذين في الوسط فالمراد بالمفرد الجنس فقال هذا الإنسان أي الخط الوسط كذا قاله شارح والظاهر أن المراد بهذا مركز الدائرة المربعة وإن كان ليس له صورة مستقلة في الخط الظاهري أو المراد بهذا مجموع التصوير المعلوم خطا المفهوم ذهنا فإن الإنسان مع ما فيه من الأمل العوارض المنتهية إلى الأجل المشار إليه بهذا فالتقدير أن الخط المصور مجموعة هو الإنسان وهذا أي الخط المربع أجله أي مدة أجله ومدة عمره محيط به أي من كل جوانبه بحيث لا يمكنه الخروج والفرار منه وهذا الذي هو خارج أي من المربع أمله أي مرجوه ومأموله الذي يظن أنه يدركه قبل حلول أجله وهذا خطأ منه لأن أمله طويل لا يفرغ منه وأجله أقرب إليه منه وهذه الخطط أي الخطوط الصغار الأعراض أي الآفات والعاهات والبليات من المرض والجوع والعطش وغيرها مما يعرض للإنسان وهو جمع عرض بالتحريك فإن أخطأه هذا أي أحد الاعراض نهسه بسين مهملة


وقيل بمعجمة أي أصابه وعضه هذا أي عرض آخر وعبر عن الإصابة بالنهش وهو لدغ ذات السم مبالغة في المضرة وإن أخطأه هذا أي عرض آخر نهسه هذا أي عرض آخر وهلم جرا إلى انقضاء الأجل وعدم انتهاء الأمل وصورة الخط هذه عند بعضهم قال الشيخ ابن حجر العسقلاني رحمه الله هذه الصفة هي المعتدة وسياق الحديث يتنزل عليه فالإشارة بقوله هذا الإنسان إلى النقطة الداخلة وبقوله وهذا أجله محيط به إلى المربع وبقوله وهذا الذي هو خارج أمله إلى الخط المستطيل المنفرد وبقوله وهذه إلى الخطوط وهي مذكورة على سبيل المثال لا أن المراد انحصارها في عدد معين ويؤيده قوله في حديث أنس بعده إذ جاءه الأقرب إلى الخط المحيط به ولا شك أن الذي يحيط به أقرب إليه من الخارج عنه انتهى والأولى أن يجعل عدد الخطوط سبعا لإتيان هذا العدد كثيرا على لسان الشارع ولأنه عشر العدد الذي يعبر به عن الكثرة مع الإيماء إلى الأعضاء السبعة للإنسان والأطوار السبعة في مراتب الإيقان ومرور الأيام السبعة على دوران الأفلاك السبعة المحيطة بالأراضي السبعة ثم اعلم أن ما أشار الشيخ به إلى النقطة الداخلة فغير مستفاد من التصوير النبوي ولذا ما صوره غير واحد من الشراح كالطيبي رحمه الله ثم رأيت صورة أخرى غير الصورة المسطورة المشهور وهي هذه فهذه الهيئة هي المطابقة لما قاله بعض الشراح والأظهر في التصوير فتدبر رواه البخاري وعن أنس قال خط النبي خطوطا أي مختلفة على الهيئة المصورة السابقة فقال هذا أي أحد الخطوط وهو الخط الخارج من دائرة التربيع الأمل أي أمل الإنسان وهذا أي الخط المربع المحيط به أجله فبينما هو كذلك أي بين أوقات هو أي أمره دائر كما صور في الدائرة بين طلبه الأمل وطلب الأجل إياه إذ جاءه الخط الأقرب وهو الأجل المحيط به من كل جانب وأخطأه الخط الأبعد الخارج من دائرة الإحاطة وهو خطه من قصور الأمل وقال الطيبي رحمه الله قوله فبينما هو كذلك أي هو طالب لأمله البعيد


فتدركه الآفات
التي هي أقرب إليه فتؤديه إلى الأجل المحيط به وهذا التأويل محمول على معنى الحديث السابق ويجوز أن يحمل على حديث أبي سعيد في الفصل الثاني أن النبي غرز عمودا بين يديه الحديث قلت حمل هذا الحديث مع التصريح بقوله خط خطوطا على الغرز خطأ ظاهر لأن الظاهر المتبادر أن يكون الخط خطا ظاهرا رواه البخاري وعنه أي عن أنس قال قال رسول الله يهرم بفتح الراء أي يشيب كما في رواية والمعنى يضعف ابن آدم ويشب بكسر الشين المعجمة وتشديد الموحدة أي ينمو ويقوى منه أي من أخلاقه اثنان ففي التاج للبيهقي وكذا في القاموس أن الهرم كبر السن من باب علم وشب شبابا من باب ضرب الحرص على المال أي على جمعه ومنعه والحرص على العمر أي بتطويل أمله وتسويف عمله وتبعيد أجله قال النووي رحمه الله قوله يشب استعارة ومعناه أن قلب الشيخ كامل الحب يحتكم احتكاما مثل احتكام قوة الشاب في شبابه قال الطيبي رحمه الله يجوز أن يكون من باب المشاكلة والمطابقة لقوله يهرم أي بمعنى يشيب متفق عليه قال ميرك هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري يكبر ابن آدم والباقي مثله ورواه الترمذي وابن ماجه انتهى فقوله متفق عليه معناه أنهما اتفقا على روايتهما في المعنى دون اللفظ في جميع المبنى وهذا مبني على ما ذكره وإلا فلفظ الجامع أيضا يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنان الحرص والأمل رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أنس فالظاهر أن لفظ يكبر رواية للبخاري وأن في الصحيحين روايات متعددة كما يدل عليه كلام السخاوي في المقاصد حديث يهرم ابن آدم ويبقى فيه اثنان الحرص والأمل متفق عليه وفي لفظ يشيب ابن آدم ويشيب فيه وعن أبي هريرة عن النبي قال لا يزال قلب الكبير شابا أي قويا نشطيا في اثنين أي في أمرين في حب الدنيا ويلزم منه كراهة الأجل وطول الأمل وهو يقتضي تأخير العمل متفق عليه


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله أعذر الله قيل الهمزة للسلب أي أزال الله العذر منهيا إلى امرىء أخر أجله أي منتهاه وفي رواية عمره حتى بلغه بتشديد اللام أي أوصله وفي رواية حتى بلغ ستين سنة أي ولم يتب عن ذنوبه ولم يقم بإصلاح عيوبه ولم يغلب خيره شره فيكون ممن لم يبق الله له عذرا في ترك الطاعة وفيما ضيع عمره وحاصله من بلغ ستين سنة وقيل أربعين ولم يغلب خيره شره فالموت خير له قال التوربشتي رحمه الله المعنى أنه أفضى بعذره إليه فلم يبق له عذر يقال أعذر الرجل إلى فلان أي بلغ به أقصى العذر ومنه قولهم أعذر من أنذر أي أتى بالعذر أو أظهره وهذا مجاز من القول فإن العذر لا يتوجه على الله وإنما يتوجه له على العبيد وحقيقة المعنى فيه أن الله تعالى لم يترك له سببا في الاعتذار يتمسك به انتهى فالمعنى أنه أزال أعذاره بالكلية فكأنه أقام عذره فيما يفعل به بين العقوبة والبلية وفي مختصر النهاية أي لم يبق فيه موضعا للإعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتبر رواه البخاري وكذا أحمد وعبد بن حميد والنسائي والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي عنه وأخرج عبد بن حميد والطبراني والروياني والرامهرمزي في الأمثال والحاكم وابن مردويه عن سهل بن سعد قال قال رسول الله إذا بلغ العبد ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر وقد قال تعالى أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر فاطر وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في تفسيره ستين سنة وأخرج ابن جرير عن علي في الآية قال العمر الذي أعذرهم الله منه ستون سنة وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن في الآي قال أربعين سنة وأما قوله تعالى وجاءكم النذير فاطر فأخرج ابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال المشيب وكذا أخرجه ابن مردويه والبيهقي في سننه


عن ابن عباس أنه الشيب وعن ابن عباس عن النبي قال لو كان لابن آدم أي فرضا وتقديرا واديان
من مال وفي رواية من ذهب لابتغى أي لطلب ثالثا أي واديا آخر أعظم منهما ذخرا وهلم جرا كما يشير إليه بقوله ولا يملأ جوف ابن آدم أي بطنه أو وسط عينه إلا التراب أي تراب القبر ففيه تنبيه نبيه على أن البخل المورث للحرص مركوز في جبلة الإنسان كما أخبر الله عنه سبحانه في القرآن حيث قال أبلغ من هذا الحديث والمقال قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا الإسراء فهذا يدل على أن حرص ابن آدم وخوفه من الفقر الباعث له على البخل حتى على نفسه أقوى من الطير الذي يموت عطشا على ساحل البحر خوفا من نفاده ومن الدودة التي قوتها التراب وتموت جوعا خشية من فراغة لأن ما ذكر من الماء والتراب في جنب خزائن رحمة رب الأرباب كقطرة من السحاب ويتوب الله أي يرجع بالرحمة على من تاب أي رجع إليه بطلب العصمة أو يتفضل الله بتوفيق التوبة وتحقيق استعادة العقبى على من تاب أي من محبة الدنيا والغفلة عن حضرة المولى قال النووي رحمه الله معناه أنه لا يزال حريصا على الدنيا حتى يموت ويمتلىء جوفه من تراب قبره وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا ويؤيده قوله ويتوب الله على من تاب وهو متعلق بما قبله ومعناه أن الله يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات قال الطيبي رحمه الله ويمكن أن يقال معناه إن بني آدم كلهم مجبولون على حب المال والسعي في طلبه وأن لا يشبع منه إلا من عصمه الله تعالى ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه وقليل ما هم فوضع ويتوب الله على من تاب موضعه إشعارا بأن هذه الجبلة المركوزة فيه مذمومة جارية مجرى الذنب وأن إزالتها ممكنة ولكن بتوفيق الله وتسديده ونحوه قوله تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون الحشر أضاف الشح إلى النفس دلالة على أنها غريزة فيها وبين إزالته بقوله


يوق ورتب عليه قوله فأولئك هم المفلحون الحشر وههنا نكتة دقيقة فإنه ذكر ابن آدم تلويحا إلى أنه مخلوق من التراب ومن طبيعته القبض واليبس فيمكن إزالته بأن يمطر الله عليه السحائب من غمائم توفيقه فيثمر حينئذ الخصال الزكية والشمائل الرضية كما قال تعالى جل جلاله والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا الأعراف فمن لم يتداركه التوفيق وتركه وحرصه لم يزدد إلا حرصا وتهالكا على جمع المال وموقع قوله ولا يملأ جوف ابن آدم موقع ركوز الجبلة ونيط به حكم أشمل وأعم كأنه قيل ولا يشبع من خلق من التراب إلا بالتراب وموقع ويتوب الله على من تاب موقع الرجوع يعني إن ذلك لعسير صعب ولكن يسير على من يسره الله تعالى عليه فحقيق أن لا يكون هذا من كلام البشر بل هو من كلام خالق القوى والقدر روينا عن الترمذي عن أبي بن كعب أن رسول الله قال إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ عليه لم يكن الذين كفروا البينة وقرأ فيها إن الدين عند الله الحنيفية المسلمية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية ومن يعمل خيرا فلن يكفر وقرأ عليه وأن لابن آدم واديا من مال لابتغى إليه


ثانيا ولو أن له ثانيا لابتغى إليه ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب انتهى رواه البخاري قال ميرك ناقلا عن التصحيح حديث لو كان لابن آدم واديان إلى آخره رواه البخاري بهذا اللفظ من حديث ابن عباس وبمعناه من حديث أنس ومسلم بهذا اللفظ وبمعناه من حديث ابن عباس رواه الترمذي أيضا وقد ثبت في الحديث أن هذا كان قرآنا فنسخ خطه رواه أحمد وغيره وفي رواية لابن عباس وأنس فلا ندري أشيء أنزل أم شيء كان يقول ولأنس عن أبي قال كنا نرى هذا من القرآن حتى نزل ألهاكم التكاثر التكاثر أخرجه البخاري انتهى وفي الجامع لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا ولو كان له واديان لأبتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس وأحمد والشيخان عن ابن عباس والبخاري عن ابن الزبير والنسائي عن أبي هريرة وأحمد عن أبي واقد والبخاري في تاريخه والبزار عن بريدة ورواه أحمد وابن حبا عن جابر ولفظه لو كان لابن آدم واد من نخل لتمنى مثله ثم تمنى مثله حتى يتمنى أودية ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب وعن ابن عمر قال أخذ رسول الله ببعض جسدي أي بمنكبي كما في رواية ونكتة الأخذ تقريبه إليه وتوجهه عليه ليتمكن في ذهنه ما يلقى لديه وفيه إيماء إلى أن هذه الحالة الرضية لا توجد إلا بالجذبة الإلهية فقال كن أي عش وحيدا وعن الخلق بعيدا في الدنيا كأنك غريب أي فيما بينهم لعدم مؤانستك بهم وقلة مجالستك معهم قال النووي رحمه الله أي لا تركن إليها ولا تتخذها وطنا ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق الغريب في غير وطنه انتهى وذلك لأن الدنيا دار مرور وجسر عبور فينبغي للمؤمن أن يشتغل بالعبادة والطاعة وأن ينتظر المسافرة عنها ساعة فساعة متهيئا لأسباب الارتحال برد المظالم والاستحلال مشتاقا إلى الوطن الحقيقي قانعا في سفره ببلغة وسترة مستقبلا للبليات


الكثيرة في سفره غير مشتغل بما لا يعنيه من الأمل الطويل والحرص الكثير أو عابر سبيل أي مسافر بطريق واو للتنويع أو بمعنى بل للترقي والمعنى بل كن كأنك مار على طريق قاطع لها بالسير ولو بلا رفيق وهذا أبلغ من الغربة لأنه قد يسكن الغريب في غير وطنه ويقيم في منزل مدة زمنه فلله در طائفة رفضوا الدنيا وتوجهوا إلى العقبى شوقا إلى لقاء المولى واعتزلوا بالكلية عن الناس فإن الاستئناس بالناس علامة الإفلاس وتجردوا عما عليهم من الأثقال والألباس بل صاروا حفاة عراة حاسري الرأس وهم العقلاء الأكياس الخارج فضلهم عن حد الحدود ومقياس القياس شعر إن لله عبادا فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما عرفوا أنها ليست لحي وطنا جعلوهما لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا وعد نفسك بضم العين وفتح الدال المشددة أي اجعلها معدودة في أهل القبور أو عدها كائنة أو ساكنة فيهم وفي بعض النسخ المصححة من أهل القبور أي من جملتهم وواحدة من جماعتهم ففيه إشارة إلى ما قيل موتوا قبل أن تموتوا وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا رواه البخاري قال ميرك فيه نظر لأن الذي أورده هو لفظ الترمذي ولفظ البخاري عن ابن عمر قال أخذ رسول الله بمنكبي فقال كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وليس في البخاري وعد نفسك في أهل القبور بل هو في الترمذي والبيهقي والله تعالى أعلم وأحكم أقول وفي الجامع كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل رواه البخاري عن ابن عمر زاد أحمد والترمذي وابن ماجه وعد نفسك من أهل القبور وزاد النووي في أربعينه وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك وخذ من حياتك لموتك وزاد الإمام الغزالي في الأربعين قوله فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا وجعل صدر الحديث مرفوعا بأن قال قال رسول الله لعبد الله بن عمر إذا أصبحت إلى آخره والله تعالى أعلم
الفصل الثاني


عن عبد الله بن عمرو بالواو قال مر بنا رسول الله وأنا وأمي نطين
بتشديد الياء المكسورة أي نصلح بالطين شيئا أي مكانا أو جزءا من البيت فقال ما هذا أي استعمال الطين يا عبد الله أي لا عبد الهوى قلت شيء أي من البيت نصلحه أي خوفا من فساده أو زيادة على استحكامه واستبداده قال الأمر أسرع من ذلك أي الأمر الذي ينبغي لنا أن نعمره وعلى تعمير بناء القدماء نعتبره أعجل مما ذكرته من أن تصلحه وتعمره والظاهر أن عمارته لم تكن ضرورية بل كانت ناشئة عن أمل في تقويته أو صادرة عن ميل إلى زينته قال الطيبي رحمه الله أي كوننا في الدنيا كعابر سبيل أو راكب مستظل تحت شجرة أسرع مما أنت فيه من اشتغالك بالبناء وقال شارح أي الأجل أقرب من تخرب هذا البيت أي تصلح بيتك خشية أن ينهدم قبل أن تموت وربما تموت قبل أن ينهدم فإصلاح عملك أولى من إصلاح بيتك رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب قال ميرك نقلا عن المنذري حديث عبد الله بن عمرو رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال السيد جمال الدين رحمه الله هذا الحديث بهذا اللفظ لم أجده في جامع الترمذي ولكن أخرج عبد الله بن عمر وقال مر علينا رسول الله ونحن نعالج خصا لنا قال ما هذا فقلنا قدوهى فنحن نصلح فقال ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك وقال هذا حديث صحيح حسن وعن ابن عباس أن رسول الله كان يهريق الماء بضم الياء وفتح الهاء ويسكن أي يصب والماء كناية عن البول فالمعنى أنه كان يبول أحيانا فيتيمم بالتراب أي أو ما يقوم مقامه لما ثبت أنه اكتفى بوضع يده على الجدار حال التيمم من غير وجود الغبار فأقول يا رسول الله إن الماء منك قريب أي فالتيمم حينئذ غريب يقول استئناف ما يدريني ما للاستفهام لعلي للإشفاق أي أخاف لا أبلغه أي لا أصل الماء لمسارعة أجلي مبادرا فأحب أن أكون حينئذ ظاهرا باطنا وظاهرا وما أبعد قول الأشرف وما أقربه إلى الوجه الأضعف حمل الحديث على


معنى غير مناسب بابا ومبنى حيث قال أي يستعمل الماء قبل الوقت فإذا لم يبق تيمم والله تعالى أعلم رواه أي البغوي في شرح السنة وابن الجوزي في كتاب الوفا اسم كتاب له أظنه في شرف المصطفى عليه الصلاة والسلام
وعن أنس أن النبي قال هذا ابن آدم الظاهر أن هذا إشارة حسية إلى صورة معنوية وكذا قوله وهذا أجله وتوضيحه أنه أشار بيده إلى قدامه في مساحة الأرض أو في مسافة الهواء بالطول أو العرض وقال هذا ابن آدم ثم أخرها وأوقفها قريبا مما قبله وقال هذا أجله ووضع يده أي عند تلفظه بقوله هذا ابن آدم وهذا أجله عند قفاه أي في عقب المكان الذي أشار به إلى الأجل ثم بسط أي نشر يده على هيئة فتح ليشير بكفه وأصابعه أو معنى بسط وسع في المسافة من المحل الذي أشار به إلى الأجل فقال وثم بفتح المثلثة وتشديد الميم أي هنالك وأشار إلى بعد مكان ذلك أمله أي مأموله وهو مبتدأ خبره ظرف قدم عليه للاختصاص والاهتمام وخلاصة العبارات والاعتبارات أن هذه الإشارات المؤيدة بالبشارات المؤكدة بالحركات والسكنات القولية والفعلية المطابقة لما سبق من التصورات الصورية إنما هو للإشارة المعنوية المنبهة من نوم الغفلة المبينة أن أجل ابن آدم أقرب إليه من أمله وأن أمله أطول من أجله كما قال لله در قوله كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله هذا ما سنح لي في هذا المقام من توضيح المرام وقال الطيبي رحمه الله ممتازا عن سائر الشراح الفخام قوله ووضع يده الواو للحال وفي قوله وهذا أجله للجمع مطلقا فالمشار إليه أيضا مركب فوضع اليد على قفاه معناه أن هذا الإنسان الذي يتبعه أجله هو المشار إليه وبسط اليد عبارة عن مدها إلى قدام انتهى الكلام رواه الترمذي وعن أبي سعيد الخدري أن النبي وفي نسخة صحيحة أن رسول الله غرز أي أدخل في الأرض عودا أي خشبا طويلا بين يديه وآخر إلى جنبه أي وغرز عودا آخر إلى جنب العود الأول وآخر أبعد أي من الثاني أو منهما فقال


أتدرون ما هذا أي مجموع ما فعلت والمعنى أتعلمون ما المراد بهذا الغرز والتقرير وما الغرض من هذا التصوير قالوا الله ورسوله أعلم أي بما في الضمير قال هذا الإنسان أي العود الأول مثاله وهذا الأجل أي وهذا العود الثاني المتصل إلى جنبه أجله أي انتهاء عمره وانقطاع
عمله أراه بضم الهمزة أي قال الراوي أظنه قال وهذا الأمل أي هذا العود الأبعد هو طول أمله ومآل آماله فيتعاطى أي يتناول الإنسان الأمل بأن يباشره ويستعمله ويشتغل بما يأمله ويريد أن يحصله فلحقه الأجل أي فيلحقه الموت قبل أن يصله وعبر عن المضارع بالماضي مبالغة في تحقق حال وقوعه دون الأمل أي قبل أن يتم أمله ويكمل عمله قال الطيبي رحمه الله دون الأمل حال من الضمير المنصوب أي لحقه وهو متجاوز عما قصد من الأمل قال أمية يا نفس ما لك دون الله من واقي رواه أي البغوي في شرح السنة وعن أبي هريرة عن النبي قال عمر أمتي أي غالبا من ستين سنة إلى سبعين قيل معناه آخر عمر أمتي ابتداؤه إذا بلغ ستين سنة وانتهاؤه سبعون سنة وقل من يجوز سبعين وهذا محمول على الغالب بدليل شهادة الحال فإن منهم من لم يبلغ ستين ومنهم من يجوز سبعين ذكره الطيبي رحمه الله وفيه أن اعتبار الغلبة في جانب الزيادة على سبعين واضح جدا وأما كون الغالب في آخر عمر الأمة بلوغ ستين في غاية من الغرابة المخالفة لما هو ظاهر في المشاهدة فالظاهر أن المراد به أن عمر الأمة من سن المحمود الوسط المعتدل الذي مات فيه غالب الأمة ما بين العددين منهم سيد الأنبياء وأكابر الخلفاء كالصديق والفاروق والمرتضى وغيرهم من العلماء والأولياء مما يصعب فيه الاستقصاء ويعسر الاستحصاء رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين أي نهاية أكثر أعمار أمتي غالبا ما بينهما وأقلهم من يجوز ذلك أي السبعين فيصل إلى المائة وما فوقها وأكثر ما اطلعنا على طول العمر في


هذه الأمة من المعمرين في الصحابة والأئمة سن أنس بن مالك فإنه مات وله من العمر مائة وثلاث سنين وأسماء
بنت أبي بكر ماتت ولها مائة سنة ولم يقع لها سن ولم ينكر في عقلها شيء وأزيد منهما عمرا حسان بن ثابت مات وله مائة وعشرون سنة عاش منها ستين في الجاهلية وستين في الإسلام وأكثر منه عمرا سلمان الفارسي فقيل عاش مائتين وخمسين سنة وقيل ثلثمائة وخمسين سنة والأول أصح والله تعالى أعلم ثم من تاريخ موته يفهم أنه عاش في الإسلام قليلا لأنه ذكر المؤلف أنه مات بالمدائن سنة خمس وثلاثين وقد أدركنا سيدنا السيد زكريا وسمعنا منه أن عمره مائة وعشرون سنة رحمه الله تعالى رواه الترمذي وابن ماجه وكذا أبو يعلى في مسنده عن أنس قال ابن الربيع وصححه ابن حبان والحاكم وقال إنه صحيح على شرط مسلم وقال الترمذي حسن غريب وفي لفظ لأحمد والترمذي مرفوعا معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين انتهى لكن في الجامع أسنده إلى الحكيم الترمذي والله تعالى أعلم وذكر حديث عبد الله بن الشخير بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين وضبط فيما سبق بدون لام التعريف في باب عيادة المريض أي في أواخر الفصل الثاني وهو قال قال رسول الله مثل ابن آدم أي صور وإلى جنبه تسع وتسعون منية أي مهلكة إن أخطأته المنايا وقع في الهرم حتى يموت انتهى ولا شك أن مناسبته هنا أظهر من هناك فإن جملوه إليه فالحجة عليه وإن أسقط عن تكرار فقد يسلم لديه
الفصل الثالث
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي قال أول صلاح هذه الأمة اليقين أي في أمر العقبى والزهد أي في شأن الدنيا وأول فسادها البخل بضم فسكون وبفتحتين وهو الأنسب هنا لمشاكلة قوله والأمل فالأمل إنما هو الغفلة عن سرعة القيامة الصغرى والكبرى والبخل إنما ينشأ من حب الدنيا ويقرب من هذا الحديث معنى قول الحسن البصري صلاح الدين الورع وفساده الطمع قال الطيبي رحمه الله معناه أن اليقين


بأن الله هو الرزاق المتكفل للأرزاق وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فمن تيقن هذا زهد في الدنيا فلم يأمل ولم يبخل لأن البخيل إنما يمسك المال لطول الأمل وعدم اليقين روي عن الأصمعي أنه قال تلوت على أعرابي والذاريات فلما بلغت قوله وفي السماء رزقكم وما توعدون الذاريات قال حسبك وقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى فلقيته في الطواف قد نحل جسمه واصفر لونه فسلم علي واستقرأ السورة فلما بلغت الآية صاح وقال قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا قال وهل غير هذا فقرأت فورب السماء والأرض أنه لحق الذاريات فصاح وقال يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف فلم يصدقوه بقوله حتى ألجأه إلى اليمين قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه رواه البيهقي في شعب الإيمان وعن سفيان الثوري أي الكوفي إمام المسلمين وحجة الله على خلقه أجمعين جمع زمنه بين الفقه والاجتهاد فيه والحديث والزهد والعبادة والورع والعفة وإليه المنتهى في علم الحديث وغيره من العلوم أجمع الناس على دينه وزهده وورعه وثقته ولم يختلفوا في ذلك وهو أحد الأئمة المجتهدين وأحد أقطاب الإسلام وأركان الدين ولد في أيام سليمان بن عبد الملك سنة تسع وتسعين سمع خلقا كثيرا وروى عن معمر والأوزاعي وابن جريج ومالك وشعبة وابن عيينة وفضيل بن عياض وخلق كثير سواهم مات سنة إحدى وستين ومائة ذكره المؤلف قال ليس الزهد في الدنيا بلبس الغليظ أي في الغزل والخشن بفتح فكسر أي في النسج وأكل الجشب بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة أي ولا يأكل الغليظ الجشب من الطعام وقيل غير المأدوم إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل بكسر قاف ففتح صاد وفي نسخة بضم فسكون أي اقتصار الأمل والاستعداد للأجل بالمسارعة إلى التوبة والعلم والعمل وحاصلة أن الزهد الحقيقي هو ما يكون في الحال القلبي من عزوب النفس عن الدنيا وميلها إلى العقبى وليس المدار على الانتفاع القالبي


فإنه يستوي الأمران فيه باعتبار الحقيقة وإن كان التقشف في اللبس والتقلل في كمية الأكل وكيفيته له تأثير بليغ في استقامة العبد على الطريقة والحاصل أن حب الدنيا في القلب هو المهلك للهالك لا وجودها على قالب السالك وشبه القلب بالسفينة حيث أن الماء المشبه بالدنيا في قوله تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء يونس إن دخل داخل السفينة أغرقها مع أهلها وإن كان خارجها وحولها سيرها وأوصلها إلى محلها ولذا قال نعم المال الصالح للرجل الصالح وقد اختار جماعة من الصوفية وأكابر الملامية لبس العوام وبعضهم لبس أكابر الفخام تسترا


لأحوالهم ومنازلهم الكرام ويتعدى عما ينادي لبس المرقع من الشكاية من الحق إلى الخلق وإلى السؤال بلسان الحال ومن الطمع في غير المطمع ومن المظنة في موقع الرياء والسمعة وقد أخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي سعيد الخدري مرفوعا ليس البر في حسن اللباس والزي ولكن البر السكينة والوقار هذا والطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق والمدار على الإخلاص والخلاص عن العلائق والعوائق رواه في شرح السنة وعن زيد بن الحسين لم يذكره المؤلف في أسمائه لكونه من رواة مالك وهو وشيخه ليسا من الصحابة والتابعين قال سمعت مالكا وسئل أي والحال أنه سئل أي شيء الزهد في الدنيا قال طيب الكسب أي المكسوب من المأكول والمشروب بأن يكون حلالا طيبا يورث علما نافعا وعملا صالحا لأنه قال تعالى للرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا المؤمنون وقال يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون البقرة وقصر الأمل أي بكثرة العمل مخافة إتيان الأجل المزهد في الدنيا المرغب في العقبى قال الطيبي رحمه الله فإن قلت أي مدخل لطيب الكسب في الزهد قلت هذا رد على من زعم أن الزهد في مجرد ترك الدنيا ولبس الخشن وأكل الجشب أي ليس حقيقة الزهد ما زعمته بل حقيقته أن تأكل الحلال وتلبس الحلال وتقنع بالكفاف وتقصر الأمل ونحوه قوله الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا بأن لا تكون بما في يديك أوثق بما في أيدي الناس انتهى وتمامه على ما في الجامع برواية الترمذي وابن ماجه عن أبي ذر وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك وسيأتي هذا الحديث في أصل الكتاب من أواخر الباب ونظيره أنه قيل للإمام محمد صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى لم لم تصنف في التصوف فقال صنفته وألفته فقيل ما هو فقال كتاب البيع فمن لم يعرف صحته وفساده يأكل حراما ومن أكل حراما لا يصلح حاله أبدا رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب استحباب المال والعمر للطاعة
أي جواز طلب المال وطول العمر لصرفهما في الطاعة والعبادة
الفصل الأول
عن سعد أي ابن أبي وقاص قال قال رسول الله إن الله يحب العبد التقي أي من يتقي المناهي أو من لا يصرف ماله في الملاهي وقيل هو الذي يتقي المحرمات والشبهات ويتورع عن المشتهيات والمباحات الغني قال النووي رحمه الله المراد بالغنى غنى النفس وهذا هو الغنى المحبوب لقوله الغنى غنى النفس وأشار القاضي رحمه الله إلى أن المراد به غنى المال قلت وهذا هو المناسب لعنوان الباب وهو لا ينافي غنى النفس فإنه الأصل في الغنى والفرد الأكمل في المعنى ويترتب عليه غنى اليد الموجب لتحصيل الخيرات والمبرات في الدنيا ووصول الدرجات العاليات في العقبى والحاصل أن المراد به الغني الشاكر وقد يستدل به على أنه أفضل من الفقير الصابر لكن المعتمد خلافه لما سبق بيانه وتحقق برهانه الخفي بالخاء المعجمة أي الخامل المنقطع لعبادة ربه المشتغل بأمور نفسه أو الخفي الخير بأن يعمله ويصرف ماله في مرضاة ربه حيث لا يطلع عليه غيره الشامل للفقير أيضا كما ورد حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وهو الأظهر وروي بالمهملة أي المشفق وقال النووي رحمه الله معناه الواصل للرحم اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء والصحيح الأول وفيه حجة لمن يقول الاعتزال أفضل من الاختلاط ومن قال بتفضيل الاختلاط تأول هذا بالاعتزال في وقت الفتنة أقول أو


يحمل على اختلاط أرباب البطالة وقال ابن الملك أراد به الخفي عن أعين الناس في نوافله لئلا يدخله الرياء وقيل هو من لا يتكبر على الناس ولا يفتخر عليهم بالمال بل يجعل نفسه منكسرة من التواضع وقيل أراد به قليل التردد والخروج إلى نحو الأسواق رواه مسلم أي من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص ذكره الجزري وقال في الجامع رواه أحمد ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال الطيبي رحمه الله وفي بعض نسخ المصابيح الحق بعد قوله التقي النقي بالنون ولم يوجد في صحيح مسلم وشراحه ولا في الحميدي وجامع الأصول وذكر حديث ابن عمر لا حسد إلا في اثنين أي رجل آتاه الله القرآن ورجل آتاه الله مالا في باب فضائل القرآن صوابه في كتاب فضائل القرآن ثم لما كان الحديث مشتملا على المعنيين المناسبين للبابين باعتبار الرجلين والأول منهما متعلق بفضل القرآن خص به أولا مقررا وصار الثاني مستدركا مكررا
الفصل الثاني
عن أبي بكرة بالتاء أن رجلا قال يا رسول الله أي الناس أي أي أصنافهم خير أي أخير قال من طال عمره بضمتين على ما هو الأفصح الوارد في كلامه سبحانه وبضم فسكون على ما هو المشهور على السنة العامة تخفيفا وفتح العين وسكون الميم لغة فيه ومنه قوله تعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون الحجر وفي القاموس العمر بالفتح وبالضم وبضمتين الحياة وحسن عمله قال فأي الناس شر أي أشر قال من طال عمره وساء عمله قال الطيبي رحمه الله وقد سبق أن الأوقات والساعات كرأس المال للتاجر فينبغي أن يتجر فيما يربح فيه وكلما كان رأس ماله كثيرا كان الريح أكثر فمن مضى لطيبه فاز وأفلح ومن أضاع رأس


ماله لم يربح وخسر خسرانا مبينا انتهى وبقي صنفان مستويان ليس فيهما زيادة من الخير والشر وهما من قصر عمره وحسن عمله أو ساء عمله رواه أحمد والترمذي وفي نسخة وقال حسن صحيح والدارمي وكذا رواه الطبراني بإسناد صحيح والحاكم والبيهقي عنه وروى الطبراني وأبو نعيم في الحيلة عن عبد الله بن بسر مرفوعا طوبى لمن طال عمره وحسن عمله وروى الحاكم عن جابر مرفوعا خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا وعن عبيد بالتصغير بن خالد قال المؤلف في فضل الصحابة سلمي بهزي مهاجري سكن الكوفة روى عنه جماعة من الكوفيين أن النبي آخى أي عقد عقد الأخوة وبيعة الصحبة والمحبة بين رجلين أي من أصحابه فقتل أحدهما أي استشهد في سبيل الله أي في الجهاد ثم مات الآخر أي على فراشه بعده وفي نسخة بعد بضم الدال مبنيا والمعنى بعد قتل أخيه بجمعة أي بأسبوع أو نحوها أي قريبا منها تخمينا أقل أو أكثر وإنما أتى به احتياطا فصلوا أي المسلمون عليه أي على الآخر فقال النبي ما قلتم أي في حقه من الكلام وما للاستفهام قالوا دعونا الله أن يغفر له أي ذنوبه ويرحمه أي يتفضل عليه ويثيبه ويلحقه من الإلحاق أي يوصله بصاحبه أي في علو درجته لكي يكونا في منزلة واحدة من الجنة في العقبى كما كانا في مرتبة واحدة من المحبة في الدنيا فقال النبي فأين جواب شرط مقدر أي إذا كنتم تدعون الله بأن يلحقه بصاحبه زعما منكم أن مرتبته دون مرتبة أخيه فأين صلاته أي الزائدة للميت بعد صلاته أي الواقعة للشهيد وعمله بعد عمله تعميم بعد تخصيص أو التقدير وسائر عمله أي عمل الميت بعد انقطاع عمل الشهيد أو قال شك من الراوي صيامه بعد صيامه ولعله كان في رمضان أو المتخلف كان ممن يصوم النافلة كثيرا لما بينهما قال ابن الملك اللام فيه توطئة للقسم أو للابتداء قلت الثاني هو الصحيح لأن شرط الموطئة أن تكون مقرونة بأن الشرطية نحو قوله تعالى لئن أشركت الزمر الآية نعم يمكن أن تكون اللام في جواب القسم


المقدر أي والله لما بينهما والمعنى للتفاوت الذي بين الأخوين في القرب عند الله تعالى
أبعد مما بين السماء والأرض يعني مرتبة الميت أعلى فإلحاق الشهيد به أولى وذلك لأنه أيضا كان مرابطا في سبيل الله فله المشاركة في الشهادة حكما وطريقة وله الزيادة في الطاعة والعبادة شريعة وحقيقة وإلا فمن المعلوم أن لا عمل أزيد ثوابا على الشهادة جهادا في سبيل الله وإظهارا لدينه لا سيما في مبادىء الدعوة مع قلة أعوانه من أهل الملة وقال الطيبي رحمه الله فإن قلت كيف تفضل هذه الزيادة في العمل بلا شهادة على عمله معها قلت قد عرف أن عمل هذا بلا شهادة ساوى عمله مع شهادته بسبب مزيد إخلاصه وخشوعه ثم زاد عليه بما عمل بعده وكم من شهيد لا يدرك شيئا والصديق في العمل انتهى فتأمل فإنه ليس في الحديث اشعار بقلة إخلاص الشهيد فهذا الظن بالصحابة ليس بالسديد مع أنه لو كان هذا علة التفضيل لبينه في وجه التعليل ولا كلام سبحانه مرتبة الصديقين على الشهداء في مواضع من كتابه والله أعلم رواه أبو داود والنسائي رجال هذا الحديث رجال الصحيح إلا عبد الله بن ربيعة السلمي عن عبيد بن خالد قال النسائي إنه صحابي وعلى تقدير أن لا يكون صحابيا فهو تابعي ولم يذكره أحد بضعف وأما عبيد بن خالد وهو أبو عبد الله السلمي البهزي فله صحبة ونزيل الكوفة روى عنه عبد الله بن ربيعة وتميم بن سلمة وسعيد بن عبيدة نقله ميرك عن التصحيح وفي التقريب عبد الله بن ربيعة بن فرقد السلمي ذكر في الصحابة ونفاها أبو حاتم ووثقه ابن حبان انتهى وسيأتي زيادة كلام في هذا المرام وعن أبي كبشة الأنماري قال المؤلف هو عمرو بن سعيد نزل بالشام روى عنه سالم بن أبي الجعد ونعيم بن زياد أنه سمع رسول الله يقول ثلاث أي من الخصال أقسم أي أحلف عليهم وأحدثكم عطف على قوله ثلاث بحسب المعنى فكأنه قال أخبركم بثلاث أؤكدهن بالقسم عليهن وأحدثكم حديثا أي تحديثا عظيما أو بحديث آخر فأحفظوه أي الأخير


أو المجموع ومما يدل على ما اخترناه من التقدير المذكور والتحرير المسطور قوله فأما الذي أقسم عليهن أي الذي أخبركم بثلاث وأحلف عليهن هو هذا الذي أبينه فإنه أي الشأن ما نقص مال عبد أي بركته من صدقة أي من أجل إعطاء صدقة لأنها مخلوفة معوضة كمية أو كيفية في الدار الدنيوية والأخروية قال تعالى جل جلاله وما أنفقتم
من شيء فهو يخلفه ولا ظلم عبد بصيغة المجهول مظلمة بفتح الميم وكسر اللام اسم ما أخذه الظالم ظلما كذا ذكره ابن الملك وفي القاموس المظلمة بكسر اللام ما يظلمه الرجل والظاهر أنه هنا مصدر بمعنى المفعول صفته قوله صبر أي العبد عليها أي على تلك الظلمة ولو كان متضمنة لنوع من المذلة إلا زاده الله بها عزا أي عنده تعالى كما أنه يزيد للظالم عنده ذلا بها أو يزيده الله بها عزاله في الدنيا معاقبة كما يحصل للظالم ذل بها ولو بعد حين من المدة بل ربما ينقلب الأمر ويجعل الظالم تحت ذل المظلوم جزاء وفاقا ولا فتح عبد أي على نفسه باب مسألة أي باب سؤال وطلب من الناس لا لحاجة وضرورة بل لقصد غنى وزيادة إلا فتح الله عليه باب فقر أي باب احتياج آخر وهلم جرا أو بأن سلب عنه ما عنده من النعمة فيقع في نهاية من النقمة كما هو مشاهد في أصحاب التهمة ومثل حاله بالحمار الذي ليس له الذنب وهو دائر في الطلب فدخل في بستان حريصا عليه فقطع الحارس أذنيه وشبه أيضا بكلب في فمه عظم ومر على نهر لطيف يظهر من تحته عظم نظيف ففتح الكلب فمه حرصا على أخذ ما في قعر الماء فوقع ما في فمه من العظم في الماء فالحرص شؤم والحريص محروم هذا وقال الطيبي رحمه الله في قوله فأما الذي أقسم عليهن أفرده وذكره باعتبار كون المذكور موعودا أو جمع المرجع إلى الموصول باعتبار الخصال المذكورات وبه فسر قوله تعالى مثلهم كمثل الذي استوقد البقرة في وجه أي الجمع أو الفوج وفي المصابيح أما اللاتي أقسم عليهن وهو ظاهر وليس المراد تحقيق الحلف بل تأكيده تنويها فإن


المدعي يثبت بذكر القسم تارة وأخرى بلفظ القسم انتهى والأظهر أن يقال التقدير فأما قولي الذي أقسم فيه على الخصال الثلاث وأؤكده فإنه إلى آخره وأما الذي أحدثكم حديثا فاحفظوه فقال إنما الدنيا هو تفسير وبيان بل قال جملة معترضة للتأكيد والتقدير فإنما الدنيا ويؤيده أنه ليس في الجامع لفظ فقال بل فيه إنما الدنيا لأربعة نفر أي كل واحد عبارة عن جمع وصنف عبد بالجر ويرفع رزقه الله مالا وعلما فيه إيماء إلى أن العلم رزق أيضا وأن الله تعالى هو الذي يرزق العلم والمال وبتوفيقه وفتحه يفتح باب الكمال وقد ورد في حديث إن علما لا يقال به ككنز لا ينفق منه فيدخل العلماء ولو كانوا فقراء في قوله تعالى ومما رزقناهم ينفقون البقرة ثم فيه اشعار بأن المراد بالمال هنا ما يزيد على قدر ضرورة الحال فهو يتقي فيه أي في المال ربه بأن لا يصرف ماله في معصية خالقه ويصل رحمه أي بالمواساة إلى أقاربه ويعمل لله فيه أي في العلم بحقه أي قياما بحق العلم وما يقتضيه من العمل بحق الله وحق عباده ففيه لف ونشر مرتب ويؤيده لفظ الجامع ويعلم الله فيه حقا ويمكن رجوع كل من الضميرين إلى كل من المال والعلم وأفرده باعتبار ما ذكر وقال ابن الملك أي بحق المال والمعنى يؤدي ما في المال من الحقوق كالزكاة والكفارة والنفقة وإطعام الضيف ويجوز كون المضير لله أي بحق الله


الواجب في المال فهذا أي العبد الموصوف بما ذكر بأفضل المنازل أي في أكمل مراتب الشمائل في الدنيا أو في أعلى الدرجات في العقبى وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية أي ظاهره مطابق لما في الطوية يقول أي بلسان المقال أو بلسان الحال لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان أي من أهل الخير فاجرهما سواء وهو استئناف بيان أو حال وفي الجامع فهو بينة فاجرهما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يتخبط وفي الجامع يخبط بكسر الباء بدون فهو فهو حال أو استئناف بيان والمعنى يقوم وهو يقعد بالجمع والمنع في ماله أو يختلف في حاله باعتبار الإنفاق والإمساك في ماله بغير علم أي بغير استعمال علم بأن يمسك تارة حرصا وحبا للدنيا وينفق أخرى للسمعة والرياء والفخر والخيلاء لا يتقي فيه ربه أي لعدم علمه في أخذه وصرفه ولا يصل فيه رحمه أي لقلة رحمه وعدم حلمه وكثرة حرصه وبخله ولا يعمل فيه بحق أي بنوع من الحقوق المتعلقة بالله وبعباده ولفظ الجامع ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان أي من أهل الشر فهو نيته أي فهو مغلوب نيته ومحكوم طويته أو الحمل بطريق المبالغة فكأنه عين نيته كرجل عدل وفي نسخة فهو بنيته وكذا في الجامع أي مجزى بها ومعاقب عليها ولما كان الظاهر أن إثمه بمجرد نيته دون إثم العامل المشتمل عمله على النية والمباشرة أكد الوعيد وشدد التهديد بقوله ووزرهما سواء ولفظ الجامع فوزرهما سواء قال الطيبي رحمه الله فهو نيته مبتدأ أو خبر أي فهو سيىء النية يدل عليه وقعه في مقابلة قوله فهو صادق النية في القرينة الأولى وقوله لو أن مالا إلى آخره تفسير لقوله صادق النية وقوله فهو يقول لو أن لي مالا إلى آخره مقابل له قوله فاجرهما سواء وقوله ووزرهما سواء متقابلاتن قال ابن الملك هذا الحديث لا ينافي خبر إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها


ما لم تعمل به لأنه عمل هنا بالقول اللساني والمتجاوز عنه هو القول النفساني انتهى والمعتمد ما قاله العلماء المحققون إن هذا إذا لم يوطن نفسه ولم يستقر قلبه بفعلها فإن عزم واستقر يكتب معصية وإن لم يعمل ولم يتكلم وقد تقدم والله تعالى أعلم رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح قال المندري حديث أبي كبشة رواه أحمد والترمذي واللفظ له وقال حسن
صحيح وابن ماجه بمعناه ذكره ميرك وفي الجامع وكذا رواه أحمد في مسنده وروى ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن عبد الرحمان بن عوف صدر الحديث فقط ولفظه ثلاث أقسم عليهن ما نقص مال قط من صدقة فتصدقوا ولا عفا رجل عن مظلمة ظلمها إلا زاده الله تعالى جل جلاله لها عزا فاعفوا يزدكم الله عزا ولا فتح رجل باب مسألة يسأل الناس إلا فتح الله عليه باب فقر فهذا يدل على أن الحديث الأول مركب من حديثين جمعهما الراوي وجعلهما حديثا واحدا وما يدل عليه أن لفظ الجامع عن الأنماري ثلاث أقسم عليهن إلى قوله باب فقر ثم قال وأحدثكم حديثا فاحفظوه إنما الدنيا الخ فالتفسيرات المحتاجة إلى التأويلات إنما هي من تصرفات بعض الرواة والله تعالى أعلم وعن أنس أن النبي قال إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا أي في عاقبته استعمله أي جعله عاملا في الطاعة فإنه الفرد الأكمل عند إطلاق العمل فقيل وكيف يستعمله يا رسول الله أي والحال أنه دائم الاستعمال قال يوفقه لعمل صالح قبل الموت أي حتى يموت على التوبة والعبادة فيكون له حسن الخاتمة وزاد ذي الجامع ثم يقبضه عليه رواه الترمذي أي وقال صحيح الإسناد نقله ميرك عن التصحيح ورواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما ذكره المنذري وفي الجامع رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم ورواه الطبراني عن أبي أمامة ولفظه إذا أراد الله بعبد خيرا طهره قبل موته قالوا وما طهر العبد قال عمل صالح يلهمه إياه حتى يقبضه عليه ورواه أحمد والطبراني عن أبي عتبة ولفظه إذا أراد الله بعبد خيرا عسله بفتح


العين والسين المهملة قالوا وما عسله بالضبط المذكور على الحكاية قال يفتح له عملا صالحا قبل موته ثم يقبضه عليه ورواه أحمد والحاكم عن عمرو بن الحمق بفتح فكسر ولفظه إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قيل وما استعمله قال يفتح له عملا صالحا بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله هذا ورواه أحمد وابن حبان عن أبي سعيد مرفوعا إن الله إذا رضي عن العبد أثنى عليه بسبعة أصناف من الخير لم يعمله وإذا سخط على العبد أثنى عليه بسبعة أصناف من الشر لم يعمله انتهى وكان العمل في الموضعين مبني على نيته أو محمول على أخذ عبادة ظالم المظلوم ووضع مظلمة من مظلوم على ظالم والله تعالى أعلم


وعن شداد بتشديد الدال الأولى ابن أوس بفتح فسكون قال المؤلف يكنى أبا يعلى الأنصاري قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء كان شداد ممن أوتي العلم والحلم قال قال رسول الله الكيس بفتح الكاف وتشديد الياء أي العاقل الحازم المحتاط في الأمور من دان نفسه أي جعلها دنية مطيعة لأمره تعالى منقادة لحكمه وقضائه وقدره وفي النهاية أي أذلها واستعبدها وقيل حاسبها وذكر النووي أنه قال الترمذي وغيره من العلماء معنى دان نفسه حاسبها انتهى أي حاسب أعمالها وأحوالها وأقوالها في الدنيا فإن كانت خيرا حمد الله تعالى وإن كانت شرا تاب منها واستدرك ما فاتها قبل أن يحاسب في العقبى كما روي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وقد قال تعالى ولتنظر نفس ما قدمت لغد الحشر وعمل أي عملا نافعا لما بعد الموت والعاجز أي عن استعمال العقل والاحتياط في الأمر والحاصل أن الكيس هو المؤمن القوي والعاجز هو المؤمن الضعيف وهو من أتبع نفسه هواها من الاتباع أي جعلها تابعة لهواها من تحصيل المشتهيات واستعمال اللذات والشبهات بل من ارتكاب المحرمات وترك الواجبات وتمنى على الله قائلا ربي كريم رحيم وقد قال تعالى جل شأنه ما غرك بربك الكريم الإنفطار وقال نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم الحجر وقال إن رحمت الله قريب من المحسنين الأعراف وقال إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله البقرة وقد عبر عن الرجاء مع غير الطاعة بلفظ التمني إشارة إلى أن وقوعه قريب من المحال وإن كان يمكن صدوره من الملك المتعال على طريق الإفضال قال الطيبي رحمه الله والعاجز الذي غلبت عليه نفسه وعمل ما أمرته به نفسه فصار عاجزا لنفسه فاتبع نفسه هواها وأعطاها ما اشتهته قوبل الكيس بالعاجز والمقابل الحقيقي للكيس السفيه الرأي وللعاجز القادر ليؤذن بأن الكيس هو القادر والعاجز هو السفيه وتمنى على الله أي يذنب ويتمنى الجنة من غير


الاستغفار والتوبة رواه الترمذي وابن ماجه وكذا أحمد والحاكم

الفصل الثالث
عن رجل سيأتي اسمه من أصحاب النبي قال كنا في مجلس فطلع علينا رسول الله أي فظهر لنا كطلعة الشمس وعلى رأسه أثر ماء أي من الغسل فقلنا يا رسول الله نراك طيب النفس أي ظاهر البشر والسرور ومنشرح الخاطر على ما يتلألأ منك من النور قال أجل بفتحتين وسكون اللام المخففة أي نعم قال أي الرجل الراوي ثم خاض القوم أي شرعوا وبالغوا في ذكر الغنى أي في سؤاله أو ذم حاله وسوء مآله فقال رسول الله لا بأس بالغنى لمن اتقى الله عز وجل أشار بقوله لا بأس أن الفقر أفضل لمن اتقى الله والصحة أي صحة البدن ولو مع الفقر لمن اتقى خير من الغنى أي مطلقا أو المعنى وصحة الحال لمن اتقى المال خير من الغنى الموجب للحساب والعقاب في المآل وطيب النفس أي انشراح الصدر المقتضي للشكر والصبر المستوي عنده الغنى والفقر من النعيم أي من جملة النعيم الذي يعبر عنه بجنة نعيم على ما قاله بعض العارفين في قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمان جنة في الدنيا وجنة في العقبى وقيل من النعيم المسؤول عنه المذكور في قوله تعالى ثم لتسألن يومئذ عن النعيم التكاثر وهو لا ينافي ما ذكرناه فإنه الفرد الأكمل من جنس النعيم الذي لا ينبغي أن يقال لغيره بالنسبة إليه إنه النعيم فإن ما عداه قد يعد كونه من الماء الحميم أو من عذاب الجحيم رواه أحمد وكذا ابن ماجه والحاكم عن يسار بن عبد على ما في الجامع فتبين إبهام الرجل مع أن جهالة الصحابي لا تضر فإن الصحابة كلهم عدول وعن سفيان الثوري قال كان المال فيما مضى يكره أي عند أرباب الحال فأما اليوم أي في هذا الزمان فهو ترس المؤمن أي جنته من جنته وجنته بلاء منه


وحاصله أن المال الحلال يقي صاحب الحال من الوقوع في الشبهة والحرام ويمنعه من ملازمة الظلمة ومصاحبتهم في الظلام أو يتستر به المؤمن عن الرياء والسمعة والشهرة عند العوام وقال لولا هذه الدنانير أي وجودها عندنا وظهور استغنائنا بها عند الخلق لتمندل بنا هؤلاء الملوك أي لجعلونا مناديل أوساخهم وهي كناية عن الابتذال والمذلة للظلمة أو عن موافقتهم في تصويرات إساءة حيل المسألة قيل هو مأخوذ من الندل وهو الوسخ قيل لبعضهم إن المال يدنيك من الدنيا فقال لئن أدناني من الدنيا لقد صانني عنها وقيل لأن أترك مالا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس يعني احتياجي إلى الله خير من احتياجي إلى ما سواه وقد أخرج الطبراني في الأوسط عن المقدام بن معدي كرب مرفوعا به يأتي على الناس زمان من لم يكن معه أصفر ولا أبيض لم يتهن بالعيش وهو عند الإمام أحمد بلفظ يأتي على الناس زمان لا ينفع فيه إلا الدرهم والدينار هذا وقد قيل الدراهم للجراحات مراهم وقال أي الثوري من كان في يده من هذه أي الدنانير والأموال شيء أي قليل على قدر الكفاية فليصلحه أي ليصرفه على وجه القناعة أو لا يتلفه بل يستزده بنوع من التجارة فإنه أي زماننا زمان أي عجيب من وصفه إن احتاج أي الشخص فيه كان أول من يبذل دينه أي لتحصيل دنياه وأول منصوب وقيل مرفوع قال الطيبي رحمه الله أي كان ذلك الشخص أول شخص يبذل دينه فيما يحتاج إليه هو ولو حمل من على ما كما نقل المالكي عن قطرب لكان أبين ويؤيده رواية الكشاف كان أول ما يأكل دينه فما موصوفة وأول اسم كان ودينه خبره قلت ويمكن عكسه بل هو الأظهر فتدبر وقال أي الثوري الحلال أي لأنه قليل الوجود في المال لا يحتمل السرف أي صرفه بالإكثار قال الطيبي رحمه الله يحتمل معنيين أحدهما أن الحلال لا يكون كثيرا فلا يحتمل الإسراف وثانيهما أن الحلال لا ينبغي أن يسرف فيه ثم يحتاج إلى الغير انتهى وفي كل منهما نظر إذ معنى الإسراف


هو التجاوز عن الحد بأن يصرفه في غير محله زيادة على قدره وهو يحتمل في القليل والكثير ويشمل المال الحلال والحرام فالأوجه أن يقال إن الحلال من خاصيته أنه لا يقع في الإسراف كصرفه في الماء والطين بلا ضرورة وكزيادة إعطاء الأطعمة على طريق الرياء والسمعة ولذا قيل لا سرف في خير ولا خير في سرف وفيه تنبيه أنه ينبغي للطالب أن يجتهد في تحصيل الحلال ولو كان القليل من المال وأن يقنع به ولا يصرفه على طريق الإسراف لئلا يحوج نفسه إلى الأكابر والأشراف رواه في شرح السنة وعن ابن عباس قال قال رسول الله ينادي مناد يوم القيامة


أين أبناء الستين أي أصحابها ممن وصل عمره إليها وهو العمر الذي قال الله تعالى أي في حقه أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر قال الطيبي رحمه الله ما موصوفة أي عمرناكم عمرا يتعظ فيه العاقل الذي من شأنه أن يتعظ وجاءكم النذير أي المنذر أو الانذار وهو الشيب أو القرآن أو الرسول أو الموت أو جنس المنذر فيشمل الكل والجملة خالية رواه البيهقي في شعب الإيمان وقد سبق ما يتعلق به رواية ودراية وعن عبد الله بن شداد تابعي جليل كما سيجيء بيانه ولم يذكره المؤلف في أسمائه قال إن نفرا من بني عذرة بضم فسكون قبيلة مشهورة ثلاثة بالنصب بدلا أو بيانا من نفرا أتوا النبي أي جاؤوهطط فأسلموا أي وأرادوا الإقامة بنية المجاهدة وهم من أهل الفقر والفاقة قال رسول الله استئناف بيان من يكفينيهم أي مؤونتهم من طعامهم وشرابهم ونحو ذلك قال الطيبي رحمه الله هم ثاني مفعولي يكفي على تقدير مضاف قال طلحة أنا أي أكفيكهم فكانوا أي الثلاثة أو النفر عنده أي عند أبي طلحة فبعث النبي بعثا أي أرسل سرية فالبعث بمعنى المبعوث فخرج فيه أي في ذلك البعث أحدهم فاستشهد بصيغة المجهول أي صار شهيدا ثم بعث بعثا فخرج فيه الآخر فاستشهد ثم مات الثالث على فراشه أي مرابطا ناويا للجهاد قال أي ابن شداد قال طلحة فرأيت أي في المنام أو في كشف المقام هؤلاء الثلاثة في الجنة ورأيت الميت على فراشه أي الكائن عليه أمامهم بفتح الهمزة أي قدامهم قال الطيبي رحمه الله الظاهر أن يقال أمامهما إلا أن يقال المراد المقدم من بينهم أو يذهب إلى أن أقل الجمع اثنان والذي عطف على الميت وفي نسخة فالذي استشهد آخرا يليه أي يقرب الميت وأولهم بالنصب وقيل برفعه يليه أي يلي المستشهد آخرا فدخلني أي شيء أو إشكال من ذلك


أي مما رأيته من التقديم والتأخير على خلاف ما كان يخطر في الضمير والفاعل محذوف على مذهب ابن مالك فذكرت للنبي ذلك الفاء فصيحة أي فجئت رسول الله وذكرت له ذلك مستغربا ومستنكرا فقال وما أنكرت أي وأي شيء أنكرته من ذلك والمعنى لا تنكر شيئا منه فإنه ليس أحد أفضل عند الله فالاستئناف مبين متضمن للعلة أي ليس أحد أكثر ثوابا عنده سبحانه من مؤمن يعمر بتشديد الميم المفتوحة أي يطول عمره في الإسلام لتسبيحه أي لأجل تسبيحه وتكبيره وتهليله أي ونحو ذلك من سائر عباداته القولية والفعلية ولفظ الجامع رواية عن أحمد لتكبيره وتحميده وتسبيحه وتهليله قال ميرك حديث عبد الله بن شداد رواه أحمد وأبو يعلى ورواتهما رواة الصحيح وفي أوله عند أحمد إرسال لكن وصله أبو يعلى بذكر طلحة فيه كذا قاله المنذري في الترغيب وكأنه يشير إلى أن عبد الله بن شداد ليست له صحبة وإن ولد على عهد النبي كما ذكره العجلي أنه من كبار التابعين الثقات وكان معدودا في الفقهاء ولم يصرح في هذا الحديث عند أحمد بالسماع بل قال إن نفرا الخ وصرح أبو يعلى بأنه رواه عن طلحة ومما ناسب حديث عبد الله بن شداد هذا وحديث عبيد بن خالد الذي سبق في الفصل الثاني ما رواه أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة قال كان رجلان من بني قضاعة أسلما مع رسول الله فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة قال طلحة بن عبيد الله فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد فتعجبت لذلك فأصبحت فذكرت ذلك للنبي فقال رسول الله أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف ركعة وكذا وكذا ركعة صلاة سنة ورواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي كلهم عن طلحة بنحوه أطول منه وزاد ابن ماجه في آخره فلما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض وعن محمد بن أبي عميرة بفتح العين وكسر الميم قال المؤلف مزني يعد في الشاميين روى عنه جبير بن نفير وكان من أصحاب رسول الله قال إن عبدا لوخر بفتح الخاء المعجة وتشديد الراء أي سقط على وجهه


من يوم ولد بفتح الميم على البناء وقيل بجرها منونا إلى أن يموت هرما بفتحتين أي ذا هرم وفي نسخة بكسر الراء أي شيخا كبيرا في طاعة الله لحقره بتشديد القاف أي بعده قليلا لما يرى من ثواب العمل في ذلك اليوم ولود أي لأحب وتمنى أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد أي ليزيد من الأجر والثواب أي من أجر العمل بمقتضى الوعد والعدل وزيادة المثوبة على طريق الفضل رواهما أي الحديثين أحمد أي في مسنده لكن الثاني رواه موقوفا والأول رواه مرسلا كما تقدم والله تعالى أعلم وروى أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني عن عتبة بن عبد الله مرفوعا لو أن رجلا يخر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله لحقره يوم القيامة


باب التوكل والصبر
قال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق إن الله يحب المتوكلين (آل عمران) وقال واصبر وما صبرك إلا بالله النحل إن الله مع الصابرين البقرة الأنفال جمع بينهما لتلازمهما ودم انفكاكهما وقدم التوكل لأنه منتج الصبر وبه يحلو المرء وينكشف الضر فإن النصر مع الصبر ومن توكل على الله كفاه وقال بعضهم التوكل على أحد هو أن يتخذه بمنزلة الوكيل القائم بأمره المتكفل بإصلاح حاله على قدره وقال ابن الملك المراد بالتوكل هو أن يتيقن أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله عليه من النفع والضر انتهى والصبر على مراتب من حبس النفس عن المناهي وعن المشتهيات والملاهي وعلى تحمل المشقات في أداء العبادات وعلى تجرع المرارات عند حصول المصيبات ووصول البليات هذا وفي النهاية يقال توكل بالأمر إذا ضمن القيام به ووكلت أمري إلى فلان أي ألجأت إليه واعتمدت فيه عليه ووكل فلان فلانا إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته أو عجزا عن القيام بأمر نفسه والوكيل هو القيم الكفيل بأرزاق العباد وحقيقته أنه مستقل بأمر الموكول إليه وقال الراغب الصبر الإمساك في ضيق يقال صبرت الدابة حبستها بلا علف والصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه فالصبر لفظ عام وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبرا لا غير ويضاده الجزع وإن كان في محاربة سمي شجاعة ويضاده الجبن وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده الضجر وإن كان


في إمساك الكلام سمي كتمانا وضده الإفشاء وزاد في عين العلم وفي فضول العيش زهد وضده الحرص وفي اليسير من الدنيا قناعة وضده الشره انتهى والتوكل بلسان العارفين على ما قال السري السقطي هو الانخلاع من الحول والقوة بلا نزاع وقال ابن مسروق التوكل هو الاستسلام لجريان القضاء في الأحكام وقال الجنيدي رحمه الله التوكل أن يكون لله كما لم يكن فيكون الله له كما لم يزل ثم قيل الصبر على ثلاثة أنواع صبر العوام وهو حبس النفس على ما يكره وصبر الخواص وهو تجرع المرارة من غير تعبس وصبر خواص الخواص وهو التلذذ بالبلاء وبه يصل إلى مرتبة الشكر وغاية الرضا بالقضاء وقد ورد أعبد الله على الرضا فإن لم تستطع فالصبر على ما تكره خير كثير وقال تعالى فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثير اه

الفصل الأول
عن ابن عباس قال قال رسول الله يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب أي مستقلا من غير ملاحظة أتباعهم فلا ينافي ما ورد من أن مع كل واحد منهم سبعون ألفا هم الذين لا يسترقون أي لا يطلبون الرقية مطلقا أو بغير الكلمات القرآنية والأسماء الصمدانية ولا يتطيرون أي ولا يتشاءمون بنحو الطير ولا يأخذون من الحيوانات والكلمات المسموعات علامة الشر والخير بل يقولون كما ورد اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك اللهم ولا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت وعلى ربهم يتوكلون أي في جميع ما يفعلون ويتركون قال الطيبي رحمه الله الجمع بين جملتي لا يسترقون ولا يتطيرون من الثنائي الذي يراد به الاستيعاب لقولهم لا ينفع زيد ولا عمرو على معنى لا ينفع إنسان ما قال صاحب النهاية هذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا وعوائقها الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم وأما العوام فرخص لهم في التداوي والمعالجات ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج


من الله سبحانه بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء ومن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء ألا ترى أن الصديق لما تصدق بجميع ماله لم ينكر عليه علما منه بيقينه وصبره ولما أتاه الرجل بمثل بيضة الحمام من الذهب وقال لا أملك غيره فضربه بحيث لو أصابه عقره وقال فيه ما قال قلت الظاهر أن سبب غضبه لم يكن إتيانه بجميع ماله بل إفشاء سره وإظهار حاله بقوله لا أملك غيره مع الإيماء إلى توهم السمعة والرياء والله تعالى أعلم وفي شرح مسلم للنووي رحمه الله تعالى قال المازري احتج بعضهم به على أن التداوي مكروه ومعظم العلماء على خلاف ذلك واحتجوا بالأحاديث الواردة في منافع الأودية وبأنه تداوي وبأخبار عائشة رضي الله تعالى عنها عن كثرة تداويه وبما علم من الاستشفاء برقياه فإذا ثبت هذا حمل الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطبعها ولا يفوضون الأمر إلى الله تعالى قلت لا يصح حمل الحديث المذكور على القول المسطور فإنه صريح في أنهم من كمل الأولياء وخلص الأصفياء فالصواب ما ذكره صاحب النهاية من أن الأولى في حق أهل الهداية إنما هو عدم تعاطي الأسباب غير العادية وإن كان جاز هذا للعوام وباب البداية ويحمل فعله في المعالجة بالأدوية على اختيار الرخصة رعاية لعامة الأمة أو على مرتبة جمع الجمع المشهور عند الصوفية من أن مشاهدة الأسباب وملاحظة صنائع رب الأرباب هو الأكمل والأفضل عند الكمل فتدبر وتأمل ولعل الحديث مقتبس من أحد معنيين في قوله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر والله تعالى أعلم بالصواب متفق عليه وعنه أي عن ابن عباس قال خرج رسول الله يوما فقال عرضت علي أي أظهرت لدي الأمم أي مع أنبيائهم فجعل يمر النبي التعريف فيه للجنس وهو ما يعرفه كل أحد أنه ما هو فهو بمنزلة النكرات ذكره الطيبي رحمه الله فالمعنى أنه يمر نبي منهم عند العرض علي ومعه الرجل أي الواحد من أتباعه ليس له تابع غيره والنبي ومعه


الرهط وليس معه أحد أي لا من الرجال ولا من النساء والمراد من النبي هنا الرسول عليه الصلاة والسلام المأمور بالتبليغ وقيد الرجولية واقعية غالبية أو قضية مثالية والمراد الواحدة والتثنية والجمعية فرأيت أي من أمامي سوادا كثيرا أي جمعا عظيما وفوجا جسيما سد الأفق أي ستر طرف السماء بكثرته
فرجوت أن يكون أي السواد الكثير أمتي فقيل هذا موسى في قومه أي ممن آمن به ولم يتغير عن دينه ثم قيل لي انظر فكأنه أطرق حينئذ وأعرض عن موضع العرض حياء فقيل له انظر ترى رجالا فرأيت أي من قدامي سوادا كثيرا سد الأفق أي فقنعت بذلك وشكرت لما هنالك فقيل لي أي بل لك الزيادة على ما ذكرت من الاستفادة انظر هكذا وهكذا أي اليمين والشمال فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل أي لي هؤلاء أي مجموع ما بين يديك وطرفيك أمتك ومع هؤلاء أي من جملتهم أو زيادة عليهم سبعون ألفا قدامهم وفيه منقبة عظيمة لهم كما في قوله يدخلون الجنة بغير حساب قال النووي رحمه الله يحتمل هذا أن يكون معناه وسبعون ألفا من أمتك غير هؤلاء وأن يكون معناه في جملتهم سبعون ألفا ويؤيد هذا رواية البخاري هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفا هم استئناف بيان أي السبعون هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون أي إلا عند الضرورة لما وقع الكي من بعض الصحابة منهم سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة أو مطلقا استسلاما للقضاء وتلذذا بالبلاء مع علمهم بأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله ولا تأثير يحسب الحقيقة لما سواه فهم في مرتبة الشهود خارجون عن دائرة الوجود قانون عن حظوظ أنفسهم باقون بحق الله في حراسة أنفاسهم كما قال وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بضم العين وتشديد الكاف وتخفف على ما في القاموس والمغنى ابن محصن بكسر ميم وفتح صاد قال المؤلف أسدي شهد بدرا وما بعدها وانكسر سيفه يوم بدر فأعطاه النبي عرجونا أي عودا فصار في يده سيفا وكان من فضلاء الصحابة مات في خلافة الصديق وله


خمس وأربعون سنة روى عنه أبو هريرة وابن عباس وأخته أم قيس فقال ادع الله أن يجعلني منهم ما أحسن هذا السؤال المشير إلى أنه من أصحاب الكمال بل من أرباب الوصال حيث علم أنه لم يصل إلى هذا المقال والحال إلا بوسيلة دعائه من ذي الجلال والجمال قال اللهم اجعله منهم ثم قام رجل آخر فقال ادع الله أن يجعلني منهم والظاهر أن الأول كان ناويا قاصدا للقيام بأفعالهم بل متصفا بأحوالهم وإن الثاني طلبه على وجه التمني من غير التعني وطريق التقليد في التحلي من غير قصد التجلي قال سبقك بها أي بهذه الدعوة أو هذه المسألة عكاشة وقد استجيب له والمعبر فيها هي الأولية كما ورد إن الصبر عند


الصدمة الأولى ولعل وجه الامتناع من الدعاء أن لا ينفتح هذا الباب المتفرع عليه الاكتفاء قال ابن الملك لأنه لم يؤذن له في ذلك المجلس بالدعاء إلا لواحد وفيه حث على المسارعة إلى الخيرات وطلب دعاء الصالحين لأن في التأخير آفات وقيل كان الرجل منافقا فأجابه بكلام محتمل ولم يصرح بأنك لست منهم لحسن خلقه انتهى وقيل قد يكون سبق عكاشة بوحي ولم يحصل ذلك للآخر وقال القاضي عياض قيل إن ا لرجل الثاني لم يكن ممن يستحق تلك المنزلة ولا كان بصفة أهلها بخلاف عكاشة وفي شرح الطيبي رحمه الله قال الشيخ وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه قال في كتابه في الأسماء المبهمة أنه يقال إن هذا الرجل هو سعد بن عبادة فإن صح هذا بطل قول من زعم أنه منافق متفق عليه وعن صهيب بالتصغير قال المؤلف هو ابن سنان مولى عبد الله بن جدعان التيمي يكنى أبا بحيى كانت منازلهم بأرض الموصل فيما بين دجلة والفرات فأغارت الروم على تلك الناحية فسبته وهو غلام صغير فنشأ بالروم فابتاعته منهم كلب ثم قدمت به مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان فأعتقه فأقام معه إلى أن هلك وأسلم قديما بمكة وكان من المستضعفين المعذبين في الله بمكة ثم هاجر إلى المدينة وفيه نزل ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله البقرة روى عنه جماعة مات سنة ثمانين وهو ابن تسعين سنة ودفن بالبقيع قال قال رسول الله عجبا أي عجبت عجبا لأمر المؤمن أي لشأنه وماله في كل حاله إن أمره كله بالنصب ويجوز رفعه كما قرىء بالوجهين في قوله تعالى قل إن الأمر كله لله آل عمران أي جميع أموره له خير أي خير له في المآل وإن كان بعضه شرا صوريا في الحال وقدم الظرف اهتماما وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن قال الطيبي رحمه الله مظهر وقع موقع المضمر ليشعر بالعلية انتهى وفيه أن الإظهار والإضمار مستويان في الإشعار بالعلية ولعل النكتة هي إظهار الإشعار على وجه التصريح فإنه آكد من طريق التلويح ثم بينه على وجه التوضيح بقوله إن


أصابته سراء أي نعماء وسعة عيش ورخاء وتوفيق طاعة من أداء وقضاء شكر فكان أي شكره خيرا له وإن أصابته ضراء أي فقر ومرض ومحنة وبلية صبر فكان أي صبره خيرا له وبهذا تبين قول بعض العارفين أنه لا يقال على الإطلاق إن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر بل حالة
التفويض والتسليم أولى والقيام بمقتضى الوقت أعلى بحسب اختلاف الأحوال وتفاوت الرجال قال تعالى جل جلاله والله يعلم وأنتم لا تعلمون البقرة وقال تعالى إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا الإسراء وفي الحديث القدسي إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لفسد حاله وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لضاع حاله ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه الفقر والغنى مطيتان لا أبالي أيتهما أركب وعلى هذا الاختلاف الواقع بين القوم في طلب طول العمر لطاعة الله أو طلب الموت لخوف الفتنة أو للإشتياق إلى لقاء الله تعالى ثم المعتمد التفويض والتسليم كما أشار إليه في دعائه اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر ثم وجه حصر الخير في كل حال للمؤمن الكامل لأن غيره إن أصابته سراء شبع وبطر وإن أصابته ضراء جزع وكفر بخلاف حال المؤمن فإنه كما قال بعض أرباب الكمال إذا كان شكر نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتسع العمر إذا مس بالنعماء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبه الأجر رواه مسلم وكذا الإمام أحمد وروى أحمد وابن حبان عن أنس مرفوعا عجبت للمؤمن أن الله تعالى لم يقض له قضاء إلا كان خيرا له وروى الطيالسي والبيهقي في شعب الإيمان عن سعد مرفوعا عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر وإذا أصابه خير حمد الله وشكر إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله


المؤمن القوي أي القادر على تكثير الطاعة خير وأحب إلى الله عطف تفسير من المؤمن الضعيف أي العاجز عنه وفي كل خير أي أصل الخير موجود في كل منهما قيل المراد بالمؤمن القوي الصابر على مخالطة الناس وتحمل أذيتهم وتعليمهم الخير وإرشادهم إلى الهدى ويؤيده ما رواه أحمد وغيره عن ابن عمر
مرفوعا المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم وقيل أراد بالمؤمن القوي الذي قوي في إيمانه وصلب في إيقانه بحيث لا يرى الأسباب ووثق بمسبب الأسباب والمؤمن الضعيف بخلافه وهو في أدنى مراتب الإيمان وقال النووي رحمه الله القوة هنا يراد بها عزيمة النفس في أمور الآخرة فيكون صاحب هذا أكثر إقداما على الغزو والجهاد وأسرع خروجا وذهابا في طلبه وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك وقوله في كل خير معناه في كل من القوي والضعيف خير لإشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات احرص بكسر الراء ومنه قوله تعالى إن تحرص على هداهم النحل وفي نسخة بفتحها ففي القاموس حرص كضرب وسمع والمعنى كن حريصا على ما ينفعك أي من أمور الديم واستعن بالله أي على فعلك فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا تعجز بكسر الجيم ومنه قوله تعالى جل جلاله أعجزت المائدة وفي نسخة بالفتح ففي القاموس عجز كضرب وسمع أي ولا تعجز عن الحرص والإستعانة فإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يعطيك قوة على طاعته إذا استقمت على استعانته وقيل معناه لا تعجز عن العمل بما أمرت ولا تتركه مقتصرا على الإستعانة به فإن كمال الإيمان أن يجمع بينهما قال الطيبي رحمه الله يمكن أن يذهب إلى اللف والنشر فيكون قوله احرص على ما ينفعك ولا تترك الجهد بيان للقوي ولا تعجز بيان للضعيف وإن أصابك شيء أي من أمر دينك أو دنياك فلا تقل لو أني فعلت أي كذا وكذا كان أي لصار كذا وكذا فإن هذا القول غير سديد ومع هذا


غير مفيد فإنه قال تعالى جل شأنه قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا التوبة وقال ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وقد قال عز وجل لكيلا تأسوا على ما فاتكم الحديد ولكن قل أي بلسان القال أو لسان الحال قدر الله بتشديد الدال أي قل قدر الله ويجوز تخفيفها أي قل قدر الله كذا وكذا أي وقع ذلك بمقتضى قضائه وعلى وفق قدره وما شاء أي الله فعله فعل فإنه فعال لما يريد ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه فإن لو أي كلمة الشرط أو أن تفتح عمل الشيطان قال الشاطبي رحمه الله ولم ولو وليت تورث القلب انفلاقا قال بعض شراح المصابيح أي أن قول الواو واعتقاد معناها يفضي بالعبد إلى التكذيب بالقدر أو عدم الرضا بصنع الله لأن القدر إذا ظهر بما يكره العبد قال لو فعلت كذا لم يكن كذا وقد قدر في علم الله أنه لا يفعل إلا الذي فعل ولا يكون إلا الذي كان وقد أشار بقوله قبل ذلك ولكن قدر الله


وما شاء فعل ولم يرد كراهة التلفظ بلو في جميع الأحوال وسائر الصور وإنما عني الإتيان بها في صيغة تكون فيها منازعة فعل ولم يرد كراهة التلفظ بلو في جميع الأحوال وسائر الصور وإنما عني الإتيان بها في صيغة تتكون فيها منازعة القدر والتأسف على ما فاته من أمور الدنيا وإلا فقد ورد في القرآن مثل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل آل عمران وفي الحديث لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لأنه لم يرد به منازعة القدر وقال القاضي رحمه الله قوله فإن لو تفتح أي لو كان الأمر لي وكنت مستبدا بالفعل والترك كان كذا وكذا وفيه تأسف على الفائت ومنازعة للقدر وإيهام بأن ما كان يفعله باستبداده ومقتضى رأيه خير مما ساقه القدر إليه من حيث أن لو تدل على انتفاء الشيء لإنتفاء غيره فيما مضى ولذلك استكرهه وجعله مما يفتح عمل الشيطان وقوله في حديث فسخ الحج إلى العمرة ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ليس من هذا القبيل وإنما هو كلام قصد به تطييب قلوبهم وتحريضهم على التحلل بأعمال العمرة وفي شرح مسلم للنووي رحمه الله وقال القاضي عياض رحمه الله هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقدا ذلك حتما وأما قول أبي بكر رضي الله عنه لو أن أحدهم رفع رأس لرآنا فهذا لا حجة فيه لأنه إنما أخبر عن مستقبل وكذا قوله لو كنت راجما بغير بينة لرجمت هذا وشبه ذلك لا اعتراض فيه على قدر فلا كراهة فيه لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع وعما هو في قدرته وأما الماضي فليس في قدرته وأما معنى قوله فإن لو تفتح عمل الشيطان أنه يلقى في القلب معارضة القدر ويوسوس به الشيطان قال الشيخ رحمه الله تعالى وقد جاء استعمال لو في الماضي كقوله لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى فالظاهر إنما ورد فيما لا فائدة فيه فيكون نهي تنزيه لا تحريم وأما من قاله متأسفا على ما فات من طاعة الله تعالى أو هو معتذر من ذلك فلا بأس به وعليه يحمل أكثر


استعمال لو الموجودة في الأحاديث أقول بل التأسف على فوت طاعة الله مما يثاب فينبغي أن يعد من باب الإستحباب فقد روى الرازي في مشيخته عن أبي عمرو من أسف على دنيا فاتته اقترب من النار مسيرة ألف سنة ومن أسف على آخرة فاتته اقترب من الجنة مسيرة ألف سنة ذكره السيوطي في الجامع رواه مسلم ولفظ الجزري في الحصن ومن وقع له ما لا يختاره فلا يقل لو أني فعلت كذا وكذا أي لكان كذا وكذا ولو للتمني ولكن ليقل بقدر الله وما شاى فعل رواه مسلم والنسائي وابن ماجه وابن السني لكن لفظ النسائي وابن السني قدر الله موضع بقدر الله وقد ضبط بصيغة الفعل مخففا ومشددا وبصيغة المصدر بالرفع مضافا وأيضا لفظهما صنع بدل فعل والله تعالى أعلم وروى أبو داود والنسائي وابن السني عن عوف بن مالك الأشجعي مرفوعا من غلبه أمر فليقل حسبي الله ونعم الوكيل

الفصل الثاني


عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله يقول لو إنكم تتوكلون وفي رواية الجامع بحذف إحدى التائين أي تعتمدون على الله حق توكله أي بأن تعلموا يقينا أن لا فاعل في الوجود موجود إلا الله وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وضر ونفع وفقر وغنى ومرض وصحة وموت وحياة وغير ذلك مما يطلق عليه اسم الموجود من الله تعالى ثم يستعمل في الطلب على الوجه الجميل ويشهد لذلك تشبيهه بالطير فإنها تغدو خماصا ثم تسرح في طلب القوت فتروح بطانا لرزقكم أي ولو تركتم الأسباب فإنه يرزق البطال والعمال وقد يرزق الضعيف بحيث يتعجب القوي كما يرزق الطير بصيغة الفاعل تغدو أي تذهب أول النهار خماصا بكسر الخاء المعجمة جمع خميص أي جياعا وتروح أي ترجع آخر النهار بطانا بكسر الموحدة جميع بطين وهو عظيم البطن والمراد شباعا وفي قوله تغدو إيماء إلى أن السعي بالإجمال لا ينافي الاعتماد على الملك المتعال كما قال تعالى جل جلاله وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم العنكبوت فالحديث للتنبيه على أن الكسب ليس برازق بل الرازق هو الله تعالى لا للمنع عن الكسب فإن التوكل محله القلب فلا ينافيه حركة الجوارح مع أنه قد يرزق أيضا من غير حركة بل بتحريك غيره إليه يصل رزق الله ببركته كما يستفاد العموم من قوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها هود وقد حكي أن فرخ الغراب عند خروجه من بيضته يكون أبيض فيكرهه الغراب فيتركه ويذهب ويبقى الفرخ ضائعا فيرسل الله تعالى إليه الذباب والنمل فيلتقطهما إلى أن يكبر قليلا يسود فيرجع إليه الغراب فيراه أسود فيضمه إلى نفسه فيتعهده فهذا يصل إليه رزقه بلا سعي والحكايات في ذلك كثيرة والروايات به شهيرة ومن غرائب ما حكي أنه سبحانه وتعالى قال لعزرائيل هل رحمت على أحد عند نزع الأرواح فقال نعم يا رب حين غرق أهل سفينة وبقي بعض أهله على الألواح وكانت


امرأة بولدها ترضعه فوق لوح فأمرت بقبض روحها فرحمت حينئذ على ولدها قال تعالى فألقيته على جزيرة وأرسلت إليه أسدا ترضعه إلى أن كبر قليلا ثم قيضت له بعضا من الجن ليعلمه لسان الإنس إلى أن نشأ نشأة كاملة ودخل في العمارة وحصل له الامارة ووصل إلى مرتبة السلطنة وأحاط بجميع المملكة فادعى الألوهية ونسي العبودية وحقوق الربوبية واسمه شداد والله رؤوف بالعباد فالرحيم الذي يرزق أعداءه كيف ينسى أحباءه قال الشيخ أبو حامد رحمه الله تعالى قد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة أو كلحم على وضم وهذا ظن الجهال فإن ذلك حرام في الشرع والشرع قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظور من محظورات الدين بل نكشف عن الحق فيه فنقول إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعمله إلى مقاصده وقال الإمام أبو القاسم القشيري اعلم أن التوكل محله القلب وأما الحركة بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب بعدما يحقق العبد أن الرزق من قبل الله تعالى فإن تعسر شيء فبتقديره وإن تيسر شيء فبتيسيره رواه الترمذي وابن ماجه وكذا أحمد والحاكم وعن ابن مسعود قال قال رسول الله أيها الناس ليس من شيء من زائدة مبالغة أي ليس شيء ما من الأشياء يقربكم تشديد الراء أي يجعلكم قريبا إلى الجنة ويباعدكم أي ومن شيء يبعدكم من النار أي على وجه النسبية فالنسبة في الفعلين مجازية إلا قد أمرتكم به أي بما ذكر أو بكل منهما وليس شيء ليس من هنا في الأصول يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه وفيه دليل صريح على أن جميع العلوم من الأمور النافعة والأمور الدافعة يستفاد من الكتاب والسنة أن الاشتغال بغيرهما تضييع العمر من غير المنفعة وأن الروح الأمين وفي نسخة وأن روح الأمين أي جبريل عليه السلام كما قال تعالى نزل به الروح الأمنين وفي رواية وأن روح القدس بضمتين وتسكن الدال كقوله


تعالى وأيدناه بروح القدس البقرة أي الروح المقدسة من الأخلاق المدنسة قال الطيبي رحمه الله هو كمال يقال حاتم الجود ورجل صدق فهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص ففي الصفة القدس منسوب إليها وفي الإضافة
بالعكس نحو مال زيد نفث في روعي بضم الراء أي أوحى إلي وألقى من النغث بالفم وهو شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق والروع الجلد والنفس كذا في النهاية والمعنى أنه أوحى إلي وحيا خفيا أن نفسا بفتح الهمزة ويجوز الكسر لأن الإيحاء في معنى القول والمعنى أن نفسا ذات نفس وهي حي مخلوق لن تموت حتى تستكمل رزقها أي المقدر لها كما أشار إليه سبحانه بقوله الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ألا للتنبيه أي تنبهوا فاتقوا الله فإنكم مأمورون بالتقوى وبالسعي إلى الدرجات العلى وأجملوا أي من الإجمال أي وأحسنوا في الطلب أي في تحصيل الرزق ولا تبالغوا في طلبه فإنكم غير مكلفين بطلب الرزق قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين الذاريات وقال عز وجل وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى طه فالأمر للإباحة أو المعنى اطلبوا من الحلال فالأمر للوجوب ويؤيده قوله ولا يحملنكم بكسر الميم أي لا يبعثكم استبطاء الرزق أي تأخيره ومكثه عليكم أن تطلبوه أي على أن تبتغوه بمعاصي الله أي بسبب ارتكابها بطريق من طرق الحرام كسرقة وغصب وخيانة وإظهار وسيادة وعبادة وديانة وأخذ من بيت المال على وجه زيادة نحو ذلك فإنه أي الشأن لا يدرك ما عند الله أي من الرزق الحلال أو من الجنة وحسن المآل إلا بطاعته أي لا بتحصيل المال من طريق الوبال قال الطيبي رحمه الله قوله فأجملوا أي اكتسبوا المال بوجه جميل وهو أن لا تطلبه إلا بالوجه الشرعي والإستبطاء بمعنى الإبطاء والسين فيه للمبالغة كما أن


استعف بمعنى عف في قوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف النساء وفيه أن الرزق مقدر مقسم لا بد من وصوله إلى العبد لكن العبد إذا سعى وطلب على وجه مشروع وصف بأنه حلال وإذا طلب بوجه غير مشروع فهو حرام فقوله ما عند الله إشارة إلى أن الرزق كله من عند الله الحلال والحرام وقوله إن تطلبوه بمعاصي الله تعالى إشارة إلى أن ما عند الله إذا طلب بمعصية الله ذم وسمى حراما وقوله إلا بطاعته إشارة إلى أن ما عند الله إذا طلب بطاعته مدح وسمى حلالا وفي هذا دليل بين لأهل السنة على أن الحلال والحرام يسمى رزقا وكله من عند الله خلافا للمعتزلة رواه أي البغوي في شرح السنة والبيهقي في شعب الإيمان إلا أنه أي البيهقي لم يذكر وأن روح القدس فرواية روح القدس من روايات البغوي أو غيره قال ميرك ورواه ابن أبي الدنيا في القناعة والحاكم وصححه عنه وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما


حرم رواه ابن ماجه واللفظ له والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم قلت روى أبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة مرفوعا أن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته وعن أبي ذر عن النبي قال الزهادة في الدنيا بفتح الزاي أي ترك الرغبة في الدنيا ليست بتحريم الحلال كما يفعله بعض الجهال زعما منهم أن هذا من الكمال فيمتنع من أكل اللحم أو الحلواء والفواكه ولبس الثوب الجديد ومن التزوج ونحو ذلك وقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدون إن الله لا يحب المعتدين المائدة وقد ثبت أنه فعل هذه الأفعال ولا أكمل من حاله الكمال ولا إضاعة المال أي بتضييعه وصرفه في غير محله بأن يرميه في بحر أو يعطيه للناس من غير تمييز بين غني وفقير وحاصله أنه لا عبرة بالزهادة الظاهرة وخلو اليد عن الأموال الطاهرة ثم توجه القلب إلى الخلق عند الاحتياج إلى المعيشة الحاضرة بل المدار على الزهد القلبي بالإنجذاب الربي ولذا استدرك ما سبقه من المقال حيث قال ولكن الزهادة بتشديد النون ويخفف أي ولكن الزهادة المعتبرة الكاملة في الدنيا أي في شأنها أن لا تكون بما في يديك أي من الأموال أو من الصنائع والأعمال أوثق أي أرجى منك بما في يدي الله بصيغة التثنية أي بخزائنه الظاهرة والباطنة وفيه نوع من المشاكلة والمعنى ليكن اعتمادك بوعد الله لك من إيصال الرزق إليك ومن إنعامه عليك من حيث لا تحتسب ومن وجه لا تكتسب أقوى وأشد مما في يديك من الجاه والمال والعقار وأنواع الصنائع من الاستعمال ولو علم الكيميا وعلم السيميا فإن ما في يديك يمكن تلفه وفناؤه بخلاف ما في خزائنه فإنه محقق بقاؤه كما قال تعالى ما عندكم ينفد وما عند الله باق النحل وأن تكون عطف على أن لا تكون والزهادة فيها أيضا أن لا


تلتفت إلى التنعم فيها والتلذذ بوجود نعمها بل وأن تغتنم حصول المحنة ووصول البلية فيها لئلا يميل قلبك إليها ولا تستأنس نفسك بما عليها فتكون حينئذ في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها بصيغة المجهول أرغب فيها أي في حصول المصيبة لو أنها أي لو فرض أن تلك المصيبة أبقيت لك أي منعت لأجلك وأخرت عنك فوضع أبقيت موضع لم تصب وجواب لو ما دل عليه ما قبلها وخلاصته أن تكون رغبتك في وجود المصيبة لأجل ثوابها أكثر من رغبتك في عدمها فهذان الأمران شاهدان عدلان على


زهدك في الدنيا وميلك في العقبى وقال الطيبي لو أنها أبقيت لك حال من فاعل أرغب وجواب لو محذوف وإذا ظرف والمعنى أن تكون في حال المصيبة وقت إصابتها أرغب من نفسك في المصيبة حال كونك غير مصاب بها لأنك تثاب بوصولها إليك ويفوتك الثواب إذا لم تصل إليك رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب وعمرو بن واقد الراوي منكر الحديث قلت وغايته أنه حديث ضعيف مبنى لكنه حديث شريف معنى ومثله يعتبر في فضائل الأعمال في جميع الأقوال ومن جملتها الزهادة في الدنيا والرغبة في العقبى وعن ابن عباس قال كنت خلف رسول الله يوما أي رديفه وفيه إشعار بكمال حفظه وإحسانه واستحضار لفظه واتقانه فهذا الحديث من جملة أحاديثه التي سمعها من رسول الله وإلا فأكثر مروياته بالواسطة لكنها معتبرة لكونها من مراسيل الصحابة وما ذاك إلا لأجل صغره في زمانه قال المؤلف ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي النبي وهو ابن ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة وقيل عشر لكن صار حبر هذه الأمة وعالمها لأنه قد دعا له النبي بالحكمة والفقه والتأويل ورأى جبريل عليه السلام مرتين وكف بصره في آخر عمره ومات بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير وهو ابن إحدى وسبعين سنة وروى عن خلق كثير من الصحابة والتابعين قيل المعنى أمشي خلفه لا أنه راكب رديفه وهو مردود لما في وسيط الواحدي عن ابن عباس أنه أهدى كسرى إلى النبي بغلة فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه وسار بي ميلا ثم التفت فقال يا غلام بالرفع كذا في الأصول المعتمدة والنسخ المتعددة والظاهر كسر الميم بناء على أن أصله يا غلامي بفتح الياء وسكونها ثم بعد حذفها تخفيفا اكتفى بكسرة ما قبلها لكن قد يضم وذلك في الاسم الغالب عليه الإضافة إلى الياء للعلم بالمراد ومنه القراءة الشاذة رب احكم الأنبياء بضم الباء على أنه يحتمل وقوع ضمها لمشاكلة ضم الكاف كما حقق في وأن أحكم المائدة حيث قرىء بالوجهين من السبعة ثم في يا


غلام لغة أخرى وهي قلب الياء ألفا وقد جاء شاذا يا غلام بالفتح اكتفاء بالفتحة عن الألف ثم الأظهر أنه وقف عليه بالسكون ولم يظهر عليه إعرابا على ما هو المتعارف في مثله هذا والمراد بالغلام هنا الولد الصغير لا المملوك ففي القاموس الغلام الطارد الشارب والكهل ضد أو من حين
يولد إلى حين يشب والمقصود من النداء استحضاره لديه وتوجهه إلى ما يلقى إليه وزاد في الأربعين إني أعلمك كلمات أي فصولا مفيدة في دفع البلاء وجلب المنافع والآلاء احفظ الله أي أمره ونهيه يحفظك أي يحفظك في الدنيا من الآفات والمكروهات وفي العقبى من أنواع العقاب والدركات جزاء وفاقا فإن من كان لله كان الله له احفظ الله أي حقه من دوام ذكره وتمام فكره وقيام شكره تجده تجاهك بضم التاء أي أمامك والمعنى أنك تجده حينئذ كأنه حاضر تلقاءك وقدامك وتشاهده في مقام إحسانك وإيقانك وكمال إيمانك كأنك تراه بحيث تفنى بالكلية عن نظرك ما سواء فالأول حال المراقبة والثاني مقام المشاهدة وقيل المعنى إذا حفظت طاعة الله وجدته يحفظك وينصرك في مهماتك أينما توجهت ويسهل لك الأمور التي قصدت وقيل المعنى تجد عنايته ورأفته قريبا منك يراعيك في جميع الحالات وينقذك من جميع المضرات ويسعدك بأنواع التحف والكرامات فهو تلميح إلى قوله تعالى ونحن أقرب إليه من جبل الوريد ق وقد أشار بعض العارفين إلى أنه لا ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها قريب من وجوده إليها لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الإيجاد فقط بل بمعنى آخر لا يجوز كشفه رمزت إليه حذار الرقيب وكتمان سر الحبيب إذا ما تلاشيت في نوره يقول لي ادع فإني قريب قال الطيبي رحمه الله أي راع حق الله وتحر رضاه تجده تجاهك أي مقابلك وحذاءك والتاء بدل من الواو كما في تقاة وتخمة أي احفظ حق الله تعالى حتى يحفظك الله من مكاره الدنيا والآخرة وإذا سألت أي أردت السؤال فاسأل الله بإثبات الهمز ويجوز نقله أي فاسأل


الله وحده فإن خزائن العطايا عنده ومفاتيح المواهب والمزايا بيده وكل نعمة أو نقمة دنيوية أو أخروية فإنها تصل إلى العبد أو تندفع عنه برحمته من غير شائبة غرض ولا ضميمة علة لأنه الجواد المطلق والغني الذي لا يفتقر فينبغي أن لا يرجى إلا رحمته ولا يخشى إلا نقمته ويلتجأ في عظائم المهام إليه ويعتمد في جمهور الأمور عليه ولا يسأل غيره لأن غيره غير قادر على العطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع فإنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ولا يترك السؤال بلسان الحال أو ببيان المقال في جميع الأحوال ففي الحديث من لم يسأل الله يغضب عليه إذ السؤال إظهار شعائر الإنكسار والإقرار بسمت العجز والإفتقار والإفلاس عن ذروة القوة والطاقة إلى حضيض الإستكانة والفاقة ونعم ما قيل الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسئل يغضب وإذا استعنت أي أردت الإستعانة في الطاعة وغيرها من أمور الدنيا والآخرة فاستعن


بالله فإنه المستعان وعليه التكلان في كل زمان ومكان واعلم زيادة حث على التوجه إليه والتقرب بالإستفادة لديه أن الأمة أي جميع الخلق من الخاصة والعامة والأنبياء والأولياء وسائر الأمة لو اجتمعت أي اتفقت فرضا وتقديرا على أن ينفعوك بشيء أي في أمر دينك أو دنياك لم ينفعوك أي لم يقدروا أن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك أي قدره وأثبته في الذكر وفرغ منه وقد أذنهم في ذلك ولو اجتمعوا وقع في الأربعين هنا بلفظ وإن اجتمعوا فقال بعض الشراح من المحققين إن لفظة لو فيما سبق بمعنى أن إذ المعنى على الإستقبال لقوله تعالى لو تركوا من خلفهم النساء فنكتة العدول هو أن اجتماعهم على الإمداد من المستحيلات بخلاف الاتفاق على الإيذاء فإنه ممكن ولذا قيل الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعله يظلم انتهى كلامه وهو غفلة منه عن الحكم المقرر في الاعتقاد أن اجتماعهم على إيصال النفع والضر بدون المشيئة من المحال فإن ثبتت الرواية بالاختلاف فهو من باب التفنن واختيار لو في القرينة الأولى أولى لأنها أدل على الفرضية المحالية ووقوع أن في الثانية على أصلها مع استفادة الحكم من المعطوف عليها على أن يضروك بشيء أي من سلب نفع أو جلب ضر لم يضروك أي لم يقدروا أن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك وخلاصة المعنى أنك وحد الله في المطلب والمهرب فهو الضار النافع والمعطي المانع وفي بعض الكتب الإلهية وعزتي وجلالي لأقطعن من يؤمل غيري وألبسنه ثوب المذلة عند الناس ولأجنبنه من قربي ولأبعدنه من وصلي ولأجعلنه متفكرا حيران يؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني هذا وأورد اللام في جانب النفع لأنه للملك وحقيقته الاختصاص النافع وقوله وإن أسأتم فلها الإسراء مجاز في صورة الضر على ما هو المشهور عند الجمهور رفعت الأقلام أي من كتابة الأحكام وجفت الصحف أي نشفت


ما دون فيها من أقضية المخلوقين إلى يوم الدين فلا يوضع عليها بعد بتدوين شيء وتغيير أمر وخلاصته أنه كتب في اللوح المحفوظ ما كتب من التقديرات ولا يكتب بعد الفراغ منه شيئا آخر فعبر عن سبق القضاء والقدر برفع القلم وجفاف الصحيفة تشبيها بفراغ الكاتب في الشاهد من كتابته وقد سبق في أول الكتاب حديث إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب قال و ما أكتب قال اكتب القدر فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد وحديث جف القلم على علم الله أي ما علمه وحكم به في الأزل لا يتغير ولا يتبدل وجفاف القل


عبارة عنه والله تعالى أعلم لا يقال هذا ينافي قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت الرعد لأنا نقول المحو والإثبات أيضا مما جفت الصحف لأن القضاء قسمان مبرم ومعلق وهذا بالنسبة إلى اللوح المحفوظ وأما بالإضافة إلى علم الله فلا تبديل ولا تغيير ولهذا قال وعنده أم الكتاب الرعد وقيل عند الله كتابان اللوح وهو الذي لا يتغير والذي يكتبه الملك على الخلق وهو محل المحو والإثبات فهذا القدر من الحديث رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح كما قاله النووي ثم قال وفي رواية غير الترمذي احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله بتشديد الراء أي تحبب إليه بحفظ أحكامه ذكره النووي رحمه الله لأن المعرفة سبب المحبة يعرفك في الشدة بتخفيف الراء أي يجازك فيها واعلم أن ما أخطأك أي جاوز عنك من النعمة والرخاء والشدة والبلاء وأصل الخطأ العدول عن الجهة لم يكن ليصيبك أي محال أن يصيبك وفيه مبالغة من وجوه من حيث دخول اللام المؤكدة للنفي على الخبر وتسليط النفي على الكينونية وسرايته في الخبر وما أصابك لم يكن ليخطئك فيه الحث على التوكل والرضا ونفي الحول والقوة عنه إذ ما من حادثة من سعادة وشقاوة وعسر ويسر وخير وشر ونفع وضر وأجل ورزق إلا ويتعلق بقدره وقضائه قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون فيجب الشكر في حال السراء والصبر في حال الضراء قائلا كما قال تعالى قل كل من عند الله النساء واعلم أن النصر أي على الأعداء مع الصبر أي على المحن والبلاء وإن الفرج وهو الخروج من الغم مع الكرب أي الغم الذي يأخذ بنفس النفس ولذا ورد اشتدي أزمة تنفرجي وإن مع العسر يسرا الشرح قال شارح وقد وقعت الآية في القرآن مكررة ليعلم أنه لا يوجد عسر إلا معه يسران وهذا مبني على القاعدة المشهورة إن النكرة المعادة غير الأولى والمعرفة المعادة عين الأولى لكنها غالبية لأن قوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتى


الملك آل عمران لا شك فيه أن اللام الأولى للإستغراق والثانية للجنس الذي يحصل بوجود فرد منه ثم قيل مع بمعنى بعد وهذا بعيد عن حقيقة المعنى وإرادة المبالغة في المبنى حيث قصد معاقبة أحدهما للآخر واتصاله به حتى جعله كالمقارن لزيادة في التسلية والتنفيس على أن المحن لا تخلو عن المنح بل إنها عينها وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم فصلت وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم فصل هذا وقد قال القطب الرباني والغوث الصمداني السيد عبد القادر الجيلاني قدس سره في فتوحات الغيب ينبغي لكل مؤمن أن يجعل هذا الحديث مرآة قلبه وشعاره ودثاره وحديثه فيعمل به في جميع حركاته وسكناته حتى يسلم في الدنيا والآخرة ويجد العزة فيها برحمة الله تعالى رواه


أحمد والترمذي قال الطيبي رحمه الله وزاد بعد قوله تجاهك في رواية رزين تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وفي آخره فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل فإن لم تستطيع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ولن يغلب عسر يسرين والحديث بطوله قد جاء مثله أو نحوه في مسند أحمد بن حنبل رحمه الله في النهاية معنى تعرف إلى الله أي اجعل تعرفك بطاعته والعمل فيما أولاك من نعمته فإنه يجازيك عند الشدة والحاجة إليه في الدنيا والآخرة وأراد بقوله لن يغلب عسر يسرين إن التعريف في العسر الثاني في قوله تعالى للعهد والتنكير في يسرا للنوع فيكون العسر واحدا واليسر اثنين فالعسر ما كانوا عليه من متاعب الدنيا ومشاقها واليسر في الدنيا الفتح والنصرة على الأعداء وفي العقبى الفوز بالحسنى ولقاء الأحباء وعن سعد أي ابن أبي وقاص قال قال رسول الله من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له أي ومن سعادة ابن آدم استخارة الله ثم رضاه بما حكم به وقدره وقضاه كما يدل عليه مقابلته بقول ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله أي طلب الخيرة منه فإنه يختار له ما هو خير له ولذا قال بعض العارفين اترك الاختيار وإن كنت لا بد أن تختار فاختر أن لا تختار وربك يخلق ما يشاء ويختار وقد قال تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم الأحزاب ومن شقاوة ابن آدم سخطه أي غضبه وعدم رضاه بما قضى الله له فالرضا بالقضاء باب الله الأعظم وهو من بين منازل السائرين موسوم بالمقام الأفخم ثم تقديم الإستخارة لأنه سبب للرضا ولأنها توجد قبل تحقق القضاء قال الطيبي رحمه الله أي الرضا بقضاء الله وهو ترك السخط علامة سعادته وإنما جعله علامة سعادة العبد لأمرين أحدهما ليتفرغ للعبادة لأنه إذا لم يرض بالقضاء يكون مهموما أبدا مشغول القلب بحدوث الحوادث ويقول لم كان


كذا ولم لا يكون كذا والثاني لئلا يتعرض لغضب الله تعالى بسخطه وسخط العبد أن يذكر غير ما قضى الله له وقال إنه أصلح وأولى فيما لا يستيقن فساده وصلاحه فإن قلت ما موقع قوله ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله بين المتقابلين قلت موقعه بين القرينتين لدفع توهم من يترك الإستخارة ويفوض أمره بالكلية انتهى وفيه أن الإستخارة والتفويض مآلهما واحد وكذا اكتفى بالإستخارة في القرينتين في رواية على ما يأتي ثم لا شك أن التسليم المطلق أولى من الإستخارة لأنها نوع طلب وإرادة وضيق منازعة في أمر قد تحقق هنا وحقيقة الإستخارة وهي أن يطلب الخير من الله في جميع أمره بل وأن يعتقد أن الإنسان لا يعلم خيره من شره كما


قال تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون البقرة ثم يترقى بأن يرى أن لا يقع في الكون غير الخير ولذلك ورد الخير بيديك والشر ليس إليك ثم المستحب دعاء الإستخارة بعد تحقق المشاورة في الأمر المهم من الأمور الدينية والدنيوية وأقله أن يقول اللهم خر لي واختر لي ولا تكلني إلى اختياري والأكمل أن يصلي ركعتين من غير الفريضة ثم يدعو بالدعاء المشهور في السنة على ما قدمناه في كتاب الصلاة رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب تمامه ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن حميد وليس هو بالقوي عند أهل الحديث ورواه الحاكم في صحيحه وزاد فيه من سعادة ابن آدم استخارته الله ومن شقاوته تركه استخارة الله رواه الحاكم والترمذي قال ميرك كلاهما من حديث سعد بن أبي وقاص وقال الترمذي غريب ولفظه من سعادة ابن آدم كثرة استخارته الله تعالى ورضاه بما قضى الله تعالى له ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله تعالى وسخطه بما قضى الله تعالى له وفي الجامع أسند الحديث إلى الترمذي والحاكم عن سعد لكن لفظه من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله فهذا وما قبله مما يدل على أن لفظ المشكاة وقع فيه اختصار مخل والله سبحانه وتعالى أعلم وروى الطبراني في الأوسط عن أنس مرفوعا ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد وقال بعض الحكماء من أعطى أربعا لم يمنع أربعا من أعطى الشكر لم يمنع المزيد ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول ومن أعطى الإستخارة لم يمنع الخير ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب
الفصل الثالث
عن جابر أنه غزا مع النبي وفي نسخة رسول الله قبل نجد بكسر


القاف وفتح الباء أي جهته وجانبه وفي النهاية النجد ما ارتفع من الأرض وهو اسم خاص لما دون الحجاز فلما قفل رسول الله أي رجع وسمى القافلة قافلة ولو كانت ذاهبة تفاؤلا بمآلها قفل معه أي قفل جابر مع النبي فأدركتهم أي الصحابة أو الغزاة القائلة أي الظهيرة أو وقت القيلولة في واد كثير العضاه بكسر العين وهو الشجر الذي له شوك فنزل رسول الله أي فأراد النزول أو أمر بالنزول وتفرق الناس يستظلون بالشجر أي بجنسه من أنواع الأشجار فنزل رسول الله تحت سمرة بفتح سين فضم ميم شجرة من الطلح وهي العظام من شجر العضاء فعلق بها أي بغصن من أغصانها سيفه ونمنا بكسر أوله نومة أي خفيفة فإذا رسول الله يدعونا أي ينادينا ويطلبنا وإذا وفي نسخة ب فإذا عنده أعرابي أي بدوي كافر فقال أي النبي إن هذا أي الأعرابي اخترط أي سل علي سيفي أي المعلق وأنا نائم حال فاستيقظت وهو أي والحال أن سيفي في يده صلتا بفتح الصاد ويضم أي مسلولا مجردا عن الغمد قال الجوهري وهو بفتح الصاد وضمها وفي القاموس الصلت السيف الصقيل الماضي ويضم وفي النهاية وسيف مجرد قال أي الأعرابي من يمنعك مني أي من أذيتي فالفعل على حقيقته والمضاف مقدر قال الطيبي رحمه الله أي من يحميك مني قال في أساس البلاغة ومن المجاز فلان يمنع الجار أي يحميه من أن يضام فقلت الله أي الله يمنعني على الحقيقة أو نظر إلى العصمة الموعودة بقوله سبحانه والله يعصمك من الناس المائدة ثلاثا أي ثلاث مرات وفيه إيماء إلى أنه يستحب تثليث لفظ الجلالة حالة الإستغاثة والإستعانة ولم يعاقبه أي الأعرابي وجلس أي النبي بعد ما كان قائما أو مضطجعا ثم يحتمل أن تكون القضية وقعت قبل المناداة فأخبرهم بما وقع من خرق العادة ويمكن أن تكون بعدها فناداهم ليريهم المعجزة والأول أظهر والله أعلم متفق عليه وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في صحيحه فقال من يمنعك مني


فقال الله تعالى فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله السيف فقال من يمنعك مني فقال كن خير آخذ أي متناول للسيف وهو كناية للعفو مع القدرة وقال الطيبي رحمه الله تعالى أي بالجنايات يريد العفو انتهى فالأخذ بمعنى المؤاخذة فقال تشهد أي أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال لا أي لا أشهد ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك أي بانفرادي ولا أكون أي ولا أن أكون رفيقا مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله أي فتركه حتى مضى إلى طريقه فأتى أي الأعرابي أصحابه أي قومه فقال جئتكم من عند خير الناس أي كرما وحلما هكذا أي هذا الحديث المتفق عليه مع الزيادة في كتاب الحميدي وفي الرياض أي وكذا في كتاب رياض الصالحين للنووي وعن أبي ذر أن رسول الله قال إني لأعلم آية لو أخذ الناس أي عملوا بها أي بانفرادها لكفتهم ومن يتق الله يجعل له مخرجا أي من البلايا ويرزقه من حيث يحتسب أي من العطايا وما بعده ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا الطلاق قال الطيبي رحمه الله يريد الآية بتمامها فقوله ومن يتق الله إلى قوله من حيث لا يحتسب إشارة إلى أنه تعالى يكفيه جميع ما يخشى ويكره من أمور الدنيا والآخرة وقوله ومن يتوكل الخ إشارة إلى أن الله تعالى يكفيه جميع ما يطلبه ويبتغيه من أمور الدنيا والآخرة وبالغ أمره أي نافذ أمره وفيه بيان لوجوب التوكل عليه وتفويض الأمر إليه لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوفيقه لم يبق إلا التسليم للقدر والقضاء والتوكل وأنشد إذا المرء أمسى حليف التقى فلم يخش من طارق حله ألم تسمع الله سبحانه ومن يتق الله يجعل له مخرجا رواه أحمد وابن ماجه والدارمي


وعن ابن مسعود قال أقرأني رسول الله أي حملني على أن أقرأ ذكره الطيبي والأظهر أن معناه علمني إني أنا الرزاق أي قراءته هكذا قال الطيبي رحمه الله هي قراءة شاذة منسوبة إلى رسول الله والمشهور إن الله هو الرزاق الذاريات انتهى والمراد أنها كانت قراءة قطعية متواترة معنوية وكان علمها رسول الله ابن مسعود لكنها نسخت أو شذت طرقها بعد ابن مسعود ذو القوة المتين أي الشديد القوة والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء وقوله ذو القوة خبر بعد خبر وفيه من المبالغات تصدير الجملة بأن وتوسيط ضمير الفصل المفيد للاختصاص وتعريف الخبر بلام الجنس ثم أردفه بقوله ذو القوة وتتميمه بالمتانة فوجب أن لا يتوكل إلا عليه ولا يفوض الأمور إلا إليه ذكره الطيبي رحمه الله رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وعن أنس قال كان اخوان أي اثنان من الإخوان على عهد النبي أي في زمنه فكان أحدهما يأتي النبي أي لطلب العلم والمعرفة والآخر يحترف أي يكتسب أسباب المعيشة فكأنهما كانا يأكلان معا فشكا المحترف أي في عدم مساعدة أخيه إياه في حرفته أو في كسب آخر لمعيشتة أخاه النبي بنزع الخافض أي إلى النبي فقال لعلك ترزق به بصيغة المجهول أي أرجو أو أخاف أنك مرزوق ببركته لا أنه مرزوق بحرفتك فلا تمنن عليه بصنعتك وفي الحديث دليل على جواز أن يترك الإنسان شغل الدنيا وأن يقبل على العلم والعمل والتجرد لزاد العقبى قال الطيبي رحمه الله ومعنى لعل في قوله لعلك يجوز أن يرجع إلى رسول الله فيفيد القطع والتوبيخ كما ورد فهل ترزقون إلا بضعفائكم وأن يرجع للمخاطب ليبعثه على التفكر والتأمل فينتصف من نفسه رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح غريب ورواه الحاكم أيضا


وعن عمرو بن العاص قال قال رسول الله إن قلب ابن آدم بكل واد شعبة أي لقلبه قطعة والمعنى بعض توجه منه لأن القلب واحد وأودية الهموم متعددة وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ففي النهاية الشعبة الطائفة من كل شيء والقطعة منه قال الطيبي رحمه الله ولا بد فيه من تقدير أي في كل واد له شعبة فمن أتبع قلبه الشعب كلها من الإتباع أي من جعل قلبه تابعا لشعب الهموم في أدوية الغموم لم يبال الله بأي واد أهلكه ومن توكل على الله كفاه الشعب أي كفاه الله مؤن حاجاته المتشعبة المختلفة وفي معناه ما روي عن النبي من جعل الهموم هماواحد هم الدين كفاه الله هم الدنيا والآخرة رواه ابن ماجه وعن أبي هريرة أن النبي قال قال ربكم عز وجل لو أن عبيدي أطاعوني أي في أمري ونهيي لأسقيتهم أي لأنزلت عليهم المطر بالليل أي وهم نائمون مستريحون وأطلعت من باب الإفعال أي أظهرت وأبرزت عليهم الشمس بالنهار أي وهم بمكاسبهم وأمورهم مشتغلون ولم أسمعهم وفي رواية الجامع ولما أسمعتهم صوت الرعد أي لا ليلا ولا نهارا كيلا يخافوا ولا ينفجعوا فلا يتضررون قال الطيبي رحمه الله هو من باب التتميم فإن السحاب مع وجود الرعد فيه شائبة الخوف لقوله تعالى هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا الرعد فنفاه ليكون رحمة محضة رواه أحمد وكذا الحاكم وعنه قال دخل رجل على أهله أي أهل بيته وأصحاب نفقته فلما رأى ما بهم من الحاجة أي من الجوع والفاقة خرج إلى البرية أي إلى قطعة من الأرض منسوبة إلى


البر للتضرع إلى خالق البرية فلما رأت امرأته أي خلو يد الرجل وإدباره عن الأهل من الحياء والخجل قامت إلى الرحى فوضعتها أي الطبقة العليا على السفلى والمعنى فهيأتها ونظفتها وإلى التنور فسجرته بتخفيف الجيم وتشدد أي أوقدته ثم قالت فيه إشارة إلى أن العبد يسعى في طلب الحلال ما أمكنه الوقت ويقتضيه الحال ثم يستعين في تحصيل أمره إلى الملك المتعال بالدعاء بنحو اللهم ارزقنا أي من عندك فإنك خير الرازقين وقد انقطع طمعنا عن غيرك ولا نطمع إلا في خيرك فنظرت أي إلى الرحى فإذا الجفنة وهي القصعة على ما في القاموس أو القصعة الكبيرة على ما في خلاصة اللغة والمراد هنا ما يوضع تحت الرحى ليجتمع فيها الدقيق قد امتلأت أي من الدقيق قال أي الراوي وذهبت وفي نسخة صحيحة فذهبت إلى التنور أي لتخبز فيه من الدقيق بعد عجنه فوجدته ممتلئا أي من الخبز الملتصق به قال أي الراوي فرجع الزوج أي راجيا لما قام بأمر الله داعيا قال أي الزوج وهو استئناف بيان أصبتم أي أكلتم أو حصلتم بعدي شيئا أي من الأشياء أو من الإصابة قالت امرأته نعم أي أصبنا من ربنا أي من عند ربنا أو من رزقه وما أخطأنا وأغرب الطيبي رحمه الله في قوله اللهم ارزقنا حيث قال دعت أن تصيب زوجها بما تطحنه وتعجنه وتخبزه فهيأت الأسباب لذلك انتهى وقام أي فتعجب الزوج وقام إلى الرحى أي ورفعها ليرى أثرها فذكر بصيغة المجهول وفي نسخة صحيحة فذكر أي هو بنفسه ذلك أي ما ذكر من القضية بتمامها للنبي فقال أما بالتخفيف للتنبيه إنه أي الشأن لو لم يرفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة رواه أحمد وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله أقول بل حصول الرزق أسبق وأسرع من وصول أجله لأن الأجل لا يأتي إلا بعد فراغ الرزق قال الله تعالى الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم الروم رواه أبو نعيم في الحلية قال ميرك نقلا عن المنذري رواه ابن ماجه في صحيحه


والبزار ورواه الطبراني بإسناد جيد إلا أنه قال إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله قلت وكذا رواه ابن عدي في الكامل وهو يؤيد ما قررته وفيما سبق من المعنى حررته وروى أبو
نعيم في الحلية عن جابر مرفوعا لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت وعن ابن مسعود قال كأني أنظر إلى رسول الله أي في استحضار القضية واستحفاظ القصة يحكي نبيا أي حال كونه يحكي حال نبي من الأنبياء ضربه قومه أي قد ضربه قومه فهو حال بتقدير قد وجوز بدونه أيضا قال الطيبي رحمه الله قوله نبيا منصوب على شريطة التفسير بقرينة قوله ضربه قومه وهو حكاية لفظ الرسول ويجوز أن تقدر مضافا أي يحكي حال نبي من الأنبياء وهو معنى ما تلفظ به وحينئذ ضربه يجوز أن يكون صفة للنبي وأن يكون استئنافا كان سائلا سأل ما حكاه فقيل ضربه قومه فأدموه أي جعلوه صاحب دم خارج من رأسه وهو يمسح الدم عن وجهه أي خوفا من الوقوع في فمه أو عينه ويقول أي من كمال صبره اللهم اغفر لقومي أي فعلهم هذا بمعنى لا تعذبهم به في الدنيا ولا تستأصلهم وإلا فمن المعلوم أن مغفرة الكفار بمعنى العفو عن شركهم وكفرهم غير جائز بالإجماع ويمكن أن تكون المغفرة كناية عن التوبة الموجبة للمغفرة وإليه الإشارة بقوله فإنهم لا يعلمون وهذا من كمال حلمه وحسن خلقه حيث أذنب القوم وهو يعتذر عنهم عند ربهم إنهم ما فعلوا ما فعلوا إلا لجهلهم بالله ورسوله ففيه إشعار بأن الذنب مع الجهل أهون في الجملة بالنسبة إلى الذنب مع العلم ولذا ورد ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات متفق عليه


باب الرياء والسمعة
في المغرب يقال فعل ذلك سمعة أي ليريه الناس من غير أن يكون قصد به التحقيق وسمع بكذا شهرة تسميعا انتهى والتحقيق أن الرياء مأخوذ من الرؤية فهو ما يفعل ليراه الناس ولا يكتفي فيه برؤية الله سبحانه وتعالى والسمعة بالضم مأخوذة من السمع فهو ما يفعل أو يقال ليسمعه الناس ولا يكتفي فيه بسمعه تعالى ثم يستعمل كل منهما موضع الآخر وقد يجمع بينهما تأكيدا أو لإرادة أصل المعنيين تفصيلا وضدهما الإخلاص في العمل لله على
قصد الخلاص ثم الرواية الصحيحة في الرياء الهمز وعليه السبعة ويجوز إبداله ياء وبه قرأ بعض القراء وهو المشهور على ألسنة العامة


الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الله لا ينظر أي نظر اعتبار إلى صوركم إذ لا اعتبار بحسنها وقبحها وأموالكم إذ لا اعتبار بكثرتها وقلتها ولكن وزاد في الجامع ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم أي إلى ما فيها من اليقين والصدق والاخلاص وقصد الرياء والسمعة وسائر الأخلاق الرضية والأحوال الردية وأعمالكم أي من صلاحها وفسادها فيجازيكم على وفقها هذا وفي النهاية معنى النظر ههنا الاجتباء والرحمة والعطف لأن النظر في الشاهد دليل المحبة وترك النظر دليل البغض والكراهة وميل النفس إلى الصور المعجمة والأمور الفانية والله يتقدس عن شبه المخلوقين فجعل نظره إلى ما هو البر واللب وهو القلب والعمل والنظر يقع على الأجسام والمعاني فما كان بالأبصار فهو للأجسام وما كان بالبصائر كان للمعاني ذكره الطيبي رحمه الله ولا يخفى بعد المراد من النظر هنا ما ذكره من الرحمة والعطف لا سيما في جانب النفي فتدبر خصوصا فيما ذكره من تنصيل النظر فإن نفيه في حقه تعالى لا يتصور والله تعالى أعلم رواه مسلم وكذا ابن ماجه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء أي أغنى من يزعم أنهم شركاء على فرض أن لهم غنى عن الشرك أي عما يشركون به مما بيني وبين غيري في قصد العمل والمعنى ما أقبل إلا ما كان خالصا لوجهي وابتغاء لمرضاتي فاسم المصدر الذي هو الشرك مستعمل في معنى المفعول ويؤيد ما قررناه ما أوضحه بطريق الاستئناف بقوله من عمل عملا أشرك فيه أي في قصد ذلك العمل معي


أي مع ابتغاء وجهي غيري أي من المخلوقين فلا يضره قصد الجنة وتوابعها مثلا فإنها من جملة مرضاته سبحانه وإن كان المقام الأكمل أن لا يعبده لطمع جنة أو خوف نار فإنه عد كفرا عند بعض العارفين لكن التحقيق فيه أنه لو كان بحيث لو لم تخلق جنة ولا نار لما عبده سبحانه لكان كافرا فإنه يستحق العبادة لذاته ولذا مدح صهيب بما روي في حقه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله ما عصاه وقوله تركته وشركه خبر من والواو بمعنى مع أو المعنى تركته عن نظر الرحمة وتركت عمله المشترك عن درجة القبول وفي رواية فأنا منه بريء قيل من ذلك العمل والأظهر من عامل ذلك العمل لئلا يكون تكرارا في قوله هو أي ذلك العمل للذي عمله أي لأجله ممن قصده بذلك العمل رياء وسمعة وهو تأكيد لما قبله وقال شارح أي هو لفاعله يعني تركت ذلك العمل وفاعله لا أقبله ولا أجازي فاعله بذلك العمل لأنه لم يعمله لي انتهى وفيه أنه يلزم منه أن يكون عمله حينئذ مباحا مع أن العمل على وجه الإشراك حرام إجماعا فيعاقب فاعله بذلك العمل فتأمل ولنذكر بقية كلام الشراح فقال ابن الملك رحمه الله أغنى أفعل التفضيل من غني به عنه غنية أي استغنى به عنه وإضافته إما للزيادة المطلقة أي أنا غني من بين الشركاء وإما للزيادة على ما أضيف إليه أي أنا أكثر الشركاء استغناء عن الشرك لكون استغنائه من جميع الجهات وفي جميع الأوقات وفيما ذكره من الوجه الثاني ما لا يخفى وقال الطيبي رحمه الله اسم التفضيل هنا لمجرد الزيادة والإضافة فيه للبيان أو على زعم القوم وفيه أن وجه الإضافة للبيان يحتاج إلى مزيد البيان وكأنه أراد أن معناه أنا غني مما بينهم دونهم ثم قال والضمير المنصوب في تركته يجوز أن يرجع إلى العمل والمراد من الشرك الشريك قال النووي رحمه الله تعالى معناه أنا غني عن المشاركة وغيرها فمن عمل شيئا لي ولغيري لم أقبله بل أتركه مع ذلك الغير ويدل عليه الحديث الأول من الفصل الثاني ويجوز أن يرجع


إلى العامل والمراد بالشرك الشركة وقوله وهو يعود إلى العمل على الوجه الأول وإلى العامل على الوجه الثاني أي العامل لما عمل به من الشرك يعني يختص به ولا يتجاوز عنه وكذا الضمير في منه أقول ويمكن أن يقال معناه أنا أغنى كل من يطلق عليه اسم الشريك كقوله تعالى أحسن الخالقين الصافات فإن كثيرا من الشركاء في الدنيا من الأغنياء إذا وقع لهم سهم مع الفقراء فإنهم يسامحونهم به ويعطونهم إياه أو يهبونه لواحد منهم من أفقرهم فإذا كان هذا وصف بعض الشركاء من الضعفاء فكيف بالذي لا شريك له وله وصف العظمة والكبرياء هذا وقال الإمام حجة الإسلام درجات الرياء أربعة أقسام الأولى وهي أغلظها أن لا يكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلي بين أظهر الناس ولو


انفرد لكان لا يصلي بل ربما يصلي من غير طهارة مع الناس فهذا جرد قصده للرياء فهو الممقوت عند الله تعالى والثانية أن يكون له قصد الثواب أيضا ولكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله ولا يحمله ذلك القصد على العمل ولو لم يكن الثواب لكان قصد الرياء يحمله على العمل فقصد الثواب فيه لا ينفي عنه المقت والثالثة أن يكون قصد الثواب والرياء متساويين بحيث لو كان واحد خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل فلما اجتمعا انبعثت الرغبة وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم رأسا برأس والرابعة أن يكون إطلاع الناس مرجحا مقويا لنشاطه ولو لم يكن لم يترك العبادة ولو كان قصد الرياء وحده لما أقدم فالذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص منه أو يعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب وأما قوله أنا أغنى الشركاء فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد الرياء أرجح رواه مسلم وكذا ابن ماجه الرواية الأولى وعن جندب مر ذكره قال قال النبي وفي نسخة رسول الله من سمع بتشديد الميم أي من عمل عملا للسمعة بأن نوه بعمله وشهره ليسمع الناس به ويمتدحوه سمع الله به بتشديد الميم أيضا أي شهره الله بين أهل العرصات وفضحه على رؤوس الإشهاد وأما ما نقله الطيبي رحمه الله عن النووي رحمه الله بأن معناه من أظهر عمله للناس رياء فهو غير ملائم لمقام التفصيل والتمييز بين المعنيين من السمعة والرياء حيث قال ومن يرائي يرائي الله به بإثبات الياء في الفعلين على أن من موصولة مبتدأ والمعنى من يعمل عملا ليراه الناس في الدنيا يجازيه الله تعالى به بأن يظهر رياءه على الخلق وخلاصة القرينتين وزبدة الجملتين أن المعنى يسمع الله الخلق بكونه مسمعا ويظهر لهم بكونه مرائيا وفي شرح مسلم معنى من يرائي من أظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم وليس هو كذلك يرائي الله به أي يظهر سريرته على رؤوس الخلائق وفيه أن قيده بقوله


وليس هو كذلك ظاهره أنه ليس كذلك بل هو على إطلاقه سواء يكون كذلك أو لا يكون كذلك ثم قال وقيل معناه من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه وقيل أسمعه المكروه وقيل أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه وقيل معناه من أراد أن
يعلمه الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك حظه منه قال الشيخ أبو حامد الرياء مشتق من الرؤية والسمعة من السماع وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإرائهم الخصال المحمودة فحد الرياء هو إراء العبادة بطاعة الله تعالى فالمرائي هو العابد والمراءى له هو الناس والمراءى به هو الخصال الحميدة والرياء هو قصد إظهار ذلك متفق عليه ورواه أحمد ومسلم وابن عباس ولفظ من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به وعن أبي ذر قال قيل لرسول الله أرأيت أي أخبرني كما قاله شارح فقوله الرجل يعمل العمل مبتدأ وخبر في محل النصب وقال الطيبي رحمه الله أي أخبرنا بحاله فالرجل منصوب بنزع الخافض والمراد بالعمل جنسه وقوله من الخير بيان له ومن المعلوم أن لا خير في العمل للرياء فيكون عمله خالصا ويحمده الناس عليه أي يثنونه على ذلك العمل أو على ذلك الخير وفي رواية ويحبه الناس أي يعظمونه عليه أي على ذلك الخير أو لأجل ذلك العمل قال تلك أي المحمدة أو المحبة أو الخصلة أو المثوبة عاجل بشرى المؤمن أي معجل بشارته وأما مؤجلها فباق إلى يوم آخرته وظاهره أنه يستوي فيه أنه يعجبه حمدهم ومحبتهم أولا والثاني أولى والأول أظهر وسيجيء التصريح به في حديث أبي هريرة من الفصل الآتي قال المظهر أي أخبرنا بحال من يعمل عملا صالحا لله تعالى لا للناس ويمدحونه هل يبطل ثوابه فقال تلك عاجل بشرى المؤمن يعني هو في عمله ذلك ليس مرائيا فيعطيه الله تعالى به ثوابين في الدنيا وهو حمد الناس له وفي الآخرة ما أعد له رواه مسلم
الفصل الثاني
عن أبي سعيد بن أبي فضالة بفتح الفاء قال الطيبي رحمه الله أبو سعد


بسكون العين كذا في مسند أحمد وفي الإستيعاب وجامع الأصول وفي نسخ المصابيح أبو سعيد بياء بعد العين انتهى قال الجزري هو تصحيف وقال المؤلف اسمه كنيته وهو حارثي أنصاري يعد في أهل المدينة عن رسول الله قال إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم أي لحسابه وجزائه لا ريب فيه أي في وقوع ذلك اليوم أو في حصول ذلك الجمع قال الطيبي رحمه الله اللام متعلق بجمع ومعناه جمع الله الخلق ليوم لا بد من حصوله ولا يشك في وقوعه لتجزى كل نفس بما كسبت وقوله يوم القيامة توطئة له ويجوز أن يكون ظرفا لجمع كما جاء في الإستيعاب إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه الحديث فعلى هذا قوله ليوم مظهر وقع مقام المضمر أي جمع الله الخلق يوم القيامة ليجزيهم فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا منصوب على أنه مفعول أشرك أي أحدا غير الله ولذا قال فليطلب ثوابه من عند غير الله ولعل وجه العدول عن قوله من عنده أو من عند ذلك الأحد ما يحصل به من إبهام الإيهام ويخل به مقام المرام فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك فهذا الحديث يؤيد ما قررناه آخرا في معنى الحديث الأول فتأمل رواه أحمد وكذا الترمذي وابن ماجه ورجاله رجال مسلم إلا زياد بن مينا وقد وثقوه ورواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي ذكره ميرك وعن عبد الله بن عمرو بالواو أنه سمع رسول الله يقول من سمع الناس بتشديد الميم أي راءاهم بعمله أي المطلوب منه أن يخفيه عن نظر الخلق فأظهره لهم فكأنه ناداهم سمع الله بتشديد الميم أيضا أي أسمع به أي بعمله الريائي والسمعي أسامع خلقه أي آذانهم ومحل سماعهم والمعنى جعله مسموعا لهم ومشهورا فيما بينهم في العقبى أو أظهر لهم سريرته وملأ أسماعهم مما ينطوي عليه من خبث سرائره جزاء لفعله ويمكن أن يكون الضمير في قوله به راجعا إلى الموصول ففي شرح السنة يقال سمعت بالرجل تسميعا إذا أشهرته وقوله أسامع خلقه هي جمع أسمع يقال سمع وأسمع


وأسامع جمع الجمع يريد أن الله يسمع أسماع خلقه به يوم القيامة وحاصله أن أسامع بالنصب مفعول سمع أي بلغ الله مسامع خلقه أنه مراء مزور وأشهره بذلك فيما بين الناس فأسامع جمع أسمع وهو جمع سمع بمعنى الأذن وروي سامع خلقه مرفوعا على أنه صفة لله فالمعنى سمع الله الذي هو سامع خلقه يعني فضحه الله قال صاحب الفائق في هذه الرواية ولو روي
بالنصب لكان المعنى سمع الله به من كان له سمع من خلقه وحقره وصغره بالتشديد فيهما أي جعله حقيرا ذليلا من الصغار وهو الذل ولا يبعد أن يجعله كالذر صغيرا كما ورد في حق المتكبرين والله سبحانه وتعالى أعلم رواه البيهقي وفي نسخة صحيحة رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان قال ميرك حديث عبد الله بن عمرو رواه الطبراني بأسانيد أحدها صحيح والبيهقي كذا قاله المنذري وعن أنس أن النبي قال من كانت نيته أي قصده الأصلي في الأمر العلمي والعملي طلب الآخرة أي مرضاة مولاه جعل الله غناه في قلبه أي جعله قانعا بالكفاف والكفاية كيلا يتعب في طلب الزيادة وجمع له شمله أي أموره المتفرقة بأن جعله مجموع الخاطر بتهيئته أسبابه من حيث لا يشعر به وأتته الدنيا أي ما قدر وقسم له منها وهي راغمة أي ذليلة حقيرة تابعة له لا يحتاج في طلبها إلى سعي كثير بل تأتيه هينة لينة على رغم أنفها وأنف أربابها ولذا قيل العلم يغطي ولو يبطي ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر أي جنس الاحتياج إلى الخلق كالأمر المحسوس منصوبا بين عينيه وشتت بتشديد التاء الأولى أي فرق عليه أمره ولا يأتيه منها أي من الدنيا إلا ما كتب له أي وهو راغم فلا يأتيه ما يطلب من الزيادة على رغم أنفه وأنف أصحابه قال الطيبي رحمه الله تعالى يقال جمع الله شمله أي ما تشتت من أمره وفرق الله شمله أي ما اجتمع من أمره فهو من الأضداد والحديث من باب التقابل والمطابقة فقوله جعل الله غناه في قلبه مقابل لقوله جعل الله الفقر بين عينيه وقوله جمع له شمله مقابل


لقوله وشتت عليه أمره وقوله وأتته الدنيا وهي راغمة مقابل لقوله ولا يأتيه منها إلا ما كتب له فيكون معنى الأول وأتاه ما كتب له من الدنيا وهي راغمة ومعنى الثاني وأتاه ما كتب له من الدنيا وهو راغم رواه الترمذي أي عن أنس ورواه أحمد والدارمي عن أبان بفتح همزة وتخفيف موحدة يصرف ولا
يصرف وهو ابن عثمان بن عفان تابعي سمع أباه وكثيرا من الصحابة عن زيد بن ثابت قال ميرك ورواه البزار والطبراني معناه وابن حبان في صحيحه وعن أبي هريرة قال قلت يا رسول الله بينا أنا في بيتي في مصلاي إذ دخل علي رجل فأعجبني الحال التي رآني عليها فقال رسول الله رحمك الله يا أبا هريرة قال الطيبي رحمه الله صدر الحديث أخبار فيه معنى الإستخبار يعني هل تحكم على هذا أنه رياء أم لا وكذلك طابقه قوله رحمك الله يا أبا هريرة لك أجران أجر السر أي لإخلاصك وأجر العلانية أي للإقتداء بك أو لفرحك بالطاعة وظهورها منك قيل معناه فأعجبه رجاء أن يعمل من رآه بمثل عمله فيكون له مثل أجره وهذا معنى قوله من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها ذكره في شرح السنة والأظهر أن إعجابه بحسب أصل الطبع المطابق للشرع من أنه يعجبه أن رآه أحد على حالة حسنة ويكره أن يراه على حالة قبيحة مع قطع النظر عن أن يكون ذلك العمل مطمحا للرياء ومطمعا للسمعة فيكون من قبيل قوله على ما رواه الطبراني عن أبي موسى من سرته حسنة وساءته سيئة فهو مؤمن وقد قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون يونس فالمؤمن يفرح بتوفيق الأعمال كما أن غيره يفرح بتكثير الأموال والله تعالى أعلم بالأحوال رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب أي إسنادا وقال ميرك نقلا عن الجزري رواه صاحب المصابيح في شرح السنة بهذا السياق من طريق سعد بن بشر عن الأعمش عن أبي هريرة ثم قال قال أبو عيسى الترمذي هذا حديث غريب وظاهر هذا الكلام يدل على أن الترمذي رواه هكذا والذي في الترمذي بغير هذا


اللفظ فقال حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو سنان الشيباني عن حبيب بن أبي ثابت عن أي صالح عن أبي هريرة قال قال رجل يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيسره فإذا اطلع عليه أعجبه ذلك فقال رسول الله له أجران أجر السر وأجر العلانية قال أبو عيسى هذا حديث غريب وقد روى الأعمش وغيره عن حبيب عن أبي صالح عن النبي مرسلا انتهى كلام الترمذي والله تعالى أعلم
وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله يخرج في آخر الزمان أي يظهر رجال يختلون بسكون الخاء وكسر التاء أي يطلبون الدنيا بالدين أي بعمل أهل الآخرة أو يستبدلونها به ويختارونها عنه والأظهر أن معناه يخدعون أهل الدنيا بعمل الدين من ختله إذا خدعه والمعنى يختلون في طلبها بملابسة الأمور الدينية والتدرع بلباسها على وجه الرياء والسمعة وسائر الأحوال الدنية كما يدل عليه قوله يلبسون للناس أي لا لله جلود الضأن بسكون الهمزة ويبدل والمراد به عينه أو ما عليه من الصوف وهو الأظهر فالمعنى أنهم يلبسون الأصواف ليظنهم الناس زهادا وعبادا تاركين الدنيا راغبين في العقبى من اللين أي من أجل إظهار التلين والتلطف والتمسكن والتقشف مع الناس وأرادوا به في حقيقة الأمر التملق والتواضع في وجوه الناس ليصيروا مريدين لهم ومعتقدين لأحوالهم ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب بهمز ويبدل أي أمر من مرارتها من شدة حب الدنيا والجاه وكثرة البغض والعداوة لأهل التقوى وغلبة الصفات البهيمية والشهوات الحيوانية والإرادات النفسانية كما قال تعالى ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام البقرة أي على الطعام وعلى تحصيل المال الحرام يقول الله أبي أي بإمهالي يغترون أي لم يدروا أني أمهل ولا أهمل والمراد بالإغترار هنا عدم الخوف من الله تعالى وترك التوبة من فعلهم القبيح أي أفلا يخافون من سخطي وعقابي أم علي أي على مخالفتي يجترئون أي بمكرهم الناس في إظهار


الأعمال الصالحة افتعال من الجراءة ولذا قيل الإجتراء الانبساط والتشجع قال الطيبي رحمه الله أم منقطعة أنكر أولا اغترارهم بالله وبإهماله إياهم حتى اغتروا ثم أضرب عن ذلك وأنكر عليهم ما هو أعظم منهم وهو اجتراؤهم على الله فبي أي فبذاتي وصفاتي حلفت لأبعثن من البعث أي لأسلطن أو لأقضين على أولئك أي الموصوفين بما ذكر منهم أي مما بينهم بتسليط بعضهم على بعض فتنة تدع الحليم أي تترك العالم الحازم فضلا عن غيره وفي بعض نسخ المصابيح الحكيم بالكاف بدل الحليم باللام والمؤدى واحد فيهم أي فيما بينهم حيران أي حال كونه متحيرا في الفتنة لا يقدر على دفعها ولا على الخلاص منها بالإقامة فيها ولا بالفرار منها قال الأشرف من في منهم يجوز أن يكون للتبيين بمعنى الذين والإشارة إلى الرجال وتقديره على أولئك الذين يختلون الدنيا بالدين وأن يجعل متعلقا بالفتنة أي لأبعثن


على الرجال الذين يختلون الدنيا بالدين فتنة ناشئة منهم رواه الترمذي وعن ابن عمر عن النبي قال إن الله تبارك أي تكاثر خيره وبره وتعالى أي تعاظم أن يدرك كنهه قال لقد خلقت خلقا أي جمعا من المخلوقين ألسنتهم أحلى من السكر أي لما يظهر عليهم من أثر الوعظ والذكر وأثر الصبر والشكر وقلوبهم أمر من الصبر ضبط في أكثر النسخ بكسر الباء وفي بعضها بسكونها وفي القاموس الصبر ككتف ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر عصارة شجر مر والمشهور على ألسنة العامة بكسر الصاد وسكون الباء ولعله مأخوذ من لغات الكتف فيكون من باب النقل تخفيفا فبي حلفت لأتيحنهم من الإتاحة بمعنى التقدير يقال أتاح الله لفلان كذا أي قدره له وأنزله به فالفعل من باب الحذف والإيصال فالمعنى لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران فبي يغترون بتقدير الإستفهام أم علي يجترئون رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن أبي هريرة قال قال النبي وفي نسخة رسول الله إن لكل شيء شرة بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء الحرص على الشيء والنشاط فيه والرغبة ولكل شرة فترة بفتح الفاء وسكون التاء أي وهنا وضعفا وفي نسخة برفعها والمعنى إن العابد يبالغ في العبادة في أول أمره وكل مبالغ يفتر ويسكن حدته ومبالغته في أمره ولو بعد حين فإن صاحبها فاعل فعل دل عليه قوله سدد أي قصد السداد والإستقامة أو اقتصد في أمر على مداومته لكن لا تقطعه الطاعة والعبادة وقارب أي دنا من التوسيط واحترز من الإفراط والتفريط فارجوه أي أن يكون من الفائزين فإن من سلك الطريق المتوسط يقدر على مداومته لكن لا تقطعوا له فإن الله هو الذي يتولى السرائر وإن أشير إليه بالأصابع أي وإن اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهورا بالزهد والعبادة وصار مشهورا ومشارا إليه فيها فلا تعدوه أي شيئا ولا تعتقدوه صالحا لكونه من المرائين حيث جعل أوقات فترته عبادة وهو لا


يتصور إلا فيما يتعلق به رياء وسمعة وأيضا إذا أقبل الناس عليه بوجوههم ربما زاد في العبادة وحصل له عجب وغرور فصار من الهالكين إلا أن يتداركه الله بفضله وجعله من المخلصين وتوضيحه أن الإنسان يشتغل بالأشياء على حرص شديد ومبالغة عظيمة في أول الأمر ثم إن تلك الشرة يتبعها فترة فإن كان مقتصدا محترزا عن جانبي الإفراط والتفريط وسالكا الطريق المستقيم فارجو كونه من الفائزين الكاملين وإن سلك طريق الإفراط حتى يشار إليه بالأصابع فلا تلتفتوا إليه ولا تعولوا عليه فإنه ربما يكون من الهالكين لكن لا تجزموا بأنه من الخاسرين ولا تعدوه منهم لكن لا ترجوه كما رجوتم المقتصد إذ قد يعصم الله في صورة الإفراط والشهرة كما أنه قد يعفو عن صاحب التفريط وراعي التقصير في العبادة قال الطيبي رحمه الله ويؤيد هذا التأويل الحديث الذي يليه والإستثناء فيه فترك ما للقسم الثالث لظهوره رواه الترمذي ورواه البيهقي عن ابن عمر مرفوعا ولفظه إن لكل شيء شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك وعن أنس عن النبي قال بحسب امرىء الباء زائدة أي يكفيه من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا فإن من اشتهر بخصلة قلما سلم من الآفات الخفية كالكبر والعجب والرياء والسمعة وغير ذلك من الأخلاق الدنية إلا من عصمه الله أي حفظه الله في مقام تقواه ولذا اختار طائفة من الصوفية طريق الملامية في كتمان العبادات الدينية إظهارا للشهوات النفسانية الدنية قيل للحسن البصري إن الناس قد أشاروا إليك بالأصابع فقال لا يريد النبي ذلك وإنما عنى به المبتدع في دينه الفاسق في دنياه انتهى ووجهه أن الإشارة إنما تكون في البدعة والغرابة لكن قد توجد في الكثرة المجاوزة عن حد العادة فيحصل به الإشارة والشرة فتارة تفضي بصاحبها إلى الرياء والسمعة والطمع من الناس في المنزلة وتارة يعصمه الله من نظر ما سواه فلا يلتفت إلى غيره


ويعرف أن الغير لا يقدر على دفع الشر ولا جلب الخير ولا اعتبار بالخلق مدحا وذما لا في العبارة ولا في الإشارة فإنه ما أيسر الدعوى وما أعسر المعنى فهذه حالة فيها إشارة إلى كمال البشارة لكنه مزلة الأقدام للرجال ومزلقة أفهام الجبال كما ورد لا يؤمن أحدكم حتى يكون الخلق عنده كالأباعر وتوضيحه ما ذكره الطيبي رحمه الله بأحسن عبارة وأزين إشارة حيث قال وبين الحال يعني حب الرئاسة والجاه في قلوب الناس هو من أخر غوائل النفس ومواطن مكائدها يبتلى به العلماء والعباد والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة من الزهاد فإنهم مهما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات وحملوها بالقهر على أصناف العبادات
عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح فطلبت الإستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل فوجدت مخلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلائق ولم تقنع باطلاع الخالق وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وحده فأحب مدحهم وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات وألذ الشهوات وهو يظن أن حياته بالله تعالى وعباداته وإنما حياته بهذه الشهوات الخفية التي تعمى عن دركها إلا العقول الناقدة قد أثبت اسمه عند الله من المنافقين وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين فهذه مكيدة للنفس لا يسلم عنها إلا الصديقون من المخلصين ولذلك قيل آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة وهو أعظم شبكة للشياطين فإذا المحمود هو المخمول إلا من شهره الله تعالى بنشر دينه من غير تكلف منه كالأنبياء والمرسلين والخلفاء الراشدين والعلماء المحققين والسلف الصالحين والحمد لله رب العالمين رواه البيهقي في شعب الإيمان أي عن أنس وعن أبي هريرة أيضا على ما في الجامع
الفصل الثالث


عن أبي تميمة قال المؤلف هو طريف بن مجالد الجهمي البصري كان أصله من عرب اليمن فباعه عمه وهو تابعي روى عنه نفر من الصحابة وعنه قتادة وغيره مات سنة خمس وتسعين قال شهدت صفوان وأصحابه الظاهر أن المراد به صفوان بن سليم الزهري مولى حميد بن عبد الرحمان بن عوف تابعي جليل القدر من أهل المدينة مشهور روى عن أنس بن مالك ونفر من التابعين كان من خيار عباد الله الصالحين يقال إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة ويقال إن جبهته ثقبت من كثرة السجود وكان لا يقبل جوائز السلطان ومناقبه كثيرة روى عنه ابن عيينة ذكره المؤلف ثم الظاهر أن المراد بأصحابه أتباعه في العلم والعمل وجندب أي حضرتهم والحال أن جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي وهو من أكابر الصحابة يوصيهم بالتخفيف ويشدد والمعنى يعظهم في الإستقامة على المجاهدة أو بزيادة العبادة أو بالاقتصاد في الطاعة أو بالإحتراز عن الرياء والسمعة وعن الإشارة والشهرة والأظهر الأخيران كما يدل عليه السؤال والجواب فقالوا هل سمعت من رسول الله شيئا أي من الأحاديث فحدثنا به وأفدنا من كلامه فإنه أقوى تأثيرا وألطف تعبيرا قال سمعت رسول الله


يقول من سمع سمع الله به يوم القيامة سبق مبناه ومعناه ومن شاق صيغة المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة فالمعنى إن من شق على نفسه بأن يكلفها فوق طاقتها أو شق على غيره بأن حمله فوق استطاعته ومنه قوله لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة قال الطيبي رحمه الله أطلق ليشمل فتأمل شق الله وفي نسخة صحيحه شاق الله عليه يوم القيامة قالوا أي الصحابة للنبي بدلالة المقام على ذكرهم وهو الظاهر أو صفوان وأصحابه لجندب على ما هو المتبادر من قاعدة رجوع الضمير أوصنا فقال إن أول ما ينتن بضم أوله أي ما يفسد من الإنسان بطنه أي في الدنيا فإنه محل النتن أو في القبر بالتفقع فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبا أي حلالا فليفعل أي ما استطاع أو معناه فليأكل فإن من عرف أن مال المأكول ما ذكر من الأحوال فلا ينبغي له أن يجتهد في لذات النفس من طرق الوبال بل عليه أن يكتفي بالحلال ولو بقليل من المال وقد أنشد ابن أدهم وما هي إلا جوعة قد سددتها وكل طعام بين جنبي واحد وتكلف الطيبي رحمه الله حيث قال نتن البطن كناية عن مسه النار وإنما يفتقر إلى هذا التأويل ليطابق قوله فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبا أي حلالا ونظيره قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا النساء ولا دلالة على أن أول ما يمس النار منه هو البطن ومن استطاع أن لا يحول أي من قدر على أن لا يمنع بينه وبين الجنة أي دخولها أولا مع الفائزين ملء كف من دم إهراقه بفتح الهاء ويسكن أي صبه فليفعل أي ما استطاع مما ذكر وقاله بقوله ملء كف إشارة إلى أن القليل يحول فكيف بالكثير وقيل إشعار إلى تسفيه القائل بأن فوت الجنة على نفسه بهذا الشيء الحقير المسترذل رواه البخاري وذكره السيوطي في باب نتن الميت وبلاء جسده إلا الأنبياء ومن ألحق بهم من كتاب شرح الصدور في أحوال القبور وأخرج البخاري من حديث جندب البجلي أول ما ينتن من الإنسان بطنه


انتهى والظاهر من عبارته أن الحديث بكماله مرفوع والله تعالى أعلم وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خرج يوما إلى مسجد رسول
الله فوجد معاذ بن جبل قاعدا عند قبر النبي يبكي فقال أي عمر رضي الله تعالى عنه ما يبكيك أي أي شيء يجعلك باكيا أشوقا إلى اللقاء أم وقوعا من الله ببعض البلاء أو غير ذلك من أسباب البكاء قال يبكيني شيء سمعته من رسول الله جواب سؤال مقدر يقول إن يسير الرياء أي قليله شرك أي عظيم أو نوع من الشرك يعني وهو في غاية من الخفاء لأنه أدق من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء وقلما يسلم منه الأقوياء فكيف الضعفاء فهو من جملة أسباب البكاء وسبب آخر أذى الأولياء وغالبهم أخفياء كما في الحديث القدسي أوليائي تحت قبائي لا يعرفهم غيري والإنسان لا يخلو عن بذاذة اللسان مع الإخوان مما يجر إلى العصيان وكأنه أراد هذا المعنى بقوله ومن عادى أي آذى وأغضب بالفعل أو القول لله وليا أي واحدا من أوليائه تعالى فقد بارز الله أي أظهر له نفسه بالمحاربة وفي التعبير عن المخالفة بالمحاربة إشارة إلى أنها جراءة عظيمة وجناية جسيمة قال الطيبي رحمه الله قوله لله لا يجوز أن يكون متعلقا بعادي فهو إما متعلق بقوله وليا أو صفة له قدم فصار حالا منه إن الله يحب الأبرار أي الذين يعملون عمل البر وهو الطاعة للحق والإحسان للخلق ولذا قال بعض العارفين مدار الدين على التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله الأتقياء أي عن الشرك الجلي والخفي وعن المناهي والملاهي الأخفياء أي عن نظر الخلق من عامتهم وعن مخالطتهم ومعاشرتهم الذين إذا غابوا أي من غاية الخمول لم يتفقدوا بصيغة المجهول ففي القاموس تفقده طلبه عند غيبته ومنه قوله تعالى وتفقد الطير النمل وإن حضروا أي فيما بينهم لم يدعوا بصيغة المفعول أي لم يطلبوا إلى الدعوة وغيرها ولم يقربوا بالمجهول أيضا أي ولم يقربهم العامة ولم يعرفوا قدر قربهم ومقدار


منزلتهم قال الطيبي رحمه الله قوله إن الله استئناف مبين لحقيقة الولي وذكر لهم أحوالا ثلاثا إذا كانوا سفرا لم يتفقدوا وإذا كانوا حاضرين لم يدعوا إلى مأدبة وإن حضروها لم يقربوا وتركوا في صف النعال وهذا تفصيل ما وردت رب أشعث أغبر لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره قلوبهم مصابيح الهدى أي هم أدلة الهداية وهداة العناية فيستحقون الرعاية بل ينبغي أن يطلب منهم الحماية يخرجون من كل غبراء مظلمة أي من عهدة كل مسألة مشكلة أو بلية معضلة وقال الطيبي رحمه الله كناية عن حقارة مساكنهم وإنها مظلمة مغبرة لفقدان أداة ما يتنور ويتنظف به رواه ابن ماجه أي في


سننه والبيهقي في شعب الإيمان وقد جاء في صدر حديث من أحاديث الأربعين مما رواه البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب قال شارح له أي أعلمته بمحاربته ومعاداته معي أو بأني سأحاربه وأقهره وأنتصر منه وأنتقم له وفي رواية وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث للجرو أي لولده وفي أخرى إنه ينتقم بعدوه ثم الولي بحسب التركيب يدل على القرب فكأنه قريب منه سبحانه لإستغراقه في نور معرفته وجماله وجلاله وكمال مشاهدته واختلفوا في تعريفه فقال المتكلمون الولي من كان آتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل وبالأعمال الشرعية أي كذلك ويؤيده ما قاله بعض الكبراء أنه إن كان العلماء ليسوا بأولياء فليس لله ولي وقال الغزالي رحمه الله تعالى الولي من كوشف ببعض المغيبات ولم يؤمر بإصلاح الناس وفي كل منهما نظر إذ أكثر الأولياء لا سيما من السلف الصالحين لم يظهر عليهم كرامة وكشف حالة بخلاف بعض الخلف المتأخرين فقيل لقوة قلوب الأولين وضعف دين الآخرين ولأن الأولياء هم العلماء العاملون لا شك أنهم كاملون في أنفسهم مكملون لغيرهم فهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله والواعظون عن الاشتغال بما سواه كما أشار إليه الحديث بقوله مصابيح الهدى فطوبى لمن بهم اقتدى وبنورهم استضاء واهتدى فالأقرب في معناه ما ذكره القشيري رحمه الله من أن الولي إما فعيل بمعنى المفعول وهو من يتولى الله حفظه وحراسته على التوالي أو بمعنى الفاعل أي من يتولى عبادة الله وطاعته ويتوالى عليها من غير تخلل معصية وكلا الوصفين شرط في الولاية انتهى كلامه وفيه إشعار بأن أو للتنويع وإيماء في الأول إلى المجذوب السالك المعبر عنه بالمراد وفي الثاني إلى السالك المجذوب المعبر عنه بالمريد وقد أشار إليهما سبحانه في قوله الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب الشورى وتحقيقه أن يقال الولي هو من يتولى الله بذاته


أمره فلا تصرف له أصلا إذ لا وجود له ولا ذات ولا فعل ولا وصف فهو الفاني بيد الباقي كالميت بين يدي الغاسل يفعل به ما يشاء حتى يمحو رسمه واسمه ويمحو عينه وأثره ويحييه بحياته ويبقيه ببقائه ويوصله إلى لقائه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إن العبد إذا صلى في العلانية فأحسن أي في أداء صلاته بالقيام بشرائطه وواجباته وسننه ومستحباته وكذا في سائر طاعاته وعباداته وصلى في السر أي في الخلوة عن الخلق فأحسن أي عمله اكتفاء بنظر الحق قال الله تعالى هذا أي العبد عبدي أي المخلص لي حقا أي صدقا خاليا عن أن يكون عمله


في العلانية نفاقا ولعل هذا هو السر في حثه أن تصلي السنن والنوافل في البيت رواه ابن ماجه وعن معاذ بن جبل أن النبي قال يكون أن يوجد ويحدث في آخر الزمان أقوام أي جماعات كثيرة أو مختلفة مؤتلفة إخوان العلانية أعداء السريرة أي أحباء في الظواهر وأعداء في السرائر ذكرهما من غير عطف على سبيل التعداد أو من قبيل الخبر بعد الخبر قال الطيبي رحمه الله في مقدرة فيها وفي قرينتها الجوهري السر ما يكتم والسريرة مثله فقيل يا رسول الله وكيف يكون ذلك أي ما ذكر وما يكون سببه قال ذلك برغبة بعضهم إلى بعض أي بسبب طمع طائفة منهم إلى أخرى ورهبة بعضهم أي خوفهم من بعض والحاصل أنهم ليسوا من أهل الحب في الله والبغض لله بل أمورهم متعلقة بالأغراض الفاسدة والمقاصد الكاسدة فتارة يرغبون في قوم لأغراض فيظهرون لهم الصداقة وتارة يكرهون قوما لعلل فيظهرون لهم العداوة وخلاصته أنه لا عبرة بمحبة الخلق وعداوتهم فإنهما مبنيتان على غرضهم وشهوتهم وعن شداد بن أوس قال سمعت رسول الله يقول من صلى يرائي أي مرائيا فقد أشرك أي شركا خفيا كما سيجيء مصرحا فيما يليه من حديثه ومن صام يرائي فقد أشرك فيه إشعار بأن الرياء له مدخل في الصيام أيضا خلافا لمن نفاه وعلله بأن مدار الصوم على النية ولا يدخل فيها الرياء ولا عبرة بعدم أكله وشربه مع عدم صحة الطوية فإنا نقول الرياء المحصن لا يتصور في الصوم لكن الرياء قد يوجد على وجه الاشتراك بأن يريد به وجه الله ويريد به أيضا التشهير أو غرضا سواه سواء يكون المقصدان متساويين أو متقابلين على ما تقدم تفصيل المرام في كلام حجة الإسلام ومن تصدق يرائي فقد أشرك رواهما أي الحديثين أحمد


وعنه أي عن شداد أنه بكى فقيل له ما يبكيك قال شيء أي يبكيني شيء سمعت أي سمعته من رسول الله فيه استعمال من على أصله يقول أي حال كونه قائلا وفيه نوع من التأكيد فذكرته أي المسموع أو المقول فأبكاني أي فصار ذلك سببا لحزني وبكائي وفيه نوع من الإجمال ولذا استأنف بيانه فقال سمعت رسول الله يقول أتخوف قال الراغب الخوف توقع أمر مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة والتخوف ظهور الخوف من الإنسان انتهى والظاهر أن التاء للمبالغة والمعنى أخاف خوفا كثيرا على أمتي الشرك أي الخفي ويدل على صحة تقديرنا ما جاء في رواية أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله والشهوة الخفية أي التي لا يدركها إلا أصحاب الرياضات الرضية والمجاهدات القدسية والمخالفات النفسية قال قلت يا رسول الله أتشرك بالتذكير وتؤنث أمتك من بعدك قال نعم أما بالتخفيف للتنبيه على أنه لا يريد به الشرك الجلي إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا أي ولا صنما ونحو ذلك فهو تعميم بعد تخصيص ولكن يراؤون بأعمالهم وقد قال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا الكهف والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما أي ناويا للصوم فتعرض بكسر الراء مرفوعا ومنصوبا أي فتظهر له شهوة من شهواته أي كالأكل والجماع وغيرهما ذكره الطيبي رحمه الله والأظهر أن المراد بالشهوة الخفية شهوة خاصة عزيزة الوجود من بين مشتهيانه بحيث لا توجد في جميع أوقاته فيميل إليها بالطبع ولا يلاحظ مخالفته للشرع حيث قال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم محمد والنفل يلزم بالشروع فيجب إتمامه فيترك صومه أي وهو حرام عليه من غير ضرورة داعية إليه قال الطيبي رحمه الله يعني إذا كان الرجل في طاعة من طاعات الله تعالى فتعرض له شهوة من شهوات نفسه يرجح جانب النفس على جانب الله تعالى فيتبع هوى نفسه فيؤديه ذلك إلى الهلاك والردى قال تعالى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى


وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى النازعات اه وفيه أن المراد بالهوى في الآية الشهوة الجلية وهي المحرمات والأمور المنهية ثم قال وسمى خفيا لخفاء هلاكه أو مشاكلة لقوله الشرك لأن المراد منه الشرك
الخفي بدلالة ما ذكر في الحديث الآتي انتهى وفيه أنه لا يظهر وجه المشاكلة لا في الاطلاق ولا في التقييد بحسب المقابلة رواه أحمد أي في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان قال ميرك ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد وفي الجامع الشهوة الخفية والرياء شرك رواه الطبراني عن شداد ورواه ابن ماجه عنه ولفظه إن أخوف ما أخاف على أمتي الإشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية وعن أبي سعيد أي الخدري كما في نسخة قال خرج علينا رسول الله ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال ألا أخبركم قال الطيبي رحمه الله ألا ليست للتنبيه بل هي لا النافية دخلت عليها همزة الاستفهام يعني بقرينة بلى في جوابهم والمعنى ألا أعلمكم بما هو أخوف عليكم أي لعمومه وخفائه عندي أي في شريعتي وطريقتي من المسيح الدجال أي لخصوص وقته ولظهور مقته فيجب عليكم رعاية محافظته فقلنا بلى يا رسول الله قال الشرك الخفي أن يقوم بدل مما قبله أو التقدير هو أن يقوم الرجل فيصلي بالرفع والنصب وكذا قوله فيزيد أي في الكمية أو الكيفية صلاته أي في جميع أركانها أو بعضها لما يرى من نظر رجل أي مخلوق مثله إليه ولم يكتف بإطلاعه سبحانه عليه رواه ابن ماجه وعن محمود بن لبيد أنصاري أشهلي ولد على عهد رسول الله وحدث عنه أحاديث قال البخاري له صحبة وقال أبو حاتم لا يعرف له صحبة وذكره مسلم في التابعين وقال ابن عبد البر الصحيح قول البخاري إن النبي قال إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر فيه دلالة على أن التعبير بالشرك الأصغر وقع في هذا الحديث أولا قال الرياء أي جنس الرياء والسمعة


من الظهور والخفاء
رواه أحمد وزاد البيهقي في شعب الإيمان يقول الله لهم أي للمرائين يوم يجازي العباد على بناء الفاعل ونصب العباد وفي نسخة على بناء المفعول ورفع العباد بأعمالهم أي أن خيرا فخير وإن شرا فشر اذهبوا أي أيها المراؤون إلى الذين كنتم تراؤون أي في حسن العبادة أو أصلها نظرهم تراعون فانظروا هل تجدون عندهم جزاء وخيرا الواو بمعنى أو كما في نسخة أو عطف تفسير والله تعالى أعلم قال الحافظ المنذري حديث محمود بن لبيد هذا رواه أحمد بإسناد جيد وابن أبي الدنيا والبيهقي في الزهد وغيره وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله لو أن رجلا عمل عملا في صخرة أي في داخل حجر صلب فرضا أو في جوف كهف جبل لا باب لها ولا كوة بفتح الكاف وتضم وتشديد الواو أي طاقة وقيل هي بالفتح إذا كانت غير نافدة وبالضم إذا كانت نافذة فالأولى أولى لأنها في باب المبالغة أعلى خرج عمله إلى الناس أي ظهر عليهم كائنا أي ذلك العمل ما كان أي من الأعمال ونصب كائنا على الحال أي حال كون ذلك العمل أي شيء كان خيرا أو شرا من الأقوال والأفعال وفي نسخة من كان فالتقدير كائنا ذلك العامل أو صاحب العمل من كان أي سواء أراد ظهوره أو لم يرده لقوله تعالى والله مخرج ما كنتم تكتمون البقرة وعن عثمان بن عفان بلا صرف ويصرف رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله من كانت بالتأنيث وفي نسخة من كان له سريرة أي طوية صالحة أو سيئة أظهر الله منهما أي من تلك السريرة رداء أي علامة من هيئة وصورة يعرف به أي يمتاز به عن غيره كما يعرف بالرداء كون الرجل من الأعيان أو غيره من ا لأعوان وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي قال إنما


أخاف على هذه الأمة أي أمة الإجابة كل منافق بالنصب والمعنى ما أخاف عليهم إلا شر كل منافق أي مراء أو فاسق يتكلم بالحكمة أي بالشريعة والموعظة الحسنة ويعمل بالجور أي بالظلم والسيئة ويعدل عن جادة الإستقامة وقد أبعد الطيبي رحمه الله حيث جوز أن يكون كل منافق مجرورا بدلا من هذه الأمة فإنه يقتضي أن يكون التقدير ما أخاف إلا على كل منافق ولا يخفى فساده اللاحق سواء جعل بدل الكل أو البعض فإن المبدل حينئذ يكون في قوة المطروح ويقع الاهتمام بشأن البدل فتأمل ثم لا يفيده استدراكه بقوله أي أخاف عليهم من النفاق فإن هذا المعنى صحيح في نفس الأمر بالوفاق روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في شعب الإيمان وعن المهاجر بن حبيب لم يذكره المؤلف في أسمائه قال قال رسول الله قال الله تعالى إني لست كل كلام الحكيم أي جميع قول العالم وهو مفعول مقدم لخبر ليس وهو قوله أتقبل لأني لا أنظر إلى الأقوال وحركة اللسان بل أنظر إلى الأحوال وبركة الجنان وهذا معنى قوله ولكني أتقبل همه أي نيته ولو كانت في أوائل مراتب الخواطر وهواه أي قصده المقرر في الأواخر لأن نية المؤمن خير من عمله حتى له الأجر على طول أمله ولو بعد حلول أجله فإن كان همه وهواه في طاعتي أي في موافقتي جعلت صمته أي سكوته حمدا لي أي بمنزلة الثناء اللساني علي ووقارا أي سكينة وطمأنينة ورزانة في الحكم ومتانة في العلم ولو لم يتكلم أي بالحمد ونحوه ومفهومه فإن كان همه وهواه في معصيتي أي مخالفتي جعلت كلامه وزرا وإن تكلم بالحمد وأظهر علما وذكرا رواه الدارمي في مسنده


باب البكاء والخوف
جمع بينهما تنبيا لتلازمهما غالبا وقدم البكاء ولو سببه الخوف لظهوره أولا أو أريد بالخوف التعميم فذكره بعد البكاء كالتتميم ثم البكاء بالقصر خروج الدمع مع الحزن وبالمد
خروجه مع رفع الصوت كذا قيل والمد أشهر والظاهر أن المراد به ههنا المعنى الأعم فحمله على التجريد في أحد معينيه هو ألا تم

الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال أبو القاسم والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم أي من عقاب الله للعصاة وشدة المناقشة يوم الحساب للعتاة وكشف السرائر وخبث النيات لبكيتم جواب القسم السادس جواب لو كثيرا أي بكاء كثيرا أو زمانا كثيرا أي من خشية الله ترجيحا للخوف على الرجاء وخوفا من سوء الخاتمة ولضحكتم قليلا وكأن الحديث مقتبس من قوله تعالى فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا التوبة هذا قال الغزالي رحمه الله هذا الحديث من الأسرار التي أودعها قلب محمد الأمين الصادق ولا يجوز إفشاء السر فإن صدور الأحرار قبور الأسرار بل كان يذكر ذلك لهم حتى يبكوا ولا يضحكوا فإن البكاء ثمرة شجرة حياة القلب الحي بذكر الله واستشعار عظمته وهيبته وجلاله والضحك نتيجة القلب الغافل عن ذلك فبيان الحقيقة حث الخلق على طلب القلب الحي والتعوذ من القلب الغافل رواه البخاري أي من حديث أبي هريرة وهو متفق عليه من حديث أنس وكذا رواه الترمذي والنسائي ذكره ميرك وفي الجامع رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس والحاكم عن أبي هريرة ورواه الضياء عن أبي ذر وزاد ولما ساغ لكم الطعام والشراب ورواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن أبي الدرداء ولفظه لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى لا تدرون تنجون أو لا تنجون وسيأتي هذا الحديث في الفصل الثاني مطولا وروي أن المنادي ينادي من السماء ليت هذا الخلق لم يخلقوا وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا وعن الصديق الأكبر أنه قال وددت


أني أكون خضرا تأكلني الدواب مخافة العذاب وعن عمر الفاروق أنه سمع إنسانا يقرأ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا الإنسان فقال ليتها تمت بل ورد عنه في رواية أنه قال ليت رب محمد لم يخلق محمدا وعن الفضيل أنه قال إني لا أغبط ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا عبدا صالحا أليس هؤلاء يعاينون يوم القيامة إنما أغبط من لا يخلق وعن أم العلاء الأنصارية هي من المبايعات روى عنها خارجة بن زيد بن ثابت وهي أمه وكان رسول الله يعودها في مرضها قالت قال رسول الله والله لا أدري وفي نسخة والله لا أدري مكررا وأنا رسول الله جملة خالية ما يفعل بي ولا بكم مفعول لا أدري ودخول لا لمزيد التأكيد ليفيد اشتمال النفي على كل واحد من القبيلتين على حدة قال الطيبي رحمه الله فيه وجوه أحدها أن هذا القول منه حين قالت امرأة عثمان بن مظعون لما توفي هنيئا لك الجنة زجرا لها على سوء الأدب بالحكم على الغيب ونظيره قوله لعائشة رضي الله عنها وعن أبيها حين يسمعها تقول طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة قلت لا يخفى أن هذا سبب ورود الحديث وزمان صدوره ولا مدخل له في إزالة إشكال معناه وثانيها أن يكون هذا منسوخا بقوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح كما ذكره ابن عباس في قوله تعالى وما أدري ما يفعل بي ولا بك الأحقاف قلت وفيه أن النسخ على تقدير صحة تأخير الناسخ إنما يكون في الأحكام لا في الأخبار كما هو مقرر في الاعتبار وثالثها أن يكون نفيا للدراية المفصلة دون المجملة قلت هذا هو الصحيح ورابعها أن يكون مخصوصا بالأمور الدنيوية من غير نظر إلى سبب ورود الحديث قلت وهذا مندرج فيما قبله والحكم بطريق الأعم هو الوجه الأتم والمراد من الأمور الدنيوية بالنسبة إليه هي الجوع والعطش والشبع والري والمرض والصحة والفقر والغنى وكذا حال الأمة وقيل المعنى وأخرج من بلدي أم أقتل كما فعل بالأنبياء قبلي وأترمون بالحجارة أم يخسف


بكم كالمكذبين من قبلكم والحاصل أنه يريد نفي علم الغيب عن نفسه وأنه ليس بمطلع على المكنون قال التوربشتي لا يجوز حمل هذا الحديث وما ورد في معناه على أن النبي كان مترددا في عاقبة أمره غير متيقن بما له عند الله من الحسنى لما ورد عنه من الأحاديث الصحاح التي ينقطع العذر دونها بخلاف ذلك وأنى يحمل على ذلك وهو المخبر عن الله تعالى أنه يبلغه المقام المحمود وأنه أكرم الخلائق على الله تعالى وأنه أول شافع وأول مشفع إلى غير ذلك رواه البخاري


وعن جابر قال قال رسول الله عرضت علي النار أي أظهرت لي وأهلها فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل أي من مؤمنيهم تعذب في هرة أي في شأن هرة ولأجلها وفي نسخة صحيحة في هرة لها ربطتها استئناف بيان فلم تطعمها أي كفايتها ولم تدعها أي ولم تتركها تأكل بالرفع والجملة حال أي تصيد وتأكل من خشاش الأرض بفتح الخاء المعجمة وتكسر وتضم ففي القاموس الخشاش مثلث حشرات الأرض وقال ابن الملك هو بفتح الخاء المعجمة وكسرها وضمها والفتح أظهر وفي النهاية وروي بالحاء المهملة وهو يابس النبات وهو وهم حتى ماتت أي الهرة جوعا ورأيت عمرو بن عامر الخزاعي بضم الخاء المعجمة نسبة إلى بني خزاعة قبيلة مشهورة قال التوربشتي هو أول من سن عبادة الأصنام بمكة وحمل أهلها بالتقرب إليها بتسييب السوائب وهو أن يترك الدابة فتسيب حيث شاءت فلا ترد عن حوض ولا علف ولا يتعرض لها بركوب ولا حمل وكانوا يسيبون العبيد أيضا بأن يعتقوهم ولا يكون الولاء للمعتق ولا على المعتق حجر في ماله فيضعه حيث شاء وقد قال له إنه سائبة يجر أي يجذب قصبه بضم قاف فسكون صاد مهملة أي أمعاءه في النار وقيل لعل النبي كوشف من سائر ما كان يعاقب به في النار بجر قصبه في النار لأنه استخرج من باطنه بدعة جر بها الجريرة إلى قومه الجريمة وكان أول من سيب السوائب أي وضع تحريم السوائب جمع سائبة وهي ناقة يسيبها الرجل عند برئه من المرض أو قدومه من السفر فيقول ناقتي سائبة فلا تمنع من المرعى ولا ترد عن حوض ولا عن علف ولا يحمل عليها ولا يركب عليها ولا تحلب وكان ذلك تقربا منهم إلى أصنامهم وقيل هي ناقة ولدت عشر إناث على التوالي ذكره ابن الملك رواه مسلم أي من حديث طويل يتضمن ذكر صلاة الكسوف عن جابر واتفق هو والبخاري على إخراج حديث الهرة عن ابن عمر وعن أبي هريرة أيضا وليس فيه ذكر عمرو بن عامر لكن رؤيا حديث عمرو من حديث أبي هريرة كذا نقله ميرك عن التصحيح وفي الجامع رأيت عمرو بن عامر


الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب وبحر البحائر يعني إذا نتجت الناقة خمسة أبطن بحروا أذنها أي شقوها وخلوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب
وعن زينب بنت جحش مر ذكرها وهي إحدى أمهات المؤمنين أن رسول الله دخل عليها يوما فزعا بفتح فكسر أي خائفا يقول لا إله إلا الله ويل للعرب ففي القاموس الويل حلول الشر وهو تفجيع انتهى وخص بذلك العرب لأنهم كانوا معظم من أسلم حينئذ من شر أي خروج جيش يقاتل العرب قد اقترب أي قرب ذلك الشر في غاية القرب بيانه قوله فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج بالألف ويهمز فيهما بلا انصراف والمراد بالردم السد والاسم والمصدر فيه سواء وهو السد الذي بناه ذو القرنين مثل هذه بالرفع على أنه نائب الفاعل لقوله فتح والإشارة إلى الحلقة المبينة بقوله وحلق بتشديد اللام أي جعل حلقة بإصبعيه أي بضمهما الإبهام والتي تليها بالنصب على أنه مفعول حلق أو على تفسير الأصبعين بتقدير أعني ويجوز جرهما على البدلية والمراد أنه لم يكن في ذلك الردم ثقبة إلى اليوم وقد انفتحت فيه إذ انفتاحها من علامات قرب الساعة فإذا اتسعت خرجوا وذلك بعد خروج الدجال كما سيأتي قريبا ويأجوج ومأجوج جنسان من بني آدم وطائفتان كافرتان من الترك قالت زينب فقلت يا رسول الله أفنهلك بصيغة المجهول من الإهلاك وفي نسخة صحيحة بفتح النون وكسر اللام وفينا الصالحون أي أنعذب فنهلك نحن معشر الأمة والحال أن بعضنا مؤمنون وفينا الطيبون الطاهرون ويمكن أن يكون هذا من باب الإكتفاء على تقدير الإستغناء أي وفينا الصالحون ومنا القاسطون قال نعم أي يهلك الطيب أيضا إذا كثر الخبث بفتحتين أي الفسق والفجور والشرك والكفور وقيل معناه الزنا والمقصود أن النار إذا وقعت في موضع واشتدت أكلت الرطب واليابس وغلبت على الطاهر والنجس ولا تفرق بين المؤمن والمنافق والمخالف والموافق وسيأتي أن الله إذا أنزل بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على


أعمالهم وفي نسخة صحيحة الخبث بضم فسكون أي الفواحش والفسوق أو معناهما واحد متفق عليه وروى أبو داود والحاكم عن أبي هريرة ويل للعرب من شر قد اقترب قد أفلح من كف يده
وعن أبي عامر هو عم أبي موسى الأشعري واسمه عبيد بن وهب وأبي مالك الأشعري ويقال له الأشجعي واسمه مختلف فيه وقد أخرج حديثه البخاري بالشك فقال عن أبي مالك الأشعري أو أبي عامر قال أي أحدهما سمعت رسول الله يقول ليكونن من أمتي كذا هو في نسخ البخاري أي من جملتهم ووقع في المصابيح في أمتي أقوام أي جماعات يستحلون الخز بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي نوع من الحرير رديه والحرير والخمر تخصيص بعد تعميم أو المراد بالنهي عن الخز هو الركوب عليه وفرشه للوطء لأنه من الإسراف وهو مكروه وإلا فلا ونهيه عن لبسه فإنه ثوب ينسج من صوف وإبريسم نعم إذا كان لحمته حريرا وسداه غيره فممنوع لبسه إلا في الحرب بخلاف العكس فإنه قطني مشروع لبسه والمعازف بفتح الميم أي آلات اللهو يضرب بها كالطنبور والعود والمزمار ونحوها والمعنى يعدون هذه المحرمات حلالا بإيرادا شبهات وأدلة واهيات منها ما ذكره بعض علمائنا من أن الحرير إنما يحرم إذا كان ملتصقا بالجسد وأما إذا لبس من فوق الثياب فلا بأس به فهذا تقييد من غير دليل نقلي ولا عقلي ولإطلاق كلام الشارع بقوله من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وكثير من الأمراء والعوام إذا قيل لهم لبس الحرير حرام يقولون لو كان حراما لما لبسه القضاة وعلماء الأعلام فيقعون في استحلال الحرام وكذلك لبعض العلماء تعلقات بالمعازف يطول بيانها فأعرضت عن تفصيل شأنها فإنه يحتاج إلى مصنف مستقل في تبيانها وهذا الحديث مؤيد بقوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم لقمان وروى ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن أنس مرفوعا ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف أي إذا


فعلوا هذه الأشياء مستحلين لها ولينزلن أقوام أي منهم على ما هو الظاهر من استحقاقهم العذاب إلى جنب علم أي جبل يروح أي يسير عليهم بسارحة لهم أي ماشية لهم والباء زائدة في الفاعل وقيل الصواب يروح عليهم رجل سارحة ذكره الطيبي رحمه الله والأظهر أن الفعل نزل منزلة اللازم والتقدير يقع السير عليهم بسير ماشية وفيه إشارة لطيفة إلى أنهم في سيرهم تابعون لحيواناتهم على مقتضى الطباع الحيوانية والشهوات النفسانية وتاركون متابعة العلماء بالآيات القرآنية والأحاديث النورانية ولذا وقعوا فيما وقعوا أولا وجوزوا على ما فعلوه آخرا


وقيل الأظهر أن الفاعل ضمير مفهوم من السياق أي يأتيهم راعيهم كل حين بسارحة أي ماشية لهم تسرح بالغدوة ينتفعون بألبانها وأوبارها يأتيهم رجل لحاجة أي ضرورية وإلا فهم مبعدون من أن يأتيهم الناس أو من أن يحصل لهم بأحد من المؤمنين شيء من الاستئناس فيقولون أي تعللا أو بخلا وتذللا ارجع إلينا غدا أي لنقضي حاجتك أو لنؤدي طلبتك من غير أن يقولوا إن شاء الله فيبيتهم بالتشديد أي يعذبهم الله بالليل فإنه أدهى بالويل ويضع أي يوقع الله ويسقط العلم أي الجبل على بعضهم كما يدل عليه قوله ويمسخ آخرين قردة وخنازير أي ويحول صور بعضهم إلى صور القردة والخنازير فيكون نصبها بنزع الخافض وإيصال الفعل إليهما ففي القاموس مسخه كمنعه حول صورته إلى أخرى ولعل المراد أن شبابهم صاروا قردة وشيوخهم خنازير لكثرة ذنوب الكبار وتخفيف أمر الصغار فإن القرد يبقى فيه نوع من المعرفة وصنف من المشابهة بالجنس الإنساني وقوله إلى يوم القيامة إشارة إلى أن مسخهم امتد إلى الموت وإن من مات فقد قامت قيامته ويمكن أن يكون حشرهم على تلك الصور أيضا رواه البخاري وكذا أبو داود وروى الطبراني عن أبي أمامة ليبيتن أقوام من أمتي على أكل ولهو ولعب ثم ليصبحن قردة وخنازير وفي بعض نسخ المصابيح الحر بالحاء أي المكسورة والراء أي المخففة المهملتين وهو تصحيف وإنما هو بالخاء أي المفتوحة والزاي أي المشددة المعجمتين نص عليه الحميدي أي الجامع بين الصحيحين وابن الأثير أي صاحب جامع الأصول في هذا الحديث وفي كتاب الحميدي عن البخاري أي رواية عنه أيضا وكذا في شرحه أي شرح البخاري للخطابي تروح قيل بالتأنيث ويجوز تذكيره بل هو الأظهر فتدبر عليهم سارحة لهم أي بغير الباء الجارة يأتيهم لحاجة أي بحذف الفاعل والتقدير يأتيهم الآتي أو المحتاج أو الرجل على ما يفهم من السياق وللإسماعيلي يأتيهم طالب حاجة على ما ذكره العسقلاني والله تعالى أعلم ثم للشراح هنا مباحث شريفة وأجوبة


لطيفة منها قول الشيخ التوربشتي رحمه الله الحر بتخفيف الراء الفرج وقد صحف هذا اللفظ في كتاب المصابيح وكذلك صحفه بعض الرواة من أصحاب الحديث فحسبوه الخز بالخاء والزاي المنقوطتين والخز لم يحرم حتى يستحل ولقد وجدت من الناس من اعتنى بخط من كان يعرف بعلم الحديث وحفظه فقد كان قيده بالخاء والزاي المنقوطتين حتى ثبت له أنه صحف أو اتبع رواية بعض من لم يعلم ومنها قوله أيضا في قوله
تروح عليهم بسارحته سقط منه فاعل تروح فالتبس المعنى على من لم يعلم به وإنما الصواب يروح عليهم رجل بسارحة لهم كذا رواه مسلم في كتابه وإنما السهو من المؤلف لأنا وجدنا النسخ سائرها على ذلك ومنها قوله ويضع العلم سقط كلمة وهي عليهم انتهى ويؤيده ما ذكره صاحب المفاتيح من شراح المصابيح من أن الحر بحاء مهملة مكسورة وراء مهملة مخففة وأصله الحرح فحذفت الحاء الأخيرة وجمعه أحراح والحر الفرج يعني قد يكون جماعة في آخر الزمان يزنون ويعتقدون أنه إذا رضي الزوج والمرأة حل منها جميع أنواع الإستمتاعات ويقولون المرأة مثل البستان فكما أن لصاحب البستان أن يبيح ثمرة بستانه لمن شاء فكذلك للزوج أن يبيح زوجته لمن شاء والذين لهم هذا الاعتقاد هم الحرفيون والملاحدة وأما لبس الحرير فهو حرام على الرجال ومن اعتقد حله فهو كافر وفي هذا الحديث اختلف نسخ المصابيح في موضعين أحدهما في الحر فإنه في بعض النسخ بالخاء والزاي المعجمتين والصواب ما قلنا فإنه ذكر في سنن أبي داود بالحاء والراء المهملتين والموضع الثاني قوله يروح عليهم رجل بسارحته لهم ففي بعض النسخ هكذا وفي بعضها يروح عليهم من غير لفظ رجل والرجل مذكور في سنن أبي داود وأفاد هذا الحديث أنه يكون في آخر الزمان نزول الفتن ومسخ الصور فليجتنب المؤمن المعاصي كيلا يقع في العذاب ومسخ الصور قال الطيبي رحمه الله بعد نقله كلام الشارح الأول أما قوله أولا فقد صحف إلى آخره فجوابه ما ذكره الحميدي في الجمع بين


الصحيحين في هذا الحديث بعد ما روى يستحلون الخز بالخاء والزاي المعجمتين قلت معارضة الخصم لا تصلح أن تكون جوابا قال والذي ذكره أبو إسحاق الحربي في باب الحاء والراء ليس من هذا في شيء إنما هو حديث آخر عن أبي ثعلبة عن النبي قال أول دينكم نبوة ورحمة ثم ملك ورحمة وخيرة ثم ملك عض يستحل فيه الحر والحرير يريد استحلال الحرام من الفروج وهذا لا يتفق مع الذي أخرجه البخاري وكذلك أخرجه أبو داود في السنن في كتاب اللباس في باب الخز ولباسه وإنما ذكرنا ذلك لأن من الناس من يتوهم في ذلك شيئا فبيناه وحديث أبي ثعلبة ليس من شرط الصحيح ثم كلامه أي كلام أبي إسحاق وقريب منه ما ذكره صاحب النهاية في باب الحاء والراء المهملتين قلت كونه حديثا آخر مسلم لكنه مؤيد للمنازع فيه بل نص في المعنى المراد ولا يضره أنه ليس على شرط الشيخين إذا ثبت صحته والأصل توافق الأحاديث لأن بعضها يفسر بعضا لا سيما والخز بالزاي ليس من المحرمات حتى يكون استحلاله من الكفريات ثم رأيت في الجامع الصغير أن ابن عساكر روى عن علي مرفوعا أوشك أمتي أن تستحل فروج النساء والحرير وأما قوله ثانيا والخز لم يحرم حتى يستحل فجوابه ما ذكره ابن الأثير في النهاية في حديث علي أنه نهى عن ركوب الخز والجلوس عليه والخز المعروف في الزمن الأول ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة وقد لبسها


الصحابة والتابعون فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين وإن أريد بالخز النوع الآخر وهو المعروف الآن فهو حرام لأن جميعه معمول من الإبريسم وعليه يحمل الحديث الآخر معنى هذا الحديث يستحلون الخز والحرير ثم كلامه أي كلام ابن الأثير وفيه أن كون الركوب على الخز وفراشه مكروها مع أن الحرير كذلك لا يقتضي أن استباحته كفر يوجب العذاب لا سيما والخز لغة واصطلاحا في زمنه كان من جملة المباحات فكيف يصح أن يحمل عليه وأما على ما تعورف عند بعض الناس من حمل الخز على الإبريسم فيبعد كلامه أن يفسر به لا سيما مع وقوع تكراره مع صريح لفظ الحرير والأصل التغاير بين المتعاطفين قال الطيبي رحمه الله فإن قلت كيف يعطف الحرير على الخز والأول مكروه والثاني حرام على المعنى الأول وعلى الثاني يلزم عطف الشيء على نفسه أو كيف يحرم وإنه لم يكن مصطلحا حينئذ والجواب عن الأول أنه ذهب إلى التغليب لإرادة التغليظ قلت التغليب تغلب وعن ظاهره تقلب قال والجواب عن الثاني أنه عطف بيان وعن الثالث بأنه إخبار عن الغيب فكان معجزة قلت عطف البيان مسلم لو كان الخز في زمنه يطلق على الحرير وأما جعله معجزة بأنه يطلق بعده على الحرير ففي غاية من البعد قال وأما قوله ثالثا سقط منه فاعل يروح فالتبس المعنى فجوابه أنه ما التبس منه بل رواه البخاري كما في المصابيح ولكن الحميدي والخطابي وصاحب جامع الأصول ذكروا تروح عليهم سارحة بالتاء المقيدة بنقطتين من فوق ويرفع سارحة على الفاعلية فوجب أن يقال إن الباء زائدة على أن الباء تزاد في الفاعل كما استدل بقول امرىء القيس ألا هل أتاها والحوادث جمة بأن امرأ القيس بن نملك بيقرا قلت لا شك في وقوع الالتباس على تلك النسخة وزيادة الباء في الفاعل من مختصات كفى والبيت ليس نصا في المعنى بل الأظهر فيه حذف الفاعل على ما جوزه بعضهم قال وأما نسبته إلى مسلم وأنه رواه في كتابه كذا فهو سهو منه لأني ما وجدت


الحديث في كتاب مسلم فكيف وقد أورده الحميدي في أفراد البخاري فحسب وصاحب جامع الأصول رواه عن البخاري وأبي داود قلت من حفظ حجة على من لم يحفظ والمثبت مقدم على النافي والشيخ ثقة محقق لا سيما وهو في صدد الاحتجاج قال وأما قوله رابعا وقد سقط منه كلمة عليهم فإني ما وجدت في الأصول هذه الكلمة ثابتة قلت فثبت المدعي بالأقوى مع أنه أثبت وجوده في بعض النسخ وأسنده إلى مسلم وإسناده مسلم ثم قال فإن قلت كيف يكون نزول بعضهم إلى جنب علم ورواح سارحتهم عليهم ودفعهم ذا الحاجة بالمطل والتسويف سببا لهذا العذاب الأليم والنكال الهائل العظيم قلت إنهم لما بالغوا في


الشح والمنع بولغ في العذاب وبيان ذلك أن في إيثار ذكر العلم على الجبل إيذانا بأن المكان مخصب ممرع ومقصد لذوي الحاجات فيلزم منه أن يكونوا ذوي ثروة وموئلا للملهوفين فلما دل خصوصية المكان على ذلك المعنى دل خصوصية الزمان في قوله تروح عليهم سارحتهم وتعديته بعلى المنبهة للإستعلاء على أن ثروتهم حينئذ أوفر وأظهر وأن احتياج الواردين إليهم أشد وأكثر لأنهم أحوج ما يكونون حينئذ وفي قولهم ارجع إلينا غدا إدماج لمعنى الكذب وخلف الموعد واستهزاء بالطالب فإذا يستأهلون قلت هذا كله لم يفد استحقاق العذاب الشديد من المسخ المقرر فإنه لا يوجد في غير أهل الكفر فالصواب ما قررناه وفيما سبق قدرناه وحررناه قال وإنما قلنا إن العلم يدل على الشهرة والمقصد لقول الخنساء في مدح أخيها كأنه علم في رأسه نار نبهت به على أن أخاها مشهور معروف وملجأ للملهوفين ومأمن للمضطرين فإن رواح السارحة دل على وفور الثروة وظهورها كقوله تعالى ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون النحل قال صاحب الكشاف فإن قلت لم قدمت الإراحة على التسريح قلت لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع ثم أدبرت إلى الحظائر قال الخطابي فيه بيان أن المسخ قد يكون في هذه الأمة وكذلك الخسف كما كانا في سائر الأمم خلاف قول من زعم أن ذلك لا يكون إنما مسخها بقلوبها أقول فما جاء في الأحاديث من نفيها فهو إما محمول على أول زمان الأمة فهو عام خص منه آخر الزمان بهذا الحديث وإما محمول على مسخ جميع الأمة وخسفهم والمثبت منهما ما وقع لبعضهم والله تعالى أعلم وعن ابن عمر قال قال رسول الله إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم أي جميعهم الصالحين والطالحين ثم بعثوا أي يوم القيامة على أعمالهم أي بعث الصالح على عمله وكذا الطالح قال المظهر يعني إذا أذنب بعض القوم نزل العذاب بجميع من كان في القوم سواء فيه المذنب وغيره بشرهم ولكنهم مجزيون يوم


القيامة على حسب أعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر متفق عليه أي من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن أبيه ذكره ميرك فكان حق المؤلف أن يسند الحديث إلى عمر رضي الله تعالى عنه
وعن جابر قال قال رسول الله يبعث أي يحشر يوم القيامة كل عبد على ما مات عليه أي من العمل خيرا كان أو شرا فيجازي به رواه مسلم وكذا ابن ماجه وفي رواية أحمد عن أبي هريرة مرفوعا يبعث الناس على نياتهم
الفصل الثاني
عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما رأيت فيه معنى التعجب أي ما علمت مثل النار أي شدة وهولا نام هاربها مفعول ثان ويمكن أن يكون رأيت بمعنى أبصرت فتكون الجملة صفة أو حالا أي صار غافلا عنها وينبغي للهارب من عذاب النار أن يفر من عمل الفجار ولا مثل الجنة أي نعمة ونزلا نام طالبها وينبغي له أن يجد كل الجد في امتثال الأوامر ليدرك الحد رواه الترمذي ورواه الطبراني في الأوسط عن أنس وعن أبي ذر قال قال رسول الله إني أرى ما لا ترون أي أبصر ما لا تبصرون بقرينة قوله وأسمع ما لا تسمعون ثم بين سماعه لقربه ولكونه نتيجة لكثرة ما رآه بقوله أطت السماء بتشديد الطاء من الأطيط وهو صوت الأقتاب وأطيط الإبل أصواتها وحنينها على ما في النهاية أي صوتت وحق بصيغة المجهول أي ويستحق وينبغي لها أن تئط أي تصوت ثم بين سببه وهو ما رآه من الكثرة بقوله والذي نفسي بيده ما فيها أي


ليس في السماء جنسها موضع أربعة أصابع بالرفع على أنه فاعل للظرف المعتمد على حرف النفي والمذكور بعد إلا في قوله إلا وملك حال منه أي وفيه ملك واضع جبهته لله ساجدا أي منقادا ليشمل ما قيل أن بعضهم قيام وبعضهم ركوع وبعضهم سجود كما قال تعالى حكاية عنهم وما منا إلا له مقام معلوم الصافات أو خصه باعتبار الغالب منهم أو هذا مختص بإحدى السموات والله تعالى أعلم ثم اعلم أن أربعة بغير هاء في جامع الترمذي وابن ماجه ومع الهاء في شرح السنة وبعض نسخ المصابيح وسببه أن الأصبع يذكر ويؤنث قال الطيبي رحمه الله أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثمة أطيط وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى قلت ما المحوج عن عدول كلامه من الحقيقة إلى المجاز مع إمكانه عقلا ونقلا حيث صرح بقوله وأسمع ما لا تسمعون مع أنه يحتمل أن يكون أطيط السماء صوتها بالتسبيح والتحميد والتقديس والتمجيد لقوله سبحانه وإن من شيء إلا يسبح بحمده الإسراء لا سيما وهي معبد المسبحين والعابدين ومنزل الراكعين والساجدين والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرشات بضم الفاء والراء جمع فرش فهو جمع الجمع للمبالغة ولخرجتم أي من منازلكم العاليات إلى الصعدات بضمتين أي إلى الصحاري واختيار الجمع للمبالغة والصعد جمع صعيد كطرق جمع طريق وطرقات والصعيد هو الطريق وفي الأصل التراب أي لخرجتم إلى الطرقات البراري والصحاري وممر الناس كما يفعل المحزون لبث الشكوى والهم المكنون والأظهر أن الصعيد هو وجه الأرض وقيل التراب ولا معنى له ههنا قال التوربشتي المعنى لخرجتم من منازلكم إلى الجبانة متضرعين إلى الله تعالى ومن حال المحزون أن يضيق به المنزل فيطلب الفضاء الخالي لشكوى بثه تجأرون إلى الله أي تتضرعون إليه بالدعاء ليدفع عنكم البلاء قال أبو ذر يا ليتني كنت شجرة تعضد


بصيغة المجهول أي تقطع وتستأصل وهذا نشأ من كمال خوفه من عذاب ربه رواه أحمد والترمذي وابن ماجه قال التوربشتي رحمه الله قوله يا ليتني هو من قول أبي ذر ولكن ليس في كتاب أحمد ممن نقل هو عن كتابه قال أبو ذر بل أدرج في الحديث ومنهم من قال قيل هو من قول أبي ذر وقد علموا أنه بكلام أبي ذر أشبه والنبي أعلم بالله من أن يتمنى عليه حالا هي أوضع مما هو فيه ثم إنها مما لا تكون قال الطيبي رحمه الله تعالى في جامع الترمذي وجامع الأصول هكذا تجأرون إلى الله لوددت أني شجرة تعضد وفي رواية أن أبا ذر قال لوددت أني شجرة تعضد ويروى عن أبي ذر موقوفا وفي سنن ابن ماجه كما في المتن ونسخ المصابيح قال أبو ذر يا ليتني إلى آخره وللبحث فيه مجال


وعن أبي هريرة قال قال رسول الله من خاف أي البيات والإغارة من العدو وقت السحر أدلج أي سار أول الليل ومن خاف فوت المطلوب سهر في طلب المحبوب ومن أدلج أي بالسهر بلغ المنزل أي وصل إلى المطلب قال الطيبي رحمه الله هذا مثل ضربه النبي لسالك الآخرة فإن الشيطان على طريقه والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمن من الشيطان وكيده ومن قطع الطريق بأعوانه ثم أرشد إلى أن سلوك طريق الآخرة صعب وتحصيل الآخرة متعسر لا يحصل بأدنى سعي فقال ألا بالتخفيف للتنبيه إن سلعة الله أي متاعه من نعيم الجنة المعبر عنه بالحسنى وزيادة غالية بالغين المعجمة أي رفيعة القدر ألا إن سلعة الله أي الغالية الجنة أي العالية والمعنى ثمنها الأعمال الباقية المشار إليها بقوله سبحانه والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخيرا أملا الكهف والمومأ إليها بقوله عز وعلا إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة التوبة رواه الترمذي وكذا الحاكم وعن أنس عن النبي قال يقول الله جل ذكره أي عظم ذكره وفخم ذاكره وما أحسن رفع ذكره في هذا المقام من حيث أنه توطئة لذكره في الأيام وخوفه في كل مقام أخرجوا من النار من ذكرني أي بشرط كونه مؤمنا مخلصا يوما أي وقتا وزمانا أو خافني في مقام أي مكان في ارتكاب معصية من المعاصي كما قال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى النازعات قال الطيبي رحمه الله أراد الذكر بالإخلاص وهو توحيد الله عن إخلاص القلب وصدق النية وإلا فجميع الكفار يذكرونه باللسان دون القلب يدل عليه قوله من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة والمراد بالخوف كف الجوارح عن المعاصي وتقيدها بالطاعات وإلا


فهو حديث نفس وحركة لا يستحق أن يسمى خوفا وذلك عند مشاهدة سبب هائل وإذا غاب ذلك السبب عن الحس رجع القلب إلى الغفلة قال الفضيل إذا قيل لك هل تخاف الله فاسكت فإنك إذا قلت لا كفرت وإذا قلت نعم كذبت أشار به إلى الخوف الذي هو كف الجوارح عن المعاصي رواه الترمذي أي في سننه والبيهقي في كتاب البعث والنشور وعن عائشة قالت سألت رسول الله عن هذه الآية والذين يؤتون ما آتوا أي يعطون ما أعطوه من الزكاة والصدقات وقرىء يأتون ما أتوا بالقصر أي يفعلون ما فعلوه من الطاعات وقلوبهم وجلة أي خائفة أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذون به وتمامه أنهم إلى ربهم راجعون أي لأن مرجعهم إليه أولئك الذين يسارعون في الخيرات أي يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها وهم لها سابقون المؤمنون أي لأجلها فاعلون السبق أو سابقون الناس إلى الطاعات أو الثواب أو الجنة قال الطيبي رحمه الله هو هكذا في نسخ المصابيح وهي القراءة المشهورة ومعناه يعطون ما أعطوا وسؤال عائشة رضي الله تعالى عنها أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون لا يطابقها وقراءة رسول الله يأتون ما أتوا بغير مد أي يفعلون ما فعلوا وسؤالها مطابق لهذه القراءة وهكذا هو في تفسير الزجاج والكشاف قلت مؤدى القراءتين واحد لأن المراد بالقراءة الشاذة المنسوبة إليه قبل قطع طرق التواتر يفعلون ما فعلوه من الطاعة لا ما ظنت عائشة رضي الله عنها أن المراد به ما فعلوه من المعصية ولا المعنى الأعم من الخير والشر لعدم مطابقته لقوله سبحانه أولئك يسارعون في الخيرات المؤمنون قال أي النبي لا أي ليسوا هم أو ليس المراد من الآية أمثالهم يا بنت الصديق وفي نسخة يا ابنة الصديق وفي هذا النداء منقبة عظيمة لها ولأبيها على وجه التحقيق فكأنه قال ليس كذلك وأنت الصادقة على ما هو المتعارف من حسن الآداب بين الأحباب ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون فهذا تفسير لقوله تعالى والذين يؤتون ما


آتوا على القراءتين غايت
أن في كل نوع منهما تغليب فالمشهورة ظاهرها متعلق بالعبادة المالية كما أن الشاذة تتعلق بالطاعة البدنية على أن المشهورة يمكن أن يقال في تفسيرها يعطون من أنفسهم ما أعطوا من الطاعات فيشمل النوعين من العبادة وهم يخافون أن لا يقبل منهم أي لا أنهم يخافون مما فعلوا بدليل قوله تعالى أولئك الذين يسارعون في الخيرات فإنه لا يصح أن يحمل على شربة الخمر وسرقة المال وسائر السيئات رواه الترمذي وابن ماجه وعن أبي بن كعب قال كان النبي إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال يا أيها الناس أراد به النائمين من أصحابه الغافلين عن ذكر الله ينبههم عن النوم ليشتغلوا بذكر الله تعالى والتهجد وفي هذا مأخذ للمذكرين من المؤذنين وأنه ينبغي لهم أن لا يقوموا قبل مضي الثلثين من الليل وفيه إشارة إلى استحباب القيام في الثلث الأخير من الليل استحبابا مؤكدا اذكروا الله أي بوحدانية ذاته وسائر صفاته اذكروا الله أي عقابه وثوابه لتكونوا بين الخوف والرجاء وممن قال تعالى فيهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا السجدة وفي نسخة اذكروا الله ثلاث مرات أي آلاءه ونعماءه وسراءه وضراءه جاءت الراجفة فيه إشارة إلى قوله تعالى يوم ترجف الراجفة النازعات وعبر بصيغة الماضي لتحقق وقوعها فكأنها جاءت والمراد أنه قارب وقوعها فاستعدوا لتهويل أمرها والراجفة هي الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ من الأرض والجبال لقوله تعالى يوم ترجف الأرض والجبال المزمل أو مجاز عن الواقعة التي ترجف الأجرام عندها وهذا المعنى أنسب بالحديث في هذا المقام وهي النفخة الأولى تتبعها الرادفة أي التابعة وهي السماء والكواكب تنشق وتنتثر أو النفخة الثانية وهي التي يحيي فيها الخلق والجملة في موقع الحال أو استئناف بيان لما يقع بعد الرجفة قال الطيبي رحمه الله أراد بالراجفة النفخة الأولى التي يموت منها جميع الخلق والراجفة صيحة عظيمة فيها تردد


واضطراب كالرعد إذا تمحص وأراد بالرادفة النفخة الثانية ردفت النفخة الأولى أنذرهم باقتراب الساعة لئلا يغفلوا عن استعدادها جاء الموت بما فيه أي مع ما فيه من الشدائد الكائنة في حالة النزع والقبر وما بعده وفيه إشارة إلى أن من مات فقد قامت قيامته فهي القيامة الصغرى الدالة على القيامة الكبرى لعل الأول بيان ما وقع وتحقق لمن قبلنا موعظة لنا فقد ورد كفى بالموت واعظا والثاني إشارة إلى قرب مجيئه بالموجودين وهذا


التأسيس السديد المؤسس على التأبيد أولى من حمل التكرار على التأكيد رواه الترمذي قال المنذري رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه وقال الترمذي حديث حسن صحيح وعن أبي سعيد قال خرج النبي لصلاة أي لأداء صلاة والظاهر المتبادر من مقتضى المقام أنها صلاة جنازة لما ثبت أنه إذا رأى جنازة رئيت عليه كآبة أي حزن شديد وأقل الكلام فرأى الناس كأنهم يكتشرون أي يضحكون من الكشر وهو ظهور الأسنان للضحك ولعل التاء للمبالغة ففي القاموس كشر عن أسنانه أبدى يكون في الضحك وغيره انتهى فيؤخذ منه أنهم جمعوا بين الضحك البالغ والكلام الكثير قال التوربشتي رحمه الله أي يضحكون والمشهور في اللغة الكسر قال أما بالتخفيف لينبه على نوم الغفلة الباعث على الضحك والمكالمة إنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات بالدال المهملة في أصل السيد وأكثر النسخ المعتمدة وفي بعضها بالذال المعجمة واقتصر عليه السيوطي رحمه الله في حاشية الترمذي وفي القاموس هذم بالمعجمة قطع وأكل بسرعة وبالمهملة نقض البناء والمعنى لو أكثرتم من ذكر قاطع اللذات لشغلكم عما أرى أي من الضحك وكلام أهل الغفلة الموت بالجر تفسير لهادم اللذات أو بدل منه كما يأتي فيما بعده وبالنصب بإضمار أعني وبالرفع بتقدير هو الموت فأكثروا ذكر هاذم اللذات أي الموجودة المعمولة للأغنياء والمفقودة المسؤولة للفقراء فهو موعظة بليغة للطائفتين ومن الغريب أن ذكر الموت يحيي القلب والنوم أخو الموت وكان شيخنا العارف بالله تعالى رحمه الله الولي مولانا نور الدين علي المتقي يعمل كيسا مكتوبا عليه لفظ الموت يعلق في رقبة المريد ليستفيد منه أنه قريب غير بعيد فيقصر أمله ويكثر عمله وكان بعض الصالحين من السلاطين أمر واحدا من أمرائه أن يقف دائما من ورائه يقول الموت الموت ليكون دواء لدائه ثم إنه بين للصحابة وجه حكمة الأمر بإكثار ذكر الموت وأسبابه بقوله فإنه أي الشأن لم يأت على القبر يوم أي وقت وزمان إلا تكلم أي


بلسان القال أو بيان الحال وفي رواية زيادة فيه أي في ذلك اليوم فيقول أنا بيت الغربة أي فكن في الدنيا كأنك غريب وأنا بيت الوحدة أي فلا ينفع
إلا التوحيد وشهود الواحد القهار وأنا بيت التراب أي أصل كل حي مخلوق فمن مرجعه للتراب ينبغي أن يكون مسكينا ذا متربة لئلا تفوته جنسية المناسبة وأنا بيت الدود أي فلا ينبغي أن تكون همتكم ونهمتكم في استعمال اللذات من المأكول والمشروب لأن مآل أمرها إلى الفناء ولا ينفع في ذلك المكان إلا العمل الصالح فالقبر صندوق العمل قيل يتولد الدود من العفونة وتأكل الأعضاء ثم يأكل بعضها بعضا إلى أن تبقى دودة واحدة فتموت جوعا واستثني الأنبياء والأولياء والعلماء من ذلك فقد قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وقال تعالى في حق الشهداء ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون آل عمران والعلماء العاملون المعبر عنه بالأولياء مدادهم أفضل من دماء الشهداء وإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر أو ما يقوم مقامه مرحبا أي أتيت مكانا واسعا لرقدتك وأهلا أي وحضرت أهلا لمحبتك أما بتخفيف الميم للتنبيه إن كنت أي أنه كنت فإن مخففة من المثقلة واللام فارقة بينها وبين أن النافية في قوله لا حب وهو أفعل تفضيل بني للمفعول أي لأفضل من يمشي على ظهري إلي متعلق بأحب فإذ بسكون الذال وأبعد الطيبي حيث قال وفي إذ معنى التعليل إذ الصحيح أنه هنا ظرف محض والعلة والسبب كونه مؤمنا أي فحين وليتك من التولية مجهولا أو من الولاية معلوما أي صرت قادرا حاكما عليك اليوم أي هذا الوقت وهو ما بعد الموت والدفن وصرت إلي أي مقهورا ومجبورا فسترى أي ستبصر أو تعلم صنيعي بك من الإحسان إليك بالتوسيع عليك قال أي النبي وإنما أعاده لطول الكلام ولئلا يتوهم أن ما بعده من كلام الراوي تفسير للمرام فيتسع أي فيصير القبر وسيعا وفي رواية فيوسع له أي للمؤمن مد بصره أي من كل جانب حقيقة أو كشفا


أو مجازا عن عدم التضييق حسا ومعنى وفيه كناية عن تنويره أيضا ويفتح له باب إلى الجنة أي ويعرض له مقعده منها يأتيه من روحها ونسيمها ويشم من طيبها وتقر عينه بما يرى فيها من حورها وقصورها وأنهارها وأشجارها وأثمارها وإذا دفن العبد الفاجر أي الفاسق والمراد به الفرد الأكمل وهو الفاسق بقرينة مقابلته لقوله العبد المؤمن سابقا ولما سيأتي من قول القبر له بكونه أبغض من يمشي على ظهره ومنه قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا السجدة الآية أو الكافر شك من الراوي لا للتنويع وقد جرت عادة الكتاب والسنة على بيان حكم الفريقين في الدارين والسكوت عن حال المؤمن الفاسق سترا عليه أو ليكون بين الرجاء والخوف لا لإثبات المنزلة بين المنزلتين كما توهمت المعتزلة قال له القبر لا مرحبا ولا أهلا أما إن


كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي فإذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك قال أي النبي فيلتئم أي ينضم القبر عليه حتى تختلف أضلاعه أي يدخل بعضها في بعض وفي رواية حتى تلتقي وتختلف أضلاعه قال أي الراوي وقال أي أشار رسول الله بأصابعه أي من اليدين الكريمتين فأدخل بعضها وهو أصابع اليد اليمنى في جوف بعض وفيه إشارة إلى أن تضييق القبر واختلاف الأضلاع حقيقي لا أنه مجاز عن ضيق الحال وأن الاختلاف مبالغة في أنه على وجه الكمال كما توهمه بعض أرباب النقصان حتى جعلوا عذاب القبر روحانيا لا جسمانيا والصواب أن عذاب الآخرة ونعميها متعلقان بهما قال أي النبي ويقيض بتشديد الياء المفتوحة أي يسلط ويوكل له أي بخصوصه وإلا فهو عليه سبعون تنينا بكسر التاء وتشديد النون الأولى مكسورة أي حية عظيمة يقال له أزرد بالفارسي وبالعربي أفعى وعدد السبعين يحتمل التحديد والتكثير ويؤيد الثاني ما ذكره في الإحياء عن أبي هريرة مرفوعا هل تدرون في ماذا أنزلت فإن له معيشة ضنكا طه قالوا الله ورسوله أعلم قال عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا هل تدرون ما التنين قال تسعة وتسعون حية لكل واحدة تسعة وتسعون رأسا يخدشنه ويلحسنه وينفخن في جسمه إلى يوم القيامة انتهى لو أن واحدا منها نفخ بالخاء المعجمة أي تنفس في الأرض ما أنبتت أي الأرض شيئا أي من الإنبات أو النباتات ما بقيت الدنيا أي مدة بقائها فينهسنه بفتح الهاء وسكون السين المهملة أي يلدغنه وفي القاموس نهس اللحم كمنع وفرح أخذه بمقدم أسنانه ونتفه ويخدشنه بكسر الدال أي يجرحنه حتى يفضي بضم فسكون فاء ففتح ضاد معجمة أي يوصل به أي بالكافر إلى الحساب أي وثم إلى العقاب وفيه دليل على أن الكافر يحاسب خلافا لما توهم بعضهم أن الكافر يدخل النار بغير حساب اللهم إلا أن يقال المراد بالحساب الجزاء وإن ظواهر الآيات من قوله ومن خفت موازينه المؤمنون الأعراف فصريح في حسابهم نعم يمكن أن يكون


بعضهم من العصاة العتاة يدخلون النار من غير حساب ولا كتاب كما يدخل بعض المؤمنين المبالغين في الصبر والتوكل على ما سبق بغير حساب والله تعالى أعلم بالصواب قال أي الراوي وقال رسول الله أي في هذا المحل أو في وقت آخر فتأمل إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار بصيغة الإفراد المناسبة للفظة الجنة وفي نسخة النيران لمناسبة جمع الحفر ولأن المراد بالجنة الجنان قال الطيبي رحمه الله قوله من حفر النار كذا في جامع الترمذي وجامع الأصول وأكثر نسخ المصابيح وفي بعضها النيران بالجمع رواه الترمذي قال السيوطي رحمه الله وحسنه وأخرج الطبراني في الأوسط عن


أبي هريرة قال خرجنا مع رسول الله في جنازة فجلس إلى قبر فقال ما يأتي على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت طلق ذلق يا ابن آدم كيف نسيتني ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه ثم قال رسول الله القبر روضة وفي نسخة إما روضة من رياض الجنة أو حفر من حفر النار قال سفيان الثوري من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار وعن أبي جحيفة بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وبالفاء ذكر أن النبي توفي ولم يبلغ الحلم ولكنه سمع منه وروى عنه مات بالكوفة روى عنه ابنه عون وجماعة من التابعين قال قالوا أي بعض الصحابة قد شبت أي ظهر عليك آثار الضعف قيل أوان الكبر وليس المراد منه ظهور كثرة الشعر الأبيض عليه لما روى الترمذي عن أنس قال ما عددت في رأس رسول الله ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضا قال شيبتني هود بغير انصراف وفي نسخة بالصرف قيل إن جعل هود اسم السورة لم يصرف وإلا صرف فالمضاف مقدر حينئذ أقول لأنه إذا لم يصرف كان كجور وإذا صرف كان التقدير سورة هود ويؤيده ما في نسخة صحيحة سورة هود وأخواتها أي وأشباهها من السور التي فيها ذكر القيامة والعذاب قال التوربشتي رحمة الله تعالى يريد أن اهتمامي بما فيها من أهوال القيامة والحوادث النازلة بالأمم الماضية أخذ مني مأخذه حتى شبت قبل أوان المشيب خوفا على أمتي وذكر في شرح السنة عن بعضهم قال رأيت النبي في المنام فقلت له روي عنك أنك قلت شيبتني هود فقال نعم فقلت بأية آية قال قوله فاستقم كما أمرت هود قال الإمام فخر الدين رحمه الله الملك المعين وذلك أن الإستقامة على الطريق المستقيم من غير ميل إلى طرفي الإفراط والتفريط في الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة عسر جدا قلت لا شك أن الإستقامة خير من ألف كرامة لكونها أصعب من جسر القيامة مع أنها أدق من الشعر وأمر من الصبر وأحد من


السيف وأحر من الصيف لكن حمل الحديث على الآية غير ظاهر لقوله وأخواتها المفسرة بالسور الآتية التي ليس فيها ذكر الإستقامة فأما أن يقال المقصود من ذكر القيامة وأهوالها والنار وأهوالها إنما هو تحصيل الإستقامة للتخليص عن الندامة والملامة فكأنها مذكورة في جميعها أو يقال الجواب للنائم كان على طبق ما يناسبه من المقام الذي هو فيه والتحريض على ما هو المطلوب منه فيكون من باب أسلوب الحكيم والله سبحانه وتعالى أعلم رواه الترمذي أي عن أبي جحيفة ورواه الطبراني عن عقبة بن عامر وعن أبي جحيفة أيضا وزاد ابن مردويه عن أبي بكر قبل المشيب
وعن ابن عباس قال قال أبو بكر يا رسول الله قد شبت قال شيبتني هود والواقعة والمرسلات بالرفع ويجوز كسرها على الحكاية وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت يعني وأمثالها مما فيه ذكر القيامة وأهوالها رواه الترمذي وكذا الحاكم ورواه أيضا عن أبي بكر ورواه ابن مردويه عن سعد ورواه سعيد بن منصور في سننه عن أنس وابن مردويه عن عمران بلفظ شيبتني هود وأخواتها من المفصل وفي رواية لابن مردويه عن أنس شيبتني سورة هود وأخواتها الواقعة والقارعة والحاقة وإذا الشمس كورت وسأل سائل وذكر حديث أبي هريرة لا يلج النار أي لا يدخلها من بكى من خشية الله الحديث بطوله في كتاب الجهاد أي فأسقط للتكرار
الفصل الثالث
عن أنس قال إنكم لتعملون أعمالا أي عظيمة في نفس الأمر وتستصغرونها وتعدونها من الكرامات وهذا معنى قوله هي أدق في أعينكم من الشعر قال الطيبي رحمه الله عبارة عن تدقيق النظر في العمل وإمعانه فيه والمعنى إنكم تعملون أعمالا وتحسبون أنكم تحسنون صنعا وليس كذلك في الحقيقة كنا نعدها أي تلك الأعمال على عهد رسول الله أي في زمانه من الموبقات بكسر الموحدة يعني المهلكات تفسير من أحد الرواة أي يريد أنس بالموبقات المهلكات ومنه قوله تعالى وجعلنا بينهم موبقا الكهف بفتح الميم أي مهلكا رواه البخاري


وعن عائشة أن رسول الله قال يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب أي صغائرها وخص بها فإنه ربما يسامح صاحبها فيها بعدم تداركها بالتوبة وبعدم الإلتفات بها في الخشية غفلة عنه إنه لا صغيرة مع الإصرار وإن كل صغيرة بالنسبة إلى عظمة الله وكبريائه كبيرة والقليلة منها كثيرة ولذا قد يعفو الله عن الكبيرة ويعاقب على الصغيرة كما يستفاد من قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء وأما قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم النساء الصغيرة بسبب العبادات المكفرة لكن بشرط اجتنابكم الكبائر لا بمجرد اجتناب الكبائر على ما ذهب إليه المعتزلة والله تعالى أعلم فإن لها أي للمحقرات من الذنوب من الله أي من عنده سبحانه طالبا أي نوعا من العذاب يعقبه فكأنه يطلبه طلبا لا مردلة له فالتنوين للتعظيم أي طالبا عظيما فلا ينبغي أن يغفل عنه بل ينبغي أن يخشى منه وقال الطيبي رحمه الله قوله من الله طالبا هو من باب التجريد كقول القائل وفي الرحمان للضعفاء كاف وأقول الظاهر في قول القائل أن معناه وفي رحمة الرحمان للضعفاء كفاية فإن اسم الفاعل قد يأتي بمعنى المصدر كما هو مذكور في مقامه المقرر رواه ابن ماجه أي في سننه والدارمي أي في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان ورواه أحمد والطبراني والبيهقي والضياء عن سهل بن سعد مرفوعا ولفظه إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه رواه أحمد والطبراني أيضا عن ابن مسعود نحوه وعن أبي بردة بن أبي موسى قال المؤلف هو عامر بن عبد الله بن قيس الأشعري أحد التابعين المشهورين المكثرين سمع مع أباه وعليا وغيرهما كان على قضاء الكوفة بعد شريح فعزله الحجاج قال قال لي عبد الله بن عمر هل تدري ما قال أبي لأبيك أي في أمر غلبة الخوف المعنون به الباب قال أي أبو بردة أو


التقدير قال الراوي ناقلا عن أبي بردة قلت لا أي لا أدري قال فإن أبي قال لأبيك يا أبا موسى ناداه بكنيته إشعارا
بعظمته وتقريبا لحضرته هل يسرك أي يوقعك في السرور أن إسلامنا مع رسول الله أي منهما مع بعثته وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كالصلاة والصوم والزكاة والحج وأمثالها كله أي جميعه بجميع أفراده وأصنافه معه أي في زمنه برد أي ثبت ودام لنا ففي النهاية في الحديث الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة أي لا تعب فيه ولا مشقة وكل محبوب عندهم بارد وقيل معناه الغنيمة الثابتة المستقرة من قولهم برد لنا على فلان حق أي ثبت انتهى كلامه وهو خبر قوله إن إسلامنا والجملة فاعل هل يسرك ذكره الطيبي رحمه الله وأن كل عمل عطف على أن إسلامنا عملناه بعده أي بعد موت رسول الله نجونا منه أي من ذلك العمل كله كفافا بفتح الكاف أي سواء رأسا برأس بدل أو بيان ونصبه على الحال من فاعل نجونا أي متساويين لا يكون لنا ولا علينا بأن لا يوجب ثوابا ولا عقابا وقال الطيبي رحمه الله قوله كفافا نصب على الحال من الضمير المجرور ورأى نجونا منه في حالة كونه لا يفضل علينا شيء منه أو من الفاعل أي مكفوفا عنا شره فقال أبوك لأبي لا والله أي لا يسرنا وبين سببه بقوله قد جاهدنا أي الكفار بعد رسول الله وصلينا أي الصلوات وصمنا أي سنوات وعملنا خيرا كثيرا أي من الصدقات أو نوافل العبادات وأسلم على أيدينا أي بسببنا بشر كثير أي من فتح البلاد وإنا لنرجو ذاك وفي نسخة ذلك أي ثواب ما ذكر زيادة على ما سبق لنا من الإسلام والهجرة وسائر الأعمال قال أبي يعني عمر لكني أنا زيد للتأكيد والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك أي ما سبق لنا من العمل معه برد لنا أي تم ولم يبطل ولم ينقص ببركة وجوده وفضل وجوده وإن كل شيء عملناه بإثبات الضمير هنا بعده أي بعد مماته وفقد حياته وبعد بركاته نجونا منه كفافا رأسا برأس وذلك والله تعالى أعلم أن التابع أسير المتبوع في الصحة


والفساد اعتقادا وإخلاصا وعلما وعملا أما ترى صحة بناء صلاة المقتدي على صلاة الإمام المقتدى وكذا فسادها ولا شك في وصول الكمال وحصول صحة الأعمال في حال ملازمته وأما بعده فما وقع من الطاعات لا يخلو من تغيير النيات وفساد الحالات ومراعات المراءات كما أخبر بعض الصحابة عند الوفاة بقوله فما نفضنا أيدينا عن التراب وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا يعني بالمظلمة الناشئة عن غيبة نور شمس وجوده وقمر جوده فالغنيمة الباردة أن يكون في مرتبة السريات بين الطاعات والسيئات وهذا بالنسبة إلى أجلاء الصحابة وعظماء الخلافة


وأما من بعدهم فطاعاتهم المشحونة بالغرور والعجب والرياء أسباب للمعاصي ووسائل لعقوبات العاصي غالبا إلا أن يتفضل الله برحمته وعين عنايته بأن يلحق المسيئين بالمحسنين بل قال بعض العارفين معصية أورثت ذلا واستصغارا خير من طاعة أورثت عجبا واستكبارا فقلت إن أباك أي عمر والله كان خيرا من أبي أي أبي موسى في كل شيء فهذا كذلك لأن كلام السادات سادات الكلام وكيف وهو الناطق بالصواب والفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل من كل باب والموافق رأيه نزول الكتاب وقد طابق قوله حديثه أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له وقال سبحانه وتعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر هذا وقال الطيبي رحمه الله قوله لوددت خبر لكني مع اللام وهو ضعيف ويجوز أن يكون لوددت جواب القسم والجملة القسمية خبر لكني على التأويل قلت بل الحديث حجة للكوفيين ففي المغني ولا يدخل اللام في خبر لكن خلافا للكوفيين احتجوا بقوله ولكنني من حبها لعميد وخرج على زيادة اللام أو على أن الأصل لكن إنني ثم حذفت الهمزة تخفيفا ونون لكن للساكنين قلت هذه كلها تكلفات بعيدة وتعسفات مزيدة ما أنزل الله بها من سلطان ولا دليل ولا برهان فالصواب أنها للتأكيد كما جوز في بعض أخوات لكن على القياس السديد لا سيما وقد ورد على لسان الأوحدي من فصحاء العرب بإسناد هو أصح الأسانيد رواه البخاري ثم من أعجب الغرائب وأغرب العجائب أنه لو حكى من طريق الأصمعي ونحوه أن أعرابيا ممن يبول على عقبيه تكلم بمثله نثرا أو نظما أخذ النحاة به وجعلوه أصلا ممهدا وأساسا مؤيدا فصدق من قال إن أدلة الصرفيين والنحويين كنارات بيت العنكبوت فتارة تطرد وتارة تفوت وعن أبي هريرة قال قال رسول الله أمرني ربي بتسع أي خصال خشية الله بالجر ويجوز اخشاه أي خوفه المقرون بالعظمة في السر والعلانية أي في القلب والقالب أو في الخلا والملا وكلمة العدل في الغضب والرضى بالقصر أي في الحالين والقصد أي الاقتصاد في المعيشة


أو التوسط بين الصبر والشكر غير خارج عنهما بالجزع والطغيان في الفقر والغنى وأن أصل من قطعني أي من ذوي الأرحام أو غيرهم وهذا غاية الحلم ونهاية التواضع وأعطي من حرمني وهذا لكمال الكرم والجود وأعفو عمن ظلمني أي مع قدرتي على الانتقام وهذا نتيجة الصبر وقضية الشكر ورعاية الإحسان والرحمة على أفرا
الإنسان وأن يكون صمتي فكرا أي في أسمائك وصفاتك ومصنوعاتك ومعاني آياتك ونطقي ذكرا أي بتسبيحك وتحميدك وتقديسك وتمجيدك وتكبيرك وتوحيدك وتلاوة كتابك وموعظة عبادك ونظري عبرة أي في الآفاق والأنفس وملكوت السماوات والأرض وآمر بالعرف وقيل بالمعروف أي بدلا عن العرف بالضم والسكون ولم يقل وأنهي عن المنكر اكتفاء أو العرف يشمل المعروف في الشرع ارتكابا واجتنابا قال الطيبي رحمه الله ذكر تسعا وأتى بعشرة فالوجه أن يحمل العاشر وهو الأمر بالمعروف على أنه مجمل عقب التفصيل لأن المعروف هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات كأنه قيل أمرني ربي بأن اتصف بهذه الصفات وآمر غيري بالإتصاف بها فالواوات كلها عطفت المفرد على المفرد وفي قوله وآمر بالمعروف عطفت المجموع من حيث المعنى على المجموع بحسب اللفظ ونحوه في التفرقة بين الواوين قوله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور فاطر رواه رزين وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه أي أو من أحدهما دموع أي دمعات أقلها ثلاث وإن كان أي الخارج أو كل دمع مثل رأس الذباب أي كمية أو كيفية من خشية الله ثم يصيب بالرفع وقيل بالنصب أي يصل الدمع شيئا من حر وجهه بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين أي خالصة ففي القاموس حر الوجه ما أقبل عليك وبدا لك منه إلا حرمه الله على الله وضمير لمفعول راجع إلى العبد المؤمن الموصوف ويمكن أن يرجع إلى حر وجهه فيكون كناية عن


تحريم ذاته والله تعالى أعلم رواه ابن ماجه وفي الجامع بلفظ ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه من الدموع مثل رأس الذباب من خشية الله فيصيب حر وجهه فتمسه النار أبدا رواه ابن ماجه عن ابن مسعود


باب تغير الناس
أي بتغير الزمان على ما هو المتبادر الموافق لمضمون أكثر أحاديث الباب أو المراد بالتغير اختلاف حالاتهم ومراتبهم في منازلاتهم الشاملة لتغير أزمنتهم وعليه ظاهر الحديث الأول من الفصل الأول فتأمل

الفصل الأول
عن ابن عمر قال قال رسول الله إنما الناس أي في اختلاف حالاتهم وتغير صفاتهم كالإبل المائة قال الطيبي رحمه الله تعالى اللام فيهما للجنس قال التوربشتي رحمة الله تعالى الرواية فيه على الثبت كإبل مائة بغير ألف ولام فيهما لا تكاد أي لا تقرب أيها المخاطب خطابا عاما تجد فيها أي في مائة من الإبل راحلة أي ناقة شابة قوية مرتاضة تصلح للركوب فكذلك لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة وحمل المودة وركوب المحبة فيعاون صاحبه ويلين له جانبه وهذا زبدة كلام الشارح الأول ومن تابعه من شراح المصابيح وقال الخطابي معناه أن الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف ولا لرفيع منهم على وضيع كابل المائة لا يكون فيها راحلة قال الطيبي رحمه الله على القول الأول لا تجد فيها راحلة صفة لا بل والتشبيه مركب تمثيلي وعلى الثاني هو وجه الشبه وبيان لمناسبة الناس للإبل قلت ولا يخفى ظهور المعنى الأول فتدبر وتأمل وخلاصته أن المرضى المنتخب من الناس الصالح للصحبة سهل الإنقياد عسر وجوده كالنجيبة الصالحة للركوب الني لا توجد في الإبل الكثيرة القوية على الأحمال والأسفار فذكر المائة للتكثير لا للتحديد فإن وجود العالم العامل المخلص من قبيل الكيمياء أو من باب تسمية العنقاء ولذا قال بعض العرفاء أتمنى على الزمان محالا أن ترى مقلتاي طلعة حر


و قال الآخر وإذا صفا لك من زمانك واحد فهو المراد وأين ذاك الواحد وكان يقول بعض أرباب الحال هذا زمان قحط الرجال وروي أن سهلا التستري خرج من مسجد ورأى خلقا كثيرا في داخله وخارجه فقال أهل لا إله إلا الله كثير والمخلصون منهم قليل وقد نبه سبحانه على هذا المعنى في آيات منها قوله تعالى وقليل من عبادي الشكور سبأ ومنها إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ص ومنها قوله تعالى في وصف السابقين المقربين ثلة من الأولين وقليل من الآخرين الواقعة متفق عليه ورواه الترمذي وهذا لفظ البخاري نقله ميرك عن التصحيح وفي الجامع بلفظ إنما الناس كإبل مائة بالتنكير رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه وعن أبي سعيد قال قال رسول الله لتتبعن بتشديد التاء الثانية وضم العين أي لتوافقن بالتبعية سنن من قبلكم بضم السين جمع سنة وهي لغة الطريقة حسنة كانت أو سيئة والمراد هنا طريقة أهل الأهواء والبدع التي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بعد أنبيائهم من تغير دينهم وتحريف كتابهم كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل وفي بعض النسخ بفتح السين ففي المقدمة أي طريقهم شبرا بشبر حال مثل يدا بيد وكذا قوله ذراعا بذراع أي ستفعلون مثل فعلهم سواء بسواء حتى لو دخلوا أي من قبلكم من بني إسرائيل حجر ضب وهو من أضيق أنواع الحجر وأخبثها تبعتموهم ولعل الحكمة في ذلك أنه لما بعث لإتمام مكارم الأخلاق في آخر الأمم فيقتضي أن يكون أهل الكمال منهم موصوفين بجميع الخصال الحميدة في الأديان المتقدمة ومن لوازم ذلك أن يكون أهل النقصان منهم في كمال مرتبة القصور منعوتين بجميع الخلال الذميمة الكائنة في الأمم السابقة ونظيره أن بعض المشايخ ذكر أنه ارتاض بجميع ما سمع من رياضات أرباب الولايات فأعطى له جميع أصناف الكرامات وخوارق العادات ويناسبه ما ذكره بعض المحققين من أن التوقف لا يوجد في حق الإنسان فإن لم يكن في الزيادة فهو في النقصان وأيضا نوع بني آدم


معجون مركب من الطبع الملكي الروحاني العلواني ومن الطبع الحيواني النفساني السفلاني فإن كان يميل إلى العلو فيصير إلى المرتبة الأولى من الملأ الأعلى وإن كان يميل إلى أسفل فيسير في طريقته من مراتب البهائم أدنى كما أشار إليه سبحانه بقوله أولئك كالأنعام بل هم أضل
الأعراف وهنا ينفتح باب القضاء والإخلاص إلى القضاء إلا بقوله لا يسأل عما يفعل الأنبياء فتأمل قيل يا رسول الله اليهود والنصارى بالنصب أي أتعني بمن نتبعهم أو بمن قبلنا سنة اليهود والنصارى قال أي النبي فمن أي إن لم أرادهم فمن سواهم والمعنى أنهم الغالبون المشهورون من أهل الكتاب وغيرهم مندرسون فإذا أطلق من قبلكم فهم المراد وكأن غيرهم غير موجودين في الاعتبار عند الإطلاق وقال شارح فمن استفهام أي فمن يكون غيرهم يعني المتبوعين لكم هم لا غيرهم وقال ابن الملك روى اليهود بالجر أي هل نتبع سنن اليهود وبالرفع على أنه خبر المبتدأ على تقدير حرف الاستفهام يعني من قبلنا هم اليهود انتهى وقيل التقدير أي المتبوعون هم اليهود والنصارى أم غيرهم متفق عليه ورواه الحاكم عن ابن عباس ولفظه لتركبن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه وعن مرداس بكسر الميم الأسلمي كان من أصحاب الشجرة يعد في الكوفيين روى عنه قيس بن أبي حازم حديثا واحدا ليس له غيره قال قال النبي وفي نسخة صحيحة رسول الله يذهب أي يموت الصالحون الأول فالأول بالرفع بدل من الصالحون وبالنصب حال أي واحدا بعد واحد أو قرنا بعد قرن وتبقى حفالة بضم الحاء المهملة حثالة بالثاء المثلثة بدل الفاء ومعناهما الرديء من الشيء والتنكير في حفالة للتحقير كحفالة الشعير أي نخالته أو التمر أي دقله قال الطيبي رحمه الله الفاء للتعقيب ولا بد من التقدير أي الأول منهم فالأول من الباقين منهم وهكذا حتى ينتهي إلى الحفالة مثل الأفضل فالأفضل قال


القاضي الحفالة رذالة الشيء وكذا الحثالة والفاء والثاء يعاقبان كثيرا لا يباليهم الله أي لا يرفع لهم قدرا ولا يقيم لهم وزنا بالة أي مبالاة فيكون محذوف الميم والألف لكونها من الزوائد كما قيل في لبيك فإنه مأخوذ من ألب بالمكان أقام به وأصل بالة بالية مثل عافاة الله عافية فحذفوا الياء منها تخفيفا يقال ما باليته وما باليت به ومنه أي لم أكترث به وقيل بالة بمعنى حالة أي لا يبالي الله حالة من أحواله ومنه البال بمعنى الحال رواه البخاري وكذا الإمام أحمد

الفصل الثاني
عن ابن عمر قال قال رسول الله إذا مشت أمتي المطيطيا بضم الميم وفتح المهملة الأولى وكسر الثانية ممدودة وتقصر بمعنى التمطي وهو المشي فيه التبختر ومد اليدين ويروى بغير الياء الأخيرة وهو لفظ الجامع ونصبه على أنه مفعول مطلق أي مشي تبختر وقيل إنه حال أي إذا صاروا في نفوسهم متكبرين وعلى غيرهم متجبرين وخدمتهم وفي الجامع خدمها وهو الأنسب بالسابق واللاحق والمعنى قام بخدمتهم وإنقاد في حضرتهم أبناء الملوك أبناء فارس والروم بدل مما قبله وبيان له سلط الله شرارها ولفظ الجامع سلط شرارها أي ظلمة الأمة على خيارها أي مظلومهم قال الشراح وهذا الحديث من دلائل نبوته لأنه أخبر عن المغيب ووافق الواقع خبره فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم وأخذوا أموالهم وتجملاتهم وسبوا أولادهم فاستخدموهم سلط الله قتلة عثمان رضي الله عنه عليه حتى قتلوه ثم سلط بني أمية على بني هاشم ففعلوا ما فعلوا وهكذا رواه الترمذي وكذا ابن حبان ذكره ميرك وقال أي الترمذي هذا حديث غريب وعن حذيفة أن النبي قال لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم أي الخليفة أو السلطان وتجتلدوا أي تتضاربوا بأسيافكم ويرث دنياكم شراركم بأن يصير الملك والمال والمناصب في أيدي الظلمة وغير أرباب الإستحقاق رواه الترمذي وعنه أي عن حذيفة قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى يكون


أسعد الناس بنصب أسعد ويرفع أي أكثرهم مالا وأطيبهم عيشا وأرفعهم منصبا وأنفذهم حكما بالدنيا أي بأمورها أو فيها لكع بن لكع بضم اللام وفتح الكاف غير مصروف أي لئيم بن لئيم أي رديء النسب دنيء الحسب وقيل أراد به من لا يعرف له أصل ولا يحمد له خلق وحذف ألف ابن لإجراء اللفظين مجرى علمين لشخصين خسيسين لئيمين قال ابن الملك رحمه الله في بعض النسخ بنصب أسعد على أنه خبر يكون وفي بعضها برفعه على أن الضمير في يكون للشأن والجملة بعده تفسير للضمير المذكور انتهى ولا يجوز أن يكون أسعد اسما ولكع بنصب على الخبرية لفساد المعنى كما لا يخفى فلا يغرك ما في بعض النسخ من نصب لكع فإنه مخالف للرواية والدراية وقد اقتصر شارح على نصب أسعد وقال لكع بالرفع اسم يكون وهو الأحمق وقيل العبد وهو معدول عن اللكع يقال لكع الوسخ عليه لكعا فهو لكع إذا ألصق به وللرجل اللئيم كما عدلت لكاع المرأة اللئيمة ثم استعمل للأحمق والعبد لما فيه من الذلة وللجحش لما فيه من الخفة وللصبي لما فيه من الضعف ويقال للذليل الذي تكون نفسه كالعبيد وأريد به ههنا الذي لا يعرف له أصل ولا يحمد له خلق انتهى وبهذا ظهر معنى قوله في حق الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أثم لكع وحاصله أنه يطلق على الصغير قدرا وجثة بحسب ما يقتضيه المقام من المعنى المناسب للمرام ولذا قيل يقال للصبي لكع مصروفا ذهابا إلى صغر جثته ويطلق على العبد واللئيم الأحمق لصغر قدرهم فإذا عرفت هذا فيصلح أن يراد بلكع كل من هذه المعاني من الصغير والحقير والعبد والأحمق واللئيم ثم قال بعضهم هو ليس بمعدول وإنما هو مثل صرد ونغر فحقه أن ينون لأنه ليس بمعدول وفي القاموس اللكع كصرد اللئيم والعبد والأحمق ومن لا يتجه لمنطق ولا لغيره والمهر والصغير والوسخ ويقال في النداء يا لكع ولا يصرف في المعرفة لأنه معدول عن اللكع انتهى وهذا يؤيد أن يكون لكع هنا مصروفا وقال الطيبي رحمه الله وهو غير منصرف


للعدل والصفة رواه الترمذي أي في سننه والبيهقي في دلائل النبوة وكذا أحمد والضياء وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان عن أنس مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة لا تقوم الساعة حتى يكون الزهد رواية والورع تصنعا وروى أحمد ومسلم عن ابن مسعود لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس وروى أبو يعلى الموصلي والحاكم عن أبي سعيد لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت وروى السجزي عن ابن عمر لا تقوم الساعة حتى يرفع الذكر والقرآن وروى الطبراني عن ابن عمرو لا تقوم الساعة حتى يخرج


سبعون كذابا وروى أحمد ومسلم والترمذي عن أنس لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله وسيأتي في أول باب الملاحم من حديث أبي هريرة المشتمل على ثلاث عشرة علامة لقيام الساعة مستوفى الكلام عليها إن شاء الله تعالى وعن محمد بن كعب القرظي بضم قاف وفتح راء فظاء معجمة نسبة إلى بني قريظة طائفة من يهود المدينة شرفها الله ذكره المصنف في التابعين وقال سمع نفرا من الصحابة ومنهم محمد بن المنكدر وغيره وكان أبوه ممن لم يثبت يوم قريظة فترك قال حدثني من سمع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لم يسم هذا السامع لكن تابعي تغفر جهالته مع احتمال كونه صحابيا آخر فتدبر قال أي علي رضي الله عنه إنا لجلوس أي لجالسون مع رسول الله في المسجد أي مسجد المدينة أو مسجد قباء فاطلع بتشديد الطاء أي فظهر علينا مصعب بن عمير بضم الميم وفتح العين وعمير مصغرا ما عليه أي ليس على بدنه إلا بردة له أي كساء مخلوط السواد والبياض مرفوعة بفرو أي مرقعة بجلد قال ميرك هو قرشي هاجر إلى النبي وترك النعمة والأموال بمكة وهو من كبار أصحاب الصفة الساكنين في مسجد قباء وقال المؤلف هو عبدري كان من أجلة الصحابة وفضلائهم هاجر إلى أرض الحبشة في أول من هاجر إليها ثم شهد بدرا وكان رسول الله بعث مصعبا بعد العقبة الثانية إلى المدينة يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشا وألينهم لباسا فلما أسلم زهد في الدنيا وقيل إنه بعثه النبي بعد أن بايع العقبة الأولى فكان يأتي الأنصار في دورهم ويدعوهم إلى الإسلام فيسلم الرجل والرجلان حتى فشا الإسلام فيهم فكتب إلى النبي يستأذنه أن يجمع بهم فأذن له ثم قدم على النبي مع السبعين الذين قدموا عليه في العقبة الثانية فأقام بمكة قليلا وفيه نزل رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الأحزاب وكان إسلامه بعد دخول النبي دار الأرقم فلما رآه أي أبصر مصعبا


بتلك الحال الصعباء رسول الله بكى للذي أي للأمر الذي كان فيه أي قبل ذلك اليوم من النعمة والذي هو فيه أي وللأمر الذي هو فيه من المحنة والمشقة اليوم أي في الوقت الحاضر والظاهر المتبادر أن بكاءه إنما كان رحمة له وشفقة عليه لما رآه من فقره وفاقته لا سيما وقد كان عزيزا في
قومه ومنغمسا في نعمته لكن ينافيه بعض المنافاة ما وقع له مع عمر حيث بكى عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى النبي مضطجعا على حصير سرير ليس بينه وبينه شيء وقد أثر الحصير على بدنه الشريف وتذكر عمر تنعم كسرى وقيصر فقال له أأنت في هذا المقام يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة فالأولى أن يحمل البكاء على الفرح في أنه وجد في أمته من اختار الزهد في الدنيا والإقبال على العقبى أو على الحزن في فقد ما عنده من بعض المساعدة لبعض الكسوة أو المعاونة في بعض المعيشة والله تعالى أعلم ويؤيد تأويلنا نقل الراوي ثم قال رسول الله كيف أي الحال بكم إذا غدا أي ذهب أول النهار و أحدكم في حلة بضم فتشديد أي في ثوب أو في إزار ورداء وراح أي ذهب آخر النهار في حلة أي أخرى من الأولى قال ابن الملك أي كيف يكون حالكم إذا كثرت أموالكم بحيث يلبس كل منكم أول النهار حلة وآخره أخرى من غاية التنعم ووضعت بين يديه صحفة أي قصعة من مطعوم ورفعت أخرى أي من نوع آخر كما هو شأن المترفين من طائفة الأروام وهو كناية عن كثرة أصناف الأطعمة الموضوعة على الأطباق بين يدي المتنعمين من طبقة الأعجام وسترتم بيوتكم بضم الموحدة وكسرها أي جدرانها والمعنى زينتموها بالثياب النفيسة من فرط التنعم كما تستر الكعبة وفيه إشارة إلى أن سترها من خصوصياتها لإمتيازها فقالوا يا رسول الله نحن يومئذ خير منا اليوم وبينوا سبب الخيرية بقولهم مستأنفا فيه معنى التعليل نتفرغ أي عن العلائق والعوائق للعبادة أي بأنفسنا ونكفى بصيغة المجهول المتكلم المؤونة أي بخدمنا والواو لمطلق الجمع فالمعنى ندفع


عنا تحصيل القوت لحصوله بأسباب مهيأة لنا فنتفرغ للعبادة من تحصيل العلوم الشرعية والعمل بالخيرات البدنية والمبرات المالية قال وفي نسخة فقال لا أي ليس الأمر كما ظننتم أنتم اليوم خير منكم يومئذ لأن الفقير الذي له كفاف خير من الغني لأن الغني يشتغل بدنياه ولا يتفرغ للعبادة مثل من له كفاف لكثرة اشتغاله بتحصيل المال فالحديث صريح في تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر فإن الغني بالنسبة إلى الصحابة وهم أقوياء إذا كان كذلك فما بال غيرهم من الضعفاء ويؤيده ما رواه الديلمي في الفردوس عن ابن عمر مرفوعا ما زويت الدنيا عن أحد إلا كانت خيرة له أقول قوله عن أحد على عمومه فإن الكافر الفقير عذابه أخف من الكافر الغني في النار فإذا نفع الفقر الكافر في تلك الدار فكيف لا ينفع المؤمن الصابر في دار القرار رواه الترمذي


وعن أنس قال قال رسول الله يأتي على الناس زمان الصابر فيهم أي في أهل ذلك الزمان على دينه أي على حفظ أمر دينه بترك دنياه كالقابض أي كصبر القابض في الشدة ونهاية المحنة على الجمر جمع الجمرة وهي شعلة من نار قال الطيبي رحمه الله الجملة صفة زمان والراجع محذوف أي الصابر فيه وفيه أن الرابط مذكور فيه بقوله فيهم كما أشرنا إليه سابقا قال والمعنى كما لا يقدر القابض على الجمر أن يصبر لإحراق يذه كذلك المتدين يومئذ لا يقدر على ثباته على دينه لغلبة العصاة والمعاصي وانتشار الفسق وضعف الإيمان انتهى والظاهر أن معنى الحديث كما لا يمكن القبض على الجمرة إلا بصبر شديد وتحمل غلبة المشقة كذلك في ذلك الزمان لا يتصور حفظ دينه ونور إيمانه إلا بصبر عظيم وتعب جسيم ومن المعلوم أن المشبه به يكون أقوى فالمراد به المبالغة فلا ينافيه أن ما أحد يصبر على قبض الجمر ولذا قال تعالى فما أصبرهم على النار البقرة مع أنه قد يقبض على الجمر أيضا عند الإكراه على أمر أعظم منه من قتل نفس أو إحراق أو إغراق ونحوها ولذا قال تعالى قل نار جهنم أشد حرا التوبة وقد أشار الشاطبي رحمه الله في زمانه إلى هذا المعنى بقوله وهذا زمان الصبر من لك بالتيكقبض على جمر فتنجو من البلا قال الجعبري أي هذا الزمان زمان الصبر لأنه قد أنكر المعروف وعرف المنكر وفسدت النيات وظهرت الخيانات وأوذي المحق وأكرم المبطل فمن يسمح لك بالحالة التي لزومها في الشدة كالقابض على جمر النار فقد روى أبو ثعلبة الخشني عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل برأيه فعليك خاصة نفسك ودع العوام فإن وراءكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم انتهى رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب إسنادا قال ميرك نقلا عن التصحيح هذا الحديث وقع له ثلاثيا وفي سنده عمر بن


شاكر شيخ الترمذي وحده وقد ذكره ابن حبان في الثقات انتهى وروى ابن عساكر عن أنس أيضا يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من شاته وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا كان ولفظ الجامع إذا كانت
أمراؤكم خياركم أي أتقياءكم وأغنياؤكم سمحاءكم أي أسخياءكم واحده سمح فكأنه جمع سميح بمعنى سمح وأموركم شورى بينكم مصدر بمعنى التشاور أي ذوات شورى على تقدير مضاف أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي متشاور فيها ومنه قوله تعالى وأمرهم شورى بينهم الشورى وقد قال سبحانه عز وجل لنبيه وشاورهم في الأمر آل عمران والمعنى ما دمتم متشاورين في أموركم فظهر الأرض خير لكم من بطنها أي لأجل أنكم عاملون بما في الكتاب والسنة وطوبى لمن طال عمره وحسن عمله وإذا كان أمراؤكم شراركم أي بالفسق والظلم وأغنياؤكم بخلاءكم أي بقلة الرحمة والشفقة وأموركم إلى نسائكم أي مفوض إلى رأيهن والحال أنهن من ناقصات العقل والدين وقد ورد شاوروهن وخالفوهن وفي معناهن كل من يكون في مرتبة حالهن من الرجال ممن يغلب عليه حب الجاه والمال ولم يعلم ما يتعلق بضرر الدين ووبال المال فبطن الأرض خير لكم من ظهرها أي فإن من لم يغلب خيره شره فالموت خير له رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن ثوبان وهو مولى للنبي قال قال رسول الله يوشك الأمم أي يقرب فرق الكفر والضلالة أن تداعى حذف إحدى التاءين أي تتداعى عليكم بأن يدعو بعضهم بعضا لمقاتلتكم وكسر شوكتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال كما تداعى أي تتداعى الآكلة بالمد وهي الرواية على نعت الفئة والجماعة أو نحو ذلك كذا روي لنا عن كتاب أبي داود وهذا الحديث من أفراده ذكره الطيبي رحمه الله ولو روي الأكلة بفتحتين على أنه جمع آكل اسم فاعل لكان له وجه وجيه والمعنى كما يدعو أكلة الطعام بعضهم بعضا إلى قصعتها أي التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع فيأكلونها عفوا صفوا كذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعب ينالهم أو ضرر


يلحقهم أو بأس يمنعهم فقال قائل ومن قلة خبر مبتدأ محذوف وقوله نحن يومئذ مبتدأ وخبر صفة لها أي أذلك التداعي لأجل قلة نحن عليها يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير أي عددا وقليل مددا وهذا معنى الاستدراك بقوله ولكنكم غثاء بالضم ممدودا قال الطيبي رحمه الله كغثاء السيل قال الطيبي بالتشديد أيضا ما يحمله السيل من زبد ووسخ شبههم به لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم وخفة
أحلامهم وخلاصته ولكنكم تكونون متفرقين ضعيفي الحال خفيفي البال مشتتي الآمال ثم ذكر سببه بعطف البيان فقال ولينزعن أي ليخرجن الله من صدور عدوكم المهابة أي الخوف والرعب منكم أي من جهتكم وليقذفن بفتح الياء أي وليرمين أي الله في قلوبكم الوهن أي الضعف وكأنه أراد بالوهن ما يوجبه ولذلك فسره بحب الدنيا وكراهة الموت حيث قال قال قائل يا رسول الله وما الوهن أي ما سببه وما موجبه قال الطيبي رحمه الله سؤال عن نوع الوهن أو كأنه أراد من أي وجه يكون ذلك الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت وهما متلازمان فكأنهما شيء واحد يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين من العدو المبين ونسأل الله العافية فقد ابتلينا بذلك فكأنما نحن المعنيون بما ذكر هنالك رواه أبو داود أي في سننه والبيهقي في دلائل النبوة
الفصل الثالث


عن ابن عباس رضي الله عنه أي موقوفا قال ما ظهر الغلول بالضم أي خيانة المغنم في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب بسكون العين وضمها أي خوف العدو ولا فشا الزنا أي انتشر في قوم إلا كثر فيهم الموت أي بالرياء أو الطاعون أو موت القلب أو موت العلماء ولا نقص قوم المكيال والميزان أي وما في معناهما كالذراع والعدد من طريق الغش والخديعة إلا قطع عنهم الرزق أي الحلال أو بركة الرزق الذي في أيديهم ولا حكم قوم أي من الحكام بغير حق أي بغير استحقاق أو بغير علم في أحكامهم الفاسدة بل بآرائهم الكاسدة إلا فشا فيهم الدم أي القتل والمراد ما ينجر إليه ولا ختر بفتح الخاء المعجمة والفوقية ومنه قوله تعالى وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار لقمان أي غدر قوم بالعهد أي بنقضه خديعة رجاء الغلبة إلا سلط بصيغة المجهول أي بتسليط الله عليهم العدو رواه مالك أي في باب ما جاء في العلول من الموطأ باب كذا في الأصول المعتمدة والنسخ المصححة من غير ترجمة وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو الباء ساكن على الوقف وقال ابن الملك


باب في ذكر الإنذار والتحذير
أي التخويف والتذكير
الفصل الأول
عن عياض بن حمار المجاشعي بضم الميم قال المؤلف وكان صديقا لرسول الله قديما روى عنه جماعة وهو تميمي يعد في البصريين أن رسول الله قال ذات يوم في خطبته أي المعروفة أو في موعظته ألا بالتخفيف للتنبيه إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يحتمل أن يكون من بيان ما أو تبعيضية على أنه منقطع عما قبله خبر لما بعده مستأنف أي من جملة ما علمني يومي هذا أي بما أوحى الله إلى في هذا اليوم بخصوصه كل مال نحلته أي أعطيته عبدا أي من عبادي وملكته إياه فلا يدخل الحرام حلال أي فلا يستطيع أحد أن يحرمه من تلقاء نفسه ويمنعه من التصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم وهذا من مقول الله كما يدل عليه قوله وإني خلقت عبادي حنفاء أي مستعدين لقبول الحق ومائلين إليه عن الباطل كلهم أي جميعهم لقوله كل مولود يولد على الفطرة وهي التوحيد المطلق وما به يتعلق لقوله تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله الروم أي لا تبدلوا مخلوقاته باليهودية والنصرانية والمجوسية ونحوها وذلك الدين القيم التوبة يوسف الروم أي


المستقيم فلا تعدلوا عن الجادة إلى الطريق الزايغة كما قال تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله الأنعام أي عن الطريق الحقيقي الواصل إليه المقبول لديه لمن أراد المنة عليه ومنه قوله تعالى وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين النحل ثم بين سبب ضلالة الخلق وغوايتهم عن الحق بقوله وأنهم أي عبادي الحنفاء أتتهم الشياطين أي جاؤوهم بالوسوسة فاجتالتهم أي صرفتهم وساقتهم مائلين عن دينهم من اجتاله أي ساقه وذهب به وقيل الافتعال هنا للحمل على الفعل كاختطب زيد عمرا أي حمله على الخطبة حملتهم الشياطين على جولانهم وميلانهم عن دينهم وحرمت أي الشياطين عليهم ما أحللت لهم أي من البحيرة والسائبة وغيرهما وتوضيحه ما حققه القاضي حيث قال قوله كل مال نحلته حكاية ما علمه الله تعالى وأوحى إليه في يومه هذا والمعنى ما أعطيت عبدا من مال فهو حلال له ليس لأحد أن يحرم عليه وليس لقائل أن يقول هذا يقتضي أن لا يكون الحرام رزقا لأن كل رزق ساقه الله تعالى إلى عبد نحله وأعطاه وكل ما نحله وأعطاه فهو حلال فيكون كل رزق رزقه الله إياه فهو حلال وذلك يستلزم أن يكون كل ما ليس بحلال ليس برزق لأنا نقول الرزق أعم من الإعطاء فإنه يتضمن التمليك ولذا قال الفقهاء لو قال لامرأته إن أعطيتني الفا فأنت طالق فأعطته ألفا بانت ودخل الألف في ملكه ولا كذلك الرزق وأمرتهم أي الشياطين لهم أن يشركوا بي ما أي إشراكا أو شيئا لم أنزل به أي بوجود سلطانا أي حجة وبرهانا سميت به لتسلطه على القلوب عند هجوم الخواطر عليها بالقهر والغلبة والمعنى ما ليس على إشراكه دليل عقلي ولا نقلي إذ لو كان أحدهما لبينه سبحانه وتعالى بل الأمر بخلافه حيث قال وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه الإسراء والقرآن مشحون بالأدلة على بطلان الإشراك بالله تعالى قال القاضي هو مفعول يشركوا يريد به الأصنام وسائر ما عبد من دون الله أي


أمرتهم بالإشراك بالله بعبادة ما لم يأمر الله بعبادته ولم ينصب دليلا على استحقاقه للعبادة وقال الطيبي رحمه الله ما لم أنزل به سلطانا أي لا إنزال سلطان ولا شريك على أسلوب قوله على لاحب لا يهتدى بمناره أي لا منار ولا اهتداء به وقوله ولا يرى الضب بها ينحجر أي لا ضب ولا انحجار نفيا للأصل والفرع أي القيد والمقيد وقيل هذا على سبيل التهكم إذ لا يجوز على الله أن ينزل برهانا أن يشرك به غيره وإن الله نظر إلى أهل الأرض أي رآهم ووجدهم متفقين على الشرك منهمكين في الضلالة فمقتهم أي أبغضهم عربه


وعجمهم بدل من الضمير والمراد بالعجم غير العرب والمعنى أبغضهم بسوء صنيعهم وخبث عقيدتهم واتفاقهم قبل بعثة محمد على الشرك وانغماسهم في الكفر قوم موسى عليه السلام كفروا بعيسى وعبدوا عزيرا وذهبوا إلى أنه ابن الله وقوم عيسى ذهبوا إلى التثليث أو إلى إلى أنه ابن الله وغير ذلك إلا بقايا من أهل الكتاب أي من اليهود والنصارى تبرؤوا عن الشرك كذا قاله بعضهم والأظهر أن المراد بهم جماعة من قوم عيسى أبقوا متابعته عليه السلام إلى أن آمنوا بنبينا وقال أي الله تعالى إنما بعثتك أي أرسلتك يا محمد لأبتليك أي لأمتحنك كيف تصبر على إيذاء قومك إياك وأبتلي بك أي قومك هل يؤمنون بك أم يكفرون وأنزلت عليك كتابا أي عظيما وهو القرآن لا يغسله الماء أي لم نكتف بإيداعه الكتب فيغسله الماء بل جعلناه قرآنا محفوظا في صدور المؤمنين قال تعالى بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم العنكبوت وقال سبحانه إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون الحجر أو المراد بالغسل النسخ والماء مثل أي لا ينزل بعده كتاب ينسخه ولا نزل قبله كتاب يبطله كما قال تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فصلت قال الطيبي رحمه الله أي كتابا محفوظا في القلوب لا يضمحل بغسل القراطيس أو كتابا مستمرا متداولا بين الناس ما دامت السموات والأرض لا ينسخ ولا ينسى بالكلية وعبر عن إبطال حكمه وترك قراءته والإعراض عنه بغسل أوراقه بالماء على سبيل الإستعارة أو كتابا واضحا آياته بينا معجزاته لا يبطله جور جائر ولا يدحضه شبهة مناظر فمثل الإبطال معنى بالإبطال صورة وقيل كنى به عن غزارة معناه وكثرة جدواه من قولهم مال فلان لا يفنيه الماء أو النار وقوله تقرؤه أي أنت نائما ويقظان بسكون القاف والمعنى يصير لك ملكة بحيث يحضر في ذهنك وتلتفت إليه نفسك في أغلب الأحوال فلا تغفل عنه نائما ويقظان وقد يقال للقادر على الشيء الماهر به هو يفعله بالماء كذا


ذكره الطيبي رحمه الله وخلاصته أنه في قلبك وأنت نائم وأقول لا احتياج إلى التأويل بالنسبة إلى قلبه الجليل لأنه تنام عيناه ولا ينام قلبه وقد شوهد كثير من الناس صغيرا وكبيرا أنهم يقرؤون وهم نائمون وأغرب من هذا ما حكى بعض المريدين أنه وشيخه كانا يتدارسان وقت السحر في تلاوة القرآن عشرا عشرا فلما توفي الشيخ رحمه الله تعالى أتاه المريد وقت السحر على عادته عند قبره وأراد أن يقرأ ورده فلما تم العشر سمع من القبر صوت شيخه أنه قرأ عشرا وسكت وهكذا كان الأمر مستمر إلى أنه حكى المريد القضية لبعض أصحابه فوقع تحت حجابه ونظيره سماع سعيد بن المسيب صوت الأذان من الضريح الأنور أيام فتنة يزيد في المدينة المعظمة حيث لم يبق في المسجد أحد إلا سعيد وكانوا يقولون إنه شيخ مجنون وأن الله أمرني أن أحرق أي أهلك قريشا أي كفارهم فقلت رب أي يا


رب إذا بالتنوين يثلغوا بفتح اللام أي يشدخوا ويكسروا رأسي فيدعوه بفتح الدال أي رأسي خبزة أي فيتركوه بالشدخ بعد الشكل الكروي مصحفا مثل خبزة قال أي الله لنبيه استخرجهم أي قريشا والمراد كفارهم كما أخرجوك أي كإخراجهم إياك جزاء وفاقا وإن كان بين الإخراجين بون بين فإن إخراجهم إياه بالباطل وإخراجه إياهم بالحق واغزهم أي وجاهدهم فالواو والمطلق الجمع فإن القتال مقدم على الإخراج نغزك بضم النون من أغزيته إذا جهزته للغزو وهيأت له أسبابه وأنفق أي ما في جهدك في سبيل الله سننفق عليك أي نخلف عليك بدله في الدنيا والأخرى قال تعالى وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين سبأ وفيه وعد وتسلية وابعث أي ارسل أنت جيشا أي كبيرا وصغيرا نبعث خمسة أي مقدار خمسة مثله بالنصب والمعنى نبعث من الملائكة خمسة أمثال تعينهم كما فعل ببدر قال تعالى بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين آل عمران وكان المشركون يومئذ ألفا والمسلمون ثلثمائة وقاتل بمن أطاعك أي بمعونته أو معه من عصاك أي بعدم الإيمان بك رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال لما نزلت وانذر عشيرتك الأقربين صعد بكسر العين وهو جواب لما وفي بعض النسخ فصعد بالفاء فلا وجه له أي طلع النبي الصفا وهو جبل معروف بمكة من شعائر الله فجعل أي فشرع النبي ينادي أي قبائل العرب يا بني فهر بكسر الفاء وسكون الهاء قبيلة من قريش على ما في القاموس يا بني عدي وهم قبيلة من قريش أيضا على ما في القاموس فقوله لبطون قريش فيه إشكال إذا البطن دون القبيلة أو دون الفخذ وفوق العمارة والقبيلة واحد قبائل الرأس لقطع الشعوب بعضها إلى بعض ومنه قبائل العرب واحدهم قبيلة وهم بنوا أب واحد كذا في القاموس والحاصل أن القبيلة بمنزلة الجنس والبطن بمنزلة النوع والفخذ بمنزلة


الفصل وقد يستعار بعضها لبعض والله تعالى أعلم وقال الطيبي رحمه الله اللام فيه بيان كقوله تعالى لمن أراد أن يتم الرضاعة البقرة كأنه قيل لمن قيل لبطون قريش حتى اجتمعوا أي من كل قبيلة وبطن جمع فقال أرأيتكم بفتح التاء ويجوز تحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإبدالها وحذفها والمعنى أخبروني وتحقيقه ما ذكره الطيبي رحمه الله من أن الضمير المتصل المرفوع من الخطاب العام والضمير الثاني لا محل له وهو كالبيان للأول لأن الأول بمنزلة الجنس الشائع في المخاطبين فيستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع فإذا أريد بيانه بأحد هذه الأنواع بين به فأتى في الحديث بعلامة الجمع بيانا للمراد انتهى فكأنه قال أرأيتم فإن رأيتم فأعلموني لو أخبرتكم أن خيلا أي جيشا بالوادي أي نزل به قال شارح وهو موضع معروف بقرب مكة وكأنه أريد به الوادي المشهور بوادي فاطمة بين مكة والمدينة شرفها الله تريد أي الخيل أن تغير عليكم من الإغارة وهي النهب والبيوتة بالغفلة يعني أصحابها على أحد المجازين في قوله تعالى واسأل القرية يوسف أكنتم مصدقي أي مصدقين لي في قولي قالوا نعم أي كنا نصدقك وسببه أنا في جميع عمرنا ما جربنا عليك إلا صدقا قال الطيبي رحمه الله ضمن جرب معنى الإلقاء وعداه بعلى أي ما ألقينا عليك قولا مجربين لك فيه هل تكذب فيه أم لا ما سمعنا منك إلا صدقا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد أي قبل نزول عذاب عظيم وعقاب أليم والمعنى أنكم إن لم تؤمنوا بي ينزل عليكم عذاب قريب قال الطيبي رحمه الله قوله بين يدي ظرف لغو نذير وهو بمعنى قدام لأن كل من يكون قدام أحد يكون بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله وفيه تمثيل مثل إنذاره القوم بعذاب الله تعالى النازل على القوم بنذير قوم يتقدم جيش العدو فينذرهم فقال أبو لهب مشهور بكنيته واسمعه عبد العزى وهو ابن عبد المطلب بن هاشم عم النبي تبا لك أي خسرانا وهلاكا ونصبه بعامل مضمر قاله القاضي فهو


إما نصب على الصدر والمعنى تب تبا أو بإضمار فعل أي ألزمك الله هلاكا وخسرانا وألزم تبا لك سائر اليوم أي في باقي الأوقات أو في جميع الأيام قال التوربشتي رحمه الله من ذهب في سائر إلى البقية فإنه غير مصيب لأن الحرف من السير لا من السور وفي أمثالهم في اليأس من الحاجة أسائر اليوم وقد زال الظهر قال الطيبي رحمه الله وفيه نظر لأنه قال صاحب النهاية السائر مهموز الباقي والناس يستعملونه في معنى الجميع وليس بصحيح وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث وكلها بمعنى باقي الشيء ويدل على تصحيح ما في النهاية ما في أساس البلاغة فإنه أورده في باب السين مع الهمزة قائلا سار الشارب في الإناء


سورا وسورة أي بقية وفي المثل أسائر اليوم وقد زال الظهر انتهى كلامه فعلى هذا المراد بسائر اليوم بقية الأيام المستقبلة وفي القاموس السؤر البقية والفضلة وأسأر أبقاه كسأر كمنع والفاعل فيها سائر والقياس مسئر ويجوز والسائر الباقي لا الجميع كما توهم جماعات أو قد يستعمل له ومنه قول الأحوص فجلتها لنا لبابة لما وفد القوم سائر الحراس وضاف أعرابي قوما فأمروا الجارية بتطييبه فقال بطني عطري وسائري ذري وأغير على قوم فاستصرخوا بني عمهم فأبطأوا عنهم حتى أسروا وذهب بهم ثم جاؤوا يسألون عنهم فقال لهم المسؤول أسائر القوم وقد زال الظهر أي تطمعون فيما بعد وقد تبين لكم اليأس لأن من كانت حاجته اليوم بأسره وزال الظهر وجب أن ييأس منها بالغروب ألهذا أي لهذا الإستخبار والإخبار جمعتنا أي بالمناداة فنزلت تبت أي هلكت وخسرت يدا أبي لهب بفتح الهاء ويسكن أي نفسه كقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم البقرة أي بأنفسكم والباء زائدة وقيل المراد بهما دنياه وأخراه وقيل إنما خصتا لأنه لما قال ألهذا دعوتنا أخذ حجرا ليرميه به فنزلت وإنما كناه والكنية تكرمة لاشتهاره بكنيته أو لأن اسمه عبد العزى فاستكره ذكره أو لأنه لما كان من أهل النار كانت الكنية أوفق بحاله وإن كان كنى لكمال جماله وقرىء أبو لهب كما قيل علي بن أبو طالب على لغة من تصر على الواو في الأسماء الستة كما قصر بعضهم على الألف فيها كقوله إن أباها وأبا أباها وتب إخبار بعد خبر للتأكيد والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه أو الأول دعاء والثاني إخبار متفق عليه وفي رواية قال ميرك هذه الرواية من أفراد مسلم نادى يا بني عبد مناف هو أخو هاشم وعبد شمس والمطلب ومناف صنم كذا في القاموس إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو أي بعينه فانطلق أي ذهب مسرعا يربأ بفتح الموحدة وبالهمز أي يحفظ من العدو أهله أي قومه ويرقبهم بقتالهم على موضع عال فخشي أي الرجل أن يسبقوه أي يسبق العدو إلى أهله ويصلوا


إلى القوم قبل أن يصل إليهم بنفسه فجعل أي فشرع يهتف بكسر التاء أي يصيح وينادي من أعلى جبل وربما يجعل ثوبه على يده أو على خشب يرفعه لزيادة الإعلام ومنه النذير العريان أو هو كناية عن خلوه من العرض أو ايماء إلى أنه أخذ وسلب عنه ثوبه وهرب منهم فحينئذ كل أحد يصدقه في قوله يا صباحاه بسكون الهاء ولما كانت الغارة غالبا تكون في الصباح خصت به ولو كان في المساء أيضا والله تعالى أعلم
فهي كلمة تقال لإنذار أمر مخوف والمعنى يا قوم احذروا الإغارة بالذهاب قبل مجيء العدو فكأنه قال احذروا عقاب الله بالإيمان قبل نزوله وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين دعا النبي قريشا أي قبائله فاجتمعوا فعم أي النبي في النداء بما ذكره وخص ثم بين الراوي كيفية العموم والخصوص بقوله فقال أي النبي يا بني كعب بن لؤي بضم لام وفتح همز وقد يبدل واوا فتحتية مشددة وهو ابن غالب بن فهر أنقذوا بفتح همزة وكسر قاف أي خلصوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب بضم ميم وتشديد راء أي أبو قبيلة من قريش على ما في القاموس انقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب انقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة انقذي نفسك من النار ختم بها لأنها خلاصة قومها ثم عم في تبرىء إنقاذه إياهم من النار بغير الإيمان والعمل الصالح بقوله فإني لا أملك لكم أي لجميعكم عامكم وخاصكم من الله أي من عذابه شيئا أي من الملك والقدرة والدفع والمنفعة والمعنى إني لا أقدر أن أدفع عنكم من عذاب الله شيئا إن أراد الله أن يعذبكم وهو مقتبس من قوله سبحانه قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا الفتح بل قال الله تعالى قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله الأعراف وهذا التوحيد على وفق التفريد وهو وإن كان قد ينفع المؤمنين


بالشفاعة حيث يشفع ويشفع لكن أطلقه ترهيبا لهم على الإتكال عليه وترغيبا لهم على الاجتهاد في أمر زاد المعاد والله رؤوف بالعباد وهذا معنى قوله غير أن لكم رحما أي قرابة سأبلها بضم موحدة وتشديد لام أي ساصلها ببلالها بكسر الموحدة ويفتح أي بصلتها وبالإحسان إليها ومجمله أني سأصل تلك القرابة بالشيء الذي يتوصل به إلى الأقارب من الإحسان ودفع الظلم والضر عنهم وغير ذلك ففي النهاية البلال جمع بلل والعرب يطلقون النداوة على الصلة كما يطلق اليبس على القطيعة لأنهم لما رأوا أن بعض الأشياء يتصل


بالنداوة ويحصل بينها التجافي والتفرق باليبس استعاروا البلل لمعنى الوصل واليبس لمعنى القطيعة والمعنى أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئا رواه مسلم وفي المتفق عليه هذا موجود في بعض النسخ المصححة يا معشر قريش اشتروا أنفسكم أي أعتقوها وخلصوها من النار بالإيمان وترك الكفران وبالطاعة لما جئت به والإنقياد لما منعت منه لا أغني عنكم من الله شيئا أي لا أبعد منكم ولا أدفع عنكم شيئا من عذاب الله يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب بالنصب فيهما وفي نسخة برفع عباس لا أغني عنك من الله شيئا ويا صفية بالواو العاطفة بخلاف ما قبله من ألفاظ النداء فإنها كانت على سبيل التعداد وصفية مرفوعة وقوله عمة رسول الله منصوبة لا أغني عنك من الله شيئا وكذا قوله ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي كذا في نسخ من موصولة قال التوربشتي رحمه الله تعالى أرى أنه ليس من المال المعروف في شيء وإنما عبر به عما يملكه من الأمر وينفذ تصرفه فيه ولم يثبت عندنا أنه كان ذال مال لا سيما بمكة ويحتمل أن الكلمتين أعني من وما وقع الفصل فيهما من بعض من لم يحققه من الرواة فكتبهما منفصلتين انتهى وفيه أنه يرده قوله تعالى ووجدك عائلا فأغنى الضحى أي بمال خديجة رضي الله عنها على ما قاله المفسرون وأيضا لم يلزم من عدم وجود المال الحاضر للجواد أن لا يدخل في يده شيء من المال في الاستقبال فيحمل الوعد المذكور على تلك الحال ومهما أمكن الجمع لتصحيح الدراية تعين عدم التخطئة في الرواية والله سبحانه وتعالى أعلم لا أغني عنك من الله شيئا
الفصل الثاني
عن أبي موسى أي الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله أمتي


هذه أي أمة الإجابة الموجودة ذهنا المعهودة معنى كأنها المذكورة حسا أمة مرحومة أي رحمة زائدة على سائر الأمم لكون نبيهم رحمة للعالمين بل مسمى بنبي الرحمة وهم خير أمة ليس عليها عذاب أي شديد في الآخرة بل غالب عذابهم أنهم مجزيون بأعمالهم في الدنيا بالمحن والأمراض وأنواع البلايا كما حقق في قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به النساء على ما تقدم والله تعالى أعلم ويؤيده قوله عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل أي بغير حق وقيل الحديث خاص بجماعة لم تأت كبيرة ويمكن أن تكون الإشارة إلى جماعة خاصة من الأمة وهم المشاهدون من الصحابة أو المشيئة مقدرة لقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء وقال المظهر هذا حديث مشكل لأن مفهومه أن لا يعذب أحد من أمته سواء فيه من ارتكب الكبائر وغيره فقد وردت الأحاديث بتعذيب مرتكب الكبيرة اللهم إلا أن يؤول بأن المراد بالأمة هنا من اقتدى به كما ينبغي ويمتثل بما أمر الله وينتهي عما نهاه وقال الطيبي رحمه الله الحديث وارد في مدح أمته واختصاصهم من بين سائر الأمم بعناية الله تعالى ورحمته عليهم وأنهم إن أصيبوا بمصيبة في الدنيا حتى الشوكة يشاكها إن الله يكفر بها في الآخرة ذنبا من ذنوبهم وليست هذه الخاصية لسائر الأمم ويؤيده ذكر هذه وتعقيبها بقوله مرحومة فإنه يدل على مزية تمييزهم بعناية الله تعالى ورحمته والذهاب إلى المفهوم مهجور في مثل هذا المقام وهذه الرحمة هي المشار إليها بقوله ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون الأعراف إلى قوله الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الأعراف انتهى ولا يخفى عليك أن هذا كله مما لا يدفع الإشكال فإنه لا شك عند أرباب الحال أن رحمة هذه الأمة إنما هي على وجه الكمال وإنما الكلام في أن هذا الحديث بظاهره يدل على أن أحدا منهم لا يعذب في الآخرة وقد تواترت الأحاديث في أن جماعة من هذه الأمة من أهل الكبائر يعذبون في النار


ثم يخرجون إما بالشفاعة وإما بعفو الملك الغفار وهذا منطوق الحديث ومعناه المأخوذ من ألفاظه ومبناه وليس بمفهومه المتعارف المختلف في اعتباره حتى يصح قوله إن هذا المفهوم مهجور بل المراد بمفهومه في كلام المظهر المعلوم في العبارة ثم قول الطيبي رحمه الله وليست هذه الخاصية وهي كفارة الذنوب بالبلية لسائر الأمم يحتاج إلى دليل مثبت ولا عبرة بما فهم من المفهوم من قوله عذابها في الدنيا الفتن إلى آخره فإنه قابل للتقييد بكون وقوع عذابها بها غالبا رواه أبو داود وكذا الحاكم في مستدركه وصححه وأقره الذهبي ذكره ميرك وفي الجامع بلفظ أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل والبلايا رواه أبو داود والطبراني والحاكم والبيهقي عن أبي موسى ورواه الحاكم في الكنى عن أنس


أمتي أمة مرحومة مغفور لها متاب عليها أي يتوب الله عليها ولا يتركها مصرة على الذنوب ففيه دليل على أن المراد به خواص هذه الأمة والله تعالى أعلم وعن أبي عبيدة ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله قال إن هذا الأمر أي ما بعث به من إصلاح الناس دينا ودنيا وهو الإسلام وما يتعلق به من الأحكام بدا بالألف أي ظهر وفي نسخة بالهمزة أي ابتدأ أول أمر الدين إلى آخر زمانه زمان نزول الوحي والرحمة نبوة ورحمة نصبهما على التمييز أو الحال أي ذا نبوة ورحمة كاملة من نبي الرحمة على الأمة المرحومة ثم يكون أي أمر الدين خلافة أي نيابة عن حضرة النبوة ورحمة أي شفقة على الأمة بطريق كمال الولاية على وجه التبعية إلى ثلاثين سنة فانقضت بستة أشهر أيام الحسن فليس لمعاوية نصيب في الخلافة خلافا لمن خالفه ثم ملكا عضوضا بفتح العين فعول للمبالغة من العض بالسن أي يصيب الرعية فيه ظلم يعضون فيه عضا وروي بضم العين جمع عض بالكسر وهو الخبيث الشرير أي يكون ملوك يظلمون الناس ويؤذونهم بغير حق وهذا مبني على الغالب إذ النادر لا حكم له فلا يشكل بأن عمر بن عبد العزيز كان عادلا حتى سمي عمر الثاني وقضاياه مشهورة ومناقبه مسطورة ثم كائن أي ذلك الأمر أو ثم هذا الأمر كائن جبرية بفتح الجيم والموحدة على النصب أي قهرا وغلبة وعتوا بضمتين فتشديد أي تكبرا وفسادا في الأرض أي في الحرث والأنعام وغير ذلك من منكرات العظام ولعل وجه العدول في الكلام هو الاستمرار والدوام كما هو مشاهد في هذه الأيام حيث استقرت الخلافة في أيدي الظلمة بطريق التسلط والغلبة من غير مراعاة شروط الإمامة أولا ثم في زيادة الظلم والتعدي على الرعايا والتحكم عليهم بأنواع البلايا وأصناف الرزايا ثانيا ثم في إعطاء المناصب لغير أربابها المستحق لها وعدم الإلتفات إلى العلماء العاملين والأولياء الصالحين ثالثا ثم غالب سلاطين زماننا تركوا القتال مع المشركين وتوجهوا إلى مقاتلة


المسلمين لأخذ البلاد وإعطاء الفساد ولذا قال بعض علمائنا من قال سلطان زماننا عادل فهو كافر وما أقبح ما صدر من بعض خوانين الأزبك في زماننا أنه أمر بالقتل العام في بلد عظيم من بلدان أهل الإسلام المشتمل على المشايخ الكرام والسادات العظام وعلماء الإسلام والنساء والضعفاء والأطفال وسائر المرضى والعميان والأهل والعيال ألوف مؤلفة وصنوف مؤتلفة والحال أن أهل البلد المذكور على الملة الحنيفية ومذهب الحنفية من جملة أهل السنة والجماعة ومدعي السلطنة يزعم أنه على تعظيم العلم والشريعة وقد


صرح علماؤنا بأن المسلمين لو فتحوا قلعة من أهل الكفر ويوجد فيهم ألوف من أهل الحرب لكن فيهم ذمي واحد مجهول العين فيما بينهم لا يحل قتل العام في ذلك المقام فلا حول ولا قوة إلا بالله وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أعلم أن الله على كل شيء قدير وإن الله قد أحاط بكل شيء علما هذا وقد ظهر الفساد في البر والبحر حتى في الحرمين الشريفين مما لم يمكن ذكره ومما لم يتصور فكره والله ولي دينه وناصر نبيه وكل عام بل كل يوم بل كل ساعة شر مما قبله إلى أن تقوم الساعة ولم يكن في الأرض من يقول الله الله ويؤيده قوله يستحلون الحرير والفروج والخمور أي بأنواعها كما سبق يرزقون وفي نسخة ويرزقون أي والحال أنهم يرزقون على ذلك أي ما ذكر من الاستحلال وسائر قبائح الأفعال وينصرون أي على مقاصدهم من الأعمال لحكمة عجزت عن إدراكها أرباب الكمال حتى يلقوا الله إشارة إلى قوله تعالى ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار إبراهيم رواه البيهقي في شعب الإيمان قلت وكان الأولى أن يذكره في كتابه دلائل النبوة وعن عائشة قالت سمعت رسول الله يقول إن أول ما يكفأ بصيغة المجهول مهموزا من كفأت الإناء أي قلبته وأملته وكببته لإفراغ ما فيه قيل أنه كان يتحدث في الخمر فقال في أثناء حديثه إن أول إلى آخره فالخبر محذوف أي الخمر لكنه غير ملائم لما بعده من نقل المؤلف قال زيد بن يحيى الراوي أي أحد رواة هذا الحديث يعني الإسلام فإن الظاهر أن مراده تقدير الخبر وأن معناه أول ما يتغير الإسلام وهو الانقياد الظاهر المتعلق بارتكاب الطاعات واجتناب المحرمات ويؤيده قوله كما يكفأ الإناء أي ما فيه ولهذا قال الراوي يعني أي يريد النبي بقوله الإناء الخمر إما على مجاز الحذف أي مظروف الإناء وإما على ذكر المحل وإرادة الحال كما حقق في قوله تعالى واسئل القرية يوسف لكن يشكل بقوله قيل فكيف يا رسول الله أي يشربون الخمر ويمكن


دفعه بأن يقال المعنى فكيف الحال في انقلاب أحكام الإسلام وتبيان الحلال والحرام وقد بين الله فيها أي في الخمر مثلا ما بين أي من تحريمها قال يسمونها بغير اسمها أي يسمونها باسم النبيذ والمثلث فيستحلونها أي حقيقة فيصيرون كفرة أو فيظهرون أنهم يشربون شيئا حلالا فيكونون فسقة مكرة ولذا قال بعض الشراح يعني أنهم يستترون بما أبيح لهم من
الأنبذ فيتوصلون بذلك إلى استحلال ما حرم عليهم منها هذا ما ظهر لي في هذا المقام من حل الحرام وقال الطيبي رحمه الله خبر إن محذوف وهو الخمر والكاف في كما يكفاء صفة مصدر محذوف يعني أول ما يكفأ من الإسلام إكفاء مثل إكفاء ما في الإناء انتهى وأفاد أن التقدير من الاسلام وأن من تبعيضية ساقطة من الكلام أي من أحكامه وقال القاضي يكفا بقلب ويمال ويقال كفأت القدر إذ قلبتها لينصب عنها ما فيها والمراد به الشرب ههنا فإن الشارب يكفأ القدح عند الشرب وقول الراوي يعني الإسلام يريد به في الإسلام وسقط عنه والمعنى أن أول ما يشرب من المحرمات ويجترأ على شربه في الإسلام كما يشرب الماء ويجترأ عليه هو الخمر ويؤولون في تحليلها بأن يسموها بغير اسمها كالنبيذ والمثلث انتهى فيفيد أن النبيذ والمثلث حلالان وأن حقيقة الشيء لا يتغير اسم شيء عليه كما يسمى الزنجي بالكافور فلا يصح استدلال من توهم حرمة القهوة المحدثة بأنها من أسماء الخمر ولا بأنها تشرب على هيئة أهل الشرب لأنا نقول لا خصوصية حينئذ بالقهوة فإن اللبن والماء وماء الورد كذلك على أن الشرب المتعارف في الحرمين الشريفين وغيرهما ليس على منوال شرب الفسقة فإنه يتناول الزبادي المتعددة وشرب جماعة في حالة متحدة وبهذا تزول المشابهة وترتفع الشبهة ومما يدل على إباحتها ما نص الله في كلامه بقوله هو والذي خلق لكم ما في الأرض جميعا البقرة وأن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يصرف عنها دليل من الكتاب والسنة وإجماع الأمة أو القياس على وجه الصحة رواه


الدارمي وروى أحمد والضياء عن عبادة بن الصامت مرفوعا لتستحلن طائة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه
الفصل الثالث
عن النعمان بن بشير له ولأبويه صحبة عن حذيفة أي صاحب أسرار النبوة المحمدية قال قال رسول الله تكون النبوة بالرفع على أن تكون تامة أي توجد وتقع فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله تعالى ثم تكون خلافة بالرفع وفي بعض النسخ المصححة بالنصب على أن تكون ناقصة وهو الملائم لما سيأتي من قوله ثم تكون ملكا والمعنى ثم تنقلب النبوة خلافة أو تكون الحكومة أو الإمارة خلافة أي بنيابة حقيقية على


منهاج نبوة أي طريقتها الصورية والمعنوية ما شاء الله أن تكون أي الخلافة وهي ثلاثون سنة على ما ورد ثم يرفعها الله تعالى ثم تكون ملكا عاضا أي يعض بعض أهله بعضا كعض الكلاب فيكون أي الملك أي الأمر على هذا المنوال ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها الله تعالى أي تلك الحالة ثم تكون أي الحكومة ملكا جبرية أي جبروتية وسلطنة عظموتية فيكون أي الأمر على ذلك ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها الله تعالى أي الجبرية ثم تكون أي تنقلب وتصير خلافة وفي نسخة بالرفع أي تقع وتحدث خلافة كاملة على منهاج نبوة أي من كمال عدالة والمراد بها زمن عيسى عليه الصلاة والسلام والمهدي رحمه الله ثم سكت أي النبي عن الكلام قال حبيب قال المؤلف هو حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير وكاتبه روى عنه وعن محمد بن المنتشر وغيره فلما قام عمر بن عبد العزيز أي بأمر الخلافة كتبت إليه هذا الحديث أذكره إياه بتشديد الكاف من التذكير بمعنى الموعظة وقلت أرجو أن تكون أي أنت أو الخليفة أمير المؤمنين وفي نسخة بالغيبة أي يكون الموعود أمير المؤمنين وقال الطيبي رحمه الله أمير المؤمنين خبر يكون وقوله بعد الملك العاض والجبرية ظرف للخبر على تأويل الحاكم العادل نحو قوله تعالى وهو الله في السموات الأنعام أي معبود فيها قلت وفي بعض النسخ بالتذكير في يكون وبالرفع في أمير المؤمنين فيكون قوله بعد الملك ظرفا واقعا خبرا ليكون فسر بضم السين وتشديد الراء أي فرح به أي بهذا الحديث رجاء أن يكون في حقه وأعجبه عطف تفسيري يعني أي يريد القائل بالضميرين عمر بن عبد العزيز رواه أحمد أي في مسنده والبيهقي في دلائل النبوة وفي الجامع يكون أمراء يقولون ولا يرد عليهم يتهافتون في النار يتبع بعضهم بعضا رواه الطبراني عن معاوية وروى ابن عساكر عن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا يكون لأصحابي زلة يغفرها الله تعالى لسابقتهم معي