Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الفتن
الفتن جمع الفتنة وهي الامتحان والاختبار بالبلية
الفصل الأول
عن حذيفة قال قام أي خطيبا أو واعظا فينا أي فيما بيننا أو لأجل أن يعظنا ويخبرنا بما سيظهر من الفتن لنكون على حذر منها في كل الزمن رسول الله مقاما أما مصدر ميمي أو اسم مكان وقيل اسم زمان والجملة المنفية وهي قوله ما ترك شيئا الخ صفة وقوله يكون بمعنى يوجد صفة شيئا وقوله في مقامه متعلق بترك ووضع مقامه موضع ضمير الموصوف وقوله ذلك صفة مقامه إشارة إلى زمانه وقوله إلى قيام الساعة غاية ليكون والمعنى قام مقاما ما ترك شيئا يحدث فيه وينبغي أن يخبر بما يظهر من الفتن من ذلك الوقت إلى قيام الساعة إلا حدث به أي بذلك الشيء الكائن حفظه من حفظه أي المحدث به ونسيه من نسيه قد علمه أي هذا القيام أو هذا الكلام بطريق الإجمال أصحابي هؤلاء أي الموجودون من جملة الصحابة لكن بعضهم لا يعلمونه مفصلا لما وقع لهم بعض النسيان الذي هو من خواص الإنسان وأنا الآخر ممن نسي بعضه وهذا معنى قوله وإنه أي الشأن وأبعد من قال إن الضمير لقوله شيئا ليكون منه الشيء قد نسيته صفة لشيء واللام فيه زائدة واللام في ليكون مفتوحة على أنه جواب لقسم مقدر والمعنى ليقع


شيء مما ذكره النبي وقد نسيته فأراه فأذكره أي فإذا عاينته تذكرت ما نسيته والعدول من المضي إلى المضارع لإستحضار حكاية الحال ثم شبه الموصوف بالمعاين فقال كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه أي ثم ينساه ثم إذا رآه عرفه متفق عليه وعنه أي عن حذيفة قال سمعت رسول الله يقول تعرض بصيغة المجهول أي توضع وتبسط الفتن أي البلايا والمحن وقيل العقائد الفاسدة والأهواء الكاسدة على القلوب وقيل تعرض عليه أي يظهر لها ويعرف ما يقبل منها وما يأباه وينفر منها من عرض العود على الإناء إذا وضعه عليه بعرضه وقيل هو من عرض الجند بين يدي السلطان لإظهارهم واختبار أحوالهم كالحصير أي كما يبسط الحصير عودا عودا بضم عين ودال مهملة ونصبهما على الحال أي ينسج الحصير حال كونه على هذا المنوال وقال التوربشتي رحمه الله قد روي بالرفع وكذا نرويه عن كتاب مسلم وعلى هذا الوجه أورده صاحب المصابيح والتقدير هو عود عود ورواه آخرون بالنصب انتهى فهو خبر مبتدأ مقدر والتقدير ينسج عود عود فهو مفعول ما لم يسم فاعله وفي نسخة عوذا عوذا بفتح العين والذال المعجمة أي نعوذ بالله من ذلك عوذا بعد عوذ قال النووي رحمه الله هذان الحرفان مما اختلف في ضبطه على ثلاثة أوجه أظهرها وأشهرها ضم العين والدال المهملة والثاني فتح العين والدال المهملة أيضا والثالث فتح العين والذال المعجمة ومعنى تعرض أي تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما تلصق الحصير بجنب النائم وتؤثر فيه بشدة التصاقها ومعنى عودا عودا أي يعاد ويكرر شيئا بعد شيء قال ابن السراج رحمه الله ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه سؤال الإستعاذة منهما كما يقال غفرا غفرا أي نسألك أن تعيذ نا من ذلك وأن تغفر لنا وقال الخطابي معناه تظهر على القلوب أي تظهر لها فتنة بعد أخرى كما ينسج الحصير عودا عودا وشطية بعد أخرى قال القاضي عياض وعلى هذا تتوجه رواية العين وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودا أخذ آخر


ونسجه فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدا بعد واحد انتهى فإذا كان الأمر كذلك فأي قلب أشربها بصيغة المفعول يقال أشرب في قلبه حبه أي خالطه فالمعنى خالط الفتن واختلط بها ودخلت فيه دخولا تاما ولزمها لزوما كاملا وحلت منه محل
الشراب في نفوذ المسام وتنفيذ المرام ومنه قول تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم البقرة أي حب العجل وإلاشراب خلط لون بلون كأن أحد اللونين شرب الآخر وكسي لونا آخر فالمعنى جعل متأثرا بالفتن بحيث يتداخل فيه حبها كما يتداخل الصبغ الثوب نكتت بصيغة المجهول أي نقطت وأثرت فيه أي في قلبه نكتة سوداء وأصل النكت ضرب الأرض بقضيب فيؤثر فيها وأي قلب أنكرها أي رد الفتن وامتنع من قبولها نكتت فيه نكتة بيضاء أي إن لم تكن فيه ابتداء وإلا فمعنى نكتت أثبتت فيه ودامت واستمرت حتى غاية للأمرين تصير بالفوقية وفي نسخة بالتحتية أي تصير قلوب أهل ذلك الزمان أو يصير الإنسان باعتبار قلبه أو يصير قلبه على قلبين أي نوعين أو صفتين أبيض بالرفع أي أحدهما أبيض مثل الصفا بالقصر أي مثل الحجر المرمر الأملس من غاية البياض والصفا وفي نسخة بفتحهما على أن الأول بدل البعض من قلبين والثاني على الحال منه أي مماثلا ومشابها للصفا في النور والبهاء فلا تضره فتنة وظلمة وبلية ما دامت السموات والأرض لأنها قلوب صافية قد أنكرت تلك الفتن في ذلك الزمن فحفظها عنها بعد تلك الساعة إلى يوم القيامة والآخر بالرفع وكذا قوله اسود مربادا بكسر الميم وبالدال المشددة من ارباد كاحمار أي صار كلون الرماد من الربدة لون بين السواد والغبرة وهو حال أو منصوب على الذم كالكوز أي يشبه الآخر الكوز حال كونه مجخيا بضم ميم وسكون جيم وخاء مكسورة مشددة وقد تخفف وياء آخر الحروف وفي النهاية وروي بتقديم الخاء على الجيم أي مائلا منكوسا مشبها من هو خال من العلوم والمعارف بكوز مائل لا يثبت فيه شيء ولا يستقر


وهذا معنى قوله لا يعرف أي هذا القلب معروفا ولا ينكر منكرا والمعنى لا يبقى فيه عرفان ما هو معروف ولا إنكار ما هو منكر إلا ما أشرب أي القلب من هواه أي فيتبعه طبعا من غير ملاحظة كونه معروفا أو منكرا شرعا هذا مجمل الكلام وتفصيله ما ذكره الشراح الكرام في هذا المقام قال القاضي رحمه الله أي حتى يصير جنس الإنس على قسمين قسم ذو قلب أبيض كالصفا وذو قلب أسود مربدا قال المظهر الضمير في يصير للقلوب أي تصير القلوب على نوعين أحدهما أبيض وثانيهما أسود قال التوربشتي رحمه الله الصفا الحجارة الصافية الملساء وأريد به هنا النوع الذي صفا بياضه وعليه نبه بقوله أبيض وإنما ضرب المثل به لأن الأحجار إذا لم تكن معدنية لم تتغير بطول الزمان ولم يدخلها لون آخر لا سيما النوع الذي ضرب به المثل فإنه أبدا على البياض الخالص الذي لا يشوبه كدرة وإنما وصف القلب بالربدة لأنه أنكر ما يوجد من السواد بخلاف ما يشوبه صفاء وتعلوه طراوة من النوع الخالص وفي شرح مسلم قال القاضي عياض رحمه الله تعالى ليس


تشبيهه بالصفا بيانا لبياضه لكنه صفة أخرى لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل وإن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء وأما قوله مربادا فكذا هو في روايتنا وأصول بلادنا وهو منصوب على الحال وذكر القاضي عياض رحمه الله خلافا في ضبطه فإن منهم من ضبطه كما ذكرناه ومنهم من روى مربئد بهمزة مكسورة بعد الباء وأصله أن لا يهمز ويكون مربدا مثل مسود ومحمر لأنه من أربد إلا على لغة من قال احمأر بهمز بعد الميم لإلتقاء الساكنين فيقال أربأد فهو مربئد والدال مشددة على القولين قال المظهر قوله إلا ما أشرب يعني لا يعرف القلب إلا ما قيل من الاعتقادات الفاسدة والشهوات النفسانية وقال الطيبي رحمه الله ولعله أراد من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح أي ليس فيه خير البتة إلا هذا وهذا ليس بخير فيلزم منه أن لا يكون فيه خير رواه مسلم وعنه أي عن حذيفة قال حدثنا رسول الله حديثين أي في أمر الأمانة الحادثة في زمن الفتنة وبهذا يظهر وجه مناسبة ذكرهما في الباب قال النووي رحمه الله الأول حدثنا أن الأمانة نزلت إلى آخره والثاني حدثنا عن رفعها رأيت أحدهما وهو نزول الأمانة وأنا أنتظر الآخر وهو رفع الأمانة حدثنا وهو الحديث الأول إن الأمانة وهي الإيمان ومنه قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة الأحزاب وعبر عنه بها لأنها مدار أمر الديانة نزلت في جذر قلوب الرجال بفتح الجيم ويكسر أي أصل قلوبهم قال شارح جذر كل شيء أصله أي أن الأمانة أول ما نزلت في قلوب رجال الله واستولت عليها فكانت هي الباعثة على الأخذ بالكتاب والسنة وهذا هو المعنى بقوله ثم علموا أي بنور الإيمان من القرآن أي مما يتلقون عنه واجبا كان أو نفلا حراما أو مباحا مأخوذا من الكتاب أو الحديث وقوله ثم من السنة وفي نسخة صحيحة ثم علموا من السنة فيه إشارة إلى تأخير رتبة المأخوذ من الحديث بالنسبة إلى نص كلام القديم قال النووي رحمه الله الظاهر


أن المراد بالأمانة التكليف الذي كلف الله تعالى بها عباده والعهد الذي أخذه عليهم قال صاحب التقرير الأمانة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة وهي عين الإيمان انتهى والظاهر أن المراد بالعهد في كلام النووي العهد الميثاقي
وهو الإيمان الفطري فذكر قول صاحب التقرير لبيان مزيد تحرير التقرير لا لأنه مخالف للظاهر على ما هو المتبادر فإنه غير موافق لصدر الحديث السابق وكذا ما يأتيه من ختم الحديث بقوله اللاحق حيث قال وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان على أن الإيمان هو منع الأمانة وأما قوله لا إيمان لمن لا أمانة له فالمراد به نفي الكمال والله تعالى أعلم بالحال وحدثنا وهو الحديث الثاني عن رفعها أي ارتفاع ثمرة الإيمان وانتقاصه فإنه سيكون بعد عصره في عصر الصحابة قال ينام الرجل النومة وهي إما على حقيقتها فما بعده أمر اضطراري وإما النومة كناية عن الغفلة الموجبة لإرتكاب السيئة الباعثة على نقص الأمانة ونقص الإيمان فتقبض الأمانة أي بعضها كما يدل عليه ما بعده والمعنى يقبض بعض ثمرة الإيمان من قلبه فيظل بفتحات فتشديد لام أي فيصير أثرها أي أثر الأمانة وهو ثمرة الإيمان مثل أثر الوكت بفتح الواو وإسكان الكاف وبالفوقية وهو الأثر اليسير كالنقطة في الشيء ثم ينام النومة أي الأخرى فتقبض أي الأمانة أي بعض ما بقي منها فيبقى معروفا وقيل مجهولا أثرها مثل أثر المجل بفتح الميم وسكون الجيم وتفتح وهو أثر العمل في اليد كجمر أي تأثيرا كتأثير جمر وقال شارح أبدل من مثل أثر المجل أي يكون أثرها في القلب كأثر جمر أو خبر مبتدأ محذوف أي هو يعني أثر المجل كجمر دحرجته أي قلبته ودورته على رجلك فنفط بكسر الفاء ذكر الضمير فيه وكذا قوله فتراه منتبرا بكسر الموحدة أي منتفخا مع أن الرجل مؤنث سماعي على إرادة الموضع المدحرج عليه الجمر ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه إياكم والتخلل بالقصب فإن الفم ينتبر


منه أي يرم وينتفط قيل المعنى يخيل إليك أن الرجل ذو أمانة وهو في ذلك بمثابة نقطة تراها منتفطة مرتفعة كبيرة لا طائل تحتها وفي الفائق الفرق بين الوكت والمجل أن الوكت النقطة في الشيء من غير لونه والمجل غلظ الجلد من العمل لا غير ويدل عليه قوله فتراه منتبرا وليس فيه شيء أي صالح بل ماء فاسد وفي شرح مسلم قال صاحب التحرير معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلب شيئا فشيئا فإذا زال أول جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله فإذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة وهذه الظلمة فوق التي قبلها ثم شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى النفط وإنما ذكر نفط ولم يقل نفطت اعتبارا بالعضو انتهى وقال شارح من علمائنا يريد أن الأمانة ترفع عن القلوب عقوبة لأصحابها على


ما اجترحوا من الذنوب حتى إذا استيقظوا من منامهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه ويبقى فيه أثر تارة مثل الوكت وتارة مثل المجل وهو انتفاظ اليد من العمل والمجل وإن كان مصدرا إلا أن المراد به ههنا نفس النفطة وهذا أقل من المرة الأولى لأنه شبهها بالمجوف بخلاف المرة الأولى أراد به خلو القلب عن الأمانة مع بقاء أثرها من طريق الحساب ويصبح الناس أي يدخلون في الصباح أو يصيرون يتبايعون أي يجري بينهم التبايع ويقع عندهم التعاهد ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة بل يظهر من كل أحد منهم الخيانة في المبايعة والمواعدة والمعاهدة ومن المعلوم أن حفظ الأمانة أثر كمال الإيمان فإذا نقص الأمانة نقص الإيمان وبطل الإيقان وزال الإحسان فيقال أي من غاية قلة الأمانة في الناس إن في بني فلان رجلا أمينا أي كامل الإيمان وكامل الأمانة ويقال أي في ذلك الزمان للرجل أي من أرباب الدنيا ممن له عقل في تحصيل المال والجاه وطبع في الشعر والنثر وفصاحة وبلاغة وصباحة وقوة بدنية وشجاعة وشوكة ما أعقله وما أظرفه وما أجلده تعجبا من كماله واستغرابا من مقاله واستبعادا من جماله وحاصله أنهم يمدحونه بكثرة العقل والظرافة والجلادة ويتعجبون منه ولا يمدحون أحدا بكثرة العلم النافع والعمل الصالح وما في قلبه حال من الرجل والحال أنه ليس في قلبه مثقال حبة أي مقدار شيء قليل من خردل من بيانية لحبة أي هي خردل من إيمان أي كائنا منه وهو يحتمل أن يكون المراد منه نفي أصل الإيمان أو كماله والله تعالى أعلم قال الطيبي رحمه الله لعله إنما حملهم على تفسير الأمانة في قوله إن الأمانة نزلت بالإيمان لقوله آخرا وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فهلا حملوها على حقيقتها لقوله ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة فيكون وضع الإيمان آخرا موضعها تفخيما لشأنها وحثا على أدائها قال لا دين لمن لا أمانة له قلت إنما حملهم عليه ما ذكر آخرا وما صدر أولا من قوله


نزلت في جذر قلوب الرجال فإن نزول الأمانة بمعنى الإيمان هو المناسب لأصل قلوب المؤمنين ثم يعلمون إيقانه واتقانهم بتتبع الكتاب والسنة وأما الأمانة فهي جزئية من كلية ما يتعلق بالإيمان والقرآن والله سبحانه وتعالى أعلم متفق عليه وعنه أي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال كان الناس أي أكثرهم
يسألون رسول الله عن الخير أي عن الطاعة ليمتثلوها أو عن السعة والرخاء ليفرحوا به ويستعينوا بالدنيا على الأخرى وكنت أسأله عن الشر أي عن المعصية أو الفتنة المترتبة على التوسعة مخافة أن يدركني أي خشية أن يلحقني الشر نفسه أو بسببه وهذا الطريق هو مختار الحكماء وكثير من الفضلاء أن رعاية الاحتماء أولى في دفع الداء من استعمال الدواء وأن التخلية مقدمة على التحلية وفي كلمة التوحيد إشارة إلى ذلك حيث نفي السوي ثم أثبت المولى بل مدار جل معرفة الله سبحانه على النعوت التنزيهية كقوله تعالى جل جلاله ليس كمثله شيء الشورى دون الصفات الثبوتية لظهور وجودها في خالق الأشياء بالضرورة العقلية قال الطيبي رحمه الله تعالى المراد بالشر الفتنة ووهن عرى الإسلام واستيلاء الضلالة وفشو البدعة والخير عكسه يدل عليه ما نقله الراوي عنه قال قلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية أي أيام غلب فيها الجهل بالتوحيد والنبوة وما يتبعهما من سائر أحكام الشريعة فقوله وشر عطف تفسيري أو المعني به الكفر فهو تخصيص بعد تعميم فجاءنا الله بهذا الخير أي الخير العظيم وهو الإسلام ببركة بعثتك ومفهومه أنه ذهب بالشر عنا بهدم قواعد الكفر والضلال ولعله حذف وجعل من باب الاكتفاء لا سيما وهما ضدان لا يجتمعان فهل بعد هذا الخير أي الثابت من شر أي من حدوث بعض شر قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن بفتحتين أي كدورة إلى سواد والمراد أن لا يكون خيرا صفوا بحتا بل يكون مشوبا بكدورة وظلمة قلت وما دخنه قال قوم يستنون بتشديد النون الأولى أي يقتدون بغير سنتي


ويهدون أي يدلون الناس بغير هديي أي بغير طريقتي ويتخذون سيرة غير سيرتي تعرف منهم وتنكر قال المظهر أي ترى فيهم ما تعرفه أنه من ديني وترى أيضا ما تنكر أنه ديني قال الأشرف يعرف منهم المنكر بأن يصدر المنكر عنهم وتنكر هو خبر بمعنى الأمر أي أنكر عليهم صدور المنكر عنهم قال الطيبي رحمه الله الوجه الأول راجع إلى معنى قوله نعم وفيه دخن أي تعرف فيهم الخير فتقبل والشر فتنكر فهو من المقابلة المعنوية والوجه الثاني راجع إلى معنى قوله يستنون بغير سنتي فالوجه أن يكون المعطوف والمعطوف عليه كلاهما في معنى الأمر أي اعرف منهم ذلك وأنكر والخطاب في تعرف وتنكر من الخطاب العام أقول وفيه نظر لا يخفى إذ ليس كل أحد له قابلية معرفة المعروف وإنكار المنكر فالخطاب خاص لحذيفة وأمثاله من أهل العلم والديانة قيل المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت عند قتل عثمان رضي الله تعالى عنه وما بعده وبالخبر الثاني ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وبالذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده فكان فيهم من يتمسك بالسنة والعدل ومنهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور أو ومنهم من يعمل بالمعروف تارة ويعمل بالمنكر أخرى بحسب ما


يقع لهم من تتبع الهوى وتحصيل غرضهم من أمور الدنيا لا أنهم يريدون تحري الأحرى ورعاية الدار الأخرى كما عليه بعض أمراء زماننا وقيل المراد من الشر الأول فتنة عثمان رضي الله عنه وما بعده وبالخير الثاني ما وقع من صلح الحسن مع معاوية والإجماع عليه وبالدخن ما كان في زمنه من بعض الأمراء كزياد بالعراق وخلاف من خالف عليه من الخوارج قلت فهل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة جمع داع على أبواب جهنم قال الأشرف أي جماعة يدعون الناس إلى الضلالة ويصدونهم عن الهدى بأنواع من التلبيس ومن الخير إلى الشر ومن السنة إلى البدعة ومن الزهد إلى الرغبة جعل النبي دعوة الدعاء وإجابة المدعوين سببا لإدخالهم إياهم في جهنم ودخولهم فيها وجعل كل نوع من أنواع التلبيس بمنزل باب من أبواب جهنم من أجابهم أي الدعاة إليها أي إلى جهنم يعني إلى الضلالة المؤدية إليها قذفوه فيها أي رموه وصاروا سبيا لقذفه في جهنم قيل المراد بالدعاة من قام في طلب الملك من الخوارج والروافض وغيرهما ممن لم يوجد فيهم شروط الإمارة والإمامة والولاية وجعلوا دعاة على أبواب جهنم باعتبار المآل نحو قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا النساء وقيل هو كقوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم الإنفطار فكأنهم كائنون على أبواب جهنم داعين الناس إلى الدخول في ضيافتهم أو لأن المباشر بسبب شيء فكأنه واقع به داخل فيه قلت يا رسول الله صفهم لنا أي أنهم منا أو من غيرنا قال هم من جلدتنا أي من أنفسنا وعشيرتنا كذا في النهاية وقيل معناه من أهل ملتنا ذكره الأشرف وهو الألطف وقيل من أبناء جنسنا وفيه أن الجلدة أخص من الجلد وجلد الشيء ظاهره وهو في الأصل غشاء البدن ويتكلمون بألسنتنا أي بالعربية أو بالمواعظ والحكم أو بما قال الله وقال رسوله وما في قلوبهم شيء من الخير يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قلت فما تأمرني أي أن أفعل به


فيهم إن أدركني ذلك أي ذلك الزمان قال تلزم جماعة المسلمين أي طريقتهم وحضور جمعتهم وجماعتهم وإمامهم أي ورعاية إمامهم ومتابعتهم ومساعدتهم قلت فإن لم تكن لهم جماعة أي متفقة ولا إمام أي أمير يجتمعون عليه وهو يحتمل فقدهما أو فقد أحدهما قال فاعتزل تلك الفرق كلها أي الفرق الضالة الواقعة على خلاف الجادة من طريق أهل السنة والجماعة ولو أن تعض بأصل شجرة أي ولو كان الاعتزال بالعض وأن مصدرية وتعض منصوب في النسخ المصححة والأصول المعتمدة وقيل إن


مخففه من المثقلة قال التروبشتي رحمه الله أي تمسك بما يصبرك وتقوى به على اعتزالك ولو بما لا يكاد يصح أن يكون متمسكا قال الطيبي رحمه الله هذا شرط يعقب به الكلام تتميما ومبالغة أي اعتزل الناس اعتزالا لا غاية بعده ولو قنعت فيه بعض أصل الشجر افعل فإنه خير لك حتى يدركك الموت وأنت على ذلك أي على ما ذكرت من الاعتزال أو العض أو الخير متفق عليه وفي رواية لمسلم قال ميرك أخرج مسلم هذه الرواية عقب الحديث المتقدم من حديث أبي سلام عن حذيفة وذكر الدارقطني أن أبا سلام لم يسمع من حذيفة ولذا قال فيه قال حذيفة فيكون الحديث منقطعا وقال بعض الحفاظ إنما لم يخرج البخاري لأبي سلام شيئا في صحيحه لأن رواياته مرسلة اه وأبو سلام اسمه ممطر الأسود الحبشي وقال النووي رحمه الله ما قاله الدارقطني صحيح ولكن المتن صح بالطريق الأول وإنما أتى مسلم بها متابعة فإن المرسل إذا أتى من طريق آخر تبين به صحة المرسل وجاز به الاحتجاج ويصير في المسألة حديثان صحيحان والله تعالى أعلم أقول هذا الإشكال إنما هو على قول الشافعي ومن تبعه من أن المرسل ليس بحجة وأما على قول الجمهور بأنه حجة ومعهم أبو حنيفة رحمه الله عنه فلا شبهة فيه قال أي النبي يكون بعدي أئمة بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإبدالها جمع إمام على أن أصله أئمة على وزن أفعلة أي جماعة يطلق عليهم الأئمة لا يهتدون بهداي أي من حيث العلم ولا يستنون بسنتي أي من حيث العمل والمعنى أنهم لا يأخذون بالكتاب والسنة وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين أي كقلوبهم في الظلمة والقساوة والوسوسة والتلبيس والآراء الكاسدة والأهواء الفاسدة في جثمان أنس بضم الجيم أي في جسده والمراد به جنس الإنس فيطابق الجمع السابق قال حذيفة قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك أي ذلك الوقت أو ما ذكر من أهل الزمان قال تسمع أي ما يأمرك الأمير خبر بمعنى الأمر وكذا قوله وتطيع فيما لا معصية فيه الأمير مفعول


تنازع فيه الفعلان وإن ضرب ظهرك بصيغة المجهول أي ولو ضربت وأخذ مالك وفي نسخة بصيغة المعلوم فيهما ففيهما ضمير للأمير والإسناد حقيقي أو مجازي وتخصيص الظهر لبيان الواقع غالبا وقوله فاسمع وأطع جزاء الشرط أتى لمزيد تقرير واهتمام تحرير بشأنه وإلا فما قبل الشرط أغنى عنه قال ابن الملك إلا إذا أمرك بإثم فلا تطعه لكن لا تقاتل بل فر منه
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله بادروا أي سابقوا وسارعوا بالأعمال أي بالإشتغال بالأعمال الصالحة فتنا أي وقوع فتن كقطع الليل المظلم بكسرالقاف وفتح الطاء جمع قطعة والمعنى كقطع من الليل المظلم لفرط سوادها وظلمتها وعدم تبين الصلاح والفساد فيها وفيه إيماء إلى أن أهل هذه الفتن ما قال تعالى في حقهم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما يونس وقد قرأ ابن كثير والكسائي في الآية بسكون الطاء على أن المراد به جزء من الليل أو من سواده ويرادفه قطعة وحاصل المعنى تعجلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن المظلمة من القتل والنهب والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين فإنكم لا تطيقون الأعمال على وجه الكمال فيها والمراد من التشبيه بيان حال الفتن من حيث أنه بشيع فظيع ولا يعرف سببها ولا طريق الخلاص منها فالمبادرة المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته أو يدفعه قبل وقوعه يصبح الرجل مؤمنا أي موصوفا بأصل الإيمان أو بكماله ويمسي كافرا أي حقيقة أو كافرا للنعمة أو مشابها للكفرة أو عاملا عمل الكافر ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا وقيل المعنى يصبح محرما ما حرمه الله ويمسي مستحلا إياه وبالعكس وحاصله التذبذب في أمر الدين والتتبع لأمر الدنيا كما بينه بقوله يبيع أي الرجل أو أحدهم كما في الجامع دينه أي بتركه بعرض بفتحتين أي بأخذ متاع دنيء وثمن رديء من الدنيا زاد في الجامع قليل بالجر على أنه صفة عرض وقد روى ابن ماجه والطبراني عن أبي أمامة مرفوعا ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي


كافرا إلا من أحياه الله بالعلم فقوله يصبح استئناف لبيان بعض الفتن في ذلك الزمن وقال الطيبي رحمه الله استئناف بيان الحال المشبه وهو قوله فتنا وقوله يبيع الخ بيان للبيان قال المظهر فيه وجوه أحدها أن يكون بين طائفتين من المسلمين قتال لمجرد العصبية والغضب فيستحلون الدم والمال وثانيها أن يكون ولاة المسلمين ظلمة فيريقون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم بغير حق ويزنون ويشربون الخمر فيعتقد بعض الناس أنهم على الحق ويفتيهم بعض علماء السوء على جواز ما يفعلون من المحرمات من إراقة الدماء وأخذ الأموال ونحوها وثالثها ما يجري بين الناس مما يخالف الشرع في المعاملات والمبايعات وغيرها فيستحلونها والله تعالى أعلم رواه مسلم وكذا أحمد والترمذي وروى البيهقي عن أبي أمامة مرفوعا بادروا بالأعمال هرما فاغضا وموتا خالسا ومرضا حابسا


وتسويفا مسيئا وروى الترمذي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا بادروا بالأعمال سبعا ما تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فإنه شر منتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر وروى الطبراني عن عابس الغفاري مرفوعا بادروا بالأعمال ستا إمارة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم واستخفافا بالدم وقطيعة الرحم ونشوا يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليغنيهم وإن كان أقلهم فقها وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ستكون فتن أي عظيمة أو كثيرة متعاقبة متوالية أو متراخية القاعد فيها أي في تلك الفتن خير من القائم لأنه يرى ويسمع ما لا يراه ولا يسمعه القاعد فيكون أقرب من عذاب تلك الفتنة بمشاهدته ما لا يشاهده القاعد ويمكن أن يكون المراد بالقاعد هو الثابت في مكانه غير متحرك لما يقع من الفتنة في زمانه والمراد بالقائم ما يكون فيه نوع باعث وداعية لكنه متردد في إثارة الفتنة والقائم فيها أي من بعيد متشرف عليها أو القائم بمكانه في تلك الحالة خير من الماشي أي من الذاهب على رجله إليها والماشي فيها أي إليها أو فيما بينها خير من الساعي أي من المسرع إليها ماشيا أو راكبا من تشرف لها بتشديد الراء أي من نظر إليها تستشرفه بالجزم ويرفع أي تطلبه وتجذبه إليها قال التوربشتي رحمه الله أي من تطلع لها دعته إلى الوقوع فيها والتشرف التطلع واستعير هنا للإصابة بشرها أو أريد به أنها تدعوه إلى زيادة النظر إليها وقيل إنه من استشرفت الشيء أي علوته يريد من انتصبت له وصرعته وقيل هو من المخاطرة والأشفاء على الهلاك أي من خاطر بنفسه فيها أهلكته قال الطيبي رحمه الله ولعل الوجه الثالث أولى لما يظهر منه معنى اللام في لها وعليه كلام الفائق وهو قوله أي من غالبها غلبته قلت ولعل الوجه الأول أولى لما فيه من رعاية المعنى المفهوم منه المبالغة المفيدة للإحتراس واختيار الأحرى النافع في الدنيا


والأخرى قال شارح تشرف واستشرف أي صعد شرفا أي مرتفعا لينظر إلى شيء هذا هو الأصل ثم استعملا في النظر إلى أي شيء في أي مكان كان يعني من قرب من تلك الفتن ونظر إليها نظرت إليه الفتن وتجره إلى نفسها فالخلاص في التباعد منها والهلاك في مقاربتها فمن وجد ملجأ أي
مناصا ومفرا ومهربا أو معاذا بفتح الميم أي موضعا أو شخصا ملاذا يتخلص بالذهاب إليه وبالعياذ به من الفتن فليعذ بضم العين أي فليستعذ به أي بالمعاذ أو بما ذكر من الملجأ والمعاذ أي فليذهب إليهما متفق عليه ورواه أحمد وفي رواية لمسلم رحمه الله قال تكون فتنة أي عظيمة النائم فيها خير من اليقظان بسكون القاف أي المنتبه لعدم شعور النائم عنها وفي معناه الغافل ولو كان يقظان فالمراد باليقظان هو العالم بالفتنة سواء كان مضطجعا أو قاعدا أو قائما واليقظان أي مضطجعا أو جالسا خير من القائم أي لتطلعه وإشرافه أو لأن فيه نوع حركة والقائم فيها أي لتوقفه في مكانه خير من الساعي أي مشيا أو ركوبا إليها فمن وجد ملجأ أو معاذا فليستعذ به وفي الجامع روى الحاكم عن خالد بن عرفطة ستكون أحداث وفتنة وفرقة واختلاف فإن استطعت أن تكون المقتول لا القاتل فافعل وعن أبي بكرة أي الثقفي قال قال رسول الله إنها أي القصة ستكون أي ستوجد وتحدث وتقع فئن ألا للتنبيه ثم تكون فتنة أي عظيمة وفي بعض النسخ المصححة ألا ثم تكون فتن بصيغة الجمع ثم بعده ألا ثم تكون فتنة بصيغة الوحدة قال الطيبي رحمه الله فيه ثلاث مبالغات أقحم حرف التنبيه بين المعطوف و المعطوف عليه لمزيد التنبه لها وعطف بثم لتراخي مرتبة هذه الفتنة الخاصة تنبيها على عظمها وهو لها على أنه من عطف الخاص على العام لإختصاصها بما يفارقها من سائر أشكالها وأنها كالداهية الدهياء نسأل الله العافية منها بفضله وعميم طوله القاعد فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي إليها أي يجعلها غاية سعيه ومنتهى غرضه لا يرى مطلبا غيرها ولام


الغرض وإلى الغاية متقاربان معنى فحينئذ يستقيم التدرج والترقي من الماشي فيها إلى الساعي إليها ألا للتنبيه زيادة للتأكيد فإذا وقعت أي الفتن أو تلك الفتنة فمن كان له إبل أي في البرية فليلحق بإبله ومن كان له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض أي عقار أو مزرعة بعيدة عن
الخلق فليلحق بأرضه فإن الاعتزال والاشتغال بخويصة الحال حينئذ واجب لوقوع عموم الفتنة العمياء بين الرجال كما قال الشاعر إن السلامة من ليلى وجارتها أن لا تمر على حال بواديها فقال رجل يا رسول الله أرأيت أي أخبرني من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض أي فأين يذهب أو كيف يفعل قال يعمد بكسر الميم أي يقصد إلى سيفه أي إن كان له فيدق على حده أي فيضرب على جانب سيفه الحاد بحجر والمعنى فليكسر سلاحه كيلا يذهب به إلى الحرب لأن تلك الحروب بين المسلمين فلا يجوز حضورها ثم لينج بكسر اللام ويسكن وبفتح الياء وسكون النون وضم الجيم أي ليفر ويسرع هربا حتى لا تصيبه الفتن إن استطاع النجاء بفتح النون والمد أي الإسراع قال الطيبي رحمه الله قوله ليعمد الخ عبارة عن تجرده تجردا تاما كأنه قيل من لم يكن له ما يشتغل به من مهامه فلينج برأسه اه والظاهر أنه حمل قوله فلينج على أنه أمر من النجاة وليس كذلك كما يدل عليه قوله إن استطاع النجاء حيث لم يقل إن استطاع النجاة اللهم إلا أن يراد به حاصل المعنى مع قطع النظر عن المادة والمبنى والله تعالى أعلم اللهم أي قال بعد ذكر هذه الفتن والتحذير عن الوقوع في محن ذلك الزمن اللهم أي يا الله هل بلغت أي قد بلغت إلى عبادك ما أمرتني به أن أبلغه إياهم ثلاثا مصدر للفعل المقدر أي قاله ثلاث مرات فقال رجل يا رسول الله أرأيت أي أخبرني إن أكرهت أي أخذت بالكره وأجبرت حتى ينطلق بصيغة المجهول أي يذهب بي إلى أحد الصفين أي صفي المتخاصمين فضربني رجل بسيفه أو للتنويع يجيء سهم بصيغة المضارع عطفا على الماضي فيقتلني الظاهر أنه تفريع على


الأخير والإسناد مجازي ويحتمل أن يشتمل أيضا على الأول فتأمل والمعنى فما حكم القاتل والمقتول قال يبوء أي يرجع القاتل وقيل المكره بإثمه أي بعقوبة ما فعله من قبل عموما وإثمك أي وبعقوبة قتلك إياه خصوصا أو المراد بإثمه قصده القتل وبإثمك لو مددت يدك إليه أو المراد بإثمك سيئاتك التي فعلتها بأن توضع في رقبة القاتل بعد فقد حسناته على ما ورد ويكون أي هو من أصحاب النار قال تعالى وذلك جزاء الظالمين المائدة الحشر وإنما لم يقل وأنت من أصحاب الجنة وإن كان هذا هو المفهوم منه وترك للاكتفاء احتياطا لتبادر الفهم إلى الخطاب المعين لا المفروض المقدر المراد به الخطاب العام على طريق الإبهام ثم الحكم مقتبس من قوله تعالى واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق المائدة الخ وقد قال كن خير ابني آدم وفي رواية كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل قال الطيبي رحمه الله يبوء الخ فيه وجهان


أحدهما أراد بمثل إثمك على الإتساع أي يرجع بإثمه ومثل إثمك المقدر لو قتلته وثانيهما أراد بمثل قتلك على حذف المضاف وإثمه السابق على القتل رواه مسلم وعن أبي سعيد قال قال رسول الله يوشك أي يقرب أن يكون خير مال المسلم بالنصب غنم أي قطعة من الغنم قال الطيبي رحمه الله غنم نكرة موصوفة وهو اسم يكون والخبر قوله خير مال معروف فلا يجوز اللهم إلا أن يراد بالمسلم الجنس فلا يعتبر فيه حينئذ وفائدة التقديم أن المطلوب حينئذ الاعتزال وتحري الخير بأي وجه كان اه وقيل يجوز رفع خير وغنم على الابتداء والخبر وفي يكون ضمير الشأن كذا في المفاتيح يتبع بتشديد التاء وفي بعض النسخ بسكونها وفتح الموحدة أي يتتبع بها أي مع الغنم أو بسببها شعف الجبال بفتح الشين والعين أي رؤوس الجبال أو أعاليها وأحدها شعفة ومواقع القطر بفتح فسكون أي مواضع المطر وآثاره من النبات وأوراق الشجر يريد بها المرعى من الصحراء والجبال فهو تعميم بعد تخصيص وفي تقديم شعف الجبال إشعار بالمبالغة في فضيلة الاعتزال عن الخلق في تلك الحال يفر بدينه أي بسبب حفظه من الفتن أي المحن الدينية أو يهرب من الفتن الدنيوية مصحوبا بدينه ليتخلص بإقامته هناك عنها رواه البخاري وعن أسامة بن زيد صحابيان رضي الله عنهما قال أشرف النبي أي اطلع على أطم بضمتين أي شاهق جبل أو حصن أو بناء مرتفع من آطام المدينة بمد أوله جمع الأطم فقال هل ترون ما أرى أي من الأشياء الظاهرة منه المرتفعة عنه قالوا لا قال فإني لأرى الفتن تقع أي منه خلال بيوتكم أي وسطها كوقع المطر والمعنى أن الله تعالى أرى نبيه حين رأى ذلك الأطم أو حين صعده اقتراب الفتن ليخبر بها أمته فيكونوا


على حذر ويعرفوا أنها من قدر ويعدوا معرفتها من معجزاته قال الطيبي رحمه الله قوله تقع يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا والأقرب إلى الذوق أن يكون حالا والرؤية بمعنى النظر أي كشف لي فأبصرها عيانا متفق عليه وفي الجامع برواية أحمد والشيخين عن أسامة بلفظ هل ترى ما أرى إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر وعن أبي هريرة قال قال رسول الله هلكة أمتي بفتح الهاء واللام أي هلاكهم والمراد بالأمة هنا الصحابة لأنهم خيار الأمة وأكابر الأئمة على يدي تثنية مضافة إلى غلمة من قريش بكسر الغين جمع غلام أي على أيدي الشبان الذين ما وصلوا إلى مرتبة كمال العقل والأحداث السن الذين لا مبالاة لهم بأصحاب الوقار وأرباب النهي والظاهر أن المراد ما وقع بين عثمان رضي الله تعالى عنه وقتلته وبين علي والحسين رضي الله تعالى عنهما ومن قاتلهم وقال المظهر لعله أراد بهم الذين كانوا بعد الخلفاء الراشدين مثل يزيد وعبد الملك بن مروان وغيرهما رواه البخاري ولفظ الجامع هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش رواه أحمد والبخاري عن أبي هريرة وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يتقارب الزمان أي زمان الدنيا وزمان الآخرة فيكون المراد اقتراب الساعة قال التوربشتي رحمه الله يريد به اقتراب الساعة ويحتمل أنه أراد بذلك تقارب أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر أو تقارب الزمان نفسه في الشر حتى يشبه أوله آخره وقيل بقصر أعمار أهله اه ويحتمل أن يكون كناية عن قلة بركة الزمان من كثرة العصيان وقال القاضي يحتمل أن يكون المراد به أن يتسارع الدول إلى الإنقضاء والقرون إلى الإنقراض فيتقارب زمانهم ويتدانى إبانهم ويقبض العلم أي في ذلك الزمان يقبض العلماء الأعيان وتظهر الفتن أي ويترتب عليها المحن ويلقى الشح في قلوب أهله أي على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه والصانع


بصنعته والغني بماله وليس المراد وجود أصل الشح لأنه موجود في جبلة الإنسان إلا من حفظه الله ولذا قال تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون الحشر التغابن ويكثر الهرج بفتح الهاء وسكون الراء وبالجيم قالوا وما الهرج قال القتل في القاموس هرج الناس وقعوا في فتنة واختلاط وقتل اه فعلم أن المراد بالهرج قتل خاص وهو الممزوج بالفتنة والاختلاط فاللام فيه للعهد متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا أي جميعها حتى يأتي على الناس يوم أي يوم عظيم فيه شر جسيم لا يدري القاتل فيم قتل أي المقتول هل يجوز قتله أم لا ولا المقتول أي نفسه أو أهله فيم قتل هل بسبب شرعي أو بغيره كما كثر النوعان في زماننا فقيل كيف يكون ذلك أي ما سبب وقوع القتل بحيث لا يعرف القاتل ولا المقتول بسببه قال الهرج أي الفتنة والاختلاط الكثيرة الموجبة للقتل المجهول والمعنى سببه ثوران الهرج بالكثرة وهيجانه بالشدة القاتل والمقتول في النار أما القاتل فلقتله مسلما وأما المقتول فلأنه كان حريصا على قتل مسلم أيضا ولم يجد الفرصة قال النووي رحمه الله أما القاتل فظاهر وأما المقتول فإنه أراد قتل صاحبه وفيه دلالة للمذهب الصحيح المشهور أن من نوى المعصية وأصر على النية يكون آثما وإن لم يفعلها ولم يتكلم بها رواه مسلم وعن معقل بن يسار هو ممن بايع تحت الشجرة مزني سكن البصرة وإليها ينسب مات زمن ابن زياد وقيل زمن معاوية قال قال رسول الله العبادة أي ثوابها مع الإستقامة والإستدامة عليها في الهرج أي زمن الفتنة ووقت المحاربة بين المسلمين كهجرة إلي أي قبل فتح مكة ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله


ونظيره ما ورد ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين رواه مسلم وكذا أحمد والترمذي وابن ماجه وعن الزبير بن عدي قال المؤلف همداني بسكون الميم كوفي كان قاضي الري وهو تابعي سمع أنس بن مالك روى عنه الثوري وغيره قال أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج بفتح الحاء أي من ظلمه وهو حجاج بن يوسف روى أنه قتل مائة وعشرين ألفا سوى ما قتل في حروبه فقال اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده أشر منه أي غالبا ومن وجه دون وجه حتى تلقوا ربكم قال القاضي رحمه الله أخير وأشر أصلان متروكان لا يكاد يستعملان إلا نادرا وإنما المتعارف في التفضيل خير وشر وفي القاموس هو شر منه وأشر منه قليلة أو رديئة وفيه أيضا هو أخير منك كخير اه وفيه تنبيه أن استعمال أخير خير من استعمال أشر ولعل السبب فيه أن خير يستعمل للتفضيل وغيره فيكون أخير نصا في المقصود بخلاف شر وإنما يبالغ فيه بإتيان الهمز والله سبحانه وتعالى أعلم سمعته أي قوله اصبروا الخ والأظهر لما سيأتي أنه لا يأتي عليكم الخ من نبيكم قيل هذا الإطلاق يشكل بزمن عمر بن عبد العزيز فإنه بعد الحجاج بيسير وبزمن المهدي وعيسى عليه الصلاة والسلام وأجيب بأنه محمول على الأكثر الأغلب وأن المراد بالأزمنة الفاضلة في السوء من زمن الحجاج إلى زمن الدجال وأما زمان عيسى عليه الصلاة والسلام فله حكم مستأنف وأقول الأظهر أن يقال أن زمن عيسى عليه الصلاة والسلام مستثنى شرعا من الكلام وأما بقية الأزمنة فيمكن أن تكون الأشرية فيها موجودة من حيثية دون حيثية وباعتبار دون آخر وفي موضع دون موضع وفي أمر دون أمر من علم وعمل وحال واستقامة وغيرها مما يطول تفصيلها وهذا من مقتضيات البعد البعدية عن زمان الحضرة النبوية فإنها بمنزلة المشعل المنور للعالم فكلما أبعد عن قربه وقع في زيادة ظلام وحجبة وقد أدركت الصحابة رضى الله تعالى عنهم أجمعين مع كمال صفاء باطنهم التغير من


أنفسهم بعد دفنه وحكي عن بعض المشايخ الكبار أني كنت في جامع شيراز مشغولا بوردي في ليل إذ هجم علي الخاطر وأراد بالخروج من غير ظهور داع وباعث له فخرجت فإذا امرأة ملتصقة بجدار فخطر لي أنها تريد بيتها وتخاف في طريقها من أهل الفساد فذكرت لها ذلك فأشارت إلي بأن نعم فتقدمت عليها وقلت لها قال موسى عليه الصلاة والسلام لابنة شعيب إن أخطأت الطريق القويم ارمي حجرا يدلني على الطريق المستقيم
فأوصلتها إلى بيتها ورجعت إلى حزبي ولم يخطر لي حينئذ شيء من الخطرات النفسانية ثم بعد مدة من الأزمنة المتأخرة عن تلك الحالة الروحانية هجس في النفس وتوسوس في الخاطر من الأمور الشيطانية فتأملت أنه هل باعث هذا تغير في مأكلي أو مشربي أو ملبسي أو في مقصدي لعبادتي وطاعتي أو حدوث حادث في صحبة أحبتي أو خلطة ظالم وأمثال ذلك فما رأيت سببا لظهور هذه الظلمة إلا البعد عن نور زمان الحضرة الموجب لحصول مثل هذه الخطرة رواه البخاري وفي الجامع عن أنس مرفوعا بلفظ لا يأتي عليكم عام ولا يوم إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم رواه أحمد والبخاري والنسائي وأخرج الطبراني عن أنس مرفوعا ما من عام إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم وفي الكبير للطبراني عن أبي الدرداء مرفوعا ما من عام إلا ينقص الخير فيه ويزيد الشر قال الزركشي رحمه الله وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنه قال ما من عام إلا ويحدث الناس بدعة ويميتون سنة حتى تمات السنن وتحيا البدع فهذا الحديث صريح في أن المراد بالشر موت السنن وإحياء البدع ولا شك في تحقق هذين الأمرين في كل زمن من الملوين ويؤيده ما في البخاري عن أنس مرفوعا لا يأتي على الناس زمان إلا الذي بعده شر منه وأما ما اشتهر على ألسنة العامة من حديث كل عام ترذلون فهو من كلام الحسن البصري رحمه الله في رسالته على ما ذكره الزركشي وغيره والله تعالى أعلم
الفصل الثاني


عن حذيفة قال والله ما أدري أنسي أصحابي أي من الصحابة أم تناسوا أي أظهروا النسيان والله ما ترك رسول الله من قائد فتنة أي داعي ضلالة وباعث بدعة ومن زائدة لتأكيد الإستغراق في النفي إلى أن تنقضي الدنيا أي إلى انقضائها وانتهائها يبلغ
صفة للقائد أي يصل من معه أي مقدار اتباعه ثلاثمائة فصاعدا أي فزائدا عليه إلا قد سماه أي ذكر ذلك القائد لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته والمعنى ما جعله متصفا بوصف إلا بوصف تسميته الخ يعني وصفا واضحا مفصلا لا مبهما مجملا فالإستثناء متصل وقال الطيبي رحمه الله قوله إلى أن تنقضي متعلق بمحذوف أي ما ترك رسول الله ذكر بائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا مهملا لكن قد سماه فالإستثناء منقطع قال المظهر أراد بقائد الفتنة من يحدث بسببه بدعة أو ضلالة أو محاربة كعالم مبتدع يأمر الناس بالبدعة أو أمير جائر يحارب المسلمين رواه أبو داود وعن ثوبان هو مولى النبي قال قال رسول الله إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين الأئمة جمع إمام وهو مقتدي القوم ورئيسهم ومن يدعوهم إلى قول أو فعل أو اعتقاد وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة أي فإن لم يكن في بلد يكون في بلد آخر رواه أبو داود والترمذي وعن سفينة هو أيضا مولى رسول الله ويقال إن سفينة لقب له واسمه مختلف فيه وإن النبي كان في سفر وهو معه فأعيا رجل فألقى عليه سيفه وترسه ورمحه فحمل شيئا كثيرا فقال له النبي أنت سفينة روى عنه بنوه عبد الرحمان ومحمد وزياد وكثير قال سمعت النبي يقول الخلافة أي الحقة أو المرضية لله ورسوله أو الكاملة أو المتصلة ثلاثون سنة ثم تكون أي تنقلب الخلافة وترجع ملكا بضم الميم أي سلطنة وغلبة على أهل الحق قال في شرح العقائد وهذا مشكل لأن أهل الحل والعقد كانوا متفقين على خلافة الخلفاء العباسية وبعض المروانية كعمر بن عبد العزيز ولعل المراد أن الخلافة الكاملة


التي لا يشوبها شيء من المخالفة وميل عن المتابعة تكون ثلاثين سنة وبعدها قد تكون وقد لا تكون اه واعلم أن المروانية أولهم يزيد بن معاوية ثم ابنه معاوية بن يزيد ثم عبد الملك ثم هشام بن عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم الوليد بن يزيد ثم يزيد بن الوليد ثم مروان بن محمد ثم خرجت منهم الخلافة إلى بني العباس هذا وفي شرح السنة يعني أن الخلافة حق الخلافة إنما هي للذين صدقوا هذا الاسم بأعمالهم وتمسكوا بسنة رسول الله من بعده فإذا خالفوا السنة وبدلوا السيرة فهم حينئذ ملوك وإن كان أساميهم خلفاء ولا بأس أن يسمى القائم بأمور المسلمين أمير المؤمنين وإن كان مخالفا لبعض سير أئمة العدل القائمة بأمر المؤمنين ويسمى خليفة لأنه خلف الماضي قبله وقام مقامه ولا يسمى أحد خليفة الله بعد آدم وداود عليهما الصلاة والسلام قلت ولا شك أن نبينا خليفته في خليقته بل ويدل إطلاقها على غيره أيضا ما سيأتي من قوله فإن كان لله في الأرض خليفة الحديث قال وقال رجل لعمر بن عبد العزيز يا خليفة الله فقال ويحك لقد تناولت متناولا إن أمي سمتني عمر فلو دعوتني بهذا الاسم قبلت ثم وليتموني أموركم فسميتموني أمير المؤمنين فلو دعوتني بذلك كفاك أي في رعاية الأدب وقصد التعظيم فهذا منه تواضع مع الخلق وتمسكن مع الخالق فليس فيه دلالة على أن مثله لا يقال له خليفة الله والله تعالى أعلم ثم يقول سفينة أي لراويه أو المراد به خطاب العام أمسك أي عد مدة الخلافة قال الطيبي رحمه الله لعل الوجه أن يقال أمسك أي اضبط الحساب عاقدا أصابعك حتى يكون أمسك محمولا على أصله اه وخلاصة المعنى أحسب وأحفظ خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشرة أي أعوام وعثمان أي خلافته اثنتي عشرة سنة وفي نسخة اثني عشر أي عاما وعلي أي وخلافة علي ستة أي ستة أعوام فعلى خاتم الخلفاء كالنبي خاتم الأنبياء والمهدي خاتم الأولياء رواه أحمد والترمذي وأبو داود وكذا النسائي


ذكره السيد جمال الدين وفي الجامع الصغير الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك رواه أحمد والترمذي وأبو يعلى وابن حبان عن سفينة وروى البخاري في تاريخه والحاكم عن أبي هريرة الخلافة بالمدينة والملك بالشام ففيه تنبيه على أن الخلافة الحقيقية ما توجد في مكان صاحب النبوة على اتفاق جمهور الصحابة من أهل الحل والعقد وأنه لا عبرة في الحقيقة بأهل الحل والعقد في غير ذلك المكان ومن أمثال غير ذلك الزمان وإنما ينعقد بطريق التسلط التي تسمى ملكا للضرورة الداعية إلى نظام حال العامة ولئلا يؤدي إلى الفتنة الطامة والله تعالى أعلم


وعن حذيفة قال قلت يا رسول الله أيكون بعد هذا الخير أي الإسلام والنظام التام المشار إليه بقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم المائدة والمعنى أيوجد ويحدث بعد وجود هذا الخير شر كما كان قبله أي قبل الخير من الإسلام وهو زمن الجاهلية شر قال نعم أي لأن ما وراء كل كمال زوال إلا كمال ذي الجلال والإكرام قلت فما العصمة أي فما طريق النجاة من الثبات على الخير والمحافظة عن الوقوع في ذلك الشر قال السيف أي تحصل العصمة باستعمال السيف أو طريقها أن تضربهم بالسيف قال قتادة المراد بهذه الطائفة هم الذين ارتدوا بعد وفاة النبي في زمن خلافة الصديق رضي الله عنه كذا ذكره الشراح ويمكن أن يشمل ما وقع من معاوية مع علي رضي الله عنهما فإن الحق كان مع علي وأن العصمة كانت بالمقاتلة مع معاوية كما يدل عليه حديث عمار تقتلك الفئة الباغية وقد قال تعالى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله الحجرات قلت وهل بعد السيف بقية أي من الشر أو من الخير قال شارح أي هل يبقى الإسلام بعد محاربتنا إياهم قال نعم تكون إمارة بكسر الهمزة أي ولاية وسلطنة على أقذاء في النهاية الأقذاء جمع قذى والقذى جمع قذاة وهي ما يقع في العين والماء والشراء من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك أراد أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم فشبهه بقذى العين ونحوها قال القاضي رحمه الله أي إمارة مشوبة بشيء من البدع وارتكاب المناهي وهدنة بضم الهاء أي صلح على دخن بفتحتين أي مع خداع ونفاق وخيانة وفي الفائق هدن أي سكن ضربه مثلا لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر اه ويمكن أن يكون المعنى ثم يكون اجتماع الناس على من جعل أميرا بكراهية نفس لا بطيب قلب يقال فعلت كذا وفي العين قذى أي فعلته على كراهة وإغماض عين كما أن العين التي يقع فيها القذى ظاهرها صحيح وباطنها ضريح وأصل الدخن هو الكدورة واللون الذي يضرب إلى السواد فيكون فيه إشعار إلى أنه صلاح مشوب بالفساد


فيكون إشارة إلى صلح الحسن مع معاوية وتفويض الملك إليه واستقرار أمر الإمارة عليه وبه يظهر أن معاوية بصلح الحسن لم يصر خليفة خلافا لمن توهم خلاف ذلك والله تعالى أعلم قلت ثم ماذا أي ماذا يكون قال ثم تنشأ أي تظهر دعاة الضلال أي جماعة يدعون الناس إلى البدع أو المعاصي فإن
كان لله في الأرض خليفة أي موجودا فيها ولو من صفته أنه جلد ظهرك أي ضربك بالباطل وأخذ مالك أي بالغصب أو مالك من المنصب النصيب بالتعدي فأطعه أي ولا تخالفه لئلا تثور فتنة وإلا أي وإن لم يكن لله في الأرض خليفة فمت أمر من مات يموت إشارة إلى ما قيل موتوا قبل أن تموتوا وكأنه عبر عن الخمول والعزلة بالموت فإن غالب لذة الحياة تكون بالشهرة والخلطة والجلوة وأنت عاض بتشديد الضاد والجملة حالية أي حال كونك آخذا بقوة وماسكا بشدة على جذل شجرة بكسر الجيم ويفتح أي أصلها قال القاضي أي فعليك بالعزلة والصبر على غصص الزمان والتحمل لمشاقه وشدائده وعض جذل الشجرة وهو أصلها كناية عن مكابدة الشدائد من قولهم فلان يعض بالحجارة لشدة الألم ويحتمل أن يكون المراد منه أن ينقطع عن الناس ويتبوأ أجمة ويلزمها إلى أن يموت أو ينقلب الأمر من قولهم عض الرجل بصاحبه إذا لزمه ولصق به ومنه عضوا عليها بالنواجذ وقيل هذه الجملة قسيمة قوله فأطعه ومعناه إن لم تطعه أدتك المخالفة إلى ما لا تستطيع أن تصبر عليه ويدل على المعنى الأول قوله في الرواية الأخرى فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار فإن مت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم قال الطيبي رحمه الله على الوجه الأول لفظة خبر ومعناه الأمر وهو قسيم لقوله فإن كان لله في الأرض خليفة وعلى الثاني هو مسبب من قوله فأطعه هذا وفي نسخة قمت بصيغة الخطاب من القيام بدل فمت قال السيد جمال الدين رحمه الله قم خبر بمعنى الأمر قلت ثم ماذا أي من الفتن قال ثم يخرج الدجال أي زمن المهدي بعد ذلك أي بعد ما ذكر من


وقوع أنواع الشرور والفتن ومعه نهر بسكون الهاء وفتحها أي نهر ماء ونار أي خندق نار قيل إنهما على وجه التخيل من طريق السحر والسيمياء وقيل ماؤه في الحقيقة نار وناره ماء فمن وقع في ناره أي من خالفه حتى يلقيه في ناره وأضاف النار إليه إيماء إلى أنه ليس بنار حقيقة بل سحر وجب أجره أي ثبت وتحقق أجر الواقع وحط أي ورفع وسومح وزره أي إثمه السابق ومن وقع في نهره أي حيث وافقه في أمره وجب وزره أي اللاحق وحط أجره أي بطل عمله السابق قلت ثم ماذا قال ثم ينتج بصيغة المجهول أي ثم يولد المهر بضم ميم وسكون هاء أي ولد الفرس قال التوربشتي رحمه الله ينتج من النتج لا من النتاج وهو الولادة ولا من الإنتاج يقال نتجت الفرس أو الناقة على بناء ما لم يسم فاعله نتاجا ونتجها أهلها نتجا والإنتاج اقتراب ولادها وقيل استبانة حملها فلا يركب بكسر الكاف من قولهم أركب المهر إذا حان وقت ركوبه وفي نسخة بفتح الكاف أي فلا يركب المهر لأجل الفتن أو لقرب الزمن حتى تقوم الساعة قيل المراد به زمن عيسى عليه الصلاة والسلام فلا يركب المهر لعدم احتياج الناس فيه إلى محاربة بعضهم


بعضا أو المراد أن بعد خروج الدجال لا يكون زمان طويل حتى تقوم الساعة أي يكون حينئذ قيام الساعة قريبا قدر زمان إنتاج المهر وإرتكابه وهذا هو الظاهر والله تعالى أعلم بالسرائر وفي رواية أي بدل تكون إمارة على أقذاء الخ قال هدنة على دخن أي صلح مع كدورة وصفاء مع ظلمة وجماعة على أقذاء أي واجتماع على أهواء مختلفة أو عيوب مؤتلفة قلت يا رسول الله الهدنة على الدخن ما هي قال لا ترجع قلوب أقوام برفع قلوب وهو الأصح وبنصبه بناء على أن رجع لازم أو متعد أي لا تصير قلوب جماعات أو لا ترد الهدنة قلوبهم على الذي أي على الوجه الذي أو على الصفاء الذي كانت أي تلك القلوب عليه أي لا تكون قلوبهم صافية عن الحقد والبغض كما كانت صافية قبل ذلك قلت بعد هذا أي يقع بعد هذا الخير شر قال فتنة أي نعم يقع شر هو فتنة عظيمة وبلية جسيمة عمياء أي يعمى فيها الإنسان عن أن يرى الحق صماء أي يصم أهلها عن أن يسمع فيها كلمة الحق أو النصيحة قال القاضي رحمه الله المراد بكونها عمياء صماء أن تكون بحيث لا يرى منها مخرجا ولا يوجد دونها مستغاثا أو أن يقع الناس فيها على غرة من غير بصيرة فيعمون فيها ويصمون عن تأمل قول الحق واستماع النصح أقول ويمكن أن يكون وصف الفتنة بهما كناية عن ظلمتها وعدم ظهور الحق فيها وعن شدة أمرها وصلابة أهلها وعدم التفات بعضهم إلى بعض في المشاهدة والمكالمة وأمثالها عليها أي على تلك الفتنة دعاة أي جماعة قائمة بأمرها وداعية للناس إلى قبولها على أبواب النار حال أي فكأنهم كائنون على شفا جرف من النار يدعون الخلق إليها حتى يتفقوا على الدخول فيها فإن مت بضم الميم وكسرها يا حذيفة وأنت عاض على جذل أي والحال أنك على هذا المنوال من اختيار الاعتزال والقناعة بأكل قشر الأشجار والمنام فوق الأحجار خير لك من أن تتبع بتشديد التاء الثانية وكسر الموحدة ويجوز تخفيفها وفتح الباء أحدا منهم أي من أهل الفتنة أو من دعاتهم رواه أبو


داود والنسائي ذكره ميرك وعن أبي ذر قال كنت رديفا أي راكبا خلف رسول الله قال الطيبي رحمه الله ظرف وقع صفة مؤكدة لرديفا يوما على حمار فيه دلالة على كمال
تواضعه وحسن معاشرته مع أصحابه وكمال قرب أبي ذر له حينئذ ولذا ذكره مع الإيماء إلى كمال حفظه القضية واستحضاره إياها فلما جاوزنا بيوت المدينة قال كيف بك قال الطيبي رحمه الله مبتدأ وخبر والباء زائدة في المبتدأ أي كيف أنت أي حالك يا أبا ذر إذا كان أي وقع بالمدينة جوع أي خاص لك أو قحط عام تقوم عن فراشك ولا تبلغ مسجدك أي الذي قصدته أن تصلي فيه حتى يجهدك الجوع بضم الياء وكسر الهاء وفي نسخة بفتحهما أي يوصل إليك المشقة ويعجزك عن المشي عن المشي من البيت إلى المسجد قال قلت الله ورسوله أعلم أي بحالي وحال غيري في تلك الحال وسائر الأحوال قال تعفف بصيغة الأمر أي التزم العفة يا أبا ذر وهي الصلاح والورع والتصبر على أذى الجوع والتقوى والكف عن الحرام والشبهة وعن السؤال من المخلوق والطمع فيه والمذلة عنده قال كيف بك يا أبا ذر في ندائه مكررا تنبيه له على أخذ الحديث مقررا إذا كان بالمدينة موت أي بسبب القحط أو وباء من عفونة هواء أو غيرها يبلغ البيت أي يصل موضع قبر الميت العبد أي قيمته أو نفسه حتى أنه بكسر الهمز ويفتح أي الشأن يباع القبر بالعبد هذا توضيح لما قبله من إيهام البيت ففي النهاية المراد بالبيت ههنا القبر وأراد أن موضع القبور يضيق فيبتاعون كل قبر بعبد قال التوربشتي رحمه الله وفيه نظر لأن الموت وإن استمر بالأحياء وفشا فيهم كل الفشو لم ينته بهم إلى ذلك وقد وسع الله عليهم الأمكنة اه كلامه وأجيب بأن المراد بموضع القبور الجبانة المعهودة وقد جرت العادة بأنهم لا يتجاوزون عنها وفي شرح السنة قيل معناه أن الناس يشتغلون عن دفن الموتى بما هم فيه حتى لا يوجد من يحفر قبر الميت فيدفنه إلا أن يعطي عبدا أو قيمة عبد وقيل معناه أنه لا يبقى في كل بيت كان فيه


كثير من الناس إلا عبد يقوم بمصالح ضعفه أهل ذلك البيت قال المظهر يعني يكون البيت رخيصا فيباع بيت بعبد قال الطيبي رحمه الله على الوجهين الأخيرين لا يحسن موقع حتى حسنها على الوجهين الأولين قلت بل لا يصح حينئذ وقوع حتى ولعلها غير موجودة في المصابيح قال الخطابي قد يحتج بهذا الحديث من يذهب إلى وجوب قطع النباش وذلك أن النبي سمى القبر بيتا فدل على أنه حرز كالبيوت قلت لا سيما وقد ثبت أنه قطع النباش لكن حمله أصحابنا على أنه للسياسة والله سبحانه وتعالى أعلم قال قلت الله ورسوله أعلم كما تقدم قال تصبر يا أبا ذر بتشديد الموحدة المفتوحة أمر من باب التفعل وفي نسخة تصبر مضارع صبر على أنه خبر بمعنى الأمر أي اصبر بالبلاء ولا


تجزع في الضراء ولا تنس بقية النعماء والسراء وارض بما يجري من القضاء تصب الأجر من خالق الأرض والسماء قال كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل أي سريع عظيم تغمر بسكون الغين المعجمة وضم الميم أي تستر وتعلو الدماء أي كثرة دماء القتلى أحجار الزيت قيل هي محلة بالمدينة وقيل موضع بها قال التوربشتي رحمه الله هي من الحرة التي كانت بها الوقعة زمن يزيد والأمير على تلك الجيوش العاتية مسلم بن عقبة المزي المستبيح بحرم رسول الله وكان نزوله بعسكره في الحرة الغربية من المدينة فاستباح حرمتها وقتل رجالها وعاث فيها ثلاثة أيام وقيل خمسة فلا جرم أنه انماع كما ينماع الملح في الماء ولم يلبث إن أدركه الموت وهو بين الحرمين وخسر هنالك المبطلون قال قلت الله ورسوله أعلم قال تأتي من أنت منه خبر معناه أمر أي ائت من يوافقك في دينك وسيرتك وقال القاضي أي ارجع إلى من أنت جئت منه وخرجت من عنده يعني أهلك وعشيرتك قال الطيبي رحمه الله لا يطابق على هذا سؤاله قال قلت والبس السلاح والظاهر أن يقال ارجع إلى إمامك ومن بايعته فحينئذ يتوجه أن يقول وألبس السلاح وأقاتل معه قال أي النبي شاركت القوم أي في الإثم إذا أي إذا لبست السلاح المعنى لا تلبس السلاح وكن مع الإمام وأرباب الصلاح ولا تقاتل حتى يحصل لك الفلاح هذا حاصل كلام الطيبي رحمه الله لكن فيه أن إمامه إذا قاتل كيف يجوز له أن يمتنع من المقاتلة معه وقال ابن الملك رحمه الله قوله شاركت لتأكيد الزجر عن إراقة الدماء وإلا فالدفع واجب اه وذكره الطيبي رحمه الله وقرره والصواب أن الدفع جائز إذا كان الخصم مسلما إن لم يترتب عليه فساد بخلاف ما إذا كان العدو كافرا فإنه يحب الدفع مهما أمكن قلت فكيف أصنع يا رسول الله قال إن خشيت أن يبهرك بفتح الهاء أي يغلبك شعاع السيف بفتح أوله أي بريقه ولمعانه وهو كناية عن أعمال السيف فالق أمر من الإلقاء أي اطرح ناحية ثوبك أي طرفه على وجهك أي لئلا


ترى ولا تفزع ولا تجزع والمعنى لا تحاربهم وإن حاربوك بل استسلم نفسك للقتل لأن أولئك من أهل الإسلام ويجوز معهم عدم المحاربة والاستسلام كما أشار إليه بقوله ليبوء أي ليرجع القاتل بإثمك أي بإثم قتلك وإثمه أي وبسائر إثمه رواه أبو داود وكذا ابن ماجه والحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين نقله ميرك عن التصحيح
وعن عبد الله بن عمرو صحابيان جليلان بن العاص بغير ياء هو الصحيح أن النبي قال كيف بك سبق إعرابه وفي رواية كيف أنت أي كيف حالك إذا أبقيت مجهول من الإبقاء أي إذا أبقاك الله بمعنى عمرك وفي نسخة بصيغة المعلوم من البقاء أي إذا بقيت في حثالة بضم الحاء وبالثاء المثلثة وهي ما سقط من قشر الشعير والأرز والتمر و الرديء من كل شيء أي في قوم أردياء من الناس مرجت استئناف بيان وهو بفتح الميم وكسر الراء أي فسدت عهودهم وأماناتهم وفي نسخة أمانتهم بصيغة الإفراد على إرادة الجنس أو باعتبار كل فرد والجمع إنما هو للمقابلة والتوزيع مع إمكان حقيقة الجمع فيهما فتأمل والمعنى لا يكون أمرهم مستقيما بل يكون كل واحد في كل لحظة على طبع وعلى عهد ينقضون العهود ويخونون الأمانات قال التوربشتي رحمه الله أي اختلطت وفسدت فقلقت فيهم أسباب الديانات واختلفوا فكانوا هكذا وشبك بين أصابعه أي يموج بعضهم في بعض ويلتبس أمر دينهم فلا يعرف الأمين من الخائن ولا البر من الفاجر هذا وفي نسخة مرجت بفتح الراء وهو متعد ومنه قوله تعالى مرج البحرين الرحمان ففيه ضمير إلى الحثالة فالمعنى أفسدت تلك الجماعة القمامة عهودهم وأماناتهم واختلفوا في أمور دياناتهم فكانوا كما أخبر النبي في الإشتباك مشبهين بالأصابع المشبكة فما كتبه ميرك على هامش الكتاب من قوله مرجت بصيغة المجهول ورمز عليه ظاهر إشارة إلى أنه هو الظاهر وعلله بأن المرج متعد والمعنى على اللزوم فهو غير ظاهر على ما يظهر من القاموس وغيره ففي القاموس المرج الخلط والمرج محركة الفساد


والقلق والاختلاط والاضطراب وإنما يسكن مع الهرج يعني للإزدواج مرج كفرح وأمر مريج مختلط وأمرج العهد لم يف به اه وفي مختصر النهاية مرج الدين فسد وقلقت أسبابه ومرجت عهودهم أي اختلطت قال فبم تأمرني قال عليك بما تعرف أي الزم وافعل ما تعرف كونه حقا ودع ما تنكر أي واترك ما تنكر أنه حق وعليك بخاصة نفسك وإياك وعوامهم أي عامتهم والمعنى الزم أمر نفسك واحفظ دينك واترك الناس ولا تتبعهم وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار وفي رواية الزم بيتك واملك أمر من الإملاك بمعنى الشد والإحكام أي أمسك عليك


لسانك ولا تتكلم في أحوال الناس كيلا يؤذوك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر خاصة نفسك ودع أمر العامة رواه الترمذي وصححه قال ميرك والرواية الثانية رواها أبو داود والنسائي أيضا وعن أبي موسى أي الأشعري عن النبي أنه قال إن بين يدي الساعة أي قدامها من أشراطها فتنا أي فتنا عظاما ومحنا جساما كقطع الليل المظلم بكسر القاف وفتح الطاء ويسكن أي كل فتنة كقطعة من ا لليل المظلم في شدتها وظلمتها وعدم تبين أمرها قال الطيبي رحمه الله يريد بذلك التباسها وفظاعتها وشيوعها واستمرارها يصبح الرجل فيها أي في تلك الفتن مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا والظاهر أن المراد بالإصباح والإمساء تقلب الناس فيها وقتا دون وقت لا بخصوص الزمانين فكأنه كناية عن تردد أحوالهم وتذبذب أقوالهم وتنوع أفعالهم من عهد ونقض وأمانة وخيانة ومعروف ومنكر وسنة وبدعة وإيمان وكفر القاعد فيها خير من القائم والماشي فيها خير من الساعي أي كلما بعد الشخص عنها وعن أهلها خير له من قربها واختلاط أهلها لما سيؤول أمرها إلى محاربة أهلها فإذا رأيتم الأمر كذلك فكسروا فيها قسيكم بكسرتين وتشديد التحتية جمع القوس وفي العدول عن الكسر إلى التكسير مبالغة لأن باب التفعيل للتكثير وكذا قوله وقطعوا أمر من التقطيع فيها أوتاركم وفيه زيادة من المبالغة إذ لا منفعة لوجود الأوتار مع كسر القسي أو المراد به أنه لا ينتفع بها الغير ولا يستعملها في الشر دون الخير واضربوا سيوفكم بالحجارة أي حتى تنكسر أو حتى تذهب حدتها وعلى هذا القياس الأرماح وسائر السلاح فإن دخل بصيغة المفعول ونائب الفاعل في قوله على أحد ومن في قوله منكم بيانية فليكن أي ذلك الأحد كخير ابني آدم أي فليستسلم حتى يكون قتيلا كهابيل ولا يكون قاتلا كقابيل رواه أبو داود وفي رواية له أي لأبي داود عنه ذكر أي الحديث إلى قوله خير من الساعي ثم


قالوا أي بعض الصحابة فما تأمرنا أي أن نفعل حينئذ قال كونوا أحلاس بيوتكم أحلاس البيوت ما يبسط تحت حر الثياب فلا تزال ملقاة تحتها وقيل الحلس هو الكساء على ظهر البعير تحت القتب والبرذعة شبهها به للزومها ودوامها والمعنى الزموا بيوتكم والتزموا سكوتكم كيلا تقعوا في الفتنة التي بها دينكم يفوتكم وفي رواية الترمذي أن رسول الله قال في الفتنة أي في أيامها وزمنها وهو ظرف لقوله كسروا فيها قسيكم وقطعوا فيها أوتاركم والزموا فيها أجواف بيوتكم أي كونوا ملازميها لئلا تقعوا في الفتنة والمحاربين فيها وكونوا كابن آدم المطلق ينصرف إلى الكامل وفيه إشارة لطيفة تحت عبارة ظريفة وهو أن هابيل المقتول المظلوم هو ابن آدم لا قابيل القاتل الظالم كما قال تعالى في حق ولد نوح عليه الصلاة والسلام إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح هود وقال أي الترمذي هذا حديث صحيح غريب وعن أم مالك البهزية بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالزاي وياء النسبة قال المؤلف لها صحبة ورواية وهي حجازية روى عنها طاوس ومكحول قالت ذكر رسول الله فتنة فقربها بتشديد الراء أي فعدها قريبة الوقوع قال الأشرف معناه وصفها للصحابة وصفا بليغا فإن من وصف عند أحد وصفا بليغا فكأنه قرب ذلك الشيء إليه قلت يا رسول الله من خير الناس فيها قال رجل في ماشية أي من الغنم ونحوها يؤدي حقها أي من الزكاة وغيرها ويعبد ربه لقوله تعالى جل جلاله ولا إله غيره ففروا إلى الله الذاريات وقوله تعالى وتبتل إليه تبتيلا المزمل وقوله وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون هود ورجل آخذ بصيغة اسم الفاعل أي ماسك برأس فرسه يخيف العدو من الإخافة بمعنى التخويف أي يخوف الكفار ويخوفونه فيه تفنن قال المظهر يعني رجل هرب من الفتن وقتال المسلمين وقصد الكفار يحاربهم ويحاربونه يعني فيبقى سالما من الفتنة وغانما للأجر والمثوبة رواه الترمذي


وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله ستكون فتنة أي عظيمة وبلية جسيمة تستنظف العرب أي تستوعبهم هلاكا من استنظفت الشيء أخذته كله كذا في النهاية وبعض الشروح وقيل أي تطهرهم من الأرذال وأهل الفتن قتلاها جميع قتيل بمعنى مقتول مبتدأ خبره قوله في النار أي سيكونون في النار أو هم حينئذ في النار لأنهم يباشرون ما يوجب دخولهم فيها كقوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم الإنفطار قال القاضي رحمه الله المراد بقتلاها من قتل في تلك الفتنة وإنما هم من أهل النار لأنهم ما قصدوا بتلك المقاتلة والخروج إليها إعلاء دين أو دفع ظالم أو إعانة محق وإنما كان قصدهم التباغي والتشاجر طمعا في المال والملك اللسان أي وقعه وطعنه على تقدير مضاف ويدل عليه رواية وإشراف اللسان أي إطلاقه وإطالته فيها أشد من وقع السيف وقال الطيبي رحمه الله القول والتكلم فيها إطلاقا للمحل وإرادة الحال اه والحاصل أنه لا بد من ارتكاب أحد المجازين المذكورين في قوله تعالى واسأل القرية يوسف قال المظهر يحتمل هذا احتمالين أحدهما أن من ذكر أهل تلك الحرب بسوء يكون كمن حاربهم لأنهم مسلمون وغيبة المسلمين إثم قلت وفيه أنه ورد اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس ولا غيبة لفاسق ونحو ذلك فلا يصح هذا على إطلاقه ولذا استدرك كلامه بقوله ولعل المراد بهذه الفتنة الحرب التي وقعت بين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه ولا شك أن من ذكر أحدا من هذين الصدرين وأصحابهما يكون مبتدعا لأن أكثرهم كانوا أصحاب رسول الله اه وقد قال إذا ذكر أصحابي فأمسكوا أي عن الطعن فيهم فإن رضا الله تعالى في مواضع من القرآن تعلق بهم فلا بد أن يكون مآلهم إلى التقوى ورضا المولى وجنة المأوى وأيضا لهم حقوق ثابتة في ذمة الأمة فلا ينبغي لهم أن يذكروهم إلا بالثناء الجميل والدعاء الجزيل وهذا مما لا ينافي أن يذكر أحد مجملا أو معينا بأن


المحاربين مع علي ما كانوا من المخالفين أو بأن معاوية وحزبه كانوا باغين على ما دل عليه حديث عمار تقتلك الفئة الباغية لأن المقصود منه بيان الحكم المميز بين الحق والباطل والفاصل بين المجتهد المصيب والمجتهد المخطىء مع توقير الصحابة وتعظيمهم جميعا في القلب لرضا الرب ولذا لما سئل بعض الأكابر عمر بن عبد العزيز أفضل أم معاوية قال لغبار أنف فرس معاوية حين غرا في ركاب
رسول الله أفضل من كذا وكذا من عمر بن عبد العزيز إذ من القواعد المقررة أن العلماء والأولياء من الأمة لم يبلغ أحد منهم مبلغ الصحابة الكبراء وقد أشار إلى هذا المعنى قوله سبحانه وتعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا الحديد وكذا قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار التوبة وقوله والسابقون السابقون أولئك المقربون الواقعة و قال المظهر والثاني أن المراد به من مد لسانه فيه بشتم أو غيبة يقصدونه بالقتل والضرب ويفعلون به ما يفعلون بمن حاربهم اه وحاصله أن الطعن في إحدى الطائفتين ومدح الأخرى حينئذ مما يثير الفتنة فالواجب كف اللسان وهذا المعنى في غاية من الظهور فتأمل لكن الطيبي رجح المعنى الأول حيث قال ويؤيد قوله ولعل المراد بهذه الفتنة الخ ما روينا عن الأحنف بن قيس قال خرجت وإنما أريد هذا الرجل فلقيني أبو بكرة فقال أين تريد يا أحنف قلت أريد نصر ابن عم رسول الله قال فقال يا أحنف ارجع فإني سمعت رسول الله يقول إذا توجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قال فقلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه متفق عليه قلت محمل هذا الحديث إذا كان القتال بين المسلمين على جهة العصبية والحمية الجاهلية كما يقع كثيرا فيما بين أهل حارة وحارة وقرية وقرية وطائفة وطائفة من غير أن يكون هناك باعث شرعي لأحدهما ولا يصح حمل الحديث على إطلاقه الشامل


لقضية صفين ونحوها لئلا ينافي قوله تعالى جل شأنه فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي الحجرات ولأن الإجماع على أن قتلى طائفة علي ليسوا في النار فكلام أبي بكرة إما محمول على أنه كان مترددا متحيرا في أمر علي ومعاوية ولم يكن يعرف الحق من الباطل ولم يميز أحدهما من الآخر وإما فهم من كلام الأحنف أنه يريد حماية العصبية لا إعلاء الكلمة الدينية على ما يشير إليه قوله أريد نصر ابن عم رسول الله ولم يقل أريد معاونة الإمام الحق والخليفة المطلق وبهذا يتبين أن حمل هذه الفتنة على قضية علي لا يجوز ويؤول بما قال الطيبي رحمه الله وأما قوله قتلاها في النار فللزجر والتوبيخ والتغليظ عليهم وأما كف الألسنة عن الطعن فيهم فإن كلا منهم مجتهد وإن كان علي رضي الله عنه مصيبا فلا يجوز الطعن فيهما والأسلم للمؤمنين أن لا يخوضوا في أمرهما قال عمر بن عبد العزيز تلك دماء طهر الله أيدينا منها فلا نلوث ألسنتنا بها قال النووي رحمه الله كان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا في الخطأ لأنه كان بالاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب هذا مذهب أهل السنة وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولو تيقنوا الصواب لم يتأخروا عن مساعدته قلت وسبب هذا التحير لم يكن في أن عليا


أحق بالخلافة أم معاوية لأنهم أجمعوا على ولاية علي واجتمع أهل الحل والعقد على خلافته وإنما وقع النزاع بين معاوية وعلي في قتلة عثمان حيث تعلل معاوية بأني لم أسلم لك الأمر حتى تقتل أهل الفساد والشرور ممن حاصر الخليفة وأعان على قتله فإن هذا ثلمة في الدين وخلل في أئمة المسلمين واقتضى رأي علي وهو الصواب أن قتل فئة الفتنة يجر إلى إثارة الفتنة التي هي تكون أقوى من الأولى مع أن هجوم العوام وعدم تعيين أحد منهم بمباشرة قتل الإمام ليس بموجب لإمام آخر أن يقتلهم قتلا عاما ولا من يتهم بقتله من غير حجة أو بينة شرعية لا سيما وقد رجعوا إلى الحق ودخلوا في بيعة الخليفة ومن المعلوم أن أهل البغي إذا رجعوا عن بغيهم أو شردوا عن قتالهم فليس لأحد أن يتعرض لهم هذا ولما كان ذكر الفتن وحذر عن الدخول فيها ورغب عن البعد عنها ورهب عن القرب إليها وأطلقها نظر إلى فساد غالبها ولم يبين هذه الفتنة بخصوصها مفصلة وإن وقعت مجملة تحير فيها بعض الصحابة وظنوا أن الأسلم فيها بالخصوص أيضا ما ذكره فيها بالعموم لكن لما تبين لهم في الآخر حق علي كرم الله وجهه وخطأ معاوية ندموا على ما فعلوا وتحسروا على ما فاتهم من مثوبة الجلوة ولله حكمة في ذلك كله لله الأمر من قبل ومن بعد فلا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم والله تعالى أعلم رواه الترمذي وابن ماجه قال ميرك رواه أبو داود أيضا كلهم مرفوعا وقال البخاري الأصح وقفه على عبد الله بن عمرو بن العاص أقول لكن هذا الموقوف في حكم المرفوع لأن قوله قتلاها في النار لا يتصور أن يصدر من رأى أحد وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال ستكون فتنة صماء عمياء بكماء أي باعتبار أصحابها حيث لا يجدون لها مستغاثا ولا يرون منها مخرجا وخلاصا والمعنى لا يميزون فيها بين الحق والباطل ولا يسمعون النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل من تكلم فيها بحق أوذي ووقع في الفتن والمحن من أشرف لها أي من اطلع


عليها وقرب منها استشرفت له أي اطلعت تلك الفتنة عليه وجذبته إليها وإشراف اللسان أي إطلاقه وإطالته فيها كوقوع السيف أي في تأثيره بل أبلغ لما قيل جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان ولهذا قال في الرواية السابقة أشد من وقع السيف رواه أبو داود
عن عبد الله بن عمر قال كنا قعودا أي قاعدين عند رسول الله فذكر الفتن أي الواقعة في آخر الزمان فأكثر أي البيان في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس سبق معناه اللغوي فقال قائل وما فتنة الأحلاس قال هي هرب بفتحتين أي يفر بعضهم من بعض لما بينهم من العداوة والمحاربة وحرب بفتحتين أي أخذ مال وأهل بغير استحقاق ثم فتنة السراء بالرفع عطف على هرب بحسب المعنى فكأنه قال وفتنة الأحلاس حرب وهرب وفتنة السراء وفي نسخة بالنصب عطفا على فتنة الأحلاس والمراد بالسراء النعماء التي تسر الناس من الصحة والرخاء والعافية من البلاء والوباء وأضيفت إلى السراء لأن السبب في وقوعها ارتكاب المعاصي بسبب كثرة التنعم أو لأنها تسر العدو وقال التوربشتي رحمه الله يحتمل أن يكون سبب وقوع الناس في تلك الفتنة وابتلائهم بها أثر النعمة فأضيفت إلى السراء يعني يكون التركيب من قبيل إضافة الشيء إلى سببه ويحتمل أن يكون صفة للفتنة فأضيفت إليها إضافة مسجد الجامع ويراد منها سعتها لكثرة الشرور والمفاسد ومن ذلك قولهم قفاه سراء إذا كانت وسيعة يعني يكون التقدير فتنة الحادثة السراء أي الواسعة التي تعم الكافة من الخاصة والعامة وقوله دخنها بفتحتين أي إثارتها وهيجانها وشبهها بالدخان الذي يرتفع كما شبه الحرب بالنار وإنما قال من تحت قدمي رجل من أهل بيت تنبيها على أنه هو الذي يسعى في إثارتها أو إلى أنه يملك أمرها يزعم أنه مني أي في الفعل وإن كان مني في النسب والحاصل أن تلك الفتنة بسببه وأنه باعث على إقامتها وليس مني أي من أخلائي أو من أهلي في الفعل لأنه لو كان من أهلي لم يهيج الفتنة ونظيره قوله


تعالى إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح هود أو ليس من أوليائي في الحقيقة ويؤيده قوله إنما أوليائي المتقون وهذا أبلغ من حديث آل محمد كل تقي ثم يصطلح الناس على رجل أي يجتمعون على بيعة رجل كورك بفتح وكسر على ضلع بكسر ففتح ويسكن واحد الضلوع أو الأضلاع وتسكين اللام فيه جائز على ما في الصحاح وهذا مثل والمراد أنه لا يكون على ثبات لأن الورك لثقله لا يثبت على الضلع لدقته والمعنى أنه يكون غير أهل للولاية لقلة علمه وخفة رأيه وحلمه وفي النهاية أي يصطلحون على رجل لا نظام له ولا استقامة لأمره لأن الورك لا يستقيم على الضلع ولا يتركب عليه لإختلاف ما بينهما


وبعده وفي شرح السنة معناه أن الأمر لا يثبت ولا يستقيم له وذلك أن الضلع لا يقوم بالورك ولا يحمله وحاصله أنه لا يستعد ولا يستبد لذلك فلا يقع عنه الأمر موقعه كما أن الورك على ضلع يقع غير موقعه قال وإنما يقال في باب الملاءمة والموافقة إذا وصفوا به هو ككف في ساعد وساعد في ذراع ونحو ذلك يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك ولا مستقل به ثم فتنة الدهيماء بالرفع وينصب على ما سبق وهي بضم ففتح والدهماء السوداء والتصغير للذم أي الفتنة العظماء والطامة العمياء وفي النهاية هي تصغير الدهماء يريد الفتنة المظلمة والتصغير فيها للتعظيم وقيل المراد بالدهيماء الداهية ومن أسماء الداهية الدهيم زعموا أن الدهيم اسم ناقة غزا عليها سبعة إخوة متعاقبين فقتلوا عن آخرهم وحملوا عليها حتى رجعت بهم فصارت مثلا في كل داهية لا تدع أي لا تترك تلك الفتنة أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة أي أصابته بمحنة ومسته ببلية وأصل اللطم هو الضرب على الوجه ببطن الكف والمراد أن أثر تلك الفتنة يعم الناس ويصل لكل أحد من ضررها قال الطيبي رحمه الله هو استعارة مكنية شبه الفتنة بإنسان ثم خيل لإصابتها الناس اللطم الذي هو من لوازم المشبه به وجعلها قرينة لها فإذا قيل انقضت أي فمهما توهموا أن تلك الفتنة انتهت تمادت بتخفيف الدال أي بلغت المدى أي الغاية من التمادي وفي نسخة بتشديد الدال من التمادد تفاعل من المد أي استطالت واستمرت واستقرت يصبح الرجل فيها مؤمنا أي لتحريمه دم أخيه وعرضه وماله ويمسي كافرا أي لتحليله ما ذكر ويستمر ذلك حتى يصير الناس إلى فسطاطين بضم الفاء وتكسر أي فرقتين وقيل مدينتين وأصل الفسطاط الخيمة فهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال فسطاط إيمان بالجر على أنه بدل وفي نسخة بالرفع وإعرابه مشهور أي إيمان خالص لا نفاق فيه أي لا في أصله ولا في فصله من اعتقاده وعمله وفسطاط نفاق لا إيمان فيه أي أصلا أو كمالا لما فيه من أعمال المنافقين


من الكذب والخيانة ونقض العهد وأمثال ذلك فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال أي ظهوره من يومه أو من غده وهذا يؤيد أن المراد بالفسطاطين المدينتين فإن المهدي يكون في بيت المقدس فيحاصره الدجال فينزل عيسى عليه الصلاة والسلام فيذوب الملعون كالملح ينماع في الماء فيطعنه بحربة له فيقتله فيحصل الفرج العام والفرج التام كما قال سيد الأنام اشتدي أزمة تنفرجي
وقد قال تعالى فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا الشرح ولن يغلب عسر يسرين وهما هنا الاقتران بين القمرين وضياء أنوارهما في أمر الكونين قال الطيبي رحمه الله الفسطاط بالضم والكسر المدينة التي فيها يجتمع الناس وكل مدينة فسطاط وإضافة الفسطاط إلى الإيمان أما بجعل المؤمنين نفس الإيمان مبالغة وأما بجعل الفسطاط مستعارا للكتف والوقاية على المصرحة أي هم في كتف الإيمان ووقايته رواه أبو داود أي وسكت عليه وأقره المنذري ورواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي نقله ميرك عن تصحيح الجزري وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال ويل للعرب الويل حلول الشر وهو تفجيع أو ويل كلمة عذاب أو واد في جهنم وخص العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم من شر أي عظيم قد اقترب أي ظهوره والأظهر أن المراد به ما أشار إليه في الحديث المتفق عليه بقوله فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج الحديث كما تقدم والله تعالى أعلم قال الطيبي رحمه الله أراد به الاختلاف الذي ظهر بين المسلمين من وقعة عثمان رضي الله عنه أو ما وقع بين علي كرم الله وجهه ومعاوية رضي الله عنه أقول أو أراد به قضية يزيد مع الحسين رضي الله عنه وهو في المعنى أقرب لأن شره ظاهر عند كل أحد من العجم والعرب وقال ابن الملك رحمه الله قوله من شر أي من خروج جيش يقاتل العرب وقيل أراد به الفتن الواقعة في العرب أولها قتل عثمان واستمرت إلى الآن أقول ولم يعرف ما يقع في مستقبل الزمان والله المستعان وعليه التكلان أفلح أي نجا وظفر على المدعي وانتصر


على الأعداء من كف يده أي عن الأذى أو ترك القتال إذا لم يتميز الحق من الباطل أقول ولعل وجه عدول الشراح عن المعنى الذي قدمته إلى ما ذكروه أن قوله أفلح من كف يده يدل على خلاف ذلك فإن وقت خروجهم ليس لأحد طاقة المقاتلة معهم فمورد هذا الحديث غير الأول فتدبر وتأمل اللهم إلا إن يقال أن هذا جملة مستقلة والمعنى أفلح من كف يده عمن قال لا إله إلا الله إلا بإذن شرعي حكم به وقضاه رواه أبو داود أي بإسناد رجاله رجال الصحيح والحديث متفق عليه من حديث طويل خلا قوله قد أفلح من كف يده نقله ميرك عن التصحيح وفي الجامع بلفظ المشكاة رواه أبو


داود والحاكم وفيه أيضا حديث ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره رواه أحمد والنسائي والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد وفيه أيضا ويل لأمتي من علماء السوء رواه الحاكم في تاريخه عن أنس وعن المقداد بن الأسود قال المؤلف هو ابن عمرو الكندي وذلك أن أباه حالف كندة فنسب إليها وإنما سمي ابن الأسود لأنه كان حليفه أو لأنه كان في حجره وقيل بل كان عبدا فتبناه وكان سادسا في الإسلام قال سمعت رسول الله يقول إن السعيد لمن باللام المفتوحة للتأكيد في خبر إن أي للذي جنب بضم الجيم وتشديد النون المكسورة أي بعد الفتن منصوب على أنه مفعول ثان ومنه ما ورد من الدعاء اللهم جنبنا الشيطان وقيل إنه منصوب بنزع الخافض أي بعد عنها إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن كررها ثلاثا للمبالغة في التأكيد ويمكن أن يكون التكرار باعتبار أول الفتن وآخرها ولمن ابتلي اللام للإبتداء أي لمن امتحن بتلك الفتن فصبر أي على أذاهم ولم يحاربهم في ذلك الزمن فواها بالتنوين اسم صوت وضع موضع المصدر سد مسد فعله ذكره الطيبي رحمه الله وقال ابن الملك معناه التلهف وقد يوضع موضع الإعجاب بالشيء والإستطابة له أي ما أحسن وما أطيب صبر من صبر وقيل معناه فطوبى له وفي النهاية قيل معنى هذه التلهف وقد يوضع موضع الإعجاب بالشيء يقال وأها له وقد يرد بمعنى التوجع وقيل يقال في التوجع آها له قال الطيبي رحمه الله ويجوز أن يكون فواها خبرا لمن والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط فعلى هذا فيه معنى التعجب أي من ابتلى فصبر فطوبى له وأن لا يكون خبرا على أن اللام مفتوحة ويكون قوله ولمن ابتلى عطفا على قوله لمن جنب الفتن فعلى هذا واها للتحسر أي فواها على من باشرها وسعى فيها اه ويؤيده ما في الجامع بلفظ إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلى فصبر وقيل اللام مكسورة ويكون فواها بمعنى التعجب أي ولمن ابتلي فصبر يجب أن يتعجب من حاله هذا وفي


القاموس واها ويترك تنوينه كلمة تعجب من طيب شيء وكلمة تلهف أي من تلف شيء رواه أبو داود
وعن ثوبان قال قال رسول الله إذا وضع السيف في أمتي أي من بعضهم لبعض لم يرفع عنها إلى يوم القيامة وقد ابتدىء في زمن معاوية وهلم جرا لا يخلو عنه طائفة من الأمة فصدق في إخباره إمام الأئمة ثم الحديث مقتبس من قوله تعالى أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض الأنعام وتحقيقه في الأحاديث المنثورة في تفسير الدر المنثور ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين منها ما وقع بعد وفاته في خلافة الصديق رضي الله عنه وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان أي الأصنام حقيقة ولعله يكون فيما سيأتي أو معنى ومنه تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وأنه أي الشأن سيكون في أمتي كذابون أي في دعوتهم النبوة ثلاثون أي هم أو عددهم ثلاثون كلهم يزعم أفرد للفظ كل أنه نبي الله وأنا خاتم النبيين بكسر التاء وفتحها والجملة حالية وقوله لا نبي بعدي تفسير لما قبله ولا تزال طائفة من أمتي على الحق خبر لقوله لا تزال أي ثابتين على الحق علما وعملا ظاهرين أى غالبين على أهل الباطل ولو حجة قال الطيبي رحمه الله يجوز أن يكون خبر بعد خبر وأن يكون حالا من ضمير الفاعل في ثابتين أي ثابتين على الحق في حالة كونهم غالبين على العدو لا يضرهم من خالفهم أي لثباتهم على دينهم حتى يأتي أمر الله متعلق بقوله لا تزال رواه أبو داود والترمذي وكذا ابن ماجه ذكره السيد جمال الدين رحمه الله وفي الجامع لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون رواه الشيخان عن المغيرة وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي تدور رحى الإسلام أي تستقر وتستمر دائرة رحى الإسلام ويستقيم دورانها على وجه النظام أو يبتدىء دوران دائرة الحرب وتزلزله وحركاته وسكناته في الإسلام لخمس وثلاثين أي لوقت خمس وثلاثين من


ابتداء ظهور دولة الإسلام وهي زمن هجرة خير الأنام وبانتهاء المدة تنقضي خلافة الخلفاء الثلاثة بلا خلاف بين الخاص والعام إذ بعدها مقتل عثمان رضي الله عنه أو ست وثلاثين وفيه قضية الجمل أو سبع وثلاثين وفيه وقعة صفين وأو فيها للتنويع أو بمعنى بل فإن الأمر فيهما أهون مما بعدهما لا سيما أمر الإسلام ونظام الأحكام وظهور الصحابة والعلماء الأعلام ولهذا قال فإن يهلكوا أي إن اختلفوا بعد ذلك واستهانوا في أمر الدين واقترفوا المعاصي فسبيل من هلك أي فسبيلهم سبيل من هلك من الأمم الماضية الذين زاغوا عن الحق في اختلافهم وزيغهم عن الحق ووهنهم في الدين وسمى أسباب الهلاك والاشتعال بما يؤدي إليه هلاكا هذا مجمل الكلام وأما تفصيل المرام فقال الخطابي دوران الرحى كناية عن الحرب والقتال شبهها بالرحا الدوارة التي تطحن الحب لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس قال الشاعر فدارت رحانا واستدارت رحاهم قلت هو معنى ما قال غيره فيوما علينا ويوما لنا فيوما نساء ويوما نسر وقال تعالى وتلك الأيام نداولها بين الناس آل عمران ثم الرحى وإن كان فيها ما ذكر من تلف الأرواح وهلاك الأنفس لكن فيها أيضا قوة الأشباح وقوة الأرواح قال التوربشتي رحمه الله إنهم يكنون عن اشتداد الحرب بدوران الرحى ويقولون دارت رحا الحرب أي استتب أمرها ولم تجدهم استعملوا دوران الرحا في أمر الحرب من غير جريان ذكرها أو الإشارة إليها وفي هذا الحديث لم يذكر الحرب وإنما قال رحى الإسلام فالأشبه أنه أراد بذلك أن الإسلام يستتب أمره ويدوم على ما كان عليه المدة المذكورة في الحديث ويصح أن يستعار دوران الرحى في الأمر الذي يقوم لصاحبه ويستمر له فإن الرحى توجد على نعت الكمال ما دامت دائرة مستمرة ويقال فلان صاحب دارتهم إذا كان أمرهم يدور عليه ورحى الغيث معظمه ويؤيد ما ذهبنا إليه ما رواه الحربي في بعض طرقه تزول رحى الإسلام مكان تدور ثم قال كأن تزول أقرب لأنها


تزول عن ثبوتها واستقرارها وأشار بالسنين الثلاث إلى الفتن الثلاث مقتل عثمان رضي الله عنه وكان سنة خمس وثلاثين وحرب الجمل وكانت سنة ست وحرب صفين وكانت سنة سبع فإنها كانت متتابعة في تلك الأعوام الثلاثة وإن يقم لهم دينهم أي وإن صفت تلك المدد ولم يتفق لهم اختلاف وخور في الدين وضعف في التقوى يقم لهم سبعين عاما تتمادى بهم قوة الدين واستقامة أمره سبعين سنة وقد وقع المحذور في الموعد الأول ولم يزل ذلك كذلك إلى الآن قال الخطابي أراد بالدين الملك قال ويشبه أن يكون أراد بهذا ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العباس وكان ما بين استقرار الملك لبني أمية إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان وضعف أمر


بني أمية ودخل الوهن فيه نحوا من سبعين سنة قال التوربشتي يرحم الله أبا سليمان فإنه لو تأمل الحديث كل التأمل وبنى التأويل على سياقه لعلم أن النبي لم يرد بذلك ملك بني أمية دون غيرهم من الأمة بل أراد به استقامة أمر الأمة في طاعة الولاة وإقامة الحدود والأحكام وجعل المبدأ فيه أول زمان الهجرة وأخبرهم أنهم يلبثون على ما هم عليه خمسا وثلاثين أو ستا وثلاثين أو سبعا وثلاثين ثم يشقون عصا الخلاف فتفرق كلمتهم فإن هلكوا فسبيلهم سبيل من قد هلك قبلهم وإن عاد أمرهم إلى ما كان عليه من إيثار الطاعة ونصرة الحق يتم لهم ذلك إلى تمام السبعين هذا مقتضى اللفظ ولو اقتضى اللفظ أيضا غير ذلك لم يستقم لهم ذلك القول فإن الملك في أيام بعض العباسية لم يكن أقل استقامة منه في أيام المروانية ومدة إمارة بني أمية من معاوية إلى مروان بن محمد كانت نحوا من تسع وثمانين سنة والتواريخ تشهد له مع أن بقية الحديث ينقض كل تأويل يخالف تأويلنا هذا وهي قول ابن مسعود قلت أي يا رسول الله أو مما بقي أو مما مضى يريد أن السبعين تتم لهم مستأنفة بعد خمس وثلاثين أم تدخل الأعوام المذكورة في جملتها قال مما مضى يعني يقوم لهم أمر دينهم إلى تمام سبعين سنة من أول دولة الإسلام لا من انقضاء خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين إلى انقضاء سبعين وفي جامع الأصول قيل إن الإسلام عند قيام أمره على سنن الإستقامة والبعد من إحداثات الظلمة إلى أن ينقضي مدة خمس وثلاثين سنة ووجهه أن يكون قد قاله وقد بقيت من عمره خمس سنين أو ست فإذا انضمت إلى مدة خلافة الخلفاء الراشدين وهي ثلاثون سنة كانت بالغة ذلك المبلغ وإن كان أراد سنة خمس وثلاثين من الهجرة ففيها خرج أهل مصر وحصروا عثمان رضي الله عنه وإن كان سنة ست وثلاثين ففيها كانت وقعة الجمل وإن كانت سنة سبع وثلاثين ففيها كانت وقعة صفين رواه أبو داود
الفصل الثالث


عن أبي واقد الليثي قال المؤلف هو الحارث بن عوف قديم الإسلام عداده في أهل المدينة وجاور بمكة سنة ومات بها ودفن بفج أن رسول الله لما خرج إلى غزوة حنين أي بعد فتح مكة ومعه بعض من دخل في الإسلام حديثا ولم يتعلم من أدلة الأحكام آية
ولا حديثا مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم أي ويعكفون حولها يقال لها ذات أنواط جمع نوط وهو مصدر ناطة أي علقة فقالوا أي بعضهم ممن لم يكمل له مرتبة التوحيد ولم يطلع على حقيقة التفريد يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط أي شجرة نحن أيضا نعلق عليها أسلحتنا وكأنهم أرادوا به الضدية والمخالفة العرفية وغفلوا عن القاعدة الشرعية فقال رسول الله سبحان الله تنزيها وتعجبا هذا أي هذا القول منكم كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة لكن لا يخفى ما بينهما من التفاوت المستفاد من التشبيه حيث يكون المشبه به أقوى والذي نفسي بيده لتركبن بضم الموحدة أي لتذهبن أنتم أيها الأمة سنن من كان قبلكم بضم السين أي طرقهم ومناهجهم وسبل أفعالهم وفي نسخة بفتحها أي على منوالهم وطبق حالهم وشبه قالهم رواه الترمذي ورواه أيضا عن ابن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك ورواه الحاكم عن ابن عباس لتركبن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضب لدخلتم وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه وعن ابن المسيب بفتح التحتية المشددة وقد تكسر تابعي جليل قال وقعت الفتنة الأولى يعني هذا كلام الراوي عن ابن المسيب وتفسير لكلامه أي يريد بالفتنة الأولى مقتل عثمان فلم يبق من أصحاب بدر أحد هذا كلام ابن المسيب أي أنهم ماتوا منذ قامت الفتنة بمقتل عثمان إلى أن قامت الفتنة الأخرى بوقعة الحرة والحاصل أنهم ما ابتلوا بالفتنة مرتين لما صانهم الله ببركة


غزوة بدر ثم وقعت الفتنة الثانية يعني الحرة في النهاية هذه أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة كانت الوقعة المشهورة في الإسلام أيام يزيد بن معاوية لما انتهب المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين وأمر عليهم مسلم بن عقبة المزي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين فلم يبق من أصحاب الحديبية بالتخفيف ويشدد أي من أهل بيعة الرضوان أحد ثم وقعت الفتنة الثالثة
لعلها فتنة ابن الزبير وما حصل له ولأهل مكة من الحجاج فلم ترتفع وفي نسخة ولم ترتفع وبالناس طباخ أي أحد وهو بفتح الطاء وتخفيف الباء الموحدة وبالخاء المعجمة على ما صرح به صاحب المشارق والمفهوم من النهاية فلا وجه لما ضبط في بعض النسخ من كسر الطاء نعم في القاموس الطباخ كسحاب ويضم القوة والإحكام والسمن قال الطيبي رحمه الله أصل الطباخ القوة والسمن ثم استعمل في غيره فقيل فلان لا طباخ له أي لا عقل له ولا خير عنده أراد أنها لم تبق في الناس من الصحابة أحدا فالمراد بالناس الصحابة فأل للعهد أو المراد بهم الكاملون في مرتبة الإنس ورتبة الإنس رواه البخاري


باب الملاحم
بفتح الميم وكسر الحاء جمع الملحمة وهي المقتلة أو هي الواقعة العظيمة وفي النهاية هي الحرب وموضع القتال مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدي وقيل هو من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها اه ومن أسمائه نبي الملحمة وفيه إشارة إلى أنه معدن الجلال كما أنه منبع الجمال لكونه نبي الرحمة والجمع بينهما هو الكمال وإنما أطلق سبحانه في حقه قوله وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء بناء على غلبة رحمته تخلقا بأخلاق الله وصفته كما ورد في الحديث القدسي سبقت رحمتي غضبي ولذا ينادى بيا أرحم الراحمين بل الملحمة في الحقيقة عين المرحمة كما أن المحن من عنده سبحانه هي المنح والمنن والبلاء عين الولاء وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم الأعراف
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال لا تقوم الساعة بتأنيث


الفعل ويذكر وكذا قوله حتى تقتتل فئتان عظيمتان أي كثيرتان أو كمية أو كيفية لما كان في كل منهما جماعة من الصحابة ويمكن حمله على التغليب إذ الجماعة العظيمة في الحقيقة إنما كانت جماعة علي كرم الله وجهه قال الأكمل وهذا من المعجزات لأنه وقع بعده في الصدر الأول تكون بينهما مقتلة عظيمة أي حرب عظيم وقتال قوي دعواهما واحدة أي كل واحدة من الفئتين تدعي الإسلام قال ابن الملك المراد علي ومعاوية ومن معهما ويؤخذ من قوله دعواهما واحدة الرد على الخوارج في تكفيرهم كلتا الطائفتين اه وفي كون الحديث ردا عليهم مجرد دعوى لا يخفى فإنه لا يلزم من تحقق الدعوى وصول المدعي وحصول المعنى مع أن الدعوى قد تصرف إلى دعوى الخلافة ونحوها وحتى يبعث أي يرسل من عالم الغيب إلى صحن الوجود ويظهر دجالون أي مبالغون في فساد العباد والبلاد كذابون أي على الله ورسوله في شرح السنة كل كذاب دجال يقال دجل فلان الحق بباطله غطاه ومنه أخذ الدجال دجله سحره وكذبه وقيل سمي الدجال دجالا لتمويهه على الناس وتلبيسه يقال دجل إذا موه ولبس قريب من ثلاثين وهذا لا ينافي حرمه فيما سبق بقوله ثلاثون فإنه إما متأخر وإما المراد منه التقريب وكذا لا ينافي في ما رواه الطبراني عن ابن عمر ولا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابا فإن المراد منه التكثير أو الثلاثون مقيدون بدعوى النبوة والباقون بغيرها على احتمال أن السبعين غير الثلاثين فتكمل المائة والله تعالى أعلم كلهم يزعم أنه رسول الله وفي نسخة نبي الله وحتى يقبض أي يؤخذ ويرفع العلم أي النافع المتعلق بالكتاب والسنة بقبض العلماء من أهل السنة والجماعة فيكثر أهل الجهل والبدعة وتكثر الزلازل أي الحسية وهي تحريك الأرض أو المعنوية وهي أنواع البلية فإن موت العلماء موت العلم ويتقارب الزمان قال الخطابي أراد به زمان المهدي لوقوع الأمن في الأرض فيستلذ العيش عند ذلك لإنبساط عدله فتستقصر مدته لأنهم يستقصرون مدة أيام


الرخاء وإن طالت ويستطيلون أيام الشدة وإن قصرت ويظهر الفتن أي ويترتب عليها المحن ويكثر الهرج قيل المراد بكثرته شموله ودوامه وهو أي الهرج القتل يحتمل أن يكون مرفوعا والأظهر أنه تفسير من أحد الرواة فهو جملة معترضة وحتى يكثر فيكم المال فيفيض بالنصب ويرفع من فاض الماء إذا انصب عند امتلائه والضمير إلى المال فهو مبالغة لحصول المنال في المآل حتى يهم بضم الياء وكسر الهاء وتشديد الميم من أهمه أحزنه وأقلقه وقوله رب المال منصوب على أنه مفعول والفاعل قوله من يقبل صدقته على تقدير مضاف أي حتى يوقع في الحزن فقدان من يقبل الصدقة من رب المال حيث


لم يجد من يقبله والتمليك شرط لحصول الزكاة كما أن القبض شرط لحصول الصدقة وفي بعض النسخ بضم الياء وفتح الهاء على أن همه لغة بمعنى أحزنه قرب المال منصوب على حاله وفي بعضها برفعه على أنه فاعل ومن مفعوله أي يقصده رب المال عكس المتعارف في بقية الأزمنة والأحوال من هم به إذا قصده فيكون من باب الحذف والإيصال والمعنى الأول هو المعول فتأمل قال النووي رحمه الله في شرح مسلم ضبطوه بوجهين وأشهرهما ضم أوله وكسر الهاء قال الطيبي رحمه الله وفي جامع الأصول مقيد بضم الياء ورب المال مفعوله والموصول مع صلته فاعله وقوله وحتى يعرضه بكسر الراء عطف على مقدر والمعنى حتى يهم طلب من يقبل الصدقة صاحب المال فيطلبه حتى يجده وحتى يعرضه اه بكسر الراء عطف على مقدر والمعنى حتى يهم طلب من يقبل الصدقة صاحب المال فيطلبه حتى يجده وحتى يعرضه اه أي حتى يعرض المال الذي أراد أن يتصدق به على من يظن أنه يقبله فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به بفتح الهمزة والراء أي لا حاجة لي إليه إما لغنى قلبه أو لغنى يده والأظهر أنه لهما جميعا فكأن الخير وسع الجميع بما فيه وقنع كل أحد بما يكفيه فلا يريد ما يطغيه أو ما لا يعنيه وإلا فمن المعلوم أنه لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب على ما ورد في الحديث بل في القرآن المنسوخ التلاوة فكأن أهل ذلك الزمان كلهم ممن تاب الله عليهم حتى رجعوا إلى مقام الرضا بالقضاء والقناعة بالكفاية والإستغناء بما قسمه الله على الناس فإن الاستئناس بالناس من علامة الافلاس وحتى يتطاول الناس في البنيان أي حتى يتزايدوا في طوله وعرضه أو يفتخروا في تزيينه وتحسينه وهذا غير مقيد بزمان المهدي بل المراد به أما بعده وأما قبله فإن الآن قد كثر البنيان وافتخر به أهل الزمان وتطاول به اللسان في كل مكان وهدموا العمارة الموضوعة للخيرات وجعلوها دورا وبساتين ومواضع


التنزهات ومحال التلهيات وحتى يمر الرجل أي من كثرة همومه وغمومه في أمر دينه أو دينه أو كثرة بلائه وقلة دوائه بقبر الرجل أي من أقاربه أو أجانبه فيقول بالنصب ويرفع يا ليتني مكانه نقل بالمعنى إذ لفظه مكانك أي ليتني كنت ميتا حتى لا أرى الفتنة ولا أشاهد المحنة وحتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون تأكيد للناس أو لضميره أي كلهم لما رأوه من الآية الملجئة والعلامة العيانية وكان المطلوب منهم الإيمان في الحالة الغيبة كما أشار إليه سبحانه الذين يؤمنون بالغيب ولذا قال فذلك أي الوقت حين لا ينفع نفسا إيمانها وكذا ما يترتب على إيمانها من عمل


خيرها أي الحادثين في ذلك الوقت كما بينه بقوله لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا فأو للتنويع إذ قد يوجد إيمان مجرد عن العمل وقد يقترن العمل بالإيقان لكن لما كان وقوعهما في حال البأس ووقت اليأس لا يكونان نافعين قال تعالى فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا غافر وقيل التقدير لا ينفع إيمانها ولا كسبها إن لم تكن آمنت من قبل أو لم تكن كسبت فالكلام من اللف التقديري والنشر الظاهري هذا وقيل جملة لم تكن آمنت صفة نفس والأولى أن تحمل على الاستئناف لئلا يقع الفصل بين الصفة والموصوف وقوله من قبل أي قبل إتيان بعض آيات الرب على ما في القرآن مبهما ومجملا ومن قبل طلوع الشمس من مغربها على ما في الحديث مفسرا ومبينا ثم قيل أو كسبت عطف على آمنت والمراد بالخير التوبة أو الاخلاص فتنوينه للتعظيم أي لا ينفع تلك النفس إيمانها وقبول توبتها فيفيد أن أو للتنويع فكأنه قال لا ينفعها توبة عن الشرك ولا توبة عن المعاصي وبهذا يندفع استدلال المعتزلة بالآية على أن العمل المعبر عنه بالخير جزاء للإيمان مع أن الظاهر من قوله تعالى في إيمانها خيرا يدفع ذلك ثم قيل عدم قبول الإيمان والتوبة في ذلك الوقت مخصوص بمن شاهد طلوعها حتى أن من ولد بعده أو لم يشاهده يقبل كلاهما منه والصحيح أنه غير مخصوص للخبر الصحيح إن التوبة لا تزال مقبولة حتى يغلق بابها فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق ولتقومن الساعة أي النفخة الأولى وهي مقدمة الساعة فأطلقت عليها وقد نشر الرجلان الجملة حالية أي والحال أنهما فتحا وفرقا ثوبهما بينهما الإضافة لأحدهما على أنه صاحبه وللآخر على أنه طالبه فلا يتبايعانه أي لا يكملان البيع والشراء ولا يطويانه أي ولا يجمعان الثوب فيفترقان بل تقع الساعة عليهما وهما مشغولان بالبيع والشراء كما قال تعالى ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون وحاصله أن قيام الساعة يكون


بغتة لقوم وهم في أشغالهم كما قال تعالى لا تأتيكم إلا بغتة الأعراف ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته بكسر اللام وسكون القاف أي ناقة ذات لبن فلا يطعمه أي فلا يمكن الرجل أن يشرب اللبن الذي حلبه وهو في يده ولتقومن الساعة وهو يليط بفتح أوله أي يطين ويصلح حوضه أي لبسقي إبله أو غنمه منه فلا يسقى أي إبله وهو بفتح الياء ويجوز ضمها فيه أي في ذلك الحوض أو من مائة والمعنى أن الساعة تأخذ الناس بغتة تأتيهم وهم في أشغالهم فلا تمهلهم أن يتموها ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته بضم الهمزة أي لقمته إلى فيه فلا يطعمها أي فلا يبلعها ولا يأكلها


وهذا أبلغ مما قبله من الصور متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر بفتحتين وسكون العين أي من جلود مشعرة غير مدبوغة وحتى تقاتلوا الترك قال السدي من الترك شرذمة يأجوج ومأجوج عن قتادة أنهم كانوا ثنتين وعشرين قبيلة بنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وبقيت واحدة وهي الترك سموا بذلك لأنهم تركوا خارجين صغار الأعين بالنصب وهو من أمارات الحرص على أمتعة الدنيا صغيرها وحقيرها والبخل على نقيرها وقطميرها حمر الوجوه أي من شدة حرارة باطنهم وغليان الغضب في أجوافهم ذلف الأنوف بضم الذال المعجمة أي صغيرها فيكون كناية عن عدم شمومهم الجق أو عريضها فيدخل فيها الحق والباطل من غير تمييز لهم بينهما والأظهر أن معناه فطس الأنوف كما في الرواية الآتية جمع أفطس من الفطس بالتحريك وهو تطامن قصبة الأنف وانخفاضها وانتشارها فيرجع إلى معنى عريضها وقال القاضي ذلف جمع أذلف وهو الذي يكون أنفه صغيرا ويكون في طرفه غلظ كأن بتشديد النون وجوههم المجان بفتح الميم وتشديد النون جمع المجن بكسر الميم وهو الترس المطرقة بضم الميم وفتح الراء المخففة المجلدة طبقا فوق طبق وقيل هي التي ألبست طراقا أي جلدا يغشاها وقيل هي اسم مفعول من الإطراق وهو جعل الطراق بكسر الطاء أي الجلد على وجه الترس اه شبه وجوههم بالترس لتبسطها وتدويرها وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها وفيه إشارة إلى أنهم لكبر وجوههم وإدارتها وكثرة لحمها ويبوستها أبوا الوجوه الطامعة في المال والأهل ليس فيها لينة الإنسانية ولا ملاءمة الإحسانية بل كأنهم نوع آخر من جنس الناس ينبغي أن يقال إنهم نسناس ويكفي في ذمهم أنهم فضلة يأجوج ومأجوج ومن إخوانهم وأنموذج وعينة من أعيانهم فلا شك أنهم يكونون في غاية من الفساد ونهاية من الضرر للعباد والبلاد ولا أرانا الله وجوههم إلى يوم الميعاد قال القاضي رحمه الله وقد ورد ذلك


في الحديث الذي بعده صفة لخوز وكرمان ولو لم يكن ذلك من بعض الرواة فلعل المراد
بهما صفتان من الترك كان أحد أصول أحدهما من خوز وأحد أصول الآخر من كرمان فسماهم الرسول باسمه وإن لم يشتهر عندنا كما نسبهم إلى قنطوراء وهي أمة كانت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ولعل المراد بالموعود في الحديث ما وقع في هذا العصر بين المسلمين والترك اه والأقرب أنه إشارة إلى قضية جنكيز وما وقع له من الفساد وخصوصا في بغداد والله رؤوف بالعباد متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا بضم الخاء المعجمة وسكون الواو وبالزاي في القاموس الخوز بالضم جيل من الناس واسم لجميع بلاد خوزستان وكرمان بكسر الكاف وتفتح وكذا ضبط في النسخ المصححة لكن في القاموس كرمان وقد يكسر أو لحن إقليم بين فارس وسجستان وقال التوربشتي رحمه الله الخوز جيل من الناس وإنما جاء في الحديث منونا بسكون وسطه هكذا وقد ذكر ابن الأثير بالخاء المعجمة المضمومة وبالزاي مع الإضافة يقال خوز كرمان من غير واو العطف قال وروي خوز وكرمان قال والخوز جيل معروف وكرمان صقع معروف في العجم ويروي بالراء المهملة وهو من أرض فارس وصوبه الدارقطني رحمه الله وقيل إنه إذا أضيف به فبالراء وإذا عطف فبالزاي نقله الجزري من الأعاجم بيان لهما قال شارح المراد صنفان من الترك سماهما باسم أبويهما ولا نحمله على أهل خوزستان وكرمان لأنهم لم يوجدوا على النعت المذكور في الحديث بل وجد عليه الترك حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر رواه البخاري وفي رواية له أي للبخاري عن عمرو بن تغلب بالتاء فوقها نقطتان وبالغين المعجمة وهو غير منصرف قال المؤلف في فصل الصحابة هو العبدي ابن عبد


القيس روى عنه الحسن البصري وغيره عراض الوجوه بالنصب على الحكاية وبالرفع على الإعراب لكونه مبتدأ لخبر مقدم وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه نظرا إلى أن مرجع الضمير إلى المضمون السابق وفي نسخة صحيحة وعن أبي هريرة بالإظهار لئلا يتوهم عود الاضمار إلى الصحابي اللاحق فإنه لقربه ربما يظن أنه الأحق بمرجع اللاحق قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم أي غالبهم أو فيغلبهم المسلمون حتى يختبىء أي يختفي اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر أي كلاهما أو أحدهما يا مسلم يا عبد الله جمعا بين الوصفين لزيادة التعظيم هذا أي تنبه ذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد استثناء من الشجر وهو نوع شجر وشوك يقال له العوسج كذا ذكره شارح وفي النهاية هو ضرب من شجر العضاة وشجر الشوك ومنه قيل لبقيع أهل المدينة بقيع الغرقد لأنه كان فيه غرقد وقطع فإنه من شجر اليهود أضيف إليهم بأدنى ملابسة قيل هذا يكون بعد خروج الدجال حين يقاتل المسلمون من تبعه من اليهود رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان بفتح القاف وسكون الحاء وهو أبو اليمن وقيل قبيلة منهم يسوق الناس أي لأجل حكمه بعصاه هذا عبارة عن تسخير الناس واسترعائهم كسوق الراعي غنمه بعصاه قيل لعل الرجل القحطاني هو الذي يقال له جهجاه على ما سيأتي رواه البخاري


وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تذهب الأيام والليالي أي لا ينقطع الزمان ولا تأتي القيامة حتى يملك رجل يقال له الجهجاه قال النووي رحمه الله بفتح الجيم وسكون الهاء وفي بعض النسخ الجهجها بهاءين وفي بعضها الجهجا بحذف الهاء التي بعد الألف والأول هو المشهور متفق عليه وفي رواية حتى يملك رجل من الموالي بفتح الميم جمع المولى أي المماليك والمعنى حتى يصير حاكما على الناس يقال له الجهجاه قال الجزري لم أجد هذه الرواية في واحد من الصحيحين نقله ميرك فيكون من غير الصحيحين للإستشهاد والاعتضاد فلا يرد على المؤلف إيرادها في الفصل الأول لأن اختصاصه بحديث الشيخين إنما هو في الأصول وعن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله يقول لتفتحن بفتح الحاء وفي نسخة صحيحة لتفتتحن قال التوربشتي رحمه الله وجدناه في أكثر نسخ المصابيح بتاءين بعد الفاء ونحن نرويه عن كتاب مسلم بتاء واحدة وهو أمثل معنى لأن الافتتاح أكثر ما يستعمل بمعنى الاستفتاح فلا يقع موقع الفتح في تحقيق الأمر ووقوعه والحديث إنما ورد في معنى الأخبار عن الكوائن والمعنى لتأخذن عصابة بكسر العين أي جماعة من المسلمين كنز آل كسرى بكسر الكاف ويفتح والآل مقحم أو المراد به أهله وأتباعه الذي في الأبيض قال القاضي رحمه الله الأبيض قصر حصين كان بالمدائن وكانت الفرس تسميه سفيد كرشك والآن بني مكانه مسجد المدائن وقد أخرج كنزه في أيام عمر رضي الله تعالى عنه وقيل الحصن الذي بهمدان بناه دارين دار يقال له شهرستان رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله هلك كسرى جملة خبرية أي


سيهلك ملكه وإنما عبر عنه بالمضي لتحقق وقوعه وقربه أو دعاء وتفاؤل فلا يكون كسرى وفي نسخة بالتنوين حيث أريد به التنكير بعده أي بعد كسرى الموجود في زمنه والمعنى لا يملك ملك كسرى كافر بل يملكه المسلمون بعده إلى يوم القيامة وقيصر وهو ملك الروم مبتدأ وخبره ليهلكن والتغاير بينهما للتفنن أو عطف على كسرى وأتى بقوله ليهلكن للتأكيد مع زيادة المبالغة المستفادة من لام القسم ونون التأكيد ثم لا يكون قيصر بالوجهين أي قيصر آخر بعده أي بعد الأول قال الطيبي رحمه الله هلاك كسرى وقيصر كانا متوقعين فأخبر عن هلاك كسرى بالماضي دلالة على أنه كالواقع بناء على إخبار الصادق وأتى في الإخبار عن قيصر بلام القسم في المضارع وبني الكلام على المبتدأ والخبر إشعارا لاهتمامه بالإعتناء بشأنه وأنه أطلب منه وذلك أن الروم كانوا سكان الشام وكان في فتحه أشد رغبة ومن ثم غزا تبوك وهو من الشام أقول لما كان هلاك كسرى قبل قيصر بحسب وقائع الحال فناسب أن يعبر عن الأول بالماضي وعن الثاني بالاستقبال ولتقسمن بصيغة المجهول مخففا كنوزهما أي كنز كل منهما في سبيل الله وسمى عطف على قال رسول الله أي قال الراوي وسمي النبي الحرب خدعة بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال وبضم الخاء مع فتح الدال على ما سبق مبناه وتحقق معناه ومجمله ما في القاموس الحرب خدعة مثلثة وكهمزة وروي بهن جميعا أي ينقضي بخدعة هذا والراوي جمع بين حديثين والظاهر أنهما وقعا في وقتين فلا يحتاج إلى طلب المناسبة بين إيرادهما معا على أن في ذكره إشارة إلى أن هلاكهما وأخذ كنوزهما إنما يكون بالحرب وربما يكون محتاجا إلى خدعة فنبه أصحابه إلى جوازها حتى لا يتوهموا أن الخدعة من باب الغدر والخيانة والله تعالى أعلم وقال الطيبي رحمه الله فإن قلت ما وجه المناسبة بين قوله وسمى الحرب خدعة وبين الكلام السابق قلت هو وارد على سبيل الاستطراد لأن أصل الكلام كان في ذكر الفتح وكان حديثا مشتملا


على الحرب فأورده في الذكر كما أورد قوله تعالى ومن كل تأكلون لحما طريا بعد قوله وما يستوي البحران هذا عذب فرات فاطر إذ المراد منهما المؤمن والكافر قلت فقوله من كل تأكلون إشارة إلى تكميل التشبيه وتتميم وتذييل وهو إفادة أنه ينتفع بهما ونظام العالم بوجودهما بل هما الدالان على مظهر الجمال والجلال وهما صفتا الكمال وعليهما مدار الكونين ومآل الفريقين كما دل عليهما مثال البحرين حيث قال هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج الفرقان فكل في بابه في غاية من الكمال يضل من يشاء ويهدي من يشاء ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء وهو على كل شيء قدير متفق عليه


وعن نافع بن عتبة أي ابن أبي وقاص الزهري القرشي يعرف بالمرقال بكسر الميم وسكون الراء وبالقاف وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص صحابي من مسلمة الفتح من المؤلفة روى عنه ابن عمر وجابر بن سمرة نقله ميرك عن التصحيح قال قال رسول الله تغزون أي بعدي جزيرة العرب وقد سبق تفسيرها وتحريرها وتقريرها ومجمله على ما حكي عن مالك مكة والمدينة واليمامة واليمن فالمعنى بقية الحزيرة أو جميعها بحيث لا يترك كافر فيها فيفتحها الله أي عليكم ثم فارس أي ثم تغزونها فيفتحها الله ثم تغزون الروم فيفتحها ثم تغزون الدجال الخطاب فيه للصحابة والمراد الأمة فيفتحه الله أي يجعله مقهورا مغلوبا ويقع هلاكه على أيدي بني إسرائيل لمعاونة الأمة وأنزل لمساعدة الملة رواه مسلم أي في الفتن من حديث جابر بن سمرة عن نافع بن عتبة ولفظه حفظت من رسول الله أربع كلمات عدهن في يدي قال تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله الخ والعجب أن الحاكم أخرجه في مستدركه على الصحيح وقال على شرط مسلم وأقره الذهبي نقله ميرك عن التصحيح وفيه أن الظاهر هو أن الحاكم رواه بإسناد آخر رجاله رجال مسلم فيكون مستدركا ولا يكون مستدركا وعن عوف بن مالك رضي الله عنه أي الأشجعي صحابي مشهور قال أتيت النبي في غزوة تبوك وهو في قبة أي خيمة من أدم بفتحتين أي من جلد فقال اعدد أي احسب وعد ستا أي من العلامات الواقعة بين يدي الساعة أي قدامها موتي أي فوتي بانتقالي من دار الدنيا إلى الأخرى لأنه أول زوال الكمال بحجاب الجمال ثم فتح بيت المقدس بفتح ميم وسكون قاف وكسر دال وفي نسخة بضم ففتح فتشديد ثم موتان بضم الميم أي وباء يأخذ فيكم أي يتصرف في أبدانكم كقعاص الغنم بضم القاف داء يأخذ الغنم فلا يلبثها أن تموت قال التوربشتي رحمه الله أراد بالموتان الوباء وهو في الأصل موت يقع في الماشية والميم منه مضمومة واستعماله في الإنسان تنبيه على وقوعه فيهم وقوعه


في الماشية فإنها تسلب سلبا سريعا وكان ذلك في طاعون عمواس زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو أول طاعون وقع في الإسلام مات منه سبعون ألفا في ثلاثة أيام وعمواس قرية من قرى بيت المقدس وقد كان بها معسكر المسلمين ثم استفاضة المال أي كثرته في شرح السنة وأصله التفرق والانتشار يقال استفاض الحديث إذا انتشر وفي النهاية هو من فاض الماء والدمع وغيرهما إذا كثر حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل بالرفع وجوز النصب أي فيصير ساخطا أي غضبان لعده المائة قليلا وهذه الكثرة ظهرت في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه عند الفتوح وأما اليوم فبعض أهل زماننا يعدون الألف قليلا ويحقرونه ثم فتنة أي بلية عظيمة قيل هي مقتل عثمان وما بعده من الفتن المترتبة عليها لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته قيل المراد من بيوت أمته وإنما خص العرب لشرفها وقربها منه ففيه نوع تغليب أو إيماء إلى ما قيل إن من أسلم فهو عربي ثم هدنة أي مصالحة تكون بينكم وبين بني الأصفر أي الأروام سموا بذلك لأن أباهم الأول وهو الروم بن عيصو بن يعقوب بن إسحاق كان أصفر في بياض وقيل سموا باسم رجل أسود ملك الروم فنكح من نسائها فولد له أولاد في غاية الحسن فنسب الروم إليه فيغدرون أي ينقضون عهد الهدنة فيأتونكم تحت ثمانين غاية أي راية وهي العلم قال الطيبي رحمه الله ومن رواه بالباء الموحدة أراد بها الأجمة فشبه كثرة رماح العسكر بها تحت كل غاية اثنا عشر ألفا أي ألف فارس قال الأكمل جملته سبعمائة ألف وستون ألفا رواه البخاري وكذا ابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي وهذا أيضا من الوهم فإن الحديث في صحيح البخاري في كتاب الجهاد في باب ما يجوز من الغدر نقله ميرك عن التصحيح وقدمت ما يدفع عنه والله تعالى أعلم بالصحيح وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق بفتح الهمزة قال التوربشتي رحمه الله


العمق ما بعد من أطراف المفاوز وليس الأعماق ههنا بجمع وإنما هو اسم موضع بعينه من أطراف المدينة أو بدابق بفتح الموحدة وقد تكسر ولا يصرف وقد يصرف قال التوربشتي رحمه الله هو بفتح الباء دار نخلة موضع سوق بالمدينة وفي المفاتيح هما موضعان أو شك من الراوي وقال الجزري دابق بكسر الموحدة وهو الصواب وإن كان عياض في المشارق ذكر فيه الفتح ولم يذكر غيره
وهو موضع معروف من عمل حلب ومرج دابق مشهور قال صاحب الصحاح لا غلب التذكير والصرف لأنه في الأصل اسم قال وقد يؤنث ولا يصرف اه والذي يؤنثه ولا يصرفه يريد به البقعة قلت وفي القاموس دابق كصاحب موضع بحلب لكن المضبوط في النسخ بغير صرف فيخرج بالنصب ويرفع إليهم جيش من المدينة قال ابن الملك قيل المراد بها حلب والأعماق ودابق موضعان بقربه وقيل المراد بها دمشق وقال في الأزهار وأما ما قيل من أن المراد بها مدينة النبي فضعيف لأن المراد بالجيش الخارج إلى الروم جيش المهدي بدليل آخر الحديث ولأن المدينة المنورة تكون خرابا في ذلك الوقت من خيار أهل الأرض بيان للجيش يومئذ احتراز من زمنه فإذا تصافوا بتشديد الفاء المضمومة قالت الروم خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا على بناء الفاعل نقاتلهم يريدون ذلك مخاتلة المؤمنين ومخادعة بعضهم عن بعض ويبغون تفريق كلمتهم والمرادون بذلك هم الذين غزوا بلادهم فسبوا ذريتهم كذا ذكره التوربشتي رحمه الله وهو الموافق للنسخ والأصول قال ابن الملك وروى سبوا ببناء المجهول قال القاضي ببناء المعلوم هو الصواب وقال النووي رحمه الله كلاهما صواب لأن عساكر الإسلام في بلاد الشام ومصر كانوا مسبين ثم هم اليوم بحمد الله يسبون الكفار قال التوربشتي والأظهر هذا القول منهم يكون بعد الملحمة الكبرى التي تدور رحاها بين الفئتين بعد المصالحة والمناجزة لقتال عدو يتوجه إلى المسلمين وبعد غزوة الروم لهم وذلك قبل فتح قسطنطينية فيطأ الروم أرض العرب حتى ينزل بالأعماق أو


بدابق فيسأل المسلمين أن يخلوا بينهم وبين من سبى ذريتهم فيردون الجواب على ما ذكر في الحديث فيقول المسلمون لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم أي المسلمون الكفرة فينهزم ثلث أي من المسلمين لا يتوب الله عليهم أبدا كناية عن موتهم على الكفرة وتعذيبهم على التأبيد ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء بالرفع على تقدير مبتدأ هو هم وفي نسخة بالنصب على أنه حال ويفتح الثلث أي الباقي من المسلمين لا يفتنون أي لا يبتلون ببلية أو لا يمتحنون بمقاتلة أو لا يعذبون أبدا ففيه إشارة إلى حسن خاتمتهم فيفتتحون الفاء تعقيبية أو تفريعية قال ابن الملك وفي نسخة فيفتحون بتاء واحدة وهو الأصوب لأن الافتتاح أكثر ما يستعمل في معنى الاستفتاح لا يقع موقع الفتح قلت سبق مثل هذا في كلام التوربشتي لكن الظاهر أن فيه إيماء إلى أن الفتح كان بمعالجة تامة وفي القاموس فتح كمنع ضد أغلق كفتح وافتتح والفتح لنصر وافتتاح دار الحرب والاستفتاح الاستنصار والافتتاح والمعنى فيأخذون من أيدي الكفار قسطنطينية وهي بشم القاف وسكون السين وضم الطاء الأولى وكسر الثانية وبعدها ياء ساكنة ثم نون قال النووي رحمه الله هكذا ضبطناه ههنا وهو المشهور ونقل القاضي رحمه الله في المشارق عن المتقنين


زيادة ياء مشددة بعد النون قلت ونسخ المشكاة متفقة على ما قاله عياض وفي بعض النسخ زيادة مخففة بدل ياء مشددة فقد قال الجزري ثم نون ثم ياء مخففة وحكى بعضهم تشديدها وقال آخرون بحذفها ونقله عياض عن الأكثرين ثم هي مدينة مشهورة أعظم مدائن الروم قال الترمذي والقسطنطنية قد فتحت في زمن بعض أصحاب النبي وتفتح عند خروج الدجال قال الحجازي في حاشية الشفاء قسطنطينة وقسطنطينية ويروى بلام التعريف دار ملك الروم وفيها ست لغات فتح الطاء الأولى وضمها مع تخفيف الياء الأخيرة وتشديدها مع حذفها وفتح النون وهذه بضم الطاء أكثر استعمالا والقاف مضموم بكل حال فبيناهم أي المسلمون يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون أراد الشجر المعروف والجملة حال دال على كمال الأمن إذ صاح فيهم الشيطان أي نادى بصوت رفيع إن المسيح بكسر الهمزة لما في النداء من معنى القول ويجوز فتحها أي أعلمهم والمراد بالمسيح ههنا الدجال قد خلفكم بتخفيف اللام أي قام مقامكم في أهليكم أي في ذراريكم كما في رواية فيخرجون أي جيش المدينة من قسطنطينية وذلك أي القولين من الشيطان باطل أي كذب وزور فإذا جاؤوا أي المسلمون الشام الظاهر أن المراد به القدس منه لما في بعض الروايات تصريح بذلك خرج فبينا هم يعدون بضم فكسر أي يستعدون ويتهيؤون للقتال فقوله يسوون الصفوف بدل منه إذ أقيمت الصلاة وفي نسخة صحيحة إذا بالألف أي وقت إقامة المؤذن للصلاة فينزل عيسى بن مريم أي من السماء على منارة مسجد دمشق فيأتي القدس فأمهم عدل إلى الماضي تحقيقا للوقوع وإشعارا بجواز عطف الماضي على المضارع وعكسه أي أم عيسى المسلمين في الصلاة ومن جملتهم المهدي وفي رواية قدم المهدي معللا بأن الصلاة إنما أقيمت لك وإشعارا بالمتابعة وأنه غير متبوع استقلالا بل هو مقرر ومؤيد ثم بعد ذلك يؤم بهم على الدوام فقوله فأمهم فيه تغليب أو تركب مجاز أي أمر إمامهم بالإمامة ويكون الدجال حينئذ محاصرا


للمسلمين فإذا رآه أي رأى عيسى عدو الله بالرفع أي الدجال ذاب أي شرع في الذوبان كما يذوب الملح في الماء فلو تركه أي لو ترك عيسى عليه الصلاة والسلام الدجال ولم يقتله لانذاب حتى يهلك أي بنفسه بالكلية ولكن يقتله الله بيده أي بيد عيسى عليه الصلاة والسلام فيريهم أي عيسى عليه الصلاة والسلام أو الله تعالى المسلمين أو الكافرين أو جميعهم دمه أي دم الدجال في حربته أي في حربة عيسى
عليه الصلاة والسلام وهو رمح صغير وقد روى الترمذي عن مجمع بن جارية مرفوعا يقتل ابن مريم الدجال باب له والمشهور أنه من أبواب مسجد القدس وفي النهاية هو موضع بالشام وقيل بفلسطين ذكره السيوطي رحمه الله في شرحه للترمذي ولعل الدجال يهرب من بيت المقدس بعدما كان محاصرا فيلحقه عيسى عليه الصلاة والسلام في أحد الأماكن فيقتله والله تعالى أعلم رواه مسلم أي بهذا السياق وروى البخاري عن خروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام كذا ذكره ميرك عن التصحيح وعن عبد الله بن مسعود قال إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث أي من كثرة المقتولين وقيل من كثرة المال والأول أصح كذا في الأزهار وقيل حتى يوجد وقت لا يقسم فيه ميراث لعدم من يعلم الفرائض وأقول لعل المعنى أنه يرفع الشرع فلا يقسم ميراث أصلا أو لا يقسم على وفق الشرع كما هو مشاهد في زماننا ويحتمل أن يكون معناه أنه من قلة المال وكثرة الفقراء لا يقسم ميراث بين الورثة إما لعدم وجود شيء أو لكثرة الديون المستغرقة أو لأن أصحاب الأموال تكون ظلمة فيرجع مالهم إلى بيت المال فلا يبقى لأولادهم نصيب في المال ولا لهم خلاق في المآل والله تعالى أعلم بالحال ويؤيده قوله ولا يفرح بصيغة المجهول أي ولا يفرح أحد بغنيمة إما لعدم العطاء أو ظلم الظلمة وإما للغش والخيانة فلا يتهنأ بها أهل الديانة ومن القواعد المقررة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا يضره ما ذكره الراوي ثم قال أي ابن مسعود عدو أي من


الروم أو عدو كثير وهو مبتدأ خبره يجمعون أي الجيش والسلاح لأهل الشام أي لمقاتلة أهل الشام ويجمع لهم أي لقتال العدو أهل الإسلام يعني أي قال الراوي يريد ابن مسعود بالعدو الروم فيتشرط المسلمون من باب التعليل استعمل تشرط مكان اشترط يقال اشترط فلان بنفسه لأمر كذا أي قدمها وأعدها وأعلمها وأشرط نفسه للشيء أعلمه ويروي فيشترط المسلمون أي يهيؤون ويعدون شرطة بضم الشين وسكون الراء طائفة من الجيش تتقدم للقتال وتشهد الواقعة سموا بذلك لأنهم كالعلامة للجيش وقوله للموت أي للحرب وفيه نوع تجريد ففي القاموس الشرطة واحد الشرط كصرد وهم كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت وطائفة من أعوان الولاة اه والمراد هنا المعنى الأول وقيل سموا بها لأنهم يشترطون أن يتقدموا ويعدوا أنفسهم للهلكة ويؤيد قوله لا ترجع أي تلك الشرطة إلا غالبة فالجملة


صفة شرطة كاشفة مبينة موضحة والمعنى أن المسلمين يبعثون مقدمتهم على أن لا ينهزموا بل يتوقفوا ويثبتوا إلى أن يقتلوا أو يغلبوا فيقتتلون أي المسلمون والكفار حتى يحجز بضم جيم ويكسر أي يمنع بينهم الليل أي دخوله وظلامه فيتركون القتال فيفيء مضارع من الفيء بمعنى الزوال أي يرجع هؤلاء أي المسلمون وهؤلاء أي الكافرون كل أي من الفريقين غير غالب أي وغير مغلوب وتفنى أي تهلك وتقتل الشرطة أي جنسها من الجانبين والحاصل أنه يرجع معظم الجيش وصاحب الرايات من الطرفين ولم يكن لأحدهما غلبة على الآخر وتفنى شرطة الطرفين وإلا لكانت الغلبة لمن تفنى شرطهم وقد قال كل غير غالب هذا وفي بعض النسخ المصححة شرطة بفتح الشين فقال السيد جمال الدين اعلم أن لفظ الشرطة يحتمل وجهين إن كان الشين فيها مفتوحة فمعناه يشترطون معهم شرطة واحدة ومعنى فيئهما زوالهما بسبب دخول الليل وإن كانت مضمومة فالمراد منها طائفة هي خيار الجيش ففيه إشكال من حيث أن الشرطة إذا فاءت غير غالبة لم تفن إذ لو فنيت غير غالبة فكيف قال فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة ويمكن أن يقال كان مع الشرطة جمع آخر من الجيش وهم الراجعون غير غالبين لا الشرطة أو كان سائر المسلمين في كل يوم مع الشرطة ذلك اليوم فالراجع سائرهم دونها اه والمعتمد ما قدمناه ثم يؤيد ما قررناه ما ذكره الطيبي رحمه الله حيث قال في الفائق يقال شرط نفسه لكذا إذا أعلمها له وأعدها فحذف المفعول والشرط نخبة الجيش وصاحب رايتهم لا النفر الذين تقدموا وهم الشرطة وقوله فيتشرط فإنه في الحديث كذلك استعمل تشرط مكان اشترط يقال اشترط فلان بنفسه لأمر كذا أي قدمها وأعدها وأعملها ولو وجدت الرواية لفتح الشين من الشرط لكان معناها أوضح وأقوم مع قوله وتفنى الشرطة أي يشترطون فيما بينهم شرطا أن لا يرجعوا إلا غالبة يعني يومهم ذلك فإذا حجر بينهم الليل ارتفع الشرط الذي شرطوه وإنما أدخل فيه التاء لتدل على


التوحيد أي يشترطون شرطة واحدة لا مثنوية فيها ولا نعرف ذلك من طريق الرواية فقال الطيبي رحمه الله إذا وجدت الرواية الصريحة الصحيحة وجب الذهاب إليها والانحراف عن التحريف من ضم الشين إلى فتحها والتزام التكلف في تأويل التاء والعدول عن الحقيقة في نفي الشرطة إلى ذلك المجاز البعيد وأي مانع من أن يفرض أن الفئة العظيمة من المسلمين أفرزوا من بينهم طائفة تتقدم الجيش للمقاتلة واشترطوا عليها أن لا ترجع إلا غالبة فلذلك بذلوا جهدهم وصدقوا فيما عاهدوا وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم وهو المراد من قولهم وتفنى الشرطة قال الجوهري قد شرط عليه كذا واشترط عليه وشرط وقوله فيفيء هؤلاء وهؤلاء المراد منهما الفئتان العظيمتان لا الشرطة ثم يتشرط المسلمون شرطة أي


أخرى للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة ثم يتشرط المسلمون شرطة أي ثالثة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يمسوا أي يدخلوا في المساء بأن يدخل الليل ففي العبارة تفنن فيفي هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم أي نهض وقام وقصد إلى قتالهم بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة بفتح المهملة والموحدة اسم من الإدبار وروي الدابر وهي بمعنى الأولى أي الهزيمة عليهم أي على الكفار وقال شارح أي على الروم فيقتتلون من باب الافتعال هذا هو الصحيح الموجود في أكثر النسخ المعتمدة وفي نسخة فيقتلون بصيغة المجهول من الثلاثي وهذا مبني لما توهم من أنه متعلق بقوله فيجعل الله والحال أن الأمر خلاف ذلك بل هو متعلق بمجموع ما تقدم والله تعالى أعلم وقوله مقتلة مفعول مطلق من غير بابه أو بحذف زوائده ونظيره قوله تعالى والله أنبتكم من الأرض نباتا نوح والمعنى مقاتلة عظيمة لم ير أي لم يبصر أو لم يعرف مثلها حتى أن الطائر بمسر الهمزة وتفتح ليمر أي ليريد المرور بجنباتهم بجيم فنون مفتوحين فموحدة أي بنواحيهم فلا وفي نسخة صحيحة فما يخلفهم بكسر اللام المشددة من خلفت فلانا ورائي إذا جعلته متأخرا عنك والمعنى فلا يجاوزهم حتى يخر بكسر معجمة وتشديد راء أي حتى يسقط الطائر ميتا بتشديد التحتية ويخفف قال المظهر يعني يطير الطائر على أولئك الموتى فما وصل إلى آخرهم حتى يخر ويسقط ميتا من نتنهم أو من طول مسافة مسقط الموتى وقال الطيبي رحمه الله تعالى والمعنى الثاني ينظر إلى قول البحتري في وصف بركة لا يبلغ السمك المحصور غايتها لبعد ما بين قاصيهاودانيها فيتعاد بصيغة المعلوم وقيل بالمجهول من باب التفاعل والمعنى يعد بنو الأب أي جماعة حضروا تلك الحرب كلهم أقارب كانوا مائة فلا يجدونه الضمير المنصوب لمائة بتأويل المعدود أو العدد أي فلا يجدون عددهم


أو لبني الأب لأنه ليس بجمع حقيقة لفظا بل معنى كذا قيل والحاصل أن بني الأب بمعنى القوم والقوم مفرد اللفظ جمع المعنى فروعي كل منهما حيث قال فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد وخلاصة المعنى أنهم يشرعون في عد أنفسهم فيشرع كل جماعة في عد أقاربهم فلا يجدون من مائة إلا واحدا وزبدته أنه لم يبق من مائة إلا واحد فبأي غنيمة يفرح الفاء تفريعية أو فصيحة قال الطيبي رحمه الله هو جزاء شرط محذوف أبهم أولا في قوله إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة حيث أطلقه ثم بينه بقوله


عد الخ بأن ذلك مقيد بهذه الصفة فحينئذ يصح أن يقال فإذا كان كذلك فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث الظاهر أنه بالرفع أي فأي ميراث يقسم وأو للتنويع وفي النسخ بالجر فالمعنى فبأي ميراث تقع القسمة وتأخير الميراث مع تقدمه سابقا نظيره قوله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم آل عمران الآية فبينا هم كذلك إذ سمعوا أي المسلمون ببأس بموحدة وهمزة ساكنة ويبدل أي بحرب شديد هو أكبر أي أعظم من ذلك أي مما سبق والمراد بالبأس أهله بارتكاب أحد المجازين المشهورين فجاءهم أي المسلمين الصريخ فعيل من الصراخ وهو الصوت أي صوت المستصرخ وهو المستغيث إن الدجال بفتح أن ويكسر قد خلفهم بتخفيف اللام أي قعد مكانهم في ذراريهم بتشديد الياء أي أولادهم وفي رواية في أهليهم فيرفضون بضم الفاء أي فيتركون ويلقون ما في أيديهم أي من الغنيمة وسائر الأموال فزعا على الأهل والعيال ويقبلون من الإقبال أي ويتوجهون إلى الدجال فيبعثون أي يرسلون عشر فوارس جمع فارس أي راكب فرس طليعة وهو من يبعث ليطلع على حال العدو كالجاسوس فعيلة بمعنى فاعلة يستوي فيه الواحد والجمع وإنما قال عشر نظر إلى أن الفوارس طلائع قال رسول الله إني لأعرف أسماءهم أي العشرة وأسماء آبائهم وألوان خيولهم فيه مع كونه من المعجزات دلالة على أن علمه تعالى محيط بالكليات والجزئيات من الكائنات وغيرها هم خير فوارس أو من خيبر فوارس ظاهره أنه شك من الراوي على ظهر الأرض احتراز من الملائكة يومئذ أي حينئذ وهو احتراز من العشرة المبشرة وأمثالهم رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال هل سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر قالوا نعم يا رسول الله قال شارح هذه المدينة في الروم وقيل الظاهر أنها قسطنطينية ففي القاموس قسطنطينية دار ملك الروم وفتحها من أشراط الساعة وتسمى بالرومية بوزنطيا وارتفاع سوره أحد وعشرون ذراعا وكنيستها مستطيلة وبجانبها


عمود عال في دور أربعة أبواع تقريبا وفي رأسه فرس من نحاس وعليه فارس وفي إحدى يديه
كرة من ذهب وقد فتح أصابع يده الأخرى مشيرا بها وهو صورة قسطنيطين بانيها اه ويحتمل أنها مدينة غيرها بل هو الظاهر لأن قسطنطينية تفتح بالقتال الكثير وهذه المدينة تفتح بمجرد التهليل والتكبير قال لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق قال المظهر من أكراد الشام هم من بني إسحاق النبي عليه الصلاة والسلام وهم مسلمون اه وهو يحتمل أن يكون معهم غيرهم من بني إسماعيل وهم العرب أو غيرهم من المسلمين واقتصر على ذكرهم تغليبا لهم على من سواهم ويحتمل أن يكون الأمر مختصا بهم فإذا جاؤوها أي المدينة نزلوا أي حواليها محاصرين أهلها فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم تخصيص بعد تعميم لتأكيد إفادة عموم النفي قالوا استئناف أو حال لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط بصيغة المضارع أحد جانبيها أي أحد طرفي سور المدينة قال ثور بن يزيد الراوي قال المؤلف في فصل التابعين هو كلاعي شامي حمصي سمع خالد بن معدان روى عنه الثوري ويحيى بن سعيد له ذكر في باب الملاحم لا أعلمه أي لا أظن أبا هريرة إلا قال الذي في البحر أحد جانبيها الذي في البحر والمعنى لكني لا أجزمه ويمكن أن يكون هذا منه ردا على من نازعه ممن سمع الحديث عن أبي هريرة بغير هذا القيد وبهذا يندفع ما قال الطيبي رحمه الله تعالى هذا إشارة إلى أن ما وقع في نسخ المصابيح من قوله الذي في البحر مدرج من قول الراوي ثم يقولون أي المسلمون الثانية أي الكرة الثانية لا إله إلا الله والله أكبر فسقط بصيغة الماضي تفننا وتحققا جانبها الآخر أي الذي في البر ثم يقولون الثالثة لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج بتشديد الراء المفتوحة أي فيفتح لهم والظرف نائب الفاعل فيدخلونها فيغنمون أي ما فيها فبينا هم يقتسمون المغانم أي يريدون الاقتسام ويشرعون فيه إذ جاءهم الصريخ فقال إن الدجال قد خرج فيتركون كل شي


أي من الغنائم وغيرها من الأنفال ويرجعون أي سريعا لمقابلة الدجال ومساعدة الأهل والعيال رواه مسلم

الفصل الثاني
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رسول الله عمران بيت المقدس بالتخفيف وتشدد وعمرانه بضم العين وسكون الميم أي عمارته بكثرة الرجال والعقار والمال خراب يثرب أي وقت خراب المدينة قيل لأن عمرانه باستيلاء الكفار وفي الأزهار قال بعض الشارحين المراد بعمران بيت المقدس عمرانه بعد خرابه فإنه يخرب في آخر الزمان ثم يعمره الكفار والأصح أن المراد بالعمران الكمال في العمارة أي عمران بيت المقدس كاملا مجاوزا عن الحد وقت خراب يثرب فإن بيت المقدس لا يخرب قال ابن الملك وأما الآن فقد عمره السلطان الملك الناصر واستخرج فيه العيون وأجرى فيه المياه جزاه الله خيرا قلت وزاد بنو عثمان حفظهم الله من آفات الدوران في عمارته وأرزاقه وتكياته لكنه مع هذا لم يبلغ عمارة المدينة المعطرة وخراب يثرب خروج الملحمة أي ظهور الحرب العظيم قال ابن الملك قيل بين أهل الشام والروم والظاهر أنه يكون بين تاتار والشام قلت الأظهر هو الأول لما في الحديث السابق ولما سيأتي في الحديث اللاحق ولقوله وخروج الملحمة فتح قسطنطينية وفتح قسطنطينية وفي نسخة بالتعريف خروج الدجال قال الأشرف لما كان بيت المقدس باستيلاء الكفار عليه وكثرة عمارتهم فيها أمارة مستعقبة بخراب يثرب وهو أمارة مستعقبة بخروج الملحمة وهو أمارة مستعقبة بفتح قسطنطينية وهو أمارة مستعقبة بخروج الدجال جعل النبي كل واحد عين ما بعده وعبر به عنه اه وخلاصته أن كل واحد من هذه الأمور أمارة لوقوع ما بعده وإن وقع هناك مهلة قال الطيبي رحمه الله فإن قلت قال هنا فتح القسطنطينية خروج الدجال وفي الحديث السابق إذا صاح فيهم الشيطان أن المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون وذلك باطل فكيف الجمع بينهما قلت إنه جعل الفتح علامة لخروج الدجال لا إنها مستعقبة له من غير تراخ وصراخ الشيطان كان


للإيذان بأنه واقع ليشتغلوا عن القسم وكان باطلا يدل عليه الحديث الآتي الملحمة العظمى فتح القسطنيطية
وخروج الدجال في سبعة أشهر والتعريف في الصارخ في هذا الحديث للعهد والمعهود الشيطان أقول والذي يظهر أن القضية متعددة وأن المسلمين كانوا متفرقة وأن المدينة غير القسطنطينية إذ قصة القسطنطينية كانت بالمقاتلة وفتح المدينة إنما هو بالتهليل والتكبير من غير المحاربة فحينئذ يحمل صريخ الشيطان بالنسبة إلى غزاة قسطنطينية وصريخ المسلمين إلى أصحاب فتح المدينة وأن كلا من الفريقين تركوا الغنائم وتوجهوا إلى قتال الدجال والله تعالى أعلم بالحال رواه أبو داود أي وسكت عليه كما ذكره ميرك ورواه أحمد عن معاذ أيضا وعنه أي عن معاذ قال الملحمة العظمى وفي الجامع الملحمة الكبرى قيل هي التي يتعاد فيها بنو الأب ولا يجدون من مائة إلا واحدا كما مر لكن الأظهر أن المراد بها فتح المدينة حيث فتحت بعظمة أسماء الله الحسنى ولذا صح عطف قوله وفتح القسطنطينية وهي بلام التعريف هنا إذا الأصل في العطف التغاير مع انضمامه إلى التبادر وخروج الدجال في سبعة أشهر أي باعتبار توجه المسلمين إلى البلدتين وظهور الدجال وأما باعتبار فتحهما فهو متعاقب لهما من غير تراخ بينهما رواه الترمذي وأبو داود وكذا ابن ماجه ذكره السيد جمال الدين رحمه الله وفي الجامع رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وعن عبد الله بن بسر بضم موحدة وسكون مهملة أن رسول الله قال بين الملحمة وفتح المدينة أراد بأحدهما المدينة السابقة وبالأخرى القسطنطينية وهذا نص في المغايرة بينهما وقوله ست سنين مشكل مخالف لما تقدم ويمكن أن يقال اللام في الملحمة غير القسطنطينية من سائر الملاحم فاللام للعهد بالنظر إلى ملحمة سابقة ويدل عليه أنها ما وصفت بالعظمى ونحو ويخرج الدجال في السابعة أي في السنة السابعة في آخر


السادسة التي فيها فتح المدينة وأول السابعة التي رجع المسلمون عنها إلى الدجال وأما ما قيل من أنه لا يبعد من أن يشتبه سبع سنين بسبعة أشهر ففي غاية من البعد رواه أبو داود وكذا ابن ماجه وقال هذا أصح أي من الحديث السابق ففيه دلالة على أن التعارض ثابت والجمع ممتنع والأصح هو المرجح وحاصله أن بين الملحمة العظمى وبين خروج الدجال سبع سنين أصح من سبعة أشهر وعن ابن عمر قال يوشك المسلمون أن يحاصروا على بناء المجهول أي يحبسوا ويضطروا ويلجتؤا إلى المدينة أي مدينة النبي لمحاصرة العدو إياهم أو يفر المسلمون من الكفار ويجتمعون بين المدينة وسلاح وهو موضع قريب من خيبر أو بعضهم دخلوا في حصن المدينة وبعضهم ثبتوا حواليها احتراسا عليها وهذا المعنى أظهر بقوله حتى يكون أبعد مسالحهم بفتح الميم سلاح بفتح السين وقد ضبط برفعه مضموما على أنه اسم مؤخر والخبر قوله أبعد وفي نسخة برفعه منونا وفي أخرى بكسر الحاء ففي القاموس سلاح كسحاب وقطام موضع أسفل خيبر وقال ابن الملك سلاح هو منون في نسخة ومبني على الكسر في أخرى وقيل مبني على الكسر في الحجاز غير منصرف في بني تميم ثم في النهاية المسالح جمع المسلح والمسلحة القوم الذين يحفظون الثغور من العدو وسموا مسلحة لأنهم يكونون ذوي سلاح أو لأنهم يسكنون المسلحة وهي كالثغر والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له وسلاح قريب أي موضع قريب من خير وهذا تفسير من الراوي والمعنى أبعد ثغورهم هذا الموضع القريب من خيبر وهذا يدل على كمال التضييق عليهم وإحاطة الكفار حواليهم رواه أبو داود وعن ذي مخبر بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الموحدة ابن أخي النجاشي خادم النبي روى عنه خيبر ابن نفير وغيره يعد في الشاميين ذكره المؤلف قال سمعت رسول الله يقول ستصالحون الروم الخطاب للمسلمين صلحا مفعول مطلق من غير بابه أو بحذف الزوائد آمنا بالمد


صفة صلحا أي صلحا ذا أمن أو على أن الإسناد
مجازي فتغزون أنتم أي فتقاتلون أيها المسلمون وهم أي الروم المصالحون معكم عدوا من ورائكم أي من خلفكم فتنصرون بصيغة المفعول أي فينصركم الله عليهم وتغنمون أي الأموال وتسلمون أي من القتل والجرح في القتال ثم ترجعون أي عن عدوكم حتى تنزلوا أي أنتم وأهل الروم بمرج بفتح فسكون أي روضة وفي النهاية أرض واسعة ذات نبات كثيرة ذي تلول بضم التاء جمع تل بفتحها وهو موضع مرتفع فيرفع رجل من أهل النصرانية وهم الأروام حينئذ الصليب وهو خشبة مربعة يدعون أن عيسى عليه الصلاة والسلام صلب على خشبة كانت على تلك الصورة فيقول أي الرجل منهم غلب الصليب أي غلبنا ببركة الصليب فيغضب رجل من المسلمين حيث نسب الغلبة لغير الحبيب فيدقه أي فيكسر المسلم الصليب فعند ذلك تغدر الروم بكسر الدال أي تنقض العهد وتجمع أي رجالهم ويجتمعون للملحمة أي للقتال أو للمقتلة وزاد بعضهم أي الرواة فيثور أي يعدو ويقوم المسلمون إلى أسلحتهم أي مسرعين وناهضين إليها فيقتتلون أي معهم فيكرم الله تلك العصابة أي الجماعة من المسلمين بالشهادة وجعلهم الله شهداء أحياء عند ربهم يرزقون فرحين آل عمران رواه أبو داود وكذا ابن ماجه وسكت عليه أبو داود ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح ذكره ميرك وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بالواو عن النبي قال اتركوا الحبشة في القاموس الحبش والحبشة محركتين جنس من السودان ما تركوكم أي ما دام أنهم تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة أي كنزا مدفونا تحت الكعبة وقيل مخلوقا فيها وقيل المراد ما يجمعه أهل السدانة من هدايا الكعبة كذا في الأزهار إلا ذو السويقتين أي صاحب دقيق الساقين من الحبشة أي هو منهم ويكون أميرهم أو المراد به جنس الحبش لكون هذا الوصف غالبا فيهم قال النووي هما تصغير ساقي الإنسان لدقتها وهي صفة سوق السودان غالبا ولا يعارض هذا قوله تعالى حرما آمنا القصص لأن معناه آمنا إلى


قرب القيامة وخراب الدنيا وقيل يخص منه قصة ذي السويقتين وقال القاضي عياض
رحمه الله القول الأول أظهر أقول الأظهر أنه تعالى جعله حرما آمنا باعتبار غالب الأحوال كما يدل عليه قضية ابن الزبير وقصة القرامطة ونحوهما المراد بجعله حرما آمنا أنه حكم بأنهم يؤمنون الناس ولا يتعرضون لأحد فيه كما أجاب بهذا بعض أهل التوفيق لما قال رئيس أهل الزندقة من القرامطة بعد ما فعلوا من الفساد من قبل العباد وخراب البلاد فأين كلام الله ومن دخله كان آمنا آل عمران فقال إنما معناه فآمنوا من دخله ولا تتعرضوا في مدخله بنهبه أو قتله رواه أبو داود وكذا الحاكم في مستدركه وعن رجل من أصحاب النبي قال دعوا الحبشة أي اتركوهم ما ودعوكم بتخفيف الدال أي ما تركوكم قال التوربشتي فلما يستعملون الماضي منه إلا ما روي في بعض الأشعار كقول القائل غاله في الحب حتى ودعه ويحتمل أن يكون الحديث ما وادعوكم أي ما سالموكم فسقط الألف من قلم بعض الرواة قال الطيبي رحمه الله لا افتقار إلى هذا الطعن مع وروده في التنزيل الكشاف في قوله تعالى ما ودعك ربك الضحى وقرىء بالتخفيف يعني ما تركك قال وثم ودعنا إلى عمر وعامر ولأن لفظ الازدواج ورد العجز على الصدر يجوز لذلك وقد جاء في كلامهم إني لآتيه بالغدايا والعشايا وقوله ارجعن مأزورات غير مأجورات قال المظهر كلام النبي متبوع لا تابع بل فصحاء العرب عن آخرهم بالإضافة إليه بأقل وأيضا فلغات العرب مختلفة منهم من انقرض لغته وأتى بها قال شمر زعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدره وماضيه والنبي أفصح أقول فأحياهما باستعمال الماضي في هذا الحديث وبالمصدر في الحديث الذي رواه أحمد ومسلم وغيرهما عن ابن عباس وابن عمر مرفوعا لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين هذا وهو من باب الشاذ الموافق للقياس المخالف للإستعمال كالمسجد ونظائره واتركوا الترك


ما تركوكم قال الخطابي اعلم أن الجمع بين قوله تعالى قاتلوا المشركين كافة التوبة وبين هذا الحديث أن الآية مطلقة والحديث مقيد فيحمل المطلق على المقيد ويجعل الحديث مخصصا لعموم الآية كما خص ذلك في حق المجوس فإنهم كفرة ومع ذلك أخذ منهم الجزية لقوله سنوا بهم سنة أهل الكتاب قال الطيبي رحمه الله ويحتمل أن تكون الآية ناسخة للحديث لضعف الإسلام وأما تخصيص الحبشة والترك بالترك والودع فلأن بلاد الحبشة وغيره بين المسلمين وبينهم مهامه وقفار فلم يكلف المسلمين دخول ديارهم لكثرة التعب وعظمة المشقة وأما الترك فبأسهم شديد وبلادهم باردة والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارة فلم يكلفهم دخول البلاد فلهذين السرين خصصهم وأما إذا دخلوا بلاد المسلمين قهرا والعياذ بالله فلا يجوز لأحد ترك القتال لأن الجهاد في هذه الحالة فرض عين وفي الحالة الأولى فرض كفاية قلت وقد أشار إلى هذا المعنى حيث قال ما تركوكم وحاصل الكلام أن الأمر في الحديث للرخصة والإباحة لا للوجوب ابتداء أيضا فإن المسلمين قد حاربوا الترك والحبشة بادين وإلى الآن لا يخلو زمان عن ذلك وقد أعز الله الإسلام وأهله فيما هنالك رواه أبو داود والنسائي وروى الطبراني عن ابن مسعود مرفوعا ولفظه اتركوا الترك ما تركوكم فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء ففي النهاية هي جارية إبراهيم الخليل ولدت له أولادا منهم الترك والصين اه وسيأتي زيادة تحقيق لهذا في حديث أبي بكرة وعن بريدة عن النبي في حديث يقاتلكم ظاهره أن يكون بالإضافة لكنه في جميع النسخ بالتنوين وفك الإضافة فالوجه أن قوله يقاتلكم خبر مبتدأ محذوف أي هو يقاتلكم الخ والجملة صفة حديث والمعنى في حديث هو أن ذلك الحديث يقاتلكم قوم صغار الأعين يعني الترك تفسير من الراوي وهو الصحابي أو التابعي قال أي النبي أو قال ابن مسعود مرفوعا تسوقونهم من السوق أي يصيرون مغلوبين مقهورين منهزمين بحيث


أنكم تسوقونهم ثلاث مرات أي من السوق حتى تلحقوهم أي توصلوهم آخرا بجزيرة العرب قيل هي اسم لبلاد العرب سميت بذلك لإحاطة البحار والأنهار بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات وقال مالك هي الحجاز واليمامة واليمن وما لم يبلغه ملك فارس والروم ذكره الطيبي رحمه الله وتبعه ابن الملك فأما في السياقة الأولى فينجو أي يخلص
من هرب منهم أي من الترك وأما في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض أما بنفسه أو بأخذه وإهلاكه وهو الظاهر وأما في الثالثة فيصطلمون بصيغة المجهول أي يحصدون بالسيف ويستأصلون من الصلم وهو القطع المستأصل أو كما قال أي قال غير هذا اللفظ مما يكون بمعناه وهذا من غاية ورع الراوي حيث لم يرض أن يكون النقل بالمعنى رواه أبو داود وعن أبي بكرة بالتاء أن رسول الله قال ينزل أناس بضم الهمزة لغة في ناس من أمتي بغائط أي بغائر من الأرض ذكره شارح وفي الفائق أي بواد مطمئن يسمونه البصرة بفتح الموحدة وفي نسخة بكسرها وفي القاموس البصرة بلدة معروفة ويحرك ويكسر الصاد أو هو معرب بسرة أي كثير الطرق عند نهر بفتح الهاء ويسكن يقال له دجلة بكسر الدال ويفتح نهر بغداد يكون عليه جسر أي قنطرة ومعبر يكثر أهلها أي أهل البصرة وفي حاشية الشفاء للحلبي البصرة مثلث الباء والفتح أفصح بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ولم يعبد الصنم قط على ظهرها والنسبة إليها بالكسر والفتح قال المغني والكسر في النسبة أفصح من الفتح قلت ولعله لمجاورة كسر الراء هذا وقد قال الأشرف أراد بهذه المدينة مدينة السلام بغداد فإن دجلة هي الشط وجسرها في وسطها لا في وسط البصرة وإنما عرفها النبي ببصرة لأن في بغداد موضعا خارجيا منه قريبا من بابه يدعى باب البصرة فسمى النبي بغداد باسم بعضها أو على حذف المضاف كقوله تعالى واسئل القرية يوسف وبغداد ما كانت مبنية في عهد النبي على هذه الهيئة ولا كان مصرا من الأمصار في عهده ولذا قال ويكون من أمصار


المسلمين بلفظ الاستقبال بل كان في عهده قرى متفرقة بعد ما خربت مدائن كسرى منسوبة إلى البصرة محسوبة من أعمالها هذا وإن أحدا لم يسمع في زماننا بدخول الترك بصرة قط على سبيل القتال والحرب ومعنى الحديث أن بعضا من أمتي ينزلون عند دجلة ويتوطنون ثمة ويصير ذلك الموضع مصرا من أمصار المسلمين وهو بغداد وإذا كان اسمه مضمرا في آخر الزمان جاء بنو قنطورا بفتح القاف وسكون النون مقصورا وقد يمد أي يجيئون ليقاتلوا أهل بغداد وقال بلفظ جاء دون يجيء إيذانا بوقوعه فكأنه قد وقع وبنو قنطورا اسم أبي الترك وقيل اسم جارية كانت للخليل عليه الصلاة والسلام ولدت له أولادا جاء من نسلهم الترك


وفيه نظر فإن الترك من أولاد يافث بن نوح وهو قبل الخليل بكثير كذا ذكره بعضهم ويمكن دفعه بأن الجارية كانت من أولاد يافث أو المراد بالجارية بنت منسوبة للخليل لكونها من بنات أولاده وقد تزوجها واحد من أولاد يافث فأتت بأبي هذا الجيل فيرتفع الإشكال بهذا القال والقيل ويصح انتسابهم إلى يافث والخليل عراض الوجوه بدل أو عطف بيان وكذا قوله صغار الأعين حتى ينزلوا على شط النهر فيتفرق أهلها ثلاث فرق بكسر ففتح جمع فرقة فرقة بالرفع ويجوز نصبها يأخذون في أذناب البقر من أخذ في الشيء شرع فيه وقوله في البرية تتميم وتذييل لأن أخذ أذناب البقر لا يكون غالبا إلا في البرية الخارجة عن المدينة التي يعبر عنها بالبحرية ومنه قوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر الروم أو المراد بقوله في البرية اختيار العزلة وإيثار الصحراء والخلاء على البلد واجتماع الملأ فعلى الأول صفة أو حال وعلى الثاني بدل كل أو بعض ويمكن أن تكون في تعليلية وقوله وهلكوا فذلكة ونتيجة لأفعالهم والمعنى أن فرقة يعرضون عن المقاتلة هربا منها وطلبا لخلاص أنفسهم ومواشيهم ويحملون على البقر فيهيمون في البوادي ويهلكون فيها أو يعرضون عن المقاتلة ويشتغلون بالزراعة ويتبعون البقر للحراثة إلى البلاد الشاسعة فيهلكون قال الطيبي رحمه الله قوله يأخذون في أذناب البقر على معنى يوقعون الأخذ في الأذناب كقوله يجرح في عراقيبها نصلي وكأنهم يبالغون في الاشتغال ولا يعبؤون بأمر آخر أو يوغلون في السير خلفها إلى البلاد الشاسعة فيهلكون فيها وفرقة يأخذون أي يطلبون أو يقبلون الأمان من بني قنطوراء لأنفسهم وهلكوا أي بأيديهم ولعل المراد بهذه الفرقة المستعصم بالله ومن معه من المسلمين طلبوا الأمان لأنفسهم ولأهل بغداد وهلكوا بأيديهم عن آخرهم وقال شارح أراد النبي بالبصرة بغداد لأن بغداد كانت قرية في عهد النبي من قرى البصرة إطلاقا لاسم الجزء على الكل فالواقعة وقعت كما ذكره النبي


وإن أراد البصرة المعهودة فلعله يقع بعد
ذلك إذ لم يسمع أن الكفار نزلوا بها قط للقتال وفرقة يجعلون ذراريهم أي أولادهم الصغار ونساءهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء أي الكاملون والمعنى أن فرقة ثالثة هم الغازية المجاهدة في سبيل الله قاتلوا الترك قبل ظهورهم على أهل الإسلام فاستشهد معظمهم ونجت منهم شرذمة قليلون كذا ذكره الأشرف وقال غيره وهذا من معجزاته فإنه وقع كما أخبر وكانت هذه الواقعة في صفر سنة ست وخمسين وستمائة رواه أبو داود وعن أنس أن رسول الله قال يا أنس إن الناس يمصرون بتشديد الصاد أمصارا بفتح الهمزة جمع مصر أي يتخذون بلادا والتمصير اتخاذ المصر على ما ذكره الطيبي رحمه الله فالتقدير يتخذون أمصارا ففيه تجريد وقال شارح أي يضعون أساس مصر وبناءه وإن مصرا منها أي من الأمصار ويقال له البصرة فإن أنت مررت بها أو دخلتها أو للتنويع لا للشك فإياك وسباخها أي فاخذر سباخها وهو بكسر السين جمع سبخة بفتح فكسر أي أرض ذات ملح وقال الطيبي رحمه الله هي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تثبت إلا بعض الشجر وكلاءها بفتح الكاف وتشديد اللام ممدودا موضع بالبصرة وقال شارح هو شط النهر وهو موضع حبس السفينة وقيل هو موضع الرعي ويؤيده ما في بعض النسخ بالتخفيف والقصر وقد اقتصر عليه نسخة السيد جمال الدين رحمه الله هذا وقوم يجعلون كلاء البصرة اسم من كل على فعلاء ولا يصرخونه والمعنى أنه موضع تكل فيه الريح عن عملها في غير هذا الموضع فكان الحذر عنها لعفونة هواء ونخيلها إما لشبهة فيها أو لخوف غرة بها وسوقها إما لحصول الغفلة فيها أو لكثرة اللغو بها أو فساد العقود ونحوها وباب أمرائها أي لكثرة الظلم الواقع بها وعليك بضواحيها جمع الضاحية وهي الناحية البارزة للشمس وقيل المراد بها جبالها وهذا أمر بالعزلة فالمعنى الزم نواحيها فإنه يكون بها قيل الضمير للسباخ والصواب للمواضع المذكورة خسف أي ذهاب في الأرض وغيبوبة


فيها وقذف أي ريح شديدة باردة أو قذف الأرض الموتى بعد دفنها أو رمي أهلها بالحجارة بأن تمطر عليهم ورجف أي زلزلة شديدة وقوم يبيتون أي أهل ذلك المصر قوم يبيتون بحذف المبتدأ أو فيها قوم بحذف الخبر كذا قاله الشارح والظاهر أن قوم عطف على خسف أي يكون بها قوم يمسون طيبين ويصبحون قردة أي شبابهم وخنازير أي شيوخهم قال الطيبي رحمه الله المراد به المسخ وعبر عنه بما هو أشنع اه وقيل
في هذا إشارة إلى أن بها قدرية لأن الخسف والمسخ إنما يكون في هذه الأمة للمكذبين بالقدر رواه هنا بياض في الأصل وقال الجزري رواه أبو داود من طريق لم يجزم بها الراوي بل قال لا أعلمه إلا عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك وعن صالح بن درهم بكسر الدال وفتح الهاء وفي القاموس درهم كمنبر وزبرج معلوم قال المؤلف بأهلي روى عن أبي هريرة وسمرة وعنه شعبة والقطان ثقة يقول انطلقنا حاجين أي ذهبنا مريدين الحج فإذا رجل المراد به أبو هريرة وهو مبتدأ خبره محذوف وقوله فقال عطف عليه أي فإذا رجل واقف فقال لنا إلى جنبكم قرية بحذف الاستفهام يقال لها الأبلة بضم الهمزة والباء وتشديد اللام البلد المعروف قرب البصرة من جانبها البحري كذا في النهاية وهي أحد المنتزهات الأربع وهي أقدم من البصرة قال الأصمعي هي اسم نبطي ذكره ميرك عن التصحيح وقال شارح هي من جنان الدنيا وهي أربع أبلة البصرة وغوطة دمشق وسفد سمرقند وشعب بوان ثم قيل بوان هو كرمان وقيل نوبندجان في الفارس قلنا نعم قال من يضمن استفهام للإلتباس والسؤال والمعنى من يتقبل ويتكفل لي أي لأجلي منكم أ يصلي لي أي بنيتي في مسجد العشار بفتح العين المهملة وتشديد الشين المعجمة مسجد مشهور يتبرك بالصلاة فيه ذكره ميرك ركعتين أو أربعا أي أربع ركعات وأو للتنويع أو بمعنى بل ويقول أي عند النية أو بعد فراغ الصلاة هذه أي الصلاة أو ثوابها لأبي هريرة قيل فإن قيل الصلاة عبادة بدنية ولا تقبل النيابة فما معنى قول أبي


هريرة قلنا يحتمل أن يكون هذا مذهب أبي هريرة قاس الصلاة على الحج وإن كان في الحج شائبة مالية ويحتمل أن يكون معناه ثواب هذه الصلاة لأبي هريرة فإن ذلك جوزه بعضهم كذا ذكره الطبيي رحمه الله وقال علماؤنا الأصل في الحج عن الغير أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره من الأموات والأحياء حجا أو صلاة أو صوما أو صدقة أو غيرها كتلاوة القرآن والأذكار فإذا فعل شيئا من هذا وجعل ثوابه لغيره جاز ويصل إليه عند أهل السنة والجماعة سمعت خليلي قال التوربشتي رحمه الله قد سبق منه هذا القول في عدة أحاديث وكأنه قول لم يصدر عن رواية بل كان الباعث عليه ما عرف من قلبه من صدق المحبة ولو تدبر القول لم يلتبس عليه كون ذلك زائغا عن نهج الأدب وقد قال لو كنت متخذا من الناس خليلا لأتخذت أبا بكر خليلا وقال إني


أبرأ إلى كل خليل من خلته فليس لأحد أن يدعي خلته مع براءته عن خلة كل خليل قال الطيبي رحمه الله لو تأمل حق التأمل ما ذهب إلى ما ذهب إليه لأن المحب من فرط المحبة وصدق الوداد يرفع الاحتشام من البين لا سيما إذا امتد زمان المفارقة على أنه نسب الخلة إلى جانبه لا إلى رسول الله لأنه رضي الله عنه مذ أسلم ما فارق حضرة الرسالة مع شدة احتياجه وفاقته والناس مشتغلون بتجارتهم وزروعهم أقول قوله لأن صدق الوداد يرفع الاحتشام من البين الخ كلام مدخول وتعليل معلول إذ مثل هذا لا يقال إلا في المتساويين من المتصاحبين ولا يقاس الملوك بالحدادين فأين منصب صاحب النبوة والرسالة عن مرتبة أبي هريرة في الحضرة أو الغيبة حتى يعبر عنه بأنه خليله بأي معنى يكون سواء من إضافة الوصف إلى فاعله أو مفعوله ومن المعلوم أن مثل هذا لو صدر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأنكر عليه لأنه بظاهره مصادم لقوله لو كنت متخذا الحديث هذا وقد قيل في سبب تسمية إبراهيم بالخليل أنه بعث إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه فقال خليله لو كان إبراهيم يطلب الميزة لنفسه لفعلت ولكنه يريدها للأضياف فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملأوا منها الغرائر حياء من الناس فلما أخبروا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ساءه الخبر فحملته عيناه وعمدت امرأته إلى غرارة منها فأخرجت أحسن حواري واختبزت واستنبه فاشتم رائحة الخبز فقال من أين لكم هذه فقالت امرأته من خليلك المصري فقال بل من عند خليلي الله فسماه الله خليلا هكذا ذكره في الكشاف قال النووي رحمه الله أصل الخلة الاختصاص والاستقصاء وقيل أصلها الانقطاع إلى من خاللت مأخوذ من الخلة وهي الحاجة فسمى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بذلك لأنه قصر حاجته إلى الله سبحانه وتعالى جل جلاله ولا إله غيره وقيل الخلة صفاء المودة التي توجب تخلل الأسرار وقيل معناها المحبة والالطاف هذا كلام القاضي رحمه الله وقال ابن الأنباري


الخليل معناه المحب الكامل المحبة والمحبوب الموفي بحقيقة المحبة الذي ليس في حبه نقص ولا خلل قال الواحدي هذا القول هو الاختيار لأن الله تعالى خليل إبراهيم وإبراهيم خليل الله ولا يجوز أن يقال الله تعالى خليل إبراهيم من الخلة التي هي حاجة اه وبه تبين أن الخلة بالمعاني التي ذكروها لا تصدق على أبي هريرة فكيف يسوغ له أن يخص نفسه من بين الأصحاب ويقول سمعت خليلي أبا القاسم بدل أو عطف بيان يقول فاعل سمعت إن الله عز وجل يبعث أي يحشر من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا يقوم أي من القبور أو في المرتبة مع شهداء بدر غيرهم ولم يعرف أنهم من شهداء هذه الأمة أو من الأمم السابقة رواه أبو داود وقال أي أبو داود هذا المسجد مما يلي النهر أي نهر الفرات
قال المؤلف وسنذكر حديث أبي الدرداء أن فسطاط المسلمين تمامه يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب المدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام في باب ذكر اليمن والشام إن شاء الله تعالى جل شأنه
الفصل الثالث


عن شقيق وهو ابن أبي سلمة أدرك زمن النبي ولم يره ولم يسمع منه وروى عن خلق من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود وكان خصيصا به من أكابر الصحابة وهو كثير الحديث ثقة حجة مات زمن الحجاج عن حذيفة أي ابن اليمان قال المؤلف هو صاحب سر رسول الله وقد روى عنه عمر وأبو الدرداء وغيرهم من الصحابة والتابعين مات بالمدائن بعد قتل عثمان بأربعين ليلة وقبره بها قال كنا عند عمر فقال أيكم يحفظ حديث رسول الله في الفتنة فقلت أنا أحفظ كما قال صفة مصدر محذوف أي أنا أحفظ مقوله حفظا مماثلا لما قال ذكره الطيبي رحمه الله فأحفظ متكلم لا تفضيل كما يتوهم قال هات بكسر التاء أي أعطني على ما في القاموس إنك لجريء فعيل من الجراءة وهي الإقدام على الشيء ومعناه أنك غير هائب قد تجاسرت على ما لا أعرفه ولا يعرفه أصحابك وادعيت أنك عرفت صريح القول ومن ثم قال هات وكيف قال أي النبي ولم قال الطيبي رحمه الله تعالى هو عطف على هات أي هات ما قال وبين كيفيته اه وقد يقال إن الظاهر بالنظر إلى حال حذيفة وما كان معلوما عندهم من أنه صاحب سر رسول الله فيما يقع من الفتن أن يكون المعنى إنك لجراءتك وكثرة مساءلتك أخذت عن النبي ما لم نأخذه منه فهات وبين قلت سمعت رسول الله يقول فتنة الرجل في أهله أي عياله من امرأته وجاريته أو أقاربه وماله ونفسه وولده وجاره أي وأمثال ذلك والمعنى أن الرجل يبتلى ويمتحن في هذه الأشياء ويسأل عن حقوقها وقد يحصل له ذنوب


من تقصيره فيها فينبغي أن يكفرها بالحسنات لقوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات هود وإليه أشار بقوله يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال عمر ليس هذا أريد قال الطيبي رحمه الله وذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه لما سأل أيكم يحفظ حديث رسول الله في الفتنة واحتمل أن يراد بالفتنة الاختبار والابتلاء كما في قوله تعالى ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين البقرة وأن يراد بها وقعة القتال وكان سؤاله عن الثاني قال ليس هذا أريد إنما أريد التي تموج كموج البحر أي تضطرب اضطراب البحر عند هيجانه وكني بذلك عن شدة المخاصمة وكثرة المنازعة وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة وإنما أنت عمر رضي الله تعالى عنه المشار إليه بعد ما ذكره باعتبار المذكور دلالة على فظاعة المشار إليه وأنها الداهية الدهياء قال قلت ما لك ولها استفهام إنكار أي أي شيء لك من الحاجة إلى تلك الفتنة وإلى سؤالها وما يترتب عليها من المحنة وأي شيء لها من الوصول إليك والحصول لديك فإنه ليس لك ولها اقتران واجتماع في زمان يا أمير المؤمنين يحتمل تعلقه بما قبله وما بعده أن بينك وبينها بابا مغلقا استئناف تعليل قال فيكسر الباب أي من شدته وصعوبته والاستفهام مقدر ولذا قابله بقوله أو يفتح أي من خفته وسهولته قال قلت لا أي لا يفتح فانصب النفي على الفعل القريب لكن لما كان موهما أن يتعلق بالفعلين جميعا استدركه وقال بل يكسر وفائدته التأكيد والتأبيد وقال الطيبي رحمه الله فإن قلت كان يكفي في الجواب أن يقول يكسر فلم أتي بلا وبل قلت للتنبيه على أن هذا ليس من مقام الترديد في الكسر لظهوره فلا يسأل بأم المعادلة كما سبق مرارا اه ولا يخفى ما فيه من الاعتراض البارد على من هو من زبدة الفصحاء وعمدة البلغاء وكذا من دعوى الظهور الذي لا يتوهمه أحد من الأغبياء مع أن أم ليس موجودا في العبارة بل


الترديد إنما وقع بلفظ أو وفرق بينهما عند أرباب الإشارة بل الظاهر أنما هو الاعتراض على حذيفة في جوابه لما تقرر في محله من أن جواب أم المتصلة بالتعيين دون نعم أو لا لأنهما لا يفيدان التعيين بخلاف أو مع الهمزة كما إذا قلنا جاءك زيد أو عمرو فإنه يصبح جوابه بلا ونعم لأن المقصود بالسؤال أحدهما لا على التعيين أجاءك أولا ولا شك هذا المعنى غير مراد هنا في جوابه بل المراد التعيين وهو المقصود في الحكم بالكسر غايته أنه نفي مقابلة وهو الفتح أولا ثم أثبت الكسر لزيادة إفادة الحصر كما حقق في كلمة التوحيد فإنه لو قيل الله موجود أو ثابت أو محقق لم يفد نفي ما سواه فلذا عدل عنه إلى قوله لا إله إلا الله قال أي عمر رضي الله عنه ذاك كذا بلا لام في النسخ المصححة أي ذاك


الباب الذي من وصفه أن يكسر ولا يفتح أحرى أي حري وحقيق أن لا يغلق أبدا لأن الفتح قد يرجى إغلاقه بخلاف الكسر فإنه يبعد من الرجاء ذكره الطيبي ومما يقوي هذا المعنى ما رواه الترمذي عن ثوبان إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة قال أي الراوي وهو شقيق فقلنا لحذيفة هل كان عمر يعلم من الباب كان الظاهر أن يقال ما الباب فكأنهم تفرسوا أن المراد بالباب الشخص لا الباب الحقيقي كذا حققه الطيبي رحمه الله وفي الكسر شهادة على شهادة عمر رضي الله عنه فكأن ابن الخطاب كان باب الصواب ومفتاحا لعز الإسلام ومأمنا من الفتن بين الأنام فرضي الله تعالى عنه وأدخله دار السلام قال أي حذيفة نعم أي كان يعلم من الباب كما يعلم أي كعلمه أن دون غد أي قدامه ليلة والمعنى أن الغد لا يتصور إلا متأخرا عن حصول الليلة وكأنه جعل زمن الأمن في قوة اليوم الحاضر ووقت الفتن بمنزلة الغد الحاضر والحاجز بينهما في مرتبة ليل ساتر وما أحسن تعبير حذيفة رضي الله عنه عن ظهور يوم الفتنة بالغد الواقع بعد تحقق الظلمة المعبر عنها بالليلة لخفاء أمر الفتنة وشدة بلائها فإن الليل أدهى للويل وحاصله أن علمه بأنه هو الباب أمر ظاهر لا يشك فيه أحد من أولي الألباب إني حدثته استئناف فيه معنى التعليل أي ذكرت له حديثا أي ظاهرا ليس بالأغاليط وهي جمع الأغلوطة وهي المسألة التي يغلط بها قال الطيبي رحمه الله أراد أن ما ذكرت له لم يكن مبهما محتملا كالأغاليط بل صرحته تصريحا وفيه أنه قد آثر حذيفة الحرص على حفظ السر ولم يصرح لعمر بما سأل عنه وإنما كني عنه كناية أي لا يخرج من الفتن شيء في حياتك وكأنه مثل الفتن بدار مقابل لدار الأمن وحياته بباب مغلق وموته بفتح ذلك الباب ثم إنه كني بالكسر عن القتل وبالفتح عن الموت وحاصله أن لم يكن الكلام من باب الصريح بل من قبيل الرمز والتلويح لكن عمر ممن لا تخفى عليه الإشارة فضلا عن العبارة بل هو أيضا من أضحاب


الأسرار وأرباب الأنوار وإنما أراد بالسؤال تحقيق الحال وأنه هل بقي أحد من الصحابة ممن يكون هذا العلم منه على الباب ولذا جزم حذيفة بقوله نعم والله تعالى أعلم ثم قول الطيبي رحمه الله ولعله لهذا السر قال له عمر إنك لجريء وفيه نظر ظاهر لأن إظهار الحق المسموع من سيد الخلق لا يستبعد حتى يسمى جراءة على الرد فالصواب ما تقدم والله تعالى أعلم قال أي شقيق فهبنا بكسر الهاء من الهيبة أي فخشينا أن نسأل حذيفة من الباب أي في ذلك المجلس فقلنا لمسروق وهو تابعي جليل سله أي سل حذيفة فسأله فقال أي حذيفة عمر أي هو الباب بمعنى السد للفتنة عن الأصحاب والأحباب أو لأنه باب النطق بالصواب متفق عليه وفي الجامع فتنة الرجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره يكفرها الصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رواه الشيخان والترمذي وابن ماجه عن حذيفة وعن أنس قال فتح القسطنطينية مع قيام الساعة أي مع قرب قيامها وقد سبق تحقيق المباني وما يتعلق به من المعاني رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب أي إسنادا أو متنا والله تعالى أعلم وأحكم


باب أشراط الساعة
أي علامات القيامة ففي النهاية الأشراط العلامات واحدتها شرط بالتحريك وبه سميت شرط السلطان لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها هكذا قال أبو عبيدة وحكى الخطابي عن بعض أهل اللغة أنه أنكر هذا التفسير وقال أشراط الساعة ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم الساعة اه وكأنه أخذه مما ذكره صاحب القاموس أن الشرط محركة العلامة وأول الشيء ورذال المال وصغارها وهو لا ينافي أن يكون الشرط له معنيان كل واحد منهما يصلح للمقام فلا وجه للإنكار مع أن قوله ما ينكره الناس ليس على إطلاقه إذ قد يوجد في الناس من لا ينكر صغار أمور الساعة لما حصل له من علم اليقين من صاحب السيادة والسعادة أولا وزيادة عين اليقين في مقام المشاهدة آخرا
الفصل الأول
عن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول إن من أشراط


الساعة أن يرفع العلم أي يرتفع إما بقبض العلماء وإما بخفضهم عند الأمراء ويكثر الجهل أي بغلبة السفهاء ويكثر الزنا أي لأجل قلة الحياء ويكثر شرب الخمر بضم الشين وفتحها وقرىء بهما في المتواتر عند قوله تعالى فشاربون شرب الهيم الواقعة ويجوز كسرها ففي القاموس شرب كسمع شربا ويثلث ثم كثرة شرب الخمر مورثة لكثير من الفساد في البلاد والعباد فيحصل الاعتداء ويقل الرجال أي وجودهم المطلوب منهم نظام العالم ويكثر النساء أي ممن لا يتعلق بظهورهن الأمر الأهم بل وجودهن مما يكثر الغم والهم ويقتضي تحصيل الدينار والدرهم حتى يكون لخمسين امرأة القيم بكسر التحتية المشددة أي القائم الواحد أي المنفرد لمصالحهن وليس المراد أنهن زوجات له بل أعم منها ومن الأمهات والجدات والأخوات والعمات والخالات وفي رواية يقل العلم ويظهر الجهل والظاهر أنهما بدلان من يرفع ويكثر فالتقدير أن يقل العلم ويظهر الجهل ولعل هذه الرواية مبنية على أول الأمر فإن مآل آخره إلى رفع العلم بالكلية كما جاء في حديث رواه السجزي عن ابن عمر مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن والقرآن وفي حديث أحمد ومسلم والترمذي عن أنس لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله متفق عليه ورواه الترمذي وابن ماجه ذكره السيد جمال الدين رحمه الله وفي الجامع رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس بلفظ إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويفشو الزنا ويشرب الخمر ويذهب الرجال ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد وفي رواية لأحمد والشيخين عن ابن مسعود وأبي موسى مرفوعا إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم ويكثر فيها الهرج والمرج وهو القتل وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال سمعت النبي يقول إن بين يدي الساعة كذابين قال المظهر أراد منه كثرة الجهل وقلة العلم والإتيان بالموضوعات من الأحاديث وما يفترونه على رسول الله


ويحتمل أن يراد به ادعاء النبوة كما كان في زمانه
وبعد زمانه وأن يراد بهم جماعة يدعون أهواء فاسدة ويسندون اعتقادهم الباطل إليه كأهل البدع كلهم فاحذروهم رواه مسلم قال ابن الملك في شرح المشارق قوله فاحذروهم غير مذكور في صحيح مسلم لكن جاء في بعض روايات غيره وقيل أنه قول جابر اه وفي الجامع كلفظ المشكاة بكماله وقال رواه أحمد ومسلم عن جابر بن سمرة وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال بينما النبي لم يحدث أي يتكلم في أمر مع أصحابه إذ جاء أعرابي فقال متى الساعة قال إذا ضيعت بصيغة المفعول من التضييع وفي نسخة من الإضاعة الأمانة أي حين جعلت الأمانة ضائعة بالخيانة أو وضعت عند غير أرباب الديانة فانتظر الساعة أي فإنه من أشراط القيامة قال كيف إضاعتها هذا يؤيد النسخة أي كيف تضييع الأمانة والأمة قائمون بأمرها والعامة معتنون بقدرها قال إذا وسد بضم الواو وتشديد السين وقد تخفف على ما في المقدمة أي أسند وفوض الأمر أي أمر السلطنة أو الإمارة أو القضاء أو الحكومة إلى غير أهله أي ممن لم يوجد فيه شرائط الاستحقاق كالنساء والصبيان والجهلة والفسقة والبخيل والجبان ومن لم يكن قرشيا ولو كان من نسل سلاطين الزمان هذا في الخليفة وقس على هذا سائر أولي الأمر والشأن وأرباب المناصب من التدريس والفتوى والإمامة والخطابة وأمثال ذلك مما يفتخر به الأقران قال التوربشتي رحمه الله معناه أن يلي الأمر من ليس له بأهل فتلقى له وسادة الملك وأراد بالأمر الخلافة وما ينضم إليها من قضاء وإمارة ونحوها والتوسيد أخذ من الوساد يقال وسدته الشيء بالتخفيف فتوسده إذا جعله تحت رأسه ولفظة إلى فيها إشكال إذ كان من حقه أن يقال وسد الأمر لغير أهله فلعله أتى بها ليدل على إسناد الأمر إليه اه وفي القاموس إن إلى تأتي مرادفة للأمر نحو قوله تعالى والأمر إليك النمل اه ويريد أن المعنى والأمر لك لكن الأظهر أن يقال الأمر راجع إليك والأحسن في الحديث أن


يضمن معنى التفويض والإسناد كما أشرنا إليه أولا فانتظر الساعة للدلالة على قرب قيامها وإنما دل ذلك على دنو الساعة لإفضائه إلى اختلال الأمر وعدم تمام النظام ووهن أمور الدين وضعف أحكام الإسلام وقال الطيبي رحمه الله لأن تغير الولاة وفسادهم مستلزم لتغير الرعية وقد قيل الناس على دين ملوكهم قال القاضي رحمه الله أخرج
الجوابين مخرج الاستئناف للتأكيد ولأن السؤال الأول لما لم يكن مما يمكن أن يجيب عنه بجواب حقيقي يطابقه فإن تأقيت الساعة غيب لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل عدل عن الجواب إلى ذكر ما يدل على المسؤول عنه دلالة من أماراتها وسلك في الجواب الثاني مسلك الأول لينتسق الكلام قال الطيبي رحمه الله كان من حق الظاهر أن يكتفي عن جواب السؤال الأول بقوله إذا ضيعت الأمانة وأن يؤتى في السؤال الثاني بمتى ليطابق الجواب فزاد في الأول فانتظر الساعة لينبه على أن قوله إذا ضيعت الأمانة ليس إبان الساعة من أماراتها فلا تكون إذا شرطية وتأويل السؤال الثاني متى تضيع الأمانة وكيف حصول التضييع فقال إذا وسد الأمر فأطنب في الأول لإفادة معنى زائد واختصر في الثاني لدلالة الكلام عليه تفننا اه وفيه أنه يوهم أن قوله فانتظر الساعة غير موجود في الجواب الثاني والحال أن الأمر بخلافه بل هو موجود في الجوابين ولعله سقط من أصل الطيبي رحمه الله والله تعالى أعلم رواه البخاري ولفظ الجامع إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة رواه البخاري عن أبي هريرة وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى يكثر المال أي ابتلاء في الحال والمآل ويفيض بفتح الياء فيه وفيما قبله وهو عطف تفسير أي يسيل من كثرته من كل جانب كالسيل ليميل الخلق إليه كل الميل حتى يخرج بضم الياء أي يفرز الرجل زكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه أي لكثرة المال ولقلة الميل إليه بتشوش الحال وحتى تعود أرض العرب أي تصير أو ترجع مروجا بالضم أي رياضا كما


كانت بنباتاتها وأشجارها وأثمارها وأنهارا أي مياها كثيرة جارية في أنهارها وفي النهاية المرج الأرض الواسعة ذات نبات كثير تمرج فيه الدواب أي تخلى تسرح مختلطة كيف شاءت اه وفيه إشارة إلى ما قيل من أن الدنيا جنة الحمقى في أنهم يأكلون كما تأكل الأنعام غافلين عن العقبى رواه مسلم وفي رواية له أي لمسلم قال تبلغ المساكن أي تصل نهاية مساكن المدينة إهاب بكسر الهمزة وفتح الموحدة أو يهاب بكسر الياء التحتية وهو الأنسب للإزدواج المعتبر عند الفصحاء والبلغاء وفي نسخة صحيحة بفتحها وهما موضعان قرب المدينة فأو للتنويع وعدم


صرفهما باعتبار البقعة والمراد كثرة عمارة المدينة وما حولها وقال شارح أو نهاب بالنون المكسورة وروي بالياء المكسورة قال النووي رحمه الله أما إهاب فبكسر الهمزة وأما يهاب فبياء مثناة تحتية مفتوحة ومكسورة ولم يذكر القاضي في الشرح والمشارق إلا الكسر وحكى القاضي رحمه الله عن بعضهم نهاب بالنون والمشهور الأول وقد ذكر في الكتاب أنه موضع بقرب المدينة على أميال منها قال التوربشتي رحمه الله يريد أن المدينة يكثر سوادها حتى يتصل مساكن أهلها بإهاب أو يهاب شك الراوي في اسم الموضع أو كان يدعي بكلا الاسمين فذكر أو للتخيير بينهما وفي التصحيح على ما نقله ميرك أن قوله إهاب بكسر الهمزة ولم يصرفه على قصد البقعة ويهاب بياء آخر الحروف مكسورة كذا قيده عياض في المشارق وقيده غيره بالفتح وقيل فيه نهاب بالنون وكأنه تصحيف والشك فيه من الراوي وفي القاموس الإهاب ككتاب الجلد وكسحاب موضع قرب المدينة ولم يذكر فيه يهاب والله تعالى أعلم بالصواب وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله يكون أي يوجد في آخر الزمان خليفة أي سلطان بحق يقسم المال أي على المستحقين بالعدل ولا يخزنه كسلاطين زماننا ولا يعده بفتح الياء وضم العين والدال المشددة أي ويعطي كثيرا من غير عد وإحصاء بل يكون إحسانه جزافا قال ابن الملك رحمه الله ويحتمل كونه من الإعداد وهو جعل الشيء عدة وذخيرة أي لا يدخر لعدو ولا يكون له خزانة كفعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقد سبقه شارح حيث قال إما بفتح الياء وضم العين أي لا يحصيه أو بعد بضم الياء وكسر العين أي لا يدخره وهو كذا في بعض النسخ لكن يضعف هذا الاحتمال مبنى ومعنى قوله وفي رواية قال يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال بفتح الياء وكسر المثلثة أي يعطيه بالكفين حثيا مفعول مطلق أتى به للمبالغة أي حثيا بليغا ثم أكد ذلك بقوله ولا يعده عدا مصدر بين أن فعله ثلاثي لا رباعي قال النووي رحمه الله تعالى والحثو الذي


يفعله هذا الخليفة يكون لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه وقال ابن الملك السر فيه أن ذلك الخليفة يظهر له كنوز الأرض أو يعلم الكيمياء أو يكون من كرامته أن ينقلب الحجر ذهبا كما روي عن بعض الأولياء رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يوشك الفرات أن
يحسر بضم السين وكسرها أي يكشف عن كنز ففي النهاية يقال حسرت العمامة عن رأسي وحسرت الثوب عن بدني أي كشفتهما وقال شارح أي يظهر ويكشف نفسه عن كنزه فيه إشارة إلى أن حسر متعد وقال الخلخالي أحد شراح المصابيح أي سيظهر فرات عن نفسه كنزا ففيه إيماء إلى أنه وقع القلب في الكلام فهو من باب عرضت الناقة على الحوض وفي القاموس حسره يحسره ويحسره كشفه وحسر الشيء حسورا انكشف فالفعل متعد ولازم وعلى تقدير اللزوم لا يحتاج إلى تكلف فالأولى حمله عليه فالمعنى يقرب الفرات أن ينكشف عن كنز أي انكشافا صادرا عن كنز عظيم من ذهب أي كثير فمن حضر أي فالغائب بالأولى فلا يأخذ بصيغة النهي منه شيئا أي لما يترتب على الأخذ منه ما سيأتي من المقاتلة الكثيرة والمنازعة الكبيرة ويحتمل أن يكون فلا يأخذ نفيا ويؤيده ما سيأتي من قوله فلا يأخذون منه شيئا متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب الظاهر أن القضية متحدة والرواية متعددة فالمعنى عن كنز عظيم مقدار جبل من ذهب ويحتمل أن يكون هذا غير الأول ويكون الجبل معدنا من ذهب يقتتل الناس عليه أي على تحصيله وأخذه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون أي من الناس المتقاتلين ويقول كل رجل منهم أي من الناس أو من التسعة والتسعين لعلي أكون أنا الذي أنجو قال الطيبي رحمه الله هو من باب قوله أنا الذي سمتني أمي حيدره أي أنا التذي ينجو فنظر إلى المبتدأ فحمل الخبر عليه لا على الموصول اه يرجو كل واحد منهم أن يكون هو الناجي فيقتل الباقي في


الحال رجاء أن ينجو في المآل فيأخذ المال وهذا من سوء الآمال وتضييع الأعمال قال الطيبي رحمه الله فيه كناية لأن الأصل أن يقال أنا الذي أفوز به فعدل إلي أنجو لأنه إذا نجا من القتل تفرد بالمال وملكه رواه مسلم
وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله تقيء الأرض مضارع من القيء أي تلقي الأرض أفلاذ كبدها بفتح الهمز جمع الفلذة وهي القطعة المقطوعة طولا وسمي ما في الأرض كبدا تشبيها بالكبد التي في بطن البعير لأنها أحب ما هو مخبأ فيها كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور وأحبه إلى العرب وإنما قلنا في بطن البعير لأن ابن الأعرابي قال الفلذ لا يكون إلا للبعير فالمعنى تظهر كنوزها وتخرجها من بطونها إلى ظهورها أمثال الأسطوان بضم الهمزة والطاء وفي نسخة صحيحة الأسطوانة فهي واحدة والأول جنس وهو الأنسب بجمع الأمثال وقوله من الذهب والفضة لبيان مجمل الحال قال القاضي رحمه الله معناه أن الأرض تلقي من بطنها ما فيه من الكنوز وقيل ما رسخ فيها من العروق المعدنية ويدل عليه قوله أمثال الأسطوانة وشبهها بأفلاذ الكباد هيئة وشكلا فإنها قطع الكبد المقطوعة طولا أقول ولعل الحديث فيه إشارة إلى قوله تعالى إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها الزلزال و فيجيء القاتل أي قاتل النفس فيقول في هذا أي في طلب هذا الغرض ولأجل تحصيل هذا المقصود قتلت أي من قتلت من الأنفس ويجيء القاطع أي قاطع الرحم فيقول في هذا قطعت رحمي ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي بصيغة المجهول ولو روي معلوما لكان له وجه أي تسبب لقطع يدي ثم يدعونه بفتح الدال أي يتركون ما قاءه الأرض من الكنز أو المعدن فلا يأخذون منه شيئا رواه مسلم وكذا الترمذي وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا أي لا تفرغ ولا تنقضي حتى يمر الرجل على القبر المراد بهما الجنس فهما في قوة النكرة ويمكن أن يراد بهما الاستغراق فكل


فرد في هذا الاستحقاق فيتمرغ أي يتلقب الرجل عليه أي فوق القبر وقال ابن الملك أي يتمسك على رأس القبر
ويتقلب في التراب ويقول يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر أي ميتا وليس به الدين بكسر الدال إلا البلاء أي الحامل له على التمني ليس الدين بل البلاء وكثرة المحن والفتن وسائر الضراء قال المظهر الدين هنا العادة وليس في موضع الحال من الضمير في يتمرغ يعني يتمرغ على رأس القبر ويتمنى الموت في حال ليس التمرغ من عادته وإنما حمل عليه البلاء وقال الطيبي رحمه الله ويجوز أن يحمل الدين على حقيقته أي ليس ذلك التمرغ والتمني لأمر أصابه من جهة الدين لكن من جهة الدنيا فيفيد البلاء المطلق بالدنيا بواسطة القرينة السابقة رواه مسلم أي بهذا اللفظ واتفقا على لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه كذا ذكره ميرك عن التصحيح قلت وهذا اللفظ في الجامع أسند إلى أحمد والشيخين وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود قال قال رسول الله لا يخرج الدجال حتى لا يكون شيء أحب إلى المؤمن من خروج نفسه وخرج أيضا عن أبي هريرة قال يوشك أن يكون الموت أحب إلى المؤمن من الماء البارد يصب عليه العسل فيشربه وأخرج أيضا عن أبي ذر قال ليأتين على الناس زمان تمر الجنازة فيهم فيقول الرجل يا ليت أني مكانه وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمان قال مرض أبو هريرة فأتيت أعوده فقلت اللهم اشف أبا هريرة فقال اللهم لا ترجعها وقال يوشك يا أبا سلمة أن يأتي علي الناس زمان يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر ويوشك يا أبا سلمة إن بقيت إلى قريب أن يأتي الرجل القبر فيقول يا ليتني مكانك وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز أي مكة والمدينة وما حولهما تضيء بضم أوله أي تنور أعناق الإبل جمع العنق بضمتين وهو العضو المعروف وقيل بفتحتين وهو الجماعة ببصرى بضم موحدة وهي مدينة حوران بالشام


وقيل مدينة قيسارية البصرة قال النووي رحمه الله هكذا الرواية بنصب أعناق وهو مفعول تضيء يقال أضاءت النار وأضاءت غيرها وبصرى بضم الباء مدينة معروفة بالشام وهي مدينة حوران بينها وبين دمشق نحو ثلاث
مراحل وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة ست وخمسين وستمائة وكانت نارا عظيمة خرجت من جنب المدينة شرفها الله تعالى الشرقي وراء الحرة وتواتر العلم بها عند جميع أهل الشام وسائر البلدان وأخبرني من حضرها من أهل المدينة قال التوربشتي رحمه الله رأى هذه النار أهل المدينة ومن حولهم رؤية لا مرية فيها ولا خفاء فإنها لبثت نحوا من خمسين يوما تتقدر وترمي بالأحجار المجمرة بالنار من بطن الأرض إلى ما حولها مشاكلة للوصف الذي ذكره الله تعالى ي كتابه عن نار جهنم ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر المرسلات وقد سال من ينبوع النار في تلك الصحاري مد عظيم شبيه بالصفر المذاب فيجمد الشيء بعد الشيء فيوجد شبيها بخبث الحديد قال القاضي رحمه الله فإن قلت كيف يصح أن يحمل هذا عليها وقد روي في الحديث الذي يليه أنه أنه قال أول أشراط الساعة نار تحشر الناس وهي لم تحدث بعد قلت لعله لم يرد بذلك أول الأشراط مطلقا بل الأشراط المتصلة بالساعة الدالة على أنها تقوم عما قريب فإن من الأشراط بعثة النبي ولم تتقدمها تلك النار أو أراد بالنار نار الحرب والفتن كفتنة التتر فإنها سارت من المشرق إلى المغرب متفق عليه قال ميرك نقلا عن التصحيح والعجب من الحاكم أنه أخرجه في مستدركه على الصحيحين وأسنده من طريق رشد بن سعد عن عقبة عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة وساقه بلفظه فاستدركه عليهما وهو فيهما وأعجب من هذا روايته له من طريق رشد بن سعد وهو ضعيف باتفاق الحفاظ اه وقد سبق جوابه بأنى أتى بإسناد غير إسناد الصحيحين فيكون مستدركا لا مستدركا ويدل عليه أنه روى من طريق رشد ولعله قوي عنده أوله متابع أو مشاهد ينجبر به مع أنه قل راو أجمعوا على ضعفه


والله تعالى أعلم وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال أول أشراط الساعة سبق الكلام عليه نار أي شعلة ساطعة أو فتنة طالعة تحشر الناس أي تجمعهم من المشرق إلى المغرب رواه البخاري ورواه الطيالسي عنه بلفظ أول شيء يحشر الناس نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب كذا في الجامع وبه يزول الإشكال السابق

الفصل الثاني
عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان أي زمان الدنيا والآخرة أو يتقارب أهل بعضهم من بعض في الشر أو يتقارب الزمان نفسه في الشر حتى يشبه أوله آخره أو تقصر الأيام والليالي وهو المناسب هنا لقوله فتكون بالرفع وينصب وهو بالتأنيث ويجوز تذكيره ليلا ثم عطف الشهر عليه والمعنى فتصير السنة كالشهر قال التوربشتي رحمه الله يحمل ذلك على قلة بركة الزمان وذهاب فائدته في كل مكان أو على أن الناس لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والشدائد وشغل قلبهم بالفتن العظام لا يدرون كيف تنقضي أيامهم ولياليهم فإن قيل العرب تستعمل قصر الأيام والليالي في المسرات وطولها في المكاره قلنا المعنى الذي يذهبون إليه في القصر والطول مفارق للمعنى الذي يذهب إليه فإن ذلك راجع إلى تمني الإطالة للرخاء أو إلى تمني القصر للشدة والذي يذهب إليه راجع إلى زوال الإحساس بما يمر عليهم من الزمان لشدة ما هم فيه وذلك أيضا صحيح والشهر أي ويكون الشهر كالجمعة بضم الميم ويسكن والمراد بها الأسبوع وتكون بالتأنيث رفعا وينصب أي وتصير الجمعة كاليوم أي كالنهار ويكون اليوم كالساعة أي العرفية النجومية وهي جزء من أجزاء القسمة الاثنتي عشرية في اعتدال الأزمنة الصيفية والشتائية وتكون الساعة كالضرمة بالنار بفتح الضاد وسكون الراء ويفتح أي مثلها في سرعة ابتدائها وانقضائها قال القاضي رحمه الله أي كزمان إيقاد الضرمة وهي ما يوقد به النار أولا كالقصب والكبريت وفي القاموس الضرمة محركة السعفة أو الشيحة في طرفها نار وفي


الأزهار الضرمة بفتح المعجمة وسكون الراء غصن النخل والشيحة نبت في طرفها نار فإنها إذا اشتعلت تحرق سريعا اه فالمراد بها الساعة اللغوية وهي أدنى ما يطلق عليه اسم الزمان من اللمحة واللحظة والطرفة قال الخطابي ويكون ذلك في زمن المهدي أو عيسى عليه الصلاة والسلام أو كليهما قلت والأخير هو الأظهر لظهور هذا الأمر في خروج الدجال وهو في زمانهما قال فإن قيل إذا كانت السنة كالشهر والشهر كالجمعة
والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كالضرمة فما وجه التقارب ومعناه قلنا المراد بذلك أن السنة ذات شهور وجمع وأيام وساعات فإن كل سنة اثنا عشر شهرا وثمان وأربعون جمعة وثلثمائة وستون يوما وأربعة آلاف وثلثمائة وعشرون ساعة وإذا عادت السنة إلى الشهر عادت جمعتها إلى جمعة شهر تلك السنة وهي أربع وأيامها إلى أيام شهر بتلك السنة وهي ثلاثون يوما وساعاتها إلى ساعات شهر بتلك السنة وهي ثلثمائة وستون ساعة ونسبة كل منها إلى السنة كجزء من اثني عشر جزءا بلا زيادة ونقص نعم يزيد وينقص من أمد الضرمة بالنار فإنها غير مقدرة شرعا ولا عرفا ولا يتبين للناظر في رأي العين فلذا قال يتقارب الزمان ولم يقل يتساوى الزمان اه وسيأتي لهذا الحديث زيادة تحقيق وبيان وما يتعلق به من أداء الصلاة في كل زمان في حديث النواس من الباب الآتي رواه الترمذي وعن عبد الله بن حوالة بفتح الحاء المهملة وتخفيف الواو قال المؤلف في فصل الصحابة أزدي نزل الشام روى عنه جبير بن نفير وغيره قال بعثنا رسول الله أي أرسلنا لنغنم أي لنأخذ الغنيمة على أقدامنا أي ماشين عليها وهو حال من الضمير في بعثنا أي بعثنا رجالا غير ركاب فرجعنا أي سالمين مأمونين فلم نغنم شيئا أي فصرنا مغمومين محزونين وعرف الجهد بالفتح وفي نسخة صحيحة بالضم ففي القاموس الجهد الطاقة ويضم والمشقة وقال ابن الملك الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة قلت الظاهر أنهما لغتان لكل منهما والمراد به هنا المشقة


وقد صرح شارح بالفتح واقتصر عليه السيد في أصله أي وعرف مشقة ألم فقد الغنيمة في وجوهنا أي فيما ظهر عليها من آثار الكآبة والحزن والخجلة والحياء فقام أي خطيبا فينا أي لأجلنا أو فيما بيننا فقال اللهم لا تكلهم من الوكول أي لا تترك أمورهم إلي أي إلى أمري فأضعف عنهم بالنصب جوابا للنهي والسبب في ذلك أن الإنسان خلق ضعيفا وأن المخلوق من حيث هو عاجز عن نفسه فكيف عن غيره ولذا ورد في الدعاء النبوي اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك وقال تعالى قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله يونس وهذا هو التوحيد المبين بقوله لا حول ولا قوة ألا بالله وقد ورد في حديث رواه ابن عدي


في الكامل أن إلياس والخضر عليهما الصلاة والسلام يلتقيان في كل عام بالموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويفترقان عن هؤلاء الكلمات بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله ثم لما كان له القرب الإلهي قدم دفع وكولهم إليه أولا ثم قال ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها بكسر الجيم وتفتح ففي القاموس عجز من باب ضرب وسمع ثم في تأخير أنفسهم عن نفسه إلا نفس إيماء إلى قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم الأحزاب ولا تكلهم إلى الناس أي إلى الخلق وإنما خص الناس لقرب الاستثناس فيستأثروا عليهم عدل عن قوله فيعجزوا لظهوره إلى قوله فيستأثروا إشعارا بأنهم ما يكتفون بإظهار العجز بل يتبادرون إلى أن يختاروا الجيد لأنفسهم والرديء لغيرهم ففيه تعليم للأمة في شهود صنع الله والغيبة عما سواه حتى يكلوا أمورهم إليه ويعتمدوا في جميع حوائجهم عليه لأن من توكل على الله كفاه أمور دينه ودنياه كما قال ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق قال الطيبي رحمه الله المعنى لا تفوض أمورهم إلي فأضعف عن كفاية مؤنتهم وسد خلتهم ولا تفوضهم إلى أنفسهم فيعجزوا عن أنفسهم لكثرة شهواتها وشرورها ولا تفوضهم إلى الناس فيختاروا أنفسهم على هؤلاء فيضيعوا بل هم عبادك فافعل بهم ما يفعل السادة بالعبيد ثم وضع يده على رأسي أي لحكمة ستأتي مع ما فيه من البركة وهو يحتمل الاستمرار على ذلك المرام حتى فرغ من الكلام ويحتمل أنه وضعها ثم رفعها ثم قال يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة أي خلافة النبوة قد نزلت الأرض المقدسة أي من المدينة إلى أرض الشام كما وقعت في أمارة بني أمية فقد دنت أي قربت الزلازل أي وقوعها وهي مقدمات زلزلة الساعة التي هي شيء عظيم وقد أخبر سبحانه أيضا بقوله إذا زلزلت الأرض زلزالها الزلزلة والزلزلة هي الحركة والزلزال مصدر


والبلابل جمع بلبلة ففي النهاية هي الهموم والأحزان وبلبلة الصدر وسواسه والأمور العظام أي من أشراط الساعة والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه أي الموضوعة على رأسك إلى رأسك رواه كذا هنا بيان بالأصل وألحق في الحاشية أبو داود وإسناده حسن ورواه الحاكم في صحيحه جزري وألحق في نسخة رواه أبو داود والحاكم
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا اتخذ بصيغة المجهول أي إذا أخذ الفيء أي الغنيمة دولا بكسر الدال وفتح الواو ويضم أوله جمع دولة بالضم والفتح أي غلبة المداولة والمناولة ففي القاموس الدولة انقلاب الزمان والعقبة في المال ويضم أو الضم فيه والفتح في الحرب أو هما سواء أو الضم في الآخرة والفتح في الدنيا الجمع دول مثلثة وفي شرح ابن الملك قال الأزهري الدولة بالضم اسم لما يتناول من المال يعني الفيء وبالفتح الانتقال من حال البؤس والضر إلى حال السرور قال التوربشتي رحمه الله أي إذا كان الأغنياء وأصحاب المناصب يستأثرون بحقوق الفقراء أو يكون المراد منه أن أموال الفيء تؤخذ غلبة وأثرة صنيع أهل الجاهلية وذوي العدوان والأمانة مغنما أي بأن يذهب الناس بودائع بعضهم وأماناتهم فيتخذونها كالمغانم يغنمونها والزكاة مغرما أي بأن يشق عليهم أداؤها حتى تعد غرامة وتعلم بصيغة المجهول من باب التفعل لغير الدين قال الطيبي رحمه الله هو بالألف واللام كذا في جامع الترمذي وجامع الأصول وفي نسخة المصابيح بغير اللام والأولى أولى أي رواية ودراية أي يتعلمون العلم لطلب الجاه والمال لا للدين ونشر الأحكام بين المسلمين لإظهار دين الله وأطاع الرجل امرأته أي فيما تأمره وتنهاه مخالف لأمر الله وهداه وعق أمه أي خالفها فيما تأمره وتنهاه وفي القرينتين إشعار بانقلاب الدهر لإنعكاس الأمر كما في قوله وأدنى صديقة وأقصى أباه حيث قرب صديقه الأجنبي إليه وبعد أقرب الأقربين منه مع أنه أشفق الأشفقين عليه هذا وقال ابن الملك خص عقوق الأم بالذكر


وإن كان عقوق كل من الأبوين معدودا من الكبائر لتأكد حقها أو لكون قوله وأقصى أباه بمنزلة وعق أباه فيكون عقوقهما مذكورا أقول ففيه تفنن وتسجيع مع زيادة المبالغة في قوله أقصى على قوله عق على أنه يفهم عقوق الأب من عقوق الأم بالأولى وقال الطيبي رحمه الله قوله وأدنى صديقه وأقصى أباه كلاهما قرينة لقوله وأطاع الرجل امرأته وعق أمه لكن المذموم في الأولى الجمع بينهما لأن إدناء الصديق محمود بخلاف الثانية فإن الافراد والجمع مذمومان أقول فيه نظر لأن إطاعة المرأة والأم في المباح مندوبتان وفي المعصية منهيتان فالغرابة بينهما إنما هي في انعكاس القضية وانقلاب البلية وكذا في القرينتين الأوليين إذ يتصور إدناء الصديق الصالح وإبعاد الأب الصالح ويؤيد ما حررناه قوله فرجح جانب الزوجة لأنها محل الشهوة على جانب الأم فإنها مرضاة الرب وخص الأم بالذكر لزيادة حقها وتأكد مشقتها في تربيته فعقوقها أقبح من عقوق الأب وأدنى صديقه أي قربه إلى نفسه للمؤانسة والمجالسة وأقصى أباه أبعده ولم يستصحبه ولم يستأنس به وظهرت الأصوات أي رفعها في المساجد وهذا مما كثر في هذا الزمان وقد نص


بعض علمائنا بأن رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر حرام وساد القبيلة وفي معناه البلد والمحلة فاسقهم وظالمهم بالأولى وقد كثر هذا أيضا والظاهر أن الكثرة هي العلامة وإلا فلم يكن يخلو زمان عن مثل هذه الأشياء وقد قال تعالى وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها الأنعام وكان زعيم القوم أي المتكفل بأمرهم أرذلهم أي أبخلهم أو أكثرهم رذالة في النسب والحسب قال السيوطي زعيم القوم رئيسهم وفي القاموس الزعيم الكفيل وسيد القوم رئيسهم والمتكلم عنهم ثم اعلم أن النسخ جميعها على رفع زعيم ونصب أرذلهم وكان الظاهر أن يعكس اللهم إلا أن يراد بالزعيم الكريم وبالأرذل الأحمق والأخمل وفي المال والجاه أقل وأكرم الرجل أي عظم مخافة شره أي لا لسبب غيره من نحو رجاء خيره وظهرت القينات بفتح القاف وسكون التحتية أي الإماء المغنيات والمعازف بفتح الميم وكسر الزاي أي وظهرت آلات اللهو وشربت بصيغة المجهول الخمور أي أنواع الخمر والمراد أنها تشرب شربا ظاهرا ولعن آخر هذه الأمة أولها فيه إشارة إلى أن هذه العلامة من خصوصيات هذه الأمة وأنها لم تقع في الأمم السابقة وهي المناسبة أن تكون من أشراط الساعة ويؤيده أنه لو قيل لليهود والنصارى من أفضل أهل ملتكم قالوا أصحاب موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام قال الطيبي رحمه الله أي وطعن الخلف في السلف وذكروهم بالسوء ولم يقندوا بهم في الأعمال الصالحة فكأنه لعنهم أقول إذا كانت الحقيقة متحققة فما المحوج إلى العدول عنها إلى المعنى المجازي وقد كثرت كثرة لا تخفى في العالم مع أن الله تعالى قال في حق الأولين والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه التوبة وقال لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة الفتح والكتاب والسنة مشحونان بمناقبهم وفضائلهم وهم الذين نصروا نبيهم في اجتهاده وجاهدوا في الله حق جهاده فتحوا بلاد الإسلام وحفظوا


الأحكام وسائر العلوم من سيد الآنام وانتفعوا بهم علماء الأعلام ومشايخ الكرام وقد علمنا الله في كتابه أن نقول في حقهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان الحشر وقد ظهرت طائفة لاعنة ملعونة إما كافرة أو مجنونة حيث لم يكتفوا باللعن والطعن في حقهم بل نسبوهم إلى الكفر بمجرد أوهامهم الفاسدة وأفهامهم الكاسدة من أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم أخذوا الخلافة وهي حق علي بغير حق والحال أن هذا باطل بالإجماع سلفا وخلفا ولا اعتبار بإنكار المنكرين وأي دليل لهم من الكتاب والسنة يكون نصا على خلافة علي ثم من خالفه من بعض الصحابة في أيام خلافته أيضا بناء على اختلاف اجتهاد فليس يستحق اللعن غايته أنه كان مخطئا ولو فرضنا أنه كان مسيئا فلعله مات تائبا أو باقيا تحت المشيئة مع غالب رجاء المغفرة والشفاعة


ببركة الخدمة المتقدمة وقد روى ابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعا يكون لأصحابي زلة يغفرها الله لهم لسابقتهم معي فنحن مع كثرة ذنوبنا من الصغائر والكبائر إذا كنا راجين رحمة ربنا وشفاعة نبينا فكيف بأكابر هذه الأمة وبأنصار هذه الملة ومن العجيب أن طائفة الرافضة المرفوضة الباغضة المبغوضة أفسق الخلق وأظلمهم وأحمق العالمين وأجهلهم فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس هذا وقد قال لا تذكروا موتاكم إلا بخير وقال إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وقد أخرج ابن عساكر عن جابر مرفوعا حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما كفر وحب الأنصار من الإيمان وبغضهم كفر وحب العرب من الإيمان وبغضهم كفر ومن سب أصحابي فعليه لعنة الله ومن حفظني فيهم فأنا أحفظه يوم القيامة فارتقبوا جواب إذا والمعنى فانتظروا عند ذلك أي عند وجود ما ذكر ريحا حمراء أي شديدة في الهواء وزلزلة أي حركة عظيمة للأرض وخسفا أي ذهابا في الأرض وغيبوبة فيها ومسخا بتغيير الصور على طبق اختلاف تغير السير وقذفا أي رمي حجارة من السماء وآيات أي علامات أخر لدنو القيامة وقرب الساعة تتابع بحذف إحدى التاءين أي يتبع بعضها بعضا كنظام بكسر النون أي عقد من نحو جوهر وخرز قطع سلكه بكسر السين أي انقطع خيطه فتتابع أي ما فيه من الخرز وهو فعل ماض بخلاف الماضي فإنه حال أو استقبال رواه الترمذي أي وقال غريب وروى أحمد والحاكم عن ابن عمر مرفوعا الآيات خرزات منظومات في سلك فانقطع السلك فيتبع بعضها بعضا وعن علي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إذا فعلت أمتي خمس عشرة بسكون الشين المعجمة ويكسر خصلة أي فعلة ذميمة حل بها البلاء أي نزل وعد أي وأحصى النبي هذه الخصال أي الخمس عشرة ولم يذكر أي علي رضي الله عنه تعلم لغير الدين قال الطيب رحمه الله هذا كلام صاحب المصابيح وذلك أن الترمذي ذكر الحديثين على الولاء وعد في كل واحد منهما الأعداد الخمسة عشر قال أي


علي وبر صديقه أي بدل أدنى وجفا أباه بدل أقصى فهو اختلاف عبارة وكذا قوله وقال أي علي وشرب الخمر أي بدل شربت الخمور بتغيير الفعل والفاعل وليس بصيغة المجهول الحرير قال صاحب المختصر هذا يدل من اللعن وهو غير صحيح لأن اللعن مذكور في حديث علي رضي الله عنه فالصواب أنه بدل من تعلم لغير الدين فتطابق العددان في الروايتين فصح قول الطيبي أنه عد في كل واحد منهما الأعداد الخمسة عشر وبطل قول صاحب المختصر أن المجموع خمسة عشر وأما المذكور في الحديث السابق فستة عشر اه وها أنا أذكر لك مفصلا ما ذكره المؤلف مجملا بل مختصرا مخلا مهملا بقوله رواه الترمذي ففي الجامع إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القينات والمعازف ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو خسفا أو مسخا رواه الترمذي عن علي رضي الله عنه فأو هنا للتنويع والواو هناك للجمع وبه يحصل الجمع وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله لا تذهب الدنيا أي لا تفنى ولا تنقضي حتى يملك العرب أي ومن تبعهم من أهل الإسلام فإن من أسلم فهو عربي رجل من أهل بيتي يواطىء أي يوافق اسمه اسمي أي ويطابق رسمه رسمي فإنه محمد المهدي وبهديه للناس يهدي وقال الطيبي رحمه الله لم يذكر العجم وهم مرادون أيضا لأنه إذا ملك العرب واتفقت كلمتهم وكانوا يدا واحدة قهروا سائر الأمم ويؤيد حديث أم سلمة بعيد هذا اه ويمكن أن يقال ذكر العرب لغلبتهم في زمنه أو لكونهم أشرف أو هو من باب الاكتفاء ومراده العرب والعجم كقوله تعالى سرابيل تقيكم الحر النحل أي والبرد والأظهر أنه اقتصر على ذكر العرب لأنهم كلهم يطيعونه بخلاف العجم بمعنى ضد العرب فإنه قد يقع منهم


خلاف في إطاعته والله تعالى أعلم رواه الترمذي وأبو داود وفي رواية له أي لأبي داود قال لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى
يبعث الله أي يظهر فيه أي في ذلك اليوم رجلا أي كاملا مني أي من نسبي أو من أهل بيتي شك من الراوي ولفظ الجامع حتى يبعث فيه رجل من أهل بيتي واختلف في أنه من بني الحسن أو من بني الحسين ويمكن أن يكون جامعا بين النسبتين الحسنين والأظهر أنه من جهة الأب حسني ومن جانب الأم حسيني قياسا على ما وقع في ولدي إبراهيم وهما إسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام حيث كان أنبياء بني إسرائيل كلهم من بني إسحاق وإنما نبىء من ذرية إسماعيل نبينا وقام مقام الكل ونعم العوض وصار خاتم الأنبياء فكذلك لما ظهرت أكثر الأئمة وأكابر الأمة من أولاد الحسين فناسب أن ينجبر الحسن بأن أعطى له ولد يكون خاتم الأولياء ويقوم مقام سائر الأصفياء على أنه قد قيل لما نزل الحسن رضى الله تعالى عنه عن الخلافة الصورية ورد في منقبته في الأحاديث النبوية أعطي له لواء ولاية المرتبة القطبية فالمناسب أن يكون من جملتها النسبة المهدوية المقارنة للنبوة العيسوية واتفاقهما على إعلاء كلمة الملة النبوية على صاحبها ألوف السلام وألوف التحية وسيأتي في حديث أبي إسحاق عن علي كرم الله الله تعالى وجهه ما هو صريح في هذا المعنى والله تعالى أعلم يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي فيكون محمد بن عبد الله فيه رد على الشيعة حيث يقولون المهدي الموعود هو القائم المنتظر وهو محمد بن الحسن العسكري يملأ الأرض استئناف مبين لحسبه كما أن ما قبله معين لنسبه أي يملأ وجه الأرض جميعا أو أو أرض العرب وما يتبعها والمراد أهلها قسطا بكسر أوله وتفسيره قوله وعدلا أتى بهما تأكيد وكذا الجمع في قوله كما ملئت أي الأرض قبل ظهوره ظلما وجورا على أنه يمكن أن يغاير بينهما بأن يجعل الظلم هنا قاصرا لازما والجور تعديا متعديا وكذلك يحتمل أن يراد بالقسط


إعطاء كل ذي حق حقه وبالعدل النصفة والحكم بميزان الشريعة وانتصار المظلوم وانتقامه من الظالم فيكون جامعا لما قال تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان النحل وقائما بما قاله العلماء من أن الدين هو التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وموصوفا بوصف الكمال وهو إجراء كل من تجلى الجمال وتجلى الجلال في محله اللائق بكل حال من الأحوال هذا ورواه أحمد وأبو داود عن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله تعالى رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي يملك جبال الديلم والقسطنطينية وفي القاموس الديلم جبل معروف ورواه الروياني عن حذيفة مرفوعا المهدي رجل من ولدي وجهه كالكوكب الدري


وعن أم سلمة رضي الله عنها وهي من أمهات المؤمنين قالت سمعت رسول الله يقول المهدي من عترتي قال بعض الشراح العترة ولد الرجل من صلبه وقد تكون العترة الأقرباء أيضا وهي العمومة قلت المعنيان لا يلائمان بيانه بقوله من أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها وفي النهاية عترة الرجل أخص أقاربه وعترة النبي بنو عبد المطلب وقيل قريش كلهم والمشهور المعروف أنهم الذين حرمت عليهم الزكاة أقول المعنى الأول هو المناسب للمرام وهو لا ينافي أن يطلق على غيره بحسب ما يقتضيه المقام وقيل عترته أهل بيته لخبر ورد وقيل أزواجه وذريته وقيل أهله وعشيرته الأقربون وقيل نسله ورهطه الأدنون وعليه اقتصر الجوهري قلت وهو الذي ينبغي هنا أن عليه يقتصر ويختصر رواه أبو داود وكذا ابن ماجه ورواه الحاكم وصححه وأما ما رواه الدارقطني في الأفراد عن عثمان رضي الله تعالى عنه المهدي من ولد العباس عمي فمع ضعف إسناده محمول على المهدي الذي وجد من الخلفاء العباسية أو يكون للمهدي الموعود أيضا نسبة نسبية إلى العباسية فقد رواه أحمد وابن ماجه عن علي مرفوعا المهدي من أهل البيت يصلحه الله في ليلة أي يصلح أمره ويرفع قدره في ليلة واحدة أو في ساعة واحدة من الليل حيث يتفق على خلافته أهل الحل والعقد فيها وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله المهدي مني أي من نسلي وذريتي أو من عشيرتي وأهل بيتي أجلى الجبهة قال شارح أي واسعها وفي النهاية خفيف الشعر ما بين النزعتين من الصدغين والذي انحسر الشعر عن جبهته كذا ذكره الطيبي رحمه الله تعالى مختصرا وفي النهاية النزعتان من جانبي الرأس مما لا شعر عليه والجلا مقصورا انحسار مقدم الرأس من الشعر أو نصف الرأس أو هو دون الصلع والنعت أجلى وجلواء وجبهة جلواء واسعة فهذا يؤيد قول الشارح السابق وهو الموافق للمقام والمطابق أقنى


الأنف أي مرتفعه كذا قال شارح وفي النهاية القنا في الأنف طوله ودقة أرنبته مع حدب في وسطه يقال رجل أقنى وامرأة قنواء انتهى ففي الكلام تجريد والأرنبة طرف الأنف على ما في القاموس والحدب الارتفاع وهو ضد الانخفاض والمراد أنه لم يكن أفطس فإنه مكروه الهيئة يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يملك سبع سنين وأما ما سيأتي من قول راو أو ثمان سنين أو تسع سنين فهو شك منه فيحتمل أن هذه الرواية مجزومة بالسبع ويؤيده ما سيأتي من رواية أبي داود أيضا عن أم سلمة ويحتمل أن تكون مشكوكة وطرح الشك ولم يذكره واكتفى باليقين والله تعالى أعلم رواه أبو داود وصححه ابن العربي ورواه الحاكم في مستدركه وعنه أي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي في قصة المهدي قال فيجيء إليه الرجل فيقول يا مهدي أعطني أعطني التكرير للتأكيد ويمكن أن يقول أعطني مرة بعد أخرى لما تعود من كرمه وإحسانه قال أي النبي فيجيء له في ثوبه ما استطاع أن يحمله لما رأى من حرصه على المال ومطالبته منه في كل الأحوال فأغناه عن السؤال وخلص نفسه عن الملال رواه الترمذي وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي قال يكون أي يقع اختلاف أي فيما بين أهل الحل والعقد عند موت خليفة أي حكمية وهي الحكومة السلطانية بالغلبة التسليطية فيخرج رجل من أهل المدينة أي كراهية لأخذ منصب الإمارة أو خوفا من الفتنة الواقعة فيها وهي المدينة المعطرة أو المدينة التي فيها الخليفة هاربا إلى مكة لأنها مأمن كل من التجأ إليها ومعبد كل من سكن فيها قال الطيبي رحمه الله وهو المهدي بدليل إيراد هذا الحديث أبو داود في باب المهدي فيأتيه ناس من أهل مكة أي بعد ظهور أمره ومعرفة نور قدره فيخرجونه أي من بيته وهو كاره إما بنية الإمارة وإما خشية الفتنة والجملة حالية


معترضة فيبايعونه بين الركن أي الركن الأسعد وهو الحجر الأسود والمقام أي مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويقع ما بين زمزم أيضا شرفها الله وهذا المثلث هو المسمى بالحطيم من الزمن القديم وسمي به لأن من حلف فيه وحنث أو خالف العهد ونقض حطم أي كسر رقبته وقطع حجته وهلك دولته ويبعث إليه بصيغة المجهول أي يرسل إلى حربه وقتاله مع أنه من أولاد سيد الأنام وأقام في بلد الله الحرام بعث من الشام أي جيش من أهل الشام والملام فيخسف بهم أي كرامة للإمام بالبيداء بفتح الموحدة وسكون التحتية بين مكة والمدينة ولعل تقديم مكة لفضيلتها وتقدمها قال التوربشتي رحمه الله هي أرض ملساء بين الحرمين وفي الحديث يخسف بالبيداء بين المسجدين وليست بالبيداء التي أمام ذي الحليفة وهي شرف من الأرض قلت ولا بدع أن تكون هي إياها مع أنها المتبادر منها ولعل الشيخ ظفر بنقل صريح أو بنى على أن طريق أهل الشام من قديم الأيام ليس على المدينة ولهذا جعل ميقاتهم الجحفة لكنهم عدلوا عن طريقهم المشهورة ومالوا إلى دخول المدينة المطهرة لمصالح دينية ومنافع دنيوية وأما إذا كان غرضهم محاربة المهدي فمن المعلوم أنهم ما يطولون على أنفسهم المسافة بل يريدون المسابقة والمسارعة إلى المحاربة والمسايفة فإذا رأى الناس ذلك أي ما ذكر من خرق العادة وما جعل للمهدي من العلامة أتاه أبدال الشام ونعم البدل من الكرام عن اللئام وفي النهاية أبدال الشام هم الأولياء والعباد الواحد بدل كجمل أو بدل كحمل سموا بذلك لأنه كلما مات منهم واحد بدل بآخر قال الجوهري الأبدال قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد أبدل الله مكانه بآخر قال ابن دريد واحده بديل قلت ويؤيده أنه يقال لهم بدلاء أيضا فيكون نظير شريف وأشراف وشرفاء ثم قيل إنهم سموا أبدالا لأنهم قد يرتحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم الأول شبحا آخر شبيها بشبحهم الأصلي بدلا عنه وفي القاموس الأبدال قوم بهم يقيم


الله عز وجل الأرض وهم سبعون أربعون بالشام وثلاثون في غيرها انتهى والظاهر أن المراد بالشام جهته وما يليه من روائه لا بخصوص دمشق الشام والله تعالى أعلم بالمرام ثم يحتمل أنهم سموا أبدالا لأنهم أبدلوا الأخلاق الدنية بالشمائل الرضية أو لأنهم ممن بدل الله سيئاتهم حسنات وقال القطب الحقاني الشيخ عبد القادر الجيلاني إنما سمو أبدالا لأنهم فنوا عن إراداتهم فبدلت بإرادة الحق عز وجل فيريدون بإرادة الحق أبدا إلى الوفاة فذنوب هؤلاء السادة أن يشركوا إرادة الحق بإراداتهم على وجه السهو والنسيان وغلبة الحال والدهشة فيدركهم الله تعالى برحمته باليقظة والتذكرة فيرجعون عن ذلك ويستغفرون ربهم عز وجل أقول ولعل العارف ابن الفارض أشار إلى هذا المعنى في قوله ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوا حكمت بردتي فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين وقد علم كل أناس مشربهم من ماء معين والله المعين وعصائب أهل العراق أي خيارهم من قولهم عصبة القوم خيارهم ولعله من قوله


تعالى ونحن عصبة يوسف أو طوائفهم فإن العصابة تأتي بمعنى الجماعة بتعصب بعضهم لبعض وشد بعضهم ظهر بعض وتعضده وفي النهاية العصائب جمع عصابة وهي الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها ومنه حديث علي رضي الله تعالى عنه الأبدال بالشام والنجباء بمصر والعصائب بالعراق أراد أن التجمع للحروب يكون بالعراق وقيل أراد جماعة من الزهاد سماهم بالعصائب لأنه قرنهم بالأبدال والنجباء ذكر أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء بإسناده عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله خيار أمتي في كل قرن خمسمائة والأبدال أربعون فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون كلما مات رجل أبدل الله عز وجل من الخمسمائة مكانه وأدخل في الأربعين وكأنهم قالوا يا رسول الله دلنا على أعمالهم قال يعفون عمن ظلمهم ويحسنون إلى من أساء إليهم ويتواسون فيما آتاهم الله عز وجل وبإسناده أيضا عن عبد الله قال قال رسول الله إن لله عز وجل في الخلق سبعة وساق الحديث إلى قوله فبهم يحيي ويميت ويمطر وينبت ويدفع البلاء قيل لعبد الله بن مسعود كيف بهم يحيي ويميت قال لأنهم يسألون الله عز وجل إكثار الأمم فيكثرون ويدعون على الجبابرة فيقصمون ويستسقون فيسقون ويسألون فتنبت لهم الأرض ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء انتهى والمعنى إن الأبدال والعصائب يأتون المهدي فيبايعونه ثم ينشأ أي يظهر رجل من قريش هذا هو القوي الذي يخالف المهدي أخواله كلب وهم قليلة فتكون أمه كلبية وفيه إشارة حقية وبشارة جلية وتفاؤل بغلبة ذرية خبر البرية قال التوربشتي رحمه الله يريد أم القرشي تكون كلبية فينازع المهدي في أمره ويستعين عليه بأخواله من بني كلب فيبعث أي الكلبي إليهم أي إلى المبايعين للمهدي بعثا أي جيشا فيظهرون عليهم أي فيغلب المبايعون على البعث الذي بعثه الكلبي وذلك أي البعث بعث كلب أي جيش كلب باعثه هو نفس الكلبي ويعمل أي المهدي في الناس بسنة نبيهم أي


شريعته ويلقي بضم أوله أي يرمي ويرخي الإسلام أي المشبه بالبعير المنقاد للأنام بجرانه بكسر الجيم فراء ونون وهو مقدم عنقه أي بكماله ففيه مجاز التعبير عن الكل بالجزء كإطلاق الرقبة على المملوك وفي النهاية الجران باطن العنق ومنه الحديث أن ناقته وضعت جرانها وحديث عائشة رضي الله تعالي عنها حتى ضرب الحق بجرانة أي قر الإسلام واستقر قراره واستقام كما أن البعير إذا برك واستراح مد عنقه على الأرض قيل ضرب الجران مثلا للإسلام إذا استقر قراره فلم يكن فتنة وجرت أحكامه على السنة والاستقامة والعدل فيلبث بفتح الياء والموحدة أي المهدي بعد ظهوره سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون رواه أبو داود قال الحافظ السيوطي


رحمه الله في تعليقه على أبي داود لم يرد في الكتب الستة ذكر الأبدال إلا في هذا الحديث عند أبي داود وقد أخرجه الحاكم وصححه وقال الشيخ زكريا رحمه الله في رسالته المشتملة على تعريف غالب ألفاظ الصوفية القطب ويقال له الغوث هو الواحد الذي هو محل نظر الله تعالى من العالم في كل زمان أي نظرا خاصا يترتب عليه إفاضة الفيض واستفاضته فهو الواسطة في ذلك بين الله تعالى وبين عباده فيقسم الفيض المعنوي على أهل بلاده بحسب تقديره ومراده ثم قال الأوتاد أربعة منازلهم على منازل الأركان من العالم شرق وغرب وشمال وجنوب مقام كل منهم مقام تلك الجهة قلت فهم الأقطاب في الأقطار يأخذون الفيض من قطب الأقطاب المسمى بالغوث الأعظم فهم بمنزلة الوزراء تحت حكم الوزير الأعظم فإذا مات القطب الأفخم أبدل من هذه الأربعة أحد بدله غالبا ثم قال الأبدال قوم صالحون لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه آخر وهم سبعة قلت الأبدال اللغوي صادق على رجال الغيب جميعا وقد سبق للبدل معنى آخر فالأولى حمله عليه ولعلهم خصوا بذلك لكثرتهم ولحصول كثرة البدل فيهم لغلبتهم فإنهم أربعون على ما في الحديث السابق أو سبعون على ما ذكره صاحب القاموس فقوله وهم سبعة وهم ثم قال النقباء هم الذين استخرجوا خبايا النفوس وهم ثلثمائة أقول لعله أخذ هذا المعنى من النقب بمعنى الثقب والأظهر أن النقباء جمع نقيب وهو شاهد القوم وضمينهم وعريفهم على ما في القاموس ومنه قوله تعالى وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا المائدة أي شاهدا من كل سبط ينقب عن أحوال قومه ويفتش عنها أو كفيلا يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به وعاهدوا عليه على ما في البيضاوي والظاهر أنهم خمسمائة على ما سبق في الحديث ثم قال النجباء هم المشتغلون بحمل أثقال الخلق وهم أربعون أقول كأنه أخذ هذا المعنى من اللغة ففي القاموس ناقة نجيب ونجيبة وجمعه نجائب والأنسب ما ذكر فيه أيضا من أن النجيب الكريم


والجمع نجباء والمنتجب المختار ونجائب القرآن أفضله هذا وقد أخرج ابن عساكر عن ابن مسعود مرفوعا إن لله تعالى ثلاثمائة نفس قلوبهم على قلب آدم عليه الصلاة والسلام وله أربعون قلوبهم على قلب موسى عليه الصلاة والسلام وله سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام وله خمسة قلوبهم على قلب جبريل عليه الصلاة والسلام وله ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل عليه الصلاة والسلام وله واحد قلبه على قلب إسرافيل عليه الصلاة والسلام كلما مات الواجد أبدل الله مكانه من الثلاثة وكلما مات واحد من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة وكلما مات من الخمسة واحد أبدل الله مكانه من السبعة وكلما مات واحد من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين وكلما مات واحد من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثمائة وكلما مات واحد من الثلاثمائة أبدل الله مكانه من العامة بهم يدفع الله تعالى الهم عن هذه الأمة انتهى وأرجو من الله تعالى وحسن فضله وكرمه وعموم جوده أنه إذا وقع محلولا من هذه المناصب العلية أن يجعلني منصوبا على طريق البدلية ولو من مرتبة العامة إلى أدنى مرتبة الخاصة ويتم علي هذه النعمة مع الزيادة إلى حسن الخاتمة ثم


في الحديث دلالة على ما ذكرنا من الاحتمال أن الأبدال لا تكون من خواص الأبدال بل تعم الرجال من أرباب الأحوال وفيه تنبيه نبيه على أنه لم يذكر أن أحدا يكون على قلب النبي إذ لم يخلق الله في عالمي الخلق والأمر أشرف وألطف من قلبه الأكرم وفيه أيضا ما يشعر بظاهره بتفضيل خواص الملك على خواص البشر وكذا تفضيل إسرافيل وميكائيل على جبرائيل والجمهور على خلاف ذلك والله تعالى أعلم هذا وقال العارف الصمداني الشيخ علاء الدولة السمناني في العروة الوثقى أن الأبدال من بدلاء السبعة كما أخبر عنه النبي فقال هو من السبعة وسيدهم أقول لا بد من ثبوت هذا من ثقات وسندهم قال وكان القطب في زمان النبي عم أويس القرني عصام فحري أن يقول إني لأجد نفس الرحمان من قبل اليمن وهو مظهر خاص للتجلي الرحماني كما كان النبي مظهرا خاصا للتجلي الإلهي المخصوص باسم الذات وهو الله قلت هذا يفيد مؤيدا لما سبق من أن أحدا لم يشاركه في مقامه الأعظم لكن في كون القطبية لعصام وهو غير معروف في أنه من الصحابة أو التابعين بخلاف أويس فإنه مشهور وقد ورد في حقه أنه سيد التابعين إشكالا عظيما فإنه كيف يكون له القطبية الكبرى مع وجود الخلفاء الأربعة وسائر فضلاء الصحابة الذين هم أفضل الناس بعد الأنبياء بالإجماع وأيضا فقد قال اليافعي رحمه الله وقد سترت أحوال القطب وهو الغوث عن العامة والخاصة غيرة من الحق عليه لكني أقول الظاهر أن هذا غالبي لثبوت القطبية للسيد عبد القادر رحمه الله بلا نزاع ثم اعلم أن كثيرا من الناس ادعوا أنه المهدي فمنهم من أراد المعنى اللغوي فلا إشكال ومنهم من ادعى باطلا وزورا واجتمع عليه جمع من الأوباش وأراد الفساد في البلاد فقتل واستراح منه العباد ومنهم من رأى واقعة الحال فحملها شيخه على الآفاق وكان حقه أن يحملها على الأنفس لئلا يحصل الاختلال وهو رئيس النور بخشية أحد مشايخ الكبروية وقد ظهر في البلاد الهندية جماعة تسمى المهدوية


ولهم رياضات عملية وكشوفات سفلية وجهالات ظاهرية من جملتها أنهم يعتقدون أن المهدي الموعود هو شيخهم الذي ظهر ومات ودفن في بعض بلاد خراسان وليس يظهر غيره مهدي في الوجود ومن ضلالتهم أنهم يعتقدون أن من لم يكن على هذه العقيدة فهو كافر وقد جمع شيخنا العارف بالله الولي الشيخ علي المتقي رحمه الله رسالة جامعة في علامات المهدي منتخبة من رسائل السيوطي رحمه الله واستفتى من علماء عصره الموجودين في مكة من المذاهب الأربعة وقد أفتوا بوجوب قتلهم على من يقدر من ولاة الأمر عليهم وكذا معتقد الطائفة الشيعية من الإمامية أن المهدي الموعود هو محمد بن حسن العسكري وأنه لم يمت بل هو مختف عن أعين الناس من العوام والأعيان وأنه إمام الزمان وأنه سيظهر في وقته ويحكم في دولته وهو مردود عند أهل السنة والجماعة والأدلة مستوفاة في الكتب الكلامية وقد صرح في العروة الوثقى بأن محمد بن الحسن العسكري إذا اختفى دخل في دائرة الأبدال أولا وبقي فيهم حتى لم يبق منهم أحد فصار سيد الأبدال ثم دخل في دائرة الأبطال يعني دائرة الأربعين وبقي فيهم حتى لم يبق منهم أحد فصار سيد الأبطال ثم دخل في


دائرة السياح وهم السبعة وبقي فيهم حتى لم يبق منهم أحد فصار سيد السياح ثم دخل في دائرة الأوتاد وهم الخمسة وبقي فيهم حتى لم يبق منهم أحد فصار سيد الأوتاد ثم دخل في دائرة الأفذاذ وهم الثلاثة وبقي فيهم حتى لم يبق منهم أحد فصار سيد الأفذاذ ثم جلس على الأريكة القطبية بعد أن توفى الله علي بن الحسن البغدادي القطب إليه وأنه دفن في بغداد في الشونيز بروح وريحان وبقي في المرتبة القطبية تسع عشرة سنة ثم توفاه الله إليه بروح وريحان انتهى وقد نقل مولانا عبد الرحمان الجامي قدس الله سره السامي هذا عنه في بعض كتبه واعتمد عليه في اعتقاده لكن لا يخفى أن الشيخ علاء الدولة ظهر بعد محمد بن الحسن العسكري بزمان كثير ولم يسند هذا القول إلى من كان في ذلك الوقت والظاهر أنه يدعي هذا من طريق الكشف وكذا لا يمكن من غيره أيضا إلا كذلك ولا يخفى أن مبنى الاعتقاد لا يكون إلا على الأدلة اليقينية ومثل هذا المعنى الذي أساسه على ذلك المبنى لا يصلح أن يكون من الأدلة الظنية ولذا لم يعتبر أحد من الفقهاء جواز العمل في الفروع الفقهية بما يظهر للصوفية من الأمور الكشفية أو من الحالات المنامية ولو كانت منسوبة إلى الحضرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التحية لكن الأحاديث الواردة في أحوال المهدي مما جمعه السيوطي رحمه الله وغيره ترد على الشيعة في اعتقاداتهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة بل جعلوا تمام إيمانهم وبناء إسلامهم وأركان أحكامهم بأن محمد بن الحسن العسكري هو الحي القائم المنتظر وهو المهدي الموعود على لسان صاحب المقام المحمود والحوض المورود وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ذكر رسول الله بلاء أي عظيما يصيب هذه الأمة حتى لا يجد الرجل ملجأ أي ملاذا يلجأ إليه أي يعوذ ويلوذ به من الظلم أي بلاء ناشئا من الظلم العام فيبعث الله رجلا أي كاملا عادلا عالما عاملا وهو المهدي من عترتي أي أقاربي وأهل بيتي أي من أخصهم فيملأ أي


الله به أي بسبب وجود ذلك الرجل الأرض أي جميعها وفي نسخة ضعيفة تملأ بالتأنيث مجهولا فالأرض مرفوع قسطا وعدلا تمييز من النسبة كما ملئت أي بغيره ظلما وجورا يرضى عنه ساكن السماء أي جنسه من الملائكة وأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وساكن الأرض أي من المؤمنين أو حتى الدواب في البر والحيتان في البحر كما سبق في فضل العلماء والجملة استئناف بيان كقوله لا تدع السماء أي لا تترك في زمانه من قطرها شيئا أي من أقطار أمطارها إلا صبته أي كبته مدرارا في الفائق المدرار الكثير الدر ومفعال مما يستوي فيه


المذكر والمؤنث كقولهم امرأة معطار ومطفال وهو منصوب على الحال من السماء أي من فاعل صبته ولا تدع الأرض من نباتها أي من أنواع نباتاتها وأصنافها شيئا إلا أخرجته أي أنبتته وأظهرته حتى يتمنى الأحياء بفتح الهمزة جمع الحي مرفوع وأخطأ من كسر الهمزة ونصبه الأموات بالنصب ومن عكس الترتيب لم يصب قال التوربشتي رحمه الله الأحياء رفع بالفاعلية وفي الكلام حذف أي يتمنون حياة الأموات أو كونهم أحياء وإنما يتمنون ليروا ما هم فيه من الخير والأمن ويشاركوهم فيه ومن زعم فيه الإحياء بالنصب من باب الإفعال وفاعل التمني الأموات فقد أحال يعيش أي المهدي في ذلك أي فيما ذكر من العدل وأنواع الخير سبع سنين وهو مجزوم به في أكثر الروايات أو ثمان سنين شك من الراوي وكذا قوله أو تسع سنين رواه ترك هنا بياضا في الأصل وألحق به رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح لكن نقل الجزري أن الذهبي قال إسناده مظلم وعن علي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله يخرج رجل أى صالح من وراء النهر أي مما وراءه من البلدان كبخارى وسمرقند ونحوهما يقال له الحارث اسم له وقوله حراث بتشديد الراء صفة له أي زراع على مقدمته أي مقدمة جيشه رجل يقال له منصور اسم له أو صفة وقيل المراد به أبو منصور الماتريدي وهو إمام جليل مشهور وعليه مدار أصول الحنفية في العقائد الحنيفية لكن إيراد الحديث في هذا الباب غير ملائم له ومع لا يمنع من الاحتمال والله تعالى أعلم بالحال مع أن عنوان الباب أشراط الساعة وهو أعم من المهدي وغيره ونقل عن خواجه عبيد الله السمرقندي النقشبندي رحمه الله أنه قال المنصور هو الخضر ومثل هذا لم يصدر عنه إلا بنقل قال أو كشف حال يوطن أي يقرر ويثبت الأمر وأصل التوطين جعل الوطن لأحد أو يمكن شك من الراوي ومنه قوله تعالى الذين إن مكناهم في الأرض الحج أو هي بمعنى الواو أي يهيىء الأسباب بأمواله وخزائنه وسلاحه ويمكن أمر الخلافة ويقويها ويساعدها بعسكره


لآل محمد أي لذريته وأهل بيته عموما وللمهدي خصوصا أو لآل مقحم والمعنى لمحمد المهدي كما مكنت قريش أي كتمكينهم لرسول الله والمراد من آمن منهم ودخل في التمكين أبو طالب أيضا وإن لم يؤمن عند أهل السنة وقال الطيبي رحمه الله قوله يمكن لآل محمد أي في الأرض كقوله تعالى مكناهم ف
الأرض ما لم نمكن لكم الأنعام أي جعل له في الأرض مكانا وأما مكانته في الأرض فأثبته فيها ومعناه جعلهم في الأرض ذوي بسطة في الأموال ونصرة على الأعداء وأراد بقوله كما مكنت لرسول الله قريش آخر أمرها فإن قريشا وإن أخرجوا النبي أولا من مكة من مكة لكن بقاياهم وأولادهم أسلموا ومكنوا محمد وأصحابه في حياته وبعد مماته انتهى ولا يخفى أن المراد بالتمكين في الآية غير التمكين في الحديث مع أن المراد من تمكين المشبه تمكينه في أول أمره فلا يحسن حمل المشبه به على آخر أمره ثم قوله أخرجوا ليس على ظاهره الموهم لإهانته ولذا قيل بكفر من أطلق هذا القول وتأويله أنهم تسببوا لخروجه بالهجرة إلى مكان أنصاره من المدينة المعطرة فقوله تعالى وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك محمد على حذف المضاف وإجراء أحكامه على المضاف إليه والإخراج باعتبار السبب على ما صرح به البيضاوي رحمه الله وغيره وجب على كل مؤمن نصره أي نصر الحارث وهو الظاهر أو نصر المنصور وهو الأبلغ أو نصر من ذكر منهما أو نصر المهدي بقرينة المقام إذ وجوب نصرهما على أهل بلادهما ومن يمران به لكونهما من أنصار المهدي أو قال إجابته شك من الراوي والمعنى قبول دعوته والقيام بنصرته رواه أبو داود أي في باب المهدي بناء على المعنى المتبادر أو لما قام عنده من الدليل الظاهر قال السيد وفيه انقطاع وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع أي سباع الوحش كالأسد أو سباع الطير كالبازي ولا منع من الجمع الإنس أي جنس الإنسان من المؤمن والكافر وحتى تكلم


الرجل في تقديم المفعول هنا تفنن في العبارة وبيان جواز في الاستعمال مع أنه يجب تأخير الفاعل في مثل هذا الحال عذبة سوطه بفتح العين المهملة والذال المعجمة أي طرفه على ما في القاموس وغيره وقال شارح أي رأس سوطه وهي قد تكون في طرفه يساق به الفرس من عذب الماء إذا طاب وساغ في الحلق إذ بها يطيب سير الفرس ويستريح راكبه وقيل من العذاب إذ بها يجلد الفرس ويعذب فيرتاض ويهذب به أهله بعده وشراك نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده رواه الترمذي وكذا الحاكم وصححه

الفصل الثالث


عن أبي قتادة قال قال رسول الله الآيات أي آيات الساعة وعلامات القيامة تظهر باعتبار ابتدائها ظهورا كاملا بعد المائتين أي من الهجرة أو من دولة الإسلام أو من وفاة النبي ويحتمل أن يكون اللام في المائتين للعهد أي بعد المائتين بعد الألف وهو وقت ظهور المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام وتتابع الآيات من طلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض وظهور يأجوج ومأجوج وأمثالها قال الطيبي الآيات بعد المائتين مبتدأ وخبر أي تتابع الآيات وظهور أشراط الساعة على التتابع والتوالي بعد المائتين ويؤيده قوله في الحديث السابق وآيات تتابع كنظام قطع سلكه فتتابع والظاهر اعتبار المائتين بعد الإخبار انتهى ولا يخفى عدم ظهوره على ذوي النهى رواه ابن ماجه وكذا الحاكم في مستدركه وعن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا رأيتم المقصود منه الخطاب العام أي إذا أبصرتم الرايات أي الأعلام السود ويحتمل أن يكون السواد كناية عن كثرة عساكر المسلمين من قبل خراسان الظاهر أنهم عسكر الحارث والمنصور فأتوها أي فاتوا الرايات واستقبلوا أهلها واقبلوا أمر أميرها فإن فيها خليفة الله المهدي أي نصرته وإجابته فلا ينافي أن ابتداء ظهور المهدي إنما يكون في الحرمين الشريفين ثم دل ظاهر على جوازان يقال فلان خليفة الله إذا كان على طريق الحق وسبيل العدل وقد سبق منعه لكن قد يؤول بأن المراد منه أنه منصوب من الله خليفة لأنبيائه فيصح أن يكون المنصوب هو


المنسوب ونظيره قوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله النساء رواه أحمد أي في مسنده والبيهقي في دلائل النبوة وكذا الحاكم في مستدركه وعن أبي إسحاق الظاهر أن المراد به أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي قال المؤلف رأى عليا وابن عباس وغيرهما من الصحابة وسمع البراء بن عازب وزيد بن أرقم وروى عنه الأعمش وشعبة والثوري وهو تابعي مشهور كثير الرواية ولد لسنتين من خلافة عثمان ومات سنة تسع وعشرين ومائة قال قال علي رضي الله تعالى عنه أي موقوفا ونظر إلى ابنه الحسن قال الجملة حال معترضة بين القول ومقوله وأتى بقوله قال أما تأكيد للمبالغة أو لتوهم الاطالة إن ابني هذا إشارة إلى تخصيص الحسن لئلا يتوهم أن المراد هو الحسين أو الجنس سيد كما سماه رسول الله أي بقوله على ما سيأتي في المناقب أن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وسيخرج من صلبه أي من ذريته رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق بضم الخاء واللام وتسكن ولا يشبهه في الخلق أي في جميعه إذ سبق بعض نعته الموافق لخلقه ثم ذكر قصة يملأ الأرض عدلا بالإضافة ودونها فهذا الحديث دليل صريح على ما قدمناه من أن المهدي من أولاد الحسن ويكون له انتساب من جهة الأم إلى الحسين جمعا بين الأدلة وبه يبطل قول الشيعة أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري القائم المنتظر فإنه حسيني بالاتفاق لا يقال لعل عليا رضي الله تعالى عنه أراد به غير المهدي فإنا نقول يبطله قصة يملأ الأرض عدلا إذ لا يعرف في السادات الحسينية ولا الحسنية من ملأ الأرض عدلا إلا ما ثبت في حق المهدي الموعود رواه أبو داود ولم يذكر القصة هذا أعني ولم يذكر القصة كلام جامع الأصول نقله عنه صاحب المشكاة وهذا معنى كلام الطيبي رحمه الله قوله لم يذكر القصة التعريف فيه للعهد وهذا كلام جامع الأصول وليس في سنن أبي داود ثم اعلم أن حديث لا مهدي إلا عيسى ابن مريم ضعيف باتفاق المحدثين كما صرح به


الجزري على أنه من باب لا فتى إلا علي قال الطيبي رحمه الله الأحاديث عنه في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث فالحكم لها دونه قال ويحتمل معناه لا مهدي كاملا معصوما إلا عيسى عليه السلام انتهى وأخرج
الدارقطني في سننه عن محمد بن علي قال إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق الله السموات والأرض ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان وتنكسف الشمس في النصف منه كذا في العرف الوردي في أخبار المهدي للجلال السيوطي رحمه الله وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال فقد الجراد أي عدم في سنة أي عام من سني عمر أي من أيام خلافته التي توفي فيها صفة لسنة فاهتم أي اغتم عمر بذلك أي بفقده هما شديدا أي خوفا من هلاك سائر الأمم لما سيأتي فبعث إلى اليمن راكبا وراكبا إلى العراق وهو المشرق ففتن في العبارة وراكبا إلى الشام ولعل عدم بعثه إلى الغرب لبعده أو لفصله بالبحر أو لقلة وجوده غالبا في ذلك القطر يسأل أي عمر أو كل من الركبان يتفحص عن الجراد وقوله هل أرى روي معلوما ومجهولا أي بعث قائلا هل أرى منه أي من الجراد شيئا أي من أثره أو خبره وهو تمن فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة بفتح القاف والضاد المعجمة أي بمقبوضة من الجراد فنثرها بين يديه فلما رآها عمر كبر أي فرحا لما سيأتي وقال أي عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله يقول إن الله عز وجل خلق ألف أمة المراد كل جنس من أجناس الدواب كما في قوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم الأنعام ستمائة بالرفع منها أي من الألف في البحر وأربعمائة في البر وفي نسخة بالنصب في ستمائة وأربعمائة على البدلية من ألف أمة فإن أول هلاك هذه الأمة إشارة إلى قوله ألف أمة فالمراد بها الجنس الجراد وفي رواية إن أول هذه الأمة بدون لفظ هلاك فيقدر هلاكا أو المراد أن أول هذه الأمة خلقا الجراد ويمكن أن يكون المراد بهذه الأمة أمته فإذا هلك


الجراد تتابعت الأمم أي في الهلاك كنظام السلك أي كتتابع خرز منظوم الخيط في النثر إذا انقطع السلك أو كتتابع وجود الخرز في حال نظام السلك لأن المقصود من التشبيه هو التوالي وهو حاصل في الصورتين لكن الأول أبلغ وأكمل في ملاحظة وجه الشبه في الهلال رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
وفي نسخة باب علامات وقوله بين يدي الساعة أي قدامها وأصله أن يستعمل في مكان يقابل صدر الشخص مما بين يديه ثم نقل إلى الزمان ثم قوله وذكر الدجال من باب التخصيص بعد التعميم وهو من دجل إذا ساح في الأرض ويقال دجل فلان الحق إذا أعطاه وفي النهاية أصل الدجل الخلط يقال دجل إذا لبس وموه والدجال فعال من أبنية المبالغة أي يكثر منه الكذب والتلبيس وهو الذي يظهر في آخر الزمان يدعي الإلهية

الفصل الأول
وعن حذيفة بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة ذكره ابن الملك ولم يذكره المؤلف في أسمائه الغفاري بكسر الغين المعجمة نسبة إلى قبيلة منهم أبو ذر قال اطلع بتشديد الطاء أي أشرف النبي علينا أي وشرفنا بطلعة وجهه المشتمل على الخدين الغالب نورهما على طلوع القمرين حيث يستفاد منه ضياء الدارين ونحن نتذاكر أي فيما بيننا فقال ما تذكرون أي بعضكم مع بعض قالوا وفي نسخة قلنا نذكر الساعة أي أمر القيامة واحتمال قيامها في كل ساعة قال إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات أي علامات فذكر أي النبي بيانا للعشر الدخان قال الطيبي رحمه الله هو الذي ذكر في قوله تعالى يوم تأتي السماء بدخان مبين الدخان وذلك كان في عهد رسول الله انتهى ويؤيده ما قال ابن مسعود وهو عبارة عما أصاب قريشا من القحط حتى يرى الهواء لهم كالدخان لكن قال حذيفة هو على حقيقته لأنه سئل عنه فقال يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة والمؤمن يصير كالزكام والكافر كالسكران فقوله يصير كالزكام أي كصاحب أو مصدر بمعنى المفعول أي كالمزكوم أو هو من باب المبالغة


كرجل عدل والدجال والدابة وهي المذكورة في قوله تعالى أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم النمل وطلوع الشمس من مغربها قيل للدابة ثلاث خرجات أيام المهدي ثم أيام عيسى ثم بعد طلوع الشمس من مغربها ذكره ابن الملك ونزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام أي المنضم إلى ظهور المهدي الأعظم فهو من باب الاكتفاء وقد روى الطبراني عن أوس بن أوس مرفوعا ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق وروى الترمذي عن مجمع بن جارية مرفوعا يقتل ابن مريم الدجال بباب لد في النهاية هو موضع بالشام وقيل بفلسطين كذا في شرح الترمذي للسيوطي وفي القاموس لد بالضم قرية بفلسطين يقتل عيسى عليه الصلاة والسلام الدجال عند بابها هذا وقد قيل إن أول الآيات الدخان ثم خروج الدجال ثم نزول عيسى عليه الصلاة والسلام ثم خروج يأجوج ومأجوج ثم خروج الدابة ثم طلوع الشمس من مغربها فإن الكفار يسلمون في زمن عيسى عليه السلام حتى تكون الدعوة واحدة ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزوله لم يكن الإيمان مقبولا من الكفار فالواو لمطلق الجمع فلا يردان نزوله قبل طلوعها ولا ما سيأتي أن طلوع الشمس أول الآيات ويأجوج ومأجوج بألف فيهما ويهمز أي خروجهما وثلاثة خسوف قال ابن الملك قد وجد الخسف في مواضع لكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائد على ما وجد كأن يكون أعظم مكانا وقدرا خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب بالرفع في الثلاثة على تقدير أحدها أو منها ولو روي بالجر لكان له وجه من البدلية وآخر ذلك أي ما ذكر من الآيات نار تخرج من اليمن وفي رواية تخرج من أرض الحجاز قال القاضي عياض لعلها ناران تجتمعان تحشران الناس أو يكون ابتداء خروجها من اليمن وظهورها من الحجاز ذكره القرطبي رحمه الله ثم الجمع بينه وبين ما في البخاري من أن أول أشراط الساعة نار تخرج من المشرق إلى المغرب بأن آخريتها باعتبار ما ذكر من الآيات وأوليتها


باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلا بل يقع بانتهائها النفخ في الصور بخلاف ما ذكر معها فإنه يبقى مع كل آية منها أشياء من أمور الدنيا كذا ذكره بعض المحققين من العلماء الموفقين تطرد أي تسوق تلك النار الناس إلى محشرهم بفتح الشين ويكسر أي إلى مجمعهم
وموقفهم قيل المراد من المحشر أرض الشام إذ صح في الخبر أن الحشر يكون في أرض الشام لكن الظاهر أن المراد أن يكون مبتدؤه منها أو تجعل واسعة تسع خلق العالم فيها وفي رواية أي لمسلم أو غيره نار تخرج من قعر عدن أي أقصى أرضها وهو غير منصرف وقيل منصرف باعتبار البقعة والموضع ففي المشارق عدن مدينة مشهورة باليمن وفي القاموس عدن محركة جزيرة باليمن تسوق أي تطرد النار الناس إلى المحشر وفي رواية في العاشرة أي في بيانها وبدلا عما ذكر فيها من النار وريح تلقي الناس في البحر ولعل الجمع بينهما أن المراد بالناس الكفار وأن نارهم تكون منضمة إلى ريح شديدة الجري سريعة التأثير في إلقائها إياهم في البحر وهو موضع حشر الكفار أو مستقر الفجار كما ورد أن البحر يصير نارا ومنه قوله تعالى وإذا البحار سجرت التكوير بخلاف نار المؤمنين فإنها لمجرد التخويف بمنزلة السوط مهابة لتحصيل السوق إلى المحشر والموقف الأعظم والله تعالى أعلم رواه مسلم وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وعن أبي هريرة قال قال رسول الله بادروا أي أسرعوا وسابقوا بالأعمال أي الصالحة النافعة في الآخرة ستا أي ست آيات أي علامات لوجود الساعة إذ يعسر العمل ويصعب فيما بعدها أو لم يقبل ولم يعتبر بعد تحققها الدخان والدجال ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر العامة أي الفتنة التي تعم الناس أو الأمر الذي يستبد به العوام ويكون من قبلهم دون الخواص من تأمير الأمة وخويصة أحدكم بضم وفتح وسكون وتشديد وهو تصغير خاصة أي الوقعة التي تخص أحدكم قيل يريد الموت وقيل هي ما يختص به الإنسان من الشواغل


المتعلقة في نفسه وماله وما يهتم به وصغرت لإستصغارها في جنب سائر الحوادث من البعث والحساب وغير ذلك ويؤيده ما قررناه بحسب ما حررناه ما قاله الشارح بعين ما ذكرناه أي قبل ظهور الآيات الست المذكورة في الحديث لأن ظهورها يوجب عدم قبول إيمان اليأس لكونها ملجئة إلى الإيمان فلا ثواب للمكلف عند الالجاء على عمله فإذا انقطع الثواب انقطع التكليف وقال القاضي أمرهم أن يبادروا بالأعمال قبل نزول هذه الآيات فإنها إذا نزلت دهشتهم وشغلتهم عن الأعمال أو سد عليهم باب التوبة وقبول الأعمال وفي الفائق معنى مبادرة الست بالأعمال الانكماش في


الأعمال الصالحة والاهتمام بها قبل وقوعها وتأنيث الست لأنها دواه ومصائب رواه مسلم وكذا أحمد في مسنده وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال سمعت رسول الله يقول إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها قال الطيبي رحمه الله فإن قيل طلوع الشمس من مغربها ليس أول الآيات لأن الدخان والدجال قبله قلنا الآيات إما أمارات لقرب قيام الساعة وإما أمارات دالة على وجود قيام الساعة وحصولها ومن الأول الدخان وخروج الدجال ونحوهما ومن الثاني ما نحن فيه من طلوع الشمس من مغربها والرجفة وخروج النار وطردها الناس إلى المحشر وإنما سمي أولا لأنه مبتدأ القسم الثاني ويؤيده حديث أبي هريرة بعده لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها وخروج الدابة هي بالرفع عطف على طلوع الشمس وهو خبر أول فيلزم أن يكون الأول متعددا ولهذا قال ابن الملك ولعل الواو بمعنى أو ويؤيده ما في رواية أو خروج الدابة على الناس ضحى بالتنوين أي وقت ارتفاع النهار ثم الظاهر أن نسبة الأولية الحقيقية إليهما مبهمة وأنها بالنسبة إلى أحدهما مجازية ولذا قال وأيهما ولفظ الجامع فأيتهما بالفاء والتأنيث ما كانت ما زائدة أي وأي الآيتين المذكورتين وقعت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها بفتحتين وبكسر فسكون أي تحصل عقبها قريبا أي حصولا أو وقوعها قريبا وقد تقدم ما يتعلق بتحقيق الترتيب بينهما وقال ابن الملك إن قيل كل منهما ليس بأول الآيات لأن بعض الآيات وقع قبلهما قلنا الآيات إما أمارات دالة على قربها فأولها بعثة نبينا أو أمارات متوالية دالة على وقوعها قريبا وهي المرادة هنا وأما حديث أن أولها خروج الدجال فلا صحة له كذا في جامع الأصول رواه مسلم وكذا أحمد وأبو داود وابن ماجه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ثلاث أي آيات إذا خرجن فيه


تغليب أو معناه ظهرت والمراد هذه الثلاث بأسرها لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض وقدم الطلوع وإن كان متأخرا في الوقوع لأن مدار عدم قبول التوبة عليه وإن ضم خروج غيره إليه رواه مسلم وكذا الترمذي وعن أبي ذر قال قال رسول الله حين غربت الشمس أتدري أين تذهب هذه أي الشمس والإشارة للتعظيم قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش قال بعض المحققين لا يخالف هذا قوله تعالى وجدها تغرب في عين حمئة الكهف فإن المراد بها نهاية مدرك البصر وسجودها تحت العرش إنما هو بعد الغروب وفي الحديث رد على من زعم أن المراد بمستقرها غاية ما تنتهي إليه في الارتفاع وذلك يوم في السنة إلى منتهى أمرها عند انتهاء الدنيا قال الخطابي يحتمل أن يراد بذلك أنها تستقر تحته استقرارا علمنا لا يحيط به فتستأذن بالرفع في أصل السيد وبعض النسخ المصححة وكذا قوله فيؤذن لها ويوشك أن تسجد ولا يقبل بالتذكير أي السجود والظرف هو نائب الفاعل ويؤنث أي السجدة منها أي من الشمس وهو مرفوع وقيل منصوب وكذا قوله وتستأذن فلا يؤذن لها ويقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى والشمس تجري لمستقر لها قال مستقرها تحت العرش وقوله لمستقر لها قال الخطابي عن بعض أهل التفسير معناه أن الشمس تجري لأجل قدر لها يعني إلى انقطاع مدة بقاء العالم وقال بعضهم مستقرها غاية ما تنتهي إليه في صعودها وارتفاعها لأطول يوم من الصيف ثم تأخذ في النزول في أقصى مشارق الشتاء لأقصر يوم في السنة وأما قوله مستقرها تحت العرش فلا ينكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده وإنما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه لأن علمنا لا يحيط به ذكره الطيبي متفق عليه رواه الترمذي والنسائي


وعن عمران بن حصين قال سمعت رسول الله يقول ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر ما نافية والمعنى ليس فيما بينهما فتنة أكبر أي أعظم من الدجال لعظم فتنته وبليته ولشدة تلبيسه ومحنته رواه مسلم وفي الجامع رواه أحمد ومسلم عن هشام بن عامر فلينظر في الأصول ليتحقق النقول وعن عبد الله أي ابن مسعود قال قال رسول الله إن الله لا يخفي عليكم أي بالنظر إلى نعوته الثبوتية وصفاته السلبية وتنزهه عن العيوب والنقائص وسائر الحدوثات الزمانية والمكانية فالجملة توطئة لقوله إن الله ليس بأعور ومفهومه لا يعتبر فإن المراد به نفي النقص والعيب لا إثبات الجارحة بصفة الكمال قال الطيبي رحمه الله هو للنزيه كما وصف سبحانه في قوله ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون النحل وإن المسيح بحاء مهملة هو الصواب المعروف وهو فعيل بمعنى فاعل لأنه يمسح الأرض جميعها بسرعة أو بمعنى مفعول فإنه ممسوح إحدى العينين قال السيوطي رحمه الله نقلا عن أبي بكر بن العربي إن من شدد سينه أو أعجم حاءه فقد حرف انتهى وهو لقب مشترك بينه وبين عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام لكنه يطلق عليه بمعنى الماسح لحصول البرء ببركة مسحه وبمعنى الممسوح لنزوله نظيفا من بطن أمه وفي القاموس المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام لبركته وذكرت في اشتقاقه خمسين قولا في شرحي لمشارق الأنوار وغيره والدجال لشؤمه أو هو كسكين والممسوح بالشؤم والكثير السياحة كالمسيح كسكين والممسوح الوجه والكذاب الدجال تقدم معناه أعور عين اليمنى من باب إضافة الموصوف إلى الصفة ومن لم يجوزه كالطيبي قال أي عين الجثة أو الجهة اليمنى كأن بتشديد النون عينه أي العوراء أو الأخرى عنبة أي شبيهة بها فهو تشبيه بليغ طافية بالياء ويهمز أي مرتفعة قال ميرك روي بهمز وتركه وكلاهما صحيح قال الطيبي رحمه الله وهي الناتئة عن حد أخواتها من الطفو وهو أن يعلو الشيء على الماء انتهى ومنه الطافي من السمك ولا


تنافي بين هذه الرواية وبين ما روي أنها ليست بناتئة ولا حجراء أي لا طافية مرتفعة ولا غائرة منحجرة لإمكان اجتماع الوصفين باختلاف المعنيين وقال ابن الملك في شرح المشارق طافية بالهمز أي ذهب ضوؤها وروي بغير الهمز أي ناتئة بارزة قال التوربشتي رحمه الله في الأحاديث التي وردت في وصف الدجال وما يكون منه كلمات متنافرة يشكل التوفيق بينها ونحن نسأل الله التوفيق في التوفيق بينها وسنبين كلا منها على حدته في الحديث الذي ذكر فيه أو تعلق به ففي هذا الحديث أنها طافية وفي آخر أنه جاحظ العين كأنها كوكب وفي آخر أنها ليست بناتئة ولا حجراء والسبيل في التوفيق بينها أن نقول إنما اختلف الوصفان بحسب اختلاف المعنيين ويؤيد ذلك ما في حديث ابن عمر هذا أنه أعور عين اليمنى وفي حديث حذيفة أنه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة وفي حديثه أيضا أنه أعور عين اليسرى ووجه الجمع بين هذه الأوصاف المتنافرة أن يقدر فيها أن إحدى عينيه ذاهبة والأخرى معيبة فيصح أن يقال لكل واحدة عوراء إذ الأصل في العور العيب وذكر نحوه الشيخ محيي الدين كذا في شرح الطيبي رحمه الله متفق عليه وعن أنس قال قال رسول الله ما من نبي إلا قد أنذر أمته الأعور الكذاب أي خوفهم به ولا يشكل هذا بما ثبت أنه يقتله عيسى ابن مريم بعد أن ينزل ويحكم بالشريعة المحمدية لأن تعيين وقت خروجه غير معلوم لهم حين أنذروا قومهم وأيضا يحمل على هذا ما في بعض طرقه إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه على ما سيأتي فإن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه وعلاماته ثم تبين له وقت خروجه فأخبر به على أنه يحتمل أن الإبهام إنما وقع بسبب أن العلامات قد يكون وجودها معلقا بشرط فإذا فقد يتصور خروجه بعدم ظهورها ونظيره خوف الأنبياء والمرسلين صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين مع تحقق عصمتهم وثبوت أمنهم من العذاب المهين وكذلك خشية العشرة المبشرة بالجنة على لسان سيد المرسلين أو لأنه لا يجب على الله


تعالى شيء وأفعاله لا تعلل والأسباب لا يتعين وجودها ولا تأثير لها أيضا بعد حصولها ولعل هذا هو الوجه في السر إليهم حتى ظهر على لسان صاحب الدين الأقوم والله سبحانه وتعالى أعلم أو يقال إن المراد بالدجال كل من يدعي الألوهية من الرجال كفرعون وشداد ونمروذ وسائر الأبطال ولا يخلو كل منهم من نقصان العور سواء مما بطن فيه أو ظهر عند أهل النظر لكن إذا جاء القدر عمي البصر وبطل الحذر
ويكون الدجال الموعود أشر وفتنة وبلية على العامة أظهر وكبرياء ربنا وعظمته أكبر من أن يعرف كنهه أو يقدر ومظاهر تجلياته الجمالية والجلالية أكثر من أن تحصى وتحصر وقد قال الشيخ أبو مدين المغربي لا تنكر الباطل في طوره فإنه بعض ظهوراته فينبغي للسالك أن يقول دائما بعد امتثال الأوامر واجتناب النواهي إلهي أرنا الأشياء كما هي وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارتكابه ألا للتنبيه إنه أي الدجال أعور أي وهو الغالب أن يكون طالبا للشر وإن ربكم ليس بأعور أي تنزه أن يكون ناقصا ومعيبا في ذاته وصفاته وهذا الكلام منه عليه الصلاة والسلام من باب التنزل إلى عقل العوام وفهومهم كما ورد كلم الناس على قدر عقولهم ونظيره ما في التنزيل إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ألهم أرجل يمشون بها أو لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أو لهم آذان يسمعون بها الأعراف والمعنى أن الأصنام مع كمال عجزهن ونقصان آلاتهن بالنسبة إلى العابدين كيف يصلحن أن يكن في مرتبة المعبودين وليس القصد أنهن لو فرض أن تكون هذه الأعضاء ثابتة لهن لكان يجوز أن يعبدن وقد روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لأمه من ربي فقالت أنا فقال من ربك قالت أبوك قال من ربه قالت نمروذ قال من ربه قالت هو الرب الأكبر لأن جنده أكثر فقال لأمه إن كان الأمر كذلك فلأي شيء صورته قبيحة وصورة غلمانه مليحة وخلاصة


الكلام أنه عليه الصلاة والسلام جعل ذلك العيب الأكبر والنقصان الأظهر علامة كذبه وكفره لئلا يبقى للناس عذر في قبول تلبيسه ومكره مع أن الدلائل العقلية والبراهين النقلية تشهد على أن الجسم لا يكون إلها وأن الحادث المعيوب لا يصح أن يكون معبودا مكتوب بين عينيه ك ف ر فيه إشارة إلى أنه داع إلى الكفر لا إلى الرشد فيجب اجتنابه وهذه نعمة عظيمة من الله في حق هذه الأمة حيث ظهر رقم الكفر بين عينيه قال الطيبي رحمه الله ولعل المراد بالتنصيص أن لا يتوهم فيه السماحة من حيث المعنى قال النووي رحمه الله هو بيان علامة تدل على كذب الدجال دلالة قطعية بديهية يدركها كل أحد ولم يقتصر على لحوقه جسما أو غير ذلك من الدلائل القطعية لكون بعض العقول لا يهتدي إليها متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ألا للتنبيه أحدثكم حديثا عن


الدجال ما حدث أي حديثا لم يحدث به نبي قومه ويمكن أن تكون الهمزة للاستفهام ولا للنفي وبلى مقدرة محذوفة أو بادر جوابهم بقوله إنه أعور أي مصور بصورة كريهة ظاهرة ومزور بسيرة مموهة باهرة على طريقة الطائفة الساحرة وهذا معنى قوله وإنه أي الشأن يجيء معه بمثل الجنة وفي رواية بمثال الجنة والنار فالباء للتعدية والمعنى إنه يأتي بصورتهما معه في نظر الناس مما يقلب الله تعالى حقيقتهما في حق المؤمنين والباء زائدة أي يسير معه مثلهما ويصحب له شكلهما ويؤيده ما في رواية يجيء معه تمثال بكسر المثناة الفوقية بدل الجار أي صورتهما فالتي أي فالصورة التي يقول إنها الجنة أي ويظهر بادي الرأي أنها النعمة هي النار أي ذات النقمة والظاهر أن هذا من باب الاكتفاء ويدل عليه الحديث الذي يليه فالتقدير والتي يقول إنها النار هي الجنة ونظيره الدنيا في نظر العارفين من أن نقمتها نعمة ونعمتها نقمة ومحنها منحة ومنحها محنة وحسنها وقبحها مختلفة كالنيل ماء للمحبوبين ودماء للمحجوبين وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين الإسراء قال شارح يعني من دخل جنته استحق النار لأنه صدقه فأطلق اسم السبب على المسبب أقول وكذا من لم يطعه ورماه في النار استحق دخول الجنة لأنه كذبه لكن الأظهر أنهما ينقلبان وينعكسان بالفعل عليهما كما ورد في أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ومنه قوله تعالى يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم الأنبياء وكذا الدنيا المكدرة المسماة بالسجن تصير جنة للعارفين الواقفين في مقام الرضا كما قيل في قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحم ن جنة في الدنيا وجنة في العقبى وكذا زهرة الدنيا بالنسبة إلى أربابها لعدم حضورهم مع ربها كالسم في الدسم والهم في الدرهم والنار في الدينار وربما لا يحسون بها كالمجنون والمجروح في حال ابتداء الجراحة وكالمصروع ولذا قيل سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار وقضية


ولد السلطان حال كونه سكران وعناقه للميتة العجوز المعطرة مشهورة بين أهل العرفان قال النووي رحمه الله هذه الأحاديث حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عبادة وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله وظهور زهرة الدنيا والخصب معه واتباع كنوز الأرض له وأمر السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويقتله عيسى ابن مريم ويثبت الله الذين آمنوا وقصته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأرض ولا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء دلائل الحدوث والنقص فيصدقه من يصدقه في هذه الحالة ولهذا حذرت الأنبياء عليهم الصلاة و السلام من فتنته ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله وأما أهل التوفيق فلا


يغترون ولا ينخدعون بما فيه لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه فإن قيل لم خص نوحا عليه الصلاة والسلام بالذكر قلت فإن نوحا عليه الصلاة والسلام تقدم المشاهير من الأنبياء كما خصه بالتقديم في قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الشورى ذكره الطيبي رحمه الله وفيه أنه إنما يتم هذا إن صح أن من سبقه من الأنبياء أنذر قومه وإلا فيترك على حقيقة أوليته ويدل عليه حديث إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا قد أنذر الدجال قومه وأما تقديمه في الآية فلكونه مقدما على سائر أولي العزم من الرسل بحسب الوجود ولذا قدم نبينا في آية أخرى على أولي العزم لكون تقدمه وجودا ورتبة وهي قوله سبحانه جل جلاله وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم الأحزاب وحاصله أن الخمسة هم أولو العزم من الرسل واجتمع ذكرهم في الآيتين المذكورتين والله تعالى أعلم متفق عليه وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي قال إن الدجال يخرج وإن معه ماء أي وما يتولد منه من أسباب النعم بحسب الظاهر المعبر عنه بالجنة فيما تقدم يرغب إليه من أطاعه ونارا أي ما يكون ظاهره سببا للعذاب والمشقة والألم يخوف به من عصاه فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق وأما الذي يراه الناس نارا فماء بارد عذب أي حلو يكسر العطش والمعنى أن الله تعالى يجعل ناره ماء باردا عذبا على من كذبه وألقاه فيها غيظا كما جعل نار نمروذ بردا وسلاما على إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويجعل ماءه الذي أعطاه من صدقه نارا محرقة دائمة ومجمله أن ما ظهر من فتنته ليس له حقيقة بل تخيل منه وشعبذة كما يفعله السحرة والمشعبذون مع احتمال أن الله تعالى يقلب ناره وماءه الحقيقيان فإنه على كل شيء قدير فمن أدرك ذلك أي الدجال أو ما ذكر من تلبيسه منكم فليقع في الذي يراه نارا أي فليختر تكذيبه ولا يبالي بإيقاعه فيما يراه نارا فإنه


ماء عذب طيب أي في الحقيقة أو بالقلب أو بحسب المآل والله تعالى أعلم بالحال والكلام من باب الاكتفاء فالتقدير ولا يصدقه مغترا بما يراه معه ماء فإنه نار وعذاب وحجاب متفق عليه وزاد مسلم وإن الدجال
ممسوح العين أي موضع إحدى عينيه ممسوح مثل جبهته ليس له أثر العين قال القاضي رحمه الله أي ممسوح إحدى عينيه للحديث السابق ونظائره عليها أي على العين الأخرى بحيث لا تواري الحدقة بأسرها لتعميها ظفرة بفتحتين أي لحمة غليظة أو جلدة أو على العين الممسوحة ظفرة مكتوب بين عينيه كافر كما سبق يقرؤه كل مؤمن كاتب بالجر بدلا من مؤمن وفي نسخة بالرفع بدل بعض من كل وغير كاتب وفي رواية لمسلم عن أنس مرفوعا الدجال ممسوح العين مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مسلم وعنه أي عن حذيفة قال قال رسول الله الدجال أعور العين اليسرى قد سبق أنه أعور العين اليمنى وأنه ممسوح إحدى عينيه فالجمع أن يقال إحدى عينيه ذاهبة والأخرى معيبة فيصح أن يقال لكل واحدة عوراء إذ العور في الأصل هو العيب وقيل إن الأعور إنما يكون بالنسبة إلى أشخاص متفرقة فقوم يرونه أعور اليسرى وقوم يرونه أعور اليمنى ليدل على بطلان أمره لأنه إذا كان لا يرى خلقته كما هي دل على أنه ساحر كذاب قال شارح ويحتمل أن يكون أحدهما من سهو الراوي وفي الجامع روى البخاري في تاريخه عن أبي هريرة مرفوعا الدجال عينه خضراء فهو كالحرباء والغول متلون بألوان شتى جفال الشعر بضم الجيم أي كثير الشعر المجتمعة كذا في الفائق مكسر معه جنته وناره فناره جنة وجنته نار رواه مسلم وكذا أحمد وابن ماجه وعن النواس بتشديد الواو ابن سمعان بكسر السين ويفتح قال ذكر رسول الله الدجال أي خروجه وسائر أموره وابتلاء الناس به فقال إن يخرج وأنا فيكم أي موجود فيما بينكم فرضا وتقديرا فأنا حجيجه فعيل بمعنى الفاعل من الحجة وهي


البرهان أي غالب عليه بالحجة دونكم أي قدامكم ودافعه عنكم وأنا إمامكم وأمامكم وفيه إرشاد إلى أنه كان في المحاجة معه غير محتاج إلى معاونة معاون من أمته في غلبته عليه بالحجة كذا ذكره الطيبي رحمه الله والأظهر أنه يدفعه بنور النبوة ويدفع خارق عادته الباطل بمعجزاته المقرونة بالحق من غير دليل وبرهان لأن بطلانه أظهر من الشمس عند أرباب العرفان وأيضا هو من المصممين على الباطل من دعوته ولم يلتفت إلى المجادلة وإثبات الأدلة وإلا فيحمد الله سبحانه من يوجد في الأمة من يحقق الملة بالحجة لا سيما خاتمة الأولياء وهو المهدي وزبدة الأنبياء وهو عيسى عليه الصلاة والسلام وحاصله أنه لا ينفع معه الكلام فدفعه إما بإعدامه مع وجود سيد الأنام أو بذوبانه وقتله على يد عيسى عليه الصلاة والسلام هذا ما ظهر لي في هذا المقام والله سبحانه وتعالى أعلم بالمرام قال التوربشتي رحمه الله فإن قيل أو ليس قد ثبت في أحاديث الدجال أنه يخرج بعد خروج المهدي وأن عيسى عليه الصلاة والسلام يقتله إلى غير ذلك من الوقائع الدالة على أنه لا يخرج ونبي الله بين أظهرهم بل لا تراه القرون الأولى من هذه الأمة فما وجه قوله إن يخرج وأنا فيكم قلت إنما سلك هذا المسلك من التورية لإبقاء الخوف على المكلفين من فتنه والملجأ إلى الله تعالى من شره لينالوا بذلك من الله ويتحققوا بالشح على دينهم وقال المظهر يحتمل أن يريد تحقق خروجه والمعنى لا تشكوا في خروجه فإنه سيخرج لا محالة وأن يريد به عدم علمه بوقت خروجه كما أنه كان لا يدري متى الساعة قال الطيبي رحمه الله والوجه الثاني من الوجهين هو الصواب لأنه يمكن أن يكون قوله هذا قبل علمه بذلك أقول كان حقه أن يقول هو الظاهر ليطابق تعليله بقوله لأنه يمكن إذ مع الإ مكان لا يقال في حق أحدهما هو الصواب لاحتمال الخطأ في كل واحد منهما والله تعالى أعلم بالصواب وخلاصة المعنى أني إن كنت فيكم فأكفيكم شره وقت خروجه وإن


يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه بالرفع أي فكل أمرىء يحاجه ويحاوره ويغالبه لنفسه كذا قاله الطيبي رحمه الله أي ليدفع شره عن نفسه بما عنده من الحجة كما قاله ابن الملك لكن هذا على تقدير أنه يسمع الحجة وإلا فالمعنى إن كل أحد يدفع عن نفسه شره بتكذيبه واختيار صورة تعذيبه والله خليفتي على كل مسلم يعني والله سبحانه وتعالى ولي كل مسلم وحافظه فيعينه عليه ويدفع شره وهذا دليل على أن المؤمن الموقن لا يزال منصورا وإن لم يكن معه نبي ولا إمام ففيه رد على الإمامية من الشيعة إنه أي الدجال وهو استئناف بيان لبعض أحواله وتبيان لبعض ما يفيد في دفع شر أفعاله شاب فيه إشعار بأنه غير ابن الصياد وإيماء إلى أنه محروم من بياض الوقار وثابت على اشتداد السواد في الظاهر الذي هو عنوان الباطن من سواد الفؤاد قطط بفتح القاف والطاء أي شديد جعودة الشعر وفيه إيماء إلى استحباب


تسريح الشعر دفعا للمشابهة بالهيئة البشيعة عينه طافية بالياء ويهمز أي مرتفعة كأني أشبهه بتشديد الموحدة أي أمثله بعبد العزى بضم العين وتشديد الزاي بن قطن بفتحتين وهو يهودي قاله شارح وقال الطيبي رحمه الله قيل إنه كان يهوديا ولعل الظاهر أنه مشرك لأن العزى اسم صنم ويؤيده ما جاء في بعض الحواشي هو رجل من خزاعة هلك في الجاهلية ثم قال الطيبي رحمه الله لم يقل كأنه عبد العزى لأنه لم يكن جازما في تشبيهه به قلت لا شك في تشبيهه به إلا أنه لما كان معرفة المشبه في عالم الكشف أو المنام عبر عنه بكأني كما هو المعتبر في تعبير حكاية الرؤيا والله تعالى أعلم ويمكن أن يقال لما لم يوجد في الكون أقبح صورة منه فلا يتم التشبيه من جميع الوجوه بل ولا من وجه واحد عدل عن صيغة الجزم وعبر عنه بما عبر عنه ثم في صيغة الحال إشعار باستحضار صورة المآل فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف أي أوائلها إلى كذبا الكهف لدلالة تلك الآيات على معرفة ذات الله وصفاته لكن لفظه من أدرك الدجال فليقرأ عليه خواتمها فإنها جوار له من فتنته وثبوت كتابه وآيات بيناته وصدق رسوله وإتيانه بمعجزاته ما يصير خوارق عادات الدجال هباء منثورا وإن تابعه يدعو هلاكا وثبورا قال الطيبي رحمه الله المعنى أن قراءته أمان له من فتنته كما أمن تلك الفتية من فتنة دقيانوس الجبار وفي رواية أي لمسلم أيضا فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنة أي بلية الدجال والجوار بكسر الجيم وفي آخره راء على ما في نسخة السيد والشيخ الجزري وكثير من النسخ المصححة وفي بعضها بفتح الجيم وزاي في آخره وهو الصك الذي يأخذه المسافر من السلطان أو نوابه لئلا يتعرض لهم المترصدة في الطريق واقتصر عليه شارح المصابيح وذكره ابن الملك ثم قال وفي بعض النسخ بكسر الجيم وبالراء فمعناه حافظكم انتهى وفي بعض شروح البردة الجوار بالكسر والضم والكسر أفصح هو الأمان هذا والمتبادر من


كلام المؤلف أنها رواية لمسلم لكن صرح الجزري في حصنه بأنها رواية أبي داود عن النواس لكن لفظه من أدرك الدجال فليقرأ عليه فواتحها فإنها جوار له من فتنته ثم اعلم أنه جاء في الحصن روايات متعددة في هذا المعنى حيث قال من قرأها أي الكهف كما أنزلت كانت له نورا من مقامه إلى مكة ومن قرأ بعشر آيات من آخرها فخرج الدجال لم يسلط عليه رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ للنسائي وقال رفعه خطأ والصواب أنه موقوف وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد أيضا واختلف في رفعه ووقفه أيضا ولفظ ه من قرأ سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ بعشر آيات من آخرها


ثم خرج الدجال لم يضره وروى مسلم وأبو داود عن أبي الدرداء مرفوعا من حفظ عشر آيات من أولها عصم من الدجال وفي رواية أبي داود والنسائي عنه من فتنة الدجال وفي رواية لمسلم وأبي داود عنه من حفظ عشر آيات والنسائي عنه من قرأ العشر الأواخر من الكهف عصم من فتنة الدجال وفي رواية للترمذي عنه من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال وفي رواية لمسلم والأربعة عن النواس بن سمعان من أدرك الدجال فليقرأ عليه فواتحها الحديث قيل وجه الجمع بين الثلاث وبين قوله من حفظ عشر آيات أن حديث العشر متأخر ومن عمل بالعشرة فقد عمل بالثلاث وقيل حديث الثلاث متأخر ومن عصم بثلاث فلا حاجة إلى العشر وهذا أقرب إلى أحكام النسخ أقول بمجرد الاحتمال لا يحكم بالنسخ مع أن النسخ إنما يكون في الإنشاء لا في الإخبار فالأظهر أن أقل ما يحفظ به من شره قراءة الثلاث وحفظها أولى وهو لا ينافي الزيادة كما لا يخفى وقيل حديث العشر في الحفظ وحديث الثلاث في القراءة فمن حفظ العشر وقرأ الثلاث كفي وعصم من فتنة الدجال وقيل من حفظ العشر عصم من أن لقيه ومن قرأ الثلاث عصم من فتنته إن لم يلقه وقيل المراد من الحفظ القراءة عن ظهر القلب ومن العصمة الحفظ من آفات الدجال والله تعالى أعلم بالأحوال إنه أي الدجال خارج خلة بفتح معجمة وتشديد لام أي طريقا واقعا بين الشام والعراق وأصله الطريق في الرمل وقال شارح أي من سبيل بينهما ففيه إشارة إلى أنها منصوبة بنزع الخافض ويؤيده ما في النهاية أي في طريق بينهما قال النووي رحمه الله هكذا هو في نسخ بلادنا خلة بفتح الخاء المعجمة وتنوين التاء وقال القاضي رحمه الله المشهور فيه حلة بالحاء المهملة ونصب التاء يعني غير منونة ومعناه سمت ذلك وقبالته قلت المناسب أن يكون هي الحلة قرية بناحية دجلة من بغداد أهلها شر من في البلاد من العباد قال ورواه بعضهم حله بضم اللام وبهاء الضمير أي نزوله وحلوله قال وكذا ذكره الحميدي


في الجمع بين الصحيحين أيضا ببلادنا وقوله فعاث هو بعين مهملة وثاء مثلثة ماض من العيث وهو أشد الفساد والإسراع فيه وحكى القاضي رحمه الله أنه رواه بعضهم فعاث على صيغة اسم الفاعل قال الأشرف قيل الصواب فيه فعاث بصيغة اسم الفاعل لكونه عطفا على اسم فاعل قبله وهو خارج قلت أكثر النسخ ومنها أصل السيد على أنه فعل ماض من العيث وفي بعضها عاث كقاض من العثي بمعنى العيث وهو الأصح الموافق لما في التنزيل من قوله ولا تعثوا في الأرض مفسدين


البقرة ولكن القول بأنه الصواب خطأ إذ هما لغتان بمعنى الإفساد على ما هو مقرر في كتب اللغة فالحاصل أن الدجال أفسد أو مفسد يمينا وعاث شمالا وهما ظرفا عاث والمعنى يبعث سراياه يمينا وشمالا ولا يكتفي بالإفساد فيما يطؤه من البلاد ويتوجه له من الأغوار والأنجاد فلا يأمن من شره مؤمن ولا يخلو من فتنته موطن ولا مأمن يا عباد الله أي أيها المؤمنون الموجودون في ذلك الزمان أو أنتم أيها المخاطبون على فرض أنكم تدركون ذلك الأوان فأثبتوا أي على دينكم وإن عاقبكم قال الطيبي رحمه الله هذا من الخطاب العام أراد به من يدرك الدجال من أمته ثم قيل هذا القول منه استمالة لقلوب أمته وتثبيتهم على ما يعاينونه من شر الدجال وتوطينهم على ما هم فيه من الإيمان بالله تعالى واعتقاده وتصديق ما جاء به الرسول قلنا يا رسول الله وما لبثه بفتح لام وسكون موحدة أي ما قدر مكثه وتوقفه في الأرض قال أربعون يوما سيأتي حديث يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر إلى آخره لكنه نقل البغوي في شرح السنة ولا يصلح أن يكون معارضا لرواية مسلم هذه وعلى تقدير صحته لعل المراد بأحد المكثين مكث خاص على وصف معين مبين عند العالم به يوم أي من تلك الأربعين كسنة أي مقدار عام في طول الزمان أو في كثرة الغموم والأحزان ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قال ابن الملك رحمه الله قيل المراد منه أن اليوم الأول لكثرة غموم المؤمنين وشدة بلاء اللعين يرى لهم كسنة وفي اليوم الثاني يهون كيده ويضعف أمره فيرى كشهر والثالث يرى كجمعة لأن الحق في كل وقت يزيد قدرا والباطل ينقص حتى ينمحق أثرا أو لأن الناس كلما اعتادوا بالفتنة والمحنة يهون عليهم إلى أن تضمحل شدتها ولكن هذا القول مردود لأنه غير مناسب لما ذكر الراوي قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أي مثلا أيكفينا فيه صلاة يوم قال لا اقدروا له قدره بل هذا جار على حقيقته ولا امتناع فيه لأن الله تعالى


قادر على أن يزيد كل جزء من أجزاء اليوم الأول حتى يصير مقدار سنة خارقا للعادة كما يزيد في أجزاء ساعة من ساعات اليوم انتهى وفيه أن هذا القول الذي قرره على المنوال الذي حرره لا يفيد إلا بسط الزمان كما وقع له في قصة الإ سراء مع زيادة على المكان لكن لا يخفى أن سبب وجوب كل صلاة إنما هو وقته المقدر من طلوع صبح وزوال شمس وغروبها وغيبوبة شفقها وهذا لا يتصور إلا بتحقق تعدد الأيام والليالي على وجه الحقيقة وهو مفقود فالتحقيق ما قاله الشيخ التوربشتي رحمه الله تعالى وهو أنه يشكل من هذا الفصل قوله يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة مع قوله وسائر أيامه كأيامكم ولا سبيل إلى تأويل امتداد تلك الأيام على أنها وصفت بالطول والامتداد لما فيها من شدة البلاء وتفاقم البأساء والضراء لأنهم قالوا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم قال لا الحديث فنقول وبالله التوفيق ومنه المعونة في التحقيق قد تبين لنا بأخبار الصادق المصدوق صلوات الله تعالى


وسلامه عليه أن الدجال يبعث معه من المشبهات ويفيض على يديه من التمويهات ما يسلب عن ذوي العقول عقولهم ويخطف من ذوي الأبصار أبصارهم فمن ذلك تسخير الشياطين له ومجيئه بجنة ونار وإحياء الميت على حسب ما يدعيه وتقويته على من يريد إضلاله تارة بالمطر والعشب وتارة بالأزمة والجدب ثم لا خفاء بأنه أسحر الناس فلم يستقم لنا تأويل هذا القول إلا أن نقول إنه يأخذ بأسماع الناس وأبصارهم حتى يخيل إليهم أن الزمان قد استمر على حالة واحدة إسفار بلا ظلام وصباح بلا مساء يحسبون أن الليل لا يمد عليهم رواقه وأن الشمس لا تطوي عنهم ضياءها فيبقون في حيرة والتباس من امتداد الزمان ويدخل عليهم دواخل باختفاء الآيات الظاهرة في اختلاف الليل والنهار فأمرهم أن يجتهدوا عند مصادمة تلك الأحوال ويقدروا لكل صلاة قدرها إلى أن يكشف الله عنهم تلك الغمة هذا الذي اهتدينا إليه من التأويل والله الموفق لإصابة الحق وهو حسبنا ونعم الوكيل وفي شرح مسلم للنووي رحمه الله قالوا هذا على ظاهره وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث يدل عليه قوله وسائر أيامه كأيامكم وأما قوله اقدروا له قدره فقال القاضي رحمه الله وغيره هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع قالوا ولولا هذا الحديث ووكلنا إلى اجتهادنا اقتصرنا على الصلاة عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام ومعناه إذا بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر في كل يوم فصلوا الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر فإذا مضى بعدها قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب وكذا العشاء والصبح ثم الظهر ثم العصر ثم المغرب وكذا حتى ينقضي ذلك اليوم وقد وقع فيه صلاة السنة فرائض مؤداة في وقتها وأما الثاني الذي كشهر والثالث الذي كجمعة فيقاس على اليوم الأول في أنه يقدر له كاليوم الأول على ما ذكرناه انتهى وحاصله أن الأوقات للصلوات أسباب وتقديم


المسببات على الأسباب غير جائز إلا بشرع مخصوص كما يقدم العصر على وقته بعرفان فمعنى اقدروا أي قدروا وخمنوا له أي لأداء الصلوات الخمس قدر أي قدر يوم كذا قيل والأظهر ما قاله شارح أي قدر والوقت صلاة يوم في يوم كسنة مثلا قدره أي قدره الذي كان له في سائر الأيام كمحبوس اشتبه عليه الوقت قلنا يا رسول الله وما إسراعه أي ما قدر اسراعه أو كيفية اعجاله في الأرض أي في سيرها وطي ساحتها قال الطيبي رحمه الله لعلهم علموا أن له اسراعا في الأرض فسألوا عن كيفيته كما كانوا عالمين بلبثه فسألوا عن كميته بقولهم ما لبثه أي ما مدة لبثه قال كالغيث المراد به هنا الغيم اطلاقا للسبب على المسبب أي يسرع في الأرض اسراع الغيم استدبرته الريح قال ابن الملك الجملة حال أو صفة للغيث وأل فيه للعهد الذهني والمعنى أن هذا مثال لا يدرك كيفيته ولا يمكن تقدير كميته فيأتي أي فيمر الدجال على القوم أي على جنس من الناس فيدعوهم أي إلى باطله فيؤمنون به فيأمر السماء أي السحاب فتمطر


من الأمطار حتى تجري الأنهار والأرض أي ويأمرها فتنبت من الانبات حتى تظهر الأزهار استدراجا من الواحد القهار فتروح عليهم سارحتهم أي فترجع بعد زوال الشمس إليهم ماشيتهم التي تذهب بالغدوة إلى مراعيها أطول ما كانت أي السارحة من الإبل ونصب أطول على الحالية وقوله ذرى بضم الذال المعجمة وحكى كسرها وفتح الراء منونا جمع ذروة مثلثة وهي أعلى السنام وذروة كل شيء أعلاه وهو كناية عن كثرة السمن وأسبغه أي وأتم ما كانت ضروعا بضم أوله جمع ضرع وهو الثدي كناية عن كثرة اللبن وأمده أي وأمد ما كانت وهو اسم تفضيل من المد خواصر جمع خاصرة وهي ما تحت الجنب ومدها كناية عن الامتلاء وكثرة الأكل ثم يأتي القوم أي قوما آخرين وفي العدول عن قوله على بناء على ما سبق اشعار بأن اتيانه على الأولين ضرر في الحقيقة دون الآخرين فيدعوهم أي بدعوى ألوهيته فيردون عليه قوله أي لا يقبلونه أو يبطلونه بالحجة فينصرف عنهم فيه إشارة إلى أنه ليس له قدرة الاجبار قال تعالى جل جلاله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين الحجر والمعنى فيصرفه الله عنهم فيصبحون ممحلين بضم الميم وبالحاء أي داخلين في المحل قال التوربشتي رحمه الله أمحل القوم أصابهم المحل وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلا ليس بأيديهم شيء من أموالهم والحاصل أن المؤمنين صاروا به مبتلين بأنواع من البلاء والمحن والضراء ولكنهم صابرون وراضون وشاكرون لما أعطاهم الله من صفات الأولياء ببركة سيد الأنبياء وسيد الأصفياء ويمر على الخربة بكسر الراء أي يمر الدجال بالأرض الخربة أو بالبقاع الخربة فيقول لها اخرجي كنوزك أي مدفونك أو معادنك فتتبعه الفاء فصيحة أي فتخرج فتعقب الدجال كنوزها كيعاسب النحل أي كما يتبع النحل اليعسوب قال النووي رحمه الله اليعاسيب ذكور النحل هكذا فسره ابن قتيبة وآخرون قال القاضي رحمه الله المراد جماعة النحل لا ذكورها خاصة لكنه كني عن الجماعة باليعسوب


وهو أميرها لأنه متى طار تبعته جماعته منه قيل للسيد يعسوب وروى الديلمي عن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا علي يعسوب المؤمنين والمال يعسوب المنافقين ففي الكلام نوع قلب إذ حق الكلام كنحل اليعاسيب ولعل النكتة في جمع اليعاسيب هو الإيماء إلى كثرة الكنوز التابعة وأنه قدر كأنه جمع باعتبار جوانبه وأطرافه والمراد جمع من أمرائه ووكلائه وقال الأشرف قوله كاليعاسيب كناية عن سرعة أتباعه أي تتبعه الكنوز بالسرعة وقال الطيبي رحمه الله إذا


كان قوله كاليعاسيب حالا من الدجال فالخربة صفة البقاع وإذا كان حالا من الكنوز فيجوز أن يكون الموصوف جمعا أو مفردا ثم يدعو رجلا أي يطلبه حال كونه ممتلئا أي تاما كاملا قويا شبابا تمييز عن النسبة قال الطيبي رحمه الله والممتلىء شبابا هو الذي يكون في غاية الشباب فيضربه بالسيف أي غضبا عليه لإبائه قبول دعوته الألوهية أو إظهارا للقدرة وتوطئة لخرق العادة فيقطعه جزلتين بفتح الجيم وتكسر أي قطعتين تتباعدان رميه الغرض أي قدر حذف الهدف فهي منصوبة بمقدر وفائدة التقييد به أن يظهر عند الناس أنه هلك بلا شبهة كما يفعله السحرة والمشعبذة قال النووي رحمه الله هو بفتح الجيم على المشهور وحكى ابن دريد كسرها ومعنى رمية الغرض أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية الغرض هذا هو الظاهر المشهور وحكى القاضي هذا ثم قال وعندي أن فيه تقديما وتأخيرا وتقديره فيصيبه إصابة رمية الغرض فيقطعه جزلتين والصحيح الأول قال التوربشتي رحمه الله أراد برمية الغرض إما سرعة نفوذ السيف وإما إصابة المحز قال الطيبي رحمه الله ويؤيده تأويل النووي قوله في الحديث الذي يليه ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يدعوه فيقبل أي الرجل الشاب على الدجال ويتهلل أي يتلألأ ويضيء وجهه يضحك حال من فاعل يقبل أي يقبل ضاحكا بشاشا فيقول هذا كيف يصلح إلها فبينما بالميم على الصحيح هو أي الرجل كذلك أي على تلك الحال وذلك المنوال إذ بعث الله المسيح بن مريم عليهما الصلاة والسلام فسبحان من يدفع المسيح بالمسيح قال تعالى جل شأنه بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق الأنبياء فينزل أي عيسى عليه الصلاة والسلام عند المنارة البيضاء شرقي بالنصب على الظرفية مضافا إلى قوله دمشق بكسر الدال وفتح الميم وتكسر وهو المشهور الآن بالشام فإنه تحت ملكه وفي الجامع روى الطبراني عن أوس بن أوس ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ذكر السيوطي في تعليقه على ابن ماجه أنه


قال الحافظ بن كثير في رواية أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل ببيت المقدس وفي رواية بالأردن وفي رواية بمعسكر المسلمين قلت حديث نزوله ببيت المقدس عند ابن ماجه وهو عندي أرجح ولا ينافي سائر الروايات لأن بيت المقدس شرقي دمشق وهو معسكر المسلمين إذ ذاك والأردن اسم الكورة كما في الصحاح وبيت المقدس داخل فيه وإن لم يكن في بيت المقدس الآن منارة فلا بد أن تحدث قبل نزوله والله تعالى أعلم وقوله بين مهرودتين بالدال المهملة ويعجم أي حال كون عيسى بينهما بمعنى لابس حلتين مصبوغتين بورس أو زعفران قال النووي رحمه الله روى


بالدال المهملة والذال المعجمة أكثر والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين وأكثر ما يقع في النسخ بالمهملة ومعناه لابس ثوبين مصبوغين بالورس ثم الزعفران انتهى وقال ابن الأنباري يروى بدال مهملة أو معجمة أي بين مخصرتين على ما جاء في الحديث ولا نسمعه إلا فيه وكذلك أشياء كثيرة لم تسمع إلا في الحديث والمخصرة من الثياب التي فيها صفرة خفيفة كذا في النهاية واضعا كفيه على أجنحة ملكين حال لبيان كيفية انزاله كما أن ما قبله حال البيان كيفية لبسه وجماله ثم بين له حالة أخرى بقوله إذا طأطأ بهمزتين أي خفص رأسه قطر أي عرق وإذا رفعه أي رأسه تحدر بتشديد الدال أي نزل منه أي من شعره قطرات نورانية مثل الجمان بضم الجيم وتخفيف الميم وتشدد حب يتخذ من الفضة كاللؤلؤ أي في الصفاء والبياض ففي النهاية الجمان بضم الجيم وتخفيف الميم يتخذ من الفضة على هيئة للآلىء الكبار قال الطيبي رحمه الله شبهه بالجمان في الكبر ثم شبه الجمان باللؤلؤ في الصفاء والحسن فالوجه أن يكون الوجه الكبر مع الصفاء والحسن وفي القاموس الجمان كغراب اللؤلؤ أو هنوات أشكال اللؤلؤ وقال شارح الجمان بتشديد الميم وقال ابن الملك بالتشديد اللؤلؤ الصغار وبتخفيفها حب يتخذ من الفضة وقيل المراد بالجمان في صفة عيسى عليه الصلاة والسلام هو الحب المتخذ من الفضة قلت بل هو المتعين بقوله كاللؤلؤ فلا يحل بكسر الحاء أي لا يمكن ولا يقع لكافر أن يجد من ريح نفسه بفتح الفاء إلا مات كذا ذكره النووي وقال القاضي معناه عندي حق واجب قال ورواه بعضهم بضم الحاء وهو وهم وغلط قال الطيبي رحمه الله معناه لا يحصل ولا يحق أن يجد من ريح نفسه وله حال من الأحوال إلا حال الموت فقوله يجد مع ما في سياقه فاعل يحل على تقديرأن ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه بسكون الراء أي لحظه ولمحه ويجوز كون الدجال مستثنى من هذا الحكم لحكمة إراءة دمه في الحربة ليزداد كونه ساحرا في قلوب المؤمنين ويجوز كون


هذه الكرامة لعيسى أولا حين نزوله ثم تكون زائلة حين يرى الدجال إذ دوام الكرامة ليس بلازم وقيل نفس الذي يموت الكافر هو النفس المقصود به اهلاك كافر لا النفس المعتاد فعدم موت الدجال لعدم النفس المراد وقيل المفهوم منه أن من وجد من نفس عيسى من الكفار يموت ولا يفهم منه أن يكون ذلك أول وصول نفسه فيجوز أن يحصل ذلك بهم بعد أن يريهم عيسى عليه الصلاة والسلام دم الدجال في حربته للحكمة المذكورة كذا بخط شيخنا المرحوم مولانا عبد الله السندي رحمه الله تعالى ثم من الغريب أن نفس عيسى عليه الصلاة والسلام تعلق به الاحياء لبعض والإماتة لبعض فيطلبه أي يطلب عيسى عغليه الصلاة والسلام الدجال حتى يدركه بباب لد بضم لام وتشديد دال مصروف اسم جبل بالشام وقيل قرية من قرى بيت المقدس وعليه اقتصر النووي وزاد غيره سمى به لكثرة شجره وقال السيوطي رحمه الله في شرح الترمذي هو على ما في النهاية


موضع بالشام وقيل بفلسطين فيقتله في الجامع رواه الترمذي وكذا أحمد وعن مجمع بن جارية يقتل ابن مريم الدجال بباب لد ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه أي حفظهم من شر الدجال فيمسح عن وجوههم أي يزيل عنها ما أصابها من غبار سفر الغزو ومبالغة في إكرامهم أو المعنى يكشف ما نزل بهم من آثار الكآبة والحزن على وجوههم بما يسرهم من خبره بقتل الدجال ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة قال النووي رحمه الله وهذا المسح يحتمل أن يكون على ظاهره فيمسح وجوههم تبركا أو أنه إشارة إلى كشف ما يكون فيه من الشدة والخوف فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني بفتح الهمزة ويكسر قد أخرجت عبادا إلى أي أظهرت جماعة منقادة لقضائي وقدري لا يدان أي لا قدرة ولا طاقة لأحد بقتالهم وإنما عبر عن الطاقة باليد لأن المباشرة والمدافعة إنما تكون باليد وثنى مبالغة كأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه ويمكن أن يكون في التثنية إيماء إلى العجز عنهما جميعا فحرز عبادي أي من التحرير مأخوذ من الحرز أي احفظهم وضمهم إلى الطور واجعله لهم حرزا ويبعث الله يأجوج ومأجوج بالألف ويبدل فيهما وهم أي جميع القبيلتين لقوله تعالى هذان خصمان اختصموا الحج من كل حدب بفتحتين أي مكان مرتفع من الأرض ينسلون بفتح الياء وكسر السين أي يسرعون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية بالإضافة وبحيرة تصغير بحرة وهي ماء مجتمع بالشام طوله عشرة أميال وطبرية بفتحتين اسم موضع وقال شارح هي قصبة الأردن بالشام فيشربون ما فيها أي من الماء ويمر آخرهم فيقول أي آخرهم أو قائل منهم لقد كان بهذه أي البحيرة أو البقعة مرة أي وقتا ماء أي ماء كثير ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر بفتح الخاء المعجمة والميم وبالراء الشجر المتلف وفسر في الحديث بقوله وهو جبل بيت المقدس لكثرة شجره أو هو كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره كذا في النهاية فيقولون لقد قتلنا من في الأرض أي من ظهر على وجهها لما سيأتي من استثناء


عيسى عليه الصلاة والسلام وأصحابه حيث كانوا محصورين محصونين هلم أي تعال والخطاب لأميرهم وكبيرهم أو عام غير مخصوص بأحدهم وفي النهاية فيه لغتان فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح وبنو تميم تثنى وتجمع وتؤنث تقول هلم وهلمي
وهلما وهلموا فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم بضم فتشديده مفرده نشابة والباء زائدة أي سهامهم إلى السماء أي إلى جهتها فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة أي مصبوغة دما تمييز وهذا مكر واستدراج منه سبحانه مع احتمال اصابة سهامهم لبعض الطيور في السماء فيكون فيه إشارة إلى احاطة فسادهم بالسلفيات والعلويات ويحصر بصيغة المفعول أي يحبس في جبل الطور نبي الله أي عيسى عليه الصلاة والسلام وأصحابه أي من مؤمني هذه الأمة حتى يكون أي يصير من شدة المحاصرة والمضايقة رأس الثور أي البقر مع كمال رخصه في تلك الديار لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم قال التوربشتي رحمه الله أي تبلغ بهم الفاقة إلى هذا الحد وإنما ذكر رأس الثور ليقاس البقية عليه في القيمة فيرغب أي إلى الله أو يدعو نبي الله فيه تنبيه نبيه على أنه مع متابعته لشريعة محمد باق على نبوته عيسى وأصحابه قال القاضي أي يرغبون إلى الله تعالى في إهلاكهم وانجائهم عن مكابدة قبلائهم ويتضرعون إليه فيستجيب الله فيهلكهم بالنغف كما قال فيرسل الله عليهم أي على يأجوج ومأجوج النغف بفتح النون والغين المعجمة دود يكون في أنوف الابل والغنم في رقابهم فيصبحون فرسى كهلكى وزنا ومعنى وهو جمع فريس كقتيل وقتلى من فرس الذئب الشاة إذا كسرها وقتلها ومنه فريسة الأسد كموت نفس واحدة لكمال القدرة وتعلق المشيئة قال تعالى ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحد لقمان قال التوربشتي رحمه الله يريد أن القهر الإلهي الغالب على كل شيء يفرسهم دفعة واحدة فيصبحون قتلى وقد نبه بالكلمتين أعني النغف وفرسى على أنه سبحانه يهلكهم في أدنى


ساعة بأهون شيء وهو النغف فيفرسهم فرس السبع فريسته بعد أن طارت نفرة البغي في رؤوسهم فزعموا أنهم قاتلوا من في السماء ثم يهبط أي ينزل من الطور نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض أي في وجهها جميعا وهذا هو وجه العدول عن الضمير إلى الظاهر فاللام في الأولى للعهد وفي الثانية للإستغراق بدليل الاستثناء وبه يتبين أن القاعدة المعروفة أن المعرفة إذا أعيدت تكون عينا للأولى مبنية على غالب العادة أو حيث لا قرينة صارفة موضع شبر إلا ملأه زهمهم بفتح الزاي والهاء وقد تضم الزاي وقال شارح هو بالضم وروى بالتحريك وتفسيره قوله ونتنهم بسكون التاء قال التوربشتي رحمه الله الزهم بالتحريك مصدر قولك زهمت يدي بالكسر من الزهومة فهي زهمة أي دسمة وعليه أكثر الروايات فيما أعلم وفيه من طريق المعنى وهن وضم الزاي مع فتح الهاء أصح معنى وهو جمع زهمة يعني بضم الزاي وسكون الهاء وهي الريح المنتنة وقال شارح هو أصح رواية ودراية ويوافقهما ما في القاموس حيث قال الزهومة والزهمة بضمها ريح لحم سمين منتن والزهم بالضم الريح


المنتنة وبالتحريك مصدر زهمت يدي كفرح فهي زهمة أي دسمة انتهى وقد يقال أطلق المصدر وأريد به الوصف مبالغة كرجل عدل فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله في ضم أصحابه إليه إشارة إلى أن الهيئة الاجتماعية في الهمة الأطماعية لها تأثير بليغ في الإجابة الدعائية وفي ذكرهم إيماء إلى أنهم هم الباعث على الدعاء والتضرع إلى رب السماء فيرسل الله طيرا كأعناق البخت بضم موحدة وسكون معجمة نوع من الإبل أي طيرا أعناقها في الطول والكبر كأعناق البخت والطير جمع طائر وقد يقع على الواحد ولذا قال فتحملهم أي تلك الطير فتطرحهم أي فترميهم حيث شاء الله أي من البحار أو مما وراء معمورة الديار أو خلف جبال قاف ونحوها أو إلى عالم الاعدام والافناء وفي رواية تطرحهم بالنهبل بفتح النون وسكون الهاء وفتح الموحدة موضع وقيل مكان ببيت المقدس وفيه أنه كيف يسعهم ولعل المراد به موضع بعضهم أو على طريق خرق العادة يسعهم وقيل هو حيث تطلع الشمس وفي القاموس نهبل أسن وروى الترمذي في حديث الدجال فتطرحهم بالنهبل وهو تصحيف والصواب بالميم انتهى ولم يذكر المهبل لا لفظا ولا معنى ويستوقد المسلمون من قسيهم بكسرتين فتشديد تحتية جمع قوس والضمير ليأجوج ومأجوج ونشابهم أي سهامهم وجعابهم بكسر الجيم جمع جعبة بالفتح وهي طرف النشاب سبع سنين ثم يرسل الله مطرا أي عظيما لا يكن بفتح الياء وضم الكاف وتشديد النون من كنت الشيء أي سترته وصنته عن الشمس وهي من أكنت الشيء بهذا المعنى والمفعول محذوف والجملة صفة مطرا أي لا يستر ولا يصون شيئا منه أي من ذلك المطر بيت مدر بفتحتين أي تراب وحجر ولا وبر أي صوف أو شعر والمراد تعميم بيوت أهل البدو والحضر قال النووي رحمه الله أي لا يمنع من نزول الماء بيت المدر وهو الطين الصلب وقال القاضي رحمه الله أي لا يحول بينه وبين مكان ماء حائل بل يعم الأماكن كلها فيغسل أي المطر الأرض أي وجهها كلها حتى يتركها كالزلفة بفتح الزاي


واللام ويسكن وبالفاء وقيل بالقاف وهي المرآة بكسر الميم وقيل ما يتخذ لجمع الماء من المصنع والمراد أن الماء يعم جميع الأرض بحيث يرى الرائي وجهه فيه قال النووي رحمه الله روي بفتح الزاي واللام وبالفاء وبالقاف وروى بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء وقال القاضي رحمه الله روى بالفاء والقاف وبفتح اللام وبإسكانها وكلها صحيحة قلت الأصح وهو الذي عليه الأكثر بفتحتين
والفاء واقتصر عليه القاموس في المعاني الآتية كلها والله تعالى أعلم قال واختلفوا في معناها فقال ثعلب وأبو زيد وآخرون معناه كالمرآة وحكى صاحب المشارط هذا عن ابن عباس أيضا شبهها بالمرآة في صفائها ونظافتها وقيل معناه كمصانع الماء أي الماء يستنقع فيها حتى تصير الأرض كالمصنع الذي يجتمع فيه الماء وقال أبو عبيدة معناه الإجانة الخضراء وقيل كالصحفة وقيل كالروضة ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك وردي أي إلى أهلك بركتك أي من سائر نعمك فيومئذ تأكل العصابة بكسر العين أي الجماعة من الرمانة أي ويشبعون منها ويستظلون بقحفها بكسر القاف أي بقشرها قال النووي رحمه الله هو مقعر قشرها شبهها بقحف الآدمي وهو الذي فوق الدماغ وقيل هو ما انفلق من جمجمته وانفصل وقال شارح أراد نصف قشرها الأعلى وهو في الأصل العظم المستدير فوق الدماغ وهو أيضا إناء من خشب على مثاله كأنه نصف صاع واستعير هنا لما يلي رأسها من القشرة ويبارك بصيغة المجهول أي يوضع البركة والكثرة في الرسل بكسر الراء وسكون السين أي اللبن حتى أن اللقحة بكسر اللام ويفتح أي الناقة الحلوبة قال النووي رحمه الله اللقحة بكسر اللام وفتحها لغتان مشهورتان والكسر أشهر وهي القريبة العهد بالولادة وقال في مختصر من النوق وغيرها فقوله من الإبل بيانية لتكفي أي اللقحة والمراد لبنها الفئام بهمز على زنة رجال والعادمة تبدل الهمز ياء الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه والمراد به هنا أكثر من القبيلة كما أن القبيلة أكثر من الفخذ


على ما سيأتي وقال النووي رحمه الله القئام بكسر القاف وبعدها همزة ممدودة هي الجماعة الكثيرة هذا هو المشهور المعروف في اللغة ورواية الحديث بكسر الفاء وبالهمز قال القاضي ومنهم من لا يجيز الهمز بل يقوله بالياء وقال في المشارق وحكاه الخليل بفتح الفاء قال وذكره صاحب العين غير مهمز وأدخله في حرف الياء وحكى الخطابي أن بعضهم ذكره بفتح الفاء وتشديد الياء وهو غلط فاحش واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس قال القاضي عياض رحمه الله الفخذ هنا بسكون الخاء المعجمة لا غير جماعة من الأقارب وهم دون البطن والبطن دون القبيلة وأما الفخذ بمعنى العضو فبكسر الخاء وسكونها فبينا بلا ميم هم مبتدأ خبره كذلك وناعوض عن المضاف إليه والعامل فيه قوله إذ بعث الله وإذ للمفاجأة أي بين أوقات يتنعمون في طيب عيش وسعة أرسل عليهم فجأة ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم بهمزة ممدودة جمع إبط فتقبض أي تلك الريح روح كل مؤمن أسند الفعل إلى الريح مجازا أو كل مسلم قال النووي رحمه الله هكذا هو في جميع النسخ بالواو يعني كان الظاهر أن يكون بأو بالشك فإنه لا فرق بين المؤمن والمسلم عند أرباب الحق من أهل السنة والجماعة


فالمقصود المبالغة في التعميم والتغاير باعتبار اختلاف الوصفين كما في التنزيل تلك آيات الكتاب وقرآن مبين الحجر وقوله سبحانه إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحزاب أو بناء على الفرق اللغوي بينهما من أن المراد بالمؤمن المصدق وبالمسلم المنقاد لكن لما كان أحدهما لا ينفع بدون الآخر جعل الموصوف بهما واحدا وأطلق عليه كل واحد من الوصفين بطريق التساوي أو لكون أحدهما غالبا عليه في نفس الأمر والله تعالى أعلم قال الطيبي رحمه الله المراد بالتكرار هنا الاستيعاب أي تقبض روح خيار الناس كلهم ويبقى شرار الناس بكسر أوله جمع شر يتهارجون أي يختلطون فيها أي في تلك الأزمنة أو في الأرض تهارج الحمر أي كاختلاطها ويتسافدون وقيل يتخاصمون فإن الأصل في الهرج القتل وسرعة عدو الفرس وهرج في حديثه أي خلط قال النووي رحمه الله أي يجامع الرجل النساء علانية بحضرة الناس كما يفعل الحمير ولا يكترثون لذلك والهرج بإسكان الراء الجماع ويقال هرج زوجته أي جامعها يهرجها بفتح الراء وضمها وكسرها فعليهم تقوم الساعة أي لا على غيرهم وسيأتي حديث لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس وفي رواية لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله رواه أي الحديث بكماله مسلم إلا الرواية الثانية وهي أي الرواية وفي نسخة وهو وتذكيره لتذكيره خبره وهو قوله تطرحهم بالنهبل إلى قوله سبع سنين رواها أي تلك الرواية الترمذي وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله يخرج الدجال فيتوجه قبله بكسر قاف وفتح موحدة أي إلى جانبه رجل أي عظيم من المؤمنين قال أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان الفقيه راوي صحيح مسلم يقال إن هذا الرجل الخضر عليه الصلاة والسلام وكذا قال معمر وهذا يقتضي أن يكون الخضر حيا وقد اختلف العلماء في ذلك فالجمهور من الفقهاء والمحدثين وغيرهم وبعض الصوفية على أنه مات وذهب جمهور الصوفية وبعض الفقهاء وغيرهم إلى أنه حي قال النووي رحمه الله وهو الصحيح


ذكره الشيخ الجزري فيلقاه المسالح بفتح الميم وكسر اللام جمع المسلحة وهم القوم ذوو السلاح يحفظون الثغور مسالح الدجال مرفوع على الإبدال وفي إشارة إلى أن اللام عوض عن المضاف إليه أو اللام للعهد قال القاضي رحمه الله ولعل المراد به ههنا مقدمة جيشه وأصلها موضع السلاح ثم استعمل للثغر فإنه يعد فيه الأسلحة ثم للجند المترصدين ثم لمقدمة الجيش فإنهم من الجيش كأصحاب الثغور ممن وراءهم من المسلمين فيقولون له أين


تعمد بكسر الميم أي تقصد فيقول أعمد إلى هذا الذي خرج أي خرج عن الحق أو على الخلق أو ظهر بالباطل والإشارة للتحقير فيقولون له أو ما تؤمن بربنا يعنون به الدجال حيث وجدوا عنده الجاه والمال فيقول أي الرجل ما بربنا أي بربي وربكم ففيه تغليب أو ما بربنا معشر المؤمنين خفاء وما نافية أي ليس يخفى علينا صفات ربنا عن غيره لنعدل عنه إليه أو لنترك الاعتماد عليه ففي كل شيء له شاهد يدل على أنه واحد وأما ما عداه فآثار الحدوث عليه لائحة وأنواع النقصان فيه واضحة ومن أظهر الأدلة القطعية أن المخلوقية تنافي الربوبية والعبودية تناقض الألوهية ما للتراب ورب الأرباب كيف والعيوب الظاهرة فيه تشهد لمن له أدنى عقل كما لا يخفى وفيه إيماء إلى ما سبق من قوله إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور قال الطيبي رحمه الله هذا تكذيب لهم وبيان لتمويههم وتلبيسهم إذ ما يؤمن بربنا كما قال أن الله لا يخفى عليكم أن الله ليس بأعور فيقولون اقتلوه فيقول بعضهم لبعض أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أي من قتلكم أحدا دونه أي دون علمه وأمره وإذنه فينطلقون به إلى الدجال فإذا رآه المؤمن أي أبصر الدجال الرجل الموقن وقد عرف علاماته قال تذكيرا للأمة وتوهينا للغمة هذا الدجال الذي ذكر رسول الله أي في أحاديثه أنه سيخرج في آخر الزمان قال أي النبي فيأمر الدجال به أي يضربه فيشبح بتشديد الموحدة المفتوحة أي يمد للضرب فيقول أي الدجال تأكيدا وتغليظا وتشديدا خذوه أي امسكوه أخذا شديدا وشجوه بضم الشين المعجمة وتشديد الجيم أي اكسروا رأسه وفي نسخة فشبحوه بفتح الشي وكسر الموحدة فحاء مهملة أي مدو على بطنه أو على قفاء يقال تشبح الحرباء على العود أي امتد وتشبيح الشيء جعله عريضا فيوسع بسكون الواو وفتح السين ظهره وبطنه ضربا أي يكثر الضرب على ظهره وبطنه قال فيقول أي الدجال أما تؤمن بي وفي نسخة أو ما تؤمن بي أي أتنكرني وألوهيتي وما تؤمن بي وربوبيتي قال


فيقول أي المؤمن أنت المسيح الكذاب أي الذي يقتلك المسيح الصديق قال فيؤمر به فيؤشر بضم فسكون همز ويبدل واوا ففتح شين أي فيقطع بالمشار بكسر الميم وسكون الهمز ويبدل ياء وبالنون في
بعض النسخ وهو آلة النشر والقطع من مفرقه بفتح الميم وكسر الراء ويفتح أي مبتدأ من فرق رأسه حتى يفرق بصيغة المجهول مخففا ويشدد أي حتى يفصل بدنه قطعتين واقعتين بين رجليه أي في طرفي قدميه قال النووي رحمه الله قوله يشبح بشين معجمة ثم باء موحدة وحاء مهملة وكذا شبحوه أي مدوه على بطنه وجاء أيضا شجوه بجيم مشددة من الشج وهو الجرح في الرأس ثم قال وهذه الرواية أصح عندنا وقوله فيؤشر الرواية فيه بالهمزة والمئشار بهمز بعد الميم وهو الأفصح ويجوز تخفيف الهمز فيهما فيجعل في الأول واوا في الثاني ياء ويجوز المنشار بالنون وعلى هذا يقال نشرت الخشبة ومفرقه بكسر الراء وسطه يعني وسط فرقه أو وسط رأسه انتهى قال الجزري رحمه الله روي هذا الحديث على ثلاثة أوجه يشبح بمعجمة فموحدة فمهملة وشجوه بالجيم من الشج وهو الجرح في الرأس والوجه وثانيهما يشبح كالأول وشبحوه بالباء والحاء وثالثها فيشج وشجوه كلاهما بالجيم وهو الذي ذكره المؤلف والوجه الثاني هو الذي ذكره الحميدي وصححه القاضي عياض والأصح عند جماعة من أصحابنا الأول والله تعالى أعلم وقال شارح يقال وشرت الخشب بالميشار إذا نشرته بالمنشار وفي الحديث بالياء لا غير يدل عليه فيؤشر قلت فيه بحث إذ قوله فيؤشر يحتمل أن يكون بالهمز وأن يكون بواو مبدلة أو أصلية وكذا في الميشار يصح همزه وإبداله من همز أو من واو وهذا لا ينافي أن يكون بالهمز وأن يكون المنشار بالنون بناء على التفنن في العبارة مع أنه هو المشهور باعتبار اللغة على لسان العامة وفي القاموس أشر الخشب بالميشار شقه ونشر الخشب نحته ووشر الخشب بالميشار غير مهموز لغة في أشرها بالمئشار إذا نشرها انتهى وبه يعلم أن الأصل هو الهمز والواو لغة في الشق


والنون خاص بمعنى النحت قال أي النبي ثم يمشي الدجال بين القطعتين أي الشقتين من الرجل تخييلا لتحقيق القتل ثم يقول له قم فيستوي قائما ثم يقول له أتؤمن بي فيقول ما ازددت بفتح الدال وقال شارح بكسر الدال الأولى على بناء المجهول أقول صحته موقوفة على إتيانه متعديا إلى مفعولين وظاهر ما في القاموس أنه لازم حيث قال زاده الله خيرا فزادوا ازداد حيث أشار إلى أن زاد لازم متعد وإن ازداد قاصر فقط حيث جعله مطاوعا نعم قوله تعالى ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم الفتح صريح في أنه متعد إلى مفعول واحد وأما زاد فيجيء لازما ومتعديا إلى مفعول وإلى مفعولين كقوله تعالى فزادهم إيمانا آل عمران وقيل نصب إيمانا على التمييز وحاصل المعنى ما زدت فيك أي في معرفتك بفعلك هذا من القتل والإحياء إلا بصيرة أي زيادة علم ويقين بأنك كاذب مموه قال ثم يقول المؤمن أيها الناس إنه أي الشأن أو الدجال لا


يفعل مفعوله محذوف أي لا يفعل ما فعل بي من القتل والإحياء في الظاهر بعدي أي بعد فعله بي بأحد من الناس وفي هذا اخبار عن سلب القدرة الاستدراجية عنه وتسلية للناس في الخوف منه قال فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل بضم أوله وفي نسخة بفتحه أي فيجعل الله ما بين رقبته إلى ترقوته بفتح التاء وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق نحاسا أي كالنحاس لا يعمل فيه السيف وفي شرح السنة قال معمر بلغني أنه يجعل على حلقه صفحة نحاس فلا يستطيع أي الدجال إليه أي إلى وصول قتله ولا يقدر على حصول مضرته سبيلا تمييز أي طريقا من التعرض قال فيأخذ أي الدجال بيديه ورجليه فيقذف به أي يرمي بالمؤمن ويطرحه في الهواء فيحسب الناس بكسر السين وفتحها أي فيظنون إنما قذفه إلى النار في تأويل المصدر أي قذفه إليها والأظهر ما اختاره الزمخشري من أن إنما بالفتح يفيد الحصر أيضا كما اجتمعا في قوله تعالى قل إنما يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد الأنبياء ويؤيده قوله وإنما ألقي بصيغة المجهول أي أوقع في الجنة واللام للعهد أي في بستان من بساتين الدنيا ويمكن أن يرميه في ا لنار التي معه ويجعلها الله عليه جنة كما سبق بردا وسلاما على إبراهيم عليه الصلاة والسلام وتصير تلك النار روضة وجنة وعلى كل تقدير فلم يحصل له موت على يده سوى ما تقدم وأما قول الراوي فقال رسول الله هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين فالمراد بها قتله الأول فتأمل فإنه موضع الزلل والخطل والوجل كما وقع فيه الطيبي رحمه الله بقوله فيحسب الناس أن الدجال قذفه فيما يزعم أنه ناره وإنما ألقي في الجنة وهي دار البقاء يدل عليه قوله هذا أعظم الناس شهادة ونحوه قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين آل عمران أي يسرحون في ثمار الجنة أقول فهذا مناقض لقوله إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس اللهم إلا أن يقال المراد بقوله لا


يفعل بعدي أي بعد قتلي ثانيا بأحد من الناس أي غيري ولا يخفى بعده والله تعالى أعلم وسيأتي في حديث أبي سعيد ما يفيد تأييد ما اخترناه رواه مسلم وعن أم شريك بفتح فكسر أي الأنصارية أو القرشية قالت قال رسول
الله ليفرن أي ليهربن الناس أي المؤمنون من الدجال حتى يلحقوا بالجبال قالت أم شريك قلت يا رسول فأين العرب يومئذ قال الطيبي رحمه الله الفاء فيه جزاء شرط محذوف أي إذا كان هذا حال الناس فأين المجاهدون في سبيل الله الذابون عن حريم الإسلام المانعون عن أهله صولة أعداء الله فكني عنهم بها يومئذ قال هم أي العرب قليل أي حينئذ فلا يقدرون عليه رواه مسلم وكذا الترمذي ذكره السيد ولفظ الجامع ليفرن الناس من الدجال في الجبال رواه أحمد ومسلم والترمذي وعن أنس عن رسول الله قال يتبع بفتح فسكون ففتح وقال شارح من الأتباع بتشديد التاء أي يطيع الدجال من يهود أصفهان بفتح الهمزة ويكسر وفتح الفاء بلد معروف من بلاد الأرفاض قال النووي رحمه الله يجوز فيه كسر الهمزة وفتحها وبالباء والفاء انتهى ونسخ المشكاة كلها بالفاء وفي المشارق بفتح الهمزة وقيدها أبو عبيد العكبري بكسر أوله وأهل خراسان يقولونها بالفاء مكان الباء وفي القاموس الصواب أنها أعجمية وقد يكسر همزها وقد يبدل باؤها فاء وفي المغني بكسر همزة وفتحها وبفاء مفتوحة في أهل الشرق وباء موحدة في الغرب انتهى وبه يعلم أن أصفهان اثنان فيطابق ما نقله ابن الملك من أنه قيل المراد منه أصفهان خراسان لا أصفهان الغرب لكن في قوله أصفهان خراسان مسامحة لأن أصفهان إنما هو في العراق ولكن لما كان خراسان في جهة الشرق أيضا وكان أشهر من العراق أضيف إليه بأدنى ملابسة سبعون ألفا وفي رواية تسعون والصحيح المشهور هو الأول ذكره ابن الملك عليهم الطيالسة بفتح الطاء وكسر اللام جمع طيلسان وهو ثوب معروف وفي القاموس الطيلس والطيلسان مثلثة اللام عن عياض وغيره معرب أصله تالسان جمعه الطيالسة


والهاء في الجمع للعجمة واستدل بهذا الحديث على ذم لبسه ورواه السيوطي في رسالة سماها طي اللسان عن الطيلسان رواه مسلم وعن أبي سعيد قال قال رسول الله يأتي الدجال أي يظهر في الدنيا أو
يتوجه إلى صوب المدينة المعطرة المصونة وهو محرم جملة حالية أي ممنوع عليه أن يدخل نقاب المدينة بكسر النون كما نص عليه النووي رحمه الله وهو جمع نقب بفتح النون وهو الطريق بين الجبلين والأ نقاب جمع قلة كذا في النهاية فينزل أي الدجال بعض السباخ بكسر السين أي في بعض الأراضي السبخة وهي ذات ملح لا تنبت التي تلي المدينة أي تقربها وسيأتي أنه ينزل دبر أحد فيخرج إليه رجل أي عظيم وهو خير الناس أي حينئذ أو من خيار الناس على الإطلاق ويحتمل أن يكون الترديد منه وأو للتخيير ويمكن أن يكون من الراوي فأو للشك وتقدم أنه الخضر عليه الصلاة والسلام بناء على القول الأصح فيقول أي بعد رؤيته أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله حديثه أي وصفه وحاله ولما كان الظاهر أن يقال حديثك قال الطيبي رحمه الله هو جار على قوله الدجال لأن المظهر غائب لا على ضمير المخاطب وعكسه قوله أنا الذي سمتني أمي حيدره فيقول الدجال أي لمن حوله أرأيتم أي أخبروني إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر أي أمري وقيل أي في أني إله فيقولون لا أي لا نشك وهو محتمل أن يتوجه النفي إلى إثبات الأمر أو نفيه قال النووي رحمه الله أما قول الدجال إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر فيقولون لا فقد يشكل لأن ما أظهره الدجال لا دلالة فيه على ربوبيته لظهور النقص عليه ودلائل الحدوث وتشويه الذات وشهادة كذبه وكفره المكتوبة بين عينيه وغير ذلك ويجاب بأنهم لعلهم قالوه خوفا منه لا تصديقا ويحتمل أنهم قصدوا لا نشك في كذبك وكفرك فإن من شك في كفره وكذبه كفر وخادعوه بهذه التورية خوفا منه ويحتمل أن الذين قالوا لا نشك هم مصدقوه من اليهود وغيرهم ممن قدر الله سبحانه وتعالى شقاوته فيقتله أي


الرجل على ما سبق ثم يحييه أي ويسأله كما تقدم فيقول أي المقتول والله ما كنت أي في سابق الأيام فيك أي في بطلانك أشد بصيرة أي يقينا مني متعلق بأشد اليوم بالنصب ظرف لأشد فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط بفتح اللام المشددة أي فلا يقدر عليه أي على قتله بوجه من الوجوه كما قررناه فيما تقدم والله تعالى أعلم ثم في عجز الدجال آخرا دليل صريح في أن قدرته أولا كانت حادثة عارضة مستعارة للاستدراج به والابتلاء لغيره فسلبت عنه كما ستنزع عنه روحه فيبقى جيفة ملقاة بالأرض يأكل منها الكلاب وما أحسن من قال من أرباب الألباب ما للتراب ورب الأرباب قال الكلاباذي في الحديث دليل على أن الدجال لا يقدر على ما يريد وإنما يفعل الله ما يشاء عند حركته في نفسه ومحل قدرته أن يفعله إختبارا للخلق ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة ويضل الله


من يشاء ويهدي من يشاء متفق عليه وعن أبي هريرة عن رسول الله قال يأتي المسيح أي الدجال من قبل المشرق بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته همته أي قصده ونيته المدينة أي السكينة حتى ينزل دبر أحد بضم الدال والموحدة أي خلف أحد وهو جبل معروف قرب المدينة ثم أي بعد ما تقع قصة الرجل السابق تصرف الملائكة أي ترد وجهه أي توجهه وقصده قبل الشام أي إلى جيث جاء منه وفيه دليل بطلانه وأمارة عجزه ونقصانه حيث رجع القهقرى ولم يقدر أن يدخل دارا فيها مدفن سيد الورى وظاهره أنه لا يدخل حرم مكة بالأولى والأخرى وهنالك أي في الشام يهلك أي يقتله عيسى عليه الصلاة والسلام متفق عليه وعن أبي بكرة رضي الله عنه بالباء عن النبي قال لا يدخل المدينة أي ومن بها رعب المسيح الدجال بضم راء فسكون عين وبضمتين أي خوفه لها أي للمدينة يومئذ سبعة أبواب أي طرق أو المراد بها أبواب القلعة حينئذ على كل باب ملكان أي يدفعانه عن الدخول في ذلك المكان رواه البخاري قال السيوطي رحمه الله ما اشتهر على الألسنة أن جبريل عليه الصلاة والسلام لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي فهو شيء لا أصل له ومن الدليل على بطلانه ما أخرجه الطبراني أن جبريل يحضر موت كل مؤمن يكون على طهارة وأخرج أبو نعيم في الفتن قال يمر الدجال بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم فقال من أنت قال أنا جبريل بعثني لأمنع حرم رسوله انتهى ولا مفهوم له كما لا يخفى فإنه يحتمل أن يكون من باب الاكتفاء أو فوض إلى جبريل منع حرم رسوله وأما حرمه فهو له ولي وكفيل كما يشير إليه سورة الفيل وسيأتي فيما روى لتميم الداري عن الدجال أنه قال فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة هما محرمتان على كلتاهما وقد قرره النبي وقد روى أحمد عن أبي سعيد مرفوعا الدجال لا يولد ولا يدخل المدينة ولا مكة


وعن فاطمة بنت قيس أي القرشية أخت الضحاك كانت من المهاجرات الأول روي عنها نفر كانت ذات جمال وعقل وكمال وزوجها النبي من أسامة بن زيد مولاه رضي الله تعالى عنه قالت سمعت منادي رسول الله ينادي تحقيق إعرابه كما في القرآن سمعنا مناديا ينادي للإيمان آل عمران الصلاة بنصبها ويرفع وكذا قوله جامعة قال النووي رحمه الله هو بنصب الصلاة وجامعة الأول على الإغراء والثاني على الحال وقال التوربشتي رحمه الله وجه الرواية بالرفع أن يقدر هذه أي هذه الصلاة جامعة ويجوز أن ينصب جامعة على الحال ولما كان هذا القول للدعاء إليها والحث عليها كان النصب أجود وأشبه بالمعنى المراد منه انتهى فالتركيب ثلاثي كما لا يخفى وقال شارح هذه الجملة مفعول ينادي لأنه في معنى القول وهي في إعرابه على أربعه أوجه كما مر أي في صلاة العيد وتوضيحه ما ذكره ابن الملك هنا حيث قال برفعهما مبتدأ وخبر ونصبهما على تقدير احضروا والصلاة حال كونها جامعة برفع الأول على تقدير هذه الصلاة ونصب الثاني على الحالية وبالعكس على تقدير احضروا الصلاة وهي جامعة وهو ضعيف لإضمار حرف العطف وعلى جميع التقادير محل الجملة نصب لأنه مفعول ينادي حكاية لكونه في معنى القول فخرجت إلى المسجد ولعل خروجها قبل النهي أو كان في الليل أو لهن رخصة في حضور الصلاة الجامعة قياسا على صلاة العيد فصليت مع رسول الله أي صلاة نافلة أو إحدى الصلوات الخمس فلما قضى صلاته أي أداها وفرغ عنها جلس على المنبر وهو يضحك أي يتبسم ضاحكا على عادته الشريفة فقال ليلزم بفتح الزاي أو ليلتزم كل إنسان مصلاة أي موضع صلاته فلا يتغير ولا يتقدم ولا يتأخر ثم قال هل تدرون لم جمعتكم أي بنداء الصلاة جامعة قالوا الله ورسوله أعلم قال إني والله ما جمعتكم لرغبة أي لأمر مرغوب فيه من عطاء كغنيمة ولا رهبة أي ولا لخوف من عدو ولكن جمعتكم لأن تميما الداري وهو منسوب إلى جد له اسمه الدار وفي نسخة صحيحة تميم الداري


والأول هو الصحيح قال الطيبي رحمه الله كذا هو في جامع الأصول وأكثر نسخ المصابيح وتميم الداري من غير تنوين في كتاب الحميدي وفي بعض نسخ المصابيح وفي مسلم لأن تميم الداري كان رجلا نصرانيا فجاء وأسلم وحدثني حديثا وافق الذي أي طابق الحديث الذي
كنت أحدثكم به عن المسيح الدجال فهذا كما في حديث رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وفيه إشعار أن كثرة الرواة لها دخل في قوة الاسناد ولهذا قال على سبيل الاستشهاد وطريق الاعتضاد حدثني فهو من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر وفيه إيماء إلى الرد على الجاهل المكابر حتى يتكبر عن أخذ العلم من أهل الخمول والأصاغر وقد قال تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق الأعراف وقال كلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها ومن كلام علي رضي الله عنه انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال والمعنى أن تميما حكى لي أنه ركب في سفينة بحرية أي لا برية احترازا عن الإبل فإنها تسمى سفينة البر وقيل أي مركبا كبيرا بحريا لا زورقا صغيرا نهريا مع ثلاثين رجلا من لخم بفتح لام وسكون خاء معجمة مصروف وقد لا يصرف قبيلة معروفة وكذا قوله وجذام بضم الجيم فلعب أي دار بهم الموج شهرا أي مقدار شهر في البحر واللعب في الأصل ما لا فائدة فيه من فعل أو قول فاستعير لصد الأمواج السفن عن صوب المقصد وتحويلها يمينا وشمالا فأرفؤوا بهمزتين أي قربوا السفينة إلى جزيرة حين تغرب الشمس في شرح التوربشتي قال الأصمعي أرفأت السفينة أرفئها إرفاء وبعضهم يقول أرفيها بالياء على الإبدال وهذا مرفأ السفن أي الموضع الذي تشد إليه وتوقف عنده فجلسوا أي بعد ما تحولوا من المركب الكبير في أقرب السفينة بفتح الهمزة وضم الراء جمع قارب بكسر الراء وفتحه أشهر وأكثر وحكي ضمها وهو جمع على غير قياس والقياس قوارب قال النووي رحمه الله أقرب السفينة هو بضم الراء جمع قارب بكسر الراء وفتحها وهي سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة


كالجنيبة يتصرف فيها ركاب السفينة لقضاء حوائجهم وفي النهاية أما أقرب فلعله جمع قارب فليس بمعروف في جمع فاعل أفعل وقد أشار الحميدي في غريبه إلى انكار ذلك وقال الخطابي إنه جمع على غير قياس فدخلوا في الجزيرة اللام للعهد أي في الجزيرة التي هناك فلقيتهم أي فرأتهم دابة أهلب الهلب الشعر وقيل ما غلظ من الشعر وقيل ما كثر من شعر الذنب وإنما ذكر لأن الدابة يطلق على الذكر والأنثى لقوله تعالى وما من دابة في الأرض الأنعام كذا قالوا والأظهر أنه بتأويل الحيوان ولذا قال كثير الشعر وهو تفسير لما قبله وعطف بيان ثم بينه زيادة تبيان حيث قال استئنافا لا يدرون أي لا يعرف الناس الحاضرون ما قبله من دبره بضمتين فيهما قال الطيبي رحمه الله ما استفهامية ويدرون بمعنى يعلمون لمجيء الاستفهام تعليقا ولا بد من تقدير مضاف بعد حرف الاستفهام أي ما نسبة قبله من دبره من كثرة الشعر أي


من أجلها وبسببها قالوا ويلك ما أنت خاطبوها مخاطبة المتعجب المتفجع قالت أنا الجساسة قال النووي رحمه الله هي بفتح الجيم فتشديد المهملة الأولى قيل سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير بفتح الدال وسكون التحتية أي دير النصارى ففي المغرب الدير صومعة الراهب والمراد هنا القصر كما سيأتي والجار والمجرور حال والعامل فيه اسم الإشارة أو حرف التنبيه فإنه أي الرجل الذي في الدير إلى خبركم متعلق بقوله بالأشواق بفتح الهمزة جمع شوق أي كثير الشوق وعظيم الاشتياق والباء للإلصاق قال التوربشتي رحمه الله أي شديد نزاع النفس إلى ما عندكم من الخبر حتى كانت الأشواق ملصقة به أو كأنه مهتم بها قال أي تميم لما سمت أي ذكرت ووصفت لنا رجلا فرقنا بكسر الراء أي خفنا منها أي من الدابة أن تكون شيطانة أي كراهة أن تكون شيطانة وأن يكون الرجل شيطانا متعلقا بها وقال الطيبي رحمه الله أن تكون شيطانة بدل من الضمير المجرور قال أي تميم فانطلقنا سراعا أي حال كوننا مسرعين حتى دخلنا الدير قال شارح دير النصارى وأصله الواو انتهى والمعنى أن أصله دار بالألف المبدلة من الواو مأخوذا من الدور لكونه مدورا أو مدار فيها أو مدار المعيشة والمبيت إليه ثم أبدلت الألف ياء للفرق ومراده بقوله دير النصارى أنه مثله أو في الأصل يطلق عليه وقد يطلق على بيت الخمر فإذا فيه أعظم إنسان أي أكبره جثة أو أهيبه هيئة رأيناه صفة إنسان احتراز عمن لم يروه ولما كان هذا الكلام في معنى ما رأينا مثله صح قوله قط الذي يختص بنفي الماضي وهو بفتح القاف وتشديد الطاء المضمومة في أفصح اللغات وقد تكسر وقد يتبع قافه طاءه في الضم وقد تخفف طاؤه مع ضمها وإسكانها على ما في المغني ووقع في نسخة ما رأيناه قط وقوله خلقا تمييز أعظم وأشده أي أقوى انسان وثاقا بفتح الواو ويكسر أي قيدا من


السلاسل والأغلال على ما سيأتي هذا وذكر الأشرف أن ضمير المفعول راجع إلى الأعظم أي ما رأيناه قط أعظم إنسان خلقا وخلقا نصب على التمييز من أعظم إنسان وقال الطيبي رحمه الله ويحتمل أن يقدر مضاف أي ما رأينا مثل ذلك الأعظم وأشد مرفوع عطف على الأعظم هذا وإن لفظة ما ليست في صحيح مسلم ولا في كتاب الحميدي ولا في جامع الأصول ولا في أكثر نسخ المصابيح ولعل من زادها نظر إلى لفظة قط حيث يكون في الماضي المنفي فالوجه أن يكون مراده كما جاء في قول القائل


لله يبقي على الأيام ذو حيد مجموعة بالنصب وفي نسخة بالرفع أي مضمومة يده إلى عنقه وقوله ما بين ركبتيه إلى كعبيه لما كان ظاهره أن يؤتى بالواو في أوله ليكون المعنى ومجموعة ساقاه عليه ويكون قوله بالحديد قيدا لهما قال الطيبي رحمه الله ما موصولة مرفوعة المحل المعني بالحديد وحذف مجموعة في الثاني لدلالة الأولى عليه قلنا ويلك ما أنت استغربوه فأوردوا مكان من ويمكن أن يكون السؤال عن وصفه وحاله إذ قد علموا أنه رجل وقد يجيء ما بمعنى من كما حقق في قوله تعالى والسماء وما بناها الشمس أو روعي مشاكلة ما قبلها وقال الطيبي رحمه الله كأنهم لما رأوا خلقا عجيبا خارجا عما عهدوه خفي عليهم حاله فقالوا ما أنت مكان من أنت قال قدرتم أي تمكنتم على خبري أي فإني لا أخفيه عنكم فأحدث لكم عن حالي فأخبروني أي عن حالكم وما أسأله عنكم أولا وهذا معنى قوله ما أنتم حيث لم يقل من أنتم ويمكن أن يكون طباقا لقولهم وجزاء لفعلهم قال الطيبي رحمه الله ومثل ما قالوا له ما أنت قال لهم ما أنتم لأنه ما عهد أن انسانا يطرق ذلك المكان وقال ابن الملك أي من أنتم أو ما حالكم قالوا فيه التفات من التكلم إلى الغيبة ذكره ابن الملك رحمه الله ويمكن أن يكون التقدير قال بعضنا ففيه تغليب للغائبين على الحاضرين نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فلعب بنا البحر شهرا فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب فقالت أنا الجساسة اعمدوا بكسر الميم أي اقصدوا إلى هذا أي الرجل في الدير أي القصر الكبير فأقبلنا إليك سراعا فقال أخبروني عن نخل بيسان بفتح موحدة وسكون تحتية وهي قرية بالشام ذكره الطيبي رحمه الله قريبة من الأردن ذكره ابن الملك رحمه الله وفي القاموس قرية بالشام وقرية بمرو وموضع باليمامة وفي نسخة بنون بدل الموحدة لكن ما وجدت له أصلا في اللغة يناسب المقام وإنما ذكره في القاموس وقال نيسان سابع الأشهر الرومية هل تثمر أي تلك النخل قلنا نعم قال أما


بالتخفيف للتنبيه إنها توشك أي تقرب أن لا تثمر قال أي الرجل أخبروني عن بحيرة الطبرية بفتحتين والبحيرة تصغير البحر وفي القاموس الطبرية محركة قصبة بالأردن والنسبة إليها طبراني هل فيها ماء قلنا هي كثيرة الماء قال إن ماءها يوشك أن يذهب أي يفنى
قال أخبروني عن عين زغر بزاي فغين معجمتين فراء كزفر بلدة بالشام قليلة النبات قيل عدم صرفة للتعريف والتأنيث لأنه في الأصل اسم امرأة ثم نقل يعني ليس تأنيثه باعتبار البلدة والبقعة فإنه قد يذكر مثله ويصرف باعتبار البلد والمكان وقد قال شارح هو موضع بالشام وقال النووي رحمه الله هي بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام هل في العين أي في عينه أو تلك العين فاللام للعوض عن المضاف إليه أو للعهد ماء أي كثير لقوله وهل يزرع أهلها أي أهل تلك العين أو البلدة وهي الأظهر لقوله بماء العين قلنا نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها الظاهر أن جوابه على طبق ما سبق وهو أما إنها يوشك أن لا يبقى فيها ماء يزرع به أهلها وفي الأسئلة المذكورة وأجوبتها المسطورة إشارة إلى أنها علامات لخروجه وأمارات لذهاب بركتها بشآمة ظهوره ووصوله ولما كانت هذه الأسئلة توطئة لما بعدها قال أي الدجال معرضا عن الجواب الثاني وبادر إلى السؤال المقصود وهو ظهور محمد المحمود أخبروني عن نبي الأميين أي العرب ما فعل بفتحتين أي ما صنع بعدما بعث قال ابن الملك في شرح المشارق أراد الدجال بالأميين العرب لأنهم لا يكتبون ولا يقرؤون غالبا وإنما أضاف نبينا محمدا إليهم طعنا عليه بأنه مبعوث إليهم خاصة كما زعم بعض اليهود أو بأنه غير مبعوث إلى ذوي الفطنة والكياسة والعقل والرياسة قلنا قد خرج من مكة ونزل بيثرب أي هاجر منها إلى المدينة قال أقاتله العرب قلنا نعم قال كيف صنع بهم فأخبرناه أنه قد ظهر أي غلب وظفر على من يليه أي يقربه من العرب وأطاعوه قال أما إن ذلك خير لهم قال الطيبي رحمه الله المشار إليه ما يفهم


من قوله وأطاعوه وقوله أن يطيعوه جاء لمزيد البيان ويجوز أن يكون المشار إليه رسول الله وخير إما خبر مسند إلى أن يطيعوه وعلى هذا لا يكون بمعنى التفضيل أو يكون أن يطيعوه مبتدأ وخير خبره مقدما عليه والجملة خبر إن قال التوربشتي رحمه الله فإن قيل يشبه هذا القول قول من عرف الحق والمخذول من البعد من الله بمكان لم ير له فيه مساهم فما وجه قوله هذا قلنا يحتمل أنه أراد به الخير في الدنيا أي طاعتهم له خير لهم فإنهم إن خالفوه اجتاحهم واستأصلهم ويحتمل أنه من باب الصرفة صرفه الله تعالى عن الطعن فيه والتكبر عليه وتفوه بما ذكر عنه كالمغلوب عليه والمأخوذ عليه فلا يستطيع أن يتكلم بغيره تأييدا لنبيه والفضل ما شهدت به الأعداء وإني مخبركم عني إني بكسر الهمزة وفتحه أنا المسيح أي الدجال وإني بالوجهين


يوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع بالنصب في الثلاثة وجوز رفعها أي فلا أترك قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة ظرف لأسير وعدم الترك إشعارا بقوة سياحته التي هي أحد وجوه تسميته بالمسيح على أن فعيل بمعنى الفاعل لكون سياحته مرورا كالمسح غير مكة استثناء من القرية التي وقعت نكرة في سياق النفي المنصب عليه الاستثناء المفيد للاستغراق وطيبة عطف على مكة وهي بفتح الطاء وسكون تحتية فموحدة من أسماء المدينة كطابة هما أي مكة وطيبة محرمتان علي أي ممنوعتان على دخولهما كلتاهما تأكيد لهما ثم بين سبب المنع بقوله كلما أردت أن أدخل واحدا أي حرما واحدا منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا بفتح الصاد ويضم أي مجردا عن الغمد قال شارح هو بالفتح والضم مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول حال عن الملك أو السيف أي مصلتا أو مصلتا من قولهم أصلت سيفه أي جرده من غلافه وقوله يصدني عنها أي يمنعني عن كل واحدة منهما استئناف بيان أو حال والضمير للملك أو السيف مجازا أو لله تعالى حقيقة وهو المذكور في اللسان والمحظور في الجنان فصح أن يكون مرجعا للضمير على وجه البيان كما حقق في قوله تعالى قل هو الله أحد الإخلاص وإن على كل نقب بفتح نون وسكون قاف أي طريق أو باب منها أي من كل واحدة ملائكة يحرسونها أي يحفظونها عن الآفات والبليات من غير ذلك الملك والظاهر أنه جبريل عليه الصلاة والسلام لما تقدم والله تعالى أعلم قال رسول الله وطعن أي وقد طعن أي ضرب بمخصرته بكسر الميم وفتح الصاد أي بعصاه في المنبر أي عليه ففي بمعنى على كقوله تعالى ووصلبنكم في جذوع النخل طه أو في الطعن تضمن الإيقاع كقوله يجرح في عراقيبها نصلي وفي الفائق هي قضيب يشير به الخطيب أو الملك إذا خاطب وقال التوربشتي رحمه الله المخصرة كالسوط وكل ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوها فهو مخصرة وقال شارح المخصرة ما يمسكه الإنسان بيده من قضيب أو عصا ونحوهما


فيضع تحت خاصرته ويتكىء عليها وقيل هي كالسوط هذه طيبة الجملة مقول لقال وما بينهما حال معترضة بين الفاعل والمفعول هذه طيبة هذه طيبة كررها ثلاثا للتأكيد يعني المدينة أي يريد النبي بقوله هذه الموضوعة للإشارة المحسوسة المدينة المحروسة قال التوربشتي رحمه الله لما وافق هذا القول ما كان حدثهم به أعجبه ذلك وسر به فقال ألا أي تنبهوا هل كنت حدثتكم أي بمثل هذا الحديث ومطابق لهذا الخبر فقال الناس نعم ألا للتنبية إنه أي الدجال في بحر الشام أو بحر اليمن قيل لما حدثهم بقول تميم الداري


لم ير أن يبين لهم موطنه ومجلسه كل التبيين لما رأى في الالتباس من المصلحة فرد الأمر فيه إلى التردد بين كونه في بحر الشام أو بحر اليمن ولم تكن العرب يومئذ تسافر إلا في هذين البحرين ويحتمل أنه أراد ببحر الشام ما يلي الجانب الشامي وببحر اليمن ما يلي الجانب اليماني والبحر واحد وهو الممتد على أحد جوانب جزيرة العرب ثم أضرب عن القولين مع حصول اليقين في أحدهما فقال لا بل من قبل المشرق ما هو أي هو وما زائدة أو موصولة بمعنى الذي أي الجانب الذي هو فيه قال القاضي رحمه الله لفظة ما هنا زائدة للكلام وليست بنافية والمراد إثبات أنه في جهة المشرق قال التوربشتي رحمه الله ويحتمل أن يكون خبرا أي الذي هو فيه أو الذي هو يخرج منه وأومأ بهمزتين أي أشار بيده إلى المشرق قال الأشرف يمكن أنه كان شاكا في موضعه وكان في ظنه أنه لا يخلو عن هذه المواضع الثلاثة فلما ذكر بحر الشام وبحر اليمن تيقن له من جهة الوحي أو غلب على ظنه أنه من قبل المشرق فنفى الأولين وأضرب عنهما وحقق الثالث رواه مسلم وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال رأيتني من الرؤيا كذا ذكره شارح ويحتمل أن يكون بطريق المكاشفة مع أن رؤيا الأنبياء حق كمكاشفاتهم الليلة أي البارحة إن وقع القول في النهار عند الكعبة ظرف للرؤية أو حال من المفعول والمعنى رأيت نفسي عند الكعبة فرأيت رجلا آدم بالمد أي أسمر كأحسن ما أنت راء أي في الأوصاف من أدم الرجال بضم همزه وسكون دال مهملة جمع أدم كحمر جمع أحمر على ما في النهاية فما وقع في بعض النسخ من الضم فهو من سهو القلم له لمة بكسر اللام وتشديد الميم ما جاوز شحمة الأذن من الشعر كأحسن ما أنت راء من اللمم بكسر ففتح جمع لمة قد رجلها بتشديد الجيم أي سرحها ومشطها فهي أي اللمة تقطر ماء يحتمل أن يراد بالماء الذي سرح به إذ لا يسرح الشعر وهو يابس وأن يكون كناية عن مزيد النظافة والنضارة متكئا صفة أخرى لرجلا أو حال منه لوصفه بآدم


أي معتمدا على عواتق رجلين جمع عاتق وهو موضع الرداء من الكتف وقال السيوطي رحمه الله ما بين المنكب والعنق ثم التركيب من قبيل قوله تعالى فقد صغت قلوبكما وحديث أنصاف ساقيه يطوف
بالبيت استئناف بيان أو حال فسألت أي الطائفين أو الملائكة الحافين من هذا وفيه إيماء إلى أن المكاشفة قد تكون في بعض الأشياء مع وجود بعض الاخفاء فقالوا هذا المسيح بن مريم قال أي النبي ثم إذا أنا برجل جعد بفتح جيم فسكون عين وهو من الشعر خلاف السبط أو القصير منه كذا في القاموس قطط بفتح الطاء الأولى ويكسر في القاموس القط القصير الجعد من الرأس كالقطط محركة أعور العين اليمنى بالجر في أعور مضافا كان عينه عنبة طافية بكسر الفاء بعدها ياء وفي نسخة بالهمزة قال السيوطي رحمه الله روى بالهمز بمعنى ذاهب ضوءها وبدونه وصححه الأكثر بمعنى ناتئة بارزة كنتوء حبة العنب قال القاضي عياض رحمه الله كلا عينيه معيبة عوراء فاليمنى مطموسة وهي الطافئة بالهمز واليسرى ناتئة جاحظة كأنها كوكب وهي الطافية بلا همز كأشبه من رأيت قال الجزري ضبطناه بالتكلم والخطاب وهو أوضح قلت أكثر النسخ على التكلم وهو الأظهر في مقام التشبيه من الخطاب العام ثم الكاف مزيدة للمبالغة في التشبيه والمعنى هو أشبه من أبصرته من الناس بابن قطن بفتحتين واحد من اليهود والجار متعلق بأشبه وفي الرواية الآتية أقرب الناس به شبها ابن قطن ولعل وجه الشبه باعتبار بعض الوجوه الآتية واضعا أو باعتبار أن عينه عنبة طافية يديه حال من الدجال على منكبي رجلين الظاهر أن المراد بهما من يعاونه على باطله من أمرائه كما أن المراد بالرجلين الأولين من يساعدان المسيح على حقه ولعلهما الخضر والمهدي من أصحابه يطوف بالبيت فيه إشعار بأن أحدا لا يستغني عن هذا الجناب ولا يفتح لهم غرض إلا من هذا الباب وفي قوله تعالى مثابة للناس البقرة إيماء إلى ذلك ولذا وجد الكفار في الجاهلية وزمن البعثة ما كانوا يتركون


الطواف والآن أيضا يتمنى اليهود والنصارى أن يتشرفوا برؤية هذا البيت والطواف حوله وقال التوربشتي رحمه الله طواف الدجال عند الكعبة مع أنه كافر مؤول بأن رؤيا النبي من مكاشفاته كوشف بأن عيسى عليه الصلاة والسلام في صورته الحسنة التي ينزل عليها يطوف حول الدين لإقامة أوده واصلاح فساده وأن الدجال في صورته الكريهة التي ستظهر يدول حول الدين يبقى العوج والفساد فسألت من هذا فقالوا هذا المسيح الدجال قال التوربشتي رحمه الله وجه تسميته بالمسيح في أحب الوجوه إلينا أن الخير مسح عنه فهو مسيح الضلالة كما أن الشر مسح عن مسيح الهداية وقيل سمي عيسى به لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة الابر أو قيل لأنه كان أمسح الرجل لا أخمص له وقيل لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن وقيل لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها وقيل المسيح الصديق وسمي الدجال به لأن إحدى عينيه ممسوحة لا يبصر بها والأعور يسمى مسيحا انتهى ولأنه يمسح في أيام معدودة
جميع مساحة الأرض إلا مكة والمدينة فهو فعيل بمعنى فاعل ووصف بالمسح الدجال لأن المسيح وصف غلب على عيسى عليه الصلاة والسلام فوصف بالدجال ليتميز المحق من المبطل متفق عليه قيل رواه مسلم في باب الإسراء وفي رواية قال أي النبي في الدجال أي في حقه وشأنه رجل أي هو رجل أحمر أي لونا جسيم أي بدنا جعد الرأس أي شعرا أعور عين اليمنى أقرب الناس به شبها ابن قطن وذكر حديث أبي هريرة لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها في باب الملاحم وسنذكر حديث ابن عمر قام رسول الله أي فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال الخ في باب قصة ابن صياد إن شاء الله تعالى معلق بقوله سنذكر وكان المؤلف رأى أن ذكره في ذلك الباب أقرب إلى الصواب والله تعالى أعلم
الفصل الثاني


عن فاطمة بنت قيس في حديث تميم الداري أي على ما سبق بطوله قال أي تميم وفي نسخة قالت أي ناقلة عنه فإذا أنا بامرأة قال في الحديث السابق فلقيتهم دابة أهلب وههنا فإذا أنا بامرأة قيل يحتمل أن للدجال جساستين إحداهما دابة والثانية امرأة ويحتمل أن الجساسة كانت شيطانة تمثلت تارة في صورة دابة وأخرى في صورة امرأة وللشيطان التشكل بكل شكل أراد ويحتمل أن تسمى المرأة دابة مجازا قال تعالى إن شر الدواب عند الله الصم البكم الأنفال قلت الأظهر في الاستشهاد قوله سبحانه وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها هود إذ الدابة في هذه الأية تعم المخلوقين المرزوقين بخلاف الآية السابقة فإن الظاهر أن المراد من الدواب بها الحيوانات


فيكون في المعنى كقوله تعالى إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا الفرقان تجر شعرها صفة لامرأة وهو كناية عن طول شعرها والشعر يحرك ويسكن قال أي تميم ما أنت قالت أنا الجساسة اذهب إلى ذلك القصر أي المعبر عنه فيما سبق بالدير فأتيته فإذا رجل يجر شعره مسلسل صفة ثانية أي مقيد بالسلاسل في الأغلال أي معها ينزو بسكون النون وضم الزاي أي يثب وثوبا فيما بين السماء والأرض وأبعد من قال إنه متعلق بمسلسل فقلت من أنت قال أنا الدجال رواه أبو داود وعن عبادة بن الصامت عن رسول الله قال إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا أي لا تفهموا ما حدثتكم في شأن الدجال أو تنسوه لكثرة ما قلت في حقه قال الطيبي رحمه الله حتى غاية حدثتكم أي حدثتكم أحاديث شتى حتى خشيت أن يلتبس عليكم الأمر فلا تعقلوه فاعقلوه وقوله إن المسيح الدجال أي بكسر إن استئناف وقع تأكيدا لما عسى أن يلتبس عليهم انتهى وقيل خشيت بمعنى رجوت وكلمة لا زائدة ثم قوله قصير وهو غير ملائم لما سبق من كونه أعظم إنسان ووجه الجمع أنه لا يبعد أن يكون قصيرا بطينا عظيم الخلقة وهو المناسب لكونه كثير الفتنة أو العظمة مصروفة إلى الهيبة قيل يحتمل أن الله تعالى يغيره عند الخروج أفحج بتقديم الحاء على الجيم أي الذي يتدانى صدور قدميه ويتباعد عقباه وينفحج ساقاه أي ينفرج وهو خلاف الأروح كذا قاله شارح وفي النهاية الفحج تباعد ما بين الفخذين جعد أي شعره أعور أي إحدى عينيه مطموس العين أي ممسوحها بالنظر إلى الأخرى ليست أي عينه بناتئة أي مرتفعة فاعلة من النتوء ولا جحراء بفتح جيم وسكون حاء أي ولا غائرة والجملة المنفية مؤكدة لإثبات العين الممسوحة وهي لا تنافي أن الأخرى ناتئة بارزة كنتوء حبة العنب على ما تقدم والله تعالى أعلم فإن ألبس عليكم بصيغة المجهول أي إن اشتبه عليكم أمر الدجال بنسيان ما بينت لكم من الحال أوان لبس عليكم أمره بما يدعيه من الألوهية بالأمور الخارقة عن


العادة فاعلموا أن ربكم ليس بأعور أي أقل ما يجب عليكم من معرفة صفات الربوبية هو التنزيه عن الحدوث والعيوب لا سيما النقائص الظاهرة المرئية رواه أبو داود وكذا النسائي
وعن أبي عبيدة بن الجراح قال سمعت رسول الله يقول إنه أي الشأن لم يكن نبي بعد نوح إلا قد أنذر الدجال قومه أي خوفهم به وقدم المفعول الثاني للاهتمام بذكره وقد تقدم أن نوحا عليه الصلاة والسلام أنذر قومه فبعد نوح ليس للاحتراز وإني أنذركموه أي الدجال ببيان وصفه خوفا عليكم من تلبيسه ومكره فوصفه لنا أي ببعض أوصافه قال أي النبي لعله سيدركه بعض من رآني أي على تقدير خروجه سريعا وقيل دل على بقاء الخضر أو سمع كلامي ليس أو للشك من الراوي بل للتنويع لأنه لا يلزم من الرؤية السماع وهو لمنع الخلو لإمكان الجمع وقيل المعنى أو سمع حديثي بأن وصل إليه ولو بعد حين قالوا يا رسول الله فكيف قلوبنا يومئذ فيه إشارة إلى أن سحره لا يؤثر في قلوب المؤمنين وإن كان يخيل في أعينهم ما ليس من اليقين قال مثلها أي مثل قلوبكم الآن وهو معنى قول الراوي يعني أي يريد بالإطلاق تقييد الكلام بقوله اليوم أو خير شك من الراوي ويحتمل التنويع بحسب الأشخاص رواه الترمذي قيل وحسنه وأبو داود وعن عمرو بن حريث تصغير حرث بمعنى زرع قال المؤلف قرشي مخزومي رأى النبي ومسح رأسه ودعا له بالبركة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بصيغة التثنية لأن الحديث من باب رواية الصحابي الصغير عن الكبير قال أي الصديق حدثنا رسول الله قال استئناف مؤكد لحدثنا أو بدل على مذهب الشاطبي ومن تبعه من أن الإبدال يجري في الأفعال وهو أصح الأقوال أو التقدير حدثنا أشياء من جملتها قال الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان بضم أوله وفي القاموس أنه بلاد يعني معروفة بين بلاد ما وراء النهر وبلدان العراق ومعظمها الآن بلدة هراة المسماة بخراسان كتسمية دمشق بالشام يتبعه بسكون التاء وفتح الباء وفي نسخة بتشديد


التاء وكسر الباء أي يلحقه ويطيعه أقوام أي جماعات أي عظيمة وغريبة من جنس الإنسان ولكنهم يشبهون الجان
كأن وجوههم المجان بفتح الميم وتشديد النون جمع المجن بكسر الميم وهو الترس وقوله المطرقة بضم الميم وسكون الطاء على ما في أصل السيد وأكثر النسخ وقال السيوطي روي بتشديد الراء وتخفيفها فهي مفعولة من أطرقه أو طرقه أي جعل الطراق على وجه الترس والطراق بكسر الطاء الجلد الذي يقطع على مقدار الترس والطراق بكسر الطاء الجلد الذي يقطع على مقدار الترس فيلصق على ظهره والمعنى أن وجوههم عريضة وجناتهم مرتفعة كالمجنة وهذا الوصف إنما يوجد في طائفة الترك والأزبك ما وراء النهر ولعلهم يأتون إلى الدجال في خراسان كما يشير إليه قوله يتبعه أو يكونون حينئذ موجودين في خراسان حماه الله من آفات الزمان رواه الترمذي وكذا ابن ماجه والحاكم وعن عمران ب حصين أسلم قديما وكان من فضلاء الصحابة قال قال رسول الله من سمع بالدجال أي بخروجه وظوره فلينأ بفتح الياء وسكون النون وفتح الهمزة أمر غائب من نأى ينأى حذف الألف للجزم أي فليبعد منه أي من الدجال لأن البعد عن قربه سعد قال تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار هود والركون أدنى الميل فوالله إن الرجل ليأتيه وهو أي الرجل يحسب بكسر السين وفتحها أي يظن أنه أي الرجل بنفسه مؤمن فيتبعه بالتخفيف ويشدد أي فيطيع الدجال مما يبعث به بضم أوله ويفتح أي من أجل ما يثيره ويباشره من الشبهات أي المشكلات كالسحر وإحياء الموتى وغير ذلك فيصير تابعه كافرا وهو لا يدري رواه أبو داود وعن أسماء بنت يزيد بن السكن بفتحتين أنصارية من ذوات العقل والدين قالت قال النبي يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة وتقدم أن لبثه في الأرض أربعون يوما ولعل وجه الجمع بينهما اختلاف الكمية والكيفية كما يشير إليه قوله السنة كالشهر فإنه محمول على سرعة الانقضاء كما أن ما سبق من قوله يوم كسنة محمول على أن الشدة في غاية


من الاستقصاء على أنه يمكن اختلافه باختلاف الأحوال والرجال والشهر
أي من السنة كالجمعة أي كالأسبوع والجمعة يعني الأسبوع من الشهر كاليوم أي كالنهار واليوم كاضطرام السعفة في النار بفتحتين واحدة السعف وهو غصن النخل أي كسرعة التهاب النار بورق النخل والاضطرام الالتهاب والاشتعال فالمعنى إن اليوم كالساعة رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وعن والجمعة أي كالأسبوع أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله يتبع الدجال من أمتي أي أمة الإجابة أو الدعوة وهو الأظهر لما سبق أنهم من يهود أصفهان سبعون ألفا عليهم السيجان بكسر السين جمع ساج كتيجان وتاج وهو الطيلسان الأخضر وقيل المنقوش ينسج كذلك قال ابن الملك أي إذا كان أصحاب الثروة سبعين ألفا فما ظنك بالفقراء قلت الفقراء لكونهم مفلسين هم في أمان الله إلا إذا كانوا طامعين في المال والجاه فهم في المعنى من أصحاب الثروة التابعين لتحصيل الكثرة سواء يكون متبوعهم على الحق أو الباطل كما شوهد في الأزمنة السابقة من أيام يزيد والحجاج وابن زياد وهكذا يزيد الفساد كل سنة بل كل يوم في البلاد فيتبع العلماء العباد والمشايخ الزهاد على ما يشاهد بشر العباد للأغراض الفاسدة والمناصب الكاسدة ونسأل الله العفو والعافية وحسن الخاتمة رواه في شرح السنة قيل في سنده أبو هارون وهو متروك وعن أسماء بنت يزيد أي ابن السكن قالت كان النبي في بيتي فقال إن بين يديه أي قدام الدجال وقبيل زمان خروجه ثلاث سنين أي مختلفة في ذهاب البركة سنة بالرفع وفي نسخة بالنصب تمسك السماء أي تمنع بإمساك الله فيها أي في تلك السنة ثلث قطرها بفتح القاف أي مطرها المعتاد في البلاد والأرض أي وتمسك الأرض ثلث نباتها أي ولو كانت تسقى من غير المطر والثانية أي السنة الثانية وهي بالرفع ويجوز نصبها إما على البدلية وإما على الظرفية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها


كله يعني فيقع القحط فيما بين أهل الأرض كله ويكون الخزائن والكنوز تتبعه وأنواع النعم من الخبز والثمار والأنهار معه فلا يبقى بالتذكير
ويؤنث ذات ظلف بكسر الظاء المعجمة هي البقرة والشاة والظبي ولا ذات ضرس وهي السباع من البهائم إلا هلك أي لا يبقى في حال من الأحوال إلا في حال الهلاك وإن من أشد فتنته أي أعظم بليته أنه يأتي أي الدجال الأعرابي أي البدوي ومن في معناه من جنس الغبي فيقول أي الدجال أرأيت أي أخبرني إن أحييت لك إبلك أي التي ماتت من القحط ألست تعلم أني ربك فيقول بلى فيمثل بكسر المثلثة المشددة ويفتح أي يصور له نحو إبله أي مثال إبله من الشياطين كما يدل عليه نسخة فيمثل له الشياطين نحو إبله كأحسن ما يكون أي كأحسن أكوانه ضروعا أي من اللبن ونصبه على التمييز وأعظمه أي وأعظم ما يكون من جهة السمن أسنمة بكسر النون جمع السنام قال أي النبي وإنما ذكره تأكيدا أو اعادة لطول الفصل تأييدا ويأتي الرجل عطف على قوله ويأتي الأعرابي فيكون من جملة أشد الفتنة قد مات أخوه أي مثلا ومات أبوه الظاهر أن الواو بمعنى أو ولذا أعاد الفعل فيقول أرأيت أي أخبرني والخطاب لمن مات أبوه أو لكل ممن مات أبوه وأمه إن أحييت لك أباك وأخاك جميعا أو أخاك ألست تعلم أني ربك فيقول بلى فيمثل له الشياطين مفعول أول نحو أبيه ونحو أخيه مفعول ثان وفي نسخة يمثل بصيغة المجهول ورفع الشياطين وقيل نصب الشياطين بنزع الخافض أي من الشياطين فعلى هذا ينصب نحو ويرفع باختلاف العاملين قالت أي أسماء رضي الله تعالى عنها ثم خرج رسول الله لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم أي شديد وزيد للتأكيد مما حدثهم أي من أجل تحديثه إياهم به قالت فأخذ بلحمتي الباب بفتح اللام وسكون الحاء كذا في جميع نسخ المشكاة أي ناحيته ذكره ابن الملك في شرح المصابيح وقال شارح له هو بلجفتي الباب بالجيم والفاء قال التوربشتي رحمه الله الصواب فأخذ بلجفتي الباب أريد بهما


العضادتان وقد فسر بجانبيه ومنه ألجاف البئر أي جوانبها وفي كتاب المصابيح بلحمتي الباب وليس بشيء ولم يعرف ذلك من كتب أصحاب الحديث إلا على ما ذكرنا قلت ويؤيده ما في القاموس من أن اللجف حفر في جانب البئر ولجيفتا الباب جانباه لكن بعد اتفاق النسخ لا بد من التوجيه ففي القاموس اللحمة القطعة من اللحم فيجرد ويقال المراد بهما قطعتا الباب فإنهما تلتحمان وتنفصلان وتلتئمان وهو أولى من تخطئة رواة
الكتاب والله تعالى أعلم بالصواب فقال أي النبي مهيم بفتح فسكون ثم فتح فسكون في القاموس مهيم كلمة استفهام أي ما حالك وما شأنك أو ما وراءك أو أحدث لك شيء وقال القاضي رحمه الله مهيم كلمة يمانية ومعناه ما الحال والخبر وقوله أسماء منادى حذف منه حرف النداء قلت يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا أي أقلقت أو قلعت قلوبنا بذكر الدجال أي وما معه من الفتنة وشدة الحال قال إن يخرج وأنا حي أي فرضا وتقديرا فأنا حجيجه أي دافعه عنكم بالحجة أو الهمة وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن وهو لا ينافي ما سبق من قوله فامرؤ حجيج نفسه فإن المقصود أنه يجب على شخص أنه يدفعه عن نفسه بالحجة اليقينية فإذا كان صاحب النبوة موجودا فلا يحتاج إلى غيره لأنه مؤيد من عند الله تعالى وإلا فالله ولي دينه وناصر نبيه وحافظ أوليائه ممن آمن به فقلت يا رسول الله إنا لنعجن بكسر الجيم عجيننا فما نخبزه بكسر الموحدة ويضم أي فما يتم خبزه حتى نجوع أي من قلة صبرنا عن الأكل فكيف بالمؤمنين الباء زائدة أي كيف حالهم يومئذ أي وقت القحط وانحصار وجود الخبز عند الدجال وأتباعه قال يجزئهم ما يجزىء بضم أوله مهموزا أي يكفيهم ما يكفي أهل السماء أي الملائكة من التسبيح والتقديس قال المظهر يعني من ابتلى بزمانه في ذلك اليوم لا يحتاج إلى الأكل والشرب كما لا يحتاج الملأ الأعلى وأبعد الطيبي رحمه الله حيث قال معناه إنا نعجن العجين لنخبزه فلا نقدر على خبزه لما فينا من خوف الدجال


حين خلعت أفئدتنا بذكره فكيف حال من ابتلي بزمانه فمعنى قوله يجزئهم إنه تعالى يسليهم ببركة التسبيح والتقديس هذا وفي الحديث كلمة سبحان الله وبحمده عبادة الخلق وبها يقطع أرزاقهم رواه البزار عن ابن عمر ومعنى الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئا لمن يراه أهلا لذلك ثم استعمل في كل ما يعين للشخص رواه هنا بياض في الأصل وألحق به أحمد وأبو داود والطيالسي وقيل رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن شهر بن حوشب عنها وانفرد به هنا
الفصل الثالث
عن المغيرة بن شعبة قال ما سأل أحد رسول الله عن الدجال


بأكثر مما سألته أي عنه وإنه بكسر الهمزة والواو للحال أو لعطف الجملة الثانية على المنفية والتقدير وقال إنه والواو لمطلق الجمع والضمير للشأن أوله قال لي ما يضرك قال الطيبي رحمه الله الجملة حال والمعنى كنت مولعا بالسؤال عن الدجال مع أنه قال ما يضرك فإن الله تعالى كافيك شره أقول والظاهر أن الجملة إخبارية تقريرية ويمكن أن تكون خبرية لفظا وفي المعنى دعائية وإنما أتى بصيغة المضارع لتوقع وجوده في الاستقبال والله تعالى أعلم بالحال قلت إنهم أي الناس أو أهل الكتاب أو اليهود يقولون إن معه جبل خبز بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة فزاي أي معه من الخبز قدرالجبل وفي نسخة حبل خبز وهي كذا في المصابيح وكأنه تصحيف ونهر ماء بفتح الهاء وهو أفصح وتسكن وهو أشهر وفيه إشارة إلى أن في زمانه قحط الماء أيضا ابتلاء للعباد وزوالا للبركة في البلاد لعموم الفساد وهذا سؤال مستقل لا تعلق له بما قبله وأبعد الطيبي رحمه الله في قوله قلت إلى آخره استئناف جواب عن سؤال مقدر أي سألته يوما فقال لي ما يضرك أي ما يضلك قلت كيف ما يضلني وإنهم يقولون إن معه جبل خبز قال هو أهون على الله من ذلك أي الدجال هو أحقر عند الله تعالى أن يحقق له ذلك وإنما هو تخييل وتمويه للابتلاء فيثبت المؤمن ويزل الكافر أو المراد أنه أهون من أن يجعل شيئا من ذلك آية على صدقه ولا سيما قد جعل فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره يقرؤها من لا يقرأ وفي شرح مسلم قال القاضي رحمه الله معناه هو أهون على الله من أن يجعل ما خلق الله تعالى على يده مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوبهم بل إنما جعله الله ليزداد الذين آمنوا إيمانا ويلزم الحجة على الكافرين والمنافقين ونحوهم وليس معناه أنه ليس معه شيء من ذلك متفق عليه وعن أبي هريرة عن النبي قال يخرج الدجال على حمار أقمر أي شديد البياض على ما في النهاية وفيه إيماء إلى أن حماره أحسن من وجهه ما بين أذنيه صفة ثانية لحمار سبعون باعا وهو طول ذراعي الإنسان وما بينهما رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور


باب قصة ابن صياد
كذا في نسخة السيد وأكثر النسخ المعتمدة وفي بعض النسخ ابن الصياد معرفا في القاموس ابن صائد أو صياد الذي كان يظن أنه الدجال وقال الأكمل ابن صائد اسمه عبد الله وقيل صياف ويقال ابن صائد وهو يهودي من يهود المدينة وقيل هو دخيل فيهم وكان حاله في صغره حال الكهان يصدق مرة ويكذب مرارا ثم أسلم لما كبر وظهرت منه علامات من الحج والجهاد مع المسلمين ثم ظهرت منه أحوال وسمعت منه أقوال تشعر بأنه الدجال وقيل إنه تاب ومات بالمدينة وقيل بل فقد يوم الحرة وقال ابن الملك رحمه الله اختلفوا في حال ابن الصياد فقيل هو الدجال وما يقال إنه مات بالمدينة لم يثبت إذ قد روي أنه فقد يوم الحرة وأما أنه لم يولد للدجال وأنه لا يدخل البلدين وأنه يكون كافرا فذلك في زمان خروجه وقيل ليس هو الدجال ونقل أن جابرا حلف بالله أن ابن الصياد هو الدجال وأنه سمع عمر بن الخطاب يحلف ذلك عند النبي ولم ينكره والظاهر من قصة تميم الداري رضي الله تعالى عنه أنه ليس هو الدجال نعم كان أمر ابن الصياد ابتلاء من الله تعالى لعباده فوقى الله تعالى المسلمين من شره أقول ولا يناقضه قصة تميم الداري إذ يمكن أن يكون له أبدان مختلفة فظاهره في عالم الحس والخيال دائر مع اختلاف الأحوال وباطنه في عالم المثال مقيد بالسلاسل والأغلال ولعل المانع من ظهور كماله في الفتنة وجود سلاسل النبوة وأغلال الرسالة والله سبحانه وتعالى أعلم
الفصل الأول
عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أفرد الضمير لكونه هو الأصل المروي عنه وذكر ابنه تبعا له وفي نسخة عنهما وهو موهم أن يدخل فيه الخطاب وهو عدول عن الصواب انطلق مع رسول الله أي ذهب عمر معه في رهط وهو ما دون العشرة من الرجال والمعنى في جملة جمع من أصحابه قبل ابن صياد بكسر


قاف وفتح موحدة أي جانبه حتى وجدوه قيل حتى هنا حرف ابتداء يستأنف بعده الكلام ويفيد انتهاء الغاية وقوله يلعب مع الصبيان حال من مفعول وجدوه في أطم بني مغالة بفتح الميم ويضم والغين المعجمة ونقل بالضم والمهملة وهو قبيلة والأطم بضمتين القصر وكل حصن مبني بحجارة وكل بيت مربع مسطح الجمع آطام وأطوم كذا في القاموس وقال النووي رحمه الله تعالى المشهور مغالة بفتح الميم وتخفيف الغين المعجمة وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم بضمتين ويسكن اللام أي البلوغ بالاحتلام وغيره فلم يشعر بضم العين وفيه إشعار بأنهم جاؤه على غفلة منه أي لم يتفطن بمأتانا حتى ضرب رسول الله ظهره أي ظهر ابن صياد بيده أي الكريمة ثم قال أي النبي أتشهد أني رسول الله فنظر إليه أي إلى النبي نظر غضب أو غفلة ولذا لم يترتب عليه نظره له كما قال تعالى وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون الأعراف فقال أشهد أنك رسول الأميين قال القاضي رحمه الله يريد بهم العرب لأن أكثرهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون وما ذكره وإن كان حقا من قبل المنطوق لكنه يشعر بباطل من حيث المفهوم وهو أنه مخصوص بالعرب غير مبعوث إلى العجم كما زعمه بعض اليهود وهو إن قصد به ذلك فهو من جملة ما يلقي إليه الكاذب الذي يأتيه وهو شيطانه انتهى ويمكن أن يكون مسموعه من اليهود لأنه منهم أو هذا منه على طريقة الحكماء في زعمهم أنهم يستغنون عن الأنبياء ثم قال ابن صياد أتشهد أني رسول الله يحتمل أنه أراد به الرسالة النبوية كما يدل عليه المقابلة الكلامية ويحتمل أنه أراد الرسالة اللغوية فإنه أرسل من عنده تعالى للفتنة والبلية فره النبي بتشديد الصاد المهملة أي ضغطه حتى ضم بعضه إلى بعض ومنه قوله تعالى كأنهم بنيان مرصوص الصف ذكره الخطابي وقال النووي رحمه الله في أكثر نسخ بلادنا فرفضه بالفاء والضاد المعجمة والمعنى تركه وقطع سؤاله وجوابه وجداله من هذا الباب وقال شارح قوله فرضه أي كسره وقيل صوابه


بالمهملة والمراد منه العصر والتضييق ثم قال أي النبي آمنت بالله وبرسله قال الطيبي رحمه الله هو عطف على فرصه وثم للتراخي في الرتبة والكلام خارج على ارخاء العنان أي آمنت بالله ورسله فتفكر هل أنت منهم انتهى وفيه إيهام تجويز التردد في كونه من الرسل أم لا ولا يخفى فساده فالصواب أنه عمل بالمفهوم كما فعله الدجال فالمعنى إني آمنت برسله وأنت لست منهم فلو كنت منهم لآمنت بك وهذا أيضا على الفرض والتقدير أو قبل أن يعلم أنه خاتم


النبيين وإلا فبعد العلم بالخاتمة فلا يجوز أيضا الفرض والتقدير به وقد صرح بعض علمائنا بأنه لو ادعى أحد النبوة فطلب منه شخص المعجزة كفر وإنما لم يقتله مع أنه ادعى بحضرته النبوة لأنه صبي وقد نهي عن قتل الصبيان أو أن اليهود كانوا يومئذ مستمسكين بالذمة مصالحين أن يتركوا على أمرهم وهو منهم أو من حلفائهم فلم تكن ذمة ابن الصياد لتنقض بقوله الذي قال كذا قاله بعض علمائنا من الشراح وقال ابن الملك وهذا يدل على أن عهد الوالد يجزىء عن ولده الصغير وقيل إنه ما ادعى النبوة صريحا لأن قوله أتشهد استفهام لا تصريح فيه وفيه تأييد لما قدمته من احتمال المعنى اللغوي في الرسالة ثم قال لابن صياد ماذا ترى إذ زائدة وما استفهامية أي ما تبصر وتكاشف من الأمر الغيبي قال يأتيني صادق أي خبر صادق تارة وكاذب أي أخرى أو ملك صادق وشيطان كاذب وقيل حاصل السؤال أن الذي يأتيك ما يقول لك ومجمل الجواب أنه يحدثني بشيء قد يكون صادقا وقد يكون كاذبا قال رسول الله خلط بصيغة المجهول مشددا للمبالغة والتكثير ويجوز تخفيفه أي شبه عليك الأمر أي الكذب بالصدق قال النووي رحمه الله أي ما يأتيك به شيطانك مخلط قال الخطابي معناه أنه كان له تارات يصيب في بعضها ويخطىء في بعضها فلذلك التبس عليه الأمر قال رسول الله إني خبأت أي أضمرت لك أي في نفسي خبيئا أي اسما مضمرا لتخبرني به قال ابن الملك وإنما امتحنه بذلك ليظهر إبطال حاله للصحابة وأنه كاهن يأتيه الشيطان فيلقي على لسانه وخبأ له يوم تأتي السماء بدخان مبين الجملة حال بتقدير قد أو بدونه فقال هو الدخ بضم فتشديد وقيل بالفتح وحكي الكسر أيضا ففي النهاية الدخ بضم الدال وفتحها الدخان لأنه أراد بذلك يوم تأتي السماء بدخان مبين الدخان وقيل إن عيسى يقتل الدجال بجبل الدخان فيحتمل أن يكون أراده تعريضا لقتله وفي القاموس الدخ ويضم الدخان أقول ولو روي بضم الدال وتخفيف الخاء لكان له وجه في أنه رمز وإشارة


إلى الدخان وتصريح بنقصان إدراكه كما هو دأب الكهان وقال النووي رحمه الله وهو بضم الدال وتشديد الخاء المعجمة وهي لغة في الدخان ومعنى خبأت أضمرت لك اسم الدخان والصحيح المشهور أنه أضمر له آية الدخان وهي قوله تعالى فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين قال القاضي عياض رحمه الله وأصح الأقوال أنه لم يأت من الآية التي أضمرها النبي إلا بهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب ويدل عليه ما ذكره الدارمي عنه فقال اخسأ بفتح السين وسكون الهمزة كلمة زجر واستهانة أي امكث صاغرا أو أبعد حقيرا واسكت مزجورا من الخسوء وهو زجر الكلب فلن تعدو بضم الدال


أي فلن تجاوز قدرك أي القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء ذكره النووي وقال الطيبي رحمه الله أي لا تتجاوز عن إظهار الخبيئات على هذا الوجه كما هو دأب الكهنة إلى دعوى النبوة فتقول أتشهد أني رسول الله أقول وحاصل الجملة وزبدة المسألة أنك وإن أخبرت عن الخبيء فلن تستطيع أن تجاوز عن الحد الذي حد لك يريد أن الكهانة لا ترفع بصاحبها عن القدر الذي عليه هو وإن أصاب في كهانته قال عمر فيه التفات أو تجريد ويمكن أن يكون ابن عمر مصاحبا لهم ويدل عليه ما بعده فقال قال عمر يا رسول الله أتأذن لي فيه أي في حقه أضرب وفي نسخة فلأضرب وفي أخرى أن أضرب عنقه قال رسول الله إن يكن هو أي الدجال لا تسلط بصيغة المجهول مجزوما وفي نسخة بالرفع أي لا تقدر عليه أي على هلاكه لأن المقدر أن قاتله عيسى عليه الصلاة والسلام فيما سيأتي من الأيام وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله أي لما قدمناه من كونه صغيرا أو ذميا أو كون كلامه محتملا أقوال وأوسطها أعدلها قال ابن الملك رحمه الله تعالى ولما كان فيه قرائن دالة على كونه الدجال ذكر النبي الحديث بصورة الشك والله تعالى أعلم قال القاضي قوله إن يكن هو الضمير للدجال ويدل عليه ما روي أنه قال إن يكن هو فلست صاحبه إنما صاحبه عيسى ابن مريم وإلا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلا من أهل العهد وهو خبر كان واسمه مستكن فيه وكان حقه أن يكنه فوضع المرفوع المنفصل موضع المنصوب المتصل عكس قولهم لولاه ويحتمل أن يكون تأكيدا للمستكن والخبر محذوفا على تقدير إن يكن هو هذا قال الطيبي رحمه الله ويجوز أن يقدر إن يكن هو الدجال وهو ضمير فصل أو هو مبتدأ والدجال خبره والجملة خبر كان انتهى وعلى الأخير يكون في يكن ضمير الشأن كما لا يخفى قال ابن عمر انطلق بعد ذلك رسول الله وأبي بن كعب الأنصاري بالرفع للعطف ويجوز النصب للمعية يؤمان النخل من أمه يؤمه إذا قصده أي يقصدان النخيل التي فيها أي فيما بينها أو


في بستانها ابن صياد فطفق بكسر الفاء أي شرع رسول الله يتقي أي يستر نفسه بجذوع النخل أي ويتخبأ عن ابن صياد ليأخذه على غرة وغفلة فإن تلك الحالة أدل على بطلان الرهبان وهو أي النبي يختل بسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية من الختل وهو طلب الشيء بحيلة والمفعول محذوف أي يخدع ابن صياد أن يسمع أي ليسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه أي يعلم هو وأصحابه حاله في أنه كاهن أم ساحر ونحوهما قال النووي رحمه الله وفيه جواز كشف أحوال ما يخاف مفسدته وكشف الأمور المبهمة بنفسه وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة أي دثار مخمل وقيل لحاف صغير له فيها زمزمة قال


النووي رحمه الله هو في معظم نسخ مسلم بزاءين معجمتين وفي بعضها براءين مهملتين ووقع في البخاري بالوجهين وهو صوت خفي لا يكاد يفهم أو لا يفهم قال شارح هي صوت لا يفهم منه شيء وهو في الأصل صوت الرعد فرأت أم ابن صياد النبي وهو يتقي بجذوع النخل فقالت أي للنداء صاف بالضم وفي نسخة بالكسر على أن أصله صافي فحذف الياء واكتفى بالكسرة ويؤيد الأول ظاهر قوله وهو اسمه ويمكن أن يكون الاسم بمعنى الوصف فإنه قد يستعمل بالمعنى الأعم من نحو اللقب والعلم هذا أي وراءك محمد أو جاءك فتنبه له فتناهى ابن صياد أي انتهى عما كان فيه من الزمزمة وسكت قال رسول الله لو تركته أي أمه بين أي أظهر ما في نفسه كذا في شرح السنة وقال النووي رحمه الله أي بين لكم باختلاف كلامه ما يهون عليكم شأنه قال عبد الله بن عمر الظاهر أن ما سيأتي حديث آخر ذكره استطرادا ولذا لم يأت بعاطفة وقال قام رسول الله في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني أنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذر قومه أي بعد نوح لقد أنذر نوح قومه أي قبل الأنبياء ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون خبر بمعنى الأمر أي اعلموا أنه أعور وأن الله بالفتح للعطف وبالكسر على أن الجملة حالية ليس بأعور أي بالأمر البديهي في التنزيه الإلهي قال التوربشتي رحمه الله يحتمل أن أحدا من الأنبياء لم يكاشف أو لم يخبر بأنه أعور ويحتمل أنه أخبر ولم يقدر له أن يخبر عنه كرامة لنبينا حتى يكون هو الذي يبين بهذا الوصف دحوض حجته الداحضة ويبصر بأمره جهال العوام فضلا عن ذوي الألباب والأفهام وفي شرح مسلم للنووي قالوا قصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال أم غيره ولا شك أنه دجال من الدجاجلة قالوا وظاهر الأحاديث أنه لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أوحي إليه بصفات الدجال وكان لابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره ولهذا


قال لعمر رضي الله تعالى عنه لا يولد للدجال وقد ولد له وأن لا يدخل مكة والمدينة وابن صياد قد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة فلا دلالة فيه لأنه إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض قال الخطابي واختلف السلف في أمره بعد كبره فروي عنه أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى يراه الناس وقيل لهم اشهدوا قال وكان ابن عمر وجابر يحلفان أن ابن صياد هو الدجال لا يشكان فيه فقيل لجابر إنه أسلم فقال وإن أسلم فقيل إنه دخل مكة وكان بالمدينة فقال وإن دخل وروى أبو داود بإسناد


صحيح عن جابر قال فقدنا ابن صياد يوم الحرة وهذا يبطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلي عليه وقد روى مسلم في هذه الأحاديث أن جابرا حلف بالله تعالى أن ابن صياد هو الدجال وأنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يحلف ذلك عند النبي ولم ينكره قال البيهقي في كتاب البعث والنشور اختلفوا في أمر ابن صياد اختلافا كثيرا هل هو الدجال أم لا فمن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة ويجوز أن يتوافق صفة ابن صياد وصفة الدجال كما ثبت في الصحيح إن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن وليس هو هو قال وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله بها عباده فعصم الله تعالى منها المسلمين ووقاهم شرها قال وليس في حديث تميم هذا كلام البيهقي فقد اختار أنه غيره وقدمنا أنه صح عن ابن عمر وجابر أنه الدجال فإن قيل لم لم يقتله النبي مع أنه ادعى بحضرته النبوة فالجواب من وجهين ذكرهما البيهقي وغيره أحدهما أنه كان غير بالغ واختار القاضي عياض رحمه الله هذا الجواب والثاني أنه كان في أيام مهادنة اليهود وحلفائهم وجزم الخطابي بالجواب الثاني قال لأن النبي بعد قدومه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتاب الصلح على أن يتركوا على حالهم وكان ابن صياد منهم أو دخيلا فيهم قال الخطابي وأما امتحان النبي بما خبأه له من آية الدخان فلأنه كان يبلغه ما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الكلام في الغيب فامتحنه ليعلم حقيقة حاله ويظهر إبطال حاله للصحابة فإنه كاهن ساحر يأتيه الشيطان فيلقي على لسانه ما يلقيه الشياطين إلى الكهنة فامتحنه ثم قال فلن تعدو قدرك أي لا تتجاوز قدرك وقدر أمثالك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء الشيطان كلمة واحدة من جملة كثيرة بخلاف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنه يوحي الله تعالى إليهم من علم الغيب ما يوحي فيكون واضحا جليا كاملا وبخلاف ما يلهم الله الأولياء من الكرامات والله تعالى أعلم متفق عليه ورواه أبو داود


والترمذي وعن أبي سعيد الخدري قال لقيه رسول الله وأبو بكر وعمر يعني أي يريد أبو سعيد بالضمير البارز ابن صياد والمعنى لقوه في بعض طرق المدينة فقال له رسول الله أتشهد أني رسول الله فقال هو أي ابن صياد وهو تأكيد للضمير المستكن في
فقال أتشهد أني رسول الله فقال رسول الله آمنت بالله وملائكته ورسله تقدم ما يتعلق به ماذا ترى قال أرى عرشا على الماء فقال رسول الله ترى عرش إبليس على البحر أقول قد جرى لبعض المكاشفين من هذه الأمة وقد قدمنا بيانه وما ترى أي غير هذا قال أرى صادقين وكاذبا أو كاذبين وصادقا أي يأتيني شخصان يخبراني بما هو صدق وشخص يخبرني بما هو كذب والشك من ابن الصياد في عدد الصادق والكاذب يدل على افترائه إذ المؤيد من عند الله لا يكون كذلك فقال رسول الله أي لأصحابه لبس بضم لام وكسر موحدة مخففة ولو شدد لأفاد التأكيد والتكثير أي خلط عليه الأمر في كهانته فدعوه أي فاتركوه فإنه لا يحدث بشيء يصلح أن يعول عليه رواه مسلم وعنه أي عن أبي سعيد أن ابن صياد سأل النبي عن تربة الجنة أي ما ترابها فقال درمكة في القاموس الدرمك كجعفر دقيق الحواري والتراب الناعم بيضاء صفة مؤكدة مسك خالص خبر ثان وفي النهاية الدرمكة الدقيق الحواري شبه تربة الجنة بها لبياضها ونعومتها وبالمسك لطيبها انتهى ويقال دقيق حواري بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء هو ما حور أي بيض من الطعام رواه مسلم وعن نافع قال لقي ابن عمر ابن صياد أي رآه في بعض طرق المدينة فقال أي ابن عمر له قولا أغضبه أي القول مجازا أو ابن عمر فانتفخ أي صار ذا نفخ من الغضب حتى ملأ أي جسده المنتفخ السكة بكسر فتشديد أي الطريق فدخل ابن عمر على حفصة وهي أخته أم المؤمنين وقد بلغها أي وقد وصل إليها ما جرى بينهما فقالت له أي


لأخيها رحمك الله جملة دعائية دالة على جواز مثلها للأحياء وإن كان العرف الآن على خلاف ذلك ما أردت ما استفهام مفعول أردت أي أي شيء قصدت من ابن صياد أي حيث أغضبته في الكلام أما علمت أن رسول الله قال إنما يخرج أي الدجال حين يخرج من غضبة بسكون الضاد المعجمة أي من مرة واحدة من الغضب يغضبها الجملة في موضع الجر والضمير في موضع النصب أي أنه يغضب غضبة فيخرج بسبب غضبه فيدعي النبوة فلا تغضبه يا عبد الله ولا تتكلم معه كيلا يخرج فتظهر الفتن ذكره الطيبي رحمه الله وقال المظهر يعني إنما يخرج الدجال حين يغضب رواه مسلم وعن أبي سعيد الخدري قال صحبت ابن صياد إلى مكة أي متوجهين إليها فقال لي ما لقيت ما استفهام تعجيب أي شيئا عظيما لقيت من الناس أي من كلامهم ثم بينه بقوله يزعمون أني الدجال أي ولست إياه وقال بعضهم قوله يزعمون استئناف كأنه لما قال ما لقيت أي أي شيء لقيت من الناس قيل له ماذا تشكو منهم فقال يزعمون أو حال من فاعل لقيت أي أي شيء لقيت من الناس وإنهم يزعمون كذا أي يترددون في أمري ويشكون فيه أنت تعلم أن الأمر على خلاف ذلك ألست سمعت رسول الله يقول لا يولد له وقد ولد لي أليس قد قال هو كافر وأنا مسلم أو ليس قد قال لا يدخل المدينة ولا مكة وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة وقد سبق تأويلات الجمل المذكورة ثم قال لي في آخر قوله أما والله إني لأعلم أي لأعرف مولده أي زمان ولادة الدجال ومكانه أي حينئذ وأين هو أي الآن وأعرف أباه وأمه فيه أنه يحتمل أن يكون كاذبا وصادقا فيه قال أي أبو سعيد فلبسني بتخفيف الموحدة المفتوحة قال النووي رحمه الله هو بالتخفيف أي جعلني ألتبس على أمره وأشك فيه يعني حيث قال أولا اعلم أنا مسلم ثم ادعى الغيب بقوله إني لأعلم ومن ادعى علم الغيب فقد كفر فالتبس علي إسلامه وكفره وقال ابن الملك فلبسني من التلبيس أي التخليط حيث لم يبين مولده وموضعه بل


تركه ملتبسا فلبس علي أو معناه أوقعني في الشك بقوله ولد لي وبدخوله المدينة ومكة وكان يظن أنه الدجال قال أي أبو سعيد قلت له أي لابن صياد تبا بتشديد الموحدة أي هلاكا وخسرانا لك سائر اليوم أي جميع اليوم أو باقيه أي ما تقدم من اليوم قد خسرت فيه فكذا في باقيه قال أي أبو سعيد وقيل له أي لابن صياد أيسرك أي أيوقعك في السرور ويفرحك ويعجبك أنك ذلك الرجل أي أن تكون الدجال قال أي أبو سعيد فقال أي ابن صياد لو عرض علي بصيغة المجهول أي لو عرض علي ما جبل في الدجال من الإغواء والخديعة والتلبيس على ما كرهت أي بل قبلت والحاصل رضاه بكونه الدجال وهذا دليل واضع على كفره كذا ذكره المظهر وغيره من الشراح رواه مسلم وعن ابن عمر قال لقيته أي ابن صياد وقد نفرت بفتح الفاء أي ورمت عينه كأن الجلد ينفر من اللحم الحادث بينهما قال شارح وروي بالقاف على بناء المجهول أي استخرجت قال النووي هو بفتح النون والقاف أي ورمت ونتأت وذكر القاضي عياض رحمه الله وجوها أخر والظاهر أنها تصحيف قلت متى فعلت عينك أسند الفعل إلى العين مجازا والمراد غيره والمعنى متى فعل الله بعينك ما أرى أي الذي أراه فيها من الورم وكأنه لبس على ابن صياد يختبره أو يوافقه أو يخالفه قال لا أدري قلت لا تدري بتقدير الاستفهام الإنكاري وهي في رأسك جملة حالية وهذا استبعاد بحسب العادة وإلا فمن الإمكان بل من أبدع ما كان أنه يحدث في عينه شيء ولا يدري فإنه إذا جاء القدر عمي البصر لا سيما وكل أحد أعمى في عيب نفسه بصير بعيوب غيره يرى القذى في عين الناس ولا يرى الجذع في باصرته قال إن شاء الله خلقها أي هذه العلة أو هذه العين المعيبة في عصاك أي بحيث لا تدري بها وهي أقرب شيء إليك قال القاضي رحمه الله قول ابن صياد إن شاء الله خلقها في عصاك في جواب قوله لا تدري وهي في رأسك إشارة إلى أنه يمكن أن تكون العين بحال لا يكون له شعور بحالها فلم يجوز أن يكون الإنسان مستغرقا


في أفكاره بحيث يشغله عن الإحساس بها والتذكر لأحوالها قلت ونظيره قطع عضو مأكوله من بعض العارفين حالة كونه من المصلين مستغرقا في بلوغ مدارج مشاهدة المقربين وطلوع معراج مناجاة رب العالمين وكما يشاهد من آحاد الناس أنه لا يحس بألم الجوع فرحا أو حزنا
وغير ذلك قال أي ابن عمر فنخر أي ابن صياد وهو بفتح النون والخاء المعجمة أي صوت صوتا منكرا كأشد نخير حمار قال شارح هو صوت الأنف يعني مد النفس في الخيشوم سمعت بالضم أي سمعت منه صوتا منكرا فإن أنكر الأصوات لصوت الحمير قال الطيبي رحمه الله كأشد نخير صفة مصدر محذوف أي نخر نخرة إلى آخره رواه مسلم وعن محمد بن المنكدر تابعي كبير روى عنه الثوري ومالك وغيرهما وهو ممن جمع بين العلم والزهد والعبادة قال رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله إن ابن الصياد بكسر الهمز وتعريف الصياد في الأصول الدجال أي هو الدجال قلت تحلف بالله أي أتحلف مع أنه أمر مظنون غير مجزوم به قال إني سمعت عمر يحلف على ذلك أي على أن ابن الصياد الدجال عند النبي فلم ينكره النبي أي ولو لم يكن مقطوعا لأنكره أي ولم يجز اليمين على ما يغلب به الظن لما سكت عنه قيل لعل عمر أراد بذلك أن ابن الصياد من الدجالين الذين يخرجون فيدعون النبوة أو يضلون الناس ويلبسون الأمر عليهم لا أنه المسيح الدجال لأن النبي تردد حيث قال إن يكن هو وإن لم يكن هو ولكن فيه أن الظاهر المتبادر من إطلاق الدجال هو الفرد الأكمل فالوجه حمل يمينه على الجواز عند غلبة الظن والله تعالى أعلم ثم رأيت شارحا قال فلم ينكره لأن النبي عرف أنه من جملة من حذر الناس عنه من الدجالين بقوله يخرج في أمتي دجالون كذابون قريبا من ثلاثين وابن صياد لم يكن خارجا من جملتهم لأنه ادعى النبوة بمحضر من النبي فلم يكن حلف عمر رضي الله تعالى عنه مخالفا للحقيقة أو يريد أن فيه صفة الدجال والله تعالى أعلم بالحال متفق عليه
الفصل الثاني


عن نافع قال كان ابن عمر يقول والله ما أشك أي لا أتردد أن المسيح
الدجال ابن صياد أي هو هو وفي نسخة باللام رواه أبو داود أي في سننه بسند صحيح والبيهقي في كتاب البعث والنشور وعن جابر قال قد فقدنا ابن صياد وفي نسخة قد فقد بصيغة المجهول وضم ابن صياد يوم الحرة هو يوم غلبة يزيد بن معاوية على أهل المدينة ومحاربته إياهم قيل هذا يخالف رواية من روى أنه مات بالمدينة وليس بمخالف ذكره الطيبي رحمه الله وهو مخالف إذ يلزم من فقده المحتمل موته بها وبغيرها وكذا بقاؤه في الدنيا إلى حين خروجه عدم جزم موته بالمدينة رواه أبو داود أي بسند صحيح وعن أبي بكرة بالتاء قال قال رسول الله يمكث أبو الدجال أي والداه ثلاثين عاما ولعل المراد به أحد الدجالين فلا ينافيه ما سبق ولا ما يأتي من الكلام لا يولد لهما ولد ثم يولد لهما غلام أعور أضرس أي عظيم الضرس وهو السن والمراد به الناب لما سيأتي وأقله أي وأقل غلام منفعة والمعنى لا غلام أقل منه نفعا قال الجزري قوله أضرس كذا في نسخ المصابيح أي عظيم الضرس أو الذي يولد وضرسه معه ولا شك عندي أنه تصحيف أضر شيء وكذا هو في كتاب الترمذي الذي أخذه المؤلف منه وبهذا يصح عطف وأقله منفعة عليه من غير تعسف ولا تكلف تقدير ويكون الضمير عائد إلى شيء أي أقل شيء منفعة قلت ويؤيده أنه أورد الحافظ ابن حجر في شرح البخاري حديث أبي بكرة ناقلا عن أبي داود وفيه غلام أعور أضر شيء وأقله نفعا تنام عيناه ولا ينام قلبه قال القاضي رحمه الله أي لا تنقطع أفكاره الفاسدة عنه عند النوم لكثرة وساوسه وتخيلاته وتواتر ما يلقي الشيطان إليه كما لم يكن ينام قلب النبي من أفكاره الصالحة بسبب ما تواتر عليه من الوحي والإلهام ثم نعت لنا رسول الله أبويه فقال أي النبي أبوه طوال بضم الطاء وتخفيف الواو مبالغة طويل والمشدد أكثر مبالغة لكن الأول هو الرواية ضرب اللحم أي خفيفه وفي النهاية هو الخفيف اللحم المستدق وفي صفة


موسى عليه الصلاة والسلام أنه ضرب من الرجال كأن بتشديد النون أنفه منقار بكسر الميم أي في أنفه طول بحيث
يشبه منقار طائر وأمه امرأة فرضاخية بكسر الفاء وتشديد التحتية أي ضخمة عظيمة ذكره القاضي وفي الفائق هي صفة بالضخم وقيل بالطول والياء مزيدة فيه للمبالغة كأحمري وفي القاموس رجل فرضاخ ضخم عريض أو طويل وهي بهاء وامرأة فرضاخة أو فرضاخية عظيمة الثديين وفي النهاية فرضاخية ضخمة عظيمة الثديين طويلة اليدين أي بالإضافة إلى عادة نسائها أو بالنسبة إلى سائر أعضائها فقال أبو بكرة فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة فذهبت أنا والزبير بن العوام بالرفع أو النصب حتى دخلنا على أبويه فإذا نعت رسول الله أي وصفه فيهما فقلنا هل لكما ولد بالرفع أي ولد ولد فقالا مكثنا بفتح الكاف وضمها أي لبثنا ثلاثين عاما لا يولد لنا ولد ثم ولد لنا غلام أعور أضرس فيه ما تقدم وأقله منفعة تنام عينه ولا ينام قلبه ولعله كان يظهر بعض آثار قلبه على صفحة قالبه أو هو أخبرهما عن بعض مدركات قلبه حال نومه قال أي أبو بكرة فخرجنا من عندهما فإذا هو أي الغلام منجدل بكسر الدال أي ملقى على وجه الأرض قال الطيبي رحمه الله أي ملقى على الجدالة وهي الأرض ومنه الحديث أنا خاتم الأنبياء في أم الكتاب وآدم لمنجدل في طينته قلت ففيه تجريد أو تأكيد والمعنى أنه ساقط أو واقع في الشمس في قطيفة أي دثار مخمل على ما في القاموس وله همهمة أي زمزمة وقال شارح أي كلام غير مفهوم منه شيء وهي في الأصل ترديد الصوت في الصدر أي كما هو مشاهد في الفرس عند جريانه وفي النهاية وأصل الهمهمة صوت البقر فكشف أي ابن صياد عن رأسه أي غطاءه فقال ما قلتما فكأنه وقع كلام بينهما فيه أو في غيره قلنا وهل سمعت ما قلنا قال نعم تنام عيناي ولا ينام قلبي رواه الترمذي وكذا أبو داود وعن جابر أن امرأة من اليهود بالمدينة ولدت غلاما ممسوحة عينه أي اليمنى وقيل اليسرى طالعة نابه هكذا هو في شرح


السنة والظاهر طالعا نابه إلا أن يراد به الجنس
والتعدد فيه على التحمل ذكره الطيبي رحمه الله فالمعنى طالعة أنيابه وفي القاموس الناب السن خلف الرباعية مؤنث فالتعدد باعتبار الطرفين والجمع باعتبار أن الأقل يكون لاثنين وهذا الحديث يقوي رواية أضرس فيما تقدم والله تعالى أعلم فأشفق أي خاف رسول الله أي على أمته أن يكون أي هو الدجال فوجده تحت قطيفة يهمهم أي يتكلم بكلام غير مفهوم فآذنته بالمد أي أعلمته أمه أي بمأتى النبي إياه فقالت يا عبد الله يحتمل العلمية والوصفية هذا أبو القاسم أي حاضرا وحضر فتنبه له وتهيأ لكلامه فخرج من القطيفة فقال رسول الله ما لها ما للاستفهام مبتدأ ولها خبره أي أي شيء لها قاتلها الله دعاء عليها زجرا لها لو تركته لبين أي لأظهر ما في ضميره فذكر أي جابر مثل معنى حديث ابن عمر أي الحديث الأول من باب قصة ابن صياد فقال عمر بن الخطاب ائذن لي أمر من الإذن أي أعطني الإجازة يا رسول الله فأقتله بالنصب على جواب الأمر فقال رسول الله إن يكن هو أي ابن الصياد الدجال فلست صاحبه أي صاحب قتله ومباشرة هلاكه إنما صاحبه عيسى ابن مريم وإن لم يكن استعمال لا أولى هنا من قولهم في مثل هذا المقام وإن لم يكن فليس لك أن تقتل رجلا من أهل العهد أي من الذمة والجزية فلم يزل رسول الله مشفقا أي خائفا على أمته أنه أي ابن الصياد هو الدجال رواه أي البغوي في شرح السنة بإسناده قال بعض المحققين الوجه في الأحاديث الواردة في ابن صياد مع ما فيها من الاختلاف والتضاد أن يقال إنه حسبه الدجال قبل التحقيق بخبر المسيح الدجال فلما أخبر بما أخبر به من شأن قصته في حديث تميم الداري ووافق ذلك ما عنده تبين له أن ابن الصياد ليس بالذي ظنه ويؤيده ما ذكره أبو سعيد حين صحبه إلى مكة وأما توافق النعوت في أبوي الدجال وأبوي ابن صياد فليس مما يقطع به قولا فإن اتفاق الوصفين لا يلزم منه اتحاد الموصوفين وكذا حلف عمر وابنه مع عدم


إنكاره من أنه الدجال فإن كل ذلك قبل تبين الحال وقد كان للدجال في بعض علاماته ما أورث ذلك فيه إشفاقا منه


باب نزول عيسى عليه الصلاة والسلام

الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما بفتحتين أي حاكما عدلا أي عادلا فيكسر بالرفع وقيل بالنصب والفاء فيه تفصيلية لقوله حكما عدلا أو تفريعية أي يهدم ويقطع الصليب قال في شرح السنة وغيره أي فيبطل النصرانية ويحكم بالملة الحنيفية وقال ابن الملك الصليب في اصطلاح النصارى خشبة مثلثة يدعون أن عيسى عليه الصلاة والسلام صلب على خشبة مثلثة على تلك الصورة وقد يكون فيه صورة المسيح ويقتل الخنزير أي يحرم اقتناءه وأكله ويبيح قتله في شرح السنة وفيه بيان أن أعيانها نجسة لأن عيسى عليه الصلاة والسلام إنما يقتلها على حكم شرع الإسلام والشيء الظاهر المنتفع به لا يباح إتلافه انتهى وفيه أنه قد يباح لمصلحة دينية أو دنيوية مع أن في كون الخنزير نجس العين بجميع أجزائه خلافا للعلماء ويضع الجزية أي عن أهل الكتاب ويحملهم على الإسلام ولا يقبل منهم غير دين الحق وقيل يضع الجزية عنهم لأنه لا يوجد محتاج يقبل الجزية منهم لكثرة المال وقلة أهل الحرص والآمال ويؤيده قوله ويفيض بفتح أوله من فاض الماء يفيض إذا كثر حتى سال كالوادي على ما في القاموس أي يكثر المال حتى لا يقبله أحد أي من الرجال حتى تكون السجدة أي الواحدة لما فيها من لذة العبادة والمراد بالسجدة نفسها أو الصلاة بكمالها لتضمنها لها خيرا من الدنيا وما فيها قال الطيبي رحمه الله تعالى حتى الأولى متعلقة بقوله ويفيض المال والثانية غاية لمفهوم قوله فيكسر الصليب الخ أقول والأظهر أن الثانية بدل من الأولى أو غاية لما قبلها قائمة مقام العلة لها قال التوربشتي رحمه الله لم تزل السجدة الواحدة في الحقيقة كذلك وإنما أراد بذلك أن الناس يرغبون


في أمر الله ويزهدون عن الدنيا حتى تكون السجدة الواحدة أحب إليهم من الدنيا وما فيها ثم يقول أبو هريرة فاقرؤوا إن شئتم وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته الآية بالنصب ويجوز رفعها وخفضها وقدمنا وجهها قال الطيبي رحمه الله استدل بالآية على نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان مصداقا للحديث وتحريره أن الضميرين في به وقبل موته لعيسى والمعنى وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله فتكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام انتهى وقيل المعنى ليس أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد عند المعاينة قبل خروج الروح وهو لا ينفع فضمير به راجع إلى نبينا وضمير موته للكتابي وقيل كل منهم يؤمن عند الموت بعيسى وأنه عبد الله وابن أمته ولا ينفع وقيل ضمير به لله سبحانه أي كل منهم يؤمن به تعالى عند الموت ولا ينفع والأولى مذهب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الآية متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا وفي نسخة عدلا وهو أبلغ فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية أي ليحكم بما ذكر وليتركن القلاص بصيغة الفاعل وفي نسخة بالمفعول وهو الملائم لقوله فلا يسعى عليها أي لا يعمل على القلاص وهو بكسر القاف جمع القلوص بفتحها وهي الناقة الشابة على ما في النهاية والمعنى إنه يترك العمل عليها استغناء عنها لكثرة غيرها أو معناه لا يأمر أحدا بأن يسعى على أخذها وتحصيلها للزكاة لعدم من يقبلها ففي النهاية أي يترك زكاتها فلا يكون لها ساع وقيل لا يكون معها راع يسعى ففي الصحاح كل من ولي أمر قوم فهو ساع عليهم وقال المظهر يعني ليتركن عيسى عليه الصلاة والسلام إبل الصدقة ولا يأمر أحدا أن يسعى عليها ويأخذها لأنه لا يجد من يقبلها لاستغناء الناس عنها والمراد بالسعي العمل قال الطيبي رحمه الله ويجوز أن يكون ذلك كناية عن


ترك التجارات والضرب في الأرض لطلب المال وتحصيل ما يحتاج إليه لإستغنائهم ولتذهبن أي ولتزولن الشحناء بفتح أوله أي العداوة التي تشحن القلب وتملؤه من الغضب
والتباغض أي الذي هو سبب العداوة والتحاسد أي الذي هو باعث التباغض وكلها نتيجة حب الدنيا فتزول كل هذه العيوب بزوال محبة الدنيا عن القلوب وقال الأشرف إنما تذهب الشحناء والتباغض والتحاسد يومئذ لأن جميع الخلق يكونون يومئذ على ملة واحدة وهي الإسلام وأعلى أسباب التباغض وأكثرها هو اختلاف الأديان قلت اليوم كثير من البلدان متفقون على ملة الإسلام وفيهم علماء الأعلام ومشايخ الكرام مع كثرة التباغض والتحاسد والعداوة بل المقاتلة والمحاربة بين الحكام وليس السبب الباعث عليها إلا حب الجاه بين الأنام والميل إلى المال الحرام وليدعون ضبط في نسخة بضم الواو ونسب إلى النووي رحمه الله تعالى ولا وجه له فالصواب ما في الأصول المعتمدة من أنه بفتح الواو وتشديد النون وفاعله ضمير عيسى عليه الصلاة والسلام والمعنى ليدعون الناس إلى المال أي أخذه وقبوله فلا يقبله أحد أي استغناء بعطاء الأحد رواه مسلم وفي رواية لهما أي لمسلم والبخاري بقرينة ذكر مسلم فإن الغالب أن يكون قرينا له ففيه نوع تغليب للحاضر على الغائب قال أي النبي كيف أنتم أي حالكم ومآلكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم أي من أهل دينكم وقيل من قريش وهو المهدي والحاصل أن إمامكم واحد منكم دون عيسى فإنه بمنزلة الخليفة وقيل فيه دليل على أن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يكون من أمة محمد عليه الصلاة والسلام بل مقررا لملته ومعينا لأمته عليهما السلام وفي شرح السنة قال معمر وإنكم وإمامكم منكم وقال ابن أبي ذئب عن ابن شهاب فإمامكم منكم قال ابن أبي ذئب في معناه فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم قال الطيبي رحمه الله فالضمير في أمكم لعيسى ومنكم حال أي يؤمكم عيسى حال كونه من دينكم ويحتمل أن يكون معنى أمامكم منكم كيف حالكم


وأنتم مكرمون عند الله تعالى والحال أن عيسى ينزل فيكم وإمامكم منكم عيسى يقتدي بإمامكم تكرمة لدينكم ويشهد له الحديث الآتي اه وسيأتي بقية الكلام عليه فيه وهو قوله وعن جابر قال قال رسول الله لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق أما مقاتلة حسية أو معنوية على ظهور الحق أو حال كونهم على الحق ظاهرين أي غالبين
أي على أعدائهم قال تعالى إلا أن حزب الله هم الغالبون إلى يوم القيامة أي إلى قرب قيام الساعة قال أي النبي فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم أي المهدي تعال بفتح اللام أي أحضر وتقدم صل بدل أو استئناف بيان والمعنى أم لنا أي في صلاتنا فإن الأولى بالإمامة هو الأفضل وأنت النبي لرسول الكمل وفي رواية تعال فصل لنا فيقول لا أي لا أصير إماما لكم لئلا يتوهم بإمامتي لكم نسخ دينكم وقيل تعلل بأن هذه الصلاة أقيمت لإمامكم فهو أولى بها لكن يؤيد الأول إطلاق قوله إن بعضكم على بعض أمراء أي دينية أو دنيوية وأن على الإعانة المعية تكرمة الله هذه الأمة أي إكراما منه سبحانه لهذه الجماعة المكرمة قال القاضي رحمه الله تكرمة الله نصب على المفعول لأجله والعامل محذوف والمعنى شرع الله أن يكون إمام المسلمين منهم وأميرهم من عدادهم تكرمة لهم وتفخيما لشأنهم أو على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي قبله قال التفتازاني في شرح العقائد الأصح أن عيسى عليه الصلاة والسلام يصلي بالناس ويؤمهم ويقتدي به المهدي لأنه أفضل وإمامته أولى قال ابن أبي شريف هذا يوافق ما في مسلم من قوله وإمامكم منكم لكنه فيه ما يخالفه وهو حديث جابر ويمكن الجمع بينهما بأن يكون صلى بهم أول نزوله تنبيها على أنه نزل مقتدى به في الحكم على شريعتهم ثم دعي إلى الصلاة فأشار بأن يؤمهم المهدي إظهارا لاكرام الله به هذه الأمة قلت ويمكن الجمع بالعكس أيضا وربما يدعي أنه الأولى على أن قوله إمامكم منكم ظاهر في أن المهدي هو الإمام والله تعالى أعلم بالمرام قال وأما


كونه أفضل فلا يلزم منه بطلان الاقتداء بغيره وأما الأولوية بالأفضلية فيعارضها اظهار تكرمة الله تعالى هذه الأمة بدوام شريعته كما نطق به الحديث رواه مسلم وهذا الباب خال عن الفصل الثاني يعني عن الأحاديث الموصوفة بالحسان على اصطلاح البغوي المعبر عنها بالفصل الثاني على مصطلح صاحب المشكاة
الفصل الثالث
أي الموضوع في الأحاديث الزائدة لصاحب المشكاة على المصابيح المناسبة للباب وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ينزل عيسى ابن مريم


إلى الأرض فيتزوج ويولد له ويمكث خمسا وأربعين سنة وهذا بظاهره يخالف قول من قال إن عيسى رفع به إلى السماء وعمره ثلاث وثلاثون ويمكث في الأرض بعد نزوله سبع سنين فيكون مجموع العدد أربعين لكن حديث مكثه سبعا رواه مسلم فيتعين الجمع بما ذكر أو ترجيح ما في الصحيح ولعل عدد الخمس ساقط من الاعتبار لإلغاء الكسر ثم يموت فيدفن معي أي مصاحبا لي في قبري أي في مقبرتي وعبر عنها بالقبر لقرب قبره بقبره فكأنهما في قبر واحد فأقوم أنا وعيسى في قبر واحد أي من مقبرة واحدة ففي القاموس إن في تأتي بمعنى من وكذا في المغني بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أي حال كوننا قائمين واقفين بين أبي بكر وعمر فأحدهما عن يمينهما إيماء إلى تيمنه بالإيمان وأن الإيمان يمان والظاهر أنه أبو بكر والآخر عن يسارهما ليسر الإسلام وعزه به وهو عمر وسيأتي في فضائل سيد المرسلين عن عبد الله بن سلام برواية الترمذي عنه قال مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم يدفن معه قال أبو داود وقد بقي في البيت موضع قبر أقول والظاهر اللائق بمقام عيسى عليه الصلاة والسلام أن يكون بين النبي وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه لكن سيأتي في كلام الجزري أنه يدفن بعد عمر ولعله نظر إلى تأخر الدفن باعتبار تأخر زمن الموت أو تكرمة لهذه الأمة وتعظيما للصحابيين الكريمين أن يكونا بين النبيين العظيمين والله سبحانه وتعالى أعلم رواه ابن الجوزي في كتاب الوفاء


باب قرب الساعة وأن من مات فقد قامت قيامته
وفي نسخة القيامة وأطلق الساعة عليها لأنها تكون بغتة وفجأة فوقوعها في أدنى ما يطلق عليه اسم الزمان وإن كانت بالنسبة إلى انتهائها مديدة وقيل أطلقت عليها لطولها كما يسمى الزنجي بالكافور تسمية بالضد وأن من مات فقد قامت قيامته عطف على قرب الساعة لا على الساعة لفساد المعنى قال التوربشتي رحمه الله الساعة جزء من أجزاء الزمان ويعبر بها عن القيامة وقد ورد في كتاب الله وسنة رسوله على أقسام ثلاثة الكبرى وهي بعث الناس للجزاء والقيامة الوسطى وهي انقراض القرن الواحد بالموت والقيامة الصغرى وهي موت الإنسان والمراد هنا هذه أي الأخيرة والظاهر أن المراد بالساعة هي الكبرى سواء أريد بها النفخة الأولى لقوله لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس أو الثانية وهي الطامة الكبرى المعروفة في الكتاب والسنة ومن أحاديث الباب قوله عليه الصلاة والسلام بعثت أنا والساعة كهاتين يحتملهما نعم حديث عائشة الآتي يدل على القيامة الوسطى وأما في كتاب الله فما أظن أن الساعة وردت بهذا المعنى ولا ما يدل على القيامة الصغرى إلا ما رواه الديلمي عن أنس مرفوعا بلفظ إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته وهو المعنون في الباب مع عدم إيراد حديث يلائمه وهذا كما ترى لم يرد بلفظ الساعة وأريد بها القيامة الصغرى بل ولا ورد بمعنى القيامة الوسطى إلا بالإضافة فالأولى أن يقال إن الساعة منقسمة إلى ثلاثة كبرى وهي الطامة الجامعة ووسطى وهي النفخة للإماتة العامة وصغرى وهي إماتة الجماعة والقيامة تطلق على الثلاثة وعلى من مات وحده أيضا والله سبحانه وتعالى أعلم


الفصل الأول
عن شعبة أحد رواة الحديث عن قتادة تابعي جليل عن أنس قال قال رسول الله بعثت أنا والساعة بالرفع في بعض وفي بعض النسخ بالنصب قال النووي رحمه الله وروي بنصب الساعة ورفعها قال شارح من علمائنا الساعة مرفوعة رواية ويجوز النصب على أن الواو بمعنى مع كهاتين قال القاضي رحمه الله معناه أن نسبة تقدم بعثته على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الإصبعين على الأخرى انتهى وهو المعنى بما قيل كفضل الوسطى على السبابة في السبق ويدل عليه ما سيأتي من حديث ابن شداد والأظهر أن يقال كفصل إحداهما عن الأخرى بالصاد المهملة لما بينهما من قليل الانفصال ويؤيده ما في النهاية ويحتمل وجها آخر أن يكون المراد منه ارتباط دعوته بالساعة لا تفترق إحداهما عن الأخرى كما أن السبابة لا تفترق عن الوسطى ولم يوجد بينهما ما ليس منهما وقال شارح آخر يريد أن دينه متصل بقيام الساعة لا يفصله عنه دين آخر ولا يفرق بينهما دعوة أخرى كما لا يفصل شيء بين السبابة والوسطى قال الطيبي رحمه الله ويؤيد الوجه الأول الحديث الآتي للمستورد بن شداد قلت فيه نظر لأن في كل حديث روعي معنى لم يراع في


الآخر إذ التأسيس أولى من التأكيد على أنه لا مانع من أن يلاحظ في هذا الحديث كلا المعنيين إذ لا تدافع فيما بينهما في رأي العينين نعم يفهم من المعنى الأول إغراق في التشبيه القربي ما لا يفهم من الثاني ولذا اختاره بعضهم ويؤيده موافقته لتفسير الراوي قال شعبة وسمعت قتادة يقول في قصصه بفتح القاف مصدر قص يقص بمعنى يعظ أو يحكي القصة أو يحدث ويروي ومنه قوله تعالى نحن نقص عليك أحسن القصص يوسف وفي نسخة بكسر القاف وهي جمع قصة والمعنى في قصص قتادة أي تحديثه أو تفسير حديثه كفضل إحداهما أي إحدى الإصبعين على الأخرى قال الطيبي رحمه الله قوله كفضل إحداهما بدل من قوله كهاتين موضح له وهو يؤيد الوجه الأول والرفع على العطف والمعنى بعثت أنا والساعة بعثا متفاضلا مثل فضل إحداهما ومعنى النصب لا يستقيم على هذا يعني لا بد على قصد المعية لكن يمكن ادعاؤها على طريق المبالغة كما عبر عنه في الحديث الآتي بقوله بعثت في نفس الساعة بفتحتين أي في قربها فلا أدري أذكره أي قتادة عن أنس أي مرفوعا أو موقوفا أو قاله قتادة أي من عند نفسه وتلقاء رأيه وهو الأظهر حتى يثبت الآخر متفق عليه ورواه أحمد والترمذي عن أنس وكذا روى أحمد والشيخان عن سهل بن سعد وعن جابر قال سمعت النبي يقول قبل أن يموت بشهر تسألوني بتشديد النون وتخفيفه على صيغة الخطاب للأصحاب وهمزة الإنكار مقدرة أي أتسألوني عن الساعة أي القيامة وهي النفخة الأولى أو الثانية وإنما علمها عند الله أي لا يعلمها إلا هو وقال الطيبي رحمه الله حال مقررة لجهة الإشكال أنكر عليهم سؤالهم وأكده بقوله وإنما علمها عند الله وقوله وأقسم بالله مقرر له يعني تسألونني عن القيامة الكبرى وعلمها عند الله وما أعلمه هو القيامة الصغرى انتهى وهو يؤيد تقسيمنا المتقدم في الساعة ما على الأرض ما نافية ومن في قوله من نفس زائدة للاستغراق وقوله منفوسة صفة نفس وكذا ما يأتي والمعنى ما من نفس مولودة اليوم


يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ يقال نفست المرأة غلاما بالكسر ونفست على البناء للمفعول إذا ولدت نفسا فهي نافس ونفساء والولد منفوس قال الشاعر
كما سقط المنفوس بين القوابل قال الأشرف معناه ما تبقى نفس مولودة اليوم مائة سنة أراد به موت الصحابة رضي الله عنهم وقال هذا على الغالب وإلا فقد عاش بعض الصحابة أكثر من مائة سنة انتهى ومنهم أنس بن مالك وسلمان وغيرهما والأظهر أن المعنى لا تعيش نفس مائة سنة بعد هذا القول كما يدل عليه الحديث الآتي فلا حاجة إلى اعتبار الغالب فلعل المولودين في ذلك الزمان انقرضوا قبل تمام المائة من زمان ورود الحديث ومما يؤيد هذا المعنى استدلال المحققين من المحدثين وغيرهم من المتكلمين على بطلان دعوى بابارتن الهندي وغيره ممن ادعى الصحبة وزعم أنه من المعمرين إلى المائتين والزيادة بقي أن الحديث بظاهره يدل على عدم حياة الخضر وإلياس وقد قال البغوي رحمه الله في معالم التنزيل أربعة من الأنبياء في الحياة إثنان في الأرض الخضر وإلياس وإثنان في السماء عيسى وإدريس عليهم الصلاة والسلام فالحديث مخصوص بغيرهم أو المراد ما من نفس منفوسة من أمتي والنبي عليه الصلاة والسلام لا يكون من أمته نبي آخر وقيل قيد الأرض يخرج الخضر وإلياس فإنهما كانا على البحر حينئذ والله تعالى أعلم رواه مسلم وعن أبي سعيد عن النبي قال لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة والجملة حالية اليوم هو ظرف منفوسة ذكره الطيبي رحمه الله قال ابن الملك إشارة إلى زمنه رواه مسلم وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان رجال من الأعراب أي أهل البدو يأتون النبي فيسألونه عن الساعة الظاهر أن سؤالهم عن الساعة الكبرى فالجواب الآتي على أسلوب الحكيم فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول إن يعش هذا لا يدركه بالرفع وقيل بالجزم أي لا يلحقه الهرم بفتحتين وهو الكبر حتى تقوم عليكم ساعتكم أي قيامتكم


وهي الساعة الصغرى عندي والوسطى عند بعض الشراح والمراد موت جميعهم وهو الظاهر أو أكثرهم وهو الغالب قال القاضي رحمه الله أراد بالساعة انقراض القرن الذين هم من عدادهم ولذلك أضاف إليهم وقال بعضهم أراد موت كل واحد منهم متفق عليه
الفصل الثاني
عن المستورد بن شداد يقال إنه كان غلاما يوم قبض النبي ولكنه سمع منه وروى عنه جماعة عن النبي قال بعثت في نفس الساعة بفتح النون والفاء لا غير أراد به قربها أي حين تنفست وتنفسها ظهور اشراطها ومنه قوله تعالى والصبح إذا تنفس التكوير أي ظهر آثار طلوعه وبعثة النبي من أول أشراطها هذا معنى كلام التوربشتي رحمه الله والأظهر أن معناه بعثت أنا والساعة في نفس واحد من كمال الاتصال وعدم الاعتبار بقليل من الانفصال ويؤيده قوله فسبقتها أي الساعة في الوجود كما سبقت هذه أي السبابة هذه أي الوسطى أي وجودا أو حسابا باعتبار الابتداء من جانب الابهام وعدل عن الابهام لطول الفصل بينه وبين المسبحة ثم بين الاشارتين الراوي بقوله وأشار أي النبي بإصبعه السبابة أي المسبحة والوسطى على طريق اللف والنشر المرتب رواه الترمذي وروى البيهقي عن سهل بن سعد مرفوعا مثلي ومثل الساعة كفرسي رهان مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه أتيتم أتيتم أنا ذاك أنا ذاك وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي قال إني لأرجو أن لا تعجز أمتي بكسر الجيم ويجوز ضمها وهو مفعول أرجو أي أرجو عدم عجز أمتي عند ربها من كمال قربها أن يؤخرهم نصف يوم يوم بدل من أن لا تعجز واختاره ابن الملك أو متعلق به بحذف عن كما اقتصر عليه الطيبي ثم قال وعدم العجز هنا كناية عن التمكن من القربة


والمكانة عند الله تعالى مثال ذلك قول المقرب عند السلطان إني لا أعجز أن يوليني الملك كذا وكذا يعني به أن لي عنده مكانة وقربة يحصل بها كل ما أرجوه عنده فالمعنى إني أرجو أن يكون لأمتي عند الله مكانة ومنزلة يمهلهم من زماني هذا إلى انتهاء خمسمائة سنة بحيث لا يكون أقل من ذلك إلى قيام الساعة قيل لسعد وكم نصف يوم قال خمسمائة سنة إنما فسر الراوي نصف اليوم بخمسمائة نظرا إلى قوله تعالى وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون الحج وقوله تعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة السجدة وإنما عبر رسول الله عن خمسمائة سنة بنصف يوم تقليلا لبغيتهم ورفعا لمنزلتهم أي لا يناقشهم في هذا المقدار القليل بل يزيدهم من فضله وقد وهم بعضهم ونزل الحديث على أمر القيامة وحمل اليوم على يوم المحشر فهب أنه غفل عما حققناه ونبهنا عليه فهلا انتبه لمكان الحديث وأنه في أي باب من أبواب الكتاب فإنه مكتوب في باب قرب الساعة فأين هو منه ذكره الطيبي رحمه الله ولعله أراد بالخمسمائة أن يكون بعد الألف السابع فإن اليوم نحن في سابع سنة من الألف الثامن وفيه إشارة إلى أنه لا يتعدى عن الخمسمائة فيوافق حديث عمر الدنيا سبعة آلاف سنة فالكسر الزائد يلغى ونهايته إلى النصف وأما ما بعده فيعد ألفا ثامنا بإلغاء الكسر الناقص وقيل أراد بقاء دينه ونظام ملته في الدنيا مدة خمسمائة سنة فقوله أن يؤخرهم أي عن أن يؤخرهم الله سالمين عن العيوب من ارتكاب الذنوب والشدائد الناشئة من الكروب والله تعالى أعلم رواه أبو داود
الفصل الثالث


عن أنس قال قال رسول الله مثل هذه الدنيا أي وقلة بقائها مثل توب شق بضم أوله أي قطع من أوله إلى آخره أي إلى قريب منه أو هو من قبيل أن الغاية فيه لا تكون داخلة تحت البغية كقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة فبقي متعلقا بخيط في آخره الضميران للثوب فيوشك ذلك الخيط وهو عبارة عن زمان قليل يكون فيه الدين المحمدي أن ينقطع أي فتنقطع الدنيا وتنفصل عن وجودها وتذهب وتأتي الأخرى فتبقى على أبد الآباد فيسعد أهلها أو يشقى رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس
روي بتنوين باب وبالإضافة إلى الجملة واقتصر على الأول أصل السيد والطيبي على الثاني حيث قال هذه الجملة محكية مضاف إليها ترجمة الباب وهو من باب تسمية الشيء بالحمل على سبيل الحكاية كما سموا بتأبط شرا وبرق نحره وشاب قرناها كما لو سمي بزيد منطلق أو بيت شعر

الفصل الأول
عن أنس أن رسول الله قال لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله بالرفع فيهما وكرر للتأكيد وقيل تكريره عبارة عن تكثير ذكره وقيل معناه الله حسبي أو هو المعبود فالأول مبتدأ والثاني خبر وفي نسخة بنصبهما قال شارح قوله الله الله بالرفع مبتدأ وخبر أي الله هو المستحق للعبادة لا غير وإن رويا بالنصب فعلى التحذير أي اتقوا الله واعبدوه فعلى هذا معناه لا تقوم الساعة حتى لا يبقى في الأرض مسلم لم يحذر الناس من الله وقيل أي لا يذكر الله فلا يبقى حكمة في بقاء الناس ومن هذا يعرف أن بقاء العالم ببركة العلماء العاملين والعباد الصالحين وعموم المؤمنين وهو المراد بما قاله الطيبي رحمه الله معنى حتى لا يقال حتى لا يذكر اسم الله ولا يعبد وإليه ينظر قوله تعالى ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا آل عمران يعني ما خلقته خلقا باطلا بغير حكمة بل خلقته لأذكر وأعبد فإذا لم يذكر ولم يعبد فبالحري أن يخرب وتقوم الساعة وقال المظهر هذا دليل على أن بركة العلماء والصلحاء تصل إلى من في العالم من الجن والإنس وغيرهما من الحيوانات والجمادات والنباتات وفي رواية لا


تقوم الساعة على أحد يقول الله الله بالوجهين فيهما رواه مسلم وكذا أحمد والترمذي وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق بكسر الشين جمع الشر قال الطيبي رحمه الله فإن قيل ما وجه التوفيق بين هذا الحديث والحديث السابق لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قلنا السابق مستغرق للأزمنة عام فيها والثاني مخصص رواه مسلم وروى أبو يعلى في مسنده والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد مرفوعا لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت وروى السجزي عن ابن عمر رفعه لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن والقرآن وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى تضطرب أي تتحرك أليات نساء دوس بفتح فسكون قبيلة من اليمن والأليات بفتحتين جمع آلية بفتح فسكون وهي في الأصل اللحمة التي تكون في أصل العضو وقيل هي اللحمة المشرفة على الظهر والفخذ وهي لحم المقعد والمعنى حتى يرتدوا فتطوف نساؤهم حول ذي الخلصة بفتح الخاء المعجمة واللام وذو الخلصة طاغية دوس أي صنمهم وقال شارح أي أصنامهم التي كانوا أي دوس يعبدون أي يعبدونها في الجاهلية أي قبل الملة الحنيفية والظاهر أن هذا تفسير من أبي هريرة أو غيره من الرواة وفي النهاية هو بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم وبجيلة وغيرهم وقيل ذو الخلصة الكعبة اليمانية التي كانت باليمن فأنفذ إليها رسول الله جرير بن عبد الله فخربها وقيل ذو الخلصة اسم الصنم نفسه وفيه نظر لأن ذو لا يضاف إلا إلى اسم الجنس والمعنى أنهم يرتدون إلى جاهليتهم في عبادة الأوثان


فتسعى نساء بني دوس طائفات حول ذي الخلصة فترتج أعجازهن مضطربة ألياتهن كما كانت عادتهن في الجاهلية متفق عليه وعن عائشة قالت سمعت رسول الله يقول لا يذهب الليل والنهار أي لا تقوم الساعة حتى يعبد بالتذكير وجوز تأنيثه اللات صنم لثقيف والعزى بضم عين فتشديد زاي صنم لغطفان فقلت يا رسول الله إن كنت لأظن إن هي المخففة من المثقلة واللام هي الفارقة قال المظهر تقديره إنه كنت لأظن يعني أن الشأن كنت لأحسب حين أنزل الله هو الذي أرسل رسوله بالهدى أي بالتوحيد ودين الحق أي وبالشريعة الثابتة ولما كان مؤداهما واحدا أفرد الضمير في قوله ليظهره أي ليعليه ويغلبه على الدين كله أي على الأديان جميعها باطلها بردها وحقها بنسخها ولو كره المشركون أي ما عليه الموحدون المخلصون أن ذلك بفتح الهمزة مفعول لأظن وحين أنزل الله ظرف له أي كنت أظن حين إنزال تلك الآية أن ذلك الحكم المذكور المستفاد منها يكون تاما أي عاما كاملا شاملا للأزمنة كلها فنصبه بالكون المقدر وفي نسخة صحيحة تام بالرفع والمعنى أن ما ذكر من عبادة الأصنام قد تم واختتم وغدا ولا يكون بعد ذلك أبدا قال أي النبي إنه أي الشأن سيكون من ذلك أي بعض ما ذكر من تمام الدين ونقصان الكفر وأغرب شارح حيث قال من ذلك أي من عبادة الأصنام ما شاء الله أي مدة مشيئته وبين ذلك بقوله ثم يبعث الله ريحا طيبة أي يشم منها رائحة الوصال فتوفي بصيغة المجهول أي فقبض كل من كان في قلبه وفي نسخة بصيغة الفاعل على أنه حذف منه إحدى التاءين أي تتوفى على إسناد التوفي إلى الريح مجازا فيكون كل منصوبا على المفعولية والمعنى تميت كل من كان في قلبه مثقال حبة أي مقدار خردل فقوله من خردل بيان لحبة وقوله من إيمان بيان لمثقال والمراد منه أن يكون في قلبه من العقائد الدينية أقل ما يجب عليه من التصديق القلبي واليقين بالأمور الإجمالية فليس فيه دلالة على تصور الزيادة والنقصان في نفس الإيمان وحقيقة


الإيقان كما لا يخفى على أهل العرفان فيبقى من لا خير فيه أي لا إسلام ولا إيمان ولا قرآن ولا حج ولا سائر الأركان ولا علماء الأعيان فيرجعون إلى دين
آبائهم أي الأولين من المشركين الجاهلين الضالين المضلين فروعي لفظ من في ضمير فيه ومعناه في قوله فيرجعون كما في قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين البقرة هذا وقال الطيبي رحمه الله قوله تاما هو بالرفع في الحميدي على أنه خبر أن وفي صحيح مسلم وشرح النسائي بالنصب فعلى هذا هو إما حال والعامل اسم الإشارة والخبر محذوف أو خبر لكان المقدر أي ظننت من مفهوم الآية أن ملة الإسلام ظاهرة على الأديان كلها غالبة عليها غير مغلوبة فكيف يعبد اللات والعزي وجوابه بقوله فتوفي كل من كان في قلبه نظير قوله إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا الحديث رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله يخرج الدجال فيمكث أربعين وأبهمه لحكمة في ترك التمييز أو نسيه الراوي ولذا قال لا أدري أربعين يوما أو شهرا أو عاما قال التوربشتي رحمه الله لا أدري إلى قوله فيبعث الله من قول الصحابي أي لم يزدني النبي على أربعين شيئا يبين المراد منها فلا أدري أيا أراد بهذه الثلاثة فيبعث الله عيسى بن مريم أي فينزل من السماء كأنه أي في الصورة عروة بن مسعود أي الثقفي شهد صلح الحديبية كافرا وقدم على النبي سنة تسع بعد عوده من الطائف وأسلم ثم عاد إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فقتلوه وقيل هو أخو عبد الله بن مسعود وليس بشيء فيطلبه أي عيسى الدجال فيهلكه أي بحربة ثم يمكث في الناس سبع سنين تقدم ما ورد خلافه ليس بين اثنين عداوة يحتمل أن يكون قيدا للعدد فلا ينافيه ما سبق من الزيادة ويؤيده التراخي المفهوم من قوله ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام بكسر ففتح أي جانبه فلا يبقى


على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان الظاهر أن أو للشك ويحتمل أن يكون للتخيير في التعبير إلا قبضته إلا أخذت روحه تلك الريح حتى لو أن أحدكم دخل أي فرضا وتقديرا على طريق المبالغة في كبد جبل أي وسطه وجوفه ومنه كبد السماء وسطها لدخلته أي كبد الجبل عليه أي على أحدكم حتى تقبضه
قال فيبقى شرار الناس في خفة الطير بكسر الخاء المعجمة وتشديد الفاء قال القاضي رحمه الله المراد بخفة الطير اضطرابها وتنفرها بأدنى توهم شبه حال الأشرار في تهتكهم وعدم وقارهم وثباتهم واختلال رأيهم وميلهم إلى الفجور والفساد بحال الطير وأحلام السباع أي وفي عقولها الناقصة جمع حلم بالضم أو جمع حلم بالكسر ففيه إيماء إلى أنهم خالين عن العلم والحلم بل الغالب عليهم الطيش والغضب والوحشة والإتلاف والإهلال وقلة الرحمة لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا بل يعكسون فيما يفعلون فيتمثل لهم الشيطان أي يتصور لهم بصورة إنسان فكأن التشكل أقوى على التسلط في الضلالة من طريق الوسوسة ولذا قدم الله سبحانه شياطين الإنس في قوله وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن الأنعام فيقول ألا تستحيون أي من الله في ترك عبادته والتوسل إلى مقام قربته فيقولون فماذا تأمرنا أي به نمتثله فما موصولة أو استفهامية فالمعنى فأي شيء تأمرنا لنطيعك فيه فيأمرهم بعبادة الأوثان أي توسلا إلى رضا الرحمان كما قال تعالى مخبرا عنهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى الزمر ويقولون هؤلاء شفعاؤها عند الله يونس زين لهم سوء أعمالهم التوبة وهم في ذلك أي والحال أنهم فيما ذكر من الأوصاف الردية والعبادات الوثنية دار بتشديد الراء أي كثير رزقهم حسن عيشهم فالأول إشارة إلى الكمية والثاني إلى الكيفية أو الأول إيماء إلى كثرة الأمطار وما يترتب عليه من الأنهار وأثمار الأشجار والثاني من جهة الأمن وعدم الظلم وكثرة الصحة والغنى بالمال والجاه ثم ينفخ في الصور بصيغة


المجهول والنافخ هو إسرافيل عليه الصلاة والسلام فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا بكسر اللام قال التوربشتي رحمه الله أي أمال صفحة عنقه خوفا ودهشة ورفع ليتا والمراد منه هنا أن السامع يصعق فيصغى ليتا ويرفع ليتا أي يصير رأسه هكذا وكذلك شأن من يصيبه صيحة فيشق قلبه فأول ما يظهر منه سقوط رأسه إلى أحد الشقين فأسند الاصغاء إليه اسناد الفعل الاختياري قال وأول من يسمعه رجل يلوط أي يطين ويصلح حوض إبله فيصعق أي يموت هو أولا ويصعق الناس أي معه ثم يرسل الله مطرا كأنه الطل بفتح الطاء وتشديد اللام أي المطر الضعيف الصغير القطر فينبت منه أي من أجله وسببه أجساد الناس أي النخرة في قبورهم ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وبين النفختين أربعون عاما على ما سيأتي ثم يقال يا أيها الناس هلم في القاموس هلم يقال مركبة من هاء التنبيه ومن لم أي ضم نفسك إلينا يستوي فيه الواحد والجمع


والتذكير والتأنيث عند الحجازيين فالمعنى تعالوا أو ارجعوا أو أسرعوا إلى ربكم قفوهم وفي نسخة صحيحة وقفوهم بالعاطفة قال الطيبي عطف على قوله يقال على سبيل التقدير أي يقال للناس هلم ويقال للملائكة قفوهم وفي بعض النسخ بدون العاطف فهو على الاستئناف انتهى وهو أمر مخاطب والخطاب للملائكة والضمير للناس يقال وقفت الدابة ووقفتها يتعدى ولا يتعدى والمعنى احبسوهم إنهم مسؤولون استئاف تعليل فيقال اخرجوا أمر للملائكة أي ميزوا مما بين الخلائق بعث النار أي مبعوثها بمعنى من يبعث إليها فيقال من كم كم أي سأل المخاطبون من كمية العدد المبعوث إلى النار فيقولون كم عددا نخرجه من كم عدد ذكره الطيبي رحمه الله فكم الأولى خبر مقدم وكم الثانية مبتدأ وهما مفعولا نخرج الذي للمتكلم فيقال من كل ألف تسعمائة بالنصب أي اخرجوا النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قيل هم الذين يستوجبون النار بذنوبهم يتركون فيها بقدر ذنوبهم ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة ذكره ابن الملك رحمه الله ويجوز أن يخلصوا منها بعد دخولها بالشفاعة لكن الظاهر أن المراد بهم الكفار الذي يستحقون عذاب النار بلا حساب ولا كتاب فهم مخلدون في العقاب والله تعالى أعلم بالصواب فذلك أي الوقت يوم أو فذاك الحكم وقت يجعل أي يصير فيه الولدان أي الصبيان جمع وليد شيبا بكسر أوله جمع أشيب كأبيض وبيض والمعنى أنه يصير الأطفال شيبا في الحال فالمعنى لو أن وليدا شاب من واقعة عظيمة لكان ذلك اليوم هذا ويوم مرفوع منون في أكثر النسخ وفي نسخة بالفتح مضافا قال الطيبي رحمه الله يحتمل أن يكون اليوم مرفوعا ويجعل الولدان صفة له فيكون الاسناد مجازيا وأن يكون مضافا مفتوحا فيكون الاسناد حينئذ حقيقيا والأول أبلغ وأوفق لما ورد في التنزيل يعني قوله تعالى يوما يجعل الولدان شيبا وذلك أي أيضا يوم يكشف في كثير من النسخ برفع يوم منونا وفي بعضها بالفتح مضافا وهو أوفق لما في القرآن يوم


يكشف عن ساق أي شدة عظيمة يقال كشفت الحرب عن الساق إذا اشتد فيها وكان أصله أن الولد يموت في بطن الناقة فيدخل المدمر يده في رحمها فيأخذ ساقه فجعل لكل أمر عظيم وخطب جسيم قال الخطابي هذا مما هاب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهر لفظه ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقف عن تفسير كل ما لا يحيظ العلم بكنهه من هذا الباب أما من تأوله فقال ذلك يوم يكشف عن شدة عظيمة وبلية فظيعة وهو اقبال الآخرة وظهورها وذهاب الدنيا وادبارها ويقال للأمر إذا اشتد وتفاقم وظهر وزال خفاؤه كشف عن ساقه وهذا جائز في اللغة وإن لم يكن للأمر ساق رواه مسلم وذكر حديث معاوية لا تنقطع الهجرة أي حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى
تطلع الشمس من مغربها وقد ثبت لا هجرة بعد الفتح فالمراد بالهجرة التي هي غير منقطعة هي الهجرة من المعصية إلى الطاعة أو من ديار البدعة إلى ديار السنة أو من بلاد الشر إلى بلاد الخير في باب التوبة وفيه اعتراض فعلي منضم إلى بيان قولي وهو أن الحديث أنسب بذلك الباب والله تعالى أعلم بالصواب