Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب صفة القيامة والجنة والنار

باب نفخ الصور
بضم أوله وهو قرن ينفخ فيه والمراد به النفخة الثانية ففي النهاية هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه الصلاة والسلام عند بعث الموتى إلى المحشر
الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما بين النفختين أي نفخة الصعق وهي الإماتة ونفخة النشور وهي الإحياء أربعون أبهم في الحديث وبين في غيره أنه أربعون عاما ولعل اختيار الإبهام لما فيه من الإيهام قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما باستفهام مقدر قال أبيت أي امتنعت عن الجواب لأني لا أدري ما هو الصواب أو عن السؤال من صاحب المقال فلا أدري ما الحال قالوا أربعون شهرا قال أبيت قالوا أربعون سنة قال أبيت قال القاضي رحمه الله أي لا أدري أن الأربعين الفاصل بين النفختين أي شيء أياما أو شهورا أو أعواما وأمتنع عن الكذب على الرسول والإخبار عما لا أعلم قال كذا في نسخة والظاهر أن ضميره إليه ويحتمل أن يكون إلى أبي هريرة فيكون موقوفا أو التقدير راويا عنه وناقلا منه وليس في الجامع لفظ قال فيه ولا فيما بعده ثم ينزل الله من


السماء ماء أي مطرا كالطل على ما سبق فينبتون أي فينبت أجساد الخلق منه كما ينبت البقل أي من المطر والظاهر أن هذا قبل النفخة الثانية كما فهم من الرواية الماضية فتعبيره بثم هنا للتراخي الرتبي أي بعد ما علمت ما سبق فاعلم هذا فإنه أمر محقق قال وليس من الإنسان شيء أي جزء من أجزائه لا يبلى أي لا يخلق ولا يرم ممن يبلى جسده فإن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل من أجساد الأنبياء وكذا من في معناهم من الشهداء والأولياء بل قيل ومنهم المؤذنون المحتسبون فإنهم في قبورهم أحياء أو كالأحياء إلا عظما واحدا ولفظ الجامع إلا عظم واحد بالرفع على البدلية من شيء وهو واضح وقيل منصوب لأنه استثناء من موجب لأن قوله ليس شيء من الإنسان لا يبلى إلا عظما نفي النفي ونفي النفي إثبات فيكون تقديره كل شيء منه يبلى إلا عظما فإنه لا يبلى ويحتمل أن يكون منصوبا على أنه خبر ليس لأن اسمه موصوف كقولك ليس زيد إلا قائما فمن الإنسان حال من شيء وهو عجب الذنب بفتح العين المهملة وسكون الجيم وحكى اللحياني تثليث العين مع الباء والميم ففيه ست لغات وهو العظم بين الأليتين الذي في أسفل الصلب قال بعض علمائنا من الشراح المراد طول بقائه تحت التراب لا أنه لا يفنى أصلا فإنه خلاف المحسوس وجاء في حديث آخر إنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ومعنى الحديثين واحد وقال بعضهم الحكمة فيه أنه قاعدة بدن الإنسان وأسه الذي يبنى عليه فبالحري أن يكون أصلب من الجميع كقاعدة الجدار وأسه واذا كان أصلب كان أطول بقاء أقول التحقيق والله ولي التدقيق إن عجب الذنب يبلى آخرا كما شهد به حديث لكن لا بالكلية كما يدل عليه هذا الحديث وهو الحديث المتفق عليه ولا عبرة بالمحسوس كما حقق في باب عذاب القبر على أن الجزء القليل منه المخلوط بالتراب غير قابل لأن يتميز بالحس كما لا يخفى على أرباب الحس ومنه يركب بتشديد الكاف المفتوحة الخلق أي سائر الأعضاء المخلوقات من الحيوانات يوم


القيامة أي كما خلق أولا في الإيجاد كذلك خلق أولا في الإعادة أو أبقي حتى يركب عليه الخلق ثانيا قال تعالى كما بدأنا أول خلق نعيده الأنبياء وقال سبحانه كما بدأكم تعودون الأعراف متفق عليه ورواه النسائي وفي رواية لمسلم وكذا للبخاري ذكره السيد وفي الجامع رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة قال أي النبي كل ابن آدم بالرفع وفي نسخة بالنصب أي كل أعضاء بدن الإنسان وكذا سائر الحيوان يأكله التراب إلا عجب الذنب أي فإنه لا يأكله كله أو بعضه منه أي من عجب الذنب خلق بصيغة المجهول أي ابتدىء منه خلق الإنسان أولا وفيه وفي نسخة منه وهو رواية الجامع


وسبق أن في تأتي مرادفة لمن يركب أي ثانيا قال النووي رحمه الله هذا مخصوص فيخص منه الأنبياء فإن الله حرم على الأرض أجسادهم وهو كما صرح به في الحديث وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء ولعل المراد بهما إبدالهما كما قال تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات إبراهيم بيمينه أي بقوته أو قدرته أو بيمينه الصادر عنه أنه يفعله أو بقبض الملائكة وطيهم الكائنين بيمين عرشه قال القاضي عبر به عن إفناء الله تعالى هذه المظلة وهذه المقلة ورفعهما من البين وإخراجهما من أن يكونا مأوى ومنزلا لبني آدم بقدرته الباهرة التي تهون عليها الأفعال العظام التي يتضاءل دونها القوى والقدر ويتحير فيها الافهام والفكر على طريقة التمثيل والتخييل وأضاف في الحديث الذي يليه طي السموات وقبضها إلى اليمين وطي الأرض إلى الشمال تنبيها وتخييلا لما بين المقبوضين من التفاوت والتفاضل وقال بعضهم اعلم أن الله تعالى منزه عن الحدوث وصفة الأجسام وكل ما ورد في القرآن والأحاديث في صفاته مما ينبىء عن الجهة والفوقية والاستقرار والإتيان والنزول فلا نخوض في تأويله بل نؤمن بما هو مدلول تلك الألفاظ على المعنى الذي أراد سبحانه مع التنزيه عما يوهم الجهة والجسمية ثم يقول أنا الملك أي لا ملك إلا لي وأنا ملك الملوك والأملاك وفيه تنبيه على أن الملك أبلغ من المالك مع أن المفسرين اختلفوا في قوله تعالى ملك يوم الدين و مالك يوم الدين الفاتحة إن أي القراءتين أبلغ كما أشار إليه الشاطبي بقوله ومالك يوم الدين راويه ناصر ومجمل الكلام في البيضاوي مذكور والتفصيل في غيره مسطور أين ملوك الأرض أي الذين كانوا يزعمون أن الملك لهم استقلالا أو دواما لا يرون به زوالا أو الذين كانوا يدعون الألوهية في الجهة السفلية وقيد بها لأن الملأ الأعلى هم معصومون عن أفعال أهل السفلى متفق عليه ورواه النسائي وابن ماجه وعن عبد الله


بن عمر قال قال رسول الله يطوي الله
السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أي الطلمة القهارون أين المتكبرون أي بمالهم وجاههم وخيلهم وحشمهم لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة حفاة عراة غرلا ثم يطوي الأرضين بفتح الراء وتسكن بشماله وفي رواية يأخذهن أي بدل يطوي فالتقدير ثم يأخذهن بيده الأخرى وهذه الرواية أوفق بحديث وكلتا يديه يمين وضميرهن إلى الأرضين بقرينة ذكر السموات ويحتمل أن المصنف نقل بالمعنى وأن لفظ الرواية ثم يأخذ الأرضين بيده الأخرى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون فينظر في الأصول لطلب الأخرى قال أصحاب التأويل المراد باليد اليمنى والشمال المقدرة والمراد من الطي التسخير التام والقهر الكامل وهو كذلك الآن أيضا ولكن في القيامة يكون أظهر ونسب طي السموات إلى اليمين وطي الأرضين إلى الشمال تنبيها لما بينهما من المقبوضين من التفاوت بعد أن نزه ذاته سبحانه من نسبة الشمال إليه بقوله وكلتا يديه يمين لأن الشمال ناقص في القوة عادة والله منزه عن النقصان وعن سائر صفات الحدثان رواه مسلم وعن عبد الله بن مسعود قال جاء حبر بفتح الحاء ويكسر مفرد الأحبار أي عالم من اليهود أي من جملتهم أو من أحبارهم إلى النبي فقال إن الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع بكسر الهمزة وفتح الموحدة وفي القاموس بتثليث الهمزة والباء ففيه تسع لغات والأرضين على إصبع والجبال والشجر أي جنسه على إصبع والماء والثرى أي التراب الندي يعني الماء وما تحته من الثرى على إصبع وسائر الخلق أي باقيه على إصبع وهذا الحديث بظاهره يخالف ما سبق من أن طي العلوي بيمينه والسفلي بالأخرى وأيضا ظاهر تقسيم الأشياء على الأصابع موهم لإرادة تحقق الجارحة المشتملة على الأصابع الخمسة كما هو مذهب المجسمة من اليهود وسائر أهل البدع ولكنه لما قرره حيث لم ينكره لزم إما التأويل وهو مذهب الخلف وهو أعلم أو


التسليم والتفويض مع
الاتفاق على التنزيه وهو مذهب السلف وهو أسلم والله تعالى أعلم فقال شارح والمعنى يهون على الله إمساكها وحفظها كما يقال في العرف فلان يحمل بإصبعه لقوته وقال التوربشتي السبيل في هذا الحديث أن يحمل على نوع من المجاز أو ضرب من التمثيل والمراد منه تصوير عظمته والتوفيق على جلالة شأنه وأنه سبحانه يتصرف في المخلوقات تصرف قوي قادر على أدنى مقدور تقول العرب في سهولة المطلب وقرب التناول ووفور القدرة وسعة الاستطاعة هو مني على حبل الذراع وإني أعالج ذلك ببعض كفي واستقله بفرد إصبع ونحو ذلك من الألفاظ استهانة بالشيء واستظهارا في القدرة عليه والمتورع عن الخوض في تأويل أمثال هذا الحديث في فسحة من دينه إذ لم ينزلها في ساحة الصدر منزلة مسميات الجنس ثم يهزهن الضمير للأصابع والمعنى يحركهن فيقول أنا الملك أي القادر القوي القاهر أنا الله أي المعبود بالحق المستحق للمعبودية والعبادة في الباطن والظاهر فضحك رسول الله تعجبا مما قال الحبر تصديقا له علة العلة قال صاحب الكشاف إنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة ولا ترى بابا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع وأهون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء فإن أكثره تخيلات قد زلت فيها الأقدام قديما ثم قرأ أي النبي اعتضادا ويحتمل أن يكون القارىء هو ابن مسعود استشهادا وما قدروا الله حق قدره أي ما عرفوه حق معرفته أو ما عظموه حق تعظيمه والأرض الواو للحال أي والحال أن جنس الأرض وهو الأرضين السبع جميعا قبضته أي مقبوضته وفي ملكه وتصرفه يوم القيامة يتصرف فيه كيف يشاء بلا مزاحم مع سهولة والمعنى أنهن بعظمتهن بالنسبة إلى قدرته


ليست إلا قبضة واحدة والسموات مطويات بيمينه أي مجموعات بقدرته أو مغيبات بقسمه لأنه تعالى أقسم بعزته وجلاله أنه يفنيهما سبحانه وتعالى عما يشركون بنسبة الولد والشريك إليه متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سألت رسول الله عن قوله
أي سبحانه وتعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض أي يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غير هذه المعروفة والسموات أي كذلك قال صاحب الكواشي إنها تبدل بخبزة بيضاء فيأكل المؤمنون من تحت أقدامهم حتى يفرغ الحساب وسيأتي في أول باب الحشر ما يؤيد هذا المعنى وروي عن الضحاك أنه يبدلها أرضا من فضة بيضاء كالصحائف وكذا عن علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه وفي شرح السنة التبديل تغيير الشيء عن حاله والإبدال جعل الشيء مكان آخر وقال الطيبي رحمه الله قد يكون التبديل في الذوات كقولك بدلت الدراهم دنانير وفي الأوصاف كقولك بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها وسويتها خاتما واختلف في تبديل الأرض والسموات فقيل تبدل أوصافهما فتسير على الأرض جبالها وتفجر بحارها وتجعل مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا وتبدل السموات بانتشار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وقيل يخلق بدلها أرض وسموات أخر وعن ابن مسعود وأنس يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة والظاهر من التبديل تغيير الذات كما يدل عليه السؤال والجواب حيث قالت فأين يكون الناس يومئذ قال على الصراط المعهود عند الناس أو جنس الصراط والله تعالى أعلم رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله الشمس والقمر مكوران بتشديد الواو المفتوحة وتذكيره لتغليب القمر لأنه المذكر أو باعتبار الكوكبين النيرين وقوله يوم القيامة ظرف له والتكوير معناه اللف ومنه تكوير العمامة وقال تعالى يكور الليل على النهار الزمر وهو معنى الجمع في قوله تعالى وجمع الشمس والقمر القيامة قال التوربشتي يحتمل أنه من التكوير الذي هو بمعنى


اللف والجمع أي يلف صورهما لنا فيذهب انبساطهما في الآفاق ويحتمل أن يراد به رفعهما لأن الثوب إذا طوي رفع ويحتمل أن يكون من قولهم طعنة مكورة من كوره إذا ألقاه أي ملقيان من فلكهما وهذا التفسير أشبه بنسق الحديث لما في بعض طرقه مكوران في النار فيكون تكويرهما فيها ليعذب بهما أهل النار لا سيما عباد الأنوار ولا يعذبان في النار فإنهما بمعزل عن التكليف بل سبيلهما في النار سبيل النار نفسها وسبيل الملائكة الموكلين بها رواه البخاري وروى ابن مردويه عن أنس الشمس والقمر ثوران عقيران في النار إن شاء أخرجهما وإن شاء تركهما والعقير الزمن

الفصل الثاني


عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله كيف أنعم أي أفرح وأتنعم من نعم عيشة كفرح اتسع ولأن كذا في المصباح وفي النهاية هو من النعمة بالفتح وهي المسرة والفرح والترفه وصاحب الصور قد التقمه أي وضع طرف الصور في فمه وأصغى سمعه أي أمال أذنه وحنى جبهته أي أمالها وهو كناية عن المبالغة في التوجه لإصغاء السمع وإلقاء الأذن ينتظر متى يؤمر بالنفخ والظاهر أن كلا من الالتقام والإصغاء وما بعده على الحقيقة وأنه عبادة لصاحبه بل هو مكلف به وقال القاضي رحمه الله معناه كيف يطيب عيشي وقد قرب أن ينفخ في الصور فكني عن ذلك بأن صاحب الصور وضع رأس الصور في فمه وهو مترصد مترقب لأن يؤمر فينفخ فيه فقالوا يا رسول الله وما تأمرنا أي أن نقول الآن أو حينئذ أو مطلقا عند الشدائد قالوا قولوا حسبنا الله مبتدأ وخبر أي كافينا الله ونعم الوكيل فعيل بمعنى المفعول والمخصوص بالمدح محذوف أي نعم الموكول إليه الله رواه الترمذي وكذا الحاكم وصححه عنه وعن ابن عباس قال ميرك عن ابن عباس قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار وقالها محمد حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم آل عمران الآية رواه البخاري والنسائي وعن عبد الله بن عمرو بالواو عن النبي قال الصور قرن قيل دائرة رأسه كعرض السموات والأرض ينفخ فيه بصيغة المجهول أي ينفخ فيه إسرافيل النفختين رواه الترمذي وأبو داود والدارمي وكذا أحمد والنسائي والحاكم

الفصل الثالث


عن ابن عباس قال في قوله تعالى فإذا نقر أي نفخ في الناقور الصور بالجر على التفسير وفي نسخة بالرفع على تقدير هو الصور قال أي ابن عباس أيضا والراجفة أي في قوله تعالى يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة النازعات النفخة الأولى لأنها ترجف الأرض والجبال عندها أي تضطرب وتتحرك وتتزلزل لها والرادفة الثانية أي لأنها تقع عقيبها وقال الطيبي الراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى وصفت بما يحدث بحدوثها والرادفة الواقعة التي تردف الأولى وهي النفخة الثانية رواه البخاري في ترجمة باب بفتح التاء والجيم أي في عنوانه تعليقا لكن وصله في موضع آخر منه وعن أبي سعيد قال ذكر رسول الله صاحب الصور أي إسرافيل وقال عن يمينه جبريل بكسر الجيم وتفتح فكسر راء فسكون ياء وبفتحهما وبهمزة بعدها تحتية وتحذف أربع لغات كلهن متواترات وعن يساره ميكائيل بهمزة وتحتية وتحذف وبوزن مفعال ثلاث قراءات لكن في شرح الشاطبية للجعبري قال أبو عبيدة هما ممدودان في الحديث انتهى وهو يحتمل أن مراده المدة الطبيعية أو حرف المد ويحتمل أنه أراد جبرئيل بالألف الممدودة على الشذوذ واختير لمشاكلة ميكائيل والله تعالى أعلم وعن أبي رزين بفتح الراء وكسر الزاي العقيلي مصغرا ولم يذكره المؤلف في أسمائه قال قلت يا رسول الله كيف يعيد الله الخلق وما آية ذلك أي علامته في خلقه أي مخلوقاته الموجودين قال أما مررت بوادي قومك جدبا بفتح الجيم وسكون


الدال كذا في النهاية والقاموس وفي المقدمة بفتح أوله وكسر ثانيه وقد تسكن ضد الخصب ثم مررت به يهتز بتشديد الزاي يتحرك خضرا بفتح فكسر قال الطيبي رحمه الله يهتز جملة حالية وخضرا نصب على التمييز استعار الاهتزاز لأشجار الوادي تصويرا لحسنها ويقال اهتز فلان فرحا أي خف له وكل من خف لأمر وارتاح له فقد اهتز له قلت نعم قال فتلك آية الله أي علامة قدرته في خلقه أي وفي إعادته والعود أحمد قال تعالى وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه الروم كذلك يحيي الله الموتى الظاهر أن هذا استشهاد بالآية أو اقتباس منها قال الطيبي رحمه الله أي ليس فرق بين إنشاء خلق وإعادته والتشبيه في قوله تعالى كذلك يحيي الله الموتى بيان للتسوية نحو قوله تعالى قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم يس أي بكل من الإنشاء والاعادة عليم ونظر هذا الحديث في الدلالة قوله تعالى فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير الروم يعني أن ذلك القادر الذي يحيي الأرض بعد موتها هو الذي يحيي الناس بعد موتهم وهو على كل شيء من المقدورات قادر وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء رواهما أي الحديثين رزين قال المؤلف رحمه الله هو أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري الحافظ صاحب كتاب التجريد في الجمع بين الصحاح مات بعد العشرين والخمسمائة


باب الحشر
في المغرب الحشر الجمع قلت وهو ضد النشر
الفصل الأول
عن سهل بن سعد سبق ذكره قال قال رسول الله يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء أي غير شديدة البياض والعفرة لون الأرض وقيل المعنى لا يخلص بياضها بل يضرب إلى الحمرة كقرصة النقي بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء وهو الدقيق المنخول المنظف الذي يتخذ منه الحواري والقرصة بالضم الرغيف والتاء للوحدة والتشبيه بها في اللون والشكل دون القدر ليس فيها علم بفتحتين أي علامة لأحد يريد به الأبنية ومعناه أنها تكون قاعا لا بناء فيها ذكره القاضي رحمه الله وقال الطيبي رحمه الله لعل الظاهر أن ذلك تعريض بأرض الدنيا وتخصيص كل من ملاكها بقطع منها أعلم عليها على نحو قوله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار غافر متفق عليه وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة أي كخبزة واحدة فهو تشبيه بليغ أو التقدير تصير خبزة واحدة وهو الظاهر على ما سيأتي يتكفؤها بالهمزة بعد تشديد الفاء قال التوربشتي رحمه الله هذه رواية كتاب البخاري ورواية كتاب مسلم يكفؤها بسكون الكاف والهمز من كفأت الإناء أي قلبته وهو الصواب والمعنى يقلبها الجبار أي الواحد القهار بيده أي من يد إلى يد وكلتا يديه يمين ولعل المراد بهما القدرة والإرادة فإنه سبحانه منزه عن الجارحة كما يتكفأ أحدكم خبزته أي عجينته فهي تسمية بالمآل كقوله تعالى إني أراني أعصر خمرا يوسف في السفر بفتحتين وقيل بضم أوله جمع سفرة فالأول ظرف الزمان والثاني مكان البيان والمعنى كما يفعل بالعجينة إذا أريد به ترقيقها واستواؤها حتى تلقى على الملة في السفر استعجالا نزلا بضمتين ويسكن الثاني ذكره ابن الملك أي إضافة لأهل الجنة وهو ما يستعجل للضيف من الطعام قال النووي رحمه الله يتكفؤها بالهمز أي يقلبها ويميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي لأنها ليست مبسوطة كالرقاقة ونحوها


وفي نسخة مسلم ويكفؤها بالهمز والخبزة هي الظلمة التي توضع في الملة والمعنى أن الله تعالى يجعل الأرض كالطلمة والرغيف العظيم يكون ذلك طعاما نزلا لأهل الجنة والله على كل شيء قدير قال التوربشتي رحمه الله أرى الحديث مشكلا جدا غير مستنكر شيئا من صنع الل
تعالى وعجائب فطرته بل لعدم التوفيق الذي يكون موجبا للعلم في قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول مع ما ورد في الآثار المنقولة إن هذه الأرض برها وبحرها تمتلىء نارا في النشأة الثانية وتنضم إلى جهنم فنرى الوجه فيه أن نقول معنى قوله خبزة واحدة أي كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا هو مثل ما في حديث سهل بن سعد كقرصة النقي وإنما ضرب المثل بقرصة النقي لإستدارتها وبياضها على ما ذكرنا وفي هذا الحديث ضرب المثل بخبزة تشبه الأرض هيئة وشكلا ومساحة فاشتمل الحديث على معنيين أحدهما بيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومئذ والآخر بيان الخبزة التي يهيئها الله تعالى نزلا لأهل الجنة وبيان عظم مقدارها ابداعا واختراعا من القادر الحكيم الذي لا يعجزه أمر ولا يعوزه شيء اه وأطنب الطيبي رحمه الله هنا بما لا طائل تحته فأعرضت عن ذكره وقيل الحديث مشكل لا من جهة إنكار قدرته بل من جهة عدم التوفيق بينه وبين حديث إن هذه الأرض تصير يوم القيامة نارا وأجيب بأنه شبه أرض الحشر بالخبزة في الاستواء والبياض كما في حديث سهل وشبه أرض الجنة كما في حديث أبي سعيد في كونها نزلا لأهلها تكرمة لهم بعجالة الراكب زادا يقنع به في سفره لكن آخر هذا الحديث يشعر بأن كون الأرض خبزة على التجوز والأولى الحمل على الحقيقة مهما أمكن وقدرته تعالى صالحة لذلك بل اعتقاد كونه حقيقة أبلغ بأن يقلب الله تعالى بقدرته الكاملة طبع الأرض حتى يأكلوا منها تحت أقدامهم ما شاء الله بغير كلفة ولا علاج وبهذا يتبين ضعف ما قاله القاضي من أنه لم يرد بذلك أن جرم الأرض ينقلب خبزة في الشكل والطبع وإنما


أراد به أنها تكون حينئذ بالنسبة إلى ما أعد الله لأهل الجنة كقرصة نقي يستعجل المضيف بها نزلا للضيف ثم تعريف الأرض في الحديث كتعريفها في قوله تعالى ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون الأنبياء قال ابن عباس هي أرض الجنة هذا ومما يؤيد الحمل على الحقيقة قول الراوي فأتى رجل من اليهود أي من أحبارهم فقال بارك الرحمان عليك دعا له بنزول كثرة الرحمة عليه أو إخبار عنه يا أبا القاسم كناه تعظيما ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة فقال بلى قال تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي فنظر النبي إلينا أي نظر التفات وتعجب وتنبيه ثم ضحك أي فرحا للمطابقة والموافقة حتى بدت نواجذه أي ظهرت آخر أضراسه وهو كناية عن المبالغة ثم قال أي اليهودي كما في نسخة ألا أخبرك بإدامهم أي بما يأتدم أهل الجنة الخبزة به بالام أي هو بالام وهو على وزن فاعال أي ثور والنون أي السمك قالوا أي الصحابة وما هذا أي ما معنى الذي ذكرته قال


ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا قال النووي رحمه الله أما النون فهو الحوت باتفاق العلماء وأما بالام فبباء موحدة مفتوحة وتخفيف لام وميم منونة مرفوعة وفي معناه أقوال والصحيح منها ما اختاره المحققون من أنها لفظة عبرانية معناها بالعربية الثور وفسر اليهودي به ولو كانت عربية لعرفها الصحابة ولم يحتاجوا إلى سؤاله عنها وأما قوله يأكل منها سبعون ألفا فقال القاضي عياض رحمه الله إنهم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب فخصوا بأطيب النزل ويحتمل أنه عبر به عن العدد الكثير ولم يرد الحصر في ذلك القدر وهذا معروف في كلام العرب والله تعالى أعلم متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله يحشر الناس أي بعد البعث على ثلاث طرائق أي فرق وأصناف الركبان على طريقة واحدة من تلك الثلاث والبقية تتناول الطريقتين الأخيرتين وهما المشاة والذين على وجوههم كما سيأتي في الفصل الثاني راغبين أي في الجنة لما فيها من لقاء ربهم وهو بدل عن ثلاث وهو و أحد الفرق وهم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون راهبين أي من النار وهم الذين يخافون ولكن ينجون منها وهم الفرقة الثانية ففيه تنبيه نبيه على أن طاعة الله تعالى على الرجاء أولى من عبادته على الخوف ولذا سمي الأولون الطيارين والآخرون السيارين وتحقيقه في كتب التصوف ويعرفه أهل التعرف وجملة الكلام أن المراد بالراغبين من غلب عليهم الرجاء وبالراهبين من غلب عليهم الخوف قال تعالى يدعون ربهم خوفا وطمعا السجدة وإنما قدم الخوف في الآية لأنه أنسب بعموم العامة لا سيما في البداية واثنان على بعير أي اعتقابا أو اجتماعا وهو الأظهر وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير فعلى مقدار مراتبهم يستريحون على مراكبهم والباقون يمشون على أقدامهم على قدر أقدامهم قال ابن الملك قوله واثنان على بعير الواو فيه للحال وصفة المبتدأ محذوف أي إثنان منهم وكذا الحكم فيما بعده وهذه الأعداد


تفصيل لمراتبهم على سبيل الكناية والتمثيل فمن كان أعلى مرتبة كان أقل شركة وأشد سرعة وأكثر سباقا فإن قلت كون الإثنين وإخواته على البعير بطريق الاجتماع أم الاعتقاب قلنا قال شارح السنة بطريق الاعتقاب لكن الأولى أن يحمل على الاجتماع إذ في الاعتقاب لا يكون الاثنان والثلاثة على بعير حقيقة وإنما اقتصر على ذكر العشر إشارة إلى أنه غاية عدد الراكبين على ذلك البعير المحتمل للعشرة من بدائع فطرة الله تعالى كناقة صالح حيث


قوي ما لا يقوى من البعران وإنما لم يذكر الخمسة والستة وغيرهما إلى العشرة للإيجاز ويحشر بقيتهم أي تجمعهم النار تقيل بفتح أوله من القيلولة وفاعله النار والمراد أنها تكون معهم في النهار حيث قالوا أي كانوا أو استراحوا وتبيت أي النار معهم حيث باتوا أي كانوا في الليل وتصبح معهم حيث أصبحوا أي دخلوا في الصباح وتمسي معهم حيث أمسوا والمقصود أن النار تلزمهم بحيث لا تفارقهم أبدا هذا مجمل الكلام في تحصيل المرام وأما تفصيله فقال الخطابي الحشر المذكور في هذا الحديث إنما يكون قبل قيام الساعة يحشر الناس أحياء إلى الشام فأما الحشر بعد البعث من القبور فإنه على خلاف هذه الصورة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها وإنما هو على ما ورد في الحديث إنم يبعثون حفاة عراة وفسر ثلاثة على بعير وأربعة على بعير على أنهم يعتقبون البعير الواحد يركب بعضهم ويمشي بعضهم قال التوربشتي رحمه الله قول من يحمل الحشر على الحشر الذي هو بعد البعث من القبور أشد وأقوى وأشبه بسياق الحديث من وجوه أحدها أن الحشر على الإطلاق في متعارف الشرع لا يراد منه إلا الحشر الذي بعد قيام الساعة إلا أن يخص بنوع من الدليل ولم نجد ههنا والآخر أن التقسيم الذي ذكر في هذا الحديث لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام لأن المهاجر إليها لا بد وأن يكون راغبا راهبا أو راغبا أو راهبا فأما أن لا يكون راغبا وراهبا وتكون هذه طريقة واحدة لا ثاني لها من جنسها فلا والثالث أن حشر النار بقيد الطائفتين على ما ذكره في هذا الحديث إلى أرض الشام والتزامها لهم حتى لا تفارقهم في مقيل ولا مبيت ولا صباح ولا مساء قول لم يرد به التوقيف ولم يكن لنا أن نقول بتسليط النار على أولي الشقاوة في هذه الدار من غير توقيف والرابع وهو أقوى الدلائل وأوثقها ما روي عن أبي هريرة وهو في الحسان من هذا الباب يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف الحديث وأما ما ذكر من بعث الناس حفاة عراة فلا تضاد بين


القضيتين لأن إحداهما حالة البعث من النشر وأخرى حالة السوق إلى المحشر ونرى التقسيم الذي جاء به الحديث التقسيم الذي جاء به التنزيل قال الله تعالى إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة الواقعة و و و الآيات فقوله راغبين راهبين يريد به عوام المؤمنين وهم ذوو الهنات الذين يترددون بين الخوف والرجاء بعد زوال التكليف فتارة يرجون رحمة الله لإيمانهم وتارة يخافون عذابه لما اجترحوا من السيئات وهم أصحاب الميمنة في كتاب الله على ما في الحديث الذي رواه أيضا أبو هريرة وهو في الحسان من هذا الباب وقوله واثنان على بعير فالمراد منه أولو السابقة من أفاضل المؤمنين وهم السابقون وقوله ويحشر بقيتهم النار يريد أصحاب المشأمة فهذه ثلاث طرائق فإن قيل فلم لم يذكر من السابقين من يتفرد بفرد مركب لا يشاركه فيه أحد قلنا لأنه عرف أن ذلك مجعول لمن فوقهم


في المرتبة من أنبياء الله ليقع الامتياز بين النبيين والصديقين في المراكب كما وقع في المراتب اه وعارضه الطيبي رحمه الله بما لا طائل تحته فحذفنا بحثه متفق عليه وعن ابن عباس عن النبي قال إنكم محشورون أي ستبعثون حفاة بضم الحاء جمع حاف وهو الذي لا نعل له عراة بضم العين جمع عار وهو من لا ستر له غرلا بضم الغين المعجمة وسكون الراء جمع الأغرل وهو الأقلف أي غير مختونين قال العلماء في قوله غرلا إشارة إلى أن البعث يكون بعد رد تمام الأجزاء والأعضاء الزائلة في الدنيا إلى البدن وفيه تأكيد لذلك فإن القلفة كانت واجبة الإزالة في الدنيا فغيرها من الأشعار والأظفار والأسنان ونحوها أولى وذلك لغاية تعلق علم الله تعالى بالكليات والجزئيات ونهاية قدرته بالأشياء الممكنات ثم قرأ أي استشهادا واعتضادا وقوله تعالى كما بدأنا أول خلق نعيده الكاف متعلق بمحذوف دل عليه نعيده أي نعيد الخلق إعادة مثل الأول والمعنى بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذا نعيدهم يوم القيامة وعدا علينا أي لازما ما لا يجوز الخلف فيه إنا كنا فاعلين أي ما وعدناه وأخبرنا به لا محالة قال الطيبي رحمه الله فإن قلت سياق الآية في إثبات الحشر والنشر لأن المعنى نوجدكم من العدم كما أوجدناكم أولا عن العدم فكيف يستشهد بها للمعنى المذكور قلت دل سياق الآية وعبارتها على إثبات الحشر وإشارتها على المعنى المراد من الحديث فهو من باب الإدماج قلت الظاهر أن الآية بعبارتها تدل على المعنيين وإن كان سياق الآية مختصا لأحدهما فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ثم في قوله نوجدكم من العدم مسامحة والله تعالى أعلم وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه الصلاة والسلام قيل لأنه أول من كسا الفقراء وقيل لأنه أول من عري في ذات الله حين ألقي في النار لا لأنه أفضل من نبينا أو لكونه أباه فقدمه لعزة الأبوة على أنه قيل إن نبينا يخرج في الناس من قبره في ثيابه التي دفن


فيها وعندي والله تعالى أعلم أن الأنبياء بل الأولياء يقومون من قبورهم حفاة عراة لكن يلبسون أكفانهم بحيث لا تكشف عوراتهم على أحد ولا على أنفسهم وهو المناسب لقوله أخرج من قبري وأبو بكر عن يميني وعمر عن يساري وآت
البقيع الحديث ثم يركبون النوق ونحوها ويحضرون المحشر فيكون هذا الإلباس محمولا على الخلع الإلهية والحلل الجنية على الطائفة الاصطفائية وأولية إبراهيم عليه الصلاة والسلام يحتمل أن تكون حقيقية أو إضافية والله سبحانه وتعالى أعلم ثم رأيت في الجامع الصغير حديث أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري رواه الترمذي عن أبي هريرة ورواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة وقال التوربشتي رحمه الله نرى أن التقديم بهذه الفضيلة إنما وقع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنه أول من عري في ذات الله حين أرادوا إلقاءه في النار فإن قيل أو ليس نبينا هو المحكوم له بالفضل على سائر الأنبياء وتأخره في ذلك موهم أن الفضل للسابق قلنا إذا استأثر الله سبحانه عبدا بفضيلة على آخر واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بعشر أمثالها أو أفضل كانت السابقة له ولا يقدح استئثار صاحبه عليه بفضيلة واحدة في فضله ولا خفاء بأن الشفاعة حيث لا يؤذن لأحد في الكلام لم تبق سابقة لأولي السابقة ولا فضيلة لذوي الفضائل إلا أتت عليها وكم له من فضائل مختصة به لم يسبق إليها ولم يشارك فيها وأن ناسا من أصحابي أي جماعة منهم والتنكير للتقليل يؤخذ بهم ذات الشمال أي إلى النار مع أصحاب المشأمة فأقول أصيحابي بالتصغير للتقليل أي هؤلاء أصحابي أصيحابي كرره تأكيدا ويمكن أن يكون إشارة إلى جماعتين فيقول أي قائل أو مجيب إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم قال القاضي رحمه الله


يريد بهم من ارتد من الأعراب الذين أسلموا في أيامه كأصحاب مسيلمة والأسود واضرابهم فإن أصحابه وإن شاع عرفا فيمن يلازمه من المهاجرين والأنصار شاع استعماله لغة في كل من تبعه أو أدرك حضرته ووفد عليه ولو مرة قلت الأول اصطلاح أصول الفقه والثاني مصطلح أهل الحديث وقيل أراد بالارتداد إساءة السيرة والرجوع عما كانوا عليه من الإخلاص وصدق النية والإعراض عن الدنيا أقول هذا بالإشارات الصوفية أنسب وأقرب وإلا فعبارة الارتداد غير مستقيمة على هذا المعنى أصلا ولا موافقة لقوله عليه الصلاة والسلام فأقول كما قال العبد الصالح وهو عيسى عليه الصلاة والسلام وكنت عليهم أي على أمتي شهيدا أي مطلعا رقيبا حافظا ما دمت فيهم أي موجودا فيما بينهم إلى قوله العزيز الحكيم وهو قوله فلما توفيتني كنت أن


الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم المائدة متفق عليه ورواه الترمذي وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سمعت رسول الله يقول يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا قلت يا رسول الله الرجال بتقدير الاستفهام ويمكن أن يقرأ بالمد والتسهيل أيضا على ما تقرر في قوله تعالى قل آلله أذن لكم يونس والنساء عطف على الرجال وهما مبتدأ وقوله جميعا أي مجتمعين حال منهما على ما جوزه البعض فالخبر قوله ينظر بعضهم إلى بعض وهو محط الاستفهام التعجبي قال الطيبي رحمه الله الرجال والنساء مبتدأ وجميعا حال سد مسد الخبر أي مختلطون جميعا ويجوز أن يكون الخبر ينظر بعضهم إلى بعض وهو العامل في الحال قدم اهتماما كما في قوله تعالى والأرض جميعا قبضته الزمر وفيه معنى الاستفهام ولذلك أجاب فقال يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض أي أمر القيامة أصعب من أن يقدر أحد على النظر إلى غيره عمدا أو سهوا لقوله تعالى لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه عبس متفق عليه وأخرج عبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس عن النبي قال يحشرون حفاة عراة غرلا فقالت زوجته أينظر بعضنا إلى عورة بعض فقال يا فلانة لكل أمرىء منهم يومئذ شأن يغنيه وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد نحوه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله فقالت كيف يحشر الناس قال حفاة عراة قالت واسوأتاه قال إنه قد نزل على آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا قالت وأي آية هي قال لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة نحوه وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة سمعت رسول الله يقول يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة قلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض فقال شغل الناس قلت ما شغلهم قال نش


الصحائف فمنها مثاقيل الذرة ومثاقيل الخردل وعن أنس أن رجلا قال يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ولكون الاستفهام مقدرا قال أليس أي الشأن الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا مبتدأ خبره قوله قادر على أن يمشيه بالتخفيف ويجوز تشديده على وجهه يوم القيامة متفق عليه وسيأتي حديث الترمذي في الفصل الثاني وحديث أبي ذر في الثالث وفي الدر المنثور أخرج أحمد والشيخان والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم قال الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم وأخرج ابن جرير عن الحسن قال قرأ رسول الله هذه الآية الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم الفرقان فقالوا يا نبي الله كيف يحشرون على وجوههم قال أرأيت الذي أمشاهم على أقدامهم أليس قادرا على أن يمشيهم على وجوههم وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال يلقى أي يرى إبراهيم أباه آزر بدل أو بيان يوم القيامة على وجه آزر وضع الظاهر موضع الضمير لئلا يتوهم رجعه إلى إبراهيم في ابتداء الحال قترة بفتحتين أي سواد من الكآبة والحزن وغبرة بفتحتين غبار معه سواد فذكرهما مبالغة والجملة حالية فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول له أبوه فاليوم ظرف مقدم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني أي لا تفضحني يوم يبعثون أي الخلائق فأي خزي في النهاية هو الهلاك والوقوع في بلية أخزى من أبي أي من خزي أبي الأبعد يريد البعد في المرتبة والالتحاق بأهل النار أو الهالك من البعد بمعنى الهلاك أو الأبعد من رحمة الله تعالى فإن الفاسق بعيد والكافر أبعد ورحمة الله قريب من المحسنين وإلى الأنبياء والأولياء أقرب قال الطيبي رحمه


الله هو من أفعل الذي قطع عن متعلقه للمبالغة فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال لإبراهيم ما تحت رجليك وفي نسخة انظر ما تحت رجليك وما استفهامية أو موصولة قال ابن الملك ما استفهام خبره تحت ويجوز كونه بمعنى الذي أي انظر إلى الذي تحت رجليك فينظر فإذا هو أي آزر بذيح بكسر الذال المعجمة فتحتية ساكنة فحاء معجمة وهو ذكر الضبع الكثير الشعر وفي نسخة بموحدة ساكنة وحاء مهملة وهو ما يذبح متلطخ إما برجيعه أو بدمه أو بالطين فيؤخذ بقوائمه جمع قائمة وهو ما يقوم به الدواب بمثابة الأرجل للإنسان كذا ذكره شارح ففيه تغليب إذ المراد أنه يؤخذ بيديه ورجليه فيلقى أي فيطرح في النار أي في مقام الكفار فغير صورته ليكون تسلية لإبراهيم حتى لا يخزيه لو رآه قد ألقي في النار على صورته فيكون خزيا وفضيحة على رؤوس الخلائق فغيره سترة لحاله في تقبيح مآله قيل هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أن عدو لله تبرأ منه التوبة وأجيب بأنه اختلف في الوقت الذي تبرأ إبراهيم فيه من أبيه فقيل كان ذلك في الدنيا لما مات آزر مشركا وقيل إنما تبرأ منه يوم القيامة لما أيس منه حين مسخ ويمكن الجمع بين القولين بأنه تبرأ منه لما مات مشركا فترك الاستغفار له لكن لما رآه يوم القيامة أدركته الرأفة فسأل منه فلما رآه مسخ أيس منه وتبرأ تبرؤا أبديا وقيل إن إبراهيم لم يتيقن بموته على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم ويكون وقت تبرئه منه بعد الحال التي وقعت في هذا الحديث رواه البخاري وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يعرق بفتح الراء الناس أي جميعا والجن بالأولى فتركه من باب الاكتفاء والظاهر استثناء الأنبياء والأولياء يوم القيامة أي في ابتداء أمره حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا قيل سبب هذا العرق تراكم الأهوال وحصول الحياء


والخجالة والندامة والملامة وتزاحم حر الشمس والنار كما جاء في رواية إن جهنم تدير أهل المحشر فلا يكون إلى الجنة طريق إلا الصراط ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم أي يصل العرق إليها وهي بالمد جمع أذن قال شارح أي إلى أفواههم وسيأتي أن الناس مختلفون في أحوالهم على مراتب أعمالهم متفق عليه وروى الطبراني عن ابن مسعود مرفوعا إن الرجل ليلجمه
العرق يوم القيامة فيقول رب أرحني ولو إلى النار وعن المقداد قال سمعت رسول الله يقول تدنو الشمس أي تقرب يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم أي الشمس والمراد جرمها كمقدار ميل تقديره حتى يكون مقدار قرب الشمس منهم مثل مقدار ميل نظيره قوله تعالى فكان قاب قوسين النجم أي كان قرب رسول الله من جبريل أو من مكان القرب مثل مقدار قوسين وفي شرح السنة قال سليم لا أدري أي الميلين يعني مسافة الأرض أو الميل الذي يكحل به العين فيكون الناس على قدر أعمالهم أي السيئة في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه أي تقريبا فيقبل النقصان والزيادة ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه الحقو الخصر ومشد الإزار ومنهم من يلجمهم العرق إلجاما وأشار رسول الله بيده إلى فيه أي فمه قال ابن الملك إن قلت إذا كان العرق كالبحر يلجم البعض فكيف يصل إلى كعب الآخر قلنا يجوز أن يخلق الله تعالى ارتفاعا في الأرض تحت أقدام البعض أو يقال يمسك الله تعالى عرق كل انسان بحسب عمله فلا يصل إلى غيره منه شيء كما أمسك جرية البحر لموسى عليه الصلاة والسلام قلت المعتمد هو القول الأخير فإن أمر الآخرة كله على وفق خرق العادة ألا ترى أن شخصين في قبر واحد يعذب أحدهما وينعم الآخر ولا يدري أحدهما عن غيره ونظيره في الدنيا نائمان مختلفان في رؤياهما فيحزن أحدهما ويفرح الآخر بل شخصان قاعدان في مكان واحد أحدهما في عليين والآخر في أسفل سافلين أو أحدهما في صحة والآخر في وجع أو بلية رواه مسلم وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن


النبي قال يقول الله تعالى أي يوم القيامة كما في رواية البغوي يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير كله في يديك قال
أخرج بفتح الهمزة وكسر الراء أي أظهر وميز من بين أولادك بعث النار أي جمعا يستحقون البعث إليها قال وما بعث النار قيل عطف على مقدر أي سمعت وأطعت وما بعث النار أي وما مقدار مبعوث النار وقيل ما بمعنى كم العددية والأظهر أن الواو استئنافية تفيد الربط بين سابقها ولاحقها قال أي الله تعالى من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قيل يخالفه ما في حديث أبي هريرة من كل مائة تسعة وتسعين وأجاب الكرماني بأن مفهوم العدد مما لا اعتبار له والمقصود منه تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين ويمكن حمل حديث أبي سعيد على جميع ذرية آذم فيكون من كل ألف عشرة ويقرب من ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة ويحتمل أن يكون الأول يتعلق بالخلق أجمعين والثاني بخصوص هذه الأمة وأن يكون المراد ببعث النار الكفار ومن يدخل النار من العصاة فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كافرا ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصيا وهذا هو الأظهر والله تعالى أعلم فعنده أي عند هذا الحكم يشيب الصغير أي من الحزن الكثير والهم الكبير وفي رواية البغوي فحينئذ يشيب المولود وظهور الشيب إما على الحقيقة أو على الفرض والتقدير وهذا هو الأظهر الملائم لقوله وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى أي من الخوف وما هم بسكارى أي من الخمر ولكن عذاب الله شديد ثم اعلم أن هذا الحديث مقتبس من قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم أي احذروا بطاعته عقابه حتى ترجوا ثوابه إن زلزلة الساعة شيء عظيم والزلزلة شدة الحركة على الحالة الهائلة واختلفوا فيها فقال علقمة والشعبي هي من أشراط الساعة قبل قيامها وقال الحسن والسدي هي تكون يوم القيامة وقال ابن عباس رضي الله عنهما زلزلة الساعة قيامها فتكون معها يوم ترونها أي الساعة أو الزلزلة تذهل كل مرضعة أي


تشغل عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها الحج أي تسقط ولدها من هول ذلك اليوم قال الحسن تذهل المرضع عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها من غير تمام وهذا بظاهره يؤيد قول من قال إن هذه الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حبل ومن قال تكون في القيامة قال هذا على وجه التعظيم للأمر لا على حقيقته كقولهم أصابنا أمر يشيب فيه الوليد يريد به شدته قالوا يا رسول الله وأينا ذلك الواحد ولما استعظموا ذلك الأمر واستشعروا الخوف منه قال أي في جوابهم تسلية لفؤادهم أبشروا قال الطيبي رحمه الله لا يخلو هذا الاستفهام من أن يكون مجرى على حقيقته أو يكون استعظاما لذلك الحكم واستشعار خوف منه فالأول يستدعي أن يجاب بأن ذلك الواحد فلان أو متصف بالصفة الفلانية والثاني يستدعي أن يجاب بما يزيل ذلك الخوف رفقا للناس والثاني هو المراد لقوله


أبشروا وكأنه قال وأينا من أمة محمد ذلك الناجي المفلح من بين سائر بني آدم فقال أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج بالألف ويهمز فيهما ألف بالرفع في الأصول المصححة فالجملة حالية وقدم الجار لكون المبتدأ نكرة وفي نسخة السيد عفيف الدين ألفا بالنصب وهو الظاهر فإنه من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين والمجرور مقدم والمعنى سيوجد بعدد كل رجل منكم ألف من يأجوج ومأجوج فحينئذ يكثر أهل الجنة وفيه إشعار بأن أهل النار أكثر من أهل الجنة ولعل أهلها يكثرون بوجود الملائكة المقربين والحور العين فصح معنى الحديث القدسي غلبت رحمتي غضبي زاد البغوي قال فقال الناس الله أكبر ثم قال والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا أي أنتم أيها الصحابة أو أيها الأمة وهو الأظهر ربع أهل الجنة فكبرنا التكبير للعجب والفرح التام والاستبشار والاستعظام فقال أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ولعله درج الأمر لئلا تنقطع قلوبهم بالفرح الكثير دفعة أو بالنظر إلى دخولهم في دفعات أو أوحي إليه وحيا بعد وحي فأخبر بما بشر فقال أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا قال الطيبي رحمه الله في الحديث تنبيه على أن يأجوج ومأجوج داخلون في هذا الوعيد ودل بقوله أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة أن غير يأجوج ومأجوج من الأمم السالفة الفائتة للحصر أيضا داخلون في الوعيد فإذا وزع نصف أمة محمد مع مثله من الأمم السالفة على هؤلاء يكون كالواحد من الألف يدل عليه رواية الراوي قال أي النبي وفي نسخة صحيحة فقال ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود الظاهر أن أو للتخيير في التعبير وتحتمل الشك قال الطيبي رحمه الله وقولهم الله أكبر مرارا ثلاثا متعجبين استبشار منهم واستعظام لهذه النعمة العظمى والمنحة الكبرى فيكون في هذا الاستعظام بعد ذلك الاستعظام إشارة إلى فوزهم بالبغية بعد اليأس منها اه ولعل ورود هذا الحديث قبل علمه


بأن أمته ثلثا أهل الجنة إذ قد ورد أن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون صفا أمته وأربعون سائر الأمم ويمكن أن يكونوا نصفا بالنسبة إلى الداخلين أولا والأظهر أن هذا الحديث وقع مختصرا على ما سيأتي الحديث بطوله متفق عليه ورواه النسائي وفي المعالم روي عن عمران بن الحصين وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن
هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلا فنادى منادي رسول الله فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله فقرأها عليهم فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة فلما أصبحوا لم يحطوا السرج عن الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدرا والناس بين باك أو جالس حزين متفكرين فقال رسول الله أتدرون أي يوم ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال ذلك يوم يقول الله عز وجل يا آدم قم فابعث بعث النار من ولدك قال فيقول آدم من كل كم كم فيقول الله عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة قال فكبر ذلك على المسلمين وبكوا وقالوا فمن ينجو إذا يا رسول الله فقال رسول الله أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة وإن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون منها أمتي وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة بل كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ثم قال ويدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب فقال عمر رضي الله تعالى عنه سبعون ألفا قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفا فقام عكاشة بن محيصن فقال يا رسول الله ادع الله لي أن يجعلني منهم فقال رسول الله أنت منهم فقام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله لي أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة وعنه أي عن أبي سعيد


رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول يكشف ربنا عن ساقه قال التوربشتي رحمه الله مذهب أهل السلامة من السلف التورع من التعرض للقول في مثل هذا الحديث وهو الأمثل والأحوط وقد تأوله جمع من العلماء بأن الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب واستعماله فيها شائع ومنه قول الشاعر عجبت من نفسي ومن اشفاقها ومن طرادى الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها ومنه قوله تعالى يوم يكشف عن ساق القلم أي عن شدة وتنكير الساق في الآية من دلائل هذا التأويل ووجه تعريف الساق في الحديث دون الآية أن يقال أضافها إلى الله تعالى تنبيها على أنها الشدة التي لا يجليها لوقتها إلا هو أو على أنها هي التي ذكرها في كتابه اه وعند الحاكم عن ابن عباس في الآية هو يوم كرب وشدة وقال الخطابي المعنى يكشف عن قدرته التي تكشف عن الشدة والكرب وقيل الأصل فيه أن يموت الولد في بطن الناقة فيدخل الرجل يده في رحمها فيأخذ بساقه ليخرجه فهذا هو الكشف عن


الساق ثم استعمل في كل أمر فظيع أقول ويمكن أن يكون استعارة وحاصله أن الله تعالى يأخذهم بالشدائد كمن يكشف عن ساقه بالتشمير عند دخوله في أمر خطير فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة أي من كمال الشدة يقعون في السجدة طالبين رفعها بتلك القربة وأخرج أبو يعلى بسند فيه ضعف عن أبي موسى مرفوعا في قوله تعالى يوم يكشف عن ساقها قال عن نور عظيم فيخرون له سجدا فهذا يشعر بأنه تعالى يتجلى للناس تجليا صوريا وبهذا ينحل الإشكال في كثير من أحاديث الصفات على ما قرره بعض مشايخنا والله تعالى أعلم ثم المراد بالمؤمن والمؤمنة الخلص منهما ولذا قال ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة أي نفاقا وشهرة فيذهب أي يقصد ويشرع ليسجد فيعود أي يصير ظهره طبقا واحدا أي عظما بلا مفصل بحيث لا ينثني عند الرفع والخفض فلا يقدر والطبق فقار الظهر واحده طبقة يعني صار فقاره واحدا فلا يقدر على الانحناء والمعنى أنه تعالى يكشف يوم القيامة عن شدة ترتفع دونها سواتر الامتحان فيتميز أهل الإخلاص والإيقان بالسجود عن أهل الريب والنفاق في اليوم الموعود وكما قال تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون القلم و متفق عليه وأخرج الإسماعيلي الحديث بلفظ يكشف عن ساق قال وهذا أصح لموافقة لفظ القرآن والله سبحانه وتعالى أعلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ليأتي الرجل العظيم أي جاها ومالا أو لحما وشحما فيكون قوله السمين عطف بيان له يوم القيامة لا يزن أي لا يعدل ولا يسوي عند الله جناح بعوضة أي لا يكون له عند الله قدر ومنزلة تقول العرب ما لفلان عندنا وزن أي قدر لخسته ومنه حديث لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقي كافرا منها شربة ماء وقال أي النبي أو أبو هريرة اقرؤوا أي استشهادا واعتضادا فلا نقيم لهم أي للكفار يوم القيامة وزنا قيل مقدارا وحسابا واعتبارا وقيل ميزانا


فالتقدير آلة الوزن إذ الكفار الخلص يدخلون النار بغير حساب وإنما الميزان للمؤمنين الكاملين والمرائين والمنافقين والله سبحانه وتعالى أعلم قال الطيبي رحمه الله فإن قلت
كيف وجه صحة الاستشهاد بالآية فإن المراد بالوزن في الحديث وزن الجثة ومقداره لقوله العظيم السمين وفي الآية إما وزن الأعمال لقوله تعالى فحبطت أعمالهم الكهف وإما مقدارهم والمعنى نزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار قلت الحديث من الوجه الثاني على سبيل الكفاية وذكر الجثة والعظم لا ينافي ارادة مقداره وتفخيمه قال تعالى وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة المنافقون متفق عليه
الفصل الثاني
عن أبي هريرة قال قرأ رسول الله هذه الآية يومئذ تحدث أي الأرض أخبارها قال أتدرون ما أخبارها بفتح الهمزة جمع خبر وفي نسخة بكسرها على أنه مصدر أي تحديثها قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن أخبارها بالوجهين أن تشهد على كل عبد أو أمة أي ذكر وأنثى بما عمل بفتح أوله أي فعل كل واحد على ظهرها وفي نسخة بالضم على أن نائب الفاعل قوله على ظهرها أن تقول بدل بعض من أن تشهد أو بيان ويؤيده ما في رواية الجامع تقول بدون أن أو خبر مبتدأ محذوف أي هي يعني شهادتها أن تقول عمل أي فلان علي أي على ظهري كذا وكذا أي من الطاعة أو المعصية يوم كذا وكذا أي من شهر كذا وعام كذا قال فهذه أي الشهادات أو المذكورات أخبارها رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب وكذا رواه عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما من أحد يموت إلا ندم أي فاغتنموا الحياة قبل الموت واستبقوا الخيرات قبل الفوت قالوا وما ندامته أي ما وجه تأسف كل أحد وملامته يا رسول الله قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد أي خيرا أو برا وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع أي كف نفسه عن الإساءة رواه الترمذي وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف وفي نسخة على ثلاثة أصناف ويؤيد الأول قوله صنفا مشاة بضم الميم جمع ماش وهم المؤمنون الذين خلطوا صالح أعمالهم بسيئها وصنفا ركبانا أي على النوق وهو بضم الراء جمع راكب وهم السابقون الكاملو الإيمان وإنما بدأ بالمشاة جبرا لخاطرهم كما قيل في قوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه فاطر وفي قوله سبحانه يهب لمن يشاء إناثا الشورى أو لأنهم المحتاجون إلى المغفرة أولا أو لإرادة الترقي وهو ظاهر وقال التوربشتي رحمه الله فإن قيل لم بدأ بالمشاة بالذكر قبل أولي السابقة قلنا لأنهم هم الأكثرون من أهل الإيمان وصنفا على وجوههم أي يمشون عليها وهم الكفار قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم أي والعادة أن يمشى على الأرجل قال إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم يعني وقد أخبر في كتابه بقوله الذين يحشرون على وجوههم الفرقان وإخباره حق ووعده صدق وهو على كل شيء قدير فلا ينبغي أن يستبعد مثل ذلك أما بالتخفيف للتنبيه إنهم أي الكفار يتقون أي يحترزون ويدفعون بوجوههم كل حدب أي مكان مرتفع وشوك أي ونحوه من أنواع ما يتأذى به والمعنى أن وجوههم واقية لأبدانهم من جميع الأذى لأجل أن غلت أيديهم وأرجلهم والأمر في الدنيا على عكس ذلك وإنما كان كذلك لأن الوجه الذي هو أعز الأعضاء لم يضعه ساجدا على التراب وعدل عنه تكبرا فجعل أمره على العكس قال القاضي رحمه الله قوله يتقون بوجوههم يريد به بيان هو أنهم واضطرارهم إلى حد جعلوا وجوههم مكان الأيدي


والأرج
في التوقي عن مؤذيات الطرق والمشي إلى المقصد لما لم يجعلوها ساجدة لمن خلقها وصورها ومما يناسب المقام ما يحكى أنه رؤي بعض الأغنياء أنه يسعى بين الصفا والمروة على بغلة بطريق الخيلاء ثم رؤي في بعض البادية والصحراء أنه يمشي فقيل له في ذلك فقال لما ركبنا في محل المشي عاقبنا الله بأن نمشي في محل الركوب هذا وقد قال تعالى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة الزمر وفسروا بأنه يلقى الكافر مقلوبا في النار فلا يقدر أن يدفع عن نفسه النار إلا بوجهه رواه الترمذي وكذا أبو داود وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث وحسنه الترمذي رحمهم الله وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله من سره أي أعجبه أن ينظر إلي يوم القيامة أي أحواله وأن يطلع في أهواله كأنه رأى عين أي فيترقى من علم اليقين إلى عين اليقين فليقرأ إذا الشمس كورت أي لفت وألقيت في النار وقال القاضي رحمه الله أي لفت بمعنى رفعت أو لف ضوؤها أو ألقيت عن فلكها في الدر عن ابن عباس أي أظلمت وعن أبي صالح نكست وإذا السماء انفطرت أي انشقت وإذا السماء انشقت أي انصدعت والمراد هذه السور فإنها مشتملة على ذكر أحوال يوم القيامة وأهواله رواه أحمد والترمذي وكذا ابن المنذر والطبراني وحسنه الترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه
الفصل الثالث
عن أبي ذر رضي الله عنه قال إن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون


ثلاثة أفواج قال الطيبي رحمه الله المراد بالحشر هنا ما في قوله أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وقوله ستخرج نار من نحو حضرموت تحشر الناس قلنا يا رسول الله فما تأمرنا قال عليكم بالشام فوجا وهم السابقون من المؤمنين الكاملين راكبين طاعمين كاسين قال الطيبي رحمه الله هو عبارة عن كونهم مرفهين لاستعدادهم ما يبلغهم إلى القصد من الزاد والراحلة وفوجا وهم الكفار يسحبهم بفتح الحاء أي يجرهم الملائكة على وجوههم وهو إما على حقيقته وإما كناية عن كمال هوانهم وذلهم والأول أظهر لدلالة السباق واللحاق وتحشر النار بنصب النار في أصل السيد وأكثر النسخ وفي نسخة برفعها وفي نسخة صحيحة وتحشرهم النار بالضمير مع نصب النار على نزع الخافض أي إليها ومع رفعها على الفاعلية قال الطيبي رحمه الله أي تحشر الملائكة لهم النار وتلزمهم إياها حتى لا تفارقهم أين باتوا وأين قالوا وأصبحوا ويصح أن ترفع النار أي وتحشرهم النار وفوجا وهم المؤمنون المذنبون يمشون ويسعون أي ويسرعون لا أنهم يمشون بسكينة وراحة ويلقي الله الآفة على الظهر أي على المركوب تسمية بما هو المقصود منه وتعبيرا عن الكل بالجزء فلا يبقى أي ظهر وفي نسخة بالتأنيث أي دابة وفي نسخة بضم أوله أي فلا تبقي الآفة دابة حتى أن الرجل لتكون له الحديقة أي البستان يعطيها بذات القتب أي بعوضها وبدلها وهو بفتح القاف والتاء للجمل كالأكتاف لغيره لا يقدر أي أحد عليها أي على ذات القتب لعزة وجودها وهذا صريح في أن المراد بالحشر في هذا الحديث ليس حشر القيامة قال الطيبي رحمه الله فبقي أن يقال لم ذكر المؤلف هذا الحديث في باب الحشر وهذا محل ذكره باب أشراط الساعة قلنا تأسيا بمحيي السنة والعجب أن محيي السنة حمل الحديث على ما ذهب إليه الخطابي حيث قال وهذا الحشر قبل قيام الساعة وإنما يكون ذلك إلى الشام أحياء فأما الحشر بعد البعث من القبور فعلى خلاف هذه الصفة من ركوب


الإبل والمعاقبة عليها وإنما هو كما أخبر أنهم يبعثون حفاة عراة وأورده في هذا الباب اه وتقدم الجواب على وجه الصواب في كلام التوربشتي رحمه الله في حديث أبي هريرة أول الباب والحاصل أن ركوب بعض الخواص من الأنبياء والأولياء ثابت في الحشر بعد البعث أيضا وأن حديث يبعثون حفاة عراة بناء على أكثر الخلق أو نظرا إلى ابتداء الأمر والله تعالى أعلم رواه النسائي وفي الدر المنثور أخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي ذر أنه تلا هذه الآية ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم الاسراء فقال حدثني الصادق المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين وفوج يمشون ويسعون وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم اه فهذا الحديث صريح بأن الحشر حشر يوم القيامة لتصريحه في الآية والحديث بيوم القيامة ويؤيده سحب الملائكة إياهم على وجوههم فالوجه الوجيه ما اختاره شيخنا التوربشتي رحمه الله لا ما أخطأ الخطابي حيث لم يدركه هذا المدرك وإنما جاء الآفة من قول أبي ذر في هذا الحديث على رواية أصل الكتاب زيادة على ما في رواية الجامع ويلقي الله الآفة ويمكن دفعه بأن يقال هذا حديث آخر أدرجه معه وأدمجه فيه بأدنى مناسبة فينبغي أن يحمل على المسامحة والله تعالى أعلم


باب الحساب والقصاص والميزان
الحساب بمعنى المحاسبة والقصاص على ما في النهاية اسم من قصه الحاكم يقصه إذا مكنه من أخذ القصاص وهو أن يفعل به مثل ما فعله من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح
الفصل الأول
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك أي على تقدير المناقشة والمراد بالهلاك العذاب قلت أو ليس يقول الله أي في حق أهل النجاة فسوف يحاسب حسابا يسيرا وتمامه وينقلب إلى أهله مسرورا الانشقاق فقال إنما ذلك العرض بكسر الكاف وجوز الفتح على خطاب العام أو تعظيما لها والمعنى إنما ذلك الحساب اليسير في قوله تعالى عرض عمله لا الحساب على وجه المناقشة ولكن من نوقش في الحساب يهلك بالرفع وفي نسخة بالجزم أي يعذب قال صاحب الفائق يقال ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلا ولا كثيرا


وحاصله أن المراد بالمناقشة الاستقصاء في المحاسبة والاستيفاء بالمطالبة وترك المسامحة في الجليل والحقير والقليل والكثير ووجه المعارضة أن لفظ الحديث عام في تعذيب كل من حوسب ولفظ الآية دال على أن بعضهم لا يعذب وطريق الجمع أن المراد بالحساب في الآية إنما هو العرض وهو إبراز الأعمال وإظهارها فيقر صاحبها بذنوبه ثم يتجاوز عنها لإظهار الفضل كما أن المناقشة لبيان ظهور العدل متفق عليه ورواه أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن مردويه وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وابن عدي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ثلاث من كن فيه يحاسبه الله حسابا يسيرا وأدخله الجنة برحمته تعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وفي الجامع الصغير من نوقش في الحساب عذب رواه الشيخان عن عائشة مرفوعا ورواه الطبراني عن ابن الزبير ولفظه من نوقش المحاسبة هلك وعن عدي بن حاتم بكسر التاء قال قال رسول الله ما منكم من أحد من مزيدة لاستغراق النفي والخطاب للمؤمنين إلا سيكلمه ربه أي بلا واسطة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال ليس بينه وبينه أي بين الرب والعبد ترجمان بفتح الفوقية وسكون الراء وضم الجيم ويجوز ضمه اتباعا على ما في نسخة وكزعفران على ما في القاموس أي مفسر للكلام بلغة عن لغة يقال ترجمت عنه والفعل يدل على أصالة التاء وفي التهذيب التاء أصلية وليست بزائدة والكلمة رباعية ولا حجاب أي حاجز وساتر ومانع بينه وبينه يحجبه أي يحجب ذلك العبد من ربه فينظر أي ذلك العبد أيمن منه أي من ذلك الموقف وقال شارح ضمير منه راجع إلى العبد قلت والمآل واحد والمعنى ينظر في الجانب الذي على يمينه فلا يرى إلا ما قدم من عمله أي عمله الصالح مصورا أو جزاءه مقدرا وينظر أشأم منه أي في الجانب الذي في شماله فلا يرى إلا ما قدم أي من عمله السيء والحاصل أن


النصب في أيمن وأشأم على الظرفية والمراد بهما اليمين والشمال فقيل نظر اليمين والشمال هنا كالمثل لأن الإنسان من شأنه إذا دهمه أمر أن يلتفت يمينا وشمالا لطلب الغوث وقال الحافظ العسقلاني ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أنه يترجى أن يجد طريقا يذهب فيها لتحصل له النجاة من النار فلا يرى إلا ما يفضي إلى النار وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه أي في محاذاته وعليها الصراط فاتقوا النار أي إذا عرفتم ذلك فاحذروا منها ولا تظلموا أحدا ولو بشق تمرة أو فتصدقوا ولو بشق تمرة أي ولو بمقدار نصفها أو ببعضها والمعنى ولو بشيء يسير منها أو من غيرها فإنه حجاب وحاجز بينكم وبين النار فإن الصدقة جنة ووسيلة إلى الجنة متفق عليه وفي الجامع اتقوا النار ولو بشق تمرة رواه الشيخان والنسائي عن عدي بن حاتم وأحمد عن عائشة والبزار والطبراني في الأوسط والضياء عن أنس والبزار أيضا عن النعمان بن بشير وعن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن ابن عباس وعن أبي أمامة ورواه أحمد والشيخان عن عدي مرفوعا اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله إن الله يدني المؤمن بضم الياء أي يقربه قرب كرامة لا قرب مسافة فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك والمؤمن في المعنى كالنكرة إذ لا عهد في الخارج ولا بعد أن يراد به الجنس فيضع عليه كنفه بفتحتين أي يحفظه مستعار من كنف الطائر وهو جناحه لأنه يحيط به نفسه ويصون به بيضته ويستره أي عن أهل الموقف كيلا يفتضح وقيل أي يظهر عنايته عليه ويصونه عن الخزي بين أهل الموقف كما يضع أحدكم كنف ثوبه أي طرفه على رجل إذا أراد صيانته وقصد حمايته وهذا تمثيل قيل هذا في عبد لم يغتب ولم يعب ولم يفضح أحدا ولم يشمت بفضيحة مسلم بل ستر على عباد الله الصالحين ولم يدع أحدا يهتك عرض أحد حي على ملأ من الناس فستره الله وجعله تحت كنف حمايته جزاء وفاقا من جنس عمله فيقول أتعرف ذنب


كذا أتعرف ذنب كذا في التكرير إشارة إلى التكثير وإيماء إلى أنه عالم بما في الضمير
فيقول نعم أي رب حتى قرره بذنوبه أي جعله مقرا بها بأن أظهرها له وألجأه إلى الإقرار بها ورأى في نفسه أي ظن المؤمن في باطنه أنه قد هلك أي مع الهالكين وليس له طريق مع الناجين وقال شارح أي علم الله في ذاته أنه هلك أي المؤمن ويجوز كون ضمير رأي للمؤمن والواو للحال قال أي الله تعالى سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطي كتاب حسناته أي بيمينه وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم بصيغة المجهول على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم أي بإثبات الشريك ونحوه ألا لعنة الله على الظالمين أي المشركين والمنافقين متفق عليه وعن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا كان يوم القيامة بالرفع أي وقع وحصل وفي نسخة بالنصب أي إذا كان الزمان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم أي موصوف بالإسلام مذكرا كان أو مؤنثا يهوديا أو نصرانيا أي واحدا من أهل الكتاب فأو للتنويع فيقول أي الله تعالى هذا أي الكتابي فكاكك بفتح الفاء ويكسر أي خلاصك من النار قال التوربشتي رحمه الله فكاك الرهن ما يفك به ويخلص والكسر لغة فيه قال القاضي رحمه الله لما كان لكل مكلف مقعد من الجنة ومقعد من النار فمن آمن حق الإيمان بدل مقعده من النار بمقعد من الجنة ومن لم يؤمن فبالعكس كانت الكفرة كالخلف للمؤمنين في مقاعدهم من النار والنائب منابهم فيها وأيضا لما سبق القسم الإلهي بملء جهنم كان ملؤها من الكفار خلاصا للمؤمنين ونجاة لهم من النار فهم في ذلك للمؤمنين كالفداء والفكاك ولعل تخصيص اليهود والنصارى بالذكر لاشتهارهما بمضادة المسلمين ومقابلتهما إياهم في تصديق الرسول المقتضي لنجاتهم اه وقيل عبر عن ذلك بالفكاك تارة وبالفداء أخرى على وجه المجاز والاتساع إذ لم يرد به تعذيب الكتابي بذنب المسلم لقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى فاطر رواه مسلم وفي الجامع


رواه مسلم عن أبي موسى بلفظ إذا كان يوم القيامة أعطى الله تعالى كل رجل من هذه الأمة رجلا من الكفار فيقال له هذا فداؤك من النار ورواه الطبراني في الكبير والحاكم في الكنى عن أبي موس
ولفظه إذا كان يوم القيامة بعث الله تعالى إلى كل مؤمن ملكا معه كافر فيقول الملك للمؤمن يا مؤمن هاك هذا الكافر فهذا فداؤك من النار وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله يجاء أي يؤتى بنوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعم يا رب وهذا لا ينافي قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب المائدة لأن الإجابة غير التبليغ وهي تحتاج إلى تفصيل لا يحيط بكنهه إلا علمه سبحانه بخلاف نفس التبليغ لأنه من العلوم الضرورية البديهية فتسأل أمته أي أمة الدعوة هل بلغكم أي نوح رسالتها فيقولون ما جاءنا من نذير أي منذر لا هو ولا غيره مبالغة في الإنكار توهما أنه ينفعهم الكذب في ذلك اليوم عن الخلاص من النار ونظيره قول جماعة من الكفار والله ربنا ما كنا مشركين الأنعام فيقال أي لنوح من شهودك وإنما طلب الله من نوح شهداء على تبليغه الرسالة أمته وهو أعلم به إقامة للحجة وإنافة لمنزلة أكابر هذه الأمة فيقول محمد وأمته والمعنى أن أمته شهداء وهو مزك لهم وقدم في الذكر للتعظيم ولا يبعد أنه يشهد لنوح عليه الصلاة والسلام أيضا لأنه محل النصرة وقد قال تعالى وإذا أخذ الله ميثاق النبيين إلى قوله لتؤمنن به ولتنصرنه آل عمران فقال رسول الله فيجاء بكم وفيه تنبيه نبيه أنه حاضر ناظر في ذلك العرض الأكبر فيؤتى بالرسل وأولهم نوح ويؤتى بشهوده وهم هذه الأمة فتشهدون أي أنتم أنه أي أن نوحا قد بلغ أي قومه رسالة ربه ونبيكم مزك لكم أو أنتم ونبيكم معكم تشهدون ففيه تغليب ثم قرأ رسول الله استشهادا بالآية الدالة على العموم في مادة الخصوص وكذلك جعلناكم أمة وسطا قيل أي عدولا وخيارا لأنهم لم يغلوا غلو النصارى ولا


قصروا تقصير اليهود في حق أنبيائهم بالتكذيب والقتل والصلب وقد صح عنه تفسير الوسط بالعدل ففي النهاية يقال هو من وسط قومه أي خيارهم لتكونوا شهداء على الناس أي على من قبلكم من الكفار ويكون الرسول أي رسولكم واللام للعوض أو اللام للعهد والمراد به محمد عليكم شهيدا أي مطلعا ورقيبا عليكم وناظرا لأفعالكم ومزكيا لأقوالكم
قال الطيبي رحمه الله فإن قلت كيف قال محمد وأمته وقد قال تعالى لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا مقدما صلة الشهادة ليفيد اختصاصهم بشهادته عليهم للزوم المضرة قلت الكلام وارد في مدح الأمة فالغرض هنا أنه يزكيهم فضمن شهد معنى رقب لأن العدول تحتاج إلى رقيب يحفظ أحوالهم ليطلع عليها ظاهرا وباطنا فيزكيهم ولما كانوا هم العدول من بين سائر الأمم خصهم الله بكون الرسول عليهم شهيدا أي رقيبا مزكيا وهذا لا يدل على أنه لا يشهد على سائر الأمم مع أن مزكي الشاهد أيضا شاهد أقول الأظهر أن معنى الآية هو أن الأمة يشهدون على الأمم السابقة وأنه يشهد على هذه الأمة وأن الأنبياء بأجمعهم يشهدون على الكل والله سبحانه وتعالى أعلم ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن أبي سعيد في قوله لتكونوا شهداء على الناس بأن الرسل قد بلغوا ويكون الرسول عليكم شهيدا بما علمتم رواه البخاري وكذا الترمذي والنسائي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد قال قال رسول الله يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم هذا فيقولون لا فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيقال من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيدعي محمد وأمته فيقال لهم هل بلغ هذا قومه فيقولون نعم فيقال وما علمكم فيقولون جاء نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك قوله وكذلك جعلناكم


أمة وسطا الآية وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر عن النبي قال أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد إلا ودانه منا وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ربه وعن أنس قال كنا عند رسول الله فضحك فقال هل تدرون مما أضحك فيه إيماء إلى أنه لا ينبغي الضحك إلا لأمر غريب وحكم عجيب قال أي جابر قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الاجارة أي ألم تجعلني في اجارة منك بقولك وما ربك بظلام للعبيد من الظلم والمعنى ألم تؤمني من


أن تظلم علي قال أي النبي يقول أي الله تعالى في جواب العبد بلى قال فيقول فإني أي فإذا أجرتني من الظلم فإني لا أجيز بالزاي المعجمة أي لا أجوز ولا أقبل على نفسي إلا شاهدا مني أي من جنسي لأن الملائكة شهدوا علينا بالفساد قبل الايجاد قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا نصبه على الحال وعليك معموله تقدم عليه للاهتمام والاختصاص والباء زائدة في فاعل كفى واليوم ظرف له أو لشهيد وبالكرام أي وكفى بالعدول المكرمين الكاتبين أي لصحف الأعمال شهودا قال الطيبي رحمه الله فإن قلت دل أداة الحصر على أن لا يشهد عليه غيره فكيف أجاب بقوله كفى بنفسك وبالكرام الكاتبين قلت بذل مطلوبه وزاد عليه تأكيدا وتقريرا قال فيختم بصيغة المجهول على فيه أي فمه ومنه قوله تعالى اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون يس وفي آية أخرى يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون النور وفي رواية أخرى شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم فصلت وهذا معنى قوله فيقال لأركانه أي لأعضائه وأجزائه انطقي قال فتنطق أي الأركان بأعماله أي بأفعاله التي باشرها بها وارتكبها بسببها ثم يخلي أي يترك بينه وبين الكلام أي يرفع الختم من فيه حتى يتكلم بالكلام العادي فشهادة ألسنتهم في الآية يراد بها نوع آخر من الكلام على خرق العادة والله تعالى أعلم به قال فيقول أي العبد بعدا لكن وسحقا بضم فسكون ويضم أي هلاكا وهما مصدران ناصبهما مقدر والخطاب للأركان أي أبعدن وأسحقن فعنكن أي عن قبلكن ومن وجهتكن ولأجل خلاصكن كنت أناضل أي أجادل وأخاصم وأدافع على ما في النهاية وقال شارح أي أخاصم لخلاصكن وأنتن تلقين أنفسكن فيها والمناضلة المراماة بالسهام والمراد هنا المحاجة بالكلام يقال تناضل فلان عن فلان إذا تكلم عنه بعذر ودفع قلت وجوابهن محذوف دل عليه قوله تعالى وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو


خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلك ظنكم الذي بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فصلت و رواه مسلم وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سعيد أن رسول الله قال إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم فيقال هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول كذبوا فيقال أهلك وعشيرتك فيقول كذبوا فيقال احلفوا فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ثم يدخلهم النار


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قالوا أي بعض الصحابة يا رسول الله هل نرى ربنا الاستفهام للاستخبار والاستعلام يوم القيامة قيد به للإحماع على أنه تعالى لا يرى في الدنيا لأن الذات الباقية لا ترى بالعين الفانية قال هل تضارون بضم التاء وتفتح وتشديد الراء على أنه من باب المفاعلة أو التفاعل من الضرر والاستفهام للتقرير وهو حمل المخاطب على الإقرار والمعنى هل يحصل لكم تزاحم وتنازع يتضرر به بعضكم من بعض في رؤية الشمس أي لأجل رؤيتها أو عندها في الظهيرة وهي نصف النهار وهو وقت ارتفاعها وظهورها وانتشار ضوئها في العالم كله ليست أي الشمس في سحابة أي غيم تحجبها عنكم قالوا لا قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة قالوا لا قال فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما قال النووي رحمه الله روي تضارون بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما وفي الرواية الأخرى هل تضامون بتشديد الميم وتخفيفها فمن شددها فتح التاء ومن خففها ضمها وفي رواية البخاري لا تضارون أو لا تضامون على الشك قال القاضي البيضاوي رحمه الله وفي تضارون المشدد من الضرر والمخفف من الضير أي تكون رؤيته تعالى رؤية جلية بينة لا تقبل مراء ولا مرية فيخالف فيها بعضكم بعضا ويكذبه كما لا يشك في رؤية أحدهما يعني الشمس والقمر ولا ينازع فيها فالتشبيه إنما وقع في الرؤية باعتبار جلائها وظهورها بحيث لا يرتاب فيها ولا في سائر كيفياتها ولا في المرئي فإنه سبحانه منزه عن الجسمية وعما يؤدي إليها وفي تضامون بالتشديد من الضم أي لا ينضم بعضكم إلى بعض في طلب رؤيته لإشكاله وخفائه كما يفعلون في الهلال أو لا يضمكم شيء دون رؤيته فيحول بينكم وبينها وبالتخفيف من الضيم أي لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعض دون بعض بل يستوون فيها وأصله تضيمون فنقلت فتحة الياء إلى الضاد فصارت ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها وكذلك تضارون


بالتخفيف وأما المشدد فيحتمل أن يكون مبنيا للفاعل على معنى لا تضارون أي تتنازعون في رؤيته هذا وقال الطيبي قوله إلا كما تضارون كان الظاهر أن يقال لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما ولكنه أخرج مخرج قوله
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قاع الكائب أي لا تشكون فيه إلا كما تشكون في رؤية القمرين وليس في رؤيتهما شك فلا تشكون فيها البتة قال أي النبي فيلقى أي الرب العبد أي عبدا من عباده فيقول أي فل بضم الفاء وسكون اللام وتفتح وتضم أي فلان ففي النهاية معناه يا فلان وليس ترخيما له لأنه لا يقال إلا بسكون اللام ولو كان ترخيما لفتحوها أو ضموها قلت وقيل فلا كما يقال سعي في سعيد قال سيبويه ليست ترخيما وإنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء وقد جاء في غير النداء قال في لجة أمسك فلان عن فل بكسر اللام للقافية وإنما قيل ليس مرخما لأن شرط مثله أن يبقى بعد حذف النون والألف ثلاثة أحرف كمروان وقال قوم أنه ترخيم فلان فحذفت النون للترخيم والألف لسكونها ويفتح اللام ويضم على مذهبي الترخيم ألم أكرمك أي ألم أفضلك على سائر الحيوانات وأسودك أي ألم أجعلك سيدا في قومك وأزوجك أي ألم أعطك زوجا من جنسك ومكنتك منها وجعلت بينك وبينها مودة ورحمة ومؤانسة وألفة وأسخر لك الخيل والإبل أي ألم أذللها لك وخصتا بالذكر لأنهما أصعب الحيوانات وأذرك أي ألم أذرك والمعنى ألم أدعك ولم أمكنك على قومك ترأس أي تكون رئيسا على قومك والجملة حال وتربع أي تأخذ رباعهم وهو ربع الغنيمة وكان ملوك الجاهلية يأخذونه لأنفسهم فيقول بلى أي في كل أو في الكل قال فيقول أي الرب أفظننت أي أفعلمت أنك ملاقي بضم الميم وتشديد الياء المحذوفة العائدة بحذف التنوين والثانية ياء المتكلم المضاف إليه فيقول لا فيقول فإني قد أنساك أي اليوم أتركك من رحمتي كما نسيتني أي في الدنيا من طاعتي قال الطيبي رحمه الله هو مسبب عن قوله أفظننت أنك ملاقي يعني


سودتك وزوجتك وفعلت بك من الاكرام حتى تشكرني وتلقاني لأزيد في الإنعام وأجازيك عليه فلما نسيتني في الشكر نسيناك وتركنا جزاءك وعليه قوله تعالى كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى طه ونسبة النسيان ءلى الله تعالى إما مشاكلة أو مجاز عن الترك ثم يلقى أي الرب الثاني أي من العبيد فذكر مثله أي قال الراوي ذكر في الثاني مثل ما ذكر في الأول من سؤال الله تعالى اله وجوابه ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني أي يمدح الثالث على نفسه بخير ما استطاع فيقول أي الرب ههنا إذا بالتنوين قال الطيبي رحمه الله إذا جواب وجزاء والتقدير إذا أثنيت على نفسك بما أثنيت إذا فأثبت هنا كي نريك أعمالك


بإقامة الشاهد عليها وقال شارح أي يقول إذا تجزى بأعمالك ههنا وقال ابن الملك أي أقر الثالث بظنه لقاء الله تعالى وعد أعماله الصالحة فيقول ههنا إذا أي قف في هذا الموضع إذا ذكرت أعمالك حتى تتحقق خلاف ما زعمت ثم يقال الآن نبعث شاهدا عليك ويتفكر أي العبد الثالث في نفسه من ذا الذي يشهد علي حال تقديره يتفكر في نفسه قائلا من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه أي فمه فيقال وفي نسخة ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه أي المتعلقة بفخذه بعمله وذلك أي انطاق أعضائه أو بعث الشاهد عليه وقال الطيبي رحمه الله أشار إلى المذكور من السؤال والجواب وختم الفم ونطق الفخذ وغيره ليعذر من نفسه قال التوربشتي رحمه الله ليعذر على بناء الفاعل من الأعذار والمعنى ليزيل الله عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه بحيث لم يبق له عذر يتمسك به وقيل ليصير ذا عذر في تعذيب من قبل نفس العبد وذلك أي العبد الثالث المنافق وذلك الذي سخط بكسر الخاء أي غضب الله عليه رواه مسلم وذكر حديث أبي هريرة يدخل من أمتي الجنة صوابه على ما سبق يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون في باب التوكل برواية ابن عباس فكأن البغوي رحمه الله ذكر الحديث مكررا بإسنادين أحدهما هنا عن أبي هريرة والآخر هناك عن ابن عباس فحذف صاحب المشكاة ما هنا وأشار إلى أنه ذكر سابقا برواية ابن عباس تنبيها على ذلك فاندفع ما يتوهم من التدافع بين قوله حديث أبي هريرة وقوله برواية ابن عباس
الفصل الثاني
عن أبي أمامة أي الباهلي قال سمعت رسول الله يقول وعدني ربي أن يدخل الجنة من الادخال لقوله سبعين ألفا والمراد به إما هذا العدد أو الكثرة قال


الأزهري سبعين في قوله تعالى أن تستغفر لهم سبعين مرة جمع السبع الذي يستعمل للكثرة ألا ترى أنه لو زاد على السبعين لم يغفر لهم لا حساب عليهم أي لا مناقشة لهم في المحاسبة ولا عذاب أي بالأولى أو لا عذاب مما يترتب على الحساب مع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات بفتح الحاء والمثلثة جمع حثية من حثيات ربي قال شارح الحثية والحثوة يستعمل فيما يعطيه الإنسان بكفيه دفعة واحدة من غير وزن وتقدير ثم تستعار لما يعطى من غير تقدير واضافة الحثيات إلى ربه تعالى للمبالغة في الكثرة قال صاحب النهاية الحثيات كناية عن المبالغة والكثرة وإلا فلا كف ثمة ولا حثي جل الله عن ذلك ثم قوله وثلاث مرفوع عطف على سبعون وهو أقرب وقيل منصوب عطفا على سبعين أي وأن يدخل ثلاث قبضات من قبضاته أي عددا غير معلوم والمعنى يكون مع هذا العدد المعلوم عدد كثير غير معلوم أو المراد منهما جميعا المبالغة في الكثرة قال الأشرف يحتمل النصب عطفا على قوله سبعين ألفا والرفع عطفا على قوله سبعون ألفا والرفع أظهر في المبالغة إذ التقدير مع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات بخلاف النصب ويستعمل فيما يعطيه المعطي بكفيه دفعة واحدة وقد جيء به ههنا على وجه التمثيل وأريد بها الدفعات أي يعطي بعد هذا العدد المنصوص عليه ما يخفى على العادين حصره وتعداده فإن عطاءه الذي لا يضبطه الحساب أوفى وأربى من النوع الذي يتداخله الحساب قلت ويمكن حمله على التجلي الصوري والله أعلم بالصواب رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وعن الحسن أي البصري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يعرض الناس أي على الله يوم القيامة ثلاث عرضات بفتحتين قيل أي ثلاث مرات فأما المرة الأولى فيدفعون عن أنفسهم ويقولون لم يبلغنا الأنبياء ويحاجون الله تعالى وفي الثانية يعترفون ويعتذرون بأن يقول كل فعلته سهوا وخطأ أو جهلا أو رجاء ونحو ذلك وهذا معنى قوله فأما عرضتان فجدال ومعاذير جمع معذرة ولا يتم


قضيتهم في المرتين بالكلية وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف كذا هو في سنن الترمذي وجامع الأصول وفي نسخ المصابيح تطاير أي تتطاير الصحف وهو بضمتين جمع الصحيفة وهو
المكتوب وقال شارح للمصابيح تطاير الصحف أي تفرقها إلى كل جانب فروايته بالمصدر وأما على رواية غيره فبالمضارع أي يسرع وقوعها في الأيدي أي أيدي المكلفين جميعا فآخذ بيمينه وآخذ بشماله الفاء تفصيلية أي فمنهم آخذ بيمينه وهو من أهل السعادة ومنهم آخذ بشماله وهو من أهل الشقاوة فحينئذ تتم قضيتهم على وفق البداية ويتميز أهل الضلالة من أهل الهداية رواه أحمد والترمذي وقال أي الترمذي لا يصح هذا الحديث من قبل بكسر ففتح أي من جهة أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة أي فإسناده منقطع غير متصل لكن قال الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح أن البخاري أخرج في صحيحه الحسن عن أبي هريرة ثلاثة أحاديث وبينها قال وأما مسلم فلم يخرج للحسن عن أبي هريرة شيئا نقله ميرك أقول ولا يلزم من عدم إخراج مسلم حديثه عنه أنه لا يصح إسناده إذ شرط البخاري وهو تحقق اللقى ولو مرة أقوى من شرط مسلم وهو مجرد وجود المعاصرة وقد رواه أي هذا الحديث بعضهم أي بعض المخرجين عن الحسن عن أبي موسى يعني فالحديث متصل من طريقه واعتضد بإسناده فإن المؤلف ذكر في أسماء رجاله أن الحسن روى عن الصحابة كأبي موسى وأنس بن مالك وابن عباس وغيرهم وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله إن الله سيخلص بتشديد اللام أي يختار رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر بضم الشين المعجمة أي فيفتح عليه تسعة وتسعين سجلا بكسرتين فتشديد أي كتابا كبيرا كل سجل مثل مد البصر أي كل كتاب منها طوله وعرضه مقدار ما يمتد إليه بصر الإنسان ثم يقول أي الرب أتنكر من هذا أي المكتوب شيئا أي مما لا تفعله أظلمك كتبتي بفتحات جمع كاتب والمراد الكرام الكاتبون الحافظون أي لأعمال بني آدم فيقول لا يا رب جواب لهما جميعا أو


لكل منهما فيقول أفلك عذر أي فيما فعلته من كونه سهوا أو خطأ أو جهلا ونحو ذلك قال لا يا رب فيقول بلى أي لك عندنا ما يقوم مقام عذرك إن لك عندنا
حسنة أي واحدة عظيمة مقبولة تمحو جميع ما عندك قال تعالى وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما النساء وإذا قال الله جل جلاله ولا إله غيره لشيء عظيم فهو عظيم وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه لئن كانت لي حسنة عند الله كفتني وإنه أي الشأن لا ظلم عليك اليوم لعله مقتبس من قوله تعالى اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم غافر أي بنقصان أجر لك ولا بزيادة عقاب عليك بل لا حكم إلا لله وهو إما بالعدل وإما بالفضل فتخرج بصيغة المجهول أي فتظهر بطاقة بكسر الباء أي رقعة صغيرة ثبت فيها مقدار ما به ويجعل في الثوب إن كان عينا فوزنه أو عدده وإن كان متاعا فثمنه أو قيمته وقيل سميت بذلك لأنها تشد بطاقة من هدب الثوب فتكون التاء حينئذ زائدة وهي كلمة كثيرة الاستعمال بمصر ويروى بالنون وهو غريب فيها أي مكتوب في البطاقة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله يحتمل أن الكلمة هي أول ما نطق بها واختلف العلماء في أن الإقرار شرط الإيمان أو شطره ويحتمل أن تكون غير تلك المرة مما وقعت مقبولة عند الحضرة وهو الأظهر في مادة الخصوص من عموم الأمة فيقول احضر وزنك أي الوزن الذي لك أو وزن عملك أو وقت وزنك أو آلة وزنك وهو الميزان ليظهر لك انتفاء الظلم وظهور العدل وتحقق الفضل فيقول يا رب ما هذه البطاقة أي الواحدة مع هذه السجلات أي الكثيرة وما قدرها بجنبها ومقابلتها فيقول إنك لا تظلم أي لا يقع عليك الظلم لكن لا بد من اعتبار الوزن كي يظهر أن لا ظلم عليك فاحضر الوزن قيل وجه مطابقة هذا جوابا لقوله ما هذه البطاقة أن اسم الإشارة للتحقير كأنه أنكر أن يكون مع هذه البطاقة المحقرة موازنة لتلك السجلات فرد بقوله إنك لا تظلم بحقيرة أي لا تحقر هذه فإنها عظيمة عنده سبحانه إذ لا يثقل


مع اسم الله شيء ولو ثقل عليه شيء لظلمت قال فتوضع السجلات في كفة بكسر فتشديد أي فردة من زوجي الميزان ففي القاموس الكفة بالكسر من الميزان معروف ويفتح والبطاقة أي وتوضع في كفة أي في أخرى فطاشت السجلات أي خفت وثقلت البطاقة أي رجحت والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه ففي الدر أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه تلا هذه الآية يعني إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما النساء فقال لأن تفضل حسناتي على سيئاتي مثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم هذا الحديث يحتمل أن تكون البطاقة وحدها غلبت السجلات وهو الظاهر المتبادر ويحتمل أن تكون مع سائر أعماله الصالحة ولكن الغلبة ما حصلت إلا ببركة هذه البطاقة فلا يثقل بالرفع وفي بعض النسخ بالجزم لا يظهر وجهه بحسب المعنى أي فلا يرجح ولا يغلب مع اسم الله شيء والمعنى لا يقاومه شيء من المعاصي بل يترجح ذكر الله تعالى على جميع المعاصي قال تعالى إ


الحسنات يذهبن السيئات هود ولذكر الله أكبر العنكبوت فإن قيل الأعمال أعراض لا يمكن وزنها وإنما توزن الأجسام أجيب بأنه يوزن السجل الذي كتب فيه الأعمال ويختلف باختلاف الأحوال أو أن الله يجسم الأفعال والأقوال فتوزن فتثقل الطاعات وتطيش السيئات لثقل العبادة على النفس وخفة المعصية عليها ولذا ورد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات رواه الترمذي وابن ماجه وعن عائشة رضي الله تعالى عنها إنها ذكرت أي في نفسها النار أي نار جهنم فبكت أي خوفا منها فقال رسول الله ما يبكيك أي ما سبب بكائك قالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة فقال رسول الله أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا أي بالخصوص وأما الشفاعة العظمى فهي عامة للخلائق كلها عند الميزان قال أهل الحق الميزان حق قال تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة الأنبياء يوضع ميزان يوم القيامة يوزن به الصحائف التي يكوت مكتوبا فيها أعمال العباد وله كفتان إحداهما للحسنات والأخرى للسيئات وعن الحسن له كفتان ولسان ذكره الطيبي رحمه الله حتى يعلم أي كل أحد أيخف ميزانه أم يثقل ظاهره أنه يعم كل أحد ولا يستثنى منه نبي ولا مرسل وعند الكتاب أي نطايره أو عند عطائه حين يقال أي يقول من يعطي بيمينه هاؤم أي خذوا اقرؤوا كتابيه تنازع فيه الفعلان والهاء للسكت لبيان ياء الإضافة حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله من وراه ظهره كذا في سنن أبي داود وبعض نسخ المصابيح وفي أكثرها أو من وراء ظهره وفي جامع الأصول أم بدل أو والأول أولى وأوفق للجمع بين معنى الآيتين فأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه الحاقة وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا الانشقاق الكشاف قيل يغل يمناه إلى عنقه وتجعل شماله وراء ظهره ويؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره وقيل تخلع يده اليسرى من وراء ظهره كذا ذكره الطيبي رحمه


الله وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم أي وسطها وفوقها والمعنى حتى يعلم أنه نجا بالمرور منها والورود عنها أو وقع وسقط وزل فيها قال تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا مريم و قال النووي رحمه الله مذهب أهل الحق أنه جسر ممدود على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم فالمؤمنون ينجون على حسب أعمالهم ومنازلهم والأخرون يسقطون فيها عافانا الله الكريم والمتكلمون من أصحابنا والسلف يقولون أنه أدق من الشعر وأحد من السيف وهكذا جاء في رواية أبي سعيد رواه أبو داود قال السيد جمال الدين رحمه الله أي عن الحسن البصري رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها وهو منقطع
الفصل الثالث
عن عائشة قالت جاء رجل فقعد بين يدي رسول الله أي قدامه فقال يا رسول الله إن لي مملوكين بكسر الكاف أي مماليك وهو يحتمل الذكور والإناث ففيه تغليب يكذبونني أي يكذبون في أخبارهم لي ويخونونني أي في مالي ويعصونني أي في أمري ونهيي وأشتمهم بكسر التاء ويضم ففي المصباح شتم من باب ضرب وفي القاموس من باب نصر أيضا أي أسبهم وأضربهم أي ضرب تأديب فكيف أنا منهم أي كيف يكون حالي من أجلهم وبسببهم عند الله تعالى فقال رسول لله إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك أي مقدارها وعقابك عطف على ما خانوك أي ويحسب أيضا قدر شتمك وضربك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم أي عرفا وعادة كان أي أمرك كفافا بفتح الكاف ففي القاموس كفاف الشيء كسحاب مثله ومن الرزق ما كف عن الناس وأغنى وفي النهاية الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه وهذا هو الأنسب بالمقام ولذا قال بيانا له لا لك ولا عليك أي ليس لك فيه ثواب ولا عليك فيه عقاب بل فعله مباح ليس عليك جناح فإن وفي نسخة وإن كان


عقابك إياهم دون ذنبهم أي أقل منه كان فضلا لك أي عليهم فإن قصدت الثواب تجز به وإلا فلا وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم بالجمع هنا وبالإفراد فيما سبق المراد منه الجنس تفنن في الكلام أي أكثر منها اقتص بصيغة المجهول أي أخذ بمثله لهم أي لأجلهم منك الفضل أي الزيادة فتنحى الرجل أي بعد عن المجلس وجعل يهتف بكسر التاء أي شرع يصيح ويبكي فقال له رسول الله أما تقرأ قول الله تعالى ونضع الموازين القسط أي ذوات القسط وهو العدل ليوم القيامة أي لفي ذلك اليوم فاللام للتوقيت فلا تظلم نفس شيئا أي قليلا من الظلم وإن كان وأي العمل والظلم مثقال حبة أي مقدارها وهو بالنصب عد الجمهور على إن كان ناقصة ورفع مثقال على كان التامة من خردل أتينا بها أي أحضرناها والضمير للمثال وتأنيثه لإضافته إلى الحبة وكفى بنا حاسبين إذ لا مزيد على علمنا ووعدنا فقال الرجل يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء أي المملوكين قال الطيبي رحمه الله الجار والمجرور هو المفعول الثاني شيئا أي مخلصا خيرا من مفارقتهم أي من مفارقتي إياهم لأن المحافظة على مراعاة المحاسبة والمطالبة عسر جدا أشهد أنهم كلهم بالنصب على التأكيد ويجوز رفعه على الابتداء والخبر قوله أحرار ونظيره قوله تعالى قل إن الأمر كله لله آل عمران حيث قرىء بالوجهين في السبعة رواه الترمذي وعنها أي عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله يقول في بعض صلواته أي من الفرائض أو النوافل أو في بعض أجزائها من أول القيام أو الركوع أو القومة أو السجود أو القعدة اللهم حاسبني حسابا يسيرا وهذا إما تعليم للأمة وتنبيه لهم عن نوم الغفلة وإما تلذذ بما يقع له من هذه النعمة وأما خشية له كما يقتضيه مقامه من معرفة رب العزة وذهوله عن مرتبة النبوة ومنزلة العصمة قلت يا نبي الله ما الحساب اليسير قال أن ينظر أي العبد في كتابه فيتجاوز بالرفع وينصب أي الله عنه وفي نسخة بصيغة المجهول


فيهما فإنه أي الشأن من نوقش الحساب بالنصب على نزع الخافض أي في المحاسبة والمضايقة في المطالبة يومئذ يا عائشة هلك أي عذب ففي الصحاح المناقشة الاستقصاء وفي الحديث من نوقش في الحساب عذب وقد تقدم بعض طرقه رواه أحمد قال السيد وابن ماجه وأصله في صحيح البخاري قلت وفي الدر أخرجه أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه أتى رسول الله فقال أخبرني من يقوى أي يقدر على القيام أي على الوقوف للحساب بين يدي الله سبحانه و تعالى يوم القيامة الذي قال الله عز وجل أي في حقه فالموصول صفة ليوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين قال الطيبي رحمه الله بدل من قوله ليوم عظيم أي يوم يتجلى سبحانه بجلاله وهيبته ويظهر سطوات قهره على الجبارين وروي أن ابن عمر قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله يوم يقوم الناس لرب العالمين بكى نحيبا ولم يقدر على قراءة ما بعده فقال يخفف أي يوم القيامة على المؤمن أي الكامل أو المصلي حتى يكون أي طوله عليه كالصلاة المكتوبة أي كمقدار أدائها أو قدر وقتها والظاهر أنه يختلف باختلاف أحوال المؤمنين كما أشار إليه سبحانه بقوله تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة المعارج فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا المعارج وبقوله فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير المدثر فمفهومه أنه على المؤمنين يصير يسيرا أما في الكمية وأما في الكيفية وأما فيهما جميعا حتى بالنسبة إلى بعضهم يكون هو كساعة وهم من جعلوا الدنيا ساعة وكسبوا فيها طاعة وعنه أي عن أبي سعيد رضي الله عنه قال سئل رسول الله عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما طول هذا اليوم أي ما حال الناس في طول هذا اليوم فهل يستطيعون القيام فيه مع طوله فقال والذي نفسي بيده إنه أي الشأن ليخفف على المؤمن


أي الكامل حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة أي من أدائها أو قيامها يصليها في الدنيا رواهما أي الحديثين البيهقي في كتاب البعث والنشور وعن أسماء بنت يزيد أي ابن السكن بفتحتين عن رسول الله قال يحشر الناس في صعيد أي مكان واحد يوم القيامة فنادى وفي نسخة فينادي مناد فيقول أين الذين كانت تتجافى جنوبهم أي تتنحى وتتباعد عن المضاجع وفي الإسناد مجاز ومبالغة لا تخفى إشارة إلى قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم أي داعين ربهم عابدين له خوفا وطمعا أي من سخطه وفي رحمته أو من ناره وفي جنته ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون السجدة واختلف في المراد بهم فقيل هم المجتهدون وقيل هم الأوابون ويحتمل أن يراد بهم من يصلي العشاء والصبح في جماعة فيقومون أي فيظهرون القيام ويتميزون عن سائر الأنام وهم قليل أي من أهل الإسلام قال تعالى كانوا قليلا من الليل ما يهجعون الذاريات وقال عز وجل إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ص وقليل من عبادي الشكور سبأ فيدخلون الجنة يحتمل صيغتي الفاعل والمفعول بغير حساب لأنهم صبروا على مرارة الطاعة وترك لذة الراحة وقد قال سبحانه إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب ثم يؤمر بسائر الناس إلى الحساب أي المحاسبة والمناقشة والعذاب رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب الحوض والشفاعة
قال القرطبي له حوضان أحدهما في الموقف قبل الصراط والثاني في الجنة وكلاهما يسمى كوثرا والكوثر في كلامهم الخير الكثير ثم الصحيح أن الحوض قبل الميزان فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم فيقدم الحوض قبل الميزان وكذا حياض الأنبياء في الموقف قلت وفي الجامع أن لكل نبي حوضا وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة رواه الترمذي عن سمرة وقال الراغب الشفع ضم الشيء إلى مثله ومنه الشفاعة وهو الانضمام إلى آخر ناصرا له وساترا عنه وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى منه والشفاعة في القيامة

الفصل الأول
عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله بينا أنا أسير في الجنة إذا بالألف أنا بنهر بفتح الهاء ويسكن أي جدول حافتاه بفتح الفاء أي جانباه وطرفاه قباب الدر بكسر القاف جمع قبة بالضم أي خيم اللؤلؤ المجوف الذي له جوف وفي وسطه خلاء يسكن فيه قلت ما هذا يا جبريل أي النهر المذكور على الوصف المسطور قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك إشارة إلى قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر الكوثر وهو فوعل من الكثرة والمراد منه الخير الكثير الذي أعطاه ربه من القرآن أو النبوة أو كثرة الأمة أو سائر المراتب العلية ومنها المقام المحمود واللواء الممدود والحوض المورود ولا منافاة بل الكل داخل في الكوثر وإن كان اشتهاره في معنى الحوض أكثر فإذا طينه مسك أذفر أي شديد الرائحة قال الطيبي رحمه الله أي طيب الريح والذفر بالتحريك يقع على الطيب والكريه ويفرق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به رواه البخاري وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بالواو قال قال رسول الله حوضي أي مقداره مسيرة شهر وزواياه جمع زاوية وهي الجانب والناحية أي أطراف حوضي سواء أي مربع مستو لا يزيد طوله على عرضه وقيل عمقه أيضا ماؤه استئناف بيان أبيض من اللبن قال النووي رحمه الله النحويون يقولون لا يبنى فعل التعجب وأفعل


التفضيل من الألوان والعيوب بل يتوصل إليه بنحو أشد وأبلغ فلا يقال ما أبيض زيدا ولا زيد أبيض من عمرو وهذا الحديث يدل على صحة ذلك وحجة على مانعيه وهي لغة وإن كانت قليلة الاستعمال وريحه أطيب من المسك وكيزانه جمع كوز كنجوم السماء أي في الكثرة والنورانية من يشرب بالرفع وفي نسخة بالجزم قال الطيبي رحمه الله يجوز أن يكون مرفوعا على أن من موصولة ومجزوما على أنها شرطية وقوله منها أي من كيزانه وفي رواية منه أي من الحوض أو من مائة فلا يظمأ برفع الهمز وقيل بالجزم أي فلا يعطش أبدا فيكون شربه في الجنة تلذذا كأكله تنعما لقوله تعالى إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحي طه متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إن حوضي أي بعد ما بين طرفي حوضي أبعد من أيلة بفتح فسكون تحتية أي أزيد من بعد أيلة وهي بلدة على الساحل من آخر بلاد الشام مما يلي بحر اليمن من عدن بفتحتين يصرف ولا يصرف وهو آخر بلاد اليمن مما يلي بحر الهند قال الطيبي رحمه الله من الأولى متعلقة بأبعد والثانية متعلقة ببعد مقدر ثم التوفيق بين هذا الحديث وبين الخبر الآتي ما بين عدن وعمان وهو بفتح المهملة وتشديد الميم اسم بلد بالشام وما بين صنعاء والمدينة ونحو ذلك بأن ذلك الإخبار على طريق التقريب لا على سبيل التحديد والتفاوت بين اختلاف أحوال السامعين في الاحاطة به علما قال القاضي رحمه الله اختلاف الأحاديث في مقدار الحوض لأنه قدره على سبيل التمثيل والتخمين لكل أحد على حسب ما رواه وعرفه لهو بضم الهاء ويسكن واللام للابتداء أي لحوضي أشد بياضا من الثلج ولعله رأى الثلج في أرض الشام وأحلى أي ألذ من العسل باللبن أي المخلوط به ولآنيته جمع إناء أي ولظروفه من كيزانه وغيرها أكثر من عدد النجوم وإني لأصد أي أدفع وأمنع الناس أي المنافقين والمرتدين عنه أي الحوض كما يصد الرجل أي الراعي إبل الناس أي الأجانب عن حوضه أي


صيانة عن المشاركة والمخالطة قالوا أي بعض الصحابة أتعرفنا أي تميزنا من
غيرنا يومئذ قال نعم لكم سيما بالقصر وقد يمد وهو العلامة قال تعالى سيماهم في وجوههم من أثر السجود الفتح ليست أي تلك السيما لأحد من الأمم إذ المقصود التمييز بمنزلة العلم تردون بكسر الراء من الورود أي تمرون علي غرا جمع الأغر وهو من في جبهته بياض محجلين بتشديد الجيم المفتوحة جمع محجل وهو الذي في يديه ورجليه بياض من أثر الوضوء بضم الواو أي استعماله وفي نسخة بالفتح أي ماء الوضوء ونصبهما على الحال والظاهر أن المراد بالسيما ما ذكر من الوصفين فهما من مختصات هذه الأمة وإن كان الخلاف موجودا في كون الوضوء هل كان لسائر الأنبياء وأممهم أو لا وإنما كان لهذه الأمة وقال بعضهم وكان أيضا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام دون أممهم وفي هذا فضيلة عظمى ومرتبة كبرى للأمة المرحومة رواه مسلم أي عن أبي هريرة وفي رواية له أي لمسلم عن أنس قال ترى بصيغة المجهول فيه أي في حوضي أباريق الذهب والفضة لعل اختلاف الوصفين باختلاف مراتب الشاربين من الأولياء والصالحين كعدد نجوم السماء أي من كثرتها وفي أخرى له أي وفي رواية أخرى لمسلم عن ثوبان قال سئل أي النبي على ما هو الظاهر من السياق عن شرابه أي صفة مشروبه فقال أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل يغت بضم الغين المعجمة وتكسر وبتشديد الفوقية أي يصب ويسيل فيه أي في الحوض ميزابان قال القاضي رحمه الله أي يدفق دفقا متتابعا دائما بقوة فكأنه من ضغط الماء لكثرته عند خروجه وأصل الغت الضغط والميزاب بكسر الميم وقال الحافظ أبو موسى بفتحها أيضا من وزب الماء أي سال فأصل ميزاب موزاب قلبت الواو ياء


لسكونها وانكسار ما قبلها ولا يظهر وجه فتح الميم ففي القاموس أزب الماء كضرب جري ومنه الميزاب أو هو فارسي معرب أي بل الماء فعلى هذا يجوز أن يهمز الميزاب وأن يبدل همزه ياء وقال أيضا وزب الماء سال ومنه الميزاب أو هو فارسي معرب ومعناه بل الماء فعربوه بالهمز ولهذا جمعوه مآزيب يمدانه بضم الميم وفي نسخة بضم الياء وكسر الميم أي يزيدان الحوض في مائه من الجنة أي من أنهارها أو من الحوض الذي له في الجنة المعبر عنه بالنهر الكوثر أحدهما من ذهب والآخر من ورق بكسر الراء ويسكن أي من فضة والقصد بهما الزينة باختلاف لون الأصفر والأبيض لا لكون الذهب عزيز الوجود هناك قياسا على ما في الدنيا ويمكن أن يكون ميزاب الذهب من نهر العسل وميزاب الفضة من نهر اللبن أو أحدهما من الماء والآخر من العسل أو اللبن يخلط به في الحوض والله تعالى أعلم وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله إني فرطكم بفتحتين أي سابقكم ومقدمكم على الحوض قال النووي رحمه الله الفرط بفتح الفاء والراء وهو الفارط الذي يتقدم الوارد يصلح لهم الحياض والدلاء والأرشية وغيرها من أمور الاستقاء فمعناه أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيء لكم من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا قال القاضي عياض رحمه الله ظاهر هذا الحديث يدل على أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار ليردن من الورود أي ليمرن على أقوام أي جماعات أعرفهم ويعرفونني قيل لعل هؤلاء هم الذين ذكرهم حيث قال أصحابي ثم يحال بيني وبينهم فأقول إنهم مني أي من أمتي أو من أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك أي من الارتداد فإن سائر المعاصي لا تمنع المؤمن من ورود الحوض والشرب من مائه ويدل عليه أيضا قوله فأقول سحقا بضم فسكون ويضمان سحقا كرر للتأكيد أي بعدا وهلاكا ونصبهما على المصدر والجملة دعاء بالعذاب لمن غير أي دينه بعدي أي بعد موتي أو بعد قبول ديني والدخول في أمتي متفق عليه


وعن أنس رضي الله عنه أن النبي قال يحبس أي يوقف المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بصيغة المفعول أي يحزنوا بذلك أي بسبب ذلك الحبس وفي نسخة بفتح الياء وضم الهاء على بناء الفاعل وليس بشيء قال التوربشتي رحمه الله هو على بناء المجهول أي يحزنوا لما امتحنوا به من الحبس من قولهم أهمني الأمر إذا أقلقك وأحزنك فيقولون لو استشفعنا أي ليت طلبنا أحدا ليشفع لنا إلى ربنا فيريحنا أي يعطينا الراحة ويخلصنا من مكاننا قال الطيبي رحمه الله لو هي المتضمنة للتمني والطلب وقوله فيريحنا من مكاننا من الإراحة ونصبه بأن المقدرة بعد الفاء الواقعة جوابا للو والمعنى لو استشفعنا أحدا إلى ربنا فيشفع لنا فيخلصنا مما نحن فيه من الكرب والحبس قال في أساس البلاغة شفعت له إلى فلان وأنا شافعه وشفيعه واستشفعني إليه فشفعت له واستشفع بي قال الأعمش مضى زمن والناس يستشفعونني فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع فيأتون آدم الظاهر أن المراد بهم رؤساء أهل المحشر لا جميع أهل الموقف فيقولون أي بعضهم أنت آدم هو من باب قوله أنا أبو النجم وشعري شعري وهو مبهم فيه معنى الكمال لا يعلم ما يراد منه ففسر بما بعده من قوله أبو الناس خلقك الله بيده أي بلا واسطة أو بقدرته الكاملة أو ارادته الشاملة وأسكنك جنته فيه إيماء إلى حصول المآل ووصول المنال وما تميل إليه النفس من حسن المآل واسجد لك ملائكته أي سجود تحية وفيه إشارة إلى كمال الجاه والعظمة وعلمك أسماء كل شيء فيه إشعار باعطاء الفضيلة العظمى والمرتبة الكبرى قال الطيبي رحمه الله وضع كل شيء موضع أشياء أي المسميات لقوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها البقرة أي أسماء المسميات إرادة للتقضي أي واحدا فواحدا حتى يستغرق المسميات كلها اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا أي هذا المكان العظيم والموقف الأليم فيقول لست هناكم قيل


هنا إذا الحق بكاف الخطاب يكون للبعد من المكان المشار إليه فالمعنى أنا بعيد من مقام الشفاعة قال القاضي البيضاوي أي يقول آدم عليه الصلاة والسلام لهم لست في المكان والمنزل الذي تحسبونني فيه يريد به مقام الشفاعة وقال القاضي عياض رحمه الله هو كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة قاله تواضعا واكبارا لما يسألونه قال وقد يكون فيه إشارة إلى أن هذا المقام ليس لي بل لغيري قال العسقلاني رحمه الله وقد وقع في رواية فيقول لست لها وكذا في بقية المواضع وفي رواية ليست لصاحبك ذاك وهو يؤيد الاشارة المذكورة ويذكر خطيئته التي أصاب أي اعتذارا عن التقاعد والتأني عن الشفاعة والراجع إلى الموصول محذوف أي التي أصابها وقوله أكله من الشجرة بالنصب بدل من خطيئته أي يذكر أكله من الشجرة ذكره البيضاوي قال الطيبي رحمه الله ويجوز أن يكون بيانا للضمير المبهم المحذوف نحو قوله تعالى فسواهن سبع سموات البقرة وقد نهي أي آدم عليه الصلاة والسلام عنها أي عن الشجرة أو عن الخطيئة والجملة حال من المفعول ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض استشكلت هذه الأولية بأن آدم عليه السلام نبي مرسل وكذا شيث وإرديس وغيرهم وأجيب بأن الأولية مقيدة بقوله أهل الأرض ويشكل هذا ذلك بحديث جابر في البخاري في التيمم وكان النبي يبعث خاصة إلى قوم خاصة ويجاب بأن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح وإنما اتفق باعتبار حصر الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس انتهى وفيه نظر ظاهر لا يخفى وقيل إن الثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلا ويرد عليه حديث أبي ذر عند ابن حبان فإنه كالصريح بإنزال الصحف على شيث وهو علامة الإرسال انتهى وفيه بحث إذ لا يلزم من إنزال الصحف أن يكون المنزل عليه رسولا لاحتمال أن يكون في الصحف ما يعمل به بخاصة نفسه ويحتمل أن لا يكون فيه أمر ونهي بل مواعظ ونصائح تختص به فالأظهر أن يقال الثلاثة كانوا مرسلين إلى المؤمنين


والكافرين وأما نوح عليه السلام فإنما أرسل إلى أهل الأرض وكلهم كانوا كفارا هذا وقد قيل هو نبي مبعوث أي مرسل ومن قبله كانوا أنبياء غير مرسلين كآدم وإدريس عليهم الصلاة والسلام فإنه جد نوح على ما ذكره المؤرخون قال القاضي عياض قيل إن إدريس هو إلياس وهو نبي من بني إسرائيل فيكون متأخرا عن نوح فيصح أن نوحا أول نبي مبعوث مع كون إدريس نبيا مرسلا وأما آدم وشيث فهما وإن كانا رسولين إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارا بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله وشيئا كان خلفا له فيهم بعده بخلاف نوح فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض وهذا أقرب من القول بأن آدم وإدريس لم يكونا رسولين وقد يقال إنه أول نبي بعثه الله بعد آدم على أن شيئا كان خليفة له فأوليته إضافية أو أول نبي بعثه الله من أولي العزم فالأولية حقيقية وهذا أوفق الأقوال وبه يزول الاشكال والله


تعالى أعلم بالحال وفي شرح مسلم قال المازري قد ذكر المؤرخون ان إدريس جد نوح فإن قام دليل على انه أرسل أيضا لم يصح أنه قبل نوح لاخبار النبي عن آدم عليه الصلاة والسلام أن نوحا أول رسول بعث بعده وإن لم يقم دليل جاز ما قالوه وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا مرسلا قال القاضي عياض وقد قيل أن إدريس هو إلياس وانه كان نبيا في بني إسرائيل كما جاء في بعض الأخبار فإن كان هكذا سقط الاعتراض وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما وإن كانا رسولين فإن آدم إنما أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارا وكذلك شيث خلفه أو بعده بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض قال القاضي رحمه الله وقد رأيت أبا الحسن ذهب إلى أن آدم ليس برسول الله ليسلم من هذا الاعتراض وحديث أبي ذر نص دال على أن آدم وإدريس رسولان والله سبحانه وتعالى أعلم فيأتون نوحا فيقول إني على ما في نسخة لست هناكم قال شارح أي لست في مكان الشفاعة وأشار بقوله هناكم إلى البعد من ذلك المكان وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض إنما يقولونه تواضعا واكبارا لما يسألونه وقد يكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد معينا ويكون احالة كل واحد منهم على الآخر لأن تندرج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد ومبادرة النبي لذلك واجابته لرغبتهم لتحققه أن هذه الكرامة والمقام له خاصة قال الشيخ محيي الدين رحمه الله والحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده صلوات الله تعالى وسلامه عليهم في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا اظهارا لفضيلة نبينا فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وفيه تفضيله على جميع


المخلوقين من الرسل الآدميين والملائكة المقربين فإن هذا الأمر العظيم وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الاقدام عليه غيره صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ويذكر أي نوح عليه السلام خطيئته التي أصاب يعني سؤاله ربه بغير علم أي قوله إن ابني من أهلي إلى آخره وكان سؤاله انجاء ابنه وكان غير عالم بأنه لا يجوز هذا السؤال ولذا قال تعالى إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم هود إلى آخره قال الطيبي رحمه الله قوله سؤاله ربه بغير علم علم موقع سؤاله هنا موقع أكله في القرينة السابقة وقوله بغير علم حال من الضمير المضاف إليه في سؤاله أي صادرا عنه بغير علم وربه مفعول سؤاله والمراد بالسؤال قوله إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق هود طلب أن ينجيه من الغرق والمراد من قوله بغير علم إنه سأل ما لا يجوز سؤاله وكان يجب عليه أن لا يسأل كما قال تعالى فلا تسألن ما ليس لك ب


علم وذلك أنه قال إن ابني من أهلي وأن وعدك الحق أي وعدتني أن تنجي أهلي من الغرق وأن ابني من أهلي فنجه قيل له ما شعرت من المراد بالأهل وهو من آمن وعمل صالحا وأن ابنك عمل غير صالح ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمان قال فيأتون إبراهيم فيقول إني لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن بالتخفيف أي قالهن كذبا قال البيضاوي رحمه الله إحدى الكذبات المنسوبات إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام قوله إني سقيم الصافات وثانيتها قوله بل فعله كبيرهم هذا الأنبياء وثالثتها قوله لسارة هي أختي والحق أنها معاريض ولكن لما كانت صورتها صورة الكذب سماها أكاذيب واستنقص من نفسه لها فإن من كان أعرف بالله وأقرب منه منزلة كان أعظم خطرا وأشد خشية وعلى هذا القياس سائر ما أضيف إلى الأنبياء من الخطايا قال ابن الملك الكامل قد يؤاخذ بما هو عبادة في حق غيره كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله استئناف تعليل وبيان والمعنى أعطاه الله التوراة وهي أول الكتب الأربعة المنزلة وكلمه أي بلا واسطة وقربه نجيا أي مناجيا له أو مناجى بناء على أنه حال من الفاعل أو المفعول قال فيأتون موسى فيقول إني لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب قتله النفس أي نفس القبطي وفي نسخة قتل النفس بغير ضمير ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله أضافه إليه تشريفا ولأنه كان يحيي الموتى وكلمته أي خلق بأمركن أو كلمته في دعوته كانت مستجابة قال فيأتون عيسى فيقول لست هناكم إنما قال كذا مع أن خطيئته غير مذكورة لعله لاستحيائه من افتراء النصارى في حقه بأنه ابن الله ونحو ذلك كذا ذكره ابن الملك في شرح المشارق ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أي فلم يكن له مانع من مقام الشفاعة العظمى قال النووى هذا مما اختلفوا في معناه قال القاضي قيل المتقدم ما كان قبل النبوة والمتأخر عصمته بعدها وقيل المراد به ما وقع منه عن سهو


وتاويل حكاه الطبري واختاره القشيري رحمه الله وقيل ما تقدم لأبيه آدم عليه السلام وما تأخر من ذنوب أمته وقيل المراد أنه مغفور له غير مؤاخذ بذنب لو كان وقيل هو تنزيه له من الذنوب قال فيأتوني بتشديد النون وتخفف كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحاجوني في الله وقد هدان الأنعام فاستأذن على ربي أي فاطلب الاذن منه للأدب مع الرب في داره أي دار ثوابه وهو الجنة وقيل غير ذلك تحت عرشه قال الطيبي رحمه الله أي فاستأذن في الدخول على دار ربي فيؤذن لي عليه أي في الدخول على الر


سبحانه قال التوربشتي رحمه الله تعالى إضافة دار الثواب إلى الله تعالى هنا كاضافته في قوله تعالى لهم دار السلام عند ربهم الأنعام على أن السلام من أسماء الله تعالى على أحد الوجهين واضافتها إلى الله تعالى للشرف والكرامة والمراد بالاستئذان عليه أن يدخل مكانا لا يقف فيه داع إلا استجيب ولا يقوم به سائل إلا أجيب ولم يكن بين الواقف وبين ربه حجاب والحكمة في نقلة النبي عن موقفه ذلك إلى دار السلام لعرض الحاجة هي أن موقف العرض والحساب موقف السياسة ولما كان من حق الشفيع أن يقوم مقام كرامته فتقع الشفاعة موقعها أرشد إلى النقلة عن موقف الخوف في القيامة إلى موقف الشفاعة والكرامة وذلك أيضا مثل الذي يتحرى الدعاء في موقف الخدمة ليكون أحق بالإجابة قال القاضي عياض رحمه الله تعالى معناه فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها والمقام المحمود الذي أخره الله تعالى له فأعلمه أنه يبعثه فيه فإذا رأيته أي بارتفاع الحجاب عني وفي المشارق فإذا أنا رأيته بزيادة أنا قال ابن الملك أي أني رأيتني وهذا التفات من التكلم إلى الغيرة وقعت ساجدا أي خوفا منه واجلالا أو تواضعا له واذلالا أو انبساطا واذلالا فيدعني أي يتركني ما شاء الله أن يدعني أي في السجود ففي مسند أحمد أنه يسجد قدر جمعة من جمع الدنيا كذا ذكره السيوطي رحمه الله في حاشية مسلم فيقول ارفع أي رأسك من السجود محمد أي يا محمد فإنك صاحب المقام المحمود وقل أي ما شئت تسمع بصيغة المجهول أي يقبل قولك أو قل ما ألهمك من الثناء لتسمع أي تجاب واشفع أي فيمن شئت تشفع بفتح الفاء المشددة أي تقبل شفاعتك وسل أي ما تريد من المزيد تعطه بهاء السكت وفي نسخة بالضمير أي تعط ما تسأل فالضمير راجع إلى المصدر المفهوم من الفعل وهو بمعنى المفعول قال فارفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه بتشديد اللام أي يلهمنيه حينئذ ولا أدري ما هو الآن ثم أشفع قال القاضي وجاء في حديث أنس وحديث أبي


هريرة ابتدأ النبي بعد سجوده وحمده والاذن له في الشفاعة بقوله أمتي أمتي فيحد بضم الياء وفتح الحاء وفي نسخة بالعكس أي فيعين لي حدا وهو إما مصدر أو اسم أي مقدارا معينا في باب الشفاعة قال التوربشتي رحمه الله يريد أنه يبين لي في كل طور من أطوار الشفاعة حدا أقف عنده فلا أتعداه مثل أن يقول شفعتك فيمن أخل بالجماعات ثم يقول شفعتك فيمن أخل بالجمعات ثم يقول شفعتك فيمن أخل بالصلوات ومثله فيمن شرب الخمر ثم فيمن زنى وعلى هذا ليريه علو الشفاعة في عظم الذنب على ما فيه من الشناعة فأخرج أي من دار ربي فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة قال الطيبي رحمه الله فإن قلت دل أول الكلام على أن المستشفعين هم الذين حبسوا في الموقف وهموا وحزنوا لذلك فطلبوا أن يخلصهم من ذلك الكرب ودل قوله فأخرجهم من النار على أنهم من الداخلين فيها فما وجهه قلت فيه وجهان أحدهما لعل المؤمنين صاروا فرقتين فرقة سار بهم إلى النار من غير توقف وفرقة حبسوا في المحشر واستشفعوا به فخلصهم مما هم فيه وأدخلهم الجنة ثم شرع في شفاعة الداخلين في النار زمرا بعد زمر كما دل عليه قوله فيحد لي حدا الخ فاختصر الكلام وهو من حلية التنزيل وقد ذكرنا قانونا في فتوح الغيب في سورة هود يرجع إليه مثل هذا الاختصار قلت مراده أنه ذكر الفرقة الثانية واقتصر على خلاصها لأنه يفهم منها خلاص الفرقة الأولى بالأولى وقد يقال أنه من باب الاكتفاء وثانيهما أن يراد بالنار الحبس والكربة وما كانوا به من الشدة ودنو الشمس إلى رؤوسهم وحرها والجامهم العرق وبالخروج الخلاص منها قلت وهذا القول وإن كان مجازا لكنه إلى حقيقة الأمر أقرب وإلى أصل القضية أنسب فإن المراد بهذه الشفاعة الكبرى وهي المعبر عنها بالمقام المحمود واللواء الممدود على ما قاله آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ومحط هذه الشفاعة هي الخلاص من الحبس والقيام والأمر بالمحاسبة للأنام وأما له وكذا لغيره من الأنبياء


والأولياء والعلماء والشهداء والصالحين والفقراء بعد ذلك شفاعات متعددة في ادخال بعض المؤمنين الجنة بلا حساب وادخال بعضهم الجنة ولو استحقوا دخول النار واخراج بعضهم من النار وفي تخفيف عذاب بعضهم وفي ترقي درجات بعضهم في الجنة وأمثالها ولكن فيه أنه لو أريد هذا المعنى لما كررت هذه القضية مرات على ما لا يخفى اللهم إلا أن يقال ينقسم أهل الموقف من المؤمنين العصاة على أقسام ثلاثة وقال ابن الملك تكون الشفاعة أقساما أولها للإراحة من الموقف وثانيها لإدخالهم الجنة بغير حساب وثالثها عند المرور على الصراط ورابعها للإخراج من النار فذكر في الحديث القسمين وطوى الآخرين من البين والله تعالى أعلم ثم أعود أي أرجع إلى دار ربي الثانية أي المرة الثانية فأستأذن على ربي في داره أي في دخولها فيؤذن لي عليه أي بالدخول عليه فإذا رأيته أي ذلك المكان أو رأيت ربي مع تنزيهه عن المكان وعن سائر صفات الحدثان وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني أي في مقام الفناء ثم يقول ردا إلى حال البقاء ارفع محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال فارفع


رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم اشفع فيحد لي حدا فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال فارفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم اشفع فيحد لي حدا فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار أي من هذه الأمة إلا من قد حبسه القرآن أي منعه من خروج النار بأن أخبر أنه مخلد في دار الفجار وهذا معنى قول الراوي للحديث عن أنس وهو قتادة من أجلاء التابعين أي وجب عليه الخلود أي دل القرآن على خلوده وهم الكفار ومعنى وجب أي ثبت وتحقق أو وجب بمقتضى اخباره تعالى فإنه لا يجوز فيه التخلف أبدا ثم تلا هذه الآية أي النبي أو أنس أو قتادة تذكرا أو استشهادا أو اعتضادا عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا قال أي أنس وهو أنسب أو قتادة وهو أقرب ويحتمل أن فاعله النبي على بعد وهذا المقام مبتدأ وخبر موصوف بقوله المحمود الذي وعده أي الله سبحانه نبيكم وفي نسخة وعد نبيكم بصيغة المجهول وهذا على أن فاعل قال غيره ظاهر لا اشكال وأما على القول بأن القائل هو فتوجيهه أنه وضع المظهر موضع المضمر وكان الأصل أن يقول وعدنيه وقال الطيبي رحمه الله يحتمل أن يكون فاعل قال الراوي وأن يكون النبي على سبيل التجريد تعظيما لشأنه والله سبحانه وتعالى أعلم متفق عليه وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا كان يوم القيامة ماج أي اختلط واضطرب الناس بعضهم في بعض أي داخلين فيهم أي مقبلين ومدبرين متحيرين فيما بينهم فيأتون آدم عليه السلام فيقولون اشفع أي لنا إلى ربك ليأمر بالحساب ثم يجازي بالثواب أو العقاب فيقول لست لها أي لست كائنا للشفاعة ولا مختصا بها قال الطيبي رحمه الله اللام فيه مثلها في قوله تعالى امتحن الله قلوبهم للتقوى


الحجر الكشاف اللام متعلقة بمحذوف واللام هي التي في قوله أنت لهذا الأمر أي كائن له ومختص به قال أنت لها أحمد من بين البشر وفي قوله أنا لها وقوله ليس ذلك لك ولكن عليكم بإبراهيم أي الزموه فالباء زائدة أو المعنى تشفعوا وتوسلوا به فإنه خليل الرحمان فيأتون إبراهيم فيقولون أي بعد قولهم اشفع إلى ربك فاختصر للعلم به أو قبل أن يذكروا هذا الأمر بناء على كشف القضية عنه لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله أي ويناسبه الكلام في مرام هذا المقام فيأتون موسى عليه السلام فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته أي فإن روحه مستطابة وكلمته مستجابة فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد عليه السلام أي فإنه خاتم النبيين وسيد المرسلين فيأتوني بتشديد النون ويخفف فأقول أنا لها فأستأذن على ربي أي على كلامه أو على دخول داره فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها أي حينئذ لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وهي جمع حمد على غير قياس كمحاسن جمع حسن أو جمع محمدة وأخر بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء أي أسقط له أي لله تعالى أو لشكره ساجدا حال فيقول يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول أي بعد رفع الرأس أو في حال السجود يا رب أمتي أمتي أي ارحمهم واغفر لهم يوم القيامة وتفضل عليهم بالكرامة وكرره للتأكيد أو أريد بهم السابقون واللاحقون فيقال انطلق أي اذهب فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة أي وزنها قال النووي رحمه الله والله تعالى أعلم بقدرها من إيمان ثم المثقال ما يوزن من الثقل بفتحتين وهو اسم لكل سنج واختلف العلماء في تأويله حسب اختلافهم في أصل الإيمان والتأويل المستقيم هو أن يراد بالأمر المقدر بالشعير والذرة والحبة والخردلة غير الشيء الذي هو حقيقة الإيمان من الخيرات وهو ما يوجد في القلوب من ثمرات الإيمان ولمحات الايقان


ولمعان العرفان لأن حقيقة الإيمان الذي هو التصديق الخاص القلبي وكذا الاقرار المقرر اللساني لا يدخلها التجزىء والتبعيض ولا الزيادة ولا النقصان على ما عليه المحققون وحملوا ما قاله غيرهم على الاختلاف اللفظي والنزاع الصوري فانطلق أي فاذهب فافعل أي ما أذن لي بالاخراج ممن عين وبين لي ثم أعود فاحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فاخرج من كان في قلبه مثقال ذرة وهي أقل الأشياء الموروثة وقيل هي الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس كرؤوس الأبر وقيل النملة الصغيرة أو خردلة من إيمان يحتمل أن يكون أو للتخيير أو للتنويع أو الشك فانطلق فافعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يار رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من إيمان وكرر أدنى ثلاثا للمبالغة في القلة فأخرجه من النار فانطلق فأفعل ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله أي ولو في عمره مرة بعد إقراره السابق فإنه من جملة عمله اللاحق وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا طلاق حديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فإنه يشمل دخوله أولا وآخرا قال الطيبي رحمه الله هذا يؤذن بأن ما قدر قبل ذلك بمثال شعيرة ثم بمثقال حبة أو خردل غير الإيمان ا لذي يعبر به عن التصديق وهو ما يوجد في القلوب من ثمرة الإيمان وهو على وجهين أن يراد بالثمرة ازدياد اليقين وطمأنينة النفس لأن ظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقوته وأن يراد بها العمل وأن الإيمان يزيد وينقص بالعمل وينصر هذا الوجه حديث أبي سعيد بعد هذا يعني قوله ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من نار فيخرج


منها قوما لم يعملوا خيرا قط قال أي الله تعالى
ليس ذلك لك ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله قال القاضي رحمه الله أي ليس هذا لك وإنما أفعل ذلك تعظيما لأسمى واجلالا لتوحيدي وهو مخصص بعموم قوله في حديث أبي هريرة أسعد الناس بشفاعتي الحديث على ما سيأتي ويحتمل أن يجري على عمومه ويحمل على حال ومقام آخر قال الطيبي رحمه الله إذا فسرنا ما يختص بالله تعالى بالتصديق المجرد عن الثمرة وذكرنا أن ما يختص به رسول الله هو الإيمان مع الثمرة من ازدياد اليقين أو العمل فلا اختلاف وقال شارح من علمائنا المحققين المعنى ليس اخراج من قال لا إله إلا الله من النار لك أي إليك يعني مفوضا إليك وإن كان لك فيهم مكان شفاعة أو لسنا نفعل ذلك لأجلك بل لأنا أحق أن نفعله كرما وتفضلا ثم إنه بين بهذا الحديث أن الأمر في اخراج من لم يعمل خيرا قط من النار خارج عن حد الشفاعة بل هو منسوب إلى محض الكرم موكول إليه والتوفيق بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة أسعد الناس الخ أما على الأول فظاهر لأنه أخرجهم الله بشفاعته وأما على المعنى الثاني فهو أن المراد بمن قال لا إله إلا الله في الحديث الأول هم الأمم الذين آمنوا بإنبيائهم لكنهم استوجبوا النار وفي الثاني هم من أمته ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أي لا يشوبه شك وشرك ولا يخالطه نفاق وسمعة ورياء أو نفسه شك من الراوي وقيل أسعد هنا بمعنى أصل الفعل وقيل بل على بابه وإن كل أحد يحصل له سعادة شفاعته لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة فإنه يشفع في إراحة الخلق من هول الموقف ويشفع في بعض الكفار كأبي طالب في تخفيف عذاب النار وقال الكرماني المراد هو أسعد ممن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص البالغ غايته والدليل على التأكيد ذكر القلب إذ الإخلاص محله القلب ففائدته


التأكيد كما في قوله تعالى فإنه آثم قلبه البقرة وقال القاضي رحمه الله أسعد هنا بمعنى السعيد إذ لا يسعد بشفاعته من لم يكن من أهل التوحيد أو المراد بمن قال من لم يكن له عمل يستحق به الرحمة ويستوجب به الخلاص من النار فإن احتياجه إلى الشفاعة أكثر وانتفاعه بها أوفر قال الطيبي رحمه الله قد سبق أن حلول شفاعته إنما هو في حق من أثمر إيمانه إما مزيد طمأنينة أو عمل وتختلف
مراتب اليقين والعمل فيكون التفضيل بحسب المراتب ولذلك أكد خالصا بقوله من قلبه أي خالصا كائنا من قلبه وقد علم أن الاخلاص معدنه ومكانه القلب فذكر القلب هنا تأكيد وتقرير كما في قوله تعالى فإنه آثم قلبه البقرة الكشاف فإن قلت هلا اقتصر على قوله فإنه آثم وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده قلت كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها فلما كان آثما مفتريا بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي رواه البخاري وفي رواية الجامع خالصا مخلصا من قلبه ولم يذكر أو من نفسه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتي النبي أي جيء بلحم فرفع إليه الذراع وكانت أي الذراع تعجبه فنهس بالمهملة وقيل بالمعجمة أي فأخذ بمقدم أسنانه منها أي من الذراع يعني مما عليها نهسة قال القاضي عياض رحمه الله أكثر الرواة رووه بالسين المهملة ورواه ابن هامان بالمعجمة والنهس بالمهملة الأخذ بأطراف الأسنان وبالمعجمة الأخذ بالأضراس ثم قال أنا سيد الناس أي جميعهم من الأنبياء وغيرهم يوم القيامة أي حيث يحتاجون إلى شفاعتي ذلك اليوم لكرامتي عند الله تعالى فإذا اضطروا أتوا إلي طالبين لشفاعتي لهم ويؤيده حديث أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر وأنا أول


شافع وأول مشفع ولا فخر على ما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد يوم يقوم الناس لرب العالمين قال الطيبي رحمه الله بدل من قوله يوم القيامة وقال ابن الملك يحتمل أن يكون جواب سائل قال ما يوم القيامة قلت ويمكن أن يكون منصوبا بأعني مقدرا أو مرفوعا بتقدير مبتدأ محذوف هو هو وفتح يوم على الحكاية وتدنو الشمس أي تقرب من رؤوس الناس فيبلغ الناس بالنصب أي فيلحقهم وفي نسخة بالرفع أي
فيصلون من الغم أي من أجله وسببه والكرب وهو الهم الشديد الحاصل من القيام ودنو الشمس المترتب عليه الحر التام الموجب للعرق على وجه الإلجام ما لا يطيقون أي ما لا يقدرون على الصبر عليه فيجزعون ويفزعون فيقول الناس أي بعضهم لبعض ألا تنظرون أي ألا تتأملون وألا تتفكرون أو ألا تبصرون من يشفع لكم إلى ربكم أي ليريحكم من هذا الهم والغم فيأتون آدم عليه السلام وذكر أي أبو هريرة أو النبي حديث الشفاعة أي بطوله كما سبق وقال فأنطلق أي فاذهب فآتي بالمد أي فأجيء تحت العرش قيل وجه الجمع بينه وبين حديث أنس رضي الله تعالى عنه على ربي في داره أن يقال داره الجنة والجنة تحت العرش وقيل حديث أنس في الجنة وحديث أبي هريرة في الموقف فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم قال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه جملة مستأنفة واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب ثلاث مرات للتأكيد والمبالغة أو إشارة إلى طبقات العصاة فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم أي من لا حساب عليهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب أي ليسوا ممنوعين من سائر الأبواب بل هم مخصوصون للعناية بذلك الباب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين بكسر الميم أي البابين المضروبين على مدخل واحد من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر بفتحتين مصروفا وقد لا يصرف ففي الصحاح هجر


اسم بلد مذكر مصروف وقال شارح هي قرية من قرى البحرين وقيل من قرى المدينة والأول هو المعول قال المظهر المصراعان البابان المغلقان على منفذ واحد والمصراع مفعال من الصرع وهو الإلقاء وإنما سمي الباب المغلق مصراعا لأنه كثير الإلقاء والدفع متفق عليه
وعن حذيفة في حديث الشفاعة عن رسول الله قال وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط بفتحات أي بجانبيه يمينا وشمالا قال التوربشتي رحمه الله يريد بجنبتي الصراط ناحيتيه اليمنى واليسرى والمعنى أن الأمانة والرحم لعظمة شأنهما وفخامة أمرهما مما يلزم العباد من رعاية حقهما يمثلان هنالك للأمين والخائن والواصل والقاطع فيحاجان عن المحق الذي راعاهما ويشهدان على المبطل الذي أضاعهما ليتميز كل منهما وقيل يرسل من الملائكة من يحاج لهما وعنهما وفي الحديث حث على رعاية حقهما والاهتمام بأمرهما وقال الطيبي رحمه الله ويمكن أن تحمل الأمانة على الأمانة العظمى وهي ما في قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال الأحزاب وصلة الرحم صلتهما الكبرى وهي ما في قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام النساء فيدخل في الحديث معنى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وكأنهما اكتنفا جنبي الإسلام الذي هو الصراط المستقيم وقطري الإيمان والدين القويم رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي تلا قول الله تعالى في إبراهيم عليه السلام أي في سورته أو حاكيا في حقه رب إنهن أي الأصنام أضللن كثيرا من الناس أي صرن سبب ضلال كثير منهم فمن تبعني أي في التوحيد والإخلاص والتوكل فإنه مني أي من أتباعي وأشياعي وتمامه ومن عصاني فإنك غفور رحيم أي تغفر ما دون الشرك لمن تشاء وترحمه بالتفضل على من تشاء أو تغفر للعاصي المشرك بأن توفقه للإيمان والطاعة في الدنيا وترحم عليه بزيادة المثوبة في العقبى وقال عيسى


عليه السلام قال النووي رحمه الله هو مصدر يقال قال قولا وقالا وقيلا وقد أضاف إلى عيسى عطفا على مفعول تلا أي تلا قول الله وقول عيسى إن تعذبهم فإنهم عبادك وآخره وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي لا يغلبك شيء فإنك القوي القادر وتحكم بما تشاء فأنت الحاكم الذي لا معقب لحكمه أو الحكيم الذي يضع
الأشياء في موضعها ويتقن الأفعال ويحسنها فرفع أي النبي يديه أي كريمتيه فقال اللهم أمتي أمتي أي اللهم اغفر لأمتي اللهم ارحم أمتي ولعل هذا وجه التكرار أو أريد به التأكيد أو قصد به الأولون والآخرون وبكى لأنه تذكر النبي الشفاعة الصادرة عن الخليل وروح الله فرق لأمته فقال الله تعالى يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم جملة معترضة حالية دفعا لما يوهمه قوله فاسأله بالهمز والنقل ما يبكيك فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله بما قال أي بشيء قاله النبي من سبب البكاء وهو الخوف لأجل أمته فقال الله لجبريل اذهب إلى محمد فقل إنا أي بعظمتنا سنرضيك أي سنجعلك راضيا في أمتك أي في حقهم ولا نسوءك أي ولا نحزنك في حق الجميع بل ننجيهم ولأجل رضاك نرضيهم وهو في المعنى تأكيد إذ ربما يتوهم من سنرضيك نرضيك في حق البعض ولذا قال بعضهم ما يرضى محمد وأحد من أمته في النار قال الطيبي رحمه الله لعله عليه الصلاة والسلام أتى بذكر الشفاعة التي صدرت عن النبيين عن الخليل بتقدير الشرط والصيغة الشرطية لأن المعنى أن الأصنام أضللن كثيرا من الناس فمن تاب من عبادتها وتبعني في التوحيد فإنه متصل بي فاقبل شفاعتي فيهم فلا بد من تقدير تاب لأنه مصحح الشفاعة في حق المشركين قلت إنما يحتاج تقدير تاب في الشرطية الثانية وهي قوله ومن عصاني قال وعن روح الله كذلك لأن الضمير في تغفر لهم راجع إلى من اتخذه وأمه إلهين من دون الله فيكون التقدير أن تغفر لهم بعد ما تابوا عن ذلك فإنك غفور رحيم قلت لا يلائمه ما قبله وهو قوله إن تعذبهم فإنهم عبادك مع أن هذا


الكلام يصدر عنه يوم القيامة ولا يمكن تقدير التوبة هناك ثم الجزاء في الآية إنما هو قوله فإنك أنت العزيز الحكيم في كلام عيسى عليه الصلاة والسلام وأما قوله فإنك غفور رحيم جزاء للشرطية الواقعة في كلام إبراهيم ومن عصاني فإنك غفور رحيم ثم قال وعقبه بقوله اللهم أمتي أمتي ليبين لهم الفرق بين الشفاعتين ويبين ما بين المنزلتين وفيه أن هذا البيان يحتاج إلى البرهان والتبيان فإن العرض بطريق الكناية أبلغ من التصريح بالدعاء كما هو مقرر عند أرباب الفناء والبقاء وكذلك طريق التفويض والتسليم والرضا بالقضاء ولا يظهر بيان للمدعي ولا تبيان للمعنى في قوله وتحريره أن قوله أمتي أمتي متعلق بمحذوف إما أن يقدر شفعني في أمتي وأرضني فيها أو أمتي ارحمهم وأرضني بالشفاعة فيهم والحذف لضيق المقام وشدة الاهتمام قلت يحتاج أيضا هذا الكلام إلى توضيح المرام قال وهذا يدل على الجزم والقطع قلت الدعاء لا يكون بطريق القطع إذ لا حكم على الله سبحانه فمآل الطريقين في الدعاء واحد وليس لهذا المقصد جاحد قال والتكرير لمزيد التقرير قلت قد تقدم وجوه أخر والأظهر أنه من مستحبات


الدعاء فإن الإلحاح من العبد في المسألة لا ينافي الرضا بالقضاء قال ومن ثم أجيب في الحديث بقوله إنا سنرضيك حيث أتى بإن وضمير التعظيم وسين التأكيد ثم أتبعه بقوله لا نسوؤك تقريرا بعد تقرير على الطرد والعكس وفي التنزيل ولسوف يعطيك ربك فترضى الضحى زيد لام الابتداء على حرف الاستقبال ولفظه ربك وجمع بين حرفي التأكيد والتأخير فيكون المعنى ولأنت سوف يعطيك ربك وإن تأخر العطاء وقوله وربك أعلم من باب التتميم صيانة عما لا ينبغي أن يتوهم فهو كقوله والله يعلم أنك لرسوله في قوله تعالى قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون المنافقون قال النووي رحمه الله هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد منها بيان كمال شفقته على أمته واعتنائه بمصالحهم واهتمامه في أمرهم ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة المرحومة بما وعده الله تعالى بقوله سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة ومنها بيان عظم منزلة النبي عند الله تعالى والحكمة في إرسال جبريل عليه الصلاة والسلام لسؤاله إظهارا لشرفه وأنه بالمحل الأعلى فيرضى ويكرم رواه مسلم وكذا البخاري والنسائي ذكره السيد وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله نعم أي ترون ربنا ذكر السيوطي رحمه الله في بعض تعاليقه أن رؤية الله تعالى يوم القيامة في الموقف حاصلة لكل أحد من الرجال والنساء حتى قيل للكافرين والمنافقين أيضا ثم يحجبون بعد ذلك ليكون عليهم حسرة وأقول وفيه بحث لقوله تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون المطففين ولقوله على ما سيأتي حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله أتاهم رب العالمين ولأن لذة النظر ولو مرة تنسي كل محنة وشدة بل يرتفع به كل حسرة إذ من المعلوم أن النظر لا يوجد دائما لأهل الجنة أيضا قال وأما الرؤية في الجنة فأجمع أهل السنة على أنها حاصلة


للأنبياء والرسل والصديقين من كل أمة ورجال المؤمنين من البشر من هذه الأمة وفي نساء هذه الأمة ثلاث مذاهب لا يرين ويرين ويرين في مثل أيام الأعياد دون غيرها وفي الملائكة قولان لا يرون ربهم ويرونه وفي الجن أيضا خلاف هل تضارون بضم التاء وفتحها مع تشديد الراء وتخفيفها قال شيخنا المرحوم مولانا عبد الله السندي ففيه أربعة أوجه لكن فيه نظر لأن ضم التاء مع التشديد ظاهر لأنه من باب المفاعلة مع احتمال بنائه للفاعل أو المفعول وكذلك


فتح التاء مع التشديد فإنه من باب التفاعل على حذف إحدى التائين وهو يتعين أن يكون بصيغة الفاعل وأما ضم التاء مع تخفيف الراء فمبني على أنه للمجهول من ضاره يضيره أو يضوره على ما في القاموس بمعنى ضره وأما فتح التاء مع الراء المخففة فلا وجه له بحسب القواعد العربية والمعنى هل تتدافعون وتتزاحمون ليحصل لكم ضرر في رؤية الشمس بالظهيرة أي وقت انتصاف النهار صحوا أي حين لا سحاب ولا غبار من أصحت السماء إذا خلت من الغيم كذا ذكره شارح وفي القاموس الصحو ذهاب الغيم فقوله ليس معها سحاب تأكيد والمراد بالسحاب الحجاب أعم من أن يكون من جانب الرائي أو من جانب المرئي ثم أكد ثالثا وأظهر مثالا آخر بقوله وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها أي في السماء بقرينة المقام وإن لم يجر لها ذكر أو في جهة رؤية القمر من السماء سحاب أي مانع وحجاب قالوا لا يا رسول الله قال ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة أريد به الموقف وما بعده من دخول الجنة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما وفيه مبالغة وتعليق بالمحال أي لو كان في رؤية أحدهما مضارة لكان في رؤيته مضارة والتشبيه إنما هو لمجرد الظهور وتحقق الرؤية مع التنزه عن صفات الحدوث من نحو المقابلة والجهة ولعل ذكر الشمس والقمر للإشعار بأن رؤية الله حاصلة للمؤمنين في الليل والنهار على غاية من الظهور ونهاية من الأنوار وإيماء إلى تفاوت التجلي الرباني بالنسبة إلى الأبرار إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن أي نادى مناد ليتبع بتشديد التاء المفتوحة وكسر الموحدة وفي نسخة بالسكون والفتح أي ليعقب كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام بيان غير الله والأنصاب جمع نصب بفتح النون وضمها وسكون الصاد ويضمان وهي حجارة كانت تنصب وتعبد من دون الله تعالى ويذبحون عليها تقربا إلى آلهتهم وكل ما نصب واعتقد تعظيمة من الحجر والشجر فهو النصب إلا يتساقطون في النار لأن الأنصاب


والأصنام ملقاة فيها حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله أي وحده من بر أي مطيع صالح وعاص أي فاجر فاسق أتاهم رب العالمين أي أتاهم أمره كما أشار إليه بقوله قال أي الرب فماذا تنظرون أي تنتظرون ويجوز أن يعبر بالإتيان عن التجليات الإلهية والتعريفات الربانية بل قيل هو القول الحق وهو بالاعتبار أولى وأحق وقيل الإتيان هنا عبارة عن رؤيتهم إياه لأن من غاب عن غيره لا يمكن رؤيته إلا بعد الإتيان فعبر بالإتيان عن الرؤية مجازا وقيل الإتيان


فعل من أفعال الله سبحانه سماه إتيانا وقيل المراد إتيان بعض الملائكة قال القاضي عياض رحمه الله وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث أو يكون معناه يأتيهم الله في صورة الملائكة مخلوقاته التي لا تشبه صفات الإله ليختبرهم فإذا قال لهم الملك أو هذه الصورة أنا ربكم ورأوا عليه من علامة المخلوق ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم فيستعيذون بالله منه وقيل الرؤية حقيقة غير أنا لا نكيف ذلك وقيل كنه معرفتها إلى علم الله تعالى وقال التوربشتي رحمه الله إتيان الله في الكتاب مفسر بإتيان أمره وإتيان بأسه ولفظ التنزيل محتمل لكلا القولين فأما هذا الحديث فإنه يؤول على إتيان أمره وهو قوله فماذا تنظرون ومن السلف من تنزه عن تأويله خشية الخطأ مع تمسكه بالعروة الوثقى وهي تنزيه الله تعالى عن الاتصاف بما تتحدث به النفوس من أوصاف الخلق قال الشيخ الإمام أبو الفتوح العجلي في كتاب الأقاويل المشهورة قال البيهقي قد تكلم الشيخ أبو سليمان الخطابي رحمه الله في تفسير هذا الحديث وتأويله بما فيه الكفاية قال إن هذا موضع يحتاج الكلام فيه إلى تأويل وتخريج وليس ذلك من أجل أنا ننكر رؤية الله سبحانه وتعالى بل نثبتها ولا من أجل أنا ندفع ما جاء في الكتاب والسنة من ذكر المجيء والإتيان غير أنا لا نكيف ذلك ولا نجعله حركة وانتقالا كمجيء الأشخاص وإتيانها فإن ذلك من نعوت الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ويجب أن يعلم أن الرؤية التي هي ثواب الأولياء وكرامة لهم في الجنة غير هذه الرؤية المذكورة في مقامهم واحتج بحديث صهيب في الرؤية يعني كما سيجيء في باب رؤية الله تعالى وإنما تعرضهم لهذه الرؤية امتحان من الله تعالى لهم فيقع بها التمييز بين من عبد الله تعالى وبين من عبد الطواغيت ليتبع كل من الفريقين معبوده وليس ننكر أن يكون الامتحان إذ ذاك بعد قائما وحكمه على الخلق جاريا حتى يفرغ من الحساب ويقع الجزاء بما يستحقونه من الثواب أو العقاب ثم ينقطع


إذا حقت الحقائق واستقرت أمور العباد قرارها ألا ترى إلى قوله تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون القلم وجاء في الحديث أن المؤمنين يسجدون ويصير ظهور المنافقين طبقا واحدا قال ويخرج معنى إتيان الله في هذا إياهم أنه يشهدهم رؤيته ليتيقنوه فيكون معرفتهم له في الآخرة عيانا كما كان اعترافهم بربوبيته في الدنيا علما واستدلالا ويكون طريق الرؤية بعد أن لم يكن بمنزلة إتيان الآتي من حيث لم يكونوا شاهدوه ثم قوله فماذا تنظرون أي قلنا لكم ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فبعضكم اتبع ما عبده فلم أنتم أيضا لا تتبعونه وهذا معنى قوله يتبع كل أمة ما كانت تعبد فإن لفظه خبر ومعناه أمر قالوا يا ربنا فارقنا الناس أي الذين عبدوا غير الله فضلا عن أن نعبد ما سواه في الدنيا والمعنى ما اتبعناهم ما دمنا في الدنيا أفقر ما كنا إليهم بالنصب على الظرفية أي في أفقر أكواننا إلى الناس ولم نصاحبهم أي في أفعالهم


بل قاتلناهم وحاربناهم وعاديناهم وقاطعناهم لمرضاتك ورجاء لتجلياتك وحاصله أنا ما اتبعناهم حينئذ والأمر غيب عنا ونحن محتاجون إليهم فكيف نتبعهم الآن وقت العيان إنهم وما يعبدون من دون الله حصب جهنم قال الطيبي رحمه الله أفقر حال من ضمير فارقنا وما مصدرية والوقت مقدر قال النووي رحمه الله معناه أنهم تضرعوا إلى الله تعالى ولجؤوا إليه وتوسلوا بهذا القول المشعر بالإخلاص إلى الخلاص يعني ربنا فارقنا الناس في الدنيا الذين زاغوا عن طاعتك من الأقرباء وممن يحتاج إليهم في المعاش والمصالح الدنيوية وهكذا كان دأب الصحابة ومن بعدهم من المؤمنين في جميع الأزمان فإنهم كانوا يقاطعون من حاد الله ورسوله مع حاجتهم إليه وآثروا رضا الله تعالى على ذلك وفي رواية أبي هريرة فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا أي يتجلى علينا بوجه نعرفه فإذا جاء ربنا أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها عرفناه أي حق المعرفة قيل يشبه والله تعالى أعلم أن يكون إنما منعهم عن تحقق الرؤية في الكرة الأولى حتى قالوا هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا من أجل من معهم من المنافقين لا يستحقون الرؤية وهم عن ربهم محجوبون فلما ميزوا عنهم ارتفع الحجاب فقالوا عندما رأوه أنت ربنا وهذا معنى قوله وفي رواية أبي سعيد فيقول هل بينكم وبينه أي بين ربكم آية أي علامة تعرفونه أي بتلك الآية وهي المعرفة والمحبة التي هي نتيجة التوحيد وثمرة الإيمان والتصديق فيقولون نعم فيكشف عن ساق بصيغة المجهول وقيل على بناء الفاعل قيل معنى كشف الساق زوال الخوف والهول فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه أي من نحوها وجهتها مخلصا لا لجهة اتقاء الخلق وتعلق الرجاء بهم إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء أي احتراسا من السيف أو خوفا من الناس ورياء أي مراياة ومسامعة للخلق إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة وفي شرح مسلم للنووي رحمه الله قوله


طبقة واحدة أي صفحة أي صار فقار ظهره واحدة كالصفحة كلما أراد أن يسجد خر أي سقط على قفاه قال الشيخ رحمه الله والذي يوضح ما ذكره الإمام أبو سليمان أن الدنيا وإن كانت دار ابتلاء فقد يتحقق الجزاء في بعض الأحوال كما قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم الشورى فكذا الآخرة وإن كانت دار جزاء فقد يقع
بها الابتلاء أي بالتجلي والسجود ونحوهما بدليل أن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة يجري فيه الابتلاء ثم قال ولئن كان معنى الخبر هذا فذاك وإلا فمعناه ما أراد مع تنزيه الله تعالى عن كل مماثلة ومشابهة وقال النووي رحمه الله هذا السجود امتحان من الله تعالى لعباده وقد استدل بهذا وبقوله تعالى يدعون إلى السجود فلا يستطيعون القلم على جواز تكليف ما لا يطاق أقول الأظهر ما قال العسقلاني من أن التحقيق هو أن التكليف خاص بالدنيا وأما ما يقع في القبر وفي الموقف فإنما هو من آثار ذلك قال النووي رحمه الله وقد يتوهم من هذا الحديث أن المنافقين يرون الله تعالى وإنما فيه أن الجمع الذي فيهم المؤمنون والمنافقون يرون الله تعالى ثم يمتحن بالسجود فمن سجد كان مخلصا ومن لم يقدر عليه كان منافقا وهذا لا يدل على أن المنافقين يرون الله تعالى ثم يضرب أي يجعل ويمد الجسر بكسر الجيم ويفتح ففي القاموس الجسر الذي يعبر عليه ويكسر والمعنى موضع الصراط كما في رواية على جهنم أي متنها أو وسطها وتحل الشفاعة بكسر الحاء ويضم أي تقع ويؤذن فيها فيقولون أي الأنبياء والرسل بدليل حديث أبي هريرة بعد هذا اللهم سلم سلم تكراره مرتين المراد به الكثرة أو باعتبار كل واحد من أهل الشفاعة أو للإلحاح في الدعاء كما هو من آدابه وهو أمر مخاطب أي يقول كل نبي أمتي اللهم سلم أمتي من ضرر الصراط اللهم اجعلهم سالمين من آفاته آمنين من مخافاته فيمر المؤمنون كطرفة العين وفي المصابيح بطرفة العين قال شارح له التاء للوحدة يقال طرف طرفا إذا أطبق أحد جفنيه


على الآخر وكالبرق وكالريح وكالطير أي بحسب مقاماتهم وعلى قدر حالاتهم من أنواع الجذبة وقوة الطيران وسرعة الجريان المعبر عنه بقوله وكأجاويد الخيل هي جمع أجواد وهو جمع جواد وهو الفارس السابق الجيد كذا في النهاية فجواد نعت من جاد إذا أسرع في السير وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف وقوله والركاب بكسر الراء عطف على الخيل والمراد بها الإبل ولا واحد له من لفظه فناج الفاء للتفريع أو التفصيل وقد قسم المارة على الصراط بطريق الإجمال على ثلاث فرق بحسب مراتبهم في العقيدة والعمل والمعرفة والمعنى فمنهم ناج مسلم بتشديد اللام المفتوحة أي ينجو من العذاب ولا يناله مكروه من ذلك الباب ومخدوش أي ومنهم مجروح مرسل أي مخلص قال شارح أي الذي يخدش بالكلوب فيرسل إلى النار من عصاة أهل الإيمان وقوله مرسل أي مطلق من القيد والغل بعد أن عذبوا مدة ومكدوس بالسين المهملة أي ومنهم مدفوع في نار جهنم يقال كدس إذا دفع من ورائه فسقط وهم الذين لا منجى ولا ملجأ لهم المقضيون بالخلود عليهم كذا قاله شارح وهو غير صحيح لقوله عليه الصلاة والسلام فيمر المؤمنون اللهم إلا أن يقال قوله فناج عطف على قوله فيمر لا أنه تفريع له والضمير في منهم المقدر راجع إلى جميع المارة على الجسر وروي بالشين المعجمة من كدشه إذا


ساقه سوقا شديدا وخدشه وجرحه و طرده وروي مكدوش أي ملقى في نار جهنم قال النووي رحمه الله مكدوس بالسين المهملة هكذا هو في الأصول وكذا نقله القاضي عياض عن أكثر الرواة قال ورواه العذري بالشين المعجمة ومعناه بالمعجمة السوق الشديد وبالمهملة كون الأشياء بعضها راكبة على بعض ومنه تكدست الدواب في سيرها إذا ركب بعضها بعضا وفي النهاية مكدوس في النار أي جمعت يداه ورجلاه وألقي فيها قال الطيبي رحمه الله قسم المارة على الصراط من المؤمنين على ثلاث فرق قسم مسلم فلا يناله شيء أصلا وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص وقسم يكردس ويلقى فيسقط في جهنم وخدش الجلد قشره بعود حتى إذا خلص بفتح اللام أي نجا المؤمنون من النار أي من وقوعهم فيها فحتى غاية لمرور البعض على الصراط وسقوط البعض في النار وقال الطيبي رحمه الله حتى غاية قوله مكدوس في نار جهنم أي يبقى المكدوس في النار حتى يخلص بعد العذاب بمقدار ذنبه أو بشفاعة أحد أو بفضله سبحانه وضع المؤمنون موضع الراجع إلى المكدوس إشعار بالعلية وأن صفة الإيمان منافية للخلود في النار فوالذي نفسي بيده جواب إذا ما من أحد منكم خطاب للمؤمنين وقوله بأشد خبر ما وقوله مناشدة منصوب على التمييز أي أشد مطالبة ومناظرة وقوله في الحق ظرف للمناشدة وقد تبين لكم صفة للحق لأنه في المعنى نكرة أي في حق قد تبين و ظهر لكم على خصمكم أو حال أما من الضمير في أشد وإما من الحق وقال شارح حال من الحق والتقدير ما من أحد منكم بأشد مناشدة في حال أن تبين لكم الأمر الحق وقوله من المؤمنين متعلق بأشد أي بأشده مناشدة منكم فوضع المظهر موضع المضمر وقوله لله متعلق بمناشدة وقوله يوم القيامة ظرف أشد أي يناشدون الله لإخوانهم أي لأجل إخوانهم الذين في النار بالشفاعة من الجبار الغفار قال النووي رحمه الله معناه ما منكم من أحد يناشد الله في الدنيا في استيفاء حقه واستقصائه وتحصيله من جهة خصمه والمعتدي عليه بأشد منكم مناشدة


لله تعالى في الشفاعة لإخوانكم يوم القيامة وقال شارح من علمائنا معناه ما من أحد منكم أكثر اجتهادا ومبالغة في طلب الحق حين ظهر لكم الأمر الحق من المؤمنين في طلب خلاص إخوانهم العصاة في النار من النار يوم القيامة ثم بين مناشدتهم بقوله يقولون ربنا كانوا يصومون معنا أي موافقين لنا ويصلون أي صلاتنا ويحجون أي على طريقتنا فيقال لهم أخرجوا من عرفتم أي بهذه الأوصاف فتحرم بفتح الراء المشددة أي فتمنع صورهم أي تغيرها على النار أي بأن تأكلها أو تسودها بحيث لا تعرف وجوههم فيعرفهم المؤمنون الشافعون بسيماهم فيخرجون خلقا كثيرا أي منها ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به أي بإخراجه من أرباب


الصيام والصلاة والحج فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار أي مقداره من خير فأخرجوه في شرح السنة قال القاضي عياض رحمه الله قيل معنى الخير هنا اليقين قال والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن مجرد الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ وإنما يكون هذا التجزؤ بشيء زائد عليه من عمل صالح أو ذكر خفي أو عمل من أعمال القلب من الشفقة على مسكين أو خوف من الله تعالى ونية صادقة فيخرجوا خلقا كثيرا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه نصف مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر أي لم نترك فيها أي في جهنم خيرا أي أهل خير قال الطيبي رحمه الله أي من كان فيه شيء من ثمرات الإيمان من ازدياد اليقين أو العمل الصالح فوضع الخير موضع الذات كما يوضع العدل موضعه مبالغة أي فيقال رجل عدل وأريد به المعنى المصدري مبالغة على أن المعنى كأنه هو بل هو هو مع أنه قد يقال إن العدل مصدر بمعنى العادل أو على تقدير مضاف أي صاحب عدل نحو قوله واسئل القرية يوسف والله تعالى أعلم فيقول الله شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق أي أحد ممن يرحم على أحد إلا أرحم الراحمين أي الذي رحمته وسعت كل شيء وإن رحمة كل أحد في جنب أثر رحمته كلا شيء فيقبض قبضة أي ما يسع الكف من النار أي من أهلها فيخرج أي الله منها أي من النار أو من جهة تلك القبضة قوما لم يعملوا خيرا قط أي ليس لهم خير زائد على مجرد الإيمان قال النووي هم الذي معهم مجرد الإيمان ولم يؤذن فيهم بالشفاعة وتفرد الله تعالى بعلم ما تكنه القلوب بالرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان وفيه دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلب بالرحمة وصحبته نية وعلى زيادة الإيمان ونقصانه وهو مذهب أهل السنة قلت المحققون منهم على أن التصديق الذي هو الإيمان على التحقيق لا يقبل الزيادة والنقصان وإنما التفاوت في أنواره وثمراته ونتائجه من حقائق


الإيقان ودقائق العرفان ومراتب الإحسان ومنازل العرفان والله تعالى أعلم قد عادوا الجملة صفة أو حال والمعنى صاروا حمما بضم ففتح جمع حممة وهي الفحم فيلقيهم أي يأمر الله بإلقائهم أو يلقيهم بلا واسطة في نهر بفتح الهاء ويسكن أي جدول ماء كائن في أفواه الجنة أي في أوائلها وهو جمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة وهو جمع سمع من العرب على غير قياس وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها كذا ذكره الطيبي رحمه الله ويمكن أن يكون الأفواه كناية عن أبواب الجنة وهو الملائم لدخولهم إياها


على أحسن الهيئة يقال له أي لذلك النهر نهر الحياة فيخرجون أي من النهر كما تخرج الحبة بكسر الحاء فتشديد الموحدة في حميل السيل بفتح الحاء وكسر الميم أي محمولة ففي شرح السنة الحبة بالكسر اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هاجت ثم إذا مطرت من قابل نبتت و قال الكسائي هي حب الرياحين فأما الحنطة ونحوها فهي الحب لا غير والحبة من الحب فبالفتح وحميل السيل هو ما يحمله السيل من غثاء أو طين فإذا اتفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتا قال النووي رحمه الله وإنما شبههم بها لسرعة نباتها وحسنها وطراوتها انتهى فالتشبيه في سرعة الظهور وقال شارح الحبة بالكسر بذور الصحراء مما ليس بقوت وقال العسقلاني الحبة بالكسر بذر الصحراء والجمع حبب وأما الحبة بالفتح فهو ما يزرعه الناس والجمع حبوب فيخرجون كاللؤلؤ أي في البياض والصفاء في رقابهم الخواتيم جمع الخاتم والجمع لمقابلة الجمع بالجمع والمراد هنا علامة تظهر في رقابهم ليكونوا متميزين من المغفورين بواسطة العمل الصالح كذا قاله شارح وقال صاحب التحرير المراد بالخواتيم هنا أشياء من ذهب أو غيره تعلق في أعناقهم يعرفون بها فيقول أهل الجنة أي حين رأوهم وظهر لهم تلك العلامة هؤلاء عتقاء الرحمان أدخلهم أي الله كما في نسخة الجنة بغير عمل أي عملوه على ما في نسخة صحيحة ولا خير أي من عمل باطن قدموه فيقال لهم لكم الخطاب للعتقاء أي لكم ما رأيتم أي مقدار مد بصركم من الجنة ومثله معه أو لكم ما رأيتم مما جاء في نظركم ومثله معه من الحور العين والقصور وقال الطيبي رحمه الله تعالى فيه حذف أي فينظرون في الجنة إلى أشياء ينتهي مد بصرهم إليها فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه أقول وفيه إيماء إلى قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن أي جنة ظاهرة وجنة باطنة أو جنة من جهة العدل وجنة من طريق الفضل متفق عليه وعنه أي عن أبي سعيد رضي الله عنه


قال قال رسول الله إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يقول الله تعالى أي للأنبياء أو لغيرهم من الشفعاء أو للملائكة وهو الأظهر لما سيأتي مصرحا في رواية أبي هريرة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فاخرجوه أي من النار قيل بهذا الحديث يظهر أن من أخرجهم الرحمان بقبضة كانوا
مؤمنين بلا خير وعمل زائد على الإيمان دون الكفار كما يوهمه ظاهر العبارة هناك فإنه مخالف للإجماع فيخرجون بصيغة المجهول قد امتحشوا على بناء الفاعل أي احترقوا والجملة حالية وقيل بالمفعول فكأنه جعل متعديا بمعنى المحش على حذف الزوائد وهو إحراق النار الجلد وفي النهاية المحش إحراق الجلد وظهور العظم وفي القاموس امتحش احترق وقال العسقلاني امتحشوا احترقوا وزنا معنى وعند بعضهم بضم المثناة وكسر الحاء ولا يعرف في اللغة امتحشه متعديا وإنما سمع لازما مطاوع محشه وقال النووي رحمه الله هو بفتح التاء والحاء المهملة والشين المعجمة هكذا هو في الروايات وبه ضبط الخطابي والهروي ونقله القاضي عياض رحمه الله عن شيوخه ومعناه احترقوا قال القاضي ورواه بعض شيوخنا بضم التاء وكسر الحاء وعادوا حمما فيلقون في نهر الحياة فينبتون أي تعود أبدانهم إليهم كما تنبت الحبة في حميل السيل ألم تروا أي ألم تبصروا أو ألم تعلموا أنها أي الحبة تخرج أي أولا صفراء أي خضراء ملتوية أي ملفوفة مجتمعة وقيل منحنية متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فذكر أي أبو هريرة معنى حديث أبي سعيد أي الذي مر قبيل ذلك غير كشف الساق وقال أي النبي أو أبو هريرة مرفوعا يضرب الصراط أي يمد بين ظهراني جهنم أي بين طرفيها فيوافق رواية على متنها وظهرها وفوقها فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته الباء للتعدية أي من يجاوزهم عنها ولا يتكلم يومئذ أي في ذلك المقام إلا الرسل قال ابن الملك أراد بقوله يومئذ وقت جواز الصراط وإنما فسرناه


بهذا لأن ثمة مواطن لا يتكلم فيها الناس قلت لقوله هذا يوم لا ينطقون المرسلات ولكن هناك مواقف يتكلم فيها عموم الناس أيضا فالحصر يفيد التقييد بحينئذ وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم
كرر للتأكيد وفي جهنم أي في أطرافها كلاليب بلا صرف لكونه على صيغة منتهى الجموع جمع كلاب بالضم أو كلوب بالفتح وبتشديد اللام فيهما وهي حديدة معوجة الرأس يخطف بها أو يعلق عليها اللحم ويرسل في التنور أو عود في رأسه اعوجاج يجر بها الجمر مثل شوك السعدان بفتح فسكون وهو نبت له شوك عظيم ويقال لشوكه حسك السعدان ويشبه حلمة الثدي لا يعلم قدر عظمها بكسر ففتح أي عظمة تلك الكلاليب إلا الله تخطف أي تأخذ الكلاليب بسرعة والطاء مفتوحة وروي بكسرها والأولى هي الأولى لموافقة القرآن الذي هو اللغة الفصحى وقال النووي رحمه الله يروى بفتح الطاء وكسرها أي تخطف الناس بأعمالهم أي بسبب أعمالهم القبيحة أو بحسب أعمالهم السيئة فمنهم أي من ا لناس أو من العصاة أو من المخطوفين من يوبق أي يهلك ويحبس بعمله أي القبيح من وبق أي هلك وأوبقه غيره ففي النهاية وبق يبق ويوبق فهو وبق إذا هلك وأوبقه غيره فهو موبق أي مهلك ومنهم من يخردل بالدال المهملة على صيغة المجهول أي يصرع أو يقطع قطعا كالخردلة ففي النهاية المخردل المقطع تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي في النار يقال خردلت اللحم بالدال والذال أي فصلت أعضاءه وقطعتها قال ابن الملك رحمه الله وقيل يقطع الكلاليب لحمه على الصراط ويخرج أعضاؤه ثم ينجو أي من الوقوع في النار فالكافر يوبق والفاسق يخردل ثم يتخلص حتى إذا فرغ الله من القضاء أي من الحكم بين عباده بما يستحق كل من جزاء عمله وأراد أن يخرج من أراد أن يخرجه ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله أي يوحده أو يعرفه بالوحدانية أو يعبده على نعت التوحيد فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود قال تعالى سيماهم في وجوههم من أثر


السجود الفتح وحرم الله على النار أي منعها أن تأكل أثر السجود أي من وجوههم أو جباهم قال النووي رحمه الله ظاهر هذا أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة وهي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان وقال القاضي عياض رحمه الله المراد بأثر السجود الجبهة خاصة والمختار الأول قلت ويؤيد الثاني ما سبق من القرآن وما في رواية مسلم إلا دارة الوجه وهو المتبادر مما تقدم فتحرم صورهم على النار فهو المعول فكل ابن آدم أي آثار أفعاله من أعضائه تأكله النار إلا أثر السجود وهذا تأكيد


لما قبله فيخرجون من النار قد امتحشوا أي احترقوا وقد سبق فيصب عليهم ماء الحياة وقد مر أنهم يلقون في نهر الحياة ولعل الاختلاف باختلاف الأشخاص فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل أي محموله ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا تمييز الجنة بالنصب على أنه مفعول الدخول مقبل خبر آخر أو خبر مبتدأ آخر هو مقدر أي متوجه بوجهه قبل النار بكسر القاف وفتح الباء أي إلى جهتها فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار أي رده عنها وقد قشبني بفتح القاف والشين المعجمة والموحدة أي آذاني وأهلكني ريحها وقيل سمني وأهلكني من القشيب وهو السم المهلك وفي المقدمة أي ملأ خياشيمي والقشب السم ويطلق على الإصابة بكل مكروه وقال الداودي معناه غير جلدي وصورتي وأحرقني ذكاؤها بفتح المعجمة والمد وفي نسخة صحيحة ذكاها بالقصر قال النووي رحمه الله هو بالمد وفتح الذال المعجمة كذا وقع في جميع روايات الحديث أي لهبها واشتعالها وشدة وهجها والأشهر في اللغة مقصورة وقيل إن القصر والمد لغتان فيقول أي الرب هل عسيت أي يتوقع منك إن أفعل ذلك أي بك والإشارة إلى صرف الوجه والجملة الشرطية معترضة بين اسم عسى وخبرها وهو قوله أن تسأل غير ذلك والمعنى هل يتوقع منك بعد حصول ذلك سؤال غيره قال الطيبي رحمه الله فإن قلت كيف يصح هذا من الله تعالى وهو عالم بما كان وما يكون قلت معناه أنكم يا بني آدم لما عهد منكم من رخاوة الوعد ونقض العهد أحقاء بأن يقال لكم يا هؤلاء ما ترون هل يتوقع منكم ذلك أم لا وحاصله أن معنى عسى راجع إلى المخاطب لا إلى الله تعالى وهو من باب إرخاء العنان وبعث المخاطب على التفكر في أمره وشأنه لينصف من نفسه ويذعن للحق فيقول لا أي لا أسألك غير ذلك وعزتك لا أسأل غير ذلك فيعطي أي الرجل الله ما شاء الله مفعول ثان ليعطي أي ما قدره وقضاه أو ما أراده من عهد وميثاق أي قسم يوثق العهد به ويؤكد فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل بصيغة


الفاعل وفي نسخة على بناء المفعول به أي بوجهه على الجنة رأى بهجتها أي حسنها وكثرة خيرها سكت كذا في الأصول بلا عاطف في الفعلين هنا والظاهر أن يكون أحدهما جواب إذا والآخر عطف على الشرط والجزاء ولعل توجيهه أن قوله رأى بهجتها جملة حالية على مذهب من يجوزه
ولفظ المشارق فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت أي سكوته ثم قال يا رب قدمني عند باب الجنة أي إلى بابها كما سيأتي ويمكن أن يكون الظرف حالا مقدرة فيقول الله تبارك وتعالى أليس أي الشأن قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت فيقول يا رب لا أكون أشقى خلقك أي لا تجعلني أشقاهم والمراد بالشقاوة هنا الحرمان أي لا أكون محروما فيقول أي الرب فما عسيت ما استفهامية أي فهل عسيت إن أعطيت ذلك بصيغة المجهول أن تسأل غيره أي غير ذلك فيقول لا وعزتك لا أسألك غير ذلك تأكيد وبيان لقوله لا قبل ذلك وفي نسخة صحيحة لا أسأل غير ذلك فيعطي أي الرجل ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه أي الله إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها بفتح الزاي أي طيب عيش من فيها والزهرة البياض وزهرة الدنيا نضارتها وما فيها من النضرة أي الحسن والرونق والسرور أي الفرح بما فيها من الدور والقصور وكثرة الحور والتنعم بالحبور فسكت ما شاء الله أن يسكت بالفاء هنا على ما في جميع نسخ المشكاة قال الطيبي رحمه الله قوله فسكت كذا في صحيح البخاري وأكثر نسخ المصابيح فعلى هذا جواب إذا محذوف والمعنى إذا رأى ما رأى تحير فسكت ونظيره قوله تعالى وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها الزمر انتهى وقيل الواو زائدة وتسمى واو الثمانية نحو قوله تعالى ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم الكهف وقال أبو البقاء رحمه الله الواو زائدة عند قوم لأن الكلام جواب حتى إذا وليست زائدة عند المحققين والجواب محذوف تقديره اطمأنوا أو نحو ذلك فيقول يا رب أدخلني الجنة فيقول الله


تبارك وتعالى ويلك يا ابن آدم قال شارح ويلك منصوب على المصدر لا غير إن أضيف وإن لم يضف يرفع على الابتداء وينصب بإضمار الفعل مثل ويل لزيد وويلا لزيد أي أهلك الله إهلاكا أو هلكت هلاكا ما أغدرك بالغين المعجمة والدال المهملة وما فيه للتعجب أي يستحق أن يتعجب منك بكثرة غدرك في عهودك بأن لا تسأل غيره ويجوز أن يكون ما للاستفهام والهمزة للصيرورة أي أي شيء صيرك غادرا في عهودك وفي نسخة بالعين المهملة والذال المعجمة أي أي شيء جعلك في هذا السؤال معذورا أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت بصيغة


المجهول فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك قال الطيبي رحمه الله فإن قلت كيف طابق هذا الجواب قوله أليس قد أعطيت العهود والميثاق قلت كأنه قال يا رب بلى أعطيت العهود والميثاق ولكن تأملت في كرمك وعفوك ورحمتك وقولك لا تيأسوا من روح الله أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون يوسف فوقفت على أني لست من الكفار الذين أيسوا من رحمتك وطمعت في كرمك وسعة رحمتك فسألت ذلك فكأنه تعالى رضي عنه بهذا القول فضحك انتهى وهذا معنى قوله فلا يزال يدعو حتى يضحك الله أي يرضى منه أي من أجله وسبب كلامه ودعائه فإذا ضحك أذن له في دخول الجنة فيقول تمن أمر مخاطب فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته بضم همز وتشديد تحتية أي مطلوبة ومتمناه قال الله تعالى تمن من كذا وكذا قال المظهر من فيه للبيان يعني تمن من كل جنس ما تشتهي منه قال الطيبي رحمه الله ونحوه يغفر لكم من ذنوبكم الأحقاف ويحتمل أن تكون من زائدة في الإثبات على مذهب الأخفش وقوله أقبل يذكره ربه بدل من الجملة السابقة على سبيل البيان وربه يتنازع فيه العاملان انتهى وأقبل بمعنى شرع ويذكره بتشديد الكاف أي يلهمه ويلقنه ربه بما ينبغي أن يسأله فيتمنى حتى إذا انتهت به الأماني أي انقطعت ولم تبق له أمنية قال اللله لك ذلك أي مسؤولك ومأمولك ومثله معه أي تفضلا عليك وفي رواية أبي سعيد قال الله لك ذلك أي ما تمنيت وعشرة أمثاله أي في الكيفية وإن كان مثله في الكمية وبهذا يرتفع التدافع ويندفع التمانع والله سبحانه وتعالى أعلم متفق عليه وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله قال آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة قال الطيبي رحمه الله الفاء يجوز أن تكون تفصيلية أبهم أولا دخوله الجنة ثم فصل كيفية دخولها ثانيا وأن تكون لتعقيب الأخبار وأن تقدم ما بعدها على ما قبلها في


الوجود فوقعت موقع ثم في المعنى كأنه قيل أخبركم عقيب هذا القول حاله فهو يمشي قبل دخوله في الجنة مرة ويكبو بضم الموحدة أي يقف وقيل يسقط لوجهه مرة أي أخرى وتسفعه النار بفتح الفاء أي تحرقه مرة أو تجعل عليه علامة من سواد الوجه وزرقة العين يقال سفع من النار أي علامة منها وسفعت الشيء إذا جعلت عليه علامة قال ابن الملك أي تلفحه لفحا يسيرا فيتغير لون بشرته وقيل أي تعلمه علامة أي أثرا منها وفي القاموس لفحت النار بحرها أحرقت وسفع الشيء كمنعه أعلمه ووسمه والسموم وجهه لفحه لفحا يسيرا فإذا جاوزها التفت إليها فقال تبارك أي تعظم وتعالى أو تكاثر خير ه الذي نجاني منك هذا فرح بما أعطاه من النجاة وقوله لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين جواب قسم محذوف أقسم من الفرح أن نجاته نعمة ما ظفر بها أحد من العالمين ولعل وجهه أنه ما رأى أحدا مشاركا له في خروجه من النار ولم يدر أن الأبرار في نعيم دار القرار فترفع له شجرة أي عندها عين ماء لما سيأتي فيقول أي رب وأي في الأصل لنداء القريب وبابه ويا للبعيد فتارة ينظر إلى قرب الرب من العبد كما قال سبحانه وتعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ق صلى الله عليه وسلم وتارة يراعي بعد العبد من الرب كما قيل يا للتراب ورب الأرباب أدنني أمر من الإدناء أي قربني من هذه الشجرة فلأستظل بكسر اللام الأولى ونصب الفعل قال الطيبي رحمه الله الفاء سببية واللام مزيدة أو بالعكس يعني والفاء مزيدة واللام للعلة ففيه مسامحة لا تخفى ثم في الكلام تجريد والمعنى لأنتفع بظلها وأشرب من مائها فيقول الله يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها أي مسألتك أو أمنيتك سألتني غيرها هو جواب الشرط وهو دال على خبر لعل فيقول لا يا رب ويعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره بفتح الياء ويضم أي يجعله معذورا وفي النهاية وقد يكون أعذر بمعنى جعله موضع العذر وفي المشارق عذرته وأعذرته أي قبلت عذره وفي المصباح


عذرته فيما صنع عذرا من باب ضرب رفعت عنه اللوم فهو معذور وأعذرته بالألف لغة واعتذر أي طلب قبول معذرته واعتذر عن فعله أظهر عذره لأنه أي العبد يرى ما لا صبر له عليه كذا في الأصول في المرتين الأوليين وكذا في الثالثة في بعض الأصول وفي أكثرها عليها بتأويل ما بنعمة وعلى بمعنى عن كذا في شرح مسلم للنووي وقرره السيوطي في حاشية على مسلم فيدنيه منها أي فيقربه من الشجرة فيستظل بظلها ويشرب من مائها ثم ترفع له شجرة أي أخرى هي أحسن من الأولى لأنه أراد له الترقي من الأدنى إلى الأعلى فيقول أي رب أدنني من هذه الشجرة لأشرب من مائها وأستظل


بظلها الواو لمطلق الجمع لأن الظاهر أن الاستراحة بظلها قبل الشرب من مائها لا أسألك غيرها قال الطيبي رحمه الله هو حال تنازع فيه أستظل وأشرب فيقول يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها فيقول أي الرب لعلي إن أدنيتك منها تسألني بالرفع أي تطلب مني غيرها فيعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها ثم ترفع له شجرة أي ثالثة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين فيقول أي رب أدنني من هذه فلأستظل بظلها وأشرب من مائها لا أسألك غيرها فيقول يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها قال بلى يا رب هذه منصوب المحل بفعل يفسره ما بعده أي هذه أسألك لا أسألك غيرها حال أو استئناف وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه وفي بعض النسخ عليها وقد سبق الكلام عليهما فيدنيه منها فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة أي في مصاحبتهم مع أزواجهم ومجاورتهم مع أصحابهم فأراد الاستئناس بهم أو في غنائهم فأراد التقرب ليتلذذ بأنغامهم فيقول يا رب أدخلنيها فيقول يا ابن آدم ما يصريني منك بفتح الياء وسكون الصاد المهملة قال صاحب النهاية وفي رواية ما يصريك مني أي ما يقطع مسألتك ويمنعك من سؤالي يقال صريت الشيء إذا قطعته وصريت الماء جمعته وحبسته انتهى والمعنى قد كررت سؤالك مع معاهدتك أن لا تسأل فماذا يقطع سؤالك عني ويرضيك قال التوربشتي صري عنه شره أي دفع وصريته منعته وصريت ما بينهم صريا أي فصلت يقال اختصمنا إلى الحاكم فصرى ما بيننا أي قطع ما بيننا وفصل وحسن أن يقال ما يفصل بيني وبينك أي ما الذي يرضيك حتى تترك مناشدتك والمعنى إني أجبتك إلى مسألتك كرة بعد أخرى وأخذت ميثاقك أن لا تعود ولا تسأل غيره وأنت لا تفي بذلك فما الذي يفصل بيني وبينك في هذه القضية ويكون على وجه المجاز والاتساع والمبتغى منه التوفيق على فضل الله ورحمته وكرمه وبره بعباده حتى أنه يخاطبهم مخاطبة


المستعطف الباعث سائله على الاستزادة قال وفي كتاب المصابيح ما يصريني منك وهو غلط والصواب ما يصريك مني كذا رواه المتقنون من أهل الرواية قال المظهر يمكن أن يحمل على القلب فأصله ما يصريك مني وقلب للعلم به والقلب في كلامهم شائع ذائع في استعمالهم قال الطيبي رحمه الله الرواية صحيحة والمعنى صحيح على سبيل
الكناية قال النووي ما يصريني منك بفتح الياء واسكان الصاد المهملة كذا في صحيح مسلم وروي في غير مسلم ما يصريك مني قال إبراهيم الحربي رحمه الله هو الصواب وأنكر الرواية التي في صحيح مسلم رحمه الله وغيره وليس كما قال بل كلاهما صحيح وإن السائل متى انقطع عن المسؤول انقطع المسؤول عنه والمعنى أي شيء يرضيك ويقطع السؤال بيني وبينك أيرضيك أن أعطيك الدنيا أي قدرها ومثلها معها قال أي رب أتستهزىء مني أي أتحلني محل المستهزأ به وأنت رب العالمين والجملة حالية والاستهزاء بالشيء إذا أسند إلى الله تعالى يراد إنزال الهوان عليه وإحلاله إياه محل المستهزأ به كذا ذكره شارح وقال في شرح مسلم للنووي هذا وارد من السؤال على سبيل الفرح والاستبشار قال القاضي عياض هذا الكلام صادر عنه وهو غير ضابط لما نال من السرور ببلوغ ما لم يخطر بباله فلم يضبط لسانه دهشة وفرحا وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق ونحوه حديث التوبة قول الرجل عند وجدان زاده مع راحلته من شدة الفرح أنت عبدي وأنا ربك انتهى وتوضيحه ما ذكره ابن الملك أن قيل كيف صدر منه هذا القول بعد كشف الغطاء واستواء العالم والجاهل في معرفة الله تعالى فيما يجوز على الله وما لا يجوز قلنا مثابة هذا العالم مثابة العالم العارف الذي يستولي عليه الفرح بما آتاه الله فيزل لسانه من شدة الفرح كما أخطأ في القول من ضلت راحلته بأرض فلاة عليها طعامه وشرابه فأيس منها ثم بعدما وجدها وأخذ بخطامها قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك فضحك ابن مسعود فقال ألا بالتخفيف تسألوني


بتشديد النون وتخفف مم أضحك أي من أي شيء أضحك فقالوا مم تضحك فقال هكذا ضحك رسول الله فقالوا مم تضحك يا رسول الله قال من ضحك رب العالمين حين قال له أتستهزىء مني وأنت رب العالمين قال التوربشتي رحمه الله الضحك من الله ومن رسوله وإن كانا متفقين في اللفظ فإنهما متباينان في المعنى وذلك أن الضحك من الله سبحانه يحمل على كمال الرضا عن العبد وإرادة الخير ممن يشاء من عباده أن يرحمه وقال القاضي رحمه الله وإنما ضحك رسول الله استعجابا وسرورا بما رأى من كمال رحمة الله ولطفه على عبده المذنب وكمال الرضا عنه وأما ضحك ابن مسعود فكان اقتداء بسنة رسول الله لقوله هكذا ضحك رسول الله قلت الظاهر أنه لاحظ المعنى الموجب للضحك لا أنه مجرد تقليد وحكاية لفعله فإنه ليس أمرا اختياريا ولا يصدر من غير باعث


من قول عجيب أو فعل غريب فيقول إني لا أستهزىء منك ولكني على ما أشاء قادر وفي نسخة قدير قال الطيبي رحمه الله فإن قلت مم استدركه قلت عن مقدر فإنه تعالى لما قال له أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها فاستبعده العبد لما رأى أنه ليس أهلا لذلك وقال أتستهزىء بي قال سبحانه وتعالى نعم كنت لست أهلا له لكني أجعلك أهلا لها وأعطيك ما استبعدته لأني على ما أشاء قدير رواه مسلم أي عن ابن مسعود وفي رواية له أي لمسلم عن أبي سعيد نحوه أي نحو المروي عن ابن مسعود إلا أنه أي أبا سعيد لم يذكر فيقول يا ابن آدم ما يصريني منك إلى آخر الحديث وزاد أي نقص من الحديث ما سبق وزاد فيه ويذكره الله بالتشديد أي يعلمه سل كذا وكذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله هو لك وعشرة أمثاله قال أي النبي ثم يدخل أي العبد بيته أي قصره فيدخل عليه زوجتاه من الحور العين قال النووي زوجتاه بالتاء تثنية زوجة هكذا ثبت في الرواية والأصول وهي لغة صحيحة معروفة فتقولان الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك أي خلقك لنا وخلقنا لك ووضع إحياء موضع خلق إشعارا بالخلود وأنه تعالى جمع بينهما في هذه الدار التي لا موت فيها وأنها دائمة السرور والحياة قال تعالى وإن الدار الآخرة لهي الحيوان العنكبوت قال أي النبي فيقول أي العبد ما أعطي أحد مثل ما أعطيت أي لعدم اطلاعه على إعطاء غيره والله تعالى أعلم وعن أنس أن النبي قال ليصيبن أي والله ليدركن وليمسن أقواما سفع من النار بفتح فسكون أي سواد من لفح النار أو علامة منها كذا في المقدمة وقيل إحراق قليل منها بذنوب أي بسببها وقوله أصابوها صفة ذنوب وقوله عقوبة مفعول له ثم يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته كذا في أصل السيد وبعض النسخ وفي بعضها بفضل


رحمته فيقال لهم الجهنميون قال الطيبي رحمه الله ليست التسمية بها تنقيصا لهم بل استذكارا ليزدادوا فرحا إلى فرح وابتهاجا إلى ابتهاج وليكون ذلك علما لكونهم عتقاء الله تعالى رواه البخاري وكذا أبو داود والترمذي وعن عمران بن حصين قال قال رسول الله يخرج قوم وفي نسخة أقوام من النار بشفاعة محمد وفي نسخة فيدخلون الجنة بصيغة المفعول وقيل بالفاعل ويسمون الجهنميين وفي المصابيح الجهنميون قال شارح له الرواية بالواو وحقه الياء لأنه مفعول يسمون ويحتمل أن يكون الجهنميون بالواو علما لهم فلم يغير رواه البخاري وكذا أبو داود والترمذي وابن ماجه وفي رواية يخرج قوم من أمتي من النار بشفاعتي يسمون الجهنميين وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا أي فيها والظاهر أنهما متلازمان فالجمع بينهما للتوضيح ولا يبعد أن يكون احترازا مما عسى أن يتوهم من حبس أحد في الموقف من أهل الجنة حينئذ والله تعالى أعلم رجل يخرج من النار حبوا حال أو مصدر من حبا الصبي إذا مشى على أربع أو دب على أسته أي زحف كما في رواية فيقول الله أي له اذهب فأدخل الجنة فيأتيها أي فيجيء قريبا منها أو فيدخلها فيخيل إليه أي من تصويره تعالى أنها أي الجنة ملأى تأنيث ملآن فيقول أي رب وجدتها ملأى يعني وليس لي مكان فيها فيقول اذهب فادخل الجنة المراد بها جنسها أو جنة بخصوصها فإن لك مثل الدنيا أي في سعتها


وقيمتها وعشرة أمثالها أي زيادة عليها في الكمية والكيفية وفيه إيماء إلى قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام فالمؤمن حيث ترك الدنيا وهي صارت كالحبس في حقه جوزي بمثلها عدلا وبأضعافها فضلا فيقول أتسخر بفتح الخاء أي أتستهزىء مني أو تضحك مني شك من الراوي وأنت الملك أي والحال أنك الملك القدوس الجليل فلقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت أي ظهرت نواجذه أي أواخر أضراسه وكان يقال الظاهر أن هذا كلام عمران أو من بعده من الرواة فالمعنى وكان يقول الصحابة أو السلف ذلك أدنى أهل الجنة منزلة متفق عليه وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة أي فيها وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال إعرضوا بكسر الهمزة والراء أي أظهروا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها أي بمحوها أو بإخفائها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا أي في الوقت الفلاني كذا وكذا أي من عمل السيئات وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا أي من ترك الطاعات فيقول نعم أي في كل منهما أو بعدهما جميعا لا يستطيع أن ينكر أي شيئا منهما استئناف أو حال وهو أي الرجل مشفق أي خائف من كبار ذنوبه أن تعرض أي تلك الكبار عليه لأن العذاب المترتب عليها أكبر وأكثر فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة وهو إما لكونه تائبا إلى الله تعالى وقد قال تعالى إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات الفرقان لكن يشكل بأنه كيف يكون آخر أهل النار خروجا ويمكن أن يقال فعل بعد التوبة ذنوبا استحق بها العقاب وإما وقع التبديل له من باب الفضل من رب الأرباب والثاني أظهر ويؤيده أنه حينئذ يطمع في كرم الله سبحانه فيقول رب قد عملت أشياء أي من الكبائر لا أراها ههنا أي في الصحائف أو في مقام التبديل ولقد رأيت


رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه رواه مسلم وعن أنس أن رسول الله قال يخرج من النار أربعة قال ابن الملك رحمه الله هم الآخرون خروجا منها فيعرضون على الله ثم يؤمر بهم إلى النار فيلتفت أحدهم فيقول أي رب لقد كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني فيها قال فينجيه بالتخفيف ويشدد أي فيخلصه الله منها رواه مسلم قال الطيبي رحمه الله ولعل هذا الخروج والله تعالى أعلم بعد الورود المعني بقوله تعالى وإن منكم إلا واردها مريم وقيل معنى الورود الدخول فيها وهي خامدة فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم وإليه الإشارة بقوله في الحديث الذي يليه وهو قوله وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا فذكر من الأربعة واحدا وحكم عليه بالنجاة وترك الثلاثة اعتمادا على المذكور لأن العلة متحدة في الإخراج من ا لنار والنجاة منها ولأن الكافر لا خروج له البتة فيدخل مرة أخرى ولهذا قال حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة قال ونحوه في الأسلوب وهو أن يراد أشياء ويذكر بعضها ويترك بعضها قوله تعالى فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا جمع الآيات وفصلها بآيتين إحداهما قوله مقام إبراهيم وثانيتهما ومن دخله كان آمنا آل عمران الكشاف ذكر هاتين الآيتين وطوى عن ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات ونحوه في ذي الذكر قول جرير كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها


هذا وضبط قوله يخلص المؤمنون بصيغة المجهول مخففا من الإخلاص وفي نسخة بالتشديد من التخليص وفي أخرى بفتح الياء وضم اللام من الخلاص ففي النهاية خلص سلم ونجا ثم المراد بالقنطرة الصراط الممدود والمظالم جمع مظلمة بكسر اللام وهي ما تطلبه عند الظالم مما أخذه منك وقوله ونقوا من التنقية عطف تفسير لهذبوا بصيغة المجهول من التهذيب والذي نفس محمد بيده لأحدهم أي من أهل الجنة أهدى بمنزلة أي إليه فإن الباء تأتي بمعنى إلى على ما في القاموس كقوله تعالى وقد أحسن بي يوسف أي إلي فالمعنى أعرف وأكثر هداية إلى منزله في الجنة منه بمنزلة كان له في الدنيا وقال الطيبي رحمه الله هدى لا يعدى بالباء بل باللام وإلى فالوجه أن يضمن معنى اللصوق أي ألصق بمنزله هاديا إليه وفي معناه قوله تعالى يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار يونس أي يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة فجعل تجري من تحتهم الأنهار بيانا له وتفسيرا لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها رواه البخاري وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لا يدخل أحد الجنة ألا أري بصيغة المجهول من الإراءة وقوله مقعده بالنصب مفعول ثان له وقوله من النار بيان للمقعد لو أساء أي لو أساء العمل وعصى ربه فرضا وتقديرا لكان ذلك مقعده ليزداد شكرا علة لأري ويحتمل أن يكون الإراءة في القبر على ما يشهد له بعض الأحاديث ويحتمل أن يكون يوم القيامة على ما هو الظاهر المتبادر من هذا الحديث والله تعالى أعلم ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن أي العمل والجواب مقدر على ما سبق أو لو في الموضعين للتمني ليكون أي الإراءة لكونه مصدرا ذكر فعله عليه حسرة بالنصب على الخبرية وفي نسخة بالرفع على أن كان تامة أي ليقع عليه حسرة وندامة وملامة يوم القيامة رواه البخاري


وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت أي أحضر به وفي رواية أنه يؤتى به على صورة كبش أملح ليتيقنوا غاية اليقين والعرفان حتى يجعل أي واقفا بين الجنة والنار ثم يذبح قال العسقلاني رحمه الله والحكمة فيه الإشارة إلى أنه حصل لهم الفداء كما فدي ولد إبراهيم بالكبش وفي الأملح إشارة إلى صفتي أهل الجنة والنار لأن الأملح ما فيه بياض وسواد ثم ينادي مناد يا أهل الجنة لا موت أي أبدا بل خلود بلا موت كما في رواية ويا أهل النار لا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم بضم الحاء وسكون الزاي ويجوز فتحهما وبهما قرىء في السبعة قال التوربشتي رحمه الله المراد منه أنه يمثل لهم على المثال الذي ذكره في غير هذه الرواية يؤتى بكبش له عين الحديث وذلك ليشاهدوه بأعينهم فضلا أن يدركوه ببصائرهم والمعاني إذا ارتفعت عن مدارك الأفهام واستعلت عن معارج النفوس لكبر شأنها صيغت لها قوالب من عالم الحس حتى تتصور في القلوب وتستقر في النفوس ثم إن المعاني في الدار الآخرة تنكشف للناظرين انكشاف الصور في هذه الدار الفانية وأما إذا أحببنا أن نؤثر الإقدام في سبيل لا معلم بها لأحد من الأنام فاكتفينا بالمرور عن الإلمام متفق عليه
الفصل الثاني
عن ثوبان عن النبي قال حوضي من عدن بفتحتين وهو يصرف ولا


يصرف آخر بلاد اليمن مما يلي بحر الهند إلى عمان البلقاء بضم العين المهملة وتشديد الميم مضافا إلى البلقاء بفتح موحدة وسكون لام وقاف ممدودة قال الطيبي رحمه الله عمان مدينة بالشام وفي شرح السنة موضع بالشام وبضم العين وتخفيف الميم موضع بالبحرين قلت لكن الأصول المعتمدة والنسخ المصححة اجتمعت على الضبط الأول فهو المعول ثم الأظهر أن البلقاء مدينة بالشام وعمان موضع بها وإنما أضيف لقربه إليها على ما أشار إليه العسقلاني رحمه الله والمعنى مقدار سعة حوضي في العقبى كما بين الموضعين في الدنيا ثم اعلم أن اختلاف الأحاديث في تقدير الحوض كحديث أنس ما بين أيلة وصنعاء وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما بين جرباء وأذرح وحديث ابن عمرو مسيرة شهرين وحديث حارثة بن وهب كما بين صنعاء والمدينة ونحو ذلك مبني على أن المقصود تصوير كثرة طوله وعرضه لا تعيين قدره بعينه وحصره فورد الحديث في كل مقام بما يوافق إدراك السامع في المرام ولا يبعد أن يختلف باختلاف مذهب الناظرين ومشرب الواردين وسعة صدورهم وحذاقة بصرهم كاختلاف وسعة القبر ومنازل الجنة بالنسبة إلى السالكين والله تعالى أعلم ماؤه أشد بياضا من اللبن فيه إيماء إلى أن البياض هو اللون المحبوب خلافا لما اختاره بعض من اللون الأصفر لمقتضى طبعه المقلوب وأغرب منهم أنهم يميلون إلى تغيير شفة نسائهم المحمرة إلى لون السواد مع أنه مما يغم الفؤاد ويورث الشواد والكباد وأحلى من العسل أي ألذ منه مع ما فيه من الشفاء للعباد وفيه إشعار إلى مذمة شربة الخمر لما فيها من الحرارة مع قطع النظر عما يترتب على شربها من الفساد وأكوابه جمع كوب وهو الكوز الذي لا عروة له على ما في الشروح أو لا خرطوم له على ما في القاموس عدد نجوم السماء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي عدد أكوابه عدد نجوم السماء وفي بعض النسخ بالنصب على نزع الخافض وهو الأظهر أي بعدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ


بعدها أبدا فيه إيماء إلى تفاوت مراتب الشاربين واختلاف رفع ظماء الواردين أول الناس ورودا أي عليه فقراء المهاجرين أي لتعطشهم الظاهري والمعنوي وقد قال أجوعكم في الدنيا أشبعكم في الآخرة وعلى قياسه أظمؤكم وقال تعالى كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية الحاقة والمراد من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وهو سيدهم وفي معناهم كل من هاجر من وطنه
الأصلي لله سبحانه واختار الفقر على الغنى والخمول على الشهرة وزهد في تحصيل المال والجاه واشتغل بالعلم والعمل في رضا مولاه الشعث بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة جمع أشعث بالمثلثة أي المتفرق الشعر رؤوسا تمييز والرأس قد يتناول الوجه فتدخل اللحية في شعر الرأس من هذا الوجه الدنس بضم الدال المهملة والنون وقد يسكن جمع الدنس وهو الوسخ ثيابا الذين لا ينكحون بصيغة المجهول أي لا يزوجون لو خطبوا المتنعمات بكسر العين وفي نسخة بفتح الياء وكسر الكاف أي الذين لا يتزوجون المتنعمات لتركهم الشهوات وزهدهم في اللذات ولا يفتح لهم السدد بضم السين وفتح الدال الأولى المهملتين جمع سدة وهي باب الدار سمي بذلك لأن المدخل يسد به والمعنى لو وقفوا على باب أرباب الدنيا فرضا وتقديرا لا يفتح لهم ولا يؤبه بهم أو هو كناية عن عدم الالتفات إليهم في الضيافة وأنواع الدعوة حيث لم يدعوهم إلى مقامهم ولم يتباركوا بأقدامهم رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وكذا الحاكم وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن زيد بن أرقم قال كنا مع رسول الله أي في سفر فنزلنا منزلا فقال ما أنتم أي أيها الصحابة الحاضرون جزء بالرفع في أصل السيد وكثير من النسخ وفي نسخة بالنصب من مائة ألف جزء ممن يرد على الحوض قال ابن الملك رحمه الله يجوز نصب جزء على لغة أهل الحجاز بإعمال ما وإجرائه مجرى ليس ويجوز رفعه على لغة بني تميم يريد به كثرة من آمن به وصدقه من الإنس والجن قيل كم كنتم يومئذ كم الاستفهامية


محلها نصب على أنه خبر كان أي كم رجلا أو عددا كنتم حين إذ كنتم معه في السفر قال أي زيد بن أرقم سبعمائة بالنصب أي كنا وفي نسخة بالرفع أي كان عددنا سبعمائة أو ثمانمائة يحتمل الشك من الراوي عن زيد ويحتمل أن يكون بمعنى بل ويحتمل التردد من زيد كما هو مقرر في باب التخمين والمراد أن العدد ما بينهما لا ينقص عن الأول ولا يزيد على الثاني والله تعالى أعلم رواه أبو داود
وعن سمرة أي ابن جندب قال قال رسول الله إن لكل نبي حوضا أي يشرب أمته من حوضه وإنهم أي الأنبياء ليتباهون بفتح الهاء أي يتفاخرون أيهم أكثر واردة أي ناظرين أيهم أكثر أمة واردة ذكره الطيبي رحمه الله وقيل أيهم موصولة صدر صلتها محذوف أو مبتدأ وخبر كما تقول يتباهى العلماء أيهم أكثر علما أي قائلين وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة ولعل هذا الرجاء قبل أن يعلم أن أمته ثمانون صفا وباقي الأمم أربعون في الجنة على ما سبق ثم الحوض على حقيقته المتبادر منه على ما في المعتمد في المعتقد وأغرب الطيبي رحمه الله حيث قال يجوز أن يحمل على ظاهره فيدل على أن لكل نبي حوضا وأن يحمل على المجاز ويراد به العلم والهدى ونحوه قوله ومنبري على حوضي في وجه وإليه يلمح قوله ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تبعا يوم القيامة قلت هذا المعنى لا ينافي الحوض الحسي الذي هو مبني على مراتب الواردة بقدر أخذ الفيض من العلم والهدى الذي حصل لهم من جهة أنبيائهم بل أقول لا بد في التفاوت بين ماء كل حوض في الصفاء والرواء واللذة والكثرة بحسب اختيارهم مذهبهم فهو على منوال فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم البقرة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن أنس رضي الله عنه قال سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة أي الشفاعة الخاصة من بين هذه الأمة دون الشفاعة العامة فقال أنا فاعل قلت


يا رسول الله فأين أطلبك قال الطيبي رحمه الله أي في أي موطن من المواطن التي أحتاج إلى شفاعتك أطلبك لتخلصني من تلك الورطة فأجاب على الصراط وعند الميزان والحوض أي أفقر الأوقات إلى شفاعتي هذه المواطن فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث وحديث عائشة في الفصل الثاني من باب الحساب فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة فقال أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا قلت جوابه لعائشة بذلك لئلا تتكل على كونها حرم رسول
الله وجوابه لأنس كيلا ييأس أقول فيه أنه خادم رسول الله فهو محل الاتكال أيضا مع أن اليأس غير ملائم لها أيضا فالأوجه أن يقال إن الحديث الأول محمول على الغائبين فلا أحد يذكر أحدا من أهله الغيب والحديث الثاني محمول على من حضره من أمته فيؤول بأن بين عدم التذكر وبين وجود الشفاعة عند التحضر كما يدل عليه قوله فأين أطلبك قال اطلبني أول ما تطلبني أي في أول طلبك إياي على الصراط فما مصدرية وأول نصب على الظرفية قال الطيبي رحمه الله نصبه على المصدر ية قلت فإن لم ألقك على الصراط قال فاطلبني عند الميزان فيه إيذان بأن الميزان بعد الصراط قلت فإن لم ألقك عند الميزان قال فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطىء بضم همز وكسر الطاء بعدها همز أي لا أتجاوز هذه الثلاث أي البقاع وفي نسخة هذه الثلاثة بالتاء أي المواطن والمعنى لا أتجاوزهن ولا أحد يفقدني فيهن جميعهن فلا بد أن تلقاني في موضع منهن وقد استشكل كون الحوض بعد الصراط لما سيأتي في حديث الباب أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن كادوا يردون ويذهب بهم إلى النار ووجه الإشكال أن الذي يمر على الصراط إلى الحوض يكون قد نجا من النار فكيف يرد إليها ويمكن أن يحمل على أنهم يقربون من الحوض بحيث يرون فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من الصراط كذا حققه الشيخ ابن حجر العسقلاني رحمه الله رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي قال قيل له ما المقام المحمود أي


الذي وعدته في قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا الإسراء قال ذلك يوم بالرفع والتنوين على الرواية الصحيحة على ما صرح به جمع من علمائنا ويجوز فتحه وهو خبر ذلك على التقديرين أما على الثاني فظاهر وأما على الأول فتقديره ذلك اليوم الذي أبلغ فيه المقام المحمود ينزل الله تعالى على كرسيه يمكن أن يكون كناية عن حكمه بالعدل في يوم الفصل قيل إظهار الفضل المتوقف على شفاعته إشعارا لمزيد فضله على خلقه فكما أنه لولاه أولا لما خلق الأفلاك ولا وجد الأملاك فكذا لولاه آخرا لوقع الأنام في الهلاك فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو مظهر الكل المعبر عنه بأنه مظهر الجامع المسمى بالله وقيل هذا على طريقة الاستعارة التمثيلية كما أشار إليه القاضي بقوله مثل التجلي لعبادة بنعت العظمة والكبرياء والإقبال عليهم للعدل والقضاء وإدناء المقربين منه


على حسب مراتبهم وكشف الحجاب فيما بينه وبينهم بنزول السلطان من غرف القصر إلى صدر الدار وجلوسه على كرسي الملك للحكومة والفصل وإقامة خواصه وأهل كرامته حواليه قداما ووراء ويمينا وشمالا على تفاوت مراتبهم لديه وقيل معنى نزول الله تعالى على كرسيه ظهور مملكته وحكمه محسوسا وقيل معناه التجلي له بنعت العظمة والإقبال بوصف الكبرياء في اليوم الموعود حتى يتضايق من احتمال ما قد غشيه من ذلك وهذا لم يبعد عن الحق لما في كشف الحجاب من معنى النزول عن معارج الجلال إلى مدارج الجمال فيئط بكسر الهمزة وتشديد الطاء أي يصوت الكرسي كما يئط الرحل أي الأكاف الجديد براكبه أي بسبب ركوب راكبه إذا كان عظيما قال الطيبي رحمه الله وهو مبالغة وتصوير لعظمة التجلي على طريق الترشيح من تضايقه به متعلق بقوله فيئط أي من عدم اتساع الكرسي بالله تعالى كذا قاله شارح وقيل أي من تضايق الكرسي بملائكة الله وهذا تمثيل عن كثرة الملائكة الحافين حول عرشه وهو كسعة ما بين السماء والأرض بفتح سين سعة ويكسر وفي نسخة يسعه ما بين السماء والأرض ففي القاموس وسعة الشيء بالكسر يسعه كيضعه سعة كدعة ودية وفي المغرب يقال وسع الشيء المكان ومعناه وسعه المكان وذلك إذا لم يضق عنه والجملة حال والضمير راجع إلى الكرسي أي والحال أن الكرسي يسع ما بين السماء والأرض اشارة إلى قوله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض البقرة لكن جاء في الحديث إن الأرض بجنب السماء كحلقة في فلاة وكذا كل سماء بالنسبة إلى ما في فوقها والسموات السبع والأرضين عند الكرسي كحلقة في فلاة وكذا هو في جنب العرش قال الطيبي رحمه الله قوله وهو يسعه حال أو معترضة جيء بها دفعا لتوهم من يتوهم أن أطيط الكرسي للضيق بسبب تشبيهه بالرحل في الأطيط ويجاء بكم حفاة عراة غرلا أي تحضرون في هذه الحالات فيكون أول من يكسى إبراهيم برفعه ونصب أول وفي نسخة بعكسه قال الطيبي رحمه الله فعلى الأول فيه تقديم وتأخير


كقوله تعالى إن خير من استأجرت القوي الأمين القصص يقول الله تعالى استئناف بيان أكسوا بضم الهمزة والسين أمر للملائكة أي ألبسوا خليلي فيؤتى بريطتين بيضاوين من رباط الجنة بكسر الراء جمع ريطة بفتحها وهي الملاءة الرقيقة اللينة من الكتان التي لا تكون لفقتين بل تكون قطعة واحدة يؤتى بها من الشام ثم أكسى بصيغة المفعول أي ألبس أنا على أثره بفتحتين وبكسر فسكون أي عقب إبراهيم وبعده ثم أقوم عن يمين الله أي قيام كرامة مقاما يغبطني بكسر الموحدة أي يتمناه الأولون والآخرون فإن قيل كيف وجه المطابقة بين السؤال والجواب أجيب بأ


الدال على الجواب هو قوله ثم أقوم عن يمين الله لكنه ذكر أولا الوقت الذي يكون فيه المقام المحمود ووصفه بما يكون فيه من الأهوال ليكون أعظم في النفوس وقعا ثم أشار إلى الجواب بقوله ثم أقوم عن يمين الله وحاصل الجواب أن المقام المحمود هو المقام الذي أقوم فيه عن يمين الله يوم القيامة قال الطيبي رحمه الله وفي الحديث دلالة ظاهرة على فضل نبينا على ما سوى الله تعالى من الموجودات وحيازته قصب السبق من بين السابق واللاحق من الملائكة والثقلين وكفى بالشاهد شهيدا على أن الملك الأعظم إذا ضرب سرادق الجلال لقضاء شؤون العباد وجمع أساطين دولته وأشراف مملكته وجلس على سرير ملكه لا يخفى أن من يكون عن يمينه هو أولى أولي القرب وأما كسوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام قبلة لا يدل على تفضيله عليه بل على فضله وأنه إنما قدم كسوته على كسوة مثل من يغبطه الأولون والآخرون إظهارا لفضله وكرامته ومكانته ونحوه قوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا النحل إلى قوله ثم أوحينا إليك النحل الآية الكشاف في ثم هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول الله وإجلال محله والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة وأجل ما أولي من النعمة اتباع رسول الله ملته من قبل أنها دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله تعالى عليه بها اه وقيل لا يلزم منه الفضيلة المطلقة ويمكن أن يقال لا يدخل النبي في ذلك على القول بأن المتكلم لا يدخل تحت خطابه قلت هذا غفلة من القائل عن تصريح قوله ثم أكسى على أثره قيل ويمكن أن يقال بأن نبينا إنما جيء به كاسيا وإنما كسي ثانيا للكرامة بخلاف غيره فإنه كسي للعري أقول وهذا مستبعد جدا بل الظاهر أنهم يبعثون عراة ثم يخلق لهم أكفانهم فيلبسونها ثم يخلع الله تعالى على من يشاء من عباده ولما كان الخليل أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ابتدىء به ولما كان نبينا خاتم النبيين ختم به وأقيم عن يمين


الرحمان مع أنه قد يكون الأمر ترقيا على أن إبراهيم كان جده عليه السلام ومتبوعه في بعض المقام مع مراعاة كونه أول من عري في ذات الله حين أرادوا إلقاءه في النار فبما ذكرنا امتاز الخليل عن سائر الأنبياء بإعطاء الخلعة على طريقة الابتداء وتبين مقام نبينا في الانتهاء والله سبحانه وتعالى أعلم رواه الدارمي وعن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله شعار المؤمنين بكسر الشين المعجمة أي علامتهم التي يتعارفون بها مقتديا كل أمة برسولهم قولهم يوم القيامة على


الصراط رب سلم سلم والتكرار للإلحاح أو المراد به التكثير ويمكن أن يكون شعار المؤمنين قول الأنبياء في حقهم هذا الدعاء ويؤيده ما رواه الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما وشعار أمتي إذا حملوا على الصراط لا إله إلا أنت ويمكن الجمع بأن هذا من خصوصيات هذه الأمة والأول لسائر الأمم والأظهر أن قوله رب سلم سلم إنما هو من شعار المؤمنين الكاملين من العلماء العاملين والشهداء الصالحين ممن لهم مقام الشفاعة تبعا للأنبياء والمرسلين المؤمنين الكاملين من العلماء العاملين والشهداء الصالحين ممن لهم مقام الشفاعة تبعا للأنبياء والمرسلين رواه الترمذي وكذا الحاكم وقال أي الترمذي هذا حديث غريب وروى ابن مردويه عن عائشة مرفوعا شعار المؤمنين يوم يبعثون من قبورهم لا إله إلا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وروى الشيرازي عنها أيضا شعار المؤمنين يوم القيامة في ظلم القيامة لا إله إلا أنت وعن أنس أن النبي قال شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أي شفاعتي في العفو عن الكبائر من أمتي خاصة دون غيرهم من الأمم وقال الطيبي رحمه الله أي شفاعتي التي تنجي الهالكين مختصة بأهل الكبائر وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض رحمه الله مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها سمعا لصريح قوله تعالى يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ورضي له قولا طه وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر لصحة الشفاعة في الآخرة وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة عليها ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها وتعلقوا لمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار بقوله تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين المدثر وبقوله سبحانه ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع غافر وأجيب بأن الآيتين في الكفار والمراد بالظلم الشرك وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل وألفاظ الأحاديث في الكتاب وغيره صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار قلت ومنه هذا


الحديث حيث لا معنى لزيادة الدرجات في الجنة لأصحاب الكبائر الذين هم على زعمهم من أهل الخلود في النار قال والشفاعة خمسة أقسام أولها مختصة بنبينا وهي الإراحة
من هول الموقف وتعجيل الحساب الثانية في إدخال قوم الجنة بغير حساب وهذه أيضا وردت في نبينا الثالثة الشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا ومن شاء الله تعالى الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا والملائكة وإخوانهم من المؤمنين ثم يخرج الله تعالى كل من قال لا إله إلا الله الخامسة الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وهذه لا ينكرها أيضا رواه الترمذي وأبو داود أي عن أنس ورواه ابن ماجه عن جابر وفي الجامع رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أنس ورواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن جابر ورواه الطبراني عن ابن عباس والخطيب عن ابن عمر وعن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنهم وفي رواية للخطيب عن أبي الدرداء شفاعتي لأهل الذنوب من أمتي وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء وفي رواية له عن علي شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيتي وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمان بن عوف شفاعتي مباحة إلا لمن سب أصحابي وروى ابن منيع عن زيد بن أرقم وبضعة عشر من الصحابة ولفظه شفاعتي يوم القيامة حق فمن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها وعن عوف بن مالك قال قال رسول الله أتاني آت أي ملك عظيم من عند ربي فخيرني أي ربي أو الملك بين أن يدخل بفتح الياء وضم الخاء على ما في الأصول المعتمدة وفي نسخة صحيحة بصيغة المجهول وفي أخرى بضم أوله وكسر الخاء على أن الفاعل هو الله أو الملك مجازا فقوله نصف أمتي مرفوع على الأولين ومنصوب على الثالثة وقوله الجنة بالنصب على أنه مفعول ثان بكل من الروايات وبين الشفاعة


فاخترت الشفاعة أي لأمة الإجابة لاحتياج أكثرهم إليها وهي أي الشفاعة لمن مات لا يشرك بالله شيئا واعلم أنه نقل عن نسخة السيد جمال الدين المحدث أن تدخل بالتاء المثناة من فوق على بناء الفاعل من الثلاثي المجرد ونصف بالرفع فيحتاج إلى تكلف بل إلى تعسف وهو أن يقال اكتسب التأنيث من المضاف إليه وضبط بالحمرة أيضا تدخل من باب الإفعال على البناء للفاعل مخاطبا ويرده قوله نصف أمتي والقول بالالتفات في مثل هذا مما لا يلتفت إليه رواه الترمذي وابن ماجه وكذا ابن حبان عن عوف ورواه أحمد عن أبي موسى وعن عبد الله بن أبي الجدعاء بفتح الجيم وسكون الدال المهملة كذا في جامع الأصول وهكذا ضبط في النسخ المعتمدة وأيضا نسب إلى العسقلاني لكنه في نسخة السيد بالذال المعجمة ويؤيده ما في التقريب من أنه بجيم مفتوحة فذال معجمة ساكنة كناني صحابي له حديثان تفرد بالرواية عنه عبد الله بن شقيق وقال المؤلف تميمي يذكر في الوحدان روى عنه عبد الله بن شفيق وعداده في البصريين قال سمعت رسول الله يقول يدخل الجنة بشفاعة رجل أي جليل من أمتي أكثر من بني تميم وهي قبيلة كبيرة فقيل الرجل هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وقيل أوس القرني وقيل غيره قال زين العرب رحمه الله وهذا أقرب رواه الترمذي والدارمي وابن ماجه وعن أبي سعيد أي الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال إن من أمتي أي بعض أفرادهم من العلماء والشهداء والصلحاء من يشفع للفئام بكسر الفاء بعده همز وقد يبدل قال الجوهري هو الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه والعامة تقول فيام بلا همز أقول الأظهر أن يقال ههنا معناه القبائل كما قيل هو في المعنى جمع فئة لقوله ومنهم من يشفع للقبيلة وهي قوم كثير جدهم واحد ومنهم من يشفع للعصبة بضم فسكون وهو ما بين العشرة إلى الأربعين من الرجال لا واحد لها من لفظها والأظهر أن المراد بها جمع ولو إثنان لقوله ومنهم من يشفع للرجل ويمكن أن يقال طوى ما بين


العصبة والرجل لما يدل عليه الرجل بالبرهان الجلي كما يدل على المرأة بالقياس الخفي حتى
يدخلوا أي الأمة كلهم الجنة قال الطيبي رحمه الله يحتمل أن يكون غاية يشفع والضمير لجميع الأمة أي ينتهي شفاعتهم إلى أن يدخلوا جميعهم الجنة ويجوز أن يكون بمعنى كي فالمعنى أن الشفاعة لدخول الجنة رواه الترمذي أي وحسنه على ما نقله عند السيد وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الله عز وجل وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف بلا حساب أي ولا كتاب ولا سابقة عذاب فقال أبو بكر زدنا يا رسول الله أي زدنا في الإخبار عما وعدك ربك إدخال أمتك الجنة بشفاعتك يدل على هذا التأويل حديث أبي أمامة قال سمعت رسول الله يقول وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات من حثيات ربي كذا ذكره الطيبي رحمه الله تعالى وهو مستحسن جدا إلا أن قيد قوله بشفاعتك لا دلالة للكلام عليه والظاهر أن هؤلاء يدخلون الجنة من غير شفاعة مخصوصة وإن كانوا داخلين في الشفاعة العامة هذا وفي قوله زدنا دليل على أن له مدخلا ومجالا في الأمور الأخروية وفي التصرفات الربوبية بحسب ما أولاه مولاه من الرتبة الجلية والمزية العلية قال أي أنس وهكذا أي وفعل هكذا وتفسيره فحثى بكفيه وجمعهما فقال أبو بكر زدنا يا رسول الله قال وهكذا أي فحثى بكفيه وجمعهما والظاهر أن هذا حكاية لفعله سبحانه ولذا قال الشراح إنما ضرب المثل بالحثيات لأن من شأن المعطي الكريم إذا استزيد أن يحثي بكفيه من غير حساب وربما ناوله ملء كف فالحثي كناية عن المبالغة في الكثرة وإلا فلا كف ولا حثي فقال عمر دعنا يا أبا بكر أي اتركنا على ما بين لنا الحال بطريق الإجمال لنكون بين الخوف والرجاء على وجه الاعتدال فقال أبو بكر وما عليك أي بأس وضرر أن يدخلنا الله كلنا أي جميعنا وهو تأكيد للضمير في يدخلنا الجنة فقال عمر إن الله عز وجل أي بل أقول


زيادة على ما تقول على ما هو المعتقد بالمنقول والمعقول وهو أن الله إن شاء أن يدخل خلقه الجنة أي جميع مخلوقاته من الإنس والجن مؤمنهم وكافرهم ومطيعهم وفاجرهم بكف واحد أي بمرتبة واحدة فعل كما قال سبحانه ولو شاء لهداكم أجمعين الأنعام ولكن الله يفعل ما يريد البقرة قيل أراد
بكف واحد عطاءه وفضله أي لو أراد أن يدخل الخلق كله بفضل رحمته فعل فإنها أوسع من ذلك هذا والكف على ما في القاموس اليد أو إلى الكوع وجعلها صاحب المغرب من المؤنثات السماعية وعدها ابن الحاجب أيضا في رسالته مما يجب تأنيثه فقوله بكف واحد مؤول بعطاء واحد أو بمقبوض واحد فقال النبي صدق عمر قال التوربشتي رحمه الله وإنما لم يجب رسول الله أبا بكر بمثل كلام عمر رضي الله تعالى عنهما لأنه وجد للبشارات مدخلا عظيما في توجه النفوس القدسية فإن الله ينجي خلقه من عذابه بشفاعة الشافعين الفوج بعد الفوج والقبيل بعد القبيل ثم يخلص من قصرت عنه شفاعة الشافعين بفضل رحمته وهم الذين سلم لهم الإيمان ولم يعملوا خيرا قط على ما سبق في الحديث قال بعض العارفين ما ذهب إليه أبو بكر هو من باب التضرع والمسكنة وما ذهب إليه عمر من باب التفويض والتسليم أقول التسليم أسلم والله تعالى أعلم رواه أي صاحب المصابيح في شرح السنة أي بإسناده ورواه أحمد في مسنده على ما ذكره السيد وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله يصف بضم وفتح وتشديد أي يجعل صفا وفي نسخة بفتح فضم أي يصير صفا أهل النار أي من عصاة المؤمنين والفجار في طريق أهل الجنة من العلماء الأخيار والصلحاء الأبرار على هيئة المساكين السائلين في طريق الأغنياء في هذه الدار فيمر بهم الرجل من أهل الجنة فيقول الرجل منهم أي من أهل النار يا فلان كناية عن اسمه أما تعرفني أنا الذي سقيتك شربة أي من ماء أو لبن أو نحوهما وقال بعضهم أنا الذي وهبت لك وضوءا بفتح الواو أي ماء وضوء وعلى هذا القياس من لقمة وخرقة أو نوع


إعانة أو جنس عطية كلية أو جزئية ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة فإن الغريق يتعلق بكل حشيش فيشفع له أي ذلك الصالح فيدخله الجنة أي يصير سببا لدخوله إياها أو المعنى فيدخله معه الجنة والله تعالى أعلم قال المظهر فيه تحريض على الإحسان إلى المسلمين لا سيما مع الصلحاء والمجالسة معهم ومحبتهم فإن محبتهم زين في الدنيا ونور في العقبى رواه ابن ماجه وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال إن رجلين ممن دخل النار
اشتد صياحهما أي بكاؤهما وتضرعهما واستغاثتهما فقال الرب تعالى أي للزبانية أخرجوهما فقال لهما لأي شيء اشتد صياحكما أي بعد ما كنتما ساكتين خامدين قالا فعلنا ذلك أي اشتداد الصياح لترحمنا أي فإنك تحب من يتضرع إليك قال إن رحمتي لكما أن تنطلقا أي تذهبا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار فيه إيماء إلى أن مجرد التضرع الظاهري لا يفيد الرحمة بدون الانقياد الباطني ولذا قال تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين الأعراف قال الطيبي رحمه الله قوله أن تنطلقا فتلقيا خبر إن فإن قلت كيف يجوز حمل الانطلاق إلى النار وإلقاء النفس فيها على الرحمة قلت هذا من حمل السبب على المسبب وتحقيقه أنهما لما فرطا في جنب الله وقصرا في العاجلة في امتثال أمره أمرا هنالك بالامتثال في إلقاء أنفسهما في النار إيذانا بأن الرحمة إنما هي مترتبة على امتثال أمر الله عز وجل فيلقي أحدهما نفسه أي في النار فيجعلها الله عليه بردا وسلاما أي كما جعلها بردا وسلاما على إبراهيم ويقوم الآخر أي يقف فلا يلقي نفسه فيقول له الرب تعالى ما منعك أن تلقي نفسك أي من إلقائها في النار كما ألقى صاحبك أي كإلقائه فيها فيقول رب إني لأرجو أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني منها فالأول امتثل بالخوف والعمل والثاني عمل بالعلم والأمل فيقول له الرب تعالى لك رجاؤك أي مقتضاه ونتيجته كما أن لصاحبك خوفه وعمله بموجبه فيدخلان بصيغة المفعول أي فيدخلهماالله جميعا الجنة


برحمة الله أي المترتبة على العمل والمعرفة رواه الترمذي وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله يرد الناس النار يرد على وزن يعد مضارع من الورود بمعنى الحضور يقال وردت ماء كذا أي حضرته وإنما سماه ورودا لأن المارة على الصراط يشاهدون النار ويحضرونها وعلى هذا يؤول قوله تعالى وإن منكم إلا واردها مريم وفيه إيماء إلى أنهم حينئذ في العطش الشديد وإنما
مروا على الصراط للوصول إلى الحوض المورود قال التوربشتي رحمه الله الورود لغة قصد الماء ثم يستعمل في غيره والمراد منه ههنا الجواز على جسر جهنم ثم يصدرون منها بضم الدال أي ينصرفون عنها فإن الصدور إذا عدي بمن اقتضى الانصراف وهذا على الاتساع ومعناه النجاة إذ ليس هناك انصراف وإنما هو المرور عليها فوضع الصدر موضع النجاة للمناسبة التي بين الصدور والورود قال الطيبي رحمه الله ثم في ثم يصدرون مثلها في قوله تعالى ثم ننجي الذين اتقوا مريم في أنها للتراخي في الرتبة لا الزمان بين الله تعالى التفاوت بين ورود الناس وبين نجاة المتقين منها فكذلك بين رسول الله التفاوت بين ورود الناس النار وبين صدورهم منها على أن المراد بالصدور الانصراف انتهى والحاصل أن الخلق بعد شروعهم في الورود يتخلصون من خوف النار ومشاهدة رؤيتها وملاصقة لهبها ودخانها وتعلق أشواكها وأمثالها على مراتب شتى في سرعة المجاوز وإبطائها بأعمالهم أي بحسب مراتب أعمالهم الصالحة فأولهم أي أسبقهم كلمح البرق أي الخاطف ثم كالريح أي العاصف ثم كحضر الفرس أي جريه وهو بضم الحاء وسكون الضاد العدو الشديد ثم كالراكب في رحله أي على راحلته وعداه بفي لتمكنه من السير كذا قاله الطيبي رحمه الله وقيل أراد الراكب في منزله ومأواه فإنه يكون حينئذ السير والسرعة أشد ثم كشد الرجل أي عدوه وجريه ثم كمشيه أي كمشي الرجل على هينته رواه الترمذي والدارمي
الفصل الثالث


عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال إن أمامكم بفتح الهمزة أي قدامكم يوم القيامة حوضي أي بعد الصراط ما بين جنبيه أي طرفيه كما بين جرباء
بفتح جيم وسكون راء موحدة ممدودة وأذرح بفتح همز وسكون ذال معجمة وضم راء وبحاء مهملة غير منصرفين قال بعض الرواة أي رواة هذا الحديث هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال قال صاحب القاموس الجرباء قرية بجنب أذرح وغلط من قال بينهما ثلاثة أيام وإنما الوهم من رواة الحديث من إسقاط زيادة ذكرها الدارقطني وهي ما بين ناحيتي حوضي كما بين المدينة وجرباء وأذرح وفي رواية فيه أي موضوع في أطرافه أو على جوانبه أباريق كنجوم السماء أي في الكثرة وصفاء الضياء من ورده فشرب منه أي شربة لم يظمأ بعدها أي بعد تلك الشربة أو بعد الشرب وهو مصدر يذكر ويؤنث أبدا أي دائما سرمدا فيكون شربه الأشربة في الجنة بعدها بناء على التلذذ والتفكه والتكيف بها متفق عليه ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه عنه بلفظ الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب ريحا من المسك وماؤه أحلى من العسل وأشد بياضا من اللبن رح و رح وعن حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا أي كلاهما قال رسول الله يجمع الله تبارك وتعالى الناس المراد بهم الخلق وخصوا بالذكر للتشريف فإنهم عمدة أرباب التكليف فيقوم المؤمنون أي الخواص من عموم الناس حتى تزلف بضم التاء وسكون الزاي وفتح اللام وبالفاء أي تقرب لهم الجنة ومنه قوله تعالى وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت التكوير فيأتون أي المؤمنون آدم والمراد منهم بعضهم الخواص من كل أمة فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة أي اطلب فتح بابها حتى ندخلها فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم أي وصاحب الخطيئة لا يصلح للشفاعة بل هو محتاج بنفسه إلى الضراعة وهذا معنى قوله لست بصاحب ذلك أي ذلك


المقام الذي أردتموه من الشفاعة الكبرى والمرتبة العظمى المسماة بالمقام المحمود المخصوص لصاحب اللواء الممدود اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله أي فإنه من أفضل الرسل وجد خاتم الأنبياء فتقربوا إليه اعرضوا أمركم عليه قال فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك أي المقام الموعود والمرام المشهود إنما كنت خليلا من وراء وراء بالفتح فيهما على ما في الأصول المعتمدة والنسخ المقروؤة المصححة قال النووي رحمه الله المشهور الفتح فيهما بلا تنوين ويجوز في العربية بناؤهما على الضم قال أبو البقاء الصواب الضم فيهما لأن تقديره من وراء ذلك قال وإن صح الفتح قبل وقال الشيخ أبو عبد الله الفتح أصح وتكون الكاملة مركبة كشذر مذر وشغر بغر فبناؤهما على الفتح وإن ورد منصوبا منونا جاز ذلك اعمدوا بكسر الميم أي اقصدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليما أي بلا واسطة كتاب ومن غير وراء حجاب قال صاحب التحرير وهذا وارد على سبيل التواضع أي لست بصدد تلك الدرجة الرفيعة ومعناه أن المكارم التي أعطيتها كانت بواسطة سفارة جبريل عليه الصلاة والسلام ولكن ائتوا موسى عليه الصلاة والسلام فإنه حصل له الكلام بغير واسطة قال وإنما كرر لأن نبينا حصل له السماع بغير واسطة وحصل له الرؤية أيضا فكأنه قال أنا وراء موسى الذي هو وراء محمد فيأتون موسى فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه بالجر على البدلية ويجوز رفعهما ونصبهما على المدح فيقول عيسى لست بصاحب ذلك وحينئذ ينحصر الأمر في نبينا خاتم الرسل ومقدم الكل فيأتون محمدا فيه وضع الظاهر موضع ضمير المتكلم على سبيل الالتفات أو على طريق التجريد فيقوم أي عن يمين عرش الرحمان ويستأذن بالشفاعة في نوع الإنسان لإزالة كرب الموقف وعموم الأحزان فيؤذن له أي فيسجد على ما سبق وترسل الأمانة والرحم أي مصورتين كما تقدم فتقومان بالتأنيث على تغليب الأمانة المتقدمة وبالتذكير على تغليب الرحم المذكر أي فيقفان أو


فيحضران جنبتي الصراط بالفتحات أي طرفيه يمينا وشمالا كالبيان لما قبله ونصبهما على البدلية أو الظرفية فيمر أولكم التفات من الغيبة العامة إلى الخطاب للخاصة كالبرق أي في سرعة السير قال أي أبو هريرة قلت بأبي أنت وأمي الباء للتعدية أي أفديك بهما أي
شيء استفهام كمر البرق أي أي شيء شبيه به والمعنى في أي شيء تشبهه بالبرق قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر أي سريعا ويرجع في طرفه عين ذكره على سبيل الاستطراد أو على طريق التتميم للمعنى المراد فيكون الجواب بأنه يشبهه في سرعة السير كذا حرره الشراح وعندي أن التشبيه مركب من سرعة المرور ومن ضياء الظهور ليكون نورا على نور وليكون إشارة إلى البدن والروح وإلى الظاهر والباطن وإلى الكمية والكيفية وأيضا المرور مذكور في كلام السائل ولا بد في الجواب من أمر زائد والله تعالى أعلم ثم الظاهر أن المراد بهم الأنبياء ويحتمل أن يراد بهم الأصفياء من هذه الأمة وهم أرباب الجذبات الآلهية ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال أي جريهم والرجال أما جميع رجل أو جمع راجل قال الطيبي رحمه الله قوله أي شيء كمر البرق أي ما الذي يشبهه من المارين بمر البرق وقوله ألم تروا إلى البرق بيان لما شبهوا به بالبرق وهو سرعة اللمعان يعني سرعة مرورهم على الصراط كسرعة لمعان البرق كأنه أي السائل استبعد أن يكون في الإنسان ما يشبه البرق في السرعة فسأل عن أمر آخر هو المشبه فأجاب بأن ذلك غير مستبعد وليس بمستنكر أن يمنحهم الله تعالى ذلك بسبب أعمالهم الحسنة ألا ترى كيف أسند الجريان إلى الأعمال بقول تجري بهم أعمالهم أي تجري وهي ملتبسة بهم لقوله تعالى وهي تجري بهم في موج كالجبال هود ويجوز أن يكون الباء للتعدية أي تجعلهم جارين ونبيكم قائم على الصراط يقول يا رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد متعلق بتجري والجملة قبله معترضة بيانية أو حالية والمعنى تجري بهم أعمالهم حتى تعجز أعمالهم عن الجريان بهم حتى


يجيء الرجل بدل من قوله حتى تعجز وتوضيح له فلا يستطيع أي الرجل لضعف عمله وتقاعده عن السبق في الدنيا السير أي المرور على الصراط إلا زحفا أي حبوا كما تقدم والله تعالى أعلم قال أي النبي أو أبو هريرة مرفوعا وفي حافتي الصراط بتخفيف الفاء أي جانبيه كلاليب جمع كلاب معلقة مأمورة تأخذ أي هي من أمرت به ولو روى بالباء وفتح الهمز وسكون الخاء على المصدر لكان له وجه وجيه فمخدوش أي فمنهم مجروح ناج أي من الوقوع ف النار ومكردس في النار بفتح الدال المهملة وبالسين المهملة وقيل المعجمة وهو الذي جمعت يداه ورجلاه وألقي في موضع كذا في النهاية في السين المهملة ثم قال والمكردش بمعناه


وفي نسخة مكدوس بالمهملة أي مدفوع في النار ذكره في النهاية ثم قال ويروي بالمعجمة من الكدش وهو السوق الشديد والكدش الطرد والجرح أيضا وفي القاموس كدسه أي صرعه وبالمعجمة دفعه دفعا عنيفا والذي نفس أبي هريرة بيده هذا يؤيد أن مرجع ضمير قال إليه ثم هذا القسم أما موقوف عليه أو مرفوع إليه إن قعر جهنم لسبعين خريفا قال الدماميني أي أن مسافة السير إليه لسبعين خريفا وقال صاحب المغني وجهه أن القعر مصدر قعرت البئر إذا بلغت قعرها وسبعين ظرفه أي أن بلوغ قعرها يكون في سبعين عاما وفي نسخة بالواو قال النووي رحمه الله في بعض الأصول سبعون بالواو وهو ظاهر وفيه حذف أي مسافة قهر جهنم مسيرة سبعين خريفا وفي معظم الأصول والروايات سبعين بالياء وهو صحيح أيضا على تقدير مسيرة سبعين فحذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه أو يكون التقدير أن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفا وسبعين خريفا ظرف لمحذوف رواه مسلم وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله يخرج من النار قوم بالشفاعة كأنهم الثعارير بالمثلثة والعين المهملة والراءين جمع ثعرور كعصافير وعصفور قلنا ما الثعارير قال إنه على ما في نسخة صحيحة وفي نسخة قال الضغابيس بضاد وغين معجمتين وموحدة وتحتية وسين مهملة جمع ضغبوس في النهاية الثعارير هي القثاء الصغار شبهوا بها لأن القثاء ينمو سريعا وقيل هي رؤوس الطراثيث تكون بيضا شبهوا ببياضها واحدها طرثوث وهو نبت يؤكل والضغابيس صغار القثاء متفق عليه وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه بلا صرف ويصرف قال قال رسول الله يشفع يوم القيامة ثلاثة أي ثلاثة أصناف من الأصفياء الأنبياء ثم العلماء أي العاملون ثم الشهداء أي المخلصون وفي العطف بثم دلالة صريحة على تفضيل العلماء على الشهداء كما يدل عليه ما رواه الشيرازي عن أنس وابن عبد البر عن أبي الدرداء وابن الجوزي في


العلل عن النعمان بن بشير مرفوعا يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء وفيه مبالغة لا تخفى على الفضلاء فإن مدادهم أقل أمدادهم ودم الشهداء أفضل اسعادهم رواه ابن ماجه وروى أبو داود عن أبي الدرداء مرفوعا يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته


باب صفة الجنة وأهلها
الجنة البستان من الشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر في الجنة والجنة والجنة والجنون ونحوها فكأن الجنة لتكاثفها وتظللها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنه إذا ستره كأنها سترة واحدة لفرط التفافها وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان أو لكونها مستورة عن أعين الناس ليكون الإيمان بالغيب لا بالعيان أو لأن الله تعالى أخفي من قرة الأعين لأهلها الأعيان والله سبحانه وتعالى أعلم

الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله قال الله تعالى أعددت أي هيأت لعبادي الصالحين بفتح ياء المتكلم ويسكن ما لا عين رأت قال الطيبي رحمه الله ما هنا إما موصولة أو موصوفة وعين وقعت في سياق النفي فأفاد الاستغراق والمعنى


ما رأت العيون كلهن ولا عين واحدة منهن والأسلوب من باب قوله تعالى ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع غافر فيحتمل نفى الرؤية والعين معا أو نفي الرؤية فحسب أي لا رؤية ولا عين أو لا رؤية وعلى الأول الغرض منه العين وإنما ضمت إليه الرؤية ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر محقق لا نزاع فيه وبلغ في تحققه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة وعكسه ولا أذن بضمتين ويسكن الذال سمعت ولا خطر أي وقع على قلب بشر قال الطيبي رحمه الله هو من باب قوله تعالى يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم غافر أي لا قلب ولا خطور أو لا خطورا فعلى الأول لهم قلب مخطر فجعل انتفاء الصفة دليلا على انتفاء الذات أي إذا لم يحصل ثمرة القلب وهو الإخطار فلا قلب كقوله تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ق صلى الله عليه وسلم فإن قلت لم خص البشر هنا دون القرينتين السابقتين قلت لأنهم هم الذين ينتفعون بما أعد لهم ويهتمون لشأنه ويخطرون ببالهم بخلاف الملائكة والحديث كالتفصيل للآية فإنها نفت العلم والحديث نفي طريق حصوله واقرؤوا ظاهره أنه مرفوع ويؤيده العاطف والأظهر أنه موقوف لقوله إن شئتم أي أردتم الاستشهاد والاعتضاد فلا تعلم في محل النصب على أنه مفعول اقرؤوا أو التقدير آية فلا تعلم نفس أي متنفس من الملائكة وغيرهم ما أخفي لهم قرأ الجمهور أخفي بتحريك الياء على البناء للمفعول وقرأ حمزة بسكونها على أنه مضارع مسند للمتكلم ويؤيده قراءة ابن مسعود نخفى بنون العظمة وقرىء أخفى بفتح أوله والفاء على البناء للفاعل والفاعل هو الله تعالى من قرة أعين الكشاف لا تعلم النفوس كلهن ولا نفس واحدة منهن لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب أدخر الله لأولئك وأخفاه من جميع خلائقه لا يعلمه إلا هو مما تقر به عيونهم ولا مزيد على هذه النعمة ولا مطمح وراءها وفي شرح السنة يقال أقر الله عينك ومعناه برد الله دمعتها لأن دمعة الفرح باردة حكاه الأصمعي وقال غيره معناه


بلغك الله أمنيتك حتى ترضى به نفسك وتقر عينك فلا تستشرف إلى غيره قال الطيبي رحمه الله فعلى هذا الأول من القرة بمعنى البرد والثاني من القرار وفي قوله أعددت دليل على أن الجنة مخلوقة ويعضده سكنى آدم وحواء الجنة ولمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام كالنجم والثرياء والكتاب ونحوها وذلك أن الجنة كانت تطلق على كل بستان متكاثف أغصان أشجارها ثم غلبت على دار الثواب وإنما قلنا اللاحقة للأعلام لكونها غير لازمة للام وتحقيق القول أنها منقولة شرعية على سبيل التغليب وإنما تغلب إذا كانت موجودة معهودة وكذلك اسم النار منقولة لدار العقاب على سبيل الغلبة وإن اشتملت على الزمهرير والمهل والضريع وغير ذلك ولولا ذلك لما كان يغني عن طلب القصور والحور والولدان بالجنة ولا عن طلب الوقاية من الزمهرير


والمهل والضريع عن مطلق النار متفق عليه وكذا رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة من غير قوله اقرؤوا إن شئتم إلى آخره على ما في الجامع فهو يؤيد كونه موقوفا وروى الطبراني عن سهل بن سعد مرفوعا ولفظه إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد ورواه الطبراني في الأوسط والبزار عن أبي سعيد ولفظه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا قال لما خلق الله تعالى جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون هذا وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله سبب هذا الحديث أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربه من أعظم أهل الجنة منزلة فقال غرزت كرامتهم بيدي وختمت عليها فلا عين رأت إلى آخره أخرجه مسلم والترمذي انتهى ولا يخفى أن الضمير في ما أخفى لهم لقوم خاص تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما زرقناهم ينفقون السجدة والمراد المتهجدون والأوابون ولما أخفوا أعمالهم عن أعين العباد جوزوا بإخفاء الله تعالى لهم ما أراد لهم من الإعداد جزاء وفاقا على حسب ما وفقوا من الإمداد والإسعاد وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله موضع سوط في الجنة أريد به قدر قليل منها أو مقدار موضعه فيها خير أي كمية وكيفية من الدنيا وما فيها لأن الجنة مع نعيمها باقية والدنيا مع ما فيها فانية قال ابن الملك سوى كلام الله تعالى وصفاته وجميع أنبيائه انتهى وغرابة استثنائه مما لا يخفى ثم قال وما هو باق لا يوازنه ما هو في معرض الزوال قلت فلفظ خير لمجرد الزيادة وقال التوربشتي رحمه الله إنما خص السوط بالذكر لأن من شأن الراكب إذا أراد النزول في منزل أن يلقي سوطه قبل أن ينزل


معلما بذلك المكان الذي يريده لئلا يسبقه إليه أحد متفق عليه وفي الجامع رواه البخاري والترمذي وابن ماجه عن سهل بن سعد والترمذي عن أبي هريرة فقول المؤلف متفق عليه محل توقف من وجهين وفي الجامع لقيد سوط أحدكم من الجنة خير مما بين السماء والأرض رواه أحمد عن أبي هريرة وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله غدوة أي مرة من ذهاب أول النهار في سبيل الله أو روحه أي مرة من رواح آخر النهار وأول الليل وأو ليس للشك بل للتنويع أي كل واحدة منهما في سبيل مرضاته من غزو أو حج أو هجرة أو طلب علم خير من الدنيا وما فيها أي جزاء وثوابا ومآلا ومآبا ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت بتشديد الطاء أي أشرفت وطالعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما أي ما بين المشرق والمغرب أو ما بين السماء والأرض أو ما بين الجنة والأرض وهو الأظهر لتحقق ذكرهما في العبارة صريحا ولملأت ما بينهما ريحا أي طيبا ولنصيفها كلام مستأنف أي ولخمارها على رأسها قيد به تحقيرا له بالنسبة إلى خمار البدن جميعه خير من الدنيا وما فيها أي فكيف الجنة نفسها وما بها من نعيمها رواه البخاري وفي الجامع غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها رواه أحمد والشيخان وابن ماجه عن أنس والبخاري والترمذي والنسائي عن سهل بن سعد ومسلم وابن ماجه عن أبي هريرة والترمذي عن ابن عباس ورواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي أيوب مرفوعا ولفظه مرفوعا غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت وروى الطبراني والضياء عن سعيد بن عامر مرفوعا لو أن امرأة من نساء أهل الجنة أشرفت إلى الأرض لملأت الأرض من ريح المسك ولأذهبت ضوء الشمس والقمر وروى أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أنس بلفظ لغدوة


في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع قده في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا ولأضاءت ما بينهما ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها والقد بكسر القاف وتشديد الدال وتر القوس وقيل السوط وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إن في الجنة شجرة قال ابن الجوزي رحمه الله يقال إنها طوبى قال العسقلاني وشاهد ذلك عند أحمد والطبراني وابن حبان يسير الراكب في ظلها أي في ناحيتها وإلا فالظل في عرف أهل الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها وقد قال تعالى لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا الإنسان وقد يقال المراد بالظل هنا ما يقابل شعاع الشمس ومنه ما بينه ظهور الصبح إلى طلوع الشمس ولذا قال تعالى وظل ممدود الواقعة ويمكن أن يكون للشجرة من النور الباهر ما يكون لما تحته كالحجاب الساتر مائة عام لا يقطعها أي لا ينتهي الراكب إلى انقطاع ظلها ولقاب قوس أحدكم في الفائق القاب والقيب كالقاد والقيد بمعنى القدر وإنه علامة يعرف بها المسافة بين الشيئين من قولهم قوبوا في هذه الأرض إذا أثروا فيها بموطئهم ومحلهم وقال التوربشتي الراجل يبادر إلى تعيين المكان بوضع قوسه كما أن الراكب يبادر إليه برمي سوطه انتهى والأظهر في المعنى لقدر موضع قوس أحدكم في الجنة أو لمقداره وقيمته لو فرض أنه قوم فيها خير مما طلعت عليه الشمس أي شمس الدنيا أو تغرب وفي نسخة أو غربت وأو أما للشك وأما للتخير وإما بمعنى الواو فإن المراد بها ما بين الخافقين وهو المعبر به عن الدنيا وما فيها متفق عليه وفي الجامع إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام ما يقطعها رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أنس والشيخان عن سهل بن سعد وأحمد والشيخان والترمذي عن أبي سعيد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة


وعن أبي موسى أي الأشعري رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إن للمؤمن في الجنة لخيمة أي عظيمة من لؤلؤة بهمزتين وتبدلان وقد تبدل الأولى دون الثانية أي درة واحدة مجوفة عرضها فالطول أولى وفي رواية طولها أي وعلى قياسه عرضها ويتحصل بالروايتين أن طولها وعرضها كل واحد منهما ستون ميلا وفي كل زاوية أي من الزوايا الأربعة منها أي من تلك الخيمة أهل أي للمؤمن من زوج وغيره ما يرون أي ذلك الأهل وجمع باعتبار معناه الآخرين أي الجمع الآخرين من الأهل الكائنين في زاوية أخرى يطوف عليهم أي يدور على جميعهم المؤمنون بصيغة الجمع في أصل السيد وكثير من نسخ المشكاة وفي بعضها بصيغة الإفراد قال الطيبي رحمه الله كذا في البخاري وشرح السنة ونسخ المصابيح وفي مسلم والحميدي وجامع الأصول المؤمن فعلى هذا جمع لإرادة الجنس انتهى وقال شارح وتبعه ابن الملك أن المعنى يجامع المؤمن الأهل وإن الطواف هنا كناية عن المجامعة وجنتان مبتدأ خبره محذوف أي وللمؤمن جنتان وأغرب من قال أنه عطف على أهل لكونه بعيدا عن المعنى وإن كان قريبا في اللفظ ثم قال شارح أي درجتان أو قصران من فضة آنيتهما وما فيهما أي من القصور والأثاث كالسرر وكقضبان الأشجار وأمثال ذلك قيل قوله من فضة خبر آنيتهما والجملة صفة جنتان أو من فضة صفة قوله جنتان وخبر آنيتهما محذوف أي آنيتهما وما فيهما كذلك أو آنيتهما فاعل الظرف أي تفضض آنيتهما وكذا من جهة المبنى والمعنى قوله وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ثم ظاهره أن الجنتين من فضة لا غير وبالعكس فالجمع بينه وبين حديث وصفه بناء الجنة من أن لبنة من ذهب ولبنة من فضة أن الأول صفة ما في الجنة من آنية وغيرها والثاني صفة حوائط الجنة أو المراد به التبعيض لا التلميع أو يقال الجنتان من ذهب للكمل من أهل مقام الخوف الموجب للقيام بالطاعة على الوجه الأكمل كما قال تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمان والجنتان من فضة لمن يكون في


مرتبة النقصان من مقام أرباب الكمال كما أشار إليه تعالى بقوله ومن دونهما جنتان الرحمان
والحاصل أن المراد بالأولين هم السابقون وبالآخرين هم اللاحقون وأما الجنة الملمعة فأصحابها المخلطون والله سبحانه وتعالى أعلم هذا وقال البيقهي رحمه الله دل الكتاب والسنة على أن الجنان أربع وذلك لأن الله تعالى قال في سورة الرحمان ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمان ووصفهما ثم قال ومن دونهما جنتان الرحمان ووصفهما وروينا عن أبي موسى أن النبي قال جنتان آنيتهما وما فيهما من ذهب وجنتان آنيتهما وما فيهما من فضة قلت ويؤيد ما قدمناه ما في رواية جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة لأصحاب اليمين ولا يبعد أن يكون المراد بالجنتين نوعين من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من فضة وقد يكون لأرباب الكمال جنتان من ذهب وجنتان من فضة على يمين قصورهم وشمالها طلبا للزينة لا لفقدان الذهب أو كثرة القيمة على أنه قد يراد بالتثنية التكثير ويقويه أن أبواب الجنة وطبقاتها ثمانية فقد قال في المنجاة هي ثمان جنة عدن وجنة الفردوس وجنة الخلد وجنة النعيم وجنة المأوى ودار السلام ودار القرار ودار المقامة وما بين القوم أي وليس مانع من الموانع بين أهل الجنة وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء أي صفة العظمة على وجهه أي ثابتا على ذاته فهو حال من الرداء في جنة عدن أي كائن في جنة إقامة وخلود وهو بدل من قوله في الجنة كذا قيل وهو يوهم الاختصاص مع أن وصف الإقامة والخلود لا ينفك عن جنس الجنة فلا عبرة بالمفهوم الموهوم قال الطيبي رحمه الله قوله على وجهه حال من رداء الكبرياء والعامل معنى ليس وقوله في الجنة متعلق بمعنى الاستقرار في الظرف فيفيد بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنة قلت هذا مسلم لكن لفظ الحديث في جنة عدن وقال الشيخ التوربشتي رحمه الله تعالى أي ما بين العبد المؤمن إذا تبوأ مقعده من الجنة مع ارتفاع حجب الكدورة الجسمية واضمحلال


الموانع الحسية هناك وبين نظره إلى ربه إلا ما يصده من هيبة الجلال وسبحات الجمال ولا يرتفع ذلك منهم إلا برأفة ورحمة منه تفضلا على عباده وأنشد في المعنى اشتاقه فإذا بدا أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة وصيانة لجماله وأصد عنه تجلدا وأروم طيف خياله متفق عليه وفي الجامع إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا رواه مسلم رحمه الله عن أبي موسى ورواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي موسى رحمهم الله بلفظ في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف


عليهم المؤمن وروى أحمد والطبراني عن أبي موسى مرفوعا جنان الفردوس أربع جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن وهذه الأنهار تشخب من جنة عدن ثم تصدر بعد ذلك أنهارا وعن عباد بن الصامت قال قال رسول الله في الجنة مائة درجة يمكن أن يراد به الكثرة لما ورد من رواية البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا عدد درج الجنة عدد آي القرآن فمن دخل الجنة من أهل القرآن فليس فوقه درجة ويمكن أن يقال في الجنة مائة درجة لكل واحد من أهلها فيكون بيان أقل ما يكون فيها من أنواع السعة وأصناف النعمة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ويمكن تقييد وصف المائة بما ذكر وغيرها يكون على خلافها من كونه أقل أو أكثر وروى الديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة مرفوعا إن في الجنة درجة لا ينالها إلا أصحاب الهموم والفردوس أي الجنة المسماة بالفردوس المذكور في القرآن في قوله تعالى قد أفلح المؤمنون إلى قوله أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس المؤمنون و أعلاها أي على سائر الجنان درجة أو أعلى هذه المائة باعتبار كل فرد أو باعتبار المجموع وفي النهاية الفردوس في اللغة البستان الذي فيه الكروم والأشجار ومنه جنة الفردوس قلت لا بد له من وصف زائد يختص به ويمتاز به عن غيره كما يشير إليه بقوله منها وفي رواية الجامع ومنها أي من جنة الفردوس تفجر أنهار الجنة بصيغة المجهول أي تشفق وتجري أنهار الجنة الأربعة بالرفع صفة لأنهار وهي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل المذكورة في القرآن فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى محمد ومن فوقها يكون عرش الرحمان فهذا يدل على أن الفردوس فوق جميع الجنان ولذا قال تعليما للأمة وتعظيما للهمة فإذا سألتم الله فاسألوه


الفردوس أي فإنه سر الجنة على ما رواه الطبراني عن العرياض وهو بضم العين وتشديد الراء أي وسطها وخيرها وروى الطبراني عن سمرة مرفوعا الفردوس ربوة الجنة أعلاها وأوسطها
ومنها تفجر الأنهار الأربعة وروى ابن مردويه عن أبي أمامة مرفوعا إن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش رواه الترمذي وفي الجامع رواه ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والحاكم في مستدركه قال المؤلف ولم أجده أي هذا الحديث في الصحيحين أي في متنيهما ولا في كتاب الحميدي أي الجامع بينهما ولعله سكت عن جامع الأصول لمانع عن تتبعه وحاصل كلامه الاعتراض على صاحب المصابيح حيث أورد الحديث في الصحاح والحال أنه لم يوجد إلا في الحسان قال ميرك كذا قاله المصنف ووافقه الشيخ الجزري رحمه الله في تصحيح المصابيح وأقول قد أخرجه البخاري في كتاب الجهاد عن أبي هريرة مثل عبادة والتفاوت بينهما أي بين حديث أبي هريرة وحديث عبادة يسير فكان على صاحب المشكاة والشيخ أيضا أن يقولا ورواه البخاري من حديث أبي هريرة مع تفاوت يسير انتهى وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في تخريج أحاديث المشكاة وعجيب من ادخال البغوي له في أحاديث الصحيحين تم كلامه قيل ونسبه صاحب المشارق أيضا إلى البخاري وقد قيل إنه موجود في البخاري في موضعين الأوجل في كتاب الجهاد والثاني في باب وكان عرشه على الماء وكذا في مسلم في باب فضل الجهاد في سبيل الله فمن حفظ حجة على من لم يحفظ وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إن في الجنة لسوقا أي مجمعا فيه الصور المشتهاة يأتونها أي يحضر أهل الجنة تلك السوق كل جمعة بضمتين ويسكن الثاني قال النووي رحمه الله السوق مجمع لأهل الجنة يجتمعون فيها في كل مقدار جمعة أي أسبوع وليس هناك أسبوع حقيقة لفقد الشمس والليل والنهار قلت وإنما يعرف وقت الليل والنهار بإرخاء أستار الأنوار ورفعها على ما ورد في بعض الأخبار فبهذا يعرف يوم الجمعة وأيام الأعياد وما يترتب عليهما من


الزيارة والرؤية وسائر الإمداد والإسعاد ففي الجامع أن أهل الجنة ليحتاجون إلى العلماء في الجنة وذلك أنهم يزورون الله تعالى في كل جمعة فيقول لهم تمنوا على ما شئتم فيلتفتون إلى العلماء فيقولون ماذا نتمنى فيقولون تمنوا عليه كذا وكذا فهم يحتاجون إليهم في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا
رواه ابن عساكر عن جابر هذا وتسمية يوم الجمعة بيوم المزيد في الجنة يدل على تمييزه عن سائر الأيام والله تعالى أعلم بالمرام فتهب بضم الهاء وتشديد الموحدة أي فتأتي ريح الشمال بفتح أوله من غير همز وخصت بالذكر لأنها من ريح المطر عند العرب فتحثو أي تنثر تلك الريح والمفعول محذوف أي المسك وأنواع الطيب في وجوههم أي أبدانهم وخصت الوجوه لشرفها أو المراد بها ذواتها وثيابهم فيزدادون أي في ثيابهم حسنا وجمالا جمع بينهما للتأكيد أو المراد بأحدهما الزينة وبالآخر حسن الصورة فيرجعون أي من السوق إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا قيل يكون زيادة حسنهم بقدر حسناتهم فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم أي أنتم أيضا وفيه تغليب لكون الأهل أعم من النساء والولدان أو أريد به التعظيم والتكريم أو روعي المشاكلة والمقابلة بعدنا أي بعد مفارقتكم عنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا وهو إما لإصابتهم من تلك الريح أو بسبب انعكاس جمالهم أو لأجل تأثير حالهم وترقي مآلهم رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله أن أول زمرة بضم الزاي أي أول جماعة وهم الأنبياء والأولياء كذا قاله شارح والظاهر أن المراد بهم الأنبياء خاصة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ولعل دخولها على صورة الشمس مختص بنبينا ثم الذين يلونهم أي يقربون تلك الزمرة في قرب المرتبة من الأولياء والعلماء والشهداء والصلحاء كأشد أي كل واحد منهم كأشد كوكب دريء في السماء وهو بضم الدال وتشديد الراء والياء أي شديد الإنارة منسوب إلى الدر وتقدمت


لغات أخر مع بيان مبانيها ومعانيها ثم قوله إضاءة تمييز يبين وجه الشبه قال الطيبي رحمه الله أفرد
المضاف إليه ليفيد الاستغراق في هذا النوع من الكوكب يعني إذا تقصيت كوكبا كوكبا رأيتهم كأشد إضاءة قلوبهم أي قلوب أهل الجنة حينئذ أو قلوب الزمرة الأخيرة فالأولى بالأولى على قلب رجل واحد أي في الاتفاق والمحبة فقوله لا اختلاف بينهم ولا تباغض تفسير لقوله قلوبهم الخ وهذا المعنى مقتبس من قوله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين الحجر لكل امرىء منهم زوجتان أي عظيمتان من الحور بضم الحاء أي النساء البيض الأبدان من الحور وهو البياض الخالص ومنه الحواري والحواريون العين بكسر العين أي حسان الأعيان يرى بصيغة المجهول أي يبصر مخ سوقهن جمع الساق أي مخ عظامهن من وراء العظم واللحم الواو لمطلق الجمع أو الترتيب للترقي من الحسن أي من أجل لطافة خلقتهن قال الطيبي رحمه الله هو تتميم صونا من توهم ما يتصور من تلك الرؤية مما ينفر عنه الطبع والحسن هو الصفاء ورقة البشرة ونعومة الأعضاء هذا ولعل الزوجتين المذكورتين لعموم أفراد المؤمنين من أهل الجنة وأما أهل الخصوص فيزاد لهم على حسب مقاماتهم وقال الطيبي رحمه الله الظاهر أن التثنية للتكرير لا للتحديد كقوله تعالى ثم ارجع البصر كرتين الملك لأنه قد جاء أن للواحد من أهل الجنة العدد الكثير من الحور العين يسبحون الله أي أهل الجنة ينزهونه تعالى عن صفات النقصان ويثبتون له نعوت الكمال فإن النفي والاثبات متلازمان كما حقق في كلمة التوحيد من أن الجمع بينهما للتوكيد وإلى ذلك أشار في قوله سبحانه دعواهم فيها سبحاك اللهم يونس بكرة وعشيا أي دائما على أنه أراد بهما ليلا ونهارا بإطلاق الجزء وارادة الكل مجازا وقال الطيبي رحمه الله يراد بهما الديمومة كما تقول العرب أنا عند فلان صباحا ومساء لا يقصد الوقتين المعلومين بل الديمومة لا يسقمون بفتح القاف ويضم ففي القاموس


سقم كفرح وكرم والمعنى لا يمرضون ولا يضعفون ولا يشيبون ولا يبولون أي من قبل ولا يتغوطون أي من دبر ولا يتفلون بضم الفاء وتكسر أي لا يبزقون ولا يمتخطون أي ليس في فمهم وأنفهم من المياه الزائدة والمواد الفاسدة ليحتاجوا إلى إخراجها لأن الجنة مساكن طيبة للطيبين فلا يلائمها الأدناس والأنجاس آنيتهم جمع آناء أي ظروفهم الذهب والفضة أي ملمعة على ارادة الزينة أو ظروف بعضهم الذهب وظروف بعضهم الفضة فالواو بمعنى أو للتنويع وأمشاطهم جمع مشط الذهب ووقود مجامرهم بفتح الواو أي ما يوقد به مباخرهم الألوة بفتح الهمزة ويضم وبضم اللام وتشديد الواو قال النووي رحمه الله هو العود الهندي وقال شارح المجمر بالفتح ما


يوضع فيه الجمر ويحترق فيه العود وبالكسر الآلة وقال بعضهم إنه لا نار في الجنة وأجيب بأنه يفوح بغير نار أقول وقد يكون بالنور وهو في غاية من الظهور وفي النهاية المجامر جمع مجمر بالكسر وهي التي توضع فيه النار للبخور وبالضم هو الذي يتبخر به وأعد له الجمر قال الطيبي رحمه الله والمراد في الحديث هو الأول وفائدة الإضافة أن الألوة هو الوقود نفسه بخلاف المتعارف فإن وقودهم غير الألوة انتهى وهذا كله من اللذات المتوالية والشهوات المتعالية وإلا فلا تلبد لشعورهم ولا وسخ ولا عفونة لأبدانهم وثيابهم بل ريحهم أطيب من المسك فلا حاجة لهم إلى المشط والتبخر لزيادة الزينة والتلذذ بأنواع النعمة الحسية كما قال ورشحهم أي عرقهم رائحة المسك والمعنى رائحة عرقهم رائحة المسك فهو تشبيه بليغ على خلق رجل واحد بضم الخاء واللام وتسكن والمعنى أنهم على قلب واحد كما سبق وبفتح الأول والمعنى أنهم أتراب في سن واحد وهو ثلاثون أو ثلاث وثلاثون سنة على ما سيأتي في الحديث وهو الملائم المناسب لقوله على صورة أبيهم آدم أي في القامة وبينه بقوله ستون ذراعا في السماء أي طولا فكني عنه به قاله الطيبي رحمه الله وقيل العرض سبعة والله تعالى أعلم قال النووي رحمه الله روى بضم الخاء واللام وبفتح الحاء وإسكان اللام وكلاهما صحيح ورجح الضم بقوله في الحديث الآخر لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد وقد يرجح الفتح بقوله لا يمتخطون ولا يتفلون قال الطيبي رحمه الله فعلى هذا لا يكون قوله على صورة أبيهم آدم بدلا من قوله على خلق رجل واحد بل يكون خبر مبتدأ محذوف فإذا قيل الموصوفون بالصفات المذكورة كلها على خلق رجل واحد حسن الأبدال انتهى وإنما الاختلاف في المراد بلفظ الحديث وإلا فلا خلاف أن أهل الجنة كلهم كاملون في الخلق والخلق جميعا بل الخلق بالضم هو الخليق بالاعتبار فإنه موجب بحسن الخلق بالفتح ولذا قيل الظاهر عنوان الباطن وقد ورد أنه


سبحانه ما خلق نبيا إلا حسن الصورة وحسن الصوت ولكن قوله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم القلم بيان أن يكون له شأن عظيم في خلق تصويره الجسيم فإن المؤمن مرآة المؤمن فبمقدار صفاء المرآة وصقالتها وتخليتها وتجليتها تنعكس وتتجلى فيها صورة المحبوب المطلوب متفق عليه وفي الجامع أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يبدو مخ ساقها من ورائها رواه أحمد والترمذي عن أبي سعيد


وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون أي فيها ولا يتفلون أي لا يبصقون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون من باب الافتعال وفيما سبق من باب التفعل قالوا أي بعض الصحابة فما بال الطعام أي ما شأن فضلته قال جشاء بضم الجيم وهو تنفس المعدة من الامتلاء وقال شارح أي صوت مع ريح يخرج من الفم عند الشبع أقول التقدير هو جشاء ورشح أي عرق كرشح المسك أي يصير فضل الطعام جشاء أي نظيره وإلا فجشاء الجنة لا يكون مكروها بخلاف جشاء الدنيا ولهذا قال أقصر عنا جشاءك ويصير رشحا وهو إما باعتبار اختلاف الأشخاص أو الأوقات أو بعض الطعام يكون جشاء وبعضه يكون رشحا والأظهر أن الأكل ينقلب جشاء والشرب يعود رشحا والطعام قد يطلق عليهما نظرا إلى معنى الطعم ففي القاموس طعم الشيء حلاوته ومرارته وما بينهما يكون في الطعام والشراب أقول وبه يتم التنزيه في قوله وهو يطعم ولا يطعم الأنعام هذا وفي رواية الجامع ولكن طعامهم ذلك جشاء ورشح كرشح المسك وأما قول الطيبي رحمه الله أي يندفع الطعام بالجشاء والرشح فهو حاصل المعنى لأجل المبنى كما لا يخفى ثم بين بعض أحوال أخر لأهل الجنة على سبيل الاستئناف والبيان حيث قال يلهمون أي أهل الجنة التسبيح والتحميد أي ونحوهما من الأذكار كما تلهمون أي أنتم في هذه الدار النفس بفتحتين أي التنفس والمعنى لا يتعبون من التسبيح والتهليل كما لا تتعبون أنتم وفي الجامع بصيغة الغيبة أي كما يلهمون من النفس ولا يشغلهم شيء من ذلك كما لا يمنعهم من النفس كالملائكة أو يريد أنها تصير صفة لازمة لا ينفكون عنها كالنفس اللازم للحيوان والحاصل أنه لا يخرج منهم نفس إلا مقرونا بذكره وشكره سبحانه ولذا قال العارفون ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمان جنة عاجلة في الدنيا وجنة آجلة في العقبى فالأولى وسيلة للأخرى والأخرى نتيجة للأولى وقد أشير إلى هذا المعنى في قوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم


الانفطار فإنه لا نعيم أعلى من دوام ذكر الكريم وإن الفجار لفي جحيم الانفطار فإن الحجاب أشد أنواع العذاب قال الطيبي رحمه الله الإلهام القاء الشيء في الروع ويختص ذلك بما كان من جهة الله وجهة الملأ الأعلى فقوله تلهمون وارد على سبيل المشاكلة لأن المراد به التنفس رواه مسلم وكذا أحمد والترمذي
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله من يدخل الجنة ينعم بفتح العين أي يتنعم ولا يبأس بسكون الموحدة فالهمزة المفتوحة أي لا يفقر ولا يهتم قال الطيبي رحمه الله هو تأكيد لقوله ينعم والأصل أن لا يجاء بالواو لكن أراد به التقرير على الطرد والعكس كقوله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون التحريم قلت وفي رواية الجامع لا يبأس بلا عطف ولا يبلى بفتح اللام مع التذكير والتأنيث أي لا يخلق ثيابه ولا يفنى أي لا يذهب شبابه قال القاضي رحمه الله معناه أن الجنة دار الثبات والقرار وأن التغير لا يتطرق إليها فلا يشوب نعيمها بؤس ولا يعتريه فساد ولا تغيير فإنها ليست دار الأضداد ومحل الكون والفساد رواه مسلم وعن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله قال ينادي مناد أي في الجنة وقيل إذا رأوها من بعيد أن لكم بكسر الهمزة أي قائلا إن لكم أن تصحوا بكسر الصاد وتشديد الحاء أي تكونوا صحيحي البدن دائما فلا تسقموا أي فلا تمرضوا أبدا وإن لكم أن تحيوا بفتح الياء أي تكونوا أحياء فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا بكسر الشين المعجمة وتشديد الموحدة أي تدوموا شبابا فلا تهرموا بفتح الراء أي لا تشيبوا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا قال الطيبي رحمه الله هذا النداء والبشارة ألذ وأشهى ما فيه من السرور وفي عكسه أنشد المتنبي أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه ارتحالا


وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال إن أهل الجنة يتراءون أي ينظرون أو يرى بعضهم بعضا أهل الغرف بضم ففتح جمع غرفة وهي بيت يبنى فوق الدار والمراد هنا القصور العالية في الجنة من فوقهم وفي هذا تصريح بأن قوله تعالى في جنة عالية الحاقة يراد بها العلو الحسي أيضا كما تتراءون أي أنتم في الدنيا الكوكب الدري أي لصفاء لونه ونوره وعلو ظهوره الغابر بالغين المعجمة ثم بالموحدة من الغبور أي الباقي في الأفق بضمتين جمع الآفاق أي في أطراف السماء وفي نسخة بالهمزة بدلها من الغور أي الذاهب في الأفق البعيد الغور فيه من المشرق أي من جانبه أو المغرب أي من طرفه والظاهر أن أو للتخيير في التشبيه كقوله تعالى أو كصيب من السماء البقرة ونحو أو كظلمات في بحر لجيء النور وليست للشك قال التوربشتي رحمه الله قد اختلف في الغابر فمنهم من رواه بالهمزة بعد الألف من الغور يريدون انحطاطه في الجانب الغربي ومنهم من رواه بالباء من الغبور والمراد منه الباقي في الأفق بعد انتشار ضوء الفجر فإنما يستبين في ذلك الوقت الكوكب المضيء ولا شك أن الرواية الأولى نشأت من التصحيف انتهى ولم يذكر وجه التصحيف فيه وقال شارح وروي الغابر من الغور وهو الانحطاط وهو تصحيف لأنه لا يناسب قوله من المشرق إذ غور الكوكب في الجانب الشرقي مما لا يتصور ثم قال قوله من المشرق والمغرب كذا في المصابيح أي بالواو والصواب من المشرق إلى المغرب كما في كتاب مسلم قال المؤلف وكذا بأوفى شرح السنة وجامع الأصول ورياض الصالحين قيل وإنما ذكر المشرق والمغرب معا دون السماء لأن المقصود البعد والإنارة معا وقال النووي معنى الغاير الذاهب الماضي أي الذي تدلى للغروب وبعد عن العيون وروي في غير صحيح مسلم الغارب بتقديم الراء وروي العازب بالعين المهملة والزاي ومعناه البعيد في الأفق فكلها راجعة إلى معنى واحد قال الطيبي رحمه الله فإن قلت ما فائدة تقييد الكوكب بالدري ثم


بالغابر في الأفق قلت للإيذان بأنه من باب التمثيل الذي وجهه منتزع من عدة أمور متوهمة في المشبه شبه رؤية الرائي في الجنة صاحب الغرفة برؤية الرائي الكوكب المستضيء الباقي من باب الشرق أو الغرب في الاستضاءة مع البعد فلو قيل الغائر لم يصح لأن الإشراق يفوت عند الغروب اللهم إلا أن يقدر المستشرف على الغروب لقوله تعالى فإذا بلغن أجلهن البقرة أي شارفن بلوغ أجلهن لكن لا يصح هذا المعنى في الجانب الشرقي نعم
يجوز على التقدير كقولهم متقلدا سيفا ورمحا وعلفته تبنا وماء باردا أي طالعا في الأفق من المشرق وغائرا في المغرب لتفاضل ما بينهم علة للترائي والمعنى إنما ذلك لتزايد مراتب ما بين سائر أهل الجنة العالية وما بين أرباب أهل الغرف العالية قيل الجنة طبقات أعلاها للسابقين وأوسطها للمقتصدين وأسافلها للمخلطين قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى أي يبلغها غيرهم من الأولياء ويشاركها معهم بعض الأصفياء والذي نفسي بيده رجال أي وهم رجال أو يبلغها رجال أي كاملون في الرجولية لقوله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله النور الآية آمنوا بالله أي حق الإيمان وغاية الإيقان ونهاية الإحسان وصدقوا المرسلين في إجابة ما أمروا به ونهوا عنه وقاموا بوصف الصابرين والشاكرين وترفعوا إلى مقام الراضين قال تعالى وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا الفرقان إلى أن قال أولئك يجزون الغرفة بما صبروا الفرقان الآية وفي جمع المرسلين إشعار بأن هذه المرتبة العلية عامة للسابقين على حسب تفاوتهم في الرتب السنية وليست خاصة لهذه الأمة مع أن تصديق المرسلين على وجه التحقيق إنما هو لهذه الجماعة نعم قد يراد به مقابلة الجمع للجمع فالمراد رسوله خاصة بالأصالة وسائر الرسل بالتبعية فإنه يلزم من التصديق بواحد التصديق بالكل وكذا في جانب التكذيب ومنه قوله تعالى كذبت قوم نوح المرسلين متفق عليه وكذا رواه أحمد


وابن حبان والدارمي عن أبي سعيد وكذا الترمذي عن أبي هريرة ورواه أحمد والشيخان وابن حبان عن سهل بن سعد ولفظه أن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان عن أبي سعيد والطبراني عن جابر بن سمرة وابن عساكر عن ابن عمر وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم بلفظ إن أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كما ترون الكوكب الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما وفي بعض طرق الحديث قيل وما معنى أنعما قال أهل لذلك هما وروى ابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعا إن أهل عليين ليشرف أحدهم على الجنة فيضيء وجهه لأهل الجنة كما يضيء القمر ليلة البدر لأهل الدنيا وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الاخوان والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا إن في الجنة لعمدا من ياقوت عليها غرف من زبرجد ولها أبواب مفتحة تضيء كما يضيء الكوكب الدري يسكنها المتحابون في الله والمتجالسون في الله والمتلاقون في الله وروى أحمد وابن


حبان والبيهقي عن مالك الأشعري والترمذي عن علي رضي الله عنه مرفوعا أن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يدخل الجنة أقوام أفئدتهم أي قلوبهم مثل أفئدة الطير أي في الرقة واللينة والرحمة والصفاء والخلو عن الحسد والحقد والغل والبغضاء ومجمله لكونها خالية من كل ذنب سليمة من كل عيب قال النووي رحمه الله قيل مثلها في رقتها كما ورد أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا وقيل في الخوف والهيبة والطير أكثر الحيوان خوفا وفزعا قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر وقيل في التوكل كما ورد لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا وقد قال تعالى وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم العنكبوت رواه مسلم وكذا أحمد في مسنده وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة يقولون لبيك ربنا أي يا ربنا وسعديك والخير أي جنسه أو جميع أفراده في يديك أي منحصر في قبضة قدرتك وإرادتك فيقول هل رضيتم أي عن ربكم فيقولون وما لنا لا نرضى الاستفهام للتقرير والمعنى أي شيء مانع لنا من أن لا نرضى عنك يا رب أي يا ربي والقياس يا ربنا فكأنه أفرد باعتبار كل قائل وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك الجملة حالية فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك أي من عطائكم هذا فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك أي من عطائك هذا فيقول أحل بضم


الهمزة وكسر الحاء أي أنزل عليكم رضواني بكسر الراء ويضم أي دوام رضواني فإنه لا يلزم من كثرة العطاء دوام الرضا ولذا قال فلا أسخط بفتح الخاء المعجمة أي لا أغضب عليكم بعده أبدا ثم اللقاء يترتب على الرضا من الرب المتفرع على الرضا من العبد للقضاء ترتيب البقاء بعد تحقق الفناء قال ابن الملك في الحديث دلالة على أن رضوان الله تعالى على العبد فوق إدخاله إياه الجنة وقال الطيبي رحمه الله الحديث مأخوذ من قوله تعالى وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر التوبة الكشاف إنما كبر من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة لأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته والكرامة أكبر أضعاف الثواب لأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم وإنما يتهنأ له برضاه كما ينتقص عليه بسخطه ولم يجد لها لذة وإن عظمت قال الطيبي رحمه الله وأكبر أصناف الكرامة رؤية الله تعالى قلت ولعل الرضوان أكبر لإشتماله على تحصيل اللقاء وسائر أنواع النعماء متفق عليه وكذا رواه أحمد والترمذي وعن أبي هريرة رضي الله عنه إن رسول الله قال إن أدنى مقعد أحدكم أي أقل مرتبة ملكه ومسيرة جنانه ومسافة قصوره من الجنة أي فيها أن يقول أي الله أو الملك له تمن فيتمنى ويتمنى والظاهر أن المراد بالتكرير هو التكثير قال الطيبي رحمه الله قوله أن يقول له خبر إن والمعنى إن أدنى منزلة أحدكم في الجنة أن ينال أمانيه كلها بحيث لا تبقى له أمنية ونحوه قول الشاعر لم يبق جودك لي شيئا أؤمله تركتني أصحب الدنيا بلا أمل فيقول أي الرب له هل تمنيت أي جميع أمانيك فيقول نعم فيقول له فإن لك ما تمنيت أي وعدا وعدلا ومثله معه أي زيادة وفضلا وفيه إيماء إلى أن من يكون منتهى ما تمناه رضا مولاه وما يترتب عليه من لقاه فلا يتصور له مزيد أن يعطاه رواه مسلم


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله سيحان وجيحان بفتح أولهما نهران بالشام أولهما من السيح بالسين والحاء المهملتين وهو جري الماء على وجه الأرض والنون فيه زائدة وثانيهما من جحن الصبي بالجيم فالحاء إذا ساء غذاؤه والنون فيه أصلية والفرات نهر بالكوفة والنيل نهر مصر وأما سيحون فنهر بالهند وجيحون نهر بلخ وينتهي إلى خوارزم كذا قاله شارح وقيل سيحان نهر بالشام وقيل بالهند وجيحان نهر بلخ وقال النووي رحمه الله سيحان وجيحان غير سيحون وجيحون والمذكور في الحديث في بلاد الأرمن فسيحان نهر المصيصة وجيحان نهر اردنه وهما نهران عظيمان جدا هذا هو الصواب وأما قول الجوهري جيحان نهر بالشام فغلط وقال صاحب نهاية الغريب سيحان وجيحان نهران بالعواصم عند المصيصة وطرسوس واتفقوا على أن جيحون بالواو نهر خراسان وقيل سيحون نهر بالهند كل أي كل واحد منها من أنهار الجنة إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة لما فيها من العذوبة والهضم ولتضمنها البركة الإلهية وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها وذلك مثل قوله في عجوة المدينة إنها من ثمار الجنة ويحتمل أنه سمى الأنهار التي هي أصول أنهار الجنة بتلك الأسامي ليعلم أنها في الجنة بمثابة الأنهار الأربعة في الدنيا أو لأنها مسميات بتلك الأسماء فوقع الاشتراك فيها كذا ذكر شارح من علمائنا وقال القاضي رحمه الله جعل الأنهار الأربعة لعذوبة مائها وكثره منافعها كأنها من أنهار الجنة ويحتمل أن يكون المراد بها الأنهار الأربعة التي هي أصول أنهار الجنة وسماها بأسامي الأنهار الأربعة التي هي أعظم أنهار الدنيا وأشهرها وأعذبها وأفيدها عند العرب على سبيل التشبيه والتمثيل ليعلم أنها في الجنة بمثابتها وأن ما في الدنيا من أنواع المنافع والنعائم أنموذجات لما يكون في الآخرة وكذا ما فيها من المضار المردية والمستكرهات المؤذية وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض رحمه الله كون هذه الأنهار


من الجنة أن الإيمان لهم ببلادها وأن الأجسام المتغذية بمائها صائرة إلى الجنة والأصح أنها على ظاهرها وأن لها مادة من الجنة مخلوقة لأنها موجودة اليوم عند أهل السنة وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان في حديث الإسراء أن الفرات والنيل يجريان من الجنة وفي البخاري من أصل سدرة المنتهى وفي معالم التنزيل روى ابن عباس أن الله تعالى أنزل هذه الأنهار من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل استودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس وذلك قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء بقدر المؤمنون فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل يرفع من الأرض القرآن والعلم والحجر الأسود ومقام إبراهيم


وتابوت موسى وهذه الأنهار فذلك قوله تعالى وإنا على ذهاب به لقادرون المؤمنون رواه مسلم وعن عتبة بضم عين مهملة فمثناة فوقية ساكنة فموحدة على ما في أسماء الرجال للمؤلف بن غزوان بفتح معجمة وسكون زاي قيل هو سابع سبعة في الإسلام قال ذكر لنا هو في حكم المرفوع لأن الغالب في الصحابي الكبير أن لا يأخذ من غير النبي أو من الصحابة ومراسيل الصحابي حجة بالاتفاق المعنى بلغنا أن الحجر يلقى أي يرمي من شفة جهنم بفتح أوله ويكسر واحدة الشفاه أي من طرفها فيهوي أي فيسقط الحجر وينزل فيها أي في جهنم سبعين خريفا أي سنة لا يدرك أي الحجر لها أي جهنم قعرا وهو أبلغ من أن يقال لا يصل إلى قعرها والمعنى أنها مع طولها وعرضها وعمقها والله لتملأن بصيغة المجهول أي جهنم من الكفار ثم قال عتبة بعد وصف جهنم انتقالا إلى نعت الجنة ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة أي ما بين طرفي باب من أبوابها مسيرة أربعين سنة وليأتين عليها يوم وهو لعل كلا من ضميري عليها وهو يرجع إلى ما فالأول باعتبار المعنى لأن ما عبارة عن أماكن والثاني باعتبار لفظه فالمعنى والحال أن ما بينهما كظيظ بالمعجمتين أي مملوء فعيل بمعنى مفعول وقيل أي ممتلىء من الزحام بكسر الزاي أي الكثرة رواه مسلم
الفصل الثاني
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله مم خلق الخلق قال من الماء قيل أي من النطفة والظاهر أن يكون اقتباسا من قوله تعالى وجعلنا من الما


كل شيء حي الأنبياء أي وخلقنا من الماء كل حيوان لقوله سبحانه والله خلق كل دابة من ماء النور وذلك لأن الماء أعظم مواده أو لفرط احتياجه إليه وانتفاعه بعينه وقرىء حيا على أنه صفة كل أو مفعول ثان والظرف لغو والشيء مخصوص بالحيوان قلنا وفي نسخة ضعيفة قلت الجنة ما بناؤها أي هل من حجر أو مدر أو خشب أو شعر قال لبنة من ذهب ولبنة من فضة أي بناؤها ملمع ومرصع منهما أو ذكر النوعين باعتبار الجنتين كما تقدم والله تعالى أعلم وملاطها بكسر الميم أي ما بين اللبنتين موضع النورة المسك الأذفر أي الشديد الريح في النهاية الملاط الطين الذي يجعل بين ساقتي البناء يملط به الحائط أي يخلط وحصباؤها أي حصباؤها الصغار التي في الأنهار اللؤلؤ والياقوت أي مثلهما في اللون والصفاء وتربتها أي مكان ترابها الزعفران أي الناعم الأصفر الطيب الريح فجمع بين ألوان الزينة وهي البياض والحمرة والصفرة ويتكمل بالأشجار الملونة بالخضرة ولما كان السواد مما يغم الفؤاد خص بأهل العناد من العباد من يدخلها ينعم ولا يبأس بفتح وسطهما قال التوربشتي رحمه الله قد وجدناه في المصابيح وفي بعض كتب الحديث ببؤس بالهمزة المضمومة لدلالة الواو على الضم وبأس الأمر يبؤس إذا اشتد وباس يباس إذا افتقر والغلط إنما وقع في رسم الخط والصواب لا يبأس انتهى وفي القاموس البأس العذاب والشدة في الحرب ومنه البأس وبؤس ككرم وبئس كسمع اشتدت حاجته ومنه البأساء ويخلد أي يدوم فيها فلا يتحول عنها ولا يموت أي لا يفنى بل دائما يبقى ولا تبلى بفتح أوله أي لا تخلق ولا تتقطع ثيابهم وكذا أثاثهم ولا يفنى شبابهم أي لا يهرمون ولا يخرفون ولا يغيرهم مضي الزمان فإنهم خلقوا لنعيم الأبد في ذلك المكان رواه أحمد والترمذي والدارمي وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب وأما أغصانها فمختلفة فتارة من ذهب وأخرى من فضة أو ياقوتة أو زمردة أو


لؤلؤة أو مرصعة ملمعة مزينة بأنواع الأزهار وأصناف الأنوار ومن فوقها أجناس الأثمار ومن تحتها تجري الأنهار رواه الترمذي رحمه الله
وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إن في الجنة مائة درجة قال ابن الملك المراد بالمائة ههنا الكثرة وبالدرجة المرقاة أقول الأظهر أن المراد بالدرجات المراتب العالية قال تعالى هم درجات عند الله آل عمران أي ذوو درجات بحسب أعمالهم من الطاعات كما أن أهل النار أصحاب دركات متسافلة بقدر مراتبهم في شدة الكفر كما يشير إليه قوله سبحانه إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار النساء ويؤيده الحديث الذي يليه وظاهر قوله ما بين كل درجتين مائة أي مقدار مسافة مائة سنة رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله إن في الجنة مائة درجة لو أن العالمين أي خلق الأولين والآخرين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم أي لكفتهم رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وكذا رواه ابن حبان من وجه آخر وصححه وعنه أي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي في قوله وفرش مرفوعة قال ارتفاعها أي اعتلاء فرش الجنة أو ارتفاع الدرجة التي فرشت الفرش المرفوعة فيها لكما بين السماء والأرض خبر لإرتفاعها كقوله مسيرة خمسمائة سنة أو الثاني بدل أو بيان ثم دخول اللام في خبر المبتدأ كما في قول الشاعر أم الحليس لعجوز شهربة ترضى من اللحم بعظم الرقبة والشهربة العجوز الكبيرة ومثله الشهبرة على ما في الصحاح والكاف في لكما اسم قال الزجاج في قوله تعالى إن هذان لساحران طه قالت النحاة القدماء إن الضمير فيه مضمر أي إنه هذان لساحران قالوا وأصل هذه اللام أن تقع في المبتدأ ووقوعها في الخبر جائز هذا وفي الكشاف في قوله فرش مرفوعة أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قيل هي النساء لأن المرأة يكنى عنها بالفراش ويدل عليه قوله إنا أنشأناه


إنشاء الواقعة وعلى التفسير الأول أضمر لهن لأن ذكر الفرش وهي المضاجع دل عليهن انتهى فهن مرفوعة على الفرش أو السرر أو بالجمال على نساء أهل الدنيا على ما قيل فإن كل فاضل رفيع لكن ثبت في الحديث أن المؤمنات أحسن من الحور لصلاتهن وصيامهن قال التوربشتي رحمه الله قول من قال المراد منه ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات وما بين كل درجتين من الدرجات كما بين السماء والأرض هذا القول أوثق وأعرف الوجوه المذكورة و ذلك لما في الحديث إن للجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض انتهى وعارضه الطيبي رحمه الله بما لا طائل تحته فأعرضت عن ذكره وتركت بحثه رواه الترمذي أي موقوفا وقال هذا حديث غريب وعنه أي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إن أول زمرة يدخلون الجنة يوم القيامة وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ضوء وجوههم أي نورها على مثل ضوء القمر ليلة البدر وهو وقت كمال إنارته والزمرة الثانية على مثل أحسن كوكب دري في السماء وهم الأولياء والصلحاء على اختلاف مراتبهم في الضياء لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة بضم حاء وتشديد لام ولا تطلق غالبا إلا على ثوبين يرى أي يبصر مخ ساقها أي مخ عظام ساق كل زوجة من ورائها أي من فوق حللها السبعين لكمال لطافة أعضائها وثيابها والتوفيق بينه وبين خبر أدنى أهل الجنة من له ثنتان وسبعون زوجة وثمانون ألف خادم بأن يقال يكون لكل منهم زوجتان موصوفتان بأن يرى مخ ساقها من ورائها وهذا لا ينافي أن يحصل لكل منهم كثير من الحور العين غير البالغة إلى هذه الغاية كذا قيل والأظهر أن لكل زوجتان من نساء الدنيا وأن أدنى أهل الجنة من له ثنتان وسبعون زوجة في الجملة يعني ثنتين من نساء الدنيا وسبعين من الحور العين والله سبحانه وتعالى أعلم رواه الترمذي وكذا أحمد في مسنده وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال يعطى المؤمن في الجنة قوة كذ


وكذا من الجماع وهو كناية عن جماع عدة من النساء كالعشرة مثلا قيل يا رسول الله أو يطيق ذلك بفتح الواو أي أيعطي تلك القوة ويستطيع ذلك المقدار والإشارة إلى مضمون قوله كذا وكذا من الجماع قال يعطى قوة مائة أي مائة رجل كذا قيل أو مائة مرة من الجماع والمعنى فإذا كان كذلك فهو يطيق ذلك رواه الترمذي وفي الجامع يعطى المؤمن في الجنة قوة مائة في النساء رواه الترمذي وابن حبان عن أنس وفي الجامع أن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والشهوة والجماع حاجة أحدهم عرق يفيض من جلده فإذا بطنه قد ضمر رواه الطبراني عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي أنه قال لو أن ما يقل بضم الياء وكسر القاف وتشديد اللام أي يحمله ظفر بضمتين ويسكن الثاني قال الطيبي رحمه الله ما موصولة والعائد محذوف أي ما يقله وقال القاضي رحمه الله أي قدر ما يستقل بحمله ظفر ويحمل عليها مما في الجنة أي من نعيمها بدا أي ظهر في الدنيا للناظرين لتزخرفت أي تزينت له أي لذلك المقدار وسببه من الاعتبار وظهور الأنوار ما بين خوافق السموات والأرض أي أطرافها وقيل منتهاها وقيل الخافقان المشرق والمغرب كذا ذكره شارح وقال القاضي رحمه الله الخوافق جمع خافقة وهي الجانب وهي في الأصل الجانب التي تخرج منها الرياح من الخفقان ويقال الخافقان للمشرق والمغرب قال الطيبي رحمه الله وتأنيث الفعل لأن ما بين بمعنى الأماكن كما في قوله تعالى أضاءت ما حوله البقرة وفي وجه ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع بتشديد الطاء أي أشرف على أهل الدنيا فبدا أي ظهر أساوره جمع أسورة جمع سوار والمراد بعض أساوره ففي تيسير الوصول فبدا سواره لطمس ضوؤه أي محا نوره ضوء الشمس كما تطمس الشمس وفي نسخة كما يطمس ضوء الشمس ضوء النجوم رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وقد سبق هذا المعنى في أحاديث بعضها في صحيح البخاري وبعضها في


الصحيحين في الجامع أن الرجل من أهل عليين ليشرف على أهل الجنة فتضيء الجنة لوجهه كأنها كوكب دري رواه أبو داود عن أبي سعيد رحمهم الله وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله أهل الجنة جرد بضم جيم وسكون راء جمع أجرد وهو الذي لا شعر على جسده وضده الأشعر مرد جمع أمرد وهو غلام لا شعر على ذقنه وقد يراد به الحسن بناء على الغالب كحلى بفتح الكاف فعلى بمعنى فعيل أي مكحول وهو عين في أجفانها سواد خلقة كذا قاله شارح وفي النهاية الكحل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة والرجل أكحل وكحيل وكحلي جمع كحيل لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم رواه الترمذي والدارمي وعن معاذ بن جبل أن النبي قال يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين أي خلقة أو كمكحلين أبناء ثلاثين أي أترابا أو ثلاث أي أو أبناء ثلاث وثلاثين سنة وأو لشك الراوي رواه الترمذي قيل وحسنه وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت سمعت رسول الله وذكر له أي والحال أنه ذكر لرسول الله سدرة المنتهى قيل هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر والمنتهى بمعنى موضع الانتهاء أو الانتهاء كأنها في منتهى الجنة وآخرها وقيل لم يجاوزها أحد وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم ولا يعلم أحد ما وراءها قال أي النبي يسير الراكب أي المجد في ظل الفنن محركة أي الغصن وجمعه الأفنان ومنه قوله تعالى ذواتا أفنان الرحمان ويقال ذلك للنوع وجمعه فنون كذا حققه الراغب منها أي من السدرة مائة سنة أو يستظل بظلها مائة راكب


والأول أبلغ ويمكن أن يراد بها المبالغة في طولها وعرضها فأو للتخيير أو للتنويع باختلاف بعض الأماكن أو بالنسبة إلى نظر بعض الأشخاص لكن قوله شك الراوي يأبى عن ذلك إلا أنه لم يعرف من كلام من والشك وقع ممن والله تعالى أعلم فيها أي في سدرة المنتهى والمعنى فيما بين أغصانها أو عليها بمعنى فوقها مما يغشاها فراش الذهب بفتح الفاء جمع فراشة وهي التي تطير وتتهافت في السراج قيل هذا تفسير قوله تعالى إذ يغشى السدرة ما يغشى النجم ومنه أخذ ابن مسعود حيث فسر ما يغشى بقوله يغشاها فراش من ذهب قال الإمام أبو الفتح العجلي في تفسيره ولعله أراد الملائكة تتلألأ أجنحتها تلألؤ أجنحة الفراش كأنها مذهبة كأن ثمرها القلال بكسر القاف جمع القلة أي قلال هجر في الكبر رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن أنس قال سئل رسول الله ما الكوثر قال ذاك نهر بفتح الهاء وتسكن أي جدول ماء وفي طرفيه حوضان أحدهما في الجنة والآخر في الموقف أعطانيه الله وإنما قال القائل يعني في الجنة لكون أكثره في الجنة أو مآل تمامه إليها أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وفيه إيماء إلى أن ماءه جامع بين سوغ اللبن ولذة العسل وإشارة إلى قوله تعالى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين الزخرف فيه أي في ذلك النهر أو في أطرافه طير أي جنس من الطيور طويل العنق وكبيره أعناقها كأعناق الجزر بضم الجيم والزاي جمع جزور والمعنى أنه أعد للنحر ليأكل منه أصحاب شرب ذلك النهر فإنه بها يتم عيش الدهر قال عمر رضي الله عنه إن هذه أي الطير فإنه يذكر ويؤنث لناعمة أي لمتنعمة أو لنعمة طيبة قال رسول الله أكلتها بفتحات جمع آكل اسم فاعل كطلبة جمع طالب وهذا هو الذي في أصل الجزري وسائر النسخ المصححة والمعنى من يأكلها أنعم منها وفي نسخة صحيحة وهي أصل السيد آكلتها بالمد وبكسر الكاف على أن صيغة الواحد قد تستعمل للجماعة وفي نسخة آكلها بصيغة الفاعل المذكر وفي أخرى آكلوها بصيغة جمع


المذكر رواه الترمذي ورواه الحاكم عنه مرفوعا الكوثر
نهر أعطانيه الله في الجنة ترابه مسك أبيض من اللبن وأحلى من العسل ترده طير أعناقها مثل أعناق الجزر أكلتها أنعم منها وعن بريدة بالتصغير أن رجلا قال يا رسول الله هل في الجنة من خيل قال إن الله بكسر الهمزة وسكون النون على أن إن شرطية ثم كسر للالتقاء قال الطيبي رحمه الله مرفوع بفعل يفسره ما بعده وهو أدخلك الجنة ولا يجوز رفعه على الابتداء لوقوعه بعد حرف الشرط وقوله فلا تشاء أن تحمل فيها جواب للشرط أي فلا تشاء الحمل في الجنة على فرس من ياقوتة حمراء يطير بالتذكير ويؤنث ففي القاموس الفرس للذكر والأنثى أي يسرع بك في الجنة حيث شئت إلا فعلت بصيغة المخاطب المذكر المعلوم والمعنى أن تشاء تفعله وفي نسخة على بناء المجهول أي حملت عليها وركبت وفي أخرى بتاء التأنيث الساكنة فالضمير للفرس أي حملتك قال القاضي رحمه الله تقدير الكلام إن أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل على فرس كذلك إلا حملت عليه والمعنى أنه ما من شيء تشتهيه الأنفس إلا وتجده في الجنة كيف شاءت حتى لو اشتهت أن تركب فرسا على هذه الصفة لوجدته وتمكنت منه ويحتمل أن يكون المراد إن أدخلك الله الجنة فلا تشاء أن يكون لك مركب من ياقوتة حمراء يطير بك حيث شئت ولا ترضى به فتطلب فرسا من جنس ما تجده في الدنيا حقيقة وصفة والمعنى فيكون لك من المراكب ما يغنيك عن الفرس المعهود ويدل على هذا المعنى ما جاء في الرواية الأخرى وهو إن أدخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان فحملت عليه ولعله لما أراد أن يبين الفرق بين مراكب الجنة ومراكب الدنيا وما بينهما من التفاوت على التصوير والتمثيل مثل فرس الجنة في جوهره بما هو عندنا أثبت الجواهر وأدومها وجودا وأنصعها لونا وأصفاها جوهرا وفي شدة حركته وسرعة انتقاله بالطير وأكد ذلك في الرواية الأخرى بقوله جناحان وعلى هذا قياس ما ورد في صفة أبنية الجنة ورياضها وأنهارها إلى غير


ذلك والعلم بحقائقها عند الله تعالى قال الطيبي رحمه الله الوجه الأول ذهب إليه الشيخ التوربشتي وتقدير قوله إلا حملت يقتضي أن يروي قوله إلا فعلت على بناء المفعول فإنه استثناء مفرغ أي لا تكون بمطلوبك إلا مسعفا وإذا ترك على بناء الفاعل كان التقدير فلا تكون بمطلوبك إلا فائزا والوجه الثاني من الوجهين السابقين قريب من أسلوب الحكيم فإن الرجل سأل عن الفرس المتعارف في الدنيا فأجابه بما في الجنة أي أترك ما طلبته فإنك مستغن عنه بهذا المركب الموصوف وسأله رجل فقال يا رسول الله هل في الجنة من إبل فإني أحب الإبل قال


أي بريدة فلم يقل له ما قال لصاحبه أي مثل مقوله لصاحبه كما سبق بل أجابه مختصرا فقال أن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك أي وجدت عينك لذيذا من لذذت بالكسر لذاذا ولذاذة أي وجدته لذيذا قاله شارح وفيه إشارة إلى قوله تعالى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين الزخرف رواه الترمذي وعن أبي أيوب قال أتى النبي أي جاءه أعرابي أي بدوي فقال يا رسول الله إني أحب الخيل أي في الدنيا أفي الجنة خيل يعني أو ليس فيها أو لا تشتهي للاستغناء عنها قال رسول الله إن أدخلت الجنة أتيت أي جئت بفرس من ياقوتة قيل أراد الجنس المعهود مخلوقا من أنفس الجواهر وقيل إن هناك مركبا من جنس آخر يغنيك من المعهود كما مر والأخير هو الأظهر لما سيأتي ولقوله له جناحان فحملت عليه بصيغة المجهول أي ركبت ثم طار بك حيث شئت رواه الترمذي وقال هذا حديث ليس إسناده بالقوي وأبو سورة بفتح السين المهملة الراوي أي راوي هذا الحديث يضعف أي ينسب إلى الضعف بأحد أسبابه في الحديث أي في علمه أو في إسناده وسمعت محمد بن إسماعيل أي البخاري يقول أبو سورة هذا منكر الحديث يروي مناكير وروى الطبراني عن أبي أيوب مرفوعا إن أهل الجنة يتزاورون على النجائب بيض كأنهن الياقوت وليس في الجنة شيء من البهائم إلا الإبل والطير وعن بريدة قال قال رسول الله أهل الجنة عشرون ومائة صف أي قدرها أو صوروا صفوفا ثمانون أي صفا منها أي من جملة العدد كائنون من هذه الأمة وأربعون أي صفا من سائر الأمم والمقصود بيان تكثير هذه الأمة وأنهم ثلثان في القسمة قال الطيبي


رحمه الله فإن قلت كيف التوفيق بين هذا وما ورد من قوله والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا فقال أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا فقال أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة قلت يحتمل أن يكون الثمانون صفا مساويا في العدد للأربعين صفا وأن يكونوا كما زاد على الربع والثلث يزيد على النصف كرامة له قلت وهذا هو الأظهر على أن النصف قد يطلق ولم يرد به التساوي في العدد والصف ولذا يوصف بالأقل والأكثر رواه الترمذي والدارمي والبيهقي في كتاب البعث والنشور وكذا رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم عنه والطبراني عن ابن عباس وعن ابن مسعود عن أبي موسى وعن سالم تابعي جليل عن أبيه أي عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم قال قال رسول الله باب أمتي الذين كذا في الأصول المعتمدة والنسخ المصححة بصيغة الجمع فيكون صفة للأمة وفي نسخة بصيغة الإفراد على أنه صفة الباب وهو الظاهر إذ المعنى باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب المجود اسم فاعل من التجويد وهو التحسين قال شارح أي الراكب الذي يجود ركض الفرس من جودته أي جعلته جيدا وفي أساس البلاغة يجود في صنعته يفوق فيها وأجاد الشيء وجوده أحسن فيما فعل وجود في عدوه عدا عدوا جوادا وفرس جواد من خيل جياد قال الطيبي رحمه الله والمجود يحتمل أن يكون صفة الراكب والمعنى الراكب الذي يجود ركض الفرس وأن يكون مضافا إليه والإضافة لفظية أي الفرس الذي يجود في عدوه ثلاثا ظرف مسيرة والمعنى ثلاث ليال أو سنين وهو الأظهر لأنه يفيد المبالغة أكثر ثم المراد به الكثرة لئلا يخالف ما سبق من أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة على أنه يمكن أوحي إليه أولا بالقليل ثم أعلم بالكثير أو يحمل على اختلاف الأبواب باختلاف أصحابها والله تعالى أعلم ثم إنهم أي أهل الجنة من أمتي عند دخولهم من أبوابها فالمراد بالباب جنسه ليضغطون بصيغة المجهول أي ليعصرون ويضيقون عليه


أي على الباب حتى تكاد أي تقرب مناكبهم تزول أي تنقطع من شدة الزحام رواه الترمذي وقال هذا حديث ضعيف وفي المصابيح ضعيف منكر قال شارح له أي هذا الحديث منكر لمخالفته للأحاديث الصحيحة التي وردت في هذا المعنى مما مر وسألت محمد بن إسماعيل أي البخاري رحمه الله
عن هذا الحديث فلم يعرفه أي أصل الحديث والعالم بالحديث المحيط بطرق الأحاديث إذا قال أعرفه دل على ضعفه وقال أي البخاري يخلد بضم اللام بن أبي بكر وهو أحد رواة هذا الحديث يروي المناكير يعني فيكون حديثا ضعيفا وليس فيه أن حديثه هذا منكر قال السيد جمال الدين قوله يخلد سهو من صاحب المشكاة وصوابه خالد إذ في الترمذي خالد بن أبي بكر رحمه الله وكذا في كتب أسماء الرجال وعن علي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله إن في الجنة لسوقا أي مجتمعا والسوق مؤنث سماعي ولذا قال ما فيها أي ليس في تلك السوق شرى بالكسر والقصر أي اشتراء ولا بيع والمعنى ليس فيها تجارة إلا الصور بالنصب وفي نسخة بالرفع أي التماثيل المختلفة من الرجال والنساء فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها وكذا إذا اشتهت النساء صورة دخلن فيها قال الطيبي رحمه الله قد سبق في الفصل الأول في حديث أنس أن المراد بالسوق الجمع وهذا يؤيده يعني حيث قال ما فيها شري ولا بيع قال فالاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا بأن يجعل تبديل الهيئات من جنس البيع والشري كقوله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم الشعراء يعني على وجه وإلا فالمعتمد أن استثناءه منقطع ثم قيل يحتمل الحديث معنيين أحدهما أن يكون معناه عرض الصور المستحسنة عليه فإذا اشتهى وتمنى تلك الصورة المعروضة عليه صوره الله سبحانه وتعالى بشكل تلك الصورة بقدرته وثانيهما أن المراد من الصورة الزينة التي يتزين الشخص بها في تلك السوق ويتلبس بها ويختار لنفسه من الحلي والحلل والتاج يقال لفلان صورة حسنة أي هيئة مليحة يعني فإذا رغب في شيء منها


أعطيه ويكون المراد من الدخول فيها التزين بها وعلى كلا المعنيين التغير في الصفة لا في الذات قال الطيبي رحمه الله ويمكن أن يجمع بينهما ليوافق حديث أنس فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا الحديث قلت وهو مقتبس من قوله تعالى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين الزخرف ولعل التقييد بالمكان وهو السوق والزمان وهو يوم الجمعة وبخصوص الصور لكونه يوم المزيد ويوم اللقاء ويوم الجمع ومشاهدة أهل البقاء وزيادة أهل الصفاء والله سبحانه وتعالى أعلم وسيأتي في الحديث الذي يليه مزيد بيان لذلك رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب


وعن سعيد بن المسيب تابعي جليل أنه لقي أبا هريرة أي في السوق على ما يدل عليه السياق فقال له أبو هريرة اسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة أي كما جمع بيننا في سوق المدينة فقال سعيد أفيها أي أفي الجنة سوق يعني وهي موضوعة للحاجة إلى التجارة قال نعم أخبرني رسول الله أن بالفتح في أصل السيد وغيره وفي نسخة بالكسر على الحكاية أي الخبر هو قوله إن أو التقدير قائلا أن أهل الجنة إذا دخلوها أي الجنة نزلوا فيها أي في منازلها ودرجاتها بفضل أعمالهم أي بقدر زيادة طاعاتهم كمية وكيفية ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة أي قدر إتيانه والمراد في مقدار الأسبوع من أيام الدنيا فيزورون ربهم أي فيه ويبرز من الإبراز أي ويظهر ربهم لهم عرشه أي نهاية لطفه وغاية رحمته كما أشير إليه بقوله الرحمان على العرش استوى طه وإلا فقد سبق أن العرش سقف الجنة وليلائم أيضا على وجه التنزيه من الجهة قوله ويتبدى بتشديد الدال أي يظهر ويتجلى ربهم لهم في روضة أي عظيمة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر أي كراسي مرتفعة من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد بفتح زاي وموحدة فراء ساكنة فجيم مفتوحة جوهر معروف ومنابر من ذهب ومنابر من فضة أي بحسب مقادير أعمالهم ومراتب أحوالهم ويجلس أدناهم أي أدونهم منزلة وما فيهم دنيء أي والحال أنه ليس في أهل الجنة دون وخسيس قال الطيبي رحمه الله هو تتميم صونا لما يتوهم من قوله أدناهم الدناءة والمراد به الأدنى في المرتبة والحاصل أنه يجلس أقل أهل الجنة اعتبارا على كثبان المسك بضم الكاف وسكون المثلثة جمع كثيب أي تل من الرمل المستطيل من كثبت الشيء إذا جمعته والكافور بالجر عطف على المسك ففي القاموس هو نبت طيب نوره كنور الأقحوان أو الطلع أو وعائه وطيب معروف يكون من شجر بجبال بحر الهند والصين يظل خلقا كثيرا وتألفه النمورة وخشبه أبيض هش ويوجد في أجوافه الكافور وهو أنواع ولونها أحمر وإنما بيض


بالتصعيد مع الكرم وعين في الجنة ما يرون بصيغة المجهول من الاراءة والضمير إلى الجالسين على الكثبان أي لا يظنون ولا يتوهمون
أن أصحاب الكراسي أي أرباب المنابر بأفضل منهم مجلسا حتى يحزنوا بذلك لقولهم على ما في التنزيل الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن فاطر بل إنهم واقفون في مقام الرضا ومتلذذون بحال التسليم بما جرى القضاء قال أبو هريرة قلت يا رسول الله وهل نرى ربنا أي يتجلى الذات قال نعم هل تتمارون بفتح الراء وفي نسخة بحذف إحدى التائين أي هل تشكون في رؤية الشمس أي في رؤيتكم الشمس والقمر أي وفي رؤية القمر ليلة البدر واحترز عن الهلال وعن القمر في غير ليالي البدر فإنه لم يكن حينئذ في نهاية النور قلنا لا أي لا نشك في رؤية الشمس والقمر قال كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم والتشبيه إنما هو في كمال الظهور لا في غيره من خطرات تختلج في الصدور ولا يبقى في ذلك المجلس رجل إلا حاضره الله محاضرة بالضاد المعجمة من الحضور وقد صحف بالمهملة قال التوربشتي رحمه الله الكلمتان بالحاء المهملة والضاد المعجمة والمراد من ذلك كشف الحجاب والمقاولة مع العبد من غير حجاب ولا ترجمان ويبينه الحديث ما منكم من أحد إلا ويكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان الحديث والمعنى خاطبه الملك مخاطبة وحاوره محاورة حتى يقول للرجل منهم يا فلان بالفتح وفي نسخة بالضم بن فلان بنصب ابن وصرف فلان وهما كنايتان عن اسمه واسم أبيه وروى أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء مرفوعا إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم أتذكر يوم قلت كذا وكذا أي مما لا يجوز في الشرع فكأنه يتوقف الرجل فيه ويتأمل فيما ارتكبه من معاصيه فيذكره بتشديد الكاف أي فيعلمه الله ببعض غدراته بفتح الغين المعجمة والدال المهملة جمع غدرة بالسكون بمعنى الغدر وهو ترك الوفاء والمراد معاصيه لأنه لم يف بتركها الذي عهد الله إليه في الدنيا فيقول يا رب أفلم تغفر لي أي أدخلتني


الجنة فلم تغفر لي ما صدر لي من المعصية فيقول بلى أي غفرت لك فبسعة مغفرتي بفتح السين ويكسر بلغت أي وصلت منزلتك هذه قال الطيبي رحمه الله عطف على مقدر أي غفرت لك فبلغت بسعة رحمتي هذه المنزلة الرفيعة والتقديم دل على التخصيص أي بلوغك تلك
المنزلة كائن بسعة رحمتي لا بعملك فبينا وفي نسخة فبينما هم أي أهل الجنة على ذلك أي على ما ذكر من المحاضرة والمجاورة غشيتهم أي غطتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا أي عظيما لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط ويقول ربنا قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فنأتي سوقا قد حفت بتشديد الفاء أي أحاطت به الملائكة فيها كذا في بعض الأصول المعتمدة موجود والمعنى عليه أي في تلك السوق ما لم تنظر العيون بضم العين ويكسر جمع العين إلى مثله وهو في نسخ أكثر الشراح مفقود فقال المظهر ما موصولة والموصول مع صلته يحتمل أن يكون منصوبا بدلا من الضمير المنصوب المقدر العائد إلى ما في قوله ما أعددت ويحتمل أن يكون في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي المعد لكم وقال شارح أو هو مبتدأ خبره محذوف أي فيها أقول وهو أحق وأوفق وقال الطيبي رحمه الله الوجه أن يكون ما موصوفة بدلا من سوقا ولم تسمع الآذان بمد الهمزة جمع الأذن أي وما لم تسمع بمثله ولم يخطر بضم الطاء أي وما لم يمر مثله على القلوب وهذا هو معنى الحديث القدسي المشهور أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر على ما رواه أبو هريرة أيضا كما سبق فيحمل لنا أي إلى قصورنا ما اشتهينا أي في تلك السوق من أنواع المرزوق ليس يباع فيها ولا يشترى الجملة حال من ما في ما اشتهينا وهو المحمول والضمير في يباع عائد إليه وفي ذلك السوق هو يذكر ويؤنث فانثه تارة وذكره أخرى والتأنيث أكثر وأشهر أي وفي تلك السوق يلقى أي يرى أهل الجنة بعضهم بعضا قال أي النبي أو أبو هريرة مرفوعا حقيقة أو موقوفا في حكم المرفوع فيقبل


من الإقبال أي فيجيء ويتوجه الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من هو دونه أي في الرتبة والمنزلة وما فيهم من دنيء زيد من للمبالغة في نفي الاستغراق وهو في نسخة صحيحة بدون من كما في صدر الحديث فيروعه بضم الراء أي يعجب الرجل ما يرى أي يبصره عليه أي على من دونه من اللباس بيان ما كذا ذكره شارح والظاهر عكس مرجع الضميرين قال الطيبي رحمه الله الضمير المجرور يحتمل أن يرجع إلى من فيكون الروع مجازا عن الكراهة مما هو عليه من اللباس وأن يرجع إلى الرجل ذي المنزلة فالروع بمعنى الإعجاب أي يعجبه حسنه


فيدخل في روعه ما يتمنى مثل ذلك لنفسه ويدل عليه قوله فما ينقضي آخر حديثه أي ما ألقي في روعه من الحديث وضمير المفعول فيه عائد إلى من قال شارح أي حديث من هو دونه مع الرجل الرفيع المنزلة قلت ويجوز قلب الكلام أيضا حتى يتخيل عليه بصيغة الفاعل وفي نسخة بالبناء للمفعول أي حتى يتصور له أن عليه ما هو أحسن منه والمعنى يظهر عليه أن لباسه أحسن من لباس صاحبه وذلك أي سبب ما ذكر من التخيل لأنه أي الشأن لا ينبغي لأحد أن يحزن بفتح الزاي أي يغتم فيها أي في الجنة فحزن هنا لازم من حزن بالكسر لا من باب تصرفاته متعد غير ملائم للمقام ثم ننصرف أي نرجع ونعود إلى منازلنا فيتلقانا من التلقي أي يستقبلنا وفي نسخة فيلقانا من اللقي أي فيرانا أزواجنا أي من نساء الدنيا ومن الحور ا لعين فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئت وإن بك من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه فنقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا بكسر الحاء وتشديد القاف وفي نسخة بضم الحاء ففي المصابيح حق الشيء كضرب ونصر إذا ثبت وفي القاموس حق الشيء وجب ووقع بلا شك وحقه أوجبه لازم ومتعديا فالمعنى يوجبنا ويلزمنا ويمكن أن يكون من باب الحذف والإيصال أي يحق لنا ويليق بنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا أي من الانقلاب وهو الانصراف على وجه الكمال لأثر مجالسة ذي الجلال والجمال ومشاهدته المنزهة عن الحلول والاتحاد والاتصال والانفصال رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله أدنى أهل الجنة أي أقلهم خدما ونساء الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان أي من نساء الدنيا وسبعون زوجة أي من الحور العين وفي نسخة إثنان بالتذكير ولعل وجهه أنه ذكر باعتبار معنى الزوجة من لفظ الحور أو الزوج وتنصب بصيغة المجهول أي ويضرب ويرفع له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت قال القاضي رحمه الله يريد أن القبة معمولة منها أو مكللة بها كما بين الجابية وهي مدينة بالشام إلى


صنعاء وهي بلدة باليمن قال شارح هي قصبة باليمن وقيل هي
أول بلدة بنيت بعد الطوفان والمعنى أن فسحة القبة وسعتها طولا وعرضا وبعد ما بين طرفيه كما بين الموضعين قال السيوطي رحمه الله في الجامع الصغير رواه أحمد والترمذي وابن حبان والضياء عنه وبهذا الإسناد أي بالإسناد الواصل إلى أبي سعيد أيضا قال أي النبي أو أبو سعيد مرفوعا وفي المصابيح وبه قال أي بالإسناد المذكور قال ومن مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون أي يعودون وفيه تغليب لأنه لا رد في الصغير أو المعنى يصيرون بني ثلاثين في الجنة متعلق بقوله يردون لا يزيدون عليها أبدا أي زيادة مؤثرة في تغيير أبدانهم وأعضائهم وشعورهم وأشعارهم وإلا فزمانهم في الجنة يتزايد أبد الآبدين وكذلك أهل النار أي في العمر وعدم الزيادة ولعل اختيار هذا المقدار من أزمنة الأعمار للأبرار والكفار ليكون التنعم والعذاب على وجه الكمال في كل من دار البوار ودار القرار قال الطيبي رحمه الله فإن قلت ما التوفيق بين هذا الحديث وبين ما رواه مسلم عن أبي هريرة في باب البكاء صغارهم دعاميص الجنة أي داخلون على منازلهم لا يمنعون من موضع كما في الدنيا قلت في الجنة ظرف ليردون وهو لا يشعر أنهم لم يكونوا دعاميص قبل الرد وبهذا الإسناد قال إن عليهم أي على رؤوس أهل الجنة التيجان بكسر المثناة الفوقية جمع تاج أدنى لؤلؤة منها لتضيء بالتأنيث في النسخ ولعل وجهه أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه والمعنى لتنور ما بين المشرق والمغرب فأضاء متعد ويمكن أن يكون لازما والتقدير ليضيء به ما بينهما من الأماكن لو ظهرت على أهل الدنيا وبهذا الإسناد قال المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة أي فرضا وتقديرا كان حمله أي حمل الولد ووضعه وسنه أي كمال سنه وهو الثلاثون سنة في ساعة لأن الانتظار أشد من الموت ولا موت في الجنة ولا حزن كما يشتهي من أن يكون ذكرا أو أنثى ونحو ذلك وقال إسحاق بن إبراهيم رحمه الله أي


ابن حبيب البصري روى عن معمر بن سليمان وروى عنه أبو عبد الرحمان النسائي وغيره مات سنة سبع وخمسين ومائتين في هذا الحديث أي ذكر في بيان هذا الحديث إذا اشتهى أو في هذا الحديث دلالة على أنه إذا اشتهى المؤمن في الجنة الولد
كان في ساعة أي حصل الولد في ساعة ولكن لا يشتهي فقوله ولكن هو المقول حقيقة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وروى ابن ماجه الرابعة أي الفقرة الرابعة من فقرات الحديث والدارمي الأخيرة وهي ما أورده إسحاق بن إبراهيم وفي تيسير الوصول إلى جامع الأصول عن أبي رزين قال قال رسول الله لا يكون لأهل الجنة ولد أخرجه الترمذي وزاد في رواية عن الخدري إن اشتهى الولد كان حمله و وضعه وسنه في ساعة واحدة قال بعضهم لكن لا يشتهي وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله إن في الجنة لمجتمعا بفتح الميم الثانية أي موضعا للاجتماع أو اجتماعا للحور العين قال الراغب الحور جمع أحور وحوراء والحور قيل ظهور قليل من البياض في العين من بين السواد وذلك نهاية الحسن من العين ويقال للبقر الوحشي أعين وعيناء لحسن عينها وجمعها عين وبها شبه النساء قال تعالى وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون الواقعة و وروى ابن ماجه وابن مردويه عن عائشة عنه الحور العين خلقهن من تسبيح الملائكة وروى ابن مردويه والخطيب عن أنس مرفوعا الحور العين خلقن من الزعفران إن قلت ولا تنافي بين الحديثين لأن من تعليلية في الحديث الأول فتأمل يرفعن بأصوات الباء الزائدة تأكيد للتعدية أو أراد بالأصوات النغمات والمفعول محذوف أي يرفعن أصواتهن بأنغام لم تسمع الخلائق مثلها يقلن نحن الخالدات أي الدائمات في الغنى والمغنى فلا نبيد من باد هلك وفني أي فلا نفنى ونحن الناعمات أي المتنعمات فلا نبأس أي فلا نصير فقيرات ومحتاجات إلى غير المولى ونحن الراضيات أي عن ربنا أو عن أصحابنا فلا نسخط في حال من الحالات طوبى أي الحالة الطيبة لمن كان لنا وكنا له أي في الجنات


العاليات رواه الترمذي
وعن حكيم بن معاوية أي النميري قال البخاري في صحبته نظر وروى عنه ابن أخيه معاوية بن حكيم وقتادة رضي الله عنهم كذا ذكره المؤلف قال قال رسول الله إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد قال الطيبي رحمه الله يريد بالبحر مثل دجلة والفرات ونحوهما وبالنهر مثل نهر معقل حيث تشقق من أحدهما ثم منه تشقق جداول انتهى والظاهر أن المراد بالبحار المذكورة هي أصول الأنهار المسطورة في القرآن كما قال تعالى فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى محمد وقوله ثم تشقق بحذف إحدى التاءين أي تفترق الأنهار إلى الجداول بعد تحقق الأنهار إلى بساتين الأبرار وتحت قصور الأخيار على أنه قد يقال المراد بالبحار هي الأنهار وإنما سميت أنهارا لجريانها بخلاف بحار الدنيا فإن الغالب منها أنها في محل القرار رواه الترمذي أي عن حكيم بن معاوية ورواه الدارمي عن معاوية الظاهر أنه معاوية بن أبي سفيان لأن معاوية أبا حكيم لم يعرف كونه من الصحابة ثم رأيت السيوطي رحمه الله قال في الجامع الصغير رواه أحمد والترمذي عن معاوية بن حميدة لكنه لم يذكره المؤلف في أسمائه
الفصل الثالث
عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله قال إن الرجل في الجنة أي في دار الجزاء ليتكىء أي ليعتمد ويستند في الجنة أي في جنته الخاصة به سبعين مسندا بفتح الميم ويضم والنون مفتوحة لا غير وهو تمييز لسبعين وهو منصوب بنزع الخافض أي


على سبعين مسندا أو متكأ واحدا بعد واحد كل بلون وصنف من أنواع الزينة قبل أن يتحول أي من شق إلى آخر وهو ظرف ليتكىء كما هو ظاهر وأغرب الطيبي رحمه الله حيث قال قوله سبعين مسندا هذا يؤيد قول من فسر قوله تعالى وفرش مرفوعة الواقعة بأنها منضودة بعضها فوق بعض وقوله قبل أن يتحول ظرف لقوله يأتيه ولا يخفى غرابة الأول في المعنى وغرابة الثاني في المبنى ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبه وفي نسخة منكبيه أي ضرب الغنج والدلال وتنبيه على مطالعة الجمال فينظر أي فيطالع الرجل فيرى وجهه أي عكسه في خدها أي من كمال صفائها وضيائها حال كون خدها أصفى من المرآة أي أنور من جنس المرأة المعهودة في الدنيا وإن أدنى لؤلؤة عليها أي على تلك المرأة تضيء ما بين المشرق والمغرب أي لو كان في الدنيا فتسلم أي المرأة عليه فيرد السلام أي عليها ويسألها من أنت فتقول أنا من المزيد يراد به ما في قوله تعالى لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ق صلى الله عليه وسلم ومن المزيد أفضلها ما قاله سبحانه للذين أحسنوا الحسنى وزيادة يونس أي الجنة ورؤية الله تعالى وإنما سميت زيادة لأن الحسنى هي الجنة وهي ما وعد الله تعالى بفضله جزاء لأعمال المكلفين والزيادة فضل على فضل وإنه أي الشأن ليكون عليها أي على المرأة سبعون ثوبا أي بألوان مختلفة وأصناف مؤتلفة فينفذها بضم الفاء أي يدرك لطاقة بدن المرأة بصره أي نظر الرجل حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك أي ما ذكره من أنواع الثياب ولم يمنع بصره شيء من الحجاب وأن عليها من التيجان أي المرصعة ما يقال في حقها أن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب وقيل إن بالكسر مزيدة واللام داخل في خبر إن الأولى نحو قوله تعالى ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم التوبة انتهى والظاهر أنها إذا كانت مزيدة تكون اللام داخلة في خبر المبتدأ والجملة خبر إن الأولى ثم لا شك أن الثانية في الآية غير مزيدة بل لزيادة


تأكيد ومبالغة في النسبة رواه أحمد وعن أبي هريرة أن النبي كان يتحدث وعنده رجل من أهل البادية إن رجلا بكسر الهمزة على الحكاية فهي من جملة ما يتحدث به وفي بعض النسخ بفتحها على
أنه مفعول يتحدث والجملة بينهما حالية معترضة وقال الطيبي رحمه الله هو بكسر الهمزة مفعول يتحدث على حكاية ما يلفظ به رسول الله وحاصله أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع أي بناء على ما تعوده به في الدنيا أو لتنزهه به في العقبى فقال أي ربه وفي نسخة فيقال له ألست فيما شئت أي من الأكل والشرب وسائر أنواع التنعم قال بلى ولكني أحب أن أزرع فبذر الفاء فصيحة أي فأذن له فيه فبذر أي رمى البذر في أرض الجنة فبادر الطرف بسكون الراء تحريك الجفون في النظر أي فسابقه نباته والمعنى فحصل نباته في الحال وكذا قوله واستواؤه واستحصاده أي من غير مؤونة للحصاد من جانب العباد فكان أمثال الجبال فيقول الله تعالى أي حينئذ دونك يا ابن آدم أي خذ ما تمنيته قاله على سبيل التوبيخ تهجيا لما التمسه ومن ثم رتب عليه قوله فإنه لا يشبعك شيء أي كثير حتى في الجنة وقد يوجد في تعارف الناس مثل هذا التوبيخ من القواعد المقررة أن كل إناء يرشح بما فيه وأن الناس يموتون كما يعيشون ويحشرون كما يموتون أظهر النبي هذا المعنى في لباس هذا المبنى فقال الأعرابي والله لا تجده أي هذا الرجل إلا قرشيا أي من أهل مكة أو أنصاريا أي من أهل المدينة فأو للتنويع فإنهم أي مجموع القبيلتين أصحاب زرع أي في الجملة وإن كان الأنصار أكثر زرعا فأما بالفاء وفي نسخة صحيحة وأما نحن أي معاشر أهل البادية فلسنا بأصحاب زرع أي فلا نشتهي مثل ذلك فضحك رسول الله أي من فطانة البدوي أو من مسألة الخبتي وجوابه البديعي رواه البخاري وعن جابر رضي الله عنه قال سأل رجل رسول الله أينام أهل الجنة قال النوم أخو الموت ولا يموت أهل الجنة أي فلا ينامون وهذا جواب بالدليل البرهاني وهو أوقع في النفس وأظهر في اطمئنان الإيمان من الجواب الإجمالي بأن قال لا رواه البيهقي في شعب الإيمان


باب رؤية الله تعالى
من باب إضافة المصدر إلى مفعوله
الفصل الأول
عن جرير بن عبد الله أي البجلي قال قال رسول الله إنكم أي أيها المؤمنون سترون ربكم أي ستبصرونه فقوله عيانا بالكسر مصدر مؤكد أو حال مؤكدة إما من الفاعل أو المفعول أي معاينين بكسر الياء أو معاينا بفتح الياء والمعاينة رفع الحجاب بين الرائي والمرئي ففي القاموس لقيه عيانا أي معاينة لم يشك في رؤيته إياه وقال الطيبي رحمه الله عيانا أي جهارا ويجوز أن يكون من العين المحسوسة بالعين الظاهرة وقال النووي رحمه الله اعلم أن مذهب أهل السنة قاطبة أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة أي نقلا وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين وزعمت طوائف من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلا وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على اثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين ورواها نحو من عشرين صحابيا رضي الله تعالى عنهم عن رسول الله وآيات القرآن فيها مشهورة واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مسطورة في كتب المتكلمين وغيرهم على السنة وأما رؤية الله تعالى في الدنيا فممكنة ولكن الجمهور من السلف والخلف من المتكلمين وغيرهم على أنها لا تقع في الدنيا وحكى الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في رسالته المعروفة عن الإمام أبي بكر بن فورك أنه حكى فيها قولين للإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله أحدهما وقوعها والثاني لا تقع ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه ولا يشترط فيها الأشعة ولا مقابلة


المرئي ولا غير ذلك ولكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على وجه الاتفاق لا على سبيل الاشتراط وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بالدلائل الجلية ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة له تعالى عن ذلك بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة قلت وكما يرانا هو لا في جهة ولا مقابلة ولا غير ذلك والحاصل أنه لا يقاس الغائب بالشاهد لا سيما الخالق بالمخلوق ولذا قيل لا يقاس الملوك بالحدادين وفي رواية أي عن جرير قال كنا جلوسا أي جالسين عند رسول الله فنظر إلى القمر ليلة البدر قال الأكمل أي البدر الكامل وسمى ليلة أربعة عشر بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر أي المحسوس المشاهد المرئي ثم استأنف وقال أو ذكر على سبيل بيان الحال لا تضامون بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم وهو الظلم قال الحافظ ابن حجر وهو الأكثر أي لا يظلم بعضكم ببعض بالتكذيب والإنكار وفي نسخة بفتح التاء وتشديد الميم من التضام بمعنى التزاحم وفي أخرى بالضم والتشديد من المضامة وهي المزاحمة وهو حينئذ يحتمل كونه للفاعل والمفعول وحاصل معنى الكل لا تشكون في رؤيته أي في رؤية القمر ليلة البدر قال في جامع الأصول قد يخيل إلى بعض السامعين أن الكاف في قوله كما ترون كاف التشبيه للمرئي وإنما هو كاف التشبيه للرؤية وهو فعل الرائي ومعناه ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم القمر ليلة البدر لا ترتابون فيه ولا تمترون قال ولا تضامون روي بتخفيف الميم من الضيم الظلم المعنى أنكم ترونه جميعكم لا يظلم بعضكم بعضا في رؤيته فيراه البعض دون البعض وبتشديد الميم من الانضمام بمعنى الازدحام أي لا يزدحم بعضكم بعضا في رؤيته ولا يضم بعضكم إلى بعض من ضيق كما يجري عند رؤية الهلال مثلا دون رؤية القمر فإنه يراه كل منكم موسعا عليه منفردا به فإن استطعتم أن لا تغلبوا بصيغة المجهول أي لا تصيروا مغلوبين على صلاة قبل طلوع الشمس


وقبل غروبها فافعلوا أي ما ذكر من الاستطاعة أو عدم المغلوبية قال القاضي رحمه الله ترتيب قوله إن استطعتم على قوله سترون بالفاء يدل على أن المواظب على إقامة الصلوات والمحافظ عليها خليق بأن يرى ربه وقوله لا تغلبوا معناه لا تصيروا مغلوبين بالاشتغال عن صلاتي الصبح والعصر وإنما خصهما بالحث لما في الصبح من ميل النفس إلى الاستراحة والنوم وفي العصر من قيام الأسواق واشتغال الناس بالمعاملات فمن لم يلحقه فترة في الصلاتين مع مالهما من قوة المانع فبالحري أن لا تلحقه في غيرهما والله تعالى أعلم ثم قرأ أي النبي استشهادا أو جرير اعتقادا وسبح بالعطف على ما قبله وهو قوله سبحانه فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلو


الشمس وقبل غروبها أي وصل في هذين الوقتين وعبر عن الكل بالجزء وهو التسبيح المراد به الثناء في الافتتاح المقرون بحمد الرب المشتمل عليه سورة الفاتحة ويدل على هذا المعنى ما بعده وهو قوله ومن آناء الليل أي ساعاته وهو العشاءان فسبح وأطراف النهار أي طرفيه وهو وسطه يعني الظهر لعلك ترضى طه بالفتح والضم أي على رجاء أن تكون راضيا أو مرضيا أو جمعا مثبتا أو المراد بالتسبيح تنزيه الرب عن الشريك ونحوه من صفات النقصان والزوال والحدوث والانتقال والمراد بحمده ثناء الكمال بنعت الجمال ووصف الجلال متفق عليه وفي الجامع رواه أحمد والشيخان والأربعة عنه لكن بغير قراءة الآية وعن صهيب مصغرا عن النبي قال إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى تريدون أي أتريدون شيئا أزيدكم أي على عطاياكم فيقولون ألم تبيض وجوههنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا بتشديد الجيم ويخفف أي و ألم تخلصنا من النار أي من دخولها وخلودها قال الطيبي رحمه الله تقرير وتعجيب من أنه كيف يمكن الزيادة على ما أعطاهم الله تعالى من سعة فضله وكرمه وقوله فيرفع الحجاب بصيغة المجهول ورفع الحجاب رفع للتعجب كأنه قيل لهم هذا هو المزيد والله سبحانه وتعالى منزه عن الحجاب فإنه محبوب غير محجوب إذ المحجوب مغلوب فالمعنى فيرفع الحجاب عن أعين الناظرين كما يدل عليه قوله فينظرون إلى وجه الله أي ذاته المنزهة عن الصورة والجهة ونحو ذلك فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا للذين أحسنوا أي العمل في الدنيا بأن أجادوه مقرونا بالإخلاص الحسنى أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وزيادة أي النظر لوجهه الكريم وتنكيرها للتعظيم أي زيادة عظيمة لا يعرف قدرها ولا يكتنه كنهها قال الطيبي رحمه الله وإذا كان مفسر التنزيل من نزل عليه فمن تعداه فقد تعدى طوره أقول أراد به الزمخشري في عدوله عنه إلى التأويل وكذا من تبعه كالبيضاوي حيث عبر بالقيل عن هذا القول الجميل الثابت ممن نزل عليه


التنزيل رواه مسلم

الفصل الثاني
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله إن أدنى أهل الجنة منزلة أي أقلهم مرتبة لمن ينظر إلى جنانه بكسر الجيم أي بساتينه وأزواجه أي نسائه وحوره ونعيمه أي ما يتنعم به وخدمه أي من الولدان وسرره مسيرة ألف سنة أي حال كون جنانه وما عطف عليه كائنة في مسافة ألف سنة والمعنى أن ملكه مقدار تلك المسافة قيل هو كناية عن كون الناظر يملك في الجنة ما يكون مقداره مسيرة ألف سنة لأن الملكية في الجنة خلاف ما في الدنيا وفي التركيب تقديم وتأخير إذ جعل الاسم وهو قوله لمن ينظر خبرا والخبر وهو أدنى منزلة اسما اعتناء بشأن المقدم لأن المطلوب بيان ثواب أهل الجنة وسعتها وأن أدناهم منزلة من يكون ملكه كذا ونحوه قوله تعالى إن خير من استأجرت القوي الأمين القصص خبرا وأكرمهم بالنصب عطفا على أدنى وفي نسخة بالرفع عطفا على مجموع اسم إن وخبرها أي وأكثرهم كرامة على الله وأعلاهم منزلة وأقربهم رتبة عنده سبحانه من ينظر إلى وجهه أي ذاته غدوة بضم الغين وعشية أي صباحا ومساء ولهذا وصى بالمحافظة على صلاتي طرفي النهار كما مر أو المراد بهما أن يكون النظر دواما على أن الغدوة عبارة عن النهار والعشية عبارة عن الليل مجازا بذكر الجزء وإرادة الكل أو بذكر أول الشيء وإرادة تمامه لكن الأول أظهر لأنه لو كان ا لنظر على وجه الدوام لما انتفعوا بسائر النعيم وقد خلقت لهم ومما يؤيده أيضا ما رواه الحاكم عن بريدة مرفوعا أن أهل الجنة يدخلون على الجبار كل يوم مرتين فيقرأ عليهم القرآن وقد جلس كل امرىء منهم مجلسه الذي هو مجلسه على منابر الدر والياقوت والزمرد والذهب والفضة بالأعمال فلا تقر أعينهم قط كما تقر بذلك ولم يسمعوا شيئا أعظم منه ولا أحسن منه ثم ينصرفون إلى رحالهم وقرة أعينهم ناعمين إلى مثلها من الغد ثم قرأ وجوه يومئذ ناضرة أي ناعمة


غضة حسنة والمراد بالوجوه الذوات أو خصت لشرفها ولظهور أثر النعمة عليها إلى ربها ناظرة القيامة قال الطيبي رحمه الله قدم صلة ناظرة إما لرعاية الفاصلة وهي ناضرة باسرة فاقرة وإما لأن الناظر يستغرق عند رفع الحجاب بحيث لا يلتفت إلى ما سواه وكيف يستبعد هذا والعارفون في الدنيا بما استغرقوا في بحار الحب بحيث لم يلتفتوا إلى الكون ويعضده حديث جابر في آخر الفصل الثالث فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه رواه أحمد والترمذي وكذا الطبراني وروى هناد في الزهد عن عبيد بن عمير مرسلا إن أدنى أهل الجنة منزلا لرجل له دار من لؤلؤة واحدة منها غرفها وأبوابها وعن أبي رزين العقيلي مصفرا قال قلت يا رسول الله أكلنا أي أجميعنا معاشر المؤمنين يرى ربه أي يبصرونه والإفراد في يرى باعتبار لفظ كل مخليا به بميم مضمومة فخاء معجمة ساكنة فلام مكسورة فتحتية مخففة أي خاليا بربه بحيث لا يزاحمه شيء في الرؤية يوم القيامة وقيل بفتح ميم وتشديد تحتية وأصله مخلوى كذا ذكره الجزري رحمه الله واقتصر ابن الملك على الثاني والمعنى منفردا به ففي النهاية يقال خلوت به ومعه وإليه اختليت به إذا انفردت به أي كلكم يراه منفردا بنفسه كقوله لا تضارون في رؤيته قال بلى أي نعم كلنا يرى ربه قال أي أبو رزين قلت وهو موجود في أكثر النسخ المصححة والمعنى عليه وما آية ذلك أي ما علامة رؤية كلنا ربه بحيث لا يزاحمه شيء والمعنى مثل لنا ذلك في خلقه أي مخلوقاته نظيرا لذلك فإن الله تعالى جعل في الدنيا أنموذجا لجميع ما في العقبى قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به قال بلى أي قلت بلى قال فإنما هو أي القمر خلق من خلق الله أي ويراه كلنا والله أجل أي أكمل مرتبة وأعظم أي أفضل منقبة وأعلى قدرة لأنه واجب الوجود فهو أولى في نظر العقل بالشهود قال الطيبي رحمه الله قاس القائل رؤية الله تعالى على ما في


المتعارف فإن الجم الغفير إذا رأوا شيئا يتفاوتون في الرؤية لا سيما شيئا له نوع خفاء
فيضيم بعضهم بعضا بالازدحام فمن راء يرى رؤية كاملة وراء دونها فالمراد بقوله مخليا إثبات كمالها ولذا طابق الجواب بالتشبيه بالقمر ليلة البدر لا بالهلال رواه أبو داوود
الفصل الثالث
عن أبي ذر رضي الله عنه قال سألت رسول الله هل رأيت ربك أي في ليلة المعراج قال نور أي هو نور عظيم والمراد أنه نور الأنوار ومنه قوله تعالى الله نور السموات والأرض النور أي منورهما ومظهر أنوار ما فيهما من الشمس والقمر والكواكب وأمثال ذلك ومن أسمائه النور وهو الذي ظاهر بنفسه ومظهر لغيره على ما ذكره المحققون أنى بفتح الهمزة وتشديد النون على ما في أكثر النسخ أي كيف أراه أي أبصره فإن كمال النور يمنع الإدراك وفي بعض النسخ نوراني بتشديد الياء للنسبة لزيادة الألف والنون للمبالغة كالرباني وحينئذ قوله أراه بمعنى أظنه من الرؤية بمعنى الرأي فلو قرىء بضم الهمزة لكان أظهر في هذا المعنى ويمكن أن يكون بمعنى أبصره إيماء إلى أنه ما رآه في الدنيا وسيراه في الأخرى أو مراده أبصرته والعدول إلى الاستقبال لحكاية الحال الماضية فكأنه يستحضره ويتلذذ به قال ابن الملك اختلف في رؤيته في تلك الليلة وفي الحديث دليل للفريقين على اختلاف الروايتين لأنه روي بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة فيكون استفهاما على سبيل الإنكار وروي بكسر النون فيكون دليلا للمثبتين ويكون حكاية عن الماضي بالحال انتهى وقال الإمام أحمد في قوله نوراني أراه بتشديد النون يعني على طريق الايجاب قال الطيبي رحمه الله أراد ليس الاستفهام على معنى الإنكار المستفيد للنفي بل للتقرير المستلزم للإيجاب أي نور حيث أراه قال النووي رحمه الله وفي الرواية الأخرى رأيت نور أنى بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول ومعناه حجابه نور فكيف أراه قال الإمام المازري رحمه الله


معناه أن النور منعني من الرؤية كما جرت العادة فإن كمال النور يمنع الإدراك وروي نوراني منسوب إلى النور وما جاء من تسمية الله تعالى بالنور في مثل قوله سبحانه الله نور السموات والأرض النور وفي الأحاديث معناه ذو نور أو منورهما وقيل هادي أهلهما وقيل منور
قلوب عباده المؤمنين قلت ويؤيده قوله مثل نوره كمشكاة فيها مصباح النور رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أي في قوله تعالى ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى قال أي ابن عباس رآه بفؤاده مرتين قال صاحب المدارك أي ما كذب فؤاد محمد ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه الصلاة والسلام أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه يعني إنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق وقيل المرئي هو الله سبحانه رآه بعين رأسه وقيل بقلبه وفي شرح مسلم للنووي قال ابن مسعود رأى رسول الله جبريل وهذا الذي قال هو مذهبه في هذه الآية وذهب الجمهور من المفسرين إلى أن المراد أنه رأى ربه سبحانه ثم اختلفوا فذهب جماعة إلى أنه رأى ربه بفؤاده دون عينه وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه قال الإمام أبو الحسن الواحدي قال المفسرون رحمهم الله هذا إخبار عن رؤية النبي ربه عز وجل ليلة المعراج قال ابن عباس وأبو ذر وإبراهيم التيمي رآه بقلبه وعلى هذا رأى بقلبه ربه رؤية صحيحة وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده أو خلق لفؤاده بصرا حتى رأى ربه رؤية صحيحة كما يرى بالعين قلت وهذا قول حسن ووجه مستحسن يمكن به الجمع بين متفرقات الأقوال والله تعالى أعلم بالحال ثم قال الواحدي ومذهب جماعة من المفسرين أنه رأى بعينه وهو قول أنس وعكرمة والربيع قال المبرد إن الفؤاد رأى شيئا فصدق فيه وما رأى في موضع النصب أي ما كذب الفؤاد مرئيه وقال القاضي عياض رحمه الله اختلف السلف والخلف هل رأى نبينا ربه ليلة الإسراء فأنكرته عائشة وهو المشهور عن ابن مسعود وإليه ذهب جماعة من


المحدثين والمتكلمين وروى ابن عباس أنه رأى بعينه ومثله عن أبي ذر وكعب والحسن كان يحلف على ذلك وحكي مثله عن ابن مسعود وأبي هريرة وأحمد بن حنبل وحكى أصحاب المقالات عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم أنه رآه ووقف بعض مشايخنا وقال ليس عليه دليل واضح ولكنه جائز ورؤية الله تعالى في الدنيا جائزة واختلفوا أن نبينا هل كلم ربه سبحانه وتعالى ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا فحكي عن الأشعري


وقوم من المتكلمين أنه كلمه وعزاه بعضهم إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وابن عباس وكذلك اختلفوا في قوله تعالى ثم دنا فتدلى النجم فالأكثرون على أن هذا الدنو والتدلي منقسم ما بين جبريل والنبي عليهما الصلاة والسلام وعن ابن عباس والحسن ومحمد بن كعب وجعفر بن محمد وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أنه دنو من النبي إلى ربه تعالى أو من الله تعالى له عليه الصلاة والسلام والدنو والتدلي على هذا متأول ليس على وجه قال جعفر بن محمد وغيره الدنو من الله لا حد له ومن العباد بالحدود فدنوه عليه الصلاة والسلام من ربه عز وجل قربه منه وظهور عظيم منزلته لديه وإشراق أنوار معرفته عليه واطلاعه على أسرار ملكوته وغيبه بما لم يطلع عليه سواه والدنو من الله إظهار ذلك له وإيصال عظيم بره وفضله إليه وقاب قوسين أو أدنى على هذا عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا ومن الله إجابة الرغبة وإنابة الرتبة ونحوه حكاية عن ربه من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله وقد أوردت بعض الفوائد من هذه الرياض في رسالتي المدراج للمعراج رواه مسلم وفي رواية الترمذي قال أي ابن عباس رأى محمد ربه أي بفؤاده لئلا يخالف رواية مسلم وقيل أي بعينه وهو الظاهر من الإطلاق الملائم لما بعده من السؤال وإلا فرؤية الفؤاد غير منكرة بإجماع أهل الكمال ولا يعتري عليها اعتراض نقلا ولا عقلا في كل حال قال عكرمة قلت أليس الله يقول لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار قال أي ابن عباس ويحك كلمة تقال عند الشفقة وحال خوف المزلقة ذاك أي الإدراك الكلي إذا تجلى بنوره أي الخالص الذي هو نوره أي الذاتي وهذا الجواب بظاهره أنه أراد الرؤية بالفؤاد وفهم عكرمة خلاف ذلك فرد عليه بأن رؤيته بالعين إنما هي في الآخرة بالتجلي الخاص الكامل العام لكل مؤمن لكن على قدر مراتبهم في المعرفة وعدلا كلاهما عن المعنى المشهور في الإدراك وهو


الإحاطة المنفية بالإجماع لقوله تعالى ولا يحيطون به علما طه وقال الطيبي قوله ذاك إذا تجلى بنوره يعني دلت الآية على أنه تعالى لا يحيط به وبحقيقة ذاته حاسة الأبصار وهذا إذا تجلى بنوره الذي هو نوره وظهر بصفة الجلال وأما إذا تجلى بما يسعه نطاق البشرية من صفات الجمال فلا استبعاد اذن انتهى وقال صاحب الخلاصة فهم عكرمة من قول ابن عباس رآه بفؤاده أنه رآه بعينه لكن بمساعدة
فؤاده فلذلك تمسك بالآية ولو كان المراد أنه كانت الرؤية بالفؤاد جلية كالرؤية البصرية لم يتجه السؤال بالآية إلا أن تحمل الآية على أن المراد نفي الإدراك الذي يكون كالإدراك البصري في الجلاء وإنما خص ذكر البصر لأنه محل الإدراك بحسب العادة والظاهر أن سؤال عكرمة كان على قول ابن عباس رأى محمد ربه كما هو رواية الترمذي لا على قوله رآه بفؤاده كما هو رواية مسلم وحينئذ لا اشكال في الاستدلال بالآية الكريمة ومعنى جواب ابن عباس أنه إذا تجلى بنوره على ما هو عليه اضمحل الإدراك وأما إذا كان تجلى على قدر ما يفي بإدراكه القوة البشرية فإنه يدرك على ذلك الوجه ثم قوله وقد رأى ربه مرتين يحتمل أنه رآه بفؤاده مرتين وهو الظاهر الموافق لما في صحيح مسلم أو مرة بفؤاده ومرة بعينه إذ لم يقل أحد أنه رآه بعينه مرتين والحاصل أنه ليس في كلام ابن عباس صريح دلالة على أن مراده رؤية ربه بعين البصر وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية فقال الحجج في هذه المسألة وإن كانت كثيرة لكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها حديث ابن عباس أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام والكلام لموسى عليه الصلاة والسلام والرؤية لمحمد عليه الصلاة والسلام قلت ليس في كلامه نص على أن المراد به الرؤية البصرية لاحتمال أن يكون رؤية البصيرة من خصائصه أيضا مع أن ظاهر هذا الكلام أن لا يكون لنبينا وصف الخلة ونعت الكلام مع أنهما ثابتان له عليه الصلاة والسلام على ما ذكره العلماء


الأعلام ثم قال والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة والمرجوع إليه في المعضلات وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة هل رأى محمد صلوات الله عليه وسلامه ربه فأخبره أنه رآه قلت يحتمل أن يكون سؤال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وكذا سؤال عكرمة ناشئا عن تفسير قوله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى النجم هل الضمير راجع إلى جبريل أو إلى الله سبحانه فأخبره أنه رآه أي بفؤاده كما يدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه قال ولا يقدح في هذا حديث عائشة رضي الله عنها لأنها لم تخبر أنها سمعت من النبي يقول لم أر ربي قلت وكذا ابن عباس لم يخبر أنه سمع النبي يقول ما رأيت ربي مطلقا فضلا عن أن يكون مقيدا بعين البصر قال وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة لقوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله الشورى ولقوله لا تدركه الأبصار الأنعام قلت هاتان الآيتان سندان لمنعها على أن ابن عباس أيضا متأول كما لا يخفى على متأمل قال وإذا صحت الروايات عن ابن عباس رضي الله عنهما في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن وإنما يتلقى بالسماع ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد قلت الرؤية ببصر العين غير مصرحة عنه وعلى تقدير الآية التسليم فلا شك


أنه نشأ من باب اجتهاده وأخذه من إطلاق الآية قال وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس عائشة ما عندنا بأعلم من ابن عباس قلت هذا مع ما فيه من المناقشة لا يفيد فائدة تامة مع أنها ليست منفردة في هذا الباب بل يوافقها ابن مسعود وغيره من الأصحاب ثم على تقدير التعارض وتساقط التناقض يثبت كلامها ويتحقق مرامها قال ثم إن ابن عباس أثبت شيئا نفاه غيره والمثبت مقدم على النافي قلت هذا إذا كان الإثبات مستندا إلى حسن وإلا فمن آداب البحث أن كلام المانع معتبر لا سيما مع سند المنع حتى يأتي الخصم ببرهان جلي إذ الأصل هو العدم فالوجود يحتاج إلى تحقق بدليل قطعي من النقل أو العقل هذا آخر كلام صاحب التحرير وما يترتب عليه من التقرير فقال الإمام النووي الحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء وإثبات هذا ليس إلا بالسماع من رسول الله وهذا مما لا ينبغي أن يشك فيه قلت ولا ينبغي أن يجزم به أيضا لعدم ثبوت السماع أصلا فضلا عن أن لا يكون طريقه قطعا وفصلا وإلا لما وقع فيه خلاف للأقل أو الأكثر فتأمل وتدبر قال ثم أن عائشة لم تنف الرؤية بحديث ولو كان معها حديث لذكرته قلت وكذا ابن عباس لم يثبت الرؤية بحديث ولو كان معه حديث لذكره وإنما أخذه من إطلاق الآية المتقدمة لو ثبت النقل صريحا عنه من إثبان الرؤية بعين البصر وقد علم أيضا مما سبق أن عائشة مانعة للرؤية المذكورة وما ذكرته من الأدلة فإنما هي سند منعها للتقوية وليست مستدلة حتى يقال في حقها ما يقال وإنما اعتمدت على الاستنباط من الآيات أما احتجاجها بقوله تعالى لا تدركه الأبصار الأنعام فجوابه أن الإدراك هو الإحاطة والله تعالى لا يحاط به فإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة قلت سبق سؤال عكرمة مطابقا لما فهمت عائشة من الآية وكذا تقرير ابن عباس هذا المعنى وجوابه على غير هذا المبنى وإن كان هذا


جوابا حسنا في نفس الأمر كما لا يخفى قال ولقوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله الشورى الآية فجوابه أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام قلت الظاهر أن هذا المعنى أخذ من سياق قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى النجم و حيث استدل الخصم به على الجمع بين كمال القرب والوحي الخاص المراد به الكلام من غير واسطة فدفعته بقوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أي بالإلقاء بالقلب أو من وراء حجاب الشورى أي أو تكليما ظاهرا أيدركه سمع القلب لكن من وراء الحجاب والله تعالى أعلم بالصواب وفي التفسير الكبير اعلم أن النصوص وردت أن محمدا رأى ربه بفؤاده وجعل بصره في فؤاده أو رآه ببصره وجعل فؤاده في بصره وكيف لا ومذهب أهل


السنة الرؤية بالإراءة لا بقدرة العبد فإذا حصل العلم بالشيء من طريق البصر كان رؤيه بالإراءة وإن حصل من طريق القلب كان معرفة والله تعالى قادر على أن يحصل العلم بخلق مدرك للعلوم في البصر كما قدر أن يحصله بخلق مدرك للعلوم في القلب والمسألة مختلف فيها بين الصحابة واختلاف الوقوع مما ينبىء عن الاتفاق على الجواز انتهى وهو غاية التحقيق ونهاية التدقيق والله ولي التوفيق وقال صاحب التعرف وأجمعوا على أنه لا يرى في الدنيا بالأبصار ولا بالقلب إلا من جهة الإيقان لأنه غاية الإكرام وأفضل النعم ولا يجوز أن يكون ذلك إلا في أفضل المكان وأحرى أن الدنيا دار فناء ولا يجوز أن يرى الباقي في الدار الفانية ولو رأوه في الدنيا لكان الإيمان به ضرورة وبالجملة إن الله تعالى أخبر أنها تكون في الآخرة ولم يخبر أنها تكون في الدنيا فوجب الانتهاء إلى ما أخبر الله تعالى به واختلفوا في النبي هل رأى ربه ليلة الإسراء فقال الجمهور منهم أنه لم يره محمد ببصره واحتجوا بخبر عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت من زعم أن محمدا عليه الصلاة والسلام رأى ربه فقد كذب منهم الجنيد والثوري وأبو سعيد الخراز وقال بعضهم رآه وأنه خص بين الخلائق بالرؤية واحتجوا بخبر ابن عباس وأسماء وأنس منهم أبو عبد الله القرشي وبعض المتأخرين وقال بعضهم رآه بقلبه ولم يره ببصره واستدل بقوله تعالى ما كذب الفؤاد ما رأى النجم هذا وزعم بعض الناس أن قوما من الصوفية ادعوا الرؤية لأنفسهم فقد أطبق المشايخ على تضليل من قال ذلك وصنفوا في ذلك كتبا منهم أبو سعيد الخراز له في إنكار ذلك كتاب ورسائل وكذا للجنيد في تكذيب من ادعاه رسائل وكلام كثير وأجمعوا على أن من ادعى ذلك لم يعرف الله سبحانه وعن الشعبي بفتح فسكون تابعي جليل قال لقي ابن عباس كعبا بعرفة فسأله أي كعبا عن شيء فكبر أي كعب حتى جاوبته الجبال قال الطيبي رحمه الله أي كبر تكبيرة مرتفعا بها صوته حتى جاوبته


الجبال صدى كأنه استعظم ما سأل عنه فكبر لذلك ولعل ذلك السؤال رؤية الله تعالى كما سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها فقف لذلك
شعرها قلت الظاهر كلام كعب الآتي من إثباته الرؤية في الجملة يأبى عن هذا المعنى وأن يكون نحو ما صدر من عائشة رضي الله تعالى عنها في المبنى فالوجه أن يحمل التكبير على تعظيم ذلك المقام والتشوق إلى ذلك المرام لكنه لم يرد عليه جواب الكلام فقال ابن عباس إنا بنو هاشم أي فيجب تعظيمنا وتكليمنا وتفهيمنا فقال كعب إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام وقال الطيبي رحمه الله وأما قوله إنا بنو هاشم فبعث له على التسكين من ذلك الغيظ والتفكر في الجواب يعني نحن أهل علم ومعرفة فلا نسأل عما يستبعد هذا الاستبعاد ولذلك فكر فأجاب بقوله إن الله إلى آخره أقول هذا لا يخلو عن بعد إذ لا دلالة في الحديث على ثبوت غيظ له ولا على تحقق فكر فيه مع أن تيقن هذه المسألة لا يتحقق بفكر ساعة مع اعتقاده مدة مديدة على خلافها فكلم أي الله تعالى موسى مرتين أي في الميقاتين ورآه محمد أي في المعراج مرتين كما يدل عليه قوله سبحانه ولقد ولقد رآه نزلة أخرى النجم فهذا يدل على أن مذهب كعب على أن الضمير في رآه إلى الله تعالى لا إلى جبريل بخلاف قول عائشة لكن لا دلالة فيه على أنه برؤية البصيرة أو البصر على أن قوله تعالى ما كذب الفؤاد ما رأى النجم يؤيد المعنى الأول ولذا صح عن ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين على ما تقدم والله تعالى أعلم قال مسروق فدخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها ظاهره أنه كان حاضرا في مجلس كعب وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسمع ما جرى بينهما فقلت هل رأى محمد ربه أي بالعين أو بالفؤاد فقالت استعظاما لهذا السؤال لقد تكلمت بشيء وفي نسخة كلمت لكنه ليس بشيء لأنه يحتاج إلى القول بزيادة الباء في بشيء قف بفتح القاف وتشديد الفاء أي قام من الفزع له أي لذلك الشيء من الكلام شعري أي


شعر بدني جميعا وهذا لما حصل عندها من عظمة الله وهيبته واعتقدته من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك قلت رويدا أي ارفقي وامهلي والمقصود تسكينها والملاءمة في تليينها حتى يقدر على السؤال والجواب معها ثم قرأت لقد رأى من آيات ربه الكبرى ظاهر هذه الآية لا يناسب مدعى مسروق بل قال بعض المفسر ين إنها المعينة لما رأى فيما سبق من قوله ما كذب الفؤاد ما رأى فهو نقيض مطلوبه ولذا قال الطيبي رحمه الله أي قرأت الآيات التي خاتمتها هذه الآية كما تشهد له الرواية الأخرى أعني قوله قلت لعائشة فأين قوله ثم دنا أقول مع بعده ليس في الرواية الأخرى لفظ رأى فالأظهر أنه أراد بالكبرى الآية العظمى على عظمة شأنه تعالى أو على تعظيم


جنابه وقصد بها الرؤية البصرية أو الفؤادية فقالت أين تذهب بك أي الآية يعني فهمها قال الطيبي رحمه الله أي أخطأت فيما فهمت من معنى الآية وذهبت إليه فإسناد الإذهاب إلى الآية مجازا انتهى أي أين تذهب بك الآية الكبرى إنما هو أي الآية الكبرى جبريل فذكر الضمير باعتبار الخبر ومما يدل على أنه لآية الكبرى ما سيأتي عنها أن له ستمائة جناح قد سد الأفق ويؤيده أيضا قولها من أخبرك أن محمدا رأى ربه وظاهره أنها تنفي رؤيته تعالى مطلقا غير مقيد بالفؤاد أو بالبصر أو كتم شيئا مما أمر به أي بإظهاره كما يدل عليه قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته المائدة وهو يعم الكتمان عن الجميع أو عن البعض فيرد الاعتقاد الفاسد للشيعة في اختصاص أهل البيت ببعض الأحكام الشنيعة وفيه إيماء إلى أنه لو تحقق له رؤية الله تعالى بنوع من الأنواع لبينه وأظهره للحاجة في تفسير الآية إليه وقد قال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم النحل أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى إن الله عنده علم الساعة وينزل الغييث أي إلى آخر مفاتيح الغيب ولعلها أرادت بإيراد هذه الآية المبالغة في نفي الرؤية وأنها بمنزلتها في الفرية ولهذا قالت في جزاء الكل من الشرطيات فقد أعظم الفرية بكسر الفاء أي الكذب الذي هو بلا مرية ولكنه رأى جبريل أي في صورته الأصلية لم يره في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في أجياد بفتح همزة وسكون جيم موضع معروف بأسفل مكة من شعابها له ستمائة جناح قد سد الأفق رواه الترمذي ورواه الشيخان مع زيادة واختلاف أقول فكان الأولى إيراد روايتهما فهو تعريض من صاحب المشكاة للاعتراض على صاحب المصابيح وفي روايتهما قال أي مسروق قلت لعائشة فأين قوله ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى يعني فإن الظاهر المتبادر أن ضمير دنا إلى الله وضمير فتدلى إلى النبي أو بالعكس كما سبق وكذا ضمير فكان إلى أحدهما وقد


قال بعده فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى النجم و وبما قررنا يتم استشكال مسروق قالت ذاك أي مرجع الضمير في الكل جبريل عليه الصلاة والسلام أي لا الرب سبحانه في هذا المقام ثم استأنف لبيان دفع ما عسى أن يقال إنه كان يرى جبريل عليه الصلاة والسلام دائما
فما وجه تخصيص ذكر رؤيته في هذا المقام فقالت كان أي جبريل يأتيه في صورة الرجل أي متشكلا بشكله وغالبا بصورة دحية وإنه أتاه هذه المرة أي في أجياد في صورته التي هي صورته أي الأصلية فسد الأفق أي على نحو ما رآه ليلة المعراج في صورته الأصلية على وجه التحقيق هذا وكأن ابن عباس أخذ بقول كعب واختاره أنه رآه مرتين على احتمال أن الرؤية بعين البصر أو البصيرة أو إحداهما بهذه والأخرى بأخرى مع الاتفاق على أنه لم يره بعينه مرتين والله تعالى أعلم وأما نفي عائشة فيحتمل أن يحمل على الإطلاق أو يقيد بنفي البصر وجواز رؤيته بالفؤاد والظاهر هو الأول فتدبر وتأمل قال الحافظ ابن حجر رحمه الله الجمع بين اثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب لا مجرد العلم لأنه كان عالما به تعالى على الدوام وأن الرؤية التي حصلت له خلقت له في قلبه كما تخلق الرؤية بالعين لغيره والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا ولو جرت العادة بخلقها في العين وعن ابن مسعود في قوله تعالى فكان أي القرب المعنوي من العبد والرب أو الصوري أو بين جبريل والنبي عليهما الصلاة والسلام قاب قوسين أي قدرهما وهو كناية عن كمال قربهما أو أدنى أي بل أقرب وهو ما بين العينين وقد قال تعالى في مقام المزيد لحال المريد ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ق صلى الله عليه وسلم وفي قوله ما كذب الفؤاد ما رأى أي ولم يذكر ما بينهما من قوله تعالى فأوحى إلى عبده ما أوحى لعدم تعلقه بالمبنى وإن اختلف في مرجع ضمير أوحى في المعنى وفي قوله لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال أي ابن مسعود فيها


أي في هذه الآيات كلها رأى أي النبي جبريل عليه الصلاة والسلام له ستمائة جناح يعني الضمائر كلها راجعة إلى جبريل وهذا التأويل مطابق وموافق لما فهمت عائشة من الآيات كما سبق التنبيه عليه وقد قال بعض علمائنا إن ابن مسعود أعلم الصحابة بعد الخلفاء الأربعة متفق عليه وفي رواية الترمذي قال أي ابن مسعود في قوله تعالى ما كذب الفؤاد ما رأ
قال أعاده تأكيدا رأى النبي وفي نسخة صحيحة رسول الله جبريل في حلة من رفرف ففي النهاية أي بساط وقيل فراش ومنهم من يجعل الرفرف جمعا واحده رفرفة وجمع الرفرف رفارف قلت الأقرب أن يكون المراد منه ثياب خضر ويؤيده ما سيأتي ويقويه قوله تعالى متكئين على رفرف خضر الرحمان وقيل يحتمل أن يكون المراد منه بسط أجنحته فصارت شبه الرفرف قال السيوطي في مختصر النهاية رفرف الطائر بجناحيه بسطهما عند السقوط على شيء تحوم عليه لتقع فوقه وفي القاموس رف الطائر بسط جناحيه كرفرف والثلاثي مستعمل والرف شبه الطاق كالرفرف جمعه رفوف والثوب الناعم والرفوف ثياب يتخذ منها المجالس وتبسط والرقيق من ثياب الديباج قد ملأ ما بين السماء والأرض وله أي للترمذي وللبخاري أي أيضا وقدم الترمذي لتقدم مرجعه في قوله متعلق بقال الآتي لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال أي ابن مسعود رأى رفرفا أي إذا رفرف أخضر سد أفق السماء وهو جبريل كما سبق عنه أيضا وهو المطابق لما قررنا وفي تحرير الكلام لما قدرناه والله سبحانه وتعالى أعلم وسئل مالك بن أنس وهو صاحب المذهب عن قوله تعالى إلى ربها ناظرة فقيل قوم أي المعتزلة وأشباههم من أهل البدع يقولون أي في معنى الآية إلى ثوابه أي ناظرة إلى ثواب ربها كما قال بعضهم إلى مفرد الآلاء بمعنى النعماء وأريد هنا الجنس أي منتظرة نعمة ربها فقال مالك كذبوا أي على الله تعالى في معنى قوله فأين هم عن قوله تعالى كلا أي حقا إنهم أي الكفار عن ربهم قدم عن متعلقه للاهتمام أو للتعظيم أو للاختصاص أو


لمراعاة الفاصلة يومئذ أي يوم القيامة أو وقت الجزاء لمحجوبون أي لا يرون الله سبحانه والحجاب أشد العذاب كما أن الرؤية زيادة على كل مثوبة حيث قال تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة يونس والمعنى فأين ذلك القوم حيث وقعوا في بعد وغفلة عن مفهوم هذا القول وهو أن المؤمنين غير محجوبين بل يكونون إلى مقام النظر مطلوبين ويصيرون من كمالهم من مرتبة الحب
محبوبين قال مالك الناس أي المؤمنون فإن في الحقيقة هم الناس وسائر الناس كالنسناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم وقد سبق بيان ما يدل على ذلك وقيل الناس كلهم يرون الله ثم الكفار يصيرون محجوبين لزيادة الحسرة عليهم وقد مر الكلام عليه وعلى كل فالرؤية للمؤمنين حاصلة بلا شبهة وقال مالك لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب فقال كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وعن جابر عن النبي بينا وفي نسخة بينما أهل الجنة في نعيمهم أي واقعين في لذاتهم مشتغلين بشهواتهم إذ سطع أي سنح ولمع لهم نور أي عظيم فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف أي تجلى تجلي العظمة والكبرياء والبهاء والعلاء عليهم من فوقهم أي مبتدئا منه آخذا من جميع جهاتهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة ولعل المراد بهم جماعة قيل في حقهم إن أكثر أهل الجنة البله حيث قنعوا باللذات عن رؤية الذات وعليون لأولي الألباب لأعتلاء همتهم وارتفاع نهمتهم عن النظر إلى غير رب الأرباب ويؤيده ما رواه الدارقطني في الأفراد والديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة مرفوعا أهل شغل الله في الدنيا هم أهل شغل الله في الآخرة وأهل شغل أنفسهم في الدنيا هم أهل شغل أنفسهم في الآخرة وفي التنزيل إشارة إلى ذلك في قوله إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك يتكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم يس قال أي النبي وذلك أي سلام الرب يعني


شاهده قوله تعالى أو معنى قوله تعالى سلام قولا من رب رحيم أي لهم سلام عظيم يقال لهم قولا كائنا من جهة رب رحيم قال فنظر أي الرب إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم أي
بإيقاع الحجاب عليهم بعد رفعه عنهم ويبقى نوره أي أثر نوره وثمرة ظهوره على ظاهرهم وباطنهم كما يشاهده أهل المشاهدة في حال البقاء بعد تحقق الفناء والله تعالى أعلم رواه ابن ماجه


باب صفة النار وأهلها
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال ناركم وفي رواية الترمذي ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم زاد الترمذي لكل جزء منها حرها قيل يا رسول الله إن كانت لكافية إن هي المخففة من المثقلة واللام هي الفارقة أي إن هذه النار التي نراها في الدنيا كانت كافية في العقبى لاحتراق الكفار وعقوبة الفجار فهلا اكتفي بها ولأي شيء زيدت في حرها قال فضلت أي نار جهنم عليهن أي على أنيار الدنيا بتسعة وستين جزءا كلهن أي حرارة كل جزء من تسعة وستين جزءا من نار جهنم مثل حرها أي مثل حرارة ناركم في الدنيا وحاصل الجواب منع الكفاية أي لا بد من التفضيل لحكمة كون عذاب الله أشد من عذاب الناس ولذلك أوثر ذكر النار على سائر أصناف العذاب في كثير من الكتاب والسنة منها قوله تعالى فما أصبرهم على النار البقرة وقوله فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة البقرة وإنما أظهر الله هذا الجزء من النار في الدنيا أنموذجا لما في تلك الدار قال الإمام الغزالي عليه رحمة الباري في الإحياء اعلم


أنك أخطأت في القياس فإن نار الدنيا لا تناسب نار جهنم ولكن لما كان أشد عذاب في الدنيا عذاب هذه النار عرف عذاب جهنم بها وهيهات لو وجد أهل الجحيم مثل هذه النار لخاضوها هربا مما هم فيه متفق عليه واللفظ للبخاري أي ووافقه مسلم في المعنى وفي رواية مسلم ناركم التي يوقد ابن آدم من الإيقاد ويجوز التشديد من التوقيد وفيها أي في رواية مسلم عليها وكلها بدل عليهن وكلهن بالنصب أي عوضهما لفا ونشرا مرتبا وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله يؤتى بجهنم الباء للتعدية أي يؤتى بها من المكان الذي خلقها الله تعالى فيه ويدل عليه قوله تعالى فيه وجيء يومئذ بجهنم الفجر يومئذ أي يوم القيامة وقت الندامة والحسرة والملامة لها سبعون ألف زمام بكسر الزاي وهو ما يشد به مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها بتشديد الراء أي يسحبونها أي إلى أن تدار بأرض لا تبقى للجنة طريق إلا الصراط على ظهرها وفائدة هذه الأزمة التي يجر بها بعد الإشارة إلى عظمتها منعها من الخروج على المحشر إلا من شاء الله منهم رواه مسلم وعن النعمان بضم النون ابن بشير صحابي أيضا رضي الله عنهما قال قال رسول الله إن أهون أهل النار أي أيسرهم عذابا من له نعلان أي من تحت قدمه وشراكان أي من فوقها من نار أي كائنة منها يغلي أي يفور منهما أي من النوعين وهما النعلان والشراكان دماغه كما يغلي المرجل بكسر الميم وفتح الجيم أي قدر النحاس كذا قاله شارح وقال العسقلاني ويقال أيضا لكل إناء يغلى فيه الماء من أي صنف كان والحاصل أنه كما قال تعالى يغلي في البطون كغلي الحميم


الدخان وهذا بالنسبة إلى من لم يغمس في الجحيم ولذا قال ما يرى بصيغة المجهول أي ما يظن من له نعلان وشراكان من نار أن أحدا أي من أهل النار أشد منه عذابا أي لانفراده وعدم اطلاعه على حال غيره وإنه بالكسر أي والحال أنه لأهونهم عذابا ففيه تصريح بتفاوت عذاب أهل النار متفق عليه وفي الجامع أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل يوضع في قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه رواه مسلم عن النعمان بن بشير أقول ولعل هذا الحديث بالنسبة إلى أدنى العصاة من المؤمنين وما في المتن بالنسبة إلى أدناهم من الكفار كما يدل عليه الحديث الذي يليه وعن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله أهون أهل النار عذابا أي من الكفار أبو طالب لقوله تعالى في حقه باتفاق المفسرين إنك لا تهدي من أحببت القصص وهو متنعل من باب التفعل وفي نسخة صحيحة من باب الانفعال أي متلبس بنعلين أي من نار يغلي منهما وفي نسخة منها أي من نعلهما أو من جهة نعله وأريد بها الجنس دماغه وإنما خفف عذابه لكونه حاميا له عن تشديد عداوة الكفار فلما خفف خفف جزاء وفاقا رواه البخاري وأسنده السيوطي في الجامع الصغير إلى أحمد ومسلم عنه والله تعالى أعلم وعن أنس قال قال رسول الله يؤتى بأنعم أهل الدنيا الباء للتعدية أي يحضر أشدهم تنعما وأكثرهما ظلما لقوله من أهل النار من بيانية في محل حال يوم القيامة ظرف يؤتى فيصبغ بصيغة المجهول أي يغمس في النار صبغة بفتح الصاد أي غمسة إطلاقا للملزوم على اللازم فإن الصبغ إنما يكون بالغمس غالبا وفي النهاية أي يغمس في النار غمسة كما يغمس الثوب في الصبغ ثم يقال أي له يا ابن آدم هل رأيت خيرا أي نعمة


قط هل مر بك نعيم قط أي في زمان من الأزمنة وفي الكلام مبالغة لا تخفى حيث أوقع الاستفهام على مجرد الرؤية والمرور دون الذوق والتمتع والسرور فيقول لا أي ما رأيت قط والله يا رب نفي مؤكد بالقسم والنداء في الجواب لما أنسته شذة العذاب ما مضى عليه من نعيم الدنيا أو ما بعده من النعيم نظرا إلى مآله وسوء حاله فأي نعيم آخره الجحيم وأي شدة مآلها الجنة كما قال ويؤتى بأشد الناس بؤسا بضم الموحدة أي شدة ومشقة ومحنة لما كان فيه من فاقة وحاجة وبلية في الدنيا أي أولا من أهل الجنة مآلا فيصبغ صبغة في الجنة أي في أنهارها أو الكوثر منها فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط وهل مر بك شدة قط فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط وكأنه أطنب في الجواب تلذذا بالخطاب وقلب الكلام للفرح التام رواه مسلم وعنه أي عن أنس رضي الله عنه عن النبي قال يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة لو أن لك أي لو فرض الآن أن تملك ما في الأرض من شيء من زائدة للاستغراق أي جميع ما فيها وطلب منك أن تفتدي به وتخلص نفسك من النار أكنت تفتدي به وهو من الافتداء بمعنى إعطاء الفدية للإنجاء فيقول نعم فيقول أي الله سبحانه أردت منك أهون من هذا أي طلبته فوضع السب موضع المسبب ولأن مراد الله تعالى لا يتخلف كما اتفق عليه السلف والخلف بقولهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وحاصله أني امرتك بأسهل من هذا وأنت في صلب آدم أي تعلق بك الأمر والحال وأنت في صلب آدم وفيه إيماء إلى قضية الميثاق المشتمل على قوله ألست بربكم قالوا بلى الأعراف والمراد منه التوحيد والعبادة على وجه التفريد وإليه أشار بقوله أن لا تشرك بي شيئا وهو بدل أو بيان لقوله أهون فأبيت أي كل شيء إلا أن تشرك بي أي فلا جرم لا أقبل منك ولو افتديت بجميع ما في الأرض كما قال إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل


منهم المائدة وقال في موضع آخر ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة الزمر قال الطيبي رحمه الله قوله لو أن لك ما في
الأرض جميعا أي لو ثبت لأن لو يقتضي الفعل الماضي وإذا وقعت أن المفتوحة بعد لو كان حذف الفعل واجبا لأن ما في أن من معنى التحقيق والثبات منزل منزلة ذلك الفعل المحذوف وقوله أردت منك ظاهر هذا الحديث موافق لمذهب المعتزلة فإن المعنى أردت منك التوحيد فخالفت مرادي وأتيت بالشرك وقال المظهر الإرادة هنا بمعنى الأمر والفرق بين الأمر والإرادة أن ما يجري في العالم لا محالة كائن بإرادته ومشيئته وأما الأمر فقد يكون مخالفا لإرادته ومشيئته قلت توضيحه أن الأمر بالإيمان توجه على عامة المكلفين وتعلقت مشيئة الإيمان ببعضهم وإرادة الكفر ببعضهم ولذا قال تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى الأنعام وقال سبحانه ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد البقرة وقال ولو يشاء الله لهدى الناس جميعا الرعد وقال فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة الأعراف قال الطيبي رحمه الله الأظهر أن تحمل الإرادة هنا على أخذ الميثاق في قوله تعالى وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم الأعراف الآية بقرينة قوله وأنت في صلب آدم فقوله أبيت إلا أن تشرك بي إشارة إلى قوله تعالى أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل الأعراف ويحمل الآباء هنا على نقض العهد وقوله لا تشرك إستثناء مفرغ وإنما حذف المستنثى منه مع أنه كلام موجب لأن في الإباء معنى الامتناع فيكون نفيا أي ما اخترت إلا الشرك انتهى وهو كلام حسن إلا أن اطلاق الإرادة وإرادة أخذ الميثاق يحتاج إلى بيان يدفع به ما تقدم من الإيراد والله سبحانه وتعالى أعلم متفق عليه وعن سمرة بن جندب مر ذكره مرارا أن النبي قال منهم أي من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه


ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته بضم حاء وسكون جيم فزاي أي معقد إزاره ووسطه ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته بفتح أوله وضم قافه أي إلى حلقه ففي الصحاح لا يضم أوله وفي النهاية هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان من الجانبين ووزنها فعلوه بالفتح وفي الحديث بيان تفاوت العقوبات في الضعف والشدة لا أن بعضا من الشخص يعذب دون بعض ويؤيده قوله في الحديث السابق وهو متنعل بنعلين يغلي منهما دماغه رواه مسلم قال الطيبي رحمه الله وأول الحديث في شرح السنة برواية أبي سعيد إذا خلص المؤمنون من النار


إلى قوله فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع قال القاضي رحمه الله يزاد في مقدار أعضاء الكافر زيادة في تعذيبه بسبب زيادة المماسة للنار قال القرطبي رحمه الله هذا يكون للكفار فإنه قد جاءت أحاديث تدل على أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال فيساقون إلى سجن في جهنم قال ابن الملك رحمه الله في شرح المشارق ونظر فيه الشيخ الشارح يعني الأكمل بأن هذا الحديث يدل على عظم أجسامهم في النار والذي ذكره في المحشر أقول الظاهر أن يراد بالمتكبرين عصاة المؤمنين وكلام القرطبي محمول عليه ليلائم الحديث الآتي ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد على أن الأظهر في الجمع أن يكونوا أمثال الذر في موقف يداسون فيه ثم تعظم أجسادهم ويدخلون النار ويكونون فيها كذلك وقال ابن الملك رحمه الله قوله في النار غير مذكور في مسلم كذا قاله النووي رحمه الله فالأوجه في منع قول القرطبي أن يقال ما ذكره لا يدل على انعدام عظمتهم في المحشر لأن تشبيه المتكبرين بالذر إنما هو في الحقارة لا في الصورة وإلا فلا يستقيم قوله في صورة الرجال انتهى وفيه مباحث لا تخفى وفي رواية ضرس الكافر مثل أحد وغلظ جلده بكسر الغين وفتح اللام أي عظمه مسيرة ثلاث أي ليال قال الطيبي رحمه الله هكذا هو في جامع الأصول وشرح السنة أنثه باعتبار الليالي قال النووي رحمه الله هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه وهو مقدور لله تعالى يجب الإيمان لإخبار الصادق به رواه مسلم وفي الجامع الصغير أسند الرواية الأولى إلى الشيخين والثانية إلى مسلم والترمذي والله تعالى أعلم وروى البزار عن ثوبان مرفوعا ضرس الكافر مثل أحد وغلظ جلده أربعون ذراعا بذراع الجبار وروى ابن ماجه عن أبي سعيد مرفوعا إن الكافر ليعظم حتى أن ضرسه لأعظم من أحد وفضيلة جسده على ضرسه كفضيلة جسد أحدكم على ضرسه وذكر


حديث أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه اشتكت النار إلى ربها في باب تعجيل الصلوات يعني فهو إما مكرر أسقطه من ههنا ونبه عليه وإما اعتراض فعلى تنبيها على أن محله اللائق هو ذلك الباب والله تعالى أعلم بالصواب
الفصل الثاني
عن أبي هريرة رضي تعالى عنه عن النبي قال أوقد بصيغة المفعول وقوله على النار نائب الفاعل قال الطيبي رحمه الله هذا قريب من قوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم التوبة أي يوقد الوقود فوق النار أي النار ذات طبقات توقد طبقة فوق أخرى ومستعلية عليها ألف سنة حتى احمرت بتشديد الراء للمبالغة في الاحمرار ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة زاد في الجامع كما في الليل المظلم والحديث دليل على أن النار مخلوقة كما ذهب إليه أهل السنة خلافا للمعتزلة وجماعة من أهل البدع ويؤيدنا قوله تعالى أعدت للكافرين البقرة بصيغة الماضي رواه الترمذي وكذا ابن ماجه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وفخذه بفتح فكسر ففي القاموس الفخذ ككتف ما بين الساق والورك مؤنث كالفخذ ويكسر أي فخذ الكافر مثل البيضاء في النهاية هو اسم جبل وقال شارح هو موضع في بلاد العرب وقيل هو جبل ومقعده أي موضع قعوده من النار أي فيها كما في رواية مسيرة ثلاث مثل الربذة بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة قرية معروفة قرب المدينة كذا في النهاية وقيل بقرب مكة وقيل قرية من قرى المدينة على ثلاث ليال


وقال شارح قريب من ذات عرق يريد ما بين الربذة والمدينة انتهى فقوله مثل الربذة أي مثل بعد الربذة من المدينة أو مثل مسافتها إليها فإنه قال هذا الحديث وهو في المدينة ويؤيده ما روى من أن مقعده في النار ما بيني وبين الربذة وقال ابن الملك رحمه الله قرية من قرى المدينة بها قبر أبي ذر الغفاري وقيل جبل بالشام رواه الترمذي ورواه أحمد والحاكم عنه بلفظ ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وعرض جلده سبعون ذراعا وعضده مثل البيضاء وفخذه مثل ورقان ومقعده في النار ما بيني وبين الربذة وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا لفظ الجامع اثنتان وأربعون ذراعا بذراع الجبار وفي القاموس الذراع بالكسر من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد وقد تذكر فيهما وذرع الثوب قاسه بها وان ضرسه مثل أحد وإن مجلسه أي موضع جلوسه من جهنم ما بين مكة والمدينة رواه الترمذي وكذا الحاكم وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله إن الكافر ليسحب بفتح الحاء أي يجر لسانه ويجوز أن يكون على بناء المفعول بل هو الأظهر في المعنى المراد وكذا ضبط في الجامع ولفظه ليسحب لسانه وراءه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس أي يطؤونه بأقدامهم ويمشون عليه رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله قال الصعود بفتح الصاد


واللام للعهد إشارة إلى قوله تعالى سأرهقه صعودا المدثر أي سأغشيه عقبة صعبة المسلك جبل ففي القاموس الصعود بالفتح ضد الهبوط وجبل في جهنم والعقبة الشاقة والمعنى أنه جبل عظيم من نار يتصعد فيه بصيغة المجهول أي يكلف الكافر ارتقاه وفي نسخة بفتح أوله أي يطلع في ذلك الجبل سبعين خريفا أي مدة سبعين عاما ويهوى به بصيغة المفعول أي يكاب ذلك الكافر بسقوطه فيه وفي نسخة بفتح الياء وكسر الواو أي ينزل بذلك الكافر من هوى كرمى سقط فالباء للتعدية كذلك أي سبعين خريفا فيه أي في ذلك الجبل أبدا قيد للفعلين أي يكون دائما في الصعود والسقوط ومنه يتبين معنى لطيف فيما اشتهر عنه أن السفر قطعة من سقر مع ما فيه من الإيماء إلى اللطافة النقطية والمحاسبة الأبجدية وبهذا يندفع ما نقل عن علي كرم الله وجهه أنه لو لم يقل النبي هكذا لعكست وقلت إن سقر قطعة من السفر لكن لا يخفى أحسنية ما في كلامه من عدم المغالبة الزائدة ولما فيه من المطابقة للواقعة الجادة مع الإشارة إلى تفسير الآية وما تضمنه مما ذكرناه من إفادة اللطافة والظرافة هذا وقد ذكر صاحب خلاصة الطيبي رحمه الله ظنا أن ضمير به راجع إلى الجبل وأن الباء بمعنى في أن تكريره على طريقة قولك فيك زيد راغب فيك يعني أن الإعادة للتأكيد والمبالغة ولا شك أن ما قررناه أحسن في مقام الإفادة رواه الترمذي ولفظ الجامع ثم يهوي فيه كذلك أبدا رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم عنه وعنه أي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي قال في قوله كالمهل أي في تفسير قوله تعالى وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه الكهف أي كعكر الزيت بفتح العين والكاف أي درديه وقال الطيبي رحمه الله أي الدرن منه والدنس وأغرب شارح وفسر المهل بالصديد مع ظهور النص السديد فإذا قرب بضم فتشديد راء أي المهل إلى وجهه أي وجه العاصي سقطت فروة وجهه أي جلدته وبشرته فيه أي في المهل وفي النهاية فروة وجهه أي جلدته والأصل


فيه فروة الرأس وهي جلدته بما عليها من الشعر فاستعارها من الرأس للوجه رواه الترمذي وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال إن الحميم أي في قوله
تعالى يصب من فوق رؤوسهم الحميم الحج المفسر بالماء البالغ نهاية الحر ليصب على رؤوسهم أي يكب فوقها فينفذ الحميم بضم الفاء من النفوذ وهو التأثير والدخول في الشيء أي يدخل أثر حرارته من رأسه إلى باطنه حتى يخلص بضم اللام أي يصل إلى جوفه أي إلى جوف رأسه أو إلى بطنه وهو الظاهر المتبادر بل هو الصواب لقوله فيسلت بضم اللام من سلت القصعة إذا مسحها من الطعام فيذهب وأصل السلت القطع فالمعنى فيمسح ويقطع الحميم ما في جوفه أي من الأمعاء وقال القاضي رحمه الله أي يذهب ويمر حتى يمرق بضم الراء أي يخرج من قدميه وهو الصهر بفتح الصاد بمعنى الإذابة والمعنى ما ذكر من النفوذ وغيره وهو معنى الصهر المذكور في قوله تعالى يصهر به ما في بطونهم والجلود الحج ومع هذا الهم الوعيد الشديد بقوله سبحانه ولهم مقامع من حديد الحج ثم يعاد أي ما في جوفه كما كان لقوله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب النساء أي شدة العقاب رواه الترمذي وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي في قوله أي تعالى كما في نسخة يسقى من ماء صديد قيل صديد الجرح ماؤه الرقيق المختلط بالدم السائل منه يتجرعه أي يشربه لا بمرة بل جرعة بعد جرعة لمرارته وحرارته ولذا قال تعالى ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ إبراهيم قال أي النبي يقرب بفتح الراء المشددة أي يؤتى بالصديد قريبا إلى فيه أي إلى فم العاصي فيكرهه أي لعفونته وسخونته فإذا أدني بصيغة المجهول أي زيد في قربه منه أي من العاصي أو من فمه شوى أي أحرق وجهه ووقعت أي سقطت فروة رأسه أي جلدته فإذا شربه أي ماء الصديد الحار الشديد قطع أمعاءه بتشديد الطاء للمبالغة والتكثير حتى تخرج أي الأمعاء وفي نسخة بالياء أي


الصديد من دبره بضمتين وهو ضد القبل يقول الله تعالى وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ويقول أي الله تعالى في موضع آخر وأن يستغيثوا أي يطلبوا الغياث بالماء على عادتهم الإستغاثة في طلب الغيث وهو المطر يغاثوا أي يجابوا ويؤتوا بماء كالمهل أي كالصديد أو كعكر
الزيت على ما صح عنه يشوي الوجوه أي ابتداء ثم يسري إلى البطون وسائر الأعضاء انتهاء بئس الشراب أي المهل أو الماء كالمهل فإنه مكروه ومكره رواه الترمذي وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي لسرادق النار بكسر اللام وضم السين وجر القاف وفي نسخة بالفتح والرفع قال الطيبي رحمه الله روي بفتح اللام على أنه مبتدأ وكسرها على أنه خبر وهذا أظهر وفي النهاية السرادق كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء أقول وهو إشارة إلى قوله تعالى إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها الكهف وفي القاموس السرادق الذي يمد فوق البيت وجمعه سرادقات وقال شارح هو الذي يمد فوق صحن الدار أقول الظاهر أن المراد به في الآية هو المعنى الأعم الشامل للمحيط بجميع جهاتهم ولعل سرادقها من نار غليظة مركبة من دخان وغيره ولذا قال لسرادقها أربعة جدر بضمتين جمع جدار وهو لا ينافي أن يمد من فوقهم فإنه صح في الأخبار أنه يطبق عليهم بل على كل واحد منهم حتى يظن كل أنه لا يعذب في النار غيره وهو أصعب فإن البلية إذا عمت طابت لا سيما إذا رأى أن عذابه أخف من بعض كثف كل جدار بضم الكاف والمثلثة مرفوعا في أصل السيد وكثير من النسخ وفي بعضها بالكسر والفتح وعليه أكثر الشراح وهو الأظهر فقال صاحب المفاتيح والخلخالي بكسر الكاف وفتح المثلثة أي الغلظ فالمعنى كثافة كل جدار وغلظه مسيرة أربعين سنة وقال شارح بالفتح والكسر الغلظ وفي النهاية الكثف جمع كثيف وهو الثخين الغليظ لكن لا يخفى أن معنى الجمع غير ملائم لإضافته إلى كل جدار نعم في نسخة ضبط بضمتين مجرورا على أنه صفة جدر وكل جدار بالرفع على


الابتداء وهو ظاهر لفظا ومعنى والله تعالى أعلم رواه الترمذي وعنه أي عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله لو أن دلوا من غساق بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار وغسالتهم وقيل ما يسيل من دموعهم وقيل هو الزمهرير كذا في النهاية وقيل هو الصديد البارد المنتن لا يقدر على شربه من برودته كما لا يقدر على شرب الحميم لحرارته قلت وهو الملائم للجمع بينهما في
قوله تعالى هذا فليذوقوه حميم وغساق ص صلى الله عليه وسلم وكذا في قوله سبحانه لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا النبأ على النشر المشوش اعتمادا على فهم السامع والحاصل أنه لو أن شيئا قليلا منه يهراق بفتح الهاء ويسكن أن يصب في الدنيا أي في أرضها لأنتن أهل الدنيا أي لصاروا ذوي نتن منه فأهل مرفوع على الفاعلية وعليه الأصول المعتمدة وكأنه وجد في بعض النسخ بالنصب على توهم أن أنتن متعد بزيادة الهمزة فقال شارح أنتن الشيء أي تغير وصار ذا نتن فنصب أهل ليس بصواب إنما الصواب رفعه كذا قاله الإمام التوربشتي رحمه الله وفي القاموس النتن ضد الفوح نتن ككرم وضرب نتانة وأنتن فهو منتن بكسرتين وبضمتين وكقنديل أقول ولعل وجه الكسرتين أنه كسر الميم تبعا كما في قوله الحمد لله قرىء في الشواذ بكسر الدال وضمها تباعا لما بعدها وعد الكلمتين كلمة لامتزاجهما وعدم انفكاكهما غالبا رواه الترمذي وكذا ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله قرأ هذه الآية اتقوا الله أولها يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته أي حق تقواه من القيام بالواجبات واجتناب السيئات وقد فسره ابن مسعود بقوله هو أن يطاع فلا يعصي ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى ورواه الحاكم عن رسول الله وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وصححه المحدثون فهو أما تفسير لكمال التقوى فلا إشكال أو لأصلها فيكون منسوخا بقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم التغابن كما


ذكره بعضهم وقال بعض العارفين هو أن ينزه الطاعة عن الإلتفات إليها وعن توقع المجازات عليها ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون أي موحدون منقادون تائبون جامعون بين الخوف والرجاء غالبون حسن الظن بالمولى جل وعلا في الآخرة والأولى وهو في الحقيقة أمر بدوام الإسلام فإن النهي في هذا المقام توجه إلى القيد في الكلام فقال رسول الله لو أن قطرة من الزقوم أي من ماء شجر يخرج في أصل الجحيم قال شارح الزقوم شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم والرائحة يكره أهل النار على تناوله فلو أن قطرة منه قطرت بالفتحات أي نقطت ونزلت في دار


الدنيا لأفسدت أي لمرارتها وعفونتها وحرارتها على أهل الأرض معايشهم بالياء وقد يهمز جمع معيشة فكيف بمن يكون أي الزقوم طعامه ففي الصحاح إن الزقوم اسم طعام لهم فيه تمر وزبد والزقم أكله فالمعنى أن هذا الزقوم في العقبى بدل زقومهم في الدنيا كما قال تعالى إن شجرة الزقوم طعام الأثيم الدخان قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه لما نزل إن شجرة الزقوم طعام الأثيم قال أبو جهل التمر بالزبد نتزقمه فأنزل الله تعالى إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم الصافات الآيات قال الطيبي رحمه الله قوله حق تقاته أي واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم أي بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا وهذا معنى قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم التغابن وقوله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون آل عمران تأكيد لهذا المعنى أي لا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت فمن واظب على هذه الحالة وداوم عليها مات مسلما وسلم في الدنيا من الآفات وفي الآخرة من العقوبات ومن تقاعد عنها وتقاعس وقع في العذاب في الآخرة ومن ثم اتبعه بقوله لو أن قطرة من الزقوم الحديث وهو فعول من الزقم اللقم الشديد والشرب المفرط رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وكذا رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي قال أي في قوله تعالى وهم فيها أي الكفار في النار كالحون أي عابسون حين تحترق وجوههم من النار كذا ذكره الطيبي رحمه الله وقال شارح أي بادية أسنانهم وهو المناسب لتفسيره كما بينه الراوي بقوله قال وأعاده للتأكيد تشويه بفتح أوله أي تحرق الكافر النار أي نار أهل البوار فتقلص على صيغة المضارع بحذف إحدى التائين أي تنقبض شفته العليا بفتح الشين وتكسر حتى تبلغ أي تصل شفته وسط رأسه بسكون السين وتفتح وتسترخي بالتذكير والتأنيث أي تسترسل شفته السفلى تأنيث الأسفل كالعليا ثأنيث


الأعلى حتى تضرب أي تقرب شفته سرته رواه الترمذي وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال يا أيها الناس ابكوا بكسر همزة الوصل وضم الكاف أمر من بكى يبكي أي ابكوا خوفا على ذنوبكم أو شوقا إلى ربكم كما أخبر الله سبحانه عن حالة أنبيائه وأصفيائه إذا تتلى عليهم آيات الرحمان خروا سجدا وبكيا مريم وقد سجد بعض السلف في هذه الآية فقال هذه السجدة فأين البكاء فإن لم تستطيعوا أي لم تقدروا على البكاء الحقيقي فإنه ليس بالأمر الاختياري فتباكوا بفتح الكاف أمر من باب التفاعل والمعنى تحملوا أنفسكم بالتكلف على البكاء وفيه إيماء إلى قوله تعالى فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا التوبة فإن أهل النار أي من الكفار ويحتمل أن يعم الفجار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم أي عليها والتعبير بفي أبلغ ويؤيده قوله كأنها أي دموعهم جداول جمع جدول وهو النهر الصغير حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء بنصب الفعل ويرفع وكذا الوجهان في قوله فتقرح بتشديد الراء المفتوحة على أنه مضارع من باب التفعل حذف إحدى التاءين منه أي فتخرج منه أي من سيلان الدماء العيون بضم العين وتكسر جمع العين وفي نسخة فتقرح بسكون القاف وفتح الراء فالعيون منصوب لأن قرح كمنع جرح على ما في القاموس فالمعنى فتخرج دموعهم أو دماؤهم عيونهم فتزيد في سيلانها فلو أن سفنا بضم السين والفاء جمع سفينة أزجيت بصيغة المجهول من الإزجاء بالزاي والجيم أي أرسلت فيها أي في الدموع أو الدماء لجرت أي السفن بها رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله يلقى أي يسلط على أهل النار الجوع أي الشديد فيعدل بفتح الياء وكسر الدال أي فيساوي الجوع ما هم فيه من العذاب المعنى أن ألم جوعهم مثل ألم سائر عذابهم فيستغيثون أي بالطعام فيغاثون بطعام من ضريع وهو نبت بالحجاز له شوك لا تقربه دابة لخبثه ولو أكلت ماتت والمراد هنا شو


من نار أمر من الصبر وأنتن من الجيفة وأحر من النار لا يسمن أي لا يشبع الجائع ولا ينفعه ولو أكل منه كثيرا ولا يغني من جوع أي ولا يدفع ولو بالتسكين شيئا من ألم الجوع وفيه إيماء إلى قوله تعالى ليس لهم طعام إلا من ضريع الغاشية إلى آخره فيستغيثون بالطعام أي ثانيا لعدم نفع ما أغيثوا أولا فيغاثون بطعام ذي غصة أي مما ينشب في الحلق ولا يسوغ فيه من عظم وغيره لا يرتقى ولا ينزل وفيه إشعار إلى قوله تعالى إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما المزمل والمعنى أنهم يؤتون بطعام ذي غصة فيتناولونه فيغصون به فيذكرون أنهم كانوا يجيزون من الإجازة بالزاي أي يسيغون الغصص جمع الغصة بالضم وهي ما اعترض في الحلق فأشرق على ما في القاموس والمعنى أنهم كانوا يعالجونها في الدنيا بالشراب فيستغيثون أي على مقتضى طباعهم بالشراب أي لدفع ما حصل لهم من العذاب فيرفع إليهم الحميم بالرفع أي يرفع أطراف إناء فيه الحميم وهو الماء الحار الشديد بكلاليب الحديد أي على أيدي الملائكة أو بيد القدرة من غير الواسطة فإذا دنت أي قربت أواني الحميم من وجوههم شوت وجوههم أي أحرقتها فإذا دخلت أي أنواع ما فيها من الصديد والغساق وغيرهما بطونهم قطعت ما في بطونهم أي من الأمعاء قطعة قطعة فيقولون ادعوا خزنة جهنم نصب على أنه مفعول ادعوا وفي الكلام حذف أي يقول الكفار بعضهم لبعض ادعوا خزنة جهنم فيدعونهم ويقولون لهم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فيقولون أي الخزنة ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا أي الخزنة تهكما بهم فادعوا أي أنتم ما شئتم فأنا لا نشفع للكافر وما دعاء الكافرين إلا في ضلال أي في ضياع لأنه لا ينفعهم حينئذ دعاء لا منهم ولا من غيرهم وهذا لا يدل على أنه لا يستجاب لهم دعوة في الدنيا كما فهمه بعض العلماء وقد استجيب دعاء الشيطان في الامهال والله تعالى أعلم بالحال وقال الطيبي رحمه الله الظاهر أن خزنة جهنم ليس


بمفعول ادعوا بل هو منادى ليطابق قوله تعالى وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب غافر وقوله ألم تك تأتيكم الزام للحجة وتوبيخ وأنهم خلفوا وراءهم أوقات الدعاء والتضرع وعطلوا الأسباب التي يستجيب لها الدعوات قالوا فادعوا أنتم فإنا لا نجترىء على الله ذلك وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة ولكن للدلالة على الخيبة فإن الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكافرين قال أي النبي فيقولون أي الكفار ادعوا مالكا والمعنى أنهم لما أيسوا من دعاء خزنة جهنم لأجلهم وشفاعتهم لهم


أيقنوا أن لا خلاص لهم ولا مناص من عذاب الله فيقولون يا مالك ليقض أي سل ربك داعيا ليحكم بالموت علينا ربك لنستريح أو من قضى عليه إذا أماته فالمعنى ليميتنا ربك فنستريح قال أي النبي فيجيبهم أي مالك جوابا من عند نفسه أو من عند ربه تعالى بقوله أنكم ماكثون أي مكثا مخلدا قال الأعمش وهو أحد الرواة من أجلاء التابعين نبئت بتشديد الموحدة المكسورة أي أخبرت من بعض الصحابة موقوفا أو مرفوعا أن بين دعائهم وإجابة مالك إياهم أي بهذا الجواب ألف عام قال فيقولون أي بعضهم لبعض ادعوا ربكم فلا أحد أي فليس أحد خير من ربكم أي في المرحمة والقدرة على المغفرة فيقولون ربنا غلبت علينا شقوتنا بكسر فسكون وفي قراءة بفتحتين وألف بعدهما وهما لغتان بمعنى ضد السعادة والمعنى سبقت علينا هلكتنا المقدرة بسوء خاتمتنا وكنا قوما ضالين أي عن طريق التوحيد ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون وهذا كذب منهم فإنه تعالى قال ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وأنهم لكاذبون الأنعام قال فيجيبهم أي الله بواسطة أو بغيرها إجابة إعراض اخسؤوا فيها أي ذلوا وانزجروا كما ينزجر الكلاب إذا زجرت والمعنى ابعدوا أذلاء في النار ولا تكلمون أي لا تكلموني في رفع العذاب فإنه لا يرفع ولا يخفف عنكم قال فعند ذلك يئسوا أي قنطوا من كل خير أي مما ينجيهم من العذاب أو يخففه عنهم وعند ذلك أي أيضا يأخذون في الزفير أي في احتراق النفس للشدة وقيل الزفير أول صوت الحمار كما أن الشهيق آخر صوته قال تعالى لهم فيها زفير وشهيق هود والحسرة أي وفي الندامة والويل أي وفي شدة الهلاك والعقوبة وقيل هو واد في جهنم قال عبد الله بن عبد الرحمان أحد المحدثين من أصحاب التخريج والناس لا يرفعون هذا الحديث أي بل يجعلونه موقوفا على أبي الدرداء لكنه في حكم المرفوع فإن أمثال ذلك ليس مما يمكن أن يقال من قبل الراوي رواه الترمذي أي مرفوعا كما يفهم من صدر الحديث وعن النعمان بن بشير رضي الله


عنهما قال سمعت رسول الله يقول
أنذرتكم النار أي أخبرتكم بوجودها وأخبرتكم بشدتها وخوفتكم بأنواع عقوبتها أنذرتكم النار أي أعلمتكم بما يتقي به عنها حتى قلت لكم اتقوا النار ولو بشق تمرة ثم يمكن أن يراد بهما الإنذار في زمان الحال وعبر بالماضي لتحققه في السابق اللاحق للاستقبال أو الأول إخبار والثاني إنشاء أو جمع بينهما للتأكيد في أحد المعاني وفي نسخة كرر ثلاثا فما زال يقولها أي يكرر الكلمة المذكورة ويرفع بها صوته حتى لو كان أي النبي في مقامي هذا أي المقام الذي كان الراوي فيه عند روايته هذا الحديث سمعه أي سمع صوته أهل السوق لأنه بالغ في رفع الصوت عملا بقول نوح عليه الصلاة والسلام ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم اسرارا نوح وحتى سقطت خميصه وهي نوع ثوب كانت عليه أي فوق كتفه بمنزلة ردائه عند رجليه أي من جذبته الإلهية وعدم شعوره من الهيبة الحسية رواه الدارمي وعن عبد الله بن عمرو بن العاص بحذف الياء في أكثر النسخ المصححة وفي نسخة بالياء قال النووي رحمه الله في مقدمة شرح مسلم أما ابن العاص فأكثر ما يجيء في كتب الحديث والفقه ونحوهما بحذف الياء وهي لغة والفصيح الصحيح العاصي بإثبات الياء وكذلك شداد بن الهادي وابن أبي الموالي فالصحيح الفصيح في كل ذلك وما أشبهه إثبات الياء ولا اعتداد بوجوده في كتب الحديث إذ أكثرها بحذفها أقول تعبيره بالصحيح الفصيح غير صحيح إذ جاء إثبات الياء وحذفها في الكلام الأفصح كتابة وقراءة نعم حذفها رسما أكثر من إثباتها قراءة وإتيانها قراءة أشهر من حذفها في نحو قوله تعالى المهتد والمتعال وباق وواق ثم عدم الاعتداد بكتب الحديث المطابق لرسم المصحف الشريف المنسوب إلى كتابة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين مستبعد جدا خصوصا من الإمام النووي رحمه الله الذي هو من أتباع المحدثين ومن الفقهاء المتورعين هذا والصحيح في العاص أنه معتل العين لا معتل اللام على ما


حققه صاحب القاموس بقوله الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص فالعاص على هذا يخرج عما نحن فيه بالكلية ولا يجوز إثبات الياء فيه بالمرة والله تعالى أعلم قال قال رسول الله لو أن رصاصة بفتح الراء
والصادين المهملتين أي قطعة من الرصاص ففي القاموس الرصاص كسحاب معروف وفي نسخة السيد رضاضة براء واحدة ومعجمتين وهي الحصا الصغار على ما في النهاية وفي نسخ المصابيح رضراضة براءين ومعجمتين وهي الحجار المدقوقة على ما قاله شارح وهو سهو من الكتاب أو من صاحب الكتاب والله تعالى أعلم بالصواب قال التوربشتي رحمه الله في سائر نسخ المصابيح رضراضة مكان رصاصة وهو غلط لم يوجد في جامع الترمذي ولعل الغلط وقع من غيره مثل هذه إشارة إلى محسوسة معينة هناك كما أشار إليه الراوي بقوله وأشار إلى مثل الجمجمة بضم الجيمين في النسخ المصححة للمشكاة وهي قدح صغير وقال المظهر بالخاءين المعجمتين وهي حبة صغيرة صفراء وقيل هي بالجيمين وهي عظم الرأسم المشتمل على الدماغ وقيل الأول أصح انتهى والجملة خالية لبيان الحجم والتدوير المعين على سرعة الحركة قال التوربشتي رحمه الله بين مدى قعر جهنم بأبلغ ما يمكن من البيان فإن الرصاص من الجواهر الرزينة والجوهر كلما كان أتم رزانة كان أسرع هبوطا إلى مستقره لا سيما إذا انضم إلى رزانته كبر جرمه ثم قدره على الشكل الدوري فإنه أقوى انحدارا وأبلغ مرورا في الجواهر فالمختار عنده أن المراد بالجمجمة جمجمة الرأس على أن اللام للعهد أو بدل عن المضاف إليه وهو المغنى الظاهر المتبادر من الجمجمة ثم قوله أرسلت صفة لاسم أن وما بينهما معترضة أي أدليت من السماء إلى الأرض وهي أي مسافة ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة أي المذكورة في قوله تعالى ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه الحاقة فالمراد من السبعين الكثرة أو


المراد بذرعها ذراع الجبار وقال شارح أي رأس سلسلة الصراط وهو في غاية من البعد لسارت أي لنزلت وصارت مدة ما سارت أربعين خريفا أي سنة الليل والنهار أي منهما جميعا لا يختص سيرها بأحدهما قبل أن تبلغ أصلها أي أصل السلسلة أو قعرها شك من الراوي والمراد بقعرها نهايتها وهو معنى أصلها حقيقة أو مجازا فالترديد إنما هو في اللفظ المسموع وأبعد الطيبي رحمه الله حيث قال يراد به قعر جهنم لأن السلسلة لا قعر لها قلت وجهنم في هذا المقام لا ذكر لها مع لزوم تفكيك الضمير فيها وإن كان قعرها عميقا على ما رواه هنا وعن أنس مرفوعا لو أن حجرا مثل سبع خلفات ألقي من شفير جهنم هوى فيها سبعين خريفا لا يبلغ قعرها والمراد بالخلفات النوق الحوامل فاختيار كبر جرم المرسل هنا مناسب لما قدمه التوربشتي رحمه الله رواه الترمذي


وعن أبي بردة بضم موحدة عن أبيه قال المؤلف هو أبو بردة بن عامر بن عبد الله بن قيس أحد التابعين المشهورين المكثرين سمع أباه وعليا وغيرهما وكان على قضاء الكوفة بعد شريح فعزله الحجاج أن النبي قال إن في جهنم لواديا في القاموس هو مفرج بين جبال أو تلال أو آكام يقال له هبهب بضم الباء الثانية من غير تنوين وفي نسخة الجزري وكثير من النسخ ولعل عدم انصرافه باعتبار البقعة مع العلمية وفي نسخة السيد بسكون الباءين ولا يظهر له وجه اللهم إلا أن يقال إنه تكرار هب أمر من الهبة فكأن الوادي أو من حضره يقول بلسان الحال أو المقال هب هب مخاطبا خطاب العام والله تعالى أعلم بالمرام وفي النهاية الهبهب السريع وهبهب السراب إذا برق قال التوربشتي رحمه الله سمي بذلك إما لسرعة وقوعه في المجرمين أو لشدة أجيج النار فيه أو للمعانه عند الاضطرام والالتهاب والله تعالى أعلم بالصواب يسكنه فيه حذف وإيصال أي يسكن فيه كل جبار أي متكبر عنيد عن الحق بعيد وعلى الخلق شديد رواه الدارمي وروى ابن مردويه عن ابن عمر والفلق سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون وإن جهنم لتعوذ بالله منه ورواه ابن جرير عن أبي هريرة الفلق جب في جهنم مغطى
الفصل الثالث
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي قال يعظم أهل النار في النار أي تكبر جثثهم حتى إن بكسر الهمز ويفتح بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام أي ليزيد عذابهم كمية وكيفية وإن غلظ جلده سبعون ذراعا عطف على مدخول حتى أو على الجملة السابقة وكذا قوله وإن ضرسه مثل أحد


وعن عبد الله بن الحرث بن جزء بفتح الجيم وسكون الزاي فهمز قال المؤلف رحمه الله هو عبد الله بن جزء أبو الحرث السهمي سكن مصر وشهد بدرا مات سنة خمس وثمانين بمصر انتهى وفيه إشكال لا يخفى قال قال رسول الله إن في النار حيات كأمثال البخت بضم موحدة فسكون معجمة ومفردة بختى في القاموس بالضم الإبل الخراسانية تلسع إحداهن اللسعة أي اللدغة فيجد أي ملسوعها حموتها بفتح فسكون أي أثر سمها وسورة ألمها أربعين خريفا وإن في النار عقارب كأمثال البغال المؤكفة بالهمز أو الواو والكاف مفتوحة من أكفت الحمار وآكفته شددت عليه الأكاف تلسع إحداهن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا رواهما أي الحديثين أحمد وعن الحسن أي البصري قال حدثنا أبو هريرة عن رسول الله قال الشمس والقمر ثوران بفتح المثلثة أي كثورين فهو تشبيه بليغ كقولهم زيد أسد مكوران بتشديد الواو المفتوحة أي ملقيان من طعنه فكورة أي ألقاه على ما ذكره الطيبي رحمه الله والمعنى أنه يلقي ويطرح كل منهما عن فلكهما في النار يوم القيامة لزيادة عذاب أهلها بحرهما لما ورد عن ابن عمر على ما رواه الديلمي في مسند الفردوس مرفوعا الشمس والقمر وجوههما إلى العرش وأقفاؤهما إلى الدنيا ففيه تنبيه على أن وجوههما لو كانت إلى الدنيا لما أطاق حرهما أحد من أهل الدنيا وقال ابن الملك أي يلفان ويجمعان ويلقيان فيها وكأنه أخذه من تكوير العمامة ومنه قوله تعالى يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل الزمر قال في النهاية ومنه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه يجاء بالشمس والقمر ثورين مكورين في النار والرواية ثوران بالثاء المثلثة كأنهما يمسخان وقد روي بالنون وهو تصحيف انتهى ومن الغريب أنه وقع في نسختي الشيخ الجزري والسيد بالنون أصلا وبالمثلثة في الهامش نسخة ومما يؤيد الرواية بالثاء ما ذكره السيوطي رحمه الله في البدور عن أنس وعن كعب الأحبار أيضا ثوران عقيران فقال الحسن وما ذنبهما فقال


أي أبو هريرة أحدثك عن رسول الله قال الطيبي رحمه الله
أي تقابل النص الجلي بالقياس ويجعل موجب دخول النار العمل فإن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أقول الظاهر من سؤاله بيان الحكمة في إدخالهما النار مع انقيادهما وطاعتهما للملك الجبار والنار إنما هي دار البوار للكفار والفجار فمعنى قول أبي هريرة أحدثكم عن رسول الله ما سمعته وليس لي مزيد علم على ذلك فسكت الحسن فثبت أن سؤاله حسن وكذا جوابه مستحسن مع أنه لا يلزم من إدخالهما في النار تعذيبهما كخزنة جهنم فقال بعض العلماء إنما جعلا في النار لأنهما قد عبدا من دون الله تبكيتا للكافرين قال القرطبي رحمه الله قد ورد عن ابن عباس تكذيب كعب الأحبار في قوله هذا حيث قال له هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام والله تعالى أكرم من أن يعذبهما وهما دائبان في طاعته ثم حدث عن النبي أنهما يعودان إلى ما خلقا منه وهو نور العرش فيختلطان وحاصله أنهما يصيران نورين والنور لا يعذب بالنار ولذا تقول النار للمؤمن جز يا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي فيرجع الكلام إلى أن فائدة إدخالهما تعبير عبدتهما فلا منافاة بين قول كعب وبين قول ابن عباس عند التأمل الشافي والله تعالى الكافي مع أن الحديث المروي غير ثابت قال السيوطي رحمه الله في البدور هذا الحديث أخرجه أبو الشيخ في العظمة من طريق أبي عصمة نوح بن أبي مريم عن مقاتل وابن حبان عن عكرمة عن ابن عباس وأبو عصمة كذاب وضاع رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور وفي الجامع الصغير الشمس والقمر مكوران يوم القيامة رواه البخاري عن أبي هريرة وروى ابن مردويه عن أنس مرفوعا الشمس والقمر ثوران عقيران في النار إن شاء أخرجهما وإن شاء تركهما قيل قوله عقيران أي زمنان يعني لا يجريان وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا يدخل النار إلا شقي قيل يا رسول الله ومن الشقي قال من لم يعمل لله أي لأجل رضاه أو لأمره بطاعة أي بواجبة ولم يترك له أي لله معصية وهو


شامل للكافر والفاجر فقوله تعالى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى الليل محمول على الصلي على وجه الخلود وقال الطيبي رحمه الله الباء زائدة فيهما وبناء المرة فيهما مع التنكير للتقليل وزيادة الباء للتأكيد يدل على ترجيح جانب الرحمة وأن الله لا يضيع أجر من عمل له طاعة ما أو ترك
لأجله ولخوفه معصية ما نحو قوله تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى النازعات رواه ابن ماجه


باب خلق الجنة والنار
أي في كونهما مخلوقتين على ما هو مذهب أهل السنة والجماعة وفي بيان أنهما لمن خلقتا وذكر بعض أوصافهما من خلقتهما
الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله تحاجت بتشديد الجيم أي تخاصمت وتجادلت وتعارضت الجنة والنار أي بلسان القال أو ببيان الحال قال الطيبي رحمه الله هذه المحاجة جارية على التحقيق فإنه تعالى قادر على أن يجعل كل واحدة مميزة مخاطبة أو على التمثيل قلت الأول هو المعول لأن مذهب أهل السنة على ما في المعالم أن لله علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليها غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية فيجب على المرء الايمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه انتهى وأدلته كثيرة ليس هذا محل ذكرها والله تعالى أعلم فقالت النار أوثرت بصيغة المجهول من الإيثار أي اخترت بالمتكبرين أي عن الحق والمتجبرين أي على الخلق بالتسلط والقهر فقيل هما بمعنى جمع بينهما للتأكيد وقيل المتكبر المتعظم بما ليس فيه والمتجبر الذي لا يوصل إليه وقيل الذي لا يكترث ولا يبال بأمر الضعفاء والمساكين وقالت الجنة فما لي أي فأي شيء وقع لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس أي في البدن والمال وسقطهم بفتحتين أي أردؤهم وأكثرهم خمولا وأقلهم اعتبارا المحقرون فيما بينهم الساقطون عن


أعينهم وهذا بالنسبة إلى ما عند أكثر الناس لأنهم كما قال تعالى ولكن أكثرهم لا يعلمون الأنعام وفي موضع ولكن أكثرهم يجهلون وأما بالنسبة إلى ما عند الله عظماء وكذا عند من عرفهم من العلماء والصلحاء فوصفهم بالسقط والضعف لهذا المعنى أو المراد بالحصر الأغلب وغرتهم بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء وهي عدم التجربة أو وجود الغفلة بمعنى الذين لا تجربة لهم في الدنيا ولا اهتمام لهم بها أو الذين هم غافلون عن أمور الدنيا شاغلون بمهم العقبى على ما ورد في الخبر أكثر أهل الجنة البله أي في أمور الدنيا بخلاف الكفار فإنهم كما قال تعالى يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون الروم هذا وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رواه الأكثر بغين عجمة مفتوحة فراء فثاء مثلثة أي أهل الحاجة من الغوث وهو الجوع وروى بكسر الغين المعجمة وتشديد اللام وبتاء مثناة فوقية أي البله الغافلون وهي ثابتة في أكثر نسخ مسلم ورواه آخرون بعين مهملة فجيم فزاي مفتوحات وتاء مثناة جمع عاجز وروى بضم العين والجيم جمع عاجز أيضا قال الله للجنة ابتدأ بها للحديث القدسي سبقت رحمتي غضبي وجبرا لها حيث انكسر بالها بما لها من الضعفاء وغلبت في السؤال وضعفت في الجواب إنما أنت رحمتي أي مظهرها في شرح السنة سمى الجنة رحمته لأن بها يظهر رحمة الله تعالى كما قال أرحم بك من أشاء من عبادي وإلا فرحمة الله من صفاته التي لم يزل بها موصوفا ليست لله صفة حادثة ولا اسم حادث فهو قديم بجميع أسمائه وصفاته جل جلاله وتقدست أسماؤه وفي المعالم الرحمة ارادة الله الخير لأهله وقيل ترك عقوبة من يستحقها واسداء الخير إلى من لا يستحق فهو على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل وقال أي الله للنار إنما أنت عذابي أي سبب عقوبتي ومنشأ سخطي وغضبي أعذب بك من أشاء من عبادء والحاصل أن الجنة والنار والمؤمنون والكفار مظاهر للجمال والجلال على وصف الكمال ولا يظهر لأحد وجه تخصيص


كل بكل في مقام الفصل مع العلم بأن أحدهما من باب العدل والآخر من طريق الفضل و لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولكل واحدة منكما ملؤها لأن كمالهما في ملء مآلهما فأما النار فلا تمتلىء قال تعالى يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ق صلى الله عليه وسلم أي فتطلب الزياة ولا تمتلىء من أهلها المعد لها حتى يضع الله أي فيها أو عليها رجله وفي الرواية الآتية قدمه فمذهب السلف التسليم والتفويض مع التنزيه وأرباب التأويل من الخلف يقولون المراد بالقدم قدم بعض مخلوقاته أو قوم قدمهم الله للنار من أهلها وتقدم في سابق حكمه أنهم لاحقوها


فتمتلىء منهم جهنم والعرب تقول كل شيء قدمته من خير أو شر فهو قدم ومنه قوله تعالى أن لهم قدم صدق عند ربهم يونس أي ما قدموه من الأعمال الصالحة الدالة على صدقهم في تصديقهم والمراد بالرجل الجماعة من الجراد وهو وإن كان موضوعا لجماعة كثيرة من الجراد لكن استعارته لجماعة الناس غير بعيد أو أخطأ الراوي في نقله الحديث بالمعنى وظن أن الرجل سد مسد القدم هذا وقد قيل وضع القدم على الشيء مثل للروع والقمع فكأنه قال يأتيها أمر الله فيكفيها من طلب المزيد ويدل على هذا المعنى قوله فيضع الرب قدمه عليها ولم يقل فيها كذا قاله شارح المصابيح لكن الرواية الآتية بلفظ فيها في المشكاة نعم قد تأتي بمعنى على على ما في التنزيل لأصلبنكم في جذوع النخل طه وقيل أريد به تسكين فورتها كما يقال للأمر يراد إبطاله وضعته تحت قدمي ذكره في النهاية وفي شرح السنة القدم والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله المنزهة عن التكييف والتشبيه وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد والإصبع والعين والمجيء والإتيان والنزول فالإيمان بها فرض والامتناع عن الخوض فيها واجب فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم والخائض فيها زائغ والمنكر معطل والمكيف مشبه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير انتهى وهو الموافق لمذهب الإمام مالك رحمه الله ولطريق إمامنا الأعظم على ما أشار إليه في الفقه الأكبر فالتسليم أسلم والله تعالى أعلم تقول أي النار والجملة استئناف بيان أو حال وإلا فكان الظاهر أن يقال فتقول قط بفتح القاف وسكون الطاء وفي نسخة بكسرها منونة وفي أخرى من غير تنوين قط قط ذكر ثلاث مرات على ما في النسخ المصححة والمفهوم من قول شارح أنه مرتين حيث قال بسكون الطاء أي كفى كفى ويحتمل كسر الطاء أي حسبي حسبي قال النووي فيه ثلاث لغات بإسكان الطاء فيهما وبكسرها منونة وغير منونة وفي القاموس إذا كان قط


بمعنى حسب فقط كمن وقط منونا مجرورا فاقتصاره عليهما مشعر بأن الكسر مع غير التنوين ضعيف فهنالك أي في ذلك الزمان تمتلىء أي النار بقدرة الله تعالى ويزوي بصيغة المجهول أي يضم ويجمع بعضها إلى بعض أي من غاية الامتلاء فلا يظلم الله أي أبدا من خلقه أحدا أي لا ينشىء الله خلقا للنار فإنه ظلم بحسب الصورة وإن لم يكن ظلما حقيقة فإنه تصرف في ملكه والله تعالى لا يفعل ما في صورة الظلم وأما الجنة فإن الله تعالى ينشىء لها أي من عنده خلقا أي جمعا لم يعملوا عملا وهذا فضل من الله تعالى كما أنه سبحانه لو أنشأ للنار خلقا على ما
قيل لكان عدلا والله تعالى أعلم متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال لا تزال جهنم يلقى أي يطرح فيها أي من الكفار والفجار وتقول هل من مزيد أي من زيادة حتى يضع رب العزة أي صاحب الغلبة والقوة والقدرة فيها قدمه وقد قدمنا ما يتعلق به فينزوي أي ينضم ويجتمع بعضها إلى بعض فتقول قط قط أي مرتين والمراد بهما الكثرة أو انحصار العدد بعزتك وكرمك أي زيادة عطائك ولا يزال في الجنة فضل أي زيادة مساكن خالية عن السكان حتى ينشىء الله لها خلقا فيسكنهم من الإسكان فضل الجنة أي في تلك الزيادة منها قال النووي في قوله وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقا هذا دليل لأهل السنة على أن الثواب ليس متوقفا على الأعمال فإن هؤلاء يخلقون حينئذ ويعطون الجنة بغير عمل قال الطيبي رحمه الله وللمعتزلة أن يقولوا إن نفي الظلم عمن لم يذنب دليل على أنه إن عذبهم كان ظلما وهو عين مذهبنا والجواب أنا وإن قلنا وإن عذبهم لم يكن ظلما فإنه لم يتصرف في ملك غيره لكنه تعالى لا يفعل ذلك لكرمه ولطفه مبالغة فنفي الظلم إثبات للكرم متفق عليه وذكر حديث أنس حفت الجنة بالمكاره تمامه وحفت النار بالشهوات في كتاب الرقاق أي لأن الحديث أنسب به من هذا الباب والله تعالى أعلم بالصواب
الفصل الثاني


عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال لما خلق الله الجنة قال
لجبريل اذهب فانظر إليها أي نظر اعتبار فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها أي ما أعد الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم جاء أي رجع إلى موضعه أو إلى حيث ما أمر به أو إلى تحت العرش فقال أي رب أي يا رب وعزتك لا يسمع بها أحد أي ويحب دخولها فالأذن تعشق قبل العين أحيانا إلا دخلها أي طمع في دخولها وجاهد في حصولها ولا يهتم إلا بشأنها لحضورها ولحسنها وبهجتها ثم حفها أي أحاطها الله بالمكاره جمع مكره وهي المشقة والشدة على غير قياس والمراد بها التكاليف الشرعية التي هي مكروهة على النفوس الإنسانية وهذا يدل على أن المعاني لها صور حسية في تلك المباني ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها أي ثانيا لما تجدد من الزيادة عليها باعتبار حواليها قال أي النبي وفي أكثر الأصول بدون قال فذهب فنظر إليها أي ورأى ما عليها ثم جاء فقال أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد أي لما رأى حولها من الموانع التي هي العلائق والعوائق للخلائق قال الطيبي رحمه الله أي لوجود المكاره من التكاليف الشاقة ومخالفة النفس وكسر الشهوات قال فلما خلق الله النار قال يا جبريل اذهب فانظر إليها قال فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها أي لا يسمع بها أحد إلا فزع منها واحترز فلا يدخلها فحفها بالشهوات ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها قال فذهب وهو موجود هنا في أكثر النسخ المصححة فنظر إليها فقال أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها أي لميلان النفس إلى الشهوات وحب اللذات وكسلها عن الطاعات والعبادات فهذا الحديث تفسير للحديث الصحيح السابق حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وفي معناه ما في الجامع الكبير للسيوطي أن الله بنى مكة على المكروهات والدرجات ونعم ما قال بعض أرباب الحال لولا المشقة ساد الناس


كلهم الجود يفقد والإقدام قتال
رواه الترمذي وأبو داود والنسائي
الفصل الثالث
عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى أي إماما أو جماعة لنا يوما الصلاة اللام للعهد الذهني الذي هو في المعنى كالنكرة ثم رقي بكسر القاف أي صعد المنبر فأشار بيده قبل قبلة المسجد بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى جانبها وجهتها فقال قد أريت بصيغة المجهول من الإراءة أي أبصرت الآن أي في هذا الزمن القريب من الماضي والاستقبال المعبر عنه بالحال مع مراعاة التوسعة باعتبار المآل ولذا قال مذ صليت لكم الصلاة أي حين صليت أو من ابتداء زمان ما صليت لكم الصلاة إلى أن رقيت المنبر الجنة والنار ممثلتين تشديد المثلثة أي مصورتين صورة إجمالية أو تفصيلية في قبل هذا الجدار بكسر القاف وفتح الباء وفي نسخة بضمهما أي في مقابلته ففي القاموس القبل بالضم بضمتين نقيض الدبر ورأيته قبلا محركة وبضمتين وكصرد وكعنب أي عيانا ومقابلة قال الكرماني فإن قلت الآن للحال وأريت للماضي فكيف يجتمعان قلت قد تقربه للحال فإن قلت فما قولك في صليت فإنه للمضي البتة قلت كل مخبر أو منشىء يقصد الزمان الحاضر لا اللحظة الحاضرة غير المنقسمة المسماة بالحال انتهى والمعنى أن الحال في كل مقام بحسب ما يناسبه المقام في تحصيل المرام فلم أر كاليوم في الخير والشر أي لم أر مرئيا كمرئي اليوم في الخير ولا مرئيا كمرئي اليوم في الشر فإن الجنة جامعة للخيرات من الحور والقصور والنار حائزة لأنواع الشرور من الويل والثبور فلا نظير لهما في جمع الخير والشر قال الطيبي رحمه الله الكاف في موضع الحال وذو الحال هو المفعول وهو الجنة والنار لشهادة السابق والمعنى لم أر الجنة والنار في الخير والشر يوما من الايام مثل ما رأيت اليوم أي رأيتهما رؤية جلية ظاهرة مثلتا في قبل هذا الجدار ظاهرا خيرها وشرها رواه البخاري ورواه مسلم عن أنس أيضا عرض علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا


باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
البدء بفتح الموحدة فتسكين الدال فالهمزة بمعنى الابتداء وينبغي أن لا يكتب بالواو حتى لا يشتبه ضبطه بضمتين فواو ساكنة فهمز أو بواو مشددة بلا همز فإن معناهما الظهور على ما حققته في رسالتي التي علقتها على أول كتاب البخاري مما يتعلق بباب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله منتهيا إلي وقول الله تبارك وتعظم من إتيان الإعراب على وجه الخلو عن الإغراب نعم لو رسم بالياء له وجه وجيه
الفصل الأول
عن عمران بن حصين قال إني كنت عند رسول الله إذ جاءه قوم أي وقت مجيئهم من بني تميم قبيلة عظيمة مشهورة فقال اقبلوا بفتح الموحدة أي تقبلوا مني البشرى بضم الموحدة أي البشارة المطلقة أو المعهودة يا بني تميم وهو لما لم يفهموا الإشارة بالبشارة ولم يعرفوا طريق استقبالها بالقبول المرتب عليه حصول كل وصول قالوا بشرتنا فأعطنا فحملوا البشارة على الإحسان العرفي فطلبوا ما يترتب عليه من العطاء الحسي وهذا بمقتضى ما غلب عليهم من حب الدنيا العاجلة وغفلتهم عن المراتب الآجلة فكل إناء يترشح بما فيه وينبي عن ذلك البناء معانيه وقد علم كل أناس مشربهم وكل حزب بما لديهم فرحون منهجهم ومذهبهم وقال الطيبي رحمه الله أي اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا بالجنة من التفقه في الدين والعمل به ولما لم يكن جل اهتمامهم إلا بشأن الدنيا والاستعطاء دون دينهم قالوا بشرتنا للتفقه وإنما جئنا للاستعطاء فأعطنا ومن ثم قال رسول الله إذا لم يقبلها بنو تميم وقال العسقلاني بشرتنا هو دال على إسلامهم وإنما راموا العاجل وغفلوا عن الآجل وسبب غضبه ونفيه قبولهم البشرى إشعاره بقلة علمهم وضعف قابليتهم لكونهم علقوا آمالهم بعاجل الدنيا الفانية وقدموا ذلك على التفقه في الدين الموصل


إلى ثواب الآخرة الباقية وكان الواجب عليهم اهتمامهم بالسؤال عن حقائق كلمة التوحيد والمبدأ والمعاد والاعتناء بضبطها والسؤال عن واجباتها والموصلات إليها فدخل ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا قبلنا جئناك لنتفقه في الدين أي عملا بقوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون التوبة ولما كان نيتهم الصالحة خالصة للتفقه في الدين لا للطمع في الدنيا حصل لهم البشارة والقبول والعلم والعمل والوصول وحرم الأولون عن البشارة بل وعن العطاء في الحقارة ووقعوا في حضيض النذارة فالهمة العالية هي الموصلة إلى المرتبة الغالية كما قدمناه في الحكاية المروية عن الشيخ أبي العباس المرسي أنه خرج من المدينة المطهرة على قصد زيارة تربة الأمين حمزة المنورة وتبعه رجل ففتح لهما باب المقبرة على خرق العادة ودخل الشيخ في محل الزيارة فرأى جماعة من رجال الغيب بريئة من النقصان والعيب فعرف أنه ساعة الإجابة فطلب من الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة ثم قال للرجل الذي تبعه ملتفتا إليه رحمة وشفقة عليه يا أخي أطلب من الله تعالى ما تريد فإن الآن وقت الإجابة والمزيد فسأل الله تعالى دينارا ولم يذكر جنة ولا نارا فرجعا ولما وصلا باب المدينة أعطى الرجل دينارا أحد من أهل السكينة فدخلا كلاهما على القطب الولي السيد أبي الحسن الشاذلي وقد كشف له القضية فقال للرجل أيا دني الهمة تدرك وقت الإجابة وتطلب قطعة دينار دنية فهلا طلبت كأبي العباس العفو والعافية ليكونا لأمر دينك ودنياك كافية ووافية ثم ما أحسن طريق سؤالهم من الابتداء في أول حالهم الدال على كمال مآلهم حيث قالوا ولنسألك أي وجئناك لنسألك عن أول هذا الأمر أي أمر الخلق ومبدأ العالم ما كان أي أي شيء كان أول هذا قال الطيبي رحمه الله ما في ما كان استفهامية أي أي شيء كان


أول الأمر وكرر السؤال لمزيد الاهتمام بالأمر قال كان الله أي في أزل الآزال كما هو كائن إلى أبد الآباد بلا وصف التغير والحدوث على ما هو نعت العباد فإن ما ثبت قدمه استحال عدمه ولم يكن شيء قبله أي لأنه خالق كل شيء وموجده فلا يتصور وجود موجود ممكن قبل الموجد الواجب الوجود وحاصله أنه تعالى الأول الذي هو قبل كل شيء ولا شيء قبله فكرر الجواب على طريق السؤال مطابقة في الاهتمام بالحال وخلاصته أنه أول قديم بلا ابتداء كما أنه آخر كريم بلا انتهاء قال الطيبي رحمه الله قوله ولم يكن شيء قبله حال وعلى مذهب الكوفي خبر والمعنى يساعده إذ التقدير كان الله في الأزل منفردا موحدا وهو مذهب الأخفش فإنه جوز دخول الواو في خبر كان وأخواتها نحو كان زيد وأبوه قائم على جعل الجملة خبرا مع الواو وتشبيها للخبر بالحال أقول ولما كان السؤال عن الأول فبين لهم الأولية الأزلية ونفى لغيره القبلية ولم يتعرض لمعنى المعية ولهذا وقع في عبارة السادة الصوفية كان الله ولم يكن معه شيء ثم قالوا والآن على ما عليه كان لأن وجود الشيء الممكن في جنب وجود الواجب


كلا شيء ولذا قال بعضهم ليس في الدار غيره ديار وقال آخر سوى الله والله ما في الوجود أو لأن الأشياء إنما هي مظاهر صفاته ومرامي ذاته فقد روي كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف وفي قوله تعالى ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات إشارة إلى ذلك على تفسير حبر الأمة أي ليعرفون قال التوربشتي رحمه الله هذا فصل مستقل بنفسه لا امتزاج له بالفصل الثاني وهو قوله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض لما بين الفصلين من المنافاة فإنك إذا جعلت وكان عرشه على الماء من تمام القول الأول فقد ناقضت الأول بالثاني لأن القديم من لم يسبقه شيء ولم يعارضه في الأولية وقد أشار بقوله وكان عرشه على الماء إلى أنهما كانا مبدأ التكوين وأنهما كانا مخلوقين قبل السموات والأرض ولم يكن تحت العرش قبل السموات والأرض إلا الماء وكيفما كان فالله سبحانه خالق ذلك كله وممسكه بقوته وقدرته انتهى كلامه قال الطيبي رحمه الله أراد الشيخ بما قاله أن المعطوف عليه مقيد بقوله ولم يكن قبله شيء ولو جعل المعطوف عليه غير مستقل لزم المحذور فإذا جعل مستقلا وعطف الثانية على الأولى فلا فإذن لفظه كان في الموضعين بحسب حال مدخولهما فالمراد بالأول الأزلية والقدم وبالثاني الحدوث بعد العدم والحاصل أن قوله وكان عرشه على الماء عطف على مجموع قوله كان الله ولم يكن قبله شيء وأنه من باب الإخبار عن حصول الجملتين في الوجود وتفويض الترتيب إلى الذهن فالواو بمنزلة ثم قال العسقلاني وليس المراد بالماء ماء البحر بل هو ما تحت العرش كما شاء الله وقال ابن الملك وكان عرشه على الماء والماء على متن الريح والريح قائمة بقدرة الله تعالى وقيل خلق العرش والماء قبل السموات والأرض ثم خلقهما من الماء بأن تجلى على الماء فتموج واضطرب وحصل له زبد فاجتمع في محل الكعبة الشريفة ولذا سميت مكة أم القرى ثم دحيت الأرض من تحتها ثم ألقى الجبال عليها لئلا تميد وأول


الجبال أبو قبيس على بعض الأقوال وطلع دخان من تموج الماء إلى جانب السماء فخلقت السموات منها ومجملة في سورة حم فصلت وتفصيله في كتب المفسرين وسير المؤرخين والله سبحانه وتعالى أعلم بالأولين والآخرين وكتب أي أثبت جميع ما هو كائن في الذكر كل شيء أي في اللوح المحفوظ قال الراوي ثم أتاني رجل فقال يا عمران أدرك ناقتك أي الحقها فقد ذهبت أي منفلتة فانطلقت أطلبها حال أو استئناف تعليل وأيم الله بفتح همز وصل أو قطع وتحتية ساكنة وميم مضمومة مضافة إلى الجلالة وهي كلمة بنفسها وليست جمعا قال شارح أيم الله اسم موضوع للقسم عند سيبويه وهمزته للوصل ولم يجيء في الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها وتقديره أيم الله قسمي وعند الكوفيين هو محذوف أيمن جمع يمين وهمزته للقطع لوددت أي لتمنيت أنها أي الناقة قد ذهبت أي فقدت ولم أقم أي في طلبها المانع من سماع بقية كلام رسول الله مع أهل اليمن رواه البخاري


وعن عمر رضي الله عنه قال قام فينا أي خطيبا رسول الله مقاما أي قياما عظيما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم أي فبين المبدأ والمعاد وتوضيحه أنه بين أحوال الأمم كلهم إلى وقت دخول الجنة وعين أحوال أمته مما يجري عليهم من الخير والشر إلى أن يدخل أهل الجنة منهم الجنة وأهل النار النار حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه قال الطيبي رحمه الله حتى غاية أخبرنا أي أخبرنا مبتدئا من بدء الخلق حتى انتهى إلى دخول أهل الجنة الجنة ووضع الماضي موضع المضارع مبالغة للتحقيق المستفاد من قول الصادق الأمين وقال العسقلاني أي أخبرنا عن المبدأ شيئا بعد شيء إلى أن انتهى الإخبار عن حال الاستقرار في الجنة والنار ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات من المبدأ والمعاد والمعاش وتيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم رواه البخاري وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول إن الله كتب أي أثبت أو أمر أن يكتب الملائكة كتابا أي مكتوبا وهو اللوح أو كتب كتابة مستقلة قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي بكسر الهمزة وفتحها سبقت غضبي أي غلبت كما في رواية والمعنى غلبت الرحمة بالكثرة في متعلقها على الغضب والحاصل أن إرادة الخير والنعمة والمثوبة منه سبحانه لعباده أكثر من إرادة الشر والنقمة والعقوبة لأن الرحمة عامة والغضب خاص كما حقق في قوله الرحمان الرحيم حيث قيل رحمة الرحمان عامة للمؤمن والكافر بل لجميع الموجودات ولذا لا يطلق الرحمان على غيره سبحانه فإذا عرفت هذا فالكسر على الحكاية ويكون لفظة إن من جملة المكتوب والفتح على أنها بدل من كتابا وعلى كل فالمكتوب إنما هو هذه الجملة ويؤيده قوله فهو مكتوب عنده فوق العرش والمعنى أنه مكتوم عن سائر الخلائق مرفوع عن حيز الإدراك وقيل معناه أنه مثبت في علمه


سبحانه وأما اللوح المحفوظ فقد يطلع على بعض معلوماته من أراد الله من ملائكته وأنبيائه وخلص أوليائه من أرباب الكشوف لا سيما إسرافيل عليه السلام فإنه موكل عليه ويأخذ الأمور منه فيأمر جبريل وميكائيل وعزرائيل عليهم الصلاة والسلام كلا بما هو من جنس عمله على ما ورد في بعض الأخبار والآثار وأما على قول من فسر الكتاب هنا باللوح المحفوظ أو القضاء الإجمالي والتفصيلي فيتعين الكسر على الاستئناف اللهم إلا أن تجعل هذه الجملة المستفادة من الحكمة الإجمالية زبدة ما في اللوح المحفوظ وعمدة ما فيه من أنواع الحظوظ قال التوربشتي رحمه الله يحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ويكون معنى قوله فهو مكتوب عنده فعلم ذلك عنده ويحتمل أن يراد منه القضاء الذي قضاه وعلى الوجهين فإن قوله فهو عنده فوق العرش تنبيه على كينونته مكنونا عن سائر الخلائق مرفوعا عن حيز الإدراك ولا تعلق لهذا القول بما يقع في النفوس من التصورات تعالى عن صفات المحدثات فإنه هو المباين عن جميع خلقه المستلط على كل شيء بقهره وقدرته وفي سبق الرحمة بيان أن قسط الخلق ههنا أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق ألا يرى أنها تشمل الإنسان جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا من غير أن يصدر منه طاعة استوجب بها ذلك ولا يلحقه الغضب إلا بما يصدر عنه من المخالفات ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم فلله الحمد على ما ساق إلينا من النعم قبل استحقاقها وقال النووي غضب الله تعالى ورضاه يرجعان إلى اثابة المطيع وعقاب العاصي والمراد بالسبق هنا والغلبة في أخرى كثرة الرحمة وشمولها كما يقال غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثرا منه أقول ولو أبقيا على حقيقتهما من غير ارادة المجاز جاز أيضا لأن رحمته تعالى سابقة على غضبه باعتبار التعلق بالنسبة إلى كل أحد من مخلوقاته فإن أول الرحمة نعمة الإيجاد ثم نعمة الإمداد فلا


يخلو عن النعمتين أحد من العباد وكذا منحه سبحانه بالنسبة إلى محنة غالبة كثيرة شاملة لعموم الخلائق سواء من أطاعه أو عصاه في البلاد قال الطيبي رحمه الله يحتمل أن تكون أن مفتوحة بدلا من كتابا ومكسورة حكاية لمضمون الكتاب وهو على وان قوله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة الأنعام أي أوجب وعدا أن يرحمهم قطعا بخلاف ما يترتب عليه مقتضى الغضب فإن الله تعالى غفور كريم يتجاوز عنه بفضله وأنشد وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فالمراد بالسبق هنا القطع لوقوعها قلت لا بد وأن يخص بالمؤمنين ممن تعلق المشيئة بمغفرتهم وسبق الإرادة برحمتهم وإلا فعذاب الكافر مقطوع الوقوع بل واجب الحصول لقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به النساء والتخلف في خبره غير جائز قطعا وقد


حررت هذه المسألة في خصوص رسالة سميتها بالقول السديد في خلف الوعيد متفق عليه وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله قال خلقت الملائكة من نور وخلق الجان أي جنسهم قال النووي رحمه الله الجان الجن وقال شارح يعني أبا الجن وهو المناسب لمقابلته بآدم ثم قيل المراد به إبليس من مارج أي لهب مختلط بسواد دخان النار قال تعالى وخلق الجان من مارج من نار الرحمان وقال والجان خلقناه من قبل من نار السموم الحجر وخلق آدم بصيغة المجهول كما قبله مما وصف لكم على بناء المفعول أي مما بينه الله لكم في قوله خلقه من تراب آل عمران وقوله خلق الإنسان من صلصال كالفخار الرحمن وقوله ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون الحجر وقوله إني خالق بشرا من طين ص ولعل كثرة ما ورد في حقه مع اشتهارها أوجبت الإبهام في قوله مما وصف لكم رواه مسلم وكذا أحمد وروى الحكيم الترمذي وابن عدي في الكامل بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعا خلق الله آدم من تراب الجابية وعجنه بماء الجنة والجابية على ما في القاموس قرية بدمشق وباب الجابية من أبوابها وروى ابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعا خلقت النخلة والرمان والعنب من فضل طينة آدم وروى الطبراني عن أبي أمامة مرفوعا خلق الحور العين من الزعفران وروى الحكيم الترمذي وابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي الدرداء رفعه خلق الله عز وجل الجن ثلاثة أصناف صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض وصنف كالريح في الهواء وصنف عليهم الحساب والعقاب وخلق الله الإنس ثلاثة أصناف صنف كالبهائم وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين وصنف في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله وفي قوله وصنف عليهم الحساب والعقاب إيماء إلى قول أبي حنيفة وتوقفه في حق الجن بالثواب والله تعالى أعلم بالصواب وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال لما صور الله آدم في الجنة ترك


ما شاء الله أن يتركه أي في الجنة قال التوربشتي رحمه الله أرى هذا الحديث مشكلا جدا فقد ثبت بالكتاب والسنة أن آدم خلق من أجزاء الأرض وقد دل على أنه أدخل الجنة وهو بشر حي ويؤيده المفهوم من نص الكتاب وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة البقرة وقال شارح قيل يحتمل أن تكون الكلمتان أعني في الجنة سهوا من بعض الرواة أخطأ سمعه فيهما قال القاضي رحمه الله الأخبار متظاهرة على أنه تعالى خلق آدم من تراب قبض من وجه الأرض وخمره حتى صار طينا ثم تركه حتى صار صلصالا وكان ملقى بين مكة والطائف ببطن نعمان وهو من أودية عرفات ولكن ذلك لا ينافي تصويره في الجنة لجواز أن تكون طينته لما خمرت في الأرض وتركت فيها حتى مضت عليها الأطوار واستعدت لقبول الصورة الإنسانية حملت إلى الجنة وصورت ونفخ فيها الروح وقوله تعالى يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة لا دلالة له أصلا على أنه أدخل الجنة بعد ما نفخ فيه الروح إذ المراد بالسكون الاستقرار والتمكن والأمر به لا يجب أن يكون قبل الحصول في الجنة كيف وقد تظاهرت الروايات على أن حواء خلقت من آدم في الجنة وهي أحد المأمورين ولعل آدم عليه الصلاة والسلام لما كانت مادته التي هي البدن من العالم السفلي وصورته التي بها يتميز عن سائر الحيوانات ويضاهي بها الملائكة من العالم العلوي أضاف الرسول تكون مادته إلى الأرض لأنها نشأت منها وأضاف حصول صورته إلى الجنة لأنها وقعت فيها فجعل إبليس أي فشرع من كمال تلبيسه يطيف به بضم حرف المضارعة قال النووي رحمه الله تعالى طاف بالشيء يطوف طوفا وطوافا وأطاف به يطيف إذا استدار حوله ينظر ما هو استئناف بيان أو حال أي يتفكر في عاقبة أمره ويتأمل ماذا يظهر منه فلما رآه أجوف وهو من له جوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك أي لا يتقوى بعضه ببعض ولا قوة له ولا ثبات بل يكون متزلزل الأمر متغير الحال متعرضا للآفات والتمالك التماسك وقيل المعنى لا يقدر على ضبط نفسه من المنع عن


الشهوات وقيل لا يملك دفع الوسواس عنه وقيل لا يملك نفسه عند الغضب وقال النووي رحمه الله الأجوف في صفة الإنسان مقابل للصمد في صفة الباري قيل السيد سمي بالصمد لأنه يصمد إليه في الحوائج ويقصد إليه في الرغائب من صمدت الأمر إذا قصدته وقيل إنه المنزه عن أن يكون بصدد الحاجة أو في معرض الآفة مأخوذ من الصمد بمعنى المصمد وهو الذي لا جوف له فالإنسان مفتقر إلى الغير بقضاء حوائجه وإلى الطعام والشراب ليملأ جوفه فإذن لا تماسك له في شيء ظاهرا وباطنا أقول ولعل جنس الجن ليسوا على صفة الأجوفية ليتم الاستدلال بالهيئة المخصوصة الإنسانية رواه مسلم


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله اختتن إبراهيم النبي أي نفسه عليه الصلاة والسلام بأمر الملك العلام حيث قال تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن البقرة وهو أي والحال أنه ابن ثمانين سنة وفي الموطأ ابن مائة وعشرين سنة قيل والأول هو الصحيح كذا ذكره الأكمل في شرح المشارق بالقدوم بفتح القاف وضم الدال المخففة وفي نسخة تشديدها قال صاحب القاموس القدوم آلة للنجر وموضع اختتن به إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقد تشدد داله وقال الطيبي رحمه الله القدوم بالتخفيف آلة النجار معروفة وبالتشديد اسم موضع وقيل هو بالتخفيف أيضا هكذا في جامع الأصول وفي كتاب الحميدي قال البخاري رحمه الله قال أبو الزناد وهو راوي الحديث اختتن إبراهيم بالقدوم مخففة قال التوربشتي رحمه الله ومن المحدثين من يشدد وهو خطأ قال النووي رحمه الله القدوم وقع في رواية البخاري الخلاف في التشديد والتخفيف ويقا لآلة النجار قدوم بالتخفيف لا غير وأما القدوم مكان بالشام ففيه التخفيف والتشديد فمن رواه بالتشديد أراد القرية ورواية التخفيف يحتمل القرية والآلة والأكثرون على التخفيف متفق عليه ورواه أحمد وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات بفتح الذال وفي نسخة بكسرها قال ميرك نقلا عن الشيخ هو اسم لا صفة لأنك تقول كذب كذبة كما تقول ركع ركعة ولو كان صفة لسكن في الجمع وقال أبو البقاء الجيد أن يقال بفتح الذال في الجمع أقول ولعل وجهه أن المصدر جاء بالفتح والكسر على ما يفهم من القاموس لكن لما كان الفتح مخصوصا بالمعنى الإسمي بخلاف الكسر فإنه مشترك بين الاسم والمصدر كان الفتح أجود هذا وقد أورد على الحصر ما رواه مسلم من ذكر قول إبراهيم في الكوكب هذا ربي وأجيب بأنه في حالة الطفولية وهي ليست زمان التكليف أو المقصود منه الاستفهام للتوبيخ والاحتجاج قال المازري أما الكذب على الأنبياء فيما هو


طريق البلاغ عن الله عز وجل فالأنبياء معصومون منه سواء قل أو كثر فإن تجويزه منهم يرفع الوثوق بأقوالهم لأن منصب النبوة يرتفع عنه وأما ما لا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصغائر كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا ففي إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه
القولان المشهوران للسلف والخلف قال عياض الصحيح أن الكذب لا يقع منهم مطلقا وأما الكذبات المذكورات فإنما هي بالنسبة إلى فهم السامع لكونها في صورة الكذب وأما في نفس الأمر فليست كذبات قلت ووافقه شارح من علمائنا حيث قال إنما سماها كذبات وإن كانت من جملة المعاريض لعلو شأنهم عن الكناية بالحق فيقع ذلك موقع الكذب عن غيرهم أو لأنها لما كانت صورتها صورة الكذب سميت كذبات وقال الأكمل في شرح المشارق يحتمل أن يراد بها حقيقة الكذب لأن الاستثناء من النفي إثبات فيحتاج إلى العذر بأن الكذب للإصلاح جائز فما ظنك في دفع ظلم الظالمين قال ابن الملك كيف يحتمل ذلك ومع كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام قرينة حالية ومقالية دالة على أنه تجوز فيه ولم يرد ظاهره إلا أن يرى أن من جملة كذباته قوله لسارة إنك أختي في الإسلام فقوله في الإسلام قرينة على أنه لم يرد به الأخت في النسب وقوله بل فعله كبيرهم فإن استحالة صدور الفعل من الجماد قرينة على أنه مؤول أو مجوز فيه فلا يكون كذبا قلت ولا سيما فيه قول بالوقف على بل فعله والابتداء بقوله كبيرهم هذا اثنتين منهن بدل من ثلاث كذبات في ذات الله أي لأجل الله تعالى أو في أمر الله أو فيما يتعلق بتنزيه ذاته عن الشريك أو يراد به القرآن أي في كلامه وعبر به عنه لما لم ينفك عن المتكلم كما هو رأي الأشعري كذا ذكره ابن الملك وتوضيحه ما قال شارح أي في أمر الله وما يختص به إذ لم يكن لإبراهيم نفسه فيه أرب لأنه قصد بالأولى أن يتخلف عن القوم بهذا العذر فيفعل بالأصنام ما فعل وبالثانية الزام الحجة عليهم بأنهم ضلال سفهاء في عبادة ما لا يضر ولا ينفع وقيل


يحتمل حذف المضاف أي في كلام ذات الله يعني أن ثنتين مذكورتان في كلام الله تعالى دون الثالثة وهي قوله لسارة هي أختي قال النووي وهذه أيضا في ذات الله تعالى لأنها سبب دفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة لا يرضى بها الله تعالى وإنما خص الثنتين بأنهما في ذات الله تعالى لكون الثالثة تضمنت نفعا له ودفعا لحرمه هذا وفي المغرب ذو بمعنى الصاحب يقتضي شيئين موصوفا ومضافا إليه وتقول للمؤنث امرأة ذات مال ثم اقتطعوها عن مقتضاها وأجروها مجرى الأسماء التامة المستقلة بأنفسها غير المقتضية لما سواها فقالوا ذات قديمة أو محدثة ونسبوا إليها من غير تغيير علامة التأنيث فقالوا الصفات الذاتية واستعملوها استعمال النفس والشيء عن أبي سعيد كل شيء ذات وكل ذات شيء قال الطيبي رحمه الله قوله في ذات الله أي في الدفع عن ذات الله ما لا يليق بجلاله ويدل عليه ما جاء في حديث آخر ما فيها كذبة إلا ما حل عن دين الله أي خاصم وجادل وذب عن دين الله وهو بمعنى التعريض لأنه نوع من الكناية ونوع من التعريض يسمى الاستدراج وهو ارخاء العنان مع الخصم في المجارات ليعثر حيث يريد تبكيته فسلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع القوم هذا المنهج فحينئذ قوله بالرفع وفي نسخة بالجر إني سقيم وذلك عندما طلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يخرج معهم إلى عيدهم فأراد أن يتخلف عنهم للأمر الذي هم به فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم وفيه إيهام منه أنه


استدل بإمارة علم النجوم على أنه سيسقم ليتركوه فيفعل بالأصنام ما أراد أن يفعل أو سقيم القلب لما فيه من الغيظ باتخاذكم النجوم آلهة أو بعبادتكم الأصنام وقوله بالوجهين وهو حين كسر عليه الصلاة والسلام أصنامهم إلا كبيرها وعلق الفاس في عنقه وقوله بالوجهين وهو حين كسر عليه الصلاة والسلام أصنامهم إلا كبيرها وعلق الفاس في عنقه بل فعله كبيرهم هذا أي فاسألوهم إن كانوا ينطقون يعني إن كان لهم نطق ففيه تنبيه نبيه على أن الإله الذي لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه كيف يرجى منه دفع الضرر عن غيره وايماء إلى أن العاجز عن النطق لا يصلح للألوهية فإن الإله من هو منعوت بصفات الكمال من أسماء الجلال والجمال وقال أي النبي في بيان الثالثة بينا هو أي إبراهيم عليه الصلاة والسلام متوجه إلى الشام ذات يوم أي بعد هلاك نمروذ وسارة عطف على هو وهي بنت عمه إذ أتى أي مر إبراهيم على جبار من الجبابرة أي ظالم مسلط قال الطيبي رحمه الله أتى جواب بينا أي بينا هما يسيران ذات يوم إذ أتيا على بلد جبار من الجبابرة فوشي بهما فقيل له أي للجبار إن ههنا أي في بدنا هذا رجلا معه امرأة من أحسن الناس أي صورة فأرسل أي رسولا إليه أي إلى إبراهيم يطلبه فذهب إليه فسأله عنها أي عن جهتها من هذه أي من تكون لك هذه المرأة التي معك قال الطيبي رحمه الله من هذه بيان للسؤال أي سأل الجبار بهذا اللفظ قال أختي أي في الإسلام وقيل كان كاذبا وكان جائزا بل واجبا في دفع الظالم على ما في شرح مسلم لكن حمله على التعريض أولى فإنه قال على ما رواه ابن عدي والبيهقي عن عمران بن حصين إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب مع أن نفس قوله أختي لا يخلو عن تعريض ما حيث لم يقل هذه أختي أو هي أختي فأتى أي إبراهيم سارة فقال لها إن هذا الجبار أن يعلم أن شرطية أي إن علم أنك امرأتي يغلبني عليك أي في أخذك بالظلم عني فإن سألك أي عن نسبك ونسبتك على تقدير ارساله إليك ووصولك عنده


فأخبريه أنك أختي أي على طريق التعريض كما فعلته فإنك أختي في الإسلام أي حقيقة بلا مشاركة لأحد غيرنا في هذا المقام كما بينه بقوله ليس أي موجود على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك قال الطيبي رحمه الله يريد به قوله تعالى إنما المؤمنون إخوة الحجرات بمعنى أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاحق ما يفضل الأخوة في النسب السابق وليس أحد أحق بهذا العقد مني ومنك الآن لأنه ليس على وجه اورض مؤمن غيري وغيرك انتهى واستشكل


بكون لوط عليه الصلاة والسلام يشاركهما في الإيمان كما قال تعالى فآمن له لوط العنكبوت ويمكن أن يجاب بأن مراده بالأرض هي التي وقع فيها ما وقع له ولم يكن معه لوط إذ ذاك ذكره العسقلاني رحمه الله ثم قيل كان من أمر ذلك الجبار الذي يتدين به في الأحكام السياسية أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج ويرى أنها إذا اختارت الزوج فليس لها أن تمتنع من السلطان بل يكون هو أحق بها من زوجها فإن اللائي لا أزواج لهن فلا سبيل عليهن إلا إذا رضين ويحتمل أن يكون المراد أنه إن علم ذلك الزمني بالطلاق أو قصد قتلي حرصا عليك لأن دين الملك أن لا يحل له التزوج والتمتع بقرابات الأنبياء فأرسل أي الجبار إليها أي إلى سارة يطلبها فأتى بها أي جيء بها إلى الجبار قام إبراهيم استئناف بيان كان قائلا قال فماذا فعل بعد فأجيب قام إبراهيم يصلي حال أو استئناف تعليل أي ليصلي عملا بقوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة البقرة كما كان إذا حزبه أمر صلى على ما رواه أحمد وأبو داود عن حذيفة فلما دخلت بصيغة الفاعل وفي نسخة أدخلت عليه أي على الجبار ذهب أي طفق يتناولها أي يأخذها أو يمسها بيده أي من غير سؤال وجواب أو بعد سؤالها وسماع جوابها لكن غلب عليه الميل إليها لكمال حسنها وجمالها فأخذ بصيغة المجهول مخففا أي حبس نفسه وضغط والمراد به الخنق ههنا أي أخذ بمجاري نفسه حتى سمع له غطيط وقال ابن الملك فأخذ ببناء المجهول أي حبس عن امساكها أو عوقب بذنبه أو أغمى عليه وفي نسخة بتشديد الخاء قال شارح ويروى أخذ على بناء المجهول من التأخيذ وهو استجلاب قلب شخص برقية أو غيرها كالسحر بحيث يصل له خوف أو هيمان أو جنون على ما قاله العسقلاني ويؤيد رواية التخفيف قول المؤلف ويروى أي بدل فأخذ أو زيادة عليه فغط بضم غين معجمة وتشديد طاء مهملة أي خنق حتى ركض برجليه أي ضرب برجليه الأرض من شدة الغط وقال ابن الملك أي حصر حصرا شديدا وقيل الغط هنا بمعنى الخنق أي أخذ


بمجامع مجاري نفسه حتى يسمع له غطط نخير وهو صوت بالأنف وقال العسقلاني أي اختنق حتى صار كالمصروع فقال ادعي أي سلي الله لي أي لأجلي الخلاص ولا أضرك أي بالتعرض لك فدعت الله فأطلق أي من الأخذ ثم تناولها أي أراد تناولها الثانية أي المرة الثانية فأخذ مثلها أي مثل الأخذة الأولى أو أشد أي بل أشد منها فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت الله فأطلق فدعا بعض حجيته بفتحتين جمع حاجب كطلبة جمع طالب فقال إنك لم تأتني بإنسان أي حتى أقدر عليها إنما أتيتني بشيطان أي جيث لم أقدر عليها بل


تصرعني وتريد أن تهلكني قال الطيبي أراد به المتمرد من الجن وكانوا يهابون الجن ويعظمون أمرهم فأخدمها هاجر أي جعل الجبار هاجر خادمة لسارة لما رأى كرامتها وقربها عند الله أو جبرا لما وقع من كسر خاطرها حيث تعرض لها فأتته أي إبراهيم وهو قائم يصلي وهو إما لعدم اطلاعه على خلاصها استمر على حاله أو انكشف له الأمر وزاد في العبادة ليكون عبدا شكورا بعد ما كان عبدا صبورا ويؤيد الأول قوله فأومأ بهمزتين أي أشار إبراهيم بيده أي إلى سارة وهو في الصلاة مهيم بفتح فسكون مرتين أي ما شأنك وما حالك وهي كلمة يمانية يستفهم بها وههنا مفسرة للإيماء أي أومأ بيده بما يفهم منه معناه وليست بترجمة لقوله وإلا لكان من حقه أن يقول فأومأ بيده وقال مهيم قالت رد الله كيد الكافر في نحره أي على صدره وهو من قوله تعالى ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فاطر ومن قبيل الدعاء المأثور اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم وأخدم هاجر أي أم إسماعيل عليه الصلاة والسلام قيل سميت هاجر لأنها هاجرت من الشام إلى مكة وقيل كان لا يولد له من سارة فوهبت هاجر له وقالت عسى الله أن يرزقك منها ولدا وكان إبراهيم عليه السلام يومئذ ابن مائة سنة نقله ابن الملك قال أبو هريرة تلك أي هاجر أمكم أي جدتكم يا بني ماء السماء قال القاضي رحمه الله قيل أراد بهم العرب سموا بذلك لأنهم يتبعون المطر ويتعيشون به والعرب وإن لم يكونوا بأجمعهم من بطن هاجر لكن غلب أولاد إسماعيل على غيرهم وقيل أراد بهم الأنصار لأنهم أولاد عامر بن حارثة الأزدي جد نعمان بن المنذر وهو كان ملقبا بماء السماء لأنه كان يستمطر به ويحتمل أنه أراد بهم بني إسماعيل وسماهم بذلك لطهارة نسبهم وشرف أصولهم قال ابن الملك وقيل أشار بهم لكونهم من ولد هاجر لأن إسماعيل أنبع الله تبارك وتعالى له زمزم وهي من ماء السماء والله سبحانه وتعالى أعلم قال الطيبي رحمه الله فإن قلت فإذا شهد له الصادق


المصدوق بالبراءة ساحة فما باله يشهد على نفسه بها في حديث الشفاعة في قوله وإني كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها ثم قال نفسي نفسي نفسي على أن تسميتها وإنها معاريض بالكذبات إخبار الشيء على خلاف ما هو به قلت نحن وإن أخرجناها عن مفهوم الكذبات باعتبار التورية وسميناها معاريض فلا شك أن صورتها صورة التعويج عن المستقيم فالحبيب قصد إلى براءة ساحة الخليل عما لا يليق به فسماها معاريض والخليل لمح إلى مرتبة الشفاعة هنالك وأنها مختصة بالحبيب


فتجوز بالكذبات متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى تمامه قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال ابن الملك أراد أن ما صدر من إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكن شكا بل كان طلبا لمزيد العلم وأنا أحق به لأني مأمور بذلك لقوله تعالى وقل رب زدني علما طه وأطلق الشك بطريق المشاكلة وقال الإمام المزي معناه لو كان الشك متطرقا إليه لكنت أحق به وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنه كذلك وإنما رجح إبراهيم علي نفسه تواضعا أو لصدوره قبل أن يعلم أنه خير ولد آدم وأما سؤال إبراهيم عليه السلام فللترقي من علم اليقين إلى عين اليقين أو لأنه لما احتج على المشركين بأن ربه يحيي ويميت طلب ذلك ليظهر دليله عيانا وتوضيحه ما قال الخطابي مذهب هذا الحديث التواضع والهضم من النفس وليس في قوله هذا اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما يقول إذا لم أشك أنا ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بأن لا يشك فيه ولا يرتاب به وفيه الإعلام بأن المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة الشك لكن من قبل طلب زيادة العلم واستفادة معرفة كيفية الإحياء والنفس تجد من الطمأنينه بعلم الكيفية ما لم تجده بعلم الأمنية والعلم في الوجهين حاصل والشك مرفوع وقد قيل إنه إنما طلب الإيمان حسا وعيانا لأنه فوق ما كان عليه من الاستدلال والمستدل لا تزول عنه الوساوس والخواطر فقد قال عليه الصلاة والسلام ليس الخبر كالمعاينة انتهى وفيه أن عدم علم الأنبياء من باب الاستدلال غير ظاهر بل علمهم من باب الكشف والمعرفة التامة والعلم اليقيني الذي لهم في السرائر بحيث لا يتصور فيه تردد الخواطر وتوسوس الضمائر نعم مرتبة عين اليقين فوق مرتبة علم اليقين وإن هذا لهو حق اليقين والله الموفق والمعين وفي بعض نسخ المصابيح نحن أحق من


إبراهيم بدون قوله بالشك فقال شارح له أي نحن أحق منه بالسؤال الذي سأله يريد به تعظيم أمره وأن سؤاله هذا لم يكن لنقصان في عقيدته بل لكمال فكرته وعلو همته الطالبة لحصول الاطمئنان بالوصول إلى درجة العيان قال وفي بعض الروايات نحن أحق بالشك من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومعناه ما ذكرناه أي لم يكن صدور هذا السؤال منه شكا
من إبراهيم واختلج في صدره إذ لو كان الشك يعتريه لنحن أحق بالشك منه ولكنا لا نشك فكيف يجوز أن يشك هو فيه أقول المراد بقوله نحن ليس صيغة التعظيم ليحتاج إلى الاعتذار بأنه قال ذلك تواضعا لإبراهيم بل المعنى أني مع أمتي لا نشك في قدرة الله تعالى على احياء الموتى بل نحن معاشر الخلق من سائر الأمم غالبا نعتقد قدرته على الإحياء وإبراهيم عليه الصلاة والسلام من أكمل الأنبياء في مرتبة التوحيد ومقام التفريد حتى أمرنا بمتابعته على طريقه القويم وسبيله المستقيم فكيف يتصور منه الشك إذ لو جاز عليه الشك وهو من المعصومين المتبوعين لجاز لنا بالأولى ونحن من اللاحقين التابعين والحاصل أنه أراد بالدليل البرهاني نفي الشك عن الخليل الرحماني وإيصاله إياه إلى المقام الاطمئناني والحال العياني ويرحم الله لوطا قيل تصدير الكلام بهذا الدعاء لئلا يتوهم اعتراء نقص عليه فيما سيأتي من الأنباء على طريقة قوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم التوبة حيث كان تمهيدا ومقدمة للخطاب المزعج لقد كان يأوي إلى ركن شديد أي عشيرة قوية قال ابن الملك فيه إشارة إلى وقوع تقصير منه وقال شارح تبعا للقاضي وكأنه استغرب منه وعده بادرة إذ لا ركن أشد من الركن الذي كان يأوي إليه وهو عصمة الله وحفظه وعندي أن أخذ هذا المعنى من هذا المبنى ليس من طريق الأدب في الإنباء عن الأنبياء لأنه إذا كان ينهى عن غيبة أفراد العامة حيا وميتا فكيف يتصور أن يذكر في حق نبي مرسل ما يكون موهما لنقص مرتبته أو تنزل عن علو همته فالمعنى والله تعالى أعلم


أنه كان بمقتضى الجبلة البشرية في بعض الأمور الضرورية يميل إلى الإستعانة بالعشيرة القوية فيجوز لنا مثل ذلك المحال فإنا مأمورون بمتابعة أرباب الكمال في التعلق بالأسباب مع الاعتماد على رب الأرباب والله تعالى أعلم بالصواب ثم رأيت في الجامع الصغير ما يقوي المذكور من التقرير والتحرير وهو ما رواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعا رحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد وما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه قلت ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب عليه الصلاة والسلام ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز هود وكذلك نبينا كان معظما ومحميا ومكرما لقربه من أبي طالب وغيره وإليه الإيماء في قوله تعالى ألم يجدك يتيما فآوى الضحى ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف أي مقدار طول زمن لبثه وجاءني داع بالطلب أو ساع إلى الخروج لأجبت الداعي أي ولبادرت الخروج عملا بالجواز لكن يوسف عليه الصلاة والسلام صبر لحكم تقضيه ذلك كما أخبر الله سبحانه عنه فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله يوسف إلى آخره وربما أوجبته عليه في مرام ذلك المقام من قصده البراءة مما اشتهر في حقه من الكلام على ألسنة العوام ليقابل صاحب الأمر على جهة التعظيم والإكرام ألا ترى أن النبي كان


يكلم بعض أمهات المؤمنين في طريق فمر عليه صحابي فقال له عليه الصلاة والسلام إن هذه فلانة من الأزواج الطاهرات فقال يا رسول الله أيظن فيك ظن السوء فقال إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم قال التوربشتي رحمه الله هو مبني على احماده صبر يوسف عليه السلام وتركه الاستعجال بالخروج عن السجن مع امتداد مدة الحبس عليه قال ثم إن في ضمن هذا الحديث تنبيها على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا من الله بمكان لا ينازلهم فيه أحد فإنهم بشر يطرأ عليهم من الأحوال ما يطرأ على البشر فلا تعدوا ذلك منقصة ولا تحسبوه سيئة قلت هذا يؤيد ما قررناه من قضية سيدنا لوط عليه الصلاة والسلام وقال ابن الملك اعلم أن هذا ليس اخبارا عن نبينا بتضجره وقلة صبره بل فيه دلالة على مدح يوسف عليه السلام وتركه الاستعجال بالخروج ليزول عن قلب الملك كان ما كان اتهم به من الفاحشة ولا ينظر إليه بعين مشكوك انتهى وهو بعينه كما ذكرناه على ما لا يخفى وقيل بل فيه إشارة إلى تقصير يوسف عليه السلام وذلك من جهة أنه لم يترك الوسائط ولم يفوض كل ما أتاه إليه تعالى قلت سبق أن مباشرة الأسباب لا تنافي تفويض الأمر إلى رب الأرباب بل قال بعض العارفين إن مرتبة جمع الجمع هي مباشرة السبب مع ملاحظة عمل الرب وقيل بل فيه إيماء إلى تقصيره من جهة أنه كان رسولا ولذا دعا أهل السجن بقوله أأرباب متفرقون خير يوسف الخ ولم يكن له طريق إلى دعوة الملك فلما وجد إليه سبيلا قدم براءة نفسه مما نسب إليه على حق الله وهو دعوة الملك قلت وهذا ظاهر البطلان إذ على تقدير تسليم كونه رسولا عاما أو خاصا فتقديم ما يتوقف صحة الإرسال من البراءة عليه مما يجب المبادرة إليه لئلا يدور طعن طاعن حواليه ومما يدل على صحة ما قررناه على حقيقة ما حررناه ما أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا رحم الله يوسف عليه السلام أن كان لذا أناة حليما لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلي


لخرجت سريعا وفي رواية أحمد في الزهد وابن المنذر عن الحسن مرسلا رحم الله أخي يوسف لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس لأسرعت الاجابة حين قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة يوسف كذا في الجامع الصغير متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إن موسى كان رجلا حييا بكسر التحتية الأولى وبتشديد الثانية على أنه فعيل أي مستحييا ستيرا بفتح
السين وتخفيف الفوقية المكسورة قال شارح أي مستورا والظاهر أنه مبالغة ساتر ويدل عليه ما في نسخة من كسر السين والفوقية المشددة وكأن الشارح جعل قوله لا يرى من جلده شيء صفة كاشفة وليس بظاهر بل هو استئناف بيان لما يلزم من كونه كثير التستر وحاصله أنه كان من شأنه أن يستر جميع بدنه عند اغتساله استحياء أي من الناس فآذاه من آذاه بالمد فيها أي من أراد إيذاءه من بني إسرائيل فقالوا جمع باعتبار معنى من كما أفرد أولا بناء على لفظه ونحوه كثير في التنزيل أي فقال بعض المؤذين ما تستر أي موسى هذا التستر أي البليغ إلا من عيب بجلده إما برص أو أدرة بضم همزة وسكون دال مهملة نفخة بالخصية على ما في النهاية وإن الله أراد أن يبرئه بتشديد الراء أي ينزهه عن نسبة ذلك العيب ويثبت له الحياء من عالم الغيب وقد أشار إليه سبحانه بقول يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها الأحزاب ثم اعلم أن قوله وإن الله هو هكذا في النسخ المصححة بالواو وقال الطيبي رحمه الله الفاء في قوله فإن الله للتعقيب وأصل الكلام فقالوا كيت وكيت فأراد الله أن يبرئه وأتى بإن المؤكدة تأكيدا اعتناء بشأنه فخلا يوما وحده أي انفرد عن الناس وقتا ما حال كونه منفردا ليغتسل فوضع ثوبه على حجر أي بجنب الماء ففر الحجر بثوبه الباء للتعدية أي فأخذه فارا عن موسى فجمح موسى بجيم وميم وحاء مفتوحات أي ذهب وأسرع إسراعا لا يرده شيء ومنه قوله تعالى وهم يجمحون التوبة في


أثره بفتحتين وقد يكسر الهمز وتسكن المثلثة أي في عقب الحجر يقول أي بلسان القال أو ببيان الحال ثوبي أي أعطني ثوبي يا حجر ثوبي أي مطلوبي ثوبي يا حجر والتكرير للتكثير حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل والظاهر أن فيهم المؤذين فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله قال الطيبي رحمه الله عريانا حال وكذا قوله أحسن لأن الرؤية بمعنى النظر وقالوا والله ما بموسى من بأس أي ليس به عيب ما وأخذ ثوبه وطفق أي شرع بالحجر ضربا أي يضربه ضربا فالجار متعلق بالفعل المقدر كما في قوله سبحانه فطفق مسحا بالسوق والأعناق ص فوالله إن في الحجر لندبا من أثر ضربه الندب بفتح النون والدال أي أثرا وعلامة باقية من أثر ضربه وأصل الندب أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد فشبه به أثر الضرب بالحجر وقوله ثلاثا أو أربعا أو خمسا متعلق بالضرب أو الندب والشك من الراوي قال الطيبي رحمه الله قوله ثلاثا أي ندبات ثلاثا بيانا وتفسيرا لاسم إن وضربه هذا من أثر غضبه على الحجر لأجل فراره وقلة أدبه ولعله ذهل عن كونه مأمورا وكان ذلك في الكتاب مسطورا


وفيه مأخذ لعلماء الأنام على أن ضرر الخاص يتحمل لنفع العام والله تعالى أعلم بالمرام ثم قيل إن موسى أمر بحمل الحجر معه إلى أن كان في التيه فضربه بعصاه مرة أو مرات فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قال النووي رحمه الله فيه معجزتان ظاهرتان لموسى عليه الصلاة والسلام إحداهما مشي الحجر بثوبه والثانية حصول الندب في الحجر بضربه وفيه حصول التمييز في الجماد وفيه جواز الغسل عريانا في الخلوة وإن كان ستر العورة أفضل وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله وخالفهم ابن أبي ليلى وقال إن للماء ساكنا قلت إمامنا الأعظم رحمه الله مع الجمهور وظاهر مخالفة ابن أبي ليلى في دخول الماء قال وفيه ابتلاء الأنبياء والصالحين من أذى السفهاء والجهال وصبرهم عليه وفيه أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن النقائص في الخلق والخلق سالمون من العاهات والمعايب اللهم إلا على سبيل الابتلاء متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله بينا أيوب يغتسل عريانا يحتمل أن يكون لابسا للإزار كما يدل عليه قوله الآتي يحثي في ثوبه ويحتمل أن يكون متجردا عن الثياب كلها على طبق ما سبق لموسى عليهما الصلاة والسلام وكان جائزا عندهما لكنه أشار إلى أن التستر أولى حياء من المولى بناء على أنه بعث ليتم مكارم الأخلاق فخر بالخاء المعجمة والراء المشددة أي فسقط ونزل عليه أي فوقه على أطرافه جراد أي جنس جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي أي يضعه في ثوبه كذا في النهاية والأظهر أنه يأخذ بكفه أو كفيه ويضع في ثوبه المتصل به وهو الإزار اللابس له قبل الغسل أو بعده أو المنفصل الذي ما لبسه بعد وفي المصابيح يحثي في ثوبه قال شارح له أي يجمعه في ذيله ويضم طرف الذيل إلى نفسه فناداه ربه أي نداء تلطف يا أيوب ألم أكن أغنيتك أي جعلتك ذا غنى عما ترى قال بلى وعزتك قال الطيبي رحمه الله هذا ليس بعتاب منه تعالى في أن الإنسان وإن كان ثريا لا يشبع بثراه بل


يريد المزيد عليه بل من قبيل التلطف والامتحان بأنه هل يشكر على ما أنعم عليه فيزيد في الشكر وإليه الإشارة بقوله ولكن لا غنى بكسر ففتح مقصورا أي لا استغناء بي عن بركتك أي عن كثرة نعمتك وزيادة رحمتك وفي رواية من يشبع من رحمتك أو من فضلك وفيه جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه الشكر عليه ويصرفه فيما يحب ربه ويرضاه
ويتوجه الأمر إليه وفيه تسمية المال من جهة الحلال بركة في المآل وحسن الخلال قال الطيبي رحمه الله ونحوه قوله لعمر رضي الله تعالى عنه جوابا عن قوله أعطه أفقر إليه مني ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك رواه البخاري وعنه أي عن أبي هريرة قال استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود بتشديد الموحدة افتعال من السب وهو الشتم والمعنى سب كل واحد منهما الآخر فقال المسلم والذي اصطفى محمدا على العالمين أي جميعهم من خلق الأولين والآخرين والمحلوف عليه مقدر فقال اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين أي عالمي زمانه لكن لما كان ظاهر كلامه المعارضة وحاصل مرامه المشاركة في الاصطفاء على الخلق من بين الأنبياء وهو خلاف ما عليه العلماء ولذا أنكر عليه فرفع المسلم يده عند ذلك أي القول الموهم لخلاف الأدب فلطم وجه اليهودي أي ضربه بكفه كفا له وتأديبا فذهب اليهودي إلى النبي فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم فدعا النبي المسلم أي المدعى عليه فسأله عن ذلك أي الأمر فأخبره أي بمطابقة الخبر فقال النبي لا تخيروني بضم التاء وتشديد الياء من التخيير بمعنى الاصطفاء والمعنى لا تجعلوني خيرا بمعنى لا تفضلوني على موسى أي ونحوه من أصحاب النبوة تفضيلا يؤدي إلى إيهام المنقصة أو إلى تسبب الخصومة فإن أمر التفضيل ليس بقطعي على وجه التفصيل فإن الناس أي جميعهم يصعقون بفتح العين يوم القيامة أي عند النفخة الأولى فأصعق معهم من صعق الرجل إذا أصابه فزع فأغمي عليه وربما مات


منه ثم يستعمل في الموت كثيرا لكن هذه الصعقة صعقة فزع قبل البعث لذكر الإفاقة بعده بقوله فأكون أول من يفيق فإن الإفاقة إنما تستعمل في الغشي والبعث في الموت فإذا موسى باطش قال شارح أي قوي والظاهر أن معناه آخذ بجانب العرش فلا أدري كان أي أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أي لفضيلة اختص بها
أو كان فيمن استثنى الله أي في قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله الزمر والمعنى أو كان فيمن لم يصعق فله منقبة أيضا من هذه الجهة قال العسقلاني يعني فإن أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة وإن كان ممن استثناه الله تعالى فلم يصعق فهي أيضا فضيلة وإنما نهى النبي عن التفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من يقول ذلك من رأيه لا من يقوله بدليل أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول أو يجر إلى الخصومة أو المراد لا تفضلوني بجميع أنواع الفضائل بحيث لا يبقى للمفضول فضيلة أو أراد النهي عن التفضيل في نفس النبوة فإنهم متساوون فيها وإنما التفاضل بخصائص وفضائل أخرى قال تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض البقرة ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض الإسراء وفي رواية فلا أدري أحوسب أي أجوزي بصعقة يوم الطور بإضافة المصدر إلى الظرف وفي نسخة بالضمير أي بصعقه نفسه في ذلك اليوم حيث قال تعالى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا الأعراف ففي القاموس صعق كسمع صعقا ويحرك وصعقة وتصعاقا فهو صعق ككتف غشي عليه أو بعث قبلي أي أفاق قبل إفاقتي بعد ما شاركني في صعقتي فالبعث مجاز عن الإفاقة توفيقا بين الروايتين ولا أقول إن أحدا أي لا أنا ولا غيري من الأنبياء أفضل من يونس ابن متى بفتح الميم وتشديد المثناة الفوقية المقصورة قيل هي اسم أم يونس على ما في جامع الأصول ثم قيل إن أحدا استعمل في الإثبات لأن المعنى لا أفضل أحدا على يونس وفي رواية أبي سعيد قال لا تخيروا أي لا تفضلوا بين الأنبياء قال التوربشتي رحمه


الله قوله لا تخيروني على موسى أي لا تفضلوني عليه قول قاله على سبيل التواضع أولا ثم ليردع الأمة عن التخيير بين أنبياء الله من تلقاء أنفسهم ثانيا فإن ذلك يفضي بهم إلى العصبية فينتهز الشيطان منهم عند ذلك فرصة يدعوهم إلى الإفراط والتفريط فيطرون الفاضل فوق حقه ويبخسون المفضول حقه فيقعون في مهواة الغي ولهذا قال لا تخيروا بين الأنبياء أي لا تقدموا على ذلك بأهوائكم وآرائكم بل بما آتاكم الله من البيان وعلى هذا النحو قوله ولا أقول أن أحدا خير من يونس ابن متى أي لا أقول من تلقاء نفسي ولا أفضل أحدا عليه من حيث النبوة والرسالة فإن شأنهما لا يختلف باختلاف


الأشخاص بل نقول كل من أكرم بالنبوة فإنهم سواء فيما جاؤوا به عن الله وإن اختلفت مراتبهم وكذلك من أكرم بالرسالة وإليه الإشارة بقوله سبحانه لا نفرق بين أحد من رسله البقرة وإنما خص يونس عليه السلام بالذكر من بين الرسل لما قص الله عليه في كتابه من أمر يونس وتوليه عن قومه وضجرته عن تثبطهم في الإجابة وقلة الاحتمال عنهم والاحتمال بهم حين راموا التنصل فقال عز من قائل ولا تكن كصاحب الحوت القلم وقال وهو مليم الصافات فلم يأمن أن يخامر بواطن الضعفاء من أمته ما يعود إلى نقيصة في حقه فنبأهم أن ذلك ليس بقادح فيما آتاه الله من فضله وأنه مع ما كان من شأنه كسائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين وهذا قول جامع في بيان ما ورد في هذا الباب فافهم ترشد إلى الأقوم وأما ما ذكره في هذا الحديث من الصعقة فهي قبل البعث عن نفخة الفزع فأما في البعث فلا تقدم لأحد فيه على نبينا واختصاص موسى عليه الصلاة والسلام بهذه الفضيلة لا توجب له تقدما على من تقدمه بسوابق جمة وفضائل كثيرة والله المأمول أن يعرفنا حقوقهم ويحيينا على محبتهم ويميتنا على سنتهم ويحشرنا في زمرتهم متفق عليه وفي رواية لا تفضلوا بالضاد المعجمة المكسورة على ما في أكثر النسخ أي لا توقعوا التفضيل بين أنبياء الله أي وكذا بين رسله على وجه الازراء ببعض فإن ذلك يكون سببا لفساد الاعتقاد في بعض وذلك كفر وفي نسخة بالصاد وهو ظاهر أي لا تفرقوا بينهم لقوله تعالى لا نفرق بين أحد منهم البقرة آل عمران وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ما ينبغي لعبد أن يقول إني أي ويعني نفسه أو نفسي خير من يونس ابن متى أي فضلا عن غيري متفق عليه وفي رواية للبخاري قال من قال أنا خير أي في النبوة من يونس بن متى فقد كذب لأن الأنبياء كلهم متساوون في مرتبة النبوة وإنما التفاضل باعتبار الدرجات وخص يونس بالذكر لأن الله تعالى وصفه بأوصاف توهم انحطاط رتبته حيث قال فظن أن لن نقد


عليه الأنبياء إذ أبق إلى الفلك المشحون الصافات فلفظ أنا واقع موقع هو ويكون راجعا إلى النبي ويحتمل أن يكون المراد به نفس القائل فحينئذ كذب بمعنى كفر كني به عن الكفر لأن هذا الكذب مساو للكفر قال النووي رحمه الله قيل ضمير المتكلم يعود إلى رسول الله وقيل يعود إلى كل قائل أي لا يقوله بعض الجاهلين من المجتهدين في العبادة أو العلم أو غير ذلك من الفضائل فإنه لو بلغ ما بلغ إلا أنه لم يبلغ درجة النبوة ويؤيده الرواية الأولى ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس ابن متى أقول في تأييدها نظر لتحقق الاحتمالين فيه أيضا بل المعنى الثاني أظهر منها حيث قال ما ينبغي لعبد بطريق العموم المشير إلى أنه حديث قدسي على ما ذكره السيوطي في الجامع من رواية مسلم عن أبي هريرة قال الله تعالى لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس ابن متى قال الخطابي وإنما خص يونس بالذكر لأن الله تعالى لم يذكره في جملة أولي العزم من الرسل وقال فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم القلم فقصر به عن مراتب أولي العزم والصبر من الرسل يقول إذا لم آذن لكم أن تفضلوني على يونس بن متى فلا يجوز لكم أن تفضلوني على غيره من ذوي العزم من أجلة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهذا منه عليه الصلاة والسلام على سبيل التواضع والهضم من النفس وليس ذلك بمخالف لقوله أنا سيد ولد آدم ولا فخر لأنه لم يقل ذلك مفتخرا ولا متطاولا به على الخلق وإنما قال ذلك ذاكرا للنعمة ومصرحا بالمنة وأراد بالسيادة ما يكرم به في القيامة من الشفاعة والله تعالى أعلم وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الغلام الذي قتله الخضر بفتح فكسر وفي نسخة بكسر فسكون قال النووي رحمه الله جمهور العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا لا سيما عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه وحضوره في المواضع الشريفة ومواطن


الخير أكثر من أن تحصى وصرح الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بذلك وشذ من أنكره من المحققين قال الحميري المفسر وأبو عمرو هو نبي واختلفوا في كونه مرسلا وقال القشيري وكثيرون هو ولي واحتج من قال بنبوته بقوله ما فعلته عن أمري الكهف فدل على أنه أوحى إليه وبأنه أعلم من موسى عليه الصلاة والسلام ويبعد أن يكون الولي أعلم من النبي وأجاب الآخرون بأنه يجوز أن يكون قد ألقي إليه بطريق الإلهام كما ألقي إلى أم موسى ف
قوله تعالى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه طه قلت فيه إن الوحي إلى أم موسى فيما يتعلق بتدبير خلاص الطفل حالة الاضطرار في أمره وأما حمل أمر الغلام على الإلهام إلى الولي غير صحيح إذ لا يصح لأحد من الأولياء أن يقتل نفسا زكية بغير نفس اعتمادا على الوحي الإلهامي بأنه طبع كافرا وقد قال الثعلبي المفسر الخضر نبي معمر محجوب عن أكثر الأبصار قال وقيل إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن قلت وقد تقدم أنه يقتله الدجال ثم ذكر أقوالا من زمن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أم بعده بقليل أو كثير قلت ويروى أنه من أولاد آدم والله تعالى أعلم وفي الجامع الصغير روى الحرث عن أنس الخضر في البحر وإلياس في البر يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج ويحجان ويعتمران كل عام ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل وفي الفتاوى الحديثية رواه ابن عدي في الكامل أن إلياس والخضر عليهما الصلاة والسلام يلتقيان في كل عام بالموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويفترقان عن هؤلاء الكلمات بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله بسم الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قوله طبع كافرا أي خلق الغلام على أنه يختار الكفر فلا ينافي خبر


كل مولود يولد على الفطرة إذ المراد بالفطرة استعداد قبول الإسلام وهو لا ينافي كونه شقيا في جبلته وقد روى ابن عدي في الكامل والطبراني في الكبير عن ابن مسعود مرفوعا خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن أمه كافرا وفي الحديث المشهور أن بعد نفخ الروح في كل مولود يكتب شقي أو سعيد وعلى طبقه يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد هود وقد قال تعالى أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم محمد قال القاضي عياض رحمه الله في هذا حجة بينة لأهل السنة وصحة مذهبهم في أن العبد لا قدرة له على الفعل إلا بارادة الله وتيسيره له خلافا للمعتزلة القائلين بأن للعبد فعلا من قبل نفسه وقدرة على الهدى والضلال وفيه أن الذين قضى لهم بالنار طبع على قلوبهم وختم عليها وجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا أو حجابا مستورا وجعل في آذانهم وقرار في قلوبهم مرضا لتتم سابقته وتمضي كلمته لاراد لحكمه ولا معقب لأمره وقضائه وقد يحتج بهذا الحديث من يقول إن أطفال الكفار في النار قلت الأولى التفصيل بأن من طبع منهم كافرا يكون في النار ومن ولد على الفطرة فهو في الجنة وبه يحصل الجمع بين أقوال الأئمة ويقارب القول بالتوقف الذي اختاره إمامنا الأعظم والله تعالى أعلم ويدل عليه قوله ولو عاش أي ذلك الغلام بأن أدرك الكبر لأرهق أبويه أي لكلفهما طغيانا وكفرا أي جعل سببا لاضلالهما فالحاصل أن علة قتله مركبة من كونه طبع كافرا وأنه لو فرض أنه عاش لكان مضلا فاجرا قال النووي لما كان أبواه مؤمنين يكون هو مؤمنا قلت فكيف يجوز قتل المؤمن قال فيجب تأويله بأن


معناه والله سبحانه أعلم أن ذلك الغلام لو بلغ لكان كافرا ولو عاش لأرهق أبويه أي غشيهما طغيانا وكفرا أي طغيانا عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه أو معناه حملهما أن يتبعاه فيطغيا قال ابن الملك فإن قلت خوف كفر أحد في المآل لا يبيح قتله في الحال فكيف قتله الخضر من خوف كفره قلت يجوز أن يكون ذلك في شرعهم قلت تقرير الله تعالى وتقرير موسى صريح في ذلك بل يدل على جواز مثل ذلك في شرعنا لو علم قطعا أنه طبع كافرا كما قرره صاحب الشرع في هذا الحديث فبطل كون الغلام مؤمنا حينئذ إذ لا يجوز قتل المؤمن من غير جنح اجماعا في جميع الأديان قال أو نقول هذا علم لدني وله مشرب آخر غير المعهود في الظاهر فلا نشتغل بكيفيته قلت لا مخالفة بين الشريعة والحقيقة في أحكام الطريقة ومن فرق بينهما ممن لم يصل إلى مرتبة الجمع نسب إلى الزندقة ثم إن الأمر لا يخلو عن أحد شيئين فإن الخضر ان كان من أهل النبوة فلا بد أن يكون عمله على وفق الشريعة وإن كان من أهل الولاية فليس له أن يعتمد على علمه اللدني والهامه الغيبي في مثل هذه القضية العظمى والبلية الكبرى ثم في الحديث بيان الحكمة في قتل الخضر وكأنه خرج موضع الاعتذار عنه تصريحا بخلاف ما في الآية من الإشارة إلى ذلك تلويحا متفق عليه وعن أبي هريرة عن النبي قال إنما سمي الخضر أي خضرا وفي نسخة بنصبه أي إنما سمي الرجل المشهور الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء في النهاية الفروة الأرض اليابسة وقيل الهشيم اليابس من النبات قلت ومعناهما واحد ومؤداهما متحد واختار شارح القول الثاني فقال المراد بالفروة الهشيم اليابس شبهه بالفرو وقيل الأرض اليابسة وقيل جلدة وجه الأرض وقيل قطعة نبات مجتمعة يابسة قلت هذا هو الأظهر وقال الطيبي رحمه الله ولعل الثاني من قولي صاحب النهاية أنسب لأن قوله فإذا هي تهتز من خلفه خضرا إما تمييز أو حال فكأنه نظر الخضر عليه الصلاة والسلام إلى مجلسه ذاك فإذا هي تتحرك من جهة


الخضرة والنضارة انتهى ولعله قال من خلفه مع أن النمو والاهتزاز إنما كان في موضع الجلوس من تحته للإشعار بأن الخضرة زادت عن المجلس إلى انتهاء الفروة البيضاء ثم قال شارح قوله خضرا بفتح فكسر مع التنوين أي نباتا أخضر ناعما وروي على زنة صفراء قلت وهو كذلك في أكثر النسخ المضبوطة المعتمدة لكن لا يخفى أن النسخة الأولى لمناسبة وجه التسمية أولى للجمع بين المبنى والمعنى رواه البخاري
وأسنده السيوطي بهذا اللفظ بعينه في الجامع الصغير إلى أحمد والشيخين والترمذي عن أبي هريرة والطبراني عن ابن عباس والله تعالى أعلم وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله جاء ملك الموت أي في صورة بشر إلى موسى بن عمران فقال له أي لموسى عليه الصلاة والسلام أجب ربك أي بقبول الموت والمعنى إني جئتك لأقبض روحك قال أي النبي فلطم موسى عين ملك الموت أي ضربها بباطن كفه ففقأها بفاء فقاف فهمزة مفتوحات أي فشقها وقلعها وأعماها قيل الملائكة يتصورون بصورة الإنسان وتلك الصورة بالنسبة إليهم كالملابس بالنسبة إلى الإنسان واللطمة إنما أثرت في العين الصورية لا في العين الملكية فإنها غير متأثرة باللطمة وغيرها قال شارح وإنما لطمها موسى لإقدامه على قبض روحه قبل التخيير والأنبياء كانوا مخيرين عند الله آخر الأمر بين الحياة والوفاة وسيأتي زيادة تحقيق لذلك قال فرجع الملك إلى الله فقال إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت فقد فقأ عيني قال فرد الله إليه عينه وقال ارجع إلى عبدي قال الطيبي رحمه الله فإن قلت أي فرق بين قول الملك عبد لك على التنكير وبين قول الله عبدي قلت دل قول الملك على نوع طعن فيه حيث نكره وبينه بقوله لا يريد الموت وقوله سبحانه دل على تفخيم شأنه وتعظيم مكانه حيث أضافة إلى نفسه ردا عليه فقل الحياة بالنصب على أنه مفعول قوله تريد على تقدير الاستفهام قبل الفعل أو المفعول ويمكن أن يقرأ آلحياة بهمزة ممدودة كما في قوله


تعالى قل آلذكرين حرم أم الانثيين الأنعام فالتقدير آلحياة تريد أم الموت ثم فصله بقوله فإن كنت تريد الحياة أي الطويلة إذ المؤبدة غير متصورة في الدنيا لقوله تعالى كل نفس ذائقة الموت آل عمران فضع يدك أي واحدة أو اثنتين على متن ثور أي على ظهر بقرة فما توارت وفي نسخة فما وارت يدك بالرفع وفي نسخة بالنصب وقوله من شعرة بيان لما وفي نسخة من شعره
بالضمير أي من شعر متن الثور فإنك تعيش بها أي بكل شعرة متوارية سنة واعلم أنه يقال واراه الشيء أي ستره وتوارى أي استتر ومنه قوله تعالى يتوارى من القوم النحل فقال شارح قوله فما توارت غلط وقع من بعض الرواة في كتاب مسلم وفي كتاب البخاري فله بما غطت يده بكل شعرة سنة وقال القاضي قوله فما توارت يدك هكذا مذكور في صحيح مسلم ولعل الظاهر فما وارت يدك بالرفع وأخطأ بعض الرواة ويدل عليه ما رواه البخاري في صحيحه فله بما غطت يده بكل شعرة سنة ويحتمل أن يكون يدك منصوبا بنزع الخافض وفي توارت ضمير رفع فأنثه لكونه مفسرا بالشعرة قال الطيبي قوله من شعرة بيان ما والضمير فيه راجع إلى متن ثور وما وارت يده قطعة منه فأنثه باعتبار القطعة أي القطعة التي توارت بيدك أو تحت يدك انتهى وقيل التاء الأولى زائدة لأن معناه وارت أي غطت ذكره الأكمل قال أي موسى ثم مه بفتح الميم وسكون الهاء وأصله ما حذفت ألفه ووقف عليه بالهاء للتعذر بين الحركة والسكون قال النووي هي هاء السكت وما استفهامية أي ثم ماذا يكون أحياة أم موت قال ثم تموت قال فالآن من قريب أي فأختار الموت في هذه الحالة رب أدنني أمر من الإدناء أي قربني من الأرض المقدسة ولعله أراد أفضل مواضعها وهو المسمى ببيت المقدس الذي كان فيه قبلة الأنبياء وإلا فالأرض المقدسة تطلق على جميع أراضي الشام رمية بحجر أي كرمية حجر والمراد السرعة ذكره شارح والظاهر أن المراد أن يكون التقريب مقدار رمية واحدة بحجر ولذا قال ابن الملك أي بمقدار ذلك أقول


ولعله كان في التيه فأراد التقرب إلى بيت الرب ولو بمقدار قليل من موضع دعائه أو من محل مطلوبه قال النووي رحمه الله وأما سؤاله الإدناء من الأرض المقدسة فلشرفها وفضيلة ما فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم من الصالحين قالوا وإنما سأل الإدناء ولم يسأل بيت المقدس نفسه لأنه خاف أن يكون قبره مشهورا عندهم فيفتتن به الناس قلت وهذا بعيد جدا إذ لم يقع التفتن بقبر غيره من الأنبياء مع إمكان الفتنة في كل مكان بل فيه إشارة إلى أن المقبرة ينبغي أن تكون قرب القرية لا داخلها ولعل عمارة بيوت بيت المقدس كانت حينئذ قريبة إلى محل تربته عليه الصلاة والسلام وعلى كل ففيه استحباب الموت والدفن في المواضع الفاضلة والمواطن المباركة والقرب من مدافن أرباب الديانة قال رسول الله والله لو أني عنده أي عند بيت المقدس وأبعد شارح حيث قال لو أني عند موسى لأريتكم قبره إلى جنب الطريق أي طريق الجادة من بيت المقدس إلى حواليه عند الكثيب الأحمر أي التل المستطيل المجتمع من الرمل متفق عليه قال المازري وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث قالوا كيف


يجوز على موسى فقء عين ملك الموت وأجابوا عن هذا بأجوبة أحدهما أنه لا يمتنع أن يكون موسى عليه الصلاة والسلام قد أذن الله له في هذه اللطمة وأن يكون ذلك امتحانا للملطوم والله سبحانه يفعل في خلقه ما يشاء ويمتحنهم بما يريد قلت ولا يخفى أنه بعيد والثاني أن هذا على المجاز والمراد أن موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة يقال فقأ فلان عين فلان إذا غلبه بالحجة قال وفي هذا ضعف لقوله فرد الله عليه عينه فإن قيل أراد رد حجته كان بعيدا والثالث أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله وظن أنه رجل قصده يريد نفسه فدفعه عنها فأدت المدافعة إلى فقء عينه وما قصدها بالفقء وهذا جواب الإمام أبي بكر بن حزم وغيره من المتقدمين واختاره القاضي عياض قالوا وأتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت فاستسلم له بخلاف المرة الأولى قال ابن الملك في شرح المشارق فإن قيل كيف صدر من موسى هذا الفعل أجيب بأنه متشابه يفوض علمه إلى الله تعالى وبأن موسى لم يعرف أنه ملك الموت وظن أنه رجل قصد نفسه فدفعه عنها فأدت مدافعته إلى فقء عينه وهذا مختار المازري والقاضي عياض وأنكر الشيخ الشارح يعني الأكمل بأن هذا غير صحيح لأن الرجل الداخل لم يقصده بالمحاربة حتى يدفعه عنه بل دعاه إلى الموت وبمجرد هذا القول لا يصدر عن مؤمن صالح مثل هذا الفعل فما ظنك بموسى عليه الصلاة والسلام وأقول إن موسى عليه السلام كان في طبعه حدة حتى روي أنه عليه الصلاة والسلام إذا غضب استعلت قلنسوته فإذا هجم عليه رجل فدعاه إلى الهلاك عرف أنه لا يكون إلا بالحرب فدفعه قبل قصده وذا يحتمل أن يكون جائزا في شرعه أو لأن موسى عليه الصلاة والسلام زعم أنه كاذب حين ادعى قبض روحه لزعمه أن بشرا لا يقبض الروح فغضب عليه فلطم وكان هذا الغضب لله وفي الله فلم يكن مذموما ولهذا لم يعاتب الله موسى عليه السلام حين أخذ رأس هارون ولحيته وكان يجره مع أن هارون أكبر منه سنا وأجل قدرا عند


علماء الأمة وقد قال حق كبير الأخوة عليهم كحق الوالد على ولده قلت هذا وجه حسن إلا أن قوله لزعمه غير مستحسن قال وما اختاره الشيخ الشارح في الجواب أن موسى عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون مأذونا في حق اللطمة ويكون ذلك امتحانا للملطوم فلا يخفى بعده وفي شرح السنة يجب على المسلم الإيمان به على ما جاء به من غير أن يعتبره بما جرى عليه عرف البشر فيقع في الارتياب لأنه أمر مصدره قدرة الله تعالى وحكمه وهو مجادلة جرت بين ملك كريم ونبي كليم كل واحد منهما مخصوص بصفة يخرج بها عن حكم عوام البشر ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خص به فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما وقد اصطفى الله تعالى موسى بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة فلما دنت وفاته وهو بشر يكره الموت طبعا لطف الله تعالى به بأن لم يفاجئه بغتة ولم يأمر الملك الموكل به بأن يأخذه قهرا بل أرسله على سبيل الامتحان في صورة بشر فلما رآه


موسى عليه الصلاة والسلام استنكر شأنه واستوعر مكانه احتجر منه دفعا عن نفسه بما كان من صكه إياه فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية وقد كان في طبع موسى عليه السلام حدة على ما قص الله علينا من أمره في كتابه من وكزه القبطي وإلقائه الألواح وأخذه برأس أخيه يجره إليه هذا وقد جرت سنة الدين بدفع كل قاصد سوء وقد ذكر الخطابي هذا المعنى في كتابه ردا على من طعن في هذا الحديث وأمثاله من أهل البدع الملحدين أبادهم الله تعالى وعن جابر أن رسول الله قال عرض علي بصيغة المجهول أي أظهر لدي الأنبياء وهم أعم من الرسل وهو إما في المسجد الأقصى في ليلة الإسراء أو في السموات العلى كما يدل عليه الحديث الذي يليه والمعنى عرض أرواحهم متشكلين بصور كانوا عليها في الدنيا كذا ذكره ابن الملك تبعا لشارح من علمائنا وهو الظاهر وقال القاضي لعل أرواحهم مثلت له بهذه الصور ولعل صورهم كانت كذلك أو صور أبدانهم كوشفت له في نوم أو يقظة فإذا موسى ضرب أي نوع من الرجال وقيل أي خفيف اللحم كأنه من رجال شنوءة بفتح الشين المعجمة وضم النون فواو ساكنة وهمزة وهاء ويجوز إبدال الهمزة واو أو إدغامها وقد قال ابن السكيت أزد شنوة بالتشديد غير مهموز وهي قبيلة معروفة والمعنى أنه يشبه واحدا من هذه القبيلة قال شارح والشنوءة التباعد من الأدناس على ما ذكره الجوهري ومنهم أزد شنوءة وهم حي من اليمن ولعلهم لقبوا بذلك لطهارة نسبهم ونظافة حسبهم وحسن سيرتهم وأدبهم ورأيت عيسى ابن مريم فإذا هو أقرب من رأيت به شبها بفتحتين أي نظيرا عروة بن مسعود قيل هو أخو عبد الله بن مسعود وليس بصحيح ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم يعني نفسه أي يريد بقوله صاحبكم نفس ذاته لما ظهر له في مرآته ولما كان جبريل ملازما للأنبياء لكونه من لوازم الإنباء ذكره في معرض الأنبياء فقال ورأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية بن خليفة بكسر الدال وقد يفتح


وهو من الصحابة وكان من أجمل الناس صورة رواه مسلم وعن ابن عباس عن النبي قال رأيت ليلة أسري بي بالإضافة وفي نسخة
بالتنوين أي أبصرت في ليلة أسري بي فيها موسى رجلا أي حال كونه على صورة رجل آدم أي أسمر شديد السمرة على ما في النهاية طوالا بضم الطاء وتخفيف الواو أي طويلا كعجاب مبالغة عجيب وأما بكسر الطاء فهو جمع طويل جعدا هو ضد السبط فمعناه غير مسترسل الشعر ولعل انقباض شعره مما يشعر على حدة باطنة من غير شعوره كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق أي متوسطا لا طويلا ولا قصيرا ولا سمينا ولا هزيلا وفيه إيماء إلى اعتدال مزاجه أيضا وقوله إلى الحمرة والبياض حال أي مائلا لونه إليهما فلم يكن شديد الحمرة والبياض بل كان بينهما من البياض المشوب بالحمرة كما كان نعت نبينا على ما في الشمائل في الوصفين السابقين سبط الرأس بكسر الباء وفتحها أيضا وقد تسكن ففي القاموس السبط ويحرك وككتف نقيض الجعد والمعنى مسترسل شعر الرأس فهذا يدل على أنه غلب عليه صفة الجمال كما أنه غلب على موسى نعت الجلال ونبينا لما كان في مرتبة الكمال كان شعره أيضا في السبوطة والجعودة في غاية من الاعتدال ورأيت مالكا خازن النار والدجال أي ورأيت الدجال في آيات أي مع علامات أراهن الله إياه أي النبي يعني رأى النبي الدجال مع آيات أخر أراهن الله النبي وما حكاها وقوله في آيات أراهن الله إياه من كلام الراوي أدرجه في الحديث دفعا لاستبعاد السامعين وإماطة لما عسى أن يختلج في صدورهم ولو كان من قول النبي لقال أراهن الله إياي كذا ذكره شارح والظاهر أن يكون الضمير راجعا إلى الدجال والمراد بالآيات خوارق العادات التي قدرها الله سبحانه استدراجا للدجال وابتلاء للعباد على ما تقدم والله تعالى أعلم قال الطيبي رحمه الله قوله في آيات أي رأيت المذكور في جملة آيات ولعله أراد بها الآيات المذكورة في قوله تعالى لقد رأى من آيات ربه الكبرى النجم فعلى


هذا في الكلام التفات حيث وضع إياه موضع إياي أو الراوي نقل معنى ما تلظ به والظاهر أن قوله فلا تكن في مرية من لقائه متعلق بأول الكلام وهو حديث موسى عليه السلام تلميحا إلى ما في التنزيل من قوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه السجدة الكشاف قيل من لقائك موسى عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء فيكون ذكر عيسى وما يتبعه من الآيات على سبيل التبعية والإدماج أي لا تكن يا محمد في رؤية ما رأيت من الآيات في شك فعلى هذا الخطاب في قوله فلا تكن لرسول الله والكلام كله متصل ليس فيه تغيير من الراوي إلا لفظ إياه ويشهد له قول الشيخ محيي الدين رحمه الله في شرح هذا الحديث كان قتادة


يفسرها أن النبي قد لقي موسى عليه الصلاة والسلام ووافقه عليه جماعة منهم مجاهد والكلبي والسدي ومعناه فلا تكن في شك من لقائك موسى والشارحون ذهبوا إلى أن قوله في آيات أراهن الله من كلام الراوي ألحقه بالحديث دفعا لاستبعاد السامعين وإماطة لما عسى يختلج في صدورهم وقال المظهر الخطاب في فلا تكن خطاب عام لمن سمع هذا الحديث إلى يوم القيامة والضمير في لقائه عائد إلى الدجال أي إذا كان خروجه موعودا فلا تكن في شك من لقائه وقال غيره الضمير راجع إلى ما ذكر أي فلا تكن في شك من رؤية ما ذكر من الآيات إلى يوم القيامة متفق عليه وذكر السيوطي الحديث في الجامع الصغير إلى قوله الدجال وقال رواه أحمد والشيخان وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ليلة أسري بي ظرف مقدم لقوله لقيت موسى فنعته أي فوصف موسى فقال في حقه فإذا أي هو رجل مضطرب قال القاضي وغيره من الشراح يريد به أنه كان مستقيم القد حادا فإن الحاد يكون قلقا متحركا كأن فيه اضطرابا ولذلك يقال رمح مضطرب إذا كان طويلا مستقيما وقيل معناه أنه كان مضطربا من خشية الله تعالى وهذه صفة النبيين والصديقين كما روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي ولقلبه أزيز كأزيز المرجل رجل الشعر بكسر الجيم ويسكن ويفتح ففي القاموس شعر رجل وككتف وجبل بين السبوطة والجعودة وفي النهاية أي لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل بينهما قلت الظاهر أن تكون جعودته غالبة على سبوطته لئلا ينافي ما سبق من كون موسى عليه الصلاة والسلام جعدا كأنه من رجال شنوءة سبق بيانه ولقيت عيسى ربعة بتسكين الموحدة ويجوز فتحه على ما ذكره العسقلاني أي مربوع الخلق وفي النهاية أي لا طويل ولا قصير والتأنيث على تأويل النفس أحمر أي شديد الحمرة كأنه خرج من ديماس بكسر الدال وتفتح على ما في القاموس الكن والسرب والحمام قال الجوهري فإن فتحت الدال جمعت على دياميس مثل شيطان وشياطين وإن كسرتها جمعت على دماميس


كقيراط وقراريط ثم لما كان الديماس له معان قال الراوي يعني أي يريد النبي الحمام قال العسقلاني هذا في تفسير عبد
الرزاق والمراد وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه كأنه خرج من حمام وهو عرق ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده أي أولاده من نسل ولده إسماعيل أو مطلقا به أي بإبراهيم صورة ومعنى فالمشابهة الصورية عنوان للمناسبة المعنوية مع أن الولد سر أبيه في مبانيه ومعانيه قال أي النبي فأتيت بإناءين أي أحضرت بهما أحدهما لبن قال التوربشتي رحمه الله العالم القدسي يصاغ فيه الصور من العالم الحسي ليدرك بها المعاني فلما كان اللبن في عالم الحس من أول ما يحصل به التربية ويرشح به المولود صيغ عنه مثال للفطرة التي تتم بها القوة الروحانية وتنشأ عنها الخاصية الإنسانية وقال بعضهم ولم يقل فيه لبن كأنه جعله لبنا كله تغليبا للبن على الإناء لكثرته وتكثيرا لما اختاره ولما كان الخمر منهيا عنه قلله فقال والآخر فيه خمر أي خمر قليل فقيل لي خذ أيهما شئت أي أي الإناءين أو أي المشروبين أردته واشتهيته فأخذت اللبن فشربته أي لما يدل الأمر بالأخذ على جواز الشرب لأنه المقصود منه وإنما عرض عليه كلاهما إظهارا على الملائكة فضله باختياره الصواب فقيل لي هديت الفطرة بصيغة الخطاب مجهولا أي فقالت الملائكة هداك الله إلى الفطرة وهو يحتمل الإخبار والدعاء والأول أظهر لما سيأتي في آخر الحديث والمعنى إنك هديت الفطرة الكاملة الشاملة لاتباعك العالمة العاملة قال القاضي رحمه الله المراد بها الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها فإن منها الإعراض عما فيه غائلة وفساد كالخمر المخل بالعقل الداعي إلى الخير الوازع عن الشر المؤدي إلى صلاح الدارين وخير المنزلين والميل إلى ما فيه نفع حال عن مضرة دنيوية ومعرة دينية كشرب اللبن فإنه من أصلح الأغذية وأول ما حصل به التربية وقال ابن الملك وفي هذا القول له عند أخذ اللبن لطف ومناسبة فإن اللبن لما


كان في العالم الحسي ذا خلوص وبياض وأول ما يحصل به تربية المولود صيغ منه في العالم القدسي مثال الهداية والفطرة التي يتم بها القوة الروحانية بخلاف الخمر فإنها لكونها ذات مفسدة صيغ منها مثال الغواية وما يفسد القوة الروحانية ولهذا قيل له أما بالتخفيف للتنبيه إنك لو أخذت الخمر أي شربت أو ما شربت والمعنى لو ملت إليها أدنى الميل غوت أي ضلت أمتك أي نوعا من الغواية المترتبة على شربها بناء على أنه لو شربها لأحل للأمة شربها فوقعوا في ضررها وشرها ولما كان هو معصوما ما لم يقل له غويت على ما تقتضيه المقابلة وفيه إيماء إلى أن استقامة المقتدي من النبي والعالم والسلطان ونحوهم سبب لاستقامة أتباعهم لأنهم بمنزلة القلب للأعضاء متفق عليه


وعن ابن عباس رضي الله عنه قال سرنا من السير أي سافرنا مع رسول الله بين مكة والمدينة يحتمل من مكة إلى المدينة وبالعكس فمررنا بواد فقال أي واد هذا فقالوا وادي الأزرق وهو موضع بين الحرمين سمي به لزرقته وقيل منسوب إلى رجل بعينه فقال كأني أنظر إلى موسى فذكر من لونه وشعره شيئا أي بعضا من أوصافهما وهو أن لونه أسمر وشعره جعد على ما سبق واضعا أي حال كون موسى واضعا إصبعيه في أذنيه بضم الذال ويسكن والتثنية فيهما على طريق اللف والنشر له أي لموسى جؤار بضم جيم فهمز وقد يبدل أي تضرع إلى الله بالتلبية ذكره شارح وقال الطيبي رحمه الله رفع صوت بها ولا منع من الجمع مارا بهذا الوادي قال الطيبي رحمه الله واضعا ومارا حالان مترادفان أو متداخلان من موسى عليه الصلاة والسلام وقد تخلل بينهما كلام الراوي يعني الراوي عن حاله وهو النبي قال أي ابن عباس ثم سرنا أي ذهبنا حتى أتينا على ثنية بفتح مثلثة وكسر نون وتشديد تحتية أي عقبة وهي طريق عال في الجبل أو بين الجبلين فقال أي ثنية هذه قالوا هرشى بهاء فراء فشين معجمة فألف مقصورة تكتب بالياء كسكرى على طريق الشام والمدينة قرب الجحفة أو لفت بكسر اللام وسكون الفاء على ما في أكثر النسخ وقال الطيبي رحمه الله يروي فيه كسر اللام وإسكان الفاء وفتحها معه وفتحهما وقال شارح هرشى ثنية بقرب الجحفة يقال لها أيضا لفت والشك للراوي أقول ويمكن أن يكون أو للتنويع على أن بعضهم قال هرشي وبعضهم لفت ولا خلاف في الحقيقة فقال كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف أي للتواضع واختيار الزهد وهذا مأخذ للصوفية ومن تبعهم من العلماء كالكسائي ولعله لبسها على غير هيئة المعتاد أو كان جائزا في شرعه للمحرم لبس الجبة ونحوها مطلقا والله تعالى أعلم خطام ناقته أي زمامها وزنا ومعنى وهو الحبل الذي يقاد به البعير يحعل على خطمه أي مقدم أنفه وفمه خلبة بضم الخاء المعجمة وسكون اللام وبضمهما فموحدة


فهاء ليفة نخل مارا بهذا الوادي ملبيا حالان من يونس كما تقدم وفيه إشعار بأن الحج من شعائر الله ومن شعائر أنبيائه أحياء وأمواتا فيفيد الترغيب في قصد الحج وما يتعلق به من التلبية الدالة على التوحيد والهيئة الإحرامية المشعرة إلى التجريد والتفريد والله سبحانه وتعالى أعلم قال النووي رحمه الله فإن قيل كيف يحجون ويلبون وهم أموات والدار الآخرة ليست
بدار عمل الجواب من وجوه أحدها أنهم كالشهداء بل أفضل والشهداء أحياء عند ربهم فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا ويتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها وتعتقبها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل وثانيهما أن التلبية دعاء من عمل الآخرة قال تعالى دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين يونس وثالثها أن تكون هذه رؤية منام في غير ليلة الإسراء كما قال في رواية ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بينما أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة وذكر الحديث في قصة عيسى قلت ورؤيا الأنبياء حق وصدق قال ورابعها أنه أري حالهم التي كانت في حياتهم ومثلوا له في حال حياتهم كيف كانوا وكيف حجهم وتلبيتهم كما قال كأني أنظر إلى موسى قلت الظاهر أن المراد بقوله هذا استحضار تلك الحالة الماضية عند الحالة الراهنة للإشارة إلى غاية تحققها ونهاية صدقها قال وخامسها أن يكون أخبر عما أوحي إليه من أمرهم وما كان منهم وإن لم يرهم رؤية عين قلت يرده قوله كأني أنظر إليهما قال وهذا آخر كلام القاضي عياض وفي الحديث دليل على استحباب وضع الإصبع في الأذن عند رفع الصوت بالأذان ونحوه وهذا الاستنباط والاستحباب يجيء على مذهب من يقول من أصحابنا أو غيرهم إن شرع من قبلنا شرع لنا قلت هذا الاستنباط إنما يتم لو قيل باستحباب وضع الإصبعين في الأذنين وقت التلبية ولا أظن أن أحدا قال بهذا وأما وضع الإصبع في


الأذن حال الأذان فله دليل مستقل ذكر في بابه رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال خفف أي سهل ويسر على داوود القرآن أي قراءة الزبور وحفظه فكان يأمر بدوابه أي لركوبه وركوب أصحابه فتسرج أي الدواب أو فيشرع في سرجها فيقرأ القرآن أي المقروء وهو الزبور قبل أن تسرج دوابه وفي النهاية الأصل في هذه اللفظة يعني القرآن الجمع وكل شيء جمعته فقد قرأته وسمي القرآن قرآنا لأنه جمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها مع بعض وهو مصدر كالغفران والكفران وقد يطلق على القراءة نفسها يقال قرأ قراءة وقرآنا قلت ومنه قوله تعالى فإذا قرآناه فاتبع قرآنه القيامة قال التوربشتي رحمه الله يريد بالقرآن الزبور وإنما قال له القرآن لأن قصد إعجازه من طريق القراءة وقد دل الحديث


على أن الله تعالى يطوي الزمان لمن يشاء من عباده كما يطوي المكان لهم وهذا باب لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني قلت حاصله أنه من خرق العادة على اختلاف في أنه بسط للزمان أو طي للسان والأول أظهر وقد حصل لنبينا في ليلة الإسراء هذا المعنى على الوجه الأكمل في المبنى من الجمع بين طي المكان وبسط الزمان بحسب السمع واللسان في قليل من الآن ولأتباعه أيضا وقع حظ من هذا الشأن على ما حكى أن عليا كرم الله تعالى وجهه كان يبتدىء القرآن من ابتداء قصد ركوبه مع تحقق المباني وتفهم المعاني ويختمه حين وضع قدمه في ركابه الثاني وقد نقل مولانا نور الدين عبد الرحمان الجامي قدس الله سره السامي في كتابه نفحات الأنس في حضرات القدس عن بعض المشايخ أنه قرأ القرآن من حين استلم الحجر الأسود والركن الأسعد إلى حين وصول محاذاة باب الكعبة الشريفة والقبلة المنيفة وقد سمعه ابن الشيخ شهاب الدين السهروردي منه كلمة كلمة وحرفا حرفا من أوله إلى آخره قدس الله أسرارهم ونفعنا ببركة أنوارهم ولا يأكل أي كان لا يتعيش داوود عليه الصلاة والسلام إلا من عمل يديه كما قال تعالى وألنا له الحديد أن اعمل سابغات سبأ أي دروعا واسعات وفي إيراد يديه بصيغة التثنية إيماء إلى أن عمله كان محتاجا إلى مباشرة العضوين فيكون أجره مرتين فرواية الجامع بيده على صيغة الإفراد يراد بها الجنس وقد روى أبو سعيد مرفوعا على ما رواه ابن لال أفضل الأعمال الكسب من الحلال رواه البخاري وكذا أحمد وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال كانت امرأتان معهما ابنان أي لكل واحدة منهما ابن جاء الذئب استئناف بيان فذهب بابن إحداهما فقالت صاحبتها أي رفيقة إحداهما التي ذهب بابنها إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك ولعل الولدين كانا شبيهين أو كانت إحداهما كاذبة لكنها تريد أن تستأنس بالموجود بدلا عن المفقود أو لأغراض أخر فاسدة وأمكار كاسدة فتحاكمتا أي


فرفعتا الحكومة إلى داوود فقضى به أي حكم بالولد للكبرى إما لكونه في يدها على مقتضى القاعدة الشرعية أن صاحبة اليد أولى أو لأنه أشبه بها على اعتبار علم القيافة كما قال به الشافعي فخرجتا على سليمان بن داوود أي مارتين عليه فأخبرتاه أي بما سبق من حالهما وتحقق من مآلهما
فقال أي لخدمه ائتوني بالسكين أشقه بفتح القاف المشددة على جواب الأمر وفي نسخة بالرفع أي أنا أقطع الولد نصفين بينكما أي مقسومين والمعنى أنه على فرض أنكما لم تظهرا لي الصدق في أمره ولعل الأخرى أيضا كانت في أول الأمر متعلقة بالولد متمسكة باليد ومع هذا لم يرد حقيقة التنصيف وإنما صور لهما هذا التصوير توسلا إلى ما أراد به من ظهور أمارة التأليف فقالت الصغرى لا تفعل أي الشق يرحمك الله أي كما أوقعني في الرحمة على ولدي هو ابنها أي رضيت بأنه يكون ابنها وهو حي ولا أرضى بالشق المفضي إلى موته فقضى به للصغرى أي لوجود قرينة الشفقة والرحمة فيها وتحقق القساوة واليبوسة والغفلة بل دلالة العداوة في الأخرى قال شارح واعلم أن قضاءهما حق لكونهما مجتهدين ومستند قضائهما في هذه القضية هي القرينة لكن القرينة التي قضى بها سليمان أقوى من حيث الظاهر وقيل يحتمل أن قرائن الأحوال كانت في شرعهم بمثابة البينة يعني ولو كانت إحداهما ذات اليد والله تعالى أعلم وفي شرح مسلم للنووي رحمه الله قالوا يحتمل أن داوود عليه الصلاة والسلام قضى به للكبرى لشبه رآه فيهما أو لكونه كان في يدها وأما سليمان فتوصل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطن القضية وإنما أراد اختبار شفقتهما ليتميز له الأمر لا القطع حقيقة فلما تميز حكم للصغرى بإقرار الكبرى لا بمجرد الشفقة قلت الإقرار لا دلالة للعبارة عليه ولا طريق للإشارة إليه قال وقال العلماء ومثله ما يفعله الحكام ليتوصلوا به إلى حقيقة الصواب قلت وقد حقق ابن القيم الجوزي هذا المبحث في كتاب الفراسة في السياسة قال النووي رحمه


الله فإن قيل كيف نقض سليمان حكم أبيه داوود عليه الصلاة والسلام فالجواب من وجوه أحدها أن داوود لم يكن جزم بالحكم وثانيها أن يكون ذلك فتوى من داود لا حكما وثالثها لعله كان في شرعهم فسخ الحكم إذا رفعه الخصم إلى حاكم آخر يرى خلافه قلت وفي كل منها نظر ظاهر فالوجه أن القرينة الأقوى كانت عندهما بالاعتبار هو الأولى وأما لو صح إقرار الكبرى بأنه للصغرى فلا إشكال بكل حال لأن الاقرار بعد الحكم معتبر في شرعنا أيضا كما إذا اعترف المحكوم عليه بعد الحكم بأن الحق لخصمه والله تعالى أعلم متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله قال سليمان لأطوفن الطواف هنا كناية عن الجماع والمعنى والله لأدورن الليلة أي الآتية على تسعين


امرأة وفي رواية بمائة امرأة قال الحافظ العسقلاني فيه روايات ستون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون والجمع أن الستين كن حرائر وما زاد كن سرائر أو بالعكس وأما السبعون فللمبالغة وأما التسعون والمائة وفوق التسعين فمن قال تسعون ألغى الكسر ومن قال مائة أتى بالجبر كلهن أي كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله وهذه نية حسنة إلا أنها غير مبنية على المشيئة فقال له الملك أي الموكل على يمينه أو جبريل أو غيرهما أو المراد به إبهامه أو إلهامه قل إن شاء الله فلم يقل أي اكتفاء بما في الجنان عن البيان باللسان ونسي كعلم وروي بضم النون وتشديد السين وهو أحسن أي حصل له النسيان بأن الجمع بين القلب واللسان أكمل عند أرباب الجمع وأصحاب العرفان أو أراد أن يقول ونسي فطاف عليهن فلم تحمل منهن أي لم تحبل إلا أمرأة واحدة جاءت بشق رجل أي بنصفه أو بعضه حيث عدل عن شق الصواب وصوب الكمال وأيم الذي نفس محمد بيده تقدم الكلام على أيم لفظا ومعنى وقال التوربشتي رحمه الله هنا الأصل في أيم الله أيمن الله حذف منه النون وهو اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين ولم تجيء في الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها وتقديره أيمن الله قسمي وإذا حذف عنه النون قيل أيم الله وأيم الله بكسر الهمزة أيضا لو قال إن شاء الله لجاهدوا أي لوجدوا وولدوا وكبروا وقاتلوا الكفار في سبيل الله أي طريق رضاه فرسانا حال من ضمير جاهدوا أجمعون تأكيد للضمير ومنهم من يرويه أجمعين على الحال والرواية المعتد بها أجمعون بالرفع قيل والحديث يدل على أن من أراد أن يعمل عملا يستحب أن يقول عقيب قوله إني أعمل كذا إن شاء الله تعالى تبركا وتيمنا وتسهيلا لذلك العمل وقد قال تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله الكهف متفق عليه ولفظ الجامع قال سليمان بن داوود لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له


صاحبه قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق إنسان والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال كان زكريا
بالقصر ويروي مده نجارا أي ينجر الخشبة وينحتها ويأكل من كسب يده وفيه وفيما قبله من حديث داوود عليه الصلاة والسلام دلالة على أن الكسب من سنة الأنبياء وهو لا ينافي التوكل بترك مراعاة الأسباب في الأشياء كما فعله بعض الأنبياء وجماعة من أصفياء الأولياء على خلاف في كون أيهما أفضل عند العلماء وتحقيقه في كتاب الإحياء رواه مسلم وكذا أحمد وابن ماجه وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله أنا أولى الناس أي أقربهم بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة أي في الدنيا والعقبى قال الحافظ ابن حجر أي أقربهم إليه لأنه بشر بأن يأتي من بعده ولا منافاة بينه وبين قوله تعالى إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي آل عمران لأنه هو أولى الناس بإبراهيم من جهة الاقتداء وأولاهم بعيسى ابن مريم من جهة قرب العهد انتهى لكن لا يخفى أن مجرد قرب العهد لا يلائمه قوله الأنبياء أخوة فالأولى ما قال القاضي رحمه الله من أن الموجب لكونه أولى الناس بعيسى عليه الصلاة والسلام أنه كان أقرب المرسلين إليه وأن دينه متصل بدينه وأن عيسى كان مبشرا به ممهدا لقواعد دينه داعيا للخلق إلى تصديقه ثم قال وهذه الجملة استئناف فيه دليل على الحكم السابق كأن سائلا سأل عن المقتضي للأولوية فأجاب النبي بذلك وبين أن الأخوة التي بين الأنبياء ليست بينهم وبين سائر الناس جعل ذلك كالنسب الذي هو أقرب الأسباب ثم بقرب زمانه من زمانه واتصال دعوته بدعوته كما ستجيء الإشارة إليه والدلالة عليه بقوله وليس بيننا نبي فقوله من علات بفتح فتشديد أي هم أخوة من أب واحد فإن العلة الضرة وبنو العلات أولاد


الرجل من نسوة شتى فقوله وأمهاتهم شتى أي متفرقة مختلفة إما تأكيد أو تجريد والمعنى كما أن أولاد العلات أمهاتهم مختلفة فكذلك الأنبياء دينهم واحد وشرائعهم مختلفة قال القاضي رحمه الله وغيره من الشراح العلة الضرة مأخوذة من العلل وهو الشربة الثانية بعد الأولى وكأن الزوج عل منها بعدما كان ناهلا من الأخرى من النهل وهو الشرب الأول وأولاد العلات أولاد الضرات من رجل واحد والمعنى إن حاصل أمر النبوة والغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعا لأجلها دعوة الخلق إلى معرفة الحق وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم ويحسن معادهم فهم متفقون في هذا الأصل وإن اختلفوا في تفاريع الشرع التي هي كالوصلة المؤدية والأوعية الحافظة له فعبر النبي عما هو الأصل المشترك بين جميع الأنبياء بالأب ونسبهم


إليه وعبر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصورة المتقاربة في الفرض يعني بحسب الأزمنة والمصالح المتعلقة بالأشخاص المختلفة طبعا بالأمهات وهو معنى قوله وأمهاتهم شتى فإنهم وإن تباينت أعصارهم وتباعدت أيامهم فالأصل الذي هو السبب في إخراجهم وإبرازهم كلا في عصره أمره واحد ولذا قال ودينهم واحد وهو الدين الحق الذي فطر الناس عليه مستعدين لقبوله متمكنين من الوقوف عليه والتمسك به فعلى هذا المراد بالأمهات الأزمنة التي اشتملت عليهم وانكشفت عنهم ولذا قال وليس بيننا أي بيني وبين عيسى نبي إما مطلقا أو محمول على نبي ذي شرع أو على أولي العزم من الرسل قال ابن الملك رحمه الله أي ليس بيني وبينه نبي بل جئت بعده كما قال ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد الصف قال وبهذا بطل قول من قال الحواريون كانوا أنبياء بعد عيسى عليه الصلاة والسلام انتهى وكأنه حمل النفي على الاطلاق قال الطيبي رحمه الله قوله الأنبياء إخوة من علات كما مر استئناف على بيان الموجب لقوله أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة فينبغي أن ينزل البيان على المبين يعني الأنبياء كلهم متساوون فيما بعثوا لأجله من أصول التوحيد وليس لأحد اختصاص منه لكن أنا أخص الناس بعيسى لأنه كان مبشرا بي قبل بعثتي وممهدا لقواعد ملتي ثم في آخر الزمان متابع شريعتي وناصر لديني فكأنا واحد والأولى والآخرة يحتمل أن يراد بهما الدنيا والآخرة وأن يراد بهما الحالة الأولى وهي كونه مبشرا والحالة الآخرة وهي كونه ناصرا مقويا لدينه فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله تعالى إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي آل عمران أي إني أخصهم به وأقربهم فيه قلت الحديث وارد في كونه متبوعا والتنزيل في كونه تابعا له الفضل تابعا ومتبوعا قال تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا النحل وقد مر تفسيره والله تعالى أعلم متفق عليه ولفظ الجامع


أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة وليس بيني وبينه نبي والأنبياء أولاد علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد رواه أحمد والشيخان وأبو داود ولا يخفى حسن نظم هذه الرواية المطابق لمراعاة ترتيب الدراية وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله كل بني آدم فيه تغليب الذكور على الإناث أي كل أولاد آدم يطعن الشيطان بفتح العين ويضم من طعنه بالرمح كمنعه ونصره طعنا ضربه وزجره على ما في القاموس والمراد هنا المس لما في


رواية فالمعنى أنه يمسه ويصيبه في جنبيه بإصبعيه أي السبابة والوسطى وفي التثنية إشعار بكمال العداوة وإيماء إلى قصد إضلاله في أمر الدنيا والآخرة حين يولد أي أول زمن ولادتهم والإفراد باعتبار لفظ كل غير عيسى ابن مريم أي لدعوة حنة جدته في حق أمه بقولها وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم آل عمران ذهب أي أراد الشيطان وشرع وطفق يطعن أي في جنبي عيسى فطعن في الحجاب أي فأوقع الطعن في المشيمة وهي ما فيه الولد فلم يتأثر من مسه عيسى قال الطيبي رحمه الله وهذا يدل على أن المس في قوله ما من مولود لا يمسه الشيطان على الحقيقة كما مر في الوسوسة قلت وتمام الحديث حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها عليهما الصلاة والسلام فكان الراوي اقتصر في هذا الحديث على ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام لأنه المقصود الأصلي في المرام أو خص بعيسى نظرا إلى بعض القيود في الكلام متفق عليه وأسنده السيوطي في الجامع إلى البخاري وقال لفظ مسلم كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها وعن أبي موسى عن النبي قال كمل بضم الميم وفي نسخة بفتحها ويجوز كسرها ففي القاموس كمل كنصر وكرم وعلم وقال ابن الملك في شرح المشارق في كمل ثلاث لغات لكن كسر الميم ضعيف أقول الصحيح الضم لموافقته المعنى اللازمي أي صار كاملا أو بلغ مبلغ الكمال من الرجال كثير أي كثيرون من أفراد هذا الجنس حتى صاروا رسلا وأنبياء وخلفاء وعلماء وأولياء ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون والتقدير إلا قليل منهن ولما كان ذلك القليل محصورا فيهما باعتبار الأمم السابقة نص عليهما بخلاف الكمل من الرجال فإنه يبعد تعدادهم واستقصاؤهم بطريق الانحصار سواء أريد بالكمل الأنبياء أو الأولياء قال الحافظ ابن حجر استدل بهذا الحصر على أنهما نبيتان لأن أكمل الإنسان الأنبياء ثم الأولياء والصديقون والشهداء فلو كانتا غير


نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة ولا شهيدة غيرهما وقال الكرماني لا يلزم من لفظ الكمال ثبوت نبوتهما لأنه يطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه فالمراد ببلوغهما
إليه في جميع الفضائل التي للنساء قلت لا يخفى أن هذا المقال لا يندفع به الإشكال إلا أن يقال لا يلزم من كمال المرأة أكمليتها حتى تلزم النبوة بل يكفي لحصول الكمال وصولها للولاية ففائدة ذكرهما بطريق الحصر اختصاصهما بكمال لم يشركهما فيه أحد من نساء زمانهما أو من نساء الأمم المتقدمة أو مطلقا غير مقيد وذلك لما نقل العلماء من الاجماع على عدم نبوة النساء ولما يدل عليه قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوسف لكن نقل عن الأشعري نبوة حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم وهذا إنما يصح بناء على الفرق بين النبي والرسول والله تعالى أعلم وقال ابن الملك في شرح المشارق في الجواب عن الإيراد السابق قلنا الكمال في شيء يكون حصوله للكامل أولى من غيره والنبوة ليست أولى بالنساء لأن مبناها على الظهور والدعوة وحالهن الاستتار فلا تكون النبوة في حقهن كمالا بل الكمال في حقهن الصديقية وهي قريبة من ا لنبوة انتهى ولا يخفى أنه إنما يتم على القول بترادف النبوة والرسالة وإلا فعلى الفرق بينهما كما عليه الجمهور من أن الرسول مأمور بالتبليغ بخلاف النبي فلا يلزم من النبوة عدم التستر مع أن الرسالة أيضا لا تنافي الستارة كما لا يخفى والله تعالى أعلم وفضل عائشة على النساء أي على جنسهن من نساء الدنيا جميعهن أو على النساء المذكورات أو على نساء الجنة أو على نساء زمانها أو على نساء هذه الأمة أو على الأزواج الطاهرات كفضل الثريد على سائر الطعام قال الطيبي رحمه الله يعطف عائشة على آسية لكن أبرزه في صورة جملة مستقلة تنبيها على اختصاصها بما امتازت بها عن سائرهن نحوه في الأسلوب قوله حبب إلي من الدنيا ثلاث الطيب والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة قلت وسيأتي ما


يدل على خلاف ذلك مع أن لفظ ثلاث غير ثابت في الحديث قال التوربشتي رحمه الله قيل إنما مثل بالثريد لأنه أفضل طعام العرب ولا يرون في الشبع أغنى غناء منه وقيل إنهم كانوا يحمدون الثريد فيما طبخ بلحم وروي سيد الطعام اللحم فكأنها فضلت على النساء كفضل اللحم على سائر الأطعمة والسر فيه أن الثريد مع اللحم جامع بين الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤونة في المضغ وسرعة المرور في المريء فضرب به مثلا ليؤذن بأنها أعطيت مع حسن الخلق والخلق وحلاوة النطق فصاحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل والتحبب إلى البعل فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء إليها وحسبك أنها عقلت عن النبي ما لم تعقل غيرها من النساء وروت ما لم يرو مثلها من الرجال ومما يدل على أن الثريد أشهى الأطعمة عندهم وألذها قول الشاعر إذا ما الخبز تأدمه بلحم فذاك أمانة الله الثريد


وقد اختلفوا في التفضيل بين عائشة وخديجة وفاطمة قال الأكمل روي عن أبي حنيفة أن عائشة بعد خديجة أفضل نساء العالمين أقول فهذا يحتمل تساوي خديجة وعائشة لكون الأولى من العرفاء السوابق والثانية من الفضلاء اللواحق وقال الحافظ ابن حجر فاطمة أفضل من خديجة وعائشة بالإجماع ثم خديجة ثم عائشة وقال السيوطي رحمه الله في النقاية وشرحها ونعتقد أن أفضل النساء مريم وفاطمة روى الترمذي وصححه حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد عليه السلام وآسية امرأة فرعون وفي الصحيحين من حديث علي خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد وفي الصحيح فاطمة سيدة نساء هذه الأمة وروى النسائي عن حذيفة أن رسول الله قال هذا ملك من الملائكة استأذن ربه ليسلم علي ويبشرني أن حسنا وحسينا سيدا شباب أهل الجنة وأمهما سيدة نساء أهل الجنة وروى الحارث بن أبي أسامة مسنده بسند صحيح لكنه مرسل مريم خير نساء عالمها وفاطمة خير نساء عالمها ورواه الترمذي موصولا من حديث علي بلفظ خير نسائها مريم وخير نسائها فاطمة وفي الدر المنثور أخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال قال رسول الله سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمان بن أبي ليلى قال قال رسول الله فاطمة سيدة نساء العالمين بعد مريم ابنة عمران قال السيوطي وأفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة قال رسول الله كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية وخديجة وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وفي لفظ إلا ثلاث مريم وآسية وخديجة وفي التفضيل بينهما أقوال ثالثها لوقف قلت وصحح العماد بن كثير أن خديجة أفضل لما ثبت أنه قال لعائشة حين قالت قد رزقك الله خيرا منها فقال لا والله ما رزقني الله خيرا منها آمنت بي حين كذبني الناس وأعطتني مالها حين حرمني الناس وسئل ابن داوود فقال


عائشة أقرأها السلام النبي من جبريل وخديجة أقرأها السلام جبريل من ربها فهي أفضل على لسان محمد فقيل له فأي أفضل فاطمة أم أمها قال فاطمة بضعة النبي فلا نعدل بها أحدا وسئل السبكي فقال الذي نختاره وندين الله به أن فاطمة بنت محمد عليه السلام أفضل ثم أمها خديجة ثم عائشة ثم استدل لذلك وعن ابن العماد
أن خديجة أفضل من فاطمة باعتبار الأمومة لا السيادة والله تعالى أعلم متفق عليه وفي رواية الجامع تقديم آسية على مريم وزيادة وإن فضل عائشة الخ رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه وذكر حديث أنس يا خير البرية أي قال أعرابي للنبي يا خير البرية فقال ذاك إبراهيم وحديث أبي هريرة أي الناس أكرم تمامه فقال النبي أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا ليس عن هذا نسألك قال فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله الحديث قال شارح أي إذا لم تسألوني عن هذا فأكرم الناس في زمانه يوسف قلت أو في النسب والحسب كما يدل عليه تعداد آبائه وأجداده وحديث ابن عمر الكريم ابن الكريم تمامه ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم في باب المفاخرة والعصبية
الفصل الثاني


عن أبي رزين قال المؤلف هو لقيط بن عامر بن صبرة بفتح اللام وسكون القاف وصبرة بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة عقيلي صحابي مشهور عداده في الطائف روى عنه ابنه عاصم وابن عمر وغيرهما قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه لا شك أن المكان مع الزمان من جملة خلقه معدودان فلولا التأويل بحسب الإمكان لأول السؤال وآخره يتعارضان وسيجيء بيان كشف المعنى من الشراح الأعيان قال كان في عماء بفتح العين ممدودا أي في غيب هوية الذات بلا ظهور مظاهر الصفات كما عبر عنه بقوله تعالى كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف وفي قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات إشارة إليه ودلالة عليه على تفسير حبر الأمة أي ليعرفون قال الشيخ علاء الدولة في كتابه العروة فأثبت تجلي الذات أولا بقوله كنت كنزا مخفيا ثم تجليه بالصفة الأحدية بقوله أحببت أن أعرف ثانيا ثم تجليه


بالصفة الواحدية بقوله فخلقت الخلق لأعرف ثالثا وفي اصطلاحات الصوفية للكاشي العماء هي الحضرة الأحدية عندنا لأنه لا يعرفها أحد غيره فهو في حجاب الجلال أقول ولعله أراد بالأحدية أحدية الجمع فإنها بين غيب الغيوب وبين أحدية الصرفة فإنها بين أحدية الجمع وبين الواحدية وهذه البينونة بالنسبة إلى العلو والسفل وهذا القول هو الصحيح لأن العماء في اللغة غيم رقيق يحول بين السماء والأرض وكذلك الأحدية الصرفة حائلة بين سماء الذات وأرض الكثرة الأسمائية ثم قال هي الحضرة الواحدية التي هي منشأ الأسماء والصفات لأن العماء هو الغيم الرقيق والغيم هو الحائل بين السماء والأرض وهذه الحضرة الواحدية هي الحائلة بين سماء الأحدية الصرفة وبين أرض الكثرة الخلقية وقد جعل العارف الجامي شرحا على هذا الحديث الشريف فإن كنت تريد التحقيق فعليك بذلك التصنيف فقد علم كل أناس مشربهم وتبع كل فريق مذهبهم هذا وفي الفائق العماء هو السحاب الرقيق وقيل السحاب الكثيف المطبق وقيل شبه الدخان يركب رأس الجبال وعن الجرمي الضباب وفي النهاية العماء بالفتح والمد السحاب وفي القاموس هو السحاب المرتفع أو الكثيف أو المطر الرقيق أو الأسود أو الأبيض أو هو الذي هراق ماؤه ولا شك أن واحدا من هذه المعاني لا يناسب المقام التبياني إلا أن يقال إن السحاب كناية عن حجاب الجلال وهو عبارة عن حجاب الذات الباعث على سر الصفات المتعلقة بالعلويات والسفليات ولذا قال أبو عبيد لا يدري أحد من العلماء كيف كان ذلك العماء وفي رواية عمى بالقصر وهو ذهاب البصر فقيل هو كل أمر لا تدركه عقول بني آدم ولا يبلغ كنهه الوصف ولا يدركه الفطن قال الأزهري نحن نؤمن به ولا نكيفه بصفة أي نجري اللفظ على ما جاء عليه من غير تأويل مع التنزيه عما لا يجوز عليه من الحدوث والتبديل ما تحته هواء وما فوقه هواء ما نافية فيهما وفيه إشارة إلى ما سبق في الحديث كان الله ولم يكن معه شيء قال القاضي


المراد بالعماء ما لا تقبله الأوهام ولا تدركه العقول والأفهام عبر عن عدم المكان بما لا يدرك ولا يتوهم وعن عدم ما يحويه ويحيط به بالهواء فإنه يطلق ويراد به الخلاء الذي هو عبارة عن عدم الجسم ليكون أقرب إلى فهم السامع ويدل عليه أن السؤال عما خلق قبل أن يخلق خلقه فلو كان العماء أمرا موجودا لكان مخلوقا إذ ما من شيء سواه إلا وهو مخلوق خلقه وأبدعه فلم يكن الجواب طبق السؤال والله تعالى أعلم بالحال وقيل في الكلام حذف مضاف كما في قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله البقرة ونحوه فيكون التقدير أين كان عرش ربنا ويدل عليه قوله وخلق عرشه على الماء المطابق لقوله سبحانه وكان عرشه على الماء هود لأنه لو لم يكن السؤال عن العرش لما كان حاجة للتعرض إليه وقال الطيبي رحمه الله لم يفتقر إلى التقدير ولا بد لقوله في عماء بالمد من التأويل حتى يوافق الرواية الأخرى عمى مقصورا وما ورد في الصحاح عن عمران بن حصين كان الله ولم يكن


شيء قبله وكان عرشه على الماء وذلك أن قوله ما تحته هواء وما فوقه هواء جاء تتميما صونا لما يفهم من قوله في عماء من المكان فإن الغمام المتعارف محال أن يوجد بغير هواء فهو نظير قوله كلتا يديه يمين على ما سبق فالجواب من الأسلوب الحكيم سئل عن الإمكان فأجاب عن الإمكان يعني إن كان هذا مكانا فهو في مكان وهو ارشاد له في غاية من اللطف رواه الترمذي وقال قال يزيد بن هارون وهو أحد مشايخ شيوخ الترمذي من رواة هذا الحديث العماء أي يعني معناه ليس معه شيء وفيه إيماء إلى كلام بعض العارفين في هذا الشأن كان الله ولم يكن معه شيء والآن على ما هو عليه كان وإشارة إلى قوله تعالى كل من عليها فان وعن العباس بن عبد المطلب زعم أي نقل أنه أي العباس كان جالسا بالبطحاء أي في المحصب وهو موضع معروف بمكة فوق مقبرة المعلا وقد تطلق على مكة وأصل البطحاء على ما في القاموس مسيل واسع فيه دقاق الحصى في عصابة بكسر أوله أي مع جماعة من كفار مكة قال الطيبي رحمه الله استعمال زعم ونسبته إلى العباس رمز إلى أنه لم يكن حينئذ مسلما ولا تلك العصابة كانوا مسلمين يدل عليه قوله في البطحاء قلت وكان وجه دلالته عليه أنه كان غالبا مجتمع الكفار ومجمع رأيهم في تلك الدار ومن جملة ما اتفق مشايخ العرب عليه في ذلك المكان أنهم يهجرون بني هاشم ولا يبايعونهم ولا يشاورونهم ولا يناكحونهم ولا يجالسونهم حتى يتركوا نصرة محمد وحمايته كما هو في السير معروف ولذا لما حج النبي حجة الوداع نزل به عند نزوله من منى إشارة إلى ما من الله عليه بالغلبة على أعداء الدين وإيماء إلى إعلاء كلمة اليقين هذا وحديث أبي هريرة في الفصل الثالث مما يدل صريحا أن تلك العصابة كانوا مسلمين وأما زعم فكثيرا يستعمل بمعنى القول المحقق والله تعالى أعلم ورسول الله جالس فيهم أي حينئذ وهذا يحتمل أن يكون قبل القضية المذكورة أو بعد القصة المسطورة بعد ما وقع فيما بينهم من الهدنة فمرت


سحابة فنظروا إليها فقال رسول الله ما تسمون هذه ما استفهامية بمعنى التقرير وهو حمل المخاطب على الإقرار والمقصود التثبيت ضد الانكار
أي أي شيء تسمون هذه إشارة إلى السحابة وهو مفعول ثان لتسمون والأول لفظة ما قالوا السحاب بالنصب أن نسميه السحاب ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي السحاب والمعنى أن هذه واحدة من جملة جنس السحاب قال والمزن أي وتسمونها أيضا المزن قالوا والمزن أي نسميها أيضا ففي النهاية هو الغيم والسحاب واحدته مزنة وقيل هي السحابة البيضاء زاد البيضاوي وماؤه أبيض ومنه قوله تعالى أأنتم أنزلتموه من المزن الواقعة قال والعنان قالوا والعنان كسحاب زنة ومعنى من عن أي ظهر وفي النهاية الواحدة عنانة وقيل ما عن لك فيها أي اعترض وبدا لك إذا رفعت رأسك وحاصله أنه لما لاطفهم في الكلام وبين لهم معرفته بلغاتهم المختلفة في مقام المرام تدريجا بالانتقال من معلومهم إلى مجهولهم وترقيا من الخلق إلى الحق قال هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض أي ما مقدار بعد مسافة ما بينهما قالوا لا ندري قال إن بعد ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة الشك من الراوي كذا قيل وللتنويع لاختلاف أماكن الصاعد والهاوي وبهذا يظهر صحة ما قال الطيبي رحمه الله والمراد بالسبعون في الحديث التكثير لا التحديد لما ورد من أن ما بين السماء والأرض وبين سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام أي سنة والتكثير هذا أبلغ والمقام له أدعى والسماء بالرفع ويجوز النصب التي فوقها أي فوق سماء الدنيا كذلك أي في البعد حتى عد سبع سموات أي على هذه الهيئات ثم فوق السماء السابعة بحر أي عظيم بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك أي البحر ثمانية أوعال جمع وعل وهو العنز الوحشي ويقال له تيس شاة الجبل بين أظلافهن جمع ظلف بكسر الظاء المعجمة للبقر والشاة والظبي بمنزلة الحافر للدابة والخف للبعير ووركهن بفتح فكسر أي ما فوق أفخاذهن


مثل ما بين سماء إلى سماء قيل المراد بهن ملائكة على أشكال أوعال ويلائمه قوله ثم على ظهورهن العرش أي محمول كما قال تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم غافر بين أسفله أي العرش وأعلاه ما بين سماء إلى سماء أي من كثرة البعد مع قطع النظر عن الحد وإلا فجميع المخلوقات بجنب العرش كحلقة في فلاة على ما ورد به في حديث ثم الله أي وسعة علمه أو اتساع قدرته في ملكه فوق ذلك قال الطيبي رحمه الله أراد أن يشغلهم عن السفليات إلى العلويات والتفكر في ملكوت السموات والعرش ثم يترقوا إلى معرفة خالقهم ورازقهم ويستنكفوا عن عبادة الأصنام ولا يشركوا بالله الملك العلام فأخذ في الترقي من السحاب ثم من السموات ثم من


البحر ثم من الأوعال ثم من العرش إلى ذي العرش والفوقية بحسب العظمة لا المكان فالمعنى أنه علي الشأن عظيم البرهان وقال شارح أي فوق العرش حكما وعظمة واستيلاء رواه الترمذي وأبو داود وعن جبير بن مطعم قال أتى رسول الله أي جاءه أعرابي أي بدوي فقال جهدت الأنفس بصيغة المجهول من الجهد بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة والمعنى حملت فوق طاقتها وجاع العيال عيال الرجل بالكسر من يعوله ويمونه وينفق عليه من الزوجة والأولاد والعبيد وغير ذلك ونهكت بضم النون وكسر الهاء أي نقضت الأموال أي التي تنمو من الأمطار وهلكت الأنعام وهو جمع نعم محركة الإبل والبقر والغنم كما أخبر الله عنها بقوله ثمانية أزواج الأنعام فاستسق الله لنا أي فاطلب الله للسقي بالمطر من أجل معاشنا الذي هو زاد معادنا فإنا نستشفع أي نطلب الشفاعة بك أي بوجودك وحرمتك وبعظمتك على الله ونستشفع بالله أي نستجير ونستغيث به عليك في أن تشفع لنا عنده بأن يوفقك على مساعدتنا لكن لما كان ظاهر هذه العبارة موهما للتساوي في القدر أو التشارك في الأمر والحال أن الله سبحانه منزه عن الشرك مطلقا وقال تعالى ليس لك من الأمر شيء آل عمران وقال من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه البقرة وقال ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الأنبياء أنكر النبي واستعظم الأمر لديه وتعجب من هذه النسبة إليه فقال النبي سبحان الله أي تنزيها عن المشاركة سبحان الله كرره تأكيدا أو ذكر الثاني تعجبا وتعجيبا فما زال يسبح حتى عرف ذلك بصيغة المجهول أي حتى تبين أثر ذلك التغير في وجوه أصحابه لأنهم فهموا من تكرير تسبيحه أنه غضب من ذلك فخافوا من غضبه فتغيرت وجوههم خوفا من الله تعالى فلما أثر فيهم الخوف رق لهم وقطع التسبيح والتفت إليهم ثم قال ويحك بمعنى ويلك إلا أن الأول فيه معنى الشفقة عن المزلة والمزلقة والثاني دعا عليه بالهلكة والعقوبة والمعنى اعلم أيها المتكلم الجاهل في كلامه الغافل عن مرامه أنه أي الشأن


لا يستشفع بصيغة المجهول بالله على أحد شأن الله استئناف تعليل أي لأنه
شأنه العلي وبرهانه الجلي أعظم من ذلك أي من أن يستشفع به على أحد قال الطيبي يقال استشفعت بفلان على فلان ليشفع لي إليه فشفعه أجاب شفاعته ولما قيل إن الشفاعة هي الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عنه إلى ذي سلطان عظيم منع أن يستشفع بالله على أحد وقوله ذلك إشارة إلى أثر هيبة أو خوف استشعر من قوله سبحان الله تنزيها عما نسب إلى الله تعالى من الاستشفاع به على أحد وتكراره مرارا ويحك كرره تأكيدا لزجره وتبيينا لأمره أتدري ما الله أي عظمته التي تدل على عظمة ملكه وملكوته وسطوة كبريائه وجبروته إن عرشه على سمواته أي محيط بها من جميع جهاته لهكذا بفتح اللام الابتدائية دخلت على خبر أن تأكيدا للحكم وقال بأصابعه أي أشار بها وفعلا بيان للمشار إليه قولا مثل القبة عليه حال من العرش أي مماثلا لها على ما في جوفها قال الطيبي رحمه الله هو حال من المشار به وفي قال معنى الإشارة أي أشار بأصابعه إلى مشابهة الهيئة وهي الهيئة الحاصلة للأصابع الموضوع على الكف مثل حالة الإشارة وإنه أي العرش مع ما وصف به من المجد والكرم والسعة والعظمة ليئط بكسر الهمز وتشديد المهملة أي ليتضايق ويعجز عن القيام به أي بحق معرفته وعن سعة علمه وإحاطة عظمته حيث يئط لما يرتكبه ويرتعد مما يركبه من أعباء جلاله وهيبته أطيط الرحل بالراكب أي كعجز الرحل عن احتمال الراكب في النهاية أي أن العرش ليعجز عن حمله وعظمته إذ كان معلوما أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه وعجزه عن احتماله قال الخطابي هذا الكلام إذا أجري على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية والكيفية عن الله سبحانه وصفاته منفية فعلم أنه ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى في النفوس وإفهام السائل من حيث يدركه فهمه إذ كان أعرابيا جافيا لا علم


له بمعاني ما دق من الكلام وقرر بهذا التمثيل والتشبيه معنى عظمة الله وجلاله في نفس السائل وأن من يكون كذلك لا يجعل شفيعا إلى من هو دونه أقول ويمكن أن معنى يئط يصوت بالتسبيح والتنزيه من عظمة الله وآياته حيث تحير حملة العرش من معرفة ذاته وصفاته كصوت الرحل الجديد بالراكب الثقيل الشديد والله تعالى أعلم بالقول السديد رواه أبو داود وعن جابر بن عبد الله عن رسول قال أذن لي أن أحدث عن ملك أي عن وصف ملك عظيم من ملائكة الله أي المعظمين لقوله من حملة العرش فإنهم أقوى من غيرهم لأن المطايا على قدر العطايا أن بفتح الهمزة ويكسر ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقيه


ورواية الجامع بصيغة الإفراد فيهما مسيرة سبعمائة عام يعني فقس الباقي على هذا النظام رواه أبو داود وكذا الضياء وعن زرارة بن أوفى بضم الزاي قال المؤلف له صحبة مات في زمن عثمان بن عفان أن رسول الله قال لجبريل هل رأيت ربك فانتفض جبريل أي ارتعد ارتعادا شديدا من عظمة ذلك السؤال ومن هيبة ما سمع من المقال قيل فيه دليل على حقية رؤية الله تعالى في دار البقاء فإنه لو كانت مستحيلة ما سأل النبي لكن اختلف في أن الملائكة يرون الله تعالى أم لا ثم لما كان الرؤية غالبا تنبىء عن القربة فارتعد جبريل من الهيبة وقال يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور قال شارح وهو عبارة عن كمال الله تعالى ونقصان جبريل والحجاب من طرف جبريل اه والمعنى أن المحجوب مغلوب فهو صفة المخلوق والموصوف بنعت النقصان وأما الخالق ذو الجلال المنعوت بوصف الكمال فلا يحجبه شيء ولو من أنوار الجمال لو دنوت أي قربت قدر أنملة كما في رواية من بعضها أي من بعض جميع تلك الحجب النورانية على فرض المحال وإلا فما منا إلا له مقام معلوم لأحترقت أي من أثر ذلك النور الذي يغلب النار في الظهور فإن النار تقول جز يا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي فكيف بنور ربي وهو حسبي هكذا أي لفظ الحديث في المصابيح أي عن زرارة ورواه أبو نعيم في الحلية عن أنس إلا أنه أي أنسا لم يذكر فانتفض جبريل وفي الجامع برواية الطبراني في الأوسط عن أنس سألت جبريل هل ترى ربك قال إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور لو رأيت أدناها لاحترقت وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله إن الله خلق إسرافيل


منذ يوم خلقه بفتح الميم على الإضافة وفي نسخة بالجر منونا صافا بتشديد الفاء أي حال كون إسرافيل واقفا قدميه مفعول صافا واعلم أن منذ بضم الميم ويكسر وهو مبني على الضم ويليه اسم مجرور وحينئذ حرف جر بمعنى من في الماضي وبمعنى في في الحاضر وقال المظهر منذ ههنا حرف جر وهو بمعنى في وقال الطيبي رحمه الله صافا حال من إسرافيل لا من ضميره المنصوب ومنذ يوم ظرف لصافا وليس بمعنى في وقال الدار حديثي اتفقوا أن مذ ومنذ إنما يدخلان اسما الزمان ثم قالوا إن أريد ابتداء الزمان الماضي الذي انتهاؤه أنت فيه يكونان للابتداء نحو ما رأيته مذ يومين أو مذ سنة كذا أي انتفى الرؤية من ابتداء يومين أنا في آخرهما وليسا بمعنى في وإن قال به بعض لأن المفهوم منهما نفي الرؤية في أزمنة معينة أنت في آخرها مقصودا به ابتداؤها وانتهاؤها اه والمعنى أن الله خلق إسرافيل صافا قدميه من أول مدة خلقه لا يرفع بصره أي إلى السماء فوقه أدبا أو لا يرفع نظره عن اللوح المحفوظ خوفا بينه وبين الرب تبارك وتعالى سبعون نورا أي من أنوار الحجاب وأسرار الغياب وأستار النقاب حتى لا يعرفه غيره قال تعالى ولا يحيطون به علما طه ما منها أي ليس من السبعين من نور يدنو أي يقرب منه إسرافيل فرضا إلا احترق أي من ذلك النور الذي فوق طاقة نظر إسرافيل رواه الترمذي وصححه وعن جابر أن النبي قال لما خلق الله آدم وذريته أي يوم الميثاق أو بعده قالت الملائكة يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون بكسر الكاف أي يطؤون أو يتزوجون ويركبون أي على الدواب في البر وعلى السفن في البحر فاجعل لهم الدنيا أي بطريق الدوام والبقاء أو اجعل لهم الدنيا فقط ولنا الآخرة أي نعيمها لحرماننا عن الحظوظ المذكورة في الدنيا تعادلا بيننا قال الله تعالى لا أجعل من خلقته بيدي بصيغة التثنية وروي بالإفراد وقال الطيبي رحمه الله قوله لا أجعل يحتمل أن يكون نفيا لأجعل وأن تكون كلمة لا ردا لقولهم ثم


يبتدىء بالجملة الاستفهامية إنكارا عليهم وهو أبلغ يعني أكثر مبالغة أو بلاغة فإنه يدل على النفي مكررا وإن كان الأول هو الأظهر فتدبر والمعنى لا أجعل عاقبة من خلقته بغير واسطة على سبيل التدريج مركبا من معجون الكمال المشتمل على قابلية الهداية والضلال واستعداد مظهرية الجمال والجلال ونفخت فيه من روحي أي بعد تربية كمال جسده وتصويره شكلا كريما تشريفا له وتعظيما كمن قلت له كن أي بالخلق
الآتي فكان أي من غير التواني قال الطيبي رحمه الله أي لا يستوي في الكرامة من خلقته بنفسي ولا وكلت خلقه إلى أحد ونفخت فيه من روحي وهو آدم وأولاده مع من يكون بمجرد الأمر بقول كن وهو الملك وإضافة الروح إلى نفسه إضافة تشريف كقوله بيت الله وقال ابن الملك أي لا يستوي البشر والملك في الكرامة والقربة بل كرامة البشر أكثر ومنزلته أعلى وهذا من جملة ما يستدل به أهل السنة في تفضيل البشر على الملك أقول ووجهه والله تعالى أعلم أن الملك خلق معصوما فصار عن الجحيم ممنوعا وعن النعيم محروما والبشر خلق معجونا بالطاعة والمعصية ومبلوا بالعطية والبلية فمن قام بحقهما استحق الثواب في الدارين ومن أعرض عنهما استوجب العذاب في الكونين رواه البيهقي في شعب الإيمان
الفصل الثالث


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله المؤمن أي الكامل من الأنبياء أو الأولياء أكرم على الله من بعض ملائكته وهم خواصهم أو عوامهم من أهل الاصطفاء وقال الطيبي رحمه الله يراد بالمؤمن عوامهم وببعض الملائكة أيضا عوامهم قال محيي السنة رحمه الله في تفسير قوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم الإسراء الأولى أن يقال عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة قال تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية البينة ويستدل به أهل السنة في تفضيل الأنبياء على الملائكة اه ولا يخفى أن المراد بخواص المؤمنين الرسل والأنبياء وبخواص الملائكة نحو جبريل وميكائيل وإسرافيل وبعوام المؤمنين الكمل من الأولياء كالخلفاء وسائر العلماء وبعوام الملائكة سائرهم وهذا التفصيل أولى من إجمال بعضهم وفي قوله إن البشر أفضل من الملك بمعنى أن هذا الجنس لما وجد فيهم الكمل من الرسل أو الأكمل أفضل من هذا الجنس لعدم وجودهم فيهم فتأمل رواه ابن ماجه قلت وحديث المؤمن أعظم حرمة من الكعبة في ابن ماجه بسند عن ابن عمر إن النبي قال ونظر إلى الكعبة لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك وهو بعض حديث طويل


وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أخذ رسول الله بيدي إشارة إلى كمال قربه ودلالة على تمام حفظه ولعل في أخذ يده إيماء إلى تعداد أعداد الخمسة مع قطع النظر عن خلق آدم عليه الصلاة والسلام بعد الجمعة فإنه بمنزلة العلة الغائبة والفذلكة الإيمائية فقال خلق الله التربة أي التراب وهو الأرض يوم السبت وكأن المراد به آخر يومه المسمى بعشية الأحد فلها حكمة فلا ينافي قوله تعالى ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ق صلى الله عليه وسلم وخلق فيها الجبال يوم الأحد وهذا معنى قوله تعالى قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها فصلت و وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه أي جنسه يوم الثلاثاء بالمد قال عز وجل وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام فصلت أي في بقية الأربعة وخلق النور بالراء وفي نسخة بالنون في آخره قال الأكمل هو بالراء كما لمسلم ولغيره بالنون وهو الحوت ويجوز خلقهما في الأربعاء والنور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره اه والظاهر أن المراد بالنور هو نفسه وما فيه ظهوره فيناسب قوله تعالى ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم فصلت يوم الأربعاء بفتح الهمزة وكسر الموحدة ممدودا وفي القاموس مثلثة الباء ممدودة واعلم أن لفظ النور كذا في النسخ المصححة والأصول المعتمدة وبث فيها الدواب أي فرقها في الأرض بعد خلق أصولها يوم الخميس وهو لا ينافي ما سبق من أن قضاء سبع سموات وخلقهن في يومين وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق أي لكونه الفذلكة الإيمائية وبمنزلة العلة الغائية وآخر ساعة من النهار أي وفي آخر ساعة من نهار الجمعة ورواية الجامع في آخر الخلق في


آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل وهي الساعة المرجوة للإجابة في يوم الجمعة عند جماعة من الأئمة رواه مسلم وكذا أحمد في مسنده مرفوعا لكن قال ابن كثير في تفسيره ما ملخصه هو أن هذا الحديث من غرائب صحيح مسلم وقد تكلم فيه البخاري وغيره وجعلوه من كلام كعب الأحبار وأن أبا هريرة إنما سمعه من كعب وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعا والله أعلم
وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بينما نبي الله جالس وأصحابه أي معه جلوس إذ أتى أي مر عليهم سحاب وفي نسخة سحابة فقال نبي الله هل تدرون ما هذا أي السجاب قالوا الله ورسوله أعلم قال هذه أي السحابة فالتعبير بالتأنيث للوحدة وبالتذكير للجنس من باب التفنن العنان بفتح العين من عين أي ظهر كما سبق هذه روايا الأرض قيل التقدير بل هذه وهو غير ظاهر ففي النهاية سمي السحاب روايا البلاد والروايا من الإبل الحوامل للماء واحدتها راوية فشبهها به وبه سميت المزادة راوية وقيل بالعكس يسوقها الله أي يجرها أو يأمر بسوقها إلى قوم لا يشكرونه أي بل يكفرونه حيث ينسبون المطر إلى اقتران النجوم وافتراقها وغروبها وطلوعها ويقولون مطرنا بنوء كذا ولا يدعونه أي لا يذكرون الله ولا يطلبون منه ولا يعبدونه بل يعبدون الأصنام وهو بعميم كرمه يرزقهم ويعافيهم كسائر الأنام وباقي الأنعام ثم قال هل تدرون ما فوقكم أي من السماء قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها الرقيع وهو اسم لسماء الدنيا وقيل لكل سماء والجمع أرقعة سقف محفوظ وموج مكفوف أي ممنوع من الاسترسال والمعنى أن الله حفظها عن السقوط على الأرض وهي معلقة بلا عمد كالموج المكفوف ثم قال هل تدرون ما بينكم وبينها أي مقدار ما بين الأرض والسماء قالوا الله ورسوله أعلم قال بينكم وبينها خمسمائة عام أي مسيرتها ومسافتها ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك أي المحسوس أو المذكور من سماء الدنيا قالوا الله ورسوله أعلم قال سماءان أي سماء بعد


سماء بعد ما بينهما خمسمائة سنة ثم قال كذلك أي سماءان مرتين أخريين حتى عد سبع سموات أي أكمل عدد السبع منهن ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض أي كما بينهما من خمسمائة عام ففيه نوع تفنن في العبارة ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك أي المذكور قالوا الله ورسوله أعلم قال إن فوق ذلك بالنصب على أنه ظرف
وقع خبرا مقدما لإن وقوله العرش بالنصب على أنه اسم له وبينه وبين السماء أي السابعة بعد ما بين السماءين أي من السموات السبع ثم قال هل تدرون ما الذي تحتكم قالوا الله ورسوله أعلم قال إنها الأرض أي العليا ثم قال هل تدرون ما تحت ذلك أي المشار إليه قالوا الله ورسوله أعلم قال إن تحتها أرض أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة أي وهكذا ذكر أرضا بعد أخرى حتى عد سبع أرضين بفتح الراء وتسكن بين كل أرضين بالتثنية أي بين كل أرضين منها مسيرة خمسمائة سنة ثم قال والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بتشديد اللام المفتوحة من أدليت الدلو ودليتها إذا أرسلتها البئر ومنه قوله تعالى فأدلى دلوه يوسف على التجريد أو التأكيد والمعنى لو أرسلتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط بفتح الموحدة أي لنزل على الله أي على علمه وملكه كما صرح به الترمذي في كلامه الآتي والمعنى أنه تعالى محيط بعلمه وقدرته على سفليات ملكه كما في علويات ملكوته دفعا لما عسى يختلج في وهم من لا فهم له أن له اختصاصا بالعلو دون السفل ولهذا قيل كان معراج يونس عليه الصلاة والسلام في بطن الحوت كما أن معراج نبينا كان في ظهر السماء فالقرب بالنسبة إلى كل في مد الاستواء كما أخبر عن قربه لكل من العبيد بقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ق وإنما يتفاوت القرب المعنوي بالتشريف اللدني ومنه قرب الفرائض وقرب النوافل كما هو مقرر في محله ثم قرأ أي النبي استشهادا وأبو هريرة اعتضادا هو الأول أي القديم الذي ليس له ابتداء والآخر أي الباقي الذي ليس له انتهاء والظاهر أي بالصفات والباطن أي


بالذات وهو بكل شيء أي من العلويات والسفليات والجزئيات والكليات عليم أي بالغ في كمال العلم به محيط علمه بجوانبه رواه أحمد والترمذي وقال الترمذي قراءة رسول الله أي المذكورة تدل على أنه أراد لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه قال الطيبي رحمه الله أما علمه تعالى فهو من قوله وهو بكل شيء عليم وأما قدرته فمن قوله هو الأول والآخر أي هو الأول الذي يبدىء كل شيء ويخرجهم من العدم إلى الوجود والآخر الذي يفني كل شيء كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال


والإكرام الرحمان وأما سلطانه فمن قوله والظاهر والباطن قال الأزهري يقال ظهرت على فلان إذا غلبته والمعنى هو الغالب الذي يغلب ولا يغلب ويتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء أو ليس فوقه أحد يمنعه والباطن هو الذي لا ملجأ ولا منجى دونه ثم قال الترمذي وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان أي يستوي فيه العلويات والسفليات وما بينهما كما أن هذه الصفات موجودة في كل زمان بل قبل أن يخلق الزمان والمكان وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه قال الطيبي رحمه الله الكاف في كما منصوب على المصدر أي هو مستو على العرش استواء مثل ما وصف نفسه به في كتابه وهو مستأثر بعلمه باستوائه عليه وفي قول الترمذي اشعارا إلى أنه لا بد لقوله لهبط على الله من هذا التأويل المذكور ولقوله على العرش استوى طه من تفويض علمه إليه تعالى والإمساك عن تأويله كما سبق أن بعضا من خلاف الظاهر يحتاج إلى التأويل ومنها ما لا يجوز الخوض فيه وعنه أن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال كان طول آدم عليه الصلاة والسلام ستين ذراعا في سبع أذرع عرضا قال الحافظ ابن حجر يحتمل أن يريد بقدر ذراع نفسه وأن يريد بقدر الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين والأول أظهر لأن ذراع كل أحد بقدر مرفقه فلو كان بالذراع المتعارف لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده والله أعلم أقول في القاموس الذراع بالكسر من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد وقد تذكر فيهما جمعه أذرع أي بفتح الهمز وضم الراء وقد تقدم في الحديث المتفق عليه أن الله تعالى خلق آدم وطوله ستون ذراعا فالأولى أن يقال المراد بالذراع طولا هو المتعارف المتبادر إلى الفهم الذي يحصل به العلم والمراد به عرضا ذراعه باعتبار يده وبه يحصل الجمع ويرتفع الدور الذي هو في مرتبة المنع وعن أبي ذر قال قلت يا رسول الله أي الأنبياء أي أي فرد منهم كان أول بالنصب أي أسبق قال آدم بالرفع على تقدير هو قلت يا رسول


الله ونبي كان قال الطيبي رحمه الله لا بد فيه من تقدير همزة الاستفهام للتقرير لما قال أولا أي الأنبياء وأجي
بقوله آدم أي أو هو نبي كان قال نعم نبي ذكر نبي بعد قوله نعم لينيط به قوله مكلم أي لم يكن نبيا فقط بل كان نبيا مكلما أنزل عليه الصحف قلت يا رسول الله كم المرسلون الكشاف في قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الحج هذا دليل بين على تغاير الرسول والنبي والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله اه والمشهور في الفرق بينهما أن الرسول من أمر بالتبليغ والنبي أعم والله تعالى أعلم قال ثلاثمائة وبضعة عشر أبهم العدد إشعارا بعدم الجزم كيلا يزيد أو ينقص في الحد جما غفيرا أي جمعا كثيرا وفي النهاية أي مجتمعين كثيرين وأصل الكلمة من الجموم والجمة وهو الاجتماع والكثرة والغفير من الغفر وهو التغطية والستر فجعلت الكلمتان في موضع الشمول والإحاطة ولم تقل العرب الجماء إلا موصوفة وهو منصوب على المصدر كطرا وقاطبة فإنها أسماء وضعت موضع المصدر وفي رواية عن أبي أمامة الظاهر أن المراد به ليس أبا أمامة الباهلي فإنه صحابي جليل بل هو أبو أمامة سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي ولد على عهد النبي قبل وفاته بعامين ولم يسمع منه شيئا لصغره ولذلك قد ذكره بعضهم في الذين بعد الصحابة وأثبته ابن عبد البر في جملة الصحابة ثم قال وهو أحد الأجلة من العلماء من كبار التابعين بالمدينة سمع أباه وأبا سعيد وغيرهما روى عنه نفر مات سنة مائة وله اثنان وتسعون سنة كذا ذكره المؤلف قال أبو ذر قلت يا رسول الله كم وفاء عد الأنبياء أي كم كمال عددهم قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر جما غفيرا العدد في هذا الحديث وإن كان مجزوما به لكنه ليس بمقطوع فيجب الإيمان بالأنبياء والرسل مجملا من غير حصر في


عدد لئلا يخرج أحد منهم ولا يدخل أحد من غيرهم فيهم وعن ابن عباس قال قال رسول الله ليس الخبر كالمعاينة أن الله تعالى استئناف فيه معنى التعليل والمعنى لأنه سبحانه أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح أي لعدم تأثير الخبر فيه تأثيرا زائدا باعثا على الغضب الموجب للإلقاء فلما
عاين ما صنعوا ألقى الألواح أي غضبا لله على قومه لمخالفة دينه فانكسرت أي الألواح من شدة إلقائه الدالة على كثرة غضبه ثم في إلقائها إيماء بأنها إنما تنفع لأهل الإيمان فإذا اختاروا الكفر والطغيان لم يبق فائدة في إبقائها لكن الظاهر أن ما فات شيء مهم من كسرها قال الطيبي قوله إن الله الخ استشهاد وتقرير لمعنى قوله ليس الخبر كالمعاينة فإنه تعالى لما قال إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري طه عند نزول ألواح التوراة عليه لم يلق الألواح ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه الأعراف روى الأحاديث الثلاثة أحمد ووافقه الطبراني في الأوسط والحاكم في مستدركه عن ابن عباس وروى الطبراني صدر الحديث فقط وهو قوله ليس الخبر كالمعاينة عن أنس وكذا الخطيب عن أبي هريرة