Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب الفضائل والشمائل

باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه
اعلم أن تفصيل فضائله وتحصيل شمائله شرف وكرم مما لا يحد ولا يحصى بل ولا يمكن أن يعد ويستقصى وإنما ذكر مؤلف الكتاب في هذا الباب شمة من شمائله ولمة من فضائله تدل على بقية خصائله
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله بعثت أي ولدت من خير قرون بني آدم اعلم أن معنى الخيرية في هذا الحديث والاصطفائية في الذي يليه المذكورتين في حق القبائل ليس باعتبار الديانة بل باعتبار الخصائل الحميدة والشمائل السعيدة قرنا فقرنا قيل إنه حال للتفضيل والفاء فيه للترتيب في الفضل على سبيل الترقي من القرن السابق إلى القرن اللاحق ويدل عليه قوله حتى كنت أي صرت من القرن الذي كنت منه أي وجدت والقرن من الناس أهل زمان واحد وقد قال خير القرون قرني وفي شرح السنة القرن كل طبقة مقترنين في وقت قيل سمي قرنا لأنه يقرن أمة بأمة وعالما بعالم وهو مصدر قرنت أي وصلت وجعل اسما للوقت أو لأهله وقيل القرن ثمانون سنة وقيل أربعون وقيل مائة اه والقول الأول هو المراد هنا فالمعنى بعثت من خير


طبقات بني آدم كائنين طبقة بعد طبقة حتى كنت من القرن الذي كنت فيه ففيه تفضيله على غيره من بني آدم وعلى تفضيل أمته على سائر الأمم قال الطيبي قوله حتى كنت غاية قوله بعثت والمراد بالبعث تقلبه في أصلاب الآباء أبا فأبا قرنا فقرنا حتى ظهر في القرن الذي وجد فيه يعني انتقلت أولا من صلب ولد إسماعيل ثم من كنانة ثم من قريش ثم من بني هاشم فالفاء في قوله قرنا فقرنا للترتيب على سبيل الترقي من الآباء الأبعد إلى الأقرب فالأقرب كما في قولك خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن والأجمل وفي معناه أنشد ابن الرومي كم من أب قد علا بابن ذرى شرف كما علا برسول الله عدنان وفي قولنا حتى ظهر في القرن الذي وجد في نسخته لما روى الإمام ابن الجوزي في كتاب الوفاء عن كعب الأحبار قال لما أراد الله عز وجل أن يخلق محمدا أمر جبريل عليه السلام فأتاه بالقبضة البيضاء التي هي موضع قبر رسول الله فعجنت بماء التسنيم فغمست في أنهار الجنة وطيفها في السموات فعرفت الملائكة محمدا قبل أن يعرف آدم ثم كان نور محمد يرى في غرة جبهة آدم وقيل له يا آدم هذا سيد ولدك من المرسلين فلما حملت حواء بشيث انتقل النور من آدم إلى حواء وكانت تلد في كل بطن ولدين ولدين إلا شيئا فإنه ولدته وحده كرامة لمحمد ثم لم يزل ينتقل من طاهر إلى طاهر إلى أن ولدته آمنة من عبد الله بن عبد المطلب اه وقد ذكرت مجملا من أحوال ولادته في رسالة سميتها بالمورد في المولد رواه البخاري وعن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله يقول إن الله اصطفى كنانة بكسر الكاف ابن خزيمة أبو قبيلة كذا في القاموس من ولد إسماعيل بفتح الواو واللام وبالضم والسكون أي من أولاده واصطفى قريشا من كنانة وهم أولاد نضر بن كنانة كانوا تفرقوا في البلاد فجمعهم قصي بن كلاب في مكة فسموا قريشا لأنه قرشهم أي جمعهم ولكنانة ولد سوى النضر وهم لا يسمون قريشا لأنهم لم يقرشوا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني


هاشم في شرح السنة هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر
بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن النضر بن نزار بن معد بن عدنان ولا يصح حفظ النسب فوق عدنان اه وقد ضبطت الأسماء المذكورة في رسالتي المسماة المسطورة رواه مسلم وكذا الترمذي على ما في الجامع وفي رواية للترمذي أي عن واثلة أيضا إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة وتمام الحديث على ما في الجامع واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله أنا سيد ولد آدم يوم القيامة في شرح مسلم للنووي قال الهروي السيد هو الذي يفوق قومه في الخير وقال غيره هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمورهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم والتقييد بيوم القيامة مع أنه في الدنيا والآخرة معناه أنه يظهر يوم القيامة سؤدده بلا منازع ولا معاند بخلاف الدنيا فقد نازعه فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين وهو قريب من معنى قوله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار غافر مع أن الملك له قبل ذلك لكن كان في الدنيا من يدعي الملك أو من يضاف إليه مجازا فانقطع كل ذلك في الآخرة وفي الحديث دليل على فضله على كل الخلق لأن مذهب أهل السنة أن الآدمي أفضل من الملائكة وهو أفضل الآدميين بهذا الحديث وغيره وأما الحديث الآخر لا تفضلوني بين الأنبياء فجوابه من خمسة أوجه أحدها أنه قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم والثاني قاله أدبا وتواضعا والثالث أن المنهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول والرابع إنما نهي عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة والخامس أن النهي مختص بالتفضيل في النبوة نفسها ولا تفاضل فيها وإنما التفاضل في الخصائص وفضائل أخرى ولا بد من اعتقاد التفضيل فقد قال


تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض البقرة وقد قال أيضا ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض
الإسراء وأول من ينشق عنه القبر أي فهو أول من يبعث من قبره ويحضر في المحشر كما رواه الترمذي عن أنس أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا لواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر وفي رواية للترمذي والحاكم عن ابن عمر أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة وفي رواية للترمذي عن أبي هريرة أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري وأول شافع أي في ذلك المحضر وأول مشفع بتشديد الفاء المفتوحة أي أول من تقبل شفاعته على الإطلاق في أنواع الشفاعات وفيه دليل أيضا على أنه أفضل المخلوقات وأكمل الموجودات رواه مسلم وكذا أبو داود وفي رواية أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله أنا أكثر الأنبياء تبعا بفتحتين جمع تابع أي اتباعا يوم القيامة لأن أمته ثلثا أهل الجنة على ما سبق في الحديث وفيه إشعار بأن أكثرية الأتباع توجب أفضلية المتبوع وكذلك الإمام عاصم من بين القراء فأبو حنيفة رحمه الله له حظ عظيم ونصيب جسيم من ذلك فإن غالب أهل الإسلام من أتباعه في فروع الأحكام وأنا أول من يقرع بفتح الراء أي يدق ويستفتح باب الجنة أي فيفتح له فيدخلها رواه مسلم وروى ابن النجار عن أنس أيضا أنا أول من يدق باب الجنة فلم تسمع الآذان أحسن من طنين الحلق على تلك المصاريع وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله آتي أي أجيء باب الجنة


يوم القيامة فأستفتح أي أطلب فتحه فيقول الخازن من أنت سمي الموكل بحفظ الجنة خازنا لأن الجنة خزانة الله تعالى أعدها الله للمؤمنين وهو حافظها فأقول محمد أي أنا محمد فيقول بك أي بفتح الباب لك قبل غيرك من الأنبياء أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك قال الطيبي بك متعلق بأمرت والباء للسببية قدمت للتخصيص والمعنى بسببك أمرت أن لا أفتح لغيرك لا بشيء آخر ويجوز أن يكون صلة للفعل وأن لا أفتح بدلا من الضمير المجرور أي أمرت أن لا أفتح لأحد غيرك رواه مسلم وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله أنا أول شفيع في الجنة قال المظهر أي أنا أول شافع للعصاة من أمتي في دخول الجنة وقيل أي أنا أول شافع في الجنة لرفع درجات الناس فيها لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت ما مصدرية أي لم يصدق نبي تصديقا مثل تصديق أمتي إياي يعني به كثرة مصدقيه قال المظهر وهذا كناية عن أنه أكثر الأنبياء أمة ويؤيده قوله وإن من الأنبياء نبيا ما صدقه من أمته إلا رجل واحد رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله مثلي أي صفتي العجيبة الشأن الغريبة البرهان ومثل الأنبياء أي من الإخوان المشتركين في أساس البنيان من التوحيد وتحقيق الإيمان وتدقيق الإيقان مما يوجب مرتبة القرب والإحسان كمثل قصر أي بناء مرتفع أحسن بنيانه أي زين بناء أركانه ترك منه أي من القصر موضع لبنة والجملة استئناف بيان أو حال بتقدير قد أو بدونه فطاف به النظار بضم النون وتشديد الظاء المعجمة أي دار به الحاضرون وتفرج في جوانبه الناظرون يتعجبون من حسن بنيانه أي يستحسنون أنواع أركانه إلا موضع تلك اللبنة فإنه خارج عن موضع الاستحسان داخل في


موضع الاستغراب في ذلك الشأن فكنت أي فصرت أنا ضمير فصل للتأكيد وإفادة الحصر على وجه التأبيد سددت موضع اللبنة أي لكوني خاتم النبيين ختم بي البنيان حال أو استئناف بيان والمراد به بنيان الدين المشبه بذلك البنيان وختم بي الرسل الظاهر أنهم هنا بمعنى الأنبياء إما على القول بالترادف أو باعتبار التجريد لأن الرسول نبي أمر بالتبليغ ويدل عليه قوله وفي رواية فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين بكسر التاء ويفتح فيه إيماء إلى ما ورد عنه بعثت لأتمم مكارم الأخلاق قال الطيبي هذا من التشبيه التمثيلي شبه الأنبياء وما بعثوا به من الهدى والعلم وإرشادهم الناس إلى مكارم الأخلاق بقصر شيد بنيانه وأحسن بناؤه لكن ترك منه ما يصلحه وما يسد خلله من اللبنة فبعث نبينا لسد ذلك الخلل مع مشاركته إياهم في تأسيس القواعد ورفع البنيان هذا على أن يكون الاستثناء منقطعا ويجوز أن يكون متصلا من حيث المعنى إذ حاصل المعنى تعجبهم المواضع إلا موضع تلك اللبنة وليس ذلك المصلح إلا ما اختص به من معنى المحبة وحق الحقيقة الذي يعتنيه أهل العرفان وقوله أنا سددت موضع اللبنة يحتمل أن يكون هو الساد بلبنة ذلك الموضع وأن يسده بنفسه ويكون بمنزلة اللبنة ويؤيد هذه الرواية الأخرى من قوله فأنا اللبنة متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ما من الأنبياء من نبي زيد من الثانية للمبالغة والأولى للتبعيض والمعنى ليس نبي من الأنبياء إلا قد وفي الجامع إلا وقد أعطي من الآيات أي المعجزات وخوارق العادات ومن بيان لما في قوله ما مثله آمن عليه البشر وهي موصولة ومثله مبتدأ وآمن خبره وعليه يتعلق بآمن لتضمنه معنى الاطلاع كأنه قال آمن للاطلاع عليه البشر أو بحال محذوف أي آمن البشر واقفا أو مطلعا عليه والمفعول محذوف والمعنى أن كل نبي قد أعطي من المعجزات ما إذا شوهد واطلع عليه دعا الشاهد إلى تصديقه فإذا انقطع زمانه انقطعت تلك المعجزة هذا


خلاصة كلام بعض الشراح من علمائنا وقال الطيبي من فيه بيانية ومن الثانية زائدة تزاد بعد النفي وما في ما مثله موصولة وقعت مفعولا ثانيا لأعطي ومثله مبتدأ وآمن خبره والجملة صلة الموصول والراجع إلى الموصول ضمير المجرور في عليه وهو حال أي مغلوبا عليه في
التحدي والمباراة والمراد بالآيات المعجزات وموقع المثل هنا موقعه في قوله تعالى فأتوا بسورة من مثله البقرة أي مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم يعني ليس نبي من الأنبياء إلا قد أعطاه الله تعالى من المعجزات الدالة على نبوته الشيء الذي من صفته أنه إذا شوهد اضطر الشاهد إلى الإيمان به وتحريره أن كل نبي اختص بما يثبت دعواه من خارق العادات بحسب زمانه فإذا انقطع زمانه انقطعت تلك المعجزة كقلب العصا ثعبانا في زمان موسى عليه السلام وإخراج اليد البيضاء لأن الغلبة في زمنه للسحر فأتاهم بما هو فوق السحر واضطرهم إلى الإيمان وفي زمن عيسى عليه السلام الطب فأتاهم بما هو أعلى من الطب وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفي زمن رسولنا البلاغة والفصاحة فجاء القرآن وأبطل الكل اه وفيه تأمل من جهة قوله أبطل الكل فالصواب أن يقال فجاء القرآن معجزة مشتهرة دائمة إلى انقراض الزمان بل أبد الآباد لما يتلى في درجات الجنان بل يسمع من كلام الرحمان وهذا معنى قوله وإنما كان الذي أوتيت وفي الجامع أوتيته والموصول صفة لمحذوف أي كان خرق العادة الذي أعطيته بالخصوص وحيا أي كلاما منزلا علي نزل به الروح الأمين أوحى الله إلي أي لا غيره فالمراد بالوحي هنا القرآن الذي هو في نفسه دعوة وفي نظمه معجزة وهو لا ينقرض بموته كما تنقرض معجزات غيره قال القاضي وغيره أي معظم الذي أوتيت وأفيده إذ كان له غير ذلك معجزات من جنس ما أوتيه غيره والمراد بالوحي القرآن البالغ أقصى غاية الإعجاز في النظم والمعنى وهو أكثر فائدة وأعم منفعة من سائر المعجزات فإنه يشتمل على الدعوات


والحجة ويستمر على مر الدهور والأعصار وينتفع به الحاضرون عند الوحي المشاهدون له والغائبون عنه والموجودون بعده إلى يوم القيامة على السواء ولذلك رتب عليه قوله فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة وقد حقق الله رجاءه كما تقدم والله أعلم متفق عليه ورواه أحمد وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله أعطيت خمسا أي من الخصائل والفضائل لم يعطهن أحد قبلي أي من الأنبياء فمن المحال أن يعطى أحد بعده من الأولياء نصرت أي نصرني ربي على أعدائي بالرعب بضم فسكون وبضمتين أي بخوف العدو مني مسيرة شهر أي في قدر مسيرة شهر بيني وبينه من قدام أو وراء وفي


شرح الطيبي الرعب الفزع والخوف وقد أوقع الله تعالى في قلوب أعداء النبي الخوف منه فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوا وفزعوا منه وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا في شرح السنة أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم وأباح الله عز وجل لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا تخفيفا عليهم وتيسيرا ثم خص من جميع المواضع الحمام والمقبرة والمكان النجس وقوله طهورا أراد به التيمم اه وفي الحمام والمقبرة تفصيل قدمناه وقيل معناه أنهم كانوا لا يصلون إلا فيما تيقنوا طهارته من الأرض وخصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا فيما تيقنا نجاسته ثم صرح بعموم هذا الحكم وفرع على ما قبله بقوله فأيما رجل أي شخص من أمتي أدركته الصلاة أي وجبت عليه ودخل وقتها في أي موضع فليصل أي في ذلك الموضع بشروطه المعتبرة في صحة الصلاة وأحلت لي المغانم أي الغنائم وهي الأموال المأخوذة من الكفار ولم تحل وفي نسخة بصيغة المجهول أي لم تبح الغنائم لأحد قبلي أي من الأنبياء بل غنائمهم توضع فتأتي نار تحرقها هكذا أطلقه بعض الشراح من علمائنا وقال ابن الملك أي من قبلنا من الأمم إذا غنموا الحيوانات يكون ملكا للغانمين دون الأنبياء فخص نبينا بأخذ الخمس والصفي وإذا غنموا غيرها جمعوه فتأتي نار فتحرقه أقول ولعل الحكمة في إحراق الغنيمة تحصيل تحسين النية وتزيين الطوية في مرتبة الإخلاص في الجهاد والله أعلم بالعباد ورؤوف بالعباد وأعطيت الشفاعة أل فيه للعهد أي الشفاعة العامة للإراحة من المحشر المعبر عنها بالمقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون وكان النبي اللام فيه للاستغراق أي وكان كل نبي من قبلي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس أي إلى أقوام مختلفة منهم غير مختص بقوم من العرب عامة أي شاملة للعرب والعجم قال الطيبي التعريف في النبي لاستغراق الجنس وهو أشمل من لو جمع لما تقرر في علم المعاني أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع


لأن الجنسية في المفرد قائمة في وجدانه فلا يخرج منه شيء وفي الجمع فيما فيه الجنسية من الجموع فيخرج منه واحد أو إثنان على الخلاف في أن أقل الجمع اثنان أو ثلاثة اه وقيل اللام فيه للجنس عند النحويين وللعهد عند الأصوليين وهو لبيان الماهية المتعلقة بالذهن لا لتعيين الذات وتلك الماهية هي النبوة متفق عليه ورواه النسائي وفي رواية أحمد عن علي كرم الله وجهه أعطيت ما لم يعطه أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض وسميت أحمد وجعل لي التراب طهورا وجعلت أمتي خير الأمم وروى الحرث وابن مردويه عن أنس ولفظه أعطيت ثلاث خصال أعطيت صلاة في الصفوف وأعطيت السلام وهو تحية أهل الجنة وأعطيت آمين ولم يعطها أحد ممن


كان قبلكم إلا أن يكون الله أعطاها هارون فإن موسى كان يدعو ويؤمن هارون وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال فضلت على الأنبياء بست قال التوربشتي وفي حديث جابر بخمس وليس هذا باختلاف تضاد وإنما هو اختلاف زمان يكون فيه حديث الخمس متقدما وذلك أنه أعطيها فحدث به ثم زيد له السادسة فأخبر عن ست قال ابن الملك فإن قلت هذا إنما يتم لو ثبت تأخر الدال على الزيادة قلت إن ثبت فلا كلام وإلا فيحمل على أنه إخبار عن زيادتها في المستقبل عبر عنه بالماضي تحقيقا لوقوعه اه وقال صاحب الخلاصة ويجوز أن يكون ذكر الخمس أو الست لمناسبة المقام وحينئذ جاز أن يكون سبعا كما إذا ضمت الشفاعة إلى هذه الست قلت ويجوز أن تكون زائدة على السبع لما سيأتي ولما تقدم والله أعلم أعطيت جوامع الكلم أي قوة إيجاز في اللفظ مع بسط في المعنى فأبين بالكلمات اليسيرة المعاني الكثيرة وقد جمعت أربعين حديثا من الجوامع الواردة على الكلمتين اللتين هما أقل مما يتصور منه تركب الكلام ويتأتى منه إسناد المرام نحو قوله عليه السلام العدة دين والمستشار مؤتمن و لا تغضب وأمثال ذلك وقد روى أبو يعلى في مسنده عن عمر رضي الله عنه أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا وفي شرح السنة قيل جوامع الكلم هي القرآن جمع الله سبحانه بلطفه معاني كثيرة في ألفاظ يسيرة وقيل إيجاز الكلام في إشباع من المعنى فالكلمة القليلة الحروف منها تتضمن كثيرا من المعاني وأنواعا من الكلام ونصرت بالرعب أطلقه هنا وقيد غايته فيما سبق بمسيرة شهر وأحلت لي أي لأجلي على أمتي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة أي إلى الموجودات بأسرها عامة من الجن والانس والملك والحيوانات والجمادات كما بينته في الصلوات العلية على الصلوات المحمدية قال الطيبي يجوز أن يكون كافة مصدرا أي أرسلت رسالة عامة لهم محيط بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد وأن يكون حالا


إما من الفاعل والتاء على هذا للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإما من المجرور أي مجموعين وختم بي النبيون أي وجودهم فلا يحدث بعدي نبي ولا يشكل بنزول عيسى عليه السلام وترويج دين نبينا على أتم النظام وكفى به شهيدا شرفا وناهيك به فضلا على
سائر الأنام قال الطيبي أغلق باب الوحي وقطع طريق الرسالة وسد وأخبر باستغناء الناس عن الرسل وإظهار الدعوة بعد تصحيح الحجة وتكميل الدين كما قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم المائدة وأما باب الإلهام فلا ينسد وهو مدد يعين النفوس الكاملة فلا ينقطع لدوام ضرورة حاجتها إلى تأكيد وتجريد وتذكير وكما أن الناس استغنوا عن الرسالة والدعوة احتاجوا إلى التذكير والتنبيه لاستغراقهم في الوساوس وانهماكهم في الشهوات فالله تعالى أغلق باب الوحي بحكمته وفتح باب الإلهام برحمته لطفا منه بعباده رواه مسلم وكذا الترمذي وفي رواية الطبراني عن السائب بن يزيد فضلت على الأنبياء بخمس بعثت إلى الناس كافة وادخرت شفاعتي لأمتي ونصرت بالرعب شهرا أمامي وشهرا خلفي وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وفي رواية البيهقي عن أبي أمامة فضلت بأربع جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ما يصلي عليه وجد الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الناس كافة ونصرت بالرعب من مسيرة شهرين يسير بين يدي وأحلت لي الغنائم وفي رواية الطبراني عن أبي الدرداء فضلت بأربع جعلت أنا وأمتي في الصلاة كما تصف الملائكة وجعل الصعيد لي وضوءا وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم فبعض الأحاديث وإن دل بمنطوقه على أنه مخصوص من عند الله تعالى بفضائل معدودة لكن لا يدل مفهومه على حصر فضائله فيها فإن فضائله غير منحصرة وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي في النهاية أراد ما سهل


الله تعالى له ولأمته من افتتاح البلاد المتعددات واستخراج الكنوز المتنوعات اه أو المراد منه معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة وسائر الفلزات متفق عليه ورواه النسائي وعن ثوبان وهو مولى النبي قال قال رسول الله إن الله زوى لي
الأرض أي جمعها لأجلي قال التوربشتي زويت الشيء جمعته وقبضته يريد به تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب منها وحاصله أنه طوى له الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة نظره ولقد قال فرأيت مشارقها ومغاربها أي جميعها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها قال الخطابي توهم بعض الناس أن من في منها للتبعيض وليس ذلك كما توهمه بل هي للتفصيل للجملة المتقدمة والتفصيل لا يناقض الجملة ومعناه أن الأرض زويت لي جملتها مرة واحدة فرأيت مشارقها ومغاربها ثم هي تفتح لأمتي جزءا فجزءا حتى يصل ملك أمتي إلى كل أجزائها أقول ولعل وجه من قال بالتبعيض هو أن ملك هذه الأمة ما بلغ جميع الأرض فالمراد بالأرض أرض الإسلام وإن ضمير منها راجع إليها على سبيل الاستخدام والله أعلم بالمرام وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض بدلان مما قبلهما أي كنز الذهب والفضة قال التوربشتي يريد بالأحمر والأبيض خزائن كسرى وقيصر وذلك أن الغالب على نقود ممالك كسرى الدنانير والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة أي بقحط شائع لجميع بلاد المسلمين قال الطيبي السنة القحط والجدب وهي من الأسماء الغالبة وأن لا يسلط عليهم عدوا وهم الكفار وقوله من سوى أنفسهم صفة عدوا أي كائنا من سوى أنفسهم وإنما قيده بهذا القيد لما سأل أولا ذلك فمنع على ما يأتي في الحديث الآتي فيستبيح أي العدو وهو مما يستوي فيه الجمع والمفرد بيضتهم قال ابن الملك أي يجعلها مباحة وقال شارح أي يستأصل مجتمعهم وقال الطيبي أراد بالبيضة أي مجتمعهم موضع سلطانهم ومستقر دعوتهم وبيضة الدار وسطها ومعظمها أراد عدوا يستأصلهم


ويهلكهم جميعهم وقيل أراد إذا هلك أصل البيضة كان هلاك كلها فيه من طعم أو فرخ وإذا لم يهلك أصل البيضة بما سلم بعض فراخها والنفي منصب على السبب والمسبب معا فيفهم منه أنه قد يسلط عليهم عدو لكن لا يستأصل شأفتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء أي حكمت حكما مبرما فإنه لا يرد أي بشيء بخلاف الحكم المعلق بشرط وجود شيء أو عدمه كما حقق في باب الدعاء ورد البلاء وإني أعطيتك أي عهدي وميثاقي لأمتك أي لأجل أمة إجابتك أن لا أهلكهم بسنة عامة أي بحيث يعمهم القحط ويهلكهم بالكلية قال الطيبي اللام في لأمتك هي التي في قوله سابقا سألت ربي لأمتي أي أعطيت سؤالك لدعائك لأمتك والكاف هو المفعول الأول وقوله أن لا أهلكهم المفعول الثاني كما هو في قوله سألت ربي أن لا يهلكها هو المفعول الثاني وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من أي الذين هم بأقطارها أي بأطرافها جمع قطر وهو الجانب والناحية


والمعنى فلا يستبيح عدو من الكفار بيضتهم ولو اجتمع على محاربتهم من أطراف بيضتهم وجواب لو ما يدل عليه قوله وأن لا أسلط حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي كيرمي بالرفع عطف على يهلك أي ويأسر بعضهم بوضع الظاهر موضع المضمر بعضا أي بعضا آخر وفي نسخة بالنصب على أن يكون عطفا على يكون قال الطيبي حتى بمعنى كي أي لكي يكون بعض أمتك يهلك بعضا فقوله إني إذا قضيت قضاء فلا يرد توطئة لهذا المعنى ويدل عليه حديث خباب بن الأرت قال قال رسول الله إني سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطاني وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها قال المظهر اعلم أن لله تعالى في خلقه قضاءين مبرما ومعلقا بفعل كما قال إن فعل الشيء الفلاني كان كذا وكذا وإن لم يفعله فلا يكون كذا وكذا من قبيل ما يتطرق إليه المحو والإثبات كما قال تعالى في محكم كتابه يمحو الله ما يشاء ويثبت الرعد وأما القضاء المبرم فهو عبارة عما قدره سبحانه في الأزل من غير أن يعلقه بفعل فهو في الوقوع نافذ غاية النفاذ بحيث لا يتغير بحال ولا يتوقف على المقضي عليه ولا المقضي له لأنه من علمه بما كان وما يكون وخلاف معلومه مستحيل قطعا وهذا من قبيل ما لا يتطرق إليه المحو والإثبات قال تعالى لا معقب لحكمه الرعد وقال النبي لا مرد لقضائه ولا مرد لحكمه فقوله إذا قضيت قضاء فلا يرد من القبيل الثاني ولذلك لم يجب إليه وفيه أن الأنبياء مستجابو الدعوة إلا في مثل هذا رواه مسلم وعن سعد أي ابن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة بالجنة أن رسول الله مر بمسجد من بني معاوية هم بطن من الأنصار وقيل كان المسجد في المدينة دخل حال أو استئناف بيان وفي رواية البغوي فدخل أي دخل المسجد فركع أي فصلى فيه ركعتين أي تحية أو فريضة وصلينا معه أي موافقة أو متابعة ودعا أي فناجى كما في رواية ربه طويلا أي زمانا كثيرا أو


دعاء عريضا بعد الصلاة والظاهر أن أصحابه دعوا معه أو أمنوا والأظهر أن طويلا قيد للصلاة والدعاء لما سيأتي في حديث خباب في أول الفصل الثاني ثم انصرف أي من الدعاء فقال سألت ربي ثلاثا أي من المسؤولات أو ثلاث مرات فأعطاني
ثنتين ومنعني واحدة فيه زيادة توضيح سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة أي بالقحط العام فأعطانيها أي المسألة وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق بفتحتين وفي نسخة بسكون الراء أي بالغرق العام كقوم فرعون في اليم وقوم نوح بالطوفان فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم أي حربهم الشديد بينهم فمنعنيها رواه مسلم وعن عطاء بن يسار هو من أجلاء التابعين قال لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت استئناف بيان أخبرني عن صفة رسول الله أي عن نعته في التوراة قال أجل بفتحتين وسكون اللام المخففة قال الطيبي هو حرف يصدق بها الخبر خاصة يقال لمن قال قام زيد أجل وزعم بعض من جواز وقوعه بعد الاستفهام وفي الحديث جاء جوابا للأمر على تأويل قرأت التوراة هل وجدت صفة رسول الله فيها فأخبرني قال أجل أي نعم أخبرك والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن أي بالمعنى كقوله يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا حال مقدرة من الكاف أو من الفاعل أو مقدرا أو مقدرين شهادتك على من بعثت إليهم وعلى تكذيبهم وتصديقهم أي مقبولا قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم ذكره الطيبي أو شاهدا لأفعال أمتك يوم القيامة أو لجميع الأنبياء في تبليغهم كما قال تعالى فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا النساء أو مزكيا لأمتك في شهادتهم على الأمم بتبليغ رسالة الأنبياء إليهم كما قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا البقرة وقد تقدم والله أعلم أو معناه شاهدا لقدرتنا وإرادتنا في الخلق كما يشير إليه قوله ومبشرا أي للمؤمنين بالمثوبة ونذيرا أي منذرا ومخوفا للكافرين


بالعقوبة وحرزا بكسر الحاء وسكون الراء للأميين قال القاضي أي حصنا وموئلا للعرب يتحصنون به من غوائل الشيطان أو عن سطوة العجم وتغلبهم وإنما سموا أميين لأن أغلبهم لا يقرؤون ولا يكتبون اه أو لأنهم ينسبون إلى أم القرى وهي مكة
أو لكون نبيهم أميا ولعل هذا الوجه في هذا المقام أوجه ليشمل جميع الأمة ولا يبقى متمسك لليهود على ما زعموا من أنه مبعوث إلى العرب خاصة فإنه بذكره لا ينفي ما عداه لا سيما وقد قال تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا سبأ ولهذا قال لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي قال ابن الملك ويجوز أن يكون المراد بالحرز حفظ قومه من عذاب الاستئصال أو الحفظ لهم من العذاب ما دام فيهم قال تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الأنفال أنت عبدي أي الخاص كما وصفه بالقرآن في مواضع سبعة بإضافته إلى الله أو ضميره إضافة تشريف ورسولي أي الأخص كما قال في مواضع من القرآن هو الذي أرسل رسوله بالهدى التوبة الفتح الصف فالإضافة للعهد كما يقال أكرم زيد عبده إذا كان له عبيد متعددة مع أنه إذا أطلق اسم الجنس فالمراد به الفرد الأكمل فتأمل سميتك المتوكل أي خصصتك بهذا الوصف لكمال توكلك علي وتفويضك إلي وتسليمك لدي عملا بما في القرآن وتوكل على الله النحل الأنفال الأحزاب الأحزاب وتوكل على الحي الذي لا يموت الفرقان وكذا في قوله سبحانه لا نسألك رزقا نحن نرزقك طه ورزق ربك خير وأبقى طه ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق دلالة عليه وإشارة إليه ليس بفظ التفات فيه تضمن للتفنن قال الطيبي يحتمل أن يكون آية أخرى في التوراة لبيان صفته وأن يكون حالا من المتوكل أو من الكاف في سميتك فعلى هذا فيه التفات اه والمعنى ليس بسيء الخلق أو القول ولا غليظ أي ضخم كريه الخلق أو سيء الفعل أو غليظ القلب وهو الأظهر لقوله تعالى ولو كنت فظا غليظا القلب آل عمران أي شديده وقاسيه فيناسب حينئذ أن يكون الفظ


معناه بذاذة اللسان ففيه إيماء إلى طهارة عضويه الكريمين من دنس الطبع ووسخ هوى النفس الذميمين وقد قال الكلبي فظا في القول غليظ القلب في الفعل ولا سخاب بتشديد الخاء المعجمة أي صياح في الأسواق قال الطيبي أي هو لين الجانب شريف النفس لا يرفع الصوت على الناس لسوء خلقه ولا يكثر الصياح عليهم في السوق لدناءته بل يلين جانبه لهم ويرفق بهم قلت فهو مقتبس من قوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم آل عمران أو مأخوذ من قوله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله النور ولا يدفع بالسيئة السيئة لقوله تعالى وجزاء مسيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله الشورى ولقوله سبحانه ادفع بالتي هي أحسن المؤمنون الآية واطلاق السيئة على جزائها إما للمشاكلة والمقاتلة أو لكونه في صورة السيئة أو بالإضافة إلى دفعها بالحسنة كأنها سيئة ومنه قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين ولكن يعفو أي عن المسيء ويغفر أي يستر أو يدعو له بالمغفرة لقوله تعالى فاعف عنهم واصفح المائدة وقوله فاعف عنهم واستغفر لهم آل عمران


وهذا أقرب مراتب معاملته مع المسيئين وكان قد يقابلهم بالإحسان إليهم لقوله تعالى والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ولن يقبضه بالياء التحتية في الأصول المعتمدة وفي نسخة بالنون ويؤيد الأول ما في نسخة صحيحه ولن يقبضه الله بزيادة لفظ الجلالة وكذا الحكم في الأفعال الآتية قال الطيبي وكذا التقات في قوله ولن يقبضه بالياء المثناة من تحت على رواية المشكاة ويعضده ما في شرح السنة ولن يقبضه الله حتى يقيم به أي بواسطته الملة العوجاء كما في التنزيل ذما للكفار ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وقال في مدح دين الإسلام ذلك الدين القيم التوبة وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم الشورى قال القاضي يريد به ملة إبراهيم فإنها قد اعوجت في أيام الفترة فزيدت ونقصت وغيرت وبدلت وما زالت كذلك حتى قام الرسول ا فأقامها أقامها الله وأدامها بأن يقولوا لا إله إلا الله متعلق بقوله يقيم وفيه إيماء إلى أن اقامة التوحيد في ادامة معنى هذه الكلمة من التفريد وقال شارح للمصابيح قال الله تعالى ولن نقبضه أي رسول الله حتى نقيم به الملة العوجاء أي حتى نجعلها مستقيمة ويريد بها ما كانت العرب تتدين بها وتزعم أنها ملة إبراهيم وإنما وصفها بالعوجاء وسماها ملة على الاتساع كما يقال الكفر ملة ويفتح بالياء والنون على ما سبق وهو منصوب عطفا على قوله يقيم وفي نسخة السيد بالرفع على القطع أي وهو يفتح أو نحن بها أي بواسطة هذه الكلمة وفي نسخة به أي بهذا النبي أو بهذا القول أعينا بالنصب على ما في جميع نسخ المشكاة عميا بضم أوله جمع أعمى قال الطيبي هذا رواية البخاري والدارمي وكتاب الحميدي وجامع الأصول وفي المصابيح يفتح بها أعين عمياء على بناء المفعول والأول أصح رواية ودراية أقول ولعل وجه أصحية الدراية هو أن المعطوف عليه بصيغة الفاعل بلا خلاف على اختلاف أنه بالياء أو النون ثم قوله وآذانا الخ على هذا المنوال وهو بمد الهمز جمع الأذن


صما جمع أصم وقلوبا غلفا بضم أوله وجمع أغلف وهو الذي لا يفهم كأن قلبه في غلاف وإنما ذكر هذه الأعضاء لأنها آلات للعلوم والمعارف قال تعالى في حق الكفار ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة البقرة وقال صم بكم عمي فهم لا يعقلون البقرة ولعله لم يذكر اللسان في معرض هذا البيان لأنه ترجمان الجنان والإناء يترشح بما فيه من الأعيان قال الطيبي فإن قلت قوله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يقتضي أن تكون المذكورات كلها مثبتة في القرآن قلت أجل أما قوله يا أيها النبي إنا أرسلناك ففي الأحزاب وقوله حرزا للأميين ففي الجمعة هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة الجمعة وقوله سميتك المتوكل إلى قوله


ولكن يعفو ويغفر في قوله تعالى ولو كنت فظا غليظ القلب إلى قوله إن الله يحب المتوكلين آل عمران وقوله ولا سخاب في الأسواق في قوله تعالى فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين الحجر أي دم على التسبيح والتحميد واجعل نفسك من الذين لهم مساهمة ونصيب وافر في السجود فلا تخل بها ولا تشتغل بغيرها ومن ثم قال ما أوحي إلي أن أكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن أكون من الساجدين فقوله ولا سخاب في الأسواق من قبيل قوله تعالى ولا شفيع يطاع غافر إذ هو يحتمل أن يراد به نفي سخاب وحده ونفيهما معا وهو المراد هنا قلت ويحتمل أن يكون قوله في الأسواق قيدا معتبرا في النفي احترازا من رفع صوته في القراءة والخطبة في المساجد قال وقوله ولا يدفع بالسيئة السيئة في قوله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فصلت وقوله حتى يقيم به الملة العوجاء في قوله تعالى قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد الأنبياء أي ما يوحى إلي إلا أن أقيم التوحيد وأنفي الشرك فإن قلت كيف الجمع بين قوله ويفتح بها أعينا عميا وبين قوله تعالى وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم النمل الروم قلت دل إيلاء الفاعل المعنوي حرف النفي على أن الكلام في الفاعل وذلك أنه تعالى نزله بحرصه على إيمان القوم منزلة من يدعي استقلاله بالهداية فقال له أنت لست بمستقل فيه بل إنك لتهدي إلى صراط مستقيم الشورى بإذن الله وتيسيره اه وحاصله أنه قد ينسب الهداية إليه نظرا إلى كونه من أسباب الهداية ومنه قوله سبحانه وإنك لتهدي الشورى وتنفى عنه أخرى نظرا إلى أن حقيقة الهداية راجعة إلى الله تعالى ومنه قوله سبحانه إنك لا تهدي من أحببت فيكون من قبيل قوله تعالى وما رميت إذ رميت أي ما رميت خلقا وحقيقة إذ رميت كسبا وصورة ولكن الله رمى الأنفال حيث جعلك قادرا على الرمي وفاعلا له والأظهر أن نفي الهداية عنه إنما هو بالنسبة إلى من لم يرد الله هدايته واثباتها له فيمن أراده لهذا فلا


منافاة فهو مظهر هدايته كما أن إبليس مظهر ضلالته وإلا فهو سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء من يضلل الله فلا هادي له ومن يهده فلا مضل له رواه البخاري أي عن عطاء بن يسار وكذا الدارمي عن عطاء عن ابن سلام وهو صحابي مشهور نحوه أي نحو ما رواه البخاري في المعنى مع نوع مخالفة في اللفظ وقال شارح للمصابيح وفي سائر نسخ
المصابيح رواه عطاء بن سلام وهو غلط والصواب رواه عطاء عن ابن سلام يعني عبد الله بن سلام وعطاء هو عطاء بن يسار الراوي عن عبد الله بن عمرو اه وحاصله أن عطاء بن يسار يروي هذا الحديث من طريق ابن عمرو كما رواه البخاري ويرويه أيضا من طريق ابن سلام كما رواه الدارمي والمناسب للصحاح المعبر عنه بالفصل الأول هو رواية البخاري وتأييده برواية الدارمي للالتزام السابق وبه يحصل نوع اعتراض لصاحب المشكاة على البغوي مع قطع النظر عن تخطئة سائر نسخ المصابيح وذكر حديث أبي هريرة نحن الآخرون أي السابقون يوم القيامة الحديث بطوله في باب الجمعة لكونه أنسب بذلك الباب باعتبار أواخر الحديث وغالبه فهو من المؤلف اعتذار قولي واعتراض فعلي
الفصل الثاني


عن خباب بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى بن الأرت بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقية صحابي مشهور قال صلى بنا رسول الله صلاة فأطالها أي فجعلها طويلة باعتبار أركانها أو بالدعاء فيها قالوا يا رسول الله صليت صلاة أي عظيمة لم تكن تصليها أي عادة قال أجل أي نعم إنها صلاة رغبة أي رجاء ورهبة أي خوف قال شارح أي صلاة فيها رجاء للثواب ورغبة إلى الله وخوف منه تعالى قلت الأظهر أن يقال المراد به أن هذه صلاة جامعة بين قصد رجاء الثواب وخوف العقاب بخلاف سائر الصلوات إذ قد يغلب فيها أحد الباعثين على أدائها قالوا وفي قوله تعالى يدعون ربهم خوفا وطمعا السجدة بمعنى أو لمانعة الخلو ثم لما كان سبب صلاته الدعاء لأمته وهو كان بين رجاء الإجابة وخوف الرد طولها ولذا قال وإني سألت الله فيها ثلاثا أي ثلاث مسائل فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة تصريح بما علم ضمنا سألته أن لا يهلك أمتي بسنة أي بقحط عام وفي معناه الوباء والمقصود أن لا يهلكوا بالاستئصال فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم وهم الكفار لأن العدو من أنفسهم أهون ولا


يحصل به الهلاك الكلي ولا إعلاء كلمته السفلى فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض أي حربهم وقتلهم وعذابهم فمنعنيها أي لما سبق من الحكمة قال الطيبي رحمه الله هو من قوله تعالى أو يلبسكم شيعا أي يجعل كل فرقة منكم متابعة لإمام وينشب القتال بينكم وتختلطوا وتشتبكوا في ملاحم القتال يضرب بعضكم رقاب بعض ويذيق بعضكم بأس بعض المعنى يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى اه وفي المعالم ذكر بإسناده المتصل إلى البخاري مسندا إلى جابر قال لما نزلت هذه الآية قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال أعوذ بوجهك أو من تحت أرجلكم قال أعوذ بوجهك أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض الأنعام قال رسول الله هذا أهون أو هذا أيسر رواه الترمذي والنسائي وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الله عز وجل أجاركم أي حفظكم وأنقذكم من ثلاث خلال أي خصال أن لا يدعو عليكم نبيكم أي يكفر بعضكم قاله ابن الملك والأظهر أنه لا يدعو عليكم دعاء الاستئصال بالإهلاك فتهلكوا جميعا أي كما دعا نوح وموسى ذكره ابن الملك لكن دعاء موسى كان خاصا ببعض قومه وهو القبط دون السبط كما لا يخفى وأن لا يظهر أي لا يغلب أهل الباطل أي وإن كثر أنصاره على أهل الحق أي وإن قل أعوانه ومنه قوله لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة على ما رواه الحاكم عن عمر وفي رواية ابن ماجه عن أبي هريرة لا يزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها ولعله مقتبس من قوله تعالى يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون التوبة وفي المصابيح على الحق قال شارح له أي بحيث يمحقه ويطفىء نوره وإن كانت الرواية على أهل الحق فإنه أراد به الظهور حتى لا يبقى لهم فئة ولا جماعة قال التوربشتي يريد أن الباطل وإن كثرت أنصاره فلا يغلب الحق بحيث يمحقه ويطفىء نوره ولم يكن ذلك بحمد الله مع ما


ابتلينا به من الأمر الفادح والمحنة العظمى بتسلط الأعداء علينا ومع استمرار الباطل فالحق أبلج والشريعة قائمة لم تخمد نارها ولم يندرس منارها وأن لا تجتمعوا على ضلالة أي وأن لا تتفقوا على شيء باطل وهذا يدل
على أن إجماع الأمة حجة وأن ما هو حسن عند الناس فهو حسن عند الله ويقويه قوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا النساء فهذا مأخذ حسن لقولهم الإجماع حجة استنبطه الشافعي رحمه الله من الكتاب قال الطيبي وحرف النفي في القرائن زائد مثل قوله تعالى ما منعك ألا تسجد الأعراف وفائدته تأكيد معنى الفعل الذي يدخل عليه وتحقيقه وذلك أن الإجارة إنما تستقيم إذا كانت الخلال مثبتة أو منفية رواه أبو داود وعن عوف بن مالك قال قال رسول الله لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين سيفا منها وسيفا من غيرها أي بل اختار الله الأيسر منهما وهو السيف منها دون السيف من غيرها على وجه الاستئصال وإلا فقد يجتمعان في بعض الأحوال ففيه إشارة إلى بقاء الملة وبشارة في حفظ هذه الأمة إلى يوم القيامة لما صح في مسلم عن جابر بن سمرة مرفوعا لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة وقال القاضي معناه أن سيوفهم وسيوف أعدائهم لا يجتمعان عليهم فيؤديان إلى استئصالهم بل إذا جعلوا بأسهم بينهم سلط عليهم العدو فيشغلهم به عن أنفسهم ويكف عنهم بأسهم وهو من قول الشيخ التوربشتي وقال الطيبي الظاهر أن يقال إنه تعالى وعدني أن لا يجمع على أمتي محاربتين محاربة بعضهم بعضا ومحاربة الكفار معهم بل تكون إحداهما فإذا كانت إحداهما لا يكون الأخرى لأنه موافق للأحاديث السابقة لأنه سأل ربه تعالى أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يستأصلهم وسأله أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فأجاب الأول ومنع الثاني ولم يجمع بين المنعين رواه أبو داود وعن العباس أنه جاء أي غضبان إلى النبي


فكأنه سمع شيئا أي من الطعن في نسبه أو حسبه فقام النبي على المنبر أي ليكون بيان أمره أظهر على رؤوس المحضر فقال من أنا استفهام تقرير على جهة التبكيت فقالوا أنت رسول الله فلما كان قصده بيان نسبه وهم عدلوا عن ذلك المعنى ولم يكن الكلام في ذلك المبنى
قال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يعني وهما معروفان عند العارف المنتسب قال الطيبي قوله فكأنه سمع مسبب عن محذوف أي جاء العباس غضبان بسبب ما سمع طعنا من الكفار في رسول الله نحو قوله تعالى لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم الزخرف كأنهم حقروا شأنه وأن هذا الأمر العظيم الشأن لا يليق إلا بمن هو عظيم من إحدى القريتين كالوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي مثلا فأقرهم على سبيل التبكيت على ما يلزم تعظيمه وتفخيمه فإنه أولى بهذا الأمر من غيره لأن نسبه أعرف وأروميته أعلى وأشرف ومن ثم لما قالوا أنت رسول الله ردهم بقوله أنا محمد بن عبد الله ويعضد هذا التأويل ما روى البخاري عن أبي سفيان أنه حين سأله هرقل عظيم الروم عن نسبه فقال هو فينا ذو نسب فقال هرقل سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ألا ترى كيف جعل النسب ظرفا لتبعث وأتي بفي أي في النسب اه ثم استأنف في بيان ما رزقه الله من طهارة نسبه ونظافة حسبه عموما وخصوصا تحدثا بنعمته وترغيبا لأمته في أمر متابعته فقال إن الله خلق الخلق أي الجن والإنس وأبعد الطيبي وأدخل الملك معهم لقوله فجعلني في خيرهم وهو الإنس ثم جعلهم أي صير هذا الخير بمعنى الخيار أو الأخيار فرقتين أي عربا وعجما فجعلني في خيرهم فرقة وهم العرب ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة يعني قريشا ثم جعلهم بيوتا أي بطونا فجعلني في خيرهم بيتا يعني بطن بني هاشم فأنا خيرهم نفسا أي ذاتا وحسنا وخيرهم بيتا أي بطنا ونسبا وإليه أشار تعالى بقوله لقد جاءكم رسول من أنفسكم التوبة وقوله لقد من الله على المؤمنين


إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم آل عمران بفتح الفاء فيهما على قراءة شاذة صحيحة قال الطيبي قوله ثم جعلهم قبائل بعد قوله ثم جعلهم فرقتين إشارة إلى بيان الطبقات الست التي عليها العرب وهي الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة والشعب يجمع القبائل والقبيلة تجمع العمائر والعمارة تجمع البطون والبطن يجمع الأفخاذ والفخذ يجمع الفصائل فخزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصي بطن وهاشم فخذ والعباس فصيلة وسميت الشعوب لأن القبائل تتشعب منها فقوله خلق الخلق أي الملائكة والثقلين فجعلني في خيرهم أي في العرب وهلم جرا فأنا بفضل الله ولطفه على ما في سابقة الأزل خير الخلق نفسا حيث خلقني إنسانا رسولا خاتما للرسل تمم دائرة الرسل بي وجعلني نقطة تلك الدائرة يطوف جميعهم حولي ويحتاجون إلي وخيرهم بطنا حيث نقلني من طيب إلى طيب إلى أن


نقلني من صلب عبد الله بالنكاح من أشرف القبائل والبطون فأنا أفضل خلق الله تعالى عليه وأكرمهم لديه رواه الترمذي ولفظ الجامع إن الله خلق الخلق فجعلني في خير فرقهم وخير الفرقتين ثم خير القبائل فجعلني في خير القبيلة ثم خير البيوت فجعلني في خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة أي ثبتت قال وآدم أي وجبت لي النبوة والحال أن آدم بين الروح والجسد يعني وأنه مطروح على الأرض صورة بلا روح والمعنى أنه قبل تعلق روحه بجسده قال الطيبي هو جواب لقولهم متى وجبت أي وجبت في هذه الحالة فعامل الحال وصاحبها محذوفان رواه الترمذي ورواه ابن سعد وأبو نعيم في الحلية عن ميسرة الفخر وابن سعد عن ابن أبي الجدعاء والطبراني في الكبير عن ابن عباس بلفظ كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد كذا في الجامع وقال ابن ربيع أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه وصححه الحاكم وروى أبو نعيم في الدلائل وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعا كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث وأما ما يدور على الألسنة بلفظ كنت نبيا وآدم بين الماء والطين فقال السخاوي لم أقف عليه بهذا اللفظ فضلا عن زيادة وكنت نبيا ولا ماء ولا طين وقال الحافظ ابن حجر في بعض أجوبته إن الزيادة ضعيفة وما قبلها قوي وقال الزركشي لا أصل له بهذا اللفظ ولكن في الترمذي متى كنت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد قال السيوطي وزاد العوام ولا آدم ولا ماء ولا طين ولا أصل له أيضا وعن العرباض بن سارية بكسر العين صحابي جليل عن رسول الله أنه قال إني عند الله مكتوب خاتم النبيين بفتح التاء وكسرها وهو مرفوع على أنه نائب


الفاعل وقيل منصوب على التمييز أي مكتوب من هذه الحيثية وإن آدم لمنجدل من الجدل وهو الالقاء على الأرض الصلبة أي والحال إنه لساقط وملقى في طينته أي خلقته وهو خبر ثان لأن الجملة حال من ضمير مكتوب أي كتبت خاتم الأنبياء في الحال التي آدم مطروح على الأرض حاصل في أثناء خلقته لما يفرغ من تصويره وتعلق الروح به كذا ذكره الشراح وسأخبركم بأول أمري قيل أي بأول ما ظهر من نبوتي ورفعتي في الدنيا على لسان أبي الملة إبراهيم عليه السلام وقوله دعوة إبراهيم بالرفع أي هو دعوة إبراهيم حين بنى الكعبة فقال ربنا وابعث فيهم رسولا منهم البقرة فاستجاب الله دعاءه وفي نسخة بالجر على البدلية مما قبله وكذا قوله وبشارة عيسى يعني قوله ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد الصف ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني قال الطيبي وقوله وغيره يحتمل أن يراد منها الرؤية في المنام وفي اليقظة فعلى الأول معنى وضعت أي شارفت وقربت من الوضع وذلك لما روى ابن الجوزي في كتاب الوفاء أن أمه رأت حين دنت ولادتها أتاها آت فقال قولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد بعد أن رأت حين حملت به أن آتيا أتاها وقال هل شعرت أنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها وعلى الثاني يكون المرئي محذوفا وهو ما دل عليه قوله وقد خرج أي ظهر لها أي لأمي نور أضاء أي تبين لها منه أي من ذلك النور قصور الشام وذلك النور عبارة عن ظهور نبوته ما بين المشرق والمغرب واضمحل بها ظلمة الكفر والضلالة وفي نسخة بنصب قصور وهو لا يخلو عن قصور لوجود منه وإلا فأضاء جاء لازما وقاصرا رواه أي البغوي الحديث بكماله في شرح السنة أي بإسناده عن الرباض ورواه أحمد عن أبي أمامة من قوله سأخبركم الخ قلت وفي صحيح ابن حبان والحاكم عن العرباض إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته روى ابن عساكر عن عبادة بن الصامت ولفظه أنا دعوة إبراهيم وكان آخر من بشر به عيسى ابن مريم وعن أبي سعيد رضي الله عنه


قال قال رسول الله أنا سيد ولد آدم ولا
فخر أي ولا أقوله تفاخرا بل اعتدادا بفضله وتحدثا بنعمته وتبليغا لما أمرت به وقيل لا أفتخر بذلك بل فخري بمن أعطاني هذه المرتبة أقول ويمكن أن يكون المعنى ولا فخر لي بهذه السيادة بل أفتخر بالعبودية له والعبادة فإنه يوجب الحسنى والزيادة قال الطيبي قوله ولا فخر حال مؤكدة أي أقول هذا ولا فخر قال التوربشتي الفخر ادعاء العظمة والمباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه قال النووي فيه وجهات أحدهما قاله امتثالا لأمر الله تعالى وأما بنعمة ربك فحدث الضحى وثانيهما أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه في توقيره كما أمرهم الله تعالى به قال الراغب فإن قلت كيف استحسن مدح الإنسان نفسه وقد علم في الشاهد استقباحه حتى قيل للحكيم ما الذي لا يحسن وإن كان حقا قال مدح الرجل نفسه قلنا قد يحسن ذلك عند تنبيه المخاطب على ما خفي عليه من حاله كقول المعلم للمتعلم اسمع مني فإنك لا تجد مثلي وعلى ذلك قول يوسف عليه السلام اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم يوسف وسئل بعض المحققين عن شيء لم يقبح إطلاقه في الله تعالى مع ورود الشرع فأنشد ويقبح من سواك الشيء عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا قال الشيخ أبو حامد في الإحياء قال عمر رضي الله عنه المدح هو الذبح وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن عن العمل فكذلك الممدوح لأن المدح يوجب الفتور ويورث الكبر والعجب وهو لذلك مهلك كالذبح فإن سلم المدح عن هذه الآفات لم يكن به بأس بل ربما كان مندوبا إليه ولذلك أثنى رسول الله على الصحابة وكانوا أجل رتبة من أن يورثهم ذلك كبرا أو عجبا بل يزيدهم جدا يبعثهم أن يزيدوا فيما يستوجبون الحمد من مكارم الأخلاق قلت ونظيره العالم أو الشيخ إذا أثنى عليه تلميذه أو مريده القابل العاقل بمحضر جماعة فإنه لا شك أن يكون سببا لزيادة رغبتهما في المجاهدة وتحصيل أعلى مراتب


العلم والعبادة نعم يقع نادرا ممن يكون فيه البلادة حيث يحصل له الفتور المؤدي إلى مقام القصور فيتوقف عن طلب الزيادة فنعوذ بالله من الحور بعد الكور والنقصان بعد الزيادة وقد قيل من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ومن استوى يوماه فهو مغبون زمان ففي الحديث منهومان لا يشبعان وقال تعالى وقل رب زدني علما طه وفي النهاية قاله اخبارا عما أكرمه الله تعالى من الفضل والسؤدد وتحدثا بنعمة الله تعالى عنده وإعلاما منه ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه ولهذا أتبعه بقوله ولا فخر أي أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله تعالى لم أنلها من قبل نفسي ولا نلتها بقوتي فليس لي أن أفتخر بها وبيدي أي بتصرفي وعندي يوم القيامة في المقام المحمود لواء الحمد اللواء بالكسر والمد العلم وفي العرصات مقامات لأهل الخير والشر ينصب في كل مقام لكل متبوع لواء يعرف به قدوة حق كان أو أسوة باطل وأعلى تلك المقامات مقام الحمد ففي النهاية اللواء الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش يريد به انفراده بالحمد يوم القيامة وشهرته على رؤوس الخلائق


فوضع اللواء موضع الشهرة قال الطيبي فعلى هذا لواء الحمد عبارة عن الشهرة وانفراده بالحمد على رؤوس الخلائق ويحتمل أن يكون لحمده لواء يوم القيامة حقيقة يسمى لواء الحمد وعليه كلام الشيخ التوربشتي حيث قال لا مقام من مقامات عباد الله الصالحين أرفع وأعلى من مقام الحمد ودونه ينتهي سائر المقامات ولما كان نبينا سيد المرسلين أحمد الخلائق في الدنيا والآخرة أعطي لواء الحمد ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون وإليه الإشارة بقوله آدم ومن دونه تحت لوائي ولهذا المعنى افتتح كتابه بالحمد واشتق اسمه من الحمد فقيل محمد وأحمد وأقيم يوم القيامة المقام المحمود ويفتح عليه في ذلك المقام من المحامد ما لم يفتح على أحد قبله ولا يفتح على أحد بعده وأمد أمته ببركته من الفضل الذي آتاه فنعت أمته في الكتب المنزلة قبله بهذا النعت فقال أمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء لله الحمد أولا وآخرا ولا فخر فإن مرتبة القرب المرتب عليه اللقاء الناشيء عن مقام الرضا والفناء بالبقاء أعلى من ذلك لخلوص التوجه إلى المولى ونسيان ما سواه من الورى وما من نبي يومئذ آدم بالرفع وقيل بالخفض على أنه بيان أو بدل من محل من نبي أو من لفظ نبي وعطف عليه قوله فمن سواه إلا تحت لوائي قال الطيبي نبي نكرة وقعت في سياق النفي وأدخل عليه من الاستغراقية فيفيد استغراق الجنس وقوله آدم فمن إما بيان أو بدل من محله ومن فيه موصولة وسواه صلته وصح لأنه ظرف وأؤثر الفاء التفصيلية في فمن سواه على الواو للترتيب على منوال قولهم الأمثل فالأمثل وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر رواه الترمذي وزاد في الجامع وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال جلس ناس من أصحاب رسول الله فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم حال من الضمير في دنا وقد مقدرة وقوله يتذاكرون حال من الضمير المنصوب في سمعهم كذا ذكره الطيبي والظاهر أن


قوله سمعهم جواب إذا وقوله قال بعضهم إما استئناف بيان للتذاكر أو حال بتقدير قد أو بدونه إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وقال آخر موسى كلمة الله تكليما وقال آخر فعيسى أي إذا كان الكلام في
التفاضل فعيسى كلمة الله وروحه أي شرف بإضافتهما إليه قال الطيبي الفاء في قوله فعيسى جواب شرط محذوف أي إذا ذكرتم الخليل فاذكروا عيسى كقوله تعالى فلم تقتلوهم الأنفال أي إذا افتخرتم بقتلهم فإنكم لم تقتلوهم وقال آخر آدم اصطفاه الله أي بتعليم الأسماء وبإسجاد ملائكة السماء فخرج عليهم رسول الله كرره لينيط به غير ما أناط به أولا أو يكون خرج أولا من مكان وثانيا منه إلى آخر وقال قد سمعت كلامكم وعجبكم بفتحتين أي وفهمت تعجبكم فهو من باب قلدت سيفا ورمحا إن إبراهيم خليل الله بفتح الهمزة على أنه بدل مما قبله أو مفعول له وفي نسخة بالكسر استئنافا وهو كذلك أي كون إبراهيم خليل الله حق وصدق وموسى نجي الله فعيل من النجوى بمعنى الفاعل أو المفعول أي كليم الله وهو كذلك وعيسى روح الله وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ألا للتنبيه جيء به للتأكيد بين المعطوف والمعطوف عليه حيث قال وأنا حبيب الله أي محبه ومحبوبه ولا فخر قال الطيبي قرر أولا ما ذكروا من فضائلهم بقوله وهو كذلك ثم نبه على أنه أفضلهم وأكملهم وجامع لما كان متفرقا فيهم فالحبيب خليل ومكلم ومشرف اه واعلم أن الفرق بين الخليل والحبيب أن الخليل من الخلة أي الحاجة فإبراهيم عليه السلام كان افتقاره إلى الله تعالى فمن هذا الوجه اتخذه خليلا والحبيب فعيل بمعنى الفاعل والمفعول فهو محب ومحبوب والخليل محب لحاجته إلى من يحبه والحبيب محب لا لغرض وحاصله أن الخليل في منزلة المريد السالك الطالب والحبيب في منزلة المراد المجذوب المطلوب الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب الشورى ولذا قيل الخليل يكون فعله برضا الله تعالى والحبيب يكون فعل الله برضاه قال تعالى فلنولينك قبلة


ترضاها البقرة ولسوف يعطيك ربك فترضى الضحى وقيل الخليل مغفرته في حد الطمع كما قال إبراهيم والذي أطمع أن يغفر لي الشعراء والحبيب مغفرته في مرتبة اليقين كما قال تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح والخليل قال ولا تخزني يوم يبعثون والحبيب قال تعالى في حقه يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه والخليل قال واجعل لي لسان صدق في الآخرين الشعراء وقال للحبيب ورفعنا لك ذكرك الشرح والخليل قال واجعلني من ورثة جنة النعيم الشعراء والحبيب قال إنا أعطيناك الكوثر الكوثر والأظهر في الاستدلال على أن مرتبة محبوبيته في درجة الكمال قول ذي الجلال والجمال قل إن كنتم تحبون الل


فاتبعوني يحببكم الله آل عمران وأنا حامل لواء الحمد بالإضافة يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع أي مقبول الشفاعة يوم القيامة ولا فخر وأنا أول من يحرك حلق الجنة بفتح الحاء ويكسر جمع حلقة وهي هنا حلقة باب الجنة ففي القاموس حلقة الباب والقوم وقد يفتح لامها ويكسر إذ ليس في الكلام حلقة محركة إلا جمع حالق أو لغة ضعيفة والجمع حلق محركة وكبدر فيفتح الله لي أي بابها فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين أي من المهاجرين والأنصار وغيرهم على مراتبهم في السبق كما سبق إنه يدخل فقراء أمتي قبل أغنيائهم بخمسمائة عام وهذا دليل واضح على أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر قال الطيبي هذا دليل على فضلهم وكرامتهم على الله تعالى لأنهم استحقوا محبة الله تعالى بمتابعة حبيبه واتصافهم بصفته وليس الفقر عند الصوفية الفاقة والحاجة بل الفقر عندهم الحاجة إليه تعالى لا إلى غيره والاستغناء به لا عنه بغيره قال الثوري نعت الفقير السكون عند العدم والبذل عند الوجود وقيل لسهل بن عبد الله أليس النبي استعاذ من الفقر فقال إنما استعاذ من فقر النفس الذي مدح النبي الغنى في ضده فقال الغنى غنى النفس فكذلك الفقر المذموم فقر النفس وهو الذي استعاذ منه أقول المذموم من الفقر والغنى هو الذي يشغل السالك عن المولى غايته أن حالة الفقر أسلم من العوائق ولذا اختاره سبحانه لأكثر أنبيائه وأوليائه من بين الخلائق حتى قال حجة الإسلام إن الكافر الفقير عذابه أخف من الكافر الغني فإذا كان الفقر ينفع الكافر في النار فكيف لا ينفع المؤمن في دار القرار ولذا قال أجوعكم في الدنيا أشبعكم في الآخرة ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر وهذا فذلكة الكل رواه الترمذي والدارمي وعن عمرو بن قيس قال المؤلف وقيل هو عبد الله بن عمرو القرشي العامري الأعمى وهو ابن أم مكتوم واسم أم مكتوم عاتكة وهي خالة خديجة بنت خويلد أسلم


قديما بمكة وكان من المهاجرين الأولين مع مصعب بن عمير استخلفه رسول الله على المدينة مرات آخرها حجة الوداع مات بالمدينة وقيل استشهد بالقادسية إن رسول الله قال نحن الآخرون يعني في المجيء إلى الدنيا ونحن
السابقون أي في دخول الجنة وغير ذلك من الفضائل يوم القيامة أي في دار العقبى وإني قائل قولا غير فخر أي غير مفتخر فيه بل المقصود منه بيان الواقع إبراهيم خليل الله وموسى صفي الله أي مختاره لكلامه وأنا حبيب الله أي جامع بين نسبتي المحبة والمحبوبية في الدنيا ومعي لواء الحمد أي الدال على كوني أحمد ومحمدا يوم القيامة أي في المقام المحمود وإن الله وعدني أي خيرا كثيرا في أمتي أي في حقهم وشأنهم وأجارهم أي أنقذهم وأعاذهم من ثلاث أي خصال لا يعمهم أي الله بسنة أي بقحط ووباء مستأصل لهم ولا يستأصلهم أي ولا يأخذ أصلهم ولا يهلكم بالكلية عدو أي لله أو لهم من الكفار ولا يجمعهم على ضلالة ولعله سبحانه لم يجمعهم على هداية لقوله تعالى ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك هود وكان هذا مأخذ من قال اختلاف الأمة رحمة رواه الدارمي وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله قال أنا قائد المرسلين أي مقدمهم في الآخرة ولا فخر وأنا خاتم النبيين أي في الدنيا ولا فخر وعدل عن المرسلين إلى النبيين لأنهم أعم فتكون نسبة الخاتمية أتم وأنا أول شافع ومشفع أي وأول مشفع كما في رواية ولا فخر رواه الدارمي وعن أنس قال قال رسول الله أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا أي من قبورهم وأنا قائدهم أي متبوعهم إذا وفدوا أي إذا قدموا على الله والوفد جماعة يأتون الملك لحاجة وأنا خطيبهم أي المتكلم عنهم إذا أنصتوا أي إذا سكتوا عن الاعتذار متحيرين فأعتذر عنهم عند ربهم فيكون لي قدرة على الكلام في ذلك المقام دون سائر الأنام فأطلق اللسان بالثناء على الله تعالى بما هو أهله ولم يؤذن لأحد حينئذ في التكلم غيري فهو مخصوص من قوله


سبحانه هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون المرسلات أو محمول على أول الأمر أو مختص بالكفار وأنا مستشفعهم بفتح الفاء على بناء
المفعول من قولهم استشفعت زيدا إلى فلان أي سألته أن يشفع إليه فزيد مستشفع بالفتح وفلان مستشفع إليه وفي بعض النسخ بكسر الفاء على بناء الفاعل أي أسأل الله أن أكون شفيعا لهم إذا حبسوا أي في الموقف ولم يحاسبوا وأنا مبشرهم أي المؤمنين بالرحمة والمغفرة والمغفرة إذا أيسوا أي إذا غلب عليهم اليأس من روح الله لغلبة الخوف ففي الكلام نوع من الاستخدام الكرامة بالرفع على ما في النسخ المصححة فهو مبتدأ والمفاتيح عطف عليه وقوله يومئذ ظرف والخبر بيدي وهو بصيغة الإفراد أي أمر الكرامة بأنواع الشفاعة ومفاتيح كل خير يوم القيامة بتصرفي وفي نسخة بتشديد الياء على التثنية للمبالغة أو للتوزيع والتنويع وذلك لأنه يصل أنواع اللطف من الله تبارك وتعالى لأهل العرصات من الأنبياء وغيرهم بواسطة شفاعته العامة في المقام المحمود تحت اللواء الممدود عند الحوض المورود وفي نسخة بنصب الكرامة على أنه مفعول أيسوا وبيدي خبر المفاتيح فقط أي إذا قنطوا من حصول الكرامة ووقعوا في وصول الندامة ولواء الحمد يومئذ بيدي بسكون الياء وأنا أكرم ولد آدم على ربي وسبق أنه أكرم الأولين والآخرين على الله يطوف علي أي يدور حولي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أي مصون عن الغبار قيل شبههم ببيض النعام في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة فإنه أحسن ألوان الأبدان قلت هذا عند بعض أولاد العرب بخلاف طباع أهل الشام وحلب وطائفة الأعجام وجماعة الأروام فإن الأحسن عندهم هو البياض المشوب بحمرة على ما ورد في شمائله وفي مدح الحور العين كأنهن الياقوت والمرجان الرحمان حيث فسر المرجان باللؤلؤ ويدل عليه قوله أو لؤلؤ منثور على أن أو للتخيير في التشبيه وإنما قيده بالمنثور لأنه أظهر في النظر من المنظوم مع أن النثر يناسب تفرق الخدم ويحتمل أن


تكون أو للتنويع وقال شارح قوله بيض مكنون أي لؤلؤ مستور في صدفه لم تمسه الأيدي أو لؤلؤ منثور أو لشك الراوي رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث غريب ولفظ الترمذي على ما في الجامع أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا لواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال فأكسى صدر الحديث على
ما في الجامع وغيره وأنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى والمعنى فأبعث فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري رواه الترمذي وفي رواية جامع الأصول أي عن أبي هريرة أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى أي إلى آخر الحديث فاختصاره من صاحب المصابيح مخل بالرواية والدراية وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال سلوا الله لي الوسيلة هي المذكورة في دعاء الأذان آت محمدا الوسيلة فيحتمل الإطلاق والتقييد بوقت المسألة وفي النهاية هي في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به قلت ومنه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة المائدة قال الطيبي وإنما طلب عليه السلام من أمته الدعاء له بطلب الوسيلة افتقارا إلى الله تعالى وهضما لنفسه أو لتنتفع أمته ويثاب عليه أو يكون إرشادا لهم في أن يطلب كل منهم من صاحبه الدعاء له قالوا يا رسول الله وما الوسيلة أي المطلوبة المسؤولة قال الطيبي عطف على مقدر أي نفعل ذلك وما الوسيلة اه والأظهر أن يقال أمرتنا بسؤال الوسيلة وما الوسيلة مع أنه قد يقال لهذه الواو إنها للربط بين الكلام قال أعلى درجة في الجنة لا ينالها أي لا يدرك تلك الدرجة العالية إلا رجل واحد أبهمه تواضعا أرجو وفي نسخة وأرجو أن أكون أنا هو وضع الضمير المرفوع أعني هو موضع المنصوب أعني إياه رواه الترمذي ولفظ الجامع سلوا الله لي الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل


وأرجو أن أكون أنا هو ورواه ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط عن ابن عباس سلوا الله لي الوسيلة فإنها لا يسألها عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة وعن أبي بن كعب عن النبي قال إذا كان يوم القيامة كنت إمام
النبيين بكسر الهمزة في نسخ المشكاة وقال التوربشتي إنه بكسرها والذي يفتحها وينصبها على الظرف لم يصب ذكره الطيبي وقال شارح فتحها ليس بصواب وقال ابن الملك الفتح غلط أقول إن كان بحسب الرواية فلا مجال وإن كان من حيث الدراية فله وجه لا محالة وهو أنه يريد به مقدمهم كما تقدم من قوله وأنا قائدهم إذا وفدوا بل لا يظهر لإمامتهم حينئذ إلا هذ المعنى وخطيبهم أي إذا أنصتوا كما سبق وصاحب شفاعتهم أي في المقام المحمود غير فخر أي غير مفتخر أو من غير فخر رواه الترمذي وكذا أحمد وابن ماجه والحاكم في مستدركه وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله إن لكل نبي ولاة بضم الواو جمع ولي من النبيين قال التوربشتي أي أحباء وقرناء هم أولى به من غيرهم وإن وليي أبي يعني به إبراهيم عليه السلام وقد بينه بقوله وخليل ربي خبر بعد خبر لأن ثم قرأ أي استشهادا إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه أي في زمانه وما بعده إذ كل من جاء من بعده من الأنبياء هو من أولاده وأتباعه في أصل التوحيد وتجريد التوكل وتفويض التفريد وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين أي خصوصا وعموما قال التوربشتي وفي كتاب المصابيح وإن وليي ربي وهو غلط ولعل الذي حرف هذا دخل عليه الداخل من قوله سبحانه إن وليي الله الذي نزل الكتاب الأعراف والرواية على ما ذكرنا هو الصواب قال المظهر لو كان كما ذكره التوربشتي لكان قياس التركيب أن يكون وليي أبي خليل ربي من غير واو العطف الموجب للمغايرة وبإضافة الخليل إلى ربي ليكون عطف بيان لأبي أقول لو كان على خلاف قول الشيخ لكان حق العبارة إضافة الخليل إلى ضمير ربي قال الطيبي والرواية


المعتبرة كما ذكره الشيخ في جامع الترمذي وجامع الأصول وكذا في مسند الإمام أحمد بن حنبل وأيضا لو ذهب إلى أن خليل ربي عطف بيان بلا واو لزم خمول كون إبراهيم عليه عليه الصلاة والسلام أبا النبي ووليه فأتى به بيانا وإذا جعل معطوفا عليه لزم شهرته به والعطف يكون لإثبات وصف آخر له عليه السلام على سبيل المدح فعلى ما عليه الرواية يلزم مدحه مرتين بخلاف ذلك أقول والأظهر أن يقال إن العطف لتغاير الوصفين كما في قوله تعالى تلك آيات الكتاب وقرآن مبين الحجر فإن قلت لزم من قوله لكل نبي ولاة أن يكون لكل واحد منهم أولياء


متعددة قلت لا لأن النكرة إذا وقعت في مكان الجمع أفادت الاستغراق أي أن لكل نبي واحد واحد واحدا واحدا كقوله تعالى ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام لقمان قلت وفي تنظيره نظر ظاهر إذ لا محذور في كون كل شجرة لها أقلام بل هو الظاهر المطلوب في مقام المبالغة بأن يكون أغصان كل شجرة أقلاما رواه الترمذي وكذا أحمد وهو كذا في الجامع الصغير بدون قوله ثم قرأ الخ وعن جابر رضي الله عنه أن النبي قال إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق جمع مكرمة خصلة يستحق الشخص بها أن يكون كريما والمراد من الأخلاق الأحوال ولذا قوبل بقوله وكمال محاسن الأفعال للأمور الظاهرة من العبادات والأقوال والمحاسن جمع حسن على خلاف القياس وحاصله أن شريعته أفضل الأفعال وطريقته أكمل الأحوال قال ابن الملك أي أرسلني إلى العالم ليتمم بوجودي مكارم أخلاق عباده وليكمل محاسن أفعالهم قال الطيبي الإضافة فيهما من باب إضافة الصفة إلى الموصوف قال الراغب كل شيء يشرف في بابه فإنه يوصف بالكرم قال تعالى فأنبتنا فيها من كل زوج كريم لقمان ومقام كريم الشعراء الدخان إنه لقرآن كريم الواقعة وإذا وصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وأنعامه المتظاهرة وإذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه اه وكلامه ينظر إلى أن العطف للتأكيد وما قدمناه أولى لكونه من التأسيس والتقييد للتأبيد قال الطيبي ومعنى هذا الحديث وحديث أبي هريرة مثلي ومثل الأنبياء إلى قوله أنا سددت موضع اللبنة يلتقيان في معنى إتمام الناقص اه والذي تقدم في المعنى أتم والله أعلم رواه أي البغوي في شرح السنة بإسناده ورواه ابن سعد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق وروى الحكيم والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في ابنه وتكون في الابن ولا تكون في الأب


وتكون في العبد ولا تكون في سيده يقسمها الله لمن أراد به السعادة صدق الحديث وصدق البأس وإعطاء السائل والمكافاة بالصنائع وحفظ الأمانة وصلة الرحم والتذمم للجار والتذمم للصاحب واقراء الضيف ورأسهن الحياء والتذمم أن يرعى
ذمامة أي حرمته وقد روى البزار عن ابن عمر مرفوعا اللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت وعن كعب يحكي عن التوراة قال نجد مكتوبا محمد رسول الله الرفع على حكاية المكتوب عبدي أي الخاص المختار أي المصطفى على الخلق لافظ بالرفع على أن لا عاطفة والمعنى أنه ليس قبيح الخلق ولا غليظ أي سيء الخلق ولا سخاب أي صياح في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة أي بل يدفع السيئة بالحسنة وهو معنى قوله ولكن يعفو أي في الباطن ويغفر أي يستر في الظاهر مولده بمكة وهجرته أي دارها يعني مهاجره بطيبة أي المدينة السكينة وملكه أي بعد انتهاء مدته وأيام خلافته بالشام كما كان لمعاوية ومن بعده لبني أمية على ذلك النظام وقال المظهر أراد بالملك هنا النبوة والدين فإن ذلك يكون بالشام أغلب وإلا فملكه جميع الآفاق لقوله وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها وقيل معناه الغزو والجهاد ثمة لأنه تصير بلاد الكفار والجهاد ملكا لأهل الإسلام ولهذا لا ينقطع الجهاد في الشام أصلا وأمر بالمسافرة إليها لإدراك فضيلة الجهاد والمرابطة في سبيل الله قلت هذا إنما كان في زمنه وأما اليوم فالغزو والجهاد في بلاد الروم نعم هو في جهة الشام من الحرمين الشريفين وأمته الحمادون أي المبالغون في الحمد المكثرون له كما بينه بقوله يحمدون الله في السراء والضراء أي في حالتي السرور والضرر والمراد الدوام لأن الإنسان لا يخلو منهما في الليالي والأيام فكأنه قال يحمدونه على حال وهذا مرتبة بعض أرباب الكمال وهو المعنى بقوله يحمدون الله في كل منزلة أي مرتبة من مراتب الأحوال وقيل معناه في كل منزل ولعل تأنيثه باعتبار البقعة


والناحية أي إذا نزلوا منزلا شكروا الله تعالى عليه لأنه آواهم إلى المنزل والسكون فيه ويلائمه قوله ويكبرونه على كل شرف بفتحتين أي مكان مرتفع تعجبا لعظمة الله تعالى وقدرته لما يشرفون منها على عجائب خلقه كما أنهم يسبحون في كل هبوط رعاة بضم الراء جمع راع أي أمته مراعون للشمس أي لطلوعها واستوائها وغروبها محافظة لأوقات الصلاة وأداء أوراد العبادات وقد روى الحاكم عن عبد الله بن أبي أوفي مرفوعا إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس


والقمر والنجوم والأظلة لذكر الله وقوله يصلون الصلاة إذا جاء وقتها استئناف تعليل لما سبق أي يراقبون ذلك وينظرون سيرها ليعرفوا مواقيت الصلاة كيلا يفوت عنهم الصلاة في وقتها ثم استأنف لبيان بقية أحوالهم بقوله يتأزرون بتشديد الزاي أي يشدون إزارهم على أنصافهم أي من السرة إلى الركبة ويؤيده ما في بعض نسخ المصابيح على أوساطهم أو يشدون معقد السراويل والمراد مبالغتهم في ستر عورتهم ويجوز أن يكون على بمعنى إلى أي أن أزرهم إلى أنصاف سوقهم قال الطيبي فيه إدماج بمعنى التجلد والتشمر للقيام إلى الصلاة لأن من شد إزاره إلى ساقه تشمر لمزاولة ما اهتم بشأنه أو يكون كناية عن التواضع كما أن جر الإزار كناية عن الكبر والخيلاء ويتوضؤون أي ويصبون ماء الوضوء على أطرافهم أي على أماكن الوضوء ويسبغونها مناديهم أي مؤذنهم ينادي في جو السماء أي في مكان مرتفع من منارة ونحوها صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء أي في كونهم كأنهم بنيان مرصوص قال الطيبي شبه صفوفهم في الجماعات بسبب مجاهدتهم النفس الأمارة والشيطان بصف القتال والمجاهدة مع أعداء الدين وأخرجه مخرج التشابه في التشبيه إيذانا بأن كل واحد منهما يصح أن يكون مشبها ومشبها به بل أخر ذكر صف الصلاة ليكون مشبها به لكونه أبلغ لهم بالليل دوي بفتح الدال وتشديد الياء أي صوت خفي بالتسبيح والتهليل وقراءة القرآن كدوي النحل هذا لفظ المصابيح وروى الدارمي مع تغيير يسير قلت كان الأولى ايراد لفظ الدارمي فإنه من أجل المخرجين ونقله أكمل عند المحدثين وعن عبد الله بن سلام قال مكتوب في التوراة خبر قوله صفة محمد أي نعته وجملة قوله وعيسى ابن مريم يدفن معه عطف على المبتدأ أي ومكتوب فيها أيضا أن عيسى يدفن معه قال الطيبي هذا هو المكتوب في التوراة أي مكتوب في التوراة صفة محمد كيت وكيت وعيسى ابن مريم يدفن معه أو المكتوب صفة محمد كذا وعيسى بن مريم يدفن معه قال أبو مودود وهو أحد رواة


الحديث مدني ذكره الطيبي وقال المؤلف هو عبد العزيز بن سليمان المدني رأى أبا سعيد الخدري وسمع السائب بن بريد وعثمان بن ضحاك وعنه ابن مهدي والعقبي وكامل وثقوه توفي في إمارة المهدي له ذكر في باب
فضائل سيد المرسلين وقد بقي في البيت أي في حجرة عائشة موضع قبر فقيل بينه وبين الصديقين وهو الأقرب إلى الأدب وقيل بعد عمر وهو الأظهر فقد قال الشيخ الجزري وكذا أخبرنا غير واحد ممن دخل الحجرة ورأى القبور الثلاثة على هذه الصفة النبي مقدم وأبو بكر متأخر عنه رأسه تجاه ظهر النبي ورأس عمر كذلك من أبي بكر تجاه رجلي النبي وبقي موضع قبر واحد إلى جنب عمر وقد جاء أن عيسى عليه السلام بعد لبثه في الأرض يحج ويعود فيموت بين مكة والمدينة فيحمل إلى المدينة فيدفن في الحجرة الشريفة إلى جنب عمر فيبقى هذان الصحابيان الكريمان مصحوبين بين هذين النبيين العظيمين عليهما الصلاة والسلام ورضي الله عنهما إلى يوم القيام رواه الترمذي
الفصل الثالث
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن الله تعالى فضل محمدا على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا يا أبا عباس هو كنية ابن عباس بم فضله أي الله على أهل السماء كأنهم قدموا الأهم فالمهم أو هو على منوال يوم تبيض وجوه آل عمران الآية قال إن الله تعالى قال لأهل السماء ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين وقال الله تعالى لمحمد إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال الطيبي يفهم التفضيل من صولة الخطاب وغلظته في مخاطبة أهل السماء وفرض ما لا يتأتى منهم وجعله كالواقع وترتب الوعيد الشديد عليه إظهارا لكبريائه وجلاله وأنهم بعداء من أن ينسبوا إلى ما يشاركونه كقوله وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا الصافات تحقيرا لهم وتصغيرا لشأنهم ومن ملاطفته في الخطاب معه وأن ما صدر ويصدر منه مغفور وجعل فتح مكة علة للمغفرة


والنصرة وإتمام النعمة والهداية إلى الصراط المستقيم وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين اه وخلاصة كلامه أنه تعالى غلظ في وعيد خطابهم ولاطف في خطاب وعده لكن فيه نظر فإنه سبحانه قد بالغ في مدحهم في مواضع كثيرة على ما يخفى ومنه ما قبل هذه الآية وقالوا اتخذ الرحمان ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون الأنبياء وغلظ في الوعيد لنبيه على طريق الفرض والتقدير بالخطاب كقوله لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين الزمر مع أن المراد بقوله ومن يقل منهم يحتمل أن يكون من الملائكة أو من الخلائق قال القاضي يريد به نفي البنوة وادعاء ذلك عن الملائكة وتهديد المشركين بتهديد مدعي الربوبية اه فالأولى أن يقال في وجه التفضيل إن هذه الآية تدل على أنه مبعوث إلى الملائكة أيضا كما قال به بعض العلماء قالوا وما فضله أي زيادة فضله على الأنبياء قال قال الله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء الآية أي ويهدي من يشاء وقال الله تعالى لمحمد وما أرسلناك إلا كافة للناس قال الطيبي وأما بيان فضله على الأنبياء فإن الآية دلت على أن كل نبي مرسل إلى قوم مخصوص وهو مرسل إلى كافة الناس ولا ارتياب أن الرسل إنما بعثوا لإرشاد الخلق إلى الطريق المستقيم وإخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام فكل من كان منهم في هذا الأمر أكثر تأثيرا كان أفضل وأفضل وكان له فيه القدح المعلى وحاز قصب السبق إذ لم يكن مختصا بقوم دون قوم وزمان دون زمان بل دينه انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وتغلغل في كل مكان واستمر امتداده على وجه كل زمان زاده الله شرفا على شرف وعزا على عز ما ذر شارق ولمح بارق فله الفضل بحذافيره سابقا ولاحقا فأرسله إلى الجن والإنس أي كما يستفاد من بقية الآيات القرآنية


نحو قوله تعالى وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الأحقاف ونحو قوله عز وجل يا معشر الجن والإنس الرحمان على ما في سورة الرحمان فذكر الناس من باب الاكتفاء تعظيما أو تغليبا أو لأنه يعمهم ففي القاموس الناس يكون من الإنس ومن الجن جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه أل وقيل الفاء للتعقيب وظاهر العبارة يقتضي أن تكون للنتيجة وتوجيهه أن تعريف الناس لاستغراق الجنس وكافة إما حال أو صفة مصدر محذوف أي تكف أن يخرج فرد من أفراد هذا الجنس من الإرسال والجن تبع للناس فعلم التزاما أن رسالته عمت الثقلين جميعا


وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه منسوب إلى غفار بكسر أوله قبيلة مشهورة قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبي حتى استيقنت قال الطيبي حتى غاية للعلم أي كيف تدرجت في العلم حتى بلغ علمك غايته التي هي اليقين فقال يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع أي فنزل أحدهما إلى الأرض وكان الآخر بين السماء والأرض أي واقفا فقال أحدهما لصاحبه الظاهر أنه النازل أهو هو وضع أحدهما موضع هذا قال نعم قال فزنه برجل فوزنت به بصيغة المجهول فوزنته على بناء الفاعل أي غلبته في الوزن ورجحته ثم قال زنه بعشرة فوزنت بهم فرجحتهم ثم قال زنه بمائة فوزنت بهم فرجحتهم ثم قال زنه بألف فوزنت بهم فرجحتهم كأني أنظر إليهم أي إلى الألف الموزون ينتثرون أي يتساقطون علي من خفة الميزان أي من خفة تلك الكفة قال فقال أحدهما لصاحبه لو وزنته بأمته أي بجميع الخلق من قومه لرجحها قال الطيبي وفيه أن الأمة كما يفتقرون في معرفة كون النبي صادقا إلى إظهاره خوارق العادات بعد التحري كذلك النبي يفتقر في معرفته كونه نبيا إلى أمثال هذه الخوارق قلت وهذا أيضا يصلح أن يكون جوابا عن الإشكال المذكور المشهور في سؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام رب أرني كيف تحيي الموتى البقرة رواهما أي الحديثين الدارمي وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله كتب أي أوجب علي النحر أي الأضحية وقال الطيبي أي وجب وعنى به قوله تعالى فصل لربك وانحر الكوثر ولم يكتب عليكم قيل النحر كان واجبا على رسول الله وإن لم يكن غنيا لخبر ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الضحى والأضحى والوتر ذكره ابن الملك في شرح المشارق في حديث نزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمان الرحيم


إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر الكوثر وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها قال الطيبي لم يوجد في الأحاديث وجوب الضحى عليه سوى هذا الحديث رواه الدارقطني قال ابن حجر في شرح الشمائل رواية الداقطني أمرت الخ ضعيفة وأما ما قيل إنها من خصائصه ففيه أن الذي من خصوصياته كما صرحوا به وجوب أصل صلاتها لا تكرارها كل يوم قلت وقد رواه أحمد والطبراني في الكبير عن ابن عباس أيضا بلفظ كتب علي الأضحى ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها فأقل مرتبة هذا الحديث أن يكون حسنا ولولا ثبوته لما عدت من خصائصه ثم المتبادر من وجوبها عليه أن يكون في كل يوم كما في بقية الواجبات الشرعية نعم الأولى أن يقال إنه لا يلزم من الأمر الوجوب لاحتمال أن يكون للاستحباب ويدل عليه ما رواه الدارقطني عن أنس مرفوعا أمرت بالوتر والأضحى ولم يعزم علي ورواه أحمد عن ابن عباس أمرت بالوتر وركعتي الضحى ولم يكتب والجمع بين الأدلة أن أصلها واجب واستمرارها مستحب والله تعالى أعلم


باب أسماء النبي وصفاته
الظاهر أنه عطف تفسير فإنه ليس له اسم جامد نعم له أسماء نقلت من الوصفية إلى العلمية كأحمد ومحمد وغيرهما وله صفات باقية على أصلها مختصة به أو اشترك فيها غيره والأظهر أن المراد بالأسماء هو المعنى الأعم منهما وبالصفات الشمائل التي يأتي بيانها ثم من القواعد المقررة أن كثرة الأسماء تدل على عظمة المسمى ففي شرح مسلم للنووي ذكر أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي عن بعضهم أن لله تعالى ألف اسم وللنبي ألف اسم أيضا ثم ذكر منها على التفصيل بضعا وستين وقال ابن الجوزي في الوفاء ذكر أبو الحسين بن الفارس اللغوي أن لنبينا اثنين وعشرين اسما وذكرها الطيبي مفصلا وقد أفرد السيوطي رسالة سماها البهجة السوية في الأسماء النبوية وقد اشتملت على بضعة وخمسمائة من الصفات المصطفوية ولخصتها بإخراج تسعة وتسعين اسما من صفاته العليا على طبق عدد أسماء الله الحسنى والآن اقتصر على ما يرد في الأحاديث الآتية مما للمقصود هي الشافية والكافية والوافية

الفصل الأول


عن جبير بن مطعم قال سمعت النبي يقول إن لي أسماء أي كثيرة عظيمة شهيرة أنا محمد فقيل هو اسم مفعول من التحميد وهو المبالغة في الحمد يقال حمدت فلانا أحمده إذا أثنيت عليه بجلائل خصاله وأحمدته إذا وجدته محمودا أو يقال هذا الرجل محمود فإذا بلغ النهاية في ذلك وتكاملت فيه المحاسن والمناقب فهو محمد قال الأعشى يمدح بعض الملوك إلى الماجد الفرع الجواد المحمد أراد الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة وهذا البناء أبدا يدل على بلوغ النهاية كما تقول في الحمد محمد وفي الذم مذمم وقيل هذا البناء للتكثير نحو فتحت الباب فهو مفتح إذا فعلت به ذلك مرة بعد أخرى ومحمد اسم منقول على سبيل التفاؤل أنه سيكثر حمده أقول وقد كان في الظاهر ما أضمر في الباطن وسيحمده الأولون والآخرون في المقام المحمود تحت اللواء الممدود وأنا أحمد أفعل تفضيل من الحمد قطع متعلقة للمبالغة أي أحمد من كل حامد أو محمود بناء على أنه للفاعل أو المفعول والأول أظهر لئلا يتكرر ولأنه تعالى يلهمه المحامد يوم القيامة لم يلهمها أحدا من الأولين والآخرين فهو جامع بين الحامدية والمحمودية كما جمع له بين المحبة والمحبوبية والمريدية والمرادية وقد أشرت إلى بعض النكات الصوفية مما هو من المشارب الصفية في رسالتي المسماة بالصلوات العلوية على الصلوات المحمدية هذا وقال ابن الجوزي في الوفاء قال ابن قتيبة ومن أعلام نبوة نبينا أنه لم يسم قبله أحد باسمه صيانة من الله تعالى لهذا الاسم كما فعل بيحيى إذ لم يجعل له من قبل سميا وذلك أنه تعالى سماه في الكتب المتقدمة وبشر به الأنبياء فلو جعل الاسم مشتركا فيه شاعت الدواعي ووقعت الشبهة إلا أنه لما قرب زمنه وبشر أهل الكتاب بقربه سموا أولادهم بذلك وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر لأنه


بعث والدنيا مظلمة بغيابة الكفر فأتى بالنور الساطع حتى محا الكفر قال النووي ويحتمل أن يراد به الظهور بالحجة والغلبة كما قال تعالى ليظهره على الدين كله التوبة وجاء في حديث آخر مفسرا بالذي محيت به سيئات من تبعه كما قال تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف الأنفال وأنا الحاشر أي ذو الحشر الذي يحشر أي يجمع الناس على قدمي بفتح الميم وتشديد الياء وفي نسخة بالكسر والتخفيف أي على أثري قال النووي ضبطوه بتخفيف الياء على الافراد وتشديدها على التثنية قال الطيبي والظاهر على قدميه اعتبارا للموصول إلا أنه اعتبر المعنى المدلول للفظة أنا وفي شرح السنة أي يحشر أول الناس لقوله أنا أول من تنشق عنه الأرض وقال النووي أي على أثري وزمان نبوتي وليس بعدي نبي قال الطيبي هو من الإسناد المجازي لأنه سبب في حشر الناس لأن الناس لم يحشروا ما لم يحشر وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي الظاهر أن هذا تفسير للصحابي أو من بعده وفي شرح مسلم قال ابن الأعرابي العاقب الذي يخلف في الخير من كان قبله ومنه يقال عقب الرجل لولده متفق عليه ورواه مالك والترمذي والنسائي وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال كان رسول الله يسمي لنا نفسه أسماء فقال أنا محمد وأنا أحمد والمقفي بكسر الفاء المشددة في جميع الأصول المصححة أي المتبع من قفا أثره إذا تبعه يعني أنه آخر الأنبياء الآتي على أثرهم لا نبي بعده وقيل المتبع لآثارهم امتثالا لقوله تعالى فبهداهم اقتده الأنعام وفي معناه العاقب وفي بعض نسخ الشمائل بفتح الفاء المشددة لأنه قفى به قال الطيبي قيل هو على صيغة الفاعل وهو المولى الذاهب يقال قفى عليه أي ذهب به فكأن المعنى هو آخر الأنبياء فإذا قفي فلا نبي بعده فمعنى المقفي والعاقب واحد لأنه تبع الأنبياء أو هو المقفي لأنه المتبع للنبيين وكل شيء تبع شيئا فقد قفاه يقال هو يقفو أثر فلان أي يتبعه قال تعالى ثم قفينا على آثارهم


برسلنا الحديد هذا أحد الوجهين والوجه الآخر أن يكون المقفي بفتح القاف ويكون مأخوذا من القفي والقفي الكريم والضيف والقفاوة البر واللطف فكأنه سمي المقفي لكرمه وجوده وفضله والوجه الأول أحسن وأوضح أقول والظاهر أن هذا الوجه الثاني لا وجه له بل هو تصحيف لمخالفته أصول المشكاة والشمائل
والشفاء والحاشر ونبي التوبة لأنه تواب كثير الرجوع إلى الله تعالى لقوله إني أستغفر الله في اليوم سبعين مرة أو مائة مرة أو لأنه قبل من أمته التوبة بمجرد الاستغفار بخلاف الأمم السالفة قال تعالى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما النساء ولما كان هذا المعنى مختصا به سمي نبي التوبة ونبي الرحمة قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء وقال إنما أنا رحمة مهداة والرحمة العطف والرأفة والإشفاق لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ولذا كانت أمته أمة مرحومة لأن النبي ما يرحم إلا من رحمة الله رواه مسلم وكذا أحمد على ما ذكره السيوطي عنهما لكن بلفظ المرحمة ثم قال وزاد الطبراني في الكبير ونبي الملحمة وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم أي ذمهم والاستفهام للتقرير ثم بين وجه الصرف مستأنفا بقوله يشتمون بكسر التاء أي يسبون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد أي لا مذمم والمعنى أن ما ذكروه أوصاف المذمم وأنا بحمد الله محمد وقيل كانوا يسمونه بمذمم مكان محمد قال التوربشتي يريد بذلك تعريضهم إياه بمذمم مكان محمد وكانت العوراء بنت حرب زوجة أبي لهب تقول مذمما قلينا ودينه أبينا وأمره عصينا رواه البخاري وعن جابر بن سمرة قال كان رسول الله قد شمط بكسر الميم أي شاب مقدم رأسه ولحيته ففي المغرب شمط بالكسر إذا ابيض شعر رأسه يخالط سواده


والوصف أشمط وبالفارسية دوموي فالمعنى ظهر الشيب في شعر رأسه ولحيته وكان أي هو أو شيبه إذا ادهن بتشديد الدال أي استعمل الدهن لم يتبين أي لم يظهر الشيب وإذا شعث بكسر العين أي تفرق رأسه أي شعره تبين أي ظهر بعض الشيب قال الطيبي دل هذا على أنه عند الادهان يجمع شعر رأسه ويضم بعضه إلى بعض وكانت الشعرات البيض من قلتها لا تتبين فإذا شعث رأسه تبين أقول والأظهر أن شعث الرأس كناية عن عدم الادهان ويدل عليه ما رواه الترمذي عن جابر بن سمرة أيضا سئل عن شيب رسول الله فقال كان إذا ادهن رأسه لم ير منه شيب فإن لم يدهن رؤي منه وقد روى الترمذي عن ابن عمر قال إنما كان شيب رسول الله نحوا من عشرين شعرة بيضاء وعن أنس قال ما عددت في رأس رسول الله ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء وكان كثير شعر اللحية أي كثيفها لا خفيفها أو المراد أنه لم يكن كوسجا فقال رجل وجهه مثل السيف يعني في البريق واللمعان لكن لما كان يوهم الطول أيضا قال أي جابر لا بل كان أي وجهه مثل الشمس والقمر أي في قوة الضياء وكثرة النور ويمكن أن يكون الاستفهام مقدرا فالتقدير أوجهه مثل السيف فقال لا الخ ثم قال تتميما للمبنى وتعميما للمعنى وكان أي وجهه مستديرا أي مائلا إلى التدوير إذ ورد في شمائله أنه لم يكن مكلثم الوجه قال الطيبي رده الراوي ردا بليغا حيث شبهه بالسيف الصقيل ولما لم يكن الوجه شاملا للطرفين قاصرا عن تمام المراد من الاستدارة والاشراق الكامل والملاحة قال لا بل كان مثل الشمس في نهاية الإشراق والقمر في الحسن والملاحة ولما لم يفهم منه الاستدارة عرفا قال وكان مستديرا بيانا للمراد فيهما ورأيت الخاتم بفتح التاء ويكسر أي خاتم النبوة عند كتفه مثل بيضة الحمامة أي مدورا يشبه أي لونه جسده أي لون سائر أعضائه والمعنى لم يخالف لونه لون بشرته وفيه نفي البرص رواه مسلم وفي الجامع مكان خاتم النبوة في ظهره بضعة ناشزة أي قطعة لحم مرتفعة عن الجسم رواه


الترمذي في الشمائل عن أبي سعيد وفي رواية للترمذي عن جابر بن سمرة كان خاتمه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة وقد جمعت غالب طرق ألفاظ الحديث وبينت مبانيه وأوضحت معانيه في شرح الشمائل
وعن عبد الله بن سرجس بالسينين المهملتين وبينهما جيم بوزن نرجس كذا في أسماء الرجال للمؤلف ونرجس على ما في القاموس بكسر النون وفتحها معروف ذكره في رج س فالنون زائدة فيفيد كونه غير منصرف على ما في بعض النسخ والمعتمدة ما في بعضها من فتح السين وسكون الراء وكسر الجيم مصروفا وهو المطابق لما في المغني وفي نسخة بفتح الجيم وما رأيت له وجها قال رأيت النبي وأكلت معه خبزا ولحما أو قال ثريدا شك في اللفظ واتحاد في المعنى أو اختلاف في المراد وقد جاء في رواية أبي داوود والحاكم عن ابن عباس أنه كان أحب الطعام إليه الثريد من الخبز والثريد من الحيس ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسر بكسر المعجمة الأولى أعلى الكتف وقيل عظم رقيق على طرفها كذا في النهاية وتبعه ابن الملك وقال شارح الناغض الغضروف وهو ما لان من العظم وقيل أصل العنق وقيل ما ارتفع من الكتف وهو أعلاه ولا اختلاف بين هذا وبين ما هو المشهور من أنه بين كتفيه لأنه يحتمل أنه وجده كذلك والقول المشهور لا يدل على كونه بينهما على السواء بل يحتمل أن يكون بينهما على التفاوت من إحدى الجانبين أو كان على السواء وخيل إليه أنه إلى اليسرى أقرب وكذلك القول فيمن روي عنه أنه عند كتفه اليمنى جمعا بضم الجيم وسكون الميم ففي النهاية الجمع هو أن تجمع الأصابع وتضمها يقال ضربه بجمع كفه بضم الجيم اه وأما ضم الميم فغلط من الراوي كذا ذكره بعضهم وفي المصابيح جميعا أي مجموعا قال الإمام التوربشتي إني لا أحققه في رواية والأشبه أنه غلط من الكاتب وفي كتاب مسلم مثل الجمع بضم الجيم وهو الكف حين تقبضها ويؤيده ما ورد في صفة خاتم النبوة كالكف وفي كتاب مسلم من طريق أخرى جمعا أي


كجمع فنصبه بنزع الخافض قال ابن الملك ويروي بفتح الجيم فنصبه على أنه حال أي نظرت إليه مجموعا أي مجتمعا قال النووي وظاهر قوله جمعا يحتمل أن يكون المراد تشبيهه به في الهيئة وأن يكون في المقدار والمراد به هنا الهيئة ليوافق قوله مثل بيضة الحمام عليه خيلان بكسر أوله جمع خال وهي نقطة تضرب إلى السواد وفي النهاية وهو الشامة في الجسد كأمثال الثآليل بفتح المثلثة وبمد الهمزة وكسر اللام الأولى جمع ثؤلول بضم الثاء وسكون الهمزة خراج صلب يخرج على الجسد له نتوء واستدارة وفي النهاية وهو هذه الحبة التي تظهر في الجسد مثل الحمصة فما دونها وبالفارسية زخ بفتح الزاي وسكون الخاء المعجمة رواه مسلم


وعن أم خالد بنت خالد بن سعيد قيل أسلم بعد أبي بكر فهو ثالث أو رابع في الإسلام قال المؤلف هو ابن العاص والأموية وهي مشهورة بكنيتها ولدت بأرض الحبشة وقدم بها إلى المدينة وهي صغيرة ثم تزوجها الزبير بن العوام روى عنها نفر قالت أتى النبي أي جيء بثياب فيها خميصة أي في جملتها كساء أسود مربع له علمان ذكره المظهر فقوله سوداء تأكيد أو تجريد صغيرة فقال ائتوني بأم خالد فأتي بها أي بأم خالد تحمل حال من الضمير في بها أي محمولة لأنها طفلة فأخذ الخميصة بيده فألبسها لا يخفى ما فيه وفيما قبله من النقل بالمعنى أو الالتفات في المبنى قال استئناف بيان أبلي أمر مخاطبة لها من الإبلاء وهو جعل الثواب خلقا وأخلقي من الإخلاق بمعناه وجمع بينهما للتأكيد والمراد بهما الدعاء فقوله ثم أبلي وأخلقي زيادة مبالغة في الدعاء لها بطول عمرها ثم اعلم أن أخلقي بالقاف في النسخ المصححة وروي بالفاء فهو تأسيس لا تأكيد لفظا وإن كان يؤول إليه معنى أي واخلقي ثوبا بعد ثوب فإن الإخلاف غالبا لا يكون إلا بعد الإخلاق ويؤيده ما رواه أبو داوود أنه إذا رأى على صاحبه ثوبا جديدا قال له تبلي ويخلف الله وفي الحصن أبل وأخلق ثم أبل وأخلق ثم أبل وأخلق فذكره بصيغة الإفراد ثلاث مرات ولعله نقل بالمعنى أو وقع خطابه لأحد من أصحابه من غيرها بهذا الدعاء ثلاث مرات والله أعلم وكان فيها أي في الخميصة علم أخضر أو أصفر فقال يا أم خالد هذا أي العلم أو هذا الثوب سناه أي حسن وهو بفتح السين المعملة فنون فألف فهاء السكت وفي نسخة بكسر السين وروي سنه بلا ألف ونون خفيفة وروي بنون مشددة وهي بفتح أوله عند الجميع إلا الفارسي فإنه يكسرها وهي أي كلمة سناه بالحبشية أي بلغة الحبشة حسنة أنثها باعتبار تأنيث مبتدئة وهو هي وهو من كلام أم خالد أو تفسير من غيرها قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي أي صاح علي وزجرني وهددني ونهاني عن ذلك فقال رسول الله دعها أي لتتبرك


بالخاتم أيضا كما تبركت بإلباس الخلعة الشريفة وهذا يدل على كمال حلمه وكرمه وحسن عشرته مع صحابته وقد أشار الشيخ الصمداني شهاب الدين السهروردي قدس سره في عوارفه إلى أن استناد
المشايخ الصوفية في لبس الخرقة بهذا الحديث أقول ولعله أراد الباس خرقة التبرك دون إلباس خرقة الاجازة رواه البخاري وكذا أبو داود وعن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله ليس بالطويل البائن أي الباعد عن حد الاعتدال والمفرط طولا الذي يعد من قدر الرجال الطوال أو الظاهر البين طوله من بان إذا بعد أو ظهر ولا بالقصير أي المتردد كما في رواية والحاصل أنه كان معتدل القامة لكن إلى الطول أميل فإن النفي نصب إلى قيد وصف البائن فثبت أصل الطول ونوع منه فهو بالنسبة إلى الطول البائن قصير ولذا قيد نفي القصير بالمتردد ويؤيده أنه جاء في رواية أنه ربعة إلى الطول وهذا إنما هو في حد ذاته وإلا فما ماشاه طويل إلا غلبه في الطول وليس بالأبيض الأمهق أي الذي بياضه خالص لا يشوبه حمرة ولا غيرها كلون الثلج والبرص واللبن فالمراد أنه كان نير البياض وقد جاء في رواية أنه كان بياضه مشوبا بالحمرة وهو أحسن أنواع الألوان المستحسنة عند الطباع الموزونة وهذا معنى قوله ولا بالآدم أي الشديد السمرة وليس بالجعد القطط بفتحتين ويكسر الثانية أي الشديد الجعودة كشعور الحبش ولا بالسبط بكسر الموحدة وفتحها وسكونها وهو من السبوطة ضد الجعودة وهو الشعر المنبسط المسترسل كما في غالب شعور الأعاجم ففي القاموس السبط ويحرك وككتف نقيض الجعودة فالمعنى أن شعره كان وسطا بينهما بعثه الله على رأس أربعين سنة المشهور أنه بعث بعد استكمال أربعين سنة فالمراد بالرأس آخر السنة كما في قول القراء والمفسرين من أن رؤوس الآي أواخرها سواء أريد بلفظ الأربعين السنة التي تنضم إلى تسعة وثلاثين أو مجموع السنين من أول الولادة إلى استكمال أربعين سنة هذا وقال صاحب جامع الأصول إن الصحيح عند أهل العلم


بالأثر أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين أي على خلاف في ثلاث وإلا فالصحيح أن عمره ثلاث وستون فمن قال ستين ألغى الكسر ومن قال خمسا وستين أدخل سنة الولادة والوفاة ثم العشر بسكون الشين وأما ما ضبط في بعض النسخ المصححة بفتحها
أيضا فغير معروف وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس أي والحال أنه لا يوجد عند وفاته في رأسه ولحيته عشرون شعرة بسكون العين ويفتح بيضاء يعني بل ما عددت فيها إلا أربع عشرة شعرة بيضاء كما تقدم والله أعلم وفي رواية يصف أي ينعت أنس النبي قال كان ربعة بسكون الموحدة وقد تفتح من القوم يقال رجل ربعة ومربوع إذا كان بين الطويل والقصير فقوله ليس بالطويل ولا بالقصير تفسير وبيان له أزهر اللون خبر بعد خبر لكان أي نير اللون وحسنه وهو المتوسط بين الحمرة والبياض ذكره شارح وقال الطيبي نقلا عن القاضي الأزهر الأبيض المستنير والزهر والزهرة البياض النير وهو أحسن الألوان وقال أي أنس كان شعر رسول الله بفتح العين ويسكن إلى أنصاف أذنيه بضم الذال ويسكن وفي رواية بين أذنيه وعاتقه متفق عليه وفي رواية للبخاري قال كان ضخم الرأس أي عظيمه وهو ممدوح عند العرب لدلالته على عظمة صاحبه وسعادته وإشارته إلى كمال رياسته وسيادته والقدمين للإيماء إلى الشجاعة والثبات والقوة في العبادات لم أر بعده أي بعد شهوده ولا قبله أي قبل وجوده مثله أي مماثلا ومساويا له في جميع مراتب الكمال خلقا وخلقا في كل الأحوال وهذا فذلكة شاهدة لعجزه عن مراتب وصفه ومناقب نعته وكان سبط الكفين أي غليظهما قال أبو عبيدة يعني أنهما إلى الغلظ والقصر أميل وقال غيره هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر ويحتمل أن يكون كناية عن الجود لأن العرب تقول للبخيل جعد الكف وفي ضده سبط الكف وفي أخرى له أي للبخاري قال كان شثن القدمين والكفين بسكون المثلثة أي غليظ الأطراف من شثن بالضم والكسر إذا غلظ ويحمد ذلك في الرجال


لأنه أشد لقبضهم وأدل على قوتهم ويذم في النساء لفوات المطلوب منهن وهو الرعانة ثم المراد غلظ العضو في الخلقة لا خشونة الجلد لما صح عن أنس ما مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول الله
وعن البراء قال كان رسول الله مربوعا أي قريبا منه وإلا فهو أطول منه بعيد ما بين المنكبين روى مكبرا ومصغرا وروي منصوبا على أنه خبر ثان لكان ومرفوعا على حذف المبتدأ له شعر بلغ شحمة أذنيه أي وصلها وفي رواية ابن ماجه والترمذي في الشمائل عن عائشة رضي الله عنها كان شعره دون الجمة وفوق الوفرة والجمة من شعر الرأس ما سقط على المنكبين والوفرة شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن ولعل اختلاف الروايات باعتبار اختلاف الحالات رأيته في حلة حمراء أي فيها خطوط حمر ذكره ابن الملك وقال ابن الهمام هي عبارة عن ثوبين من اليمن فيها خطوط خضر وحمر لا أنه أحمر بحت وقال العسقلاني هي ثياب ذات خطوط قال ميرك فلا دليل فيه لمن قال بجواز لبس الأحمر أقول ولو حمل على ظاهره فلا دلالة أيضا إذ يحتمل أنه من باب الاختصاص أو قبل النهي أو لبيان الجواز فيفيد أن النهي عن الحمرة للكراهة لا للحرمة لم أر شيئا قط أحسن منه وهو أيضا يفيد نفي المساواة عرفا متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وفي رواية لمسلم وكذا للثلاثة قال ما رأيت من ذي لمة بكسر اللام وتشديد الميم في النهاية اللمة من شعر الرأس دون الجمة سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين فإذا زادت فهي الجمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله شعره يضرب أي يصل منكبيه بعيد ما بين المنكبين بالرفع ليس بالطويل ولا بالقصير أي المعيوبين وعن سماك بن حرب بكسر السين تابعي مشهور كوفي قال أدركت ثمانين من أصحاب النبي عن جابر بن سمرة قال كان رسول الله ضليع الفم أي وسيعه


وهو كناية عن غاية الفصاحة ونهاية البلاغة وقال النووي أي عظيمه هكذا قاله الأكثرون وهو الأظهر قالوا والعرب تمدح بذلك وتذم صغر الفم أشكل العينين الأشكل على ما في القاموس ما فيه حمرة وبياض مختلطة أو ما فيه بياض يضرب إلى حمرة منهوش العقبين بالشين المعجمة أي مفرقهما على ما في القاموس في المهملة والمعجمة قيل لسماك ما ضليع الفم قال عظيم الفم في القاموس رجل ضليع الفم أي عظيمه أو واسعه أو عظيم الأسنان متراصفها والعرب تحمد سعة الفم وتذم صغره قيل ما أشكل العينين قال طويل شق العين بفتح الشين قال القاضي عياض تفسير سماك اشكال العينين وهم منه وغلط ظاهر وصوابه ما اتفق عليه العلماء ونقله أبو عبيدة وجميع أصحاب الغريب وهو أن الشكلة حمرة في بياض العين وهو محمود قيل ما منهوش العقبين قال قليل لحم العقب رواه مسلم وكذا الترمذي وعن أبي الطفيل قال المؤلف هو عامر بن واثلة الليثي الكناني غلبت عليه كنيته أدرك من حياة النبي ثماني سنين ومات سنة مائة واثنتين بمكة وهو آخر من مات من الصحابة في جميع الأرض روى عنه جماعة قال رأيت رسول الله كان أبيض مليحا احترازا من كونه أمهق مقصدا بفتح الصاد المشددة أي متوسطا معتدلا وفي النهاية هو الذي ليس بطويل ولا قصير ولا جسيم كأن خلقه يجيء به القصد من الأمور والمعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط رواه مسلم وكذا الترمذي في الشمائل عنه وفي رواية له فيها عن أبي هريرة كان أبيض كأنما صيغ من فضة وروى البيهقي عن علي أنه كان أبيض مشربا بحمرة وعن أبي هريرة إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة وعن ثابت قال المؤلف هو ثابت بن أسلم البناني أبو محمد تابعي من


أعلام أهل البصرة وثقاتهم اشتهر بالرواية عن أنس بن مالك وصحبه أربعين سنة قال سئل أنس عن خضاب رسول الله بكسر الخاء ما يختضب به من خضبه لونه على ما في القاموس فقال إنه لم يبلغ ما يخضب بكسر الضاد قال شارح فاعل يبلغ ضمير عائد إلى شعر النبي وما مصدرية وفاعل يخضب النبي أي لم يبلغ الخضاب وقيل ما موصولة وعائدها محذوف أي يخضبه وهو مفعول يبلغ أي لم يبلغ شعره حدا يخضبه يعني كان بياضه قليلا قال الطيبي أي كان قليل الشيب لا يظهر في بداء النظر فلم يفتقر كتمه بالخضاب لو شئت أن أعد أي أحصي شمطاته بالحركات أي شعراته البيض في لحيته جواب لو محذوف أي لأعدها أو لعددتها أو لفعلت وفي رواية لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه فعلت وهو كناية عن قلة البياض فيها لأن المعدود من أوصاف القليل ومنه قوله تعالى أياما معدودات البقرة ودراهم معدودة يوسف متفق عليه وفي رواية لمسلم قال إنما كان البياض أي صاحبه وهو الشعر الأبيض أو البياض كناية عن الشيب في عنفقته فتح العين وسكون النون ففاء ثم قاف أي شعره النابت تحت شفته السفلى وفوق الذقن وفي الصدغين بضم أوله أي الشعر المتدلي على ما بين العين والأذن وفي الرأس نبذ بفتح النون وسكون الموحدة فذال معجمة أي شيء يسير من شيب وفي نسخة بنون مضمومة فموحدة مفتوحة أي شعرات متفرقة قال الطيبي نبذ مبتدأ وقوله في عنفقته خبره والجملة خبر كان قلت ولا يبعد أن يكون الجملة معطوفة على جملة إنما كان والأظهر أن الجار معطوف على ما قبله من أمثاله ونبذ خبر مبتدأ محذوف هو هو وهو راجع إلى البياض وعن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله أزهر اللون أي أبيض نيرا كان بتشديد النون عرقه اللؤلؤ أي في الهيئة والصفاء والضياء إذا مشى تكفأ بتشديد الفاء فهمز وفي نسخة صحيحة بألف قال النووي هو بالهمز وقد يترك همزة وزعم كثيرون أنه بلا همزة وليس كما قالوا ونقل شارح عن التوربشتي إن الرواية المعتد بها في تكفا بغير


همز وذكر الهروي أن الأصل فيه الهمز ثم تركت قال التوربشتي قيل أي تمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها من قولهم أكفأته وكفأته إذا أملته ويقال كفأت الإناء فانكفأ وتكفأ أو أراد به الترفع عن الأرض مرة واحدة كما يكون مشي الأقوياء وذوي الجلاد بخلاف المتماوت الذي يجر رجله في الأرض ويدل عليه قول الواصف إذا مشى تقدم وفي شرح مسلم قال شمر معناه مال يمينا وشمالا كما تكفأ السفينة قال الأزهري هذا خطأ لأن هذه صفة المختال قال القاضي عياض لا بعد فيما قاله شمر إذا كان خلقة وجبلة والمذموم منه ما كان مستعملا مقصودا ما مسست بكسر السين الأولى ويفتح ديباجة بكسر الدال ويفتح وهو نوع من الحرير ولا حريرا أي مطلقا ألين من كف رسول الله ولا شممت بكسر الميم ويفتح مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحة النبي قال العسقلاني مسست بكسر المهملة الأولى على الأفصح وكذا شممت بكسر الميم الأولى وفتحها لغة ويقال في المضارع أمسه وأشمه بالفتح فيهما على الأفصح وبالضم على اللغة المذكورة وفي القاموس الشم حس الأنف شممته بالكسر أشمه وشممته أشمه بالضم شما متفق عليه وفي الشمائل للترمذي كان رسول الله من أحسن الناس خلقا ولا مسست خزا ولا حريرا قط ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله وفي نسخة من عرف بالفاء وعنه أي عن أنس عن أم سليم بالتصغير كذا في الأصول المعتمدة وفي بعض النسخ وعن أم سليم بدون قوله وعنه قال المؤلف هي بنت ملحان بكسر الميم وفي اسمها خلاف تزوجها مالك بن النضر أبو أنس بن مالك فولدت له أنسا ثم قتل عنها مشركا وأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت ودعته إلى الإسلام فأسلم فقالت إني أتزوجك ولا آخذ منك صداقا لإسلامك فتزوجها أبو طلحة روى عنها خلق كثير أن النبي كان يأتيها أي يجيء بيتها فيقيل بفتح الياء من القيلولة وهي الاستراحة عند الهجيرة وقد تكون مع النوم عندها أي لأنها كانت أم


خادمه وهو أنس ولا دلالة فيه على الكشف أو الخلوة قال النووي أم حرام وأم سليم كانتا خالتين لرسول الله محرمين إما من الرضاع وإما من النسب فيحل له الخلوة بهما فكان يدخل عليهما خاصة ولا يدخل على غيرهما من النساء وقيل إنما كان يقيل عندها لأنها كانت من محارمه من جهة الرضاع وإلا
لم يدخل النبي قبل نزول الحجاب عليها وعلى أختها أم حرام وقد دخل بعده عليهما دون غيرهما من نساء الأنصار والنبي لم يكن رضيعا في المدينة فتعين أن يكون ذلك من قبل أبيه عبد الله فإنه ولد بالمدينة وقال التوربشتي قد وجدت في بعض كتب الحديث أنها كانت من ذوات محارم النبي لأنه لم يكن ليقيل في بيت أجنبية وإذا لم يكن بينه وبينها سبب محرم من رحم ووصلة فلا بد أن يكون ذلك من جهة الرضاع وإذا قد علمنا أن النبي لم يحمل إلى المدينة رضيعا تعين ذلك أن يكون من قبل أبيه عبد الله فإنه ولد بالمدينة وكان عبد المطلب قد فارق أباه هاشما وتزوج بالمدينة في بني النجار وأم حرام وأم سليم بنتا ملحان كانتا من بني النجار فعرفنا من جميع ذلك أن الحرمة بينهم كانت حرمة رضاع ولقد وجدنا الجم الغفير من علماء النقل أوردوا أحاديث أم حرام وأم سليم ولم يبين أحد منهم العلة إما من الغفلة عنها وإما لعدم العلم بها فأحببت أن أبين وجه ذلك كيلا يظن جاهل أنه كان في سعة من ذلك لمكان العصمة ولا يتذرع به مستبيح إلى الترخص بما لا رخصة فيه وأراني والله أعلم أول من وفقت لذلك فواها لها من درة كنت مستخرجها والله أحمد على هذه الموهبة السنية فتبسط أي تفرش أم سليم نطعا بكسر النون وفتحها وسكون الطاء وفي القاموس هو بالكسر وبالفتح وبالتحريك وكعنب بساط من الأديم فيقيل عليه وكان كثير العرق أي لأنه كان كثير الحياء فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب أي في الطيب الذي معها فقال النبي يا أم سليم ما هذا أي الذي تفعلينه قالت عرقك نجعله في طيبنا أي ليطيب طيبنا ببركته أو بزيادته وهو أي عرقك


أو الطيب المخلوط به من أطيب الطيب وفي رواية قالت يا رسول الله نرجو بركته أي كثرة خيره لصبياننا قال أصبت أي فعلت الصواب وفيه استحباب التبرك والتقرب بآثار الصالحين قيل لما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك الطيب متفق عليه وعن جابر بن سمرة قال صليت مع رسول الله صلاة الأولى من باب إضافة الموصوف إلى الصفة والمتبادر أنها الصبح قال النووي وتبعه ابن الملك هي صلاة الظهر ثم خرج أي من المسجد إلى أهله أي متوجها إلى إحدى الحجرات الشريفة
وخرجت معه فاستقبله ولدان جمع وليد وهو الصبي فجعل أي شرع يمسح أي بيديه الكريمتين خدي أحدهم واحدا واحدا حال وأما أنا فمسح خدي بصيغة التثنية وفي نسخة بالإفراد على إرادة الجنس فوجدت ليده بردا أي راحة أو ريحا أي رائحة طيبة والظاهر أن أو بمعنى الواو أو بمعنى بل كأنما أخرجها أي إذا أخرج يده من الكم فكأنه أخرجها من جؤنة عطار بضم الجيم وسكون الهمز ويبدل أي سلته أو حقته وفي النهاية هو بضم الجيم التي يعد فيها الطيب ويحرز قال النووي وفي الحديث بيان طيب ريحه صلوات الله عليه وسلامه وهو ما أكرمه الله سبحانه وتعالى به قالوا وكانت هذه الريح الطيبة صفته وإن لم يمس طيبا ومع هذا كان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات مبالغة في طيب ريحه لملاقاة الملائكة وأخذ الوحي الكريم ومجالسة المسلمين رواه مسلم وذكر حديث جابر سموا باسمي تمامه ولا تكنوا بكنيتي في باب الأسامي وحديث السائب بن يزيد نظرت إلى خاتم النبوة تمامه مثل زر الحجلة في باب أحكام المياه
الفصل الثاني


عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال كان رسول الله ليس بالطويل ولا بالقصير أي بل كان معتدل القامة ضخم الرأس أي عظيمه لدلالته على عظمة رياسته واللحية أي كثيفها دون الكوسج وقد روى الطبراني عن العداء بن خالد أنه كان حسن السبلة أي اللحية شثن الكفين والقدمين أي أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر كذا في النهاية مشربا حمرة أي مخلوط لونه بالحمرة وهو على صيغة المفعول مخففا ويجوز تشديده ففي النهاية الإشراب خلط لون بلون كأن أحد اللونين سقي اللون الآخر يقال بياض مشرب بحمرة بالتخفيف فإذا شدد كان للتكثير والمبالغة ضخم الكراديس أي


عظيم الأعضاء وهو جمع الكردوس وهو كل عظمين التقيا في مفصل نحو المنكبين والركبتين والوركين وقيل رؤوس العظام طويل المسربة بفتح الميم وسكون السين وضم الراء الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة إذا مشى تكفأ بتشديد الفاء بعده همز أو ألف وهو أنسب بقوله تكفيا بكسر الفاء المشددة بعدها تحتية على أن أصله تكفؤا بضم الفاء والهمز فلما خفف ماضيه بالإبدال ألحق مصدره بالمعتل وفي نسخة تكفؤا على الأصل وقال شارح تكفأ تكفؤا بالهمز وهو الميل تارة إلى اليمين وأخرى إلى الشمال في المشي وقيل تكفأ أي اعتمد إلى القدام من قولهم كفأت الإناء إذا قلبته ويؤيده قوله كأنما ينحط بتشديد الطاء أي يسقط من صبب أي منحدر من الأرض فمن تعليلية أو بمعنى في الظرفية ولذا قيل أي يسقط من موضع عال والمعنى يمشي مشيا قويا سريعا وفي شرح السنة الصبب الحدور وهو ما ينحدر من الأرض يريد به أنه كان يمشي مشيا قويا يرفع رجليه من الأرض رفعا بائنا لا كمن يمشي اختيالا ويقارب خطاه تنعما لم أر قبله أي قبل موته لأن عليا لم يدرك زمانا قبل وجوده ولا بعده أي بعد فوته مثله وربما يكون هذا الكلام كناية عن عدم رؤية المماثل له مطلقا مع قطع النظر عن القبلية والبعدية فهذه فذلكة مشتملة على إظهار العجز عن غاية وصفه ونهاية نعته رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وعنه أي عن علي كان إذا وصف النبي أي من جهة خلقه قال لم يكن بالطويل الممغط بضم الميم الأولى وتشديد الثانية المفتوحة وكسر الغين المعجمة أي الممدود من المغط وهو المد وهو من باب الانفعال على ما اختاره ابن الأثير في جامع الأصول وخطأ المحدثين في جعله اسم فاعل من التمغيط ووافقهم الجوهري وتبعه الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح كذا ذكره ميرك وفي النهاية هو بتشديد الميم الثانية المتناهي في الطول من أمغط النهار إذا امتد ومغطت الحبل وغيره إذا مددته وأصله منغمط والنون للمطاوعة فقلبت ميما وأدغمت في


الميم ويقال بالعين المهملة بمعناه ولا بالقصير المتردد أي المتناهي في القصر كأنه تردد بعض خلقه على بعض وانضم بعضه إلى بعض وتداخلت أجزاؤه وكان ربعة من القوم أي متوسطا مما بين أفرادهم فهو في المعنى تأكيد لما قبله ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط تقدم بيان مبناه وتبين معناه وقوله
كان جعدا رجلا بكسر الجيم ويفتح ويسكن أي لم يكن شديد الجعودة ولا السبوطة ولم يكن بالمطهم بتشديد الهاء المفتوحة أي الفاحش السمين وقيل النحيف الجسم وهو من الأضداد قيل هو المنتفخ الوجه ولا بالمكلثم بفتح المثلثة أي المدور وجهه غاية التدوير بل كان وجهه مائلا إلى التدوير ولذا قال وكان في الوجه أي في وجهه تدوير أي نوع تدوير أو تدوير ما والمعنى أنه كان بين الأسالة والاستدارة أبيض أي هو أبيض اللون مشرب أي مخلوط بحمرة أدعج العينين أي أسود العينين مع سعتهما ذكره شارح وفي النهاية الدعج والدعجة شدة السواد في العين وغيرها يريد أن سواد عينيه كان شديدا وكأن الدعج شدة سواد العين في بياضها أهدب الأشفار بفتح الهمز جمع شفر بالضم أي كثير أطراف الجفون كثير الهدب عليها والأهدب الرجل الكثير أشفار العين وأشفارها هي أطراف الجفون التي ينبت عليها الشعر وهو الهدب كذا حققه شارح وفي النهاية أي طويل شعر الأجفان جليل المشاش بضم الميم أي عظيم رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين وقال الجوهري هي رؤوس العظام التي يمكن مضغها وقال شارح أي عظيم رؤوس العظام والمناكب والكتد أي وجليله وهو بفتح الفوقية ويكسر ما بين الكاهل والظهر ذكره شارح وفي النهاية هو مجتمع الكتفين وهو الكاهل أجرد أي الذي ليس على بدنه شعر ولم يكن كذلك وإنما أراد به أن الشعر كان في أماكن من بدنه كالمسربة والساعدين والساقين فإن ضد الأجرد هو الأشعر الذي على جميع بدنه شعر وقد بين بقوله ذو مسربة أنه لم يكن أجرد على الإطلاق ومن أصحاب التجارب من الهند وغيرهم من لا يحمد الرجل إذا


كان في سائر أعضائه أجرد ولا سيما الصدر شثن الكفين والقدمين أي غليظهما الدال على قوة البطش والثبات المشيرين إلى صفة الشجاعة ونعت العبادة إذا مشى يتقلع بتشديد اللام أي يرفع رجليه من الأرض رفعا بائنا بقوة متداركا إحداهما بالأخرى كمشية أهل الجلادة لا كالذي يقارب الخطا احتشاما واختيالا فإن ذلك من مشي النساء ويوصفن به كأنما يمشي أي ينحط في صيب أي منحدر من الأرض ففيه إيماء إلى قوة المشي والميل إلى القدام وإذا التفت أي أراد الالتفات إلى أحد جانبيه التفت معها أي بكليته بمعنى أنه لا يسارق النظر وقيل أراد لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف ولكن كان يقبل جميعا أو يدبر جميعا قال التوربشتي يريد أنه كان إذا توجه إلى الشيء توجه بكليته ولا يخالف ببعض جسده بعضا كيلا يخالف بدنه قلبه وقصده مقصده لما في ذلك من التلون وآثار الخفة بين كتفيه خاتم


النبوة جملة من خبر ومبتدأ وهو خاتم النبيين أجود الناس صدرا إما من الجودة بفتح الجيم بمعنى السعة والانفساخ أي أوسعهم قلبا فلا يمل ولا ينزجر من أذى الأمة ومن جفاء الأعراب وإما من الجود بالضم بمعنى الإعطاء ضد البخل أي لا يبخل على أحد شيئا من زخارف الدنيا ولا من العلوم والحقائق والمعارف التي في صدره فالمعنى أنه أسخى الناس قلبا وأصدق الناس لهجة بسكون الهاء ويفتح أي لسانا ففي القاموس اللهجة اللسان ويحرك وكذا في الصحاح وقال في الديوان اللهجة بفتحتين اللسان وهي الفصحى وبسكون الهاء لغة ضعيفة وفي الفائق روي في اللهجة فتح الهاء وسكونها والفتح أفصح وقال أبو حاتم عن الأصمعي اللهجة بهاء ساكنة ولم يعرف اللهجة وألينهم عريكة أي جانبا وطبيعة ففي النهاية يقال فلان العريكة إذا كان سلسا مطاوعا منقادا قليل الخلاف وأكرمهم عشيرة بفتح فكسر فتحتية أي قبيلة وفي نسخة صحيحة بكسر فسكون أي معاشرة ومصاحبة وقال الطيبي قوله عشرة هكذا هو في الترمذي والجامع أي صحبة وفي المصابيح العشيرة أي الصاحب اه وفيه نظر إذ النسختان موجودتان في الشمائل وغيره على ما بيناه والله تعالى أعلم من رآه بديهة أي أول مرة أو فجأة وبغتة هابه أي خافه وقارا وهيبة من هاب الشيء إذا خافه ووقره وعظمه ومن خالطه معرفة تمييز أحبه أي بحسن خلقه وشمائله والمعنى أن من لقيه قبل الاختلاط به والمعرفة إليه هابه لوقاره وسكونه فإذا جالسه وخالطه بأن له حسن خلقه فأحبه حبا بليغا يقول ناعته أي واصفه عند العجز عن وصفه لم أر قبله أي قبل وجوده أو قبل موته ولا بعده مثله رواه الترمذي أي في جامعه وفي الشمائل وعن جابر رضي الله تعالى عنه أي النبي لم يسلك طريقا أي زقاقا فيتبعه أي فيعقبه أحد إلا عرف أي ذلك التابع أنه أي النبي قد سلكه أي ذلك الطريق من طيب عرفه بفتح فسكون ففاء أي رائحته يعني يتكيف هواء ذلك الطريق بكيفية الطيب منه فيعرف منه أنه قد سلك هذا الطريق أو قال


أي جابر من ريح عرقه بفتحتين فقاف شك من الراوي والمآل واحد إذ المقصود بيان طيب عرقه الخلقي لا طيب عرفه العرفي كما سبق من أنه خصه الله بطيب العرق وقال ابن الملك هذا من خصائصه دون سائر الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام رواه الدارمي
وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال المؤلف عنسي بفتح العين والنون تابعي روى عن جماعة وروى عنه عبد الرحمان بن إسحاق قال قلت للربيع بضم ففتح فتشديد بنت معوذ ابن عفراء بتشديد الواو المكسورة صحابية جليلة صفي أمر مخاطبة من الوصف أي انعتي لنا رسول الله قالت يا بني بتشديد الياء المكسورة أو المفتوحة تصغير شفقة ومرحمة لو رأيته أي نور وجهه وطالعت فيه مطالعة ووافقك الطالع الميمون والبخت الهمايون رأيت الشمس طالعة أي في وجهه كما سيأتي مع وجهه أو التقدير فكأنك رأيت الشمس طالعة وهو أظهر رواه الدارمي وعن جابر بن سمرة قال رأيت النبي في ليلة أي عظيمة إضحيان بكسر الهمزة والحاء وتخفيف التحتية كما في الروايات وهو منصرف وإن كان ألفه ونونه زائدتين لوجود إضحيانة وأصل الكلمة البروز والظهور قال شارح أي ليلة مضيئة لا غيم فيها يقال ليلة إضحيان وإضحيانة وضحياء وضحيانة من الضحو وفي الفائق أي مقمرة من أولها إلى آخرها وأفعلان مما قل في كلامهم فجعلت أنظر إلى رسول الله أي نظرة وإلى القمر أي أخرى لا نظر الترجيح بينهما في الحسن الصوري وعليه حلة حمراء جملة حالية معترضة فإذا هو أحسن عندي أي في نظري أو معتقدي ولفظ الترمذي في الشمائل فلهو عندي أحسن من القمر أي لزيادة الحسن المعنوي فيه كما قال بعض أرباب العشق من أهل المجاز مخاطبا لمحبوبه يشابهك القمر لكن من أين له الكلام وسائر مراتب النظام رواه الترمذي والدارمي وعن أبي هريرة قال ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله أي في الصورة


مع قطع النظر عن السيرة كأن بتشديد النون أي رأيته كأن الشمس تجري في وجهه قال الطيبي شبه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه وفيه معنى قول الشاعر يزيد ك وجهه حسنا إذا ما زدته نظرا وفيه أيضا عكس التشبيه للمبالغة وما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله أي مع تحقق وقاره وسكونه ورعاية اقتصاده ممتثلا قوله تعالى واقصد في مشيك لقمان كأنما الأرض تطوى له بصيغة المجهول أي تزوى وتجمع على طريق خرق العادة تهوينا عليه وتسهيلا لأمره وإنا استئناف بيان أي نحن لنجهد أنفسنا بضم النون وكسر الهاء وفي نسخة بفتحهما من الإجهاد أو الجهد وهما الحمل على الشيء فوق طاقته قال التوربشتي يجوز فيه فتح النون وضمها يقال جهد دابته وأجهدها إذا حمل عليها فوق طاقتها فالمعنى إنا لنحمل على أنفسنا من الإسراع عقيبه فوق طاقتها وإنه لغير مكترث بكسر الراء أي غير مبال بمشينا أو غير مسرع بحيث تلحقه مشقة فكأنه يمشي على هينة يقال مبال به أي متعب نفسه فيه ويقال اكترث بالأمر إذا بالى به كذا ذكره شارح وفي النهاية أي غير مبال ولا يستعمل إلا في النفي وأما في الإثبات فشاذ رواه الترمذي وعن جابر بن سمرة قال كان في ساقي رسول الله حموشة بضم الحاء المهملة والميم أي دقة ولطافة مناسبة لسائر أعضائه وكان لا يضحك أي في غالب أحواله إلا تبسما وهو مقدمة الضحك فيحتمل أن يجعل الاستثناء متصلا أو منقطعا قال الطيبي جعل التبسم من الضحك واستثناه منه فإن التبسم من الضحك بمنزلة السنة من النوم ومنه قوله تعالى فتبسم ضاحكا من قولها النمل أي شارعا في الضحك وكنت بصيغة المتكلم ولو روي بالخطاب لكان له وجه إذا نظرت إليه أي رأيته قلت أي في ضميري أكحل العينين أي هو مكحل العين وليس بأكحل بل كانت عينه كحلاء من غير اكتحال رواه الترمذي وقوله كان لا يضحك إلا تبسما رواه أحمد والحاكم أيضا

الفصل الثالث


عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله أفلج الثنيتين وفي نسخة من الشمائل أفلج الثنايا في النهاية الفلج بالتحريك فرجة ما بين الثنايا والرباعيات والفرق فرجة بين الثنيتين اه كلامه وفي الحديث استعمل فلج موضع فرق كذا ذكره الطيبي والمفهوم من القاموس عدم الفرق حيث قال الفلج بالتحريك تباعد ما بين القدمين وتباعد ما بين الأسنان وهو أفلج الأسنان ولا بد من ذكر الأسنان يعني ليحصل الفرق إذا تكلم روى مجهول رئي أي أبصر كالنور أي شيء مثل النور يخرج أي حال كونه يظهر من بين ثناياه وهو إما أن يراد به كلامه النوراني أو أمر زائد يدركه الذوق الوجداني ولا منع من الجمع لما رواه أحمد عن أبي الدرداء من أنه كان لا يحدث حديثا إلا تبسم ولعل العارف ابن الفارض أشار إليه في قوله عليك بها صرفا فإن شئت مزجها فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم قال الطيبي الضمير في يخرج يجوز أن يرجع إلى ما دل عليه تكلم وأن يرجع إلى النور والكاف زائدة نحو قولك مثلك يجود فعلى الأول تشبيه وجه البيان والظهور كما سميت الحجة الظاهرة بالنور وعلى الثاني لا تشبيه فيه فيكون من معجزاته رواه الدارمي وكذا الترمذي في الشمائل وعن كعب بن مالك قال كان رسول الله إذا سر بضم السين وتشديد الراء أي فرح وصار مسرورا استنار وجهه حتى كأن بتشديد النون وجهه قطعة قمر لعل


الإضافة بيانية أو بمعنى من نظر إلى أصل القمر من الكبر لا بحسب بادىء الرأي في النظر وكنا نعرف ذلك أي من عادته أو ذلك لا يختص بي بل لا يخفى على أحد منا قال الطيبي حال مؤكدة أي كان ظاهرا جليا لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة متفق عليه وعن أنس أن غلاما أي ولدا يهوديا أي واحدا من اليهود كان يخدم بضم الدال ويكسر النبي فمرض أي الغلام فأتاه النبي يعوده تواضعا وجزاء ورجاء فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة أي بعضا منها كما يقرأ سورة يس عندنا حالة النزع فقال له أي لأبيه رسول الله يا يهودي أنشدك بضم الشين أي أقسم عليك بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أي في بعض آياتها نعتي أي باعتبار ذاتي وخلقتي وصفتي أي باعتبار أفعالي وأحوالي ومخرجي أي مكان خروجي أو زمانه من ولادة أو بعثة أو هجرة قال لا قال الفتى أي الغلام بلى والله يا رسول الله إنا نجد لك في التوراة نعتك ووصفك وفي نسخة صحيحه وصفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال النبي لأصحابه أقيموا هذا أي أباه من عند رأسه ولو أخاكم الواو للعطف على أقيموا ولو أمر مخاطب من ولي الأمر يليه إذا تولاه أي كونوا وإلي أمر أخيكم في الإسلام وتولوا أمر تجهيزه وتكفينه وسائر الأحكام قال السيد جمال الدين المحدث وبعض محدثي زماننا قرأ هذه الكلمة على أنها حرف شرط وهو تصحيف وتحريف رواية ودراية رواه البيهقي في دلائل النبوة وعن أبي هريرة عن النبي أنه قال إنما أنا رحمة مهداة بضم الميم أي ما أنا إلا رحمة للعالمين أهداها الله إليهم فمن قبل هديته أفلح وظفر ومن لم يقبل خاب وخسر
كقوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء رواه الدارمي والبيهقي في شعب الإيمان وكذا ابن سعد والحكيم عن أبي صالح مرسلا والحاكم في مستدركه عنه عن أبي هريرة مرفوعا


باب في أخلاقه وشمائله
في النهاية الخلق بضم اللام وسكونها الدين والطبع والسجية وحقيقته أن صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها المختصة بها بمنزلة الخلق كصورتها الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر ما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة والشمائل جمع شمال وهو الخلق انتهى والشمال بالكسر بمعنى الطبع لا بمعنى اليسار ومنه قوله تعالى يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل النحل ولا بالفتح والهمز لأنه بمعنى الريح وكل منهما غير مناسب للباب
الفصل الأول
عن أنس رضي الله عنه قال خدمت النبي عشر سنين وفي رواية مسلم تسع سنين فما قال لي أف بضم الهمز وكسر الفاء المشددة وفي نسخة بفتحها وفي نسخة بتنوين المكسورة وهي ثلاث قراءات متواترات وقال النووي في شرح مسلم فيه عشر لغات أف بضم الفاء وفتحها وكسرها بلا تنوين وبالتنوين ثلاثة أخر وأف بضم الهمزة وإسكان الفاء وأف بكسر الهمزة وفتح الفاء وأفي وأفه بضم همزتهما قال شارح وهي كلمة تبرم أي ما قال لي ما فيه تبرم وملال ولا لم صنعت أي لأي شيء صنعت هذا الفعل ولا ألا


بتشديد اللام أي هلا صنعت أي لم لا فعلت هذا الأمر والمعنى لم يقل لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء لم أصنعه وكنت مأمورا به لم لا صنعته وقال الطيبي أف اسم فعل بمعنى أتضجر وأكره وحرف التحضيض في الماضي أفاد التنديم كما في المضارع يفيد التحريض واعلم أن ترك اعتراض النبي على أنس رضي الله عنه فيما خالف أمره إنما يفرض فيما يتعلق بالخدمة والآداب لا فيما يتعلق بالتكاليف الشرعية فإنه لا يجوز ترك الاعتراض فيه وفيه أيضا مدح أنس فإنه لم يرتكب أمرا يتوجه إليه من النبي اعتراض ما متفق عليه ورواه الترمذي في الشمائل وزاد قط بعد قوله أف ثم قال وما قال لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله من أحسن الناس خلقا بضمتين ويسكن اللام أي عشرة فأرسلني يوما لحاجة فقلت والله لا أذهب أي بلساني وكأنه أراد به الوقت الآتي ويؤيده قوله وفي نفسي أي وفي قلبي وجناني أن أذهب لما أمرني به رسول الله أي لأجل أمره إياي به فخرجت أي على قصد الذهاب إليه حتى أمر بالنصب وفي نسخة بالرفع كقوله تعالى حتى يقول الرسول البقرة قال الطيبي هو حكاية الحال الماضية ويجوز أن تكون حتى ناصبة بمعنى كي قلت لكن لا يلائمه المعنى إذ المراد أني خرجت إلى أن مررت في طريقي على صبيان وهم يلعبون في السوق والظاهر أنه وقف عندهم إما للعب أو للتفرج ولذا قال فإذا رسول الله قد قبض أي أخذ بقفاي والقفا بالقصر مؤخر العنق فقوله من ورائي إما للتأكيد أو متعلق بقبض قال أي أنس فنظرت إليه وهو يضحك وقال يا أنيس تصغير أنس للشفقة والمرحمة ذهبت أي أذهبت حيث أمرتك قلت نعم بناء على أنه شرع في الذهاب فقوله أنا أذهب أي الآن أكمل الذهاب يا رسول الله قال شارح إنما قال نعم لأن المأمول كالموجود بناء على أنه جزم العزم على الذهاب أو لأن ذهبت في السؤال في معنى أتذهب لعلمه بأنه ما ذهب أنس إلى تلك الحاجة واقتصر الطيبي على الأول ثم قال


ويحمل قوله
لرسول الله والله لا أذهب وأمثاله على أنه كان صبيا غير مكلف قال الجزري ولذا ما أدبه بل داعبه وأخذ بقفاه وهو يضحك رفقا به رواه مسلم وعنه أي عن أنس قال كنت أمشي مع رسول الله وعليه برد أي ثوب مخطط على ما في النهاية نجراني بفتح نون وسكون جيم منسوب إلى نجران بلد باليمن ذكره شارح وفي النهاية هو موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن غليظ الحاشية أي الطرف فأدركه أعرابي أي لحقه من ورائه فجبذه أي فجذب الأعرابي النبي بردائه جبذة شديدة والجبذ لغة في الجذب وقيل هو مقلوب منه ورجع نبي الله في نحر الأعرابي أي في صدره ومقابله من شدة جذبه قال الطيبي أي استقبل نحره استقبالا تاما وهو معنى قوله وإذا التفت التفت معا وهذا يدل على أنه لم يتغير ولم يتأثر من سوء أدبه حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله وهو موضع الرداء من المنكب قد أثرت بها أي في صفحته حاشية البرد من شدة جبذته قلت وصدق الله في قوله الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله التوبة ثم قال يا محمد والظاهر أنه كان من المؤلفة فلذلك فعل ما فعله ثم خاطبه باسمه قائلا على وجه العنف مقابلا لبحر اللطف مر لي أي مر وكلاءك بأن يعطوا لي أومر بالعطاء لأجلي من مال الله الذي عندك أي من غير صنيع لك في إعطائك كما صرح في رواية حيث قال لا من مالك ولا من مال أبيك قيل المراد به مال الزكاة فإنه كان يصرف بعضه إلى المؤلفة فالتفت إليه رسول الله أي فنظر إليه تعجبا ثم ضحك أي تلطفا ثم أمر له بعطاء وفيه استحباب احتمال الوالي من أذى قومه وفيه دفع المال حفظا على عرض الرجال متفق عليه


وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله أحسن الناس أي خلقا وخلقا وصورة وسيرة ونسبا وحسبا ومعاشرة ومصاحبة وأجود الناس أي أكثرهم كرما وسخاوة وأشجع الناس أي قوة وقلبا ويدل عليه قوله تعالى فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين النساء ولذا كان يركب البغل لأنه لا يتصور معه الكر ولقد فزع بكسر الزاي أي خاف أهل المدينة وفي المصابيح فزع الناس في شرح السنة أي استغاثوا يقال فزع منه بالكسر أي خاف وفزع إليه أي استغاث كذا ذكره شارح له ذات ليلة أي حيث سمعوا أصواتا أنكروها فانطلق الناس قبل الصوت بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى جانبه فاستقبلهم أي النبي الناس راجعا إليهم حال كونه قد سبق الناس إلى الصوت أي إلى نحوه وتحقق عدم الفزع عنده وأبعد الطيبي في قوله الضمير في فاستقبلهم راجع إلى ما دل عليه الصوت الذي فزع منه أهل المدينة يعني القوم قال ميرك والظاهر أن الضمير للناس والمراد أنه سبق الناس إلى الصوت فلما رجع استقبل الناس الذين خرجوا نحو الصوت قلت بل هذا هو المتعين لقوله وهو يقول لم تراعوا بضم التاء والعين مجهول من الروع بمعنى الفزع والخوف أي لم تخافوا ولم تفزعوا وأتى بصيغة الجحد مبالغة في النفي وكأنه ما وقع الروع والفزع قط لم تراعوا كرره تأكيدا أو كل لخطاب قوم من عن يمينه ويساره وفي شرح السنة ويروى لن تراعوا والعرب تضع لم ولن موضع لا انتهى فعلى هذا يكون خبرا في معنى النهي ذكره الطيبي والظاهر أنه على الأول من غير تأويل يكون خبرا في معنى النهي وأما على هذا فيكون نهيا على الحقيقة قال التوربشتي هو في أوثق الروايات لن تراعوا أي لا خوف ولا فزع فاسكنوا يقال ريع فلان إذا فزع وهو أي النبي على فرس لأبي طلحة عري بضم فسكون أي ليس عليه سرج نقول ما عليه سرج بيان وتأكيد أو احتراز من نحو جل أو لجام وفي عنقه أي النبي سيف أي مقلد وفي نسخة بكسر السيف أي في جيد الفرس حبل من ليف السعف واقتصر


عليه شارح وهو بعيد جدا في المعنى وإن كان قريبا في المبنى فقال لقد وجدته أي الفرس بحرا أي جوادا وسيع الجري وكان يسمي ذلك الفرس المندوب بمعنى المطلوب وكان بطيئا ضيق الجري فانقلب حاله ببركة ركوبه ويشبه الفرس إذا كان جوادا بالبحر لاستراحة راكبه به كراكب الماء إذا كانت الريح طيبة متفق عليه قال النووي فيه بيان ما أكرمه الله تعالى به من جليل الصفات وفيه معجزة انقلاب الفرس سريعا بعد أن كان
بطيئا وفيه جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدو ما لم يتحقق بالهلاك وجواز العارية وجواز الغزو على فرس المستعار واستحباب تقلد السيف في العنق وتبشير الناس بعد الخوف إذا ذهب وعن جابر رضي الله عنه قال ما سئل أي ما طلب رسول الله شيئا قط فقال لا أي لا أعطيه بل إما أعطى أو اعتذر ودعا أو وعد له فيما تمنى عملا بقوله تعالى وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا الإسراء فقد روى البخاري في الأدب المفرد عن أنس أنه كان رحيما فكان لا يأتيه أحد إلا وعده وأنجز له إن كان عنده هذا وكان يقول أنفق يا بلال وقيل بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا كما رواه البزار عن بلال وعن أبي هريرة والطبراني عن ابن مسعود وما أبلغ قول الفرزدق في زين العابدين حمال أثقال أقوام إذا مدحوا حلو الشمائل يحلو عنده نعم ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد لم ينطق بذاك فم متفق عليه وفي الجامع كان لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو سكت رواه الحاكم عن أنس وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي غنما بين جبلين أي قطعة غنم تملأ ما بينهما فأعطاه إياه أي مطلوبه على وجه تمناه فأتى قومه أي متعجبا من كرمه الدال على كمال توكله وزهده فقال أي قوم أي يا قوم أسلموا أي فإن الإسلام يهدي إلى مكارم الأخلاق فوالله إن محمدا ليعطي عطاء أي عظيما ما يخاف الفقر قال الطيبي يجوز أن يكون حالا من ضمير يعطي وأن يكون صفة العطاء أي عطاء ما يخاف الفقر معه فإن


قلت كيف دل هذا الوصف على وجوب الإسلام قلت مقام ادعاء النبوة مع اعطاء الجزيل يدل على وثوقه على من أرسله إلى دعوة الخلق فإن من جبلة الإنسان خوف الفقر قال تعالى الشيطان يعدكم الفقر البقرة رواه مسلم وعن جبير بن مطعم بينما هو أي جبير يسير مع رسول الله مقفله مصدر ميمي أو اسم زمان من قفل كنصر ورجع قفولا رجع أي عند رجوعه أو وقت رجوعه من حنين بالتصغير موضع بين مكة والطائف فعلقت بكسر اللام أي نشبت الأعراب أو طفقت يسألونه أي يطلبونه من العطايا والمطايا وهو يعطيهم أو يعدهم ويمنيهم حتى اضطروه أي ألجؤوه إلى سمرة بفتح فضم أي شجرة طلح فخطفت بكسر الطاء أي أخذت السمرة بسرعة رداءه حيث تعلقت به وقال شارح أي سلبت انتهى ولا يبعد أن يكون الضمير راجعا إلى الأعراب كما يدل عليه قوله فوقف النبي فقال أعطوني ردائي وأغرب الطيبي حيث قال أي علق رداءه بها فاستعير لها الخطف لو كان لي عدد هذه العضاة بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة وبالهاء في الآخر أم غيلان وقيل كل شجر يعظم وله شوك واحده عضاهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما حذف من الشفة وعدد نصب على المصدر أي يعد عددها أو على نزع الخافض أي بعددها أو كعددها والمراد به الكثرة نعم بفتحتين وفي القاموس النعم وقد يكسر عينه الإبل والشاء أو خاص بالإبل وجمعه أنعام قلت ويرد عليه قوله سبحانه من الأنعام ثمانية أزواج الزمر حيث يراد بها أصناف الإبل والبقر والضأن والمعز من الذكور والإناث لقسمته بينكم أي لزهدي في النعم وتركي للنعم وطلبي قرب المنعم ثم لا تجدوني بخيلا ثم هنا بمعنى الفاء أو للتراخي في الزمان أي بعد ما جربتموني في العطاء وعرفتم طبعي في الوعد بالوفاء واعتمادي على رب الأرض والسماء فلا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا وقال المظهر أي إذا جربتموني في الوقائع لا تجدوني متصفا بالأوصاف الرذيلة وفيه دليل على جواز تعريف نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه ليعتمد عليه وقال


الطيبي ثم هنا للتراخي في الرتبة يعني أنا في ذلك العطاء لست بمضطر إليه بل أعطيه مع أريحية نفس ووفور نشاط ولا بكذوب أدفعكم عن نفسي ثم أمنعكم عنه ولا
بجبان أخاف أحدا فهو كالتتميم للكلام السابق رواه البخاري وعن أنس قال كان رسول الله إذا صلى الغدوة أي الفجر جاء وفي الجامع جاءه خدم المدينة جمع خادم من غلام أو جارية بآنيتهم جمع إناء فيها الماء أي فيطلبون البركة والنماء والعافية والشفاء فما يأتون وفي الجامع فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها أي تطييبا لخواطرهم وتحصيلا لمقاصدهم فما جاؤوه بالغدوة أي في الغدوة الباردة فيغمس يده فيها قال الطيبي فيه تكلف المشاق لتطييب قلوب الناس لا سيما مع الخدم والضعفاء وليتبركوا بإدخال يده الكريمة في أوانيهم وبيان تواضعه مع الضعفاء رواه مسلم وكذا أحمد إلا أنه في الجامع عنهما بدون قوله فربما إلى آخره وروى ابن عساكر عن أنس أنه كان أرحم الناس بالصبيان والعيال وفي الجامع كان مما يقول للخادم ألك حاجة رواه أحمد عن رجل وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال كانت أمة أي جارية من إماء أهل المدينة أي فرضا وتقديرا تأخذ بيد رسول الله قيل المراد من الأخذ باليد لازمه وهو الرفق فتنطلق به حيث شاءت أي ولو خارج المدينة وهذا يدل على غاية تواضعه مع الخلق ونهاية تسليمه مع الحق رواه البخاري وعنه أي عن أنس أن امرأة كان في عقلها شيء أي من الخفة أو الجذبة


فقالت يا رسول الله إن لي إليك حاجة أي خفية عن الناس فقال يا أم فلان انظري أي تفكري أو أبصري أي السكك بكسر ففتح جمع السكة وهي الزقاق شئت أي أردت إحضاري فيه حتى أقضي لك حاجتك أي كي أحصل لك مقصودك ومرادك فخلا أي مضى معها في بعض الطرق أي وقف معها وسمع كلامها ورد جوابها حتى فرغت من حاجتها وفيه تنبيه على أن الخلوة مع المرأة في زقاق ليس من باب الخلوة معها في بيت على احتمال أن بعض الأصحاب كانوا واقفين بعيدا عنهما مراعاة لحسن الأدب رواه مسلم وعنه أي عن أنس قال لم يكن رسول الله فاحشا أي آتيا بالفحش من الفعل ولا لعانا ولا سبابا المقصود منهما نفي اللعن والسب وكل ما يكون من قبيل الفحش القولي لا نفي المبالغة فيهما وكأنه نظر إلى أن المعتاد هو المبالغة فيهما فنفاهما على صيغ المبالغة والمقصود نفيهما مطلقا كما يدل عليه آخر كلامه قال الطيبي فإن قلت بناء فعال للتكثير أو للمبالغة ونفيه لا يستلزم نفي اللعن والسب مطلقا قلت المفهوم ههنا غير معتبر لأنه وارد في مدحه فإن أريد التكثير فيعتبر الكثرة فيمن يستحقه من الكفار والمنافقين أي ليس بلاعن واحد منهم وإن أريد المبالغة كان المعنى أن اللعن بلغ في العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان اللاعن بمثله لعانا بليغ اللعن نحو قوله تعالى وأن الله ليس بظلام للعبيد آل عمران قلت الأظهر في معنى الآية والحديث أن يقال فعال للنسبة كتمار ولبان أي ليس الله بذي ظلم مطلقا ولا رسوله بصاحب لعن ولا سب لمن لم يكن مستحقا من الكفار أو الفجار لكونه نبي الرحمة ولذا استأنف الراوي بقوله كان يقول عند المعتبة بفتح التاء وقيل بكسرها أيضا بمعنى الملامة والعتاب على ما في القاموس واختاره ابن الملك وبمعنى الغضب كما في النهاية واختاره شارح والمعنى غاية ما يقوله عند المعاتبة أو المخاصمة هذه الكلمة معرضا عنه غير مخاطب له ما له ترب جبينه وهي أيضا ذات وجهين إذ يحتمل أن يكون دعاء على المقول له بمعنى


رغم أنفك وأن يكون دعاء له بمعنى سجد لله وجهك رواه البخاري وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله ادع على
المشركين قال إني لم أبعث لعانا أي ولو على جماعة مخصوصة من الكافرين لقوله تعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم آل عمران وإنما بعثت رحمة أي للناس عامة وللمؤمنين خاصة متخلقا بوصفي الرحمان الرحيم ولقوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء قال ابن الملك أما للمؤمنين فظاهر وأما للكافرين فلأن العذاب رفع عنهم في الدنيا بسببه كما قال تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الأنفال أقول بل عذاب الاستئصال مرتفع عنهم ببركة وجوده إلى يوم القيامة وقال الطيبي أي إنما بعثت لأقرب الناس إلى الله وإلى رحمته وما بعثت لأبعدهم عنها فاللعن مناف لحالي فكيف ألعن رواه مسلم وكذا البخاري في الأدب المفرد وروى الطبراني عن كريز بن شامة قوله إني لم أبعث لعانا وروى البخاري في تاريخه عن أبي هريرة بلفظ إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابا وعن أبي سعيد الخدري قال كان النبي أشد حياء من العذراء أي البكر في خدرها بكسر أوله أي في سترها قال الطيبي هو تتميم فإن العذراء إذا كانت في خدرها أشد حياء مما إذا كانت خارجة عنه فإذا رأى شيئا يكرهه أي من جهة الطبع أو من طريق الشرع عرفناه في وجهه أي من أثر التغير فأزلناه فإنه ما كان يعاين أحدا بخصوصه في أمر الكراهة دون الحرمة قال النووي معناه أنه لم يتكلم بالشيء الذي يكره لحيائه بل يتغير وجهه فنفهم كراهيته وفيه فضيلة الحياء وأنه محثوث عليه ما لم ينته إلى الضعف والخور متفق عليه وعن عائشة قالت ما رأيت النبي مستجمعا بكسر الميم الثانية قط


ضاحكا قال التوربشتي يريد ضاحكا كل الضحك يقال استجمع الفرس جريا قال الطيبي فعلى هذا ضاحكا وضع موضع ضحكا على أنه منصوب على التمييز قال في المغرب استجمع السيل اجتمع من كل موضع واستجمعت للمرء أموره وهو لازم وقولهم استجمع الفرس جريا نصب على التمييز وأما قول الفقهاء مستجمعا شرائط الجمعة فليس بثبت انتهى والمعنى ما رأيته ضاحكا كل الضحك بجميع الفم حتى أرى منه لهواته بفتحتين جمع لهاة وهي لحمة مشرفة على أقصى الفم من سقفه وإنما كان أي غالبا يتبسم وربما يضحك لكن لا على سبيل المبالغة رواه البخاري وكذا مسلم وأبو داود وعنها أي عن عائشة قالت إن رسول الله لم يكن يسرد بضم الراء أي لم يكن يتابع الحديث أي الكلام كسردكم أي المتعارف بينكم من كمال اتصال ألفاظكم بل كان كلامه فصلا بينا واضحا لكونه مأمورا بالبلاغ المبين كما بينته بقولها كان يحدث حديثا لوعده العاد أي لو أراد عده مريد العد لأحصاه أي لعده واستقصاه وفي وضع أحصاه موضع عده مبالغة لا تخفى فإن أصل الاحصاء هو العد بالحصي ولا شك في حصول المهلة عند عده من رفعه وحطه قال الطيبي يقال فلان سرد الحديث إذا تابع الحديث بالحديث استعجالا وسرد الصوم تواليه يعني لم يكن حديث النبي متتابعا بحيث يأتي بعضه إثر بعض فيلتبس على المستمع بل كان يفصل كلامه لو أراد المستمع عده أمكنة فيتكلم بكلام واضح مفهوم في غاية الوضوح والبيان متفق عليه ورواه الترمذي في الشمائل ولفظ الجامع كان يحدث حديثا لوعده العاد لأحصاه رواه الشيخان وأبو داود وفي الجامع أيضا كان يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه رواه الترمذي والحاكم عن أنس وعن الأسود قال المؤلف هو ابن هلال المحاربي روى عن عمر ومعاذ وابن مسعود وعنه جماعة قال سألت عائشة ما كان النبي يصنع في بيته ما استفهامية


قالت كان أي من عادته يكون أي يستمر مشتغلا في مهنة أهله بفتح الميم وتكسر وبسكون الهاء أي مصالح عياله والمهنة الخدمة والابتذال ففيه مبالغة لقيامة مقام الرجال ولهذا قال الراوي تعني خدمة أهله أي أهل بيته ممن يكون أهلا لخدمته قال صاحب النهاية المهنة الخدمة والرواية بفتح الميم وقد تكسر قال الزمخشري وهو عندالإثبات خطأ قال الأصمعي المهنة بفتح الميم ولا يقال مهنة بالكسر وكان القياس لو قيل مثل جلسة وخدمة إلا أنه جاء على فعلة واحدة وفي القاموس المهنة بالكسر والفتح والتحريك وككلمة الحذق بالخدمة والعمل مهنه كمنعه ونصره مهنا ومهنة وبكسر خدمه وقال العسقلاني المهنة بفتح الميم وكسرها وأنكر الأصمعي الكسر وفسرها بخدمة أهله وثبت أن التفسير من قول الراوي عن شعبة وأن جماعة رووه بدونه لكن أخرج ابن سعد في رواية بدونه وفي رواية في آخره تعني بالمهنة خدمة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة أي وترك جميع عمله وكأنه لم يعرف أحدا من أهله رواه البخاري وكذا الترمذي وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما خير أي ما جعل مخيرا رسول الله بين أمرين إلا أخذ أي اختار كما في رواية الترمذي أيسرهما ما لم يكن أي الأمر الأيسر إثما أي ذا إثم وفي رواية الترمذي ما لم يكن مأثما أي إثما أو موضع إثم بناء على أنه مصدر ميمي أو اسم مكان وإلى هنا انتهى رواية الترمذي فإن كان إثما كان أبعد الناس منه أي وكان حينئذ يأخذ أرشدهما ولو أعسرهما وأشدهما قال العسقلاني أبهم فاعل خير ليكون أعم من أن يكون من قبل المخلوقين أو من قبل الله تعالى لكن التخيير بين ما فيه إثم وبين ما لا إثم فيه من قبل الله مشكل لأن التخيير إنما يكون بين جائزين إلا إذا حملنا على ما يفضي إلى الإثم فذلك ممكن بأن يخير بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف وإن كان السعة أسهل فالإثم على هذا أمر نسبي لا


ما يراد به الخطيئة لثبوت العصمة وما انتقم رسول الله أي ما عاقب أحدا لنفسه أي لأجل حظها في شيء أي يتعلق بنفسه قط أي أبدا إلا أن ينتهك حرمة الله بصيغة المجهول أي يرتكب فينتقم بالرفع وفي نسخة بالنصب أي فيعاقب
حينئذ لله أي لغرض آخر بها أي بسبب تلك الحرمة ثم انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل يقال فلان انتهك محارم الله أي فعل ما حرم الله فعله عليه قال الطيبي استثناء منقطع أي ما عاقب أحد لخاصة نفسه بجناية جني عليه بل بحق الله تعالى إذا فعل أحد شيئا من المحرمات امتثالا لقوله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله النور قال العسقلاني المعنى ما انتقم لحاجة نفسه فلا يرد أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذي رسول الله لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله وقيل ذلك في غير السب الذي يفضي إلى الكفر وقيل يختص ذلك بالمال وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه متفق عليه ورواه أبو داود وعنها أي عن عائشة رضي الله عنها قالت ما ضرب رسول الله شيئا أي آدميا لأنه ربما ضرب مركوبه قط بيده ولا امرأة ولا خادما خصا بالذكر اهتماما بشأنهما ولكثرة وقوع ضرب هذين والاحتياج إليه وضربهما وإن جاز بشرطه فالأولى تركه قالوا بخلاف الولد فإن الأولى تأديبه ويوجه بأن ضربه لمصلحة تعود إليه فلم يندب العفو بخلاف ضرب هذين فإنه لحظ النفس غالبا فندب العفو عنهما مخالفة لهواها وكظما لغيظها إلا أن يجاهد في سبيل الله فإنه قتل أبي بن خلف بأحد ثم ليس المراد به الغزو مع الكفار فقط بل يدخل فيه الحدود والتعازير وغير ذلك وما نيل بكسر النون مجهول نال يقال نال منه نيلا إذا أصاب وفي الحديث إن رجلا كان ينال من الصحابة أي يقع فيهم ويصيب منهم فالمعنى ما أصيب منه شيء قط فينتقم من صاحبه أي من صاحب ذلك الشيء إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله رواه مسلم وروى الترمذي الفصل الأول بلفظ ما ضرب رسول الله بيده شيئا قط إلا


أن يجاهد في سبيل الله ولا ضرب خادما ولا امرأة والفصل الثاني بلفظ ما رأيت رسول الله منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء كان من أشدهم في ذلك غضبا

الفصل الثاني
عن أنس قال خدمت رسول الله وأنا ابن ثمان سنين بحذف الياء من ثماني مضافا والجملة حال دال على أول الخدمة ولذا أطلقه ثم أعاده مقيدا بقوله خدمته عشر سنين فما لامني على شيء قط أتي فيه بصيغة المجهول أي أهلك وأتلف من قولهم أتى عليهم الدهر أي أهلكهم وأفناهم وضمير فيه عائد إلى شيء والجار والمجرور أقيم مقام الفاعل أي ما لامني على شيء أتلف على يدي بصيغة التثنية وفي نسخة بالإفراد قال الطيبي أتى صفة شيء وضمن فيه معنى عيب أو طعن وعلى يدي حال فإن لا مني لائم من أهله قال دعوه أي اتركوه فإنه أي الشأن لو قضي شيء لكان أي لو قدر أمر لوقع هذا لفظ المصابيح وكذا رواه ابن حبان في صحيحه وروى البيهقي في شعب الإيمان مع تغيير أي يسير يسامح في مثله وعن عائشة رضي الله عنها قالت لم يكن رسول الله فاحشا أي ذا فحش في أقواله وأفعاله ولا متفحشا أي متكلفا فيه ومتعمدا كذا في النهاية قال القاضي نفت عنه تولي الفحش والتفوه به طبعا وتكلفا ولا سخابا أي صياحا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة أي بل بالحسنة لقوله ولكن يعفو أي في الباطن ويصفح أي يعرض في الظاهر عن صاحب السيئة لقوله تعالى فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين المائدة رواه الترمذي


وعن أنس رضي الله عنه يحدث عن النبي أنه كان يعود المريض ويتبع بفتح الموحدة وفي نسخة بتشديد التاء وكسر الباء أي يعقب ويشيع الجنازة بفتح الجيم وكسرها ويجيب دعوة المملوك أي المأذون أو المعتوق إلى بيت مالكه ويركب الحمار وهذا كله يدل على كمال التواضع للحق وحسن الخلق في معاشرة الخلق لقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه بكسر أوله أي زمامه ليف قال ابن الملك فيه دليل على أن ركوب الحمار سنة قلت فمن استنكف من ركوبه كبعض المتكبرين وجماعة من جهلة الهند فهو أخس من الحمار رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان وفي الجامع كان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس وروى الحاكم في مستدركه عن أنس كان يردف خلفه ويضع طعامه على الأرض ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار وفي رواية عريا ليس عليه شيء وروى ابن عساكر عن أبي أيوب كان يركب الحمار ويخصف النعل ويرقع القميص ويلبس الصوف ويقول من رغب عن سنتي فليس مني وعن عائشة قالت كان رسول الله يخصف بكسر الصاد أي يخرز ويرقع وفي شرح السنة أي يطبق طاقة على طاقة وأصل الخصف الضم والجمع ومنه قوله تعالى يخصفان عليهما من ورق الجنة الأعراف أي يطبقان ورقة ورقة على بدنهما ويخيط بكسر الخاء ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته تعميم بعد تخصيص وفي الجامع برواية أحمد عن عائشة كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم وقالت كان بشرا من البشر يفلي ثوبه بكسر اللام أي ينظر في الثوب هل فيه


شيء من القمل وهو لا ينافي ما روي من أن القمل لم يكن يؤذيه وقال شارح أي يلتقط القمل ويحلب شاته بضم اللام ويخدم نفسه بضم الدال ويكسر وهو تعميم وتتميم قال الطيبي قولها كان بشرا تمهيد لما بعده لأنه لما رأت من اعتقاد الكفار أن النبي لا يليق بمنصبه أن يفعل ما يفعل غيره من عامة الناس وجعلوه كالملوك فإنهم يترفعون عن الأفعال العادية الدنية تكبرا كما حكى الله تعالى عنهم في قوله مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق الفرقان فقالت إنه كان خلقا من خلق الله تعالى وواحدا من أولاد آدم شرفه الله بالنبوة وكرمه بالرسالة وكان يعيش مع الخلق بالخلق ومع الحق بالصدق فيفعل مثل ما فعلوا ويعينهم في أفعالهم تواضعا وإرشادا لهم إلى التواضع ورفع الترفع وتبليغ الرسالة من الحق إلى الخلق كما أمر قال تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي الكهف رواه الترمذي وكذا ابن حبان وصححه وفي الجامع كان يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم رواه أبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن سهل بن حنيف وعن خارجة بن زيد بن ثابت أي الأنصاري المدني قال المؤلف تابعي جليل القدر أدرك زمن عثمان وسمع أباه وغيره من الصحابة وهو أحد فقهاء المدينة السبعة قال دخل نفر أي جماعة من التابعين وقيل النفر عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة على زيد بن ثابت وهو أبو خارجة صحابي جليل أفرض الصحابة وأجل كتبة الوحي ومن أعظم القراء قرأ عليه ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين فقالوا له حدثنا أحاديث رسول الله وفي نسخة عن رسول الله وكأنهم أرادوا ما يدل على حسن الخلق وجميل المعاشرة مع الخلق قال كنت جاره فيه إيماء إلى قربه إليه حسا ومعنى وإشارة إلى أن له خبرة به أتم من غيره فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي أي أرسل إلي أحدا يطلبني فجئته فكتبته أي الوحي له أي لأجل أمره فكان أي من عادته في مجاملته ومراعاة مصاحبته إذا ذكرنا


الدنيا أي ذما أو مدحا لكونها مزرعة الآخرة ذكرها معنا أي على وجه الاعتبار وفيما يكون منها معينا على زاد طريق دار القرار وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا زيادة على الخير ومعاونة على التقوى وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا ويشير إلى فوائده وحكمه ولطائفه وآداب أكله
والحاصل أنه كان يلاطفهم في الكلام لئلا يحصل لهم التبرم والسآم ويسوقهم فيما يشرعون فيه إلى ما شرع إليه من تبليغ المواعظ والأحكام ولا ينافي هذا ما ورد من أنه كان يخزن لسانه إلا فيما يعنيه وأن مجلسه مجلس علم لأن ذكر الدنيا والطعام قد يقترن به فوائد علمية أو حكمية أو أدبية وبتقدير خلوه عنها ففيه جواز تحدث الكبير مع أصحابه في المباحات ومثل هذا البيان واجب عليه والله أعلم فكل هذا بالرفع وينصب أي جميع ما ذكر أحدثكم فقيل الرواية بالرفع وفي خبره الرابطة محذوف ويجوز النصب بتقدير أحدثكم إياه عن رسول الله والمقصود من هذه الجملة تأكيد صحة الحديث وإظهار الاهتمام به والله أعلم رواه الترمذي وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله كان إذا صافح الرجل لم ينزع بكسر الزاي أي لم يخلص ولم يفك يده من يده حتى يكون أي الرجل هو الذي ينزع يده ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه ولم ير بصيغة المجهول أي لم يبصر النبي مقدما بكسر الدال المشددة ركبتيه بين يدي جليس أي مجالس له قيل أي ما كان يجلس في مجلس تكون ركبتاه متقدمتين على ركبتي صاحبه كما يفعل الجبابرة في مجالسهم وقيل ما كان يرفع ركبتيه عند من يجالسه بل كان يخفضهما تعظيما لجليسه وقالوا أراد بالركبتين الرجلين وتقديمهما مدهما وبسطهما كما يقال قدم رجلا وأخر أخرى ومعناه كان لا يمد رجله عند جليسه تعظيما له قال الطيبي فيه وفي قوله كان لا ينزع يده قبل نزع صاحبه تعليم لأمته في إكرام صاحبه وتعظيمه فلا يبدأ بالمفارقة عنه ولا يهينه بمد الرجلين إليه رواه الترمذي وعنه أي عن أنس أن رسول الله كان لا


يدخر أي لا يبقي شيئا لغد توكلا على الله واعتمادا على خزائنه وهذا بالنسبة إلى نفسه النفيسة خاصة فأما لأجل أهله وعياله فربما كان يدخر لهم قوت سنتهم لضعف حالهم وعدم قوة احتمالهم وقلة كمالهم رواه الترمذي
وعن جابر بن سمرة قال كان رسول الله طويل الصمت أي كثير السكوت والمعنى أنه لا يتكلم إلا لحاجة وقد قال على ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة من كان يؤمن بالله واليوم الآخرة فليقل خيرا أو ليسكت وقد قال الصديق الأكبر ليتني كنت أخرس إلا عن ذكر الله رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده ورواه أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة أيضا ولفظه كان طويل الصمت قليل الضحك فكان حق صاحب المشكاة أن يسند إليه فإن حديث مسند أحمد مما يعتمد عليه وعن جابر أي ابن عبد الله ولذا لم يقل وعنه لأنه غيره وهو المراد عند الإطلاق به قال كان في كلام رسول الله ترتيل أي تبيين في قراءته لقوله تعالى ورتل القرآن ترتيلا المزمل وترسيل أي تمهيل في حديثه أي قياسا عليه أو مراعاة لقوله تعالى وما على الرسول إلا البلاغ المبين النور وقال ابن الملك هما بمعنى وهو التبيين والإيضاح في الحروف انتهى ولا يخفى أن التأسيس بالتقييد أولى من الحمل على التأكيد وإن كان مآلهما واحدا وأصل معنييهما متحدا فإن المراد منهما أنه كان لا يعجل في إرسال الحروف بل يلبث فيها ويبينها تبيينا لذاتها من مخارجها وصفاتها وتمييزا لحركاتها وسكناتها وخلاصة الكلام نفي العجلة وإثبات التؤدة وفي النهاية الترتيل في القراءة التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالشعر المرتل وهو المشبه بنور الأقحوان يقال رتل القراءة وترتل فيها والترسيل الترتيل يقال ترسل الرجل في كلامه ومشيه إذا لم يعجل وهو والترتيل سواء رواه أبو داود وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما كان رسول الله يسرد أي في كلامه سردكم هذا أي كسردكم من العجلة والمتابعة ولكنه كان يتكلم بكلام بينه أي بين


أجزائه
فصل أي فرق أو فاصل يحفظه من جلس إليه رواه الترمذي وعن عبد الله بن الحارث بن جزء بفتح جيم وسكون زاي فهمز كذا ذكره المؤلف في أسمائه وقيل هو بكسر زاي وبياء وقيل جز بشدة زاي كذا في المغني وهو أبو الحرث السهمي شهد بدرا وسكن مصرومات بها قال ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله رواه الترمذي وعن عبد الله بن سلام قال كان رسول الله إذا جلس يتحدث يكثر من الإكثار أي يتحقق منه كثيرا أن يرفع طرفه بسكون الراء أي نظره إلى السماء أي كان ينظر إلى السماء حال التكلم ترقبا لجبريل وانتظارا لوحي المولى وشوقا إلى الرفيق الأعلى رواه أبو داود
الفصل الثالث
عن عمرو بن سعيد عن أنس كذا في النسخ المعتبرة والأصول المشتهرة ويؤيده ما في الكاشف وفي نسخة عن أنس عن عمرو بن سعيد والظاهر أنه سهو قلم وزلة قدم وقلب كلام لما في أسماء الرجال للمؤلف هو عمرو بن سعيد مولى ثقيف بصري روى عن أنس وأبي العالية وغيرهما وعنه ابن عون وجرير بن حازم وعدة قال ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله قال النووي هذا هو المشهور ويروى بالعباد


قلت ويلائم الأول استئنافه البياني بقوله كان إبراهيم ابنه مسترضعا بفتح الضاد وقيل بكسرها في عوالي المدينة أي القرى التي عند المدينة فكان أي النبي ينطلق ونحن معه فيدخل البيت أي الذي فيه إبراهيم وإنه ليدخن بضم الياء وتشديد الدال وفتح الخاء وفي نسخة بسكون الدال وفي نسخة بفتح الياء وتشديد الدال وكسر الخاء ثم بين سببه بقوله وكان ظئره قينا وهو أبو سمين القين واسمه البراء بن أوس الأنصاري وهو معروف بكنيته قال النووي الظئر بكسر الظاء مهموزة المرضعة ولد غيرها وزوجها ظئر لذلك المرضع والظئر يقع على الذكر والأنثى والقين بالفتح الحداد ثم الجملتان حاليتان معترضتان بين المعطوف عليه وهو قوله فيدخل البيت والمعطوف وهو قوله فيأخذه أي ابنه فيقبله ثم يرجع قال عمرو أي ناقلا عن أنس خلافا لمن توهم أنه الراوي فإنه من التابعين على أنه يمكن أن يكون مقوله الآتي موقوفا عليه ومنقطعا عما قبله فلما توفي إبراهيم قال رسول الله إن إبراهيم ابني محط فائدته التقرير لأن أمه جارية وهي مارية القبطية أهداها المقوقس القبطي صاحب مصر والإسكندرية وولدت إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان وإنه مات في الثدي وهو كناية عن الرضاع أو المراد به اللبن وزوجته التي أرضعت إبراهيم أم بردة كذا ذكره المؤلف بذكر المحل وإرادة الحال وقال الطيبي أي في سن رضاع الثدي أو في حال تغذيه بلبن الثدي وإن له الظئرين أي المرضعتين بدل واحدة في الدنيا تكملان من باب الإفعال وفي نسخة من باب التفعيل أي توفيان وتتمان رضاعه بفتح الراء وتكسر أي مدة رضاعه وهي الحولان فإنه توفي وله ستة عشر شهرا أو سبعة عشر وقيل وله سبعون يوما فترضعانه بقية السنتين في الجنة قال صاحب التحرير وهذا الإتمام لإرضاع إبراهيم يكون عقيب موته فيدخل الجنة متصلا بموته فيتم فيها رضاعه كرامة له ولأبيه رواه مسلم وأما حديث لو عاش إبراهيم لكان صديقا نبيا فأخرجه الماوردي عن أنس وابن عساكر عن جابر


وابن عباس وعن ابن أبي أوفى ورواه ابن سعد عن مكحول مرسلا لو عاش إبراهيم ما رق له خال وروى ابن سعد عن الزهري مرسلا لو عاش إبراهيم لوضعت الجزية عن كل قبطي كذا ذكره الشيخ جلال الدين السيوطي في الجامع الصغير وقال ابن الربيع في كتابه تمييز الطيب من الخبيث أخرج ابن ماجه وغيره من حديث ابن عباس قال لما مات إبراهيم ابن النبي وقال إن له مرضعا في الجنة ولو عاش لكان صديقا نبيا ولو عاش أعتقت أخواله من القبط وما استرق قبطي وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان


الواسطي وهو ضعيف والله أعلم انتهى وقال النووي في تهذيبه وأما ما روي عن بعض المتقدمين حديث لو عاش إبراهيم لكان نبيا فباطل وجسارة على الكلام بالمغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم وقال ابن عبد البر في تمهيده لا أدري ما هذا فقد ولد نوح غير نبي ولو لم يلد إلا نبيا لكان كل أحد نبيا لأنه من ولد نوح انتهى وهو تعليل عليل إذ ليس في الكلام ما يدل على أن ولد النبي نبي بطريق الكلية ولا ضرر في تخصيص التقدير والفرضية مع أنه لا يستلزم وقوع المقدم في القضية الشرطية فلا ينافي كونه خاتم النبيين فيقرب من قوله على ما رواه أحمد والترمذي والحاكم عن عقبة بن عامر مرفوعا لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب والله سبحانه أعلم بما كان وما يكون وبما لا يكون وبأنه لو كان كيف يكون هذا وقد قال شيخ مشايخنا العلامة الرباني الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة وهذا عجيب من النووي مع وروده عن ثلاثة من الصحابة ولا يظن بالصحابي أن يهجم على مثل هذا بظنه قلت مع أنهم لم يقولوه موقوفا بل أسندوه مرفوعا كما بينه خاتمة الحفاظ السيوطي بأسانيده في رسالة على جدة مع أن من القواعد المقررة في الأصول أن موقوف الصحابي إذا لم يتصور أن يكون من رأي فهو في حكم المرفوع فإنكار النووي كابن عبد البر لذلك إما لعدم اطلاعهما أو لعدم ظهور التأويل عندهما والله أعلم وعن علي رضي الله عنه أن يهوديا كان يقال له فلان كناية عن اسمه حبر أي عالم من علماء اليهود كان له على رسول الله دنانير أي معدودة معلومة فتقاضى النبي أي فطالبه إياها فقال له يا يهودي ما عندي ما أعطيك ما الأولى نافية والثانية موصوفة أي شيئا أعطيك إياه عوضا عن الدنانير قال فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني أي كي تعطيني أو إلا أن تعطيني فقال رسول الله إذا بالتنوين اجلس معك بالرفع وفي نسخة بالنصب فجلس معه فصلى رسول الله الظهر والعصر والمغرب والعشاء الأخيرة والغدوة أي الفجر وهو يحتمل كونها


في المسجد أو في أحد بيوت أهله والأول أظهر لقوله وكان أصحاب رسول الله يتهددونه أي بالضرب مثلا ويتوعدونه أي بالاخراج أو القتل ففطن بكسر الطاء أي فعلم رسول الله ما الذي يصنعون به أي من
التهديد والوعيد الشديد وما موصوفة بالموصولة وكأنه أنكر عليهم أو بالغضب نظر إليهم أو لما فطن صنيعهم أرادوا الاعتذار فقالوا يا رسول الله يهودي يحبسك قال الطيبي همزة الانكار مقدرة والتنكير فيه للتحقير فقال رسول الله منعني ربي أن أظلم معاهدا بكسر الهاء وهو الذمي والمستأمن وغيره تعميم بعد تخصيص ووجه تقديم المعاهد لما يقتضيه المقام أو لأن مخاصمته أقوى يوم القيامة لأنه لا يمكن ارضاؤه بأخذ حسنة مسلم له أو وضع سيئة له على مسلم كما في مظالم الدواب ولعل الأصحاب رضي الله عنهم لم يكونوا قادرين على قضاء دينه أو ما يرضى بأدائهم مراعاة لأمر دينه وهو أظهر ولذا لم يكن يقرض إلا من غيرهم لحكمة ولعلها تبرئة من نوع طمع أو صنف نفع يؤدي إلى نقصان أجر وقد قال تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا الأنعام وتطابقت سنة الرسل على قولهم وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين وليكون حجة على اليهود لكونه منعوتا في كتبهم بأنه يختار الفقر على الغنى وتبكيتا عليهم في قوله عند نزول قوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا البقرة على ما حكى الله عنهم في قوله سبحانه لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء الأعراف ومن جملة الحكم ما ظهر في خصوص هذه القضية فلما ترجل النهار أي ارتفع الخفاء وتعين الظهور وتبدل الظلمة بالنور وتغير الشدة بالسرور قال اليهودي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله وشطر مالي أي نصفه في سبيل الله أي في مرضاته شكرا لنعمة الإسلام وطلبا لمزيد الأنعام إما بالتخفيف للتنبيه والله ما فعلت بك الذي فعلت بك أي من غلظ القول وخشونة الفعل إلا لأنظر إلى نعتك أي إلى موافقة وصفك في التوراة محمد بن عبد


الله مولده بمكة ومهاجرته بفتح الجيم أي موضع هجرته بطيبة أي المدينة وملكه أي معظمه بالشام أي ونواحيه ليس بفظ أي سيء اللسان ولا غليظ أي جافي الجنان ولا سخاب أي صياح في الأسواق أي على عادة أهل الزمان ولا متزي أي متصف بالفحش أي في الفعل لقوله ولا قول الخنا بفتح أوله مقصورا أي الفحش والخشونة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وهذا مالي أي كله فكأنه سماه أو أشار إلى مكانه فاحكم فيه أي في جميعه أو شطره بما أراك الله أي أعلمك بأنه محله اللائق به وكان اليهودي كثير المال أي ومع هذا حسن له الحال والمنال وفي المآل رواه البيهقي في دلائل النبوة


وعن عبد الله بن أبي أوفي قال كان رسول الله يكثر الذكر أي ذكر الله وما يتعلق به لما في مسند الفردوس عن عائشة من أحب شيئا أكثر من ذكره ويقل اللغو أي غير الذكر المذكور من ذكر الدنيا وما يتعلق بها فإنه ولو كان ما يخلو عن مصلحة وحكمة لكنه بالإضافة إلى الذكر الحقيقي لغو ولذا قال الغزالي ضيعت قطعة من العمر العزيز في تأليف البسيط والوسيط والوجيز فأطلق عليه اللغو نظرا إلى الصورة والمبنى مع قطع النظر عن المعنى ومنه قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين وإلا فقد قال تعالى في حق كمل المؤمنين والذين هم عن اللغو معرضون المؤمنون وقال عز وجل وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه القصص وأما ما قيل من أن المعنى لا يلغو أصلا فإن القلة قد تستعمل في النفي مطلقا نحو قليلا ما تؤمنون الحاقة فيأباه حسن المقابلة بقوله ويكثر وأما قول بعضهم ويجوز أن يراد باللغو الدعابة وأن ذلك كان منه قليلا فمردود إذ عد مزاجه من اللغو هو اللغو فإنه روى الترمذي عن أبي هريرة قال قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال إني لا أقول إلا حقا فلله در مزاح هو الحق فكيف بجده الذي هو الصدق المطلق وقد صرح العلماء بأن المزاج بشرطه من جملة المستحبات فكيف يعد من اللغويات اللهم إلا أن يقال ما قدمناه من الأمر النسبي واللغوي الإضافي ويطيل الصلاة أي خصوصا في الجمعة لقوله ويقصر الخطبة من التقصير وفي نسخة من القصر ولعل وجهه أن الصلاة معراج المؤمن ومحل مناجاة المهيمن فيناسبها الإطالة بلا ملالة والخطبة محل التوجه إلى الخلق ودعائهم إلى الحق وفيها زيادة مظنة الرياء والسمعة لطلاقة اللسان في الفصاحة والبلاغة ولذا ورد من فقه الرجل طول صلاته وقصر خطبته ولا يأنف بفتح النون من الأنفة وزاد في الجامع ولا يستنكف أي لا يستكبر أن يمشي مع الأرملة في النهاية الأرامل المساكين من رجال ونساء وهو بالنساء أخص وأكثر والواحد أرمل وأرملة وفي القاموس امرأة أرملة محتاجة أو مسكينة


والأرمل العزب وهي بهاء إذ لا يقال للعزبة الموسرة أرملة انتهى ولا يخفى أن المعنى الأخير هو المراد هنا لقوله والمسكين اللهم إلا أن يقال عطف تفسيري كما يدل عليه قوله فيقضي له الحاجة حيث أتى بصيغة الإفراد أو المراد لكل منهما أو لما ذكر رواه النسائي والدارمي وفي الجامع بزيادة والعبد بعد قوله والمسكين وقال رواه النسائي والحاكم عن ابن أبي أوفي والحاكم
عن أبي سعيد وعن علي رضي الله عنه إن أبا جهل قال للنبي إنا أي معشر قريش لا نكذبك بتشديد الذال ويجوز تخفيفها أي لا ننسبك إلى الكذب فإنك عندنا مشهور بالصدق ولكن نكذب بما جئت به أي نكذبك بسبب ما جئت به من القرآن أو التوحيد والمعنى ننكره ومنه قوله تعالى وكذب به قومك وهو الحق الأنعام ففي القاموس كذب بالأمر تكذيبا أنكره وفلانا جعله كاذبا قلت فاستعمل المعنيان في الحديث فأنزل الله تعالى فيهم أي في أبي جهل وأضرابه فإنهم لا يكذبونك أوله قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك الأنعام والجمهور على التشديد وقرأ ابن عامر بالتخفيف ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون يقال جحد حقه وبحقه كمنعه أكره مع علمه كذا في القاموس قال الطيبي روي أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا غيرنا فقال له والله إن محمدا لصادق وما كذب قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فقوله ولكن نكذب بما جئت به وضع موضع ولكن نحسدك وضعا للمسبب موضع السبب رواه الترمذي وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله يا عائشة لو شئت أي لو أردت مال الدنيا ومنالها لسارت معي جبال الذهب جاءني استئناف بيان متضمن للتعليل أي نزل إلي ملك أي عظيم طويل كما بين بقوله وإن حجزته بضم الحاء وسكون الجيم فزاي أي معقد إزاره لتساوي الكعبة أي تعادل طولها ولعل وجه ظهوره بهذه العظمة تعظيما لهذا الأمر وتهييبا فقال إن


ربك يقرأ عليك السلام في النهاية يقال اقرىء فلانا السلام واقرأ عليه السلام كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده وفي القاموس قرأ عليه السلام أبلغه كأقرأه أو لا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبا ويقول
إن شئت نبيا عبدا أي إن أردت أن تكون نبيا كعبد أي جامعا بين وصف النبوة والعبودية فكن أو اختر أو فلك هذا وإن شئت نبيا ملكا أي فكذلك وحاصله أن الله خيرك فاختر ما شئت وفيه إيماء إلى أن الملوكية وكمال العبودية لا يجتمعان قال الطيبي قوله نبيا عبدا خبر لكون محذوف بدليل الرواية الأخرى إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وجزاء الشرط محذوف أي إن شئت أن تكون نبيا عبدا فكن إياه فنظرت إلى جبريل عليه السلام أي نظر مشاورة واختيار في موضع اختيار لقوله تعالى إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا الإسراء ولأن بعض الأنبياء جمع لهم بينهما وربما يظن أنه هو مرتبة الكمال كما ورد نعم المال الصالح للرجل الصالح ولكونه وسيلة إلى فتح البلاد وتوسيع العباد وأمثال ذلك فأشار إلي أن ضع نفسك أن مصدرية وضع أمر من وضع أو تفسيرية لما في أشار من معنى القول والحاصل أنه أومأ إلي بأن حط نفسك عن طمع مرتبة الملوكية واختر أن تكون في مقام العبودية فإنه في المآل أعلى وفي المنازل أغلى وفي ذوق الطالبين أحلى فإن الملك لله الواحد القهار وقد قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات أي لتظهر عبوديتهم لي وألوهيتي وربوبيتي لهم كما روي في الحديث القدسي كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف وفي تقديم الشرطية الأولى إشعار بالمرتبة الأولى وفيه دليل صريح على أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر خلافا لمن خالفه كابن عطاء ودعا عليه الجنيد بالبلاء المؤدي إلى الغطاء وفي رواية ابن عباس فالتفت رسول الله إلى جبريل كالمستشير له فأشار جبريل بيده أي إلى الأرض أن تواضع أي اختر الفقر


والعبودية المورثة للتواضع لله المنتجة لرفعة القدر عند الله لا الملك والغنى الباعث على الطغيان والنسيان الموجب للتكبر والكفران المقتضي لوضعه عن نظر الله وهذا باعتبار غالب الأحوال ولذا اختار الله الفقر لأكثر الأنبياء والأولياء والعلماء والصلحاء جعلنا الله منهم وحشرنا معهم فقلت نبيا عبدا أي أكون نبيا عبدا قالت فكان رسول الله بعد ذلك لا يأكل متكئا فسر الأكثرون الاتكاء بالميل إلى أحد الجانبين لأنه يضر بالآكل فإنه يمنع مجرى الطعام ونقل القاضي عياض في الشفاء عن المحققين أنهم فسروه بالتمكن للآكل في الجلوس كالمتربع المعتمد على وطاء تحته لأن هذه الهيئة تستدعي كثرة الأكل يقول استئناف بيان لما قبله آكل كما يأكل العبد أي مما يتيسر له من أدنى المأكول وأجلس كما يجلس العبد إما على الركبتين كهيئة الصلاة وهو أفضل الهيئات أو برفع إحدى الركبتين حالة الأكل أو غيره أو برفع الركبتين على صفة الاحتباء وهو أكثر أنواع جلوسه في غير الصلاة رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وفي الشمائل للترمذي عن أبي جحيفة مرفوعا أما أنا فلا آكل متكئا وفي الجامع الصغير إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب العبد رواه ابن عدي في الكامل عن أنس وروى أحمد ومسلم وأبو داود عن كعب بن مالك أنه كان يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها وروى ابن السني والطبراني عن ابن مسعود أنه كان إذا شرب تنفس في الإناء ثلاثا يسمي عند كل نفس ويشكر في آخرهن وفي الحلية لأبي نعيم عن أبي جعفر مرسلا أنه كان إذا شرب الماء قال الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا وروى الطبراني عن ابن عباس أنه كان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك إلى خبز الشعير


باب المبعث وبدء الوحي
هذا من باب ما قاله أرباب الهداية من أن النهاية هي الرجوع إلى البداية فنقول الباب أصله البوب قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ويجمع على أبواب وقد قالوا أبوبة ذكره العيني والمراد هنا نوع من الكلام المشتمل عليه جنس الكتاب المجموع لأفراد الأنواع كما بينته في تعليقي الأول باب كتاب البخاري في بيان الإعراب بدون الإغراب ثم المبعث مصدر ميمي بمعنى البعث من بعث إذا أرسل ذكره ابن الملك فالمراد به أنه مصدر ميمي والأظهر أن المقصود به معرفة زمان البعث ومكانه كما نبه عليه أول الحديث من الفصل الأول ثم البدء


بموحدة مفتوحة فدال ساكنة فهمز بمعنى الابتداء قيل ويروى بدو كظهور وزنا ومعنى وهل الأحسن الأول لأنه يجمع المعنيين أو الثاني لأنه أعم رأيان قلت إنما محله قول البخاري كيف كان بدء الوحي فإنه يحتمل الاحتمالين كما أوضحناه في محله وأما ما نحن فيه فلا يساعد الرسم الثاني فإنه يكتب بالياء هنا بخلاف ما في الصحيح فإنه يكتب فيه بالواو فتأمل ولا تمل ويؤيد ما قلنا أيضا أنه قال العسقلاني في فتح الباري قال عياض روي البدء بالهمزة وسكون الدال من الابتداء وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو من الظهور قلت ولم أره مضبوطا في شيء من الروايات التي اتصلت بنا إلا أنه وقع في بعضها كيف كان ابتداء الوحي فهذا يرجح الأول وهو الذي سمعناه من أفواه المشايخ وقد استعمل المصنف يعني البخاري هذه العبارة كثيرا كبدء الحيض وبدء الأذان وبدء الخلق والوحي لغة الإعلام في خفاء وقيل أصله التفهيم ومنه قوله تعالى وأوحى ربك إلى النحل النحل وشرعا هو الإعلام بالشرع وقد يطلق ويراد به اسم المفعول أي الموحي وهو كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه وقال شارح البعث مصدر بمعنى الإرسال والبدء الابتداء والوحي هنا الرسالة ولعل اختياره كغيره معنى المصدر في المبعث لإشتماله على الزمان والمكان أيضا مع الدلالة على كيفية أصل الفعل والله أعلم
الفصل الأول


عن ابن عباس قال بعث بصيغة المجهول أي جعل مبعوثا إلى الخلق بالرسالة رسول الله لأربعين سنة أي وقت إتمام هذه المدة قال الطيبي اللام فيه بمعنى الوقت كما في قوله تعالى قدمت لحياتي الفجر فمكث بضم الكاف ويفتح أي فلبث بمكة ثلاث عشرة سنة بسكون الشين المعجمة ويكسر يوحي إليه جملة حالية أو استئنافية أي يوحي إليه في أثناء تلك السنين ثم أمر بالهجرة أي إلى المدينة فهاجر أي إليها وأقام بها عشر سنين بالسكون لا غير ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة وهذا هو الصحيح وقيل ابن خمس وستين كما سيأتي عن ابن عباس أيضا بإدخال سنتي الولادة والوفاة وقيل ابن


ستين كما سيأتي عن أنس بالغاء الكسر متفق عليه وعنه أي عن ابن عباس قال أقام رسول الله بمكة خمس عشرة سنة أي بإدخال سنتي الولادة والهجرة يسمع الصوت أي صوت جبريل ويرى الضوء أي النور في الليالي المظلمة ضياء عظيما سبع سنين قال الطيبي يعني أنه كان يرى من أمارات النبوة سبع سنين ضياء مجردا وما رأى معه ملكا وهو معنى قوله ولا يرى شيئا أي سوى الضوء قالوا والحكمة في رؤية الضوء المجرد دون رؤية الملك حصول استئناسه أولا بالضوء المجرد وذهاب روعه إذ في رؤية الملك مظنة ذهول وذهاب عقل لغلبة دهشته فإنه أمر خطير اه ولقد أحسن ابن الملك في قوله والسر فيه أن الملك لا يفارقه ضوء الملكية ونور الربوبية فلو رآه ابتداء فلربما لم تطقه القوة البشرية وعسى أن يحدث من ذلك غشي فاستؤنس أولا بالضوء ثم غشيه الملك ويجوز أن يراد بالضوء انشراح صدره قبل نزول الوحي فسمي الإنشراح ضوءا ولا يكمل انشراح صدره إلا بعد وصوله إلى أربعين ليستعد أن يكون واسطة بين الله وبين خلقه وثماني سنين يوحى إليه أي في مكة وأقام بالمدينة عشرا وتوفي وهو ابن خمس وستين سبق الكلام عليه متفق عليه قال ميرك قوله متفق عليه لم يقع في موقعه لأن البخاري لم يخرجه بل هو في صحيح مسلم فقط كما صرح به الحميدي في الجمع بين الصحيحين وأشار إليه شخينا ابن حجر في شرح صحيح البخاري ومنشأ توهم صاحب المشكاة صنيع ابن الأثير في جامع الأصول والحاصل أنه اغتر بظاهر كلامه من غير رجوع إلى المأخذ فلذا وقع فيما وقع والله أعلم وعن أنس قال توفاه الله تعالى على رأس ستين سنة قال الطيبي مجاز قوله على رأس ستين سنة أي آخره كمجاز قولهم رأس آية أي آخرها سموا آخر الشيء رأسا لأنه مبدأ مثله من آية أخرى أو عقد آخر متفق عليه ورواه الترمذي في الشمائل


وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال قبض النبي أي توفي وهو ابن ثلاث أي والحال أنه صاحب ثلاث سنين وستين أي سنة كما في نسخة وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين أي بلا خلاف وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر وعمر وهو ابن ثلاث وستين وقيل ابن تسع وخمسين وقيل ثمان وخمسين وقيل ست وخمسين وقيل إحدى وخمسين قال المؤلف طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة بالمدينة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ودفن يوم الأحد عاشر محرم سنة أربع وعشرين وله من العمر ثلاث وستون وهو أصح ما قيل في عمره وكانت خلافته عشر سنين ونصفا وأما عثمان فدفن ليلة السبت بالبقيع وله يومئذ من العمر اثنتان وثمانون سنة وقيل ثمان وثمانون وقيل غير ذلك وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة وأما علي فاستخلف يوم قتل عثمان وهو يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وضربه عبد الرحمان بن ملجم المرادي بالكوفة صبيحة الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربعين ومات بعد ثلاث ليال من ضربه ودفن سحرا وله من العمر ثلاث وستون سنة وقيل خمس وستون وقيل سبعون وقيل ثمان وخمسون وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأياما ولعل أنسا لم يذكر عليا مع أن الصحيح في عمره أنه ثلاث وستون لأنه إذ ذاك في قيد الحياة أو لأنه ما تحرر عنده والله أعلم رواه مسلم وروى الترمذي عن جرير عن معاوية أنه سمعه يخطب قال مات رسول الله وهو ابن ثلاث وستين وأبو بكر وعمر كذلك وأنا ابن ثلاث وستين أي وأنا متوقع أن أموت في هذا السن موافقة لهم ففي جامع الأصول كان معاوية في زمان نقله هذا الحديث في هذا السن ولم يمت فيه بل مات وله ثمان وسبعون سنة وقيل ست وثمانون سنة قال ميرك تمنى لكن لم ينل مطلوبه بل مات وهو قريب من ثمانين قلت لكن حصل مرغوبه من ثواب التوافق الذي هو موجود مع زيادة عمره وأمله فنية المؤمن خير من عمله قال محمد بن إسماعيل البخاري ثلاث بالجر على الحكاية والتقدير


رواية ثلاث وستين أكثر أي رواية من غيرها ورجح الإمام أحمد أيضا هذه الرواية قال النووي في شرح مسلم ذكر ثلاث روايات إحداها أنه توفي وهو ابن ستين سنة والثانية ابن خمس وستين والثالثة ثلاث وستين وهي أصحها وأشهرها رواه مسلم هنا من رواية أنس وعائشة وابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم فرواية ستين مقتصرة على العقود ورواية الخمس منافية له وأنكر عروة على ابن عباس قوله وقال إنه لم يدرك أول النبوة ولا كثرت صحبته بخلاف الباقين ولد عام الفيل


على الصحيح المشهور وادعى القاضي عياض الإجماع عليه واتفقوا على أنه ولد يوم الاثنين في شهر ربيع الأول واختلفوا هل هو ثاني الشهر أم ثامنه أم عاشره وتوفي يوم الإثنين في ثاني عشر ربيع الأول ضحى صلوات الله وسلامه عليه اه ولا يخفى أن هنا قولا آخر أيضا وهو أن عمره إثنتان ونصف وستون سنة وأنه على ما روي عنه من أن عمر كل نبي نصف عمر نبي كان قبله عمر عيسى عليه السلام خمس وعشرون ومائة وقيل هذا الحديث لا يخلو عن ضعف ويمكن أن يقال إلغاء النصف من الكسر غير بعيد عند أهل الحساب والله أعلم بالصواب وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت أول ما بدىء به رسول الله قال النووي هذا الحديث من مراسيل الصحابة فإن عائشة لم تدرك هذه القضية فتكون سمعتها من النبي أو من صحابي ومرسل الصحابي حجة عند جميع العلماء إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني قال الطيبي والظاهر أنها سمعت من النبي لقولها قال فأخذني فغطني فيكون قولها أول ما بدىء به رسول الله حكاية ما تلفظ به كقوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون آل عمران بالتاء والياء على تأويل أنه يؤدي لفظ ما أوحي إليه أو معناه فلا يكون الحديث حينئذ من المراسيل قلت هذا غريب من الطيبي لأنها لم تسند في صدر الحديث أنها سمعت منه كان من المراسيل إما عنه أو عن صحابي ولا ينافيه قولها قال فإنه إما نقل كلامه أو نقل كلام الصحابي والتقدير قال ناقلا عنه عليه الصلاة والسلام والله أعلم بالمرام ثم الظاهر من في قولها من الوحي تبعيضية لا بيانية كما قيل أي أول ما ابتدىء به من أقسام الوحي الرؤيا الصادقة وقوله في النوم إما تأكيد وإما في الرؤيا تجريد إذ الرؤيا ما رأيت في منامك على ما في القاموس ثم اعلم أن حقيقة الرؤيا الصادقة أن الله يخلق في قلب النائم أو في حواسه الأشياء كما يخلقها في اليقظة وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا غيره عنه فربما يقع ذلك في اليقظة كما رآه في المنام


وربما يكون ما رآه علما على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها فيقع ذلك كما جعل الله تعالى الغيم علامة للمطر كذا حققه العلامة الكرماني فكان لا يرى رؤيا وفي نسخة الرؤية إلا جاءت أي تلك الرؤيا بمعنى أثرها الدال على تحققها مثل فلق الصبح بفتح الفاء واللام أي ضوئه إذا انفلق كما في شرح السنة والمعنى مشبهة بضيائه أو مجيئا مثله قال شارح الفلق بالتحريك الصبح بعينه وحسن إضافته إلى الصبح وإن كانت لاختلاف اللفظين


لكونه من الألفاظ المشتركة فإنه يطلق الفلق على الصبح وعلى المطمئن من الأرض فشبهت ما جاءه في اليقظة موافقا لما رآه في المنام بالفلق لإنارته وإضاءته وصحته وقال القاضي شبه ما جاءه في اليقظة ووجده في الخارج طبقا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه والفلق الصبح لكن لما كان مستعملا في هذا المعنى وفي غيره كالفلق في قوله قل أعوذ برب الفلق الفلق وغير ذلك أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام إلى الخاص كقولهم عين الشيء ونفس الشيء وقال الطيبي للفلق شأن عظيم ولذلك جاء وصفا لله تعالى في قوله سبحانه فالق الإصباح الأنعام وأمر بالاستعاذة برب الفلق لأنه ينبىء عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة وطلوع تأثير الصبح بظهور سلطان الشمس وإشراقها الآفاق لأن الرؤيا الصالحة مبشرات تنبىء عن وفور أنوار عالم الغيب وآثار مطالع الهامات شبه به الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء النبوة وتنبيه من تنبيهاتها لمشتركي العقول على ثبوت النبوة لأن النبي إنما سمي نبيا لأنه ينبىء من عالم الغيب الذي لا تستقل العقول بإدراكه وفي شرح مسلم للنووي قالوا إنما ابتدأ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا يحتملها قوى البشرية فبدىء بتباشير الكرامة وصدق الرؤية استئناسا قلت وهو مقتضى الأمور التدريجية في الأمور الدينية والدنيوية وكأن الرؤيا شبهت بالفلق الذي هو الصبح وهو مقدمة طلوع الشمس المشبه به إتيان جبريل بالوحي المنزل الذي هو نور وكتاب مبين يهدي الله لنوره من يشاء النور ثم بون بين بين النور الحسي الآفاقي والنور العلمي الخلاقي ثم حبب إليه الخلاء بالمد أي الخلوة المناسبة لمرتبة التخلية عن الغير المقدمة على التحلية المترتبة عليها بثبوت نور وجوده وظهور كرمه وجوده قال النووي الخلوة شأن الصالحين وعباد الله العارفين قال الخطابي حبب إليه الخلوة لأن معها فراغ القلب وهي معينة على التفكر وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه


ويجمع همه فالمخلص في الخلوة يفتح الله عليه ما يؤنسه في خلوته من تعويض الله تعالى إياه عما تركه لأجله واستنار قلبه بنور الغيب حين تذهب ظلمة النفس واختيار الخلوة لسلامة الدين وتفقد أحوال النفس وإخلاص العمل اه واختلف في أفضلية الخلوة والجلوة والخلطة والعزلة والصحيح أن كل واحدة بشروطها المعتبرة في محلها هي الأفضل والأكمل للمصلحة المترتبة عليها الحكمة الإلهية واقتضاء صفة الربوبية وكان يخلو بغار حراء بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد وهو مذكر مصروف على الصحيح وقيل مؤنث غير مصروف ذكره النووي وقال القاضي الزاهد صاحب الثعلبي والخطابي وغيرهما العوام يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع يفتحون الحاء وهي مكسورة ويكسرون الراء وهي مفتوحة ويقصرون الألف وهي ممدودة وهو جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال عن يسار الذاهب من مكة إلى منى وقال شارح هو بالكسر والمد والقصر خطأ يذكر ويؤنث فيصرف على الأول ولا يصرف على الثاني


أقول ولعل وجه التذكير اعتبار الموضع والتأنيث باعتبار البقعة وقال العسقلاني حراء هو بالمد وكسر أوله وهو الصحيح رواية وحكي فيه غير ذلك جوازا لا رواية وعند الأصيلي بالفتح والقصر فيتحنث فيه أي فيتعبد في ذلك الغار فرارا من الأغيار وفي سيرة ابن هشام فيتحنف بالفاء أي يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم والفاء تبدل تاء في كثير من كلامهم ذكره السيوطي وهو أي التحنث التعبد وكأن المتعبد يتحرز عن الحنث بمعنى الإثم ويجتنب عنه بعبادته وهذا التفسير إما من قول عائشة رضي الله عنها أو من قول الزهري أدرجه في الحديث والتحنث في اللغة القاء الحنث عن نفسه وقيل لم يرد من باب التفعل في معنى إلقاء الشيء عن النفس إلا التحنث والتأثم والتحوب كذا ذكره شارح وقال السيوطي قوله هو التعبد مدرج في الخبر قطعا قال العسقلاني وهو محتمل أن يكون من كلام عروة أو من دونه قال وجزم الطيبي بأنه من تفسير الزهري ولم يذكر دليله اه وقال التوربشتي فسرت التحنث بقولها وهو التعبد ويحتمل أن يكون التفسير من قول الزهري أدرجه في الحديث وذلك من دأبه قال النووي وقوله الليالي ذوات العدد متعلق بيتحنث لا بالتعبد ومعناه يتحنث الليالي ولو جعل متعلقا بالتعبد فسد المعنى فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي بل يطلق على القليل والكثير وهذا التفسير اعترض بين كلام عائشة رضي الله عنها وإنما كلامها فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد وإنما أطلق الليالي وأريد بها الليالي مع أيامهن على سبيل التغليب لأنها أنسب للخلوة وقيد بذوات العدد لإرادة التقليل كما في قوله تعالى دراهم معدودة يوسف اه فالمراد بذات العدد القلة وقيل يحتمل الكثرة إذ الكثير يحتاج للعدد لا القليل وقيل إبهام العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدة التي يتخللها مجيئه إلى أهله وإلا فأصل الخلوة قد عرفت مدتها وهي شهر في كل سنة وذلك الشهر كان رمضان أقول ويمكن أن تكون المدة أربعين قياسا على ميقات موسى عليه السلام


ولما فيها من الخواص والأسرار التي تظهر آثارها وأنوارها على الصوفية الأبرار مع ما فيها من مطابقة الأربعينيات في الأطوار وقد قال من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه هذا وقال الحافظ العسقلاني ولم يأت التصريح بصفة تعبده لكن في رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق فيطعم من يرد عليه من المشركين وجاء عن بعض المشايخ أنه يتعبد بالتفكر ذكره السيوطي في حاشية مسلم وفي التحرير للإمام ابن الهمام أن المختار أنه قبل مبعثه متعبد فقيل بشرع نوح وقيل إبراهيم وقيل موسى وقيل عيسى ونفاه المالكية والآمدي وتوقف الغزالي أي في تعبده قبل البعثة بشرع من قبله وفي شرح التحرير قال إمام الحرمين والمازري وغيرهما لا يظهر لهذه المسألة ثمرة في الأصول ولا في الفروع بل يجري مجرى التواريخ المنقولة ولا يترتب عليها حكم في الشريعة اه والظاهر أن المراد بالتعبد هنا التجرد للعبودية وهو الانقطاع عن الخلق بالكلية والتبتل إلى الحق بحسب ما يقتضيه


صفة الربوبية والخلو عن المطالب النفسية والمآرب الشهوية وخلاصته الغيبة عما سواه والحضور مع الله المترجم عنه قول لا إله إلا الله الوارد فيه أفضل الذكر لا إله إلا الله المعني بقوله فاعلم أنه لا إله إلا الله محمد المعبر عنه عند الصوفية بالفناء والبقاء والانفصال والاتصال والبينونة والكينونة وهو نهاية مراتب العباد وغالب مطالب العباد قبل أن ينزع إلى أهله يقال نزع إلى أهله ينزع أي اشتاق ومال ولذا قيل ينزع كيرجع زنة ومعنى قال شارح والمعنى أنه كان لا يميل عن أهله بالكلية إلى خلوته ويدل عليه قوله ويتزود بالرفع أي فيجيء أهله ويأخذ زاده لذلك أي لتعبده الليالي ذوات العدد أو لما ذكر من الليالي مشتغلا برب العباد ومتهيئا لأمر المعاد إلى فراغ الزاد ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها أي لمثل تلك الليالي أو لنحو تلك العودة التي فيها الجودة وفيه إيماء إلى أن أخذ الزاد لا ينافي التوكل والاعتماد والحاصل أنه استمر على تلك الحال من الذهاب للآمال والرجوع لنيل المنال وحسن المآل حتى جاءه الحق أي أمر الحق وهو الوحي أو رسول الحق وهو جبريل عليه السلام ذكره التوربشتي أو المعنى تبين له الحق وظهر له الجمال المطلق بلا مرآة ولا مراء وهو في غار حراء فجاء الملك اللام للعهد وهو جبريل وقيل إسرافيل فقال اقرأ أي مطلقا وهو مقتضى الأمر الباهر أو كما أقرأ وهو الظاهر فقال ما أنا بقارىء أي لا أحسن القراءة ولم أتعلم القراءة كما هو المعتاد فيمن يقرأ قال فأخذني فغطني بتشديد الطاء أي عصرني قيل الغط في الأصل المقل في الماء والتغويض فيه على ما في النهاية وغيره ولما كان الغط مما يأخذ بنفس المغطوط استعمل مكان الخنق وفي بعض الروايات فخنقني أقول الأظهر أن الغط هو العصر إما من جهة البطن أو الظهر لكن شدته ربما يضيق النفس فيشابه حالة الخنق فعبر عنه بالخنق وهذا المعنى أولى وأخلق وفي شرح مسلم قالوا والحكمة في الغط شغله عن الالتفات


والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله وإنما كرره ثلاثا مبالغة في التنبيه ففيه أنه ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم ويأمره بإحضار قلبه وقيل إنما غطه ليختبره هل يقول من تلقاء نفسه شيئا وحاصل المعنى عصرني عصرا شديدا حتى بلغ مني الجهد بضم الجيم ويفتح بالرفع وينصب قال النووي الجهد يجوز فيه فتح الجيم وضمها وهو الغاية والمشقة ويجوز نصب الدال ورفعها فعلى النصب بلغ جبريل في الجهد وعلى الرفع بلغ الجهد مني مبلغه وغايته وقد ذكر الوجهين أعني نصب الدال وفتحها صاحب التحرير اه وقال شارح هو بضم الجيم ورفع الدال وهو بالضم الوسع والطاقة وبالفتح المشقة وقيل المبالغة والغاية وقيل هما لغتان في الوسع وأما المشقة والغاية فبالفتح لا غير وقال التوربشتي لا أرى الذي يرويه بنصب الدال إلا قد


وهم فيه أو جوزه من طريق الاحتمال فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استفرغ قوته في ضغطه وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد وهذا قول غير سديد فإن البنية البشرية لا تستدعي استيفاء القوة الملكية لا سيما في مبدأ الأمر وقد دلت القضية على أنه اشمأز من ذلك وتداخله الرعب قال الطيبي لا شك أن جبريل في حالة الغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى بها عند سدرة المنتهى وعندما رآه مستويا على الكرسي فيكون استفراغ جهده بحسب الصورة التي تجلى له وغطه وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد أقول يلزم من تشكل الملك بصورة الآدمي وتبدله عن أصل هيئة الملكي سلب القوة عنه ونفى الغلبة منه فإن الأمر المعنوي لا يتغير بتغير الهيكل الصوري فكلام الشيخ في محله وصحة الرواية موقوفة على نقلها لا بمجرد جوازها وذكرها وحملها ثم أي بعدما بلغ بقربه مني الجهد أرسلني أي تركني في مقام البعد وكأنه نقل من مقام الجمع إلى حال التفرقة ومن مرتبة الولاية إلى مرتبة النبوة ترقيا إلى درجة جمع الجمع فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارىء الظاهر من صنيع الشراح أن قوله ما أنا بقارىء في كل مرتبة على معنى واحد ويمكن أن يقال ان ما في الأولى نافية وفي الثانية استفهامية والباء زائدة أو على لغة أهل مصر أي أي شيء أنا أقرؤه فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارىء أي الذي أنا بقارىء ما هو على أن ما موصولة مبتدأ وخبره محذوف والفرق بينه وبين ما قبله في المعنى المرام أن الأول استفهام الإنكار وهذا استفهام الإعلام فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك قال النووي هذا دليل صريح في أن أول ما نزل من القرآن اقرأ وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف وقيل أوله يا أيها المدثر وليس بشيء قلت الظاهر أن اقرأ أوله الحقيقي ويا أيها المدثر أوله الإضافي وهو بعد فترة الوحي الإلهي قال واستدل


بهذا الحديث من يقول بسم الله الرحمان الرحيم ليست بقرآن في أوائل السور لكونها لم تذكر هنا وجواب المثبتين لها أنها لم تنزل أولا بل نزلت البسملة في وقت آخر كما نزلت باقي السور في وقت آخر قلت فلا تكون البسملة جزءا لجميع أوائل السور لعدم القائل بالفصل فثبت مدعي أهل الفضل ولعل النووي لما أشعر ضعف الجواب أسنده إليهم تبريا من قولهم والله أعلم بالصواب قال الطيبي اقرأ أمر بايجاد القراءة مطلقا وهو لا يختص بمقروء دون مقروء فقوله باسم ربك حال أي اقرأ مفتتحا باسم ربك أي قل بسم الله الرحمان الرحيم ثم اقرأ وهذا يدل على أن البسملة مأمور قراءتها في ابتداء كل قراءة فيكون مأمورا قراءتها في هذه السورة أيضا قلت لا يخفى بعد ما ذكره على أولي النهى أما قوله أمر بايجاد القراءة ففيه بحث فإن الإيجاد والإمداد من أفعال رب العباد على ما هو مقرر في الاعتقاد فالأمر إنما توجه بمباشرة القراءة لا بإيجادها ثم قوله وهو لا يختص بمقروء دون مقروء ففيه أن لفظ


اقرأ هنا أيضا مقروء فالظاهر أن الباء للاستعانة أو للإلصاق أو الملابسة كما حقق في البسملة أول الفاتحة أي اقرأ مستعينا باسم ربك أو ملصقا به قراءتك أو حال كونك متلبسا به وعلى التنزل فلا يلزم من الافتتاح باسم الرب أن يؤتى ببسم الله الرحمان الرحيم ثم يقرأ كما هو ظاهر بل ظاهره خلاف المأمور على أنه يلزم منه أن المقروء بعد قوله اقرأ باسم ربك والحال أن الأمر ليس كذلك فإن مدعي الشافعية أن يثبتوا البسملة قبل قوله اقرأ باسم ربك ثم قوله وهذا يدل على أن البسملة مأمور قراءتها في ابتداء كل قراءة ممنوع ومدفوع لاتفاق العلماء على استحباب التعوذ أو وجوبه قبل القراءة وعلى جواز البسملة كذلك إلا في أول براءة على الصواب وفي أثناء سورتها خلاف والمعتمد منعها الذي خلق أي الأشياء ومن جملتها خلق القدرة على القراءة والقوة على الطاعة خلق الإنسان من علق تخصيص بعد تعميم إشعارا بأن الإنسان خلاصة المخلوقات وزبدة الموجودات وهو أولى مما اختاره الطيبي من أنه إبهام وتبيين ولعل العدول عن قوله خلق الإنسان من نطفة النحل لمراعاة الفواصل وللإشارة إلى تنقله في أطوار الخلقة إلى مرتبة النبوة بالوصول إلى الحق المطلق وإلى مقام الرسالة من دعاء الخلق إلى دعوة الحق اقرأ تأكيد للتقرير وتكرير للتكثير وربك الأكرم أي من كل كريم فإن كرم كل كريم من أثر كرمه وذرة من شعاع ظهور شمس نعمه وفيه إشارة إلى أن و صفة الأكرم اقتضى بلوغ وصول الأمي إلى حصول مقام الأعلم وصيره واسطة ايصال فيض العلم إلى أفراد العالم الذي علم بالقلم أي بواسطته كثيرا من العلوم المتعارف لأفراد بني آدم علم الإنسان ب أي بطريق بيان اللسان وتبيان الجنان ما لم يعلم أي من الأشياء الحادثة في المكان والزمان ويمكن أن يراد بالإنسان هو الكامل في هذا الشأن واللام للمعهود في الأذهان فيكون فيه إشارة إلى قوله تعالى وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما النساء فصلوا عليه


وسلموا تسليما فرجع بها أي رجع النبي بالآيات أي معها متوجها إلى مكة يرجف بضم الجيم أي يضطرب فؤاده ويتحرك شديدا من الرعب الذي دخل في قلبه فدخل على خديجة قال الطيبي أي صار بسبب تلك الضغطة يضطرب فؤاده ورجع يجيء بمعنى قصد أيضا اه وما قدمناه هو الظاهر كما لا يخفى فقال زملوني بتشديد الميم المكسورة أي غطوني بالثباب ولفوني بها زملوني كرره للتأكيد أو لزيادة التأييد فزملوه حتى ذهب عنه الروع بفتح الراء أي الخوف والرعب الشديد فقال لخديجة وأخبرها الخبر أي خبر ما تقدم والجملة حالية معترضة بين القول ومقولة وهو لقد خشيت أي خفت على نفسي أي من


الجنون أو الهلاك وقال شارح أدهشته هيبته البديهة فخشي على نفسه من تخبط الشيطان وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض ليس هو بمعنى الشك فيما آتاه الله تعالى لكنه ربما خشي أنه لا يقوى على مقاومة هذا الأمر ولا يقدر على حمل أعباء الوحي فتزهق نفسه أو يكون هذا لأول التباشير في النوم أو اليقظة وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحقيق رسالة ربه فيكون قد خاف أن يكون من الشيطان فأما منذ جاءه الملك برسالة ربه سبحانه وتعالى فلا يجوز الشك فيه وتسليط الشيطان عليه قال الشيخ محيي الدين وهذا الاحتمال ضعيف لأنه تصريح بأن هذا بعد غط الملك وإتيانه باقرأ باسم ربك وقال السيوطي قيل خشي الجنون وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة قال الإسماعيلي وذلك قبل حصول العلم الضروري له أن الذي جاءه ملك وأنه من عند الله وقيل الموت من شدة الرعب وقيل المرض وقيل العجز عن حمل أعباء النبوة وقيل عدم الصبر على أذى قومه وقيل أن يقتلوه وقيل أن يكذبوه وقيل أن يعيروه فقالت خديجة كلا هي كلمة ردع أي لا تظن ذلك أو لا تخف أو معناه حقا فقولها والله للتأكيد وتأييد للتأبيد لا يخزيك الله أبدا قال النووي هو بضم الياء وبالخاء المعجمة في رواية يونس وعقيل وفي رواية معمر بالحاء المهملة والنون ويجوز فتح الياء في أوله وضمها وكلاهما صحيح أقول لا يخفى أن فتح الياء إنما يكون مع فتح الزاي بخلاف ضم الياء فإنه مع كسر الزاي كما قرىء بهما متواترا في قوله تعالى ولا يحزنك قولهم يونس ونحوه وأما الرواية الأولى فمن الإخزاء بمعنى الإفضاح والإهانة ومنه قوله تعالى يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه التحريم إنك بالكسر استئناف فيه شائبة تعليل لتصل الرحم أي ولو قطعوك وتصدق الحديث بضم الدال أي تتكلم بصدق الكلام ولو كذبوك أو كذبوك وتحمل بكسر الميم الكل بفتح الكاف وتشديد اللام وهو ما لا يستقل بأمره وقد يعبر به عن الثقيل ومنه قوله تعالى وهو كل على مولاه النحل والمعنى


أنك تتحمل مؤونة الكل وتقبل محنة الكل وإن تركوك ولم يساعدوك ويدخل في حمل الكل الإنفاق على الضعيف واليتيم والأرامل والعيال من النساء والرجال وتكسب المعدوم بفتح التاء هو الصحيح المشهور وروي بضمها ذكره النووي والمعنى تحصل المال للخير أو تعطى المحتاج فكأن الفقير معدوم في نفسه أو في نظر الغني أو لأن الفقر يقتضي الفناء والإسكان كما أن الغني يوجب الظهور والتحرك والطغيان وتقري بفتح التاء وكسر الراء أي تطعم الضيف أي النازل بك وتعين على نوائب الحق أي الحوادث على الخلق بتقدير الحق أي يناب فيها وقيل النوائب جمع النائبة وهي الحادثة وإنما أضيفت إلى الحق لأن النائبة قد تكون في الخير وقد تكون في الشر قال لبيد نوائب من خير وشر كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشر لازب هذا مجمل المرام في هذا المقام وأما تفصيل الكلام على ما بينه علماء الأعلام فقد


قال ثعلب والخطابي وغيرهما يقال كسبت الرجل مالا وأكسبته مالا لغتان أفصحهما كسبته بحذف الألف فمعنى الضم تكسب غيرك المال المعدوم أي تعطيه إياه تبرعا فحذف الموصوف وأقيم الموصوف به مقامه وقيل المعنى تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق أو تصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله وكانت العرب تتمادح بكسب المال لا سيما قريش وكان مغبوطا في تجارته قال النووي وهذا القول ضعيف أو غلط ويمكن تصحيحه بأن يضم معه زيادة فمعناه تكسب المال العظيم الذي يعجز غيرك عنه ثم تجود به في وجوه الخير وأبواب المكارم كما ذكرت من حمل الكل وصلة الرحم وغيرهما وصاحب التحرير جعل المعدوم عبارة عن الرجل المحتاج المعدوم العاجز عن الكسب وسماه معدوما لكونه كالمعدوم الميت حيث لم يتصرف في معيشة الحياة اه وقيل الصواب وتكسب المعدوم أي تعطي العائل وتمنحه لأن المعدوم لا يدخل تحت الإفعال قال التوربشتي المعدوم هي اللفظة الصحيحة بين أهل الرواية وأجراها بعضهم على التوسع فرأى أنه نزل العائل منزلة المعدوم مبالغة في العجز كقولك للبخيل والجبان ليس بشيء قال ويكسب من كسبت زيدا مالا أو كسبت مالا ويجوز بضم التاء من أكسبت زيدا مالا قال الخطابي والأفصح كسبته فمعنى تكسب إن جعل متعديا إلى واحد أنك تكسب ما لا يكون موجودا ولا حاصلا لنفسك وتقري به الضيف فيكون المجموع سببا لأن لا يخزيه الله أو تكسب المعدوم وهو الفقير سمي معدوما للمبالغة كأنه صار من غاية فقره معدوما والمتصدق عليه يكسبه ويجعله موجودا وإن جعل متعديا إلى اثنين فالمحذوف إما المفعول الأول أي تكسب غيرك المعدوم أي يعطيه مالا لا يكون موجودا عنده وتوصله إليه أو المفعول الثاني أي تكسب المعدوم أي الفقير مالا أي تعطيه إياه وإنما ذكرت لفظ الكسب إرادة أنك لن تزل تسعى في طلب عاجز تنعشه كما يسعى غيرك في طلب مال ينعشه اه وزبدته أنها أرادت أنك ممن لا يصيبه مكروه لما جمع الله


فيك من مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل وفيه دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة تطرأ أو فيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمر وتبشيره وذكر أسباب السلامة وفيه أعظم دليل وأبلغ حجة على كمال خديجة رضي الله عنها وجزالة رأيها وقوة نفسها وثبات قلبها وعظم فقهها وفيه تنبيه على أن فقره كان مرضيا اختياريا لا مكروها اضطراريا ومنشؤه كمال الكرم والسخاوة وعلى أن هذه الصفات المذكورة والنعوت المسطورة كانت له جبلية خلقية قبل بعثته الباعثة لتتميم مكارم الأخلاق ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بفتحتين بن نوفل أي ابن أسد القرشي ابن عم خديجة أي ابنة خويلد بن أسد فهو ابن عمها حقيقة واختلف في إسلامه ذكره صاحب


القاموس فقالت له يا ابن عم اسمع من ابن أخيك وهذا بطريق المجاز كقولهم يا أخا العرب وقال شارح إنما قالت ذلك على سبيل التعظيم لا على سبيل الحقيقة فقال له ورقة وقد كان تنصر في الجاهلية وقرأ الكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي ذكره المؤلف في فصل الصحابة يا ابن أخي ماذا ترى قيل ذا زائدة وما استفهامية وقيل ذا موصولة أي ما الذي تراه فأخبره رسول الله خبر ما رأى أي بخبره وأطلعه على ما ظهر عليه من الملك وأثره فقال ورقة هذا أي الملك الذي رأيته هو الناموس الذي أنزل أي أنزل الله على موسى قيل ناموس الرجل صاحب سره الذي يطلعه على باطن أمره وأهل الكتاب يسمون جبريل بالناموس فقد قال أهل اللغة الناموس صاحب سر الخير والجاسوس صاحب سر الشر فقيل سمي بذلك لأن الله تعالى خصصه بالوحي يا ليتني أي كنت كما في نسخة فيها أي في أيام النبوة أو مدة الدعوة أو الأزمنة التي تظهر فيها جذعا بفتح الجيم والذال المعجمة أي جلدا شابا قويا حتى أبالغ في نصرتك بمنزلة الجذع من الخيل وهو ما دخلت في السنة الثالثة فالجذع في الأصل للدواب وهنا استعارة ونصبه إما بإضمار كنت أو بليت على تأويل تمنيت والأصح أنه حال أي ليتني حاصل فيها جذعا كما هو مذهب البصريين في يا ليت أيام الصبا رواجعا قال الخطابي والمازري وغيرهما نصب على أنه خبر كان المحذوفة تقديره ليتني أكون فيها جذعا على مذهب الكوفيين وقال القاضي الظاهر عندي أنه منصوب على الحال وخبر ليت قوله فيها والعامل متعلق الظرف هذا وفي قوله يا ليتني المنادى محذوف أي يا محمد وقال ابن مالك ظن أكثر الناس أن يا التي يليها ليت حرف نداء والمنادى محذوف وهو عندي ضعيف لأن قائل ليتني قد يكون وحده فلا يكون معه منادى كقول مريم يا ليتني مت قبل هذا مريم قلت يمكن أن يكون التقدير يا رب أو يا نفسي أو يا ولدي أو أرادت به الخطاب العام المقصود في أوهام الأفهام ثم قال ولأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي


ادعى فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته كحذف المنادى قبل أمر أو دعاء فإنه يجوز حذفه لكثرة ثبوته ثمة فمن ثبوته قبل الأمر يا يحيى خذ الكتاب بقوة مريم وقبل الدعاء يا موسى ادع لنا ربك الأعراف ومن حذفه قبل الأمر ألا يا اسجدوا في قراءة الكسائي أي ألا يا هؤلاء وقبل الدعاء قوله ألا يا اسلمي يا دار مي على البلا
أي ألا يا دار مي أسلمي فحسن حذف المنادى جعلها اعتمادا على ثبوته بخلاف ليت فإن العرب لم تستعمله ثابتا فادعاء حذفه باطل فتعين كون يا هذه لمجرد التنبيه ألا في نحو ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة قلت لعل وجه حذف المنادى مع ليت كثرة استعماله فتارة يكون مفردا مذكرا أو مؤنثا وتارة تثنية وجمعا كذلك وتارة يكون محققا وأخرى يكون موهوما ولا شك أن كثرة الاستعمال موجبة للحذف والتخفيف حتى ربما تجعل الحذف واجبا فادعاء حذفه بهذا الاعتبار حق بل واجب لا باطل وذاهب ثم رأيت في القاموس ذكر جواز الوجهين وقدم ما قدمناه حيث قال وإذا ولي يا ما ليس بمنادى كالفعل في ألا يا اسجدوا والحرف في نحو يا ليتني كنت معهم ويا رب كاسبة في الدنيا عارية في العقبى والجملة الإسمية نحو يا لعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان من جار فهي للنداء والمنادى محذوف أو لمجرد التنبيه لئلا يلزم الاجحاف بحذف الجملة كلها اه وتبعه صاحب المغنى وفيه بحث لا يخفى والله تعالى يعلم السر وأخفى يا ليتني أكون حيا أي وإن لم أكن قويا إذ يخرجك إذ هنا للاستقبال كإذا والمعنى حين يتسبب لخروجك من بلدك قومك أي أقاربك من كفار قريش فقال رسول الله أو مخرجي هم بفتح الواو وتشديد الياء المفتوحة ويجوز كسرها كقوله مصرخي وهو خبر لقوله هم وأصله مخرجون أضيف إلى ياء الاضافة بكسر الجيم للمناسبة فإعرابه تقديري كمسلمي والجملة عطف على مقدر والاستفهام للاستعلام على وجه التعجب من هذا الاقدام لتأكيد المرام أي أيكون ما قلت وهم مخرجي قال نعم أي يخرجونك وسببه أنه لم يأت رجل قط


بمثل ما جئت به أي من الرسالة إلا عودي ماض مجهول من المعاداة والاستثناء مفرغ من أعم عام الأحوال وأن يدركني يومك شرط جزاؤه أنصرك نصرا مؤزرا بتشديد الزاي المفتوحة قال القاضي يريد باليوم الزمان الذي أظهر فيه الدعوة أو عاداه قومه فيه وقصدوا ايذاءه وإخراجه والمؤزر البالغ في القوة من الأزر وهو القوة قلت ومنه قوله تعالى أشدد به أزري طه ثم لم ينشب ورقة بسكون النون وفتح الشين أي لم يلبث ولم يبرح وحقيقته أنه لم يتعلق بشيء أو لم يشتغل بغير ما هو عليه فكنى به عن ذلك وقوله أن توفي نصب على التمييز أي من جهة الوفاة أي لم يلبث وفاته بأن جاء ت سريعا وقال الطيبي بدل اشتمال من ورقة أي لم يلبث وفاته وفتر الوحي أي انقطع أياما كما سيأتي في الحديث الآتي متفق عليه


وزاد البخاري أي على رواية مسلم قوله حتى حزن النبي بكسر الزاي من الحزن والحزن خلاف السرور يقال حزن الرجل فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا لكن بفتح الزاي في المتعدى فيما بلغنا أي من الأحاديث الدالة على حزنه وهو معترض بين الفعل ومصدره المنصوب على أنه مفعول مطلق أعني حزنا بضم فسكون ويجوز فتحهما أي حزنا عظيما من صفته أنه غدا أي ذهب في الغدوة منه أي من أجل الحزن أو من جهة فتور الوحي وقيل معنى غدا جاوز فعلى هذا يكون بعين مهملة ذكره زين العرب وقال العسقلاني غدا بعين مهملة وهو الذهاب بسرعة ومنهم من أعجمها من الذهاب غدوة اه واقتصر شارح على العين المهملة فقال أي مشى من العدو مرارا أي مرة بعد أخرى كي يتردى أي يسقط من رؤوس شواهق الجبل أي عواليه وقيل هو جمع شاهق وهو الجبل المرتفع فكلما أوفى أي وصل ولحق بذروة جبل بكسر الذال ويجوز تثليثه أي بأعلاه لكي يلقى نفسه منه تبدى أي تبين وظهر له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا مصدر مؤكد للجملة السابقة وهي قوله إنك لرسول الله نصب بمضمر أي أحق هذا الكلام حقا فيسكن أي يطمئن لذلك جأشه أو فيزول لذلك اضطراب قلبه وقلقه وروعه وفزعه وتقر بكسر القاف وتشديد الراء تسكن نفسه أي من اضطرابها وعن جابر أنه سمع رسول الله يحدث عن فترة الوحي أي انقطاعه أياما ثم حصوله متتابعا قال فبينا وفي نسخة فبينما أنا أمشي أي في أرض مكة بناء على إطلاقه أو فوق جبل حراء كما يدل عليه قوله الآتي حتى هويت سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجئثت بضم جيم وكسر همز وسكون مثلثة أي فزعت وخفت منه أي من الملك رعبا بضم فسكون وبضمتين إما


حال أي ممتلئا رعبا أو مرعوبا كل الرعب والرعب يتعدى ولا يتعدى أو مفعول مطلق أو مفعول لأجله فإن الفزع انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف وهو قريب من الجزع والرعب الانقطاع من امتلاء الخوف كذا حققه التوربشتي وغيره من أتباعه والأظهر عندي أنه تمييز مؤكد ونظيرة ذرعها سبعون ذراعا حتى هويت بفتح الواو أي سقطت ونزلت إلى الأرض فجئت أهلي أي أهل بيتي فقلت زملوني زملوني أي دثروني وثقلوني من الزاملة وهو ثقل المتاع والتكرير للتأكيد أو للتكثير فزملوني فأنزل الله تعالى يا أيها المدثر بتشديد الدال والثاء أي المتدثر بمعنى المتزمل المتثقل ولهذا قيل معناه يا أيها المتلبس بأعباء النبوة والمتحمل بأثقال الرسالة قم أي بأمرنا أو دم على القيام بالطاعة مطلقا أو على قيام الليل المستفاد من قوله تعالى يا أيها المزمل قم الليل المزمل ولذا قيل إنه أمر بالقيام للنبوة وهذا أمر بالقيام للرسالة كما يشير إليه قوله فأنذر أي فأعلم الناس بالتخويف عن العذاب وبشر المؤمنين بأنواع الثواب فهو من باب الاكتفاء أو الاقتصار على الإنذار بناء على غلبة الكفار وعموم الفجار وربك فكبر أي فخص ربك بوصف الكبرياء والعظمة وثيابك فطهر أي من النجاسات ويؤخذ منه طهارة الباطن عن القاذورات بالأولى وقيل معناه قصر ثيابك على ذكر المسبب وإرادة السبب مع ما فيه من الدلالة على التواضع الملائم للعبودية المناسب لما قبله من ظهور كبرياء الربوبية والرجز بكسر الءاء وضمها أي الشرك والعصيان فاهجر أي فاتركه الظاهر أن هذا اقتصار من الراوي وتمامه ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر المزمل و ثم حمي الوحي بكسر الميم أي اشتد حره وتتابع أي نزوله متفق عليه وعن عائشة أن الحارث بن هشام هو مخزومي أخو أبي جهل شقيقه أسلم يوم الفتح وكان من فضلاء الصحابة واستشهد في فتوح الشام قال العيني وأعطاه رسول الله مائة من الإبل سأل رسول الله فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ظاهره


أن الحديث من مسند عائشة وعليه اعتمد أصحاب الأطراف فكأنها حضرت القصة ويحتمل أن
يكون الحارث أخبرها بذلك بعد فيكون مرسل صحابي وحكمه الوصل اتفاقا ويؤيده أن في مسند أحمد وغيره من طريق عامر بن صالح الزهري عن هشام عن أبيه عن عائشة عن الحارث بن هشام قال سألت وعامر فيه ضعف لكن له متابع عند ابن منده فقال رسول الله أحيانا أي في بعض الأحيان والأزمان قيل وهو وقت إتيان الوعيد يأتيني أي الوحي مثل صلصلة الجرس أي إتيانا مثل صوته قال الطيبي يجوز أن يكون مفعولا مطلقا والأحسن أن يكون حالا أي يأتيني الوحي مشابها صوته لصوت الجرس والصلصلة صوت الحديد إذا حرك وهو أي هذا النوع من الوحي أشده أصعبه علي وأتعبه إلي قال العسقلاني لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود على ما سيأتي ولعل في قوله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا المزمل إشارة إلى ذلك قال الخطابي يريد والله أعلم أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم ويتثبت فيتلقفه حينئذ ويعيه ولذا قال وهو أشده علي فيفصم عني بفتح الياء وكسر الصاد أي ينقطع عني وفي نسخة بضم الياء وكسر الصاد من أفصم الحمى والمطر أي أقلع على ما في القاموس وفي نسخة أخرى بصيغة المجهول أي يقلع عني كرب الوحي قال العسقلاني قوله فيفصم أي الوحي أو الملك فكأنه جوز تقدير المضاف في الوحي السابق أي كيف يأتيك صاحب الوحي وهو الملك ثم قال وهو بفتح المثناة التحتية وسكون الفاء وكسر الصاد المهملة كذا لأبي الوقت من فصم يفصم من باب ضرب يضرب والمراد قطع الشدة أي يقلع وينجلي ما يغشاني من الكرب والشدة ويروى فيفصم بضم الياء وكسر الصاد من الفصم المطر إذا أقلع رباعي قال في المفاتيح وهي لغة قليلة وفي رواية أخرى فيفصم بضم أوله وفتح ثالثه مبني للمفعول والفاء عاطفة والفصم القطع من غير بينونة فكأنه قال إن الملك يفارقني ليعود حالي وقد وعيت عنه ما قال


جملة حالية وهو بفتح العين أي حفظت الذي ذكره فما موصولة والعائد محذوف ثم الوعي هنا قبل الإفصام وفيما بعد حال الكلام فلذلك ورد أولا ماضيا وثانيا حالا حيث قال وأحيانا يتمثل أي يتصور ويتشكل لي الملك رجلا أي مثل رجل فيكلمني فأعي ما يقول قال التوربشتي هذا حديث يغالط فيه أبناء الضلالة ويتخذونه ذريعة إلى تضليل العامة وتشكيكهم وهو حق أبلج ونور يتوقد من شجرة مباركة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار لا يغلط فيه إلا من أعمى الله عيني قلبه وجملة القول في هذا الباب أن نقول كان النبي معينا بالبلاغ مهيمنا على الكتاب مكاشفا بالعلوم الغيبية مخصوصا بالمسامرات القلبية وكان يتوفر على


الأمة حصتهم بقدر الاستعداد فإن أراد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا مما شاهدوه ما لم يشاهدوه فلما سأل الصحابي عن كيفية الوحي وكان ذلك من المسائل الغويصة والعلوم الغريبة التي لا يكشف نقاب التعري عن وجهها لكل طالب ومتطلب وعالم ومتعلم ضرب لها في الشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء تنبيها على أن إنباءها يرد على القلب في لبسة الجلال وأبهة الكبرياء فتأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب ويلاقي في ثقل القول ما لا علم له بالقول مع وجود ذلك فإذا سري عنه وجد القول المنزل هنا ملقى في الروع واقعا موقع المسموع وهذا معنى قوله فيفصم عني وقد وعيت ومعنى يفصم يقلع عني كرب الوحي شبهه بالحمى إذا فصمت عن المحموم ويقال أفصم المطر أي أقلع وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة عن النبي قال إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير هذا وقد سبق لنا من حديث عائشة أن الوحي كان يأتيه على صفتين أولاهما أشد من من الأخرى وذلك لأنه كان يرد فيها من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية فيوحي إليه كما يوحى إلى الملائكة على ما ذكر في حديث أبي هريرة وهو حديث حسن صحيح والأخرى يرد فيها الملك إلى شكل البشر وشاكلته فكانت هذه أيسر وقال الطيبي لا يبعد أن يكون هناك صوت على الحقيقة متضمن للمعاني مدهش للنفس لعدم مناسبتها إياه ولكن القلب للمناسبة يشرب معناه فإذا سكن الصوت أفاق النفس فحينئذ يتلقى النفس من القلب ما ألقي إليه فيعي على أن العلم بكيفية ذلك من الأسرار التي لا يدركها العقل في شرح مسلم قال القاضي عياض إن ما جاء مثل ذلك مجرى على ظاهره وكيفية ذلك وصورته مما لا يعلمه إلا الله سبحانه ومن أطلعه الله على شيء من


ذلك من ملائكته ورسله وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان إذ جاءت به الشريعة ودلائل العقول لا تحيله قالت عائشة قال الكرماني يحتمل أن يكون داخلا تحت الإسناد المذكور سيما إذا جوزنا العطف بحذف حرف العطف وأن يكون غير داخل تحته بل كان ثابتا بإسناد آخر ذكره على سبيل التعليق تأييدا لأمر الشدة وتأكيدا له قال العسقلاني هو بالإسناد الذي قبله وإن كان بغير عطف ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن بكسر الهمز والواو للحال أي فيفصل الوحي عنه والحال أن جبينه أي مقدم وجهه ليتفصد أي ليتصبب عرقا تمييز محول عن الفاعل والمعنى ليسيل عرقه مثل سيلان الدم من العرق المفصود متفق عليه ورواه الترمذي


وعن عبادة بن الصامت قال كان النبي إذا نزل مجهول من الإنزال عليه الوحي أي حين أول إنزاله عليه كرب بصيغة المجهول أي أصابه الكرب وحزن لذلك أي لشدة نزوله وصعوبة حصوله قال شارح الكرب والكربة الغم الذي يأخذه بالنفس يقال كربه الغم إذا اشتد عليه والمستكن في كرب إما للنبي والمعنى أنه كان لشدة اهتمامه بالوحي كمن أخذه غم أي لسبب مبناه أو معناه ولذا قيل له لا تحرك به لسانك لنعجل به إن علينا جمعه وقرآنه القيامة الآية قال أو لخوف ما عسى يتضمنه الوحي من التشديد والوعيد لذلك أو المستكن الوحي بمعنى اشتد فإن الأصل في الكرب الشدة قلت حينئذ لا يلائمه قوله لذلك قال التوربشتي يحتمل أنه كان يهتم بأمر الوحي أشد الاهتمام ويهاب مما يطالب به من حقوق العبودية والقيام بشكر المنعم ويخشى على عصاة الأمة أن ينالهم من الله خزي ونكال فيأخذه الغم الذي يأخذ بالنفس حتى يعلم ما يوحى إليه ويحتمل أن المراد منه كرب الوحي وشدته فإن الأصل في الكرب الشدة وإنما قال الصحابي كرب لما وجد من شبه حاله بحال المكروب وقوله وتربد وجهه أي تغير وأكثر ما يقال ذلك في التغير من الغضب وتربد الرجل أي تعبس وفي رواية نكس رأسه أي أطرقه كالمتفكر ونكس أصحابه رؤوسهم أي اتباعا له وتأدبا معه فلما أتلي عنه بضم همزة فسكون فوقية وكسر لام ففتح تحتية أي سري عنه وكشف كأنه ضمن الإتلاء وهو الإحالة معنى الكشف بقرينة عن وهذا هو المشهور في الأصول ولم يوجد في نسخ المشكاة غيره والمعنى فلما ارتفع الوحي على الرواية الأولى أو الكرب على الرواية الأخرى رفع رأسه أي وتبعه أصحابه وقال الثوري أتلي بهمز ة وتاء مثناة فوق ساكنة فلام فياء هكذا هو في معظم نسخ بلادنا ومعناه ارتفع عنه الوحي هكذا فسره صاحب التحرير وغيره وفي بعض النسخ أجلي بالجيم وفي رواية ابن ماهان انجلى بالجيم ومعناها أزيل عنه وزال عنه وقال الطيبي ضمن أتلي معنى أقلع فعدي بعن وينصره رواية شرح السنة فلما


أقلع عنه وقال التوربشتي قوله فلما أتلي عليه كذا هو في المصابيح وأرى صوابه فلما تلي عليه من التلاوة وإن كان أتلي عليه محققا فمعناه أحيل يقال أتليته أحيلته أي أحيل عليه البلاغ وذلك أن الملك إذا قضى إليه ما نزل به فقد أحال عليه البلاغ رواه مسلم
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت وأنذر عشيرتك أي قومك الأقربين خرج النبي وفي نسخة رسول الله حتى صعد بكسر العين أي طلع الصفا فجعل ينادي أي يقول بأعلى صوت با بني فهر بكسر فسكون يا بني عدي أي وأمثال ذلك لبطون قريش وتقدم تحقيقه وتفصيله حتى اجتمعوا أي حضر جمع من كل قبيلة فجعل الرجل أي من مشايخهم وأكابرهم إذا لم يستطع أن يخرج أي لعذر به أرسل رسولا لينظر ما هو أي من الخبر فجاء أبو لهب وقريش أي عامتهم فقال أي النبي أرأيتم أي أخبروني وصدقوني إن أخبرتكم أن خيلا يعني فرسانا تخرج أي تظهر من سفح هذا الجبل أي ناحيته أو سفحه ففي القاموس أن السفح الجانب ومن الجبل مضطجعه والسفح عرض الجبل المضطجع أو أصله أو أسفله وفي رواية أن خيلا تخرج بالوادي اللام فيه للعهد الذهني ولعل المراد به الوادي المشهور بوادي فاطمة في طريق مكة إلى المدينة تريد أي الخيل والمراد أصحابها وركابها أن تغير عليكم أي تأتيكم بغتة للإغارة عليكم ليلا أو صباحا أكنتم مصدقي قالوا نعم أي نصدقك لأنك محمد الأمين ما جربنا عليك إلا صدقا قال الطيبي ضمن جرب معنى ألقي أي ما ألقينا عليك شيئا من الأخبار مجربين إياك إلا وجدناك فيه صادقا قال فإني نذير لكم أي منذر ومخوف بين يدي عذاب شديد أي قدامه وهو إما في الدنيا أو في الآخرة قال أبو لهب تبا بتشديد الموحدة أي خسرانا وهلاكا لك ألهذا أي لهذا الأمر الذي ذكرته جمعتنا فنزلت تبت يدا أبي لهب بفتح الهاء ويسكن أي خسر وهلك هو واليد مقحمة أو عبارة عن نفسه لأن أكثر مزاولتها ومعالجتها بهما ونحوه قوله تعالى ذلك بما قدمت يداك الحج فقوله وتب تأكيدا أو الأول في


الدنيا والثاني في الآخرة فالمعنى خسر الدنيا والآخرة أو الأول دعاء والثاني إخبار متفق عليه
وعن عبد الله بن مسعود قال بينا رسول الله يصلي عند الكعبة أي قريبا منها وجمع قريش في مجالسهم أي حال كون جمع من قريش في مجامعهم حول الكعبة إذ قال قائل أي أبو جهل أو غيره أيكم يقوم أي يتوجه إلى جزور آل فلان أي بعيرهم فيعمد بكسر الميم أي فيقصد القائم إلى فرثها وهو السرجين ما دام في الكرش على ما في الصحاح والضمير إلى الجزور فإنه وإن كان يطلق على الذكر والأنثى إلا أن اللفظة مؤنثة يقال هذه الجزور وإن أردت ذكرا كذا في النهاية ودمها وسلاها بفتح السين وتخفيف اللام وهو الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه وقيل هو في الماشية السلاء وفي الناس المشيمة والأول أشبه لأن المشيمة تخرج بعد الولد ولا يكون الولد فيها حين يخرج كذا في النهاية فانبعث أي فقام وذهب إلى ما ذكر أشقاهم أي أشقى كفار قريش وهو أبو جهل وقيل عقبة بن أبي معيط كذا ذكره شارح وقال النووي هو عقبة بن أبي معيط كما صرح به في الرواية الأخرى فلما سجد أي النبي وضعه أي ما ذكر والمعنى طرحه أحدهما ولعله بهذا يحصل الجمع بين القولين السابقين بين كتفيه وثبت النبي ساجدا أي حال كونه مستمرا على سجوده ومستقرا على شهوده راضيا بقضائه مسلما لأمره وحسن بلائه فهو في غاية من السرور ونهاية من الحضور الحاصل من قرب الرب وهم لبعدهم عن الحق المطلق وتعلقهم بالخلق غفلوا عن ذلك وأهلكوا هنالك فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض أي واقعين وساقطين فوق بعضهم من الضحك أي من كثرته الناشئة عن إعجابهم بفعلهم وتعجبهم من فعله فانطلق منطلق إلى فاطمة أي وأخبرها بما جرى فأقبلت تسعى أي حال كونها تسرع وهي صغيرة فإنها ولدت وعمره إحدى وأربعون سنة على ما في المواهب وثبت النبي ساجدا هو تأكيد لما قبله وتمهيد لما بعده وهو قوله حتى ألقته أي طرحته عنه فاطمة وأبعدته منه وأقبلت أي


توجهت عليهم تسبهم أي تشتمهم وتلعنهم وهم ساكتون عنها لصغرها ولعل هذا هو السبب في أن غيرها ما أقدم على هذا الفعل لما كان عسى أن تثور الفتنة المؤدية إلى القتال بين القبائل فلما
قضى رسول الله الصلاة أي أداها وفرغ منها قال اللهم عليك بقريش الباء زائدة وعليك اسم فعل فالمعنى خذهم أخذا شديدا أخذ عزيز مقتدر ثلاثا أي كرره ثلاثا وكان أي من عادته أنه إذا دعا أي الله دعا ثلاثا وإذا سأل أي طلب من الله سأل ثلاثا فقيل هذا تأكيد لدعا والأظهر أنه تخصيص له هذا وفي شرح مسلم للنووي فإن قيل كيف استمر في الصلاة مع وجود النجاسة على ظهره أجاب القاضي عياض بأن ليس هذا بنجس لأن الفرث ورطوبة البدن طاهران وإنما النجس الدم وهو مذهب مالك ومن وافقه من أن روث ما يؤكل لحمه طاهر ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه نجس وهذا الذي قاله القاضي ضعيف لأن هذا السلا يتضمن النجاسة من حيث أنه لا ينفك عن الدم في الغالب ولأنه ذبيحة عباد الأوثان قلت يعني على تقدير أن تكون مذبوحة وإلا فميتة نجسة اتفاقا وكأن النووي غفل عن التصريح في الحديث بذكر الدم حتى تعلق بأن السلا لا ينفك عن الدم غالبا ثم قال والجواب المرضي أنه لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر في سجوده استصحابا للطهارة قلت ورد بأنه لو كان كذلك لأخبره جبريل فإن الصلاة مع النجاسة لا تصح ولا بد من البيان في مثل ذلك فالجواب الصواب ما في شرح السنة قيل كان هذا الصنيع منهم قبل تحريم الأشياء من الفرث والدم وذبيحة أهل الشرك فلم تكن تبطل الصلاة بها كالخمر كانت تصيب ثيابهم قبل تحريمها قال الطيبي ولعل ثباته على ذلك كان مزيدا للشكوى وإظهارا لما صنع أعداء الله برسول الله ليأخذهم أخذا وبيلا ولذا كرر الدعاء ثلاثا اللهم عليك بعمرو بن هشام أي خصوصا وهو ابن المغيرة المخزومي الجاهلي المعروف كان يكنى أبا الحكم فكناه النبي أبا جهل فغلبت عليه هذه الكنية قتله ابنا عفراء وقطع رأسه ابن مسعود في بدر وعتبة


بن ربيعة جاهلي قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر مشركا وشيبة بن ربيعة أي ابن عبد شمس بن عبد مناف جاهلي قتله علي بن أبي طالب يوم بدر مشركا والوليد بن عتبة أي ابن ربيعة جاهلي قتل ببدر مشركا وأمية بضم الهمز وفتح ميم وتشديد تحتية بن خلف بفتحتين قتل يوم بدر مشركا وأما أخوه أبي بن خلف فإنه قتل يوم أحد مشركا قتله النبي بيده ذكره المؤلف في أسمائه وعقبة بضم فسكون ابن أبي معيط بالتصغير وعمارة بضم فتخفيف ابن الوليد قال عبد الله فوالله لقد رأيتهم أي أبصرت المذكورين صرعى أي هلكى وهو حال من المفعول أي مصروعين مطروحين يوم بدر ثم سحبوا بصيغة المجهول أي جروا إلى القليب وهو البئر قبل أن تطوى قليب بدر بالجر على البدلية ويجوز رفعه ونصبه ثم بدر اسم موضع معروف وقيل هو اسم رجل كان صاحب ذلك الموضع قال العسقلاني قد استشكل عد عمارة في المذكورين فإنه لم يقتل ببدر بل ذكر أصحاب المغازي أنه مات بأرض الحبشة والجواب أن كلام ابن مسعود محمول على الأكثر ويدل عليه عقبة بن


أبي معيط إنما قتل صبرا بعد أن رجعوا عن بدر وأمية بن خلف لم يطرح في القليب كما هو بل مقطعا ثم قال رسول الله واتبع بصيغة المجهول مخففا أصحاب القليب لعنة أي وأتبع عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة مثل قوله تعالى وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هود وفي نسخة بفتح الهمزة وكسر الموحدة ونصب أصحاب على الدعاء عليهم بإيصال اللعنة المتواصلة إليهم قال العسقلاني جملة وأتبع الخ يحتمل أن تكون من تمام الدعاء الماضي فيكون فيه علم عظيم من أعلام النبوة ويحتمل أن يكون قاله بعد أن ألقوا في القليب متفق عليه وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت يا رسول الله هل أتى عليك يوم أي هل مر عليك وقت وزمان كان أي صعوبته أشد من يوم أحد فقال لقد لقيت من قومك أي ما هو أشد من يوم أحد أو لقيت من قومك ما لقيت فحذف المفعول المبهم ليذهب الوهم كل المذهب في الفهم وكان أشد ما لقيت منهم بنصب أشد وفي نسخة برفعه وأما قوله يوم العقبة فبالنصب لا غير والمراد بها ما يضاف إليها جمرة العقبة قال شارح أشد بالنصب خبر كان وما لقيت منهم في محل الرفع اسمه ويوم العقبة ظرف لقيت والتقدير وكان ما لقيته منهم يوم العقبة أشد مما لقيته منهم في سائر الأيام ويجوز أن يكون يوم العقبة اسم كان وخبره أشد مضافا إلى ما الموصولة أو الموصوفة المعبر بها عن الأيام تقديره وكان يوم العقبة أشد الأيام التي لقيت منهم أو أشد أيام لقيت منهم ويجوز أن يكون على العكس وقيل ما لقيت منهم يوم العقبة اسم كان ويكون أشد خبره بتقدير المضاف إليه أو بتقدير من وقال الطيبي أشد ما لقيت خبر كان واسمه عائد إلى مقدر وهو مفعول قوله لقد لقيت ويوم العقبة ظرف فالمعنى كان ما لقيت من قومك يوم العقبة أشد ما لقيت منهم وأراد بالعقبة التي بمنى وكان رسول الله يقف عند العقبة في الموسم ويعرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى الله تعالى وإلى الإسلام اه والمعنى أنهم ما أجابوا ذلك فاشتد عليه


حينئذ وهو معنى قوله إذا عرضت نفسي وفي نسخة إذ وهو الظاهر قال الطيبي وضع إذا التي هي للاستقبال موضع إذ يعني الموضوعة للماضي استحضارا لتلك الحالة الفظيعة والمعنى حين عرضت نفسي بالأمان والإجارة من التعرض على جري العادة على ابن عبد ياليل بكسر الدال واللام الأولى ابن كلال بضم الكاف قال العسقلاني اسمه
كنيته والذي في المغازي أن الذي كلمه هو عبد ياليل نفسه وعند أهل النسب أن كلال أخوه لا أبوه وأنه عبد ياليل بن عمرو بن عمرو ويقال اسم ابن عبد ياليل مسعود وكان ابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف وقيل أنه قدم مع وفد الطائف سنة عشر فأسلموا وذكره ابن عبد البر في الصحابة لكن ذكر الواقدي ما يدل على أنه لم يسلم والله أعلم فلم يجبني إلى ما أردت أي ما قصدت وطلبت منه حينئذ من العهد والأمان فانطلقت وأنا مهموم جملة حالية معترضة بين الفعل ومتعلقه وهو قوله على وجهي أي فذهبت مهموما على جهتي قال الطيبي أي فانطلقت حيران هائما لا أدري أين أتوجه من شدة ذلك الغم وصعوبة ذلك الهم فلم أستفق إلا بقرن الثعالب يقال أفاق واستفاق من مرضه وسكره بمعنى أي فلم أفق مما كنت فيه من الغم وشدة الهم حتى بلغت قرن الثعالب والقرن جبل وقرن الثعالب جبل بعينه بين مكة والطائف فرفعت رأسي أي إلى السماء لأنها قبلة الدعاء ومهبط الرجاء فإذا أنا بسحابة قد أظلتني أي بالزيادة على العادة فنظرت فإذا فيها أي في السحابة جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك أي قولك إياهم وما ردوا عليك أي من إبائهم ويحتمل أن يكون الثاني تأكيدا للأول وبيانا على أن الإضافة فيه من المصدر إلى فاعله وقد بعث أي أرسل الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال أي النبي فناداني ملك الجبال أي بنحو يا أيها النبي أو يا محمد فسلم علي أي تسليم تعظيم وتكريم ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك أي بشأنك أو بما


تريده إن شئت أن أطبق بضم الهمز وكسر الموحدة المخففة من أطبق إذا جعل الشيء فوق الشيء محيطا بجميع جوانبه كما ينطبق الطبق على موضع من الأرض والمعنى إذا أردت أن أقلب عليهم الأخشبين وهما جبلان يضافان إلى مكة مرة وإلى منى أخرى وهما واحد ذكره شارح وفي الفائق الأخشبان الجبلان المطبقان بمكة وهما أبو قبيس والأحمر وهو جبل مشرف وجهه على قعيقعان والأخشب كل جبل غليظ وفي القاموس قعيقعان كزعيفران جبل بمكة وجهه إلى أبي قبيس فقال رسول الله بل أي لا أريد ذلك وإن استحقوا لكفرهم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم أي من أنساب بعضهم من يعبد الله


وحده أي من يوحده منفردا أو ليطيعه مخلصا لا يشرك به شيئا أي من شرك جلي أو خفي متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله كسرت رباعيته بفتح الراء وتخفيف التحتية على وزن الثمانية السن الذي بين الثنية والناب وكانت الرباعية المكسورة هي السفلى من الجانب الأيمن يوم أحد وشج بضم شين وتشديد جيم أي جرح رأسه فقوله في رأسه إما من باب التجريد أو نوع من التأكيد قال الطيبي وهو من قبيل قوله يجرح في عراقيبها نصلى بولغ في الشج حيث أوقع الرأس ظرفا للشج يعني فكأنه قال وأوقع الشج في رأسه تضمينا فجعل يسلت بضم اللام أي يزيل الدم عنه ويقول أي استعظاما واستعجابا كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته عن الزهري أنه ضرب وجه رسول الله يوم أحد بالسيف سبعين ضربة وقاه الله شرها كلها ذكره السيوطي في حاشية البخاري ولعل وجهه حصول المشاركة له مع السبعين من الشهداء إلا أن الله عصمه لقوله والله يعصمك من الناس المائدة وإنما حصل له بعض الأثر من الشج لتحقيق الثواب والأجر ولإظهار مقتضى الأوصاف البشرية من العجز والضعف والتأثير المناسبة للعبودية وموجب نعت الكبرياء والعظمة والاستغناء والقوة والقدرة الملائمة للربوبية رواه مسلم وكذا الترمذي والنسائي وابن ماج وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه يشير إلى رباعيته حال من رسول الله وعامله قال وقع مفسرا لمفعول فعلوا هذا اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله لعل حذف العاطف بين الفصلين للإشارة إلى أنهما حديثان مستقلان جمع بينهما الراوي ويؤيده تكرار اشتد غضب الله


أو للإشعار بأن كل واحد منهما يستحق ما ذكر دفعا لتوهم الاشتراك ولم يأت بأو كيلا يظن الشك قال الطيبي يحتمل أن يراد به الجنس وأن يراد به نفسه وضعا للظاهر موضع المضمر إشعارا بأن من يقتله من هو رحمة للعالمين لم يكن إلا أشقى الناس والذي قتله رسول الله هو أبي بن خلف قال النووي وقوله في سبيل الله احتراز عمن يقتله في حد أو قصاص لأن من يقتله في سبيل الله كان قاصدا له متفق عليه وهذا الباب خال عن الفصل الثاني تقدم توجيهه مرارا
الفصل الثالث
عن يحيى بن أبي كثير قال المؤلف يكنى أبا النصر اليماني مولى لطيء أصله بصري صار إلى اليمامة رأى أنس بن مالك وسمع عبد الله بن قتادة وغيره روى عنه عكرمة والأوزاعي وغيرهما قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمان قال المؤلف روى عن عمه عبد الله بن عبد الرحمان بن عوف الزهري القرشي أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في المدينة في قول ومن مشاهير التابعين وأعلامهم ويقال إن اسمه كنيته وهو كثير الحديث سمع ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر وغيرهم وروى عنه الزهري ويحيى بن أبي كثير والشعبي وغيرهم عن أول ما نزل من القرآن قال يا أيها المدثر فيه اشتباه الحال على الراوي فإن نزول يا أيها المدثر كان بعد فترة الوحي كما علم مفصلا في حديث عائشة فأوليته إضافية كما قدمناه أو أوليته مخصوصة بالإنذار فيفيد أنه أول الوحي بالرسالة وأن ما قبله كان نسبته النبوة والله أعلم قلت يقولون أي الجمهور أو بعض العلماء اقرأ باسم ربك أي هو أول ما نزل قال أبو سلمة سألت جابرا عن ذلك أي مثل سؤالك وقلت له مثل الذي قلت لي أي في جوابه للسؤال مما يعود فيه من الإشكال فقال لي جابر لا أحدثك إلا بما أي


بمثل ما حدثنا رسول الله أي به من غير تغييره مما يدل على أنه أول ما نزل بتقديره قال جاورت بحراء شهرا فيه إشعار بأن أيام الفترة كانت شهرا فلما قضيت جواري بكسر الجيم أي مجاورتي واعتكافي هبطت أي نزلت وفيه ايماء إلى أنه ثاني الحال لأن نزول اقرأ كان في غار حراء كما سبق من المقال فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ونظرت عن خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا وقد سبق عن جابر أيضا أنه سمع رسول الله يحدث عن فترة الوحي قال فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء الحديث فهو صريح بأن مراده الأول الإضافي فأتيت خديجة فقلت دثروني فدثروني وصبوا علي ماء باردا لعل محل الصب الوجه لدفع الغشيان فلا ينافي ما قبله مما يدل على البرودة الناشئة من الخفقان فنزلت يا أيا المدثر قم فانذر وربك فكبر وثبابك فطهر والرجز فاهجر قال الطيبي قوله لا أحدثك الخ إخبار عما سمع واعتقد من أن أول ما نزل من القرآن يا أيها المدثر لكن لا يدل على المطلوب لأنه قال في آخره فقلت دثروني فنزلت يا أيها المدثر وقد سبق في حديث عائشة أن أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك اه فالجمع بما قدمناه كما لا يخفى ولذا قال بعض المحققين قول من قال إن أول ما نزل يا أيها المدثر ضعيف والصواب أن أول ما نزل على الإطلاق اقرأ باسم ربك كما صرح به في حديث عائشة وأما يا أيها المدثر فكان نزولها بد فترة الوحي كما صرح به في رواية الزهري عن جابر ويدل عليه قوله وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال فأنزل الله تعالى يا أيها المدثر وقال النووي وقول من قال من المفسرين أن أول ما نزل الفاتحة فباطل وفيه بحث لأنه يمكن أن يقال مراده أول سورة نزلت بكمالها وأول سورة بالمدينة على القول إنها مدنية أو أول سورة بعد اقرأ والمدثر فيكون أوليتها أيضا اضافية ويؤيده قوله وذلك أي نزول المدثر قيل أن تفرض الصلاة أي مطلق الصلاة المتوقف صحتها أو كمالها على قراءة الفاتحة والله أعلم متفق عليه


باب علامات النبوة

الفصل الأول
عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان بكسر الغين أي الصبيان فأخذه فصرعه أي فطرحه وألقاه على قفاه فشق عن قلبه أي عن جانب قلبه وشقه فاستخرج وفي جامع الأصول واستخرجه فاستخرج منه علقة بفتحتين أي دما غليظا وهو أم المفاسد والمعاصي في القلب فقال هذا حظ الشيطان منك أي نصيبه لو دام معك ثم غسله أي قلبه أو جوفه أو محل شقه في طست بفتح الطاء ويكسر وبسين مهملة وتاؤه بدل من السين الأخيرة قال ابن الملك في شرح المشارق الطست بفتح الطاء وفيها لغات طس وطس وطست وطست وطسة وطسة بالفتح والكسر في جميعها وقوله من ذهب لعله اختير لما فيه من معنى الذهاب ولا ينافيه حرمة استعماله في الشريعة المطهرة إما لكون الملائكة غير مكلفين بأفعالنا أو لوقوعه قبل تقرير الأحكام بماء زمزم استدل به على أنه أفضل مياه العالم حتى ماء الكوثر لكن الماء الذي نبع من بين أصابعه فلا شك أنه أفضل المياه على الإطلاق لكونه من أثر يده الشريفة وماء زمزم من أثر قدم إسماعيل المنيفة وبون بين بينهما ولأن الإعجاز الكائن في يده أبلغ نعم قد يقال ماء فمه المبارك أكمل من الكل ولو مزج بماء غيره ولعل العارف ابن الفارض أشار إليه بقوله عليك بها صرفا وإن شئت مزجها فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم ثم لأمه بلام فهمز أي أصلح موضع شقه وأعاده أي القلب المخرج على ما يدل عليه رواية الجامع السابقة في مكانه والواو لمطلق الجمع فلا ينافيه أن الالتئام بعد الإعادة قال التوربشتي يقول لأمت الجرح والصدع إذا شددته فالتأم يريد أنه سواه وأصلحه وجاء


الغلمان أي الذين كانوا يلعبون معه في الصحراء يسعون أي يسرعون إلى أمه أي الرضاعية يعني أي يريد أنس بأمه ظئره أي مرضعته حليمة فقالوا إن محمدا قد قتل لأن تصور حياته بعد شق البطن ومعالجاته من خوارق العادة وعلامة النبوة فاستقبلوه أي توجه جمع من قومها إليه فرأوه وهو منتقع اللون بفتح القاف أي متغيره ففي القاموس انتفع لونه مجهولا إذا تغير وقال التوربشتي يقال انتقع لونه إذا تغير من حزن أو فزع وكذلك امتقع بالميم وهذا الحديث وأمثاله مما يجب فيه التسليم ولا يتعرض له بتأويل من طريق المجاز إذ لا ضرورة في ذلك إذ هو خبر صادق مصدوق عن قدرة القادر اه وزبدة ما قيل فيه أنه صار بهذا مقدس القلب منوره ليستعد لقبول الوحي ولا يتطرق إليه هواجس النفس ويقطع طمع الشيطان عن إغفاله كما يشير إليه قوله هذا حظ الشيطان منك قال أنس فكنت أرى أثر المخيط بكسر الميم أي الإبرة في صدره ولعل مراده بهذا أن أمر الشق كان حسيا لا معنويا واختلف هل كان شق الصدر وغسله مختصا به أو وقع لغيره من الأنبياء أيضا وقد وقع الشق له مرارا فعند حليمة وهو ابن عشر ثم عند مناجاة جبريل عليه السلام له بغار حراء ثم في المعراج ليلة الإسراء رواه مسلم وكذا النسائي وعن جابر بن سمرة قال قال رسول الله إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي أي ويقول السلام عليك يا نبي الله كما ورد في رواية قبل أن أبعث قيل إنه الحجر الأسود كذا في بعض حواشي الشفاء ويمكن أن يكون الحجر المتكلم المعروف بزقاق الحجر بين المسجد وبين بيت خديجة رضي الله عنها إني لأعرفه الآن تقرير لقوله إني لأعرف واستحضار له كأنه يسمع كلامه الآن هذا خلاصة كلام الطيبي ويمكن أن يكون التقدير إني لأعرفه الآن بالوصف المذكور فإنه ينبغي وجوده بالأولى من الحالة الأولى فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قال رسول الله لما استقبلني جبريل بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول


الله وفيه إيماء إلى أنه مبعوث إلى كافة الخلق كما بينته في شرح كلام شيخنا جمال الدين محمد البكري عند قوله خليفتك على كافة خليقتك رواه مسلم وكذا الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه
وعن أنس رضي الله عنه قال إن أهل مكة أي كفارهم سألوا رسول الله أن يريهم أي يظهر لهم آية أي علامة دالة على نبوته ورسالته فأراهم القمر شقتين بكسر فتشديد أي قطعتين مفصولتين حتى رأوا حراء بينهما بأن كانت شقة فوق الجبل وشقة دونه كما سيأتي متفق عليه وعن ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله أي في زمانه فرقتين أي قطعتين متفارقتين فرقة فوق الجبل أي جبل حراء وفرقة دونه والمراد أنهما تباينتا فإحداهما إلى جهة العلو والأخرى إلى السفل فقال رسول الله اشهدوا أي على نبوتي أو معجزتي من الشهادة وقيل معناه احضروا وانظروا من الشهود متفق عليه قال الزجاج زعم قوم عدلوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة والأمر بين في اللفظ بقوله تعالى وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر القمر فكيف يكون هذا يوم القيامة وقوله سحر مستمر أي مطرد يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخر مترادفة ومعجزات سابقة وقال الإمام فخر الدين الرازي إنما ذهب المنكر إلى ما ذهب لأن الانشقاق أمر هائل ولو وقع لعم وجه الأرض وبلغ مبلغ التواتر والجواب أن الموافق قد نقله وبلغ مبلغ التواتر وأما المخالف فربما ذهل أو حسب نحو الخسوف والقرآن أولى دليل وأقوى شاهد وإمكانه لا شك فيه أي عقلا وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه وأما امتناع الخرق والالتئمام فحديث اللئام وفي شرح مسلم للنووي قالوا إنما هذا الإنشقاق حصل في الليل ومعظم الناس نيام غافلون والأبواب مغلقة وهم متغطون بثيابهم وقل من يتفكر في السماء وينظر إليها وفي شرح السنة هذا شيء طلبه قوم خاص على ما حكاه أنس فأراهم ذلك ليلا وأكثر الناس نيام ومستكنون بالأبنية في البراري والصحراء وقد


يتفق أن يكونوا مشاغيل في ذلك الوقت وقد يكسف القمر فلا يشعر به كثير من الناس أي مع أنه قد يمتد وإنما كان ذلك قدر اللحظة التي هي مدرك البصر ولو
دامت هذه الآية حتى يشترك فيها العامة والخاصة ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الهلاك فإن من سنة الله تعالى في الأمم قبلنا أن نبيهم كان إذا أتى بآية عامة يدركها الحس فلم يؤمنوا أهلكوا كما قال تعالى في المائدة إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين المائدة فلم يظهر الله هذه الآية للعامة لهذه الحكمة والله أعلم قلت وفي نفس القضية إشارة إلى ذلك حيث شقة منه فوق الجبل وأخرى دونه ولا شك أنه يحجب عن بعض الناس ممن يسكن من وراء الجبل فكيف بسائر أهل الحجاز وبقية الناس مع اختلاف المطالع على أن إراءة المعجزة لقوم على ما اقترحوا كناقة صالح لا يستلزم ظهورها لغيرهم وعن أبي هريرة قال قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بتشديد الفاء المكسورة من التعفير وهو التمريغ في التراب أي هل يصلي ويسجد على التراب بين أظهركم فيما بينكم على أن الأظهر مقحمة للإشارة إلى وقوعه على وجه الظهور أو الاستناد إلى ظهر أحد وحمايته ورعايته قال الطيبي يريد به سجوده على التراب وإنما أوثر التعفير على السجود تعنتا وعنادا وإذلالا وتحقيرا فقيل نعم فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن أي لأدوسن على رقبته فأتى رسول الله أي فجاءه أبو جهل وهو يصلي حال من المفعول والحال من الفاعل قوله زعم بفتح العين أي قصد أبو جهل ليطأ أي ليضع رجله على رقبته قال ابن الملك وفي نسخة بفتح اللام على أنه لام تأكيد قلت فالفعل مرفوع حينئذ وفي نسخة زعم بكسر العين ففي القاموس زعم كفرح طمع قال الطيبي زعم وقع حالا من الفاعل بعد الحال من المفعول وزعم بمعنى طمع وأراد قال في أساس البلاغة ومن المجاز زعم فلان في غير مزعم طمع في غير مطمع لأن الطامع زاعم ما لم يستيقن فما فجئهم بكسر الجيم ويفتح


ففي القاموس فجئه كسمع ومنع هجم عليه وأتاه بغتة أي فما أتى قومه فجاءة منه أي من النبي أو من إتيانه إليه إلا وهو أي والحال أنه أي أبو جهل ينكص بكسر الكاف ويضم أي يرجع على عقبيه أي قهقرى ويتقي بيديه أي يحذر بهما ويدفع شيئا بسببهما قال الطيبي المستثنى فاعل فجىء أي فما فجىء أصحاب أبي جهل من أمر أبي جهل إلا نكوص عقبيه وقد سد الحال هنا مسد الفاعل وفيه إرخاء عنان الكلام لا للفظ قيل كما سدت مسد الخبر في ضربي زيدا قائما ففي الكلام ميل إلى المعنى دون اللفظ ويجوز أن يكون الضمير في فجىء راجعا إلى أبي جهل وفي منه


إلى الأمر أي فما فجيء أبو جهل أصحابه كائنا من الأمر على حال من الأحوال إلا على هذه الحال هذا وفي القاموس نكص على عصبيه نكوصا رجع عما كان عليه من خير خاص بالرجوع عن الخير ووهم الجوهري في إطلاقه أو في الشر نادر قلت الحديث يدل على استعماله في الشر وكذا آية فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه الأنفال ثم صنيع القاموس يشعر أنه بضم الكاف في المضارع لكن اتفق القراء على كسره حتى لم يوجد في الشواذ أيضا نعم قال الزجاج يجوز ضم الكاف ذكره الكرماني في قوله تعالى على أعقابكم تنكصون المؤمنون فقيل له أي لأبي جهل مالك أي ما حصل لك من المنع وما وقع لك من الدفع فقال إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا بفتح فسكون أي خوفا وأمرا شديدا وأجنحة جمع جناح الطائر وهو الملائكة الذين يحفظونه ويؤيده ما ذكره الراوي فقال رسول الله لو دنا مني أي قرب عندي لاختطفته الملائكة أي إستلبته عضوا عضوا والمعنى لأخذ كل ملك عضوا من أعضائه رواه مسلم وعن عدي بن حاتم قال بينا أنا عند النبي أي حاضرا وقاعدا إذ أتاه رجل فشكا بالألف وفي نسخة بالياء على أنه لغة في الواو كما في القاموس إليه الفاقة أي الفقر وشدة الحاجة ثم أتاه الآخر وفي نسخة آخر وهو الأظهر فشكا إليه قطع السبيل أي بسبب قطاع الطريق أو لقلة الزاد وعدم علف الدواب وطمع أهل البادية وتعرضهم للقافلة فقال يا عدي هل رأيت الحيرة بكسر الحاء وهو البلد القديم بظهر الكوفة ومحلة معروفة بنيسابور على ما في النهاية والظاهر أن المراد بها الأول لأنه المعروف عند العرب ولذا اقتصر عليه شارح وإن كان الثاني أغرب أو أعذب قيل وأجاب عدي ما رأيتها لكن أنبئت عنها أقول ويمكن أن يكون رأيت بمعنى علمت وأن لا يتوقف الكلام على جوابه حيث قال فإن طالت بك حياة فلترين بفتحات متواليات أي فلتبصرن الظعينة أي المرأة المسافرة وقيل لها ذلك لأنها تظعن مع الزوج حيما ظعن أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت وقيل


الظعينة المرأة في الهودج ثم قيل للهودج بلا امرأة وللمرأة بلا هودج كذا في النهاية وقال شارح الظعينة المرأة ما دامت في الهودج فإذا لم تكن فيه فليست بظعينة والمراد هنا المرأة سواء كانت في الهودج أو لا أقول كونها في الهودج أبلغ في المعنى المراد على ما يدل
عليه قوله ترتحل من الحيرة أي وحدها حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله روي أنه قال عدي قلت في نفسي فأين رعاة طيء ولئن طالت بك حياة لتفتحن بصيغة المجهول من الفتح وفي نسخة من باب الافتعال يقال افتتحت واستفتحت طلبت الفتح والمعنى لتؤخذن كنوز كسرى أي على وجه الغنيمة قال عدي كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز وفي القاموس كسرى ويفتح ملك الفرس معرب خسرو أي واسع الملك ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه أي مثلا من ذهب أو فضة أي من نوعي النقدين يعني تارة من هذا ومرة من هذا ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو أو للشك يطلب من يقبله أي واحدا منهما أو ما ذكر فلا يجد أحدا يقبله منه أي لعدم الفقراء في ذلك الزمان أو لاستغناء قلوبهم والاكتفاء بما عندهم والقناعة بما في أيديهم فقيل إنما يكون ذلك بعد نزول عيسى عليه السلام ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز مما يصدق الحديث وبذلك جزم البيهقي قيل ولا شك في رجحان هذا الاحتمال لقوله في الحديث ولئن طالت بك حياة قلت لا شك في رجحان الأول لقول عدي الآتي ولئن طالت بكم حياة لترون والحاصل أن قضية الشرطية لا تستلزم الوقوع وليلقين عطف على صدر الحديث وقوله الله مفعول مقدم قدم للاهتمام وتعظيم المقام وفاعله أحدكم وظرفه قوله يوم يلقاه وهو يحتمل إعرابين كما لا يخفى في الضميرين وكذا الحال في قوله وليس بينه وبينه ترجمان بفتح أوله وضم الجيم ويضمان ويفتحان كما في نسختين أي مترجم يترجم له يعني بل يكون اللقى والكلام بلا واسطة قال صاحب المشارق هو بفتح التاء وضم الجيم وضبطه الأصيلي بضمهما اه وفي


النهاية الترجمان بالضم والفتح الذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى أخرى والتاء والنون زائدتان وفي القاموس الترجمان كعنفوان وزعفران وريهقان المفسر للسان وقد ترجمه وعنه والفعل يدل على أصالة التاء وفي المفاتيح هو على وزن زعفران ويجوز بفتح التاء وضم الجيم وبضمهما والله أعلم فليقولن أي الله سبحانه ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك بالنصب مشددا ويخفف فيقول بلى فيقول ألم أعطك مالا وأفضل بالجزم من الإفضال أي ألم أحسن إليك وألم أنعم عليك والاستفهام للتقرير يعني أعطيتك المال وأنعمت عليك بالكمال ومكنتك من انفاقه والاستمتاع منه والصرف على أهل استحقاقه فيقول بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم لتركه


الطاعات وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم لإرتكابه السيئات والظاهر أنهما كنايتان عن الإحاطة وأن الخلاص منها ليس إلا بالمرور عليها كما قال تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا مريم و أي بالإيمان والإحسان ولذا قال اتقوا النار ولو بشق تمرة أي بنصفها أو ببعضها فمن لم يجد فبكلمة طيبة أي من الباقيات الصالحات وهي أنواع الأذكار والدعوات أو بكلمة طيبة للسائل بقرينة ما قبله وهو الوعد على قصد الوفاء أو الدعاء مع حسن الرجاء وهذا الذي سماه الله تعالى قولا معروفا وقولا ميسورا قال الطيبي فإن قلت ما وجه نظم هذا الحديث قلت لما اشتكى الرجل الفاقة والخوف وهو العسر المعنى في قوله تعالى إن مع العسر يسرا الشرح وهو ما كانت الصحابة عليه قبل فتح البلاد أجاب عن السائل في ضمن بشارة لعدي وغيره من الصحابة باليسر والأمن ثم بين أن هذا اليسر والغنى الدنيوي عسر في الآخرة وندامة إلا من وفقه الله تعالى بأن سلطه على إنفاقه فيصرفه في مصارف الخير ونظيره حديث علي رضي الله عنه كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة ووضعت بين يديه صحفة إلى قوله أنتم اليوم خير منكم يومئذ وقد سبق في باب تغير الناس قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله أي كما أخبر به رسول الله وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز بضم الهاء والميم زاد في المصابيح الذي في الأبيض قال شارح له أراد القصر الأبيض الذي كان بالمدائن يقال له بالفارسية يغد كوشك ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أي مؤدى ما قال النبي وهو الرجل الذي يخرج ملء كفه الخ فقوله أبو القاسم بدل أو عطف بيان للنبي وقوله يخرج ملء كفه بدل أو بيان لقوله ما قال والمعنى يخرج الرجل كما في نسخة فهو نقل بالمعنى مختصر أو الرجل يخرج على ما سبق في الأصل فهو نقل باللفظ مقتصرا رواه البخاري وعن خباب بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى ابن


الأرت بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقية قال المؤلف يكنى أبا عبد الله التميمي وإنما لحقه سبي في الجاهلية فاشترته امرأة من خزاعة وأعتقته أسلم قبل دخول النبي دار الأرقم وهو ممن
عذب في الله على إسلامه فصبر نزل الكوفة ومات بها روى عنه جماعة قال شكونا أي الكفار إلى النبي وهو متوسد بردة في ظل الكعبة أي كساء مخططا والمعنى جاعل البردة وسادة له من توسد الشيء جعله تحت رأسه وقد وفي نسخة ولقد لقينا أي رأينا وحصل لنا من المشركين أي من كفار مكة شدة أي محنة شديدة فقلت ألا تدعو الله أي لنا على المشركين فإنهم يؤذوننا فقعد وهو محمر وجهه من أحمر بتشديد الراء إذا اشتدت حرارته وقال كان الرجل اللام للعهد الذهني الذي هو في المعنى نكرة فيمن قبلكم يحفر له بصيغة المجهول أي يجعل له حفرة في الأرض قيد واقعي اتفاقا فيجعل فيه فيجاء بمنشار بالنون ويروى بالهمزة وإبدالها ياء وهو آلة يشق بها الخشبة فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين أي فيقطع نصفين فما يصده ذلك أي فلا يمنعه ذلك العذاب الشديد عن دينه ويمشط بصيغة المجهول مخففا والمعنى يشوك بأمشاط الحديد بفتح الهمزة جمع المشط وهو ما يتمشط به الشعر ما دون لحمه أي ما تحت لحم ذلك الرجل أو غيره وهو الظاهر من عظم وعصب بفتحتين قال الطيبي من بيان لما وفيه مبالغة بأن الأمشاط لحدتها وقوتها كانت تنفذ من اللحم إلى العظم وما يلتصق به من العصب وما يصده ذلك عن دينه جملة حالية والله ليتمن بفتح الياء وكسر التاء وتشديد الميم أي ليكملن هذا الأمر أي أمر الدين وفي نسخة بصيغة المجهول وفي أخرى بضم حرف المضارعة وكسر التاء على أن الفاعل هو الله وقوله هذا الأمر منصوب على المفعولية وفيه إيماء إلى قوله تعالى ليظهره على الدين كله التوبة ويأبى الله إلا أن يتم نوره التوبة حتى يسير الراكب أي رجل أو امرأة وحده من صنعاء بلد باليمن إلى حضرموت موضع بأقصى اليمن وهو بفتح الميم غير منصرف للتركيب والعلمية


وقيل اسم قبيلة وقيل موضع حضر فيه صالح عليه السلام فمات فيه وحضر جرجيس فمات فيه ذكره شارح وتبعه ابن الملك وفي القاموس حضرموت وبضم الميم بلد وقبيلة ويقال هذا حضرموت ويضاف فيقال حضرموت بضم الراء وإن شئت لا تنون الثاني لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه وفي نسخة بالواو وهو يحتمل أن يكون بمعنى أو يكون أو بمعنى الواو للجمع أو للشك وعلى كل تقدير فلا يخفى ما فيه من المبالغة في حصول الأمن وزوال الخوف فاندفع ما قيل من أن سياق الحديث إنما هو للأمن من عدوان بعض الناس على بعض كما هو في الجاهلية لا الأمن من عدوان الذئب فإن ذلك إنما يكون في آخر الزمان عند نزول عيسى عليه السلام ولكنكم تستعجلون أي سيزول عذاب المشركين فاصبروا على أمر الدين كما صبر من سبقك


من المؤمنين على أشد من عذابكم لقوة اليقين رواه البخاري وكذا أبو داود والنسائي وعن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله يدخل على أم حرام بنت ملحان بكسر الميم وهو ابن خالد وهي خالة أنس نسبا وهي وأمه أم سليم من خالات النبي رضاعا أو نسبا قال النووي اتفق العلماء على أنها كانت محرما له واختلفوا في كيفية ذلك فقال ابن عبد البر وغيره كانت إحدى خالاته من الرضاعة وقال آخرون بل كانت خالة لأبيه أو لجده عبد المطلب وكانت أمه من بني النجار وقد سبق ذكر وجه الدخول عليها في حديث أختها أم سليم مع زيادة تحقيق فتذكر وكانت تحت عبادة بن الصامت أي زوجته قال المؤلف أسلمت وبايعت وماتت غازية مع زوجها بأرض الروم وقبرها بقبرس روى عنها ابن أختها أنس بن مالك وزوجها عبادة قال ابن عبد البر لا أقف لها على اسم صحيح غير كنيتها وكان موتها في خلافة عثمان فدخل أي النبي عليها يوما فأطعمته ثم جلست تفلي بكسر اللام مخففة أي تفتش رأسه أي شعر رأسه فنام رسول الله ثم استيقظ أي انتبه بعد نوم كثير وهو يضحك قالت فقلت ما يضحكك بضم الياء وكسر الحاء أي أي شيء يبعثك على الضحك يا رسول الله فإن مثلك لا يضحك بلا سبب من أمر عجب قال ناس أي جمع من أمتي عرضوا على غزاة أي حال كونهم مجاهدين في سبيل الله أي الكفار يركبون ثبج هذا البحر بفتح مثلثة وموحدة فجيم أي وسطه ومعظمه ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة الظاهر أن أوشك من الراوي وهو إما حال أو صفة مصدر محذوف أي يركبون ملوكا على الأسرة أو ركوبا مثل ركوب الملوك على الأسرة قال الطيبي شبه ثبج البحر بظهر الأرض والسفينة بالسرير وجعل الجلوس عليها مشابها لجلوس الملوك على أسرتهم إيذانا بأنهم بذالون لأنفسهم ويرتكبون هذا الأمر العظيم مع وفور نشاطهم وتمكنهم من مناهم كالملوك على أسرتهم وفي شرح مسلم قيل هو صفة لهم في الآخرة إذا دخلوا الجنة والأصح أنه صفة لهم في الدنيا أي يركبون مراكب الملوك


لسعة حالهم
واستقامة أمرهم وكثرة عددهم اه وفيه إشعار بأن الحال مقدرة على المعنيين بخلاف ما قرره الطيبي فإنها حينئذ محققة فقلت يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم فدعا لها فيه التفات أو تجريد أو نقل بالمعنى أو من كلام أنس ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك فقلت يا رسول الله ما يضحكك أي الآن قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله كما قال أي النبي في الأولى أي في المقالة الأولى وهو من كلام الراوي اختصارا فقلت أي ثانيا يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم قال أنت من الأولين فيه إيماء إلى أن مرتبة الأولين فوق مرتبة الآخرين فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية أي في أيام ولاية معاوية فلا ينافي ما تقدم من أن موتها في خلافة عثمان فصرعت عن دابتها بصيغة المجهول أي فسقطت عن ظهر مركبها حين خرجت من البحر فهلكت أي ماتت ونظيره قوله تعالى حتى إذا هلك غافر أي مات يوسف متفق عليه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وعن ابن عباس قال إن ضمادا بكسر الضاد ويضم وتخفيف الميم وبدال في آخره ويروي ضمام بميم في آخره قدم مكة بكسر الذال أي نزل بها من سفر وكان من أزد شنوءة بفتح أوله وضم نون فواو ساكنة فهمزة فهاء قبيلة كبيرة من اليمن والأزد قبيلة منها قال ابن الملك هو بضم الضاد المعجمة وكسرها اسم رجل كان صديقا للنبي قبل أن يبعث وقال المؤلف هو ضماد بن ثعلبة الأزدي كان يتطيب ويطلب العلم أسلم في أول الإسلام وكان يرقي بكسر القاف أي يعالج الداء بشيء يقرأ ثم ينفث من هذا الريح قال الطيبي الإشارة بهذا إلى جنس العلة له وذكره باعتبار الجنون قال التوربشتي الإشارة بهذا إلى جنس العلة التي كانوا يرونها الريح وكأنهم كانوا يرون أن الخبل الذي يصيب الإنسان والأدواء التي كانوا يرونها من مسة الجن نفحة من نفحات الجن فيسمونها الريح اه وقال أبو موسى الريح هنا بمعنى الجن سموا بها لأنهم لا يرون كالريح فسمع أي ضماد سفهاء أهل مكة


أي جهالهم من الكفار يقولون إن محمدا مجنون فقال لو أني رأيت أي أبصرت
هذا الرجل أي بالوصف المذكور لداويته فجواب لو مقدر والأظهر أن لو هذه للتمني كما يشير إليه قوله لعل الله أن يشفيه على يدي أي بسببي قال أي ابن عباس فلقيه أي محمدا فقال يا محمد إني أرقي من هذا الريح فهل لك أي رغبة في أن أرقيك وأخلصك من الجنون فقال إن الحمد لله أي ثابت له مختص به سواء حمد أو لم يحمد نحمده أي لوجوبه علينا ولعود نفعه إلينا ونستعينه أي في جميع أمورنا من يهده الله أي إلى طريق توحيده وشهود تفريده بمقتضى فضله فلا مضل له ومن يضلل أي ومن يضلله عن سواء السبيل بموجب عدله فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده أي منفردا وهو تأكيد لما قبله كقوله لا شريك له أو المراد بالأول توحيد الذات وبالثاني تفريد الصفات وأشهد أن محمدا عبده أي المختص المكرم ورسوله أي المخصوص المعظم وشرف وكرم أما بعد أي وأراد أن يخطب له خطبة عظيمة وموعظة جسيمة تعجز عنه البلغاء ويتحير فيه الفصحاء ليعلم العقلاء أنهم بجنبه من المجانين والسفهاء فقال أعد علي كلماتك هؤلاء أي المتقدمة الدالة على جزالة الخاتمة فأعادهن عليه رسول الله ثلاث مرات يحتمل أن يكون التثليث بالأولى كما كان له العادة أو بغيرها كما يفيد حقيقة الإعادة مع زيادة المبالغة في مقام الإفادة وتمام الاستفادة فقال أي ضماد لقد سمعت قول الكهنة بفتحتين جمع كاهن وهو المخبر عن الغيب بعبارات مشجعة وإشارات مبدعة وقول السحرة جمع ساحر وهو المخيل في العين والذهن من جهة قوله أو من أجل فعله وقول الشعراء جمع شاعر وهو المحلى باللسان في كل شأن حتى شان مازان وزان ماشان يريد أنهم ينسبونك تارة إلى الكهانة ومرة إلى السحر وأخرى إلى الشعر وقد سمعت مقالة أصحابها فما سمعت أي منهم مثل كلماتك هؤلاء يعني فلو كنت منهم لأشبه كلامك كلامهم فإذا كان كلامه أبلغ من كلام هؤلاء فلا يعده مجنونا إلا السفهاء ثم إنهم


كانوا يرون الكهان والسحرة والشعراء أهل البلاغة والمتصرفين في القول على أي أسلوب شاؤوا فأشار بقوله هذا إلى الإعجاز أي جاوز كلامك حد البلاغة وحاصله أنه قابل كلام ضماد بما تقدم ليظهر له كمال عقله ويتبين جهل أعدائه وقال الطيبي طابق هذا القول منه قول ضماد من أنه لما سمع من سفهاء أهل مكة أن محمدا مجنون اعتقد أنه كذلك فقال هل لك رغبة في الخلاص كأنه ما التفت إلى قوله ذلك وأرشده إلى الحق البحت والصدق المحض أي إني لست بمجنون أتكلم كلام المجانين بل كلامي نحو هذا وأمثاله فتفكر فيه هل ينطق المجنون بمثل هذه الكلمات ونحوه قوله تعالى ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين القلم و أي إنهم جننوه لأجل


القرآن وما هو إلا ذكر وموعظة للعالمين وكيف يجنن من جاء بمثله قلت بل المجنون من غفل عن ذكر الحق واشتغل بكلام الخلق ولذا قال اذكروا الله حتى يقولوا مجنون ثم قال الطيبي والعرب ربما استعملوا هؤلاء في غير العقلاء وقد شهد به التنزيل قال تعالى إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا الإسراء وقال الشاعر ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام ولقد بلغن أي هؤلاء الكلمات الجامعات المحيطات بحروف كاللآلىء المنظومات التي يعجز الغواص عن إخراجها وإبرازها لما فيها من الدلالات البينة على إعجازها من كمال إيجازها قاموس البحر أي معظم بحر الكلام ووسطه لجة المرام والمعنى بلغت غاية الفصاحة ونهاية البلاغة قال صاحب القاموس القمس الغوص والغمس والقومس معظم ماء البحر كالقاموس والقاموس البحر أو أبعد موضع فيه غورا هات بكسر التاء أي أعط يدك أبايعك بالجزم جواب الأمر على الإسلام قال أي ابن عباس فبايعه أي النبي رواه مسلم وفي بعض نسخ المصابيح بلغنا أي بصيغة المتكلم مع الغير ناعوس البحر بالنون والعين وهو تصحيف وتحريف حيث لم يذكر الناعوس في القاموس قال التوربشتي وفي كتاب المصابيح بلغنا وهو خطأ لا سبيل إلى تقويمه من طريق المعنى والرواية لم ترد به وناعوس البحر أيضا خطأ وكذلك رواه مسلم في كتابه وغيره من أهل الحديث وقد وهموا فيه والظاهر أنه سمع بعض الرواة أخطاء فيه فروي ملحونا وهذا من الألفاظ التي لم تسمع في لغة العرب والصواب فيه قاموس البحر وهو وسطه ومعظمه من القمس وهو الغوص والقماس والغواص وقال الطيبي قوله بلغنا خطأ إن أراد به من حيث الرواية فلا ننكره لأنا ما وجدناها في الأصول وإن أراد بحسب المبنى فمعناها صحيحة أي قد وصلنا إلى لجة البحر ومحل اللآلىء والدر فيجب أن نقف عليه ونغوص فيه استخراجا لفوائده والتقاطا لفرائده قلت الشيخ نفى المعنى اللغوي الحقيقي إذ ليس الكلام في المعنى المجازي الذي هو


بإشارات الصوفية أشبه فتدبر وتنبه قال وأما قوله ناعوس البحر أيضا خطأ فليس بصواب أما رواية فقد قال الشيخ محيي الدين في شرح صحيح مسلم ناعوس البحر ضبطناه بوجهين أشهرهما بالنون والعين وهذا هو الموجود في نسخ بلادنا والثاني قاموس البحر بالقاف والميم وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير صحيح مسلم قلت هذا ما ينافي قول الشيخ فإنه لم ينكر وجود النقل والرواية بل يطعن فيه من حيث اللغة والدراية قال وقال القاضي عياض روى بعضهم ناعوس بالنون والعين وقال شيخنا أبو الحسين ناعوس البحر بمعنى قاموسه قلت وهذا يفيد أن القاموس هو الأظهر والأكثر وإنما جاء الناعوس في رواية وهو لكونه لا يستقيم في المعنى حمل على أنه بمعنى القاموس


وإن لم يسمع في كلام العرب قال وفي النهاية قال أبو موسى ناعوس البحر كذا وقع في صحيح مسلم وفي سائر الروايات قاموس البحر وهو وسطه ولجته ولعله لم يجود كيفيته فصحفه بعضهم وليست هذه اللفظة أصلا في مسند إسحاق بن راهويه الذي روى عنه مسلم هذا الحديث غير أنه قرنه بأبي موسى وروايته فلعلها فيها قال وإنما أورد نحو هذه الألفاظ لأن الإنسان إذا طلبه ولم يجده في شيء من الكتب فتحير فإذا نظر في كتابنا عرف أصله ومعناه قلت وهذا كله يؤيد الشيخ فيما قرره ويؤكد ما حرره من جهة عدم صحة ما يتعلق به من الرواية قال الطيبي وأما دراية فقال القاضي ناصر الدين ناعوس البحر معظمه وتحته الذي يغاص فيها لإخراج اللآلىء من نعس إذا نام لأن الماء من كثرته لا تظهر حركته فكأنه نائم قلت ثبت العرش ثم انقش الفرش فإن تحقيق الرواية مقدم على تدقيق الدراية مع أن هذا ليس معناه اللغوي بل تكلف وتعسف في تصحيحه بالمعنى المجازي فأنى يقاوم قول الشيخ وهذا من الألفاظ التي لم تسمع في لغة العرب وأغرب الطيبي حيث قال ومن الجائز أن يكون الناعوس حقيقة في القاموس وكانت لغة عربية خفي مكانها فلم تنقل نقلا فاشيا اه ولا يخفى أنه إن فتحنا باب الإمكان انسد طريق التحقيق في كل مكان والله المستعان وذكر حديثا أبي هريرة وجابر بن سمرة بإضافة الحديثين إلى الراويتين لفا ونشرا مرتبا والتقدير أحدهما يهلك كسرى أي الخ والآخر لتفتحن عصابة أي الحديث في باب الملاحم متعلق بذكر ووجهه مرارا قرر وكذا حرر توجيه قوله وهذا الباب خال عن الفصل الثاني
الفصل الثالث
عن ابن عباس قال حدثني أبو سفيان بن حرب بضم السين وجوز تثليثه واسمه صخر بمهملة فمعجمة ولد قبل الفيل بعشر سنين وأسلم ليلة الفتح وشهد الطائف وحنينا وفقئت عينه في الأولى والأخرى يوم اليرموك توفي بالمدينة وصلى عليه عثمان رضي الله عنهما من فيه إلى في من للابتداء أي الحديث الذي أرويه انتقل من فمه إلى فمي ولم


يكن بيننا واسطة كذا ذكره الطيبي والأظهر أن معناه لم يكن أحد حاضرا غيري معه كما يدل عليه حدثني وكذا قوله في فإنه لو كان أحد غيره لجاز أن يرويه فلا يكون التحديث منحصرا من فمه إلى فمه فقط قال أي أبو سفيان انطلقت أي سافرت في المدة أي في مدة الصلح التي كانت بيني وبين رسول الله يعني صلح الحديبية ذكره النووي وكان سنة ست ومدتها عشر سنين لكنهم نقضوا العهد بقتل بعض خزاعة من حلفائه فغزاهم سنة ثمان وفتح مكة قال أي أبو سفيان فبينا أنا بالشام أي من أهل المقام إذ جيء بكتاب من النبي إلى هرقل بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف وهذا هو المشهور على ما في شرح مسلم وفي نسخة بكسر الهاء والقاف وسكون الراء وهو غير منصرف للعجمة والعلمية وهو ملك الروم ولقبه قيصر وهو أول من ضرب الدنانير وأول من أحدث البيعة على ما في القاموس قال أي أبو سفيان وكان دحية الكلبي بكسر الدال ويفتح جاء به أي بالكتاب فدفعه إلى عظيم بصرى أي أميرها وهي بضم الموحدة مقصورة قرية بين المدينة ودمشق الشام فدفعه عظيم بصري إلى هرقل فقال هرقل هل هنا أي في أرض الشام أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يعني لكي نسأل عن وصفه ليتبين لنا صدقه من كذبه قالوا أي بعض خدمه وحشمه نعم فدعيت في نفر أي مع نفر من قريش وكانوا ثلاثين رجلا وقيل المغيرة بن شعبة منهم وفيه أنه سبق إسلامه لأنه أسلم عام الخندق فيبعد أن يكون حاضرا وسكت مع كونه مسلما قلت وقد يقال إنه لم يذكر فيه ما ينافي سكوته فدخلنا على هرقل فأجلسنا بصيغة المفعول وفي نسخة على بناء الفاعل أي أمر هرقل بجلوسنا بين يديه أي قدامه ليسمع كلامنا ونسمع كلامه فقال أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قال العلماء وإنما سأل قريب النسب لأنه أعلم بحاله وأبعد من أن يكذب في حقه قال أبو سفيان فقلت أنا أي أقرب نسبا منه فأجلسوني بين يديه أي وحدي واجلسوا أصحابي خلفي وإنما أجلسهم خلفه ليكون أعون عليهم


في تكذيبه إن كذب ولا يستحيوا منه أو ليمكن لهم أن يشيروا إليه ويدلوا عليه بما هنالك أما بإيماء يد أو بتحريك رأس ونحو ذلك ولا يبعد أنه قصد في تقريبه تعظيمه لكونه أقرب في النسب على ما يقتضيه الأدب ثم دعا بترجمانه بفتح التاء وضم الجيم وبضمهما والفتح أفصح وسبق أنه يجوز فتحهما وهو المعبر عن لغة بلغة أخرى ثم الباء زائدة والتقدير دعا أحدا بإحضار ترجمانه فحضر فقال قل لهم أي لأصحاب أبي سفيان إني سائل هذا وفي نسخة


بالإضافة والمعنى أني أريد أن أسأل أبا سفيان عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي أي عن وصفه فإن كذبني بتخفيف الذال أي فإن تكلم بالكذب لي فكذبوه بالتشديد أي فانسبوه إلى الكذب ولا تسكتوا على الباطل وأعلموني بالحق قال أبو سفيان وأيم الله بهمزة وصل ويقطع وبضم ميم وتحقيقه تقدم وهو قسم لولا مخافة أن يؤثر بصيغة المجهول أي يروى علي الكذب بفتح فكسر وفي نسخة بكسر فسكون والمعنى لولا خوف أن ينقلوا عني الكذب إلى قومي ويتحدثوا به لكذبته أي لكذبت عليه لبغضي إياه قال الطيبي وإنما عداه بعلي لتضمن معنى المضرة أي كذب يكون على لا لي وفي هذا بيان أن الكذب قبيح في الجاهلية كما هو قبيح في الإسلام أقول الظاهر أن معناه لولا مخافة أن يكذبني هؤلاء الذين معي لكذبته في تكذيبه في بعض كلامي لتحصيل مرامي ثم قال لترجمانه سله كيف حسبه فيكم الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه ذكره الجوهري فهو أعم من النسب ولذا عدل عنه إليه قيل وفي البخاري كيف نسبه فيكم وفي جامع الأصول كيف حسبه قال قلت هو فينا ذو حسب أي عظيم فإن رسول الله هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأنا أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وليس في النفر يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري قال فهل كان من آبائه أي بعض أجداده وأسلافه وفي نسخة في آبائه أي في جملتهم من ملك أي من سلطان وفي نسخة من موصولة وملك بصيغة الماضي أي من كان ملكا قال بعض المحققين هو هكذا بحرف الجر وملك صفة مشبهة وهو رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر في نسخة وأبو ذر عن الكشميهني من ملك على أن من موصولة وملك فعل ماض ولأبي ذر كما في الفتح من آبائه ملك بإسقاط من والأول أشهر قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بتشديد التاء الثانية أي تنسبونه إلى التهمة بالكذب أي بإيقاعه قبل أن يقول ما قال أي من دعوى النبوة قلت لا قال ومن بالواو يتبعه بسكون التاء وفتح الباء وفي نسخة


بتشديد الفوقية وكسر الموحدة أشراف الناس أي أشرافهم أم ضعفاؤهم قال الطيبي وفي الحميدي وجامع الأصول فهل يتبعه وأم ههنا متصلة وفي وقوعها قرينة لهل إشكال لأن هل تستدعي السؤال عن حصول الجملة وأم المتصلة تستدعي حصولها لأن السؤال بها عن تعيين أحد المنتسبين مسندا ومسندا إليه والظاهر ما في صحيح مسلم وشرحه والمشكاة
فمن تبعه فتكون همزة الاستفهام مقدرة في قوله أشراف الناس فسأل أولا مجملا ثم سأل ثانيا مفصلا قال قلت بل ضعفاؤهم المراد بالأشراف أهل النخوة والتكبر لا كل شريف وإلا لورد مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ممن أسلم قبل سؤال هرقل كذا ذكره بعضهم وتعقبه العيني بأن العمرين وحمزة كانوا من أهل النخوة فقول أبي سفيان جرى على الغالب قال أيزيدون أي بزيادة أمثالهم أم ينقصون أي برجوع بعضهم إلى أدبارهم أو يموت بعضهم من غير جبرهم لكسرهم قلت لا أي لا ينقصون أبدا بل يزيدون أي دائما قال هل يرتد أي يرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه أي بطيب نفسه سخطة بفتح السين ويضم وسكون الخاء المعجمة أي كراهة وتعييبا له أي لدينه وهي مفعول له وخرج به من ارتد مكرها أو لحظ نفساني قال قلت لا قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال فكيف كان قتالكم إياه قال قلت تكون بالتأنيث ويذكر الحرب أي المحاربة بيننا وبينه سجالا بكسر أوله أي مساجلة ومداولة يصيب منا ونصيب منه أي هو ينال هنا مرة لغلبته ونحن ننال منه أخرى لغلبتنا فهو تفسير لقوله سجالا وقد قال تعالى وتلك الأيام نداولها بين الناس آل عمران وقال الشاعر فيوما علينا ويوما لنا ويوما نسر ويوما نساء قال الطيبي وأصله من السجل الذي هو الدلو لأن لكل واحد من الواردين دلوا مثل ما للآخر أو لكل واحد منهم يوم في الاستقاء ومعناه أن الحرب دول تارة له وتارة عليه وقال غيره السجال جمع سجل وهو الدلو الكبير والحرب اسم جنس فصح الإخبار عنه بالجمع وفيه تشبيه بليغ أي الحرب نوب نوبة لنا ونوبة له فقد


وقعت المقاتلة بينه وبينهم قبل هذه القصة في ثلاث مواطن بدر وأحد والخندق فأصاب المسلمون من المشركين في بدر وعكس في أحد وأصيب من الطائفتين ناس قليل في الخندق فصدق أبو سفيان في كلامه سجالا على أنه لا يلزم منه التساوي قال فهل يغدر بكسر الدال من الغدر وهو نقض العهد وخلاف الوعد قلت لا أي ما وقع منه غدر فيما مضى ونحن منه أي على خطر في هذه المدة أي مدة الهدنة والصلح الذي جرى يوم الحديبية لا ندري ما هو أي النبي أو الله تعالى صانع فيها أي أيغدر في مدة هذا الصلح أم لا قال أي أبو سفيان والله ما أمكنني من كلمة أي ما قدرت على كلمة والمراد بها جملة مفيدة أدخل فيها أي في أثناء كلماتي شيئا أي مما يطعن فيه في الجملة غير هذه أي غير هذه الجملة التي فيها يجوز احتمال الغدرة في مدة الهدنة قال فهل قال هذا القول أي من أمر النبوة ودعوى الرسالة


أحد قبله أي ممن سبقه من غير الأنبياء المعروفين كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى عليهم السلام قلت لا ثم قال أي بعد ما فرغ من الأسئلة الدالة على النبوة والرسالة وأراد أن يشرع في تبيين توجيهاتها من جهة المنقول والمعقول والعرف والعادة قال لترجمانه قل له إني سألتك عن حسبه فيكم فزعمت أي فأجبت أنه فيكم ذو حسب وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها أي توقع بعثتهم في أحساب أقوامهم فتعديته بفي لتضمين معنى الإيقاع ويمكن أن يكون في بمعنى من على ما جوزه صاحب القاموس والمغنى وهو ظاهر جدا يعني عما تكلف له الطيبي لقوله هو من باب التجريد أي يبعث وهو ذو حسب وهو كقولك في البيضة عشرون رطلا وهي في نفسها هذا المقدار قيل والحكمة في ذلك أنه أبعد من انتحاله الباطل وأقرب إلى انقياد الناس له ولا يخفى أن هذا القول إنما يستفاد من النقل ويساعده العقل وسألتك هل كان في آيائه ملك أي في جملتهم أحد من الملوك ولو روي بضم الميم لكان له وجه فزعمت أن لا فقلت أي في نفسي بمقتضى رأيي لو كان من آبائه ملك أي لو كان ظهر منهم سلطان قلت رجل يطلب ملك آبائه أي سلطنتهم وهذا دليل عقلي لا يخالفه نقل وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أي أفقراء الناس وأهل خمولهم أم أشرافهم أي أغنياؤهم وأهل خيولهم فقلت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل أي ابتداء كما هو المشاهد في أتباع العلماء والأولياء قال النووي وأما قوله إن الضعفاء هم أتباع الرسل فلكون الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع اللام لام الجحود أي ليترك الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله أي فإن من المعلوم عند كل أحد أن الكذب على الله أقبح وأشد ولذا قال تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا الأنعام وسألتك هل يرتد أحد عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة


له فزعمت أن لا وكذلك بالواو والظاهر أن يقال فكذلك أي لا يخرج ولا يرجع الإيمان إذا خالط بشاشته بفتح الموحدة أي أنسه وفرحه القلوب أي فإن من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه بخلاف من دخل في الأباطيل ذكره النووي وقد عبر عن البشاشة تارة بالطعم وأخرى بالحلاوة فإن من ذاق لذة شيء أحبه لا محالة ومن لم يذق لم يعرف ومن مشرب العارفين لم يغرف ولذا قال بعض
المشايخ إنما رجع من رجع من الطريق يعني فمن وصل مع الفريق إلى الرفيق في الأمن الداخل في البيت العتيق وقد قال شيخ مشايخنا أبو الحسن البكري قدس الله سره السري الإيمان إذا دخل القلب أمن السلب قلت ولعل الإشارة إلى هذا المعنى والدلالة على هذا المبنى في قوله سبحانه وتعالى فمن يكفر بالطاغوت أي بما سوى الله ويؤمن بالله أي حق الإيمان وحق نية فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها البقرة أي لا انقطاع ولا انفصال ولا اتحاد ولا اتصال وسألتك هل يزيدون أم ينقصون ولعله ترك الواسطة وهي المساواة للإشارة إلى أن من لم يكن في الزيادة فهو في النقصان لأن التوقف منفي في طور الإنسان فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان أي يزيد بنفسه وأهله حتى يتم أي يكمل بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وزكاة وصيام وغيرها ولذا نزل في آخر عمره اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي المائدة إنجازا لما وعده سبحانه بقوله يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره التوبة ونحن بحمد الله إلى الآن بعد مضي الألف من الزمان في زيادة الإيمان تحت أشعة أنواره وفي بركة لمعان أسراره المستفادة من أخباره والمستفاضة من آثاره وسألتك هل قاتلتموه فزعمت أنكم فاتلتموه فيكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه أي يصيب منكم وتصيبون منه وكذلك الرسل تبتلى وفيه ايماء إلى أن الدار دار ابتلاء ولذا قال بعض العارفين ما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار وقد قال تعالى وفي ذلكم


بلاء من ربكم عظيم الأعراف وفسر البلاء بالمحنة والمنحة فهو من الأضداد الحاصل للعباد والغالب أن البلاء لأهل الولاء كما أشار إليه بقوله أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم تكون لها أي للرسل وأتباعها العاقبة أي المحمودة قال تعالى والعاقبة للتقوى طه والآخرة خير وأبقى الأعلى قال النووي يعني نبتليهم في ذلك ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذل وسعهم في طاعة الله وسألتك هل يغدر فزعمت أنه أي النبي أو الشأن لا يغدر يعني والأصل بقاء الشيء على ما هو عليه كما هو مقرر في مسألة الاستصحاب ولهذا أعرض عن الجملة المدخولة المعلولة وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله فزعمت أن لا فقلت لو كان قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم أي هو رجل اقتدى بقول قيل قبله قال أي أبو سفيان ثم قال بما


يأمركم بصيغة الجمع تغليبا أو التفاتا ولذا عدل عن قوله قلت إلى قوله قلنا يأمرنا بالصلاة والزكاة أي بالعبادة المالية والبدنية والصلة أي صلة الرحم وكل ما أمر الله به أن يوصل والعفاف بفتح العين أي الكف عن المحارم وكل ما يخالف المكارم قال إن يك ما تقول حقا فإنه نبي في شرح مسلم قال العلماء قول هرقل إن يك ما تقول حقا فإنه نبي أخذه من الكتب القديمة ففي التوراة هذا ونحوه من علامات رسول الله فعرفه بالعلامات وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة وهكذا قاله المازري وقال الشيخ أكمل الدين ومع هذا لم يؤمن ولم ينتفع بتلك المعرفة فإنه هو الذي جيش الجيوش على أصحاب رسول الله وقاتلهم ولم يقصر في تجهيز الجيش عليهم من الروم وغيره كرة بعد كرة فيهزمهم الله ويهلكهم ولم يرجع إليه منهم إلا أقلهم واستمر على ذلك إلى أن مات وقد فتح أكثر بلاد الشام ثم ولي بعده ولده وبهلاكه هلكت المملكة الرومية قلت يعني الرومية الجاهلية ثم انقلبت لهم المملكة الإسلامية بالغلبة والشوكة الإيمانية حتى أقامهم الله لمقاتلة الطائفة النصرانية ولمقابلة الرافضة الكفرانية وقاموا بخدمة الحرمين الشريفين من عمارتهما وخيراتهما ومبراتهما في البلدين المنيفين وإرسال أمراء الحاج من كل فج عميق لا من الطريق الواصل إلى البيت العتيق مع ما فيهم من تعظيم الشريعة وتكريم العلماء واحترام المشايخ والأولياء فجزاهم الله أحسن الجزاء ونصرهم على جميع الأعداء إلى يوم النداء هذا ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ولا حول ولا قوة إلا بالله فما أعقله لو معقوله أكمله لكن ما ساعده لعدم السعادة الأزلية ووجود الشقاوة الأبدية والسبب في ذلك طمع الرياسة وظهور الكمال والميل إلى وصول المال وحصول المنال والغفلة عن المآل وما يؤدي إلى النكال ولذا قال وقد كنت أعلم أي علما يقينا أنه أي النبي خارج أي ظاهر في آخر الزمان ولم أك أظنه منكم


أي من نسل إسماعيل وهو أبو العرب بل كنت أظنه أنه منا معشر بني إسحاق فإن أكثر الأنبياء بعد إبراهيم عليه السلام منهم وهذه حجة داحضة وبلية غامضة فإن الظن لا يغني من الحق شيئا وما يتبع أكثرهم إلا ظنا والحق أن يتبع ولو أني أعلم أني أخلص بضم اللام أي أصل إليه أي إلى خدمته ودولته وحضرة رؤيته لأحببت لقاءه أي دولة ملاقاته وسعادة متابعته ولو كنت عنده أي ولو صرت في مقامه ووصلت إلى موضع قيامه لغسلت أي وجهي عن قدميه أي غسلا صادرا عن ماء أقدامه لما أرى له من الثبات على الحق وإقدامه أو التقدير غسلت الغبار والوسخ عن قدميه فضلا عن تقبيل يديه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي بالتشديد للتثنية المنبئة عن المبالغة والتأكيد قال النووي ولا عذر له في هذا لأنه قد عرف صدق النبي وإنما شح بالملك ورغب في الرياسة فآثرها على الإسلام وقد جاء ذلك مصرحا به في صحيح البخاري ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرياسة وقال شيخ مشايخنا الحافظ جلال
الدين السيوطي اختلف في إيمانه والأرجح بقاؤه على الكفر ففي مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي إني مسلم فقال النبي كذب بل هو على نصرانيته قلت ليس فيه نص على موته بالكفر وإنما رجح بناء على الأصل ثم دعا بكتاب رسول الله فقرأه أي فعظمه وبالغ في محافظته فصار سببا لبقاء الملك في ذريته بخلاف كسرى حيث شقه ومزقه فمزق الله ملكه وفرق ولده وأخرج الله عنهم ملكه قال سيف الدين أرسلني ملك العرب إلى ملك الفرنج في شفاعة فقبلها وعرض علي الإقامة فأبيت فقال لأتحفنك بتحفة سنية فأخرج من صندوقه مقلمة من ذهب فأخرج منها كتابا قد زال أكثر حروفه فقال هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر ما زلنا نتوارثه إلى الآن وقد أوصانا بأنه ما دام عندنا لا يزول الملك منا فنحن نحفظه ليدوم الملك لنا ذكره أكمل الدين متفق عليه وقد سبق تمام الحديث وهو أنه كتب إليه في باب الكتابة إلى الكفار


باب في المعراج
العروج هو الذهاب في صعود قال تعالى تعرج الملائكة والروح المعارج والمعراج بالكسر شبه السلم مفعال من العروج بمعنى الصعود فكأنه آلة له وقيل بل هو آلة وفرق بينه وبين الإسراء كما بينته في رسالتي المسماة بالمدراج للمعراج وإنما سميت ليلة المعراج لصعود النبي فيها إلى السماء وفي شرح السنة قال القاضي عياض اختلف الناس في الإسراء برسول الله فقيل إنما كان جميع ذلك في المنام والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين أنه أسري بجسده فمن طالعها وبحث عنها فلا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل وقيل ذلك قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه فإن الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه بخمسة عشر شهرا وقال الحربي كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة وقال الزهري كان ذلك بعد مبعثه بخمس سنين وقال ابن إسحاق أسري به وقد فشا الإسلام بمكة وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق وقد أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه وأما قوله في رواية شريك وهو نائم وفي الرواية الأخرى بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه إذ قد يكون فيه ذلك حالة أول وصول الملك إليه وليس في الحديث ما يدل على كونه نائما في القصة كلها وقال محيي السنة في المعالم والأكثرون على ذلك قلت ومن القليل من قال بتعداد الإسراء نوما ويقظة وبه


يجمع بين الأدلة المختلفة قال الطيبي وقد روينا عن البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس الإسراء قال هي رؤيا عين أريها رسول الله ليلة أسري به إلى بيت المقدس وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس قال شيء أريه النبي في اليقظة رآه بعينه ولأنه قد أنكرته قريش وارتدت جماعة ممن كانوا أسلموا حين سمعوه وإنما ينكر إذا كانت في اليقظة فإن الرؤيا لا ينكر منها ما هو أبعد من ذلك على أن الحق أن المعراج مرتان مرة بالنوم وأخرى باليقظة قال محيي السنة رؤيا أراه الله قبل الوحي بدليل قول من قال فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنة تحقيقا لرؤياه كما أنه رأى فتح مكة في المنام سنة ست من الهجرة ثم كان تحقيقه سنة ثمان وعن بعض المحققين أن الأرواح مأخوذة من أنوار الكمال والجلال وهي بالنسبة إلى الأبدان بمنزلة قرص الشمس بالنسبة إلى هذا العالم وكما أن كل جسم يصل إليه نور الشمس تتبدل ظلماته بالأضواء فكذلك كل عضو وصل إليه نور الروح انقلب حاله من الموت إلى الحياة وقالوا الأرواح أربعة أقسام الأول الأرواح المكدرة بالصفات البشرية وهي أرواح العوام غلبته القوى الحيوانية لا تقبل العروج والثاني الأرواح التي لها كمال القوة النظرية باكتساب العلوم وهذه أرواح العلماء والثالث الأرواح التي لها كمال القوة المدبرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة وهذه أرواح المرتاضين إذا كبروا قوى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة والرابع الأرواح الحاصلة لها كمال القوتين وهذه غاية الأرواح البشرية وهي للأنبياء والصديقين فلما ازداد قوة أرواحهم ازداد ارتفاع أبدانهم عن الأرض ولهذا لما كان الأنبياء عليهم السلام قويت فيهم هذه الأرواح عرج بهم إلى السماء وأكملهم قوة نبينا فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى
الفصل الأول


عن قتادة تابعي جليل عن أنس بن مالك أي خادم رسول الله عن مالك
بن صعصعة أنصاري مزني مدني سكن البصرة وهو قليل الحديث أن نبي الله حدثهم أي الصحابة ومنهم أنس عن ليلة أسرى به بالإضافة وفي نسخة بالتنوين أي ليلة أسري به فيها قال زين العرب في شرح المصابيح إنها مضافة إلى الماضي وفي نسخة روايتي مجرورة منونة وقال الطيبي يجوز بناء ليلة وإعرابها وأسري بصيغة المجهول إيماء إلى قوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا الإسراء والإسراء من السرى وهو السير في الليل يقال سرى وأسرى بمعنى وقيل أسري سار من أول الليل وسرى من آخره قيل وهو أقرب فالباء في به للتعدية وذكر الليل للتجريد أو للتأكيد وفي الآية بالتنكير للتقليل والتعظيم بينما أنا في الحطيم قال القاضي قيل هو الحجر سمي حجرا لأنه حجر عنه بحيطانه وحطيما لأنه حطم جداره عن مساواة الكعبة وعليه ظاهر قوله بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر فلعله حكى لهم قصة المعراج مرات فعبر بالحطيم تارة وبالحجر أخرى وقيل الحطيم غير الحجر وهو ما بين المقام إلى الباب وقيل ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر والراوي شك في أنه سمع في الحطيم أو في الحجر انتهى وقال ابن حبيب الحطيم ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام حيث ينحطم الناس للدعاء وقيل كان أهل الجاهلية يتحالفون هنالك وينحطمون بالأيمان كذا ذكره الشارح الأول والله أعلم مضطجعا قيد للروايتين وهو يحتمل النوم واليقظة إذ أتاني آت أي جاءني ملك فشق أي قطع ما بين هذه إلى هذه يعني تفسير من مالك على ما هو الظاهر أي يريد النبي بقوله هذا من ثغرة نحره بضم المثلثة وسكون العين المعجمة أي نقرة نحره التي بين الترقوتين إلى شعرته بكسر الشين أي عانته وقيل منبت شعرها كذا في النهاية فاستخرج قلبي قال شارح وهذا الشق غير ما كان في زمن الصبا إذ هو لإخراج مادة الهوى من قلبه وهذا لإدخال كمال العلم والمعرفة في قلبه قلت وفيه إيماء إلى


التخلية والتحلية ومقام الفناء والبقاء ونفي السوى وإثبات المولى كما تشير إليه الكلمة العليا ثم اعلم أن هذا معجزة فإن من المحال العادي أن يعيش من ينشق بطنه ويستخرج قلبه وكأن بعضهم حملوها على المعاني المجازية ولذا قال التوربشتي ما ذكر في الحديث من شق النحر واستخراج القلب وما يجري مجراه فإن السبيل في ذلك التسليم دون التعرض بصرفه من وجه إلى وجه بنقول متكلف ادعاء للتوفيق بين المنقول والمعقول هربا مما يتوهم أنه محال ونحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق عن الأمر لعدم المحال به على القدرة ثم أتيت بطست بفتح الطاء


وتكسر وسينه مهملة في العربية ومعجمة في العجمية من ذهب لعل الاستعمال كان قبل التحريم أو القضية من خصوصياته عليه الصلاة والسلام مملوء على وزن مفعول بالهمز ويشدد إيمانا تمييز قال القاضي لعله من باب التمثيل إذ تمثل له المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها قبله الطيبي وفيه أن الأرواح أجساد لطيفة على الصحيح من الأقوال إلا أن يقال المراد تمثل له الأرواح بأجسادهم الفانية ولكن فيه أن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء نعم لو قيل ببقاء أجسادهم المتعلقة بها أرواحهم في عالم الملك وبتمثلها في عالم الملكوت لكان توجيها وجيها وتنبيها نبيها بل هو الظاهر ولا يبعد عن قدرة القاهر وفي شرح مسلم معنى جعل الإيمان في الطست جعل شيء فيه يحصل به الإيمان فيكون مجازا وقد قال الشارح الأول مانع من إرادة الحقيقة أقول والحاصل أن المعاني قد تتجسم كما حقق في وزن الأعمال وذبح كبش الموت ونحوهما فغسل قلبي ثم حشي ماض مجهول من الحشو أي مليء من حب ربي ثم أعيد أي القلب إلى موضعه الأول على الوجه الأكمل وفي رواية ثم غسل البطن أي الجوف مطلقا أو محل القلب فإنه بيت الرب بماء زمزم ثم ملىء إيمانا وحكمة أي ايقانا واحسانا فهو تكميل وتذييل ثم أتيت بدابة هي تطلق على الذكر والأنثى لقوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها هود والتاء فيها للوحدة فالمعنى بمركوب متوسط دون البغل أصغر منه وفوق الحمار أي أكبر منه أبيض بالنصب على الحال أو الصفة يقال له البراق بضم أوله سمي به ليريق لونه أو لسرعة سيره كبرق السحاب ولا منع من الجمع وإن كان يؤيد الثاني قوله يضع خطوه عند أقصى طرفه بفتح فسكون في كل منهما أي يضع قدمه عند منتهى بصره وغاية نظره قيل الأصح أنه كان معدا لركوب الأنبياء وقيل لكل نبي براق على حدة وهو المناسب لمراتب الأصفياء ففي شرح مسلم قالوا هو اسم للدابة التي ركبها رسول الله ليلة


الإسراء قال الزبيدي في مختصر العيني وصاحب التحرير هي دابة كانت الأنبياء عليهم السلام يركبونها وهذا الذي قالاه يحتاج إلى نقل صحيح قال الطيبي ولعلهم حسبوا ذلك من قوله في حديث آخر فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء أي ربطت البراق بالحلقة التي ربط بها الأنبياء قلت وليس فيه دلالة على تقدير تسليم تقديره لأن المراد بالبراق الجنس في الثاني قال وأظهر منه حديث أنس في الفصل الثاني قول جبريل للبراق فما ركبك أحد أكرم على الله منه قلت هو مع ظهوره لا يخفى ما فيه من الاحتمال المانع من صحة الاستدلال إذ يحتمل أنه ركبه بعض الملائكة أو جبريل قبله عند نزوله إليه أو التقدير فما ركب مثلك أو جنسك أحد أكرم على الله منه فلا معنى لتنفرك عنه فحملت عليه بصيغة المجهول أي ركبت عليه بمعاونة الملك أو بإعانة الملك وفيه إيماء إلى صعوبته كما سيأتي وجهه فانطلق بي


جبريل حتى أتى باب السماء الدنيا ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء وتمسك به من زعم أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس فأما المعراج فعلى غير هذه الرواية من الأخبار فإنه لم يكن على البراق بل رقي في المعراج وهو السلم كما وقع به مصرحا ذكره العسقلاني أقول الأظهر أن هذا اقتصار من الراوي وإجمال لما سبق أنه ربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء نعم يمكن أن يكون سيره على البراق إلى بيت المقدس ثم إسراؤه إلى السماء بالمعراج الذي هو السلم والله أعلم فكأن الراوي طوى الرواية فاختل به أمر الدراية ثم قيل الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إظهار الحق للمعاندين لأنه لو عرج به عن مكة إلى السماء أولا لم يكن سبيل إلى إيضاح الحق للمعاندين كما وقع في الإخبار بصفة بيت المقدس وما صادفه في الطريق من العير مع ما في ذلك من حيازة فضيلة الرحيل إليه لأنه محل هجرة غالب الأنبياء ولما روي أن باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس فأسري إليه ليحصل العروج مستويا من غير تعويج ذكره السيوطي فاستفتح أي طلب جبريل فتح باب السماء الدنيا قيل من هذا أي المستفتح قال جبريل بتقدير هو أو أنا قال القاضي عياض وفيه أن للسماء أبوابا حقيقة وحفظة موكلين بها وفيه إثبات الاستئذان وأنه ينبغي أن يقول أنا زيد مثلا يعني لا يكتفي بقوله أنا كما هو المتعارف إذ قد ورد به النهي قيل ومن معك أي أنت نعرفك ومن معك حتى تستفتح قال محمد قيل وقد أرسل إليه الواو للعطف وحرف الاستفهام مقدر أي أطلب وأرسل إليه بالعروج أو بالوحي والأول أشهر وأظهر وعليه الأكثر قال النووي وفي رواية أخرى وقد بعث إليه أي بعث إليه للإسراء وصعود السماء وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفى على الملائكة إلى هذه المدة وهذا هو الصحيح وقال البيضاوي أي أرسل إليه للعروج وقيل معناه أوحي


إليه وبعث نبيا والأول أظهر لأن أمر نبوته كان مشهورا في الملكوت لا يكاد يخفى على خزان السموات وحراسها وأوفق للاستفتاح والاستئذان ولذلك تكرر معه وتحت هذه الكلمات ونظائرها أسرار يتفطن لها من فتحت بصيرته واشتعلت قريحته قلت ولعل مأخذها وقوفه على جميع الأبواب على دأب آداب أرباب الألباب ثم السؤال من وراء الحجاب وكذا الجواب بمرحبا مرحبا بذلك الجناب المشعر بالتنزل الرحماني والاستقبال الصمداني والإقبال الفرداني المشير إلى ما قال في الحديث القدسي المعبر عن الكلام النفسي من أتاني يمشي أتيته هرولة ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا الموميء إلى قوله سبحانه وهو معكم أينما كنتم الحديد المصرح بالمعية الخاصة في مقام مريد المزيد ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ق صلى الله عليه وسلم ثم الوارد على لسانه بلسان الجمع إن الله معنا ثم عرض علو مقامه وحصول مرامه على


آبائه الكرام وإخوانه العظام في تلك المشاهد الفخام فيا لها من ساعة سعادة لا يتصور فوقها زيادة وقيل كان سؤالهم للاستعجاب بما أنعم الله عليه أو للاستبشار بعروجه إليه إذا كان من البين عندهم أن أحدا من البشر لا يترقى إلى أسباب السموات من غير أن يأذن الله له ويأمر ملائكته بإصعاده فإن جبريل لم يصعد بمن لم يرسل إليه ولا يستفتح له أبواب السماء قال أي جبريل نعم أي أرسل إليه بالتقريب لديه والإنعام عليه قيل مرحبا به أي أتى الله بالنبي مرحبا أي موضعا واسعا فالباء للتعدية ومرحبا مفعول به والمعنى جاء أهلا وسهلا لقوله فنعم المجيء أي مجيئه جاء فعل ماض وقع استئناف بيان زمانا أو حالا والمجيء فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف قال المظهر فيه تقديم وتأخير وحذف المخصوص بالمدح أي جاء فنعم المجيء مجيئه وقيل تقديره نعم المجيء الذي جاءه فحذف الموصول واكتفى بالصلة أو نعم المجيء مجيء جاء فحذف الموصوف واكتفى بالصفة ففتح أي باب السماء فلما خلصت بفتح اللام أي وصلت إليها ودخلت فيها فإذا فيها آدم فقال أي جبريل هذا أبوك أي جدك آدم فسلم عليه قال التوربشتي أمر بالتسليم على الأنبياء لأنه كان عابرا عليهم وكان في حكم القائم وكانوا في حكم القعود والقائم يسلم على القاعد وإن كان أفضل منهم وكيف لا والحديث دل على أنه أعلى مرتبة وأقوى حالا وأتم عروجا فسلمت عليه فرد السلام أي ردا جميلا وفيه دليل على أن الأنبياء أحياء حقيقة ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قيل وإنما اقتصر الأنبياء على هذا الوصف لأن الصلاح صفة تشمل جميع خصائل الخير وشمائل الكرم ولذا قيل الصالح من يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق عباده ولذا ورد في الدعاء على ألسنة الأنبياء توفني مسلما وألحقني بالصالحين يوسف ويمكن أن يكون المراد به الصالح لهذا المقام العالي والصعود المتعالي ثم صعد بي بكسر العين أي طلع بي جبريل والباء للتعدية أو المصاحبة حتى أتى


السماء الثانية وقد ورد أن بين كل سماء وسماء مسافة خمسمائة عام فاستفتح قيل من هذا قال
جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء في تكرار هذا السؤال والجواب في كل من الأبواب إشعار بأنه بسط له الزمان وطوى له المكان واتسع له اللسان وانتشر له الشأن في ذلك الآن بعون الرحمان ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة جملة معترضة محتملة أن تكون من أصل الحديث وأن تكون مدرجة من كلام الراوي هذا وقال ابن الملك في شرح المشارق المرئي كان أرواح الأنبياء متشكلة بصورهم التي كانوا عليها إلا عيسى فإنه مرئي بشخصه وسبقه التوربشتي حيث قال ورؤية الأنبياء في السموات وفي بيت المقدس حيث أبهم يحمل على رؤية روحانيتهم الممثلة بصورهم التي كانوا عليها غير عيسى فإن رؤيته محتملة للأمرين أو أحدهما قلت وقد قدمنا أن الأنبياء لا يموتون كسائر الأحياء بل ينتقلون من دار الفناء إلى دار البقاء وقد ورد به الأحاديث والأنباء وأنهم أحياء في قبورهم فإنهم أفضل من الشهداء وهم أحياء عند ربهم قال أي جبريل هذا يحيى قدمه لسبقه في الوجود وهذا عيسى ختم به لأنه أتم في الشهود وخاتمة أرباب الفضل والجود فسلم عليهما أي جملة أو على حدة فسلمت فردا أي السلام علي بأحسن رد ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح لقوله تعالى إنما المؤمنون إخوة الحجرات ولما سبق في الحديث من أن الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد والنبي الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فيه إشعار بأن كلا من الأنبياء لم يحصل لهم الاستعلاء إلا بالاستئذان الملكي والفتح الإلهي وأن كلا منهم كالملائكة لهم مقام معلوم وحال مفهوم ولا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم والله أعلم فلما خلصت إذا بيوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد


أي ردا حسنا ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء وهذا التكرير والبيان على وجه التكثير يعد من قبيل أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع
ففتح فلما خلصت فإذا إدريس فقال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح قال عياض هذا يخالف قول أهل التاريخ إن إدريس كان من آبائه ويحتمل أن يكون قول إدريس ذلك تطلفا وتأدبا وهو أخ أيضا وإن كان أبا فإن الأنبياء إخوة كذا في شرح مسلم ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فيه إشعار بأنه لم يفتح باب السماء إلا لمن يكون مسبوقا بنعت العلاء ووصف الولاء وأما الأعداء فلا تفتح لهم أبواب السماء حتى يلج الجمل في سم الخياط فلما خلصت فإذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فيه تنبيه نبيه على أن من منح له بفتح باب ما منع من باب آخر ولم يقع له حجاب بل يفتح له أبواب الرحمة ثم أبواب الجنة وما أحسن من قال من أرباب الحال على بابك الأعلى مددت يد الرجا ومن جاء هذا الباب لا يختشي الردى فلما خلصت إذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما جاوزت أي موسى أو مقامي بكى أي موسى تأسفا على أمته وشفقة على أهل ملته فإنهم قصروا في الطاعة ولم يتبعوه حق المتابعة مع طول مدته وامتداد أيام دعوته فلم ينتفعوا به انتفاع هذه الأمة بمحمد مع قلة عمره وقصر زمانه


وبهذا يظهر وجه قوله قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي فإنه لم يرد بذلك استقصار شأنه فإن الغلام قد يطلق ويراد به القوي الطري الشاب وهذا زبدة كلام التوربشتي وقد حمله بعضهم على الغبطة وفيه نظر ظاهر
لأهل الفطنة اللهم إلا أن يحمل على التمني فإنه قد يتصور في أمر المحال والله أعلم بالحال وقال بعض العلماء لم يكن بكاء موسى عليه السلام حسدا معاذ الله فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين فكيف بمن اصطفاه الله وهو في عالم الملكوت بل كان آسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم الملزوم لنقص أجره لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه وأما قوله غلام فليس على سبيل التنقيص بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحدا قبله ممن هو أسن منه وقال العسقلاني ويظهر لي أن موسى عليه السلام أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في أول الشيخوخة ولم يدخل على بدنه هرم ولا اعترى قوته نقص قلت ويمكن أن يكون وجه تسميته غلاما أنه حين مروره على الأنبياء كان في مدة عمره قليل بالنسبة إلى أعمارهم في الدنيا ثم مرور الأزمنة عليهم في حال البرزخ وقد يعتبر كونه غلاما لما حصل له المرتبة العلية في قليل من مدة البعثة النبوية فإن المعراج على ما سبق إنما كان بعد الوحي بزمان قليل إذ أقصى ما قيل فيه أنه قبل الهجرة بسنة فيصدق عليه عمر الغلام بناء على أن قبله ليس من العمر التمام والله أعلم بحقيقة المرام ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء في إطباق كلمتهم واتفاق جملتهم على هذا المدح المطلق إشعار بأن ألسنة الخلق أقلام الحق


وليس هنا في الأصول لفظ ففتح فكأنه سقط من لفظ الراوي أو اكتفاء بما سبق ودلالة عليه بقوله فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك أي جدك الأقرب إبراهيم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام وكأن نبينا عليه السلام كان في الاستغراق التام ومشاهدة المرام غافلا عن الأنام كما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله ما زاغ البصر وما طغى النجم حتى احتاج في كل من المقام إلى تعليم جبريل بالسلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قال الحافظ السيوطي استشكل رؤية الأنبياء في السموات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم أو أحضرت أجسادهم لملاقاته تلك الليلة تشريفا له واختلف في حكمة اختصاص من ذكر من الأنبياء بالسماء التي لقيه والأشهر أنه على حسب تفاوتهم في الدرجات وعن هذا قال ابن أبي جمرة اختصاص آدم بالأولى لأنه أول الأنبياء وأول الآباء فكان في الأولى أولى وعيسى بالثانية لأنه أقرب الأنبياء عهدا من نبينا ويليه يوسف لأن أمة محمد يدخلون الجنة


على صورته وإدريس في الرابعة لقوله تعالى ورفعناه مكانا عليا مريم والرابعة من السبع وسط معتدل وهارون في الخامسة لقربه من أخيه وموسى أرفع منه لفضل كلام الله تعالى وإبراهيم فوقه لأنه أفضل الأنبياء بعد نبينا أقول بقي الكلام على سائر الأنبياء عليهم السلام ولعلهم كانوا موجودين في السموات بما يناسبهم من المقام ولم يذكر في كل سماء إلا واحد من المشاهير الأعلام واكتفى بذكرهم عن بقية الكرام ثم رفعت إلى سدرة المنتهى وفي نسخة السيد وبعض النسخ رفعت لي سدرة المنتهى ويؤيده قول الآتي ثم رفع لي البيت المعمور وفي نسخة إلي بتشديد الياء قال الحافظ العسقلاني الأكثر بضم الراء وسكون العين وضم التاء بضمير المتكلم وبعده حرف الجر وللكشميهني رفعت لي بفتح العين وسكون التاء أو رفعت السدرة لي باللام أي من أجلي ويجمع بين الروايتين بأن المراد رفعه إليها أي ارتقي به وأظهرت له والرفع إلى الشيء يطلق على التقرب منه وقال التوربشتي الرفع تقريبك الشيء وقد قيل في قوله تعالى وفرش مرفوعة الواقعة أي مقربة لهم فكأنه أراد أن سدرة المنتهى استبينت له بنعوتها كل الاستبانة حتى اطلع عليها كل الاطلاع بمثابة الشيء المقرب إليه وفي معناه رفع لي البيت المعمور ورفع لي بيت المقدس قال النووي سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله وحكي عن عبد الله بن مسعود أنها سميت بذلك لكونه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تبارك وتعالى وقال السيوطي وإضافتها إلى المنتهى لأنها مكان ينتهي دونه أعمال العباد وعلوم الخلائق ولا تجاوز للملائكة والرسل منها إلا النبي وهي في السماء السابعة وأصل ساقها في السادسة فإذا نبقها بكسر الموحدة ويسكن أي ثمرها من كبره الدال على كبرها مثل قلال هجر بكسر القاف جمع قلة بالضم وهي إناء للعرب كالجرة الكبيرة وهجر اسم بلد ينصرف ولا ينصرف ولما كانت الثمرة في قشرتها


كالمطعوم في ظرفه ضرب مثل ثمرتها بأكبر ما كانوا يتعارفونه بينهم من الظروف كذا ذكره شارح وفي القاموس هجر محركة بلد باليمن مذكر مصروف وقد يؤنث ويمنع وقرية كانت قرب المدينة ينسب إليها القلال وينسب إلى هجر اليمن وإذا ورقها أي أوراقها في الكبر مثل آذان الفيلة بكسر الفاء وفتح التحتية واللام جمع الفيل مثل الديكة جمع الديك والآذان بالمد جمع الأذن قال أي جبريل هذا أي هذا المقام أو هذا الشجر سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار أي ظاهرة وقال شارح إذا للمفاجأة أي فإذا أنا بأربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران قلت ما هذان أي النوعان من الأربعة نحو قوله تعالى هذان خصمان اختصموا في ربهم الحج يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة قال ابن الملك يقال لأحدهما الكوثر وللآخر نهر الرحمة كما في خبر وإنما قال باطنان لخفاء أمرهما فلا تهتدي العقول إلى وصفهما أو لأنهما مخفيان عن أعين الناظرين فلا يريان


حتى يصبا في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات قال القاضي الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها وقال ابن الملك يحتمل أن يكون المراد منهما ما عرفا بين الناس ويكون ماؤهما مما يخرج من أصل السدرة وإن لم يدرك كيفيته وأن يكون من باب الاستعارة في الاسم بأن شبههما بنهري الجنة في الهضم والعذوبة أو من باب توافق الأسماء بأن يكون اسما نهري الجنة موافقين لإسمي نهري الدنيا وفي شرح مسلم قال مقاتل الباطنان هما السلسبيل والكوثر والظاهران النيل والفرات يخرجان من أصلها ثم يسيران حيث أراد الله تعالى ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها وهذا لا يمنعه شرع ولا عقل وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه ثم رفع لي أي قرب وأظهر لأجلي البيت المعمور وهو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة وحرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن قال ابن الملك اعلم أن اللبن لما كان ذا خلوص وبياض وأول ما يحصل به تربية المولود صور به في العالم المقدس مثل الهداية والفطرة التي يتم به القوة الروحانية وهي الاستعداد للسعادات الأبدية أولها انقياد الشرع وآخرها الوصول إلى الله تعالى فقال هي الفطرة أنث مرجح اللبن مع أنه مذكر مراعاة للخبر أنت عليها وأمتك أي عليها أو كذلك ثم يعني بعد وصوله إلى مقام ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى النجم فرضت علي الصلاة وفي الحديث الآتي على أمتي ولا منافاة خمسين صلاة بتقدير أعني وقوله كل يوم أي وليلة ظرف فرجعت فمررت على موسى أي بعد إبراهيم فقد روى الترمذي أنه قال لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد اقرىء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فقال أي موسى بما أمرت من العبادة قال أمرت بخمسين صلاة أي أقلها


ركعتان قال ابن الملك وقيل كانت كل صلاة على ركعتين ألا ترى أن من قال علي صلاة يلزمه ركعتان كل يوم يحتمل اختصاصه بالنهار والأظهر أن المراد كل يوم وليلة لما سيأتي من قوله خمس صلوات في كل يوم وليلة فيكون من باب الاكتفاء للظهور والاستغناء قال إن أمتك لا تستطيع قيد بالأمة لأن قوة الأنبياء وعصمتهم تمنعهم عن المخالفة وتعينهم على الموافقة في الطاعة ولو على أقصى غاية المشقة والطاقة والمعنى لا تقدر أمتك عادة أو سهولة لضعفهم أو كسلهم خمسين صلاة أي أداءها كل يوم ثم بين


عدم استطاعتهم بقوله وإني والله قد جربت الناس أي زاولت ومارست الأقوياء من الناس قبلك يعني ولقيت الشدة فيما أردت منهم وعالجت بني إسرائيل أي بالخصوص أشد المعالجة أي ولم يقدروا على مثل ذلك فكيف أمتك فارجع إلى ربك فاسأله أمر من سأل مهموزا أو مبدلا أو منقولا نسختان مقبولتان وقراءتان صحيحتان أي فاطلب التخفيف لأمتك فرجعت أي إلى ربي فوضع عني عشرا وهو خمس الأصل وسيأتي أنه وضع عنه خمسا وكأنه كان أولا ثم صار عشرا أو عبر عن الخمس بالعشر اقتصارا واختصارا فرجعت إلى موسى فقال مثله أي مثل مقالته الأولى فرجعت أي ثانيا فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت أي ثالثا فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت أي رابعا فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت أي خامسا فأمرت بخمس صلوات كل يوم أي وليلة ولعل الاكتفاء فيه للتغليب حيث أكثر الصلوات فيه أو لأن الليل تابع لما قبله كما في ليلة عرفة وليالي أيام النحر فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال إن أمتك أي أكثرهم لا تستطيع خمس صلوات أي مواظبتها ومداومتها ومحافظتها كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة أي ولم يستطيعوا ما دون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال الخطابي مراجعة الله في باب الصلاة إنما جازت من رسولنا محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام لأنهما عرفا أن الأمر الأول غير واجب قطعا لما صدرت منهما المراجعة فصدور المراجعة دليل على أن ذلك غير واجب قطعا لأن ما كان واجبا قطعا لا يقبل التخفيف ذكره الطيبي وتبعه ابن الملك وأقول وما لم يكن واجبا لا يحتاج إلى سؤال التخفيف قطعا فالصحيح ما قيل إنه تعالى في الأول فرض خمسين ثم رحم عباده ونسخها بخمس كآية الرضاع عند بعض وعدة المتوفي عنها زوجها على قول وفيه دليل على أنه يجوز نسخ الشيء قبل وقوعه كما قال به الأكثرون وهو الصحيح وقالت


المعتزلة وبعض العلماء لا يجوز ذكره النووي قال أي النبي سألت ربي أي التخفيف حتى استحييت أي من كثرته وفي
نسخة بياء واحدة فهما لغتان أو الثانية تخفيف للأولى بالنقل والحذف والمعنى فلا أرجع لطلب التخفيف وإن كان الظن في الأمة أن لا يستطيعوا دوام المحافظة ولكني أرضى أي بما قضى ربي وقسم وأسلم أي أمري وأمرهم إلى الله وأنقاد بما حكم قال الطيبي فإن قلت حق لكن أن يقع بين كلامين متغايرين معنى فما وجهه ههنا قلت تقدير الكلام هنا حتى استحييت فلا أرجع فإني إذا رجعت كنت غير راض ولا مسلم ولكني أرضى وأسلم انتهى ولا يخفى أن المراجعة غير منافية للرضا والتسليم وإلا لما رضي بها موسى ونبينا عليهما أفضل الصلاة وأكمل التسليم وتوضيحه أن سؤال العافية ودفع البلاء وطلب الرزق ودعاء النصر على الأعداء وأمثال ذلك كما صدر من الأنبياء والأولياء لا ينافي الرضا بالقضاء أبدا ولا التسليم لما في الأزل أبدا قال أي النبي فلما جاوزت أي موسى وتركت المراجعة نادى مناد أي حاكيا كلام ربي أمضيت فريضتي أي أحكمتها وأنفذتها أولا وخففت عن عبادي أي ثانيا وسيأتي لهذا تتمة معرفتها مهمة متفق عليه ورواه النسائي وعن ثابت البناني بضم الموحدة قبل النون الأولى تابعي من أعلام أهل البصرة وثقاتهم اشتهر بالرواية عن أنس بن مالك وصحبه أربعين سنة وروى عنه نفر عن أنس أن رسول الله قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل أي وسطاني لقوله فوق الحمار ودون البغل يقع حافره عند منتهى طرفه أي نظره فركبته حتى أتيت بيت المقدس بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال ويروى بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة فربطته بالحلقة بسكون اللام ويفتح قال النووي هي بسكون اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكي فتحها التي يربط بالتذكير ويجوز تأنيثه وهو بكسر الموحدة ويضم ففي القاموس ربطه يربطه ويربطه شدة وفي الصحاح ربطت الشيء أربطه وأربطه أيضا عن الأخفش انتهى فعلم أن الضم


لغة ضعيفة ولهذا أجمع القراء على الكسر في قوله تعالى وليربط على قلوبكم الأنفال ثم قوله بها بضمير المؤنث في جميع نسخ المشكاة وهو ظاهر وفي شرح مسلم الحلقة التي يربط به كذا هو في الأصول بضمير المذكر أعاده على معنى الحلقة وهو الشيء أي الذي يربط به والمعنى بالشيء الذي يربط به الأنبياء أي براقهم أو هذا البراق على خلاف تقدم نعم لو كان المروي يربط الأنبياء بها لوقع
الاتفاق على اتحاد البراق قال ثم دخلت المسجد أي المسجد الأقصى وهذا المقدار من الإسراء مما أجمع عليه العلماء وإنما خلاف المعتزلة في الإسراء إلى السماء بناء على منع الخرق والالتئام تبعا لكلام الحكماء اللئام فصليت فيه ركعتين أي تحية المسجد والظاهر أن هذه هي الصلاة التي اقتدى به الأنبياء وصار فيها إمام الأصفياء ثم خرجت أي من المسجد فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ولعل ترك العمل من اقتصار الراوي فاخترت اللبن أي لما سبق فقال جبريل اخترت الفطرة أي التي فطر الناس عليها وهو الدين القيم كما قال تعالى وأشار إليه بقوله كل مولود يولد على الفطرة انتقالا مما يفطر به المولود ويغذى من اللبن المعهود ثم عرج بفتح العين والراء على ما ذكره النووي وتبعه السيوطي فالفاعل جبريل أو الرب الجليل لقوله بنا أي بي وبجبريل ويمكن أن يكون قوله بنا بناء على التعظيم وفي نسخة بصيغة المجهول أي صعد بنا إلى السماء وساق أي وذكر ثابت الحديث عن أنس مثل معناه أي نحو معنى الحديث السابق برواية قتادة عن أنس قال أي النبي أو ثابت أو أنس مرفوعا فإذا أنا بآدم فرحب بي أي قال لي بعد رد سلامي مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ودعا لي بخير يحتمل أن يكون بيانا لقوله فنعم المجيء جاء وأن يكون غيره غير مبين وقال في السماء الثالثة فإذا أنا بيوسف إذا هو بدل من الأول في معنى بدل الاشتمال قد أعطي شطر الحسن قال المظهر أي نصف الحسن أقول وهو يحتمل أن يكون المعنى نصف جنس الحسن


مطلقا أو نصف حسن جميع أهل زمانه وقيل بعضه لأن الشطر كما يراد به نصف الشيء قد يراد به بعضه مطلقا أقول لكنه لا يلائمه مقام المدح وإن اقتصر عليه بعض الشراح اللهم إلا أن يراد به بعض زائد على حسن غيره وهو إما مطلق فيحمل على زيادة الحسن الصوري دون الملاحة المعنوية لئلا يشكل نبينا وإما مقيد بنسبة أهل زمانه وهو الأظهر وكأن الطيبي رحمه الله أراد هذا المعنى لكنه أغرب في المبنى حيث عبر عنه بقوله وقد يراد به الجهة أيضا نحو قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام البقرة أي إلى جهة من الحسن ومسحة منه كما يقال على وجهه مسحة ملك ومسحة جمال أي أثر ظاهر ولا يقال ذلك إلا في المدح اه وغرابته مما لا تخفى على ذوي النهى هذا وقد قال بعض الحفاظ من المتأخرين


وهو من مشايخنا المعتبرين أنه كان أحسن من يوسف عليه السلام إذ لم ينقل أن صورته كان يقع من ضوئها على الجدران ما يصير كالمرآة يحكي ما يقابله وقد حكي ذلك عن صورة نبينا لكن الله تعالى ستر عن أصحابه كثيرا من ذلك الجمال الباهر فإنه لو برز لهم لم يطيقوا النظر إليه كما قاله بعض المحققين وأما جمال يوسف عليه السلام فلم يستر منه شيء اه وهو يؤيد ما قدمناه من أن زيادة الحسن الصوري ليوسف عليه الصلاة والسلام كما أن زيادة الحسن المعنوي لنبينا مع الاشتراك في أصل الحسن على أنه قد يقال المعنى أنه أعطي شطر حسني فرحب بي ودعا لي بخير ولم يذكر أي ثابت عن أنس في هذا الحديث بكاء موسى وقال في السماء السابعة أي زيادة على ما سبق فإذا أنا بإبراهيم مسندا بكسر النون منصوبا على الحال في جميع نسخ المشكاة مطابقا لما في صحيح مسلم وشرحه وشرح السنة وفي المصابيح مرفوع على حذف المبتدأ وقوله ظهره منصوب على المفعولية لكلتا النسختين وقوله إلى البيت المعمور متعلق بالمسند وإذا هو أي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أي إلى البيت المعمور قال الطيبي الضمير المجرور فيه عائد إلى البيت المعمور أي يدخلون فيه ذاهبين غير عائدين إليه أبدا لكثرتهم ثم ذهب بي بصيغة الفاعل وفي نسخة للمفعول أي انطلق بي إلى السدرة المنتهى هكذا وقع في الأصول السدرة بالألف واللام وفي الروايات بعد هذا سدرة المنتهى كذا في شرح مسلم فإذا أورقها كآذان الفيلة وإذا أثمرها كالقلال فلما غشيها أي السدرة وهو بكسر الشين المعجمة وفتح التحتية أي جاءها ونزل عليها من أمر الله بيانية مقدمة أو تعليلية معترضة ما غشي أي غشيها إيماء إلى قوله تعالى فغشاها ما غشى النجم فقيل أنوار أجنحة الملائكة وقيل فراش الذهب قال القاضي ولعله مثل ما يغشي الأنوار التي تنبعث منها ويتساقط على مواقعها بالفراش وجعلها من الذهب لصفائها وإضاءتها في نفسها أو ألوان لا يدري ما


هي وهو الأظهر تغيرت أي السدرة عن حالتها الأولى إلى مرتبتها الأعلى وهو جواب لما فما أحد من خلق الله أي من مخلوقاته وسكان أرضه وسمواته يستطيع أن ينعتها بفتح العين أي يصفها من حسنها تعليلية أي من كمال جمالها وعظمة جلالها وأوحى إلي ما أوحى في إبهام الموصولة أو الموصوفة إيماء إلى تعظيم الموحى وأنه من قبيل ما لا يحكى ولا يروى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى أي منتهيا إليه
فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة وزيد في نسخة صحيحة في كل يوم وليلة قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني بلوت أي جربت بني إسرائيل وخبرتهم أي اختبترتهم وامتحنتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت يا رب خفف على أمتي أي عنهم وعدل إلى علي لتضمين التهوين فحط عني أي فوضع عن جهتي ولأجلي عن أمتي خمسا أي خمس صلوات ولعل التقدير خمسا فخمسا فيوافق رواية عشرا والأظهر أن رواية عشرا اقتصار من رواية خمسا ويؤيده قوله فرجعت إلى موسى فقلت حط عني خمسا قال إن أمتك لا تطيق ذلك أي المقدار الباقي أيضا فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى قال النووي معناه بين الموضع الذي ناجيته أولا فناجيته ثانيا وبين موضع ملاقاة موسى أولا حتى قال أي سبحانه وتعالى يا محمد إنهن خمس صلوات أي محتمة كل يوم وليلة قال الطيبي الضمير فيه مبهم يفسره الخبر كقوله هي النفس ما حملتها تتحمل لكل صلاة أي حقيقة واختيارا عشر أي ثواب عشر صلوات أي حكما واعتبارا فذلك أي فمجموع ما ذكر خمسون صلاة ثم استأنف ببيان قضية أخرى وعطية أخرى متضمنة لهذه الجزئية المندرجة في القاعدة الكلية حيث قال من هم بحسنة أي عزم على فعلها فلم يعملها لمانع شرعي أو عذر عرفي كتبت بصيغة المجهول أي كتب له هم الحسنة والتأنيث من إضافته إلى الحسنة ومن قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه له أي لعاملها حسنة بالنصب أي ثواب حسنة واحدة قال


الطيبي كتبت مبني على المفعول والضمير فيه راجع إلى قوله بحسنة وحسنة وضعت موضع المصدر أي كتبت الحسنة كتابة واحدة وكذا عشرا وكذا شيئا منصوبان على المصدر على ما في جامع الأصول وشرح السنة وفي بعض نسخ المصابيح حسنة وعشر مرفوعان وهو غلط من الناسخ أقول لعله من جهة الرواية وأما من طريق الدراية فله وجه في الجملة وهو أن يكون قوله كتبت له

جملة مستقلة مجملة وقوله حسنة بتقدير هي جملة مبينة مفصلة فإن عملها أي بعد ما هم بها واهتم بشأنها كتبت أي تلك الحسنة المهمومة المعمولة له عشرا أي ثواب عشر حسنات لإنضمام قصد القلب إلى مباشرة عمل القالب كقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام وهذا أقل التضاعف في غير الحرم المحترم ومن هم بسيئة أي ولم يصمم على فعلها فلم يعملها أي فتركها من غير باعث أو لسبب مباح بخلاف ما إذا تركها لله لم تكتب أي تلك السيئة الموصوفة له شيئا أما لو تركها وقد عزم على عملها فإن تركها لله فلا شك أنها تكتب له حسنة وإن تركها لغرض فاسد فتكتب له سيئة على ما بينه حجة الإسلام في الأحياء وصرح به كثير من العلماء فإن عملها كتبت أي له كما في نسخة صحيحة سيئة واحدة لأن السيئة لا تتضاعف بحسب الكمية كما قال تعالى ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون الأنعام إشارة إلى أن هذا عدل كما أن التضاعف فضل قال فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله فقلت قد رجعت إلى ربي أي وراجعته في أمر أمتي حتى استحييت منه رواه مسلم وعن ابن شهاب أي الزهري وهو أحد الفقهاء والمحدثين والعلماء الأعلام من التابعين بالمدينة المشار إليه في فنون علوم الشريعة سمع نفرا من الصحابة وروى عنه خلق كثير منهم قتادة ومالك بن أنس عن أنس قال كان أبو ذر أي الغفاري من أعلام الصحابة وزهادهم والمهاجرين أسلم قديما بمكة ويقال كان خامسا في الإسلام وكان يتعبد قبل مبعث النبي روى


عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين ذكره المؤلف يحدث أن رسول الله قال فرج بضم فاء وتخفيف راء وتشدد من الفرج والتفريج بمعنى الشق والكشف أي أزيل عني سقف بيتي قال الطيبي فإن قيل قد روى أنس في حديث المعراج عن مالك بن صعصعة عن النبي بينما أنا في الحطيم أو في الحجر وفي هذا الحديث قال فرج عني سقف بيتي قلنا كان لرسول الله معراجان أحدهما حال اليقظة على ما رواه مالك والثاني في النوم ولعله أراد ببيتي بيت أم هانىء إذ روي أيضا الإسراء منه فأضافه إلى نفس


تارة لأنه ساكنه وإليها أخرى لأنها صاحبته وقال بعض المحققين الجمع بين الأقوال الواردة في هذه المواضع أنه نام عند بيت أم هانىء وبيتها عند شعب أبي طالب ففرج سقف بيتها وأضاف البيت إلى نفسه لكونه يسكنه فنزل فيه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد وكان مضطجعا وبه أثر النعاس ثم أخرجه من الحطيم إلى باب المسجد فأركبه البراق ثم قوله وأنا بمكة جملة حالية للإشعار بأن القضية مكية لا مدنية فنزل جبريل ففرج صدري أي شقه ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا فأفرغه أي صب ما في الطست في صدري ثم أطبقه أي غطى صدري ولأم شقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جئت أي وصلت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء افتح قال من هذا قال جبريل قال هل معك أحد قال نعم محمد فقال أرسل إليه قال نعم فلما فتح وفي نسخة بصيغة المجهول علونا السماء الدنيا أي طلعناها إذا رجل قاعد على يمينه أسودة جمع سواد كأزمنة جمع زمان بمعنى الشخص لأنه يرى أنه أسود من بعيد أي أشخاص من أولاده وعلى يساره أسودة إذا وفي نسخة صحيحة فإذا نظر قبل يمينه بكسر القاف وفتح الموحدة جانب أيمنه ضحك أي لما يرى مما يدل على سروره ويمنه وإذا نظر قبل شماله بكى أي لما يشاهد مما يشعر بشروره وشؤمه فقال أي بعد السلام ورده مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت لجبريل من هذا قيل ظاهره أنه سأل النبي بعد أن قال له آدم مرحبا ورواية مالك بن صعصعة بعكس ذلك وهي المعتمدة فتحمل هذه عليها إذ ليس في هذه أداة تمثيل أقول الأظهر أن المشار إليه بهذا في السؤال إنما هو الأسودة وأعيد ذكر آدم في الجواب ليعطف عليه مقصود الخطاب فصح كلام الراوي قال أي جبريل هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله وفي نسخة صحيحة وعن شماله نسم بنيه بفتح النون والسين جمع نسمة وهي الروح أو النفس مأخوذ من النسم وهو النفس ومنه نسيم الصبا أي أرواح أولاده السابقين أو مع شمول اللاحقين


وذكر البنين للتغليب كما في قوله تعالى يا بني آدم الأعراف يس فأهل اليمين أي الأسودة التي عن يمينه منهم أي من جملة جميع الأسودة أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن
يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله وفي نسخة صحيحة وإذا نظر عن شماله بكى قال القاضي قد جاء أن أرواح الكفار محبوسة في سجين وأرواح الأبرار منعمة في عليين فكيف تكون مجتمعة في السماء وأجيب بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتا فصادف وقت عرضها مرور النبي وبأن الجنة كانت في جهة يمين آدم والنار في جهة شماله وكان يكشف له عنهما ويحتمل أن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد وهي مخلوقة قبل الأجساد ومستقرها عن يمين آدم وشماله وقد أعلم بما سيصيرون إليه فقوله نسم بنيه عام مخصوص والله أعلم حتى عرج بي ضبط للفاعل وقيل للمفعول والمعنى عرج بي جبريل إلى السماء الثانية وفي جامع الأصول هكذا ثم عرج بي جبريل إلى السماء الثانية فقال لخازنها افتح فقال له خازنها مثل ما قال الأول أي مثل مقول الخازن السابق قال أنس فذكر أي النبي أو أبو ذر مرفوعا وهو الأظهر أنه أي النبي عليه الصلاة والسلام وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم الظاهر وجود هارون ويحيى ويوسف ويحتمل إسقاطهم من الرواية ولم يثبت بكسر الموحدة من الإثبات أي لم يبين أبو ذر أو النبي كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا هذا لا خلاف فيه وإبراهيم في السماء السادسة هذا موافق لرواية شريك عن أنس والثابت في جميع الروايات غيرها وهو أنه في السابعة فإن قلنا بتعدد المعراج فلا إشكال وإلا فالأرجح رواية الجماعة لقوله فيها إنه رآه مسندا ظهره إلى البيت المعمور وهو في السابعة بلا خلاف ولأنه قال هنا إنه لم يثبت كيف منازلهم فرواية من أثبت أرجح قال ابن شهاب أي الزهري فأخبرني ابن حزم بفتح الحاء وسكون الزاي قال المؤلف هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم روى عن أبي حبة


وابن عباس وعنه الزهري ثم أبوه وجده أيضا من الصحابة حيث قال المؤلف أبوه أنصاري ولد في عهد رسول الله سنة عشر بنجران وكان أبوه عامل النبي على نجران وكان محمد فقيها روى عن أبيه وعن عمرو بن العاص وعنه جماعة قتل يوم الحرة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وذلك سنة ثلاث وستين أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة كذا في شرح السنة وفي المصابيح بالياء قال النووي هو بالحاء المهملة والباء الموحدة هكذا ضبطناه هنا وفي ضبطه واسمه اختلاف قيل حية بالياء المثناة تحت وقيل بالنون والأصح ما ذكرناه وقد اختلف في اسمه فقيل عامر وقيل مالك وقيل ثابت وقال المؤلف هو ثابت بن النعمان الأنصاري البدوي وفي كنيته واسمه خلاف كثير ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا فذكره بكنيته ولم يسمه وحبة بتشديد الموحدة هو الأكثر قتل يوم أحد كانا يقولان قال النبي عرج بي حتى ظهرت أي علوت


لمستوى بفتح الواو منونا وهو المستقر وموضع الاستعلاء من استوى الشيء استعلاء وثبوت الياء بعد الواو يدل على أنه صيغة اسم المفعول واللام فيه للعلة أي علوت لاستعلاء مستوى أو لرؤيته أو لمطالعته ويحتمل أن يكون متعلقا بالمصدر أي ظهرت ظهور المستوى ويحتمل أن يكون بمعنى إلى قال تعالى أوحى لها الزلزلة أي إليها وقيل بمعنى علي أسمع فيه أي في ذلك المكان أو في ذلك المقام صريف الأقلام أي صوتها عند الكتابة وقيل هو ههنا عبارة عن الاطلاع على جريانها بالمقادير والأصل فيه صوت البكرة عند الاستقاء يقال صرفت البكرة تصرف صريفا والمعنى أني أقمت مقاما بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث اطلعت على الكوائن وظهر لي ما يراد من أمر الله وتدبيره في خلقه وهذا والله هو المنتهى الذي لا تقدم فيه لأحد عليه كذا حققه بعض الشارحين من علمائنا وقال النووي المستوى بفتح الواو وقال الخطابي المراد به المصعد وقيل المكان المستوي وصريف الأقلام بالصاد المهملة صوت ما يكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه وما ينسخونه من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراد الله من أمره وتدبيره قال القاضي عياض هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كتب الله تعالى من اللوح المحفوظ بالأقلام التي هو تعالى يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات لكن كيفية ذلك وصورته هنا لا يعلم إلا الله تعالى وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان إذ جاءت به الشريعة ودلائل العقول لا تحيله وقال ابن حزم وأنس عطف على فأخبرني فهو من مقول ابن شهاب الزهري قال النبي ففرض الله على أمتي وهو لا ينافي ما سبق من قوله ففرض علي خمسين صلاة فرجعت بذلك أي آخذا به وقاصدا لعمله حتى مررت على موسى فقال ما فرض الله ما استفهامية وقوله لك أي لأجلك على أمتك قلت فرض خمسين صلاة قال فارجع إلى ربك أي فسله التخفيف فإن أمتك لا تطيق


أي هذا الحمل الثقيل فراجعني بمعنى رجعني أي ردني موسى يعني صار سببا لرجوعي إلى ربي فوضع أي الله شطرها أي بعض الخمسين وهو الخمس الذي هو العشر أو العشر الذي هو الخمس على خلاف تقدم فرجعت إلى موسى فقلت وضع شطرها فقال راجع ربك أي ارجع إليه للمراجعة فإن أمتك لا تطيق أي ذلك كما في نسخة فرجعت أي إلى مكاني الأول فراجعت أي فراددت الكلام وطالبت المرام مبالغا في ذلك المقام فإن المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة فوضع شطرها فرجعت إليه أي إلى موسى فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك أي ما قدر هنالك فراجعته وفي


نسخة فراجعت أي ربي فقال أي في الآخرة على ما في المصابيح والمعنى فقال للنبي في آخر المراجعات هي وفي نسخة هن خمس أي خمس صلوات في الأداء وهي خمسون أي صلاة في الثواب والجزاء لا يبدل القول لدي يحتمل أن يراد أني ساويت بين الخمس والخمسين في الثواب وهذا القول غير مبدل أو جعلت الخمسين خمسا ولا تبديل فيه قال الطيبي وقوله استحييت من ربي لا يناسب هذا المعنى قلت لا ينافيه بل يناسبه إذا حمل على ما قبل وجود العلم بعدم التبديل فرجعت إلى موسى فقال راجع ربك فقلت استحييت من ربي أي حين قال لي لا يبدل القول لدي مع أنه لا مانع من تعدد المانع ثم انطلق بي حتى انتهى بي بصيغة المجهول فيهما والمعنى ثم ذهب بي حتى وصل بي إلى سدرة المنتهى وغشيها بالتخفيف أي والحال أنه غشيها ألوان أي من الأنوار أو أصناف من أجنحة الملائكة أو غيرها لا أدري أي الآن أو في ذلك الزمان لتوجه نظره إلى المكون دون المكان ما هي أي حقيقة ما هي في ذلك المكان والزمان ثم أدخلت الجنة فإذا للمفاجأة فيها جنابذ اللؤلؤ بفتح الجيم وكسر الموحدة والذال المعجمة جمع جنبذة بضم الجيم والباء وهي ما ارتفع من الشيء واستدار كالقبة و قول العامة أن الجنبذة بفتح الباء معرب كنبذة وإذا ترابها المسك وهو أطيب الطيب وفي الخبر أنه يفوح ريح الجنة مسيرة خمسمائة عام متفق عليه وعن عبد الله أي ابن مسعود رضي الله عنه قال لما أسري برسول الله انتهي به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة قال شارح وهم بعض الرواة في السادسة والصواب في السابعة على ما هو المشهور بين الجمهور من الرواة اه والمعنى أن إضافة السهو إلى واحد منهم أولى ولأنه ورد أن علم الخلائق ينتهي إليها وليس كذلك في السادسة على ما لا يخفى وقال النووي هكذا هو في جميع الأصول قال القاضي كونها في السابعة هو الأصح قول الأكثرين وهو الذي يقتضيه المعنى وتسميتها بالمنتهى قال النووي ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في


السادسة ومعظمها في السابعة فقد علم أنها
في نهاية من العظم وقد قال الخليل السدرة في السماء السابعة قد أظلت السموات والجنة وقد ذكر القاضي عياض أن مقتضى خروج النهرين الظاهرين النيل والفرات من أصل المنتهى أن يكون أصلها في الأرض فإن سلم له هذا أمكن حمله على ما ذكرناه إليها أي إلى السدرة ينتهي ما يعرج به من الأرض أي ما يصعد به من الأعمال والأرواح الكائنة في الجهة السفلى فيقبض منها بصيغة المجهول فيه وفيما بعده ويحتمل تعدد القابض واتحاده فيهما وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها أي من الوحي والأحكام النازلة من الجهة العليا فيقبض منها قال أي قرأ ابن مسعود أو قال الله تعالى إذ يغشى السدرة ما يغشى قال أي ابن مسعود في تفسير قوله ما يغشى فراش أي هو فراش من ذهب يحتمل أن يكون مرفوعا أو في حكم المرفوع قال الطيبي فإن قلت كيف التوفيق بين هذا وبين قوله في غير هذا الحديث فغشيها ألوان لا أدري ما هي قلت قوله غشيها ألوان لا أدري ما هي في موقع قوله إذ يغشى السدرة ما يغشى النجم في إرادة الإبهام والتهويل وإن كان معلوما كما في قوله تعالى فغشيهم من اليم ما غشيهم طه في حق فرعون ثم قوله هنا فراش من ذهب بيان له أقول الأظهر والله أعلم أن ما يغشى أشياء كثيرة لا تحصى ومما لا يمكن أن يحاط بها ويستقصى لأن نفس السدرة إذا كانت هي المنتهى فكيف يكون إحاطة العلم بما فوقها مما يغشى وهو لا ينافي ذكر بعض ما رأى وروى وبه يجمع بين سائر الروايات والأقوال فقيل يغشاهم جم غفير من الملائكة وروي أنه أنه قال رأيت على كافة ورقة ملكا قائما يسبح وقيل فرق من الطير الخضر وهي أرواح الأنبياء وقيل غير ذلك على أن في قوله لا أدري إشارة إلى أنها لا تشبه الأعيان المشهودة المستحقرة في النفوس الموجودة فينعت لهم بذكر نظائرها ثم اعلم أن الفراش بالفتح طير معروف ومنه قوله تعالى يوم يكون الناس كالفراش المبثوث القارعة وقد قال شارح الفراش ما تراه


كصغار البق يتهافت ويتساقط في النار وقيل يحتمل أن يكون المراد بالفراش أرواح الأنبياء وهذا لا ينافي قوله في غير هذا الحديث فغشيها ألوان لا أدري ما هي لجواز أن يكون هذا أيضا مما غشيها اه وتبين البون البين بين هذه الآية وبين قوله تعالى فغشيهم من اليم ما غشيهم حيث إنه وقع الإبهام هنا لتعظيمه والعجز عن إحاطته وفي قضية فرعون إشارة إلى معلوميته وحقارته قال أي ابن مسعود فأعطي رسول الله أي تلك الليلة أو في ذلك المقام والحالة ثلاثا أي لها على ما عداها مزية كاملة أعطي الصلوات الخمس أي فرضيتها وأعطي خواتيم سورة البقرة أي إجابة دعواتها فإن قلت هذا بظاهره ينافي ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث ابن عباس بينا جبريل


قاعد عند النبي سمع نقيضا من فوقه أي صوتا فرفع رأسه فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته قلت لا منافاة فإن الإعطاء كان في السماء من جملة ما أوحى إلى عبده ما أوحى بقرينة إعطاء الصلوات الخمس في المقام الأعلى ونزول الملك المعظم لتعظيم ما أعطي وبشارة ما خص به من بين سائر الأنبياء نعم يشكل هذا بكون سورة البقرة مدنية وقضية المعراج بالاتفاق مكية فيدفع باستثناء الخواتيم من السورة فهي مدنية باعتبار أكثرها فقد نقل ابن الملك عن الحسن وابن سيرين ومجاهد إن الله تعالى تولى إيحاءها بلا واسطة جبريل ليلة المعراج فهي مكية عندهم وأما الجواب على قول الجمهور أن السورة بكمالها مدنية فقد قال التوربشتي ليس معنى قوله أعطى أنها أنزلت عليه بل المعنى أنه استجيب له فيما لقن في الآيتين من قوله سبحانه غفرانك ربنا إلى قوله أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين البقرة و ولمن يقوم بحقها من السائلين قال الطيبي في كلامه إشعار بأن الإعطاء بعد الإنزال لأن المراد منه الاستجابة وهي مسبوقة بالطلب والسورة مدنية والمعراج في مكة ويمكن أن يقال هذا من قبيل فأوحى إلى عبده ما أوحى النجم والنزول بالمدينة من قبيل وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى النجم اه وحاصله أنه وقع تكرار الوحي فيه تعظيما له واهتماما بشأنه فأوحى إليه في تلك الليلة بلا واسطة ثم أوحى إليه في المدينة بواسطة جبريل وبهذا يتم أن جميع القرآن نزل بواسطة جبريل كما أشار إليه سبحانه بقوله نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين الشعراء ويمكن أن يحمل كلام الشيخ على أن المراد هنا بالإعطاء استجابة الدعاء مما اشتمل الإتيان عليه وهو لا ينافي نزولها بعد الإسراء إليه قال الطيبي وإنما أوثر الإعطاء لما عبر عنها بكنز تحت


العرش فقد روينا عن أحمد بن حنبل أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبل وكان لنبينا مع الله تعالى مقامان يغبطهما الأولون والآخرون أحدهما في الدنيا ليلة المعراج وثانيهما في العقبى وهو المقام المحمود ولا أهتم فيهما إلا بشأن هذه الأمة المرحومة وغفر بصيغة المجهول لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات بالرفع على نيابة الفاعل وهو بكسر الحاء أي الكبائر المهلكات التي تقحم صاحبها النار إن لم يتجاوز عنه الملك الغفار والمعنى أنه وعد تلك الليلة الكاملة بهذه المغفرة الشاملة وإن نزل قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء بعد ذلك فإنه من سورة النساء وهي مدنية ولعل عدم ذكر المشيئة في الحديث لظهور القضية في حكم القديم والحديث هذا وقال ابن حجر المراد بغفرانه أنه ل


يخلد في النار بخلاف المشركين وليس المراد أنه لا تعذب أمته أصلا إذ قد علم من نصوص الشرع وإجماع أهل السنة إثبات عذاب العصاة من الموحدين اه وفيه إنه حينئذ لا يبقى خصوصية لأمته ولا مزية لملته اللهم إلا أن يقال المراد غالب هذه الأمة فإنها أمة مرحومة والله أعلم رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لقد رأيتني أي والله لقد أبصرت نفسي الأنفس أو علمت ذاتي الأقدس في الحجر أي قائما وقريش أي والحال أن جماعة من قريش تسألني عن مسراي بفتح الميم مصدر ميمي أي عن سيري إلى بيت المقدس بالضبطين فسألتني أي قريش عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها من الإثبات أي لم أحفظها ولم أضبطها لإشتغالي بأمور أهم منها فكربت بصيغة المفعول أي أحزنت كربا كذا في جميع نسخ المشكاة وهو مفعول مطلق والمعنى حزنا شديدا ويناسبه قوله ما كربت مثله أي مثل ذلك الكرب وفي القاموس الكرب الحزن يأخذ بالنفس كالكربة وكربه الغم فهو مكروب قال الطيبي كذا في المصابيح وفي شرح صحيح مسلم كربة قال النووي الضمير في قوله مثله يعود إلى معنى الكربة وهو الغم أو الهم أو الشيء قال الجوهري الكربة بالضم الغم الذي يأخذ النفس لشدته فرفعه الله أي بيت المقدس لي أي لأجلي أنظر إليه حال والمعنى رفع الحجاب بيني وبينه لأنظر إليه وأخبر الناس بما اطلعت عليه وهذا معنى كلامه مستأنفا مبينا ما يسألوني بتشديد النون وتخفف عن شيء إلا أنبأتهم أي أخبرتهم به في تلك الحالة المستحضرة ولذا لم يقل ما سألوني بصيغة الماضية وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء أي مع جمع في ليلة الإسراء كما يدل عليه السياق والسباق واللحاق وهذه الرؤية غير رؤية السماء بالاتفاق ثم قيل رؤيته إياهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم إلا عيسى لأنه ثبت أنه رفع بجسده وقد قيل في إدريس ذلك وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح ويحتمل الأجساد بأرواحها والأظهر أن صلاته لهم في بيت


المقدس كان قبل العروج قلت قد سبق أنهم أحياء عند ربهم وأن الله حرم على الأرض أن تأكل لحومهم ثم أجسادهم كأرواحهم لطيفة غير كثيفة فلا مانع لظهورهم في عالم الملك والملكوت على وجه الكمال بقدرة ذي الجلال ومما يؤيد تشكل
الأنبياء وتصورهم على وجه الجمع بين أجسادهم وأرواحهم قوله فإذا موسى قائم يصلي فإن حقيقة الصلاة وهي الإتيان بالأفعال المختلفة إنما تكون للأشباح لا للأرواح لا سيما وكالتصريح في المعنى المراد قوله فإذا رجل ضرب أي نوع وسط من الرجال أو خفيف اللحم على ما في النهاية جعد بفتح فسكون وفيه معنيان أحدهما جعودة الجسم وهو اجتماعه والثاني جعودة الشعر والأول أصح هاهنا لما جاء في رواية أبي هريرة أنه رجل الشعر كذا قاله صاحب التحرير قال النووي ويجوز أن يراد به المعنى الثاني أيضا لأنه يقال شعر رجل إذا لم يكن شديد الجعودة كأنه من رجال شنوءة وهي قبيلة مشهورة وإذا عيسى قائم يصلي فيه إيماء إلى أن الصلاة معراج المؤمن من حيث أنها حالة حضور الرب وكمال القرب في الحالات وأنواع الانتقالات وهو من أعظم اللذات عند عشاق الذات والصفا أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي نسبة إلى ثقيف قبيلة وليس هذا أخا لعبد الله بن مسعود كما في حواشي المصابيح فإنه هذلي وإذا بإبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به أخبار متعاقبة لإبراهيم قال الطيبي والمعنى أكثر الناس شبها بإبراهيم صاحبكم يعني نفسه هذا من كلام أبي هريرة أو من بعده أي يريد النبي بقوله صاحبكم نفسه وذاته إشارة إلى قوله تعالى وما صاحبكم بمجنون التكوير ثم رؤيته إياهم يصلون يحتمل أنها كانت في أثناء الإسراء إلى بيت المقدس أو في نفس المسجد الأقصى وهو المبعد الأعلى ويؤيده الفاء التعقيبية في قوله فحانت الصلاة أي دخل وقتها ولعل المراد بها صلاة التحية أو يراد بها صلاة المعراج على الخصوصية فأممتهم أي صرت لهم إماما وكنت لهم إماما في شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض فإن


قيل كيف رأى موسى عليه السلام يصلي وأم الأنبياء في بيت المقدس ووجدهم على مراتبهم في السموات فالجواب يحتمل أنه رآهم وصلى بهم في بيت المقدس ثم صعدوا إلى السماء فوجدهم فيها وأن يكون اجتماعهم وصلاته معهم بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى اه والأظهر أنه لا منع من الجمع حيث لا يخالفه العقل والسمع مع أن الأمور الخارقة للعادة عن الكيفية العقلية خارجة فقد روي أنه قيل للسيد عبد القادر رحمه الله أن قضيب البان ما يصلي فقال لا تقولوا فإن رأسه دائما على باب الكعبة ساجد وتشكله بصوره المتعددة في الأماكن المختلفة معرفة عند طبقة الصوفية فكأن الأنبياء عليهم السلام كانوا يصلون في قبورهم ويستزيدون في سرورهم بنورهم وظهورهم فلما تبين لهم اسراء سيد الأنبياء إلى جهة السماء استقبلوه واجتمعوا معه في بيت المقدس الذي هو مقر الأصفياء واقتدوا بالإمام الحي الذي هو أفضل رجال الطي ثم تقدموا بطريق المشايعة وآداب المتابعة إلى السموات وتوقف كل فيما أعطاه الله تعالى من المقامات فمر عليهم وخص كلا بالسلام عليه وهم أظهروا الترحيب والتعظيم لديه مع سائر الملائكة المقربين وحملة العرش والكروبيين إلى أن تجاوز عن سدرة المنتهى وانتهى إلى مقام كلام مبدل قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى وهذا غاية القرب ونهاية الحب ثم بمقتضى البقاء بعد الفناء والتفرقة بين الجمع والتدلي بعد الترقي والرجوع إلى


البداية بعد العروج إلى النهاية للحكم الصمدانية وللقسم الفردانية رجع عن حاله من العظمة النبوية والدولة الخاتمية واجتمع بسائر الأنبياء ثانيا ونزلوا معه متقدمين ومتأخرين وتباينا إلى أن اجتمعوا إلى المسجد الأقصى آخرا وصلى بهم صلاة مودع فاخر ثم قوله فلما فرغت من الصلاة يحتمل أن يكون قبل صعوده وأن يكون بعد شهوده قال لي قائل هو جبريل أو غيره من ملك جليل يا محمد هذا خازن النار فسلم عليه أي تعظيما لجلال الملك القهار أو تواضعا كما هو دأب الأبرار فالتفت إليه أي على قصد السلام عليه فبدأني بالسلام أي لما عرف من تعظيم المقام سبق أنه ابتدأ بالسلام عليهم تواضعا له وتكريما لهم أو لأنه كان قائما وهم قعود على ما صرح به في آدم أو لأنه كان مارا وهم وقوف وهو مختار الشيخ التوربشتي أو لأنه حي وأنهم في صورة الأموات والله أعلم بحقيقة الحالات رواه مسلم وهذا الباب خال عن الفصل الثاني أي فلا تستغرب من قوله
الفصل الثالث
عن جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول لما كذبني أي نسبني إلى الكذب قريش أي فيما ذكرت من قضية الإسراء وطلبوا مني علامات بيت المقدس وما في طريقه من الإنس قمت في الحجر أي في موضع بدىء بي الصعود أولا لينجلي لي الشهود ثانيا فجلى الله بتشديد اللام من التجلية أي فأظهر لي بيت المقدس أي وطريقه الأقدس فطفقت بكسر الفاء قبل القاف أي فشرعت أخبرهم عن آياته أي علامات بيت المقدس ودلالاته مما يكون من شواهد حالات النبي ودلائل معجزاته وأنا أنظر إليه أي كأن نظري واقع عليه وجسدي حاضر لديه متفق عليه


باب في المعجزات
المعجزة مأخوذ من العجز الذي هو ضد القدرة وفي التحقيق المعجز فاعل العجز في غيره وهو الله سبحانه وسميت دلالات صدق الأنبياء وأعلام الرسل معجزة لعجز المرسل إليهم عن معارضتهم بمثلها والهاء فيها إما للمبالغة كعلامة ونسابة وإما أن يكون صفة لمحذوف كآية وعلامة ذكره الطيبي
الفصل الأول
عن أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بصيغة الإفراد في أصح النسخ بناء على نهاية خصوصيته وغاية مزيته لا سيما في هذا المقام فإنه بالنسبة إلى أنس كالسيد والغلام نظرا إلى أنه الأستاذ وإليه الإسناد مع احتمال أن الترضية من كلام أنس وفي نسخة رضي الله عنهما جمعا بينهما لأداء حقوقهما وأصل استحقاقهما قال نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا أي كأنها فوق رؤوسنا ونحن أي أنا ورسول الله في الغار اللام للعهد الذهني نحو قوله تعالى إذ هما في الغار التوبة أي غار ثور للإختفاء من الكفار على قصد الهجرة إلى الدار قال الطيبي الغار نقب في أعلى ثور وهو جبل بمنى مكة على مسيرة ساعة أي ساعة نجومية أو المراد بها مدة قليلة قيل طلع المشركون فوق الغار في طلب سيد الأبرار فأشفق أبو بكر على رسول الله وقال إن تصب اليوم ذهب دين الله وقال أيضا من كمال الاضطراب خوفا على ذلك الجناب ما رواه أنس عنه فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدمه أي موضعها أبصرنا أي لتقابلنا فقال يا أبا بكر ما ظنك


باثنين الله ثالثهما فنزل قوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا التوبة ونسبة الإخراج إليهم لكونهم سببا لخروجه بأمر الله إياه لحكمة أراد ها الله روي أن رسول الله قال اللهم أعم أبصارهم فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون قد أخذ الله بأبصارهم عنه اه ولا يخفى أن القصة بانضمام هذه الرواية وما في معناه من قضية الحمامة والعنكبوت حيث أظهرها الله في عيونهم على باب الغار تصير معجزة هذا وقال الطيبي معنى قوله الله ثالثهما جاعلهما ثلاثة بضم نفسه تعالى إليهما في المعية المعنوية التي أشار إليها بقوله سبحانه إن الله معنا ثم قال فإن قلت أي فرق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى وهارون لا تخافا إنني معكما طه قلت بينهما بون بعيد لأن معنى قوله معكما ناصركما وحافظكما من مضرة فرعون ومعنى قول الله ثالثهما إن الله تعالى جاعلهما ثلاثة فيكون سبحانه أحد الثلاثة وإن كل واحد منهم مشترك فيما له وعليه من النصرة والخذلان فإن قلت ما الفرق بين قول الله ثالثهما وبين قوله ثالثهما الله قلت يفيد الأول أنهما مختصان بأن الله ثالثهما وليس بثالث غيرهما وفي عكسه يفيد أن الله تعالى ثالثهما لا غيره وكم بين العبارتين وقال أكمل الدين في شرح المشارق استشكل بأن في قوله ثالثهما إطلاق الثالث على الله وهو كلام حق ليس فيه زيغ وفي قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة المائدة إطلاق الثالث عليه كفر وكفر القائلون به فما سبب ذلك أجيب بأن في الحديث إضافة الثالث إلى عدد أنقص منه بواحد وذلك بمعنى التصيير وهو مصير كل شيء وفي الآية إضافته إلى عدد مثله وذلك بمعنى واحد منهم تعالى وتقدس قلت وكذا زال الإشكال به من قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم حيث لم يقل ثالثهم وخامسهم ثم رفع وهم المعية الكائنة بالحجة السيحانية


والبينة البرهانية حيث عمم الحكم بقوله ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا المجادلة الآية متفق عليه وعن البراء بن عازب صحابيان جليلان عن أبيه أنه قال لأبي بكر يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما حين سريت من سرى لغة في أسرى بمعنى السير في الليل أي حين سافرت من مكة إلى المدينة للهجرة بعد الخروج من الغار قال أسرينا ليلتنا أي جميعها ومن الغد أي وبعضه وهو نصفه كما يفيد قوله حتى قام قائم الظهيرة أي بلغت الشمس


وسط السماء ففي النهاية أي قامت الشمس وقت الزوال من قولهم قامت به دابته أي وقفت والمعنى أن الشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول فيحسب الناظر أنها قد وقفت وهي سائرة لكن سيرا لا يظهر له أثر سريع كما يظهر قبل الزوال وبعده فيقال لذلك الوقوف المشاهد قام قائم الظهيرة وخلا الطريق أي صار خاليا عن مرور الفريق لا يمر فيه أحد تأكيد لما قبله أو بيان فرفعت لنا صخرة طويلة أي أظهرت قال الطيبي ومنه رفع الحديث وهو إذاعته وإظهارته وفيه بحث لأن الحديث المرفوع خاص بما أسند إليه وسمي الحديث به لأنه يحصل له كمال الرفعة بسببه لها أي لتلك الصخرة ظل أي عظيم من صفته أنه لم تأت بالتأنيث ويذكر أي لم تحكم عليه الشمس أي بشعاعها حينئذ فنزلنا عندها أي عند الصخرة وسويت للنبي مكانا بيدي بصيغة التثنية إشعارا بزيادة الاهتمام في الخدمة ينام عليه استئناف تعليل أو صفة لمكانا وبسطت عليه فروة أي وفرشت على المكان جلدا بشعره وقلت نم يا رسول الله وأنا أنفض ما حولك بضم الفاء أي أتجسس الأخبار وأتفحص عن العدو وأرى هل هناك مؤذ من عدو وغيره من النفض الذي هو سبب النظافة من نحو الغبار وفي النهاية أي أحرسك وأطوف هل أرى طلبا يقال نفضت المكان إذا نظرت جميع ما فيه والنفضة بفتح الفاء وسكونها والنفيضة قوم يبعثون متجسسين هل يرون عدوا أو خوفا فنام وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل بالجر صفة راع ومعناه جاء من قبلنا ومن جهة قدامنا قلت أفي غنمك لبن قال نعم قلت أفتحلب بضم اللام ويجوز كسرها على ما في القاموس والمعنى أفتحلبها لي قال نعم فأخذ شاة فحلب في قعب بفتح القاف وسكون العين أي في قدح من خشب مقعر كثبة بضم الكاف وسكون المثلثة فموحدة أي قدر حلبته من لبن وقيل ملء القدح من اللبن فقوله من لبن على قصد التجريد أو لمزيد التأكيد ومعي إداوة بكسر الهمز أي ظرف ماء مطهرة أو سقاية حملتها للنبي أي خاصة أو خالصة في النية وقصد


الطوية يرتوي فيها قال التوربشتي رويت من الماء بالكسر وارتويت وترويت كلها بمعنى قال الطيبي فعلى هذا ينبغي أن يقال يرتوي منها لا فيها قلت في القاموس أن في تأتي بمعنى من أو التقدير يرتوي من الماء فيها وقال النووي معنى يرتوي فيها جعل القدح آلة للري والسقي ومنه الرواية الإبل التي يستقى عليها الماء اه فعلى هذا يكون في بمعنى الباء ثم قوله يشرب
ويتوضأ مستأنفان للبيان والجملة أعني قوله ومعي الخ حالية معترضة بين قوله فحلب وقوله فأتيت النبي أي باللبن فكرهت أن أوقظه أي أنبهه من النوم لإستغراقه فيه فوافقته بتقديم الفاء على القاف في النسخ المصححة أي تأنيت به حتى استيقظ وأبعد من قال أي فوافقته في النوم إلا أن يقال المعنى فوافقته في اختياره النوم لأن الإيقاظ نوع مخالفة له قال صاحب الخلاصة وفي بعض نسخ البخاري حين استيقظ أي وافق إتياني وقت استيقاظه ويؤيده ما في بعض الروايات فوافقته وقد استيقظ وقال شارح روي بتقديم القاف على الفاء من الوقوف والمعنى صبرت عليه وتوقفت في المجيء إليه حتى استيقظ فصببت من الماء أي بعضه على اللبن أي تبريدا حتى برد أسفله كناية عن كثرته فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت أي طاب خاطري ثم قال ألم يأن للرحيل من أنى يأني إذا دخل وقت الشيء والمعنى ألم يدخل وقت الرحيل كذا قاله شارح والأظهر في المعنى ألم يأت وقت التحويل للرحيل وهو السير الجميل إلى موضع النخيل فيطابق قوله تعالى ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله الحديد قلت بلى قال أي أبو بكر فارتحلنا بعدما مالت الشمس أي من وسط السماء وحصل برد الهواء واتبعنا بتشديد التاء الفوقية وفي نسخة بهمزة قطع وسكون فوقية أي وقد لحقنا سراقة بن مالك بضم السين قال المؤلف في فصل الصحابة هو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي الكناني كان ينزل قديدا ويعد في أهل المدينة روى عنه جماعة وكان شاعرا مجيدا فقلت أتينا بصيغة المجهول أي أتانا العدو


يا رسول الله فقال لا تحزن إن الله معنا فدعا عليه النبي قارتطمت به فرسه أي ساخت قوائمها كما تسوخ في الرمل إلى بطنها في جلد بفتحتين أي صلب من الأرض فقال إني أراكما بفتح الهمز من الرأي دعوتما علي أي بالمضرة فادعوا لي أي بالمنفعة والنجاة من المشقة فالله لكما بالرفع وفي نسخة بالنصب قال شارح هو مرفوع بالابتداء أي فالله كفيل علي لكما أن لا أهم بعد ذلك لغدركما أو فالله مستجيب والفاء للسببية وقوله أن أرد عنكما الطلب متعلق بادعوا أي لأن أرد أو منصوب بإضمار فعل أي أسأل الله لكما أن أرد عنكما الطلب أي طلب الكفار الذين طلبوكما كما وقال الأشرف الجار محذوف وتقديره بأن أرد وقوله فالله لكما حشو بينهما ويمكن أن يقال فالله مبتدأ أو لكما خبره وقوله أن أرد خبر ثان للمبتدأ أو قال غيره معناه فادعوا لي كي لا يرتطم فرسي على أن أترك طلبكما ولا أتبعكما بعد ثم دعا لهما بقوله فالله لكما أي الله تعالى حافظكما وناصركما حتى تلبغا بالسلامة إلى مقصدكما ويجوز أن يكون


معناه أدعوا لي حتى أنصرف عنكما فإن الله تعالى قد تكفل بحفظكما عني وحبسني عن البلوغ إليكما قال الطيبي الفاء في فالله تقتضي يترتب ما بعدها عليه فالتقدير أدعوا لي بأن أتخلص مما أنا فيه فإنكما إن فعلتما فالله أشهد لأجلكما أن أرد عنكما الطلب ويؤيد هذا التقدير ما في شرح السنة والله على القسم أي أقسم بالله لكما على أن أرد الطلب عنكما فدعا له النبي فنجا أي فتخلص من العناء كما رجا فجعل أي فشرع في الوفاء بما وعد لا يلقى أحدا أي من ورائهما إلا قال كفيتم بصيغة المفعول وفي نسخة لقد كفيتم أي استغنيتم عن الطلب في هذا الجانب لأني كفيتكم ذلك ما ههنا أي ليس ههنا أحد فما نافية على ما ذكره بعض الشراح وقال الطيبي ما ههنا بمعنى الذي أي كفيتم الذي ههنا اه والأول أظهر وهو أولى لما يستفاد منه التأكيد كما لا يخفى كقوله فلا يلقى أحدا إلا رده أي بهذا المعنى متفق عليه قال النووي فيه فوائد منها هذه المعجزة الظاهره لرسول الله والفضيلة الباهرة لأبي بكر رضي الله عنه من وجوه وفيه خدمة التابع للمتبوع واستصحاب الركوة ونحوها في السفر للطهارة والشرب وفيه فضل التوكل على الله تعالى وحسن عاقبته وعن أنس قال سمع عبد الله بن سلام بتخفيف اللام وهو من أجلاء الصحابة الكرام ومن أولاد يوسف عليه السلام وكان أولا من أحبار اليهود وأعلمهم بالتوراة فعلم بمقدم رسول الله بفتح الميم والدال أي بقدومه من مكة إلى المدينة وهو أي والحال أن ابن سلام في أرض أي في بستان يخترف أي يجتني من الفواكه فأتى النبي أي فجاءه فقال إني سائلك عن ثلاث أي ثلاثة أشياء لا يعلمهن إلا نبي أي أو من يأخذ منه أو من كتابه لئلا يشكل بأنه كان ممن يعلمها إما مجملا أو مفصلا ولهذا صار جوابها معجزة له وعلم يقين بنبوته عنده وهو الظاهر من إيراد الحديث في هذا الباب ويمكن أن يكون قد تحقق عنده معجزات أخر منضمة إلى هذا الجواب والله أعلم بالصواب فما أول أشراط الساعة أي


علاماتها وما أول طعام أهل الجنة وما ينزع بكسر الزاي يقال نزع الولد إلى أبيه إذا أشبهه ذكره في الغريبين فالمعنى وما يشبهه الولد بالنصب إلى أبيه أو إلى أمه أو للتنويع ولعل المراد قومها أو أصل الشبه أو الحكم غالبي عادي وفي نسخة برفع الولد وإليه يشير ما قال الطيبي أي ما سبب نزوع الولد وميله إلى أحد الأبوين فحذف المضاف وأن
المصدرية من المضارع كما في قوله أحضر الوغى اه والأظهر ما قال شارح معناه أي شيء يجذب الولد إلى أبيه في الشبه قال أخبرني بهن جبريل قاله دفعا لتوهم أنه سمع من بعض علماء أهل الكتاب آنفا بالمد ويقصر أي هذه الساعة أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس أي تجمعهم من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة أي المسمى بنزلا المعبر عنه بما حضر وهو مقدمة بقية النعمة فزيادة كبد حوت أي طرفها وهي أطيب ما يكون من الكبد وقد يقال إنه الحوت الذي على ظهره الأرض وإذا جعل الأرض طعمة لأهل الجنة فالحوت كالأدام لهم كذا ذكره شارح وهو مشعر بأن هذه الطعمة يوم القيامة لأهل الجنة وإذا سبق ماء الرجل أي علا وغلب ماء المرأة نزع الولد بالنصب أي جذب الرجل أو ماؤه الولد إلى شبهه ويرفع وإذا سبق ماء المرأة نزعت أي جذبت المرأة الولد وفي نسخة برفع الولد وإليه ينظر ما قال المظهر يعني إذا غلب ماء الرجل أشبهه الولد وإذا غلب ماء المرأة أشبهها الولد قال الطيبي فعلى هذا التأنيث في نزعت بتأويل السمة وقال شارح قوله نزعت أي جذبت المرأة بالولد إلى مشابهتها بسبب غلبة مائها أو جذبت ماءها فأكسب التأنيث من المضاف إليه اه وأما نسبة الذكورة والأنوثة فباعتبار مسابقة ماء الرجل وعكسه على ما ورد في حديث آخر قال أي ابن سلام أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ثم استأنف وقال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت بضم موحدة وسكون هاء في النهاية هو جمع بهوت من بناء المبالغة في البهتان كصبور وصبر ثم سكن تخفيفا وإنهم إن


يعلموا بإسلامي من قبل أن تسألهم أي عني يبهتوني بتشديد النون ويخفف أي يبهتونني كما في بعض النسخ المصححة أي ينسبوني إلى البهتان ويجعلوني مبهوتا حيران ولم يكن إسلامي عليهم حجة واضحة البرهان فجاءت اليهود أي بإحضارهم أو اتفاقا في مأتاهم وابن سلام في اختفاء عنهم فقال أي النبي عليه الصلاة والسلام أي رجل عبد الله فيكم أي فيما بينكم أو في زعمكم ومعتقدكم قالوا خيرنا وابن خيرنا أي في الحسب من العلم والصلاح وسيدنا وابن سيدنا أي في النسب أو في سائر مكارم الأخلاق قال أرأيتم أي أخبروني إن أسلم عبد الله بن سلام أي فهل تسلمون قالوا أعاذه الله من ذلك أي معاذ الله أن يتصور هذا منه فخرج عبد الله


فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقالوا شرنا أي هو شرنا وابن شرنا فانتقصوه من النقص وهو العيب قال هذا أي هذا الانتقاص هو الذي كنت أخاف أي أحذره وحملتك على سؤالهم تصديقا لحالهم وشهادة على مقالهم يا رسول الله رواه البخاري وعنه أي عن أنس رضي الله عنه قال إن رسول الله شاور أي أهل المدينة للامتحان حين بلغنا إقبال أبي سفيان أي بالعير من الشام إلى مكة وقام سعد بن عبادة أي وقد قام من بين الصحابة وهو رئيس الأنصار وقال ما قال مما سيأتي وإنما خص بالقيام لأن سبب الاستشارة اختبار الأنصار لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن قصده فلما عرض له الخروج لعير أبي سفيان أراد أن يعلم أنهم يوافقونه على ذلك أم لا فأجابوا أحسن جواب بالموافقة التامة في هذه المرة وفي غيرها وفيه حث على استشارة الأصحاب وأهل الرأي والخبرة قال الطيبي وذلك أن قريشا أقبلت من الشام فيها تجارات عظيمة ومعه أربعون راكبا منهم أبو سفيان فأعجب المسلمين تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم فلما خرجوا بلغ مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة فقيل له إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال لا والله فمضى بهم إلى بدر ونزل جبريل فأخبر أن الله وعدكم إحدى الطائفتين فقال رسول الله إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقام سعد بن عبادة فقال يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها بضم النون وكسر الخاء أي ندخل الدواب بقرينة المقام ودلالة المرام البحر لأخضناها قال القاضي الإخاضة الإدخال في الماء والكناية للخيل والإبل وإن لم يجر ذكرها بقرينة الحال ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها قال القاضي ضرب الأكباد عبارة عن تكليف الدابة للسير بأبلغ مما يمكن فالمعنى لو أمرتنا بالسير البليغ والسفر السريع إلى


برك الغماد أي مثلا من المواضع البعيدة وهو بفتح الموحدة وضم الغين المعجمة ويكسران قال شارح ومنهم من يجعل كسر الغين وكسر الباء أصح الروايتين
قال النووي هو بفتح الباء وإسكان الراء هو المشهور في كتب الحديث وروايات المحدثين وقال القاضي عياض عن بعض أهل اللغة صوابه كسر الباء وكذا قيد شيوخ حديث أبي ذر في البخاري واتفقوا على أن الراء ساكنة إلا ما حكاه القاضي عن الأصيلي بإسكانها وفتحها وهذا غريب ضعيف والغماد بكسر الغين المعجمة وضمها لغتان مشهورتان وأهل الحديث على ضمها واللغة على كسرها قلت رواية المحدثين أرجح وللاعتماد أصح قال وهو موضع بأقصى هجر واختار غيره أنه موضع من وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل وقيل بلد من اليمن ثم قوله لفعلنا جواب لو ولعل وجه العدول عن ضربنا أكبادها إليه للإيجاز أو للإيماء إلى أن كل أمر صعب كالسير في بحر والسفر في بر لو أمرتنا بفعله لفعلنا قال أي أنس فندب أي فدعا رسول الله الناس أي المهاجرين والأنصار فإنهم كانوا هم الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا وهو مشهد معروف ويأتي بيانه فقال رسول الله أي لأصحابه هذا مصرع فلان أي مقتل فلان من الكفار وهذا مهلك فلان وهذا مطرح فلان حتى عد سبعين منهم ويضع يده على الأرض ههنا وههنا إشارة إلى خصوص تلك القطع من الأرض لزيادة توضيح المعجزة قال أي أنس فما ماط أي ما زال وبعد وتجاوز أحدهم أي من الكفار عن موضع رسول الله رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال وهو أي والحال أنه في قبة يوم بدر الحديث من جملة مراسيل الصحابة لأن ابن عباس ما حضر بدرا والجملة حالية معترضة بين القول ومقوله وهو قوله اللهم أنشدك بضم الشين أي أطلبك وأسألك عهدك أي أمانك ووعدك أي انجازه اللهم إن تشأ أي عدم العبادة أو عدم الإسلام أو هلاك المؤمنين لا تعبد بالجزم على جواب الشرط بعد اليوم لأنه لا يبقى على وجه الأرض مسلم وفيه إشعار بأن الله سبحانه لا يجب


عليه شيء مع أنه لا خلف في وعده بل ولا في وعيده من حيث إنه لا يجوز الخلف في خبره فالخوف إنما هو لاحتمال استثناء مقدر أو قيد مقرر أو وقت محرر وهذا مجمل المرام في هذا المقام وأما تفصيل الكلام فقد قال التوربشتي يقال نشدت فلانا أنشده نشدا إذا قلت له أنشدتك الله أي سألتك بالله وقد يستعمل في موضع السؤال والعهد ههنا بمعنى الأمان يريد أسألك أمانك وإنجاز وعدك الذي وعدتنيه بالنصر فإن قيل كان النبي أعلم الناس بالله وقد علم أن الله سبحانه لم يكن


ليعده وعدا فيخلفه فما وجه هذا السؤال قلنا الأصل الذي لا يفارق هذا الحكم هو أن الدعاء مندوب إليه علم الداعي حصول المطلوب أو لم يعلم ثم إن العلم بالله يقتضي الخشية منه ولا ترفع الخشية من الأنبياء عليهم السلام بما أوتوا ووعدوا من حسن العاقبة فيجوز أن يكون خوفه من مانع ينشأ ذلك من قبله أو من قبل أمته فيحبس عنهم النصر الموعود ويحتمل أنه وعد بالنصر ولم يعين له الوقت وكان على وجل من تأخر الوقت فتضرع إلى الله تعالى لينجز له الوعد في يومه ذلك وأما ما أظهر من الضراعة فقيل الأحسن أن يقال إن مبالغة رسول الله في السؤال مع عظم ثقته بربه وكمال علمه كان به تشجيع للصحابة وتقوية لقلوبهم لأنهم كانوا يعرفون أن دعاءه لا محالة مستجاب لا سيما إذا بالغ فيه قلت وفيه إشعار بأن من لم يقدر على المحاربة أو لم يؤمر بالمقاتلة فينبغي له حينئذ أن يدعو بالنصرة ليحصل له ثواب المشاركة فإنه لما رأى أصحابه أنهم توجهوا إلى الخلق رجع بنفسه إلى الذات المطلق وراجع ربه في طلب الحق قال الطيبي المراد بالوعد ما في قوله تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم الأنفال ولعله استحضر معنى قوله تعالى إن الله لغني عن العالمين العنكبوت وقوله سبحانه والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم فاطر فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك أي يكفيك ما دعوت يا رسول الله ألححت على ربك أي بالغت في السؤال والجملة استئناف بيان للحال فخرج أي النبي من قبته وهو يثب بكسر المثلثة المخففة قبل الموحدة من الوثوب أي يسرع فرحا ونشاطا في الدرع أي حال كونه في درعه للمحافظة وعلى نية المقاتلة وهو يقول أي يقرأ ما نزل عليه سيهزم الجمع أي جمع الكفار ويولون أي ويدبرون الدبر بضمتين أي الظهر وقال شارح بضم الباء وسكونها ثم الجملة الثانية تأكيد للأولى ويمكن أن تكون الهزيمة كناية عن المغلوبية والمعنى سيغلب الجمع بل الحمل عليه أولى مراعاة للتأسيس كما لا يخفى رواه البخاري


وكذا النسائي وعنه أي عن ابن عباس أن النبي قال يوم بدر قال النووي بدر ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة بينها وبين مكة قال ابن قتيبة هو بئر كانت لرجل يسمى بدرا وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان في السنة الثانية من الهجرة هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أي على جبريل أداة الحرب أي آلته ولعله
أظهر لأنس حتى أبصره كما يشير إليه قوله هذا لأنه في الأصل موضوع للمحسوس وبهذا يتبين وجه إيراد الحديث في باب المعجزات رواه البخاري وعنه أي عن ابن عباس رضي الله عنه قال بينما رجل أي أنصاري من المسلمين يومئذ يشتد أي يسرع ويعدو في أثر رجل بكسر الهمز وسكون المثلثة وفي نسخة بفتحهما أي في عقب رجل من المشركين أمامه أي واقع قدامه إذ سمع أي المسلم فالحديث من مراسيل الصحابة كما يدل عليه آخره ضربة أي صوت ضربة بالسوط فوقه أي فوق المشرك وصوت الفارس يقول أقدم بفتح الهمزة وكسر الدال بمعنى اعزم حيزوم أي يا حيزوم وهو اسم فرسه وفي نسخة بضمهما بمعنى تقدم قال النووي هو بهمزة قطع مفتوحة وبكسر الدال من الإقدام قالوا وهي كلمة زجر للفرس أقول فكأنه يؤمر بالإقدام فإنه ليس له فهم الكلام وأما بالنسبة إلى فرس الملك فيمكن حمله على الحقيقة أو على خرق العادة ويؤيده النداء باسمه والله أعلم ثم قال وقيل بضم الدال وبهمزة وصل مضمومة من التقدم والأول أشهرهما وحيزوم اسم فرس الملك وهو منادى بحذف حرف النداء وقال شارح سمي بأقوى ما يكون من الأعضاء منه وأشد ما يستظهر به الفارس في ركوبه منه وهو وسط الصدر وما يضم عليه الحزام قلت ويمكن أن يكون فيعول للمبالغة من مادة الحزم وهو شدة الاحتياط في الأمر إذ نظر أي المسلم إلى المشرك أمامه خر مستلقيا أي سقط على قفاه فإذا هو أي المشرك قد خطم بضم الخاء المعجمة من الخطم وهو الأثر على الأنف فقوله أنفه للتأكيد أو إيماء إلى التجريد وقال شارح المصابيح أي كسر فظهر أثره اه وهو يشعر بأن


رواية المصابيح بالحاء المهملة كما لا يخفى والحاصل أنه جرح أنفه وشق وجهه أي قطع طولا كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع بتشديد الراء أي صار موضع الضرب كله أخضر أو أسود فإن الخضرة قد تستعمل بمعنى السواد كعكسة للمبالغة
ومن قبيل الثاني قوله تعالى مدهامتان الرحمن فجاء الأنصاري فحدث رسول الله فقال صدقت فيه أن هذا الكشف كرامة للصحابي وكرامة الأتباع بمنزلة معجزة المتبوع لا سيما ووقوعه في حضرته حصوله لأجل بركته أو يقال أخبر الصحابي وهو ثقة بنقل صحيح عما يدل على نزول الملك للمعاونة وقد صدقه الصادق المصدوق في هذه المقالة فيصح عده من المعجزة ثم في قوله ذلك من مدد السماء الثالثة تنبيه على أن المدد كان من السموات كلها وهذا من الثالثة خاصة فالإشارة إلى الملك في ذلك وهو مبتدأ خبره ما بعده وأغرب الطيبي حيث أعرب وقال ذلك مفعول صدقت وقال إشارة إلى المذكور من قوله سمع ضربة الخ فقتلوا أي المسلمون يومئذ سبعين وأسروا سبعين وفي نسخة على بناء المفعول فيهما فضميرهما راجع إلى المشركين رواه مسلم وعن سعد بن أبي وقاص قال رأيت عن يمين رسول الله وعن شماله يوم أحد رجلين الظاهر أنهما على سبيل التوزيع بأن يكون كل منهما على جانب منه وإلا لكانوا أربعة عليهما ثياب بيض يقاتلان كأشد القتال الكاف زائدة للتأكيد ذكره الطيبي ولا يظهر وجه كونه للتأكيد والأظهر أن معناه قتالا مثل أشد قتال رجال الإنس ما رأيتهما قبل ولا بعد أي فتعين أنهما من الملائكة وقوله يعني جبريل وميكائيل من قول الراوي أدرجه بيانا ولعله عرف ذلك من دليل رواه البخاري وعن البراء قال بعث رسول الله رهطا قال شارح الرهط ما دون العشرة من الرجال ليست فيهم امرأة وفي القاموس الرهط ويحرك من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه إلى أبي رافع قال القاضي كنيته أبو الحقيق اليهودي أعدى عدو رسول الله نبذ عهده وتعرض له بالهجاء وتحصن عنه


بحصن كان له فبعثهم إليه ليقتلوه فدخل عليه عبد الله بن عتيك بفتح فكسر بيته ليلا وهو نائم
فقتله فقال عبد الله بن عتيك أي في صفة قتله فوضعت السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره قال الطيبي عداه بفي ليدل على شدة التمكن وأخذه منه كل مأخذ وإليه أشار بقوله حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب ولعله بعد فتحها أولا ردها حفظا لما وراءه أو طلع عليه من طريق آخر حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلي أي على ظن أني وصلت الأرض فوقعت أي سقطت من الدرجة في ليلة مقمرة بضم الميم الأولى وكسر الثانية أي مضيئة قال الطيبي يعني كان سبب وقوعه على الأرض أن ضوء القمر وقع في الدرج ودخل فيه فحسب أن الدرج مساو للأرض فوقع منه على الأرض فانكسرت ساقي فعصبتها بتخفيف الصاد ويشدد للمبالغة والتكثير أي شددتها بعمامة بكسر العين فانطلقت إلى أصحابي أي من الرهط الواقفين أسفل القلعة فانتهيت إلى النبي أي مع أصحابي فحدثته أي بما جرى لي وعلي فقال ابسط رجلك أي مدها فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها قط أي كأنها لم تتوجع أبدا رواه البخاري وعن جابر رضي الله عنه قال إنا أي نحن معاشر الأصحاب كنا يوم الخندق نحفر أي الأرض حول المدينة بيننا وبين الأعداء فعرضت أي ظهرت في عرض الأرض معارضا لمقصدنا كدية بضم الكاف وسكون الدال أي قطعة شديدة أي صلبة لا يعمل فيها الفأس فجاؤوا النبي فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق فقال أنا نازل أي في الخندق وبطنه معصوب أي مربوط بحجر أي من شدة الجوع ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا بفتح أوله أي مأكولا ومشروبا وهو فعال بمعنى مفعول من الذوق يقع على المصدر والاسم والجملة معترضة لبيان سبب ربط الحجر فأخذ النبي المعول بكسر الميم وفتح الواو بالفارسي كلند قاله شارح وفي القاموس المعول كمنبر الحديدة ينقر بها الجبال


فضرب فعاد أي انقلب الحجر وصار كثيبا أي رملا أهيل أي سائلا ومنه قوله تعالى وكانت الجبال كثيبا مهيلا المزمل قال القاضي والمعنى أن الكدية التي عجزوا عن رضها صارت بضربة واحدة ضربها رسول الله كتل من الرمل مصبوب سيال فانكفأت إلى امرأتي أي انقلبت وانصرفت إلى بيتها فقلت هل عندك شيء أي من المأكول فإني رأيت بالنبي خمصا بفتحتين ويسكن الثاني واقتصر عليه القاضي وسكت عنه الطيبي أي جوعا وسمي به لأن البطن يضمر به وفي المشارق لعياض رأيت به خمصا بفتح الميم أي ضمورا في بطنه من الجوع ويعبر بالخمص عن الجوع أيضا وقال السيوطي قوله خمصا بفتح المعجمة والميم وقد يسكن ومهملة اه والمراد به أثر الجوع وعلامته من ضمور البطن أو صفار الوجه ونحو ذلك من طول مكثهم وشدة كدهم على غير ذواق من غاية ذوقهم ونهاية شوقهم شديدا فأخرجت أي المرأة جرابا بكسر الجيم فيه صاع أي قدر صاع من شعير ولنا بهمة بفتح موحدة وسكون هاء قال النووي هي الصغيرة من أولاد الضأن ويطلق على الذكر والأنثى كالشاة وفي نسخة بهيمة وهي أصل المصابيح قال شارح له هي تصغير بهمة بفتح الباء وسكون الهاء ولد الضأن وقيل ولد الشاة أول ما تضعه أمه وقيل السخلة وهي ولد المعز داجن أي سمينة قاله صاحب المواهب وفي شرح مسلم ما ألف البيت ويؤيده ما في القاموس دجن بالمكان دجونا أقام والحمام والشاة وغيرهما ألفت وهي داجن فذبحتها وطحنت أي المرأة الشعير وفي نسخة بصيغة المتكلم والأول أوفق لقيام كل من الرجل والمرأة بخدمة تليق به مع تحقق المسارعة كما يدل عليه رواية البخاري ففرغت إلى فراغي اللهم إلا أن يؤول ويقال معناه أمرتها أو غيرها بالطحن حتى جعلنا أي بالاتفاق اللحم في البرمة أي القدر من الحجر وقيل هي القدر مطلقا وأصلها المتخذ من الحجر ثم جئت النبي فساررته قال النووي فيه جواز المسارة بالحاجة في حضرة الجماعة وإنما المنهي أن يناجي اثنان دون الثالث اه وفيه بحث لا يخفى والأظهر


أن يقال إنما محل النهي توهم ضرر للجماعة فقلت يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا بالتصغير هنا للتحقير في جنب عظمة الضيف الكبير وطحنت بالوجهين صاعا من شعير والمقصود أن هذا قدر يسير وأصحابك كثير فتعال أنت ونفر معك وهو ما دون العشرة من الرجال ويطلق على الناس كلهم على ما في القاموس وكأنه نظر إلى المعنى الثاني لما فيه من الأمر الرباني فصاح النبي يا أهل الخندق إن جابرا
صنع سورا بضم فسكون واو أي طعاما وفي القاموس السور الضيافة فارسية شرفها النبي فحي بتشديد الياء المفتوحة هلا بفتح الهاء واللام منونة وفي نسخة بغير تنوين والباء في بكم للتعدية أي اسرعوا بأنفسكم إليه قال النووي السور بضم السين غير مهموز هو الطعام الذي يدعى إليه وقيل الطعام مطلقا وهي لفظة فارسية وقد تظاهرت أحاديث صحيحة بأن رسول الله تكلم بالألفاظ الفارسية وهو يدل على جوازه وأما حي هلا فهو بتنوين هلا وقيل بلا تنوين على وزن علا ويقال حي هل ومعناه عليكم بكذا وأدعوكم بكذا وفي القاموس بسط لهذا المبنى والمعنى ولكن اقتصرنا على ما ذكرنا بناء على أن الجوع معنا والتعطش لما هنا فقال رسول الله لا تنزلن بضم التاء واللام برمتكم ولا تخبزن بفتح التاء وكسر الباء وضم الزاي عجينتكم حتى أجيء أي إلى بيتكم وجاء فأخرجت له أي أنا وفي نسخة بصيغة الواحدة عجينا أي قطعة من العجين فبصق فيه قال النووي هو بالصاد في أكثر الأصول وفي بعضها بالسين وهي لغة قليلة اه والمعنى رمى بالبزاق فيه وبارك أي ودعا بالبركة فيه ثم عمد بفتح الميم أي قصد إلى برمتنا فبصق أي فيها كما في نسخة وبارك ثم قال ادعي بهمز وصل مضموم وكسر عين أمر مخاطبة من دعا يدعو أي اطلبي خابزة قال النووي جاء في بعض الأصول ادعي على خطاب المؤنث وهو الصحيح الظاهر ولهذا قال فلتخبز معك يعني لروايته كسر الكاف وفي بعضها ادعوا بالواو أي اطلبوا وفي بعضها ادع واقدحي بفتح الدال أي اغرفي من برمتكم قال التوربشتي


يقال قدحت المراق أي غرفته ومنه المقدح وهو المغرفة سلك بالخطاب مسلك التلوين فخاطب به ربة البيت قال الطيبي لعله في نسخته فلتخبز معي بالإضافة إلى ياء المتكلم كما هو في بعض نسخ المصابيح فحمله على ما ذهب إليه وقد علم من كلام النووي أن معي لم ترد في رواية وإذا ذهب إلى ادعي فلتخبز معك لم يكن من تلوين الخطاب في شيء اه وهو غريب منه إذ مراد الشيخ أنه خاطبهم بصيغة الجمع أولا بقوله لا تنزلن ولا تخبزن ثم قال ادعي فلتخبز معك ثم قال واقدحي من برمتكم بالجمع بين الإفراد والجمع ثم قال ولا تنزلوها بصيغة الجمع المذكر على طريق الأول على سبيل التغليب فأي تلوين أكثر من هذا مع أن في الالتفات إليها بالأمر الخاص إشارة إلى أنها ربة البيت غير خارجة عن سنن الاستقامة في المقام وبهذا التقرير والتحرير تبين لك أنه لا فرق بين قوله فلتخبز معك أو معي في تلوين الكلام والله أعلم بحقيقة المرام قال جابر وهم أي عدد أصحابه ألف أي ألف رجل أكال في جوع ثلاثة أيام وليال فأقسم بالله لأكلوا أي من ذلك الطعام حتى تركوه أي متفضلا وانحرفوا أي وانصرفوا وإن برمتنا لتغط بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي لتفور وتغلي ويسمع غليانا كما هي أي ممتلئة


على هيئة الأولى فخبر هي محذوف والمعنى تغلي غليانا مثل غليان هي عليه قبل ذلك قال الطيبي ما كافة وهي مصححة لدخول الكاف على الجملة وهي مبتدأ والخبر محذوف أي كما هي قبل ذلك وإن عجيننا ليخبز كما هو أي كما هو في الصحفة كأنه ما نقص منه شيء قال النووي قد تظاهرت الأحاديث بمثل هذا من تكثير طعام القليل ونبع الماء وتكثيره وتسبيح الطعام وحنين الجذع وغير ذلك مما هو معروف حتى صار مجموعها بمنزلة التواتر وحصل العلم القطعي به وقد جمع العلماء أعلاما من دلائل النبوة في كتبهم كالقفال الشاشي وصاحبه أبي عبد الله الحليمي وأبي بكر البيهقي وغيرهم مما هو مشهور وأحسنها كتاب البيهقي ولله الحمد على ما أنعم به على نبينا وعلينا بإكرامه متفق عليه وعن أبي قتادة صحابي مشهور أن رسول الله قال لعمار أي ابن ياسر حين يحفر الخندق حكاية حال ماضية فجعل يمسح رأسه أي رأس عمار عن الغبار ترحما عليه من الأغيار ويقول بؤس بضم موحدة وسكون همز ويبدل وبفتح السين مضافا إلي ابن سمية وهي بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية أم عمار وهي قد أسلمت بمكة وعذبت لترجع عن دينها فلم ترجع وطعنها أبو جهل فماتت ذكره ابن الملك وقال غيره كانت أمه ابنة أبي حذيفة المخزومي زوجها ياسرا وكان حليفه فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفه أي يا شدة عمار احضري فهذا أوانك واتسع في حذف حرف النداء من أسماء الأجناس وإنما يحذف من أسماء الأعلام وروي بؤس بالرفع على ما في بعض النسخ أي عليك بؤس أو يصيبك بؤس وعلى هذا ابن سمية منادى مضاف أي يا ابن سمية وقال شارح المعنى يا شدة ما يلقاه ابن سمية من الفئة الباغية نادى بؤسه وأراد نداءه ولذا خاطبه بقوله تقتلك الفئة الباغية أي الجماعة الخارجة على إمام الوقت وخليفة الزمان قال الطيبي ترحم عليه بسبب الشدة التي يقع فيها عمار من قبل الفئة الباغية يريد به معاوية وقومه فإنه قتل يوم صفين وقال ابن الملك اعلم أن عمارا قتله معاوية


وفئته فكانوا طاغين باغين بهذا الحديث لأن عمارا كان في عسكر علي وهو المستحق للإمامة فامتنعوا عن بيعته وحكي أن معاوية كان يؤول معنى الحديث ويقول نحن فئة باغية طالبة لدم عثمان وهذا كما ترى تحريف إذ معنى طلب الدم غير مناسب هنا لأنه ذكر الحديث في إظهار فضيلة عمار وذم قاتله لأنه جاء في طريق ويح قلت ويح كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم
عليه ويرثى له بخلاف ويل فإنها كلمة عقوبة تقال للذي يستحقها ولا يترحم عليه هذا وفي الجامع الصغير برواية الإمام أحمد والبخاري عن أبي سعيد مرفوعا ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار وهذا كالنص الصريح في المعنى الصحيح المتبادر من البغي المطلق في الكتاب كما في قوله تعالى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي النحل وقوله سبحانه فإن بغت إحداهما على الأخرى الحجرات فإطلاق اللفظ الشرعي على إرادة المعنى اللغوي عدول عن العدل وميل إلى الظلم الذي هو وضع الشيء في غير موضعه والحاصل أن البغي بحسب المعنى الشرعي والإطلاق العرفي خص من عموم معنى الطلب اللغوي إلى طلب الشر الخاص بالخروج المنهي فلا يصح أن يراد به طلب دم خليفة الزمان وهو عثمان رضي الله عنه وقد حكي عن معاوية تأويل أقبح من هذا حيث قال إنما قتله علي وفئته حيث حمله على القتال وصار سببا لقتله في المآل فقبل له في الجواب فإذن قاتل حمزة هو النبي حيث كان باعثا له على ذلك والله سبحانه وتعالى حيث أمر المؤمنين بقتال المشركين والحاصل أن هذا الحديث فيه معجزات ثلاث إحداها أنه سيقتل وثانيها أنه مظلوم وثالثها أن قاتله باغ من البغاة والكل صدق وحق ثم رأيت الشيخ أكمل الدين قال الظاهر أن هذا أي التأويل السابق عن معاوية وما حكي عنه أيضا من أنه قتله من أخرجه للقتل وحرضه عليه كل منهما افتراء عليه أما الأول فتحريف للحديث وأما الثاني فلأنه ما أخرجه أحد بل هو خرج بنفسه وماله مجاهدا في سبيل الله قاصدا


لإقامة الفرض وإنما كان كل منهما افتراء على معاوية لأنه رضي الله عنه أعقل من أن يقع في شيء ظاهر الفساد على الخاص والعام قلت فإذا كان الواجب عليه أن يرجع عن بغية بإطاعته الخليفة ويترك المخالفة وطلب الخلافة المنيفة فتبين بهذا أنه كان في الباطن باغيا وفي الظاهر متسترا بدم عثمان مراعيا مرائيا فجاء هذا الحديث عليه ناعيا وعن عمله ناهيا لكن كان ذلك في الكتاب مسطورا فصار عنده كل من القرآن والحديث مهجورا فرحم الله من أنصف ولم يتعصب ولم يتعسف وتولى الاقتصاد في الاعتقاد لئلا يقع في جانبي سبيل الرشاد من الرفض والنصب بأن يحب جميع الآل والصحب رواه مسلم وعن سليمان بن صرد بضم ففتح مصروفا قال قال النبي حين أجلي بصيغة الفاعل وفي نسخة بالمفعول أي تفرق وانكشف الأحزاب عنه وهم طوائف من الكفار


تحزبوا واجتمعوا لحرب سيد الأبرار في يوم الخندق ومنهم قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن وعامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله تعالى النصر بأن أرسل عليهم ريح الصبا وجنودا لم يروها وهم الملائكة وقذف في قلوبهم الرعب فقال طلحة بن خويلد الأسدي النجاء النجاء فانهزموا من غير قتال وهذا معنى الإجلاء فقال النبي أي حينئذ الآن أي فيما بعد هذا الزمان وعبر عنه بالآن للمبالغة في البيان نغزوهم أي ابتداء ولا يغزونا بتشديد النون ويخفف أي ولا يغزوننا كما في نسخة والمعنى لا يحاربوننا ففيه مشاكلة للمقابلة نحن نسير إليهم أي وهم لا يسيرون إلينا وكان الأمر كما أخبر فغزاهم بعد صلح الحديبية وفتح مكة وحصلت له الغلبة ولله الحمد والمنة قال الطيبي قوله الآن نغزوهم إخبار بأنه فل شوكة المشركين من اليوم فلا يقصدوننا البتة بعد بل نحن نغزوهم ونقتلهم ويكون عليهم دائرة السوء وكان كما قال فكان معجزة رواه البخاري وعن عائشة قالت لما رجع رسول الله من الخندق ووضع السلاح أي عن نفسه واغتسل أي أراد أن يغتسل أتاه جبريل وهو أي النبي أو جبريل وهو في اللفظ أقرب وفي معنى الحث أنسب ينفض رأسه من الغبار فقال أي جبريل قد وضعت السلاح والله ما وضعته أخرج إليهم أي إلى الكفار وأبهمهم فقال النبي فأين أي أين أقصد وإلى من أخرج فأشار إلى بني قريظة وهم طائفة من اليهود حول المدينة وقد نقضوا العهد وساعدوا الأحزاب فخرج النبي إليهم أي ونصره الله عليهم وكيفية نصرته وبيان قصته في كتب السير وبعض التفاسير مبسوطة وما وقع له في كل قضية من المعجزات مضبوطة متفق عليه وفي رواية للبخاري قال أنس كأني أنظر إلى الغبار ساطعا أي مرتفعا في


زقاق بني غنم بفتح غين معجمة وسكون نون قبيلة من الأنصار والزقاق بضم الزاي السكة موكب جبريل عليه السلام بالنصب على نزع الخافض على ما في صحيح البخاري وشرح السنة وأكثر نسخ المصابيح وفي بعضها بإثبات من والموكب بفتح الميم وكسر الكاف جماعة ركاب يسيرون برفق على ما في النهاية حين سار رسول الله إلى بني قريظة الظاهر أن ذلك الزقاق كان مهجورا من سير الناس فيه فرؤية الغبار الساطع منه تدل على أنه من أثر جند الملائكة والغالب أن رئيسهم جبريل عليه السلام وهو معهم أو هو مع النبي وإضافتهم إليه لأنهم كالأتباع له وعن جابر قال عطش الناس بكسر الطاء يوم الحديبية بالتخفيف أفصح ورسول الله بين يديه ركوة أي ظرف ماء من مطهرة أو سقاية فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه أي إلى جانب جنابه طالبين فتح الخير من بابه قالوا استئناف بيان ليس عندنا ماء بالمد نتوضأ به ونشرب أي منه إلا ما في ركوتك أي من الماء فما مقصورة موصولة والاستثناء يحتمل الاتصال والانقطاع ثم في القضية جملة مطوية وهي أن من المعلوم بحسب العادة أن ماء الركوة لم يكف الجماعة فوضع النبي يده في الركوة أي في جوفها أو في فمها فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون أي التي تخرج من بين صخور الجبال أو عروق الأرض قال فشربنا وتوضأنا أي جميعنا فطوبى لهم من طهارة الظاهر والباطن من ذلك الماء الذي هو أفضل من جنس الماء المعين والله الموفق والمعين قيل لجابر كم كنتم أي يومئذ حتى كفاكم ولما كان هذا السؤال غير مناسب في مقام المعجزة قال أي أولا في الجواب لو كنا مائة ألف أي مثلا لكفانا ثم قال تتميما لفصل الخطاب كنا خمس عشرة مائة قال الطيبي عدل عن الظاهر لاحتماله التجوز في الكثرة والقلة وهذا يدل على أنه اجتهد فيه وغلب ظنه على هذا المقدار وقول البراء في الحديث الذي يتلو هذا الحديث كنا أربع عشرة مائة كان عن تحقيق لما سبق في الفصل الثاني من باب قسمة الغنائم أن أهل


الحديبية كانوا ألفا وأربعمائة تحقيقا وقول من قال هم ألف وخمسمائة وهم وقال الحافظ السيوطي الجمع أنهم كانوا أربعمائة وزيادة لا تبلغ المائة فالأول ألغى
الكسر والثاني جبره ومن قال ألفا وثلاثمائة فعلى حسب اطلاعه وقد روي ألفا وستمائة وألفا وسبعمائة وكأنه على ضم الأتباع والصبيان ولابن مردويه عن ابن عباس كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين وهذا تحرير بالغ والله أعلم متفق عليه وعن البراء بن عازب قال كنا مع رسول الله أربع عشرة مائة يوم الحديبية والحديبية بئر بالهمز ويبدل فنزحناها أي نزعنا ماءها فلم نترك قطرة فبلغ النبي أي خبر نفاد مائها فأتاها فجلس على شفيرها أي طرفها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه أي مجه فيها ثم قال دعوها أي اتركوها ساعة لعله للإشارة إلى أن ساعة الإجابة وقعت تدريجية وأن المراد بها الساعة النجومية لا اللغوية أو المدة القليلة بحسب الإطلاقات العرفية فأرووا أي أسقوا سقيا كاملا أنفسهم وركابهم أي إبلهم أو مركوبهم واستمروا على ذلك حتى ارتحلوا أي سافروا عنها والظاهر أن قضية جابر متقدمة على هذه القضية وأن المعجزة في الحديبية متكررة والعجب من الناس عموما وخصوصا أنهم ما ضبطوا هذه البئر ولا جعلوا عليها من البناء الكبير رجاء للخير الكثير مع أنها قريبة من مكة على طرف حدة في طريق جدة رواه البخاري وعن عوف لم يذكره المصنف ولعله من أتباع التابعين عن أبي رجاء هو عمران بن تميم العطاردي أسلم في حياة النبي وروى عن عمر وعلي وغيرهما وعنه خلق كثير كان عالما معمرا وكان من القراء مات سنة سبع ومائة ذكره المؤلف في التابعين عن عمران بن حصين قال كنا في سفر مع النبي فاشتكى إليه الناس العطش فنزل فدعا فلانا أي شخصا معروفا كان يسميه أبو رجاء ونسيه عوف أي فعبر عنه بفلانا ودعا عليا أي أيضا


فقال اذهبا فابتغيا الماء أي فاطلباه فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين بفتح الميم أي راكبة رواتين وهي في الأصل لما يوضع فيه الزاد أو سطيحتين قال القاضي وهي نوع من المزادة يكون من جلدين قوبل أحدهما بالآخر فسطح عليه وقال الجزري هي أصغر من المزادة ثم قوله من ماء بيان لما فيهما فجاءا أي الصحابيان بها أي بالمرأة وما معها إلى النبي فاستنزلوها عن بعيرها قال الطيبي الضمير الأول يجوز أن يرجع إلى المرأة أي طلبوا منها أن تنزل عن البعير وقيل راجع إلى المزادة بمعنى أنزلوها واستنزل وأنزل بمعنى ودعا النبي بإناء أي طلبه ففرغ بتشديد الراء أي صب فيه من أفواه المزادتين فيه إشارة إلى ترجيحها عند الراوي ونودي في الناس أسقوا بهمزة قطع مفتوحة وقيل بهمزة وصل مكسورة أي اسقوا أنفسكم وغيركم والمعنى خذوا الماء قدر حاجتكم فاستقوا أي فأخذوا الماء جميعهم قال أي عمران فشربنا عطاشا بكسر أوله جمع عطشان حال من فاعل شربنا أربعين رجلا بيان له ذكره الطيبي وقال شارح حال من ضمير عطاشا أو شربنا حتى روينا بكسر الواو فملأنا كل قربة معنا وأيم الله أي وأيمن الله قسمي لقد أقلع عنها بصيغة المجهول أي انكفت الجماعة عن تلك المزادة ورجعوا عنها وإنه أي الشأن ليخيل على بناء المفعول أي ليشبه إلينا أنها أي تلك المزادة أشد ملأة بكسر الميم وفتح وسكون اللام فعلة من الملء مصدر ملأت الإناء منها أي من المزادة حين ابتدأ أي النبي الأخذ منها وفي نسخة ابتدىء بصيغة المجهول أي الاستقاء والشرب منها والمعنى أنها حينئذ كانت أكثر ماء من تلك الساعة التي استقوا منها متفق عليه وعن جابر قال سرنا مع رسول الله حتى نزلنا واديا أفيح أي واسعا على ما في النهاية فذهب رسول الله يقضي حاجته فلم ير شيئا يستتر به وإذا شجرتين قال الطيبي بالنصب كذا في صحيح مسلم وأكثر نسخ المصابيح وفي بعضها شجرتان بالرفع وهو مغير فتقدير النصب فوجد شجرتين نابتتين بشاطىء الوادي أي


بطرفه وقال شارح
للمصابيح وروي شجرتين بإضمار أي وفي نسخة بشجرتين وهو ظاهر فانطلق رسول الله إلى أحدهما فأخذ بغصنين من أغصانها فقال انقادي علي أي للتستر علي بإذن الله وقال الطيبي أي لا تعصي علي ونظيره قوله تعالى مالك لا تأمنا على يوسف يوسف أي تخافنا عليه فانقادت معه كالبعير المخشوش وهو الذي في أنفه الخشاش بكسر الخاء المعجمة وهو عويدة تجعل في أنف البعير ليكون أسرع إلى الانقياد كذا في النهاية الذي يصانع قائده قال التوربشتي أي ينقاد له ويوافقه والأصل في المصانعة الرشوة وهي أن تصنع لصاحبك شيئا ليصنع لك شيئا حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالمنصف هو بفتح الميم والصاد المهملة نصف الطريق والمراد هنا الموضع الوسط مما بينهما قال التئما أي تقاربا علي قال الطيبي هو حال أي اجتمعا مظلتين علي بإذن الله فالتأمتا أي حتى قضى الحاجة بينهما قال جابر فجلست أحدث نفسي أي بأمر من الأمور فحانت أي فظهرت مني لفتة أي التفاتة فإذا أنا برسول الله مقبلا قال الطيبي يقال حان إذا أتى وقت الشيء واللفتة فعلة من الالتفات وإذا الشجرتين أي وجدتهما أو رأيتهما قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق أي وقفت بانفرادها في مكانها ففيه معجزتان رواه مسلم وعن يزيد بن أبي عبيد هو شيخ البخاري روى المكي بن إبراهيم عنه وروى البخاري عن المكي وللبخاري ثلاثيات من هذه الطريق وقال المؤلف هو مولى سلمة روى عنه يحيى بن سعيد وغيره قال رأيت أثر ضربة في ساق سلمة بن الأكوع فقلت يا أبا مسلم ما هذه الضربة قال ضربة أي هي ضربة أصابتني يوم خيبر وفي نسخة أصابتينهما أي الساق وفي نسخة أصابتها وفي نسخة أصبتها بصيغة المجهول فقال الناس


أصيب سلمة أي مات لشدة أثرها فأتيت النبي فنفث فيه أي في موضع الضربة وفي نسخة فيها أي في نفس الضربة أو في الساق ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة بالجر وفي نسخة بالنصب قال بعض المحققين الساعة في أكثر نسخ البخاري بالجر على خلاف ما جعله الكرماني فإنه قال يلزم من ظاهر العبارة الاشتكاء من الحكاية وأجاب بأن الساعة منصوب وحتى للعطف فالمعطوف داخل في المعطوف عليه أي ما اشتكيتها زمانا حتى الساعة نحو أكلت السمكة حتى رأسها قلت يمكن أن يكون معناه ما وجدت أثر وجع إلى الآن وأما بعده فلا أدري أجده أم لا فيصدق عليه أن حكم ما بعدها خلاف ما قبلها أو المراد نفي الشكاية بآكد وجه بأن مراده ما وجدت وجعا إلى الآن فلو أمكن أن يوجد وجع يكون بعد ذلك ومن المحال عادة أن يوجد وجع بعد مدة مضت من برئه رواه البخاري وكذا أبو داود وعن أنس قال نعى النبي زيدا أي زيد بن حارثة وجعفرا أي ابن أبي طالب وابن رواحة أي أخبر بموتهم للناس فيه جواز النعي قبل أن يأتيهم خبرهم أي فكان معجزة وقد كانوا بأرض يقال لها مؤتة بميم مضمومة فهمزة ساكنة فمثناة فوقية قرية بالشام وكانت في السنة الثامنة وكان المسلمون ثلاثة آلاف والروم مع هرقل مائة ألف فقال تفسير وتفصيل لما قبله أي فقال أخذ الراية أي العلم زيد إذ العادة أن يأخذه أمير العسكر فأصيب أي استشهد ثم أخذ جعفر أي الراية فأصيب أي على تفصيل مشهور ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان بكسر الراء أي تسيلان دمعا للثلاثة من خبر موتهم حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله أي شجيع من شجعانه فإنه كان يعد ألفا وانقطع في يده يومئذ ثمانية أسياف والإضافة للتشريف يعني خالد بن الوليد تفسير من كلام أنس أو من بعده والمعنى يريد النبي بالوصف السابق خالد بن الوليد حتى فتح الله عليهم أي في يده وزمان إمارته واختلفوا هل كان قتال فيه هزيمة للمشركين حتى رجعوا غانمين أو المراد بالفتح حيازة المسلمين حتى رجعوا


سالمين رواه البخاري
وعن ابن عباس قال شهدت مع رسول الله يوم حنين بالتصغير قيل غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان وحنين واد بين مكة والطائف وراء عرفات فلما التقى المسلمون والكفار أي وقع القتال الشديد فيما بينهم ولى المسلمون أي بعضهم من المشركين مدبرين أي لكن مقبلين إلى سيد المرسلين فطفق أي شرع رسول الله يركض بضم الكاف أي يحرك برجله بغلته قبل الكفار بكسر القاف وفتح الباء أي إلى جهتهم وقبالتهم قال الأكمل بغلته هي التي يقال لها دلدل أهداها له فروة بن نفاثة ففيه قبول هدية المشركين وورد أنه رد بعض الهدايا من المشركين فقيل قبول الهدية ناسخ للرد وفيه نظر لجهالة التاريخ والأكثرون على أنه لا نسخ وإنما قبل ممن طمع في إسلامه ويرجو منه مصلحة للمسلمين ورد ممن على خلاف ذلك وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله أكفها بضم الكاف وتشديد الفاء أي أمنعها وعلة منعها إرادة أن لا تسرع أي البغلة إلى جانب العدو وأبو سفيان قيل اسمه المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب بن عم النبي آخذ بصيغة اسم الفاعل أي ماسك بركاب رسول الله أي تأدبا ومحافظة فقال رسول الله أي عباس أي يا عباس ناد أصحاب السمرة بفتح فضم وهي الشجرة التي بايعوا تحتها يوم الحديبية فقال عباس وكان أي العباس رجلا صيتا جملة معترضة من كلام راوي العباس بعده والصيت بتشديد الياء أي قوي الصوت وأصله صيوت وإعلاله إعلال سيد فقلت أي فناديت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة أي لا تنسوا بيعتكم الواقعة تحت الشجرة وما يترتب عليها من الثمرة فقال والله لكأن بتشديد النون عطفتهم بالنصب أي رجعتهم وفي نسخة لكان بالتخفيف وعطفتهم بالرفع حين سمعوا صوتي عطفة البقر بالرفع على الأول بالنصب على الثاني على أولادها في نسخة أولاده بناء على أن اسم الجنس يؤنث ويذكر فقالوا أي بأجمعهم أو واحدا بعد واحد يا لبيك المنادي محذوف أي يا قوم كقوله تعالى ألا يا اسجدوا على قراءة الكسائي يا لبيك التكرير


للتأكيد أو التكثير
قال عباس فاقتتلوا أي المسلمون والكفار بالنصب أي معهم والدعوة في الأنصار يقولون أي والنداء في حق الأنصار بخصوصهم بدل ما تقدم في حق المهاجرين بحسب تغليبهم يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار فأطلق الفعل وأريد المصدر على طريق قوله تعالى ومن آياته يريكم البرق خوفا الروم وقول الشاعر أحضر الوغى وتسمع بالمعيدي ونحو ذلك قال أي العباس ثم قصرت الدعوة بصيغة المجهول أي اقتصرت وانحصرت على بني الحارث بن الخزرج أي فنودي يا بني الحارث وهم قبيلة كبيرة فنظر رسول الله وهو على بغلته الواو للحال أي نظر حال كونه على بغلته وقوله كالمتطاول عليها حال من الضمير المرفوع في على بغلته أي كالغالب القادر على سوقها وقيل كالذي يمد عنقه لينظر إلى ما هو بعيد عنه مائلا إلى قتالهم وقال الطيبي هو متعلق بنظر ثم ذكر كلاما يشعر أن نسخته فيها بعض اختصار مخل على وفق ما في المصابيح فقال أي النبي عليه السلام هذا حين بالفتح وفي نسخة بالضم حمي بفتح فكسر الوطيس قال ابن الملك يجوز أن يكون هذا إشارة إلى القتال وحين بالفتح ظرف له وأن يكون إشارة إلى وقت القتال وحين بالرفع خبره وقال الأكمل يجوز في حين الفتح لأنه مضاف إلى مبني والضم على أنه خبر مبتدأ وقال الطيبي هذا مبتدأ والخبر محذوف وحين مبني لأنه مضاف إلى غير متمكن متعلق باسم الإشارة أي هذا القتال حين اشتد الحرب وفيه معنى التعجب واستعظام الحرب قلت الأظهر ما قيل إن هذا مبتدأ وحين خبره وبني على الفتح لإضافته إلى الفعل أي هذا الزمان زمان اشتداد الحرب ثم الوطيس شدة التنور أو التنور نفسه يضرب مثلا لشدة الحرب التي يشبه حرها حره وفي النهاية الوطيس شبه التنور وقيل هو الضراب في الحرب وقيل هو الوطء الذي يطيس الناس أي يدقهم وقال الأصمعي هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطؤها ولم يسمع هذا الكلام من أحد قبل النبي وهو من فصيح الكلام عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على


ساق ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار أي قائلا شاهت الوجوه شاهت الوجوه ثم قال أي تفاؤلا أو إخبارا انهزموا ورب محمد فوالله ما هو أي ليس انهزام الكفار إلا أن رماهم أي سوى رميهم بحصياته أي ولم يكن بالقتال والضرب بالسيف والطعان ويحتمل أن يكون الضمير عبارة عن الأمر والشأن ويكون هو المستثنى منه فما زلت أرى حدهم أي بأسهم
وحدتهم وسيوفهم وشدتهم كليلا أي ضعيفا وأمرهم مدبرا أي وحالهم ذليلا قال النووي فيه معجزتان ظاهرتان لرسول الله إحداهما فعلية والأخرى خبرية فإنه أخبر بهزيمتهم ورماهم بالحصيات فولوا مدبرين رواه مسلم وكذا النسائي وعن أبي إسحاق قال المؤلف هو أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي رأى عليا وابن عباس وغيرهما وسمع البراء بن عازب وزيد بن الأرقم روى عنه الأعمش وشعبة والثوري وهو تابعي مشهور كثير الرواية قال قال رجل جاء في رواية أنه من قيس لكن لا يعرف اسمه للبراء يا أبا عمارة بضم فتخفيف فررتم أي أفررتم كما في الشمائل وفي رواية أفررتم كلكم يوم حنين قال لا والله ما ولى رسول الله أي لا حقيقة ولا صورة وفي العدول عن تغيير فر إلى ولي حسن عبارة ولكن خرج أي إلى العدو شبان أصحابه بضم الشين وفتح الموحدة أي جماعة من الشباب ممن ليس لهم وقار ورأي عليه مدار ولهذا عبر عنهم في رواية الشمائل بقوله ولكن ولى سرعان من الناس أي الذين يتسارعون إلى الشيء من غير روية ومعرفة كاملة كما يدل عليه قوله ليس عليهم كثير سلاح فلقوا قوما رماة أي تلقتهم هوازن بالنبل على ما في الشمائل لا يكاد يسقط لهم سهم على الأرض فرشقوهم أي فرموهم رشقا ما كانوا يخطئون قال النووي هذا الجواب الذي أجابه البراء من بديع الأدب لأن تقدير الكلام فررتم كلكم فيقتضي أن النبي وافقهم في ذلك فقال البراء لا والله ما فر رسول الله ولكن جماعة من أصحابه جرى لهم كذا وكذا فأقبلوا أي الشبان هناك أي ذلك الزمان أو المكان إلى رسول الله أي متحيزين إليه


والمعنى أنه مع هذا لا يصدق عليهم الفرار لقوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة الأنفال وقد قال أنا فئتكم فإن قلت ذكر في الحديث السابق ولى المسلمون مدبرين وفي هذا الحديث فأقبلوا فكيف الجمع قلت المراد به أن جمعا من المسلمين وقع لهم صورة الإدبار ثم بعد توجهه إليهم ومناداتهم بصياح العباس حصل لهم سعادة الإقبال ودولة الاتصال والانتقال من صورة الفرار إلى سيرة القرار ورسول الله على بغلته البيضاء قال العسقلاني وقع عند البخاري على بغلته البيضاء وعند مسلم


من حديث العباس أن البغلة التي كانت تحته يوم حنين أهداها له فروة بن نفاثة وهذا هو الصحيح وذكر أبو الحسن بن عبدوس أن البغلة التي ركبها يوم حنين هي دلدل وكانت شهباء أهداها له المقوقس يعني صاحب الإسكندرية وأما التي أهداها له فروة يقال لها فضة ذكر ذلك ابن سعد وذكر عكسه والصحيح ما في مسلم وأبو سفيان بن الحارث يقوده أي يمشي قدامه أو يقود بغلته على حذف مضاف أو بتأويل المركوب وهذا بظاهره يعارض ما تقدم من أن العباس كان آخذا باللجام وأن أبا سفيان كان آخذا بالركاب لكن يمكن حمله على سبيل التناوب أو على أن تلك الحال لشدتها احتاج إلى إثنين فنزل أي النبي واستنصر أي طلب النصر والفتح لأمته كما يأتي تتمة قصته وقال وفي نسخة فقال أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب بسكون الباء فيهما على جري العادة في السجع والنظم وإنما صدر هذا من مشكاة صدر النبوة مستقيما على وزن الشعر بمقتضى طبعه الموزون من غير تعمد منه فلا يعد ذلك شعرا قال القاضي عياض وقد غفل بعض الناس وقال الرواية أنا النبي لا كذب بفتح الباء وعبد المطلب بالخفض حرصا على تغيير الرواية ليستغني عن الاعتذار وإنما الرواية بإسكان الباء وقال الخطابي اختلف الناس في هذا وما أشبهه من الرجز الذي جرى على لسان النبي في بعض أسفاره وأوقاته وفي تأويل ذلك مع شهادة الله تعالى بأنه لم يعلم الشعر وما ينبغي له فذهب بعضهم إلى أن هذا وما أشبهه وإن استوى على وزن الشعر فإنه إذا لم يقصد به الشعر إذ لم يكن صدوره عن نية له وروية فيه وإنما هو اتفاق كلام يقع أحيانا فيخرج منه الشيء بعد الشيء على بعض أعاريض الشعر وقد وجد في كتاب الله العزيز من هذا القبيل وهذا مما لا يشك فيه أنه ليس بشعر قال النووي فإن قيل كيف نسب نفسه إلى جده دون أبيه وافتخر بذلك مع أن الافتخار من عمل الجاهلية فالجواب إنه كانت شهرته بجده أكثر لأن أباه قد توفي شابا قبل اشتهاره وكان جده مشهورا شهرة ظاهرة


شائعة وكان سيد أهل مكة وكان مشتهرا عندهم أن عبد المطلب بشر بالنبي وأنه سيظهر ويكون شأنه عظيما وكان أخبره بذلك سيف بن ذي يزن يعني وجماعة من الكهان وقيل إن عبد المطلب رأى رؤيا تدل على ظهور النبي وكان ذلك مشهورا عندهم فأراد النبي أن يذكرهم بذلك وينبههم بأنه لا بد له من ظهوره على الأعداء وأن العاقبة له لتقوى نفوسهم وأعلمهم أيضا أنه ثابت يلازم الحرب لم يول مع من ولى وعرفهم موضعه ليرجع إليه الراجعون وأما قوله أنا النبي لا كذب فمعناه أنا النبي حقا فلا أفر ولا أزول وفيه دليل على جواز قول الإنسان في الحرب أنا فلان أو أنا ابن فلان يعني أنه يجري على مقتضى العادة إظهارا للشجاعة فلا يعد من باب الرياء والسمعة ثم أي بعد ما اجتمع المسلمون ورجع


الشبان المسرعون صفهم أي جعلهم صافين كأنهم بنيان مرصوص رواه مسلم وللبخاري معناه أي فالحديث متفق عليه في مؤداه وفي رواية لهما قال البراء كنا والله إذا احمر البأس أي اشتد الحرب من قولهم موت أحمر وقال النووي احمرار البأس كناية عن اشتداد الحرب فاستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة أو لإسعار نار الحرب واشتعالها كما في الحديث السابق حمي الوطيس نتقي به أي نلتجىء إليه ونطلب الخلاص بسببه وإن الشجاع بضم أوله أي البليغ في الشجاعة منا للذي يحاذيه أي يوازيه ويحاذي منكبه بمنكبه والمعنى إن أحدا لم يقدر حينئذ على التقدم عليه فإما أن يكون جبانا فيفر عنه أو شجيعا فيعوذ به ويلوذ إليه يعني أي يريد البراء بالضميرين النبي وفيه بيان شجاعته وعظيم وثوقه بالله سبحانه وعن سلمة بن الأكوع قال غزونا أي الكفار مع رسول الله حنينا أي يوم حنين فولى صحابة رسول الله أي بعضهم فلما غشوا رسول الله على زنة رضوا والضمير للكفار أي لما قاربوا غشيانه نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به أي بالتراب راميا وجوههم فقال أي دعاء أو خبرا شاهت الوجوه أي تغيرت وقبحت فما خلق الله منهم إنسانا أي فما بقي منهم أحد إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة والتعبير بما خلق الله لإفادة التأكيد وتقرير الحصر على وجه التأكيد قال الطيبي فيه بيان المعجزة من وجهين أحدهما إيصال تراب تلك القبضة إلى أعينهم جميعا وثانيهما أنها بحيث ملأت عين كل واحد منهم من تلك القبضة اليسيرة وهم أربعة آلاف فيمن ضامهم من أمداد سائر العرب قلت والثالث انهزامهم بذلك كما يشير إليه قوله فولوا مدبرين حال مؤكدة أو مقيدة أي غير راجعين فهزمهم الله أي ونصر رسوله واستجاب دعاءه وجمع له بين عز الجاه وحسن الحال وغنيمة المال ولذا قال وقسم رسول الله غنائمهم بين المسلمين رواه مسلم


وعن أبي هريرة قال شهدنا أي حضرنا مع رسول الله حنينا فقال رسول الله لرجل أي في حقه وشأنه ممن معه يدعي الإسلام حال أو استئناف بيان قال النووي اسم الرجل قرمان قاله الخطيب البغدادي وكان من المنافقين كذا في جامع الأصول هذا من أهل النار مقول للقول فلما حضر القتال أي وقته قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح بكسر الجيم جمع الجراحة على ما في القاموس فجاء رجل أي متعجبا فقال يا رسول الله أرأيت الذي تحدث أي أخبرني عن حال من أخبرت عنه أنه من أهل النار فإنه قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به الجراح أي وظاهر حاله أنه من أهل الجنة لأنه قاتل في سبيل الله أشد القتال فرد عليه فقال أما إنه من أهل النار أي القول ما قلت لك وإن ظهر لك خلافه لأنه لا عبرة بصورة الأعمال وإنما المدار على حسن الأحوال وخاتمة الآمال فكاد أي قرب بعض الناس أي بعض المسلمين ممن له ضعف في الدين وقلة معرفة بعلم اليقين يرتاب أي يشك في أمره لقوله إنه من أهل النار فبينما هو أي الرجل على ذلك أي ما ذكر من مبهم الحال إذ وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده أي قصد ومال إلى كنانته بكسر أوله أي إلى جعبته وهي ظرف سهمه فانتزع سهما أي فأخرجه فانتحر أي نحر نفسه بها أي بالمعبلة التي هي مركبة في السهم وهي كمكنسة نصل عريض طويل على ما في القاموس والحاصل أنه مات كافرا لخبث باطنه أو فاسقا بقتل نفسه فاشتد رجال من المسلمين أي عدوا وأسرعوا قاصدين ومتوجهين إلى رسول الله فقالوا يا رسول الله صدق الله حديثك بتشديد الدال في أكثر النسخ أي حققه وفي نسخة بتخفيفها أي صدق الله في إخبارك المطابق للواقع قد انتحر فلان وقتل نفسه عطف تفسير وبيان فقال رسول الله الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله قال شارح هذا كلام يقال عند الفرح فرح عليه السلام حين ظهر صدقه وقال الطيبي يحتمل تعجبا وفرحا لوقوع ما أخبر عنه فعظم الله تعالى حمدا وشكرا لتصديق قوله وأن يكون


كسرا للنفس وعجبها حتى لا يتوهم أنه من عنده
وينصره قوله أني عبد الله يا بلال قم فأذن أي فأعلم الناس لا يدخل الجنة إلا مؤمن أي خالص احترازا عن المنافق أو مؤمن كامل فالمراد دخولها مع الفائزين دخولا أوليا غير مسبوق بعذاب وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر أي المنافق أو الفاسق ممن يعمل رياء أو يخلط به معصية وربما يكون عمل عملا به سوء الخاتمة نسأل الله العافية والجملة يحتمل أن تكون داخلة تحت التأذين أو استئناف بيان لاختلاف أحوال القائلين ومن نظائره من يصنف أو يدرس أو يعلم أو يتعلم أو يؤذن أو يؤم أو يأتم وأمثال ذلك كمن يبني مسجدا أو مدرسة أو زاوية لغرض فاسد وقصد كاسد مما يكون سببا لنظام الدين وقوام المسلمين وصاحبه من جملة المحرومين جعلنا الله تعالى من المخلصين بل من المخلصين رواه البخاري وكذا مسلم وفي الجامع إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم رواه النسائي وابن حبان عن أنس وأحمد والطبراني عن أبي بكرة وفي رواية للطبراني عن ابن عمر بلفظ أن الله تعالى ليؤيد الإسلام برجال ما هم من أهله وعن عائشة قالت سحر رسول الله أي سحر يهودي حتى أنه ليخيل إليه بصيغة المفعول أي ليظن أنه فعل الشيء أي الفلاني مثلا وما فعله أي والحال أنه ما فعل ذلك الشيء قيل معناه أنه غلب عليه النسيان بحيث يتوهم من حيث النسيان أنه فعل الشيء الفلاني وما فعله أو أنه ما فعله وقد فعل وذلك في أمر الدنيا لا في الدين ونظيره ما قال تعالى في حق موسى فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى طه أي والحال أنها ما تسعى بل إنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليه الشمس اضطربت فخيل إليه أنها تتحرك فأوجس في نفسه خيفة موسى طه قال البيضاوي يعني فأضمر فيها خوفا من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية وقد قرىء يخيل على إسناده إلى الله سبحانه قال النووي قد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعم أنه يحط من منزل النبوة لذلك وأن


تجويزه يمنع الثقة بالشرع وهذا الذي ادعاه باطل لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بها فهو مما يعرض للبشر
فغير بعيد أن يخيل إليه من السحر وقد قيل إنه إنما كان يتخيل إليه ما يخيل ولكنه لم يعتقد صحته وكانت معتقداته على الصحة والسداد أقول ويمكن أن يعتقد صحة ما لم يتعلق بالدين ثم ينبه عليه ويبين له صحيح الاعتقاد كما قال تعالى لموسى لا تخف إنك أنت الأعلى طه وقيل معنى ليخيل إليه أي يظهر له من نشاطه أنه قادر على إتيان النساء فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يتمكن من ذلك قال النووي وكل ما جاء من أنه يخيل شيئا لم يفعله فمحمول على التخيل بالبصر لا بالعقل وليس فيه ما يطعن بالرسالة قال المظهر وأما ما زعموا من دخول الضرر في الشرع بأنبيائه فليس كذلك لأن السحر إنما يعمل في أبدانهم وهم بشر يجوز عليهم من العلل والأمراض ما يجوز على غيرهم وليس تأثير السحر في أبدانهم بأكثر من القتل وتأثير السم وعوارض الأسقام فيهم وقد قتل زكريا وابنه وسم نبينا وأما أمر الدين فإنهم معصومون فيما بعثهم الله عز وجل وأرصدهم له وهو جل ذكره حافظ لدينه وحارس لوحيه أن يلحقه فساد أو تبديل بأن لا يطول ذلك بل يزول سريعا وكأنه ما حل وفائدة الحلول تنبيه على أن هذا بشر مثلكم وعلى أن السحر تأثيره حق فإنه إذا أثر في أكمل الإنسان فكيف غيره حتى إذا كان ذات يوم بالنصب ويجوز الرفع ذكره العسقلاني لكن الرفع لا يلائم قولها عندي دعا الله ودعاه كرر للتأكيد أو التكثير أي وأكثر الدعاء قال الطيبي أي أتى عقب دعائه بدعاء واستمر عليه ويدل على هذا التأويل الرواية الأخرى ثم دعا ثم دعا قال النووي هذا دليل على استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهة وحسن الالتجاء إلى الله تعالى ثم قال أشعرت أي أعلمت يا عائشة أن الله قد


أفتاني أي بين لي استفتيته أي فيما طلبت بيان الأمر منه وكشفه عنه ثم بينه بقوله جاءني رجلان أي ملكان على صورة رجلين جلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي وفي نسخة بالتثنية ثم قال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل أي ما سبب تعبه الذي بمنزلة وجعه قال مطبوب أي هو مسحور يقال طب الرجل إذا سحر فكنوا بالطب عن السحر كما كنوا بالسليم على اللديغ قال أي الآخر ومن طبه قال لبيد بن الأعصم اليهودي قيل أي بناته لقوله تعالى ومن شر النفاثات في العقد الفلق أي النساء أو النفوس السواحر التي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها والنفث النفخ مع ريق قال القاضي وتخصيصه بالتعوذ لما روي أن يهوديا سحر النبي في إحدى عشرة عقدة في وتر دسه في بئر فمرض النبي فنزلت المعوذتان وأخبره جبريل بموضع السحر فأرسل عليا رضي الله عنه فجاء به فقرأهما عليه فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد بعض الخفة ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر انتهى والظاهر أن ذلك قضية أخرى فإنها مغايرة لما في هذا الحديث ويمكن الجمع بينهما بوقوع نوعين من السحر له ليكون أجره مرتين وأن أحدهما وهو ما في الحديث وقع من لبيد والآخر من بناته والله أعلم


قال أي الآخر في ماذا أي سحر في أي شيء قال في مشط بضم الميم وفي القاموس المشط مثلثة وككتف وعنق وعتل ومنبر آلة يمتشط بها ومشاطة بضم الميم ما سقط من شعر الرأس أو اللحية عند تسريحه بالمشط وجف طلعة ذكر بضم الجيم وتشديد الفاء وهو وعاء طلع النخل وطلعة ذكر على الإضافة وأراد بالذكر فحل النخل قيل ويروى جب بالباء الموحدة أي داخل طلعة ذكر قال النووي الجف بضم الجيم والفاء هكذا هو في أكثر بلادنا وفي بعضها جب بالباء وهما بمعنى وهو وعاء طلع النخل ويطلق على الذكر والأنثى فلهذا أضاف في الحديث طلعة إلى ذكر إضافة بيان قال فأين هو أي ما ذكر مما سجر به قال في بئر ذروان بفتح الذال المعجمة قال شارح وفي كتاب مسلم في بئر ذي أروان قيل هو الصواب لأن أروان بالمدينة أشهر من ذروان على مسيرة ساعة من المدينة وفيه بني مسجد الضرار قلت فذروان أوفق في هذا المقام والله أعلم بالمرام وقال النووي وفي كتاب مسلم في بئر ذي أروان وكذا وقع في بعض روايات البخاري وفي معظمها ذروان وكلاهما صحيح مشهور والأول أصح وأجود وهي بئر في المدينة في بستان أبي زريق فذهب النبي في أناس أي مع جمع من أصحابه أي المخصوصين إلى البئر فقال هذه البئر التي أريتها بصيغة المفعول وكأن بالتشديد ماءها نقاعة الحناء بضم النون أي لونه والمعنى أن ماءها متغير لونه مثل ماء نقع فيه الحناء والنقاعة ما يخرج من المنقوع وكأن نخلها رؤوس الشياطين قال التوربشتي أراد بالنخل طلع النخل وإنما أضافه إلى البئر لأنه كان مدفونا فيها وأما تشبيهه ذلك برؤوس الشياطين فلما صادفوه عليه من الوحشة والنفرة وقبح المنظر وكانت العرب تعد صور الشياطين من أقبح المناظر ذهابا في الصورة إلى ما يقتضيه المعنى وقيل أريد بالشياطين الحيات الخبيثات القرقات وأيا ما كان فإن الإتيان بهذا المنظر في الحديث مسوق على نص الكتاب في التمثيل قال تعالى كأنه رؤوس الشياطين الصافات فاستخرجه أي ما ذكر مما سحر


به متفق عليه وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال بينما نحن أي حاضرون عند رسول الله وهو يقسم قسما قال التوربشتي القسم مصدر قسمت الشيء فالقسم سمى
الشيء المقسوم وهو الغنيمة بالمصدر والقسم بالكسر الحظ والنصيب ولا وجه للمكسورة في الحديث لأنه يختص بما إذا تفرد نصيب وهذا القسم كان في غنائم خيبر قسمها بالجعرانة أتاه ذو الخويصرة تصغير الخاصرة وهو رجل من بني تميم قبيلة كبيرة شهيرة ونزل فيه قوله تعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات التوبة فهو من المنافقين وسيجيء أنه من أصله يخرج الخوارج وأما قول شارح هو رئيس الخوارج ففيه مسامحة إذ أول ظهورهم في زمن علي كرم الله وجهه فقال يا رسول الله اعدل الظاهر أنه أراد بذلك التورية كما هو عادة أهل النفاق بأن يراد بالعدل التسوية أو قسمة الحق اللائق بكل أحد من العدل الذي في مقابل الظلم لكنه علم بنور النبوة أو ظهور الفراسة أو قرينة الحال فإنه كان في إعطائه يرى قدر الفاقة والحاجة وغيرها من المصلحة فتعين أنه أراد المعنى الثاني أو لأن التسوية في مكان ينبغي التفاضل نوع من الظلم فغضب عليه فقال ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل قد خبت بكسر الخاء المعجمة وسكون الموحدة وتاء الخطاب أي حرمت المقصود وخسرت على الخطاب أيضا إن لم أكن أعدل قال التوربشتي وإنما رد الخيبة والخسران إلى المخاطب على تقدير عدم عدل منه لأن الله تعالى بعثه رحمة للعالمين وبعثه ليقوم بالعدل فيهم فإذا قدر أنه لم يعدل فقد خان المعترف بأنه مبعوث إليهم فخاب وخسر لأن الله لا يحب الخائنين فضلا من أن يرسلهم إلى عباده انتهى وخلاصته أنه إذا حكم ذلك القائل بأنه لا يعدل فقد خاب القائل وخسر بهذا الحكم فقال عمر ائذن لي أضرب عنقه بالجزم وجوز رفعه وفي نسخة صحيحة أن أضرب عنقه فقال دعه أي اتركه في شرح السنة كيف منع النبي عن قتله مع أنه قال لئن أدركتهم لأقتلنهم قيل إنما أباح قتلهم إذا كثروا وامتنعوا بالسلاح واستعرضوا الناس


ولم تكن هذه المعاني موجودة حين منع من قتلهم وأول ما نجم ذلك في زمان علي رضي الله عنه وقاتلهم حتى قتل كثيرا منهم انتهى والأظهر ما ذكره الأكمل حيث قال فيه دلالة على حسن أخلاقه وأنه ما كان ينتقم لنفسه لأنه قال اعدل وفي رواية اتق الله وفي أخرى إن هذه القسمة ما عدل فيها وكل ذلك يوجب القتل إذ فيه النقص للنبي ولهذا لو قاله أحد في عصرنا لحكم بكفره أو ارتداده انتهى وهو لا ينافي تعليل منعه عن قتله بقوله فإن له أصحابا أي أتباعا سيوجدون من نعتهم أنه يحقر أحدكم صلاته أي كمية وكيفية مع صلاتهم أي في جنب صلاتهم المزينة المحسنة للرياء والسمعة وصيامه مع صيامهم أي في نوافل أيامهم قال شارح فيه تنبيه على أنهم يصلون وأنه نهى


عن قتل المصلين انتهى وفيه أنه ليس هذا النهي على إطلاقه يقرؤون القرآن استئناف بيان أي يداومون على تلاوته ويبالغون في تجويده وترتيله ومراعاة مخارج حروفه وصفاته لا يجاوز تراقيهم أي حال كونهم لا يتجاوز مقرؤوهم عن حلوقهم وهو كناية عن عدم صعود عملهم ونفي قبول قراءتهم قال شارح والتراقي جمع ترقوة وهي العظام بين نقرة الحلق والعاتق يريد أنه لا يتخلص عن ألسنتهم وآذانهم إلى قلوبهم وأفهامهم وقال القاضي أي لا تتجاوز قراءتهم عن ألسنتهم إلى قلوبهم فلا تؤثر فيها أو لا تتصاعد من مخرج الحروف وحيز الصوت إلى محل القبول والإنابة يمرقون بضم الراء أي يخرجون من الدين أي من طاعة الإمام أو من أهل الإسلام ويمرون عليه سريعا من غير حظ وانتفاع به كما يمرق السهم من الرمية بتشديد التحتية فعيلة بمعنى مفعولة وهي الصيد ويقال مرق السهم من الرمية إذا خرج من الجانب الآخر أي خروج السهم ومروره بجميع أجزائه وتنزهه عن التلوث بما يمر عليه من فرث ودم قال شارح شبههم في ذلك بالرمية لاستيحاشهم عما يرمون به من القول النافع ثم وصف المشبه به في سرعة تخلصه وتنزهه عن القلوب بما يمر عليه من فرث ودم ليبين المعنى المضروب له بقوله ينظر إلى نصله بصيغة المجهول إلى رصافه بضم الراء ويكسر بدل وهو عصب يلوى فوق مدخل النصل إلى نضيه بفتح فكسر فتشديد وهو قدحه بكسر القاف وهو ما جاوز الريش إلى النصل من النضو لأنه يرى حتى صار نضوا فهو مجاز باعتبار ما كان وهو جملة معترضة من كلام الراوي تفسير للنضي ثم قوله إلى قذذه من كلامه وهو جمع قذة بضم القاف وتشديد الذال المعجمة ريش السهم قال القاضي أخرج متعلقات الفعل على سبيل التعداد لا التنسق فلا يوجد فيه أي في السهم أو في كل واحد من المذكورات شيء أي من الفرث والدم والحال أن السهم أو كل واحد منها قد سبق الفرث والدم أي مر عليهما والمعنى كما نفذ السهم في الرمية بحيث لم يتعلق به شيء من الروث والدم كذلك دخول


هؤلاء في الإسلام ثم خروجهم منه سريعا بحيث لم يؤثر فيهم هذا وقيل المراد بالنصل القلب الذي هو المؤثر والمتأثر فإذا نظرت إلى قلبه فلا تجد فيه أثرا مما شرع فيه من العبادة وبالرصاف الصدر الذي هو محل الانشراح بالأوامر والنواهي فلم يشرح لذلك ولم يظهر فيه أثر السعادة وبالنضي البدن والمعنى أن البدن وأن تحمل التكاليف الشرع من الصلاة والصوم وغير ذلك لكنه لم يحصل له منه فائدة وبالقذة أطراف البدن التي هي بمنزلة الآلات لأهل الصناعات أي لم يحصل له بها ما يحصل لأهل السعادات آيتهم أي علامة أصحابه الكائنة فيهم الكامنة منهم رجل أسود أي ظاهرا وباطنا إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة بفتح الموحدة أي قطعة اللحم


وأو للتخيير في التشبيه أو للشك من الراوي تدردر بحذف إحدى التاءين أي تضطرب وتجيء وتذهب وقال الطيبي أي تحرك وتزحزح مارا أو جائيا انتهى وظاهره أنه جعله فعلا ماضيا وهو خلاف ما عليه الأصول المضبوطة ويخرجون عطف على يمرقون على خير فرقة أي في زمانهم من الناس يريد عليا وأصحابه رضي الله عنهم وفي رواية على حين فرقة بضم الفاء فعلى بمعنى في أي يظهرون في حين تشتت أمر الناس واضطراب أحوالهم وظهور المحاربة فيما بينهم قال أبو سعيد أي الخدري راوي الحديث أشهد أي أحلف أني سمعت هذا من رسول الله وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه أي فهو ومن معه خير الفرقة فأمر أي علي بذلك الرجل أي بطلب ذلك الرجل الذي آيتهم وعلامتهم فالتمس بصيغة المجهول أي فطلب وأخذ فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي الذي نعته أي سابقا وفي رواية قال ابن الملك أي بدل أتاه ذو الخويصرة في أول هذا الحديث أقبل رجل غائر العينين اسم فاعل من الغور أي غارت عيناه ودخلتا في رأسه ناتىء الجبهة بكسر الفوقية بعدها همز أي مرتفعها كث اللحية بفتح فتشديد مثلثة أي كثيفها مشرف الوجنتين أي عالي الخدين محلوق الرأس أي لادعاء المبالغة في النظافة والتأكيد في قطع التعلق وهو مخالفة ظاهرة لما عليه أكثر أصحابه من ابقاء شعر رأسه وعدم حلقه إلا بعد فراغ النسك غير علي كرم الله وجهه فإنه كان يحلق كثيرا لما قدمنا سببه ووجهه فقال يا محمد اتق الله أي في قسمك فقال فمن يطع الله أي يتقيه من أمتي إذا عصيته أي مع عصمتي وثبوت نبوتي فيأمنني الله أي يجعلني أمينا على أهل الأرض ولا تأمنوني بتشديد النون ويخفف والخطاب على وجه العتاب لذي الخويصرة وقومه فسأله رجل وهو عمر رضي الله عنه كما سبق قتله أي تجويزه فمنعه أي لما تقدم فلما ولى أي الرجل قال إن من ضئضىء هذا بكسر معجمتين وبهمزتين يبدل أولهما أي من أصله ونسبه وعقبه على ما في النهاية وقال التوربشتي من ذهب إلى أنهم يتولدون


منه فقد أبعد إذ لم يذكر في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة ثم إن الزمان الذي قال فيه رسول الله هذا القول إلى أن نابذ المارقة عليا رضي الله عنه وحاربوه لا يحتمل ذلك بل معناه أن من الأصل الذي هو منه في النسب أو من الأصل الذي هو عليه في المذهب قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز أي مقروؤهم حناجرهم أي ظواهرهم ولا يؤثر في بواطنهم يمرقون من الإسلام أي من كماله أو من انقياد
الإمام استدل به من كفر الخوارج وقال الخطابي المراد بالإسلام هنا طاعة الإمام مروق السهم أي كخروجه سريعا من الرمية أي من غير انتفاع بها فيقتلون أهل الإسلام أي لتكفيرهم إياهم بسبب ارتكاب الكبائر ويدعون بفتح الدال أي يتركون أهل الأوثان أي أهل عبادة الأصنام وغيرهم من الكفار لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد أراد بقتل عاد استئصالهم بالإهلاك فإنه عادا لم تقتل وإنما أهلكت بالريح واستؤصلت بالإهلاك قيل دل الحديث على جواز القتل عند اجتماعهم وتظاهرهم ولذلك منع من قتل ذلك الرجل انتهى وفيه أن منع قتله لم يكن لانفراده بل لسبب آخر بيانه تقدم والله أعلم متفق عليه وعن أبي هريرة قال كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة حال مؤكدة أو المراد بها أنها مستمرة على الشرك فدعوتها يوما أي إلى الإسلام ومتابعة سيد الأنام فأسمعتني في رسول الله أي في حقه وشأنه ما أكره أي شيئا أكرهه من الكلام أو أكره ذكره بين الأنام فأتيت رسول الله أبكي أي من الحزن والغبن حيث لم أقدر على تأديبها لكونها أمي قلت وفي نسخة فقلت يا رسول الله ادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا أي مسرورا منشرحا بدعوة النبي فلما صرت أي واصلا إلى الباب أي باب أمي فإذا هو أي الباب مجاف أي مردود ومنه الحديث أجيفوا أبوابكم أي ردوها كذا في النهاية فسمعت أمي خشف قدمي بالتثنية وفي نسخة بالإفراد أي صوتهما وقيل حركتهما وحسهما وهو بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين ويحرك على


ما في القاموس فقالت مكانك بالنصب أي الزمه يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء أي تحريكه وقيل صوته فاغتسلت ولبست درعها بكسر الدال أي قميصها وعجلت بكسر الجيم عن خمارها أي تركت خمارها من العجلة يقال عجلت عنه تركته والمعنى أنها بادرت إلى فتح الباب بعد لبسها الثياب قبل أن تلبس خمارها وهذا معنى ما قال الطيبي عجلت الفتح متجاوزة عن
خمارها ففتحت الباب أي بعد ما وقع عليها النقاب ورفع عنها الحجاب ثم قالت يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فرجعت إلى رسول الله وأنا أبكي من الفرح فحمد الله وقال خيرا أي قولا خيرا أو كلاما يتضمن خيرا أو التقدير وصلت يا أبا هريرة خيرا بإسلام أمك رواه مسلم وعنه أي عن أبي هريرة قال إنكم أي معشر التابعين وقيل الخطاب مع الصحابة المتأخرين تقولون أكثر أبو هريرة أي الرواية عن النبي والله الموعد أي موعدنا فيظهر عنده صدق الصادق وكذب الكاذب لأن الأسرار تنكشف هنالك وقال الطيبي أي لقاء الله الموعد ويعني به يوم القيامة فهو يحاسبني على ما أزيد وأنقص لا سيما على رسول الله وقد قال من كذب علي معتمدا فليتبوأ مقعده من النار وإن إخوتي أي إخواني وأصحابي من المهاجرين كان يشغلهم بفتح الياء والغين وأما الضم والكسر فلغة قليلة أو رديئة أي يمنعهم الصفق بفتح فكسر أي ضرب اليد على اليد عند البيع قال الطيبي هو كناية عن العقود في البيع والشراء وإن أخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم أي المواضع التي فيها نخيلهم والحاصل أن المهاجرين كانوا أصحاب تجارات والأنصار أصحاب زراعات وكنت امرءا مسكينا أي عاجزا عن مال التجارة وأسباب الزراعة ألزم رسول الله أي صحبته وخدمته حامدا على ملء بطني قال الطيبي هو حال أي ألزمه قانعا بما يملأ بطني فعداه بعلى مبالغة وفي معناه قول الشاعر فإن ملكت كفاف قوت فكن به قنيعا فإن المتقي الله قانع وقال النبي يوما لن يبسط أي لن يفرش أحد منكم ثوبه


حتى أقضي أي أفرغ مقالتي هذه كأنه إشارة إلى دعاء دعاه حينئذ ذكره الطيبي وقيل كانت مقالته دعاءه للصحابة بالحفظ والفهم والأظهر أن المراد بها الكلام الذي كان شرع فيه ثم يجمعه بالنصب والرفع
أي يضم ثوبه إلى صدره فينسى من مقالتي أي من أحاديثي شيئا أبدا قال الطيبي هو جواب النفي على تقدير أن فيكون عدم النسيان مسببا عن المذكورات كلها وأوثرت لن النافية دلالة على أن النسيان بعد ذلك كالمحال وقوله من مقالتي شيئا إشارة إلى جنس المقالات كلها فبسطت نمرة بفتح النون وكسر الميم قال الطيبي أي شملة مخططة من مآزر الأعراب وجمعها نمار كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض حتى قضى النبي مقالته أي تلك ثم جمعتها إلى صدري فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته أي من جنس مقاله ذلك فإن المصدر يذكر ويؤنث أو ذكر باعتبار معناها وهو القول والكلام وقال الطيبي إشارة إلى جنس المقالة باعتبار المذكور إلى يومي هذا وهو وقت رواية هذا الحديث متفق عليه وعن جرير بن عبد الله أي البجلي قال قال لي رسول الله ألا تريحني من الإراحة وهي اعطاء الراحة أي ألا تخلصني من ذي الخلصة بفتحتين وهو بيت كان لخثعم يدعى كعبة اليمامة والخلصة اسم طاغيتهم التي كانت فيه قال الأشرف فيه إيماء إلى أن النفوس الزكية الكاملة المكملة قد يلحقها العناء مما هو على خلاف ما ينبغي من عبادة غير الله تعالى وغيرها مما لا يجوز ولا ينبغي فقلت بلى وكنت لا أثبت بضم الباء علي الخيل أي كنت أقع عنها أحيانا فذكرت ذلك أي عدم الثبوت للنبي فضرب بيده على صدري حتى رأيت أي علمت أثر يده أي تأثيرها لقوة ضربها في صدري وقال اللهم ثبته أي ظاهرا وباطنا واجعله هاديا أي لغيره مهديا بفتح الميم وتشديد التحتية أي مهتديا في نفسه لا يزيغ عن هديه قال فما وقعت أي سقطت عن فرسي بعد أي بعد ذلك الدعاء أو بعد ذلك اليوم فانطلق قال الطيبي هو من كلام الراوي وقيل هو من كلام جرير ففيه


التفات والمعنى فذهب جرير في مائة أي مع مائة وخمسين فارسا من أحمس أي من
قوم قريش والأحمس الشجاع ففي النهاية هم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس سموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا والحماسة الشجاعة والحاصل أنهم كانوا متصلبين في الدين والقتال فلا يستظلون أيام منى ولا يدخلون البيوت من أبوابها وأمثال ذلك فحرقها بالنار بتشديد الراء أي أحرق جرير الخلصة وكسرها أي وأبطلها متفق عليه وعن أنس قال إن رجلا قيل لم يعرف اسمه وقيل هو عبد الله بن أبي السرح وقيل إنه غلط فإنه مات مسلما بل هو رجل كان نصرانيا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران كان يكتب أي الوحي للنبي فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين أي فعاد نصرانيا وكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له فقال النبي إن الأرض لا تقبله فأماته الله فدفنوه فأصبح ولفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له فأعمقوا الأرض ما استطاعوا فأصبح ولفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه قال أنس فأخبرني أبو طلحة وهو زوج أم أنس أنه أي أبا طلحة أتى الأرض التي مات فيها فوجده منبوذا أي مطروحا ملقى على وجه الأرض فقال ما شأن هذا فقالوا دفناه مرارا فلم تقبله الأرض متفق عليه وعن أبي أيوب قال خرج النبي وقد وجبت الشمس أي سقطت وغربت ومنه قوله تعالى فإذا وجبت جنوبها الحج فسمع صوتا يحتمل أنه سمع صوت ملائكة العذاب أو صوت يهود المعذبين أو صوت وقع العذاب وعند الطبراني ما يؤيد الثاني وكذا ظاهر ما بينه فقال يهود أي هذا يهود أي صوته يعني صوت جماعة من


اليهود تعذب في قبورها فيه إثبات عذاب القبر ومعجزة من حيث كشف أحوالهم متفق عليه وعن جابر قال قدم النبي من سفر فلما كان قرب المدينة بالنصب على نزع الخافض والخبر متعلقه أي فلما كان النبي واصلا بقربها هاجت أي ثارت وظهرت ريح أي عظيمة تكاد أن تدفن الراكب بكسر الفاء أي تقرب أن توازيه من شدة ثورانها فقال النبي بعثت هذه الريح بصيغة المجهول أي أرسلت لموت منافق أي في وقت موته فقدم المدينة فإذا عظيم من المنافقين قد مات قيل هو رفاعة بن دريد والسفر غزوة تبوك وقيل رافع والسفر غزوة بني المصطلق رواه مسلم وكذا البخاري وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال خرجنا أي من مكة مع النبي حتى قدمنا عسفان بضم أوله ففي القاموس عسفان كعثمان موضع على مرحلتين من مكة وقال شارح أي رجعنا عن السفر ووصلنا إلى عسفان موضع قريب المدينة قال صاحب الأزهار و هو غلط بل هو على مرحلتين من مكة ذكره المغرب وغيره فأقام بها أي بتلك البقعة أو القرية ليالي أي وأياما فقال الناس أي بعض المنافقين أو الضعفاء في الدين واليقين ما نحن ههنا في شيء أي شغل وعمل أو في شيء من أمر الحرب وإن عيالنا لخلوف بالضم أي لغائبون أو نساء بلا رجال يقال حي خلوف إذا لم يبق فيهم إلا النساء والخلوف أيضا الحضور المتخلفون والجملة حال وقوله ما نأمن عليهم أي على عيالنا خبر بعد خبر ولعل تذكير الضمير للتغليب أو تنزيلا منزلة الرجال في الجلادة والشجاعة فبلغ ذلك أي فوصله هذا الكلام فقال والذي نفسي بيده ما في المدينة


شعب بكسر المعجمة طريق في الجبل ولا نقب أي طريق بين الجبلين أي ليس في المدينة ما يطلق عليه الشعب والنقب إلا عليه ملكان يحرسانها بضم الراء أي يحفظانها بأمر الله تعالى حتى تقدموا بفتح الدال أي ترجعوا إليها قال الطيبي قوله عليه أي على كل واحد من الشعب والنقب والضمير في يحرسانها راجع إلى المدينة والمراد شعبها ونقبها قلت الأظهر أن يراد بهما جميعها ثم قال ارتحلوا فارتحلنا وأقبلنا إلى المدينة أي متوجهين إليها فوالذي يحلف به أي الله سبحانه ما وضعنا رحالنا أي متاعنا عن ظهور جمالنا حين دخلنا المدينة حتى أغار علينا أي معشر المدينة بنو عبد الله بن غطفان بفتح المعجمة فالمهملة والمعنى أن المدينة حال غيبتهم عنها كانت محروسة كما أخبر النبي إعجازا ولم يكن مانعا من الإغارة والتهييج عليها إلا حراسة الملائكة وهذا معنى قوله وما يهيجهم بتشديد الياء ما يثير بني عبد الله على الإغارة قبل ذلك أي قبل دخولنا المدينة شيء أي من البواعث وقال شارح أي قبل الغارة وهو ليس بشيء رواه مسلم وعن أنس رضي الله عنه قال أصابت الناس سنة أي قحط على عهد رسول الله أي في زمانه فبينا النبي يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال أي المواشي لأنها أكثر أموالهم وهلاكها إما بتغيرها أو بمواتها وجاع العيال وهو بكسر العين من يلزمه النفقة من الأهل فادع الله لنا أي متضرعا إليه فرفع يديه أي بالسؤال لديه وما نرى أي نحن في السماء قزعة بفتح القاف والزاي أي قطعة من السحاب فوالذي نفسي بيده ما وضعها أي يده وأفرد الضمير باعتبار إرادة الجنس حتى ثار السحاب أي سطع وظهر جنس السحاب ظهورا كاملا أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر في النهاية أي ينزل ويقطر وهو يتفاعل من الحدور ضد الصعود يتعدى ولا يتعدى اه والمعنى حتى يتساقط المطر على لحيته وقيل يريد أن السقف قد وكف حتى نزل الماء عليه ذكره ابن الملك ولا يخفى


بعده فمطرنا بصيغة المفعول أي جاءنا المطر
يومنا أي بقية يومنا ذلك وهو يوم الجمعة ومن الغد ومن بعد الغد يحتمل أن تكون من تبعيضية والأظهر أنها ابتدائية لقوله حتى أي إلى الجمعة الأخرى وقام ذلك الأعرابي حال أي وقد قام ذلك الأعرابي بعينه أو غيره من الأعراب أو من غيرهم قال الحافظ العسقلاني وفي رواية ثم دخل رجل في الجمعة المقبلة وهذا ظاهر ه أنه غير الأول وفي رواية حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى وهذا يقتضي الجمع بكونه واحدا فلعل أنسا ذكره بعد أن نسيه أو نسيه بعد أن ذكر ه قلت ويحتمل أنه تردد في كون القائم الثاني هو الأول لكن غلب على ظنه تارة أنه هو فعبر عنه بالجزم وتارة أنه غيره فعبر عنه بالتنكير وتارة أتى بصيغة الشك لإستواء الأمرين عنده فالشك منه لا من غيره والله تعالى أعلم فقال أي القائم يا رسول الله تهدم بتشديد الدال أي خرب البناء وغرق المال بكسر الراء أي صار غريقا فادع الله لنا فرفع يديه فقال اللهم حوالينا أي أمطر حوالينا بفتح اللام أي في مواضع المنافع الحاصلة لنا ثم أكده بقوله ولا علينا أي لا تمطر في مواضع المضرة الواقعة علينا قال العسقلاني أي أنزل الغيث في موضع النبات لا على الأبنية يقال قعد حوله وحواله وحوليه وحواليه بفتح اللام ولا يقال حواليه بكسر اللام قاله الجوهري وغيره ثم قال وفي قوله ولا علينا بيان للمراد بقوله حوالينا ثم في إدخال الواو ههنا معنى لطيف وذلك لأنه يقتضي أن طلب المطر على حوالينا ليس مقصودا لعينه بل ليكون وقاية عن أذى المطر قلت الواو خالصة للعطف لكنها للتعليل كقولهم تجوع الحرة ولا تأكل بثديها فإن الجوع ليس مقصودا بعينه لكن لكونه مانعا من الرضاع بأجرة إذ كانوا يكرهون ذلك اه وقال بعض المحققين أوثر حوالينا لمراعاة الازدواج مع قوله علينا نحو قوله تعالى من سبأ بنبأ يقين النمل وقال الطيبي قوله ولا علينا عطف على جملة حوالينا ولو لم تكن الواو لكان حالا أي أمطر


على المزارع ولا تمطر على الأبنية وأدمج في قوله علينا معنى المضرة كأنه قيل اجعل لنا لا علينا فما يشير حكاية حال ماضية إلى ناحية أي جانب من السحاب جمع سحابة إلا انفرجت أي انكشفت وتفرقت وصارت المدينة أي جوها مثل الجوبة بفتح الجيم وسكون الواو الفرجة في السحاب والمعنى إن المطر أو الغيم انكشف عما يحاذينا وأحاط بما حولنا بحيث صار جو المدينة مثل الجوبة خاليا عن السحاب فحذف المضاف وهو الجو وأقيم المضاف إليه مقامه كذا ذكره شارح وقيل المعنى حتى صارت المدينة مثل الحفرة المستديرة الواسعة وصار الغيم


محيطا بأطراف المدينة منكشفا عنها وسال الوادي قناة بالضم على أنه بدل أو بيان للوادي وهي علم له غير منصرف وفي نسخة بالفتح بتقدير أعني وفي أخرى بتنوينها شهرا ظرف سال قال ميرك أعرب قناة بالضم على البدل بناء على أن قناة اسم الوادي ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره أقول فالقناة اسم أرض بجنب الوادي والظاهر أنها محفورة في الأرض يكون نهر في بطنها يقال لها بالفارسية كاريز وسمي بها لطولها المشبه بالقناة وهي الرمح وقيل هو بالنصب والتنوين على التشبيه أي سال مثل قناة قيل ووقع في رواية البخاري حتى سال وادي قناة شهرا وصحح بغير تنوين في هذه الرواية اه كلامه ناقلا عن العسقلاني وقال شارح قناة نصب على الحال من فاعل سال أي سال الوادي سائلا مثل القناة ولما كان من شأن القناة الاستمرار على الجري حسن أن يجعل حالا من الوادي ويجوز فيه المصدر أي سيلان القناة وقال الطيبي نصب على الحال أو المصدر على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي مثل القناة أو سيلان القناة في الدوام والاستمرار والقوة والمقدار وقال بعض المحققين قناة بفتح القاف والنون المخففة علم على أرض ذات مزارع ناحية أحد وواديها أحد أودية المدينة المشهورة قاله الحازمي وذكر محمد بن الحسن المخزومي في أخبار المدينة إن أول من سماه وادي قناة تبع اليماني لما قدم يثرب قبل الإسلام وقيل الفقهاء يقولونه بالنصب والتنوين يتوهمونه قناة من القنوات وليس كذلك وهو الذي جزم به بعض الشراح وقال المعنى على التشبيه أي سال مثل القناة وعبارة البخاري حتى سال الوادي وادي قناة شهرا قال الكرماني قناة علم موضع قيل إنه الوادي الذي عنده قبر حمزة رضي الله عنه وهو يأتي من الطائف وقيل نصب قناة على التمييز أي مقدار قناة بناء على أن تفسير قناة بالرمح أولى منه بحفرة في الأرض لأنه قلما بلغ القناة في كثره مياهها مبلغ السيول وفيه بحث لا يخفى على ذوي النهي ولم يجيء أحد من ناحيته أي


من جوانب المدينة إلا حدث أي أخبر بالجود بفتح الجيم وسكون الواو أي المطر الكثير وفي رواية قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام بالمد وفي نسخة بكسر الهمزة جمع الأكمة وهي التل والرابية وقيل الأكمة يجمع على أكم ويجمع الأكم على آكام كجبل وجبال ويجمع الآكام على أكم مثل كتاب وكتب ويجمع الأكم على آكام كعنق وأعناق وقال ابن الملك هو بفتح الهمزة ممدودة وكسرها مقصورة جمع أكمة محركة وهو ما ارتفع من الأرض والظراب بكسر الظاء المعجمة أي الجبال الصغار وبطون الأودية أي الخالية عن الأبنية ومنابت الشجر أي المنتج للثمر قال أي أنس فأقلعت وفي نسخة بصيغة المجهول أي كفت السحاب عن المطر وقيل انكشفت والتأنيث لأنه جمع سحابة يقال أقلع المطر انقطع وفي القاموس أقلعت عنه الحمى تركته والإقلاع عن الأمر الكف وفي المشارق أقلع المطر كف ومنه قوله تعالى يا سماء أقلعي اه وتبين أن صيغة


المفعول من رواية المجهول والله أعلم وخرجنا نمشي في الشمس قال النووي فيه استحباب طلب انقطاع المطر عن المنازل والمرافق إذا كثر وتضرروا به ولكن لا يشرع له صلاة ولا اجتماع في الصحراء متفق عليه وعن جابر قال كان رسول الله إذا خطب استند إلى جذع نخلة بكسر الجيم أي أصلها وساقها من سواري المسجد جمع سارية بمعنى الأسطوانة فلما صنع له المنبر بصيغة المفعول فاستوى عليه أي قام صاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق أي نصفين أو قطعا فنزل النبي أي ومشى إليها حتى أخذها أي بيده فضمها إليه أي إلى نفسه وعانقها تسلية لها فجعلت أي طفقت الأسطوانة أو جذع النخلة واكتسب التأنيث من المضاف إليه تئن أنين الصبي الذي يسكت بتشديد الكاف المفتوحة أي مثل أنينه حتى استقرت أي سكتت وسكنت قال أي النبي في سبب بكائها بكت على ما كانت تسمع من الذكر أي على فوته وفوت قرب الذاكر رواه البخاري وعن سلمة بن الأكوع أن رجلا قال التوربشتي يقال له بشر بن راعي العير وقيل بسر بالسين المهملة وهو من أشجع وضبط في الأذكار العير بفتح العين وبالياء المثناة من تحت وقال هو صحابي أكل عند رسول الله بشماله فقال كل بيمينك قال لا أستطيع قال لا استطعت دعاء عليه لأنه كذب في اعتذاره ما منعه أي من قبول الحق وقال شارح أي من الأكل باليمين إلا الكبر أي لا العجز قال الطيبي هو قول الراوي ورد استئنافا البيان موجب دعاء النبي عليه كأن قائلا قال لم دعا عليه بلا استطعت وهو رحمة للعالمين فأجيب بأن ما منعه من الأكل باليمين العجز بل منعه الكبر قال أي سلمة فما رفعها أي الرجل يمينه إلى فيه أي فمه بعد ذلك لدعائه رواه مسلم


وعن أنس أن أهل المدينة فزعوا بكسر الزاي أي خافوا من مأتى العدو مرة فركب النبي فرسا أي عريانا لأبي طلحة بطيئا أي في الجري والمشي وكان أي الفرس يقطف بكسر الطاء أي يمشي مشيا ضيقا ذكره شارح وقال الطيبي أي يتقارب خطاه فلما رجع أي النبي وكان قد سبق الناس قال وجدنا فرسكم هذا بحرا أي جلدا سمي بحرا لأن جريه لا ينفد كما لا ينفد ماء البحر وقال الطيبي هو المفعول الثاني لوجدنا وشبه الفرس بالبحر في سعة خطوه وسرعة جريه فكان وفي نسخة وكان بعد ذلك لا يجارى بفتح الراء أي لا يقاوم في الجري ولا يسبق وفي رواية لا يحاذي به فرس يجري معه وفي رواية فما سبق بعد ذلك اليوم رواه البخاري وكذا مسلم وعن جابر قال توفي بصيغة المجهول أي قبض ومات أبي وعليه دين فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر أي جميع تمرنا بما عليه أي في مقابلة ما على أبي فأبوا أي امتنعوا لأنه كان في أعينهم قليلا وهم يهود فأتيت النبي فقلت قد علمت أي أنت أن والدي استشهد يوم أحد وترك دينا كثيرا وإني بكسر الهمزة أحب أن يراك الغرماء أي عندي لعلهم يراعوني فقال لي اذهب فبيدر كل تمرة على ناحية أي أجمع كل نوع صبرة على حدة أمر من بيدر الطعام إذا داس في البيدر وهو الموضع الذي يداس فيه الطعام والمراد هنا اجعل كل نوع من تمرك بيدرا أي صبرة واحدة وقيل فرق كل نوع في موضعه ففعلت أي صبرا وبيادر ثم دعوته أي طلبته فلما نظروا إليه كأنهم أغروا بي بصيغة المجهول أي لجوا في مطالبتي وألحوا كأن دواعيهم حملتهم على الإغراء بي من أغريت الكلب أي هيجته والمعنى أغلظوا علي فكأنهم هيجوا بي وقيل هو من غري بالشيء إذا


ولع به والاسم الغراء بالفتح والمد فمعنى أغروا بي ألصقوا بي تلك الساعة أي ظنا منهم أنه يأمرهم بالمسامحة أو يحط بعض الدين أو بالصبر فأظهروا ما يدل على أنهم لا يرضون بشيء من ذلك فلما رأى ما يصنعون طاف أي دار حول أعظمها أي أكبر تلك البيادر بيدرا التمييز للتأكيد نحو قوله تعالى ذرعها سبعون ذراعا الحاقة ثلاث مرات ظرف طاف ثم جلس عليه أي على أعظمها ثم قال ادع لي أصحابك أي أصحاب دينك فحضروا فما زال يكيل لهم حتى أدى الله عن والدي أي قضى عنه أمانته أي دينه وسمي أمانة لأنه ائتمن على أدائه قال تعالى وتخونوا أماناتكم الأنفال أي ما ائتمنتكم عليه ذكره التوربشتي وأنا أرضى أي كنت أرضى حينئذ أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع بالنصب ويجوز رفعه على أن تكون الجملة حالية أي ولا أنقلب إلى أخواتي بثمرة فسلم الله البيادر كلها أي جعلها سالمة عن النقصان ذكره شارح أو خلصها عن أيدي الغرماء ببركته وحتى أني بفتح الهمزة وجوز كسرها قال الطيبي حتى هي الداخل ما بعدها فيما قبلها وهي عاطفة على مقدر جمع أولا في قوله فسلم الله البيادر كلها ثم فصلها بقوله حتى كذا وحتى كذا اه ومجمله أنها عطف على مقدر أي فسلم الله البيادر كلها حتى لم ينقص من تلك البيادر التي لم يكلها شيء أصلا وحتى أني أنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي أي جالسا كأنها أي القصة أو البيدر والتأنيث باعتبار الصبرة لم تنقص تمرة بالرفع على أن النقص لازم أي لم ينتقص تمرة منها وفي نسخة بالنصب على أنها تمييز أو مفعول والإسناد إلى الصبرة مجازي وقوله واحدة للتأكيد رواه البخاري وكذا النسائي وعنه أي عن جابر قال إن أم مالك أي البهزية من بني سليم لها صحبة ورواية وهي حجازية روى عنها طاوس ومكحول كانت تهدي من الإهداء للنبي في عكة بضم فتشديد قربة صغيرة ذكره شارح وفي النهاية هي وعاء من جلد مستدير ويختص بالسمن والعسل وهو بالسمن أخص لها أي كانت لأم مالك سمنا مفعول تهدي


فيأتيها بنوها فيسألون الأدم بضمتين ويسكن الثاني أي الآدام وليس عندهم فيه تغليب شيء أي من الآدام أو مما يشترى به والجملة حال فتعمد بكسر الميم أي تقصد أمهم إلى الذي أ
إلى العكة والتذكير باعتبار الظرف كانت تهدي فيه للنبي فتجد فيه سمنا فما زال أي الظرف أو السمن الذي تجده فيه يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته أي لزيادة الطمع فانقطع الإدام بناء على أن الحرص شؤم والحريص محروم فأتت النبي أي وأخبرته بالخبر جميعا وقال الطيبي أي فأتت وشكت انقطاع إدام بيتها من العكة فقال عصرتيها أي العكة والياء للإشباع وهمزة الاستفهام مقدرة قالت نعم قال لو تركتيها بإشباع الياء أيضا أي لو تركت ما فيها من السمن وما عصرتها ما زال أي إدام بيتك قائما أي ثابتا دائما فإن البركة إذا نزلت في شيء ولو كان قليلا كثر ذلك القليل رواه مسلم وعن أنس قال أبو طلحة لأم سليم وهي أم أنس زوجة أبي طلحة لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء أي ولو قليلا من المأكول فقالت نعم فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخرجت خمارا لها وهو ما تستر المرأة به رأسها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته أي خبأته وأخفته تحت يده أي يد أنس ففي النهاية يقال دسه إذا أدخله في الشيء بقهر وقوة ولاثتني بالثاء المثلثة أي عممتني ببعضه أي ببعض الخمار وهو الطرف الآخر منه قال القاضي أي عممتني أو لفعتني من اللوث وهو لف الشيء بالشيء وإدارته عليه اه وفيه دلالة على كمال قلة الخبز ثم أرسلتني إلى رسول الله فذهبت به أي بالخبز إليه فوجدت رسول الله في المسجد قال العسقلاني المراد بالمسجد هو الموضع الذي أعده النبي للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق ومعه الناس أي الكثير وهم ثمانون رجلا على ما سيأتي فسلمت عليهم أي بلفظ الجمع وقصد الجميع فقال لي رسول الله أرسلك بهمزة مقدرة وقال العسقلاني بهمزة ممدودة للاستفهام أي أبعثك إلي أبو طلحة قلت نعم وهو لا ينافي


إرسال أمه لأن
مؤداهما واحد ومآلهما متحد ولعله عدل عن ذكرها احتشاما أو لأن أبا طلحة هو الباعث الأول فتأمل فإنه المعول قال بطعام قلت نعم والتفريق إما للتفهيم أو بحسب تدريج الوحي والتعليم فقال رسول الله لمن معه قوموا قال ابن حجر ظاهره أنه فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله فلذا قال لمن حوله قوموا وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس فيجمع بأنهما أرادا إرسال الخبز مع أنس أن يأخذه النبي فيأكله فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس استحى وظهر له أن يدعو النبي ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه ويحتمل أن يكون ذلك على رأي من أرسله عهد إليه إذا رأى كثرة الناس دعا النبي خشية أن لا يكفيهم ذلك الشيء وقد عرفوا إيثار النبي وأنه لا يأكل وحده وقد وجدت أكثر الروايات تقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي في هذه الواقعة قلت هذا الكلام كله غير مستقيم على المنهج القويم لأنه لما عرف بنور الوحي أن أبا طلحة أرسل أنسا بطعام وأخبره به كيف يفهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله ثم قوله وأول الكلام يقتضي الخ ليس في محله لأنه صريح في ذلك المرام لا مقتضي الكلام ثم لا دلالة للإستحياء والاستدعاء المنسوبين لأنس لأنه ليس له ولاية ذلك ولا على رأي من أرسله لأنه لو كان بأمر أبي طلحة لما حصل له فزع واضطراب بمأتى النبي إليه فالصواب أنه أراد إظهار المعجزة وهو إشباع جمع كثير بخبز قليل ومنضمة إلى معجزة أخرى وهي قضية العكة الآتية في بيت أبي طلحة وأنس وأمه ليحصل لهم بركة عظيمة بحسن نيتهم وإخلاص طويتهم وآداب خدمتهم ويكون نظير ما تقدم والله أعلم قال أنس فانطلق أي النبي ومن معه من الناس وانطلقت بين أيديهم أي قدامهم كهيئة الخادم والمضيف أو مسرعا لإيصال الخبر لقوله حتى جئت أبا طلحة فأخبرته أي بإتيانهم فقال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله بالناس أي معهم وليس عندنا ما نطعمهم أي غير ما أرسلناه إليه وثم


جمع كثير فكيف نقدم لهم شيئا قليلا فقالت الله ورسوله أعلم أي فلا بد من ظهور بعض الحكم قال النووي فيه منقبة عظيمة لأم سليم ودلالة عظيمة على عظم دينها ورجحان عقلها وقوة يقينها تعني أنه علم قدر الطعام فهو أعلم بالمصلحة ولو لم يعلم المصلحة لما فعلها فانطلق أبو طلحة أي مسارعا حتى لقي رسول الله فأقبل رسول الله وأبو طلحة معه أي حتى دخلا على أم سليم والناس وراءهما فقال رسول الله هلمي يا أم سليم أي عجلي وأحضري ما عندك أي من الخبز فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله أي أبا طلحة أو غيره بالخبز يعني بتفتيته ففت بصيغة المجهول الماضي أي جعل فتيتا أي قطعا صغارا مفتوتا قال شارح أو هو أمر مخاطب ولعل تقديره


فأمر به وقال ففت وعصرت أم سليم عكة فأدمته بفتح الهمزة وفي نسخة بمدها أي جعلت ما خرج من العكة وهو السمن إداما لذلك الفتيت ثم قال رسول الله فيه لك أي في ذلك الخبز مع الإدام أو فيما ذكر من الخبز والإدام ما شاء الله أن يقول أي من الدعاء أو الأسماء وفي رواية ثم قال باسم الله اللهم أعظم فيهما البركة ثم قال أي لأبي طلحة ولأنس أو لغيرهما ائذن لعشرة وإنما أذن لعشرة عشرة ليكون أرفق بهم فإن القصعة التي فيها الطعام لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم لبعدها عنهم ذكره الطيبي وقيل إنما لم يأذن للكل مرة واحدة لأن الجمع الكثير إذا نظروا إلى طعام قليل يزداد حرصهم إلى الأكل ويظنون أن ذلك الطعام لا يشبعهم والحرص عليه يمحق البركة ويمكن أن يكون بناء على أن الجمع الجليل إذا أبصروا الطعام القليل لآثر بعضهم بعضا على أنفسهم أو استحيوا من الأكل الكثير واستقلوا في أكلهم ولم يحصل لهم مرادهم من القوة في الشجاعة وعلى أداء الطاعة وقيل لضيق المنزل فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة ثم لعشرة أي وهلم جرا فأكل القوم كلهم وشبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا قال ابن حجر كذا وقع هنا بالشك وفي غير هذه الجزم بالثمانين وفي رواية بضعة وثمانين وفي رواية ابن أبي ليلى فعل ذلك بثمانين رجلا وفي رواية عند أحمد قلت كم كانوا قال كانوا نيفا وثمانين ولا منافاة بينها لاحتمال أن يكون ألغي الكسر لكن في رواية عند أحمد حتى أكل منه أربعون وبقيت كما هي وهذا يؤيد التغاير وأن القضية متعددة قلت القضية متحدة والجمع بأن الجمع الأول كانوا أربعين ثم لحقهم أربعون أخر ممن كانوا وراءهم أو وقع منه دعاؤهم متفق عليه وفي رواية لمسلم أنه قال ائذن لعشرة فدخلوا فقال كلوا وسموا الله فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا ثم أي بعد فراغ أكل أصحابه أكل النبي وأهل البيت وترك سؤرا بضم سين وسكون همزة ويبدل وجزم التوربشتي وقال هو بالهمز


أي بقية وفي رواية للبخاري قال أدخل علي عشرة حتى عد أربعين ثم أكل النبي أي من غير انتظار
للأربعين الأخر ليحصل بركته للطرفين من الأربعين أو المعنى ثم بعد فراغ الكل أكل فجعلت أنظر أي أتفكر وأتردد وأتأمل هل نقص منها شيء أم لا فلا يظهر منه نقص أصلا وفي رواية لمسلم ثم أخذ ما بقي فجمعه ثم دعا فيه بالبركة فعاد كما كان فقال أي لأهل البيت دونكم هذا أي خذوه قال التوربشتي فإن قيل كيف تستقيم هذه الروايات من صحابي واحد ففي إحداها يقول ترك سؤرا وفي الأخرى يقول فجعلت أنظر هل نقص منها شيء وفي الثالثة ثم أخذ ما بقي فجمعه الحديث قلنا وجه التوفيق فيهن هين بين وهو أن نقول إنما قال وترك سؤرا باعتبار أنهم كانوا يتناولون منه فما فضل منه سماه سؤرا وإن كان بحيث يحسب أنه لم ينقص منه شيء أو أراد بذلك ما فضل عنهم بعد أن فرغوا منه وقيل أخبر في الأولى أنه دعا فيه بالبركة وفي الثانية يحكيه على ما وجده عليه بعد الدعاء وعوده إلى المقدار الذي كان عليه قبل التناول والثالثة لا التباس فيها على ما ذكرناه وعنه أي عن أنس قال أتي النبي أي جيء بإناء وهو بالزوراء بالفتح والمد وهي البئر البعيدة القعر وقيل موضع قريب بالمدينة ذكره شارح والظاهر أن الثاني هو المراد قال ابن حجر هو مكان بالمدينة عند السوق وفي القاموس موضع بالمدينة قرب المسجد فوضع يده في الإناء فجعل أي شرع الماء ينبع بفتح الموحدة وضمها وجوز كسرها فقيل فيه ثلاث لغات والمختار الفتح وفي المصباح نبع كنصر وكمنع لغة وفي القاموس نبع ينبع مثلثة خرج من العين من بين أصابعه قال النووي في كيفية هذا النبع قولان حكاهما القاضي وغيره أحدهما أن الماء يخرج من نفس أصابعه وينبع من ذاتها وهو قول المزني وأكثر العلماء وهو أعظم في المعجزة من نبعه من حجر ويؤيده ما جاء في رواية فرأيت الماء ينبع من أصابعه وثانيهما أنه تعالى أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه فتوضأ القوم أي


منه قال قتادة قلت لأنس كم كنتم أي يومئذ قال ثلثمائة بالنصب على تقدير كنا وفي نسخة بالرفع أي نحن أو القوم ثلثمائة وكذا قوله أو زهاء ثلاثمائة بنصب زهاء وبرفعه وهو بضم الزاي وبالمد أي بمقدارها قال الطيبي ثلاثمائة منصوب على
أنه خبر لكان المقدر وزهاء ثلثمائة أي قدر ثلثمائة من زهوت القوم إذا حزرتهم متفق عليه وعن عبد الله بن مسعود قال كنا نعد الآيات أي المعجزات والكرامات بركة وأنتم تعدونها تخويفا أي إنذارا وهلكة قال شارح وسميت آية لأنها علامة نبوته فقيل أراد ابن مسعود رضي الله عنه بذلك أن عامة الناس لا ينفع فيهم إلا الآيات التي نزلت بالعذاب والتخويف وخاصتهم يعني الصحابة كان ينفع فيهم الآيات المقتضية للبركة اه وحاصله أن طريق الخواص مبني على غلبة المحبة والرجاء وسبيل العوام مبني على كثرة الخوف والعناء ويسمي الأولون بالطائرين المجذوبين المرادين والآخرون بالسائرين السالكين المريدين وتفصيل هذا المرام مما لا يقتضيه المقام قال الطيبي قوله وأنتم تعدونها تخويفا هو من قوله تعالى وما نرسل بالآيات إلا تخويفا الإسراء والآيات إما أن يراد بها المعجزات أو آيات الكتاب المنزلة وكلاهما بالنسبة إلى المؤمن الموافق بركة وازدياد في إيمانه وبالنسبة إلى المخالف المعاند إنذار وتخويف يعني لا نرسلها إلا تخويفا من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له وفيه مدح للصحابة الذين استسعدوا بصحبة خير البرية ولزموا طريقته وذم لمن عدل عن الطريق المستقيم قلت إيراد الآية المذكورة في هذا المقام غير مناسب للمرام فإن معناها على ما قاله المفسرون وما نرسل بالآيات أي بالآيات المقترحة كما يدل عليه ما قبله من قوله وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها الإسراء وقوله إلا تخويفا أي من نزول العذاب المستأصل فإن لم يخافوا نزل أو بغير المقترحة كالمعجزات وآيات القرآن إلا تخويفا بعذاب


الآخرة فإن أمر من بعث إليهم مؤخر إلى يوم القيامة فالتخويف مطلوب من المؤمنين على كلا المعنيين على ما نطق به الكتاب على أبلغ وجه وآكده حيث أتى بصيغة الحصر فكيف يستقيم لابن مسعود رضي الله عنه أن ينكر عليهم في عدها تخويفا فتبين أن مراده غير هذا المعنى مما تقدم والله أعلم والأظهر أن يقال معناه كنا نعد خوارق العادات الواقعة من غير سابقة طلب مما يترتب عليها البركة آيات ومعجزات وأنتم تحصرون خوارق العادات على الآيات المقترحة التي يترتب عليها مخافة العقوبة ويدل عليه بيانه بقوله كنا مع رسول الله في سفر فقل الماء فقال اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل


يده في الإناء ثم قال حي على الطهور بفتح الطاء أي الماء المبارك أي الكثير البركة والمعنى هلموا إليه وأسرعوا والبركة من الله أي لا من أحد سواه ثم قال ابن مسعود ولقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ولقد كنا أي أحيانا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل وذكر صاحب الشفاء وغيره عن أنس أن النبي أخذ كفا من حصى فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح رواه البخاري وكذا الترمذي وعن أبي قتادة قال خطبنا أي خطب لنا رسول الله فقال إنكم تسيرون عشيتكم أي أول ليلتكم وليلتكم أي بقيتها وآخرها وتأتون الماء أي تحضرونه إن شاء الله غدا فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد أي لا يلتفت إليه ولا يعطف عليه بل يمشي كل واحد على حدته من غير أن يراعي الصحبة لاهتمامه بطلب الماء ووصوله إليه وحصوله لديه قال أبو قتادة فبينما رسول الله يسير أي في ليلة حتى ابهار الليل بسكون الموحدة وتشديد الراء ومصدره ابهيرار كاحمار احميرار أي انتصف وتوسط ذكره التوربشتي ويقال ذهب معظمه وأكثره وقيل ابهار الليل إذا طلعت نجومه واستنارت فمال عن الطريق أي لقصد النوم فوضع رأسه ثم قال أي لبعض خدمه احفظوا علينا صلاتنا أي وقتها وهي صلاة الصبح فكأنه غلب عليهم النوم فرقدوا فكان أول من استيقظ رسول الله وهو اسم كان أو خبره وأول عكسه والشمس في ظهره أي طالعة جملة حالية ثم قال اركبوا قال ابن الملك في تأخيره قضاء الصلاة دليل على أن من نام عن صلاة أو نسيها ثم تذكرها لا يجب عليه القضاء على الفور وعلى ندب مفارقة الموضع الذي ترك فيه المأمور أو ارتكب فيه المنهي يعني ولو من غير قصد لكن الأظهر أن تأخيره إنما هو لرجاء أن يصل إلى الماء أو لخروج وقت الكراهة كما يدل عليه قوله فركبنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس أي بقدر رمح أو أكثر نزل ثم دعا بميضأة بكسر الميم وفتح الهمز ة وفي نسخة بألف قبل الهمز وأصله موضأة أبدلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها قال ابن الملك بكسر


الميم على وزن مفعلة من الوضوء وفي الفائق هي على مفعلة ومفعالة مطهرة كبيرة
يتوضأ منها ذكره الطيبي وفي النهاية بالكسر والقصر وقد يمد والمعنى ثم طلب مطهرة كانت معي فيها شيء أي قليل من ماء فتوضأ منها وضوءا دون وضوء يعني وضوءا وسطا وذلك لقلة الماء ذكره شارح ووافقه الطيبي وقيل أراد أنه استنجى في هذا الوضوء بالحجر لا بالماء والصواب الأول قاله ابن الملك والأظهر أن يقال وضوءا دون وضوء يتوضأ في سائر الأوقات من التثليث بأن اكتفى بمرة أو مرتين قال أي ابن مسعود وبقي فيها شيء من ماء ثم قال أي النبي احفظ علينا أي لأجلنا ميضأتك أي ذاتها وما فيها فسيكون لنا نبأ أي خبر عظيم وشأن جسيم وفائدة جليلة ونتيجة جميلة يتحدث بها ويروى حكايتها وقال ابن الملك أي معجزة كما سيأتي ثم أذن بلال بالصلاة فيه استحباب الأذان للقضاء كما هو سنة للأداء فصلى رسول الله ركعتين أي سنة الصبح لفوتها مع فرضه المؤديين قبل الزوال وأما إذا فاتت وحدها فلا قضاء لها إلا عند محمد لكن بعد طلوع الشمس إلى زوالها وبعد الزوال لا تقضي اتفاقا ثم صلى الغدوة أي فرض الصبح قضاء وركب وركبنا معه فانتهينا إلى الناس أي النازلين من أهل القافلة حين امتد النهار أي ارتفع وحمي كل شيء أي اشتد حرارته وهم يقولون يا رسول الله هلكنا أي من حرارة الهواء وعطشنا بكسر الطاء أي من عدم الماء فقال لا هلك بضم فسكون أي لا هلاك عليكم وهو دعاء أو خبر ودعا بالميضأة فجعل يصب أي الماء وأبو قتادة يسقيهم بفتح أوله ويضم فلم يعد مضارع عدا أي لم يتجاوز أن رأى الناس أن مصدرية أي رؤيتهم ماء أي كثيرا في الميضأة تكابوا بتشديد الموحدة أي تزاحموا عليها أي على الميضأة مكبا بعضهم على بعض قال الطيبي لم يضبط الشيخ محيي الدين هذه اللفظة وفي أكثر نسخ المصابيح وقعت بفتح الياء وسكون العين وضم الدال وإثبات الفاء في قوله فتكابوا وليس في مسلم ولا في شرحه الفاء وأن رأى الناس يحتمل أن يكون


فاعلا أي لم يتجاوز رؤية الناس الماء إكبابهم فتكابوا وأن يكون مفعولا أي لم يتجاوز السقي أو الصب رؤية الناس الماء في تلك الحالة وهي كبهم عليه فقال رسول الله أحسنوا الملأ بفتحتين أي الخلق ففي القاموس الملأ محركة الخلق ومنه أحسنوا أملاءكم أي أخلاقكم وفي الفائق الملأ حسن الخلق وقيل للخلق الحسن ملأ لأنه أكرم ما في الرجل وأفضله من قولهم لكرام القوم ووجوههم ملأ وإنما قيل للكرام ملأ
لأنهم يتمالؤون أي يتعاونون أقول الأظهر أن يقال لأنهم يملؤون المجلس أو يملؤون العيون عظمة أو بحشمهم وخدمهم كثرة كلكم سيروى بفتح الواو أي جميعكم تروون من هذا الماء فلا تزدحموا ولا تسيئوا أخلاقكم بالتدافع قال أي الراوي ففعلوا أي الناس إحسان الخلق ولم يزدحموا حيث اطمأنوا فجعل رسول الله يصب وأسقاهم حتى ما بقي غيري أي من الصحابة وغير رسول الله ثم صب فقال لي اشرب فقلت لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله فقال إن ساقي القوم آخرهم أي شربا كما في بعض الروايات على ما سيأتي ولا شك أن الساقي حقيقة هو النبي فلا ينافي قول أبي قتادة وأسقيهم لأنه بمعنى أناولهم قال فشربت وشرب قال أي أبو قتادة فأتى الناس الماء أي وصلوا إلى مكان الماء جامين بتشديد الميم أي مستريحين ذكره التوربشتي رواء بالكسر والمد جمع راو وهو الذي روي من الماء أو جمع ريان كعطاش جمع عطشان أي ممتلئين من الماء وقال شارح قوله جامين أي مجتمعين من الجم أو مستريحين من الجمام بالفتح وهو الراحة وزوال الإعياء قال التوربشتي وأكثر ما يستعمل ذلك في الفرس يعني لأنه كثير العطش رواه مسلم هكذا في صحيحه وكذا في كتاب الحميدي وجامع الأصول أي ساقي القوم آخرهم بدون شربا وهو كذلك في تاريخ البخاري ورواية أحمد وأبي داود عن عبد الله بن أبي أوفي وزاد في المصابيح بعد قوله آخرهم لفظة شربا قلت وهو رواية الترمذي وابن ماجه عن أبي قتادة وكذا رواه الطبراني في الأوسط والقضاعي عن المغيرة وعن أبي


هريرة قال لما كان يوم غزوة تبوك بعدم الانصراف وقد يصرف وهو موضع بينه وبين المدينة مسيرة شهر قال ابن حجر المشهور في تبوك عدم الصرف للتأنيث والعلمية ومن صرفها أراد الموضع اه والأظهر أنه لا يجوز صرفه للعلمية ووزن الفعل على وزن يزاد قال السيوطي وكانت سنة تسع في رجب وهي آخر غزواته بنفسه وقيل سميت بذلك لأنه رأى قوما من أصحابه يبوكون عين تبوك أي يدخلون فيها القدح أي السهم ويحركونه ليخرج الماء فقال ما زلتم تبوكونه بوكا أصاب الناس جواب لما أي حصل لهم مجاعة بفتح الميم أي جوع شديد فقال عمر يا رسول الله ادعهم بفضل


أزوادهم في الحديث اختصار إذ روي أنهم أصابهم مجاعة فقالوا يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وأدمنا فقال افعلوا فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قلت الظهور ولكن ادعهم بفضل أزوادهم والفضل ما زاد عن شيء والأزواد جمع زاد وهو طعام يتخذ للسفر فالمعنى مرهم بأن يأتوا ببقية أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها أي على تلك الأزواد بالبركة أي كثرة الخير فقال نعم فدعا بنطع بكسر النون وفتح الطاء وفي نسخة بفتح فسكون والأول أفصح على ما صرح به شراح الشفاء وقال النووي في النطع لغات فتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها وأفصحهن كسر النون وفتح الطاء وفي القاموس النطع بالكسر والفتح وبالتحريك وكعنب بساط من الأديم فبسط بصيغة المجهول أي النطع ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء ففي القاموس الذرة كثبة حب معروف أصله ذرو ويجيء الآخر بكف تمر اسم جنس واحده تمرة بالتاء ويجيء الآخر بكسرة أي بقطعة من الخبز حتى اجتمع على النطع شيء يسير أي قليل جدا فدعا رسول الله بالبركة أي بنزولها عليه ثم قال خذوا أي ما تريدون من الزاد الواقع في النطع واجعلوا في أوعيتكم وقال الطيبي أي صبوا في أوعيتكم آخذين أو خذوا صابين في أوعيتكم اه وقد أشار إلى نوعي التضمين لكن التضمين للجعل أولى من الصب في هذا المقام من جهة المعنى كما لا يخفى على ذوي النهي فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر أي في المعسكر أو في أيدي العسكر وعاء إلا ملؤوه وما أحلى ذلك المال الحلال قال أي أبو هريرة فأكلوا أي جميع العسكر حتى شبعوا وفضلت بفتح الضاد ويكسر أي زادت فضلة بالرفع أي زيادة كثيرة ففي القاموس الفضل ضد النقص وقد فضل كنصر وكرم والجمع فضول فقال رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيه إيماء إلى أن رؤية المعجزات سبب زيادة اليقين في المعتقدات لا يلقى الله بهما أي بالشهادتين عبد قال الطيبي


يجوز أن تكون الباء فيه سببية أو استعانة أو حالا وقد جيء بالجملة استطرادا أو استبشارا للأمة وقوله غير شاك مرفوع صفة عبد قلت وفي نسخة منصوب على الاستثناء أو الحال فيحجب بالنصب وفي نسخة بالرفع أي فيمنع عن الجنة قال شارح فيحجب بالنصب بإضمار أن في جواب النفي وهو لا يلقى
اه قال ابن الملك والمعنى من يلقى الله بالشهادتين من غير تردد ولا شك فلا يحجب عن الجنة أبدا وقال الطيبي فيحجب مرفوع عطفا على الجملة السابقة والنفي منصب عليهما معا رواه مسلم وكذا البخاري نحوه عن سلمة وعن أنس قال كان النبي عروسا هو نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث والمعنى زوجا جديدا بزينب أي بسببها وقيل أي متزوجا بها فعمدت بفتح الميم أي قصدت أمي أم سليم بدل أو بيان إلي تمر وسمن وأقط بفتح فكسر أي لبن مجفف يابس مستحجر على ما في النهاية وفي القاموس الأقط مثلثة ويحرك وككتف ورجل وإبل شيء يتخذ من المخيض الغنمي فصنعت حيسا فالحيس مجموع الثلاثة والحديث متفق عليه فقول ابن حجر في شرح الشمائل الحيس هو تمر مع سمن أو أقط وقيل هو مجموع ثلاثة نقل غير مرض والصواب أن يقال وقد يطلق على التمر مع سمن أو أقط كما قال وقد يجعل بدل الاقط دقيق أو فتيت ويؤيد ما ذكرناه ما في القاموس الحيس الخلط وتمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدا ثم ينذر منه نواه وربما يجعل فيه سويق فجعلته أي أم سليم في تور بمثناة فوقية فواو ساكنة فراء إناء كالقدح فقالت يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله فقل بعثت بهذا إليك أمي وهي تقرئك السلام وتقول إن هذا لك منا قليل أي زهيد غير لائق بك يا رسول الله فذهبت أي به إليه فقلت أي ما أوصتني به فقال ضعه أي قائلا بلسان الحال أن اليسير عندنا كثير وله بعد القبول فضل كبير ثم قال اذهب فادع لي فلانا وفلانا وفلانا رجالا أي ثلاثة سماهم أي عينهم بأسمائهم ونسبتهم فعبرت عنهم بفلانا وفلانا وفلانا فقوله رجالا سماهم من كلام أنس بدل من فلانا الخ أو بتقدير


أعني أو يعني والله أعلم وادع لي من لقيت أي على العموم فدعوت من سمى ومن لقيت فرجعت فإذا البيت غاص بأهله بتشديد الصاد المهملة أي ممتلىء بهم والظاهر أن المراد بالبيت هو الدار ويحتمل أن يكون على بابه ويكون فيه معجزة أخرى حيث وسع خلقا كثيرا قيل
لأنس عددكم كم كانوا جمع الضمير نظرا إلى معنى العدد لزيادته على الواحد قال زهاء ثلثمائة بنصب زهاء على تقدير كانوا وقيل برفعه أي عددنا مقدار ثلثمائة فرأيت النبي وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله أي من الذكر والدعوة ثم جعل يدعو عشرة عشرة أي عشرة بعد عشرة لما سبق يأكلون منه ويقول لهم اذكروا اسم الله وليأكل بسكون لام الأمر ويكسر أي يتناول كل رجل مما يليه أي مما يقربه من الوعاء قال أي أنس فأكلوا حتى شبعوا فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم أي وشبعوا جميعهم قال لي يا أنس ارفع أي القدح فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت أي في الصورة وإلا فلا شك أنه حين الرفع أكثر ببركة وضع يده وفضلة أصحابه رضي الله عنهم هذا وقد قيل ظاهره إن الوليمة لزينب كانت من الحيس الذي أهدته أم سليم والمشهور من الروايات أنه أولم عليها بخبز ولحم ولم يقع في القصة تكثير ذلك الطعام وأجيب بأنه يجوز أن يكون حضور الحيس صادف حضور الخبز واللحم وانكار وقوع تكثير الطعام في قصة الخبز واللحم عجيب فإن أنسا يقول أولم عليها بشاة وإنه أشبع المسلمين خبزا ولحما وهم يومئذ نحو الألف قلت لا دلالة فيه على أن الحيس وليمة وإنما وقع إرساله هدية ثم إما في آخر ذلك اليوم وإما في يوم آخر أولم عليها بشاة وأشبع الألف خبزا ولحما فلا منافاة بين القضيتين ولا معارضة بين المعجزتين والله سبحانه وتعالى أعلم متفق عليه وعن جابر قال غزوت مع رسول الله وأنا على ناضح أي راكب على بعير يستقى عليه كما في النهاية قد أعيا أي عجز عن المشي قال ابن الملك هو لازم ومتعد فلا يكاد يسير أي لا يقرب المسير


المطلوب منه فتلاحق أي لحق بي النبي فقال ما لبعيرك قلت قد عيي بكسر الياء أي عجز فتخلف رسول الله أي عن العسكر وعن
الناضح فزجره أي بالضرب أو الصوت فدعا له فما زال بين يدي الإبل أي سائرها قدامها بدل أو بيان لقوله بين يدي الإبل وهو ظرف لقوله فما زال ويجوز أن يكون ظرفا لقوله يسير وهو خبر ما زال واسمه عائد إلى ناضح كذا حققه الطيبي فقال لي كيف ترى بعيرك أي الآن قلت بخير قد أصابته بركتك قال أفتبيعنيه بوقية أي بأربعين درهما صرح به شارح وهو بضم الواو ويفتح وكسر القاف وتشديد التحتية قال في المصباح وجرى على ألسنة الناس بالفتح في الوقية وهي لغة حكاها بعضهم وفي نسخة صحيحة بأوقية بضم الهمز وسكون الواو وقيل هذا هو المشهور والوقية يستعملها الآن المستعربون وهي بالضم لغة عامرية والأوقية لغيرهم ثم قيل هي في الحديث أربعون درهما وعند الأطباء ومتعارف الناس الآن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم وفي القاموس الأوقية بالضم سبعة مثاقيل كالوقية بالضم وفتح المثناة التحتية مشددة و أربعون درهما وقيده صاحب النهاية بقوله في القديم فبعته على أن لي فقار ظهره إلى المدينة بفتح الفاء أي ركوب فقار ظهره وهي عظام الظهر ففي النهاية فقار الظهر خرزاته الواحدة فقارة أي بالفتح كما نص عليه صاحب القاموس واسم سيفه ذو الفقار لأنه كان فيه فقر صغار حسان على ما في النهاية قال ابن الملك فيه جواز استثناء بعض منفعة المبيع مدة فلما قدم رسول الله المدينة غدوت عليه بالبعير أي أتيته به غدوة فأعطاني ثمنه ورده علي قال ابن حجر هذا بطريق المجاز لأن العطية إنما وقعت له بواسطة بلال كما رواه مسلم فلما قربت المدينة قال لبلال أعطه أوقية من ذهب وزد اه وفيه بحث إذ الظاهر أن أمره لبلال أسبق ثم إعطاؤه في غد تحقق مع أن حقيقة العطاء إنما تكون للأمر به متفق عليه وعن أبي حميد بالتصغير الساعدي نسبة إلى بني ساعدة قال خرجنا مع رسول الله غزوة تبوك أي إليها أو


فيها فنصب غزوة على نزع الخافض فأتينا وادي القرى بسكون ياء الوادي لكنها تسقط في الدرج وفي بعضها بنصبها وهو ظاهر على أن التركيب إضافي لا مزجي وقال التوربشتي وادي القرى لا يعرب الياء من الوادي فإن
الكلمتين جعلتا اسما واحدا اه وهو موضع معروف أي جئناه مارين على حديقة أي بستان عليه حائط لامرأة فقال رسول الله أخرصوها بضم الراء أي قدروا وخمنوا ثمرها فخرصناها أي مختلفين في قدرها وخرصها رسول الله عشرة أوسق والوسق ستون صاعا وقال أي للمرأة أحصيها بفتح الهمز أي اضبطيها واحفظي عددها كم يبلغ ثمرها حتى نرجع إليك إن شاء الله وانطلقنا حتى قدمنا تبوك رسمه بغير ألف هنا في جميع النسخ يدل على أنه غير منصرف لا غير فقال رسول الله ستهب بضم الهاء وتشديد الموحدة أي ستمر عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم فيها أحد أي من مكانه فإنه يضره فمن كان له بعير فليشد أي فليربط من الآن عقاله بكسر العين ما يربط به وظيف البعير إلى ذراعه فهبت ريح شديدة فهذه معجزة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء بياء مشددة بعدها همز على وزن سيد وهو أبو قبيلة من اليمن ذكره في شرح مسلم وكذا في القاموس ثم قيل الجبلان أحدهما أجأ بالتحريك وهو بهمز وجيم فهمز على فعل كجبل وقيل كعصا والآخر سلمي بفتح السين وهما بأرض نجد ويقال إنهما سميا باسم رجل وامرأة من العماليق والحاصل أن هذا معجزة أخرى قال الراوي ثم أقبلنا أي في الرجوع حتى قدمنا وادي القرى فسأل رسول الله المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها بفتح المثلثة والميم ويجوز ضمهما وضم فسكون والمراد تمرها كما في نسخة فقالت عشرة أوسق بالنصب أي بلغ وفي نسخة بالرفع أي عدد أوساقها عشرة أوسق مطابقا لقوله عليه الصلاة والسلام فهذه معجزة ثالثة لأجل تحديها وطلب معارضتها فلا ينافيه أنه قد يقع مثل هذا اتفاقيا ولعله أراد بهذه المعجزات إظهار نبوته للذين كانوا معه من أهل النفاق ولزيادة إيقان إيمان أهل العرفان


متفق عليه وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله إنكم ستفتحون مصر
وهي بلدة معروفة وهي أرض يسمي أي يذكر فيها القيراط وهو نصف عشر دينار وقيل خمس شعيرات وأصله قراط بتشديد الراء أبدلت الراء الأولى ياء ونظيره دينار قال القاضي أي يكثر أهلها ذكر القراريط في معاملاتهم لتشددهم فيها وقلة مروءتهم وقيل القراريط كلمة يذكر أهلها في المسابة ويقولون أعطيت فلانا قراريط أي أسمعته المكروه وقد حكاه الطحاوي عنهم وهو أعلم بلهجة أهل بلده لأنه منهم ومعنى الحديث أن القوم لهم دناءة وخسة أو في لسانهم بذاء وفحش فإذا فتحتموها أي إذا استوليتم على أهلها وتمكنتم منهم فأحسنوا إلى أهلها أي بالصفح والعفو عما تنكرون ولا يحملنكم سوء أفعالهم وأقوالهم على الإساءة فإن لها أي لأهلها ذمة أي حرمة وأمانا من جهة إبراهيم ابن النبي ورحما بفتح فكسر أي قرابة من قبل هاجر أم إسماعيل عليه السلام فإن هاجر ومارية كانتا من القبط أو قال ذمة وصهرا شك من الراوي قال شارح فعلى هذه الرواية الصهر يختص بمارية والذمة بهاجر فإذا رأيتم رجلين يختصمان في موضع لبنة بفتح لام وكسر موحدة وهي الآجر قبل طبخه فأخرج أي يا أبا ذر منها أي من مصر والظاهر المطابق لرأيتم أن يقال فاخرجوا ولعله خص الأمر به شفقة عليه من وقوعه في الفتنة لو أقام بينهم قال أي أبو ذر فرأيت عبد الرحمان بن شرحبيل بضم ففتح فسكون فكسر فسكون بلا انصراف ابن حسنة بفتحات وأخاه ربيعة لم يذكرهما المؤلف في أسمائه يختصمان في موضع لبنة فخرجت منها وقد وقع هذا في آخر عهد عثمان حين عتبوا عليه ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخيه من الرضاعة فهذا من قبيل ما كوشف للنبي من الغيب أنه ستحدث هذه الحادثة في مصر وسيكون عقيب ذلك فتن وشرور بها كخروج المصريين على عثمان رضي الله عنه أولا وقتلهم محمد بن أبي بكر ثانيا وهو وال عليهم من قبل علي فاختبأ حين أحس بالشر في جوف حمار ميت فرموه بالنار فجعل ذلك


علامة وأمارة لتلك الفتن وأمر أبا ذر بالخروج منها حيثما رآه وهذا هو الظاهر وعليه اقتصر الشراح وقال الطيبي أو علم أن في طباع سكانها خسة ومماكسة كما دل عليه صدر الحديث فإذا اقتضت الحال إلى أن يتخاصموا في هذا المحقر فينبغي أن يتحرز عن مخالطتهم ويجتنب عن مساكنتهم رواه مسلم وعن حذيفة عن النبي قال في أصحابي وفي رواية قال
في أمتي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها مع أنه يشم من مسافة خمسمائة عام حتى يلج الجمل في سم الخياط أي حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة وهو من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط الأعراف قال الشيخ التوربشتي صحبة النبي المعتد بها هي المقترنة بالإيمان ولا يصح أن يطلق الصحابي إلا على من صدق في إيمانه وظهرت منه أمارته دون من أغمض عليهم بالنفاق فإضافتها إليهم لا تجوز إلا على المجاز لتشبههم بالصحابة وتسترهم بالكلمة وإدخالهم أنفسهم في غمارهم ولهذا قال في أصحابي ولم يقل من أصحابي وذلك مثل قولنا إبليس كان في الملائكة أي في زمرتهم ولا يصح أن يقال كان من الملائكة فإن الله سبحانه وتعالى يقول كان من الجن الكهف وقد أسر بهذا القول إلى خاصته وذوي المنزلة من أصحابه أمر هذه الفئة المسومة المتلبسة لئلا يقبلوا منهم الإيمان ولا يقبلوا من قبلهم المكر والخداع ولم يكن يخفى على المحفوظين شأنهم لإشتهارهم بذلك في الصحابة إلا أنهم كانوا يواجهونهم بصريح المقال أسوة برسول الله وكان حذيفة أعلمهم بأسمائهم وذلك لأنه كان ليلة العقبة مع النبي مرجعه من غزوة تبوك حين هموا بقتله ولم يكن على العقبة إلا رسول الله وعمار يقود به وحذيفة يسوق به وكان منادي رسول الله قد نادى أن خذوا بطن الوادي فهو أوسع لكم فإن رسول الله قد أخذ الثنية فلما سمعه المنافقون طمعوا في المكر به فاتبعوه متلثمين وهم


اثنا عشر رجلا فسمع رسول الله خشفة القوم من ورائه فأمر حذيفة أن يردهم فاستقبل حذيفة وجوه رواحلهم بمحجن كان معه فضربها ضربا فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة فانقلبوا مسرعين على أعقابهم حتى خالطوا الناس فأدرك حذيفة رسول الله فقال لحذيفة هل عرفت أحدا منهم قال لا فإنهم كانوا متلثمين ولكن أعرف رواحلهم فقال إن الله تعالى أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم وسأخبرك بهم إن شاء عند الصباح فمن ثم كان الناس يراجعون حذيفة في أمر المنافقين وقد ذكر عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر فتاب اثنان وبقي اثنا عشر على النفاق على ما أخبر به الصادق المصدوق وقد اطلعت على أسمائهم في كتب حفاظ الحديث مروية عن حذيفة غير أني وجدت في بعضها اختلافا فلم أر أن أخاطر بديني فيما لا ضرورة لي ثمانية منهم أي من الاثني عشر منافقا تكفيهم أي تدفع شرهم الدبيلة قال القاضي الدبيلة في الأصل تصغير الدبل وهي الداهية فأطلقت على قرحة ردية تحدث في باطن الإنسان ويقال لها الدبلة بالفتح والضم سراج من نار تفسير للدبيلة والظاهر أنه من كلام حذيفة يظهر أي يخرج السراج في أكتافهم حتى تنجم بضم الجيم أي تظهر وتطلع النار في صدورهم أي في بطونهم وفي كلام القاضي إيماء إلى أن قوله تظهر بصيغة التأنيث حيث قال وفسرها في الحديث بنار تخرج في أكتافهم حتى تنجم أي تظهر من


نجم ينجم بالضم إذا ظهر وطلع ثم قال ولعله أراد بها ورما حارا يحدث في أكتافهم بحيث يظهر أثر تلك الحرارة وشدة لهبها في صدورهم ممثلة بسراج من نار وهو شعلة المصباح وقد روى عن حذيفة أنه عرفه إياهم وأنهم هلكوا كما أخبره الرسول صلوات الله وسلامه عليه رواه مسلم وسنذكر حديث سهل بن سعد لأعطين هذه الراية غدا أي رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله في باب مناقب علي أي فإنه أولى وحديث جابر أي وسنذكر حديث جابر من يصعد الثنية بكسر الدال لالتقاء الساكنين على أن من شرطية وروي يصعد بالرفع على أن من استفهامية وتمامه فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل في باب جامع المناقب أي فإنه المناسب إن شاء الله تعالى متعلق بسنذكر
الفصل الثاني
عن أبي موسى قال خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي في أشياخ من قريش أي في جملتهم والمراد منهم أكابرهم أو لسنهم فلما أشرفوا أي طلعوا على الراهب اسمه بحيراء وهو بضم الباء وفتح الحاء ممدودا على المشهور لكن ضبطه الشيخ الجزري بفتح الباء وكسر الحاء المهملة وياء ساكنة وفتح الراء وألف مقصورة وهو زاهد النصارى قاله شارح وقال المظهر وكان أعلم بالنصرانية وكذا ذكره الجزري والجمع بأنه لا منع من الجمع هبطوا أي نزلوا في ذلك الموضع وهو بصري من بلاد الشام على ما ذكره المظهر فحلوا رحالهم أي ففتحوها فخرج إليهم الراهب وكانوا أي الناس من قريش وغيرهم قبل ذلك يمرون به أي بمكانه فلا يخرج إليهم قال أي الراوي فهم يحلون


رحالهم إشعار بأن خروجه ونزوله عليهم في أول حلولهم ووصولهم فجعل يتخللهم الراهب أي أخذ يمشي فيما بين القوم ويطلب في خلالهم شخصا حتى جاء فأخذ بيد رسول الله قال استئناف بيان هذا سيد العالمين أي على الإطلاق هذا رسول رب العالمين أي إلى العالمين جميعهم نظرا إلى السابقة واللاحقة كما أشار إليه بقوله يبعثه الله أي يرسله أو يظهر رسالته رحمة للعالمين لقوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء وفيه إيماء إلى أنه مبعوث إلى كافة الخلق أجمعين فقال له أشياخ من قريش ما علمك أي ما سبب علمك وبيان كيفيته فقال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر أي سقط ساجدا أي متواضعا إليه ولا يسجد إلا لنبي أي عظيم ورسول كريم وإني أعرفه أي النبي أيضا بخاتم النبوة بفتح التاء ويكسر والنبوة بالإدغام ويهمز أسفل بالنصب أي في مكان أسفل من غضروف كتفه بضمتين وهو رأس لوح الكتف مثل التفاحة بالنصب وفي نسخة صحيحة بالرفع وفي أخرى بالجر على أنه صفة خاتم ذكره شارح وقال بعض المحققين يروي بالرفع على أنه خبر محذوف وبالنصب على إضمار الفعل ويجوز الجر على الإبدال دون الصفة لأن مثلا وغيرا لا يتعارفان بالإضافة إلى المعرفة ثم رجع أي الراهب فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به أي بالطعام وكان هو أي النبي في رعية الإبل بكسر الراء وسكون العين أي في رعايتها فقال أي الراهب أرسلوا إليه أي فإن المدار عليه فأقبل أي بعد الإرسال أو قبله وعليه غمامة أي سحابة تظله أي تجعله تحت ظلها فلما دنا من القوم أي قرب منهم وجدهم أى وجد النبي القوم قد سبقوه إلى فيء شجرة أي إلى ظلها فلما جلس مال فيء الشجرة عليه أي زيادة على ظل السحابة أو زالت السحابة ومالت الشجرة إظهارا للخارقين وقال الطيبي قوله عليه أي واقعا ظله عليه فقال أي الراهب للقوم انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه أي إن كنتم ما تنظرون إلى مظلة السماء فانظروا إلى مظلة الأرض ولكن الله


سبحانه أعماهم عماهم كما أخبر به بقوله تعالى وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون الأعراف وأظهر هذا المعنى في قوله سبحانه فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور الحج فقال أي الراهب أنشدكم الله بنصب الجلالة وبضم الشين أي أحلف عليكم بالله وقيل أي أطلب منكم بالله جواب هذا السؤال وبطل عمل الفعل للتعليق بالاستفهام في قوله أيكم وليه أي
قريبه والجملة مبتدأ وخبر قالوا أبو طالب أي وليه فلم يزل أي الراهب يناشده أي يناشد أبا طالب ويطالب رده عليه السلام خوفا عليه من أهل الروم أن يقتلوه في الشام ويقول لأبي طالب بالله عليك أن ترد محمدا إلى مكة وتحفظه من العدو حتى رده أبو طالب أي إلى مكة شرفها الله وبعث معه أبو بكر بلالا وفي رواية علي عن أبيه أنه قال فرددته مع رجال وكان فيهم بلال أخرجه رزين وزوده الراهب من الكعك وهو الخبز الغليظ على ما في الأزهار قال شارح هو نوع من الخبز وقال الطيبي هو الخبز وهو فارسي معرب وكذا في القاموس والزيت أي لأدام ذلك الخبز وقد ورد من طرق رواها أحمد وغيره كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة رواه الترمذي أي وقال حسن غريب وقال الجزري إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيحين أو أحدهما وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ وعده أئمتنا وهما وهو كذلك فإن من سن النبي إذ ذاك اثنا عشرة سنة وأبو بكر أصغر منه بسنتين وبلال لعله لم يكن ولد في ذلك الوقت اه وقال في ميزان الاعتدال قيل مما يدل على بطلان هذا الحديث قوله وبعث معه أبو بكر بلالا وبلال لم يخلق بعد وأبو بكر كان صبيا اه وضعف الذهبي هذا الحديث لقوله وبعث معه أبو بكر بلالا فإن أبا بكر إذ ذاك ما اشترى بلالا وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة الحديث رجاله ثقات وليس فيه سوى هذه اللفظة فيحتمل أنها مدرجة فيه منقطعة من حديث آخر وهما من أحد رواته كذا في المواهب اللدنية ولا يخفى أن ايراد هذا الحديث بباب علامات النبوة كان أوفق


للتحقيق والله ولي التوفيق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال كنت مع النبي وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل أي حجر كما في رواية ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله فالحديث معجزة للنبي وكرامة للولي رواه الترمذي والدارمي وعن أنس أن النبي أتى أي جيء بالبراق ليلة أسري به بإضافتها على
البناء وجواز إعرابها منونا والتقدير أسري فيها به ملجما مسرجا على بناء المفعول فيهما أي موضوعا عليه اللجام والسرج فاستصعب أي استعصى البراق عليه ولم يمكنه من الركوب ويقال استصعب عليه الأمر أي صعب فالمعنى صعب عليه ركوبه باستعصائه فقال له جبريل أبمحمد تفعل هذا ولم تفعل بغيره أو ولو فعلت بسائر الأنبياء فما ركبك أحد أكرم على الله منه برفع أكرم وفي نسخة صحيحة قال التوربشتي وجدنا الرواية في أكرم بالنصب فلعل التقدير فما ركبك أحد كان أكرم على الله منه قال أي النبي فارفض بتشديد الضاد المعجمة أي انصب البراق عرقا تمييز والمعنى سال منه العرق حياء لكون اهتزازه صدر عنه فرحا وظن أنه وقع استعصاء رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن بريدة بالتصغير أسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها وبايع بيعة الرضوان قال قال رسول الله لما انتهينا إلى بيت المقدس قد سبق ضبطه بالوجهين قال جبريل بإصبعه أي أشار بها فخرق أي جبريل بها أي بتلك الإشارة الحجر فشد أي جبريل أو النبي به أي بالحجر البراق قال الطيبي فإن قلت كيف الجمع بين هذا وبين قوله في حديث أنس فربطته بالحلقة التي كان يربط بها الأنبياء قلت لعل المراد من الحلقة الموضع الذي كان فيه الحلقة وقد انسد فخرقه جبريل عليه السلام رواه الترمذي وكذا ابن حبان وصححه وعن يعلى بن مرة الثقفي قال المؤلف شهد الحديبية وخيبر والفتح وحنينا والطائف روى عنه جماعة وعداده في الكوفيين قال ثلاثة أشياء أي من المعجزات رأيتها من رسول الله أي في سفر واحد بينا نحن نسير معه إذ مررنا ببعير يسقي


على بناء المفعول أي يستقي عليه فلما رآره البعير جرجر أي صاح من الجرجرة وهي صوت تردد البعير في حلقه على ما ذكره القاضي فالمعنى ردد الصوت في حلقه فوضع جرانه بكسر الجيم أي مقدم عنقه وقيل باطن عنقه فوقف عليه النبي فقال أين صاحب هذا البعير أي
مالكه فجاءه فقال بعنيه فقال بل نهبه لك أي لا نبيعه إياك بل نعطيك هبة يا رسول الله فإن رسالتك تقتضي جلالتك وإنه بكسر الهمز والضمير للبعير أي والحال أنه لأهل بيت أراد نفسه وعياله ما لهم معيشة أي ليس لهم ما يعيشون به غيره قال أما بتشديد الميم وفي نسخة بتخفيفها على أنها للتنبيه وهو ظاهر لقوله إذ ذكرت هذا من أمره أي فاعلم أني ما طلبت شراءه إلا لتخليصه لا لغرض آخر به فإنه شكا كثرة العمل وقلة العلف فإذا كان كذلك بأن امتنع البيع فأحسنوا إليه أي بكثرة العلف وقلة العمل مع جواز كثرتهما وقلتهما إذ الظلم هو الجمع بين كثرة العمل وقلة العلف قال الطيبي جواب أما محذوف وقوله فإنه شكا جواب لأما المقدرة تقديره أما إذ ذكرت أن البعير لأهل بيت مالهم معيشة فلا ألتمس شراءه وأما البعير فتعاهدوه فإنه اشتكى إذ لا بد لأما التفصيلية من التكرار أقول الظاهر أن جواب أما المقدرة فتعاهدوه وأما قوله فإنه شكا فإنه علة للجواب والله أعلم بالصواب وفي المغني أما بالفتح والتشديد هي حرف شرط وتفصيل وتأكيد ثم قال وقد تأتي لغير تفصيل أصلا نحو أما زيد فمنطلق وأما التأكيد فقل من ذكره ولم أر من أحكم شرحه غير الزمخشري فإنه قال فائدة أما في الكلام أن يعطيه فضل تأكيد تقول زيد ذاهب فإذا قصدت تأكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت أما زيد فذاهب ولذلك قال سيبويه في تفسيره مهما يكن من شيء فزيد ذاهب وهذا التفسير يدل بفائدتين بيان كونه تأكيدا وأنه في معنى الشرط ثم سرنا أي سافرنا أو تحولنا من مكاننا حتى نزلنا منزلا فنام النبي فجاءت شجرة تشق الأرض أي تقطعها حتى غشيته أي


أتته وأظلته ثم رجعت إلى مكانها فلما استيقظ رسول الله ذكرت له أي أنا وفي نسخة بصيغة المجهول أي ذكرت القضية له وهو يحتمل احتمالين فقال هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلم على رسول الله فأذن لها أي فجاءت للسلام قال أي يعلى ثم سرنا فمررنا بماء أي بموضع ماء فيه جمع من أهله وقال شارح أي بقبيلة فأتته امرأة بابن لها به جنة بكسر الجيم أي جنون فأخذ النبي بمنخره بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة في النسخ كلها وفي القاموس المنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما وكمحلس الأنف ثم قال أي النبي للمجنون أو الشيطان الذي فيه أخرج أي منه فإني محمد رسول الله


ثم سرنا فلما رجعنا مررنا بذلك الماء فسألها أي المرأة عن الصبي فقالت والذي بعثك بالحق ما رأينا منه أي من الصبي ريبا بفتح الراء وسكون الياء أي شيئا نكرهه بعدك أي بعد مفارقتك أو بعد دعائك ومنه قوله تعالى ريب المنون الطور أي حوادث الدهر وقيل ما رأينا منه ما أوقعنا في شك من حاله وتضجرنا من أمره ومنه قوله سبحانه لا ريب فيه البقرة رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وعن ابن عباس قال إن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن ابني به جنون وإنه ليأخذه أي الجنون عند غدائنا وعشائنا أي عند حضورهما أو وقت استعمالهما وقال شارح أي صباحنا ومساءنا فمسح رسول الله صدره أي صدر الولد ودعا فثع بالمثلثة والعين المشددة أي قاء ثعة أي فيئة واحدة ففي النهاية الثع القيء والثعة المرة الواحدة وخرج من جوفه مثل الجرو بكسر الجيم وسكون الراء أي ولد الكلب الأسود صفة للجرو وقوله يسعى حال أي يمشي ذلك الجرو ويسرع رواه الدارمي وعن أنس رضي الله عنه قال جاء جبريل عليه السلام على ما في نسخة إلى النبي وهو أي النبي جالس حزين وقد تخضب بالدم أي تلوث به يوم أحد عند كسر رباعيته من فعل أهل مكة أي من ضرب كفارهم وقد قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ضرب وجه النبي بالسيف سبعين ضربة ووقاه الله تعالى ذكره السيوطي في حاشية البخاري وذلك لقوله تعالى والله يعصمك من الناس المائدة لكن حصل له هذا الكسر ليكثر له الأجر والخير في مشاركة مشقة المؤمنين ومحنة المجاهدين ولذا لما أصاب حجر أصبعه ودميت قال


هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت فقال أي جبريل يا رسول الله هل تحب أن نريك آية أي علامة منك على نبوتك تسلية لك على محنتك لتعرف أنها سبب لمزيد منحتك وقرب منزلتك قال نعم فنظر أي جبريل إلى شجرة من ورائه أي من خلفه أو من خلف النبي عليهما الصلاة والسلام فقال أي جبريل ادع بها أي اطلبها فدعا بها فجاءت فقامت بين يديه أي مناديه لديه ومنقادة إليه فقال أي جبريل مرها أي بالرجوع فلترجع أي لحكمة تقتضيه فأمرها فرجعت فقال رسول الله حسبي أي كفاني حسبي زيد للمبالغة أو إشارة إلى تكرار خرق العادة بالمجيء والإعادة والمعنى كفاني في تسليتي عما لقيته من الحزن هذه الكرامة من ربي رواه الدارمي وعن ابن عمر قال كنا مع النبي في سفر أي في غزوة أو عمرة فأقبل أعرابي أي بدوي فلما دنا أي قرب قال له رسول الله تشهد أي أتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله قال ومن يشهد أي على وجه خرق العادة وظهور المعجزة على ما تقول أي من دعوى الرسالة قال هذه السلمة بفتحات شجرة من البادية ذكره شارح وفي النهاية السلم شجر من العضاه واحدها سلمة بفتح اللام وورقها القرظ الذي يدبغ به وبها سمي الرجل سلمة فدعا رسول الله وهو أي والحال أن النبي بشاطىء الوادي أي كان واقفا بطرفه فأقبلت أي الشجرة كما في نسخة تخد الأرض بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة أي تشقها أخدودا وقوله خدا على ما في بعض النسخ مفعول مطلق حتى قامت بين يديه أي مسلمة عليه ومسلمة لديه فاستشهدها أي طلب الشهادة من الشجرة ثلاثا أي مرتبا لا متواليا فشهدت ثلاثا أنه كما قال أي أن الشأن كما قال النبي من كونه رسول رب العالمين ثم رجعت إلى


منبتها بكسر الموحدة أي موضع نباتها وموطن أصلها رواه الدارمي وعن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى رسول الله قال بم أعرف أي من معجزاتك أنك نبي أي صادق قال إن دعوت بكسر إن في أكثر الأصول وفي بعضها بفتح أن وهو الأظهر أي بأن دعوت هذا العذق بكسر العين وهو العرجون بما فيه من الشماريخ وهي بمنزلة العنقود من العنب وبالفتح النخلة والمراد به الأول لقوله من هذه النخلة يشهد أي حال كون العذق يشهد أني رسول الله وقال الطيبي إن دعوت جواب لقوله بما أعرف أي بأني إن دعوته يشهد اه ومقتضاه أن يكون يشهد مجزوما بصيغة الغائب والمعنى تعرف بأني إن دعوته يشهد وقال شارح إن للشرط ويشهد جزاؤه أو للمصدرية ويشهد جملة حالية اه وظاهره أن يكون يشهد على الأول مخاطبا مجزوما كما في نسخة ليكون جواب الأعرابي بنعم مقدرا أو النبي لم ينتظر جوابه إذ ليس له جواب صواب غيره فدعاه أي العذق رسول الله فجعل أي فشرع العذق ينزل من النخلة حتى سقط أي وقع على الأرض إلى النبي أي منتهيا إليه ومستسلما لديه ثم قال ارجع فعاد أي إلى ما كان عليه فأسلم الأعرابي رواه الترمذي وصححه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء ذئب بهمزة ساكنة ويبدل إلى راعي غنم أي إلى قطعة غنم راعيها معها فأخذ أي الذئب منها شاة فطلبه الراعي أي تبعه وحمل عليه حتى انتزعها منه أي خلصها من فمه قال أي الراعي فإنه هو الرائي والراوي ذكره شارح فصعد الذئب على تل بتشديد اللام أي مكان مرتفع فأقعى أي جلس مقعيا بأن قعد على وركيه ونصب يديه واستثفر بالمثلثة فالفاء أي أدخل ذنبه بين رجليه وقيل بين ألييه وقال قد عمدت بفتح الميم على صيغة المتكلم إخبارا على سبيل الشكاية وفي نسخة


صحيحة بصيغة الخطاب على أنه استفهام على سبيل الإنكار والمعنى قصدت إلى رزق رزقنيه الله أي أباحه لي أخذته ثم انتزعته مني أي بناء على وجوب تخليصه عليك فالكل منقادون تحت أمره مطيعون لحكمه مستسلمون لقضائه وقدره فقال الرجل أي الراعي قال التوربشتي اسمه هبار بن أوس الخزاعي ويقال له مكلم الذئب تالله قسم فيه معنى التعجب إن رأيت أي ما رأيت كاليوم أي ما رأيت ذئبا يتكلم كاليوم ذكره شارح وفي الفائق أي ما رأيت أعجوبة كأعجوبة اليوم فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ذئب يتكلم خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل أي شيء هو فقال ذئب يتكلم فقال الذئب أعجب من هذا أي من تكلم الذئب رجل في النخلات بالفتحات أي نخيل المدينة الواقعة بين الحرتين بفتح الحاء وتشديد الراء تثنية حرة وهي أرض ذات حجارة سود بين جبلين من جبال المدينة يخبركم بما مضى أي بما سبق من خبر الأولين ممن قبلكم وما هو كائن بعدكم أي من نبأ الآخرين في الدنيا ومن أحوال الأجمعين في العقبى قال أي الراوي وهو أبو هريرة فكان الرجل أي الراعي يهوديا فيه رد على ما قيل من أن ذلك الرجل خزاعي فإن خزاعة ليست بيهود اللهم إلا أن يقال إنه كان يهوديا فجاء إلى النبي فأخبره أي بخبر الذئب وأسلم فصدقه النبي أي فيما رواه ثم قال النبي إنها أمارات يحتمل أن يكون الضمير للقصة وأن يكون ضميرا مبهما يفسره ما بعده وأن يرجع إلى معنى ما تكلم به الذئب باعتبار الحالة والقصة ذكره الطيبي والمعنى أن الحالة التي رآها وأمثالها علامات بين يدي الساعة أي قدامها قد أوشك الرجل أي قرب أن يخرج أي من بيته فلا يرجع ظاهره النصب لكن اتفق النسخ على رفعه على أن التقدير فهو لا يرجع حتى يحدثه نعلاه أي في رجله وسوطه أي في يده بما أحدث أهله أي من أفعال السوء أو الحسن بعده أي بعد خروجه من أهله ومفارقته إياهم رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وعن أبي العلاء بفتح العين


قال المؤلف في فصل التابعين اسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير عن سمرة بن جندب تقدم ضبطهما وسبق ذكرهما قال كنا مع النبي
نتداول يقال تداولته الأيدي أي تناوبته يعني أخذته هذه مرة وهذه مرة ذكره شارح فالمعنى نتناوب أخذ الطعام وأكله من قصعة بفتح القاف أي من صحفة كبيرة من غدوة بضم فسكون ويجوز بفتحتين فألف أي من أول النهار حتى الليل أي إلى دخول العشية يقوم عشرة أي بعد فراغهم من الأكل منها ويقعد عشرة أي للتناول منها قلنا أي لسمرة فمما كانت تمد بصيغة المجهول من الإمداد وهو ظاهر أو من المدد من قولك مد السراج بالزيت والمعنى فأي شيء كانت القصعة تمد منه وتزاد فيه ومن أين يكثر الطعام فيها طول النهار ولما كان في هذا السؤال نوع من التعجب قال أي سمرة من أي شيء تعجب والخطاب لأبي العلاء من جملة القائلين فإنه من رؤساء التابعين أو المراد خطاب العام والمعنى لا تعجب أيها المخاطب ما كانت تمد إلا من ههنا وأشار بيده إلى السماء والمعنى لا تكون كثرة الطعام فيها إلا من عالم العلاء بنزول البركة فيها من السماء وفيه إيماء إلى قوله تعالى وفي السماء رزقكم الذاريات وهذا ظاهر شرح الكلام على وفق المرام وقال شارح ضمير قال إلى النبي وإليه ذهب المظهر ومن تبعه وقال الطيبي ويحتمل أن يكون القائل سمرة والسائل أبو العلاء وهو الظاهر اه ووجه ظهوره لا يخفى إذ مثل هذا السؤال من الأصحاب المشاهدين للمعجزة في غاية من الغرابة وأما سؤال التابعين من الصحابة فقد يوجه بأنه توهم أنه كان يأتي الطعام ويوضع في القصعة مرة بعد مرة بعد فراغ عشرة أو نحوها كما يقع في العرف على طريق العادة فأجاب الصحابي بأن هذا لم يقع إلا على سبيل خرق العادة فالمدد من رب السماء لا من أحد المخلوقين من سكان الأرض رواه الترمذي والدارمي وعن عبد الله بن عمرو بالواو أن النبي خرج يوم بدر في ثلثمائة بكسر المثلثة الثانية على الإضافة وخمسة عشر بفتح الجزءين على التركيب


قال استئناف بيان أو حال اللهم إنهم أي غالبهم حفاة بضم الحاء جمع حاف وهو من لا نعل له فاحملهم بهمز وصل وكسر ميم أي أعنهم على الحمل والمعنى أعط كلا منهم المركوب اللهم إنهم عراة بالضم جمع عار أي عريان فيما بعد الإزار فاكسهم بضم السين أي أعطهم الكسوة وألبسهم لباس الزينة اللهم إنهم جياع فأشبعهم أي باطنا وظاهرا ليتقووا على الطاعة ففتح الله له أي للنبي ونصره على مشركي مكة وصناديد قريش وأكابرهم حتى قتل منهم سبعون


وأسر سبعون فانقلبوا أي فرجع أصحابه وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا أي من غنائم أعدائهم فصدق الله في قوله فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا النساء كما أخبر عنهم بقوله وإن فريقا من المؤمنين لكارهون الأنفال وفي الحديث إن الصبر على ما تكره فيه خير كثير ثم هذا نتيجته في الدنيا والآخرة خير وأبقى رواه أبو داود وعن ابن مسعود عن رسول الله قال إنكم منصورون أي على الأعداء ومصيبون أي للغنائم ومفتوح لكم أي البلاد الكثيرة فمن أدرك ذلك أي ما ذكر منكم فليتق الله أي في جميع أموره ليكون كاملا وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر ليكون مكملا لا سيما في أيام إمارته وتحصيل عدالته وقيل المراد بالمنكر الغلول وهو الخيانة في الغنيمة والظاهر أن المراد هو المعنى الأعم والله أعلم رواه أبو داود وعن جابر أن يهودية من أهل خيبر قيل إنها زينب بنت الحارث وهي بنت أخي مرحب بن أبي مرحب سمت شاة أي جعلتها مسمومة مصلية بفتح الميم وكسر اللام وتشديد التحتية أي مشوية قيل وأكثرت السم في الكتف والذراع لما بلغها أنهما أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله ثم أهدتها لرسول الله أي إليه فأخذ رسول الله الذراع فأكل منها وأكل رهط أي جماعة من أصحابه معه أي من لحم تلك الشاة فقال ارفعوا أيديكم أي كفوها وامنعوها عن الأكل وأرسل إلى اليهودية فدعاها أي طلبها فحضرت فقال سممت هذه الشاة لا بتقدير الاستفهام بل بالجزم في إخبار الكلام ولذا لم تقل لا أو نعم فقالت من أخبرك أي الله أو أحد من الخلق قال أخبرتني هذه أي هذه الذراع


بإنطاق الله إياها وقوله في يدي حال من هذه أي مستقرة فيها للذراع وقيل اللام بمعنى عن نحو قال لزيد إنه لم يفعل الشر أي قال عنه والمعنى قال عن الذراع إنها أخبرتني ويحتمل أن يكون بمعنى إلى أي قال ذلك مشيرا إليها قالت نعم قلت جواب سؤال مقدر إن كان أي محمد نبيا فلن تضره أي الشاة المسمومة وإن لم يكن نبيا استرحنا منه فعفا عنها رسول الله قال الطيبي فيه اختلاف إذ الرواية وردت بأنه أمر بقتلها فقتلت ووجه التوفيق بينهما أنه عفا عنها في أول الأمر فلما مات بشر بن البراء بن معرور من الأكلة التي ابتلعها أمر بها فقتلت مكانه اه وفي المواهب وقيل أسلمت ولم تقتل وقال بعض المحققين قوله فعفا عنها أي تركها أولا لأنه كان لا ينتقم لنفسه ثم لما مات بشر بن البراء بن معرور أمر بقتلها قصاصا ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت ثم أمر بقتلها قصاصا لقتل بشر ولم ينفرد الزهري بدعواه أنها أسلمت فقد جزم بذلك سليمان التيمي في مغازيه ولفظه بعد قولها وإن كنت كاذبا أرحت الناس منك وقد استبان لي أنك صادق وأنا أشهدك ومن حضر على دينك أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة أي بعضهم وهو بشر واحتجم رسول الله على كاهله بكسر الهاء أي بين كتفيه من أجل الذي أكل من الشاة أي المسمومة حجمه استئناف بيان أبو هند قيل اسمه يسار الحجام بالقرن والشفرة بفتح فسكون أي كانت المحجمة قرنا والمبضعة السكين العريض وهو أي أبو هند مولى لبني بياضة بفتح الموحدة وتخفيف التحتية قبيلة من الأنصار رواه أبو داود والدارمي وعن سهل ابن الحنظلية قال المؤلف هي أم جده وقيل أمه وإليها ينسب وبها يعرف واسم أبيه الربيع بن عمرو وكان سهل ممن بايع تحت الشجرة وكان فاضلا معتزلا عن الناس كثير الصلاة والذكر وكان عقيما لا يولد له سكن الشام ومات بدمشق في أول أيام معاوية أنهم أي الصحابة ساروا مع رسول الله يوم حنين أي وقت توجهه إليه


فأطنبوا السير أي أطالوا وبالغوا فيه حتى كان عشية أي السير ممتد إلى وقت العشية كذا ذكره الطيبي والأظهر أن يقال حتى كان الوقت عشية فجاء فارس أي راكب فرس مسرعا فقال يا رسول الله إني طلعت بكسر اللام وفي بعض النسخ بفتحها أي علوت على جبل
كذا وكذا ففي القاموس طلع الجبل علاه كطلع بالكسر واقتصر الجوهري على الكسر وصاحب المفتاح على الفتح وفي نسخة السيد ضبط بالكسر ووضع عليه صح والله أعلم فإذا أنا بهوازن بفتح الهاء وكسر الزاي قبيلة كبيرة على بكرة أبيهم بفتح فسكون أي كلهم مجتمعين فقيل كان الرجل يحمل جميع أولاده على بكرة والبكر بالفتح الفتى من الإبل بمنزلة الغلام من الناس والأنثى بكرة وجاؤوا على بكرة أبيهم كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وقال القاضي يقال جاء القوم على بكرة أبيهم أي جاؤوا بأجمعهم بحيث لم يبق منهم أحد وعلى هاهنا بمعنى مع وهو مثل يضربه العرب وكان السبب أن فيه جمعا من العرب عرض لهم انزعاج فارتحلوا جميعا ولم يخلفوا شيئا حتى أن بكرة كانت لأبيهم أخذوها معهم فقال من وراءهم جاؤوا على بكرة أبيهم فصار ذلك مثلا في قوم جاؤوا بأجمعهم وإن لم يكن معهم بكرة وهي التي يستقى عليها الماء فاستعيرت في هذا الموضع بظعنهم بضمتين ويسكن الثاني جماعة الرجال والنساء الذين يظعنون أي يرتحلون كذا قاله شارح وقال الجزري أي بنسائهم وهو الأظهر على أنها جمع الظعينة وهي المرأة ما دامت في الهودج وقيل هي الهودج كانت فيها امرأة أولا وهو مركب من مراكب النساء مقبب وغير مقبب ونعمهم بفتحتين أي وبأموالهم ومواشيهم اجتمعوا إلى حنين أي متوجهين إليه فتبسم رسول الله أي متعجبا من حسن صنيعه سبحانه وقال تلك أي تلك الجماعة من الرجال والنساء والأموال غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله للتبرك أو للتقييد احتياطا ثم قال من يحرسنا بضم الراء أي يحفظ عسكرنا من البيات الليلة أي الآتية قال أنس بن أبي مرثد بفتح الميم والمثلثة الغنوي بفتحتين


أنا يا رسول الله قال المؤلف شهد أنس بن أبي مرثد فتح مكة وحنينا ومات سنة عشرين وله ولأبيه وجده وأخيه صحبة واسم أبي مرثد كناز بفتح الكاف وتشديد النون وبالزاي وقيل إن اسمه أنيس قال ابن عبد البر وهو أكثر ويقال إنه الذي قال له النبي أغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فأرجمها وقيل غيره والله أعلم قال اركب فركب فرسا له فقال استقبل هذا الشعب بكسر أوله وهو الطريق بين الجبلين حتى تكون في أعلاه فلما أصبحنا خرج رسول الله إلى مصلاه فركع ركعتين أي سنة الصبح ثم قال هل حسستم بكسر السين أي أدركتم بالحس فارسكم بأن رأيتموه أو سمعتم صوته فقال رجل يا رسول الله ما


حسسنا أي ما عرفنا له خبرا ولا رأينا له أثرا فثوب بتشديد الواو المكسورة أي أقيم بالصلاة قال الطيبي الأصل في التثويب أن يجيء الرجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر فسمى الدعاء تثويبا لذلك وكل داع مثوب فجعل رسول الله وهو يصلي جملة حالية معترضة والمعنى فشرع حال الصلاة يلتفت إلى الشعب أي يميل بطرف عينه إلى جهة الطريق في الجبل حتى إذا قضى الصلاة أي أداها وفرغ منها قال ابشروا فقد جاء فارسكم الاضافة لأدنى ملابسة فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب بكسر الخاء المعجمة جمع الخلل بفتحتين وهو الفرجة بين الشيئين فإذا هو أي الفارس قد جاء حتى وقف على رسول الله أي راكبا أو نازلا فقال إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله لا يخفى حسن العدول عن قوله حيث أمرت فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما أي أتيت طريقي الجبل وجوانبهما مخافة أن يكون فيه أحد مخفيا فلم أر أحدا فقال له رسول الله هل نزلت أي عن الدابة الليلة أي البارحة وهي الماضية قال لا إلا مصليا أو قاضي حاجة أي من بول أو غائط قال رسول الله فلا عليك ليس عليك حرج في أن لا تعمل أي من النوافل والفضائل بعدها أي بعد هذه الخصلة التي فعلتها فإنه قد حصل لك فضيلة كافية قال ابن الملك وفيه بشارة منه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر انتهى ولا يخفى ما فيه من النظر وقال الطيبي أي لا بأس عليك بأن لا تعمل بعد هذه الليلة من المبرات والخيرات فإن عملك الليلة كافية لك عند الله مثوبة وفضيلة وأراد النوافل والتبرعات من الأعمال لا الفرائض فإن ذلك لا يسقط ويمكن أن ينزل على ما عليه من عمل الجهاد في ذلك اليوم جبرانا لقلبه وتسلية له رواه أبو داود وعن أبي هريرة قال أتيت النبي بتمرات بفتحات قال الشيخ أبو نصر كانت التمرات إحدى وعشرين كذا في الأذكار فقلت يا رسول الله ادع الله فيهن البركة أي


اسأل الله البركة فيهن أو لأجلهن فضمهن أي فأخذهن بيده أو وضع يده عليهن ثم دعا لي أي لأجلي خصوصا فيهن بالبركة أي بالبركة فيهن وكثرة الخير في أكلهن مع بقائهن قال أي بطريق الاستئناف خذهن فاجعلهن أي أدخلهن في مزودك بكسر الميم وهو ما يجعل فيه الزاد من الجراب وغيره كلما أردت أن تأخذ منه أي من التمر أو من المزود شيئا قال الطيبي إن جعل منه صلة لتأخذ وشيئا مفعول له فيكون نكرة شائعة فلا يختص بالتمر وإن جعل حالا من شيئا اختص به فأدخل فيه أي في المزود يدك فخذه أي التمر منه ولا تنثره بضم المثلثة وتكسر نثرا مفعول مطلق ففي المصباح نثرته نثرا من بابي نصر وضرب رميت به متفرقا فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق أي ستين صاعا على ما هو المشهور وصرح به شارح أو حمل بعير على ما ذكره في القاموس في سبيل الله قال الطيبي يجوز أن يحمل حملت على الحقيقة وأن يحمل على معنى الأخذ أي أخذته مقدار كذا بدفعات انتهى والحمل على الحقيقة أولى فإنه أبلغ في المدعي ويؤيده قوله فكنا أي أنا وأصحابي نأكل منه ونطعم أي غيرنا وكان أي المزود لا يفارق حقوي أي وسطي قال شارح الحقو الإزار والمراد هنا موضع شد الإزار وقال الطيبي الحقو معقد الإزار وسمي الإزار به للمجاورة حتى كان يوم بالرفع على أن كان تامة وجوز نصبه على أن التقدير حتى كان الزمان يوم قتل عثمان بصيغة المصدر مضافا إلى مفعوله وفي نسخة بصيغة المجهول وعثمان نائب الفاعل قال الخلخالي يجوز فتح يوم مضافا إلى قتل وهو جملة فعلية ويجوز رفعه على أنه فاعل كان التامة فإنه أي المزود انقطع أي ذلك اليوم وسقط مني وضاع فحزنت عليه حزنا شديدا وفيه إيماء إلى أن الفساد إذا شاع ارتفعت البركة وكان يقول أبو هريرة للناس هم ولي همان بينهم هم الجراب وهم الشيخ عثمانا ذكره ابن الملك رواه الترمذي
الفصل الثالث
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال تشاورت قريش ليلة بمكة أي في دار


الندوة وحضر معهم الشيطان على صورة شيخ نجدي فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بفتح همز وكسر موحدة أي فاربطوه بالوثاق بفتح أوله وهو ما يشد به يريدون النبي أي يعنونه بالضميرين البارز والمستتر والأظهر أن المراد بإثباته به حبسه وقال بعضهم بل اقتلوه وحصلوا لكم منه الراحة وقال بعضهم بل اخرجوه أي على وجه الإهانة وقد أخبر الله سبحانه عنهم بقوله وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك الأنفال وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ومتابعتهم خافوا واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ فقال أنا من نجد سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا فقال أبو البختري رأيي أن تحبسوه في بيت وتسدوا منافذه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها حتى يموت وقال الشيخ بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم فقال هشام بن عمرو رأيي أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم فلا يضركم ما صنع فقال بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم فقال أبو جهل أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا فيضربوه ضربة واحدة فيتفرق دمه في القبائل فلا تقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه فقال صدق هذا الفتى فتفرقوا على رأيه فأطلع الله نبيه على ذلك أي بأن جاءه جبريل وأخبره بالخبر وأمره بالهجرة فبيت عليا كرم الله وجهه على مضجعه وخرج مع أبي بكر رضي الله عنه إلى الغار فبات علي رضي الله عنه على فراش النبي أي للتعمية عنه في التخلية إذ كان رأي الكفار تقرر على أنهم يحرسونه في الليل ثم في الصبح يقتلونه كما يشير إليه قوله تلك الليلة وخرج النبي حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه بكسر السين وفتحها أي يظنون عليا النبي فلما أصبحوا ثاروا بمثلثة بعدها ألف أي وثبوا عليه أي علي من على المرقد ظنا أنه النبي فلما رأوا عليا أي مكانه رد الله مكرهم أي عليهم كما


قال سبحانه ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين الأنفال فقالوا أي لعلي أين أي ذهب صاحبك هذا أي المشار إليه قال أي علي من كمال عقله لا أدري وهو إما حقيقة أو تورية فاقتصوا بتشديد الصاد المهملة أي تتبعوا أثره أي آثار قدمه فلما بلغوا الجبل أي جبل ثور اختلط أي اشتبه أمر الأثر عليهم فصعدوا الجبل بكسر العين ففي القاموس صعد في السلم كسمع انتهى فصعدوا الجبل من باب دخلت الدار أي فطلعوا عليه فمروا بالغار أي بالكهف الذي فوق ذلك الجبل فظنوا أنه فيه فرأوا على بابه نسج


العنكبوت أي منسوجه فقالوا لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه وقيل لما دخل الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه وروي أن المشركين طلعوا فوق الغار بحيث لو نظروا إلى أقدامهم لرأوهما فأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله فقال ما ظنك باثنين الله ثالثهما فأعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه ولا منع من جمع الجمع فمكث بضم الكاف وفتحه أي لبث فيه ثلاث ليال أي ثم توجه إلى المدينة رواه أحمد وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله شاة فيها سم بفتح السين وضمها وتكسر فقال رسول الله اجمعوا لي أي لأجلي وفي نسخة إلي أي منتهين إلي أو اجعلوا مجتمعين عندي من كان ههنا أي في هذا المكان من اليهود فجمعوا إليه فقال لهم رسول الله إني سائلكم عن شيء أي أولا فهل أنتم مصدقي بتشديد الدال والياء أي مصدقوني في الإخبار عنه أي ثانيا قال بعض المحققين في أصل المالكي صادقوني بالتحقيق قال كذا في ثلاثة مواضع في أكثر النسخ فيدل على أن الأصل دخول نون الوقاية في الأسماء المعربة المضافة إلى ياء المتكلم لتقيها عن خفاء الإعراب فلما منعوها ذلك صار الأصل متروكا فنبهوا عليه في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعل قالوا نعم يا أبا القاسم فقال لهم رسول الله من أبوكم أي جدكم قالوا فلان أي بطريق الكذب على وجه الامتحان قال كذبتم بل أبوكم فلان قالوا صدقت وبررت بكسر الراء أي أحسنت قال فهل أنتم مصدقي عن شيء إن سألتكم عنه أي ثم أخبرتكم به قالوا نعم يا أبا القاسم وإن كذبناك أي في قولنا هذا عرفت كما عرفته في أبينا فقال لهم من أهل النار قالوا نكون فيها يسيرا أي زمانا قليلا كما أخبر الله سبحانه عنهم بقوله وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة البقرة ثم تخلفونا بضم اللام


وتشديد النون وتخفف أي تعقبوننا فيها وهذا على زعمهم الفاسد واعتقادهم الكاسد أنه قول صدق وخبر حق قال رسول الله اخسؤوا فيها إشارة إلى قوله تعالى اخسؤوا فيها ولا تكلمون المؤمنون وهو في الأصل زجر الكلب فالمعنى اسكتوا سكوت هوان فإنكم كاذبون في أخباركم والله لا نخلفكم فيها أبدا ثم قال هل أنتم مصدقي في شيء إن سألكتم عنه فقالوا نعم يا أبا القاسم قال هل جعلتم في هذه الشاة سما قالوا نعم قال فما حملكم على ذلك قالوا أردنا إن كنت كاذبا أي في دعوى رسالتك أن نستريح منك وإن كنت صادقا لم يضرك بتشديد الراء المفتوحة ويجوز ضمها ولو روى بكسر الضاد وسكون الراء المخففة لجاز كما قرىء بالوجهين في قوله تعالى في آل عمران لا يضركم كيدهم شيئا آل عمران في آل عمران قال الطيبي في قوله أن نستريح مفعول لأردنا وجزاء الشرط المتوسط بين الفعل والمفعول محذوف لوجود القرينة أي إن كنت كاذبا فنستريح منك وإن كنت صادقا لم يضرك فننتفع بهدايتك وحاصله أردنا الامتحان يعني فإما أن نعلم أنك كاذب فنستريح منك وأما أن نعلم أنك نبي فنتبعك وفيه أنه تبين من فحواهم أنهم كاذبون في دعواهم فثبت عليهم الحجة البالغة بظهور المعجزة السابغة رواه البخاري وعن عمر بن أخطب الأنصاري قال المؤلف هو مشهور بكنيته أبي زيد غزا مع النبي غزوات ومسح رأسه ودعا له بالجمال فيقال إنه بلغ مائة سنة ونيفا وما في رأسه ولحيته إلا نبذة من شعر أبيض عداده في أهل البصرة روى عنه جماعة قال صلى بنا رسول الله يوما الفجر أي صلاة الصبح وصعد بالكسر أي طلع على المنبر فخطبنا أي خطب لنا أو وعظنا حتى حضرت الظهر أي صلاة الظهر بدخول وقتها فنزل فصلى ثم صعد المنبر فيه إشعار بأنه قد يتعدى بنفسه فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر حتى غربت بفتح الراء أي غابت الشمس فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة أي مجملا أو


مفصلا ففيه الإعجاز أكثر قال أي عمرو فأعلمنا أي الآن أحفظنا أي يومئذ ذكره الطيبي وقال السيد جمال الدين الأولى أن يقال أحفظنا الآن لتلك القصة أعلمنا أي الآن رواه مسلم وعن معن بفتح فسكون معدود في التابعين بن عبد الرحمان أي ابن عبد الله بن مسعود الهذلي قال أي معن سمعت أبي أي عبد الرحمان ولم يذكره المؤلف في أسمائه قال سألت مسروقا وهو تابعي مشهور من آذن بالمد أي من أعلم النبي بالجن أي بحضورهم ليلة بالتنوين ويجوز فتحها بناء على إضافتها إلى قوله استمعوا القرآن بل قيل هو أفصح في قوله ليلة أسري به وكذا في يوم ولدته أمه ومنه قوله تعالى يوم ينفع الصادقين المائدة عند جمهور القراء فقال أي مسروق لعبد الرحمان حدثني أبوك يعني عبد الله بن مسعود تفسير من بعض الرواة المتأخرين أنه أي ابن مسعود ولا يبعد رجع الضمير إليه قال آذنت بالمد أي أعلمت بهم شجرة متفق عليه وعن أنس قال كنا مع عمر بين مكة والمدينة فتراءينا الهلال أي فطلبنا رؤيته وكنت رجلا حديد البصر فرأيته وليس أحد يزعم أنه رآه أي الهلال غيري فجعلت أقول لعمر أما تراه فجعل لا يراه قال الطيبي كأنه اتباع لقوله فجعلت أي طفقت أريه الهلال فهو لا يراه فأقحم جعل مشاكلة كما أقحم فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب تأكيدا لقوله لا تحسبن الذين يفرحون آل عمران انتهى ولا يبعد أن يقال التقدير فجعل عمر يطالع في السماء حال كونه لا يراه قال يقول عمر أي بعد عجزه عن رؤيته سأراه وأنا مستلق على فراشي الجملة حال من الفاعل أو المفعول والمعنى سأراه بلا مشقة وليس لي إلى رؤيته الآن حاجة قال الطيبي أي لا يهمني الآن رؤيته بتعب سأراه بعد من غير تعب


ثم أنشأ أي ابتدأ عمر يحدثنا عن أهل بدر قال إن رسول الله كان يرينا بضم فكسر أي يعلمنا مصارع أهل بدر أي مواضع طرحهم وصرعهم وهلاكهم بالأمس أي بأمس القضية لا الحكاية يقول هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله وهذا مصرع فلان أي غدا كما في نسخة إن شاء الله يعني وهكذا إلى أن بين مصارع سبعين منهم قال عمر والذي بعثه أي النبي بالحق أي بالصدق ما أخطأوا أي ما تجاوزوا المذكور الحدود التي حدها أي المواضع التي بينها وعينها رسول الله وفي نسخة السيد جمال الدين ما أخطأ بصيغة المتكلم من الثلاثي المجرد فالمعنى ما أغلطها بل أحفظها وأعرفها هذا مبني على سقوط الواو عن رسم الكتابة وحينئذ يحتمل أن يكون على بناء الغائب المذكر المفرد والضمير راجع إلى الله تعالى أو إلى النبي سبحانه أعلم قال أي عمر فجعلوا بصيغة المجهول أي فألقوا في بئر أي مهجورة بعضهم على بعض فانطلق رسول الله حتى انتهى إليهم فقال يا فلان بن فلان بفتح النونين الأوليين وهما كنايتان عن العلمين ويا فلان بن فلان وهكذا إلى أن نادى كلهم أو بعضهم أكثرهم أو أقلهم هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا فإني قد وجدت ما وعدني الله حقا وفيه إيماء إلى قوله تعالى ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم الأعراف فهؤلاء أيضا لا بد أنهم قالوا نعم إما بلسان القال أو ببيان الحال فقال عمر يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها أي بظاهرها أو بكمالها فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم متعلق بأسمع والمعنى لستم بأقوى أو أكثر سماعا منهم لما أقوله لهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا على شيئا أي من الجواب مطلقا أو بحيث أنكم تسمعون رواه مسلم وعن أنيسة تصغير أنيسة كجليسة بنت زيد بن أرقم لم يذكرها المؤلف في أسمائه عن أبيها قال المؤلف يكنى أبا عمرو الأنصاري الخزرجي يعد في الكوفيين سكنها ومات بها سنة ثمان وسبعين وهو ابن خمس


وثمانين سنة روى عنه عطاء بن يسار وغيره أن
النبي دخل على زيد يعني نفسه إما على التجريد أو بنوع الالتفات أو بتصرف الرواة يعوده من مرض كان به قال ليس عليك من مرضك بأس ولكن كيف لك أي حالا ومآلا إذا عمرت بتشديد الميم المكسورة أي طال عمرك بعدي فعميت بكسر الميم أي فصرت أعمى قال أحتسب أي أطلب الثواب وأصبر أي على حكم رب الأرباب قال إذا بالتنوين وفي نسخة إذا تدخل الجنة بغير حساب وفي نسخة الجزري بالرفع ولعل وجهه أن تدخل بمعنى تستحق دخولها بغير محاسبة قال أي الشخص الراوي سواء كان أنيسة أو غيرها فعمي بعد ما مات النبي ثم رد الله عليه بصره ثم مات ولعله لم يذكر له رد بصره ليكون مشقة صبره أكثر وأجره المرتب عليه أكبر ثم حصل له النصر مع الصبر وعن أسامة بن زيد صحابيان جليلان قال قال رسول الله من تقول بتشديد الواو أي من كذب وافترى علي ما لم أقل أي متعمدا كما في رواية فليتبوأ مقعده من النار وهذا القدر من الحديث كاد أن يكون متواترا في المعنى كما بيناه في موضعه وذلك أي وسبب ورود هذا الحديث أنه أي النبي بعث رجلا أي إلى قوم أو إلى أحد فكذب عليه أي على النبي وانكشف له بنور النبوة أو بلغة خبره فدعا عليه رسول الله فوجد ميتا وقد انشق بطنه ولم تقبله الأرض وهذا يؤيد قول الجويني أن المفتري على النبي عمدا كافر رواهما أي الحديثين السابقين البيهقي في دلائل النبوة وعن جابر أن رسول الله جاءه رجل يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير أي نصف وسق وهو ستون صاعا أو حمل بعير ويحتمل أن يراد بالشطر البعض فإنه بعض معانيه كما في قوله تعالى فولوا وجوهكم شطره البقرة وهو أنسب بالمقام لدلالته


بالأغلبية على المرام وقد سبق تحقيقه في حديث الطهور شطر الإيمان فما زال الرجل يأكل منه وامرأته بالرفع أي وتأكل هي أيضا منه وضيفهما أي من الرجال والنساء كذلك وهو يطلق على المفرد والجمع حتى كاله أي الرجل بقية المأكول ففني أي نفد سريعا فأتى النبي أي فذكر له أو لم يذكر فقال لو لم تكله لأكلتم أي أنت وامرأتك وأضيافكما ولقام لكم أي على وجه الدوام ببركة النبي رواه مسلم وعن عاصم بن كليب بالتصغير قال المؤلف في فضل التابعين هو الجرمي الكوفي سمع أباه وغيره ومنه الثوري وشعبة وحديثه في الصلاة والحج والجهاد انتهى وكان حقه أن يقول وفي المعجزات عن أبيه لم يذكره المؤلف في أسمائه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله في جنازة بكسر الجيم وفتحها فرأيت رسول الله وهو على القبر أي طرفه والجملة حال يوصي الحافر بتخفيف الصاد وتشدد حال أخرى يقول بيان أو بدل أوسع أمر مخاطب للحافر من قبل رجليه بكسر القاف وفتح الباء أي من جانبهما أوسع من قبل رأسه فلما رجع أي عن المقبرة استقبله داعي امرأته أي زوجة المتوفي فأجاب ونحن معه فجيء بالطعام فوضع يده أي فيه ثم وضع القوم أي أيديهم فأكلوا هذا الحديث بظاهره يرد على ما قرره أصحاب مذهبنا من أنه يكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول أو الثالث أو بعد الأسبوع كما في البزازية وذكر في الخلاصة أنه لا يباح اتخاذ الضيافة عند ثلاثة أيام وقال الزيلعي ولا بأس بالجلوس للمصيبة إلى ثلاث من غير ارتكاب محظور من فرش البسط والأطعمة من أهل الميت وقال ابن الهمام يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت والكل عللوه بأنه شرع في السرور لا في الشرور قال وهي بدعة مستقبحة روى الإمام أحمد وابن حبان بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله قال كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعهم الطعام من النياحة انتهى فينبغي أن يقيد كلامهم بنوع خاص من اجتماع يوجب استحياء أهل بيت الميت فيطعمونهم كرها أو يحمل على كون بعض الورثة


صغيرا أو غائبا أو لم يعرف رضاه أو لم يكن الطعام من عند أحد معين من مال نفسه لا من مال الميت قبل قسمته
ونحو ذلك وعليه يحمل قول قاضي خان يكره اتخاذ الضيافة في أيام المصيبة لأنها أيام تأسف فلا يليق بها ما يكون للسرور وإن اتخذ طعاما للفقراء كان حسنا وأما الوصية باتخاذ الطعام بعد موته ليطعم الناس ثلاثة أيام فباطلة على الأصح وقيل يجوز ذلك من الثلث وهو الأظهر فنظرنا رسول الله أي إلى رسول الله كما في نسخة يلوك لقمة في فيه أي يلقيها من فمه إلى جانب آخر ففي النهاية اللوك إدارة الشيء في الفم ثم قال أجد لحم شاة أخذت وفي نسخة اتخذت بغير إذن أهلها فأرسلت المرأة تقول يا رسول الله إني أرسلت إلى النقيع بالنون وهو موضع يباع فيه الغنم أي تفسير مدرج من بعض الرواة وفي المقدمة النقيع موضع بشرق المدينة وقال في التهذيب هو في صدر وادي العقيق على نحو عشرين ميلا من المدينة قال الخطابي أخطأ من قال بالموحدة والجملة معترضة بين الفعل وهو قولها أرسلت وبين متعلقه وهو قولها ليشتري لي شاة بصيغة المجهول فلم توجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن يرسل أي بأن يرسل الجار بها أي بالشاة المشتراة لنفسه إلي بثمنها أي الذي اشتراها به فلم يوجد أي الجار فأرسلت إلى امرأته فأرسلت أي المرأة إلي بها أي بالشاة فظهر أن شراءها غير صحيح لأن إذن جارها ورضاه غير صحيح وهو يقارب بيع الفضولي المتوقف على إجازة صاحبه وعلى كل فالشبهة قوية والمباشرة غير مرضية فقال رسول الله أطعمي هذا الطعام الأسرى جمع أسير والغالب أنه فقير وقال الطيبي وهم كفار وذلك أنه لما لم يوجد صاحب الشاة ليستحلوا منه وكان الطعام في صدد الفساد ولم يكن بد من إطعام هؤلاء فأمر بإطعامهم انتهى وقد لزمها قيمة الشاة بإتلافها ووقع هذا تصدقا عنها رواه أبو داود والبيهقي في دلائل النبوة متعلق بروى المقدر فتدبر وعن حزام بكسر حاء مهملة فزاي بن هشام عن أبيه أي هشام ولم يذكرهما


المؤلف في أسمائه عن جده حبيش بضم حاء مهملة وفتح موحدة وسكون تحتية فشين معجمة وفي نسخة بخاء معجمة فنون ثم سين مهملة والأول أصح على ما في جامع الأصول واقتصر عليه المصنف بن خالد قال المؤلف حبيش بن خالد الخزاعي قتل يوم فتح مكة
مع خالد بن الوليد روى عنه ابنه هشام وهو أي حبيش أخو أم معبد أي الخزاعية وهي عاتكة بنت خالد يقال إنها أسلمت لما نزل عليها النبي في مهاجرته إلى المدينة ويقال إنها قدمت المدينة فأسلمت والحديث المعروف بحديث أم معبد مشهور ذكره المؤلف أن رسول الله حين أخرج بصيغة المفعول أي أمر بالخروج من مكة أو صار أهل مكة سبب خروجه إذ لم يقع إخراج إهانة كما يشير إليه قوله خرج أي باختياره مهاجرا أي من مكة لكفر أهلها إلى المدينة أي وأهلها من الأنصار ومن انضم إليهم من المهاجرين الكبار هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة بضم فاء وفتح هاء ولم يذكره المؤلف ودليلهما أي مرشد النبي والصديق في الطريق عبد الله الليثي هو مولى أبي بكر الصديق هاجر معهما إلى المدينة وكان قد أسلم قبل دخول النبي دار الأرقم كذا ذكره بعضهم ولم يذكره المؤلف مروا على خيمتي أم معبد بلفظ التثنية مضافا فسألوها لحما وتمرا ليشتروا منها فلم يصيبوا أي لم يصادفوا عندها شيئا من ذلك أي مما ذكر من اللحم والتمر أو من جنس المأكول وكان القوم مرملين أي فاقدين الزاد في شرح السنة المرمل من نفد زاده يقال أرمل الرجل إذا ذهب طعامه مسنتين أي أصابهم القحط يقال أسنت الرجل فهو مسنت فنظر رسول الله إلى شاة في كسر الخيمة بفتح الكاف وسكون السين وبكسر أوله أي جانبها قال الطيبي كسر الخيمة بكسر الكاف وفتحها جانب الخيمة وفي القاموس الكسر جانب البيت والشقة السفلى من الخباء أو ما يكسر ويثني على الأرض منها والناحية ويكسر فقال ما هذه الشاة يا أم معبد قالت شاة خلفها بتشديد اللام أي تركها الجهد بضم الجيم ويفتح أي الهزال عن الغنم أي متخلفة عنها


قال هل بها من لبن أي بعضه قالت هي أجهد من ذلك والمعنى ليس فيها لبن أصلا قال أتأذنين لي أن أحلبها من باب نصر على ما في المصباح وفي القاموس الحلب ويحرك استخراج ما في الضرع من اللبن يحلب ويحلب وفي النهاية حلبت الشاة والناقة أحلبها حلبا بفتح اللام قالت بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا بفتحتين ويسكن اللام أي لبنا محلوبا فاحلبها قال صاحب المصباح الحلب محركة يطلق على المصدر وعلى اللبن المحلوب فدعا بها رسول الله أي طلبها فمسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى ودعا لها أي لأم معبد في شاتها أي في شاتها كما في نسخة أي في حقها فتفاجت عليه بتشديد الجيم أي فتحت ما بين رجليها للحلب ودرت بتشديد الراء أي أرسلت الدر


بالفتح وهو اللبن واجترت بالراء المشددة قال الطيبي الجرة ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه فدعا بإناء يربض الرهط بضم الياء وكسر الموحدة أي يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض من ربض في المكان إذا لصق به وأقام ملازما له فحلب فيه أي في الإناء ثجا أي حلبا ذا سيلان حتى علاه أي ظهر على الإناء البهاء أي بهاء اللبن وهو بفتح الباء رغوته وهي بفتح الراء وضمها وحكي كسرها الزبد يعلو الشيء عند غليانه ثم سقاها أي أم معبد حتى رويت ولعل الابتداء بها كرامة لها ولكونها صاحبة الشاة وترغيبا إلى إسلامها وسقى أصحابه أي بعدها حتى رووا بضم الواو ثم شرب آخرهم أي في آخرهم لقوله ساقي القوام آخرهم شربا ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء بفتح فسكون أي بعد ابتداء بلا مكث حتى ملأ الإناء ثم غادره أي تركه عندها أي معجزة تريها زوجها وبايعها أي النبي على الإسلام وارتحلوا عنها رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وابن عبد البر في الاستيعاب وابن الجوزي في كتاب الوفاء وفي الحديث قصة أي طويلة وهي أنه لما ارتحل النبي جاء أبو معبد يسوق أعنزا عجافا ورأى في البيت لبنا فقال من أين هذا فقالت مر بنا رجل مبارك وذكرت من وصف النبي ونعته بعبارة فصيحة فقال أبو معبد هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالهدى واهتديت به فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيا لقصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجارى وسؤدد ليهن بني كعب مقام فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإناثها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد فغادرها رهنا لديها لحالب ترددها في مصدر ثم مورد قال محيي السنة الصوت الذي سمعوا بمكة صوت بعض مسلمي الجن أقبل من أسفل مكة والناس يتبعونه و


يسمعون الصوت وما يرونه حتى صرخ بأعلى مكة قالت أسماء فلما سمعنا عرفنا حيث وجه رسول الله وأن وجهه إلى المدينة وقال ابن عبد البر فلما بلغ
حسان بن ثابت ذلك جعل يجاوب الهاتف وهو يقول لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم وقدس من يسرى إليهم ويغتدى ترحل عن قوم فضلت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا عمايتهم وهادية كل مهتد لقد نزلت منه على أهل يثرب ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مسجد وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقه في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد ليهن بني كعب مقام فتاتها ومقعدها للمؤمنين بمرصد
&باب الكرامات
الكرامات جمع كرامة وهي اسم من الإكرام والتكريم وهي فعل خارق للعادة غير مقرون بالتحدي وقد اعترف بها أهل السنة وأنكرها المعتزلة واحتج أهل السنة بحدوث الحبل لمريم من غير فحل وحصول الرزق عندها من غير سبب ظاهر وأيضا ففي قصة أصحاب الكهف في الغار ثلثمائة سنة وأزيد في النوم أحياء من غير آفة دليل ظاهر وكذا في إحضار آصف بن برخيا عرش بلقيس قبل ارتداد الطرف حجة واضحة وأما المعتزلة فتعلقوا بأنه لو جاز ظهور الخارق في حق الولي لخرج الخارق عن كونه دليلا على النبوة وأجيب بأنه تمتاز المعجزة عن الكرامة باشتراط الدعوى في المعجزة وعدم اشتراطها في الكرامة بل في الحقيقة كرامة كل ولي معجزة لنبيه لدلالتها على حقية متبوعة وأما قول ابن الملك وبقدرة الأنبياء عليها متى أرادوها ليسهل عليهم تمهيد الأديان والشرائع ففيه نظر ظاهر

الفصل الأول


عن أنس رضي الله عنه أن أسيد بن حضير بالتصغير فيهما قال المؤلف أنصاري أوسي كان ممن شهد العقبة وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد وروى عنه جماعة من الصحابة مات بالمدينة سنة عشرين ودفن بالبقيع وعباد بفتح العين وتشديد الموحدة بن بشر بكسر فسكون أنصاري أسلم بالمدينة قبل إسلام سعد بن معاذ شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها وكان فيمن قتل كعب بن الأشرف اليهودي وكان من فضلاء الصحابة روى عنه أنس بن مالك وعبد الرحمان بن ثابت وقتل يوم اليمامة وله خمس وأربعون سنة تحدثا عند النبي في حاجة لهما حتى ذهب ساعة من الليل أي طويلة في ليلة شديدة الظلمة ثم خرجا أي انصرفا من عند رسول الله ينقلبان أي حال كونهما يرجعان إلى بيتهما وبيد كل واحد منهما عصية تصغير عصاة فأضاءت عصاة أحدهما لهما والأظهر أن يكون هو أسبقهما إسلاما وهو المقدم ذكرا حتى مشيا في ضوئها حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أي وصل كل واحد أهله رواه البخاري قال ميرك ليس الحديث في البخاري بهذا اللفظ بل فيه عن أنس أن رجلين كانا من أصحاب النبي خرجا من عند النبي في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله أخرجه في آخر باب علامات النبوة في الإسلام وأخرج في كتاب مناقب الأنصار في باب مناقب أسيد بن حضير وعباد بن بشر بلفظ إن رجلين خرجا من عند النبي في ليلة مظلمة فإذا نور بين أيديهما حتى افترقا فافترق النور معهما وقال معمر عن ثابت عن أنس إن أسيد بن حضير ورجلا من الأنصار وقال حماد أخبرنا ثابت عن أنس قال كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند النبي


هذا ما في صحيح البخاري وقد رواه محيي السنة في شرح السنة من طريق البخاري باللفظ الأول ثم رواه بإسناد آخر باللفظ الذي أورده صاحب المشكاة فتأمل ويفهم من كلام الشيخ ابن حجر العسقلاني أن اللفظ الذي أورده المصابيح والمشكاة أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من طريق الإسماعيلي في مستخرجه ورواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بنحوه والله أعلم وعن جابر قال لما حضر أحد أي حربه دعاني أبي من الليل أي في بعض من الليل فقال ما أراني بضم الهمز أي ما أحسبني إلا مقتولا في أول من يقتل أي في أول جمع يقتلون من أصحاب النبي وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله أي فإنه أعز علي حتى من نفسي وإن علي دينا أي كثيرا فاقض أي سريعا واستوص بأخواتك أي اقبل وصيتي فيهن وهن كن تسعا ثم انتصاب قوله خيرا على المصدر أي استيصاء خير ا وقيل التقدير اقبل وصيتي بالخير في شأنهن فأصبحنا فكان أي أبي أول من قتل ودفنته مع آخر وهو عمرو بن الجموح وكان صديق والد جابر وزوج أخته في قبر قال ابن الملك فيه دليل على جواز دفن الاثنين في قبر واحد انتهى والظاهر أن محله إذا كان ضرورة رواه البخاري وعن عبد الرحمان بن أبي بكر ذكره المؤلف في التابعين وقال روى عنه ابنه محمد وقال ابن الملك أسلم تمام الحديبية وكان أسن أولاد أبي بكر وكان اسمه عبد الكعبة فسماه النبي انتهى وهو الظاهر من الحديث كما لا يخفى قال إن أصحاب الصفة كانوا أناسا أي جماعة فقراء أي من أصحاب النبي ثم مشاهيرهم على ما ذكره


الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء أبو ذر الغفاري عمار بن ياسر سلمان الفارسي صهيب بلال أبو هريرة خباب بن الأرت حذيفة بن اليمان أبو سعيد الخدري بشير بن الخصاصية أبو مويهبة مولى رسول الله وغيرهم وفيهم نزل قوله تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الكهف وكانت الصفة في المسجد مسقفة بجريد النخل وكان هؤلاء الفقراء يستوطنون تلك السقيفة ويبيتون فيها فنسبوا إليها وكان الرجل إذا قدم المدينة وكان له بها عريفا ينزل على عريفه وإن لم يكن له بها عريف ينزل الصفة وإن النبي قال أي يوما من كان عنده طعام اثنين أي من عياله فليذهب بثالث أي من هؤلاء الفقراء أصحاب الصفة قال الطيبي وهذا هو الصحيح وفي أكثر نسخ المصابيح بثلاثة وهو غير صحيح رواية ومعنى ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أي إن لم يكن عنده ما يقتضي أكثر من ذلك أو سادس أي إن اقتضاه فأو للتنويع أو للتخيير ويحتمل أن تكون للشك أو بمعنى للمبالغة في باب الضيافة على أن مقتضى من كان عنده طعام اثنين أن يذهب بثالث أن من يكون عنده طعام أربعة أن يذهب باثنين بل روى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن جابر مرفوعا طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية وإن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق النبي بعشرة قال ابن حجر عبر عن أبي بكر بلفظ المجيء لبعد منزله من المسجد وعبر عن النبي بالانطلاق لقربه انتهى ولا دلالة في الحديث على ما ذكره بل مقتضاه العكس كما لا يخفى فالأولى أن يقال إنما عبر عنه بالمجيء لأن الراوي هو ابنه وهو من أهل البيت فكأنه قال جاءنا بثلاثة وذهب النبي بعشرة وإن أبا بكر تعشى عند النبي أي أكل العشاء بالفتح وهو طعام الليل في بيته أو مع أضيافه أو بانفراده عند بنته ثم لبث أي مكث أبو بكر بعد تعشيه فيما بين العشاءين حتى صليت بصيغة المجهول أي أديت معه عليه السلام العشاء بكسر العين أي صلاة العشاء


ثم رجع أي إلى بيته عليه السلام فلبث حتى تعشى النبي أي وحده أو مع أضيافه في بيت عائشة أو غيرها وإنما رجع معه اغتناما لرؤيته واهتماما لصحبته مع احتمال أنه أعاد الأكل في حضرته فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله وفي رواية ثم ركع بدل رجع أي صلى النافلة وفي أخرى حتى نعس أي تأخر عند النبي حتى نعس النبي وقام لينام فرجع إلى بيته قال الكرماني إن قلت
هذا يشعر بأن التعشي عند النبي كان بعد الرجوع إليه وما تقدم أشعر بأنه كان قبله قلت الأول بيان حال أبي بكر في عدم احتياجه إلى طعام عند أهله والثاني هو سوق القصة على الترتيب الواقع أو الأول كان تعشي أبي بكر والثاني تعشي النبي انتهى والحاصل أن أبا بكر لما أبطأ في رجوعه إلى بيته قالت له امرأته ما حبسك أي منعك عن أضيافك أي عن الحضور معهم قال أو ما عشيتيهم بتشديد الشين وإشباع كسرة التاء إلى تولد الياء وهو من التعشية وهي إعطاء العشاء والمعنى أقصرت في خدمتهم وما أطعمتيهم عشاءهم قالت أبوا أي امتنعوا من الأكل حتى تجيء أي تحضر معهم وتشاركهم في أكلهم فغضب أي على أهله لظن أنهم قصروا في الإلحاح والمبالغة أو على نفسه حيث غفل عن هذا المبنى وذهل عن هذا المعنى وقال وفي نسخة فقال والله لا أطعم بفتح الهمز والعين أي لا آكل الطعام أبدا فحلفت المرأة أن لا تطعمه أي أبدا كما في نسخة وحلف الأضياف أن لا يطعموه أي لا يأكلوه منفردين أو مطلقا قال أبو بكر كان هذا أي الحلف من الشيطان أي من إغوائه فدعا بالطعام فأكل وأكلوا قال الكرماني إن قلت كيف جاز له خلاف اليمين قلنا لأنه إتيان بالأفضل لخبر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه أو كان مراده لا أطعمه معكم أو في هذه الساعة أو عند الغضب وهذا مبني على أنه هل يقبل التقييد إذا كانت الألفاظ عامة وعلى أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب انتهى ولا يخفى ضعف هذه الوجوه الأخيرة لا سيما مع لفظ


التأبيد فجعلوا أي أبو بكر وأضيافه لا يرفعون لقمة أي من الصحفة إلى أفواههم إلا ربت أي زادت اللقمة وارتفعت من أسفلها أي من الموضع الذي أخذت منه أكثر منها أي من تلك اللقمة وضبط أكثر بالنصب في أكثر النسخ وفي نسخة بالرفع قال الطيبي أي ارتفع الطعام من أسفل القصعة ارتفاعا أكثر انتهى وفيه تنبيه على أن أكثر منصوب على أنه صفة لمفعول مطلق محذوف فوجه الرفع أن يكون التقدير إلا ربت لقمة هي أكثر منها ثم قال إسناد ربت إلى القصعة مجازي أقول وكونه مجازا لأن الارتفاع إنما هو بالنسبة إلى ما في القصعة من طعامها لا إلى القصعة ذاتها لكن الأظهر أن الإسناد إلى اللقمة على سبيل البدلية فقال لامرأته وهي أم رومان أم عبد الرحمان وأم عائشة من بني فراس بن تميم بن مالك بن النضر بن كنانة والمنتمون إلى النضر بن كنانة كلهم قريش ذكره التوربشتي يا أخت بني فراس
بكسر الفاء ما هذا أي الأمر العجيب والشأن الغريب قالت وقرة عيني بالجر وفي نسخة بالنصب ولعلها على نزع الخافض وقال ابن الملك بالجر والواو للقسم وبالنصب منادى حذف حرف ندائه انتهى وفيه نظر من وجوه كما لا يخفى وقال بعض المحققين قرة العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان لأن عينه قرت وسكنت لحصول غرضها فلا تستشرف لشيء آخر وقيل مأخوذ من القر أي البرد ولذا قيل دمعة السرور باردة وإنما حلفت أم رومان بذلك لما وقع عندها من السرور بالكرامة التي حصلت لهم ببركة الصديق وزعم بعضهم أن المراد بقرة عينها النبي إنها أي القصعة والمراد ما فيها الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار بكسر الميم أي مرات فأكلوا وبعث أي الصديق بها أي بالقصعة أو ببعض ما فيها إلى النبي فذكر بصيغة المجهول أي فروى أنه أكل منها متفق عليه وذكر حديث عبد الله بن مسعود كنا نسمع تسبيح الطعام في المعجزات قلت الأظهر إبقاؤه في باب الكرامات
الفصل الثاني


عن عائشة رضي الله عنها قالت لما مات النجاشي سبق ضبطه وتقدم ذكره كنا نتحدث أي يذكر بعضنا لبعض أنه لا يزال يرى على قبره نور أي في الحبشة والمعنى أن هذا أمر مشهور فيما بيننا مذكور عمن رأى نور قبره منا ولا يتصور اتفاقنا على الكذب فهو كاد أن يكون متواترا رواه أبو داود وعنها أي عن عائشة قالت لما أرادوا أي الصحابة أو أهل البيت غسل
النبي قالوا لا ندري أنجرد رسول الله من ثيابه أي ونغطي عورته من غيرها كما نجرد موتانا أو نغسله وعليه ثيابه جملة حالية والمعنى فاختار بعضهم التجريد قياسا وبعضهم عدمه اختصاصا فلما اختلفوا ألقى الله أي سلط عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه بفحتين في صدره في القاموس الذقن بالتحريك مجتمع اللحيين من أسفلهما ويكسر ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو صفة مكلم قيل هو الخضر عليه السلام اغسلوا النبي وعليه ثيابه بيان لقوله كلمهم والحديث يدل على أن غسل الميت وعليه قميصه مستحب ذكره ابن الملك وفيه نظر إذ لا يدل إلا على جوازه أو اختصاصه به إذ لم يذكر في المذهب أنه مستحب فقاموا فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص قال ابن الهمام قد ذكروا أنه غسل في قميصه الذي توفي فيه فكيف يلبسونه الأكفان فوقه وفيه بلل قلت لا دلالة فيه على أنه ألبسوه الكفن فوق القميص مبلولا إذ يحتمل ستر عورته ثم قلع قميصه ثم الباس كفنه بقميص والله سبحانه وتعالى أعلم رواه البيهقي في دلائل النبوة وعن ابن المنكدر قال المؤلف هو محمد بن المنكدر التيمي سمع جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وابن الزبير وعمه ربيعة روى عنه جماعة منهم الثوري مات سنة ثلاثين ومائة وله نيف وسبعون سنة وهو تابعي كبير من مشاهير التابعين وأجلهم جمع بين العلم والزهد والورع والعبادة والدين المتين والصدق في الفقه إن سفينة مولى رسول الله قال المؤلف وقيل مولى أم سلمة زوج النبي أعتقته واشترطت عليه خدمة النبي ما


عاش ويقال اسمه مختلف فيه وسفينة لقب له ويقال إن النبي كان في سفر وهو معه فأعيا رجل فألقى عليه سيفه وترسه ورمحه فحمل شيئا كثيرا فقال النبي أنت سفينة روى عنه بنوه عبد الرحمان ومحمد وزياد وكثير أخطأ الجيش أي أضل طريقه بحيث لا يهتدي إليهم سبيلا بأرض الروم أو أسر أي فيها شك من الراوي فانطلق هاربا يلتمس الجيش فإذا هو أي سفينة بالأسد أي بفرد عظيم من جنس الأسد فقال يا أبا الحارث وهو كنية الأسد أنا
مولى رسول الله كان من أمري كيت وكيت استئناف بيان لحاله في إغواء الطريق أو لكماله في خدمته نعم الرفيق فأقبل الأسد له بصبصة أي تحريك ذنب كفعل الكلب تملقا إلى مالكه وتذللا لصاحبه والجملة حال وفي النهاية بصبص الكلب بذنبه إذا حركه وإنما يفعل ذلك لطمع أو خوف حتى قام أي الأسد إلى جنبه كلما سمع أي الأسد صوتا أهوى إليه أي قصده ليدفعه إن كان صوتا أذى ثم أقبل يمشي أي إلى جانب سفينة حتى بلغ الجيش ثم رجع الأسد فكأنه كان دليلا ولإيصاله كفيلا وقد أشار صاحب البردة إلى هذه الزبدة بقوله ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد في آجامها تجم رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وعن أبي الجوزاء قال المؤلف هو أوس بن عبد الله الأزدي من أهل البصرة تابعي مشهور الحديث سمع عائشة وابن عباس وابن عمر وروى عنه عمرو بن مالك وغيره قتل سنة ثلاث وثمانين قال قحط أهل المدينة على بناء المفعول قحطا شديدا فشكوا أي الناس إلى عائشة فقالت انظروا قبر النبي بالنصب على نزع الخافض وفي نسخة إلى قبر النبي فاجعلوا منه أي من قبره كوى بفتح الكاف ويضم ففي المغرب الكوة نقب البيت والجمع كوى وقد يضم الكاف في المفرد والجمع اه وقيل يجمع على كوى بالكسر والقصر والمد أيضا والكوة بالضم ويجمع على كوى بالضم والمعنى اجعلوا من مقابلة قبره في سقف حجرته منافذ متعددة حتى لا يكون بينه أي بين قبره وبين السماء سفق أي حجاب ظاهري ففعلوا فمطروا بضم فكسر مطرا


أي شديدا حتى نبت العشب بضم فسكون أي العلف في منابته وسمنت بكسر الميم الإبل وكذا سائر المواشي بالأولى حتى تفتقت أي انتفخت خواصرها من الرعي وقيل انشقت وقيل اتسعت من الشحم أي من كثرته فسمي عام الفتق أي سنة الخصب الذي أفضى إلى الفتق هذا وقد قيل في
سيب كشف قبر النبي أن السماء لما رأت قبر النبي سال الوادي من بكائها قال تعالى فما بكت عليهم السماء والأرض الدخان حكاية عن حال الكفار فيكون أمرها على خلاف ذلك بالنسبة إلى الأبرار وقيل إنه كان يستشفع به عند الجدب فتمطر السماء فأمرت عائشة رضي الله عنها بكشف قبره مبالغة في الاستشفاع به فلا يبقى بينه وبين السماء حجاب أقول وكأنه كناية عن عرض الغرض المطلوب بتوجهه إلى السماء وهي قبلة الدعاء ومحل رزق الضعفاء كما قال تعالى وفي السماء رزقكم الذاريات رواه الدارمي وعن سعيد بن عبد العزيز قال المؤلف تنوخي دمشقي كان فقيه أهل الشام في زمن الأوزاعي وبعده وقال أحمد ليس بالشام أصح حديثا منه ومن الأوزاعي وهو والأوزاعي عندي سواء وكان سعيد بكاء فسئل فقال ما قمت إلى الصلاة إلا مثلت لي جهنم قال لما كان أي وقع أيام الحرة بفتح فتشديد قال الطيبي هو يوم مشهور في الإسلام أيام يزيد بن معاوية لما نهب المدينة عسكر من أهل الشام ندبهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين وأمر عليهم مسلم بن عيينة المري في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وعقيبها هلك يزيد والحرة هذه أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة وقعت فيها هذه الوقعة لم يؤذن في مسجد النبي بصيغة المجهول أي لم يؤذن أحد فيه لأجل الفتنة ثلاثا أي ثلاث ليال بأيامها ولم يقم على بناء المفعول من الإقامة أي ولم يقم أحد للصلاة أيضا ولم يبرح بفتح الراء لم يفارق سعيد بن المسيب المسجد وكان الناس يقولون في حقه إنه شيخ مجنون قال المؤلف كان سيد التابعين جمع بين الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة لقي جماعة كثيرة من الصحابة وروى عنهم


وعنه الزهري وكثير من التابعين وغيرهم حج أربعين حجة مات سنة ثلاث وسبعين وكان أي سعيد في ذلك الوقت الشديد لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة أي بصوت خفي لا يفهم يسمعها من قبر النبي رواه الدارمي وعن أبي خلدة بفتح المعجمة وسكون اللام قال المؤلف هو خالد بن دينار التميمي السعدي البصري الخياط من الخياطة من ثقات التابعين روى عن أنس وعنه وكيع وغيره قال قلت لأبي العالية قال المؤلف اسمه رفيع بن مهران الرباحي مولاهم البصري رأى الصديق وروى عن عمر وأبي وعنه عاصم الأحول وغيره قالت حفصة بنت سيرين كان
يقول قرأت على عمر ثلاث مرات أدرك زمن النبي بعد سنتين من وفاته توفي سنة تسعين سمع أنس بحذف همزة الاستفهام أي أسمع أحاديث من النبي أي بلا واسطة يرويها أوله مراسيل من الصحابة مع أنها حجة اتفاقا وكأنه بعد وفاته تردد بعض الناس فيه قال أي أبو العالية خدمه أي خدم أنس النبي عشر سنين أي وعمره عشر سنين ودعا له النبي أي بالبركة في عمره وولده وماله فهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة سنة إحدى وتسعين وله من العمر مائة وثلاث سنين ويقال إنهه ولد له مائة ولد وكان له بستان يحمل أي يثمر في كل سنة الفاكهة مرتين وكان فيها أي في الحديقة وهي في معنى البستان وفي نسخة صحيحة فيه أي في ذلك البستان ريحان وهو نبت معروف له ريح طيب يجيء منه ريح المسك وحاصل الجواب أن من كان له هذه المنزلة والصحبة وطول ملازمة الخدمة كيف لا يسمع ولا يروي عنه رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب
الفصل الثالث


عن عروة بن الزبير أي ابن العوام يكنى أبا عبد الله القرشي سمع أباه وأمه أسماء وعائشة وغيرهم من كبار الصحابة روى عنه ابنه هشام والزهري وغيرهما ولد سنة اثنتين وعشرين وهو من كبار التابعين وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بضم نون ففتح فاء وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة خاصمته أروى بفتح الهمزة والواو مقصورا قال صاحب جامع الأصول لا أدري أكانت أروى صحابية أم تابعية بنت أوس بفتح فسكون هكذا في نسخ المشكاة قيل وكذا في نسخ المصابيح وفي جامع الأصول أويس بضم الهمزة وفتح الواو وياء ساكنة وفي أسماء الرجال للمؤلف في فصل الصحابة أوس بن أوس ويقال أوس بن أبي أوس الثقفي وهو والد عمرو بن أوس روى عنه أبو أشعث السمعاني وابنه عمر وغيرهما والحاصل أنها رافعته في الخصومة إلى مروان


بن الحكم قال المؤلف يكنى أبا عبد الملك القرشي الأموي جد عمر بن عبد العزيز أمره النبي إلى الطائف فلم يزل بها حتى ولى عثمان فرده إلى المدينة وروى عن نفر من الصحابة منهم عثمان وعلي وعنه عروة بن الزبير وعلي بن الحسين مات بدمشق سنة خمس وستين اه وكأنه كان واليا في المدينة وادعت أي أروى أنه أي سعيدا أخذ شيئا من أرضها أي ظلما فقال سعيد أنا كنت آخذ من أرضها شيئا فيه معنى الإنكار على نفسه المتضمن لإنكار غيره وقوله بعد الذي سمعت من رسول الله مقرر لجهة الإنكار قال أي مروان ماذا سمعت من رسول الله قال أي سعيد سمعت رسول الله يقول من أخذ شبرا أي قدر شبر وأراد شيئا يسيرا من الأرض أي أرض أحد ظلما أي أخذ ظلم أو من جهة ظلم طوقه بضم الطاء وكسر الواو المشددة أي طوقه الله كما في نسخة أي جعل ذلك الشبر منها طوقه إلى سبع أرضين بفتح الراء ويسكن قال النووي بفتح الراء وإسكانها قليل وفي الحديث تصريح بأن الأرض سبع طباق وهو موافق لقوله تعالى سبع سموات ومن الأرض مثلهن الطلاق ومن قال المراد بالسبع الأقاليم فقد وهم لأنه لو كان كذلك لم يطوق الظالم بشبر من كل إقليم بخلاف طباق الأرض فإنها تابعة لهذا الشبر فقال له مروان لا أسألك بينة وفي نسخة ببينة أي لا أطالبك بحجة بعد هذا أي بعد ايرادك هذا الحديث والمعنى أصدقك في باطن الأمر أنك غير ظالم أو لا أشك في نقلك الحديث ولا أحتاج لرواية أخرى فإنك بمنزلة راويين وأكثر وقال الطيبي وكان سعيدا لما أنكر توجه عليها البينة وعند فقدها توجه إليه اليمين فأجرى مروان هذا الكلام منه مجرى اليمين وقال لا أسألك بينة بعد هذا اه ولا يخفى أن اعتبار مثل هذا غير شرعي في باب الدعوى فالصواب ما ذكره الكرماني من أن سعيدا ترك لها ما ادعته كما يشهد له نقل عروة فقال سعيد اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها بفتح همز وكسر ميم أي اجعل بصرها أ