Contents

الواجهة
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
مقدمة
باب الألف
باب الثاء
باب الجيم
باب الحاء
باب الخاء
باب الدال
باب الراء
باب الزاي
تابع باب الزاء
تابع لحرف الزاء
تابع لحرف الزاء
باب الطاء
باب الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع حرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
تابع لحرف الميم
باب النون
باب الصاد
باب الضاد
باب العين
تابع لحرف العين
تابع حرف العين
تابع لحرف العين
تابع لحرف العين
باب القاف
باب السين
باب الشين
باب الهاء
باب الواو
باب الياء
تابع باب الياء
باب الكني
باب بلاغات مالك ومرسلاته
باب مافي هذا الديوان من حديث مالك الذي ثبتت عليه أبوابه خاصة
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
الديباج - جزء 1
الديباج - جزء 2
الديباج - جزء 3
الديباج - جزء 4
الديباج - جزء 5
الديباج - جزء 6
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المنهاج - مقدمة
المنهاج - الإيمان
المنهاج - الطهارة
المنهاج - الحيض
المنهاج - الصَّلَاة
المنهاج - المساجد ومواضع الصلاة
المنهاج - صلاة المسافرين وقصرها
المنهاج - بَاب صَلَاة الْجُمُعَة
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
المنهاج - بَاب الدُّعَاء فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء
المنهاج - بَاب صَلَاة الْكُسُوف
المنهاج - كِتَاب الْجَنَائِز
المنهاج - الزكاة
المنهاج - كِتَاب الصِّيَام
المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف
المنهاج - كِتَاب الْحَجّ
المنهاج - كِتَاب النِّكَاح
المنهاج - الرضاعة
المنهاج - الطلاق
المنهاج - اللِّعَان
المنهاج - العتق
المنهاج - البيوع
المنهاج - المساقاة
المنهاج - الفرائض
المنهاج - الهبات
المنهاج - الوصية
المنهاج - النذر
المنهاج - الأيمان
المنهاج - القسامة
المنهاج - الحدود
المنهاج - الأقضية
المنهاج - اللقطة
المنهاج - الجهاد والسير
المنهاج - الإمارة
المنهاج - الصيد والذبائح
المنهاج - كِتَاب الْأَضْاحَي
المنهاج - الأشربة
المنهاج - اللباس والزينة
المنهاج - الآداب
المنهاج - السلام
المنهاج - الألفاظ من الأدب وغيرها
المنهاج - الشعر
المنهاج - الرؤيا
المنهاج - الفضائل
المنهاج - فضائل الصحابة
المنهاج - البر والصلة والآداب
المنهاج - القدر
المنهاج - العلم
المنهاج - الذكر والدعاء
المنهاج - التوبة
المنهاج - صفات المنافقين
المنهاج - صفة القيامة والجنة والنار
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها وأهلها
المنهاج - الفتن وأشراط الساعة
المنهاج - الزهد والرقائق
المنهاج - التفسير
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
أبواب الطهارة
أبواب الصلاة
تابع أبواب الصلاة
أبواب الوتر
أبواب الجمعة
تابع لأبواب الجمعة
أبواب العيدين
أبواب السفر
ابواب الزكاة
أبواب الصوم
أبواب الحج
تابع أبواب الحج
أبواب الجنائز
أبواب النكاح
أبواب الرضاع
أبواب الطلاق واللعان
ابواب البيوع
أبواب الأحكام
أبواب الديات
ابواب الحدود
تابع أبواب الحدود
أبواب الصيد
أبواب الأضاحي
أبواب النذور والأيمان
أبواب السير
أبواب الجهاد
أبواب اللباس
أبواب الأطعمة
أبواب الأشربة
تابع أبواب الأشربة
أبواب البر و الصله عن رسول الله صلى الله عليه و آله سلم
أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الفرائض عن الرسول صلى الله عليه و سلم
أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الولاء و الهبة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الشهادات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
تابع لأبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صِفَةُ القِيامَة
أبواب صفة الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الإستئذان والآداب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب العلم
أبواب الأمثال
أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب القراءات عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تابع لأبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحاديث شتى من أبواب الدعوات
المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مناقب الصحابة رضوان الله عليهم
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك
كتاب وقوت الصلاة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب السهو
كتاب الجمعة
كتاب الصلاة في رمضان
كتاب صلاة الليل
كتاب صلاة الجماعة
كتاب قصر الصلاة في السفر
كتاب العيدين
كتاب صلاة الخوف
كتاب صلاة الكسوف
كتاب الاستسقاء
كتاب القبلة
كتاب القرآن
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهاد
كتاب النذور و الأيمان
كتاب الضحايا
كتاب الذبائح
كتاب الصيد
كتاب العقيقة
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الرضاع
كتاب البيوع
كتاب القراض
كتاب المساقاة - كتاب كراء الأرض
كتاب الشفعة - كتاب الأقضية
كتاب الوصية - كتاب العتق والولاء
كتاب المكاتب - كتاب المدبر
كتاب الحدود
كتاب الأشربة - كتاب العقول
كتاب القسامة - كتاب الجامع
كتاب القدر - كتاب حسن الخلق
كتاب اللباس - كتاب صفة النبي
كتاب العين - كتاب الشعر
كتاب الرؤيا - كتاب السلام
كتاب الاستئذان والتشميت والصور والتماثيل وغيرها
كتاب البيعة - كتاب الكلام والعينة والتقى
كتاب جهنم - كتاب الصدقة
كتاب العلم - كتاب دعوة المظلوم - كتاب أسماء النبي
حاشية السندي على سنن ابن ماجة
المقدمة
الطَّهَارَة وَسُنَنهَا
الصلاة
الْأَذَان
المساجد والجماعات
أَبْوَاب إِقَامَة الصَّلَاة
الجنائز
الصوم
الزكاة
النكاح
الطلاق
الكفارات
التجارات
الأحكام
الحدود
الديات
الوصايا
الْفَرَائِض
الجهاد
المناسك
الْأَضَاحِيّ
الذبائح
الصيد
الأطعمة
الأشربة
الطب
اللباس
الْآدَاب
الدُّعَاء
تعبير الرؤيا
الْفِتَن
الزُّهْد
شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد
شرح رياض الصالحين
شرح رياض الصالحين - 01
شرح رياض الصالحين - 02
شرح رياض الصالحين - 03
شرح رياض الصالحين - 04
شرح سنن أبي داود للعيني
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كِتابُ الصَلاَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
عون المعبود شرح سنن أبي داود
كتاب الطهارة
تابع كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
تابع لكتاب الصلاة
كتاب الزكاة
تابع لكتاب الزكاة
كتاب اللقطة
كتاب المناسك
تابع لكتاب المناسك
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الصيام
تابع لكتاب الصيام
أول كتاب الجهاد
أول كتاب الضحايا
تابع كتاب الضحايا
أول كتاب الصيد
أول كتاب الوصايا
أول كتاب الفرائض
أول كتاب الخراج والفيء والإمارة
أول كتاب الجنائز
تابع لكتاب الجنائز
كتاب الأيمان والنذور
كتاب البيوع
كتاب الإجارة
كتاب القضاء
تابع لكتاب القضاء
كتاب العلم
كتاب الأشربة
كتاب الأطعمة
كتاب الطب
كتاب الكهانة والتطير
كتاب العتق
أول كتاب الحروف والقراءات
أول كتاب الحمام
أول كتاب اللباس
أول كتاب الترجل
أول كتاب الخاتم
أول كتاب الفتن والملاحم
أول كتاب المهدي
أول كتاب الملاحم
أول كتاب الحدود
أول كتاب الديات
أول كتاب السنة
تابع لكتاب السنة
أول كتاب الأدب
أبواب السلام
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن حجر
فتح الباري - هدي الساري مقدمة فتح الباري
فتح الباري - كتاب بدء الوحي
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب العلم
فتح الباري - كتاب الوضوء
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
فتح الباري - كتاب مواقيت الصلاة
فتح الباري - كتاب الأذان
فتح الباري - كتاب الجمعة
فتح الباري - كتاب الخوف
فتح الباري - كتاب العيدين
فتح الباري - كتاب الوتر
فتح الباري - كتاب الاستسقاء
فتح الباري - كتاب الكسوف
فتح الباري - كتاب سجود القرآن
فتح الباري - كتاب تقصير الصلاة
فتح الباري - كتاب التهجد
فتح الباري - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
فتح الباري - كتاب العمل في الصلاة
فتح الباري - كتاب السهو
فتح الباري - كتاب الجنائز
فتح الباري - كتاب الزكاة
فتح الباري - كتاب الحج
فتح الباري - كتاب العمرة
فتح الباري - كتاب المحصر
فتح الباري - كتاب جزاء الصيد
فتح الباري - كتاب فضائل المدينة
فتح الباري - كتاب الصوم
فتح الباري - كتاب صلاة التراويح
فتح الباري - كتاب فضل ليلة القدر
فتح الباري - كتاب الإعتكاف
فتح الباري - كتاب البيوع
فتح الباري - كتاب السلم
فتح الباري - كتاب الشفعة
فتح الباري - كتاب الإجارة
فتح الباري - كتاب الحرث والمزارعة
فتح الباري - كتاب المساقاة
فتح الباري - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
فتح الباري - كتاب الخصومات
فتح الباري - كتاب اللقطة
فتح الباري - كتاب المظالم
فتح الباري - كتاب الشركة
فتح الباري - كتاب الرهن
فتح الباري - كتاب العتق
فتح الباري - كتاب المكاتب
فتح الباري - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
فتح الباري - كتاب الشهادات
فتح الباري - كتاب الصلح
فتح الباري - كتاب الشروط
فتح الباري - كتاب الوصايا
فتح الباري - كتاب الجهاد و السير
فتح الباري - كتاب فرض الخمس
فتح الباري - كتاب الجزية و الموادعة
فتح الباري - كتاب بدء الخلق
فتح الباري - كتاب أحاديث الأنبياء
فتح الباري - كتاب المناقب
فتح الباري - كتاب فضائل الصحابة
فتح الباري - كتاب مناقب الأنصار
فتح الباري - كتاب المغازي
فتح الباري - كتاب التفسير
فتح الباري - كتاب فضائل القرآن
فتح الباري - كتاب النكاح
فتح الباري - كتاب الطلاق
فتح الباري - كتاب النفقات
فتح الباري - كتاب الأطعمة
فتح الباري - كتاب العقيقة
فتح الباري - كتاب الذبائح والصيد
فتح الباري - كتاب الأضاحي
فتح الباري - كتاب الأشربة
فتح الباري - كتاب المرضى
فتح الباري - كتاب الطب
فتح الباري - كتاب اللباس
فتح الباري - كتاب الأدب
فتح الباري - كتاب الإستئذان
فتح الباري - كتاب الدعوات
فتح الباري - كتاب الرقاق
فتح الباري - كتاب القدر
فتح الباري - كتاب الأيمان والنذور
فتح الباري - كتاب كفارات الأيمان
فتح الباري - كتاب الفرائض
فتح الباري - كتاب الحدود
فتح الباري - كتاب الديات
فتح الباري - كتاب استتابة المرتدين
فتح الباري - كتاب الإكراه
فتح الباري - كتاب الحيل
فتح الباري - كتاب التعبير
فتح الباري - كتاب الفتن
فتح الباري - كتاب الأحكام
فتح الباري - كتاب التمني
فتح الباري - كتاب أخبار الأحاد
فتح الباري - كتاب الإعتصام بالسنة
فتح الباري - كتاب التوحيد
فتح الباري شرح صحيح البخاري - ابن رجب
فتح الباري - كتاب الإيمان
فتح الباري - كتاب الغسل
فتح الباري - كتاب الحيض
فتح الباري - كتاب التيمم
فتح الباري - كتاب الصلاة
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مقدمة
خطبة الكتاب
كتاب الإيمان
كتاب العلم
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصوم
كتاب فضائل القرآن
كتاب الدعوات
كتاب المناسك
كتاب البيوع
كتاب الفرائض والوصايا
كتاب النكاح
كتاب العتق
كتاب القصاص
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الإمارة والقضاء
كتاب الجهاد
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأطعمة
كتاب اللباس
كتاب الطب والرقى
كتاب الرؤيا
كتاب الآداب
كتاب الرقاق
كتاب الفتن
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الفضائل والشمائل
كتاب المناقب

 
عودة لموقع هاني الطنبور
هاني الطنبور
الصفحة السابقة الصفحة التالية
 
 

 

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

كتاب المناقب

باب مناقب قريش وذكر القبائل
المناقب جمع المنقبة وهي الشرف والفضيلة وذكر القبائل عطف على المناقب والمراد بذكرهم أعم من مدحهم وذمهم
الفصل الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال الناس تبع بفتحتين جمع تابع كخدم جمع خادم أي الناس كلهم تابعون لقريش في هذا الشأن أي في الدين والطاعة أو في الخلافة ويؤيد المعنى الأول قوله مسلمهم أي مسلم عامة الناس تبع لمسلمهم أي مسلم قريش وكافرهم تبع لكافرهم قال شارح وإذ قد علمنا أن أحدا من قريش لم يبق بعده على الكفر علمنا أن المراد منه أن الإسلام لم ينقصهم مما كانوا عليه في الجاهلية من الشرف فهم سادة في الإسلام كما كانوا قادة في الجاهلية اه وقيل معناه إن كانوا خيارا سلط الله عليهم أخيارا منهم وإن كانوا أشرارا سلط الله عليهم أشرارا منهم كما قيل أعمالكم عمالكم وكما روي كما تكونوا يولى عليكم وفي شرح السنة معناه تفضيل قريش على قبائل العرب وتقديمها في الإمامة والإمارة وقال المظهر كانت العرب تقدم قريشا وتعظمها إذ كانت دارهم موسما والبيت الذي هم سدنته منسكا


وكانت لهم السقاية والرفادة يعظمون الحجيج ويسقونهم فحازوا به الشرف والرياسة عليهم وقال القاضي المراد بهذا الشأن الدين والمعنى أن مسلمي قريش قدوة غيرهم من المسلمين لأنهم المتقدمون في التصديق السابقون في الإيمان وكافرهم قدوة غيرهم من الكفار فإنهم أول من رد الدعوة وكفر بالرسول وأعرض عن الآيات قال الأشرف فلا يكون حينئذ قوله وكافرهم إلى آخره في معرض المدح قلت فلا يكون محذور حينئذ مع أنه قد يقال ليس مدحا شرعا لكنه يتضمن مدحا عرفا وهو أن هذا الجنس متبوعون في الجملة لا تابعون كما سيأتي من أن الناس تبع لقريش في الخير والشر ويؤيده أنه لما بعث قال عامة العرب ينظر ما يصنع قومه فلما فتح مكة وأسلمت قريش تبعهم العرب ودخلوا في دين الله أفواجا ولهذا استمرت خلافة النبوة في قريش ثم رأيت الطيبي قال ويؤيد قول القاضي الحديث الذي يتلوه كأنه قيل متبوعون في كل أمر والناس يقتفون آثارهم ويزعمون أن كل ما صدر عنهم خير ونحوه قول الشاعر ونحن التاركون لما سخطنا ونحن الآخذون لما رضينا أقول وفيه إشعار بأن الخلق لا يأنفون عن متابعتهم وأن قابلية المتبوعية مجبولة في جبلتهم فينبغي أن لا يخرج عنهم أمر الخلافة لئلا يترتب عليه المخالفة وبه يحصل الجمع بين أقوال الأئمة في معنى هذا الحديث متفق عليه وعن علي قال سمعته أذناي ووعاء قلبي من رسول الله الناس تبع لقريش صالحهم تبع لصالحهم وشرارهم تبع لشرارهم أخرجه أحمد في المناقب وعن جابر رضي الله عنه أن النبي قال الناس تبع لقريش وجه تسميتهم بقريش مبسوط في القاموس في الخير أي الإسلام والشر أي الكفر رواه مسلم وكذا أحمد وفي الجامع الصغير قريش صلاح الناس ولا يصلح الناس إلا بهم كما أن الطعام لا


يصلح إلا بالملح رواه ابن عدي في الكامل عن عائشة مرفوعا وفي رواية ابن عساكر عن عمرو بن العاص مرفوعا قريش خالصة الله تعالى فمن نصب لها حربا سلب ومن أرادها بسوء خزي في الدنيا والآخرة وروى ابن عدي عن جابر مرفوعا قريش على مقدمة الناس يوم القيامة ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لمحسنها عند الله من الثواب وروى أحمد والترمذي عن عمرو بن العاص مرفوعا قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة وفي رواية لأحمد عن أبي بكر وسعد مرفوعا قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم وعن ابن أبي ذئب أن رسول الله قال شرار قريش خير شرار الناس أخرجه الشافعي في مسنده وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه قال قال رسول الله قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم رواه أحمد وعن علي قال قال رسول الله يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم أخرجه أحمد في المناقب وعن ابن عمر أن النبي قال لا يزال هذا الأمر أي أمر الخلافة في قريش ما بقي منهم أي من الناس اثنان أي فيكون واحد خليفة وواحد تابع له قال النووي هذه الأحاديث وما أشبهها فيها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لغيرهم وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة ومن بعدهم ومن خالف فيه من أهل البدع فهو محجوج بإجماع الصحابة وبين أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدهر ما بقي من الناس اثنان وقد ظهر ما قاله إلى الآن اه والتحقيق أن هذا خبر بمعنى الأمر أي من كان مسلما فليتبعهم ولا يخرج عليهم وإلا فقد خرج هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد من مدة أكثر من مائتي سنة ويحتمل أن يكون على ظاهره وأنه مقيد بقوله في الحديث الآتي ما أقاموا الدين ولم يخرج منهم إلا وقد انتهكوا حرماته كذا ذكره السيوطي وقيل هو على ظاهره والمراد بالناس بعض الناس أي سائر العرب ذكره ابن


حجر فتدبر متفق عليه وفي ذخائر العقبى نسبه إلى البخاري ورواه أحمد في مسنده
وعن معاوية أي ابن أبي سفيان قال سمعت رسول الله يقول إن هذا الأمر أي أمر الإمارة في قريش لا يعاديهم أحد أي لا يخالفهم إلا كبه الله أي أسقطه وفي رواية إلا أكبه الله على وجهه والمعنى أذله وأهانه ما أقاموا أي قريش الدين أي أحكام دين الإسلام ثم ما مصدرية والوقت مقدور وهو متعلق بقوله كبه الله قال ابن الملك أي مدة محافظتهم على الدين وأهله وقيل المراد الصلاة لرواية ما أقاموا الصلاة لكن على هذا إنما يستقيم المعنى إذا علق قوله ما أقاموا بكبه إلا بأن هذا الأمر في قريش لأن منهم من لم يقم الصلاة ولم يصرف عنه الأمر كذا قاله التوربشتي وفيه دلالة على اختصاص الإمامة بقريش وهم بنو النضر بن كنانة وجميع بطونها في ذلك بمنزلة واحدة ولعل ذلك لعلمه أنه يوجد فيهم من هو جامع لأوامر الملك والدين وصالح الأمور المسلمين وفي شرح الطيبي قال المظهري إن الخلافة في قريش لا يعاديهم ولا يخالفهم أحد في ذلك إلا أذله الله تعالى ما داموا يحافظون الدين اه كلامه ويفهم من كلام الشيخ التوربشتي أن قوله ما أقاموا الدين إذا علق بكبه يستقيم المعنى إذا حمل الدين على الصلاة وأما إذا حمل على الدين بأصوله وتوابعها فلا لأن منهم من غير وبدل ولم يصرف عنه الأمر وقيل معنى الحديث لا يخالف قريشا أحد في الأمور المتعلقة في الدين بأن أرادوا نقضه وبطلانه وقريش تريد إقامته وإمضاءه إلا أذله الله وقهره قال الطيبي واللفظ لا يساعد إلا ما عليه ليظهر وهو أظهر أقول الظاهر أن المراد بالصلاة الدين وإنما عبر عنه بها لأنها عماد الدين ولكونها أم العبادات وأنها تنهى عن السيئات أو ذكرها على منوال المثال أي الصلاة ونحوها من أمور الدين والله أعلم رواه البخاري وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه قال خطبنا رسول الله يوم الجمعة فقال أيها الناس قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا منها


ولا تعلموها أخرجه الشافعي في مسنده وأحمد في المناقب وعن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله يقول لا يزال
الإسلام عزيزا أي قويا شديدا أو مستقيما سديدا إلى اثني عشر خليفة قال الطيبي إلى ههنا نحو حتى في الرواية الأخرى لأن التقدير لا يزال الدين قائما حتى يكون عليهم اثنا عشر خليفة في أن ما بعدها داخل فيما قبلها الكشاف في قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق المائدة إلى تفيد معنى الغاية مطلقا فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور على الدليل فما فيه دليل على الخروج قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة لأنه لو دخل الليل لوجب الوصال ومما فيه دليل على الدخول قولك حفظت القرآن من أوله إلى آخره لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله كلهم من قريش قال بعض المحققين قد مضى منهم الخلفاء الأربعة ولا بد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة وقيل إنهم يكونون في زمان واحد يفترق الناس عليهم وقال التوربشتي السبيل في هذا الحديث وما يتعقبه في هذا المعنى أن يحمل على المقسطين منهم فإنهم هم المستحقون لاسم الخليفة على الحقيقة ولا يلزم أن يكونوا على الولاء وإن قدر أنهم على الولاء فإن المراد منه المسمون بها على المجاز وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض توجه هنا سؤال وهو أنه قد جاء الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا وهو مخالف لهذا الحديث وأجيب بأن المراد بثلاثون سنة خلافة النبوة وقد جاء مفسرا في بعض الروايات خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا ولم يشترط هذا في الاثني عشر وقيل المراد باثني عشر أن يكونوا مستحقي الخلافة من العادلين وقد مضى منهم من علم ولا بد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة قلت وقد حمل الشيعة الاثني عشر على أنهم من أهل بيت النبوة متوالية أعم من أن تكون لهم خلافة حقيقة أو استحقاقا فأولهم علي فالحسن فالحسين فزين العابدين فمحمد الباقر فجعفر الصادق فموسى الكاظم فعلي الرضا فمحمد


التقي فعلي التقي فحسن العسكري فمحمد المهدي رضوان الله عليهم أجمعين على ما ذكره زبدة الأولياء خواجه محمد يارسا في كتاب فصل الخطاب مفصلة وتبعه مولانا نور الدين عبد الرحمان الجامي في أواخر شواهد النبوة وذكر فضائلهم ومناقبهم وكراماتهم ومقاماتهم مجملة وفيه رد على الروافض حيث يظنون بأهل السنة أنهم يبغضون أهل البيت باعتقادهم الفاسد ووهمهم الكاسد وإلا فأهل الحق يحبون جميع الصحابة وكل أهل البيت لا كالخوارج الأعداء لأهل بيت النبوة ولا كالروافض المعادين لجمهور الصحابة وأكابر الأمة وفي رواية لا يزال الناس أي أمر دينهم ماضيا أي جاريا مستمرا على الصواب والحق ما وليهم أي مدة ما تولي أمرهم اثنا عشر رجلا كلهم من قريش وفي رواية لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو أو بمعنى الواو لمطلق الجمع أي و حتى يكون عليهم أي على الناس متوليا اثنا عشر خليفة كلهم من قريش متفق عليه


وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله غفار بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء علم قبيلة وفي القاموس بنو غفار ككتاب رهط أبي ذر الغفاري وهو مبتدأ خبره غفر الله لها قال ابن الملك أي أقول في حقهم أقول و إنما يقدر مثل هذا في نحو زيدا ضرب حيث لا يصح حمل الجملة الإنشائية على الاسم المرفوع بالابتدائية وأسلم قبيلة أخرى سالمها الله أي صنع الله بهم ما يوافقهم من أمر السلامة عن المكروه وعصية بالتصغير بطن على ما في القاموس والمراد به قبيلة أو جماعة عصت الله ورسوله وفي الحديث إيماء إلى أن بالتصغير بطن على ما في القاموس والمراد به قبيلة أو جماعة عصت الله ورسوله وفي الحديث إيماء إلى أن الأسماء تنزل من السماء قال الطيبي الجملتان الأوليان يحتمل أن تكونا خبريتين وأن يحملا على الدعاء لهما وأما قوله وعصية عصت الله فهو إخبار ولا يجوز حمله على الدعاء لكن فيه إظهار شكاية منهم يستلزم الدعاء عليهم بالخذلان لا بالعصيان وفي شرح السنة قيل إنما دعا لغفار وأسلم لأن دخولهما في الإسلام كان من غير حرب وكانت غفار متهمة بسرقة الحجاج فدعا رسول الله بأن يمحو عنهم تلك السيئة ويغفرها لهم وأما عصية فهم الذين قتلوا القراء ببئر معونة فكان النبي يقنت عليهم وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي هو من حسن الكلام والمجانسة في الألفاظ مأخوذ من سالمته إذا لم تر فيه مكروها فكأنه دعا لهم بأن يضع الله عنهم التعب الذي كانوا فيه متفق عليه ورواه أحمد والترمذي وفي رواية لأحمد والطبراني والحاكم عن سلمة بن الأكوع وعن أبي هريرة مرفوعا أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها أما والله ما أنا قلته ولكن الله قاله وفي رواية الطبراني عن عبد الرحمان بن سندر بلفظ أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها ونجيب أجابوا الله ففي القاموس نجيب بن كندة بطن وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله قريش أي مسلموهم من أهل مكة وغيرهم والأنصار أي


قبيلتهم من أهل المدينة وفي القاموس إن أنصار النبي غلبت عليهم الصفة وجهينة بالتصغير قبيلة ومزينة كذلك وأسلم وغفار وأشجع
أبو قبيلة والمراد هنا أولاده المؤمنون موالي بفتح الميم وكسر اللام وتشديد الياء التحتية جمع مولى مضافا إلى ياء المتكلم وقال شارح يروى على الإضافة أي أحبائي وأنصاري ويروى موال بالتنوين أي بعضهم لبعض أحباء وأنصار لا ولاء لأحد عليهم إلا الله ورسوله وقال النووي أي هم ناصروه والمختصون به وهو أيضا وليهم وناصرهم والمتكفل بهم وبمصالحهم لقوله ليس لهم مولى دون الله ورسوله أي غيرهما قال الطيبي جملة مقررة للجملة الأولى على الطرد والعكس وفي تمهيد ذكر الله لذكر رسوله وتخصيص ذكر الرسول إيذان بمكانته ومنزلته عند الله وإشعار بأن توليه إياهم بلغ مبلغا لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه متفق عليه وعن أبي بكرة بالتاء وهو الثقفي قال قال رسول الله أسلم وغفار ومزينة وجهينة خير من بني تميم في القاموس تميم كأمير أبو قبيلة ويصرف ومن بني عامر عطف بإعادة الجار والحليفين أي ومن الحليفين يعني المتحالفين على التناصر بني أسد بفتح فسكون وغطفان بفتحتين وهما بدل من الحليفين أو عطف بيان قال النووي وتفضيل تلك القبائل لسبقهم إلى الإسلام وحسن آثارهم في الأحكام متفق عليه إلا أن البخاري لم يذكر الحليفين ذكره ميرك وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ما زلت بكسر الزاي أي ما برحت أحب بني تميم منذ ثلاث أي خصال أو كلمات وقوله سمعت صفة لثلاث والعائد محذوف أي سمعتها من رسول الله يقول فيهم جملة حالية أي قائلا إياها في حقهم والمعنى أني دائما أحبهم من الوقت الذي قال النبي في حقهم ثلاث خصال وقال الطيبي قوله ثلاث صفة موصوف محذوف وكذا سمعت اه والأظهر ما سمعت ثم قوله سمعته يقول بيان أو بدل لقوله سمعت من رسول الله وبالجملة هو تفصيل للخصال


الثلاث والخصال الثلاث إحداها قوله هم أشد أمتي على الدجال أي حين ظهوره وفيه إشعار بوجودهم إلى زمانه بكثرة قال أي أبو هريرة وجاءت صدقاتهم فقال رسول الله هذه صدقات قومنا شرفهم بإضافتهم إلى نفسه وهذه ثانيتها قال أبو هريرة وكانت سبية بفتح فكسر فتشديد تحتية أي أسيرة منهم عند عائشة قال ابن الملك فيه دليل على جواز استرقاق العرب اه وفي استدلال نظر لا يخفى فقال أي النبي عليه الصلاة والسلام أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل بضم الواو وسكون اللام جمع ولد ذكره الطيبي وفي نسخة بفتحها ففي الصحاح الولد يكون واحدا أو جمعا وكذلك الولد بالضم وقد يكون الولد جمع الولد كالأسد والأسد وهذه ثالثتها فإنه دل على أن فضيلتهم لكونهم من بني إسماعيل متفق عليه
الفصل الثاني
عن سعد عن النبي قال من يرد من الإرادة أي من يقصد هوان قريش أي ذلهم وإهانتهم أهانه الله أي أذله وأخزاه رواه الترمذي وكذا الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله اللهم أذقت أول قريش أي يوم بدر والأحزاب نكالا بفتح النون أي بلاء ووبالا وقال شارح فسر هذا بالقحط والغلاء وقال الطيبي النكال العبرة وقيل العقوبة فأذق آخرهم نوالا أي إنعاما وعطاء ثقالا رواه الترمذي


وعن أبي عامر الأشعري لم يذكره المؤلف في أسمائه قال قال رسول الله نعم الحي أي القبيلة الأسد بفتح فسكون قال التوربشتي هو بسكون السين أبو حي من اليمن ويقال لهم الأزد وهو بالسين أفصح وهما أزدان أزد شنوءة وأزد عمان اه وسيأتي أن المراد هنا أزد شنوءة والأشعرون وفي نسخة والأشعريون بإثبات ياء النسبة قال الطيبي هو بسقوط الياء في جامع الترمذي وجامع الأصول وبإثباته في المصابيح قال الجوهري تقول العرب جاءتك الأشعرون بحذف الياء لا يفرون في القتال أي في حال قتالهم مع الكفار وهو حال القبيلتين على حد هذان خصمان اختصموا الحج ولا يغلون بفتح فضم فتشديد أي ولا يخونون في المغنم هم مني أي من أتباعي في سنتي وطريقتي أو من أوليائي وأنا منهم أي من أوليائهم وفيه إشعار بأنهم متقون لقوله تعالى إن أولياؤه إلا المتقون الأنفال رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب ورواه ابن سعد عن الزهري مرسلا الأشعرون في الناس كصرة فيها مسك وعن أنس قال قال رسول الله الأزد أي أزد شنوءة وفي القاموس أزد بن الغوث وهو بالسين أفصح أبو حي من اليمن ومن أولاده الأنصار كلهم أزد الله أي جنده وأنصار دينه في الأرض قد أكرمهم الله بذلك فهم يضافون إليه يريد الناس أن يضعوهم أي يحقروهم ويذلوهم ويأبى الله إلا أن يرفعهم أي ينصرهم ويعزهم ويعليهم على أعداء دينهم قال القاضي يريد بالأزد أزد شنوءة وهو حي من اليمن أولاد أزد بن الغوث بن ليث بن مالك بن كهلان بن سبأ وإضافتهم إلى الله تعالى من حيث إنهم حزبه وأهل نصرة رسوله قال الطيبي قوله أزد الله يحتمل وجوها أحدها اشتهارهم بهذا الاسم لأنهم ثابتون في الحرب لا يفرون على ما مر في الحديث السابق وعليه كلام القاضي وثانيها أن تكون الإضافة للاختصاص والتشريف كبيت الله وناقة الله على ما يدل عليه قوله يريد الناس أن يضعوهم الخ وثالثها أن يراد بها الشجاعة والكلام على التشبيه أي الأسد أسد الله فجاء به إما مشاكلة أو قلب


السين زايا اه وتبعه صاحب الأزهار من شراح المصابيح لكن إنما يتم هذا لو كان الأسد بالفتح والسكون لغة في الأسد بفتحتين كما لا يخفى وهو ليس كذلك على ما يفهم من القاموس وليأتين على الناس زمان يقول الرجل
أي في ذلك الزمان يا ليت أبي كان أزديا ويا ليت أمي كانت أزدية رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب قال ميرك وقد روي موقوفا على أنس وهو عندنا أصح اه ولا يخفى أنه ولو كان موقوفا فهو في الحكم يكون مرفوعا لأن مثله لا يقال من قبل الرأي والله أعلم وعن عمران بن حصين أسلمي وخزاعي أسلم هو وأبوه وسكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين قال مات النبي وهو يكره ثلاثة أحياء جمع حي بمعنى قبيلة ثقيف كأمير أبو قبيلة من هوازن واسمه قسي بن منبه بن بكر بن هوازن كما في القاموس وبني حنيفة كسفينة لقب أثال بن لجيم أبي حي منهم خولة بنت جعفر الحنفية أم محمد بن علي بن أبي طالب وبني أمية بضم ففتح فتشديد تحتية قبيلة من قريش قال العلماء إنما كره ثقيفا للحجاج وبني حنيفة لمسيلمة وبني أمية لعبيد الله بن زياد قال البخاري قال ابن سيرين أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين فجعله في طست وجعل ينكته بقضيب وقال الترمذي في الجامع قال عمارة بن عمير لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه في رحبة المسجد فانتهيت إليهم فقالوا قد جاءت فإذا حية قد جاءت حتى دخلت في منخر عبيد الله بن زياد فمكثت ساعة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ثم قالوا قد جاءت ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا قال الترمذي هذا حديث صحيح كذا في الأزهار رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله في ثقيف كذاب أي مبالغ في الكذب ومبير بضم ميم وكسر موحدة أي مفسد ومهلك من البوار وهو الهلاك والفساد وتنوينهما للتعظيم قال عبد الله بن عصمة بفتح فسكون كوفي حنفي روى عن أبي سعيد وابن عمر وعنه إسرائيل وشريك يقال الكذاب هو المختار بن أبي عبيد بالتصغير وهو ابن


مسعود الثقفي قام بعد وقعة الحسين ودعا الناس إلى طلب ثأره وكان غرضه في ذلك أن يصرف إلى نفسه وجوه الناس ويتوسل به إلى الإمارة وكان طالبا للدنيا مدلسا في تحصيلها كذا ذكره القاضي وقيل كان يبغض عليا وقيل كان يدعي النبوة بكوفة فسمي كذابا ومن جملة كذبه دعواه أن جبريل عليه السلام يأتيه بالوحي ذكره ابن الملك وقال ابن عبد البر كان أبوه من جملة الصحابة ولد المختار عام الهجرة وليست له صحبة ولا رواية ولا رؤية وأخباره


غير مرضية وذلك مذ طلب الإمارة إلى أن قتله مصعب بن الزبير سنة سبع وسبعين وكان قبل ذلك معدودا في أهل الفضل والخير يظهر بذلك كله ويكتم الفسق فظهر منه ما كان يكتمه إلى أن فارق ابن الزبير وطلب الإمارة وكان المختار يزيف بطلب دم الحسين ويستر طلب الدنيا والإمارة فيأتي منه الكذب والجنون وإنما كانت إمارته ستة عشر شهرا ويقال كان في أول أمره خارجيا ثم صار زبيريا ثم صار رافضيا وكان يضمر بغض علي كرم الله وجهه ويظهر منه لضعف عقله أحيانا كذا نقله ميرك عن التصحيح وكذا ذكره المؤلف في أسمائه والمبير هو الحجاج بن يوسف وهو بفتح الحاء مبالغة الحاج بمعنى الآتي بالحجة قال المؤلف هو عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان وبعده لابنه الوليد مات بواسط في شوال سنة خمس وتسعين وعمره أربع وخمسون سنة وقال هشام بن حسان بفتح فتشديد غير منصرف وقد ينصرف أحصوا بفتح الهمزة والصاد أي ضبطوا وعدوا ما قتل الحجاج صبرا بفتح فسكون أي مصبورا يعني محبوسا مأسورا لا في معركة ولا خلسة فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا رواه الترمذي وروى مسلم في الصحيح أي صحيحه لا في كتاب آخر من تصانيفه حين قتل الحجاج عبد الله بن الزبير قالت أسماء أي أمه بنت الصديق إن رسول الله حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا فأما الكذاب فرأيناه أي أبصرناه أو علمناه وتعني به المختار على ما بيناه وأما المبير فلا أخالك بكسر الهمز وتفتح قال شارح أخال بالفتح هو القياس وبالكسر هو الأفصح وفي الأزهار والكسر أشهر أي لا أظنك إلا إياه قيل والظاهر فلا أخاله إلا إياك فقدمت المفعول الثاني للإهتمام وسيجيء تمام الحديث أي بسطه في الفصل الثالث وعن جابر قال قالوا أي بعض الصحابة يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف


بكسر النون جمع نبل أي سهامهم ولعله في غزوة الطائف ومحاصرتهم فادع الله عليهم قال اللهم اهد ثقيفا أي إلى الإسلام أو غالبهم إلى إطاعة الأحكام رواه الترمذي وعن عبد الرزاق قال المؤلف في فصل التابعين هو ابن همام يكنى أبا بكر أحد الأعلام روى عن ابن جريج ومعمر وغيرهما وعنه أحمد وإسحاق وصنف الكتب ومات سنة إحدى عشرة ومائتين وله خمس وثمانون سنة عن أبيه أي همام بن الحارث النخعي تابعي سمع ابن مسعود وعائشة وغيرهما من الصحابة وروى عنه إبراهيم النخعي عن ميناء بميم مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فألف ممدودة هذا هو المشهور وقال صاحب المطالع بمد وقصر كذا ذكره الإمام النووي في شرح مسلم وقال المؤلف روى عن مولاه عن عبد الرحمان بن عوف وعثمان وأبي هريرة وعنه والد عبد الرزاق ضعفوه عن أبي هريرة قال كنا عند النبي فجاءه رجل أحسبه بكسر السين وفتحها أي أظنه من قيس في القاموس قيس غيلان بالفتح أبو قبيلة واسمه إلياس بن مضر فقال يا رسول الله العن حميرا بكسر فسكون ففتح أي أدع عليهم بالبعد عن الرحمة وهو أبو قبيلة من اليمن ففي القاموس حمير كدرهم موضع غربي صنعاء اليمن وابن سبأ بن يشجب أبو قبيلة فأعرض عنه أي عن الرجل بإدبار وجهه عنه ثم جاءه من الشق الآخر فأعرض عنه ثم جاءه من الشق الآخر فأعرض عنه والمعنى أنه أعرض عنه من الجانبين فقال النبي رحم الله حميرا أفواههم سلام أي ذات سلام أو محل سلام وأيديهم طعام أي ذات طعام قال شارح فالمضاف مقدر لصحة الحمل وقال ابن الملك ويمكن أن يقال جعل أفواههم السلام نفسه وأيديهم الطعام نفسه مبالغة انتهى واقتصر عليه الطيبي والمعنى أنهم يفشون السلام ويطعمون الطعام فجمعوا بين الإحسان وحلاوة اللسان وهم أهل أمن أي من المضرة وإيمان وتصديق كامل بلغهم إلى مرتبة الإيقان رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق أي من طريقه إلى ميناء ويروى بصيغة المجهول عن ميناء هذا أي المشار


إليه
أحاديث مناكير قال ميرك قال أبو حاتم ميناء يكذب وقال ابن معين ليس بثقة انتهى وقال شارح للمصابيح قوله منكر هذا إلحاق من بعض أهل المعرفة بالحديث لأن المؤلف رحمه الله يعني محيي السنة لو كان يعلم أنه منكر لم يتعرض له لأنه قد التزم الاعتراض عن ذكر المنكر في عنوان الكتاب والله أعلم بالصواب وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه وقد نص عليه جمال الدين قال قال لي النبي ممن أنت أي من أي قبيلة قلت من دوس بفتح فسكون قبيلة من اليمن من الأزد كذا في الأزهار وفي القاموس هو دوس بن عدنان بن عبد الله أبو قبيلة قال أي على سبيل التعجب ما كنت أرى بضم الهمز على المجهول أي ما كنت أظن قبل ذلك أن في دوس أحدا فيه خير قال في الأزهار فيه منقبة لأبي هريرة ومذمة لدوس لولا أبو هريرة رواه الترمذي وعن سلمان قال قال لي أي خاصة في الخطاب أو بيني وبينه بلا حجاب رسول الله لا تبغضني فتفارق دينك بالنصب على جواب النهي كما صرح به زين العرب قلت يا رسول الله كيف أبغضك أي كيف يتصور مني أني أبغضك وأنت حبيب الله ومحبوب أمتك وبك هدانا الله أي إلى الإسلام وسائر مكارم الأحكام قال تبغض العرب فتبغضني أي حين تبغض العرب عموما فتبغضي في ضمنهم خصوصا أو إذا أبغضت جنس العرب فربما يجر ذلك إلى بغضك إياي نعوذ بالله والحاصل أن بغض العرب قد يصير سببا لبغض سيد الخلق فالحذر الحذر كيلا يقع في الخطر قال الطيبي العرب ما يقابل العجم وفي النهاية العرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ولا واحد له من لفظه وسواء أقام بالبادية أو المدن والنسبة إليهما أعرابي وعربي وفي القاموس العرب بالضم وبالتحريك خلاف العجم مؤنث وهم سكان الأمصار أو عام والأعراب منهم سكان البادية لا واحد له رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب


وعن عثمان بن عفان بغير صرف وقد يصرف من غش العرب أي خانهم وقال شارح أي أبغضهم لم يدخل في شفاعتي أي الصغرى لعموم الكبرى ولم تنله مودتي أي لم تصبه محبتي إياه أو لم تصل ولم تحصل له محبته إياي والمقصود نفي الكمال رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حصين بن عمر وليس هو أي حصين المذكور عند أهل الحديث بذاك القوي قلت فليكن الحديث ضعيفا من طريقه وهو معتبر في الفضائل وكيف وهو مؤيد بأحاديث كثيرة تكاد تصل إلى التواتر المعنوي كقوله حب العرب إيمان وبغضهم نفاق رواه الحاكم عن أنس وفي رواية الطبراني في الأوسط عنه حب قريش إيمان وبغضهم كفر وحب العرب إيمان وبغضهم كفر فمن أحب العرب فقد أحبني ومن أبغض العرب فقد أبغضني وفي رواية الطبراني في الكبير عن سهل بن سعد أحبوا قريشا فإن من أحبهم أحبه الله وروى الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة مرفوعا أحبوا الفقراء وجالسوهم وأحب العرب من قلبك وليردك عن الناس ما تعلم من نفسك هذا والحديث المذكور في المتن رواه أحمد في مسنده أيضا وأقل مرتبة أسانيده أن يكون حسنا فالحديث حسن لغيره وعن أم الحرير بفتح الحاء المهملة فكسر الراء الأولى كذا نقله المؤلف في أسمائه وكذا ضبطه صاحب المغني وكذا في جامع الأصول وفي نسخة بضم ففتح وهو موافق لما في التقريب حيث قال بضم الحاء المهملة مصغرا ويقال بفتح أولها لا يعرف حالها من الرابعة مولاة طلحة بن مالك لم يذكره المؤلف قالت سمعت مولاي يقول قال رسول الله من اقتراب الساعة أي من علامات قرب القيامة هلاك العرب أي مسلمهم أو جنسهم وفيه إيماء إلى أن غيرهم تابع لهم ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس بل ولا يكون في الأرض من يقول الله رواه الترمذي


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله الملك بالضم أي الخلافة في قريش أي غالبا أو ينبغي أن يكون فيهم وهو الأظهر المطابق لبقية القرائن الآتية وهي قوله والقضاء في الأنصار أي الحكم الجزئي قاله تطييبا لقلوبهم لأنهم آووا ونصروا وبهم قام عمود الإسلام وفي بلدهم تم أمره واستقام وبنيت المساجد وجمعت الجماعات ذكره ابن الملك وقال في الأزهار قيل المراد بالقضاء النقابة لأن النقباء كانوا منهم وقيل القضاء الجزئي وقيل لأنه قال أعلمكم بالحلال والحرام معاذ وقيل القضاء المعروف لبعثه معاذا قاضيا إلى اليمن انتهى والأخير هو الأظهر لقوله والأذان في الحبشة أي لأن رئيس مؤذنيه كان بلالا وهو حبشي والأمانة في الأزد أي أزد شنوءة وهم حي من اليمن ولا ينافي قول بعض الرواة يعني اليمن لكن الظاهر المتبادر من كلامه إرادة عموم أهل اليمن فإنهم أرق أفئدة وأهل أمن وإيمان والله أعلم وفي رواية موقوفا أي جاء هذا الحديث موقوفا ولو قال موقوف بالرفع لكان أظهر والمعنى أنه وقفه بعضهم على أبي هريرة ولم يرفعه إلى النبي لكن مثله موقوفا يكون حكمه مرفوعا رواه الترمذي وقال هذا أي سنده موقوفا أصح أي من إسناده مرفوعا ورواه الإمام أحمد في مسنده مرفوعا وروى الطبراني عن أبي معاوية الأزدي الأمانة في الأزد والحياء في قريش
الفصل الثالث
عن عبد الله بن مطيع عن أبيه قال المؤلف قرشي عدوي من أهل المدينة يقال ولد على عهد رسول الله وذهب به أبوه إليه وكان اسم أبيه العاص فسماه النبي مطيعا وكان عبد الله من سادات قريش وهو الذي أمره أهل المدينة عليهم حين خلعوا يزيد بن معاوية سمع أباه وروى عنه الشعبي وغيره وقتل مع عبد الله بن الزبير بمكة سنة ثلاث وسبعين وكان ابن الزبير استعمله على الكوفة فأخرجه منها المختار بن أبي عبيد قال سمعت رسول الله يقول يوم فتح مكة لا يقتل بصيغة النفي مجهولا قرشي أي منسوب


إلى قريش بحذف الزائد وفي القاموس النسبة قرشي وقريشي صبرا أي إلا في المعركة كما في الأزهار بعد هذا اليوم أي يوم الفتح إلى يوم القيامة قال الحميدي وقد تأول بعضهم هذا الحديث فقال معناه لا يقتل قرشي بعد هذا اليوم صبرا وهو مرتد عن الإسلام ثابت على الكفر إذ قد وجد من قريش من قتل صبرا فيما سبق ومضى من الزمان بعد النبي ولم يوجد منهم من قتل صبرا وهو ثابت على الكفر انتهى والمعنى أنه لا يوجد قرشي مرتدا فيقتل ويؤيد ما ورد من أن الشيطان قد أيس من جزيرة العرب وقال الطيبي ويجوز أن يكون النفي بمعنى النهي وهو أبلغ من صريح النهي كما أن رحمك الله ويرحمك أبلغ ونحو قوله تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية النور في وجه قلت هذا وجه غير وجيه كما لا يخفى على كل نبيه ثم قال وهذا الوجه أقرب إلى مدح قريش وتعظيمهم ويبقى الكلام على إطلاقه قلت لا يصح أن يكون هذا النهي على اطلاقه لأنه قد يجب القتل على قرشي قصاصا أو حدا وهو لا يكون إلا صبرا فيكون حكمه كحكم غيره فلا يحصل لقريش مزية فضلا عن أن يكون أقرب إلى مدحهم وتعظيمهم والله أعلم رواه مسلم وعن أبي نوفل معاوية بن مسلم قال المؤلف سمع ابن عباس وابن عمر وروى عنه شعبة وابن جريج قال رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة يريد على عقبة مكة واقعة في طريق أهل المدينة حين ينزلون مكة وكان عبد الله بن الزبير مصلوبا هناك ولذا جعل له قبر في الحجون قريب العقبة لكنه غير ثابت وكذا قبور سائر الصحابة في مقبرة مكة ليس لها محل معين على وجه الصحة حتى تربة خديجة رضي الله عنها أيضا وإنما بني عليها اعتمادا على رؤيا بعض الأولياء والله أعلم قال أي أبو نوفل فجعلت قريش تمر عليه أي على ابن الزبير والناس أي وسائر الناس يمرون عليه أيضا حتى مر عليه عبد الله بن عمر فوقف عليه فقال السلام عليك أبا خبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى بعدها تحتية ساكنة كنية ابن الزبير كني بابنه خبيب أكبر


أولاده السلام عليك أبا خبيب السلام عليك أبا خبيب فيه استحباب تثليث السلام على الميت ولو قبل الدفن لقد كنت أنهاك عن هذا لقد كنت أنهاك عن هذا القد كنت أنهاك عن هذا المشار إليه بهذا صلبه والمعنى كنت
أنهاك عما يؤدي إلى ما أراك فيه قال الطيبي فعلى هذا هو من وادي قوله تعالى إنما يأكلون في بطونهم نارا النساء يعني من جهة مجاز الأول نحو قوله أعصر خمرا يوسف أما بالتخفيف للتنبيه والله إن كنت إن هي المخففة من المثقلة وضمير الشأن محذوف وقوله ما زائدة علمت أي علمتك صواما أي كثير الصيام في النهار قواما أي كثير القيام في الليل وصولا بفتح الواو أي مبالغا في الصلة للرحم أي للقرابة وفي شرح مسلم قال القاضي عياض هذا أصح من قول بعض الإخباريين ووصفه بالإمساك وقد عده صاحب كتاب الأجواد فيهم وهو المعروف من أحواله انتهى وقد أراد ابن عمر بهذا القول براءة ابن الزبير مما نسب إليه الحجاج من قول عدو الله وظالم ونحوه وإعلام الناس بمحاسنه وأن ابن الزبير كان مظلوما ومرجوما وعاش سعيدا ومات شهيدا أما كرره تأكيدا والله لأمة أي الجماعة أنت شر ها أي بزعمهم لأمة سوء بفتح السين وتضم أي لفساد فهمهم وسوء اعتقادهم قوله لأمة مبتدأ وأنت شرها صفتها أي ولأمة أنت أكثر من وصل إليه شر الناس لأمة سوء فالحكم فرضي وتقديري أو زعمي وادعائي على طريق الإنكار وفي رواية لأمة خير فهو على سبيل تهكمي واستهزائي وهو نظير ما قال بعضهم حين إخراج أبي يزيد البسطامي من بلده بلد أبي يزيد شر أهلها نعم البلد وفي شرح مسلم للنووي هكذا هو مروي عن مشيختنا وكذا نقله القاضي عن جمهور رواة صحيح مسلم ونقله القاضي عن رواة السمرقندي لأمة سوء قال وهو خطأ وتصحيف أي سهو وتحريف لكن حيث صحت الرواية وطابقت الدراية فلا معنى للتخطئة ثم نفذ بفتح النون والهاء والذال المعجمة أي ذهب ومضى عبد الله بن عمر فبلغ الحجاج أي الظالم موقف عبد الله وقوله أي خبر وقوفه عليه وقوله


في حقه لديه فأرسل أي الحجاج إليه أي إلى ابن الزبير فأنزل بصيغة المجهول عن جذعه أي المصلوب عليه فألقي بصيغة المجهول أي فطرح في قبور اليهود أي في موضع قبورهم من سكان مكة أو من وارديها من غير أهلها وهذا لا ينافي ما سبق من أنه مدفون في أعلى المعلى لأنه حمل بعد ذلك من ذلك المحل الأدنى ودفن في الموضع الأول ثم أرسل أي الحجاج إلى أمه أسماء بنت أبي بكر أي يطلبها فأبت أن تأتيه أي فامتنعت من الإتيان إليه والوقوف لديه والسلام عليه فأعاد عليها الرسول أي قائلا على لسانه لتأتيني بتشديد النون على صيغة الخطاب لقوله أو لأبعثن إليك أي لأرسلن إلى إتيانك إلي من يسحبك بفتح الحاء أي يجرك بقرونك أي


بضفائر شعرك قال أي أبو نوفل فأبت وقالت والله لا آتيك بمد الهمزة أي لا أجيئك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني قال أي أبو نوفل فقال أي الحجاج أروني سبتي بكسر السين المهملة وسكون الموحدة وفتح الفوقية وتشديد التحتية أي نعلي وكذا ضبطه النووي وقال هي النعل التي لا شعر عليها وفي نسخة صحيحة سبتيتي بكسر فسكون فكسر فوقية فتشديد تحتية ففتح فوقية فتحتية مشددة ففي النهاية السبت بالكسر الجلود المدبوغة بالقرظ وهو بالتحريك ورق السلم يتخذ منها النعال أي السبتية سميت بذلك لأن شعرها قد سبت عنها أي حلق وأزيل وقيل لأنها انسبتت بالدباغ أي لانت ويقال للنعل المتخذ منها سبت اتساعا ومنه يا صاحب السبتين ويروي السبتيتين على النسب وقال أبو داود منسوب إلى موضع يقال له سوق السبت وفي المشارق قوله أروني سبتيتي ويا صاحب السبتيين بياءين وذكر الهروي بياء واحدة مخففة تثنية سبت انتهى والمعنى ائتوني بهما أو قدموهما لي فأخذ نعليه أي فلبسهما ثم انطلق يتوذف بالواو والذال المعجمة المشددة قال أبو عبيد معناه يسرع وقيل يتبختر حتى دخل عليها أي على أسماء فقال كيف رأيتني بكسر التاء وفي نسخة بإشباع كسرتها إياه أي كيف وجدتني صنعت بعدو الله أراد به ابنها على زعمه الفاسد واعتقاده الكاسد قالت رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك والإسناد سيبي فيهما ثم قالت بلغني أنك تقول له أي في حياته أو بعد مماته يا ابن ذات النطاقين بكسر النون وهو ما تشد به المرأة وسطها عند معاناة اوشغال لترفع به ثوبها وسميت بذلك لأنها قطعت نطاقها نصفين عند مهاجرة رسول الله وشدت بأحدهما قربته وبالآخر سفرته فسماها رسول الله يومئذ ذات النطاقين وقيل شدت بأحدهما سفرته وبالآخر وسطها للشغل وكان الحجاج من خبثه حمل قوله في حقها ذات النطاقين على الذم وأنها خدامة وخراجة ولاجة تشد نطاقها للخدمة فكأنها أسلمت أنها ذات نطاقين ولكن نطاق ليس هذا شأنه وإليه الإشارة بقولها


أنا والله ذات النطاقين أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله وطعام أبي بكر من الدواب متعلق بأرفع أي أربط به سفرة طعامهما وأعلقهما مرفوعة خشية من الدواب كالفارة والذرة ونحوهما وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه أما لخدمتها المتعارفة في بيتها الممدوحة في حقها وأما لربطها في وسطها إبقاء لحالها خشية أن تصير بطونية كما هو الآن عادة العرب من
الحزام المصنوع من الجلد للفقراء وألحقوا به المصنوع من الذهب والفضة للأغنياء قال الطيبي وهو نظير قوله تعالى ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين التوبة كأنه قيل نعم هو أذن كما قلتم إلا أنه أذن خير لا إذن شر فسلم لهم قولهم فيه إلا أنه فسر بما هو مدح وإن كان قصدوا بذلك المذمة أما بالتخفيف للتنبيه أن رسول الله حدثنا أن بالفتح وجوز الكسر على أنه من جملة المحدث في ثقيف كذابا ومبيرا أي مفسدا فأما الكذاب فرأيناه تعني المختار وأما المبير فلا أخالك بكسر الهمز وتفتح أي فلا أظنك إلا إياه أي ذلك المبير قال الطيبي الظاهر أن يقال لا أخاله إلا إياك فقدم ثاني مفعوليه اهتماما وأن المحكوم عليه بهذا الحكم هو لا أن المبير من هو فهو ينظر إلى قوله وجعلوا لله شركاء الجن الأنعام قدم شركاء وهو المفعول الثاني على الأول وهو الجن وقدم أيضا لله عليهما اهتماما ومزيدا للإنكار قال النووي في سلام ابن عمر عليه وهو مصلوب استحباب السلام على الميت وتكريره وفيه الثناء على الموتى بجميل صفتهم المعروفة وفيه منقبة عظيمة لابن عمر لقوله الحق في الملا وعدم اكتراثه بالحجاج لأنه يعلم أن مقامه وثناءه عليه يبلغه فلم يمنعه ذلك أن يقول الحق ويشهد لابن الزبير بما يعلمه فيه من الخير وبطلان ما أشاع عنه الحجاج من قوله عدو الله وظالم ونحوه فأراد ابن عمر رضي الله عنهما براءة ابن الزبير من الذي نسب إليه الحجاج وإعلام الناس بمحاسنه ومذهبنا أن ابن الزبير كان مظلوما انتهى


ولا أظن أن فيه خلافا في مذهب من المذاهب إلا عند الخوارج قال أي أبو نوفل فقام عنها أي الحجاج فلم يراجعها أي فلم يردها في الكلام ثم إنها ماتت قتل ابنها بعشرة أيام ولها مائة سنة ولم يقع لها سن رواه مسلم وعن نافع أي مولى ابن عمر أن ابن عمر أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير أي قبل قتله فقالا إن الناس صنعوا ما ترى أي من الاختلاف وأنت ابن عمر أي وقد كان خليفة وصاحب رسول الله يعني ومن أصحابه أيضا فلا نشك أنك من الوجهين أولى بالخلافة من عبد الملك الذي من جملة أمرائه الحجاج فما يمنعك أن تخرج أي عليه لظهور


كمال ظلمه فقال يمنعني أن الله حرم علي دم أخي المسلم قالا أي الرجلان ألم يقل الله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي لا توجد وتمامه ويكون الدين لله البقرة فقال ابن عمر قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة أي شرك وكان الدين لله أي وصار دين الإسلام خالصا لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة أي تقع فتنة بين المسلمين ويكون الدين لغير الله أي لتزلزل دينه وعدم ثبات أمره والحاصل أن السائل يرى قتال من خالف الإمام الذي يعتقد هو طاعته وكان ابن عمر يرى ترك القتال فيما يتعلق بالملك في حقه كما يدل عليه قوله لقد كنت أنهاك عن مثل هذا رواه البخاري وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء الطفيل بالتصغير بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ويقال له ذو النور لأنه لما أتى النبي بعثه إلى قومه فقال اجعل لي آية فقال اللهم نور له فسطع له نور بين عينيه فقال يا رسول الله أخاف أن يقولوا إنه مثلة فتحول إلى طرف سوطه فكان يضيء في الليلة المظلمة فدعا قومه إلى الإسلام فأسلم أبوه ولم تسلم أمه وأجابه أبو هريرة وحده وهذا يدل على تقدم إسلامه وقد جزم ابن أبي حاتم أنه قدم بخيبر مع أبي هريرة وكأنه قدمته الثانية كذا ذكره ابن حجر وقال المؤلف أسلم وصدق النبي بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه فلم يزل بها حتى هاجر إلى النبي وهو بخيبر بمن تبعه من قومه فلم يزل مقيما عنده إلى أن قبض النبي وقتل يوم اليمامة شهيدا وقيل قتل عام اليرموك في خلافة عمر روى عنه جابر وأبو هريرة عداده في أهل الحجاز فقال أي الطفيل إن دوسا قد هلكت أي استحقت الهلاك عصت بيان لما قبله وأبت أي امتنعت عن الطاعة فادع الله عليهم أي بوقوع العذاب فظن الناس أنه يدعو عليهم فقال أي لكونه رحمة للعالمين وهدى للناس اللهم اهد دوسا وائت بهم أي إلى المدينة مهاجرين أو قربهم إلى طريق المسلمين وأقبل بقلوبهم إلى قبول الدين متفق عليه


وعن ابن عباس قال قال رسول الله أحبوا العرب لثلاث أي خصال أو أسباب لأني عربي وكل ما ينسب إلى الحبيب محبوب والقرآن أي بالنصب ويرفع عربي أي لأنه نزل بلغتهم وبلغتهم تعرف بلاغته وفصاحته ولأنهم تحملوا الشريعة ونقلوها إلينا وضبطوا أقواله وأفعاله ونقلوا إلينا معجزاته ولأنهم مادة الإسلام وبهم فتحت البلاد وانتشر الإسلام في أقطار العالم ولأنهم أولاد إسماعيل عليه السلام ولأن سؤال القبر بلسانهم ولذا قيل من أسلم فهو عربي وكلام أهل الجنة عربي ويفهم منه أن كلام أهل النار غير عربي رواه البيهقي في شعب الإيمان وكذا الطبراني في الكبير والحاكم في مستدركه والعقيلي في الضعفاء


باب مناقب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
قال القرطبي المنقبة بمعنى الفضيلة وهي الخصلة الجميلة التي يحصل بسببها شرف وعلو مرتبة إما عند الله وإما عند الخلق والثاني لا عبرة به إلا أن أوصل إلى الأول فإذا قيل فلان فاضل فمعناه أن له منزلة عند الله ولا يوصل إليه إلا بالنقل عن رسول الله كذا ذكره السيوطي وقال الطيبي الصحابي المعروف عند أهل الحديث وبعض أصحاب الأصول كل من رأى رسول الله وهو مسلم ثم يعرف كونه صحابيا بالتواتر كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما أو بالإستفاضة أو يقول صحابي غيره إنه صحابي أو يقول عن نفسه إنه صحابي إذا كان عدلا والصحابة كلهم عدول مطلقا لظواهر الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به وفي شرح السنة قال أبو منصور البغدادي أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور ثم تمام العشرة ثم أهل بدر ثم أحد ثم بيعة الرضوان ومن له مزية من أهل العقبتين من الأنصار وكذلك السابقون الأولون وهم من صلى إلى القبلتين وقيل أهل بيعة الرضوان وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة أيهما أفضل وفي عائشة وفاطمة وأما معاوية فهو من العدول الفضلاء والصحابة الأخيار والحروب التي جرت بينهم كانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها وكلهم متأولون في حروبهم ولم يخرج بذلك أحد منهم من العدالة لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل كما اختلف المجتهدون بعدهم في مسائل ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم

الفصل الأول


عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال النبي وفي نسخة رسول الله لا تسبوا أصحابي الخطاب بذلك للصحابة لما ورد أن سبب الحديث أنه كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمان بن عوف شيء فسبه خالد فالمراد بأصحابي أصحاب مخصوصون وهم السابقون على المخاطبين في الإسلام وقيل نزل الساب منهم لتعاطيه ما لا يليق به من السب منزلة غيرهم فخاطبه خطاب غير الصحابة ذكره السيوطي ويمكن أن يكون الخطاب للأمة الأعم من الصحابة حيث علم بنور النبوة أن مثل هذا يقع في أهل البدعة فنهاهم بهذه السنة وفي شرح مسلم اعلم أن سب الصحابة حرام من أكبر الفواحش ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر وقال بعض المالكية يقتل وقال القاضي عياض سب أحدهم من الكبائر انتهى وقد صرح بعض علمائنا بأنه يقتل من سب الشيخين ففي كتاب السير من كتاب الأشباه والنظائر للزين بن نجيم كل كافر تاب فتوبته مقبولة في الدنيا والآخرة إلا جماعة الكافر بسب النبي وسب الشيخين أو أحدهما أو بالسحر أو بالزندقة ولو امرأة إذا أخذ قبل توبته وقال سب الشيخين ولعنهما كفر وإن فضل عليا عليهما فمبتدع كذا في الخلاصة وفي مناقب الكردري يكفر إذا أنكر خلافتهما أو أبغضهما لمحبة النبي لهما وإذا أحب عليا أكثر منهما لا يؤاخذ به انتهى ولعل وجه تخصيصهما لما ورد في فضيلتهما من قوله في حقهما خاصة على ما سيأتي في باب على حدة لهما أو للإجماع على أحقيتهما خلافا للخوارج في حق عثمان وعلي ومعاوية وأمثالهم والله أعلم فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا زاد البرقاني كل يوم ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه أي ولا بلغ نصفه أي من بر أو شعير لحصول بركته ومصادمته لإعلاء الدين وكلمته مع ما كانوا من القلة وكثرة الحاجة والضرورة ولذا ورد سبق درهم مائة ألف درهم وذلك معدوم فيما بعدهم وكذلك سائر طاعاتهم وعباداتهم وغزواتهم وخدماتهم ثم اعلم أن المد بضم الميم ربع الصاع والنصيف بمعنى


النصف كالعشير بمعنى العشر وعلى هذا الضمير راجع إلى المد وقيل النصيف مكيال يسع نصف مد فالضمير راجع إلى الأحد قال القاضي عياض النصيف النصف أي نصف مده وقيل هو مكيال دون المد والمعنى لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الأجر والفضل ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصفه لما يقارنه من مزيد الإخلاص وصدق النية وكمال النفس قال الطيبي ويمكن أن يقال إن فضيلتهم بحسب فضيلة إنفاقهم وعظم موقعه كما قال تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا الحديد وقوله من قبل الفتح أي قبل فتح مكة يعني قبل عز الإسلام وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجا وقلة الحاجة إلى القتال والنفقة فيه وهذا في الإنفاق فكيف بمجاهدتهم وبذل أرواحهم بين يدي رسول الله انتهى ولا يخفى أن هذا إنما يتم على ما سبق من سبب الحديث المستفاد منه تخصيص الصحابة الكبار لكن يعلم نهي سب غير الصحابي للصحابي من باب الأولى لأن المقصود هو الزجر عن سب أحد ممن سبقه في الإسلام والفضل إذ الواجب تعظيمهم وتكريمهم حيث قال الله تعالى والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا الحشر متفق عليه ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد وكذا مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة وأخرجه أبو بكر البرقاني على شرطهما وأخرج علي بن حرب الطائي وخيثمة بن سليمان عن ابن عمر قال لا تسبوا أصحاب محمد فلمنام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره وأخرج الخطيب البغدادي في الجامع وغيره أنه قال إذا ظهرت الفتن أو قال البدع وسب أصحابي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله له صرفا ولا عدلا وأخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعا ما ظهر أهل بدعة إلا أظهر الله فيهم حجة على لسان من شاء من خلقه وأخرج المحاملي والطبراني والحاكم


عن عويم بن ساعدة مرفوعا إن الله اختارني واختار لي أصحابا وجعل لي فيهم وزراء وأنصار وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا وروى العقيلي في الضعفاء عن أنس أن الله اختارني واختار لي أصحابا وأنصارا وسيأتي قوم يسبونهم ويستنقصونهم فلا تجالسوهم ولا تشاربوهم ولا تواكلوهم ولا تناكحوهم وروى أحمد عن أنس دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهبا ما بلغتم أعمالهم وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود


لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر وعن أبي بردة عن أبيه وهو أبو موسى الأشعري قال أي أبوه رفع يعني النبي هذا قول أبي بردة وضمير يعني إلى أبيه أي يريد أبو موسى بالضمير الفاعل في قوله رفع النبي وترك اسمه لظهوره والمعنى رفع النبي رأسه إلى السماء وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء أي انتظارا للوحي الإلهي بالنزول الملكي قال الطيبي من بيان لكثيرا ويجوز أن تكون من زائدة وهو خبر كان أي كان كثيرا رفع رأسه وما مصدرية انتهى والجملة معترضة حالية فقال النجوم أمنة للسماء بفتح الهمز والميم أي أمن وقيل أمان ومرحمة وقيل حفظة جمع أمين وهو الحافظ ذكره شارح وقال الطيبي يقال أمنته وأمنته غيري وهو في أمن منه وأمنة وفلان أمنة وأمنة بسكون الميم كأنها المرة من الأمن ويجوز أن يكون جمع آمن كبار وبررة فإذا ذهبت النجوم أي الشاملة للشمس والقمر أتى السماء ما توعد أي ما وعد له من الانشقاق والطي يوم القيامة والمراد بذهاب النجوم تكويرها وانكدارها وانعدامها على ما في النهاية وغيره وأنا أمنة لأصحابي قال الطيبي إذا نسب أمنة إلى رسول الله يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مصدرا مبالغة نحو رجل عدل أو جمعا فيكون من باب قوله تعالى شهابا رصدا الجن أي راصدين وقوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا النحل فجعل أمنا لأصحابه بمنزلة الجماعة فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون أي من الفتن والمخالفات والمحن وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أي جميعهم أتى أمتي ما يوعدون أي من ذهاب أهل الخير ومجيء أهل الشر وقيام الساعة عليهم قال في النهاية والإشارة في الجملة إلى مجيء الشر عند ذهاب أهل الخير فإنه لما كان بين أظهرهم كان يبين لهم ما يختلفون فيه فلما توفي وجالت الآراء واختلفت الأهواء كان أصحابه يسندون الأمر إليه في قول أو فعل أو دلالة حال فلما فقدوا قلت الأنوار وقويت الظلم وكذلك حال السماء عند ذهاب


النجوم قلت ولهذا قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقديتم اهتديتم رواه مسلم وكذا الإمام أحمد في مسنده
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله يأتي على الناس زمان فيغزو بالتذكير ويؤنث أي يقاتل فئام بكسر الفاء فهمز ويجوز ابدالها بالياء أي جماعة من الناس في القاموس لا واحد له من لفظه والجمع فؤم ككتب وفي شرح مسلم هو بفاء مكسورة ثم همزة أي جماعة وحكى القاضي عياض بالياء مخففة بلا همزة ولغة أخرى بفتح الفاء عن الخليل والمشهور الأول فيقولون أي الذين يغزون الفئام لهم وفي نسخة فيقال هل فيكم من صاحب رسول الله بمن الموصولة صلته صاحب فعل ماض ونصب رسول الله على المفعولية وفي نسخة بمن الزائدة على أن صاحب اسم فاعل مضاف إلى رسول الله فيقولون نعم فيفتح لهم على بناء المفعول ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال كذا هنا بالاتفاق هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله بمن الموصولة بلا خلاف فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله بالموصولتين فيقولون نعم فيفتح لهم في الحديث معجزة لرسول الله وفضل لأصحابه والتابعين وتابعيهم متفق عليه وفي رواية لمسلم قال ابن حجر هذه رواية شاذة وأكثر الروايات مقتصرة على الطبقات الثلاث قال أي النبي أو أبو سعيد مرفوعا يأتي على الناس زمان يبعث أي فيه منهم البعث أي المبعوث وهو الجيش فيقولون أي المبعوث إليهم انظروا هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول الله فيوجد الرجل أي الواحد فيهم فيفتح لهم أي ببركته ثم يبعث البعث الثاني أي من الناس إلى جمع آخر فيقولون انظروا هل فيهم وفي نسخة هل


فيكم من رأى أصحاب النبي وفي نسخة رسول الله أي أحدا من أصحابه فيوجد أي من رأى الصحابة وهو يوجد في بعض النسخ فيفتح لهم ثم يبعث البعث الثالث فيقال انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أي بالواسطة أصحاب النبي ثم يكون بعث الرابع بالإضافة وهو مصدر والموصوف محذوف أي بعث البعث الرابع وفي نسخة البعث الرابع على الوصف فالمراد بالبعث الجيش المبعوث فيقال انظروا هل ترون فيهم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أي ذلك الأحد أصحاب النبي فيكون واسطتين فيوجد الرجل فيفتح له أي لأجل ذلك التابع لأتباع للتابعين وفي نسخة لهم أي لأجلهم ببركته ولما كان أهل الخير نادرا في القرن الرابع اقتصر على القرون الثلاثة في أكثر الروايات لكثرة أهل العلم والصلاح فيهم وقلة السفه والفساد منهم ففي صحيح مسلم عن عائشة مرفوعا خير الناس القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث وروى الطبراني عن ابن مسعود مرفوعا خير الناس قرني ثم الثاني ثم الثالث ثم يجيء قوم لا خير فيهم وروى الطبراني والحاكم عن جعدة بن هبيرة خير الناس قرني الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والآخرون أرذال وروى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء خير أمتي أولها وآخرها أولهم فيهم رسول الله وآخرهم فيهم عيسى بن مريم وبين ذلك همج أعوج وليسوا مني ولا أنا منهم وعن عمران بن حصين قال قال رسول الله خير أمتي قرني أي الذين أدركوني وآمنوا بي وهم أصحابي أي الذين أدركوني وآمنوا بي وهم أصحابي ثم الذين يلونهم أي يقربونهم في الرتبة أو يتبعونهم في


الإيمان والإيقان وهم التابعون ثم الذين يلونهم وهم أتباع التابعين والمعنى أن الصحابية والتابعين وتبعهم هؤلاء القرون الثلاثة المرتبة في الفضيلة ففي النهاية القرن أهل كل زمان وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران فكأنه المقدار الذي يقترن به أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم وقيل القرن أربعون سنة وقيل ثمانون وقيل هو مطلق من الزمان وهو مصدر قرن يقرن قال السيوطي والأصح أنه لا ينضبط بمدة فقرنه هم الصحابة وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرين سنة وقرن التابعين من مائة سنة إلى نحو سبعين وقرن أتباع التابعين من ثم إلى نحو العشرين ومائتين وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا وأطلقت المعتزلة ألسنتها ورفعت الفلاسفة رؤوسها وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن وظهر مصداق قوله ثم يفشو الكذب قال الطيبي وثم فيه بمنزلته الفاء في قوله الأفضل فالأفضل على أنه بيان لتراخي الرتبة في النزول والخير المذكور أولا أطلق على اقتضاه معنى التفضيل من الاشتراك حتى انتهى إلى حد يرتفع فيه الاشتراك فيختص بالموصوف فلا يدخل ما بعده من قوله ثم إن بعدهم قوما يشهدون فهو حينئذ كما في قوله تعالى أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا الفرقان وقولك الصيف أحر من الشتاء قال شارح في أكثر نسخ المصابيح ثم إن بعدكم وليس بسديد والصواب ثم إن بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون بصيغة المجهول أي والحال أنه لا يطلب منهم الشهادة ولا يبعد أن تكون الواو عاطفة كبقية ما يأتي والحاصل أنهم يشهدون قبل أن يطلب منهم الشهادة فهو ذم على الشهادة قبل الاستشهاد قال النووي وهذا مخالف في الظاهر للحديث الآخر خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسأل قالوا والجمع بينهما أن الذم في ذلك لمن بادر بالشهادة في حق من هو عالم بها قبل أن يسألها له صاحبه وأما المدح فهو لمن كانت


عنده شهادة لأحد لا يعلم بها فيخبره بها ليستشهده عند القاضي ويلحق به من كانت عنده شهادة في حدود أي المصلحة في الستر هذا ما عليه الجمهور انتهى وقيل المدح في حقوق الله والذم في حقوق الناس ويخونون ولا يؤتمنون جمع بينهما تأكيدا أو يخونون الناس عند ائتمانهم إياهم ولا يجعلون أمناء عند بعضهم لظهرو خيانتهم وقال النووي ومعنى الجمع في قوله يخونون ولا يؤتمنون أنهم يخونون خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى معها ثقة بخلاف من خان حقيرا مرة فإنه لا يخرج به عن أن يكون مؤتمنا في بعض المواطن وينذرون بضم الذال ويكسر على ما في القاموس أي يوجبون على أنفسهم أشياء ولا يفون من الوفاء أي ولا يقومون بالخروج عن عهدتها ولا يبالون بتركها بخلاف الأبرار على ما قال سبحانه في حقهم يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا الإنسان وقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود المائدة أي بالإيمان والنذور والعهود ويظهر فيهم السمن بكسر السين وفتح الميم مصدر سمن


بالكسر والضم سمانته بالفتح وسمنا كعنب فهو سامن وسمين قال صاحب النهاية في الحديث يكون في آخر الزمان قوم يتسمنون أي يتكبرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف وقيل أراد جمعهم الأموال وقيل يحبون التوسع في المآكل والمشارب وهي أسباب السمن وقال التوربشتي كني به عن الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الدين فإن الغالب على ذوي السمانة أن لا يهتموا بارتياض النفوس بل معظم همتهم تناول الحظوظ والتفرغ للدعة والنوم وفي شرح مسلم قالوا والمذموم من السمن ما يستكسب وأما ما هو خلقه فلا يدخل في هذا انتهى وبه يظهر معنى ما ورد من أن الله يبغض الحبر السمين وفي رواية ويحلفون ولا يستحلفون أي يحلفون من غير ضرورة داعية إليه ومن غير جاجة باعثة عليه متفق عليه وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ثم يخلف بضم اللام أي ثم يعقبهم ويظهر وراءهم قوم يحبون السمانة بفتح السين وروى أحمد والشيخان والترمذي عن ابن مسعود لفظه خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته وروى الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين بلفظ خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي من بعدهم قوم يتسمنون ويحبون السمن يعطون الشهادة قبل أن يسألوها
الفصل الثاني
عن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله أكرموا أصحابي أي السابقين واللاحقين أحياء وأمواتا فإنهم خياركم والخطاب للأمة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب أي يفشو كما في رواية حتى إن الرجل بكسر إن ويفتح ليحلف بلام التأكيد


ولا يستحلف ويشهد عطف على يحلف أو ليحلف ولا يستشهد ألا للتنبيه من سره أي من أحب بحبوبة الجنة بضم الموحدتين أي وسطها وخيارها فليلزم الجماعة أي السواد الأعظم وما عليه الجمهور من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين فيدخل فيه حبهم وإكرامهم دخولا أوليا فإن الشيطان مع الفذ بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة أي مقارن للفرد الذي تفرد برأيه وهو أي الشيطان من الاثنين أبعد أي بعيد قال الطيبي أفعل هنا لمجرد الزيادة ولو كان مع الثلاثة لكان بمعنى التفضيل إذ البعد مشترك بين الثلاثة والاثنين دون الاثنين والفذ على ما لا يخفى ولا يخلون رجل نهي تأكيد وتشديد بامرأة أي أجنبية فإن الشيطان ثالثهم أي فلا بد أن يغويهما ومن سرته حسنته أي إذا وقعت منه وساءته سيئته أي أحزنته إذا صدرت عنه فهو مؤمن أي كامل لأن المنافق حيث لا يؤمن بيوم القيامة استوت عنده الحسنة والسيئة وقد قال تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة فصلت رواه هنا بياض في أصل المصنف وألحق به النسائي وإسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن الحسن الخثعمي فإنه لم يخرج له الشيخان وهو ثقة ثبت ذكره الجزري فالحديث بكماله إما صحيح أو حسن وروى أحمد وابن حبان صحيحة والطبراني والحاكم والبيهقي والضياء عن أبي أمامة مرفوعا إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن ورواه الطبراني عن أبي موسى مرفوعا ولفظه من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن وعن جابر عن النبي قال لا تمس النار مسلما رآني أو رأى من رآني رواه الترمذي وكذا الضياء وحسنه الترمذي وروى عبد بن حميد عن أبي سعيد وابن عساكر عن واثلة طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني ولمن رأى من رأى من رآني وروى الطبراني والحاكم عن عبد الله بن بسر طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن رأى من رآني ولمن رأى من رأى من رآني وآمن بي طوبى لهم وحسن مآب وأنشد شعر


واستنشق الأرياح من نحو أرضكم لعلي أراكم أو أرى من يراكم وقال بعضهم شعر سعدت أعين رأتك وقرت والعيون التي رأت من رآكا وكأنه لما تذكر المحرومين من ذلك الجناب وعن رؤية الأصحاب وعن خدمة الأتباع من أولي الألباب قال تسلية طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن لم يرني وآمن بي ثلاث مرات رواه الطيالسي وعبد بن حميد عن ابن عمر وقال أيضا طوبى لمن رآني وآمن بي ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني رواه أحمد وابن حبان عن أبي سعيد وقال أيضا طوبى لمن رآني وآمن بي مرة وطوبى لمن لم يرني وآمن بي سبع مرات رواه أحمد والبخاري في تاريخه وابن حبان والحاكم عن أبي أمامة ورواه أحمد أيضا عن أنس وحاصله أنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل كما هنا من الإيمان بالغيب عن مشاهدة المعجزات التي قارب من رآها أن يكون إيمانه بالعيان وعن عبد الله بن مغفل قال قال رسول الله الله الله بالنصب فيهما أي اتقوا الله ثم اتقوا الله في أصحابي أي في حقهم والمعنى لا تنقصوا من حقهم ولا تسبوهم أو التقدير أذكركم الله ثم أنشدكم الله في حق أصحابي وتعظيمهم وتوقيرهم كما يقول الأب المشفق الله الله في حق أولادي ذكره الطيبي أو التقدير اتقوا مخالفته اتقوا عقابه في عداوة أصحابي المقربين ببابي الملتجئين إلى جنابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي بفتح الغين المعجمة والراء أي هدفا لكلامكم القبيح لهم في المحاورات ورميهم في غيبتهم بالوقائع والمكروهات فمن أحبهم فبحبي أي بسبب حبي إياهم أحبهم وقال الطيبي بسبب حبه إياي أحبهم وهو أنسب بقوله ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم والمعنى إنما أحبهم لأنه يحبني وإنما أبغضهم لأنه يبغضي والعياذ بالله تعالى فحق لذلك قول من قال إن من سبهم فقد استوجب القتل في الدنيا على ما سبق من مذهب المالكية ومن آذاهم فقد آذاني أي حكما ومن آذاني فقد آذى الله ونظيره من يطع الرسول فقد أطاع الله النساء


ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه أي يعاقبه في الدنيا أو في الأخرى ولعله مقتبس من قوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا الأحزاب و رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن أنس قال قال رسول الله مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح استئناف مبين لوجه الشبه ولا يلزم من التشبيه أن يكون من جميع الوجوه حتى يقال كثرة الملح تفسد الطعام كما قيل في حق النحو أنه في الكلام كالملح في الطعام بل المراد منه أن الطعام بدونه ليس له كمال المرام قال الحسن أي البصري فقذ ذهب ملحنا فكيف نصلح أي في حالنا قلت نصلح بكلامهم ورواياتهم ومعرفة مقاماتهم وحالاتهم وبالاقتداء بأخلاقهم وصفاتهم فإن العبرة بهذه الأشياء دون صورهم وذواتهم رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وكذا رواه أبو يعلى في مسنده عن أنس مرفوعا وعن عبد الله بن بريدة بالتصغير عن أبيه يعني أبا موسى الأشعري قال قال رسول الله ما من أحد من أصحابي من الأولى زائدة لتأكيد نفي الاستغراق والثانية بيانية يموت بأرض إلا بعث أي إلا حشر ذلك الأحد من أصحابي قائدا أي لأهل تلك الأرض ونورا ي هاديا لهم يوم القيامة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وكذا رواه الضياء وذكر حديث ابن مسعود لا يبلغني أحد أي من أصحابي عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر أي مع كلكم فلو سمعت شيئا منكم ربما تغير خاطري بمقتضى البشرية فالأولى سد باب الذريعة المؤدية إلى الأذية في باب حفظ اللسان أي على ظن أنه أولى بذلك الباب والله أعلم بالصواب

الفصل الثالث


عن ابن عمر قال قال رسول الله إذا رأيتم أي أبصرتم أو عرفتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم فيه إشارة إلى أن لعنهم يرجع إليهم فإنهم أهل الشر والفتنة وأن الصحابة من أهل الخير المستحقين للرضا والرحمة قال الطيبي وهو من كلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به قد أنصفك صاحبك ومنه بيت حسان في حق من هجا رسول الله شعر أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما فداء والتعريض والتورية أوصل بالمجادل إلى الغرض وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم وقلة شوكته بالهوينا رواه الترمذي وكذا الخطيب ورواه ابن عدي عن عائشة مرفوعا إن شرار أمتي أجرؤهم على أصحابي وفي الحديث المرفوع يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام فاقتلوهم فإنهم مشركون وفي رواية ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك إنهم يسبون أبا بكر وعمر كذا في الصواعق ولعل الحكمة في سب الروافض بعض الصحابة والخوارج بعض أهل البيت أنهم لما انقطع عنهم أعمالهم بانتهاء آجالهم أراد الله أن يستمر لهم الثواب لمزيد حسن المآب وأن يرجع أعداؤهم إلى سوء الحساب وشدة العذاب وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول سألت ربي عن اختلاف أصحابي أي عن حكمة تخالفهم في فروع الشرائع من بعدي فأوحى أي الله


كما في نسخة إلي يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء أي في اظهار الهداية وإبطال الغواية كما قال تعالى وبالنجم هم يهتدون النحل بعضها أقوى من بعض أي بحسب مراتب أنوارها المقدرة لها ولكل نور أي وكذلك لكل من الأصحاب نور بقدر استعداده فمن أخذ بشيء مما هم عليه بيان شيء من اختلافهم بيان ما فهو عندي على هدى وفيه أن اختلاف الأئمة رحمة للأمة قال الطيبي المراد به الاختلاف في الفروع لا في الأصول كما يدل عليه قوله فهو عندي على هدى قال السيد جمال الدين الظاهر أن مراده الاختلاف الذي في الدين من غير اختلاف للغرض الدنيوي فلا يشكل باختلاف بعض الصحابة في الخلافة والإمارة قلت الظاهر أن اختلاف الخلافة أيضا من باب اختلاف فروع الدين الناشىء عن اجتهاد كل لا من الغرض الدنيوي الصادر عن الحظ النفسي فلا يقاس الملوك بالحدادين قال أي عمر وقال رسول الله أصحابي كالنجوم أي فاقتدوا بهم جميعهم أو بأكثرهم وإن لم يتيسر فبأيهم اقتديم اهتديتم وكأنه أخذ من هذا بعضهم فقال من تبع عالما لقي الله سالما رواه رزين قال ابن الربيع اعلم أن حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم أخرجه ابن ماجه كذا ذكره الجلال السيوطي في تخريج أحاديث الشفاء ولم أجده في سنن ابن ماجه بعد البحث عنه وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في تخريج أحاديث الرافعي في باب أدب القضاء وأطال الكلام عليه وذكر أنه ضعيف واه بل ذكر عن ابن حزم أنه موضوع باطل لكن ذكر عن البيهقي أنه قال إن حديث مسلم يؤدي بعض معناه يعني قوله النجوم أمنة للسماء الحديث قال ابن حجر صدق البيهقي وهو يؤدي صحة التشبيه للصحابة بالنجوم أما في الاقتداء فلا يظهر نعم يمكن أن يتلمح ذلك من معنى الاهتداء بالنجوم قلت الظاهر أن الاهتداء فرع الاقتداء قال وظاهر الحديث إنما هو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض الصحابة من طمس السنن وظهور البدع ونشر الجور في أقطار الأرض اه وتكلم على هذا الحديث


ابن السبكي في شرح ابن الحاجب الأصلي في الكلام على عدالة الصحابة ولم يعزه لابن ماجه وذكره في جامع الأصول ولفظه عن ابن المسيب عن عمر بن الخطاب مرفوعا سألت ربي الحديث إلى قول اهتديتم وكتب بعده أخرجه فهو من الأحاديث التي ذكرها رزين في تجريد الأصول ولم يقف عليها ابن الأثير في الأصول المذكورة وذكره صاحب المشكاة وقال أخرجه رزين


باب مناقب أبي بكر رضي الله عنه

الفصل الأول
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي قال إن من أمن الناس بفتح الهمزة وميم وتشديد نون أي أنعمهم علي أو أبذلهم لأجلي في صحبته أي دوام ملازمته ببذل نفسه في خدمتي وماله أو وبذل ماله بل وجميع ماله في طريقتي أبو بكر كذا في صحيح مسلم وفي البخاري أبا بكر أي بالنصب وهو الظاهر لأنه اسم إن والرفع مشكل ذكره الطيبي قال المظهر وفيه أوجه الأول أن يكون من زائدة على مذهب الأخفش وقيل إن هاهنا بمعنى نعم كما في جواب قوله لعن الله ناقة حملتني إليك إن وصاحبها فقوله أبو بكر مبتدأ ومن أمن الناس خبره وقيل اسم إن ضمير الشأن اه فالتقدير أنه من أمن الناس أو هو من باب علي بن أبو طالب وأما ما توهم بعضهم من أن قوله أبو بكر خبر مبتدأ محذوف هو هو على أنه جواب عن سؤال كأنه قيل من أمن الناس فقيل أبو بكر فغير صحيح لبقاء أن حينئذ بلا خبر قال التوربشتي يريد أن من أبذلهم وأسمحهم من من عليه منا لا من من عليه منة إذ ليس لأحد أن يمتن على رسول الله ثم إنه ورد مورد الإحماد وإذا حمل على معنى الامتنان عاد ذما على صاحبه لأن المنة تهدم الصنيعة ولو كنت متخذا خليلا قال القاضي الخليل الصاحب الواد الذي يفتقر إليه ويعتمد في الأمور عليه فإن أصل التركيب من الخلة بالفتح وهي الحاجة والمعنى لو كنت متخذا من الخلق خليلا أرجع إليه في الحاجات وأعتمد إليه في المهمات لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن الذي ألجأ إليه وأعتمد عليه في جملة الأمور ومجامع الأحوال هو الله تعالى وإنما سمي إبراهيم عليه السلام خليلا من الخلة بالفتح التي هي الخصلة فإنه تخلق بخلال حسنة اختصت به أو من التخلل فإن الحب تخلل شغاف قلبه واستولى عليه أو من الخلة من حيث إنه عليه السلام ما كان يفتقر الافتقار إلا إليه وما كان يتوكل إلا عليه فيكون فعيل بمعنى فاعل وفي


الحديث بمعنى مفعول ولكن إخوة الإسلام استدراك عن مضمون الجملة الشرطية وفحواها كأنه قال ليس بيني وبينه خلة ولكن بيننا في الإسلام أخوة فنفي الخلة المنبئة عن الحاجة وأثبت الإخاء المقتضي للمساواة في المحبة والإلفة ولذا قال ومودته أي ومودة الإسلام الناشئة عن المحبة الدينية لا لغرض من الأغراض الدنيوية أو النفسية الدنية قال السيد جمال الدين أي لكن بيني وبينه أخوة الإسلام أو لكن أخوة الإسلام حاصلة أو لكن أخوة الإسلام أفضل كما وقع في بعض الطرق فإن أريد أفضلية أخوة الإسلام ومودته عن الخلة كما هو الظاهر من السوق يشكل فيجب أن يراد أفضليتها من غير الخلة أو يقال أفضل بمعنى فاضل أو يقال أخوة الإسلام التي بيني وبين أبي بكر أفضل من أخوة الإسلام التي بيني وبين غيره أو من أخوة الإسلام التي بينه وبين غيري والأول أحسن تأمل أقول ويمكن أن يكون الحديث محمولا على ما كان تعاهد العرب من عهدة الأخوة وعقد الخلة والمحبة فيما بينهم فقال لو كنت متخذا خليلا من الخلق لفقد الخلة وعهد المحبة لأتخذت أبا بكر خليلا من بين أصحابي ولكن أخوة الإسلام ومودته الشاملة له ولغيره كافية أو أفضل حيث إنه خالص لله وعلى وفق رضاه ومن غير ملاحظة من سواه وقال ابن الملك اللام في قوله ولكن أخوة الإسلام للعهد أي ولكن أخوة الإسلام الذي سبق من المسلمين أفضل لأن اتخاذه خليلا بفعله وأخوة الإسلام بفعل الله تعالى فما اختاره الله للنبي يكون أفضل مما اختاره لنفسه لا تبقين بصيغة المجهول نهيا مؤكدا مشددا وفي نسخة بفتح أوله والمعنى لا تتركن باقية في المسجد أي مسجد المدينة خوخة إلا خوخة أبي بكر الخوخة بفتح الخاءين المعجمتين وسكون الواو كوة في الجدار تؤدي الضوء إلى البيت وقيل باب صغير ينصب بين بيتين أو دارين ليدخل من أحدهما في الآخر قال التوربشتي وهذا الكلام كان في مرضه الذي توفي فيه في آخر خطبة خطبها ولا خفاء بأن ذلك تعريض بأن أبا بكر هو


المستخلف بعده وهذه الكلمة إن أريد بها الحقيقة فذلك لأن أصحاب المنازل اللاصقة بالمسجد قد جعلوا من بيوتهم مخترقا يمرون فيه إلى المسجد أو كوة ينظرون إليها منه فأمر بسد جملتها سوى خوخة أبي بكر تكريما له بذلك أولا ثم تنبيها للناس في ضمن ذلك على أمر الخلافة حيث جعله مستحقا لذلك دون الناس وإن أريد به المجاز فهو كناية عن الخلافة وسد أبواب المقالة دون التطرق إليها والتطلع عليها وأرى المجاز فيه أقوى إذ لم يصح عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة ثم إنه مهد المعنى المشار إليه وقرره بقوله ولو كنت متخذا خليلا لأتخذت أبا بكر خليلا ليعلم أنه أحق الناس بالنيابة عنه وكفانا حجة على هذا التأويل تقديمه إياه في الصلاة وإباؤه كل الإباء أن يقف غيره ذلك الموقف اه وقيل أراد بخوخة أبي بكر خوخة بنته عائشة فإنه أمر بسد خوخات الأزواج إلا خوخة عائشة ووجه الإضافة إلى أبي بكر


ظاهر لإمامته فيه بإذنه كما يشير إليه لفظ المسجد ذكره السيد جمال الدين وفي الرياض عن عائشة أن النبي أمر بسد أبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر أخرجه الترمذي وأبو حاتم وأخرجه ابن إسحاق وزاد في آخره فإني لا أعلم رجلا كان أفضل في الصحبة يدا منه وعن جبير بن نفير أن أبوابا كانت مفتحة في مسجد رسول الله فأمر بها فسدت غير باب أبي بكر فقالوا سد أبوابنا غير باب خليله وبلغه ذلك فقام فيهم فقال أتقولون سد أبوابنا وترك باب خليله فلو كان منكم خليل كان هو خليلي ولكني خليل الله فهل أنتم تاركون لي صاحبي فقد واساني بنفسه وماله وقال لي صدق وقلتم كذب وفي رواية أي مستقلة لو كنت وفي رواية بدلا مما قبله فكان المناسب أن يقول ولو كنت متخذا خليلا غير ربي أي بإفادة هذه الزيادة لأتخذت أبا بكر خليلا أي لكن لا يجوز لي أن آخذ غير الله خليلا لأكون له خليلا سواء يكون بمعنى الفاعل أو المفعول متفق عليه ورواه أحمد والترمذي وأبو حاتم وفي مسند أبي يعلى عن ابن عباس أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر وأخرجه أحمد والبخاري وأبو حاتم واللفظ له عن ابن عباس إن رسول الله خرج في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إنه ليس من الناس أحد أمن علي بنفسه وماله من ابن أبي قحافة ولو كنت متخذا خليلا لأتخذته ولكن خلة الإسلام سدوا عني كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر قال أبو حاتم وفي قوله سدوا الخ دليل على حسم أطماع الناس كلهم من الخلافة إلا أبا بكر وعن عبد الله بن مسعود عن النبي قال لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكنه أخي زاد أحمد في الدين وصاحبي زاد أحمد في الغار ذكره السيوطي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا فيه إيماء إلى قوله تعالى وما صاحبكم بمجنون التكوير وإشارة إلى أن من جعل غير ربه خليلا يكون مجنونا بخلل عقله ويصير مخذولا ذليلا قال الطيبي في


قوله اتخذ الله مبالغة من وجهين أحدهما أنه أخرج الكلام على
التجريد حيث قال صاحبكم ولم يقل اتخذني وثانيهما اتخذ الله صاحبكم بالنصب عكس ما لمح إليه الحديث السابق من قوله غير ربي فدل الحديثان على حصول المخاللة من الطرفين رواه مسلم ورواه أحمد والبخاري عن ابن الزبير ورواه أحمد والبخاري أيضا عن ابن عباس بلفظ لو كنت متخذا من أمتي خليلا دون ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخي وصاحبي وفي رواية للبخاري لو كنت متخذا من أمتي خليلا لأتخذته خليلا ولكن أخوة الإسلام أفضل وروى مسلم عن جندب قال سمعت رسول الله قبل أن يموت بخمس ليال وهو يقول إني أبرأ إلى الله عز وجل أن يكون لي منكم خليل فإن الله عز وجل قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وأخرج الواحدي في تفسيره عن أبي أمامة قال قال رسول الله إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وإنه لم يكن نبي إلا له في أمته خليل ألا وإن خليلي أبو بكر وأخرج الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري عن أبي بن كعب أنه قال إن أحدث عهدي بنبيكم قبل وفاته بخمس ليال دخلت عليه وهو يقلب يديه وهو يقول إنه لم يكن نبي إلا وقد اتخذ من أمته خليلا وإن خليلي من أمتي أبو بكر بن أبي قحافة ألا وأن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا والأحاديث النافية للاتخاذ أصح وأثبت وإن صحت هذه الرواية فيكون قد أذن الله له عند تبرئه من خلة غير الله مع تشوقه لخلة أبي بكر لولا خلة الله في اتخاذه خليلا مراعاة لجنوحه إليه وتعظيما لشأن أبي بكر ولا يكون ذلك انصرافا عن خلة الله عز وجل بل الخلتان ثابتتان كما تضمنه الحديث إحداهما تشريف للمصطفى والأخرى تشريف لأبي بكر رضي الله عنه والله أعلم وفي الجملة هذا الحديث دليل ظاهر على أن أبا بكر أفضل الصحابة وعن عائشة قالت قال رسول الله في مرضه أي الذي توفي فيه ادعي لي بضم همز وصل وكسر عين


على أن أصله أدعوي فاعل بالنقل والحذف وهو أمر مخاطبة أي نادي أبا بكر أباك بدل وأخاك عطف على أبا بكر والمراد به عبد الرحمان وفي شرح مسلم أن طلبه لأخيها ليكتب الكتاب فقوله حتى أكتب كتابا أي أمر أن يكتب كتابا فإني
أخاف أن يتمنى متمن أي للخلافة على تقدير عدم الكتابة ويقول قائل أي وأخاف أن يقول قائل ممن يتمنى الإمارة أنا ولا أي أنا مستحق للخلافة ولا يكون مستحقا لها مع وجود أبي بكر كما يدل عليه قوله ويأبى الله والمؤمنون أي خلافا للمنافقين والرافضة في أمر الخلافة إلا أبا بكر قال شارح أي يأبيان خلافة كل أحد إلا خلافة أبي بكر اه ومعنى يأبى الله يمتنع لعدم رضاه أو لعدم قدره وقضاه رواه مسلم وفي كتاب الحميدي وهو الجامع بين الصحيحين وقع في نسخته أنا أولى بدل أنا ولا في شرح مسلم قوله أنا ولا هكذا هو في بعض النسخ المعتمدة أي يقول أنا أحق بالخلافة ولا يستحقها غيري وفي بعضها أنا أولى أي أنا أحق بالخلافة قال القاضي عياض هذه الرواية أجود اه فالجزم من المصنف أنه رواه مسلم خلافا للحميدي ليس من الحزم قال النووي وهذا دليل لأهل السنة على أن خلافة أبي بكر رضي الله عنه ليست بنص من النبي صريحا بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضله ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة بين الأنصار وغيرهم أولا ولذكر حافظ النص ما معه ورجعوا إليه واتفقوا عليه وأما ما يدعيه الشيعة من النص على علي كرم الله وجهه والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين وأول من يكذبهم علي حين سئل هل عندكم شيء ليس في القرآن قال ما عندي إلا ما في هذه الصحيفة الحديث ولو كان عنده نص لذكره وعن جبير بن مطعم قال أتت النبي امرأة فكلمته في شيء أي من أمرها فأمرها أن ترجع إليه أي إلى النبي مرة أخرى حتى يعطيها شيئا ذكره شارح قالت يا رسول الله أرأيت أي أخبرني إن جئت ولم أجدك ولعل مسكنها كان بعيدا من المدينة كأنها أي قال جبير


كأن المرأة تريد أي تعني بعدم الوجدان الموت أي موته قال فإن لم تجديني فأتي أبا بكر أي فإنه خليفتي مطلقا أو وصيي في هذا الأمر والأول أظهر ولذا قال النووي ليس فيه نص على خلافته بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله به قلت ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس قال جاءت امرأة إلى النبي تسأله شيئا فقال تعودين فقالت يا رسول الله إن عدت فلم أجدك تعرض بالموت قال إن جئت فلم تجديني فأتي أبا بكر فإنه الخليفة من بعدي متفق عليه وعن سهل بن أبي حثمة قال بايع أعرابي النبي بقلائص إلى أجل فقال علي للأعرابي ائت النبي فسله إن أتى عليه أجله من يقضيه قال


يقضيك أبو بكر فرجع إلى علي فأخبره فقال علي ارجع فسله إن أتى على أبي بكر أجله من يقضيه فأتى الأعرابي النبي فسأله فقال يقضيك عمر فقال علي للأعرابي سله من بعد عمر فقال يقضيك عثمان فقال علي للأعرابي ائت النبي فاسأله إن أتى على عثمان أجله من يقضيه فسأله فقال النبي إذا أتى على أبي بكر أجله وعلى عمر وعثمان فإن استطعت أن تموت فمت أخرجه الإسماعيلي في معجمه وعن عمرو بن العاص أن النبي بعثه أي أرسله أميرا على جيش ذات السلاسل بإضافة الجيش قال القاضي السلاسل رمل ينعقد بعضه ببعض وسمي الجيش بذلك لأنهم كانوا مبعوثين إلى أرض بها رمل كذلك قال فأتيته أي قبل السفر ويحتمل أن يكون بعده فقلت أي الناس أحب إليك أي الموجودين في زمنك أو المراد بهم أهل الجيش وذلك لأن سبب سؤاله لما أمره النبي على الجيش وفيهم أبو بكر وعمر لمصلحة كانت تقتضيه وقع في نفس عمرو أنه مقدم عنده في المنزلة عليهما فسأله لذلك لكن يؤيد الأول وهو إرادة العموم الذي هو أفيد للمفهوم جوابه قال عائشة أي هي أحبهم إلي من النساء قلت من الرجال أي سؤالي عنهم أو التقدير من أحب إليك قال أبوها قلت ثم من قال عمر فعد رجالا أي فعد النبي رجالا آخرين بعد أسئلة أخرى لي فسكت أي عن ذلك السؤال مخافة أن يجعلني في آخرهم أي آخر الناس مطلقا أو آخر من أسأل عنهم لو سألته متفق عليه وعن محمد بن الحنفية سبق ذكره وهو ابن علي من غير فاطمة رضي الله عنهم قال قلت لأبي أي لعلي كرم الله وجهه أي الناس خير بعد النبي قال أي علي أبو بكر أي هو أبو بكر أو أبو بكر هو الخير قلت ثم من قال عمر وخشيت أن


يقول عثمان أي لو قلت ثم من فعدلت عن منوال السؤال لهذا فحينئذ قلت ثم أنت قال ما أنا إلا رجل من المسلمين وهذا على سبيل التواضع منه مع العلم بأنه حين المسألة خير الناس بلا نزاع لأنه بعد قتل عثمان رضي الله عنهم رواه البخاري وكذا أحمد وعن ابن عمر قال كنا أي معشر الصحابة في زمن النبي لا نعدل أي لا نساوي بأبي بكر أحدا أي من الصحابة بل نفضله على غيره ثم عمر ثم عثمان أي ثم لا نعدل بهما أحدا أو ثم نفضلهما على غيرهما ثم نترك أصحاب النبي لا نفاضل أي لا نوقع المفاضلة بينهم والمعنى لا نفضل بعضهم على بعض والمراد مفاضلة مثلهم وإلا فأهل بدر وأحد وأهل بيعة الرضوان وسائر علماء الصحابة أفضل ولعل هذا التفاضل بين الأصحاب وأما أهل البيت فهم أخص منهم وحكمهم يغايرهم فلا يرد عدم ذكر علي والحسنين والعمين رضي الله عنهم أجمعين قال المظهر وجه ذلك أنه أراد به الشيوخ وذوي الأسنان منهم الذي كان رسول الله إذا حزبه أمر شاورهم فيه وكان علي رضي الله عنه في زمن رسول الله حديث السن وفضله لا ينكره ابن عمرو ولا غيره من الصحابة وقال التوربشتي وأيضا قد عرف أن أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وأصحاب العقبتين الأولى والثانية يفضلون غيرهم وكذلك علماء الصحابة وذوو الفهم منهم والمتبتلون عن الدنيا رواه البخاري وفي رواية لأبي داود قال كنا نقول ورسول الله حي أفضل أمة النبي أي الذين هم خير الأمم بعده أي بعد النبي وأمثاله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو بعد وجوده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم لا يخفى أن الأحاديث المتقدمة لها المناسبة التامة بباب مناقب الثلاثة

الفصل الثاني


عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما لأحد عندنا يد أي عطاء وإنعام إلا وقد كافأناه بهمزة ساكنة بعد الفاء ويجوز إبدالها الفا ففي القاموس كافأه مكافأة جازاه ذكره في المهموز وكفاه مؤونته كفاية ذكره في المعتل ولا يخفى أن المناسب للمقام هو المعنى الأول وفي بعض النسخ المصححة بالياء ولا يظهر له وجه والمعنى جازيناه مثلا بمثل أو أكثر ما خلا أبا بكر أي ما عداه أي إلا إياه فإن له عندنا يدا قيل أراد باليد النعمة وقد بذلها كلها إياه وهي المال والنفس والأهل والولد ذكره شارح ويحتمل أن يكون المراد بتلك اليد إعتاق بلال كما يشير إليه قوله وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى الليل وفسر بأن المراد منه أبو بكر وإليه ينظر قوله يكافيه الله أي يجازيه بها يوم القيامة أي جزاء كلاملا واقتصر صاحب الرياض على هذا المقدار من الحديث وقال رواه الترمذي وقال حسن غريب وما نفعني مال أحد قط ما نفعني ما مصدرية ومثل مقدر أي مثل ما نفعني مال أبي بكر ولو كنت متخذا أي من أمتي خليلا لأتخذت أبا بكر خليلا ألا للتنبيه وأن صاحبكم خليل الله يحتمل أن يكون فعيلا بمعنى فاعل أو مفعول والأول أظهر في هذا المقام فتدبر رواه الترمذي وفي الجامع ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة وفي الرياض عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر فبكى أبو بكر وقال ما أنا ومالي إلا لك أخرجه أحمد وأبو حاتم وابن ماجه والحافظ الدمشقي في المواقعات وعن ابن المسيب أن رسول الله قال ما مال رجل من المسلمين أنفع لي من مال أبي بكر وكان رسول الله يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه أخرجه عبد الرزاق في


جامعه قلت وكأنه إشارة إلى قوله تعالى أو صديقكم النور هذا وعن عائشة قالت أنفق أبو بكر على النبي أربعين ألفا أخرجه أبو حاتم وعن عروة قال أسلم أبو بكر وله أربعون ألفا أنفقها كلها على رسول الله وفي سبيل الله أخرجه أبو عمر وعن عروة قال أعتق أبو بكر سبعة كانوا يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة أخرجه أبو عمر وعن إسماعيل بن قيس قال اشترى أبو بكر بلالا وهو مدقوق بالحجارة بخمسين أواق ذهبا فقالوا لو أبيت الأوقية لبعناكه فقال لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته أخرجه في الصفوة وعن عمر رضي الله عنه أي موقوفا قال أي عمر أبو بكر سيدنا أي نسبا وحسبا وخيرنا أي أفضلنا معرفة وكسبا وأحبنا إلى رسول الله أي حضورا وغيبا رواه الترمذي وعن ابن عمر عن النبي قال لأبي بكر أنت صاحبي في الغار أي في غار ثور بمكة حالة الهجرة من ديار الكفار حيث قال تعالى ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا التوبة فالمعنى أنت صاحبي المخصوص حينئذ أو أنت صاحبي بشهادة الله إذ أجمع المفسرون على أن المراد بصاحبه في الآية هو أبو بكر وقد قالوا من أنكر صحبة أبي بكر كفر لأنه أنكر النص الجلي بخلاف إنكار صحبة غيره من عمر أو عثمان أو علي رضوان الله عليهم أجمعين وصاحبي أي المخصوص على الحوض وفيه إيماء إلى أنه صاحبه في الدارين كما أنه صاحبه الآن في البرزخ رواه الترمذي وفي مسند الفردوس للديلمي عن عائشة أبو بكر مني وأنا منه وأبو بكر أخي في الدنيا والآخرة وعن عائشة قالت قال رسول الله لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره وفي معناه من هو أفضل القوم من غيرهم وفيه دليل على أنه أفضل جميع الصحابة


فإذا ثبت هذا فقد ثبت استحقاق الخلافة ولا ينبغي أن يجعل المفضول خليفة مع وجود الفاضل رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن عمر رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله أن نتصدق أي في بعض الجهات ووافق ذلك عندي مالا أي صادف أمره بالتصدق حصول مال عندي فعندي حال من مال والجملة حال مما قبله يعني والحال أنه كان لي مال كثير في ذلك الزمان فقلت اليوم أسبق أبا بكر أي بالمبارزة أو بالمغالبة إن سبقته يوما من الأيام وإن شرطية دل على جوابها ما قبلها أو التقدير إن سبقته يوما فهذا يومه وقيل إن نافية أي ما سبقته يوما قبل ذلك فهو استئناف تعليل قال أي عمر فجئت بنصف مالي فقال رسول الله ما أبقيت لأهلك فقلت مثله أي أبقيت مثله يعني نصف ماله وأتى أبو بكر بكل ما عنده وهو أبلغ من كل ماله بكسر اللام وأصرح من كل ماله بالفتح فقال يا أبا بكر ما أبقيت لأهله فقال أبقيت لهم الله ورسوله أي رضاهما روي أنه قال لهما ما بينكما كما بين كلمتيكما قلت أي في باطني واعتقدت لا أسبقه إلى شيء أي من الفضائل أبدا لأنه إذا لم يقدر على مغالبته حين كثرة ماله وقلة مال أبي بكر ففي غير هذا الحال أولى أن لا يسبقه رواه الترمذي وأبو داود وقال الترمذي حسن صحيح ومما يناسبه ما أخرجه أحمد عن ابن مسعود قال مر بي رسول الله وأبو بكر وعمر وأنا أحمد الله عز وجل وأصلي على النبي فقال سل تعط ولم أسمعه فأدلج أبو بكر فسرني بما قال النبي ثم أتاني عمر فأخبرني بما قال النبي فقلت قد سبقك إليها أبو بكر قال عمر ما استبقنا بخير إلا قد سبقني إليه إنه كان سباقا للخيرات فقال عبد الله ما صليت فريضة ولا تطوعا إلا دعوت الله في دبر صلاتي اللهم إني أسألك إيمانا لا يرتد ونعيما لا ينفد ومرافقة نبيك في أعلى جنات الخلد وأنا أرجو أن أكون دعوت بهن البارحة أخرجه أحمد وابن شاهين وعن عمر قال قال رسول الله وقد سمع قراءة ابن مسعود ليلا من سره أن يقرأ القرآن رطبا فيلقرأه كما يقرؤه


ابن أم عبد فلما أصبحت غدوت إليه لأبشره فقال قد سبق أبو بكر قال ما سابقته
إلى خير قط إلا سبقني أخرجه أحمد ومعناه في الصحيحين وعن عائشة أن أبا بكر دخل على رسول الله فقال أي رسول الله أنت عتيق الله من النار فيومئذ سمي عتيقا قال الراغب العتيق المتقدم في الزمان أو المكان أو الرتبة ولذا قيل للقديم عتيق والكريم عتيق ولمن خلا عن الرق عتيق اه وسمي البيت العتيق لكرمه أو لقدم زمانه أو لرتبة مكانه أو لأنه عتق عن الطوفان أو عن تصرف الجبابرة ثم قوله فيومئذ سمي عتيقا أي لقب به من ذلك اليوم قال المؤلف اسمه عبد الله بن عثمان أبي قحافة بضم القاف ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة وصل بالأب السابع إلى النبي وقال من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر شهد مع النبي المشاهد كلها ولم يفارقه في جاهلية ولا إسلام وهو أول الرجال إسلاما كان أبيض نحيفا خفيف العارضين معروق الوجه غائر العينين ناتىء الجبهة له ولأبويه وولده وولد ولده صحبة ولم يجتمع هذا لأحد من الصحابة كان مولده بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما ومات بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بين المغرب والعشاء وله ثلاث وستون سنة وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس فغسلته وصلى عليه عمر بن الخطاب وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين ولم يرو عنه من الحديث إلا القليل لقلة مدته بعد النبي رواه الترمذي وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله أنا أول من تنشق عنه الأرض أي من الخلق ثم أبو بكر أي من أمتي أو من الأولياء مطلقا ثم عمر ثم آتي بصيغة المتكلم أي أجيء أهل البقيع وهو مقبرة المدينة فيحشرون معي أي يجمعون قال تعالى وأن يحشر الناس ضحى طه ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين أي بين


أهليهما في محشر القيامة وفيه إيماء إلى ما روي من أحب قوما حشر معهم وقال الطيبي أي أجمع معهم بين حرم مكة وحرم المدينة وقال شارح أي أجمع أنا وهم حتى يكون لي وهم اجتماع بين الحرمين اه وذلك بظاهره مخالف لقوله انتظر أهل مكة لأن كلامهما يدل على أنه يتوجه إلى حرم مكة وأن أهل مكة يتوجهون إليه فيحصل الاجتماع بين الحرمين والظاهر من كلامه أنه ينتظرهم في البقيع إلى أن يجتمعوا فيتوجهوا إلى المحشر وهو أرض الشام فيجتمعون هناك مع سائر الأنام رواه الترمذي وذكر الحديث في الجامع إلى قوله ثم انتظر أهل مكة وقال رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر هذا لا يخفى أن هذا الحديث كان أنسب أن يذكر في مناقب الشيخين رضي الله عنهما وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي يدخل منه أمتي فقال أبو بكر يا رسول الله وددت بكسر الدال أي أحببت أني كنت معك حتى أنظر إليه أي إلى باب الجنة فقال أما للتنبيه إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي أي فسترى بابها وتدخلها قبل كل أحد من أمتي وفيه دليل على أنه أفضل الأمة وإلا لما سبقهم في دخول الجنة وإيماء إلى أنه أسبق الأمة إيمانا لقوله تعالى والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم الواقعة و قال الطيبي لما تمنى رضي الله عنه بقوله وددت والتمني إنما يستعمل فيما لا يستدعي إمكان حصوله قيل له لا تتمن النظر إلى الباب فإن لك ما هو أعلى منه وأجل وهو دخولك فيه أول أمتي وحرف التنبيه ينبهك على الرمزة التي لوحنا بها رواه أبو داود
الفصل الثالث
عن عمر رضي الله عنه ذكر عنده أبو بكر جملة حالية وحاصله أنه روي عن


عمر أنه ذكر عنده أبو بكر فبكى أي عمر وقال وددت أن عملي كله أي في جميع الأيام مثل عمله أي مثل عمل أبي بكر يوما واحدا من أيامه أي في زمن مماته وليلة واحدة من لياليه أي أوقات حياته عليه السلام والظاهر أن الواو بمعنى أو فإنه أبلغ في المبالغة باعتبار كل من الحالة أو التوزيع بحسب الوقتين المختلفين أما ليلته فليلة سار بالرفع والتنوين أي سافر وهاجر فيها مع رسول الله وفي نسخة مع النبي إلى الغار وفي بعض النسخ المصححة بفتح ليلة بنيت للإضافة إلى المبنى وهو الأظهر فلما انتهيا إليه أي وصلا إلى الغار قال أي أبو بكر والله لا تدخله بالرفع وفي نسخة بالجزم حتى أدخل قبلك أي الغار لما ذكره بقوله فإن كان فيه شيء أي مما يؤذي من عدو أو هوام أصابني دونك فدخل فكسحه أي كنسه ووجد في جانبه أي في أحد أطرافه ثقبا بضم مثلثة وفتح قاف جمع ثقبة كغرفة وغرف وقد جاء ثقب كقفل وفلس كل منهما لغة في المفرد بمعنى الخرق والجحر لكن المراد هنا الجمع لقوله فشق إزاره وسدها به وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه أي جعل رجليه كاللقمتين لهما غاية للحرص على سدهما حيث لم يبق من إزاره ما يدخلهما ثم قال لرسول الله أدخل فدخل رسول الله ووضع رأسه في حجره بكسر الحاء وفي نسخة بفتحها ففي القاموس الحجر بالكسر ويفتح الحضن وفي النهاية الحجر بالفتح والكسر الحضن والثوب وكذا في المشارق وزاد وإذا أريد به المصدر فالفتح لا غير وإن أريد به الاسم فالكسر لا غير ونام أي النبي فإن نوم العالم عبادة كما أن نوم الظالم عبادة باعتبارين مختلفين فلدغ أبو بكر في رجله بدل من أبو بكر بدل البعض وجيء بفي بيانا لشدة تمكن اللدغ فيها كما في قول الشاعر يجرح في عراقيبها نصلي من الجحر أي من أحد الحجرين ولم يتحرك أي أبو بكر مخافة أن ينتبه من باب الافتعال وفي نسخة أن يتنبه من باب التفعيل أي خشية أن يستيقظ رسول الله أي في غير أوانه فتصبر على وجعه فسقطت دموعه على وجه رسول


الله أي فاستنبه فرأى بكاءه فقال مالك يا أبا بكر قال لدغت فداك أبي وأمي بفتح الفاء ويكسر ففي القاموس فداه
يفديه فداء وفدى ويفتح أعطى شيئا فأنقذه والفداء ككساء وكعلى وإلى ذلك المعطى اه وقال الأصمعي الفداء يمد ويقصر أما المصدر من فاديت فممدود لا غير والفاء في كل ذلك مكسور وحكى الفراء فدا لك مقصور وممدود ومفتوح وفداك أبي وأمي فعل ماض مفتوح الأول أو يكون اسما على ما حكاه الفراء كذا في المشارق فتفل أي بزق رسول الله أي عليه كما في نسخة أي على موضع اللدغ فذهب ما يجده أي ما كان يحسه من الألم ثم انتقض بالقاف والمعجمة أي رجع أثرالسم عليه وقال الطيبي أي نكس الجرح بعد أن اندمل لتفل رسول الله وكان أي الانتقاض سبب موته أي فحصل له شهادة في سبيل الله حالة كونه رفيقا لرسول الله في طريقه وأما يومه أي أبي بكر فلما قبض رسول الله ارتدت العرب وقالوا لا نؤدي زكاة يحتمل أن يكون العطف تفسيريا لما قال بعض علمائنا من قيل له أد الزكاة فقال لا أؤدي كفر فقال لو منعوني عقالا بكسر أوله أي حبلا صغيرا لجاهدتهم عليه أي لقاتلتهم على أخذه أو لأجل منعه ففي النهاية أراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير الذي كان يؤخذ في الصدقة لأن على صاحبها التسليم وإنما يقع القبض بالرباط وقيل أراد ما يساوي عقالا من حقوق الصدقة وقيل إذا أخذ المصدق أعيان الإبل و قيل أخذ عقالا إذا أخذ أثمانها قيل أخذ نقدا وقيل أراد بالعقال صدقة العام يقال أخذ المصدق عقال هذا العام إذا أخذ منهم صدقة وبعث فلان على عقال بني فلان إذا بعث على صدقاتهم واختاره أبو عبيد وقال هذا أشبه عندي بالمعنى وقال الخطابي إنما يضرب المثل في مثل هذا بالأقل لا بالأكثر وليس بسائر في لسانهم أن العقال صدقة عام قلت ولهذا قال أبو عبيد بالمعنى فلا اعتراض عليه بالمبنى وسببه استبعاد أن يقاتل على الشيء الحقير وإن كان قد يعبر عن الكثير بالقليل على قصد المبالغة كالنقير والقطمير


ويؤيد إيماء أبي عبيد أنه في أكثر الروايات لو منعوني عناقا وفي أخرى جديا قال الطيبي قد جاء في الحديث ما يدل على القولين فمن الأول حديث عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ مع كل فريضة عقالا فإذا جاءت إلى المدينة باعها ثم تصدق بها وحديث محمد بن سلمة أنه كان يعمل الصدقة في عهد رسول الله فكان يأمر الرجل إذا جاء بفريضتين أن يأتي بعقالهما وقرانهما ومن الثاني حديث عمر أنه لم يأخذ الصدقة عام الرمادة فلما أحيا الناس بعث عامله فقال اعقل عنهم عقالين فاقسم فيهم عقالا وائتني بالآخر يريد صدقة عامين اه ولا خلاف في إطلاق العقال على كل منهما وإنما الخلاف في المراد به هنا والله أعلم فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس أي اطلب ألفتهم لا فرقتهم وارفق بهم بضم الفاء أي الطف بهم ولا تغلظ عليهم فقال لي أجبار في الجاهلية أي أنت شجيع متهور غضوب في زمن الجاهلية


وخوار بتشديد الواو أي جبان وعطوف في الإسلام أي في أيامه وأحكامه مع أن ما ورد من أن معادن العرب خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا مشعر بأن طباعهم الأصلية لم تتغير عن أحوالهم الأولية وإنما يختلف ايقاعها في الأمور الدينية بعد ما كان يصرف حصولها في الحالات التعصبية من الأمور النفسية والعرفية ففي النهاية هو من خار يخور إذا ضعفت قوته ووهنت شوكته قال الطيبي أنكر عليه ضعفه ووهنه في الدين ولم يرد أن يكون جبارا بل أراد به التصلب والشدة في الدين لكن لما ذكر الجاهلية قرنه بذكر الجبار قلت هذا وهم فإن المراد به أنه كان جبارا متسلطا متعديا عن الحد في الجاهلية وقد عفا الله عما سلف فهذا مما لا يضره أبدا ولا شك أن إرادة هذا المعنى أيضا أبلغ في تحصيل المدعى من المؤدى إنه أي الشأن وهو استئناف تعليل قد انقطع الوحي أي فلا نصل إلى التيقين فلا بد لنا من الاجتهاد المبين وتم الدين وفي نسخة فتم الدين أي لقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي المائدة أينقص أي الدين وهو بصيغة الفاعل وفي نسخة على بناء المفعول بناء على أنه لازم أو متعد وأنا حي جملة حالية على طبق قولهم جاء زيد والشمس طالعة رواه رزين وفي الرياض ذكره من قوله لما قبض رسول الله الحديث ثم قال رواه النسائي بهذا اللفظ ومعناه في الصحيحين ونقل الحلبي في حاشية الشفاء للقاضي عياض عن أبي الحسن الأشعري أنه قال لم يزل أبو بكر بعين الرضا من الله واختلف الناس في مراده بهذا الكلام فقال بعضهم لم يزل مؤمنا قبل البعثة وبعدها وهو الصحيح المرضي وقال آخرون بل أراد أنه لم يزل بحالة غير مغضوب فيها عليه لعلم الله تعالى بأنه سيؤمن ويصير من خلاصة الأبرار قال الشيخ تقي الدين السبكي لو كان هذا مراده لاستوى الصديق وسائر الصحابة في ذلك وهذه العبارة التي قالها الأشعري في حق الصديق لم تحفظ عنه في حق غيره فالصواب أن الصديق لم يثبت عنه في


حال كفر بالله اه وهو الذي سمعناه من مشايخنا وممن يقتدى به وهو الصواب إن شاء الله ونقل ابن ظفر بل في أنباء نجباء الأبناء أن القاضي أبا الحسن أحمد بن محمد الزبيدي روى بإسناده في كتابه المسمى معالي العرش إلى عوالي الفرش أن أبا هريرة قال اجتمع المهاجرون والأنصار عند رسول الله فقال أبو بكر وعيشك يا رسول الله أني لم أسجد لصنم قط وقد كنت في الجاهلية كذا وكذا سنة وإن أبا قحافة أخذ بيدي وانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام فقال هذه آلهتك الشم العلى فاسجد لها وخلاني ومضى فدنوت من الصنم فقلت إني جائع فأطعمني فلم يجبني فقلت إني عار فاكسني فلم يجبني فأخذت صخرة فقلت إني ملق عليك هذه الصخرة فإن كنت إلها فامنع نفسك فلم يجبني فألقيت عليه الصخرة فخر لوجهه وأقبل أبي فقال ما هذا يا بني فقلت هو الذي ترى فانطلق بي إلى أمي فأخبرها فقالت دعه فهو الذي ناجاني الله تعالى به فقلت يا أمه ما الذي ناجاك به قالت ليلة أصابني المخاض لم يكن


باب مناقب عمر رضي الله عنه

الفصل الأول
عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كان فيما قبلكم من الأمم بيان لما بمعنى من أي في الذين كانوا قبلكم محدثون بفتح الدال المشددة أي ناس ملهمون كما فسر به ابن وهب فإن يك في أمتي أحد أي واحد منهم فرضا وتقديرا فإنه عمر أي وإن يك أكثر فهو حينئذ أولى وأظهر قال التوربشتي المحدث في كلامهم هو الرجل الصادق الظن وهو في الحقيقة من ألقي في روعة شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدث به وفي قوله فإن يك في أمتي أحد فهو عمر لم يرد هذا القول مورد التردد فإن أمته أفضل الأمم وإن كانوا موجودين في غيرهم من الأمم فبالحري أن يكونوا في هذه الأمة أكثر عددا وأعلى رتبة وإنما ورد مورد التأكيد والقطع به ولا يخفى على ذي الفهم محله من المبالغة كما يقول الرجل إن يكن لي صديق فإنه فلان يريد بذلك اختصاصه بالكمال في صداقته لا نفي الأصدقاء اه


وتوضيحه أنك لا تريد بذلك الشك في صداقته والتردد في أنه هل لك صديق بل المبالغة في أن الصداقة مختصة به لا تتخطاه وقيل هو على ظاهره لأن الحكمة في كونهم في بني إسرائيل احتياجهم إلى ذلك حيث لا يكون بينهم نبي وكتبهم طرأ عليها التبديل واحتمل عنده صلى الله عليه وسلم أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلك لاستغنائها بالقرآن المأمون تبديله وتحريفه ذكره السيوطي وقال الطيبي هذا الشرط من باب قول الأجير إن كنت عملت لك فوفني حقي وهو عالم بذلك ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه فالمراد بالمحدث الملهم المبالغ فيه الذي انتهى إلى درجة الأنبياء في الإلهام فالمعنى لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء يلهمون من قبل الملأ الأعلى فإن يك في أمتي أحد هذا شأنه فهو عمر جعله لانقطاع قرينه وتفوقه على أقرانه في هذا كأنه تردد في أنه هل هو نبي أم لا فاستعمل أن ويؤيده ما ورد في الفصل الثاني لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب فلو في هذا الحديث بمنزلة إن على سبيل الفرض والتقدير كما في قول عمر رضي الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه متفق عليه قال ميرك ولفظه للبخاري ولمسلم نحوه عن عائشة ومن العجب أن الحاكم أخرج حديث عائشة في مناقب عمر مستدركا على مسلم في كونه لم يخرجه وقد أخرجه في المناقب أيضا قلت وقد سبق عنه الجواب والله أعلم بالصواب ثم لفظ الحديث في الجامع كان فيما مضى قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يك في أمتي منهم أحد فإنه عمر بن الخطاب رواه أحمد والبخاري عن أبي هريرة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة ففي قول المصنف متفق عليه مسامحة لا تخفى كما أشار إليه ميرك ثم اعلم أن لفظ أحمد ومسلم عن عائشة قد كان يكون في الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فهو عمر بن الخطاب ذكره في الرياض ثم قال وأخرجه الترمذي وصححه أبو حاتم وخرجه البخاري عن أبي هريرة وخرج عنه نحوه من طريق


آخر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر ومعنى محدثون والله أعلم ملهمون الصواب ويجوز أن يحمل على ظاهره بأن تحدثهم الملائكة لا الوحي بل بما يطلق عليه اسم حديث وتلك فضيلة عظيمة
وعن سعد بن أبي وقاص قال استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة أي جماعة من النساء من قريش قال القسطلاني هن عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش وغيرهن وقال العسقلاني أي نسوة من أزواجه صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون معهن غيرهن لكن قرينة قوله يكلمنه ويستكثرنه تؤيد الأول أي يستكثرنه في الكلام ولا يراعين مقام الاحتشام وقال النووي أي يطلبن منه النفقات الكثيرة وفي رواية يسألنه ويستكثرنه عالية بالنصب على الحال وقال السيوطي أو بالرفع على الوصف اه وفي رواية رافعات أصواتهن بالرفع على الفاعلية قال القاضي عياض يحتمل أن هذا قبل النهي عن رفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن علو أصواتهن إنما كان لاجتماعهن في الصوت لا أن كلام كل واحدة بانفراده أعلى من صوته صلى الله عليه وسلم أقول ليس في الكلام دليل على أن رفع أصواتهن كان فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم ليرد الإشكال بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الحجرات الآية بل المراد أنهن في تلك الحالة على خلاف عادتهن من الخفض و رفعن أصواتهن في كلامهن معه صلى الله عليه وسلم اعتمادا على حسن خلقه صلى الله عليه وسلم فلما استأذن عمر والحال أنه من الأجانب بالنسبة إلى أكثرهن لا سيما وهو غيور غضوب غالب عليه الصفة الجلالية قمن أي من مكانهن فبادرن الحجاب أي سارعن إلى حجابهن على مقتضى آدابهن فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك أي يتبسم ومن الغريب أن عمر مع غلبة قهره وشدة سطوته كان مظهرا لبسطه صلى


الله عليه وسلم فقال أي عمر كما في رواية أضحك الله سنك وفي رواية يا رسول الله أي أدام الله فرحك الموجب لبروز سنك وظهور نورك ولكن لا بد له من سبب وظهور أمر عجب فأطلعني عليه وشرفني بالإشارة إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي أي في حالة غريبة ومقالة عجيبة فلما سمعن صوتك أي بالإذن ابتدرن الحجاب أي بالانتقال من مكانهن وإخفاء حالهن وشأنهن خوفا منك وهيبة لك قال عمر أي خطابا لهن يا عدوات أنفسهن أتهبنني بفتح الهاء يقال هبت الرجل بكسر الهاء إذا وقرته وعظمته من الهيبة أي أتوقرنني ولا تهبن أي ولا تعظمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن نعم هذا غير راجع إلى مجموع قول عمر بل إلى قوله


أتوقرنني فقط وإلا فيشكل كما لا يخفى ولا يبعد أن يكون نعم تقديرا وتأكيدا ومقدما على قوله أنت أفظ وأغلظ أي أنت كثير الفظ أي سيء الكلام وكثير الغلظ أي شديد القلب بخلافه صلى الله عليه وسلم فإنه حسن الخلق كما أخبر الله سبحانه بقوله وإنك لعلى خلق عظيم القلم وقال ولو كانت فظا غليظا القلب لانفضوا من حولك آل عمران وقد قال صلى الله عليه وسلم على ما رواه ابن ماجه عن ابن عمرو مرفوعا خياركم خياركم لنسائهم قال الطيبي لم يردن بذلك إثبات مزيد الفظاظة والغلظة لعمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان حليما مواسيا رقيق القلب في الغاية بل المبالغة في فظاظة عمر وغلظته مطلقا اه وخلاصته أن فيك زيادة فظاظة وغلظة بالقياس إلى غيرك لا بالقياس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان رفيقا حليما جدا لكن يشكل هذا بما ذكره البخاري في رواية أخرى في باب التبسم من كتاب الأدب فقلن إنك أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمكن دفعه بأن يجعل من باب العسل أحلى من الخل والشتاء أبرد من الصيف فيرجع المعنى إلى أن كلا منهما على ما في حاله على أعلى مرتبة كماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إيه بكسر الهمز والهاء منونا وقد يترك تنوينه أي حدث حديثا ولا تلتفت إلى جوابهن يا ابن الخطاب وفي رواية يا عمر وقيل هو اسم فعل يطلب به الزيادة أي استزد على ما أنت عليه من التصلب ويؤيده قوله والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا أي ذاهبا طريقا واسعا قط إلا سلك فجا غير فجك ففيه منقبة عظيمة لعمر إلا أن ذلك لا يقتضي وجوب العصمة إذ لا يمنع ذلك من وسوسته الموجبة لغفلته قال التوربشتي إيه اسم سمي به الفعل لأن معناه الأمر تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل إيه بكسر الهاء فإن وصلت نونت وقلت إيه حدثنا وإذا أسكته وكففته قلت أيها عنا ومن حقه في هذا حديث أن يكون إيها أي كف يا ابن الخطاب عن هذا الحديث ورواه البخاري في


كتابه مجرورا منونا والصواب إيها وروى مسلم هذا الحديث في جامعه وليس لهذه الكلمة في روايته ذكر أقول إذا صحت الرواية وطابقت الدراية على ما قدمناه من تصحيح معناه فلا معنى للتخطئة في مبناه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وقال الطيبي معنى قول عمر أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوقرنني ولا توقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرح السنة هو من قولهم هبت الرجل إذا وقرته وعظمته يقال هب الناس يهابوك أي وقرهم يوقروك اه كلامه ولا شك أن الأمر بتوقير سول الله صلى الله عليه وسلم مطلوب لذاته تجب الاستزادة منه فكأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إيه استزادة منه في طلب توقيره وتعظيم جانبه ولذلك عقبه بقوله والذي نفسي بيده الخ فإنه يدل على استرضاء ليس بعده


استرضاء إحمادا منه صلى الله عليه وسلم لفعاله كلها لا سيما هذه الفعلة قال التوربشتي في قوله ما لقيك الشيطان سالكا تنبيه على صلابته في الدين واستمرار حاله على الجد الصرف والحق المحض حتى كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كالسيف الصارم والحسام القاطع إن أمضاه مضى وإن كفه كف فلم يكن له على الشيطان سلطان إلا من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هو كالوازع بين يدي الملك فلهذا كان الشيطان ينحرف عن الفج الذي سلكه ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة إلى العالمين مأمورا بالعفو عن المذنبين معنيا بالصفح عن الجاهلين لم يكن ليواجههم فيما لا يحمده من فعل مكروه أو سوء أدب بالفظاظة والغلاظة والزجر البليغ إذ لا يتصور الصفح والعفو مع تلك الخلال فلهذا تسامح هو فيها واستحسن إشعارهن الهيبة عن عمر رضي الله عنه قال النووي هذا الحديث محمول على ظاهره وأن الشيطان متى رآه سالكا فجا هرب لرهبته من عمر رضي الله عنه وفارق ذلك الفج لشدة بأسه قال القاضي عياض ويحتمل أن ضرب مثلا بالشيطان وإغوائه وأن عمر رضي الله عنه فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد وخالف ما يأمره به والصحيح الأول متفق عليه وكذا أخرجه أحمد وأخرجه النسائي وأبو حاتم ولفظهما فلما سمعن صوت عمر انقمعن وسكن أي ذللن وارتد عن فقال عمر يا عدوات أنفسهن الحديث من غير ذكر جوابهن وقال الحميدي أي في جامعه بين الصحيحين زاد البرقاني بفتح الموحدة وقد تكسر منسوب إلى برقان قرية من قرى خوارزم بعد قوله يا رسول الله ما أضحكك اه فكأنه حذفه بعض الرواة نسيانا أو اختصارا لظهوره أو هذا من زيادة بعض الثقات أومن أدراج بعض الرواة والمعنى عليه كما أشرنا في شرح الحديث إليه وعن جابر قال قال النبي وفي نسخة رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة أي ليلة المعراج أو في عالم الكشف أو حالة الرؤيا فإذا أنا بالرميصاء بالصاد المهملة تصغير رمصاء وهي امرأة في


عينها رمص بفتحتين وهو ما جمد من الوسخ في الموق وهو هنا اسم أم أنس أو لقبها امرأة أبي طلحة بدل أو عطف بيان وجوز رفعها وكذا نصبها وسمعت خشفة بفتح المعجمتين والفاء أي حركة وزنا ومعنى وفي نسخة بالسكون أي صوتا ففي المشارق الخشفة بفتح الخاء وسكون الشين هو الصوت ليس بالشديد قال أبو عبيد وقال الفراء هو الصوت الواحد وبتحريك الشين الحركة وفي النهاية الخشفة بالفتح والسكون الحركة وقال شارح هي صوت قرع النعل وهي في الأصل الحركة اه والمراد هنا صوت النعل الناشيء من حركة الماشي فقلت من هذا أي المتحرك أو صاحب الحركة فقال


أي قائل من جبريل أو غيره من الملائكة أو خزان الجنة هذا بلال ورأيت قصرا بفنائه بكسر الفاء وتخفيف النون والمد أي ما امتد من جوانبه جارية أي مملوكة أو حوراء فقلت لمن هذا أي القصر وما فيه وفي حواليه فقالوا وفي نسخة قالوا أي جماعة من أهل الجنة أو من سكان القصر لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله أي القصر فأنظر إليه أي نظرا مفصلا أو إلى باطنه كما رأيت ظاهره فذكرت غيرتك أي شدتها وحدتها وفي القاموس يقال غار على امرأته وهي عليه تغار غيرة بالفتح فقال عمر بأبي أنت وأمي الباء للتعدية وأنت مبتدأ وبأبي خبره أي أنت مفدي بأبي وأمي كذلك وفي نسخة بأبي وأمي أي أنت مفدي بهما والمعنى جعلهما الله فداءك يا رسول الله أعليك أي على فعلك أو دخولك أغار متكلم من الغيرة وقيل في الكلام قلب والأصل أعليها أغار منك وزاد عبد العزيز وهل رفعني الله إلا بك وهل هداني الله إلا بك ذكره السيوطي متفق عليه وروى أحمد والترمذي وابن حبان والنسائي عن أنس وأحمد والشيخان عن جابر وأحمد أيضا عن بريدة وعن معاذ مرفوعا دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت لمن هذا القصر قالوا لشاب من قريش فظننت أني أنا هو قلت ومن هو قالوا عمر بن الخطاب فلولا ما علمت من غيرتك لدخلت وروى أحمد ومسلم والنسائي عن أنس مرفوعا دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فقلت ما هذه الخشفة فقيل الغميصاء بنت ملحان ورواه عبد بن حميد عن أنس والطيالسي عن جابر بلفظ دخلت الجنة فسمعت خشفة فقلت ما هذه قالوا هذا بلال ثم دخلت الجنة فسمعت خشفة فقلت ما هذه قالوا هذه الغميصاء بنت ملحان قال في الرياض عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلت الجنة فرأيت قصرا من ذهب ولؤلؤ فقلت لمن هذا القصر قالوا لعمر بن الخطاب فما منعني أن أدخله إلى علمي بغيرتك قال عليك أغار بأبي أنت وأمي عليك أغار أخرجه أبو حاتم وخرجه مسلم ولم يقل من ذهب ولؤلؤ وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه


وسلم قال أدخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب قالوا لعمر بن الخطاب أخرجه أحمد وأبو حاتم وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا أنا بامرأة تتوضأ إلى جانب قصر قلت لمن هذا فقالت لعمر بن الخطاب فذكرت غيرة عمر فوليت مدبرا قال أبو
هريرة فبكى عمر ونحن جميع في ذلك المجلس ثم قال بأبي أنت وأمي يا رسول الله أعليك أغار أخرجه مسلم والترمذي وأبو حاتم وعن بريدة قال لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بلالا فقال يا بلال بم سبقتني إلى الجنة ما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشتك أمامي دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت لمن هذا القصر فقالوا لرجل من العرب قلت أنا عربي لمن هذا القصر فقالوا لرجل من قريش فقلت أنا قرشي لمن هذا القصر فقالوا لرجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال أنا محمد لمن هذا القصر قالوا العمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت عنده ورأيت أن لله علي ركعتين قال صلى الله عليه وسلم بهما وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم رأيت الناس يغرضون علي وعليهم قمص بضمتين جمع قميص والجملة حالية منها أي من القمص ما يبلغ الثدي بضم المثلثة وكسر الدال وتشديد التحتية جمع الثدي وفي نسخة بالفتح والسكون والتخفيف فهو مفرد أريد به الجنس ومنها مادون ذلك أي قمص أقصر منه أو أطول منه أو أعم منهما بناء على أن دون ذلك بمعنى غير ذلك لقوله تعالى وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك الجن وفي فتح الباري يحتمل أن يريد دونه من جهة السفل وهو ظاهر فيكون أطول ويحتمل أن يريد دونه من جهة العلو فيكون أقصر ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم الترمذي من طريق آخر عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري في هذا الحديث فمنهم من كان قميصه إلى سرته ومنهم من كان قميصه إلى ركبته


ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه قلت وفي رواية الرياض ومنها ما هو أسفل من ذلك وعرض علي عمر بن الخطاب أي فيما بينهم وعليه قميص أي عظيم يجره أي يسحبه في الأرض لطوله قالوا أي بعض الصحابة من الحاضرين فما أولت ذلك يا رسول الله أي فما عبرت جدر القميص لعمر قال الدين بالنصب أي أولته الدين وفي نسخة بالرفع أي المؤول به هو الدين والمعنى يقام الدين في أيام خلافته مع طول زمان إمارته وبقاء أثر فتوحاته حال
حياته ومماته أو لأن الدين يشمل الإنسان ويحفظه ويقيه المخالفات كوقاية الثوب وشموله قال النووي القميص الدين وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة وسنته الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليقتدي به متفق عليه ورواه أحمد وابن حاتم وعن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينا أنا نائم ثم أتيت بقدح لبن وفي رواية إذ رأيت قدحا أتيت به فيه لبن فشربت حتى إني بكسر الهمز وقد يفتح لأرى الري بكسر الراء وتشديد الياء أي أثر اللبن من الماء يخرج أي يظهر وفي رواية يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلي أي سؤري الكثير الخالص عمر بن الخطاب فلا ينافي أن سؤره حصل للصديق أيضا فإنه كان قليلا جدا ولا أن سؤره لعثمان وعلي أيضا وصل فإنه لهما لم يكن صافيا قالوا فما أولته أي اللبن وفي رواية فما أولت ذلك يا رسول الله قال العلم بالنصب وروي بالرفع على ما قدمناه والمراد بالعلم هو علم الدين والله أعلم قال العلماء بين عالم الأجسام وعالم الأرواح عالم آخر يقال له عالم المثال وهو عالم نوراني شبيه بالجسماني والنوم سبب لسير الروح المنور في عالم المثال ورؤية ما فيه من الصور غير الجسدانية والعلم مصور بصور اللبن في ذلك العالم بمناسبة أن اللبن أول غذاء البدن وسبب صلاحه والعلم أول غذاء الروح وسبب صلاحه وقيل التجلي العلمي لا يقع إلا في أربع صور الماء واللبن والخمر والعسل تناولتها آية فيها ذكرت أنهار الجنة فمن شرب الماء يعطى العلم اللدني


ومن شرب اللبن يعطى العلم بأسرار الشريعة ومن شرب الخمر يعطى العلم بالكمال ومن شرب العسل يعطى العلم بطريق الوحي وقد قال بعض العارفين إن الأنهار الأربعة عبارة عن الخلفاء ويطابقه تخصيص اللبن بعمر رضي الله عنه في هذا الحديث وأما الري في العلم فقد اختلف فيه فمنهم من قال بوجوده لأن الاستعداد متناه ولا يزيد على ما لم يقبل فيحصل الري وظاهر الحديث معهم ومنهم من قال بعدمه لقوله تعالى وقل رب زدني علما طه فالأمر بطلب زيادة العلم بلا ذكر النهاية يدل على أنه لا ينتهي ولذا قيل من لم يكن في زيادة فهو في نقصان وإن التوقف ليس في طور الإنسان ويدل عليه حديث منهومان لا يشبعان طالب العلم


وطالب الدنيا ومنه ما نقل عن أبي يزيد البسطامي قدس الله سره السامي أنه قال شربت الحب كأسا بعد كأس فما نفد الشراب ولا رويت وبمكن الجواب عن دليل الأولين بأن العلم إذا حصل بقدر الاستعداد القابل أعطاه الله تعالى واستعدادا لعم آخر فيحصل له عطش آخر وعن هذا قيل طالب العلم كشارب البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا وعن الحديث بأنه محمول على البداية قبل نزول الآية التي تدل على عدم النهاية متفق عليه وأخرجه أحمد وأبو حاتم والترمذي وصححه ولهذا بلغ علمه ما روي عن ابن مسعود أنه قال لو جمع علم أحياء العرب في كفة ميزان ووضع علم عمر في كفة لرجح علم عمر ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينا أنا نائم رأيتني على قليب أي بئر لم تطو وضدها المطوية بالحجارة والآجر عليها أي فوقها دلو أي ودلو معلقة عليها فنزعت أي جذبت مما فيها منها ما شاء الله أي ما قدره الله وقضاه ثم أخذها أي الدلو ابن أبي قحافة بضم القاف فنزع منها ذنوبا بفتح الذال المعجمة وهو الدلو وفيها ماء أو الملأي أو دون الملأي كذا في القاموس أو ذنوبين شك من الراوي والصحيح رواية ذنوبين ذكره ابن الملك والأظهر أن أو بمعنى بل فلا يحتاج إلى تخطئة الراوي ولا إلى شكه وتردده ويمكن أن يكون المراد بذكرهما إشارة إلى قلته مع عدم النظر عن تحقق عدده وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه جملة حالية دعائية وقعت اعتراضية مبينة أن الضعف الذي وجد في نزعه لما يقتضيه تغير الزمان وقلة الأعوان غير راجع إليه بنقيصة ثم استحالت أي انقلبت الدلو التي كانت ذنوبا غربا بفتح فسكون أي دلوا عظيمة على ما في القاموس وزاد ابن الملك التي تتخذ من جلد ثور فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا بتشديد التحتية أي رجلا قويا من الناس ينزع بكسر الزاي نزع عمر أي جبذه وهو مفعول مطلق حتى ضرب الناس بعطن بفتحتين أي حتى أرووا إبلهم فأبركوها


وضربوا
لها عطنا وهو مبرك الإبل حول الماء قال القاضي لعل القليب إشارة إلى الدين الذي هومنبع ما به تحيا النفوس ويتم أمر المعاش ونزع الماء في ذلك إشارة إلى هذا الأمر ينتهي من الرسول عليه السلام إلى أبي بكر ومنه إلى عمر ونزع أبي بكر ذنوبا أو ذنوبين إشارة إلى قصر مدة خلافته وأن الأمر إنما يكون بيده سنة أو سنتين ثم ينتقل إلى عمر وكان مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وضعفه فيه إشارة إلى ما كان في أيامه من الاضطراب والارتداد واختلاف الكلمة أو إلى ما كان له من لين الجانب وقلة السياسة والمداراة مع الناس ويدل على ذلك قوله وغفر الله له ضعفه وهو اعتراض ذكره صلى الله عليه وسلم ليعلم أن ذلك موضوع ومغفور عنه غير قادح في منصبه ومصير الدلو في ثوبه عمر غربا وهو الدلو الكبير الذي يستقي به البعير إشارة إلى ما كان في أيامه من تعظيم الدين وإعلاء كلمة وتوسع خططه وقوته وجده في النزع إشارة إلى ما اجتهد في إعلاء أمر الدين وإفشائه في مشارق الأرض ومغاربها اجتهادا بما لم يتفق لأحد قبله ولا بعده والعبقري القوي وقيل العبقر اسم واد يزعم العرب أن الجن تسكنه فنسبوا إليه كل من تعجبوا منه أمرا كقوة غيرها فكأنهم وجدوا ما وجدوا منه خارجا عن وسع الإنسان فحسبوا أنه جيء من العبقر ثم قالوا لكل شيء نفيس وقال النووي قوله في نزعه ضعف ليس فيه حط لمنزلته ولا إثبات فضيلة لعمر عليه وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها ولا تساع الإسلام وفتح البلاد وحصول الأموال والغنائم وأما قوله والله يغفر له ضعفه فليس فيه نقص ولا إشارة إلى ذنب وإنما هي كلمة كان المسلمون يزينون بها كلامهم وقد جاء في صحيح مسلم أنها كلمة كان المسلمون يقولونها افعل كذا والله يغفر لك وفي قوله فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة إشارة إلى نيابة أبي بكر وخلافته بعده وراحته صلى الله عليه وسلم بوفاته من نصب الدنيا ومشاقها


وفي قوله ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر إلى قوله وضربوا بعطن إشارة إلى أن أبا بكر قمع أهل الردة وجمع شمل المسلمين وابتدأ الفتوح ومهد الأمور وتمت ثمرات ذلك وتكاملت في زمن عمر رضي الله عنه وفي رواية ابن عمر قال ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر فاستحالت في يده غربا فلم أر أي فلم أبصر أو فلم أعرف عبقريا يفري فريه بفتح فسكون وفي نسخة بفتح فكسر فتشديد أي يعمل عمله قال النووي يروى بإسكان الراء وتخفيف الياء وبكسر الراء وتشديد الياء وهما لغتان صحيحتان وأنكر الخليل التشديد ومعناه لم أر شيئا يعمل
عمله ويقطع قطعه وأصل الفري بالأسكان القطع تقول العرب تركته يفري الفري إذا عمل العمل فأجاد متفق عليه المفهوم من الرياض أن الرواية الأولى لمسلم وحده وأن الرواية الثانية لهما ولأحمد وزاد بعد قوله يفري فريه حتى روي الناس وضربوا بعطن وفي بعض الطرق رأيت أني أنزع على حوض فأخذ أبو بكر الدلو من يدي فنزع ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له فأما ابن الخطاب فأخذها حتى تولى الناس والحوض يتفجر أخرجاه وأحمد وللحديث مناسبة لباب مناقب الشيخين لكن لما كان فيه زيادة مدح لعمر خصه المصنف بباب مناقبه
الفصل الثاني
عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله جعل الحق أي أظهره ووضعه على لسان عمر وقلبه قال الطيبي ضمن جعل معنى أجري فعداه بعلى وفيه معنى ظهور مستقرا رواه الترمذي أي وصححه وكذا رواه أحمد وأبو حاتم عن أبي هريرة وعن ابن عمر مثله وفي رواية بعد قوله وقلبه يقول الحق وإن كان مرا وفي رواية إن الله نزل الحق على قلب عمر ولسانه أخرجهما البغوي في الفضائل وفي رواية أبي داود عن أبي ذر قال إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول أي عمر به أي بالحق أو التقدير يقول الحق بسبب ذلك الوضع والجملة استئناف بيان أو حال عيان وعن علي رضي الله عنه أي موقوفا قال ما كنا أي أهل البيت أو معشر


الصحابة ويؤيده رواية ونحن متوافرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نبعد من الإبعاد بمعنى الاستبعاد وقيل معناه ما كنا نعد بعيدا أن السكينة أي ما به تسكن النفس وتميل إليه ويطمئن به القلب ويعتمد عليه تنطق أي تجري على لسان عمر أي من قلبه وقد قال ابن مسعود ما رأيت عمر قط إلا وكأن بين عينيه ملكا يسدده قال التوربشتي أي لم تكن نبعد أنه ينطق بما يستحق أن تسكن إليه النفوس وتطمئن به القلوب وأنه أمرغيبي ألقي على لسانه ويحتمل أنه أراد بالسكينة الملك الذي يلهمه ذلك القول وفي النهاية قيل أراد بها السكينة التي ذكرها الله في كتابه العزيز وقيل في تفسيرها إنها حيوان له وجه كوجه الإنسان مجتمع وسائرها خلق رقيق كالريح والهواء وقيل هي صورة كالهرة كانت معهم في جيوشهم فإذا ظهرت انهزم أعداؤهم وقيل هي ما كانوا يسكنون إليه من الآيات التي أعطيها موسى عليه السلام والأشبه بحديث عمر أن يكون من الصورة المذكورة ذكره الطيبي ولا يخفى بعد إرادة القولين هنا فالأقرب هو القول الأخير الذي أشار إليه التوربشتي أولا وهو الذي ينزل على معناه جميع ما جاء في القرآن من لفظ السكينة كقوله تعالى هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين الفتح وقوله فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين الفتح ونحو ذلك رواه البيهقي في دلائل النبوة وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر أنه من المراسيل قال اللهم أعز الإسلام أي قوة وانصره بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب أو للتنويع لا للشك ولا يبعد أن تكون بل للإضراب فأصبح عمر أي دخل في الصباح بعد دعائه عليه السلام قبله فغدا أي أقبل غاديا أي ذاهبا في أول نهاره على النبي صلى الله عليه وسلم قال الطيبي هو إما خبر أي غدا مقبلا على النبي أو ضمن غدا معنى أقبل ونحوه قوله تعالى وغدوا على حره قادرين القلم اه فعلى الأول غدا من الأفعال الناقصة وعلى الثاني يتعلق على بغدا فأسلم ثم صلى أي النبي


صلى الله عليه وسلم وفي نسخة بصيغة المجهول أي صلى المؤمنون في المسجد ظاهرا أي عيانا غير خفي أو غالبا غير مخوف روى الحاكم أبو عبد الله في دلائل النبوة عن ابن عباس أن أبا جهل قال من قتل محمدا فله علي مائة ناقة وألف وقية من فضة فقال عمر الضمان صحيح فقال نعم عاجلا غير آجل فخرج عمر فلقيه رجل فقال أين تريد قال أريد محمدا لأقتله قال فكيف تأمن من بني هاشم قال إني لأظنك قد صبوت قال ألا
أخبرك بأعجب من هذا إن أختك وختنك قد صبوا مع محمد فتوجه عمر إلى منزل أخته وكانت تقرأ سورة طه فوقف يستمع ثم قرع الباب فأخفوها فقال عمر ما هذه الهينمة فأظهرت الإسلام فبقي عمر حزينا كئيبا فباتوا كذلك إلى أن قامت الأخت وزوجها يقرآن طه ما أنزلنا فلما سمع قال ناولني الكتاب حتى أنظر فيه فلما قرأه إلى قوله الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى قال اللهم إن هذا أهل أن لا يعبد سواه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فبات ساهر العين ينادي في كل ساعة واشوقاه إلى محمد حتى أصبح فدخل عليه خباب بن الأرت فقال يا عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بات اللية ساهرا يناجي الله عز وجل أن يعز الإسلام بك أو بأبي جهل وأنا أرجو أن تكون دعوته قد سبقت فيك فخرج مقلدا سيفه فلما وصل إلى منزل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا عمر أسلم أو لينزلن الله بك ما أنزل بالوليد بن المغيرة فارتعدت فرائص عمر ووقع السيف من يده فقال اشهد أن لا إله إلا الله وان محمد رسول الله فقال اللات والعزى تعبد على رؤوس الجبال وفي بطون الأودية والله يعبد سرا والله لا يعبد الله سرا بعد يومنا هذا رواه أحمد والترمذي وانتهت روايته إلى قوله فأسلم ولم يذكر ثم صلى الخ وقال غريب من هذا الوجه وفي سنده أبو عمرو بن النضر تكلم فيه بعضهم وقال يروي المناكير من قبل حفظه اه وزيادة ثم صلى الخ رواها محيي السنة في شرح السنة من


جملة الحديث في هذا السند ذكره ميرك وقال ابن الربيع في مختصر المقاصد الحسنة للسخاوي حديث اللهم أيد الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب رواه الإمام أحمد والترمذي في جامعه وغيرهما عن ابن عمر به مرفوعا وقال الترمذي حسن صحيح غريب وصححه ابن حبان والحاكم في مستدركه عن ابن عباس اللهم أيد الدين بعمر بن الخطاب وفي لفظ أعز الإسلام بعمر وقال إنه صحيح الإسناد وفيه عن عائشة اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة وقال إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه قلت وأما ما يدور على الألسنة من قولهم اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين فلا أعلم له أصلا اه كلامه وقال الزركشي حديث اللهم أعز الإسلام الخ رواه الترمذي وروى الحاكم عن عائشة اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة وقال صحيح على شرط الشيخين وذكر أبو بكر التاريخي عن عكرمة أنه سئل عن حديث اللهم أيد الإسلام فقال معاذ الله دين الإسلام أعز من ذلك ولكنه قال اللهم أعز عمر بالدين أو أبا جهل أقول ليس فيما ورد من الحديث محذور بل هو من قبيل قوله تعالى فعززناهما بثالث يس أي قوينا الرسولين وما أتيا من الدين به أو من باب قوله صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن


بأصواتكم على أنه يمكن أن يكون من نوع القلب في الكلام كما في عرضت الناقة على الحوض ولذا ورد أيضا زينوا أصواتكم بالقرآن والحاصل إنه إن صحت الرواية وطابقت الدارية فلا وجه للتخطئة ثم لا شك في حصول إعزاز الدين به رضي الله عنه أولا من إخفائه إلى إعلانه كما في قوله تعالى يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين الأنفال وهو كمال الأربعين إيماء إلى ذلك وآخرا من فتوحات البلاد وكثرة إيمان العباد وفيما بينهما من غلظته على المشركين والمنافقين كما في قوله تعالى أشداء على الكفار الفتح إشعارا إليه بل وما تم أمر خلافة الصديق وجهاده مع المرتدين إلا بمعونته وما فتح باب النزاع والمخالفة الباعثة على المقاتلة فيما بين المسلمين إلا بعد موته وبعد غيبته ولعله صلى الله عليه وسلم أشار بذلك في قوله لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب وقال داود بن الحصين والزهري لما أسلم عمر نزل جبريل فقال يا محمد استبشر أهل السماء بإسلام عمر وهو مروي عن ابن عباس على ما رواه أبو حاتم والدارقطني وقال المؤلف هو عدوي قرشي يكنى أبا حفص أسلم سنة ست من النبوة وقيل سنة خمس بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة ويقال به تمت الأربعون قال ابن عباس سألت عمر بن الخطاب لأي شيء سميت الفاروق فقال أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام ثم شرح الله صدري للإسلام فقلت الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى فما في الأرض نسمة أحب إلي من نسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أختي هو في دار الأرقم عند بني الأرقم عند الصفا فأتيت الدار فإذا حمزة في أصحابه جلوس في الدار ورسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت فضربت الباب فاستجمع القوم فقال لهم حمزة ما لكم قالوا عمر بن الخطاب قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بمجامع ثيابي ثم نثرني نثرة فما ملكت أن وقعت على ركبتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنت بمنته يا


عمر فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد فقلت يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا قال بلى والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم فقلت ففيم الاختفاء والذي بعثك بالحق لتخرجن فاخرجنا صلى الله عليه وسلم في صفين حمزة في أحدهما وأنا في الآخر ولي كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد فنظرت إلى قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم تصبهم مثلها فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق فرق الله بي بين الحق والباطل اه وذكر أهل التفسير عن ابن عباس أيضا إن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم لليهودي فلم يرض المنافق وقال نتحاكم إلى عمر فقال اليهودي لعمر قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم فلم


يرض بقضائه وخاصم إليك فقال عمر للمنافق أكذلك قال نعم فقال مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد وقال هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزلت ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت النساء قيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنت أظن أن يجترىء عمر على قتل مؤمن فأنزل الله تلك الآية فهدر دم ذلك الرجل وبرىء عمر عن قتله ظلما فقال جبريل عليه السلام إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق وقد قال السيوطي ورد أيضا بلفظ ابن عمر من حديث عمر نفسه أخرجه البيهقي في الدلائل ومن حديث أنس أخرجه البيهقي ومن حديث ابن مسعود أخرجه الحاكم ومن حديث ربيعة السعدي أخرجه البغوي في معجمه ومن حديث ابن عباس وخباب أخرجهما ابن عساكر في تاريخه ومن حديث عثمان بن الأرقم ومرسل سعيد بن المسيب ومراسيل الزهري أخرجهما ابن سعد في الطبقات وورد بلفظ عائشة من حديث ابن عباس رواه الحاكم ومن حديث ابن عمر أخرجه ابن سعد ومن حديث أبي بكر الصديق أخرجه الطبراني في الأوسط ومن حديث ابن مسعود أخرجه ابن عساكر ومن حديث ثوبان أخرجه الطبراني ومن مرسل الحسن أخرجه ابن سعد وقال ابن عساكر في الجمع بين اللفظين إ نه دعا بالأول أولا فلما أوحي إليه أن أبا جهل لن يسلم خص عمر بدعائه فأجيب فيه وقد اشتهر هذا الحديث على الألسنة بلفظ بأحب العمرين ولا أصل له من طرق الحديث بعد الفحص البالغ اه كلام السيوطي رحمه الله وعن جابر قال قال عمر لأبي بكر يا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر أما للتنبيه إنك إن قلت ذلك أي إذ قلت ذلك الكلام وعظمتني من بين الأنام فأجازيك بمثل هذا المرام من التبشير في هذا المقام فلقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر وهو إما محمول على أيام خلافته أو ميقيد ببعد أبي


بكر أو المراد في باب العدالة أو في طريق السياسة ونحو ذلك جمعا بين الألفاظ الواردة في السنة قال الطيبي جواب قسم محذوف وقع جوابا للشرط على سبيل الإخبار كأنه أنكر عليه قوله يا خير الناس بعد رسول الله لقوله ما طلعت الشمس الخ ونحوه في الإخبار والإنكار قوله تعالى وما بكم من نعمة النحل اه والتحقيق ما قدمناه مع أن معنى الآية هو الإخبار عن كون النعمة من الله على طريق الانحصار وإن كان يتضمن إنكار أن يكون نعمة من الأغيار لا سيما في نظر الأبرار ومشاهدة الأخيار كما قيل


ليس في الدار غيره ديارا رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب قيل نقل في الميزان عن أهل الحديث تضعيفه وأقول يقويه ما في الجامع من أن قوله ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر رواه الترمذي والحاكم في مستدركه عن أبي بكر مرفوعا وقد أخرج البغوي في الفضائل عن ثابت بن الحجاج فقال خطب عمر ابنة أبي سفيان فأبوا أن يزوجوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة خير من عمر ولا شك أن المراد بعده صلى الله عليه وسلم للإجماع وبعد أبي بكر لما تقدم والله أعلم وعن عقبة بن عامر قال قال النبي وفي نسخة رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب بزيادة حسن في نسخة من الترمذي وقد نقله ابن الجوزي أيضا عنه ورواه أيضا أحمد في مسنده والحاكم في صحيحه عنه والطبراني عن عصمة بن مالك وفي بعض طرق هذا الحديث لو لم أبعث لبعثت يا عمر وعن بريدة بالتصغير قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه أي أزمنة غزواته فلما انصرف جاءته أي النبي صلى الله عليه وسلم وفي نسخة جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أي منصورا وفي رواية سالما أن أضرب بين يديك أي قدامك وفي حضورك بالدف بضم الدال وتشديد الفاء وهو أفصح وأشهر وروي الفتح أيضا هو ما يطبل به والمراد به الدف الذي كان في زمن المتقدمين وأما ما فيه الجلاجل فينبغي أن يكون مكروها اتفاقا وفيه دليل على أن الوفاء بالنذر الذي فيه قربة واجب والسرور بمقدمه صلى الله عليه وسلم قربة سيما من الغزو الذي فيه تهلك الأنفس وعلى أن الضرب بالدف مباح وفي قولها واتغنى دليل على أن سماع صوت المرأة بالغناء مباح إذا خلا عن الفتنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت نذرت فاضربي


وإلا فلا فيه دلالة ظاهرة على أن ضرب الدف لا يجوز إلا بالنذر ونحوه مما ورد فيه الإذن من الشارع كضربه في إعلان النكاح فما استعمله بعض مشايخ اليمن من ضرب الدف حال الذكر فمن أقبح القبيح والله ولي دينه وناصر نبيه فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب جملة حالية ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها بهمز وصل مكسور وسكون سين أي أليتها بأن رفعتها ووضعته تحتها ثم قعدت عليها أي على أستها لتستره عن عمر هيبة وفي رواية ثم قعدت عليه أي على الدف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان ليخاف منك يا عمر يريد به تلك المرأة السوداء لأنها شيطان الإنس وتفعل فعل الشيطان أو المراد شيطانها الذي يحملها على فعلها المكروه وهو زيادة الضرب التي هي من جنس اللهو على ما حصل به إظهار الفرح إني كنت جالسا استئناف تعليل وهي تضرب حال فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف أي تحت أستها ثم قعدت عليها قال التوربشتي وإنما مكنها صلى الله عليه وسلم من ضرب الدف بين يديه لأنها نذرت فدل نذرها على أنها عدت انصرافه على حال السلامة نعمة من نعم الله عليها فانقلب الأمر فيه من صنعة اللهو إلى صنعة الحق ومن المكروه إلى المستحب ثم إنه لم يكره من ذلك ما يقع به الوفاء بالنذر وقد حصل ذلك بأدنى ضرب ثم عاد الأمر في الزيادة إلى حد المكروه ولم ير أن يمنعها لأنه لو منعها صلى الله عليه وسلم كان يرجع إلى حد التحريم فلذا سكت عنها وحمد انتهاءها عما كانت فيه بمجيء عمر اه وفيه أنه كان يمكن أن يمنعها منعا لا يرجع إلى حد التحريم قال الطيبي فإن قلت كيف قرر إمساكها عن ضرب الدف ههنا بمجيء عمر ووصفه بقوله إن الشيطان ليخاف منك يا عمر ولم يقرر انتهاء أبي بكر رضي الله عنه الجاريتين اللتين كانتا تدففان أيام مني قلت منع أبا بكر بقوله دعهما وعلله بقوله فإنها


أيام عيد وقرر ذلك هنا فدل ذلك على أن الحالات والمقامات متفاوتة فمن حالة تقتضي الاستمرار ومن حالة لا تقتضيه أقول ويمكن أن يقال منع الصديق لهما عن فعلهما بحضور الحضرة النبوية لا يخلو أنه من قصور آداب البشرية فلذا ما قرر له ذلك وبين له سبب استمرار فعلهما هنالك وأما هنا فلو دخل عمر ورآها على حالها بحضرة سماع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكن يمنعها كما هو مقتضى حسن آدابه لكن لما جعل الله مأتاه سببا لانتهائها عن فعلها


المكروه بحسب أصله ولو صار مندوبا بموجب نذره واستحسنه صلى الله عليه وسلم وقرر امتناعها وقرر منعه بالقوة الإلهية الغالبة على الإرادة الشيطانية وقيل إنه صلى الله عليه وسلم علم انتهاءها عما كانت فيه بمجيء عمر فسكت ليظهر بذلك فضل عمر ويقول ما قال اه ولا يخفى أن هذه العلة مدخولة فإن الزيادة تبقى معلولة نعم لا يبعد أن يكون انتهاء مدة ضرب الدف على طريق العرف بابتداء مأتى عمر في مجلس الحضرة النبوية وأظن أن هذا أظهر وأولى مما تقدم والله أعلم ثم ظهر لي وجه حق ويؤيده ما روي عن الأسود بن سريع قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إني قد حمدت الله بمحامد فقال عليه السلام إن ربك تعالى يحب المدح هات ما امتدحت به ربك قال فجعلت أنشده فجاء رجل يستأذن قال فاستنصتني له رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصف لنا أبو سلمة كيف استنصته قال كما يصنع بالهر فدخل الرجل فتكلم ساعة ثم خرج ثم أخذت أنشده أيضا ثم رجع بعد فاستنصتني فقلت يا رسول الله من ذا الذي تستنصتني له فقال هذا رجل لا يحب الباطل هذا عمر بن الخطاب أخرجه أحمد وأطلق على هذا باطلا وهو متضمن حقا لأنه حمد ومدح لله إلا أنه من جنس الباطل إذ الشعر كله جنس واحد ومن هذا القبيل ما روي عن عائشة أنها قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحريرة طبختها له فقلت لسودة والنبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينها كلي فأبت فقلت لتأكلن أو لألطخن وجهك فأبت فوضعت يدي في الحريرة وطليت بها وجهها فضحك الني صلى الله عليه وسلم فوضع فخذه لها وقال لسودة الطخي وجهها فلطخت وجهي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم أيضا فمر عمر فنادى يا عبد الله فظن الني صلى الله عليه وسلم أنه سيدخل فقال قوما فاغسلا وجوهكما قالت عائشة فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه رواه ابن غيلان من حديث الهاشمي وخرجه الملأ في سيرته رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وعن


عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فسمعنا لغطا بفتح لام وغين معجمة أي صوتا شديدا لا يفهم وصوت صبيان فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حبشية بفتحتين أي جارية أو امرأة منسوبة إلى الحبش تزفن بسكون الزاي وكسر الفاء ويضم أي ترقص والصبيان حولها أي ينظرون إليها ويتفرجون عليها فقال يا عائشة تعالي بفتح اللام أي تقدمي فانظري وهو أمر مخاطبة من التعالي واصله أن يقوله من كان في علو لمن كان في


سفل فاتسع فيه بالتعميم كذا ذكره البيضاوي في قوله تعالى قل تعالوا الأنعام وقرىء بضم لام تعالوا فإن الأصل فيه تعاليوا فنقل ضمة الياء إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها وحذفت الياء لالتقاء الساكنين وعلى هذا يجوز كسر اللام في تعالي كما هو المشهور على ألسنة أهل زماننا خصوصا أهل الحرمين الشريفين وأما إعلال فتح اللام في الجمع والمخاطبة فبناء على القلب والحذف فجئت فوضعت لحيي بالإضافة إلى ياء المتكلم تثنية لحي بالفتح وسكون الحاء المهملة منبت الإنسان على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مجتمع رأس الكتف والعضد فجعلت أي شرعت أنظر إليها أي إلى الحبشية ما بين المنكب ظرف لأنظر حذف منه في أي فيما بين المنكب إلى رأسه فقال لي أي بعد ساعة أو فكان يقول لي أما شبعت أما شبعت أي مكررا فجعلت أقول لا أي لا لا لا لعدم الشبع حرصا على النظر إليها بل كان قصدي من قولي لا لأنظر منزلتي أي نهاية مرتبتي وغاية محبتي عنده إذ طلع عمر أي ظهر فأرفض الناس عنها بتشديد الضاد المعجمة أي تفرق النظارة التي كانوا حول الحبشية الراقصة عنها لمهابة عمر والخوف من إنكاره عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس وفي رواية إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر قالت أي عائشة فرجعت أي من عند النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيتي وفيه دليل على عظمة خلقه عليه الصلاة والسلام وغلبة صفة الجمال كما يدل على غلبة نعت الجلال على عمر رضي الله عنه رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب وأخرجه ابن السمان في الموافقة عن عائشة قالت دخلت امرأة من الأنصار إلي فقالت إني أعطيت الله عهدا إذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم لأنقرن على رأسه بالدف قالت عائشة فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال قولي لها فلتف بماحلفت فقامت بالدف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم فنقرت نقرتين أو ثلاثا فاستفتح عمر فسقط الدف من يدها


وأسرعت إلى خدر عائشة فقالت لها عائشة ما لك قالت سمعت عمر فهبته فقال صلى الله عليه وسلم إن الشيطان ليفر من حسن عمر

الفصل الثالث
عن أنس وابن عمر أن عمر رضي الله عنه قال وافقت ربي قال الطيبي ما أحسن هذه العبارة وما ألطفها حيث راعى فيها الأدب الحسن ولم يقل وافقني ربي مع أن الآيات إنما نزلت موافقة لرأيه واجتهاده أقول ولعله رضي الله عنه أشار بقوله هذا أن فعله حادث لاحق وقضاء ربه قديم سابق في ثلاث لكن في الرياض عن أنس قال قال عمر وافقت ربي في ثلاث الحديث أخرجه الشيخان وأبو حاتم قال الحافظ العسقلاني ليس في تخصيص الثلاث ما ينفي الزيادة لأنه حصلت له الموافقة في أشياء من مشهورها قصة أساري بدر وقصة الصلاة على المنافقين وهما في الصحيح وأكثر ما وقفنا منها بالتعيين خمسة عشر قال صاحب الرياض منها تسع لفظيات وأربع معنويات واثنتان في التورية فإن أردت تفصيلها فراجعها قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى أي لكان حسنا أو لو للتمني والمراد أن يجعل مصلى لصلاة الطواف بأن يكون فيما حوله أفضل فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى بكسر الخاء على أن الأمر للاستحباب وقيل للإيجاب


وفي نسخة بفتح الخاء وهي قراءة المدني والشامي من السبعة قال القاضي أي واتخذ الناس مقامه الموسوم به يعني الكعبة قبلة يصلون إليها اه والأظهر أنه خبر معناه الأمر وهو أبلغ في الحكم المقرر فكأنه أمر به وامتثل فأخبر والمراد بمقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدمه والموضع الذي كان فيه حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج أو رفع بناء البيت ولا منع من الجمع وهو موضعه اليوم روي أنه عليه السلام أخذ بيد عمر رضي الله عنه فقال هذا مقام إبراهيم عليه السلام فقال عمر أفلا نتخذه مصلى فقال لم أؤمر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت والمراد به الأمر بركعتي الطواف لما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى البقرة قال البيضاوي وللشافعي في وجوب الركعتين قولان اه وهما واجبتان عقب كل طواف عندنا وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر بفتح الموحدة أي البار وهو الصالح والفاجر أي الفاسق فلو أمرتهن أن يحتجبن أي عن الأجانب مطلقا فنزلت آية الحجاب وهي قوله تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب الأحزاب وقد أخرج الطبراني عن عائشة رضي الله عنها قالت كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم حيسا في قعب فمر عمر فدعاه فأكل فأصابت أصبعه أصبعي فقال حسن أواه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين فنزلت آية الحجاب وقوله حسن بكسر السين والتشديد كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما أحرقه كالجمرة والضربة ونحوهما واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل والحلواء وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة فقلت أما والله لنحتالن له


الحديث فنزل يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك التحريم فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله بالتشديد والتخفيف أي يعطيه بدلا عنكن أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك وفي رواية لابن عمر قال قال عمر وافقت ربي في ثلاث في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أساري بدر بدل تفصيل بإعادة الجار متفق عليه لكن الرواية الثانية
منسوبة إلى مسلم على ما في الرياض وأخرج الواحدي في أسباب النزول وأبو الفرج عن أنس ابن مالك قال قال عمر وافقت ربي في أربع قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقلت يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجابا فإنه يدخل عليك البر والفاجر فأنزل الله تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب الأحزاب وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لتنتهين أو المؤمنون إلى قوله ثم أنشأناه خلقا آخر المؤمنون قلت فتبارك الله أحسن الخالقين فنزل وفي رواية فقال صلى الله عليه وسلم تزيد في القرآن يا عمر فنزل جبريل بها وقال إنها تمام الآية أخرجها السجاوندي في تفسيره وقد روي مثل ذلك عن عبد الله بن أبي سرح كاتب رسول صلى الله عليه وسلم فلما أملي كذلك قال إن كان محمد يوحي إليه فأنا كذلك فارتد وقد روي أنه راجع الإسلام واستعمله عمر وعن ابن مسعود أي موقوفا قال فضل الناس بضم فاء وتشديد ضاد معجمة ونصب الناس على أنه مفعول ثان مقدم على نائب الفاعل وهو قوله عمر بن الخطاب رضي الله عنه أي فضله الله عليهم لاختصاصه بأربع أي من الخصال بذكر الأسارى أي بذكره إياهم أو بذكرهم عنده يوم بدر أمر بقتلهم استئناف أو حال فأنزل الله تعالى لولا كتاب أي مكتوب أو حكم من الله سبق أي إتيانه في اللوح المحفوظ أو في العلم بأنه لا يعاقب المخطىء في اجتهاده أو أن أهل بدر مغفور لهم لمسكم أي لأصابكم فيما أخذتم أي من الفداء عوضا عن الأعداء عذاب عظيم أي في الدنيا قبل الأخرى وكان أخذهم الفدية يوم بدر


من الكفار خطأ في الاجتهاد مبنيا على أن أخذ المال منهم أنسب ليتقوى المؤمنون به ولعلهم يؤمنون به بعد ذلك وذهب إليه أبو بكر ومن تبعه من أرباب الجمال أو بل ينبغي قتلهم فإنهم أئمة الكفر ورؤساؤه وهو قول عمر ومن وافقه من أصحاب الجلال ولما كان صلى الله عليه وسلم من كماله مائلا إلى الجمال اختار قول الصديق في الحال وكان مطابقا لما في أزل الآزال من حسن المآل وتفصيله على ما في الرياض عن ابن عباس عن عمر قال لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو بكر يا رسول الله بنو العم وبنو العشيرة والإخوان غير أنا نأخذ منهم الفداء فيكون لنا قوة على


المشركين وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام ويكونوا لنا عضدا قال فما ترى يا ابن الخطاب قلت يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدهم فنقربهم ونضرب أعناقهم قال فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان قلت يا نبي الله من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما فقال لقد عرض علي عذابكم أدنى من الشجر والشجرة قريبة حينئذ فأنزل الله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة الأنفال أخرجه مسلم وعند البخاري معناه وفي رواية لأحمد فانزل الله لولا كتاب من الله سبق لمسكم الأنفال الآية وفي طريق أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي عمر فقال لقد كان يصيبنا بلاء أخرجه الواحدي مسندا في أسباب النزول وفي بعضها لقد كاد يصيبنا بخلافك شر يا ابن الخطاب وفي رواية لو نزل من السماء نار لما نجا منها إلا عمر وفي هذه الأحاديث دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يحكم باجتهاده وبذكره الحجاب والضمير لعمر أمر نساء النبي أن يحتجبن فقالت له زينب أي بنت جحش وهي بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم وإحدى أمهات المؤمنين وإنك علينا أي تحكم أو تغار يا ابن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا جملة حالية فأنزل الله تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن بالهمز ونقله أي اطلبوهن حال كونهن من وراء حجاب أي ستارة وبدعوة النبي أي وبإجابة دعائه صلى الله عليه وسلم في حقه بقوله اللهم أيد الإسلام أي أعزه بعمر وبرأيه في أبي بكر رضي الله عنه أي وباجتهاده في شأن أبي بكر حال خلافته كان أول ناس وفي نسخة صحيحة أول الناس بايعه أي أبا بكر ثم غيره تابعه رواه أحمد وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك الرجل أرفع أمتي درجة في


الجنة قال أبو سعيد والله ما كنا نرى بضم النون وفتح الراء أي ما كنا نظن ذلك الرجل إلا عمر
ابن الخطاب حتى مضى لسبيله أي مات عمر وفيه دفع توهم أنه وقع له تغير في آخر عمره رواه ابن ماجه قال الطيبي فإن قلت فيلزم من هذا أنه أفضل من أبي بكر قلت قوله صلى الله عليه وسلم ذاك الرجل إشارة إلى مبهم والقصد فيه أن يجتهد ويتحرى كل واحد من أمته أن ينال تلك الدرجة وإنما ينال بتوخي العمل وتحري الأصوب من الأخلاق الفاضلة والاجتهاد في الدين والمواظبة على المبرات ولم تشاهد هذه الخلال في أحدكما شوهد منه رضي الله عنه من أول حاله إلى منتهاه وبهذا القياس ظنوا أن المشار إليه هو لا غيره ونحوه إخفاء ليلة القدر في الليالي فلا يلزم من هذا أن يكون هو أفضل من أبي بكر وأيضا يجوز أن يحمل على الخصوص ويؤيد التقرير الأول الحديث الذي يتلوه اه وحاصل كلامه أن كون المراد بذلك الرجل عمر مظنون فيه عند بعضهم فلا يدل على أنه أفضل من أبي بكر عند الجمهور كما تقرر عليه الانعقاد وحصل به الاعتماد مع أنه قد يقال المراد به أنه أفضل أهل زمانه حال خلافته فيرتفع الإشكال من أصله لكن فيه أن المشار إليه بذلك ليس مبهما بل هو مبين في الجملة كما هو مصرح في سياق حديث ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن أبي أمامة الباهلي قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكا أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرنا منه وكان من قوله أنه قال إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله آدم أعظم من فتنة الدجال وذكر الحديث إلى أن قال وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها فينشرها بالمنشار حتى يلقي شقتين ثم يقول انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن ثم لم يزعم أن له ربا غيري فيبعثه الله فيقول لهالخبيث من ربك فيقول ربي الله وأنت عدو الله أنت الدجال والله ما كنت أشد بصيرة بك من اليوم قال أبوالحسن الطنافسي فحدثنا المحاربي حديثا عن عبد الله بن الوليد


الوصافي عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة قال أبو سعيد والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله انتهى سياق ابن ماجه فانظر وتأمل سياق المصنف الحديث واختصاره حتى لم يفهم المقصود من الحديث ذكره ميرك فعلى هذا قوله والله ما كنا الخ معناه أنا كنا نظن أن ذلك الرجل الذي يقتل على يد الدجال هو عمر حتى مات فتبين أنه غيره لكن يشكل أفضلية ذلك الرجل ويدفع بأن معناه في زمانه وقد تقدم عن الجزري في باب العلامات بين يدي الساعة أن ذلك الرجل المقتول على يد الدجال هو الخضر عليه السلام فلا إشكال بناء على أنه نبي كما هو أصح الأقوال والله أعلم بالحال


وعن أسلم هو مولى عمر بن الخطاب كنيته أبو خالد كان حبشيا وقيل من سبي اليمن اشتراه عمر بمكة سنة إحدى عشرة سمع عمر وغيره بعثه أبو بكر ليقيم الحج بالناس روى عنه زيد بن أسلم وغيره مات في ولاية مروان وله مائة وأربع عشرة سنة قال سألني ابن عمر بعض شأنه وفي بعض النسخ عن بعض شأنه يعني أي يريد بالمضمر عمر ولعل المراد بعض شأنه المخفي عن الناس من عادته الكائنة بينه وبين الله على طريق الإخلاص فأخبرته فقال ما رأيت أحدا قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الطيب رحمه الله يحتمل وجهين أي بعد وفاة رسول الله أو بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الخلال وتعقبه بقوله من حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على الأول لأن المراد بيان ابتداء استمراره على تلك الحالات وثباته عليها حتى مضى لسبيله أي مات وضبط حين بالفتح وفي نسخة بالجر كان أي ذلك الحد أجد أي أجهد في الدين وأجود أي أحسن في طلب اليقين حتى انتهى أي إلى آخر عمره من عمر تنازع فيه أجد وأجود ذكره الطيبي وقال السيوطي أي في زمن خلافته ليخرج أبو بكر رواه البخاري وعن المسور بكسر فسكون ففتح ابن مخرمة بفتح فسكون خاء معجمة ففتح راء هو ابن أخت عبد الرحمن بن عوف ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين وقدم به إلى المدينة في ذي الحجة سنة ثمان وقبض النبي صلى الله عليه وسلم وله ثمان سنين وسمع منه وحفظ عنه وكان فقيها من أهل الفضل والدين وتقدمت بقية ترجمته قال لما طعن عمر بصيغة المجهول أي طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة بالمدينة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين جعل أي طفق عمر يألم أي يظهر أثر ألمه بالأنين ونحوه فقال له ابن عباس وكأنه أي ابن عباس يجزعه بتشديد الزاي أي ينسبه إلى الجزع ويلومه عليه ويقول له ما يسليه بما يزيل عنه الجزع نحو قوله تعالى فزع عن قلوبهم سبأ أي أزيل عنهم الفزع والجملة معترضة بين القائل ومقوله يا أمير المؤمنين


ولا كل ذلك بالرفع وفي نسخة بالنصب والمعنى لا تبالغ فيما أنت فيه من الجزع قال ميرك وفي نسخة ولئن كان ذلك كذا وقع عند أكثر رواة البخاري والذي في الأصل رواية الكشميهني ولبعضهم ولا كان ذلك وكأنه دعاء أي لا يكون ما تخافه أو لا يكون الموت بتلك الطعنة لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأحسنت صحبته ثم فارقك وهو عنك راض أي لقوله لو كان بعدي نبي لكان عمر ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته ثم فارقك وهو عنك راض أي حيث جعلك أمير المؤمنين ثم صحبت المسلمين أي أيام خلافتك فأحسنت صحبتهم أي بإظهار العدالة وإتقان السياسة ولئن فارقتهم أي في هذه القضية لتفارقنهم وفي نسخة لفارقتهم وهم عنك راضون أي وهذا كله يدل على أن الله عنك راض وأنت راض عنه فأنت مبشر بقوله تعالى يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية الفجر والموت تحفة المؤمن حيث يكون سببا للقاء المولى في المقام الأعلى قال أي عمر أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه فإنما ذلك من بفتح ميم وتشديد نون أي منة عظيمة من الله من به علي أي تفضل علي به من غير كسب بل بجذبة منه فلا أنكر كرمه بل أشكره وأحمده وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذلك من الله من به علي أي حيث وفقني على تقديمه ومساعدته في تقويمه ولعل إعراضه عن رضا الناس للإشعار بأنه لا اعتبار لهم وإنما المدار على رضا الله كما قال تعالى والله ورسوله أحق أن يرضوه التوبة وللإيماء أن رضاهم أيضا من أثر رضا الله ورسوله ومن جملة ما من الله به عليه وهداه الله إليه وأما ما ترى من جزعي أي فزعي المتوهم أنه من أجل موتي فهو من أجلك ومن أجل أصحابك عطف بإعادة الجار أي من جهة أني أخاف عليكم وقوع الفتن بينكم لما كان كالباب يسد المحن ومع هذا كله أخاف أيضا على نفسي ولا آمن من عذاب ربي لأنه والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا بكسر أوله أي ما يملؤها ذهبا حتى يطلع ويسيل لافتديت به من عذاب


الله قبل أن أراه أي الله أو عذابه وإنما قال ذلك لغلبة الخوف الذي وقع له في ذلك الوقت من خشية التقصير فيما يجب من حقوق الله أو من الفتنة بمدحهم كذا في فتح الباري وقال الطيبي كأنه رضي الله عنه رجح جانب الخوف على الرجاء لما أشعر من فتن تقع بعده في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزع جزعا عليهم وترحما لهم ومن استغناء الله تعالى عن العالمين كما قال عيسى عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادك المائدة وكان جانب الخوف عليه غالبا فاستمر على ذلك هضما لنفسه وانكسارا ولذلك نسب ما حصل له من الفضيلة إلى منة الله تعالى وإفضاله وفي الاستيعاب أن عمر رضي الله عنه حين احتضر قال ورأسه في حجر ابنه عبد الله ظلوم لنفسي غير أني مسلم أصلي صلاتي كلها وأصوم قال


المؤلف ودفن يوم الأحد عاشر محرم سنة أربع وعشرين وله من العمر ثلاث وستون وهو أصح ما قيل في عمره وكانت خلافته عشر سنين ونصفا وصلى عليه صهيب وروى عنه أبو بكر وباقي العشرة وخلق كثير من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين رواه البخاري وفي الرياض من جملة كراماته ومكاشفاته ما روي عن عمرو بن الحارث قال بينما عمر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة ونادى يا سارية الجبل مرتين أو ثلاثا ثم أقبل على خطبته فقال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لمجنون ترك خطبته ونادى يا سارية الجبل فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان ينبسط عليه فقال يا أمير المؤمنين تجعل للناس عليك مقالا بينما أنت في خطبتك إذ ناديت يا سارية الجبل أي شيء هذا فقال والله ما ملكت ذلك حين رأيت سارية وأصحابه يقاتلون عند جبل يؤتون منه من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت يا سارية الجبل ليلحقوا بالجبل فلم يمض أيام حتى جاء رسول سارية بكتابه إن القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم من حين صلينا الصبح إلى أن حضرت الجمعة ودر حاجب الشمس فسمعنا صوت مناد ينادي الجبل مرتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله تعالى ويروى أن مصر لما فتحت أتى أهلها عمرو بن العاص وقالوا له إن هذا النيل يحتاج في كل سنة إلى جارية بكر من أحسن الجواري فنلقيها فيه وإلا فلا يجري وتخرب البلاد وتقحط فبعث عمرو إلى أمير المؤمنين عمر يخبره بالخبر فبعث إليه عمر الإسلام يجب ما قبله ثم بعث إليه بطاقة فيها بسم الله الرحمن الرحيم إلى نيل مصر من عبد الله عمر بن الخطاب أما بعد فإن كنت تجري بأمر الله فاجر على اسم الله وأمره أن يلقيها في النيل فجرى في تلك الليلة ستة عشر ذراعا فزاد على كل سنة ستة أذرع وفي رواية فلما ألقي كتابه جرى ولم يعد يقف خرجها الملأ في سيرته قلت الأول أخرجه البيهقي وأبو نعيم واللالكائي وابن الأعرابي والخطيب وابن مردويه عن نافع عن ابن


عمر بإسناد حسن والثاني أخرجه أبو الشيخ في العظمة بسنده إلى قيس بن الحجاج عن جدته ولما دخل أبو مسلم الخولاني المدينة من اليمن وكان الأسود بن قيس الذي ادعى النبوة في اليمن عرض عليه أن يشهد أنه رسول الله فأبى فقال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال فأمر تأجيج نار عظيمة وألقى فيها أبو مسلم فلم يضره فأمر بنفيه من بلاده فقدم المدينة فلما دخل من باب المسجد قال عمر هذا صاحبكم الذي زعم الأسود الكذاب أنه يحرقه فنجاه الله منها ولم يكن القوم ولا عمر سمعوا قضيته ولا رأوه ثم قام إليه واعتنقه وقال ألست عبد الله بن أيوب قال بلى فبكى عمر ثم قال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم شبيها بإبراهيم الخليل عليه السلام وروي أنه عس ليلة من الليالي فأتى على امرأة وهي تقول لابنتها قومي وامرثي اللبن فقالت لا تفعلين فإن أمير المؤمنين عمر نهى عن


ذلك قالت ومن أين يدري فقالت فإن لم يعلم هو فإن رب أمير المؤمنين يدري ذلك فلما أصبح عمر قال لابنه عاصم اذهب إلى مكان كذا وكذا فإن هناك صبية فإن لم تكن مشغولة فتزوج بها لعل الله أن يرزقك منها نسمة مباركة فتزوج عاصم تلك البنية فولدت له أم عاصم بنت عاصم بن عمر فتزوجها عبد العزيز بن مروان فولدت له عمر بن عبد العزيز خرجهما في الفضائل وروي عن عمر أنه أبصر أعرابيا نازلا من جبل فقال هذا رجل مصاب بولده قد نظم فيه سبعة أبيات لو أشاء لأسمعتكم ثم قال يا أعرابي من أين أقبلت فقال من أعلى هذا الجبل قال وما صنعت فيه قال أودعته وديعة لي قال وما وديعتك قال بني لي هلك فدفنته فيه قال فأسمعنا من مرثيتك فيه قال ما يدريك يا أمير المؤمنين فو الله ما تفوهت بذلك وإنما حدثت به نفسي ثم أنشد شعرا يا غائبا ما يؤب من سفر عاجلة عند موته على صغره يا قرة العين كنت لي آنسا في طول ليلي نعم وفي قصره ما تقع العين حيثما وقعت في الحي إلا على أثره شربت كأسا من أبوك شاربه لا بد منه له على كبره بشربها والآنام كلهم من كان في بدوه وفي حضره فالحمد لله لا شريك له في حكمه كان ذا وفي قدره قدر موتا على العباد فما يقدر خلق يزيد في عمره قال فبكى عمر حتى بل لحيته ثم قال صدقت يا أعرابي ومن كثرة اتباعه للسنة ما رواه أحمد عن عبد الله بن عباس قال كان للعباس ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان فلما وافى الميزاب صب ماء بدم الفرخين فأصاب عمر فأمر عمر بقلعه ثم رجع فطرح ثيابه ولبس ثيابا غير ثيابه ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس وقال والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر للعباس وأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل ذلك العباس أخرجه وهذه الاستقامة خير من ألف كرامة ومن ذلك أن نفقته في حجته كانت ستة عشر دينارا ومع ذلك يقول أسرفنا في هذا المال ولم يستظل إلا تحت كساء أو نطع ملقاة على شجرة


باب مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

الفصل الأول
عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما رجل يسوق بقرة أي يدفعها من ورائها إذ أعيا بفتح الهمزة وفي نسخة صحيحة إذ عيي بفتح العين وكسر الياء الأولى أي تعب الرجل من المشي فركبها فقالت إنا أي جنس البقر لم نخلق لهذا أي للركوب إنما خلقنا لحراثة الأرض بفتح الحاء أي إثارتها لزراعتها وفيه دلالة على أن ركوب البقر والحمل عليها غير مرضي كما ذكره ابن الملك فالحصر إضافي لتأكيد ما قبله وقال ابن حجر استدل به على أن الدواب لا تستعمل إلا فيما جرت العادة باستعمالها فيه و يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى تعظيم ما خلقت لأجله ولم يرد الحصر في ذلك لأنه غير مراد اتفاقا لأنها من جملة ما خلقت له أن تذبح وتؤكل بالاتفاق قلت لا شك أن الحديث يفيد نفي جواز ركوب البقر لا سيما وقد قرره صلى الله عليه وسلم لنا وليس الكلام في ذبحها وأكلها لأنهما معلومان من الدين بالضرورة فهما مستثنيان شرعا وعرفا فقال الناس أي الحاضرون سبحان الله أي تعجبا بقرة تكلم بضم الميم مضارع حذف منه إحدى التاءين أي البقرة تتكلم والحال أنها من الحيوانات الصامتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أومن به جزاء شرط محذوف أي فإن كان الناس يستغربونه ويتعجبون منه فإني لا أستغربه وأؤمن به أنا وأبو بكر وعمر قال شارح عطف على المستكن في أؤمن وأنا تأكيد له وقال الطيبي رحمه الله فإن قلت ما فائدة ذكر أنا وعطف ما بعده عليه وهذا عطف على المستقر في أومن مستغنيا عنه بالجار والمجرور قلت لو لم يذكر أنا لأ حتمل أن يكون وأبو بكر عطفا على محل إن واسمها والخبر محذوف فلا يدخل في معنى التأكيد وتكون هذه الجملة واردة على التبعية ولا كذلك في هذه الصورة يعني في زيادة أنا فإنه يفيد حينئذ الاشتراك وما هما ثم بفتح المثلثة وتشديد الميم أي وليس أبو بكر وعمر في المكان الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه الكلام


المذكور وفي رواية الترمذي
فإني أؤمن بذلك ثم أبو بكر وعمر وما هما في القوم يومئذ قال التوربشتي إنما أراد بذلك تخصيصهما بالتصديق الذي بلغ عين اليقين وكوشف صاحبه بالحقيقة التي ليس وراءها للتعجب مجال قال ابن الملك قوله به أي أصدق أنا بما أخبرني به الملك من تكلم البقرة وأبو بكر وعمر لقوة إيمانهما بما أخبرت قال ابن حجر هو محمول على أنه صلى الله عليه وسلم كان أخبرهما به فصدقاه أو أطلق ذلك لما اطلع عليه من أنهما يصدقان بذلك ولا يترددان فيه اه والأخير هو الصحيح لما يدل عليه مقام المدح وكما يشعر إليه قول الراوي وما هما ثم والإ فكل مؤمن يصدق النبي فيما أخبره به فلا بد من وجه يميزهما عن غيرهما كما يشير إليه مشاركتهما في الإيمان المنسوب إليه صلى الله عليه وسلم وقال أي النبي عليه السلام بينما رجل في غنم له أي في قطعة غنم كائن له ملكا أو اختصاصا برعيها إذ عدا الذئب أي حمل ذئب من الذئاب على شاة منها أي من قطعة الغنم فأخذها أي الذئب الشاة فأدركها صاحبها فاستنقذها أي استخلصها من الذئب فقال له الذئب فمن لها أي فمن يحفظ للشاة يوم السبع بفتح السين المهملة وسكون الموحدة وفي نسخة بضمها يوم لا راعي لها غيري قال شارح وري السبع بضم الباء وسكونها كعضد وعضد والمراد بيوم السبع حين يموت الناس ويبقى الوحوش أو يوم الإهمال من قولهم سبع الذئب الغنم إذا افترسها وأكلها فالمراد به من لها عند الفتن حين يتركها الناس لا راعي لها نهبة للذئاب والسباع فجعل السبع لها راعيا إذ هو منفرد بها ويكون حينئذ بضم الباء وقيل يسكن على لغة تميم وهذا إنذار بما يكون من الشدائد والفتن التي يهمل الناس فيها مواشيهم فيتمكن منها السباع بلا مانع وقيل يوم السبع بسكون الباء ويروى بضمها أيضا عيد كان لأهل الجاهلية يجتمعون فيه على اللهو ويهملون مواشيهم فيأكلها السبع وقيل السبع بسكون الباء الموضع الذي عنده المحشر يريد بيومه يوم القيامة وهو


ضعيف لا يناسب ما بعده من قوله يوم لا راعي لها غيري فقال الناس سبحان الله ذئب يتكلم فقال أؤمن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم متفق عليه وأخرجه أحمد وعن ابن عباس قال إني لواقف في قوم فدعوا الله أي القوم وفي رواية يدعون الله لعمر وقد وضع على سريره جملة حالية من عمر والمعنى أنه وضع عمر يوم
مات على سريره للغسل وحضره جمع من أصحابه إذ رجل من خلفي قد وضع مرفقه بكسر الميم وفتح الفاء ويجوز عكسه على منكبي بفتح ميم وكسر كاف يقول أي مخاطبا لعمر يرحمك الله وفي رواية رحمك الله إني لأرجو وفي نسخة إني كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك أي النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في القبر أو في الجنة ذكره السيوطي قال الطيبي واللام في قوله لأني تعليل لقوله أن يجعلك الله مع صاحبيك أي أرجو أن يجعلك معهما في عالم القدس لأني كثيرا ما كنت بزيادة ما لإفادة المبالغة في الكثرة عكس قوله تعالى وقليل ما هم ص قال الطيبي كذا في صحيح البخاري وما فيه إبهامية مؤكدة وليس في جامع الأصول لفظة ما فقوله كنت خبر إن وكثيرا ظرف وعامله كان قدم عليه ونحوه قلبلا ما تشكرون الأعراف المؤمنون السجدة الملك وفي أكثر نسخ المصابيح وقع هكذا لأني كثيرا مما كنت بزيادة من وليس له محمل صحيح إلا أن يتعسف ويقال إني أجد كثيرا مما كنت اسمع أقول ويمكن أن تكون ما موصولة بمعنى من والمعنى لأني في كثير من الأوقات ممن أسمع أقول ويمكن أن تكون ما موصولة بمعنى من والمعنى لأني في كثير من الأوقات ممن كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كنت أي في مكان كذا وأبو بكر وعمر وفعلت أي الشيء الفلاني من أمور العبادة أو من رسوم العادة وأبو بكر وعمر وانطلقت أي ذهبت أي إلى مكان كذا وأبو بكر وعمر ودخلت أي المسجد ونحوه وأبو بكر وعمر وخرجت أي من نحو البيت وأبو بكر وعمر قيل دل على جواز العطف على الضمير المرفوع المتصل بلا تأكيد وفصل وهو مما لا يجيزه النحويون في


النثر إلى على ضعف والصحيح جوازه نظما ونثرا كما قاله المالكي ونظيره قول عمر كنت وجار لي من الأنصار وكذا قوله تعالى ما أشركنا ولا آباؤنا الأنعام فإن كلمة لا بعد العاطف ومع ذلك هي زائدة اه وفي رواية زاد هنا فإني كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما قال ابن عباس فالتفت أي إلى ورائي فإذا أي ذلك الرجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفي نسخة عنهم متفق عليه وفي رواية لهما عنه وإنه وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب فترحم على عمر وقال ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذلك أني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جئت أنا وأبو بكر وعمر دخلت أنا وأبو بكر وعمر خرجت أنا وأبو بكر وعمر وإني كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما

الفصل الثاني


عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أهل الجنة ليتراءون بفتح الياء والهمز من الرؤية وأصله يتراءيون من باب التفاعل أي يرى بعضهم بعضا أهل عليين أي مقامهم ومنزلتهم في غاية من العلو والارتفاع كما ترون أي تبصرون الكوكب الدري بضم الدال ويكسر وتشديد التحتية ويهمز أيضا أي المضيء كالدر أو الدافع بنوره ظلمة ما حوله في أفق السماء بضمتين ويسكن الثاني على ما في القاموس أي ناحيتها وجمعه آفاق وإن أبا بكر وعمر منهم أي من أهل عليين وأنعما أي زادا في الدرجة والرتبة وتجاوزا عن كونهما أهل عليين في المنزلة وقيل المعنى دخلا في النعيم كما يقال اشمل إذا دخل في الشمال وهو عطف على المقدر في منهم أي استقرا منهم وأنعما رواه أي البغوي في شرح السنة أي بإسناده وروي نحوه أبو داود والترمذي وابن ماجه قال التوربشتي وفي أكثر نسخ المصابيح لمنهم واللام زائدة على الرواية فإنه نقل هذا الحديث عن كتاب الترمذي وفيه منهم وأنعما من غير لام قال الطيبي وكذا في سنن أبي داود وابن ماجه وجامع الأصول بغير لام وقال السيوطي في الجامع الصغير إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم رواه احمد والشيخان عن أبي سعيد والترمذي عن أبي هريرة وزاد في الجامع الكبير قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين رواه ابن حبان والدارمي عن أبي سعيد ورواه ابن حبان عن سهل بن سعد وفي رواية لأحمد والشيخين عن سهل بن سعد أن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء وفي رواية لأحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان عن أبي سعيد والطبراني عن جابر بن سمرة وابن عساكر عن ابن عمر وعن أبي هريرة أن أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كما ترون الكوكب الطالع في أفق


السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما وفي رواية لابن عساكر عن أبي سعيد أن أهل عليين ليشرف أحدهم على الجنة فيضيء وجهه لأهل الجنة كما يضيء القمر ليلة البدر لأهل الدنيا وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة الكهول بضمتين جمع الكهل وهو على ما في القاموس من جاوز الثلاثين أو أربعا وثلاثين إلى إحدى وخمسين فاعتبر ما كانوا عليه في الدنيا حال هذا الحديث وإلا لم يكن في الجنة كهل كقوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم النساء وقال شارح يعني الكهول عند الدخول وهو معلول مدخول وقيل سيدا من مات كهلا من المسلمين فدخل الجنة لأنه ليس فيها كهل بل من يدخلها ابن ثلاث وثلاثين وإذا كانا سيدا الكهول فأولى أن يكونا سيدي شباب أهلها اه وفيه بحثان لا يخفيان من الأولين أي من أولياء الأمم المتقدمين فيكونان أفضل من أصحاب الكهف ومؤمن آل فرعون ومن الخضر أيضا على القول بأنه ولي والآخرين أي من أولياء هذه الأمة وعلمائهم وشهدائهم إلا النبيين والمرسلين فخرج عيسى عليه السلام وكذا الخضر على القول بنبوته رواه الترمذي أي عن أنس ورواه ابن ماجه عن علي رضي الله عنه وفي الجامع الصغير رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي وابن ماجه عن أبي جحيفة وأبو يعلى والضياء في المختارة عن أنس والطبراني في الأوسط عن جابر وعن أبي سعيد وفي الرياض عن علي قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين يا علي لا تخبرهما أخرجه الترمذي وقال هذا حديث غريب وأخرجه عن أنس وقال حسن غريب وأخرجه أحمد وقال سيدا كهول أهل الجنة وشبابها بعد النبيين والمرسلين وأخرجه المخلص الذهبي ولم يقل شبابها وزاد قال علي فما أخبرت به حتى ماتا ولو كانا حيين ما حدثت به وقوله ولا تخبرهما يا علي


ربما سبق إلى الوهم أنه عليه السلام خشي عليهما العجب والأمن وذلك وإن كان من طبع
البشرية إلا أن منزلتهما عنده صلى الله عليه وسلم أعلى من ذلك وإنما معناه والله لا تخبرهما يا علي قبلي لأبشرهما بنفسي فيبلغهما السرور مني وإنما قال سيدا كهول أهل الجنة مع أن أهل الجنة شباب إشارة إلى كمال الحال فإن الكهل أكمل الإنسانية عقلا من الشباب ومدارج الجنة على قدر العقول كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي يا علي إذاتقرب الناس بأنواع البر فتقرب أنت بأنواع العقل أخرجه الخجندي وعن العشبي قال أخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبي بكر وعمر فأقبل أحدهما أخذا بيد صاحبه فقال صلى الله عليه وسلم من سره أن ينظر إلى سيدي كهول أهل الجنة فلينظر إلى هذين المقبلين رواه الغيلاني وعن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لا أدري ما بقائي فيكم وفي رواية إلا قليلا قال الطيبي ما استفهامية أي لا أدري كم مدة بقائي فيكم أقليل أم كثير وفيه تعليق فاقتدوا باللذين باللامين للإشعار بأنه تثنية الذي من بعدي أبي بكر وعمر بدل من اللذين وفي رواية وأشار إلى أبي بكر وعمر رواه الترمذي وفي الجامع اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن حذيفة وزاد الحافظ أبو نصر القصار فإنهما حبل الله الممدود فمن تمسك بهما تمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها وعن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد لم يرفع أحد أي من الصحابة رأسه أي رأس نفسه لهيبة مجلسه ورعاية الأدب حال انبساطه وأنسه وأبعد شارح حيث قال أي رأس النبي صلى الله عليه وسلم لاشتغاله بذكر الله تعالى غير أبي بكر وعمر بالرفع على البدلية من أحد وفي نسخة بالنصب على الاستثناء كانا يتبسمان إليه ويتبسم إليهما استئناف بيان والتبسم مجاز عن كمال الانبساط فيما بينهم رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وفي الرياض عن أنس أن رسول الله صلى الله


عليه وسلم كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبا بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما أخرجه أحمد والترمذي وقال غريب والمخلص الذهبي والحافظ الدمشقي وعن أبي هريرة قال كنا نجلس عند النبي صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسنا الطير ما يتكلم أحد منا إلا أبو بكر وعمر
وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم أي من الحجرة الشريفة ودخل المسجد وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله الظاهر أنه نوع لف ونشر مرتب فوض إلى رأي السامع لظهوره عنده وهو آخذ بصيغة اسم الفاعل بأيديهما أي بيديهما فقال هكذا أي بالوصف المذكور من الاجتماع المسطور نبعث أي نخرج من القبور إلى موضع النشور يوم القيامة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن عبد الله بن حنطب بفتح الحاء والطاء المهملتين بينهما نون ساكنة ومنهم من يروي بالظاء المعجمة ومنهم من يضمهما ذكره ابن الملك وهو تابعي ولم يذكره المؤلف في أسمائه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبا بكر وعمر فقال هذان السمع والبصر أي نفسهما مبالغة كرجل عدل أوهما في المسلمين أو في الدين كالسمع والبصر في الأعضاء فحذف هذا ما ذهب إليه بعضهم من أن المراد بالأسماع والأبصار في قوله صلى الله عليه وسلم اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا أبو بكر وعمر قال القاضي ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم سماهما بذلك لشدة حرصهما على استماع الحق واتباعه وتهالكهما على النظر في الآيات المنبثة في الأنفس والآفاق والتأمل فيها والاعتبار بها اه وفيه دليل على فضل السمع على البصر كما يؤيده الآيات القرآنية من قوله تعالى وجعل لكم السمع والأبصار النحل ونحوه في مواضع كثيرة بتقديم السمع على البصر ولعل وجهه أن حصول العلم بدون البصر يتصور بخلاف فقد السمع مع أنه يستلزم الصمم البكم والله أعلم رواه الترمذي مرسلا


قال شارح وهذا الحديث مرسل لأن عبد الله الراوي هذا لم ير النبي صلى الله عليه وسلم زاد ميرك وقد يقال له صحبة قلت وقد يقال له رؤية لكن ليس له رواية لكن قال السيوطي في الجامع الصغير أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس رواه أبو يعلى في مسنده عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه عن جده مرفوعا قال ابن عبد البر وماله غيره ورواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس مرفوعا والخطيب عن جابر مرفوعا وروى الملأ في سيرته عن ابن مسعود وأبي ذر قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر في أمتي مثل الشمس والقمر في النجوم


وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض الوزير المؤازر لأنه يحمل الوزر أي الثقل عن أميره والمعنى أنه إذا أصابه أمر شاورهما كما أن الملك إذا حزبه أمر مشكل شاور وزيره ومنه قوله تعالى واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي أشدد به أزري طه أي عضدي ليحصل به نصري وأشركه في أمري طه أي في تدبير أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا طه فإن الهيئة الاجتماعية لها بركة كثيرة في العبادات الإلهية فأما وزير أي من أهل السماء فجبريل وميكائيل فيه دلالة ظاهرة على فضله صلوات الله وسلامه عليه على جبريل وميكائيل عليهما السلام كما أن فيه إيماء إلى تفضيل جبريل على ميكائيل وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر فيه دلالة ظاهرة على فضلهما على غيرهما من الصحابة وهم أفضل الأمة وعلى أن أبا بكر أفضل من عمر لأن الواو وإن كان لمطلق الجمع ولكن ترتبه في لفظ الحكيم لا بد له من أثر عظيم رواه الترمذي وقال حسن غريب ورواه الحاكم عن أبي سعيد والحكيم عن أبي هريرة بلفظ إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض فوزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر وروى ابن عساكر عن أبي ذر ولفظه أن لكل نبي وزيرين ووزيراي وصاحباي أبو بكر وعمر وأخرج الحافظ أبو الحسن علي بن نعيم البصري عن أنس بن مالك قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره قال فمد يده المباركة بين كتفي أبي بكر ومد يساره بين كتفي عمر ثم قال لهما أنتما وزيراي في الدنيا وأنتما وزيراي في الآخرة هكذا تنشق الأرض عني وعنكما وهكذا أزور وأنتما رب العالمين وعن الحسن البصري قال مكتوب على ساق العرش أو في ساق العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله وزيراه أبو بكر الصديق وعمر الفاروق أخرجه صاحب الديباج وعن عبد العزيز بن عبد المطلب عن أبيه قال قال


رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل أيدني من أهل السماء بجبريل وميكائيل ومن أهل الأرض بأبي بكر وعمر أخرجه السمرقندي
وعن أبي بكرة أي الثقفي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت كأن بتشديد النون ميزانا نزل من السماء فوزنت بصيغة المجهول المخاطب أنت ضمير فصل وتأكيد لتصحيح العطف وأبو بكر فرجحت بفتح الجيم وسكون الحاء أي ثقلت وغلبت أنت للتأكيد المجرد ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ثم رفع الميزان وفيه إيماء إلى وجه ما اختلف في تفضيل علي وعثمان فاستاء بهمز وصل وسكون سين فتاء فألف فهمز أي فحزن لها أي للرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني هذا قول الراوي فساءه أي فأحزن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أي ما ذكره الرجل من رؤياه وذلك لما علم صلى الله عليه وسلم من أن تأويل رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور وظهور الفتن بعد خلافة عمر ومعنى رجحان كل من الآخر في الميزان أن الراجح أفضل من المرجوح وإنما لم يوزن عثمان وعلي لأن خلافة علي على اختلاف الصحابة فرقة معه وفرقة مع معاوية فلا تكون خلافة مستقرة متفقا عليها ذكره ابن الملك وفي النهاية استاء بوزن افتعل من السوء وهو مطاوع ساء يقال استاء فلان بكذا أي ساءه ذلك ويروى فاستاء لها أي طلب تأويلها بالنظر والتأمل قال التوربشتي إنما ساءه والله أعلم من الرؤيا التي ذكرها ما عرفه من تأويل رفع الميزان فإن فيه احتمالا لانحطاط رتبة الأمر في زمان القائم به بعد عمر رضي الله عنه عما كان عليه من النفاذ والاستعلاء والتمكن بالتأييد ويحتمل أن يكون المراد من الوزن موازنة أيامهم لما كان نظر فيها من رونق الإسلام وبهجته ثم إن الموازنة إنما تراعي في الأشياء المتقاربة مع مناسبة ما فيظهر الرجحان فإذا تباعدت كل التباعد لم يوجد للموازنة معنى فلهذا رفع الميزان فقال أي النبي صلى الله عليه وسلم خلافة نبوة بالإضافة ورفع خلافة على الخبر أي


الذي رأيته خلافة نبوة وقيل التقدير هذه خلافة ثم يؤتي الله الملك من يشاء وقيل أي انقضت خلافة النبوة يعني هذه الرؤيا دالة على أن الخلافة بالحق تنقضي وتنتهي حقيقتها بانقضاء خلافة عمر رضي الله عنه وقال الطيبي رحمه الله دل إضافة الخلافة إلى النبوة على أن لا ثبوت فيها من طلب الملك والمنازعة فيه لأحد وكانت خلافة الشيخين على هذا وكون المرجوحية انتهت إلى عثمان رضي الله عنه دل على حصول المنازعة فيها وأن الخلافة في زمن عثمان وعلي مشوبة بالملك فأما بعدهما فكانت ملكا عضوضا رواه الترمذي وأبو داود وأخرجه أحمد في مسنده عن ابن عمر قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غدوة بعد طلوع الشمس فقال رأيت قبل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين فأما المقاليد فهي المفاتيح وأما


الموازين فهذه التي يوزن بها ووضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجحت ثم جيء بأبي بكر فوزن بهم فرجح ثم جيء بعثمان فوزن بهم فرجح ثم جيء بعثمان فوزن بهم فرجح ثم يجيء بعثمان فوزن بهم فرجح ثم رفعت قلت ولعل في راجحية كل أحد منهم بجميع الأمة إيماء إلى اتفاق جميع الأمة على خلافته وكأنه قعد بهم وناء بحملهم وفي رفع الميزان إشارة إلى الاختلاف الواقع بعد ذلك ولا تنافي بين هذا الحديث وبين حديث أخرجه أحمد أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال رأيت الليلة في المنام كأن ثلاثة من أصحابي وزنوا فوزن أبو بكر فوزن ثم وزن عمر فوزن ثم وزن عثمان فنقص صاحبنا وهو صالح اه بل نحملهما على معنيين مختلفين جمعا بين الحديثين بقدر الإمكان فإن ذلك أولى من إلغاء أحدهما فيحمل قوله السابق فرجح أبو بكر على ما تقدم من الاتفاق على خلافته ويحمل قوله فوزن على موافقة رأيهم وأن رأيه وازن آراءهم فجاء موزونا معتدلا معها لم يخالفوه في رأي رآه ومن أحاديث الباب ما أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح عن ابن عمر قال قال ر سول الله صلى الله عليه وسلم أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين ومما يناسبه ما روي عن مالك بن أنس وقد سأله الرشيد كيف كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته قال كقرب قبريهما من قبره بعد وفاته قال شفيتني يا مالك أخرجه البصري والحافظ السلفي ونحوه أخرجه ابن السمعاني في الموافقة عن علي بن الحسين ومما يناسبه أيضا ما أخرجه القلعي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من يهودي شيئا إلى الحول فقال أرأيت إن جئت ولم أجدك فإلي من أذهب قال إلى أبي بكر قال فإن لم أجده قال إلى عمر قال إن لم أجده قال إن استطعت أن تموت إذا مات عمر فمت ومن أحاديث الباب ما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه ابن ماجه والحاكم وصححه عن حذيفة مرفوعا اقتدوا


باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء والحاكم من حديث ابن مسعود

الفصل الثالث
عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يطلع بتشديد الطاء أي يشرف أو يظهر أو يدخل عليكم رجل من أهل الجنة فاطلع أبو بكر ثم قال يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فاطلع عمر رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب
وعن عائشة رضي الله عنها قالت بينا رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجري بفتح الحاء وكسرها في ليلة ضاحية أي مقمرة إذ قلت يا رسول الله هل يكون لأحد من الحسنات عدد نجوم السماء قال نعم عمر قلت فأين حسنات أبي بكر قال إنما جميع حسنات عمر كحسنة واحدة من حسنات أبي بكر ولعله لسبقه إلى الإسلام الله تعالى أعلم بالمرام رواه رزين وإن اتفق خلاف ذلك في باديء النظر رجعوا إليه في ثانيه مستصوبين رأيه معترفين بأن الحق كان معه كما في قتال أهل الردة ونحو ذلك وهذا المعنى فقد في عثمان فإنهم خالفوا رأيه في كثير من وقائعه ولم يرجعوا إليه بل أصروا إلى إنكارهم عليه حتى قتل وكان مع ذلك على الحق على ما شهدت به الأحاديث وكان رجلا صالحا على ما دل عليه هذا الحديث فالنقص إنما كان عما نبت للشيخين قبله كذا حققه الطبري في الرياض النضرة في فضائل العشرة


باب مناقب عثمان رضي الله عنه

الفصل الأول
عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه أو ساقيه قال النووي رحمه الله احتج به المالكية وغيرهم ممن يقول ليست الفخذ عورة ولا حجة فيه لأنه شك الراوي في المكشوف هل هما الساقان أم الفخذان فلا يلزم منه الجزم بجواز
كشف الفخذ قلت ويجوز أن يكون المراد بكشف الفخذ كشفه عما عليه من القميص لا من المئزر كما سيأتي ما يشعر إليه من كلام عائشة وهو الظاهر من أحواله صلى الله عليه وسلم مع آله وصحبه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعد ما كان مضطجعا وسوى ثيابه أي بعد عدم تسويته وفيه إيماء إلى أنه لم يكن كاشفا عن نفس أحد العضوين بل عن الثياب الموضوعة عليهما ولذا لم تقل وستر فخذه فارتفع به الإشكال واندفع به الاستدلال والله تعالى أعلم بالأحوال فلما خرج أي عثمان ومن معه أو تقديره فلما خرج القوم قالت عائشة دخل أبو بكر فلم تهتش له بتشديد الشين أي لم تتحرك لأجله وفي شرح مسلم الهشاشة البشاشة وطلاقة الوجه وحسن الالتقاء ولم تباله أي أبا بكر وفي نسخة بهاء السكت ففي القاموس ما أباليه مبالاة أي ما أكترث والمعنى ثبت على اضطجاعك وعدم جمع ثيابك ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة باليائين في الفعلين وهي اللغة الفصحى قال النووي فيه فضيلة ظاهرة لعثمان رضي الله عنه وأن الحياء صفة جميلة من صفات الملائكة قال المظهر وفيه دليل على توقير عثمان رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لا يدل على حط منصب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عنده صلى الله عليه وسلم وقلة الالتفات إليهما لأن قاعدة المحبة إذا كملت واشتدت ارتفع التكلف كما قيل إذا حصلت الألفة بطلت الكلفة


قلت فانقلب الحديث دلالة على فضلهما إلا أنه لما كان الظاهر المتبادر منه تعظيمه وتوقيره ذكر في باب مناقبه وأغرب ابن الملك حيث جزم أن المراد بالاستحياء التوقير وسيأتي في الرواية الآتية ما يدل على أن المراد به حقيقة الاستحياء وذلك لأن مقتضى حسن المعاملة والمجاملة في المعاشرة هو المشاكلة والمقابلة بالنسبة إلى كل أحد من غلبة الصفة والحالة التي تكون فيه ألا ترى أن من يراعي صاحبه بكثرة التواضع يقتضي له زيادة التواضع معه وكذا إذا كان كثير الانبساط يوجب الانبساط وإذا كان كثير الأدب يحمل صاحبه على تكلف الأدب معه وعلى هذا القياس سائر الأحوال من السكوت والكلام والضحك والقيام وأمثال ذلك هذا وقد قال الحافظ السخاوي في فتاويه سئلت عن الموطن الذي استحت فيه الملائكة من سيدنا عثمان رضي الله عنه


فأجبت لم أقف عليه في حديث يعتمد ولكن أفاد شيخنا البدر النسابة في بعض مجاميعه عن الجمال الكازروني أنه لما آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة في غيبة أنس بن مالك وتقدم عثمان لذلك كان صدره مكشوفا فتأخرت الملائكة حياء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتغطية صدره فعادوا إلى مكانهم فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب تأخرهم فقالوا حياء من عثمان اه فهذا يدل على أن الحياء يوجب الحياء وأن حياء الملائكة صار سببا لحياء عثمان وكأنه استمر عليه وبالغ فيه حتى صار سببا لاستحياء غيره منه والله أعلم وعن الحسن وذكر عثمان وشدة حيائه فقال إن كان ليكون في البيت والباب عليه مغلق ثم يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء يمنعه الحياء أن يقيم صلبه كما أخرجه أحمد وصاحب الصفوة وفي رواية قال قال ميرك ظاهر إيراد المصنف يقتضي أن الرواية الثانية مع التي قبلها في حديث واحد وإنما هما حديثان فالمتقدم من حديث عائشة والرواية الثانية من حديث سعيد بن العاص أن عثمان وعائشة حدثاه أن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لا بس مرط عائشة فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحالة فقضى إليه حاجته ثم انصرف قال عثمان ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة اجمعي على ثيابك يعني المرط قال فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت فقالت عائشة يا رسول الله مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان فقال إن عثمان رجل حيي فعيل بمعنى كثير الحياء وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إلي في حاجته أي أن أذنت له في تلك الحالة أخاف أن يرجع حياء مني عندما يراني على تلك الهيئة ولا يعرض علي حاجته لغلبة أدبه وكثرة حيائه رواه مسلم وكذا أحمد وأبو حاتم وروى أحمد عن حفصة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع ثوبه بين فخذيه فجاء أبو بكر يستأذن فأذن له وهو على هيئته ثم


جاء عمر يستأذن فأذن له وهو على هيئته ثم جاء عثمان يستأذن فتجلل ثوبه ثم أذن هل فتحدثوا ساعة ثم خرجوا قلت يا رسول الله دخل أبو بكر وعمر وعلي وناس من أصحابك وأنت على هيئتك لم تتحرك فلما دخل عثمان تجللت ثوبك قال ألا استحي ممن يستحي منه الملائكة وخرجه رزين مختصرا وقال البخاري قال محمد ولا أقول ذلك في يوم واحد وجاء في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عثمان رجل ذو حياء فسألت ربي أن لا يقف للحساب فشفعني فيه وفي رواية إني سألت عثمان حاجة سرا فقضاها سرا فسألت الله
أن لا يحاسب عثمان وفي رواية فسألت الله أن يحاسبه سرا وهذه من خصائصه إذ ورد في سياق أول من يحاسب أبو بكر ثم عمر ثم علي وقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر مرفوعا أشد أمتي حياء ابن عفان وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة مرفوعا عثمان حيي تستحيي منه الملائكة وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر مرفوعا عثمان أحيى أمتي وأكرمها وأخرج أبو نعيم عن أبي أمامة مرفوعا أشد هذه الأمة بعد نبيها حياء عثمان بن عفان وأخرج أبو يعلى عن عائشة مرفوعا قال إن عثمان حيث يسير تستحيي منه الملائكة
الفصل الثاني


عن طلحة بن عبيد الله وهو أحد العشرة المبشرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل نبي رفيق أي خاص ورفيقي يعني في الجنة عثمان خبر للمبدأ والجملة معترضة بينهما من كلام طلحة أو غيره تفسيرا وبيانا لمكان الرفاقة والأظهر أنه في كلامه صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق الشامل للدنيا والعقبى جزاه وفاقا ثم هو لا ينافي كون غيره أيضا رفيقا له صلى الله عليه وسلم كما ورد عن ابن مسعود في رواية الطبراني ولفظه إن لكل نبي خاصة من أصحابه وإن خاصتي من أصحابي أبو بكر وعمر نعم يستفاد منه أن لكل نبي رفيقا وأنه له رفقاء ولا منع من ذلك في مقام الجمع ومع هذا في تخصيص ذكره إشعار بعظيم منزلته ورفع قدره رواه الترمذي أي عن طلحة ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة قال وفي نسخة وقال الترمذي هذا حديث غريب والغرابة لا تنافي الصحة ولذا قال وليس إسناده بالقوي وهو أي الحديث أو إسناده منقطع وهو أن يكون الساقط من الرواة اثنين متواليين أو سقط واحد فقط أو أكثر من


اثنين لكن بشرط عدم التوالي فيتحصل منه أن الحديث ضعيف لكنه يعتبر قويا في الفضائل ويؤيده ما رواه ابن عساكر عن أبي هريرة مرفوعا لكل نبي خليل في أمته وإن خليلي عثمان بن عفان وأورد السيوطي حديث الأصل في الجامع بلفظ لكل نبي رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان رواه الترمذي عن طلحة وابن ماجه عن أبي هريرة وفي الرياض عن زيد بن أسلم قال شهدت عثمان يوم حوصر ولو ألقي حجر لم يقع إلا على رأس رجل فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل على الناس فقال لطلحة أنشدك الله أتذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع كذا وكذا ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك قال نعم قال فقال لك رسول الله يا طلحة إنه ليس من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق في الجنة وإن عثمان رفيقي في الجنة يعنيني قال طلحة اللهم نعم ثم انصرف أخرجه أحمد وأخرجه الترمذي مختصرا عن طلحة بن عبيد الله ولفظه لكل نبي رفيق ورفيقي عثمان ولم يقل في الجنة وعن عبد الرحمن بن خباب بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى ولم يذكره المؤلف في أسمائه قال شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أي حضرته وهو يحث بضم حاء وتشديد مثلثة أي يحرض الناس على جيش العسرة أي على ترتيب غزوة تبوك وسميت جيش العسرة لأنها كانت في زمان اشتداد الحر والقحط وقلة الزاد والماء والمركب بحيث تعسر عليهم الخروج من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم لما كانت المناهضة إلى عدو جم العدد شديد البأس بالنسبة إلى المسلمين مع كثرتهم حينئذ فإنه قيل على ما ذكره شارح كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر ويوم أحد سبعمائة ويوم الحديبية ألف وخمسمائة ويوم الفتح عشرة آلاف ويوم حنين اثنا عشر ألفا وهم آخر مغازيه فقام عثمان أي بعد حثه عليه السلام فقال يا رسول الله علي أي نذر علي مائة بعير بأحلاسها أي مع جلالها وأقتابها أي رحالها قال التوربشتي وغيره الأحلاس جمع حلس بالكسر


وسكون اللام وهو كساء رقيق يجعل تحت البرذعة والأقتاب جمع قتب بفتحتين وهو رحل صغير على قدر سنام البعير وهو للجمل كالأكاف لغيره يريد علي هذه الإبل بجميع أسبابها وأدواتها في سبيل الله أي في طريق رضاه ثم حض بتشديد المعجمة أي حث وحرض على الجيش أي في ذلك المقام أو في غيره من الزمان فقام عثمان فقال علي مائتا بعير أي غير تلك المائة لا بانضمامها كما
يتوهم والله أعلم بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض أي ثالثا وفي رواية ثم حض على الجيش فقام عثمان فقال علي ثلثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله فالتزم عثمان رضي الله عنه في كل مرتبة بحكم رتبة المقام ففي المقام الأول ضمن مائة واحدة وفي الثاني مائتين وفي الثالث ثلثمائة فالمجموع ستمائة وسيأتي له من الزيادة قال طلحة فأنا أي بنفسي من غير أن أسمع من غيري رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عن المنبر وهو يقول ما على عثمان ما هذه نافية بمعنى ليس وفي قوله ما عمل بعد هذه موصولة اسم ليس أي ليس عليه ولا يضره الذي يعمل في جميع عمره بعد هذه الحسنة والمعنى أنها مكفرة لذنوبه الماضية مع زيادة سيئاته الآتية كما ورد في ثواب صلاة الجماعة وفيه إشارة إلى بشارة له بحسن الخاتمة وقال شارح ما فيه إما موصولة أي ما بأس عليه الذي عمله من الذنوب بعد هذه العطايا في سبيل الله أو مصدرية أي ما على عثمان عمل من النوافل بعد هذه العطايا لأن تلك الحسنة تنوب عن جميع النوافل قال المظهر أي ما عليه أن لا يعمل بعد هذه من النوافل دون الفرائض لأن تلك الحسنة تكفيه عن جميع النوافل اه وهو حاصل المعنى وإلا فلا يطابق المبنى ما على عثمان ما عمل بعد هذه كررة تأكيدا لما قرره قال الطيبي ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حاطب بن أبي بلتعة لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم اه ولا يخفى ما بينهما من الفرق عند ذوي النهي إذ الأول مجزوم به قطعا والثاني


مبني على الرجاء رواه الترمذي وكذا رواه أحمد وقال في آخره قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها وأخرج عبد الصمد يحرك يده كالمتعجب ما على عثمان ما عمل بعدها وقال أبو عمر وجهز عثمان جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا وأتم للألف بخمسين فرسا وعن ابن شهاب الزهري قال حمل عثمان بن عفان في غزوة تبوك على تسعمائة وأربعين بعيرا وستين فرسا أتم الألف بها أخرجه القزويني والحاكمي وعن عبد الرحمن بن سمرة أي القرشي أسلم يوم الفتح وصحب النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه ابن عباس والحسن وخلق سواهما قال جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في كمه حين جهز بتشديد الهاء أي حين رتب وعاون جيش العسرة فنثرها أي كبها في


حجره بكسر الحاء وفتحه أي ثوبه أو حضنه صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها أي الدنانير بيده في حجره ويقول ما ضر عثمان ما عمل فاعل ضر والمعنى لم يضر عثمان الذي عمل أي من الذنوب سابقا ولاحقا بعد اليوم أي بعد عمله اليوم مرتين ظرف يقول ولعل التكرار فيه وفيما قبله للإشعار بعدم ضرره ودوام نفعه في الدارين والمراد بالتثنية التكرير والتكثير ويؤيده أنه في رواية أحمد ويرددها مرارا هذا وقال السيد جمال الدين في كمية رجال جيش العسرة روايتان إحداهما أنها سبعون ألف رجل والأخرى أنها عشرون ألفا وعلى اختلاف الروايتين جهز عثمان رضي الله عنه ثلث جيش العسرة فعلى هذا لا يكون الألف دينار الذي جاء به عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كمه ثمن ثلاثمائة بعير والله أعلم اه وفي الرياض عن عبد الرحمن بن عوف قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاءه عثمان بن عفان في جيش العسرة بتسعمائة أوقية من ذهب أخرجه الحافظ السلفي وهذه الاختلافات في الروايات قد توهم التضاد بينهن والجمع ممكن بأن يكون عثمان دفع ثلثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها على ما تضمنه الحديث السابق ثم جاء بالألف لأجل المؤن التي لا بد للمسافر منها ثم لما اطلع على أن ذلك لا يكفي زاد في الإبل وأردف بالخيل تتميما للألف ثم لما لم يكتف بذلك تمم الألف أبعرة وزاد عشرين فرسا على تلك الخمسين وبعث بعشرة الآف دينار للمؤن وفي رواية أخرجها الدارقطني عن عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم فقال من يجهز هؤلاء غفر الله له يعني جيش العسرة فجهزتهم حتى لم يفقدوا عقالا ولا خطاما رواه أحمد وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب وعن حذيفة قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان في جيش العسرة فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار فصب بين يديه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول بيده ويقلبها ظهرا لبطن ويقول غفر الله لك يا عثمان ما أسررت


وما أعلنت وما هو كائن إلى يوم القيامة ما يبالي ما عمل بعدها أخرجه الملا في سيرته والفضائلي وعن أنس رضي الله عنه لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان وهي البيعة التي كانت تحت الشجرة عام الحديبية سميت بها لأنه نزل في أهلها لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة الفتح كان عثمان رضي الله عنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة أي رسولا منه إليهم مرسلا من الحديبية إلى مكة وفي رواية إلى أهل مكة أي لتبليغ بعض الأحكام فشاع أنهم قتلوه فبايع أي رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أي بيعا خاصا على


الموت فبايعوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عثمان في حاجة الله أي نصرة دينه حيث احتاج خلقه إليه ونظيره قوله سبحانه يخادعون الله والذين آمنوا البقرة حيث نزل ذاته العزيزة شريكا للمؤمنين تشريفا وتعظيما أو يقدر مضاف ويقال في حاجة خلفه وحاجة رسوله أي تخصيصا أو ذكر لله للتزيين زيادة للكلام من التحسين وقال الطيبي هو من باب قوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله الأحزاب في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة عند الله ومكانة وأن حاجته حاجته تعالى الله عن الاحتياج علوا كبيرا اه ولا يخفى أن ظاهر معنى الآيتين أن الذين يخالفونهما كما حقق في حديث يؤذيني ابن آدم والله أعلم فضرب بإحدى يديه على الأخرى أي في البيعة عن جهة عثمان على فرض أنه حي في المكان والزمان والمعنى أنه جعل إحدى يديه نائبة عن يد عثمان فقل هي اليسرى وقيل هي اليمنى وهو الصحيح لما سيأتي بيانه بالتصريح فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا وفي رواية لعثمان أي له كما في رواية من أيديهم أي من أيدي بقية الصحابة لأنفسهم فغيبته ليست بمنقصة بل سبب منقبة رواه الترمذي وقال حسن صحيح غريب وعن ثمامة بضم المثلثة ابن حزن بفتح جاء مهملة وسكون زاي فنون القشيري بالتصغير يعد في الطبقة الثانية من التابعين رأي عمر وابنه عبد الله وأبا الدرداء وسمع عائشة وروى عنه الأسود بن شيبان البصري قال شهدت الدار أي حضرت دار عثمان التي حاصروه فيها وتفصيل قضيتها مذكور في الرياض وغيره حين أشرف عليهم عثمان أي اطلع على الذين قصدوا قتله فقال أنشدكم الله والإسلام بضم الشين ونصب الاسمين أي أسألكم بالله والإسلام أي بحقهما هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب أي يعد عذبا أي حلوا غير بئر رومة برفع غير وجوز نصبه والبئر مهموزة ويبدل ورومة بضم الراء وسكون الواو فميم اسم بئر في العقيق الأصغر اشتراها عثمان رضي الله عنه


بمائة ألف درهم وفي المدينة عقيقان سميا بذلك لأنهما عقا عن حرة المدينة أي قطعا فقال أي النبي صلى الله عليه وسلم من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بكسر الدال جمع دلو وهو كناية عن الوقف العام وفيه دليل على جواز وقف السقايات وعلى خروج الموقوف
عن ملك الواقف حيث جعله مع غيره سواء ذكره ابن الملك وجملة يجعل مفعول له أو حال أي إرادة أن يجعل أو قاصدا أن يجعل دلوه مساويا أو مصاحبا مع دلائهم في الاستقاء ولا يخصها من بينهم بالملكية فقوله مع دلاء المسلمين هو المفعول الثاني لجعل أي يجعل دلوه روي عن عثمان أنه قال إن المهاجرين قدموا المدينة واستنكروا ماءها وكان لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة وكان يبيع القربة منها بمد فقال صلى الله عليه وسلم هل تبيعها بعين في الجنة قال يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي سواها فلا أستطيع ذلك فقال من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير متعلق يشتري والباء للبدل قال الطيبي وليست مثلها في قولهم اشتريت هذا بدرهم ولا في قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى البقرة فالمعنى من يشتريها بثمن معلوم ثم يبدلها بخير منها أي بأفضل وأكمل أو بخير حاصل له أي لأجله منها أي من تلك البئر أو من جهتها في الجنة واشتريتها من صلب مالي بضم الصاد أي من أصله أو خالصه في الرياض قال فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم ثم أتى الني صلى الله عليه وسلم وقال اجعل لي مثل الذي جعلته له عينا في الجنة قال نعم قال قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين أخرجه الفضائلي وأنتم اليوم تمنعونني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر أي مما فيه ملوحة كماء البحر والإضافة فيه للبيان أي ما يشبه البحر فقالوا اللهم نعم قال المطرزي قد يؤتى باللهم ما قبل إلا إذا كان المستثنى عزيزا نادرا وكان قصدهم بذلك الاستظهار بمشيئة الله تعالى في اثبات كونه ووجوده إيماء إلى أنه بلغ من الندور حد الشذوذ


وقبل كلمتي الجحد والتصديق في جواب المستفهم كقوله اللهم لا ونعم فقال أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أن المسجد أي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ضاق بأهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشتري بقعة آل فلان فنزيدها بالرفع وفي نسخة بالنصب أي فنزيد تلك البقعة في المسجد بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي أي بعشرين ألفا أو خمسة وعشرين ألفا على ما رواه الدارقطني وروى البخاري عن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن وسقفه بالجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنائه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا ثم عمره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبني جداره بالحجارة المنقوشة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه


بالساج وأخرج أبو الخير القزويني الحاكمي عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه كان من شأن عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أهل مكة يا فلان ألا تبيعني دارك أزيدها في مسجد الكعبة ببيت أضمنه في الجنة فقال الرجل يا رسول الله مالي بيت غيره فإن أنا بعتك داري لا يؤويني وولدي بمكة شيء قال ألا بل بعني دارك أزيدها في مسجد الكعبة ببيت أضمنه لك في الجنة فقال الرجل والله مالي إلى ذلك حاجة فبلغ ذلك عثمان وكان الرجل صديقا له في الجاهلية فأتاه فلم يزل به عثمان حتى اشترى منه داره بعشرة آلاف دينار فقال يا رسول الله بلغني أنك أردت من فلان داره لتزيدها في مسجد الكعبة ببيت تضمنه له في الجنة وإنما هي داري فهل أنت آخذها ببيت تضمنه لي في الجنة فأخذها منه وضمن له بيتا في الجنة وأشهد له على ذلك المؤمنين كذا في الرياض فأنتم بالفاء هنا خلافا لما تقدم اليوم تمنعونني أن أصلي فيها أي في تلك البقعة فضلا عن سائر المسجد فقالوا اللهم نعم قال بلا فاء منا وفيما بعده خلافا لما قبل أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي أي وقال لي ما قال مما يدل على حسن حالي ومآلي قالوا اللهم نعم قال أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ثبير مكة بفتح مثلثة وكسرة موحدة وتحتية ساكنة فراء جبل بمكة وفي المصباح جبل بين مكة ومنى وهو يرى من منى وهو على يمين الذاهب منها إلى مكة وقال الطيبي ثبير جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب إلى منى وهو جبل كبير مشرف على كل جبل بمنى وبمكة جبال كل منها اسمه ثبير اه والمشهور أنه جبل مشرف على منى من جملة العقبة إلى تلقاء مسجد الخيف وأمامه قليلا على يسار الذاهب إلى عرفات كذا حكاه عز الدين بن جماعة وقال عياض في المشارق إنه على يسار الذاهب إلى منى وقال ابن جماعة وقيل وهو جبل عظيم بالمزدلفة على يمين الذاهب إلى عرفة قال الطبري وقيل هو أعظم جبل بمكة


عرف برجل من هذيل كان اسمه ثبيرا دفن فيه وقال الجوهري والسهيلي والمطرزي في المغرب هو جبل من جبال مكة أي بقرب مكة وقيل هو جبل مقابل لجبل حراء اه وفي رواية قال حراء مكان ثبير ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل أي اهتز ثبير حتى تساقطت حجارته أي بعضها بالحضيض أي أسفل الجبل وقرار الأرض فركضه أي ضربه برجله قال استئناف أسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان أي حقيقيان حيث قتلا عقب الطعن وماتا قريبا من أثر الضرب وهما عمر وعثمان


ولا ينافيه أن النبي صلى الله عليه وسلم والصديق شهيدان حكميان حيث كان أثر موتهما من السم القديم لهما قالوا اللهم نعم قال الله أكبر كلمة يقولها المتعجب عند إلزام الخصم وتبكيته ولذلك قال شهدوا ورب الكعبة أني شهيد بفتح الهمز مفعول شهدوا أي شهد الناس أني شهيد ثلاثا أي قال الله أكبر إلى آخره ثلاث مرات لزيادة المبالغة في إثبات الحجة على الخصم وذلك لأنه لما أراد أن يظهر لهم أنه على الحق وأن خصماءه على الباطل على طريف يلجئهم إلى الإقرار بذلك أورد حديث ثبير مكة وأنه من أحد الشهيدين مستفهما عنه فأقروا بذلك وأكدوا إقرارهم بقولهم اللهم نعم فقال الله أكبر تعجبا وتعجيبا وتجهيلا لهم واستهجانا لفعلهم ونظيره قوله تعالى هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون الزمر فإنه تعالى لما ضرب مثل عابد الأصنام وعابد الله تعالى برجلين أحدهما له شركاء بينهم اختلاف وتنازع كل واحد منهم يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه وهو متحير في أمره لا يدري أيهم يرضى بخدمته والآخر قد سلم لمالك واحد وخلص له فهو يلتزم خدمته فهمه واحد وقلبه مجتمع واستفهم منهم بقوله هل يستويان مثلا فلا بد لهم أن يذعنوا ويقولوا لا فقال الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون كذا حققه الطيبي رواه الترمذي والنسائي والدارقطني وفي بعض الروايات زاد وأنشدكم بالله من شهد بيعة الرضوان إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين أهل مكة فقال هذه يدي وهذه يد عثمان فبايع لي فانتشد له رجال زاد الدارقطني في بعض طرقه وأنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني إحدى ابنتيه بعد الأخرى رضا لي ورضا عني قالوا اللهم نعم وعن مرة بن كعب بضم ميم وتشديد راء قال المؤلف في فصل الصحابة عداده في أهل الشام روى عنه نفر من التابعين مات بالأردن سنة خمس وخمسين قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل في زيادة من تأكيد إفادة السماع بلا واسطة وذكر الفتن


جملة حالية فقربها بتشديد الراء أي قرب النبي صلى الله عليه وسلم الفتن يعني وقوعها فمر رجل مقنع بفتح النون المشددة أي مستتر في ثوب جعله كالقناع فقال أي رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أي هذا الرجل المقنع يومئذ أي يوم وقوع تلك الفتن على الهدى من قبيل قوله تعالى أولئك على هدى من ربهم البقرة فمفعول محذوف دل عليه قوله هذا يومئذ على الهدى
فقمت إليه أي لقرب الرجل لأعرفه فإذا هو عثمان بن عفان قال أي الراوي فأقبلت عليه أي على النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه أي بوجه عثمان والمعنى أدرت وجهه إليه ليتبين الأمر عليه فقلت هذا أي أهذا هو الرجل الذي يومئذ على الهدى قال نعم فيه مبالغة في استحضار القضية وتأكيدها بتحقق الصورة الجلية رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي الرياض عن كعب بن عجرة قال ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فتنة فقربها وعظمها قال ثم مر رجل مقنع في ملحفة فقال هذا يومئذ على الحق فانطلقت فأخذت بضبعه فقلت هذا يا رسول الله قال هذا فإذا هو عثمان بن عفان أخرجه أحمد وأخرج الترمذي معناه عن مرة بن كعب النهري وقال هذا يومئذ على الهدى ورواه أحمد أيضا عن مرة بن كعب النهري قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة قال كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر قالوا فنصنع ماذا يا رسول الله قال عليكم بهذا وأصحابه قال فأسرعت حتى عطفت الرجل فقلت هذا يانبي الله قال هذا فإذا هو عثمان بن عفان وفي رواية لأحمد قال فأسرعت حتى عييت فلحقت بالرجل فقلت هذا يا نبي الله الخ وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أي لعثمان ذات يوم كما في رواية يا عثمان إنه أي الشأن لعل الله وفي رواية أن الله لعله يقمصك بتشديد الميم أي يلبسك قميصا قيل أي خلافة والمراد خلعة الخلافة فإن أرادوك أي حملوك على خلعه أي نزعه فلا تخلعه لهم زفي رواية فلا تخلعه ثلاثا


والمعنى إن قصدوا عزلك فلا تعزل نفسك عن الخلافة لأجلهم لكونك على الحق وهم على الباطل وفي قبول الخلع إيهام وتهمة فلهذا الحديث كان عثمان رضي الله عنه ما عزل نفسه حين حاصروه يوم الدار قال الطيبي استعار القميص للخلافة ورشحها بقوله على خلعه قال في أساس البلاغة ومن المجاز قمصه الله وشيء الخلافة وتقمص لباس العز ومن هذا الباب قوله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري وقولهم المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه انتهى رواه الترمذي وابن ماجه وكذا أبو حاتم وقال الترمذي حسن غريب وفي رواية فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه لهم ولا كرامة يقولها مرتين أو ثلاثا وفي رواية فإن أرادك المنافقون خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني يا


عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصا فذكره ثلاث مرات أخرجها أحمد وقال الترمذي في الحديث قصة طويلة وفي بعض الروايات زاد وأنشدكم الله من شهد بيعة الرضوان إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين أهل مكة فقال هذه يدي وهذه يد عثمان فبايع لي فأشتد له رجال زاد الدارقطني في بعض طرقه وأنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني إحدى إبنتيه بعد الأخرى رضائي ورضا عني قالوا اللهم نعم وعن ابن عمر قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة أي عظيمة فقال يقتل هذا فيها مظلوما لعثمان بيان هذا رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب إسنادا وأخرجه أحمد وقال يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان وعن أبي سهلة قال المؤلف في فصل الصحابة هو السائب بن خلاد يكنى أبا سهلة الأنصاري الخزرجي مات سنة إحدى وتسعين روى عنه ابنه خلاد وعطاء بن يسار انتهى والظاهر أن المراد به هنا مولى عثمان كما سيأتي قريبا والله أعلم قال قال لي عثمان يوم الدار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلي عهدا أي أوصاني أن لا أخلع بقوله وإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم وأنا صابر عليه أي على تحمل ذلك العهد رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وعن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعو لي بعض أصحابي قلت أبا بكر قال لا قلت عمر قال لا قلت ابن عمك قال لا قلت عثمان قال نعم فلما جاء قال تنحي فجعل يساره ولون عثمان يتغير فلما كان يوم الدار وحصر فيها قلنا يا أمير المؤمنين ألا تقاتل قال لا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا وإني صابر نفسي عليه رواه أحمد


عن عثمان بن عبد الله بن موهب بفتح الميم وسكون الواو وفتح الهاء والباء الموحدة على ما في الجامع والمغني وفي القاموس موهب كمقعد اسم فما وقع في شرح ابن حجر من ضبطه بكسر الهاء وهم قال المؤلف هو تيمي روى عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما وعنه شعبة وأبو عوانة قال جاء رجل من أهل مصر أي إلى مكة يريد حج البيت فرأى قوما جلوسا أي جالسين فقال من هؤلاء القوم قالوا أي قال بعض من سئل هؤلاء قريش أي أكابرهم قال فمن الشيخ أي العالم المعتبر فيهم فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته قالوا عبد الله بن عمر قال يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني أي أخبرني عن جوابه هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد يعني والفرار منقصة عظيمة قال نعم قال هل تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهدها أي لم يحضرها ذكره تأكيدا وأراد أنه فاته فضل أهل بدر قال نعم قال هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها قال نعم قال الله أكبر قال الطيبي قوله الله أكبر بعد ما عد من الأمور بمنزلة الله أكبر في الحديث السابق فإنه أراد أن يلزم ابن عمر ويحط من منزلة عثمان على الطريق المذكور فلما قال ابن عمر نعم قال الله أكبر تعجبا وتعجيبا وإظهارا لإفحامه إياه قال ابن عمر تعال أي ارتفع عن حضيض مقامك من الجهل إلى علو فهم القضايا المبهمة المبينة عند أرباب العلم والمعرفة أبين لك بالجزم على جواب الأمر وفي نسخة بالرفع أي أنا أبين لك أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وفي رواية وغفر له يعني لقوله تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم آل عمران ومن المعلوم أن المعفو خارج عن معتبة المعيبة بالمغيبة وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت


تحته أي تحت عقده رقية بالتصغير بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وهذا علامة كمال رضا النبي صلى الله عليه وسلم حيث زوجه بنته ثم الأخرى وهي أم كلثوم وبه سمي ذا النورين ثم قال لو كانت لي بنت أخرى لزوجتها إياه وفي الرياض عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أوحى إلي أن أزوج كريمتي عثمان بن عفان أخرجه الطبراني وأخرجه خيثمة بن سليمان عن عروة بن الزبير عن عائشة وزاد بعد قوله كريمتي يعين رقية وأم كلثوم وعن أبي هريرة قال لقي النبي صلى الله عليه وسلم عثمان عند باب المسجد فقال يا عثمان هذا جبريل أخبرني أن الله قد أمرني أن أزوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها أخرجه ابن ماجه القزويني والحافظ أبو بكر الإسماعيلي وغيرهما وعنه قال قال عثمان لما ماتت امرأته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بكيت بكاء شديدا فقال رسول الله ما يبكيك فقلت أبكي على انقطاع صهري منك فقال هذا جبريل بأمر الله عز وجل أن أزوجك أختها وعن ابن عباس معناه وزاد فيه والذي نفسي بيده لو أن عندي مائة بنت تموت واحدة بعد واحدة زوجتك أخرى حتى لا يبقى من المائة شيء هذا جبريل أخبرني أن الله عز وجل يأمرني أن أزوجك أختها وأن أجعل صداقها مثل صداق أختها أخرجه الفضائلي وفي الذخائر عن سعيد بن المسيب قال أم عثمان من رقية وآمت حفصة بنت عمر من زوجها فمر عمر بعثمان فقال هل لك في حفصة وكان عثمان قد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها فلم يجبه فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال هل لك في خير من ذلك أتزوج أنا حفصة وأزوج عثمان خيرا منها أم كلثوم أخرجه أبو عمر وقال حديث صحيح وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل فأمرني أن أزوج عثمان ابنتي وقالت عائشة كن لما لا ترجوه أرجى منك لما ترجوه فإن موسى عليه السلام خرج يلتمس نارا فرجع بالنبوة أخرجه الحافظ أبو نعيم البصري وكانت أي رقية مريضة أي


في المدينة وفي الذخائر عن ابن شهاب أنها كانت أصابتها الحصبة فمرضت وتخلف عنها عثمان وماتت بالمدينة وجاء زيد بن حارثة بشيرا بفتح بدر وعثمان قائم على قبر رقية أخرجه أبو عمر وعن ابن عباس قال لما عزي رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنته رقية قال الحمد لله دفن البنات من المكرمات أخرجه الدولابي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لك أجر ممن شهد بدرا وسهمه أي جمع له بين أجر العقبى وغنيمة الدنيا فلا نقصان في حقه أصلا فيكون نظير تغيب على عن تبوك حيث جعله خليفة على أهله وأمره بالإقامة فيهم لكن لم يعرف أنه جعل لعلي سهم من الغنيمة أيضا أم لا والله أعلم ثم رأيته في الرياض أنه كذلك وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز أي أكثر عزة من جهة العشرة من بقية الصحابة ببطن مكة من عثمان لبعثه أي مكانه كما في رواية لكن لما فقد الأعز منه حتى امتنع عمر رضي الله عنه خوفا على نفسه


معللا يا رسول الله مالي قوم بمكة يعينوني ويحفظوني وراء ظهري فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان أي إلى مكة فاستقبله أهله ورهطه وركبوه قدامهم وأجاروه من تعرض أحد له وقالوا طف بالبيت لعمرتك فقال حاشا أني أطوف في غيبته صلى الله عليه وسلم وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة أي وشاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين فاستعد المسلمون للقتال وبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على أن لا يفروا وقيل بل جاء الخبر بأن عثمان قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أشار بيده اليمنى هذه أي قائلا هذه يد عثمان فضرب بها على يده أي اليسرى وقال هذه أي هذه البيعة أو هذه اليد لعثمان أي لأجله أو عنه على فرض وجود حياته أو إشارة إلى تكذيب خبر مماته ثم قال ابن عمر اذهب بها أي بالكلمات التي أجبت لك عن أسئلتك الآن معك فإنه لا يضرنا بل يضرك قال الطيبي فلما نقض ابن عمر كل واحد مما بناه وأقلعه من أصله قال تهكما اذهب بها أي بما جئت وتمسكت به بعدما بينت لك الحق المحض الذي لا يرتاب فيه انتهى والمعنى لا ينفعك اعتقادك الفاسد في عثمان بعد ما بينت لك الحق الصريح بالجواب الصحيح رواه البخاري وكذا الترمذي واللفظ مختلف والمعنى واحد وعن أبي سهلة مولى عثمان رضي الله عنه وفي بعض النسخ المصححة رضي الله عنهما بلفظ التثنية تغليبا ولم يذكره المؤلف في أسمائه قال جعل النبي صلى الله عليه وسلم يسر بضم فكسر فتشديد أي يخفي الكلام إلى عثمان ولون عثمان بتغير أي من البياض والحمرة إلى الصفرة فلما كان يوم الدار بالرفع وينصب قلنا ألا تقاتل بتخفيف ألا ويشدد قال لا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استئناف تعليل أي لأنه عهد إلي أمرا فأنا صابر بالتنوين نفسي عليه قال الطيبي أي أوصاني بأن اصبر ولا أقاتل ولا يجوز أن يقال هي قوله فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم فإن ذلك يوهم المقاتلة معهم للدفع فعلى هذا ينبغي أن


يحمل الحديث الآخر في الفصل الثاني على هذا المعنى ليتفقا قلت الأظهر أن العهد كان مركبا من عدم الخلع وترك القتال للدفع بل لمجرد الصبر للوصول إلى مقام الجمع
وعن أبي حبيبة اسمه عمرو بن نصر الحازمي الهمداني روى عن علي بن أبي طالب ذكره المؤلف في التابعين أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها وأنه أي أبا حبيبة سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام أي عنده أو على الحاضرين من الحاضرين ويؤيد الثاني قوله فأذن له فقام فحمد الله وأثنى عليه أي على الله وهو عطف تفسير وبيان أو الجمد بمعنى الشكر ثم قال أي أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنكم أي أيها الأمة أو أيها الصحابة ستلقون بعدي فتنة أي محنة عظيمة واختلافا أي كثيرا أو قال اختلافا وفتنة شك الراوي في تقديم أحد اللفظين فقال له أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائل فمن لنا يا رسول الله قال الطيبي هو متوجه إلى قوله اختلافا أي ستلقون اختلافا بين الأمير ومن خرج عليه فمن تأمرنا أن نتبعه ونلزمه فتكون لنا العاقبة لا علينا أو ما تأمرنا به شك من الراوي بين اللفظين مع أن مؤداهما في المعنى واحد قال عليكم بالأمير وأصحابه وهو أي أبو هريرة والأظهر أي النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى عثمان بذلك أي بقوله الأمير بأن يكون حاضرا في ذلك المجلس أو مذكورا فيه رواهما أي الحديثين السابقين البيهقي في دلائل النبوة قال المؤلف كان إسلامه في أول الإسلام على يدي أبي بكر قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين وكان أبيض ربعة حسن الوجه عظيم اللحية يصغرها استخلف أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين وقتله الأسود التجيبي من أهل مصر وقيل غيره ودفن ليلة السبت بالبقيع وله يومئذ من العمر اثنتان وثمانون سنة وقيل ثمان وثمانون وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا أياما وروى عنه خلق كثير


باب مناقب هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم

الفصل الأول
عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد بكسر العين أي طلع أحدا أي جبل أحد وأبو بكر وعمر وعثمان أي معه فرجف أي تحرك أحد بهم أي انتعاشا واهتزازا بقدومهم فضربه أي النبي عليه السلام برجله فقال أثبت أحد أي ولا تظهر شيئا على ظاهرك كالكاملين الواصلين على ما حكي أن الجنيد سئل ما بالك عند السماع ظاهرا مع تحقق حالك باطنا فقرأ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السنحاب النمل فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان أي وصحبة أهل التمكين والوقار لا بد لها من تأثير خال عن الإظهار وتقدم مثله في جبل ثبير رواه البخاري وكذا أحمد والترمذي وأبو حاتم وأخرجه أحمد عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا على حراء ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فتحرك الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وفي رواية عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وفي رواية سعد بن أبي وقاص لم يذكر عليا خرجهما مسلم وخرجه الترمذي ولم يذكر سعدا وقال اهدأ مكان أسكن وقال حديث صحيح وخرجه الترمذي أيضا عن سعيد بن زيد وذكر أنه كان عليه العشرة إلا أبا عبيدة وقال اثبت حراء الحديث فاختلاف الروايات محمول على تعدد


القضية في الأوقات وإثبات الشهادة لبعضهم حقيقة وللباقين حكما والله أعلم وعن أبي موسى الأشعري قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حائط أي بستان من حيطان المدينة بكسر الحاء جمع فجاء رجل أي لا يعرف حاله فاستفتح أي طلب الفتح فقال النبي صلى الله عليه وسلم افتح له وبشره بالجنة أي العالية ففتحت له فإذا أبو بكر فبشرته بما قال رسول الله وفي نسخة النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله أي شكره على تلك البشارة ففي رواية قال اللهم حمدا وفي رواية قال الحمد لله ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي صلى الله عليه وسلم افتح له وبشره بالجنة ففتحت له فإذا عمر فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله ثم استفتح رجل فقال لي زاده هنا لكمال الاهتمام بمعرفة القضية افتح له وبشره بالجنة على بلوى أي مع بلية عظيمة تصيبه على ما ذكره الأشرف وقال الطيبي إذا جعل على متعلقا بقوله بالجنة يكون المبشر به مركبا وإذا جعل حالا من ضمير المفعول كانت البشارة مقارنة بالإنذار ولا يكون المبشر به مركبا وهو الظاهر وعلى بمعناه انتهى والأظهر الأول لأن البلاء نعمة عند أرباب الولاء فإذا عثمان وإنما خص عثمان به مع أن عمر أيضا ابتلي به لعظم ابتلاء عثمان لا سيما مع امتداد الزمان وقلة الأعوان من الأعيان فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله ثم قال الله المستعان أي المطلوب منه المعونة على جميع المؤونة ومنه الصبر على مرارة تلك البلية ثم في ترتيب مأتاهم إلى الجنة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم إيماء إلى مراتبهم العلية في الجنة العالية في مقعد صدق عند مليك مقتدر ومن القرب بحضرة النبي البشير متفق عليه ذكر في الرياض عن أبي موسى أنه خرج إلى المسجد فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا وجه ههنا فخرجت في أثره حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فتوضأ فقمت إليه


فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها وهو بالضم ما ارتفع من الأرض فجلس عند الباب فقلت لأكونن بوابا للنبي صلى الله عليه وسلم فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت
من هذا فقال أبو بكر فقلت على رسلك ثم ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت هذا أبو بكر يستأذن فقال ائذن له وبشره بالجنة فأقبلت حتى قلت لأبي بكر أدخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في القف ودلا رجليه في البئر كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن ساقيه ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني فقلت إن يرد الله بفلان خيرا ز يريد أخاه يأت به فإذا بإنسان يحرك الباب فقلت من هذا فقال عمر بن ا لخطاب فقلت على رسلك ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت هذا عمر بن الخطاب يستأذتك فقال ائذن له وبشره بالجنة فجئت فقلت أدخل ويبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القف عن يساره ودلا رجليه في البئر فرجعت وجلست وقلت إن يرد الله بفلان خيرا يأت به فجاء إنسان فحرك الباب فقلت من هذا فقال عثمان بن عفان فقلت على رسلك ثم جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فجئت فقلت ادخل ورسوله الله يبشرك بالجنة على بلوى تصيبك فدخل فوجد القف قد ملىء فجلس وجاهه من الشق الآخر قال شريك قال سعيد بن المسيب فأولتها قبورهم أخرجه أحمد ومسلم وابن أبي حاتم وأخرجه البخاري وزاد بعد قوله فأولتها قبورهم اجتمعت وانفرد عثمان وأخرجه مسلم أيضا من طريق أخرى عن أبي موسى لفظه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا في حائط من حيطان المدينة وهو يقول بعود في الماء والطين ينكت به فجاء رجل فاستفتح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتح له وبشره بالجنة فإذا هو أبو بكر ففتحت له وبشرته بالجنة ثم استفتح آخر فجلس ساعة ثم قال


افتح له وبشره بالجنة فإذا هو عمر ففتحت له وبشرته بالجنة ثم استفتح آخر فجلس ساعة ثم قال افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه قال ففتحت له فإذا هو عثمان فبشرته بالجنة وقلت له الذي قال فقال اللهم صبرا وخرج الترمذي معناه عنه ولفظه انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل حائطا للأنصار فقضى حاجته فقال لي يا أبا موسى أملك على الباب فلا يدخلن أحد علي إلا بإذن فجاء رجل فضرب الباب فقلت من هذا قال أبو بكر قلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن قال ائذن له وبشره بالجنة ثم ذكر نحوه في عمر وعثمان وهذا الحديث يدل على تكرر القضية فإن أبا موسى ذكر في حديث مسلم الأول أنه سأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل وجه ههنا فاتبع أثره وهذا الحديث ينطق بأنه انطلق معه ويحتمل أن يكون لما اتبع أثره لحق به قبل دخول الحائط الذي فيه بئر أريس ثم انطلق معه حتى دخل فقال له تلك المقالة ويكون أبو موسى ذكر سبب جلوسه بوابا في رواية ولم يذكره في رواية واستوفى القصة في رواية واختصرها في رواية والقصة واحدة والله أعلم

الفصل الثاني


عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي جملة حالية معترضة بين القول ومقوله أبو بكر وعمر وعثمان أي على هذا الترتيب عند ذكرهم وبيان أمرهم رضي الله عنهم وقال شارح أبو بكر وما عطف عليه مبتدأ خبره رضيا لله عنهم والجملة مقول القول ورسول الله حي جملة معترضة أي كنا نذكر هؤلاء الثلاثة بأن الله تعالى رضي عنهم وفي بعض النسخ بعد قوله حي أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أي ونسكت عن الباقين رواه الترمذي وفي رواية له عنه قال كنا نفاضل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره وعنه كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفضل أبا بكر ثم عمر ثم عثمان خرجه البخاري وعنه كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي أفضل أمة محمد بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان خرجه أبو داود والحافظ في الموافقات وعنه قال اجتمع المهاجرون والأنصار على أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان وعنه كنا نتحدث في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أوفر ما كانوا أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان خرجهما خيثمة بن سعد وخرج معناه الحاكمي وزاد فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره كذا في الرياض النضرة
الفصل الثالث
عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أري بضم الهمز وكسر الراء وفتح الياء أي


أبصر في منامه الليلة أي البارحة رجل صالح كان أبا بكر نيط بكسر أوله أي علق برسول الله صلى الله عليه وسلم ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر قال الطيبي كان من الظاهر أن يقول رأيت نفسي الليلة وأبو بكر نيط بي فجرد منه صلى الله عليه وسلم ع لكونه رسول الله وحبيبه رجلا صالحا ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع رجلا تفخيما غب تفخيم انتهى وخلاصته أن قوله رجل صالح بيان للضمير المرفوع في أري على سبيل التجريد وإنما يتم هذ على أن أرى بفتح الراء بصيغة المجهول المتكلم على ما في نسخة لكن قيد وصحح بأنه أري بصيغة الماضي المجهول ورجل صالح مفعول ما لم يسم فاعله ويؤيده أنه لما كان الرجل الصالح على صرافة إبهامه قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا أما الرجل الرجل الصالح فرسول الله صلى الله عليه وسلم أي بالاجتهاد والظن الغالب وإلا فيحتمل أن صالحا كعلي مثلا رأى تلك الرؤيا فأخبره صلى الله عليه وسلم أو انكشف له بنور النبوة فأظهره لكن لحكمة أبهمه وستره ويؤيده ما قال صاحب الرياض أخرجه أبو حاتم في صحيحه وهكذا أريت والصواب أري الليلة وأما نوط بعضهم ببعض أي تعلقهم واتصالهم فهم ولاة الأمر أي أمر الدين الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود وفي الرياض ذكر باب ما جاء في مناقب أبي بكر وعمر وعلي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلع عليكم من تحت الصور رجل من أهل الجنة فطلع أبو بكر فهنأناه ثم لبث هنيهة ثم قال يطلع عليكم من تحت هذا الصور رجل من أهل الجنة فطلع عمر فهنأناه ثم قال طلع علكيم من تحت هذا الصور رجل من أهل الجنة اللهم اجعله عليا ثلاث مرات فطلع علي أخرجه أحمد والصور جماعة النخل وسيأتي حديث على في الفصل الثاني من باب مناقب العشرة من المختصات بالثلاثة


باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال أحمد والنسائي وغيرهما لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي كرم الله وجهه وكان السبب في ذلك أنه تأخر ووقع الاختلاف في زمانه وكثر محاربوه والخارجون عليه فكان ذلك سببا لانتشار مناقبه لكثرة من كان يرويها من الصحابة ردا على من خالفه وإلا فالثلاثة قبله لهم من المناقب ما يوازيه ويزيد عليه كذا ذكره السيوطي
وقد جاء في الصحيح من شعره رضي الله عنه أنا الذي سمتني أمي حيدرة وحيدرة اسم الأسد وكانت فاطمة أمه لما ولدته سمته باسم أبيها فلما قدم أبو طالب كره الأسم فسماه عليا وعن سهل بن سعد قال استعمل على المدينة رجل من آل مروان قال فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا فأبى فقال أما إذا أبيت فقال لعن الله أبا تراب فقال سهل ما كان لعلي اسم أحب إليه من أب تراب أنه كان يفرح به إذا دعي به فقال له أخبرنا عن قصته لم سمي أبا تراب قال جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت فقال أين ابن عمك فقالت كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج ولم يقل عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان أنظر أين هو فقال يا رسول الله هو في المسجد راقد فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول قم أبا تراب قم أبا تراب أخرجه الشيخان وفي الرياض عن أبي سعيد التيمي قال كنا نبيع الثياب على عواتقنا ونحن غلمان في السوق فإذا رأينا عليا قد أقبل قلنا بزرك اشكم قال علي ما يقولون قال يقولون عظيم البطن قال أجل أعلاه علم وأسفله طعام وعن أبي لبيد قال رأيت علي بن أبي طالب يتوضأ فحسر العمامة عن رأسه فرأيت رأسه مثل راحتي عليه مثل خط الأصابع من الشعر أخرجه ابن الضحاك وعن قيس بن عباد قال قدمت المدينة أطلب العلم فرأيت رجلا عليه بردان وله ضفيرتان قد وضع يده على عاتق عمر


فقلت من هذا قالوا علي أخرجه ابن الضحاك أيضا ولا تضاد بينهما إذ يكون الشعر انحسر عن وسط رأسه وكان في جوانبه شعر مسترسل جمع فضفر باثنتين
الفصل الأول
عن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي
أنت مني بمنزلة هارون من موسى يعني في الآخرة وقرب المرتبة والمظاهرة به في أمر الدين كذا قاله شارح من علمائنا وقال التوربشتي كان هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم مخرجه إلى غزوة تبوك وقد خلف عليا رضي الله عنه على أهله وأمره بالإقامة فيه فأرجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استثقالا وتخففا منه فلما سمع به علي أخذ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فقال يا رسول الله زعم المنافقون كذا فقال كذبوا إنما خلفتك لما تركت ورائي فارجع فأخلفني في أهلي وأهلك أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى تأول قول الله سبحان وقال موسى لأخيه هرون أخلفني في قومي الأعراف والمستدل بهذا الحديث على أن الخلافة كانت له بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم زائغ عن منهج الصواب فإن الخلافة في الأهل في حياته لا تقتضي الخلافة في الأمة بعد مماته والمقايسة التي تمسكوا بها تنتقض عليهم بموت هارون قبل موسى عليهما السلام وإنما يستدل بهذا الحديث على قرب منزلته واختصاصه بالمؤاخاة من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شرح مسلم قال القاضي عياض هذا مما تعلقت به الروافض وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت حقا لعلي رضي الله عنه أنه وصى له بها فكفرت الروافض سائر الصحابة بتقديمهم غيره وزاد بعضهم فكفر عليا لأنه لم يقم في طلب حقه وهؤلاء أسخف عقلا وأفسد مذهبا من أن يذكر قولهم ولا شك في تكفير هؤلاء لأن من كفر الأمة كلها والصدر الأول خصوصا فقد أبطل الشريعة وهدم الإسلام ولا حجة في الحديث لأحد منهم بل فيه إثبات فضيلة لعلي ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره وليس فيه


دلالة على استخلافه بعده لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى لأنه توفي قبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة وقال الطيبي وتحريره من جهة علم المعاني أن قوله مني خبر للمبتدأ ومن اتصالية ومتعلق الخبر خاص والباء زائدة كما في قوله تعالى فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به البقرة أي فإن آمنوا إيمانا مثل إيمانكم يعني أنت متصل بي ونازل مني بمنزلة هارون من موسى وفيه تشبيه ووجه الشبه منه لم يفهم أنه رضي الله عنه فيما شبهه به صلى الله عليه وسلم فبين بقوله إلا أنه لا نبي بعدي أن اتصاله به ليس من جهة النبوة فبقي الإتصال من جهة الخلافة لأنها تلي النبوة في المرتبة إما أن يكون حال حياته أو بعد مماته فخرج من أن يكون بعد مماته لأن هارون عليه السلام مات قبل موسى فتعين أن يكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك انتهى وخلاصته أن الخلافة الجزئية في حياته لا تدل على الخلافة الكلية بعد مماته لا سيما وقد عزل عن تلك الخلافة برجوعه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وفي شرح مسلم قال بعض العلماء في قوله إلا أنه لا نبي بعدي دليل على أن عيسى ابن مريم إذا نزل ينزل حكما من حكام هذه الأمة يدعو بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ولا ينزل نبيا أقول ولا منافاة بين أن يكون نبيا ويكون متابعا لنبينا صلى الله عليه وسلم في بيان


أحكام شريعته وإتقان طريقته ولو بالوحي إليه كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي أي مع وصف النبوة والرسالة وإلا فمع سلبهما لا يفيد زيادة المزية فالمعنى أنه لا يحدث بعده نبي لأنه خاتم النبيين السابقين وفيه إيماء إلى أنه لو كان بعده نبي لكان عليا وهو لا ينافي ما ورد في حق عمر صريحا لأن الحكم فرضي وتقديري فكأنه قال لو تصور بعدي نبي لكان جماعة من أصحابي أنبياء ولكن لا نبي بعدي وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم لو عاش إبراهيم لكان نبيا وأما حديث علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل فقد صرح الحفاظ كالزركشي والعسقلاني والدميري والسيوطي أنه لا أصل له ثم رأيت بعضهم ذكر وزيادة ولو كان لكنته لكن قال الخطيب هذه الزيادة لا نعلم من رواها إلا ابن الأزهر وكان يضع وقال ابن النجار المتن صحيح والزيادة غير محفوظة الله أعلم بواضعها متفق عليه وفي الرياض أخرجه الشيخان وأخرجه الترمذي وأبو حاتم ولم يقولا إلا أنه لا نبي بعدي وعنه قال خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا في غزوة تبوك فقال يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان قال أما ترضى بأن تكون مني منزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي أخرجه أحمد ومسلم وأبو حاتم وعن أسماء بنت عميس قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم إني أقول كما قال أخي موسى اللهم اجعل لي وزيرا من أهلي أخي عليا أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا أنك كنت بنا بصيرا أخرجه أحمد في المناقب وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي في غزوة تبوك أما ترضى أن يكون لك من الأجر مثل ما لي ولك من المغنم ما لي وأخرجه الخلعي وروى ابن ماجه وأبو بكر الطبري في جزئه عن أبي سعيد ولفظه علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وروى الخطيب عن البراء والديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس بلفظ علي مني بمنزلة رأسي من بدني


وعن زر بكسر الزاي وتشديد الراء ابن حبيش بضم مهملة وفتح موحدة فسكون تحتية فشين معجمة قال المؤلف أسدي كوفي عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين وهو من أكابر القراء المشهورين من أصحاب عبد الله بن مسعود وسمع عمر روى عنه خلق كثير من التابعين وغيرهم قال قال علي رضي الله عنه والذي فلق الحبة أي
شقها وأخرج النبات منها وبرأ النسمة أي خلق كل ذات روح إنه أي الشأن لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي أي أكد ذلك وبالغ علي حتى كأنه عهد إلي وفي نسخة بسكون الهاء على أنه مصدر مرفوع مضاف إلى النبي الأمي وهو فاعله لقوله إلي وأن في قوله أن لا يحبني مصدرية أو تفسيرية لما في العهد من معنى القول والمعنى لا يحبني حبا مشروعا مطابقا للواقع من غير زيادة ونقصان ليخرج النصيري والخارجي إلا مؤمن أي كامل الإيمان فمن أحبه وأبغض الشيخين مثلا فما أحبه حبا مشروعا أيضا كما أشار إليه السيد جمال الدين لكن عبارته قاصرة بل موهمة حيث قال أي لا يحبني حبا مشروعا فلا ينتقض حينئذ بمن يحبه ويبغض أبا بكر وعمر ولا يبغضني إلا منافق أي حقيقة أو حكما رواه مسلم وأخرجه الترمذي ولفظه عهد إلي من غير قسم وقال حسن صحيح وعن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة أخرجه أحمد والترمذي وقال هذا حديث غريب وعن أم سلمة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق أخرجه أحمد في المسند وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرابتي أخي وابن عمي علي بن أبي طالب فإنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني أخرجه أحمد في المناقب وعن


فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته أخرجه أحمد وروى الحاكم عن أنس مرفوعا حب العرب إيمان وبغضهم نفاق وروى ابن عدي عن أنس حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق وروى ابن عساكر عن جابر حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما كفر وحب الأنصار من الإيمان وبغضهم كفر وحب العرب من الإيمان وبغضهم كفر ومن سب أصحابي فعليه لعنة الله ومن حفظني فيهم فأنا أحفظه يوم القيامة


وعن سهل بن سعد أي الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر أي زمن محاصرته أو آخر نهار من أيامه لما في البخاري فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطين هذه الراية أي العلم التي هي علامة للإمارة غدا أي في غد رجلا يفتح على يديه أي بسببه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وفيه إيماء إلى قوله تعالى يحبهم ويحبونه المائدة وبحثه طويل الذيل عزيز النيل وفي رواية قال فبات الناس يدوكون ليلهم أيهم يعطى والدوك الخوض فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أتوه وقت الغدوة كلهم يرجون أي يتمنون أن يعطاها أي الراية التي هي آية الفتح فجمع الضمير في يرجون نظر إلى معنى كلهم وأفرد في يعطي نظرا إلى لفظه وفيه لطيفة وهي شمول الرجاء دون حصول الإعطاء فقال أين علي بن أبي طالب فيه أنه وقع في هذا المقام مراد وغير مريد والله غالب على أمره في إعطاء المزيد لمن يريد فقالوا هو يا رسول الله يشتكي عينيه والمعنى أنه حصل عذر لديه قال الطيبي أي أين علي ما لي لا أراه حاضرا فيستقيم جوابهم هو يا رسول الله يشتكي عينيه ونحوه قوله تعالى ما لي لا أرى الهدهد النمل كأنه صلى الله عليه وسلم استبعد غيبته عن حضرته في مثل ذلك الموطن لا سيما وقد قال لأعطين هذه الراية إلى آخره وقد حضر الناس كلهم طمعا بأن يكون هو الذي يفوز بذلك الوعد وتقديم القوم الضمير وبناء يشتكي عليه اعتذار منهم على سبيل التوكيد قال فأرسلوا إليه بكسر السين والمعنى فأرسلوا إليه فأتي به أي فجيء به فبصق وفي رواية فلما جاء بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ألقى بزاقه في عينيه وفي رواية فدعا له فبرأ بفتح الراء وقد يكسر أي فصح على من جهة عينيه وعوفي عافية كاملة حتى كأن لم يكن به وجع أي ولا سبب وجع من الرمد ولا ضعف بصر أصلا فأعطاه الراية فقال علي يا رسول الله أقاتلهم بهمزة مقدرة أو بدونها حتى


يكونوا مثلها أي حتى يسلموا قال انفذ بضم الفاء أي امض على رسلك بكسر فسكون أي رفقك ولينك حتى تنزل بساحتهم أي حتى
تبلغ فناءهم من أرضهم ثم ادعهم إلى الإسلام أي أولا وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه أي في الإسلام وكأن هنا محذوفا أو جملة مطوية وهي فإن أبوا عنه فاطلب الجزية فإن أبوا فقاتلهم حتى يسلموا حقيقة أو حكما أومعناه ينقادوا قال الطيبي كأنه صلى الله عليه وسلم استحسن قوله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا واستحمده على ما قصده من مقاتلته إياهم حتى يكونوا أمثالنا مهتدين إعلاء لدين الله ومن ثم حثه صلى الله عليه وسلم على ما نواه بقوله فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعيم يراد به حمر الإبل وهي أعزها وأنفسها ويضربون بها المثل في نفاسة الشيء وأنه ليس هناك أعظم منه قال النووي تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام وإلا فقدر يسير من الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها أقول والظاهر أن قوله فو الله الخ تأكيد لما أرشده من دعائهم إلى الإسلام أولا فإنه ربما يكون سببا لإيمانهم من غير حاجة إلى قتالهم المتفرع عليه حصول الغنائم من حمر النعم وغيرها فإن إيجاد مؤمن واحد خير من إعدام ألف كافر على ما صرح به ابن الهمام في أول كتاب النكاح معللا به على وجه تقديمه على كتاب السير والجهاد والحمر بضم فسكون جمع أحمر وأما بضم الميم فهو جمع حمار والنعم بفتحتين وقد يكسر عينه على ما في القاموس الإبل والشاة أو خاص بالإبل وأما النعم بكسر النون فهو جمع نعمة متفق عليه وروى الطبراني عن أبي رافع مرفوعا لأن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس أي خير من الدنيا وما فيها وقيل أراد أن تكون له ويتصدق بها وفي الرياض عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله بفتح الله عليه وقال عمر فما أحببت الإمارة


إلا يومئذ فتشارفت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فأعطاه إياها وقال امش ولا تلتف فسار على شيئا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ يا رسول الله على ما أقاتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل أخرجه مسلم وعن سلمة بن الأكوع قال كان علي قد تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر وكان به رمد فقال أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما كانت الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطين الراية أو ليأخذن الراية غدا رجل يحبه الله ورسوله أو قال يحب الله ورسوله بفتح الله عليه فإذا نحن بعلي وما نرجوه فقال هذا علي فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الله عليه أخرجه البخاري ومسلم وعن بريدة قال حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له ثم أخذ عمر من الغد فخرج


ورجع ولم يفتح له وأصاب الناس يومئذ شدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني دافع غدا إلي رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح عليه فبتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدا فلما أصبح صلى الله عليه وسلم قام قائما فدعا باللواء والناس على مصافهم فدعا عليا وهو أرمد فتفل في عينه ودفع اللواء إليه ففتح له قال بريدة وأنا ممن تطاول لها أخرجه أحمد في المناقب وعن سلمة بن الأكوع قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق برايته وكانت بيضاء إلى بعض حصون خيبر فقاتل ورجع ولم يكن فتح وقد جهد ثم بعث الغد عمر بن الخطاب فقاتل ولم يكن فتح وقد جهد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال خذ هذه الراية فامض حتى يفتح الله عليك قال سلمة فخرج والله بها يهرول هرولة وأنا خلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال من أنت قال أنا علي بن أبي طالب قال اليهودي علوتم وما أنزل على موسى أو كما قال فما رجع حتى فتح الله على يديه أخرجه ابن إسحاق وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من اليهود وطرح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به نفسه فلم يزل بيده حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في نفر مع سبعة إناثا منهم نجتهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه أخرجه أحمد في المناقب وعن جابر بن عبد الله أن علي بن أبي طالب حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها وبعد ذلك لم يحمله أربعون رجلا وفي طريق ضعيف ثم اجتمع عليه سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب أخرجهما الحاكمي


في الأربعين وعن علي قال ما رمدت بعد تفل النبي صلى الله عليه وسلم في عين أخرجه أحمد وأخرج أحمد أيضا عن عبد الرحمن بن أبي يعلى قال كان أبي يسمر مع علي وكان علي يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف فقيل له لو سألته فسأله فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلي وأنا أرمد العين يوم خيبر فقلت يا رسول الله إني أرمد العين قال فتفل في عيني وقال اللهم أذهب عنه الحر والبرد فما وجدت حرا ولا بردا منذ يومئذ وقال لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار فتشرف لها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأعطانيها وذكر حديث البراء قال لعلي أنت مني وأنا منك في باب بلوغ الصغير أي لما كان له تعلق بالحضانة والحديث هناك مشتمل على فضل علي وجعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم أجمعين

الفصل الثاني


عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن عليا مني وأنا منه أي في النسب والمصاهرة والمسابقة والمحبة وغير ذلك من المزايا لا في محض القرابة وإلا فغيره مشارك له فيها وهو ولي كل مؤمن أي حبيبه كما قاله ابن الملك أو ناصره أو متولي أمره قال الطيبي هو إشارة إلى قوله تعالى وإنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون المائدة وفي الكشاف قيل نزلت في علي رضي الله عنه فإن قلت كيف يصح أن يكون لعلي واللفظ لفظ جماعة قلت جيء به ترغيبا للناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه وليبنه على أن سجية المؤمن يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان قال البيضاوي قوله وهم راكعون أي متخشعون في صلاتهم وزكاتهم وقيل هو حال مخصوصة بيؤتون أي يؤتون الزكاة في حال ركوعهم في الصلاة حرصا على الإحسان ومسارعة إليه فإنها نزلت في علي كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه انتهى والحديث رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بروايات مختلفة قال القاضي واستدل به الشيعة على إمامته زاعمين أن المراد بالولي المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيهم والظاهر ما ذكرناه من أنه تعالى لما نهى عن موالاة الكفرة ذكر عقيبه من هو حقيق بها وإنما لم يقل أولياؤكم للتنبيه على أن الولاية لله على الأصالة ولرسوله وللمؤمنين على التبع مع أن حمل الجمع على الواحد أيضا خلاف الظاهر قال السيد معين الدين الصفوي ما قبل الآية ينادي على أن المراد من الولاية ليس التولي للأمور والمستحق للتصرف كما قالت الشيعة بل ذكره بلفظ الجمع تحريضا على المبادرة على ا لصدقة فيدخل فيه كل من يبادر فلا يستدل بهذه الآية على إمامة علي رضي الله عنه انتهى والحاصل أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لا سيما واللفظ بصيغة الجمع فيدخل علي كرم الله وجهه فيه دخولا أوليا لا أن الأمر محصور فيه حقيقيا رواه


الترمذي وفي الرياض عن عمران بن حصين قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليها عليا قال فمضى على السرية فأصاب جارية فأنكروا عليه وتعاقد أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إذا لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه بما صنع علي فقال عمران وكان المسلمون إذا قدموا من سفر بدؤوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليه ثم انصرفوا إلى رحالهم فلما قدمت السرية سلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أحد


الأربعة فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تر أن عليا صنع كذا وكذا فأعرض عنه ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والغضب يعرف في وجهه فقال ما تريدون من علي ثلاثا إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وأخرجه أحمد وقال فيه فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأربع وقد تغير وجهه فقال دعوا عليا علي مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن من بعدي وله طريق آخر عن بريدة وأصله في صحيح البخاري وأخرجه أحمد في المناقب عن أبي رافع قال لما قتل علي أصحاب الألوية يوم أحد قال جبريل يا رسول الله إن هذه لهي المواساة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنه مني وأنا منه فقال جبريل وأنا منكما يا رسول الله وعن زيد بن أرقم ذكره تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كنت مولاه فعلي مولاه قيل معناه من كنت أتولاه فعلي يتولاه من الولي ضد العدو أي من كنت أحبه فعلي يحبه وقيل معناه من يتولاني فعلي يتولاه كذا ذكره شارح من علمائنا وفي النهاية المولى يقع على جماعة كثيرة كالرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتق والمنعم عليه وأكثرها قد جاءت في الأحاديث فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه وقوله من كنت مولاه يحمل على أكثر هذه الأسماء المذكورة قال الشافعي يعني بذلك ولاء الإسلام كقوله تعالى ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم محمد وقول عمر لعلي أصبحت مولى كل مؤمن أي والي كل مؤمن وقيل سبب ذلك أن أسامة قال لعلي لست مولاي إنما مولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم من كنت مولاه فعلي مولاه وفي شرح المصابيح للقاضي قالت الشيعة هو المتصرف وقالوا معنى


الحديث أن عليا رضي الله عنه يستحق التصرف في كل ما يستحق الرسول صلى الله عليه وسلم التصرف فيه ومن ذلك أمور المؤمنين فيكون إمامهم قال الطيبي لا يستقيم أن تحمل الولاية على الإمامة التي هي التصرف في أمور المؤمنين لأن المتصرف المستقل في حياته صلى الله عليه وسلم هو هو لا غيره فجيب أن يحمل على المحبة وولاء الإسلام ونحوهما اه وقيل سبب ورود هذا الحديث كما نقله الحافظ شمس الدين الجزري عن ابن إسحاق أن عليا تكلم بعض من كان معه باليمن فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم حجة خطب بها تنبيها على قدره وردا على من تكلم فيه كبريدة كما في البخاري وسبب ذلك كما رواه الذهبي وصححه أنه خرج معه إلى اليمن فرأى منه جفوة نقصه للنبي صلى الله عليه وسلم فجعل يتغير ووجهه عليه السلام ويقول يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول


الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه رواه أحمد والترمذي وفي الجامع رواه أحمد وابن ماجه عن البراء وأحمد عن بريدة والترمذي والنسائي والضياء عن زيد بن أرقم ففي إسناد المصنف الحديث عن زيد بن أرقم إلى أحمد والترمذي مسامحة لا تخفى وفي رواية لأحمد والنسائي والحاكم عن بريدة بلفظ من كنت وليه فعلي وليه وروى المحاملي في أماليه عن ابن عباس ولفظه علي بن أبي طالب مولى من كن مولاه والحاصل أن هذا حديث صحيح لا مرية فيه بل بعض الحفاظ عده متواترا إذ في رواية أحمد أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعليل لما نوزع أيام خلافته وسيأتي زيادة تحقيق في الفصل الثالث عند حديث البراء وعن حبشي بضم حاء وسكون موحدة فكسر فتشديد تحتية ابن جنادة بضم الجيم قال المؤلف رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وله صحبة عداده في أهل الكوفة روى عنه جماعة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علي مني وأنا من علي مر معناه ولا يؤدي عني أي نبذ العهد إلا أنا وعلي كان الظاهر أن يقال لا يؤدي عني إلا علي فأدخل أنا تأكيدا لمعنى الاتصال في قوله علي مني وأنا منه قال التوربشتي كان من دأب العرب إذا كان بينهم مقاولة في نقض وإبرام وصلح ونبذ عهد أن لا يؤدي ذلك إلا سيد القوم أو من يليه من ذوي قرابته القريبة ولا يقبلون ممن سواهم فلما كان العام الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن يحج بالناس رأى بعد خروجه أن يبعث عليا كرم الله وجهه خلفه لينبذ إلى المشركين عهدهم ويقرأ عليهم سورة براءة وفيها إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا التوبة إلى غير ذلك من الأحكام فقال قوله هذا تكريما له بذلك قلت واعتذارا لأبي بكر في مقامه هنالك ولذا قال الصديق لعلي حين لحقه من ورائه أمير أو مأمور فقال بل مأمور وفيه إيماء إلى أن إمارته إنما تكون متأخرة عن خلافة الصديق كما لا يخفى على ذوي


التحقيق رواه الترمذي وكذا أحمد والنسائي وابن ماجه عن حبشي على ما في الجامع ورواه أحمد عن أبي جنادة فلعل أحمد له روايتان ولم يذكر المؤلف أبا جنادة في أسمائه
وعن ابن عمر قال آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمد الهمزة أي جعل المؤاخاة في الدين بين أصحابه أي اثنين اثنين كأبي الدرداء وسلمان فجاء علي تدمع عيناه أي فسئل مالك فقال وفي رواية يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بالهمز ويجوز إبداله واوا بيني وبين أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي جبرا له بما كان خيرا له أنت أخي في الدنيا والآخرة رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وأخرجه أحمد في المناقب عن عمر ابن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين الناس وترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له أخا فقال يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني قال ولم تراني تركتك تركتك لنفسي أنت أخي وأنا أخوك فإن ذكرك أحد فقل أنا عبد الله وأخو رسوله لا يدعيها بعد إلا كذاب وعن أنس قال كان عند النبي صلى الله عليه وسلم طير أي مشوي أو مطبوخ أهدي إليه صلى الله عليه وسلم وفي رواية أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طيرين بين رغيفين فقدمت إليه فقال اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وفي رواية وإلى رسولك يأكل بالرفع وفي نسخة بالجزم معي هذا الطير فجاءه علي فأكل معه رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب أي إسنادا أو متنا ولا منع من الجمع قال ابن الجوزي موضوع وقال الحاكم ليس بموضوع وفي المختصر قال له طرق كثيرة كلها ضعيفة وفي الرياض رواه أحمد في المناقب قال الإمام التوربشتي نحن وإن كنا نجهل بحمد الله فضل علي رضي الله عنه وقدمه وسوابقه في الإسلام واختصاصه برسول الله صلى الله عليه وسلم لقرابته القريبة ومؤاخاته إياه في الدين ونتمسك من حبه بأقوى وأولى مما يدعيه الغالون فيه فلسنا نرى أن نضرب عن تقرير أمثال هذه الأحاديث في نصابها صفحا لما


يخشى فيه من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وهذا باب أمر بمحافظته وجيء أمر بالذب عنه فحقيق علينا أن ننصر فيه الحق ونقدم فيه الصدق وهذا حديث تدلس به المبتدع شأنه ويوصل به المنتحل جناحه ليتخذه ذريعة إلى الطعن في خلافة
أبي بكر رضي الله عنه التي هي أول حكم أجمع عليه المسلمون في هذه الأمة وأقوم عماد أقيم به الدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول وبالله التوفيق هذا الحديث لا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر والقول بخيريته من الأخبار الصحاح منضما إليها إجماع الصحابة لمكان سنده فإن فيه لأهل النقل مقالا ولا يجوز حمل أمثاله على ما يخالف الإجماع لا سيما والصحابي الذي يرويه ممن دخل في هذا الإجماع واستقام عليه مدة عمره ولم ينقل عنه خلافه فلو ثبت عنه هذا الحديث فالسبيل أن يؤول على وجه لا ينقض عليه ما اعتقده ولا يخالف ما هو أصح منه متنا وإسنادا وهو أن يقال يحمل قوله بأحب خلقك على أن المراد منه ائتني بمن هو من أحب خلقك إليك فيشاركه فيه غيره وهم المفضلون بإجماع الأمة وهذا مثل قولهم فلان أعقل الناس وأفضلهم أي من أعقلهم وأفضلهم ومما يبين لك أن حمله على العموم غير جائز هو أن النبي صلى الله عليه وسلم من جملة خلق الله ولا جائز أن يكون علي أحب إلى الله منه فإن قيل ذلك شيء عرف بأصل الشرع قلنا والذي نحن فيه عرف أيضا بالنصوص الصحيحة وإجماع الأمة فيؤول هذا الحديث على الوجه الذي ذكرناه أو على أنه أراد به أحب خلقه إليه من بني عمه وذويه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلق القول وهو يريد تقييده ويعم به ويريد تخصيصه فيعرفه ذوو الفهم بالنظر إلى الحال أو الوقت أو الأمر الذي هو فيه قال الطيبي والوجه الذي يقتضيه المقام هو الوجه الثاني لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يأكل وحده لأنه ليس من شيمة أهل المروءات فطلب من الله تعالى أن يؤتى له من يؤاكله وكان ذلك برا وإحسانا منه إليه وأبر المبرات


بذوي الرحم وصلته كأنه قال بأحب خلقك إليك من ذوي القرابة القريبة ومن هو أولى بإحساني وبري إليه اه وفيه أن لا شك أن العم أولى من ابنه وكذا البنت وأولادها في أمر البر والإحسان على أن قول الطيبي هذا إنما يتم إذا لم يكن أحد هناك ممن يؤاكله ولا شك في وجوده لا سيما وأنس حاضر وهو خادمه ولم يكن من عادته أنه لا يأكل معه فالوجه الأول هو المعول ونظيره ما ورد أحاديث بلفظ أفضل الأعمال في أمور لا يمكن جمعها إلا أن يقال في بعضها أن التقدير من أفضلها وعن علي رضي الله عنه قال كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي طلبت شيئا أعطاني أي المسؤول أو جوابه وإذا سكت ابتدأني أي بالتكلم أو الاعطاء ففيه إشعار بأن حسن الأدب هو السكوت وتفويض الأمر الموجب للتعظيم المتفرع عليه الإقبال المنتج للإعطاء أولا ويؤيده حديث من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ومما يدل على كرمه وزهده ما ذكره أصحاب المناقب عن علي قال لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع وإن صدقتي اليوم أربعون ألفا وفي رواية وأن


صدقة مالي لتبلغ أربعين ألف دينار أخرجهما أحمد وربما يتوهم متوهم أن مال علي تبلغ زكاته هذا القدر وليس كذلك فإنه كان أزهد الناس فقيل معناه أن الذي تصدقت به منذ كان لي مال إلى اليوم كذا وكذا ألفا ثم ذكره لذلك إنما هو في معرض الشكر على هذه الخلة وعدم الاكتراث بما خرج لله تعالى وإن إخراجه أبلغ في الزهد من عدمه وأبعد من قال ويحتمل أن يكون في معرض التوبيخ لنفسه تنتقل الحال إلى مثل هذا بعد ذلك الحال وعن سهل بن سعد أن علي بن أبي طالب دخل على فاطمة والحسن والحسين يبكيان فقال ما يبكيهما قالت الجوع فخرج علي فوجد دينارا في السوق فجاء إلى فاطمة فأخبرها فقالت اذهب إلى فلان اليهودي فخذ لنا به دقيقا فجاء إلى اليهودي فاشترى به دقيقا فقال اليهودي أنت ختن هذا الذي يزعم أنه رسول الله قال نعم قال فخذ دينارك ولك الدقيق فخرج علي حتى جاء به فاطمة فأخبرها فقالت اذهب إلى فلان الجزار فخذ لنا بدرهم لحما فذهب فرهن الدينار بدرهم على لحم فجاء به فعجنت ونصبت وخبزت فأرسلت إلى أبيها فجاءهم فقالت يا رسول الله أذكر لك فإن رأيته حلالا أكلنا وأكلت من شأنه كذا قال كلوا باسم الله فأكلوا فبينما هم مكانهم إذا غلام ينشد الله والإسلام للدينار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعي له فسأله فقال سقط مني في السوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا علي اذهب إلى الجزار فقل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك أرسل إلي بالدينار ودرهمك علي فأرسل به فدفع إليه أخرجه أبو داود ومما يدل على تواضعه ما أخرجه البغوي في معجمه عن أبي صالح بياع الأكسية عن جده قال رأيت عليا اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقيل يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك قال أبو العيال أحق بحمله وعن زيد بن وهب أن الجعد بن نعجة من الخوارج عاتب عليا في لباسه فقال مالي وللباس هذا هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم أخرجه أحمد وصاحب الصفوة ومما يدل على ورعه ما


أخرجه أحمد عن عبد الله بن رزين قال دخلت على علي يوم الأضحى فقرب إلينا حريرة فقلت أصلحك الله لو قربت إلينا من هذا البط يعني الأوز فإن الله قد أكثر الخبز فقال يا ابن رزين سمعت رسول الله يقول لا يحل لخليفة من مال الله إلا قصعتان قصعة يأكلها هو وأهله وقصعة يضعها بين أيدي الناس وعن علي ابن أبي ربيعة أن علي بن أبي طالب جاءه ابن التياح فقال يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء قال الله أكبر فقام متوكئا على ابن التياح حتى قام وأمر فنودي في الناس


فأعطي جميع ما في بيت مال المسلمين وهو يقول يا صفراء يا بيضاء غري غيري ها وها حتى ما بقي منه دينار ولا درهم ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين أخرجه أحمد في المناقب وفي رواية عند أحمد فصلى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة وعن علي قال جعت بالمدينة جوعا شديدا فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرا فظننتها تريد بله فأتيتها فعاطيتها كل دلو بتمرة فعددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يدي ثم أتيتها فقلت بكلتي يدي هكذا بين يديها وبسط إسماعيل راوي الحديث يديه جميعا فعدت لي ستة عشر تمرة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأكل معي منها وقال لي خيرا ودعا لي أخرجه أحمد في المناقب وصاحب الصفوة والفضائلي رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وأخرج ابن سعد عن علي أنه قيل له مالك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني كنت إذا سألته آتاني وإذا سكت ابتدأني وعنه أي عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا دار الحكمة وفي رواية أنا مدينة العلم وفي رواية المصابيح أنا دار العلم وعلي بابها باب من أبواب وفي رواية زيادة فمن أراد العلم فليأته من بابه والمعنى على باب من أبوابها ولكن التخصيص يفيد نوعا من التعظيم وهو كذلك لأنه بالنسبة إلى بعض الصحابة أعظمهم وأعلمهم ومما يدل على أن جميع الأصحاب بمنزلة الأبواب قوله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم مع الإيماء إلى اختلاف مراتب أنوارها في الاهتداء ومما يحقق ذلك أن التابعين أخذوا أنواع العلوم الشرعية من القراءة والتفسير والحديث والفقه من سائر الصحابة غير علي رضي الله عنه أيضا فعلم عدم انحصار البابية في حقه اللهم إلا أن يختص بباب القضاء فإنه ورد في شأنه إنه أقضاكم كما أنه جاء في حق أبي أنه أقرؤكم وفي حق زيد بن ثابت إنه أفرضكم وفي حق معاذ بن جبل إنه أعلمكم بالحلال والحرام ومما يدل على جزالة علمه ما في الرياض عن معقل


بن يسار قال وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل لك في فاطمة تعودها فقلت نعم فقام متوكئا علي فقال إنه سيحمل ثقلها غيرك ويكون أجرها لك قال فكأنه لم يكن علي شيء حتى دخلنا على فاطمة فقلنا كيف تجدينك قالت لقد اشتد حزني
واشتدت فاقتي وطال سقمي قال عبد الله بن أحمد بن حنبل وجدت بخط أبي في هذا الحديث قال أو ما ترضين أن زوجك أقدمهم سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما أخرجه أحمد وعن ابن عباس وقد سأله الناس فقالوا أي رجل كان عليا قال كان قد ملىء جوفه حكما وعلما وبأسا ونجدة مع قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد في المناقب وعن سعيد بن المسيب قال عمر كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن أخرجه أحمد قال سعيد بن المسيب قال عمر كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن أخرجه أحمد قال الطيبي لعل الشيعة تتمسك بهذا التمثيل أن أخذ العلم والحكمة منه مختص به لا يتجاوزه إلى غيره إلا بواسطته رضي الله عنه لأن الدار إنما يدخل من بابها وقد قال تعالى وأتوا البيوت من أبوابها البقرة ولا حجة لهم فيه إذ ليس دار الجنة بأوسع من دار الحكمة ولها ثمانية أبواب رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب أي إسنادا وقال أي الترمذي روى بعضهم هذا الحديث عن شريك وهو شريك بن عبد الله قاضي بغداد ذكره شارح ولم يذكروا أي ذلك البعض فيه أي في إسناد هذا الحديث عن الصنابحي بضم صاد وكسر موحدة ومهملة ولا نعرف أي نحن هذا الحديث عن أحد من الثقاث غير شريك بالنصب على الاستثناء وفي نسخة بالجر على أنه بدل من أحد قيل وفي بعض نسخ الترمذي عن شريك بدل غير شريك والله أعلم ثم أعلم أن حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها رواه الحاكم في المناقب من مستدركه من حديث ابن عباس وقال صحيح وتعقبه الذهبي فقال بل هو موضوع وقال أبو زرعة كم خلق افتضحوا فيه وقال يحيى بن معين لا أصل له كذا قال أبو حاتم ويحيى بن سعيد وقال الدارقطني ثابت ورواه الترمذي في المناقب من


جامعه وقال إنه منكر وكذا قال البخاري إنه ليس له وجه صحيح وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال ابن دقيق العيد هذا الحديث لم يثبتوه وقيل إنه باطل لكن قال الحافظ أبو سعيد العلائي الصواب أنه حسن باعتبار طرقه لا صحيح ولا ضعيف فضلا عن أن يكون موضوعا ذكره الزركشي وسئل الحافظ العسقلاني عنه فقال إنه حسن لا صحيح كما قال الحاكم ولا موضوع كما قال ابن الجوزي قال السيوطي وقد بسطت كلام العلائي والعسقلاني في التعقبات التي على الموضوعات اه وفي خبر الفردوس أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها وشذ بعضهم فأجاب إن معنى وعلي بابها أنه فعيل من العلو على حد قراءة صراط علي مستقيم برفع علي وتنوينه كما قرأ به يعقوب


وعن جابر قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا يوم الطائف قال شارح أي يوم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى الطائف فانتجاه من باب الافتعال من النجوى أي فساره وقال له نجوى فقال الناس أي المنافقون أو عوام الصحابة لقد طال نجواه مع ابن عمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتجيته أي ما خصصته بالنجوى أنا ولكن الله انتجاه بتشديد لكن ويخفف والمعنى أني بلغته عن الله ما أمرني أن أبلغه إياه على سبيل النجوى فحينئذ انتجاه الله لا انتجيته فهو نظير قوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى الأنفال قال الطيبي رحمه الله كان ذلك أسرارا إلهية وأمورا غيبية جعله من خزانها اه وفيه أن الظاهر أن الأمر المتناجي به من الأسرار الدنيوية المتعلقة بالأخبار الدينية من أمر الغزو ونحوه إذ ثبت في صحيح البخاري أنه سئل علي كرم الله وجهه هل عندكم شيء ليس في القرآن فقال والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطاه رجل في كتابه وما في الصحيفة قيل وما في الصحيفة فقال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر ثم هذا التناجي يحتمل أنه بعد نزول آية يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة المجادلة واختلفوا في أمره للندب أو للوجوب لكنه منسوخ بقوله أأشفقتم وهو وإن اتصل به تلاوة لم يتصل به نزولا حتى يمكن العمل به وعن علي رضي الله عنه إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم رواه الترمذي وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يا علي لا يحل لأحد يجنب بضم أوله وكسر نونه قال الطيبي ظاهره أن يجنب يكون فاعلا لقوله لا يحل وقوله في هذا المسجد ظرف ليجنب وفيه إشكال ولذلك أوله ضرار بن صرد صفة لأحد غيري وغيرك بالنصب على الاستثناء وفي كثير من النسخ بالرفع ولا يظهر له وجه إلا أن يقال خبر مبتدأ محذوف أي هو


غيري وغيرك قال علي بن المنذر قال المؤلف هو كوفي عرف
بالطريقي روى عن ابن عيينة والوليد بن مسلم وعنه الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم قال ابن أبي حاتم سمعت منه مع أبي وهو ثقة صدوق وقال النسائي شيعي محض ثقة مات سنة ست وخمسين ومائتين فقلت لضرار بكسر الضاد المعجمة ابن صرد بضم ففتح فتنوين يكنى أبا نعيم الكوفي الطحان سمع المعتمر بن سليمان وغيره وروى عنه علي بن المنذر ما معنى هذا الحديث قال لا يحل لأحد يتسطرقه جنبا غيري وغيرك قال القاضي ذكره في شرحه أنه لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك وهذا إنما يستقيم إذا جعل يجنب صفة لأحد ومتعلق الجار محذوفا فيكون تقدير الكلام لا يحل لأحد تصيبه الجنابة يمر في هذا المسجد غيري وغيرك وكان ممر دارهما خاصة في المسجد قال الطيبي والإشارة في هذا المسجد مشعرة بأن له اختصاصا بهذا الحكم ليس لغيره من المساجد وليس ذلك إلا لأن باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح إلى المسجد وكذا باب علي ويؤيده حديث ابن عباس في الفصل الثالث أمر بسد الأبواب إلا باب علي رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وقال الجزري هذا الحديث ضعيف باتفاقهم اه وسيأتي بحث وارد هنا في الفصل الثالث عند قوله أمر بسد الأبواب إلا باب علي وعن أم عطية قال المؤلف هي نسيبة بضم النون وفتح السين المهملة وسكون الياء وفتح الباء الموحدة بنت كعب وقيل بنت الحارث الأنصارية بايعت النبي صلى الله عليه وسلم فتمرض المرضى وتداوي الجرحى قالت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم علي قالت فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رافع يديه يقول أي حين إرساله أو عند توقع إقباله اللهم لا تمتني بضم فكسر أي لا تقبض روحي حتى تريني بضم فكسر أي تبصرني عليا أي رجوعه بالسلامة رواه الترمذي وعن الحسن أنه قال حين قتل علي لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون بعلمه ولا أدركه الآخرون كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه بالسرية


وجبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله لا ينصرف حتى يفتح عليه أخرجه أحمد

الفصل الثالث
عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن أي كامل رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب إسنادا وقد سبق ما يؤيده وعنها أي عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سب عليا أي من جهة النسب فقد سبني أي من شتم عليا فكأنه شتمني فمقتضاه أن يكون سب علي كفرا أو هو محمول على التهديد والوعيد أو مبني على الاستحلال والله أعلم بالحال رواه أحمد وكذا الحاكم وروى الطبراني عن ابن عباس من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وفي رواية للطبراني عن علي من سب الأنبياء قتل ومن سب أصحابي جلد وفي الرياض عن عمرو بن شاش الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية قال خرجت مع علي إلى اليمن فجافاني في سفري فوجدت في نفسي عليه فلما قدمت المدينة أظهرت شكايته في المسجد حتى بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه فلما رآني أمد بي عينيه يقول حدد إلى النظر حتى إذا جلست قال يا عمرو والله لقد آذيتني قلت أعوذ بالله أن أؤذيك يا رسول الله فقال بلى من آذى عليا فقد آذاني أخرجه أحمد وعن ابن عباس رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب فقال له أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة من أحبك فقد أحبني وحبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله وعدوك عدوي وعدوي عدو الله الويل لمن أبغضك أخرجه أحمد في المناقب وعن ابن عباس أيضا لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله عز وجل أكبه الله على منخره أخرجه أبو عبد الله الجلالي وعن أم سلمة قالت


سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سب عليا فقد سبني أخرجه أحمد وعن عروة بن الزبير أن رجلا وقع في علي بن أبي طالب بمحضر من عمر فقال له عمر أتعرف صاحب هذا القبر هذا القبر صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد في المناقب وعن أبي سعيد الخدري قال اشتكى الناس عليا يوما فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فسمعته يقول يا أيها الناس لا تشكوا عليا فو الله إنه لأحسن في ذات الله أو قال في سبيل الله أخرجه أحمد وعن علي رضي الله تعالى عنه قال قال لي أي مخصوصا به النبي صلى الله عليه وسلم فيك مثل أي في حقك شبه من عيسى أي من وجهين متعارضين لقومين متخالفين أبغضته اليهود أي بغضا مفرطا حتى بهتوا أمه من بهته كمنعه قال عليه ما لم يفعل والمعنى أنهم افتروا عليها بأن نسبوها إلى الزنا وأحبته النصارى أي حبا بليغا حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له أي مع اختلاف لهم في تلك المنزلة ثم قال أي علي موقوفا يهلك في أي يضل في حقي رجلان أي أحدهما رافضي والآخر خارجي محب مفرط بضم فسكون أي مبالغ عن الحد يقرظني بكسر الراء المشددة أي يمدحني بما ليس في أي بتفضيلي على جميع الصحابة أو على الأنبياء أو بإثبات الألوهية كطائفة النصيرية ومبغض وإنما لم يقل هنا مفرط لأن البغض بأصله ممنوع بخلاف اصل الحب فإنه ممدوح يحمله أي بعثه ويكسبه شنآني بفتحتين ويسكن الثاني وحكي ترك الهمز أي عداوتي على أن يبهتني أي يتكلم علي بالبهتان وينسب إلى الزور والعصيان رواه أحمد أي في المسند وعنه قال ليحبني أقوام حتى يدخلوا النار في حبي ويبغضي أقوام حتى يدخلوا النار في بغضي رواه أحمد في المناقب وعن السدي قال قال علي اللهم العن كل مبغض لنا وكل لنا غال أخرجه أحمد في المناقب وعن البراء بن عازب وزيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل أي في مرجعه


من حجة الوداع في حال كمال أصحابه من الاجتماع بغدير خم بضم خاء وتشديد ميم اسم لغيضة على ثلاثة أميال من الجحفة عندها غدير مشهور يضاف إلى الغيضة أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين أي بجنسهم من أنفسهم وفيه إيماء إلى قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم الأحزاب قالوا بلى قال ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن أي بخصوصه من نفسه أي فضلا عن بقية أهله قالوا بلى فقال اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وفي رواية وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار فلقيه عمر رضي الله عنه بعد ذلك فقال له هنيئا أي طوبى لك أوعش عيشا هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت أي صرت في كل وقت مولى كل مؤمن ومؤمنة تمسكت الشيعة أنه من النص المصرح بخلافة علي رضي الله عنه حيث قالوا معنى المولى الأولى بالإمامة وإلا لما احتاج إلى جمعهم كذلك وهذه من أقوى شبههم ودفعها علماء أهل السنة بأن المولى بمعنى المحبوب وهو علي كرم الله وجهه سيدنا وحبيبنا وله معان أخر تقدمت ومنه الناصر وأمثاله فخرج عن كونه نصا فضلا عن أن يكون صريحا ولو سلم أنه بمعنى الأولى بالإمامة فالمراد به المآل وإلا لزم أن يكون هو الإمام مع وجوده عليه السلام فتعين أن يكون المقصود منه حين يوجد عقد البيعة له فلا ينافيه تقديم الأئمة الثلاثة عليه لانعقاد اجماع من يعتد به حتى من علي ثم سكوته عن الاحتجاج به إلى أيام خلافته قاض على أن من له أدنى مسكة بأنه علم منه أنه لا نص فيه على خلافته عقب وفاته عليه السلام مع أن عليا كرم الله وجهه صرح نفسه بأنه صلى الله عليه وسلم لم ينص عليه ولا على غيره ثم هذا الحديث مع كونه آحادا مختلف في صحته فكيف ساغ للشيعة أن يخالفوا ما اتفقوا عليه من اشتراط التواتر في أحاديث الإمامة هذا إلا تناقض صريح وتعارض قبيح رواه أحمد أي في مسنده وأقل مرتبته


أن يكون حسنا فلا التفات لمن قدح في ثبوت هذا الحديث وأبعد من رده بأن عليا كان باليمن لثبوت رجوعه منها وإدراكه الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم ولعل سبب قول هذا القائل أنه وهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول عند وصوله من المدينة إلى غدير خم ثم قول بعضهم إن زيادة اللهم وال من والاه موضوعة مردودة فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيرا منها والله أعلم وفي الرياض عن رباح بن الحارث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا السلام عليك يا مولانا فقال كيف أكون مولاكم وأنتم عرب قالوا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه قال رباح بن الحارث فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو


أيوب الأنصاري أخرجه أحمد وعن بريدة قال غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير فقال يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه أخرجه أحمد وعن بريدة قال خطب أبو بكر وعمر فاطمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها صغيرة وفي رواية فسكت ولعلها محمولة على مرة أخرى ثم خطبها علي فزوجها منه يوهم أنه مما يدل على أفضلية علي عليهما وليس كذلك أو يحتمل أنها كانت صغيرة عند خطبتهما ثم بعد مدة حين كبرت ودخلت في خمسة عشر خطبها علي أو المراد أنها صغيرة بالنسبة إليهما لكبر سنهما وزوجها من علي لمناسبة سنة لها أو لوحي نزل بتزويجها له ويؤيده ما في الرياض أنه قال لأبي بكر وعمر وغيرهما ممن خطبها لم ينزل القضاء بعد فارتفع الإشكال واندفع الاستدلال رواه النسائي وأخرج أبو الخير القزويني الحاكمي عن أنس بن مالك قال خطب أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة فقال صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر لم ينزل القضاء ثم خطبها عمر مع عدة من قريش كلهم يقول له مثل قوله لأبي بكر فقيل لعلي لو خطبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عسى أن يزوجكها قال وكيف وخطبها أشراف قريش فلم يزوجها فخطبها فقال صلى الله عليه وسلم قد أمرني ربي بذلك قال أنس ثم دعاني النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام فقال لي يا أنس اخرج وادع لي أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير وبعدة من الأنصار قال فدعوتهم فلما اجتمعوا عنده صلى الله عليه وسلم وأخذوا مجالسهم وكان علي غائبا في حاجة النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرهوب من عذابه وسطوته النافذ أمره في سمائه وأرضه الذي


خلق الخلق بقدرته وميزهم بأحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إن الله تبارك وتعالى اسمه وعظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا وأمرا مفترضا او شج به الأرحام وألزمه للأنام فقال عز من قائل وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا الفرقان فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره ولكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب ثم دعا بطبق من بسر فوضعه بين أيدينا ثم قال انهبوا فنهبنا فبينا نحن ننهب إذ دخل علي على النبي صلى الله عليه وسلم فتبسم


النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه ثم قال إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت بذلك فقال قد رضيت بذلك يا رسول الله قال أنس فقال النبي صلى الله عليه وسلم جمع الله شملكما وأسعد جدكما وبارك عليكما وأخرج منكما كثيرا طيبا قال أنس فو الله لقد أخرج منهما كثيرا طيبا وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بسد الأبواب أي المفتوحة في المسجد إلا باب علي ولذا قال لا يحل لأحد في هذا المسجد غيري وغيرك قيل ولا يشكل هذا الحديث بما مر في مناقب أبي بكر من أمره بسد الخوخ جميعها إلا خوخة أبي بكر لأن ذاك فيه التصريح أن أمرهم بالسد كان حال مرض موته وهذا ليس فيه ذلك فيحمل هذا على أمر متقدم على المرض وبذلك يتضح قول العلماء أن ذلك فيه إشارة إلى خلافة أبي بكر على أن ذلك الحديث أصح من هذا واشهر فإنه حديث متفق عليه وهذا كما قال المؤلف رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب أي متنا وإسنادا أو معا لكن قد أخرج أحمد والضياء عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي ففي الرياض أخرجه أحمد عن زيد بن أرقم قال كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب شارعة في المسجد قال فقال يوما سدوا هذه الأبواب إلا باب علي قال فتكلم فيه ناس فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله واثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته وعن ابن عمر قال لقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته وولدت له وسد الأبواب إلا بابه في المسجد وأعطاه الراية يوم خيبر أخرجه أحمد وعن عبد الله بن شريك عن عبد الله بن أرقم الكناني قال خرجنا إلى المدينة زمن الجمل فلقينا سعد بن مالك فقال أمر رسول الله صلى


الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي أخرجه أحمد قال السعدي عبد الله بن شريك كذاب وقال ابن حبان كان غاليا في التشيع وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس وجابر ولا يصح وإنما الصحيح ما أخرج في الصحيحين عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يبقى باب في المسجد إلا سد إلا باب أبي بكر وإن صح الحديث في علي أيضا حمل ذلك أيضا على حالين مختلفين توفيقا بين الحديثين والله أعلم
وعن علي رضي الله عنه قال كانت لي منزلة أي مرتبة قرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الخلائق فيه مبالغة لا تخفى حيث عبر عن الصحابة بجميع الخلائق التي لا تحصى آتية بالمد استئناف بيان لتلك المنزلة أي أجيئه بأعلى سحر أي بأول أوقاته وهو السدس الأخير على ما ذكره الكشاف فأقول السلام عليك يا رسول الله أي سلام استئذان فإن تنحنح أي مع جواب بالسلام أو بدونه بناء على أن سلام الاستئذان هل له جواب واجب أولا انصرفت إلى أهلي أي رجعت إلى أهل بيتي عالما بأن هناك مانعا شرعيا أو عرفيا وإلا أي وإن لم يتنحنح دخلت عليه أي وتشرفت بالحضور لديه ومطالعة النظر إليه رواه النسائي وعنه أي عن علي قال كنت شاكيا أي مريضا فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ذاهبا أوعائدا وأنا أقول اللهم إن كان أجلي أي انتهاء عمري قد حضر أي وقته فأرحني أي بالموت من الإراحة وهي إعطاء الراحة بنوع إزاحة للبلية وإن كان أي أجلي متأخرا فارفغني بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة أي وسع لي في المعيشة بإعطاء الصحة فإن عافيتك أوسع وفي نسخة صحيحة بالعين المهملة ويؤيد الأول ما في النهاية في حديث علي ارفغ لكم المعاش أي أوسع وعيش رافغ أي واسع ذكره الطيبي وهو مشعر بأن أرفغني من باب الأفعال والله أعلم بالحال وفي القاموس الرفغ السعة والخصب وزاد في الصحاح يقال رفغ عيشه رفاغه أي اتسع فهو عيش رافغ ورفيغ أ ي واسع طيب وترفغ الرجل توسع في رفاغته


من العيش قال ميرك والظاهر أن رفغ لازم فقول الطيبي في الحديث أي وسع لي عيشي لا يخلو عن تأويل قلت يعني به الحذف والإيصال ثم قال والذي صحح في اصل سماعنا فأرفعني بالعين المهملة من الرفع ومعناه ظاهر وهو الأنسب بالمقام كما لا يخفى على المتأمل قلت إذا وقع حق التأمل في المقام يظهر أنه غير ملائم للمرام لأن الرفع المتعدي بمعنى القبض ومنه قوله تعالى ورافعك إلي نعم إن صحت الرواية فيقال التقدير فارفع أي المرض عني وإن كان عطف على أن كان الأول فتأمل والمعنى وإن كان المرض بلاء أي مما قدرت له قضاء فصبرني بتشديد الموحدة المكسورة أي أعطني


الصبر عليه ولا تجعلني من أهلا الجزع لديه وفيه إيماء إلى قوله تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله النحل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت فأعاد أي علي عليه ما قال أي أولا فضر به برجله أي ليتنبه عن غفلة أمره وينتهي عن شكاية حاله وتتصل إليه بركة قدمه وليحصل له كمال متابعته في أثره وقال اللهم عافه بهاء الضمير وفي نسخة بهاء السكت وكذا في قوله أو اشفه شك الراوي هذا كلام أحد الرواة المتأخرة وفيه تنبيه نبيه على أن عليا ونحوه ينبغي أن يقول في مرضه اللهم عافني أو اشفني من غير تردد فإن الله تعالى لا مستكره له قال أي علي فما اشتكيت وجعي أي هذاك بعد أي بعد دعائه صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح قال المؤلف هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب القرشي يكنى أبا الحسن وأبا تراب وهو أول من أسلم من الذكور في أكثر الأقوال وقد اختلف في سنه يومئذ فقيل كان له خمس عشرة سنة وقيل ثمان سنين وقيل عشر سنين شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها غير تبوك فإنه خلفه في أهله وفيها قال له ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى كان آدم شديد الأدمة عظيم العينين أقرب إلى القصر من الطول ذا بطن كثير الشعر عريض اللحية أصلع أي الرأس واللحية استخلف يوم قتل عثمان وهو يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي بالكوفة صبيحة الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربعين ومات بعد ثلاث ليال من ضربته وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن ودفن سحرا وله من العمر ثلاث وستون سنة وقيل خمس وستون وقيل سبعون وقيل ثمان وخمسون وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأياما روى عنه بنوه الحسن والحسين ومحمد وخلائق من الصحابة والتابعين اه ولا يخفى أنه كان مقتضى ما سبق من ترتيب الأبواب أن يذكر هنا بابا في مناقب هؤلاء الأربعة ولعله اكتفى بما يذكرون في ضمن العشرة المبشرة وسيأتي في حديث علي في حق الأربعة بخصوصهم في أواخر الفصل الثاني


باب مناقب العشرة المبشرة رضي الله عنهم
أراد بذكرهم أعم من أن يكونوا مجتمعين في حديث واحد أو متفرقين في أحاديث وفيه إيماء إلى أن أفضل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة بقية العشرة على ما صرح به السيوطي في النقاية

الفصل الأول
عن عمر رضي الله عنه أي موقوفا قال أي قرب موته يوم الشورى ما أحد أحق بهذا الأمر أي أمر الخلافة من هؤلاء النفر وهو من ثلاثة إلى عشرة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض أي في كمال الرضا بحيث إنه كان معلوما لكل أحد بلا شبهة أو المراد بالرضا الرضا المخصوص وهو الذي يستحقون به الخلافة قال الطيبي علل الأحقية بقوله ورسول الله عنهم راض والحال أنه صلى الله عليه وسلم كان راضيا عن الصحابة كلهم فيحمل رضاه عنهم على الزيادة لكونهم من العشرة المبشرة بالجنة وكلهم من قريش والأئمة منهم فسمي عليا أي فعده وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن أي فهم أفضل الناس في ذلك الزمان فلما دفن عمر أجمعوا على خلافة عثمان وسيأتي ترجمة الأربعة عند ذكر كل منهم منفردا إن شاء الله تعالى ثم أعلم أن اقتصار عمر على الستة من العشرة لا إشكال فيه لأنه منهم وكذلك أبو بكر ومنهم أبو عبيدة وقد مات قبل ذلك وأما سعيد بن زيد فهو ابن عم عمر فلم يسمه عمر فيهم مبالغة في التبري وقد صح من رواية المدائني بأسانيده أن عمر عد سعيد بن زيد فيمن مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه رواه البخاري وفي الرياض عن عمرو بن ميمون أنهم قالوا لعمر بن الخطاب لما طعنه أبو لؤلؤة أوص يا أمير المؤمنين واستخلف قال ما أرى أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فسمي عليا وطلحة وعثمان والزبير وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص قال ويشهد عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصاب الأمر سعدا فهو ذاك وإلا


فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة فلما توفي وفرغ من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن وقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان فخلا هؤلاء الثلاثة علي وعثمان وعبد الرحمن فقال عبد الرحمن للآخرين أيكما يتبرأ من هذا الأمر ويجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن إلى أفضلهم في نفسه وليحرصن على صلاح الأمة قال فأسكت الشيخان علي وعثمان فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو على أفضلكم


قالا نعم فأخذ بيد علي فقال إن لك من القدم والإسلام والقرابة ما قد علمت الله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بعثمان فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال لعثمان ارفع يدك فبايعه ثم بايعه علي ثم ولج أهل الدار فبايعوه أخرجه البخاري وأبو حاتم وفي رواية ذكرها ابن الجوزي في كتاب منهاج أهل الإصابة في محبة الصحابة أن عبد الرحمن لما قال لعلي وعثمان أفتجعلونه إلي قالا نعم قال لعلي أبايعك على سيرة أبي بكر وعمر فقال علي واجتهاد رأيي فخاف أن يترخص من المباح مالا يحتمله من ألف ذلك التشدد من سيرة الشيخين فقال لعثمان أبايعك على سيرة ابي بكر وعمر فقال نعم فبايعه فسار سيرة أبي بكر وعمر مدة ثم ترخص في مباحات ولم يتحملوها حتى أنكروا عليه وأخرج أبو الخير القزويني الحاكمي عن أسامة بن زيد عن رجل منهم إنه كان يعني عبد الرحمن بن عوف كلما دعا رجلا منهم يعني من أهل الشورى تلك الليلة وذكر مناقبه وقال إنك لها أهل فإن أخطأتك فمن يقول إن أخطأتني فعثمان أه والحكمة الخفيفة في ترتيب الأربعة ما قاله بعض العارفين من أنه أراد الله أن يتشرف كل منهم بمنصب الخلافة وكان أمر الله قدرا مقدورا وكان ذلك في الكتاب مسطورا وقد أجاب محمد بن جرير الطبري لما قيل له أن العباس مع جلالته وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزلته لم لم يدخله في الشورى فقال إنها لما جعلها في أهل السبق من المهاجرين البدريين والعباس لم يكن مهاجرا ولا سابقا ولا بدريا وسيأتي أن عثمان وطلحة وسعيدا في حكم أهل بدر حيث أعطي لهم من سهمها وأجرها ثم اعلم أن الإمامة تثبت إما بعقدها من أهل العقد والحل لمن عقدت له من المفضول مع وجود من هو أفضل منه بإجماع العلماء بعد الخلفاء الراشدين على إمامة بعض من قريش مع وجود أفضل منه منهم ولأن عمر جعل الخلافة بين ستة منهم عثمان وعلي وهما أفضل زمانهما بعد عمر فلو تعين الأفضل لعين عمر عثمان أو


عليا فدل عدم تعينه أنه يجوز نصب غيرهما مع وجودهما إذ غير الأفضل قد يكون أقدر منه على القيام بمصالح الدين وأعرف بتدبير الملك وأوفق لانتظام حال الرعية وأوثق في اندفاع الفتنة وأما اشتراط العصمة في الإمام وكونه هاشميا وظهور معجزة على يديه يعلم بها صدقه فمن خرافات الشيعة وجهالاتهم وتوطئة وتمهيد لهم على ضلالالتهم من بطلان خلافة غير علي مع انتفاء ذلك في علي كرم الله وجهه وعن قيس بن أبي حازم قال المؤلف بجلي أدرك زمن الجاهلية وأسلم وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه فوجده قد توفي يعد في تابعي الكوفة روى عن العشرة إلا عن عبد


الرحمن بن عوف وعن جماعة كثيرة سواهم من الصحابة وليس في التابعين من روى عن تسعة من العشرة إلا هو وروى عنه جماعة كثيرة من التابعين شهد النهروان مع علي بن أبي طالب وطال عمره حتى جاوز المائة ومات سنة ثمان وتسعين قال رأيت يد طلحة شلاء بتشديد اللام فعلاء من الشلل وهو نقص في الكف وبطلان العمل وليس معناه القطع كما زعم بعضهم وقى استئناف بيان علة بها أي حفظ بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد أي جعل يده وقاية له يومئذ فحصل لها ما حصل بسببه من طعنة وقعت عليها رواه البخاري قال المؤلف هو طلحة بن عبيد الله يكنى أبا محمد القرشي أسلم قديما وشهد المشاهد كلها غير بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعثه مع سعيد بن زيد يتعرفان خبر العير التي كانت لقريش مع أبي سفيان بن حرب فعادا يوم اللقاء ببدر وجرح يوم أحد أربعة وعشرين جراحة قيل كانت فيه خمس وسبعون بين طعنة وضربة ورمية وكان آدم كثير الشعر حسن الوجه قتل في وقعة يوم الجمل يوم الخميس لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة وله أربع وستون سنة وعن جابر قال قال النبي وفي نسخة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتيني بإثبات الياء التي هي لام الفعل فإن من هنا موصولة وفي نسخة صحيحة بحذفها تخفيفا أو على أن من شرطية محذوفة الجواب والمعنى من يجيئني بخير القوم أي قوم الكفار يوم الأحزاب وهو يوم الخندق قال الزبير أنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن لكل نبي حواريا بتشديد الياء ويجوز تخفيفها أي ناصرا مخلصا وحواري بتشديد الياء المفتوحة وفي نسخة بكسرها وفي نسخة وحواريي الزبير وفي شرح مسلم قال القاضي عياض ضبط جماعة من المحققين بفتح الياء المشددة وضبط أكثرهم بكسرها اه ولا يخفى أن الأخير يحتمل أن يكون بعد الياء المشددة ياء الإضافة مفتوحة على وفق القراءة المتواترة في قوله تعالى إن وليي الله الذي نزل الكتاب الأعراف ويحتمل أن يكون ياء الإضافة ساكنة


تحذف وصلا وتثبت وقفا ويحتمل أن يكون بالياء المشددة المكسورة فقط كما روي عن السوسي في أن ولي الله بكسر الياء المشددة ثم لا يخفى أنه على تقدير الياء المشددة المفتوحة أو المكسورة بلا ياء الإضافة ينبغي أن يكون مرسوما بياء واحدة كما وجدناه في بعض النسخ المصححة ومنها نسخة الجزري وهو الظاهر من نقل النووي والموافق للرسم القرآني ثم توجيهه المشددة بلا ياء
بعدها هو أنه جاء الحواري بتخفيف الياء وقد قرىء قال الحواريون بالتخفيف شاذا فالثانية ياء إضافة وهي قد تكون مفتوحة وقد تكون ساكنة وتكسر لالتقاء الساكنين هذا وفي شرح السنة المراد منه الناصر وحواري عيسى عليه السلام أنصاره سموا به لأنهم كانوا يغسلون الثياب فيحورونها أي يبيضونها قال المؤلف هو الزبير بن العوام أبو عبد الله القرشي وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم أسلم قديما وهو ابن ست عشرة سنة فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام فلم يفعل وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو أول من سل السيف في سبيل الله وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد كان أبيض طويلا يميل إلى الخفة في اللحم قتله عمرو بن جرموز بسفوان بفتح السين والفاء من أرض البصرة سنة ست وثلاثين وله أربع وستون سنة ودفن بوادي السباع ثم حول إلى البصرة وقبره مشهور بها وروى عنه ابناه عبد الله وعروة وغيرهما متفق عليه وفي الجامع إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير رواه البخاري والترمذي عن جابر والترم ي والحاكم عن علي وفي الرياض عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير أخرجه البخاري والترمذي والحاكم بزيادة ولفظه ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكل نبي حواري وحواري الزبير وأخرجه الترمذي عن علي وقال حسن صحيح وأخرجه أحمد عن عبد


الله بن الزبير بزيادة ولفظه لكل نبي حواري والزبير حواري وابن عمتي وعن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتي بني قريظة أي من يذهب إليهم وهم طائفة من اليهود من سكان حوالي المدينة فيأتيني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه أي في الفداء فقال فداك أبي وأمي بفتح الفاء وقد يكسر وفي هذه التفدية تعظيم لقدره واعتداد بعمله واعتبار بأمره وذلك لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل نفسه أو أعز أهله له وقال صاحب النهاية في الحديث فاغفر فداء لك ما اقتفينا إطلاق هذا اللفظ مع الله تعالى محمول على المجاز والاستعارة لأنه إنما يفدي من المكاره من يلحقه فيكون المراد بالفداء التعظيم متفق عليه وأخرجه الترمذي وقال حديث


حسن وهذا القول لمن ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب لغيره وأخرج أحمد عنه قال جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد والمشهور في ذلك اليوم أنه كان لسعد ويحتمل أن يكون جمعهما لهما أو اشتهر في سعد لكثرة ترديد القول له بذلك وقد روي عنه أنه قال جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه مرتين في أحد وفي قريظة وعن عروة قال أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل فقال يا بني ما من عضو إلا وقد جرح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى ذلك إلى الوجه أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وعن عبد الله بن الزبير قال قلت للزبير ما يمنعك أن تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث عنه أصحابه قال أما والله لم أفارقه منذ أسلمت ولكني سمعته يقول من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار أخرجه البخاري وعن علي رضي الله عنه قال ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه أي في الفداء لأحد أي من الصحابة إلا لسعد بن مالك فإني سمعته يقول يوم أحد يا سعد أرم فداك أبي وأمي قيل الجمع بينه وبين خبر الزبير أن عليا لم يطلع على ذلك أو أراد بذلك تقييده بيوم أحد أه والظاهر الإطلاق المقيد بنفي السماع بلا واسطة وهو لا ينافي أنه اطلع على تفدية الزبير بواسطة الغير قال المؤلف سعد بن أبي وقاص يكنى أبا إسحاق واسم أبي وقاص مالك بن وهيب الزهري القرشي اسلم قديما وهو ابن سبع عشرة سنة وقال كنت ثالث الإسلام وأنا أول من رمى بسهم في سبيل الله شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مجاب الدعوة مشهورا بذلك تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها عندهم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه اللهم سدد سهمه وأجب دعوته وجمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم وللزبير أبويه فقال لكل واحد منهما فداك أبي وأمي ولم يقل ذلك لأحد غيرهما وكان آدم شديد أشعر الجسد مات في قصره بالعقيق قريبا من المدينة


فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين وله بضع وسبعون سنة وهو آخر العشرة موتا ولاه عمر وعثمان الكوفة روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين متفق عليه
وعن سعد بن أبي وقاص قال إني لأول العرب التعريف فيه للجنس وقوله رمى بسهم في سبيل الله صفة له فهو كقوله ولقد أمر على اللئيم يسبني ذكره الطيبي وخلاصته إن رمى صفة أول عربي رمى واللام في العرب للجنس المحمول على العهد الذهني متفق عليه وتمامه على ما في الرياض ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر حتى أن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط أخرجه الشيخان وعن عامر بن سعد قال بينا سعد في إبله فجاء ابنه عمر فلما رآه سعد قال أعوذ بالله من شر الراكب فقال له نزلت في إبلك وتركت بنيك يتنازعون الملك بينهم فضرب سعد صدره وقال اسكت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي أخرجه مسلم قال ابن قتيبة كان آخر العشرة موتا وقال الفضائلي بل كان آخر المهاجرين وفاة وعن عائشة قالت سهر كفرح أي لم ينم وفي رواية أرق رسول الله مقدمه أي وقت قدومه المدينة ليلة وفي رواية ذات ليلة قال الطيبي قوله مقدمه مصدر ميمي ليس بظرف لعمله في المدينة ونصبه على الظرفية على تقدير مضاف وهو الوقت أو الزمان وليلة بدل البعض من المقدر أي سهر ليلة من الليالي وقت قدومه المدينة من بعض الغزوات فقال ليت رجلا صالحا وفي رواية من أصحابي يحرسني بضم الراء وفي رواية الليلة أي يحفظني بقية الليلة لأنام مستريح الخاطر مطمئن القلب إذ سمعنا وفي رواية فسمعنا صوت سلاح بكسر أوله وفي رواية خشخشة السلاح فقال من هذا قال أنا سعد قال ما جاء بك قال وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت


أحرسه وفي رواية أحرسك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام وفي رواية حتى سمعنا غطيطه متفق عليه وفي الرياض أخرجه مسلم والترمذي وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أمة وفي رواية إن لكل أمة أمين أي ثقة ومعتمد ومرضي وأمين هذه الأمة وفي رواية وإن أمين أيتها الأمة أبو عبيدة ابن الجراح بتشديد الراء وإنما خصه بالأمانة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة لغلبتها فيه بالنسبة إليهم وقيل لكونها غالبة بالنسبة إلى سائر صفاته وأخرج أبو حذيفة في فتوح الشام أن أبا بكر لما توفي وخالد على الشام واليا واستخلف عمر كتب إلى أبي عبيدة بالولاية على الجماعة وعزل خالدا فكتم أبو عبيدة الكتاب من خالد وغيره حتى انقضت الحرب وكتب خالد الأمان لأهل دمشق وأبو عبيدة الأمير وهم لا يدرون ثم لما علم خالد بذلك بعد مضي نحو من عشرين ليلة دخل على أبي عبيدة وقال يغفر الله لك جاءك كتاب أمير المؤمنين بالولاية فلم تعلمني وتصلي خلفي والسلطان سلطانك فقال له أبو عبيدة ويغفر الله لك ما كنت لأعلمك حتى تعلمه من غيري وما كنت لأكسر عليك حربك حتى ينقضي ذلك كله وقد كنت أعلمك إن شاء الله تعالى وما سلطان الدنيا أريد ولا للدنيا أعمل وإن ما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع وإنما نحن إخوان وقوام بأمر الله عز وجل وما يضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه ولا دنياه بل يعلم أن الوالي يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة وأوقعهما في الحطة لما تعرض من الهلكة إلا من عصم الله عز وجل وقليل ما هم فدفع أبو عبيدة عند ذلك الكتاب إلى خالد وتوفي رضي الله عنه بالأردن بضم الهمزة وتشديد النون كورة بأعلى الشام سنة ثمان عشرة في خلافه عمر وهو ابن ثمان وخمسين متفق عليه وروى أحمد عن عمر مرفوعا إن لكل نبي أمينا وأميني أبو عبيدة بن الجراح وعن حذيفة جاء السيد والعاقب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله ابعث معنا أمينك فقال سأبعث معكم


أمينا حق أمين فتشرفت لها الناس فبعث أبا عبيدة أخرجه الشيخان وعن أبي مسعود قال لما جاء
العاقب والسيد صاحبا نجران أراد أن يلاعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما لصاحبه لا تلاعنه فو الله لئن كان نبيا ولا عناه لا نفلح نحن ولا عقبنا أبدا قال فأتياه فقالا لا نلاعنك ولكنا نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سأبعث رجلا أمينا حق أمين قال فاستشرف لها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال قم يا أبا عبيدة بن الجراح فلما قفي قال هذا أمين هذه الأمة أخرجه أحمد وأخرجه الترمذي وقال فبعث أبا عبيدة مكان قم يا أبا عبيدة ولم يذكر ما بعده ومن كلامه بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحادثات والأرب مبيض لثيابه مدنس لدينه والأرب مكرم لنفسه وهو لها مهين قال المؤلف هو عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي اسلم مع عثمان بن مظعون وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم وثبت معه يوم أحد ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد من حلق المغفر فوقعت ثنيتاه كان طوالا معروق الوجه خفيف اللحية مات في طاعون عمواس بفتح العين بالأردن سنة ثمان عشرة ودفن ببنيان وصلى عليه معاذ بن جبل وهو ابن ثمان وخمسين سنة يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في فهر بن مالك روى عنه جماعة من الصحابة وعن ابن أبي مليكة بالتصغير قال المؤلف هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله التميمي القرشي الأحول من مشاهير التابعين وعلمائهم وكان قاضيا على عهد عبد الله بن الزبير سمع ابن عباس وابن الزبير وعائشة روى عنه ابن جريج وخلق كثير سواه مات سنة سبع عشرة ومائة قال سمعت عائشة وسئلت أي والحال أنها سئلت من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفا أي جاعلا خليفة له لو استخلفه أي صريحا على الفرض قالت أبو بكر فقيل ثم


من بفتح الميم أي الذي بعد أبي بكر قالت عمر قيل من بعد عمر قالت أبو عبيدة بن الجراح ففيه أن اعتقاد عائشة على أن أبا عبيدة كان أولى بالخلافة بعد الشيخين من بقية أصحاب الشورى رواه مسلم وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء بكسر الحاء منصرفا وقد لا
ينصرف هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله وفي نسخة النبي صلى الله عليه وسلم اهدأ بفتح الدال وسكون الهمز أي اسكن فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد يريد به الجنس لأن المذكور في الحديث بعد الصديق كلهم شهداء ثم أو للتنويع أو بمعنى الواو وقال النووي في الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم لإخباره أن هؤلاء شهداء فقتل عمر وعثمان وعلي مشهور وقتل الزبير بوادي السباع بقرب البصرة منصرفا تاركا للقتال وكذلك طلحة اعتزل الناس تاركا للقتال فأصابه سهم فقتله وقد ثبت أن من قتل ظلما فهو شهيد وفيه بيان فضيلة هؤلاء وفيه إثبات التمييز في الحجارة وجواز التزكية اه وأغرب السيد جمال الدين حيث قال في كون من أصابه سهم مقتولا ظلما تأمل وزاد بعضهم أي في الحديث قوله وسعد بن أبي وقاص ولم يذكر أي ذلك البعض عليا فقوله زاد فيه مسامحة إذ فيه معاوضة ومبادلة ثم إن سعدا مات في قصره بالعقيق فتوجيه هذه الرواية أن يكون بالتغليب أو كما قال السيد جمال الدين إنه ينبغي أن يقال كان موته بمرض من الأمراض التي تورث حكم الشهادة اه ومع هذا فيه نوع تغليب كما لا يخفى رواه مسلم وعن عبد الله بن سالم عن سعيد بن زيد قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء فتحرك فقال اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد قيل من هم يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن مالك وعبد الرحمن بن عوف قال قيل فمن العاشر قال أنا أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وفي الرياض أنه مات بالمدينة على


فراشه فوجه شهادته أنه شهيد حكمي كسعد وعبد الرحمن حيث ماتا على فراشهما أيضا أو دخلوا في صفة الصديقية ولا بعد فيه فإنه قال تعالى والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ( الحديد )
الفصل الثاني
عن عبد الرحمن بن عوف قال المؤلف يكنى أبا محمد الزهري القرشي أسلم قديما على يد أبي بكر الصديق وهاجر إلى الحشبة الهجرتين وشهد المشاهد كلها مع
النبي الله وثبت يوم أحد وصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلفه في غزوة تبوك وأتم ما فاته كان طويلا رقيق البشرة أبيض مشربا بالحمرة ضخم الكفين أقنى أصيب يوم أحد عشرين جراحة أو أكثر فأصابه بعضها في رجله فعرج ولد بعد الفيل بعشر سنين ومات سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع وله اثنتان وسبعون سنة روى عنه ابن عباس وغيره وفي الرياض كان اسمه في الجاهلية قيل عبد الكعبة فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن ووصفه بأنه الصادق البار ذكره الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة الظاهر أن هذا الترتيب هو المذكور على لسانه صلى الله عليه وسلم كما يشعر إليه ذكر اسم الراوي بين الأسماء وإلا كان مقتضى التواضع أن يذكره في آخرهم فينبغي أن يعتمد عليه في ترتيب البقية من العشرة رواه الترمذي أي عن عبد الرحمن رواه ابن ماجه وكذا أحمد والضياء والدار قطني عن سعيد بن زيد قال المؤلف يكنى سعيد بن زيد أبا الأعور العدوي أسلم قديما وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم غير بدر فإنه كان مع طلحة يطلبان خبر عبر قريش وضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم وكانت فاطمة أخت عمر تحته وبسببها كان إسلام عمر كان آدم طويلا أشعر مات بالعقيق فحمل إلى المدينة ودفن بالبقيع سنة


إحدى وخمسين وله بضع وسبعون سنة روى عنه جماعة اه ولم يذكر المؤلف حديثا يدل على مناقبه منفردا اكتفاء بما سبق عنه في باب الكرامات وفي الرياض عن عمر بن الخطاب ابن عم أبيه كان أبوه زيد يطلب دين الحنيفية دين إبراهيم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يذبح للأنصاب ولا يأكل الميتة ولا الذم وخرج يطلب الدين هو وورقة بن نوفل فتنصر ورقة وأبى هو التنصر فقال له الراهب إنك تطلب دينا ما هو على وجه الأرض اليوم قال وما هو قال دين إبراهيم كان يعبد الله لا يشرك به شيئا ويصلي إلى الكعبة وكان زيد على ذلك حتى مات وعن سعيد بن زيد قال خرج ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو يطلبان الدين حتى مرا بالشام فأما ورقة فتنصر وأما زيد فقيل له إن الذي تطلب أمامك قال فانطلق حتى أتى الموصل فإذا هو براهب قال ما تطلب قال الدين فعرض عليه النصرانية فقال لا حاجة لي فيها وأبي أن يقبلها فقال إن الذي تطلب سيظهر بأرضك فأقبل وهو يقول لبيك حقا حقا تعبدا ورقا مهما يجشمني أي يحملني ويكلفني فإني جاشم عذت بما عاذ به إبراهيم قال ومر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو سفيان بن الحرث يأكلان من سفرة لهما فدعواه


إلى الغداء فقال يا ابن أخي إني لا آكل مما ذبح على النصب قال فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث صلى الله عليه وسلم قال فأتاه سعيد بن زيد فقال إن زيدا كان كما قد رأيت وبلغك أستغفر له فقال نعم فاستغفر له وقال إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده أخرجه ابن عمر وعن أسماء قالت رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري وكان يحي المؤودة ويقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته لا تقتلها وأنا أكفيك مؤونتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها أخرجه البخاري وعن أبي سعيد عن أبيه قال في قوله تعالى والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها الزمر نزلت في ثلاثة نفر كانوا يوحدون الله عز وجل زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي أخرجه الواحدي وأبو الفرج في أسباب النزول وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أرحم أمتي أي أكثرهم رحمة بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله أي أقواهم في دين الله كما في رواية عمر وأصدقهم حياء عثمان وأفرضهم أي أكثرهم علما بالفرائض زيد بن ثابت أي الأنصاري كاتب النبي صلى الله عليه وسلم وكان حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم له إحدى عشرة سنة وكان أحد فقهاء الصحابة الأجلة القائم بالفرائض وهو أحد من جمع القرآن وكتبه في خلافة أبي بكر ونقله من المصحف في زمن عثمان روى عنه خلق كثير مات بالمدينة سنة خمس وأربعين وله ست وخمسون سنة وأقرؤهم أي أعلمهم بقراءة القرآن أبي بن كعب أي الأنصاري الخزرجي كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكناه أبا المنذر وعمر أبا الطفيل وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنصار وعمر سيد المؤمنين مات بالمدينة سنة تسع عشرة روى عنه خلق


كثير وأعلمهم بالحلال والحرام وفي نسخة بالحرام والحلال معاذ بن جبل يكنى أبا عبد الله الأنصاري الخزرجي وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد وبعثه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا ومعلما روى عنه عمر وابن عمر وابن عباس وخلق سواهم وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة في قول بعضهم واستعمله عمر على الشام بعد أبي عبيدة بن الجراح فمات في عامه ذاك من طاعون عمواس سنة ثمان عشرة وله ثمان وثلاثون سنة وقيل غير ذلك ولكل أمة أمين أي مبالغ في الأمانة وأمين هذه الأمة أبو


عبيدة بن الجراح ومما يدل على كما زهده ما ذكره في الرياض عن عروة بن الزبير قال لما قدم عمر بن الخطاب من الشام تلقاه أمراء الأجناد وعظماء الأرض فقال عمر أين أخي قالوا من قال أبو عبيدة قالوا يأتيك الآن فلما أتاه نزل فأعتقه ثم دخل عليه بيته فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله فقال عمر ألا اتخذت ما اتخذ أصحابك فقال يا أمير المؤمنين هذا يبلغني المقيل أخرجه صاحب الصفوة والفضائلي وزاد بعد قوله ويأتيك الآن فجاء على ناقة مخطومة بحبل وفي رواية أن عمر قال له اذهب بنا إلى منزلك قال فدخل منزله فلم ير شيئا قال أين متاعك ما أرى إلا لبدا وصحفة وسيفا وأنت أمير أعندك طعام فقام أبو عبيدة إلى جزنة فأخذ منها كسرات فبكى عمر وقال غرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وروي بصيغة المجهول أي الحديث عن عمر عن قتادة مرسلا أي بحذف الصحابي وفيه أي في هذا المروي وأقضاهم علي أي أعلمهم بأحكام الشرع قاله شارح والأظهر أن معناه أعلم بأحكام الخصومة المحتاجة إلى القضاء قال النووي في فتاويه قوله أقضاكم علي لا يقتضي أنه أقضى من أبي بكر وعمر لأنه لم يثبت كونهما من المخاطبين وإن ثبت فلا يلزم من كون واحد أقضى من جماعة كونه أقضى من كل واحد يعني لاحتمال التساوي مع بعضهم ولا يلزم من كون واحد أقضى أن يكون أعلم من غيره ولا يلزم من كونه أعلم كونه أفضل يعني لا يلزم من كونه أكثر فضيلة كونه أكثر مثوبة كذا في الأزهار وفيه بحث لأن المدار عندنا على الظاهر إذ لا نطلع نحن على السرائر وقد قال صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وأما حديث ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه فقد ذكره الغزالي بلفظ ما فضل أبو بكر الناس بكثرة صلاة ولا بكثرة صوم وقال العراقي لم أجده مرفوعا وهو عند الحكيم الترمذي من قول بكر بن عبد الله المزني نعم لو لوحظ اعتبار الأسبقية في


أكثرية الثواب الأخروية مع المشاركة في سائر الأبواب لكان له وجه وجيه إلى صوب الصواب فقد قالوا المعتبر في السبق هو إيمان أبي بكر وإن شاركه علي وخديجة وزيد إذ إيمان الصغير والمرأة والمولى لا سيما وهم من الأتباع ليس له شأن عند الأعداء ولهذا قوي الإيمان بحمزة وعز بإسلام عمر كما قال عز وجل فعززنا بثالث ه يس والحاصل أن الأحاديث متعارضة والأدلة متناقضة فالعبرة بما اتفق عليه جمهور الصحابة وبما أجمع عليه أئمة أهل السنة ومع هذا فالمسألة ظنية لا يقينية خلافا لمن خالف وقد صرح شيخ الشيوخ شهاب الدين السهروردي حيث قال في علم


الهدي فإن قبلت النصح فأمسك عن التصرف في أمرهم واجعل محبتك للكل على السواء من غير أن ترجح محبة أحدهم على الآخر وأمسك عن التفضيل والغلو وإن خامر باطنك فضل أحدهم على الآخر فاجعل ذلك من جملة أسرارك فلا يلزمك إظهاره ولا يلزمك أن تحب أحدهم أكثر من الآخر أو تعتقد فضله أكثر من الآخر بل يلزمك محبة الجميع والاعتراف بفضل الجميع ويكفيك في العقيدة السليمة أن تعتقد صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ثم تعلم أن عليا ومعاوية كانا على القتال والخصام وكان الطائفتان يسب بعضهم بعضا وما حكم أحد منهم بكفر الآخرين وإنما كانت ذنوبا لهم فلا تكفر أحدا بما ترى منه من الجهل والسب واعتقد أن أمير المؤمنين عليا اجتهد في الخلافة وأصاب في الاجتهاد وكان أحق الناس بالخلافة إذ ذاك وأن معاوية اجتهد في ذلك وأخطأ في الاجتهاد ولم يكن مستحقا لها مع علي رضي الله عنه والله تعالى ينفعنا بمحبتهم ويحشرنا في زمرتهم وعن الزبير قال كان على النبي صلى الله عليه وسلم درعان يوم أحد أي مبالغة في امتثال قوله تعالى خذوا حذركم النساء وقوله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الأنفال فإنها تشمل الدرع وإن فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بأقوى أفرادها حيث قال ألا إن القوة الرمي فنهض أي فقام منتبها أو متوجها إلى الصخرة أي التي كانت هناك ليستوي عليها وينظر إلى الكفار ويشرف على الأبرار ويظهر للفرار والكرار وفي رواية فذهب لينهض على صخرة فلم يستطع أي لثقل درعيه فقعد طلحة تحته أي وجعل نفسه تحته وبهذا رفع قدره وفي رواية فبرك طلحة تحته حتى استوى أي النبي وفي رواية فصعد على الصخرة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أوجب طلحة أي الجنة كما في رواية والمعنى أنه أثبتها لنفسه بعمله هذا أو بما فعل في ذلك اليوم فإنه خاطر بنفسه يوم أحد وفدى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها وقاية له حتى طعن ببدنه وجرح جميع جسده حتى شلت يده وجرح ببضع وثمانين


جراحة رواه الترمذي وكذا أحمد وقال الترمذي حسن صحيح وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فكسر رباعيته اليمنى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته وأن ابن قميئة جرح وجنته فدخل حلقتان من حلق الدرع في وجنته ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون فأخذ علي بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما ومص مالك بن سنان أبو سعيد الخدري الدم من وجه رسول


الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم من مس دمه دمي لم تمسه النار أخرجه ابن إسحاق وعن جابر قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طلحة بن عبيد الله قال استئناف أو حال من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه أي نذره والمراد به الموت أي مات وإن كان حيا فلينظر إلى هذا قال السيوطي في مختصر النهاية النحب النذر كأنه ألزم نفسه أن يصدق أعداء الله في الحرب فوفى به وقيل الموت كأنه ألزم نفسه أن تقاتل حتى تموت وقال التوربشتي النذر والنحب المدة والوقت ومنه يقال قضى فلان نحبه إذا مات وعلى المعنيين يحمل قوله سبحانه فمنهم من قضى نحبه الأحزاب فعلى النذر أي نذره فيما عاهد الله عليه من الصق في مواطن القتال والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الموت أي مات في سبيل الله وذلك أنهم عاهدوا الله أن يبذلوا نفوسهم في سبيله فأخبر أن طلحة ممن وفى بنفسه أو ممن ذاق الموت في سبيله وإن كان حيا ويدل عليه قوله وفي رواية من سره أي أحبه وأعجبه وأفرحه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله وكان طلحة قد جعل نفسه يوم أحد وقاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول عقرت يومئذ في سائر جسدي حتى عقرت في ذكري وكانت الصحابة رضي الله عنهم إذا ذكروا يوم أحد قالوا ذاك يوم كان كله لطلحة وأقول الرواية الثانية يحتمل أن تكون إيماء إلى حصول الشهادة في مآله الدالة على حسن خاتمته وكماله وفي شرح الطيبي قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي إن هذا ليس على سبيل المجاز مغيابه التعبير بالحال عن المآل بل هو ظاهر في معناه جلي من حيث فحواه إذ الموت عبارة عن الغيبوبة عن عالم الشهادة وقد كان هذا حاله من الانجذاب بكليته إلى عالم الملكوت وهذا إنما يثبت بعد إحكام المقدمات من كمال التقوى والزهد في الدنيا والخروج من الارتهان بنظر الخلق وامتطاء صهوة الإخلاص وكمال الشغل بالله عز وجل


بتناوب أعمال القلب والقالب وصدق العزيمة في العزلة واغتنام الوحدة والفرار عن مساكنة الإنس بالجلساء والإخوان رواه الترمذي ووافقه الحاكم في الرواية الثانية بلفظ من أحب بدل من سره وروى ابن ماجه عن جابر وابن عساكر عن أبي هريرة وأبي سعيد طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض
وروى الترمذي وابن ماجه عن معاوية وابن عساكر عن عائشة طلحة ممن قضى نحبه وفي الرياض عن موسى بن طلحة قال دخلت على معاوية فقال ألا أبشرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول طلحة ممن قضى نحبه أخرجه الترمذي وقال غريب وعن طلحة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل سله عمن قضى نحبه من هو وكانوا لا يجترؤون على مساءلته يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال أين السائل عمن قضى نحبه قال الأعرابي أنا يا رسول الله قال هذا ممن قضى نحبه أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وفي الرياض أن محمدا ولده وهو السجاد سمي به لكثرة عبادته ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسموه محمدا وكنوه أبا القاسم فقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم سماه محمدا وكناه أبا سليمان وقال لا أجمع بين اسمي وكنيتي أخرجه الدارقطني وروي أن عليا مر به قتيلا فقال هذا السجاد قتله بره بأبيه رواه الدارقطني وعن علي رضي الله عنه قال سمعت أذني بضم الذال ويسكن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم أي من فمه وقوله أذني للمبالغة على طريق رأيت بعيني يقول وفي رواية وهو يقول طلحة والزبير جاراي في الجنة وهو كناية عن كمال قربهما له رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وكذا رواه الحاكم وعن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ يعني يوم أحد هذا تفسير من روى بعد سعد اللهم اشدد بضم الدال الأولى أي قو رميته بفتح فسكون أي رميه وفي رواية سدد سهمه وأجب دعوته رواه أي


البغوي في شرح السنة وعنه أي عن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم استجب أي الدعاء لسعد
أي ابن أبي وقاص على ما يفهم من الترمذي إذ دعاك أي كلما دعاك رواه الترمذي وأخرجه أيضا عن قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحديث وعن علي رضي الله عنه قال ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأمه أي في التفدية وفي رواية أبويه لأحد إلا لسعد أي يوم أحد أو بناء على سماعه ويؤيد الأول قوله قال له أي لا لغيره يوم أحد ارم فداك أبي وأمي بفتح الفاء وقد يكسر وقال له أي أيضا ارم أيها الغلام أي الشاب القوي الحزور بفتح الحاء المهملة والزاي والواو المشددة وفي نسخة بسكون الزاي وتخفيف الواو ولد الأسد ذكره شارح وفي النهاية وهو الذي قارب البلوغ والجمع الخزاورة ذكره الطيبي قال السيد جمال الدين هذا اصل معناه ولكن المراد هنا الشاب لأن سعدا جاوز البلوغ يومئذ اه وقد سبق أنه أسلم وهو ابن سبع عشرة سنة فليحمل على أنه قارب بلوغ كمال الرجولية في الشجاعة ففي القاموس الحزور كعملس الغلام القوي والرجل القوي رواه الترمذي وفي رواية غير سعد بن مالك فإنه جعل يقول له يوم أحد ارم فداك أبي وأمي رواه مسلم والترمذي وقال حسن صحيح وأخرجه من طريق آخر ولفظه ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحدا بأبويه الحديث وقال حسن صحيح وأخرجه من طريق آخر ولفظه ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أفدى رجلا غير سعد فإنه قال يوم أحد ويوم حنين ارم فداك أبي وأمي أخرجه الملأ في سيرته وعنه قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم له أبويه يوم أحد قال كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ارم فداك أبي وأمي قال فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جبينه فسقط وانكشفت عورته فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه أخرجه الشيخان وأخرج الترمذي منه جمع أبويه يوم أحد وفي بعض طرقه نثل لي رسول الله صلى


الله عليه وسلم كنانته يوم أحد وقال ارم فداك أبي وأمي أخرجه الشيخان وفي الرياض أن سعدا كان ممن لزم بيته في الفتنة وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على الإمام وعن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده عام حجة الوداع بمكة من مرض أشفى فيه فقال سعد يا رسول الله قد خفت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها فقال صلى الله عليه وسلم اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا وفيه ذكر الوصية وقوله والثلث كثير وفيه أن صدقتك من مالك صدقة وأن نفقتك
على عيالك صدقة وان ما تأكل امرأتك من مالك صدقة أخرجه الشيخان وعن جابر قال أقبل سعد أي إلى المجلس الأسعد فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا خالي أي من قوم أمي فليرني بضم ياء وكسر راء فليبصرني امرؤ أي كل امرىء بمعنى شخص خاله أي ليظهر أن ليس لأحد خال مثل خالي ز رواه الترمذي وقال غريب وقال أي الترمذي وكان سعد من بني زهرة بضم الزاي حي من قريش وكانت أم النبي صلى الله عليه وسلم من بني زهرة وزهرة اسم امرأة كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب فلذلك أي لما ذكر من الكونين قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا خالي وفي المصابيح فليكرمن أمر غائب من الإكرام مؤكدا بدل فليرني قال ابن حجر هو تصحيف قلت بل هو تحريف فقد قال الطيبي الفاء فيه على تقدير الشرط في الكلام فإن الإشارة بهذا لمزيد التمييز وكمال التعيين فهو كالإكرام له أي أنا أكرم خالي هذا وإذا كان كذلك فليتبع كل سنتي فليكرمن من كل أحد خاله وعلى رواية الكتاب كما في رواية الترمذي والجامع تقديره أنا أميز خالي كمال تمييز وتعيين لأباهي به الناس فليرني كل امرىء خاله مثل خالي ونحوه في التمييز قول الشاعر أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
الفصل الثالث
عن قيس بن أبي حازم قال سمعت سعد بن أبي وقاص يقول إني لأول رجل


من العرب رمى بسهم في سبيل الله سبق معناه مع تحقيق مبناه وهذا القدر من الحديث أخرجه الشيخان ورأيتنا أي جمعا من الصحابة نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الحبلة بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة ثمر السمر يشبه اللوبيا قاله ابن الأعرابي وقيل ثمر العضاه وورق السمر بفتح السين المهملة وضم الميم شجر معروف واحدتها سمرة وبها سموا كذا في القاموس وإن مخففة من الثقيلة كان أحدنا ليضع واللام لام الفارقة والمعنى يخرج منه كما تضع الشاة أي من البعر والمعنى أن نجوهم يخرج بعرا ليبسه وعدم الغذاء المألوف ما له خلط بكسر الخاء المعجمة أي لا يختلط بعضه ببعضه لجفافه ويبسه ثم أصبحت أي صارت بنو أسد أي قبيلتهم تعزرني بتشديد الزاي أي توبخني على الإسلام أي على الصلاة لأنها عماد الإسلام أو على عمدة شرائعه والمراد أنهم كانوا يؤدبوني ويعلموني الصلاة ويعيروني بأني لا أحسنها لقد خبت بكسر الخاء المعجمة وسكون الموحدة أي خسرت إذا بالتنوين أي إذا لم أحسن الصلاة وأفتقر إلى تعليم بني أسد إياي وضل عملي أي جميع طاعاتي ومجاهداتي ومسابقتي في الإسلام وصدق قدمي في الدين وكانوا أي بنو أسد حين ولاه عمر العراق وشوا بفتح الشين المخففة أي نموا وسعوا به أي بعيبه على زعمهم إلى عمر رضي الله عنه أي بالرسالة أو الكتابة وقالوا لا يحسن أي سعد الصلاة أي أركانها أو شرائطها أو سننها ومراعاة أحوالها هذا وفي النهاية التعزيز الإعانة والتوقير والنصرة مرة بعد مرة قلت ومنه قوله تعالى وتعزروه وتوقروه الفتح وقال وأصل التعزير المنع والرد وكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد تعزيز لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب فهو من الأضداد ومنه حديث سعد أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام أي توقفني عليه وقيل توبخني على التقصير فيه قال الطيبي عبر عن الصلاة بالإسلام كما عبر عنها بالإيمان في قوله


تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم البقرة إيذانا بأنها عماد الدين ورأس الإسلام متفق عليه وعن جابر بن سمرة قال شكا أهل الكوفة سعد بن مالك إلى عمر فقالوا لا يحسن الصلاة قال سعد أما أنا فكنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمد في الأوليين وأخفف في الآخريين فقال عمر ذاك الظن بك أبا إسحاق قال فبعث رجالا يسألون عنه في مساجد الكوفة قال فلا يأتون مسجدا من مساجد الكوفة إلا أثنوا عليه خيرا وقالوا معروفا حتى أتوا مسجد من مساجد بني عبس قال فقال رجل يقال له أبا سعدة


اللهم إنه كان لا يسير بالسرية ولا يعدل في القضية ولا يقسم بالسوية قال فقال سعد أما والله لأدعون بثلاث اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن فكان بعد ذلك يقول إذا سئل شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد قال جابر بن سمرة فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنه يتعرض للجواري في الطريق فيغمزهن وفي رواية وأما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الآخريين ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر صدقت ذلك الظن بك أو ظني بك أبا إسحاق أخرجه البخاري وأخرجه البرقاني على شرطه بنحوهما وقال فقال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك وإذا قيل له كيف أنت يا أبا سعدة قال كبير مفتون أصابتني دعوة سعد وعنده اللهم إن كان كاذبا فأعم بصره وأطل عمره ثم ذكر ما بعده وعن سعد قال رأيتني وأنا ثالث الإسلام والآخران أبو بكر وخديجة ذكره السيوطي وهذا يدل على أن إيمان علي متأخر ويمكن دفعه بأن الكلام في البلغاء أو في الأجانب وما أسلم أحد أي ممن أسلم قبلي إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ولقد مكثت بفتح الكاف وضمها أي لبثت سبعة أيام أي على ما كنت عليه من الإسلام ثم أسلم بعد ذلك من أسلم والمعنى مكثت سبعة أيام على هذه الحالة وهي قوله وإني لثلث الإسلام بضم اللام ويسكن قال أبو عبد الله معنى ثلث الإسلام يعني أنه ثالث ثلاثة حين أسلم قال بعض المحققين الجمع بينه وبين خبر عمار رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر بأن يحمل قول سعد على الأحرار البالغين ليخرج الأعبد المذكورون وعلي أو لم يكن اطلع على أولئك رواه البخاري وأخرجه البغوي في معجمه وقال ما أسلم أحد قبلي وقال ستة أيام وعن جابر بن سعد عن أبيه قال لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام أخرجه البخاري وفي رواية الفضائلي إن الاثنين أبو بكر وعلي وعن عائشة وفي الرياض عن أبي سلمة بن


عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لنسائه إن أمركن أي شأنكن مما يهمني بفتح الياء وضم الهاء وتشديد
الميم وفي نسخة بضم فكسر أي مما يوقعني في الهم وفي رواية لهما يهمني من بعدي أي من بعد وفاتي حيث لم يترك لهن ميراثا وهن قد آثرن الحياة الآخرة على الدنيا حين خيرن ولن يصبر عليكن أي على بلاء مؤونتكن إلا الصابرون أي على مخالفة النفس من اختيار القلة وإعطاء الزيادة والصديقون أي كثيرو الصدق في البذل والسخاوة قالت عائشة يعني أي يريد بهم المتصدقين ثم قالت عائشة لأبي سلمة بن عبد الرحمن أي ابن عوف قال المؤلف أبو سلمة روى عن عمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في المدينة في قول ومن مشاهير التابعين وأعلامهم ويقال إن اسمه كنيته وهو كثير الحديث سمع ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر وغيرهم روى عنه الزهري ويحي بن أبي كثير والشعبي وغيرهم مات سنة سبع وتسعين وله اثنتان وسبعون سنة اه ولا يخفى أنه مخالف لأصل الحديث سقى الله أباك من سلسبيل الجنة وهي عين في الجنة سميت لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها في الباطن ومنه قوله تعالى يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا الإنسان يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية ودلت على غاية السلاسة وقيل المعنى سل سبيلا إليها وكان ابن عوف من كلام الراوي حال من عائشة والعامل قالت كذا قاله الطيبي ولا يبعد أن يكون من قول عائشة بيانا لتصدقه وتبيانا لقولها يعني المتصدقين قد تصدق على أمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعين ألفا أي من درهم أو دينار رواه الترمذي وفي رواية وقد رصد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بمال بيع بأربعين ألفا أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف أخرجه الترمذي


وقال حسن غريب وعن الزهري قال تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ماله أربعة آلاف ثم تصدق بأربعين ألف دينار ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله وكان عامة ماله من التجارة أخرجه في الصفوة وعن عروة بن الزبير أنه قال أوصى عبد الرحمن بن عوف بخمسين ألف دينار في سبيل الله أخرجه الفضائلي وعن ابن عباس قال مرض عبد الرحمن بن عوف فأوصى بثلث ماله فصح فتصدق بذلك بيد نفسه ثم قال يا أصحاب رسول الله كل من كان من أهل بدر له علي أربعمائة دينار فقام عثمان وذهب مع الناس فقيل له يا أبا عمرو ألست غنيا قال هذه موصلة من عبد الرحمن لا صدقة وهو من مال حلال فتصدق عليهم في ذلك اليوم مائة


وخمسين ألف دينار فلما جن عليه الليل جلس في بيته وكتب جريدة بتفريق جميع المال على المهاجرين والأنصار حتى كتب أن قميصه الذي على بدنه لفلان وعمامته لفلان ولم يترك شيئا من ماله إلا كتبه للفقراء فلما صلى الصبح خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم هبط جبريل وقال يا محمد إن الله تعالى يقول أقرىء مني على عبد الرحمن السلام وأقبل منه الجريد ة ثم ردها عليه وقل له قد قبل الله صدقتك وهو وكيل الله ووكيل رسوله فليصنع في ماله ما شاء وليتصرف فيه كما كان يتصرف قبل ولا حساب عليه وبشره بالجنة أخرجه الملأ في سيرته وعن جعفر بن برقان قال بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألفا أخرجه صاحب الصفوة وعن محمد أن عبد الرحمن بن عوف توفي وكان فيما خلفه ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه وترك أربع نسوة فأصاب كل امرأة ثمانون ألفا أخرجه في الصفوة وعن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن قال صالحنا امرأة عبد الرحمن التي طلقها في مرضه من ثلث الثمن بثلاثة وثلاثين ألفا وفي رواية من ربع الثمن أخرجه أبو عمرو قال الطائي قسم ميراثه على ست عشر سهما فبلغ نصيب كل امرأة مائتي ألف درهم وعن أم سلمة وهي إحدى أمهات المؤمنين قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأزواجه إن الذي يحثو أي يجود وينثر عليكن أي ما تنفقن بعدي أي بعد موتي هو الصادق أي الصادق الإيمان البار بتشديد الراء أي صاحب الإحسان اللهم اسق بوصل الهمزة وقطعها عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة وهذا دعاء له قبل أن يصدر عنه ما صدر من الحثي كأنه صنع الصنيعة فشكره ودعا له ومن هنا دعت الصديقة له بهذا الدعاء حين تصدق على أمهات المؤمنين بالحديقة رواه أحمد وفيه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ذكره الطيبي ولا يبعد أن يكون الدعاء هنا أيضا من كلامها رضي الله عنها وعن حذيفة أي ابن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبق ذكره قال جاء أهل نجران بفتح


نون فسكون جيم موضع باليمن فتح سنة عشر سمي بنجران بن زيدان ابن سبأ وموضع بحوران قرب دمشق وموضع بين الكوفة وواسطة الكل من القاموس والمراد به الأول على ما هو الظاهر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول
الله ابعث أي أرسل إلينا رجلا أمينا أي ليكون أميرا أو قاضيا أو معلما لنا فقال لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين بالنصب على أنه مفعول مطلق نحو قولهم قدمت خير مقدم أي أمينا صادق الأمن وثابته ومستحقا أن يقال له الأمين قال الطيبي فيه توكيد ولذا أضافه نحو إن زيدا لعالم حق عالم وجد عالم أي عالم حقا وجدا يعني عالم يبالغ في العلم جدا ولا يترك من الجد المستطاع منه شيئا ومنه قوله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده الحج أي جهادا فيه حقا خالصا لوجهه فعكس وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة فاستشرف أي طمع لها أي للإمارة وتوقعها الناس أي حرصا بهم على تحصيل صفة الأمانة لا على الولاية من حيث هي قال أي حذيفة فبعث أبا عبيدة بن الجراح متفق عليه وعن علي رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من نؤمر بضم نون وفتح همزة وكسر ميم مشددة فراء أي من نجعله أميرا علينا بعدك أي بعد موتك وفي نسخة صحيحة بالتاء الفوقية بدل النون أي من تجعله أميرا علينا بعدك ويؤيد الأول قوله قال إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا أي دينا لا يحكم إلا بالأمانة وعلى وجه العدالة زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة في إشعار إلى أن الخليفة ينبغي أن يكون بهذه الصفة ليتم الإخلاص الموجب للخلاص وفي رواية تجدوه مسلما أمينا وفي رواية تجدوه قويا في أمر الله ضعيفا في نفسه وأن تؤمروا عمر تجدوه قويا أي قادرا على حمل ثقل أعبار الإمارة أمينا أي لا تجيء منه الخيانة لا يخاف في الله لومة لائم أي لا يراعي أحدا في أمر الدين والمعنى أنه صلب في الدين إذا شرع في أمر من أموره لا يخاف إنكار منكر ومضى فيه كالمسمار المحمي لا يزعه قول قائل ولا اعتراض معترض


ولا لومة لائم يشق عليه جده واللومة المرة من اللوم وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل لا يخاف شيئا قط من لوم أحد من اللوام وفي رواية تجدوه قويا في أمر الله قويا في نفسه وأن تؤمروا عليا ولا أراكم بضم الهمز أي والحال أني لا أظنكم فاعلين أي التأمير له بلا خلاف حال خلافته تجدوه هاديا أي مرشدا مكملا مهديا بفتح ميم وتشديد تحتية أي مهتديا كاملا يأخذ بكم الطريق المستقيم قال الطيبي رحمه الله يعني الأمر مفوض إليكم أيها الأمة لأنكم أمناء مجتهدون مصيبون في الاجتهاد


ولا تجتمعون إلا على الحق الصرف وهؤلاء المذكورون كالحلقة المفرغة لا يدري أيهم أكمل فيما يدلي إليه مما يستحق به الإمارة قيل وفي تقديم أبي بكر إيماء إلى تقدمه ولم يذكر عثمان صريحا لكن في قوله ولا أراكم إشارة إلى أنه المتقدم على علي ثم أبعد من قال قوله ولا أراكم فاعلين متعلق بإمارة عمر وعلي رضي الله عنهما نعم يمكن أن يقال المعنى لا أراكم فاعلين تأمير علي مقدما على كلهم لما علم من قضاء الله وقدره أن عمر علي أطول من أعمارهم فلو قدم لفاتهم الخلافة مع أنه كتب لهم الخلافة أيضا فيتعين أنكم غير فاعلين فالظن بمعنى اليقين والله أعلم وهو الموفق والمعين رواه أحمد وعن حذيفة قال قالوا يا رسول الله ألا تستخلف قال إلا إني إن استخلفت عليكم فعصيتم خليفتي نزل العذاب قالوا ألا نستخلف أبا بكر قال إن تستخلفوه تجدوه قويا في أمر الله ضعيفا في نفسه قالوا الا نستخلف عمر قال إن تستخلفوه تجدوه قويا في أمر الله قويا في بدنه قالوا ألا نستخلف عليا قال إن تستخلفوه تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الطريق المستقيم خرجه ابن السمان وعنه أي عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله أبا بكر فيه جواز الدعاء بالرحمة للأحياء زوجني ابنته بهمزة وصل والجملة استئناف تعليل وهذا تواضع منه صلى الله عليه وسلم وإلا فله صنيع عليه من جهة تزوجها وحملني إلى دار الهجرة أي على بعيره ولو على قبول ثمنه وصحبني في الغار أي حين هجرني الأغيار وأعتق بلالا من ماله أي وجعله خادما لي في مآله رحم الله عمر يقول الحق أي الصرف أو القول الحق وإن كان أي ولو كان الحق الصرف أو القول الحق مرا أي صعبا على الخلق تركه الحق استئناف بيان وماله من صديق جملة حالية أي صيره قول الحق بهذه الصفة أو خلاه بهذه الحالة وهي أنه لا صديق له اكتفاء برضا الله ورسوله والمعنى من صديق تكون صداقته للمراعاة والمداراة لا مطلقا وإلا فلا شك أن الصديق كان صديقا له قال


الطيبي قوله تركه الخ جملة مبينة لقوله يقول الحق وإن كان مرا لأن تمثيل الحق بالمرارة يؤذن باستبشاع الناس من سماع الحق استبشاع من يذوق العلقم فيقل لذلك صديقه وقوله وما له من صديق حال من المفعول إذا جعل ترك بمعنى خلى وإذا ضمن معنى صير كان هذا مفعولا ثانيا والواو فيه داخلة على المفعول الثاني كما في بعض الأشعار رحم الله عثمان تستحيي منه الملائكة رحم الله عليا اللهم أدر الحق أمر من الإدارة أي اجعل الحق دائرا وسائرا معه حيث دار أي علي أو الحق رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب


باب مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم
وفي نسخة صحيحة زيادة ورضي الله عنهم
الفصل الأول
عن سعد بن أبي وقاص قال لما نزلت هذه الآية أي المسماة بآية المباهلة ندع أبناءنا وأبناءكم أولها فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم آل عمران دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فنزله منزلة نفسه لما بينهما من القرابة والأخوة وفاطمة أي لأنها أخص النساء من أقاربه وحسنا وحسينا فنزلهما منزلة ابنيه صلى الله عليه وسلم فقال اللهم هؤلاء أهل بيتي أي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا رواه مسلم وعن عائشة قالت خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة أي صباحا وفي رواية ذات


غداة وعليه مرط بكسر ميم وسكون راء كساء يكون من خز وصوف فيه علم مرحل بفتح الحاء المهملة المشددة ضرب من برود اليمن لما عليه من تصاوير الرجل كذا ذكره شارح وروي بجيم وهم ما عليه صورة المراجل بمعنى القدور من شعر بفتح عين ويسكن أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله أي تحت المرط بالأمر أو الفعل وفي رواية فأدخله فيه ثم جاء الحسين فدخل معه أي بإدخال أو بغيره لصغره وفي رواية فأدخله فيه ثم جاءت فاطمة فأدخلها أي فيه كما في رواية ثم جاء علي فأدخله أي فيه كما في رواية ثم قال أي قرأ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أي الإثم وكل ما يستقذر مروءة أهل البيت نصب على الغداء أو المدح وفيه دليل على أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته أيضا لأنه مسبوق بقوله يا نساء النبي لستن كأحد من النساء الأحزاب وملحوق بقوله واذكرن ما يتلى في بيوتكن الأحزاب فضمير الجمع إما للتعظيم أو لتغليب ذكور أهل البيت على ما يستفاد من الحديث ويطهركم تطهيرا من التلوث بالأرجاس والأدناس المبتلى بها أكثر الناس قال الطيبي استعار للذنب الرجس وللتقوى الطهر لأن غرض المقترف للمقبحات أن يلتوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس وأما المحسنات فالغرض منها نقي مصون كالثوب الطاهر وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كره الله لعباده وينهاهم عنه ويرغبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به وسيأتي تراجم الحسنين وأمهما في محالها المختصة بهم رواه مسلم وأخرجه أحمد عن واثلة وزاد في آخره اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق وفي الرياض عن سعد قال أمر معاوية سعدا أن يسب أبا تراب فقال أما ما ذكرت ثلاثا فالهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه لأن يكون في واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وخلفه في بعض مغازيه فقال علي تخلفني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من


موسى إلا أنه لا نبي بعدي وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية وذكر القصة ولما نزلت هذه الآية تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم آل عمران دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي مسلم والترمذي وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وفي رواية للترمذي قالت أم سلمة وأنا معهم يا


رسول الله قال أنت على مكانك وأنت على خير وعن أم سلمة قالت بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يوما إذ قالت الخادم أن عليا وفاطمة بالسد أي الباب قالت فقال لي قومي فتنحي لي عن أهل بيتي قالت فقمت فتنحيت في البيت قريا فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين وهما صبيان صغيران فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة بالأخرى وقبل فاطمة وقبل عليا وأغدف أي أرسل عليهم خميصة سوداء ثم قال اللهم إليك لا إلى الغار أنا وأهل بيتي قالت قلت وأنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك قال وأنت أخرجه أحمد والظاهر أن هذا الفعل تكرر منه صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة والمنع وقع من دخولها معهم فيما جللهم به وعليها يحمل قولها في الحديثين الأولين وأنا معهم أي أدخل معهم لا أنها ليست من أهل البيت بل هي منهم ولذلك لما قالت في الحديث الآخر وأنا ولم تقل معهم أي أنا أيضا إلى الله لا إلى النار قال وأنت إلى الله لا إلى النار وكذا لما قالت وأنا من أهل البيت وفي رواية قال وأنت من أهل البيت وأثبتك أيضا على أنه قد ورد أنه صلى الله عليه وسلم أذن لها في الدخول معهم في الكساء وعن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا الأحزاب قال نزلت في خمسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخرجه أحمد في المناقب وأخرجه الطبراني وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا رواه أحمد وعن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة أنا وإياك وهذين يعني حسنا وحسينا وهذا الراقد يعني عليا في مكان واحد يوم القيامة أخرجه أحمد وعن ابن عباس قال لما نزلت قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى الشورى قالوا يا رسول الله


من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وابناهما أخرجه أحمد في المناقب وعن البراء قال لما توفي إبراهيم أي ابن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية سريته ولد بالمدينة في ذي الحجة سنة ثمان ومات وله ستة عشر شهرا وقيل ثمانية عشر ودفن بالبقيع عند عثمان بن مظعون عمه الرضاعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن له مرضعا بضم الميم وكسر الضاد أي من يكمل رضاعه وفي نسخة صحيحة بفتحهما أي موضع رضاع كامل


في الجنة فيه دلالة ظاهرة أن أرباب الكمال يدخلون الجنة في الحال عقيب الانتقال وأن الجنة الموعودة مخلوقة موجودة قال الخطابي هذا يروى على وجهين أحدهما مرضعا بفتح الميم أي رضاعا والآخر مضمومة الميم أي من يتم رضاعه يقال امرأة مرضع بلا هاء وأرضعت المرضعة فهي مرضعة إذا أنيب الاسم من الفعل قال التوربشتي أصوب الروايتين الفتح لأن العرب إذا أرادوا الفعل ألحقوا به هاء التأنيث وإذا أرادوا أنها ذات رضيع أسقطوا الهاء فقالوا امرأة مرضع بلا هاء ولما كان المراد من هذا اللفظ أن الله يقيم له من لذات الجنة وزوجها ما يقع منه موقع الرضاع فإنه كان رضيعا لم يستكمل مدة الرضاع كان المصدر فيه أقوم وأصوب ولو كان على ما ذكره من الرواية لكان من حقه أن يلحق به هاء التأنيث قال الطيبي هذا إذا أريد تصوير حالة الإرضاع وإلقام المرضعة الثدي في الصبي في مشاهدة السامع كأنه ينظر إليها وإلا فلا الكشاف في قوله تعالى تذهل كل مرضعة عما أرضعت الحج فإن قيل لم قيل مرضعة دون مرضع قلت المرضعة التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة عما أرضعت أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل ووجهه القاضي في شرحه مجيبا عنه بقوله أو أن له من يقوم مقام المرضعة في المحافظة والأنس اه ولا يخفى أن ارتكاب المجاز غير جائز مع إمكان الحقيقة بل لأجل المبالغة في تحقيق الإرضاع عبر عن المرضع بالمرضعة إيماء إلى أن حالة إرضاعه أمر مشاهد له صلى الله عليه وسلم رواه البخاري وعن عائشة قالت كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نصبه على النداء على سبيل الاختصاص أو تفسير للضمير المبهم على تقدير أعني وخبر كان قولها عنده أي جالسين أو مجتمعين وفي رواية لم تغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة روي أنما


سميت بها لأن الله فطمها وذريتها ومحبيها عن النار وفي رواية فأقبلت فاطمة تمشي ما تخفى أي ما تمتاز وفي رواية ما تخطئ مشيتها بكسر الميم لأن المراد هيئتها من مشية رسول الله وفي نسخة من مشية النبي صلى الله عليه وسلم أي شيئا كما في رواية فما للنفي والمعنى مشيتها كمشية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هذا قرب مرض موته فلما رآها قال مرحبا بابنتي ثم أجلسها أي أمرها
بالجلوس عنده أي قريبا منه وفي رواية عن يمينه أو عن شماله ثم سارها بتشديد الراء وفي رواية فسارها أي كلمها سرا فبكت بكاء شديدا فلما رأى حزنها بضم فسكون وفي نسخة بفتحتين أي شدة حزنها وكثرة بكائها وفي رواية جزعها سارها الثانية فإذا هي أي فاطمة تضحك أي تتبسم وتنبسط وتنشرح وفي رواية فضحكت فقلت لها خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم أي لطهارة أو صلاة سألتها عما سارك الظاهر عما سارها على أن ما موصولة لكن التقدير سألتها قائلة عم سارك فما استفهامية وفي رواية سألتها ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ما كنت لأفشي من الإفشاء أي أذيع وأظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره بكسر السين أي ما أخفاه لأنه لو أراد إفشاءه لما أسره فلما توفي قلت عزمت أي أقسمت عليك بما لي عليك من الحق أي من نسبة الأمومية الثانية أو الأخوة أو المحبة الصادقة والمودة السابقة فما موصولة لما بفتح لام وتشديد ميم أي ألا أخبرتني وفي نسخة بإشباع التاء وفي رواية لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الطيبي يعني ما أطلب منك إلا إخبارك إياي بما سارك ونحوه أنشدك بالله ألا فعلت قالت أما الآن فنعم أي أخبرك وتفصيله هذا أما حين سارني في الأمر الأول أي الموجب للحزن وفي رواية في المرة الأولى فإنه أخبرني أن جبريل كان يعارضني وفي رواية يعارضه القرآن كل سنة مرة أي يدارسني جميع ما نزل


من القرآن من المعارضة المقابلة ومنه عارضت الكتاب بالكتاب أي قابلته كذا في النهاية ولعل سبب المقابلة إبقاء المحافظة وليظهر الناسخ والمنسوخ من المقابلة وفيه إشارة إلى استحباب المدارسة وإنه بكسر الهمزة وفي نسخة بالفتح عارضني به العام أي هذه السنة وفي رواية إنه عارضه الآن مرتين فيه إيماء إلى أن هذا الحديث بعد رمضان الآخر من عمره ولا أرى بضم الهمز وفتح الراء أي ولا أظن وفي رواية وإني لا أرى الأجل أي انتهاءه إلا قد اقترب فاتقي الله أي دومي على التقوى أو زيدي فيها ما استطعت واصبري أي على الطاعة وعن المعصية وفي البلية لا سيما على مفارقتي فإني وفي رواية فإنه نعم السلف أي الفرط أنا لك أي على الخصوص والجملة بتأويل مقول في حقي خبر لأن في


إني قال الطيبي أنا مخصوص بالمدح ولك بيان كأنه لما قيل نعم السلف أنا قيل لمن قيل لك فبكيت وفي رواية قالت فبكيت للذي رأيت فلما رأى جزعي أي قلة صبري سارني الثانية قال وفي رواية فقال يا فاطمة ألا ترضين وفي رواية أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أي جميعها أو مخصوصة بهذه الأمة وفي رواية سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين شك من الراوي والحديث بظاهره يدل على أنها أفضل النساء مطلقا حتى من خديجة وعائشة ومريم وآسية وقد تقدم الخلاف والله أعلم وفي رواية فسارني فأخبرني أنه يقبض أي يموت في وجعه فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه بفتح فسكون ففتح وفي نسخة بتشديد التاء الفوقية وكسر الموحدة أي ألحقه فضحكت وتوضيحه ما في الذخائر أنه قال وفي رواية بعد قول عائشة حتى إذا قبض سألتها فقالت إنه حدثني أنه كان جبريل يعارضه القرآن كل عام مرة وأنه عارضني به في هذا العام مرتين ولا أرى إلا قد حضر أجلي وإنك أول أهلي لحوقا بي ونعم السلف أنا لك ثم سارني وذكر مثل الأول أخرجهما مسلم وعن عائشة قالت ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا وحديثا برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وكانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت له فقبلته وأجلسته في مجلسها فلما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتت فاطمة وأكبت عليه فقبلته ثم رفعت رأسها فبكت ثم أكبت عليه ثم رفعت رأسها فضحكت فقلت إن كنت لأظن أن هذه من أعقل نسائنا فإذا هي من النساء فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لها رأيت حين أكبيت على النبي صلى الله عليه وسلم ورفعت رأسك فبكيت ثم أكبيت عليه فرفعت رأسك فضحكت ما حملك على ذلك قالت إني إذا لبذرة أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت ثم أخبرني أني أسرع أهله لحوقا


به فذلك حين ضحكت أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وقال الترمذي حسن غريب وفي الذخائر عن ثوبان قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده إتيان فاطمة وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة أخرجه أحمد وعن أبي ثعلبة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم أتى فاطمة ثم أتى أزواجه أخرجه أبو عمرو قال المؤلف هي فاطمة الكبرى بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمها خديجة وهي أصغر بناته في قول وهي سيدة نساء العالمين تزوجها علي بن أبي طالب في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان وبنى عليها في ذي الحجة فولدت له الحسن والحسين


والمحسن وزينب وأم كلثوم ورقية وماتت بالمدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر وقيل بثلاثة أشهر ولها ثمان وعشرون سنة وغسلها علي وصلى عليها ودفنت ليلا روى عنها علي وابناها الحسن والحسين وجماعة سواهم قالت عائشة ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة غير أبيها متفق عليه وروى الحاكم عن أبي سعيد فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران وعن المسور بن مخرمة سبق ذكره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاطمة وفي رواية إن فاطمة بضعة بفتح موحدة أي قطعة لحم مني وقد تكسر الباء على ما في النهاية وفي القاموس البضعة بفتح الموحدة وحكي ضمها وكسرها وسكون المعجمة قطعة من اللحم والمعنى أنها جزء مني كما أن القطعة جزء من اللحم ونعم ما قال الإمام مالك ولا أفضل أحدا على بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أغضبها أغضبني أي فكأنه أغضبني ففيه نوع من التشبيه البليغ فاندفع ما استدل به السهيلي على أن من سبها يكفر إذ لا يخفى أن مثل هذا الكلام محمول على المبالغة في مقام المرام ومنه قوله عليه السلام على ما رواه ابن عساكر عن علي من آذى مسلما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومنه ما رواه أحمد والبخاري في تاريخه عن معاوية وابن حبان عن البراء من أحب الأنصار فقد أحبه الله ومن أبغض الأنصار أبغضه الله ومنه ما رواه الطبراني في الأوسط عن أنس مرفوعا حب قريش أيمان وبغضهم كفر وحب العرب إيمان وبغضهم كفر فمن أحب العرب فقد أحبني ومن أبغض العرب فقد أبغضني وفي رواية أي بعد قوله فقد أغضبني أو زيادة عليه يريبني من الإرابة بالموحدة أي يقلقني في الظاهر ما أرابها ويؤذيني أي في الباطن ما آذاها في شرح السنة رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني وأدهمني ما أستيقنه قال الطيبي بغير ألف معناه يسوءني ما يسوءها ويزعجني ما أزعجها قلت الظاهر أنهما لغتان والمزيد له مزية ومناسبة لقوله ما أرابها ويؤيده اتفاق النسخ على الضم والله أعلم ثم


أول الحديث قال مسور
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا علي بن أبي طالب ولا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني الحديث وفي شرح مسلم قالوا في الحديث تحريم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بكل حال وعلى كل وجه وإن تولد الإيذاء مما كان أصله مباحا وهو من خواصه صلوات الله وسلامه عليه وهو لوجهين أحدهما أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة فيتأذى حينئذ النبي صلى الله عليه وسلم فيهلك علي رضي الله عنه من أذاه فنهى عن ذلك لمكان شفقته على علي و ثانيهما أنه خاف الفتنة عليها بسبب الغيرة وقيل ليس المراد بقوله لا آذن النهي عن جمعهما بل معناه أنه صلى الله عليه وسلم علم من فضل الله تعالى أنهما لا يجتمعان كما قال أنس بن النضر والله لا تكسر ثنيتها متفق عليه وفي لفظ الذخائر عن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها أخرجه الشيخان والترمذي وصححه وعن المسور أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل قال المسور فقام النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد ثم قال أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وأن فاطمة بضعة مني وإنما أكره أن يفتنوها وإنه والله لا تجتع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحدا أبدا قال فترك علي الخطبة وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب


على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال إن فاطمة مني وإني أخاف أن تفتن في دينها ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن قال حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا وعن يحيى بن سعيد القطان قال ذاكرت عبد الله بن داود قول النبي صلى الله عليه وسلم لا آذن إلا أن يحب على أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم قال ابن داود حرم الله على علي أن ينكح على فاطمة في حياتها لقوله عز وجل وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر قال فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا آذن لم يكن يحل لعلي أن ينكح على فاطمة إلا أن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت عمر بن داود يقول لما قال النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها حرم الله على علي أن ينكح على فاطمة ويؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله الأحزاب أخرجهما الحافظ أبو القاسم الدمشقي وعن المسور بن مخرمة أنه بعث إليه حسن بن الحسن يخطب ابنته فقال له فليأتني في العتمة


فلقيه فحمد المسور الله عز وجل وأثنى عليه وقال أما بعد فما من نسب ولا سبب ولا صهر أحب إلي من نسبكم وصهركم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع إلا نسبي وسببي وصهري وعندك ابنته ولو زوجتك لقبضها ذلك فانطلق عاذرا أخرجه أحمد وفيه دليل على أن الميت يراعي منه ما يراعي في الحي وقد ذكر الشيخ أبو علي السنجي في شحر التلخيص إنه يحرم التزوج على بنات النبي صلى الله عليه وسلم ولعله يريد من ينتسب إليه بالبنوة ويكون هذا دليلة وفي الجامع فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري رواه أحمد والحاكم وعن المسور فاطمة أحب إلي منك وأنت أعز علي منها قاله لعلي رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة وفي الصواعق روي عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد على الصراط فتمر مع سبعين ألف جارية من الحور العين كمر البرق وعن زيد بن أرقم قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء أي بموضع فيه ماء يدعى أي يسمى ذلك الماء أو ذلك المكان خما بضم فتشديد وهو موضع بالجحفة بين مكة والمدينة وتقدم أنه كان حين رجوعه من مكة وتوجهه إلى المدينة عام حجة الوداع فحمد الله أي شكره وأثنى عليه أي بعلي ذاته وجلى صفاته ووعظ أي نصحهم بما نفعهم وذكر بتشديد الكاف أي نبههم من نوم غفلتهم ثم قال أما بعد أي بعد الحمد والثناء ألا بتخفيف اللام للتنبيه زيادة في الاهتمام على التوجيه أيها الناس إنما أنا بشر أي مثلكم لكن امتيازي عنكم بأنه يوحى إلي يوشك أي يقرب أن يأتيني رسول ربي أي جبريل ومعه عزرائيل أو المراد به ملك الموت فأجيبه بالنصب وأنا تارك فيكم الثقلين بفتحتين أي الأمرين


العظيمين سمي كتاب الله وأهل بيته بهما لعظم قدرهما ولأن العمل بهما ثقيل على تابعهما قال صاحب الفائق الثقل المتاع المحمول على الدابة وإنما قيل للجن والإنس الثقلان لأنهما ثقال الأرض فكأنهما ثقلاها وقد شبه بهما الكتاب والعترة في أن الدين يستصلح بهما ويعمر كما عمرت الدنيا بالثقلين وفي شرح السنة سماهما ثقلين لأن الأخذ والعمل بهما ثقيل وقيل في تفسير قوله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا المزمل
أي أوامر الله ونواهيه لأنه لا يؤدي إلا بتكلف ما يثقل وقيل قولا ثقيلا أي له وزن وسمي الجن والإنس ثقلين لأنهما فضلا بالتمييز على سائر الحيوان وكل شيء له وزن وقدر متنافس فيه فهو ثقيل أولهما كتاب الله فيه الهدى أي الهداية عن الضلالة والنور أي نور القلب للاستقامة أو سبب ظهور النور يوم القيامة فخذوا بكتاب الله أي استنباطا وحفظا وعلما واستمسكوا به أي وتمسكوا به اعتقادا وعملا ومن جملة كتاب الله العمل بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله سبحانه وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر ومن يطع الرسول فقد أطاع الله النساء وقل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران وفي رواية فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به فحث بتشديد المثلثة أي فحرض أصحابه على كتاب الله أي على محافظته ومراعاة مبانيه ومعانيه والعمل بما فيه ورغب فيه بتشديد الغين المعجمة أي ذكر المرغبات من حصول الدرجات في حقه ثم يمكن أنه رهب وخوف بالعقوبات لمن ترك متابعة الآيات فيكون حذفه من باب الاكتفاء ويمكن أنه اقتصر على البشارة إيماء إلى سعة رحمة الله تعالى وأن رحمته للعالمين وأمته أمة مرحومة ثم قال أي النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيتي أي وثانيهما أهل بيتي أذكركم الله بكسر الكاف المشددة أي أحذركموه في أهل بيتي وضع الظاهر موضع المضمر اهتماما بشأنهم وإشعارا بالعلة والمعنى أنبهكم حق الله في محافظتهم ومراعاتهم واحترامهم وإكرامهم


ومحبتهم ومودتهم وقال الطيبي أي أحذركم الله في شأن أهل بيتي وأقول لكم اتقوا الله ولا تؤذوهم واحفظوهم فالتذكير بمعنى الوعظ يدل عليه قوله وعظ وذكر قلت وقد تقدم التغاير بينهما والحمل على التأسيس أولى أذكركم الله في أهل بيتي كرر الجملة لإفادة المبالغة ولا يبعد أن يكون أراد بأحدهما آله وبالأخرى أزواجه لما سبق من أن أهل البيت يطلق عليهما وفي رواية قال ثلاث مرات وفي رواية أي بدل أولهما كتاب الله الخ كتاب الله هو حبل الله أي ما يوصل العبد إلى ربه ويتوسل به إلى قربه والترقي من حضيض البشرية إلى أوج رفعة الملكية بالحضور في الحضرة الإلهية والغيبة عن شعور أمور الكونية وهو مقتبس من قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا آل عمران من اتبعه أي إيمانا وحفظا وعلما وعملا وإخلاصا كان على الهدى أي على الهداية الكاملة ومن تركه أي بجهة من الجهات المتعددة كان على الضلالة أي الغواية الشاملة فالقرآن كالحبل ذو وجهين يمكن أن يكون وسيلة للترقي وأن يكون ذريعة للتنزل والتدلي كالنيل ماء للمحبوبين ودماء للمحبوبين يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا البقرة القرآن حجة لك أو عليك وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا الإسراء نفعنا الله به ورفعنا بسببه رواه مسلم وفي الذخائر فقيل لزيد من أهل بيته أليس نساؤه من أهل بيته


قال بلى إن نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الله عليه الصدقة بعده قال ومن هم قال هم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل عباس قال كل هؤلاء حرم عليهم الصدقة قال نعم أخرجه مسلم وأخرج معناه أحمد عن أبي سعيد ولفظه أنه صلى الله عليه وسلم قال إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بما تخلفوني فيهما وعن ابن عمر أي موقوفا أنه كان أي ابن عمر والأظهر أن يكون التقدير كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم على ابن جعفر أي ابن أبي طالب وابن أبي طالب وابن جعفر هو عبد الله ولم يذكره المؤلف في أسمائه قال السلام عليك يا ابن ذي الجناحين بفتح الجيم قال القاضي لما رآى جعفرا في الجنة يطير مع الملائكة لقبه بذي الجناحين ولذلك سمي طيارا أيضا قال المؤلف أسلم قديما بعد أحد وثلاثين إنسانا وكان أكبر من أخيه علي بن أبي طالب بعشر سنين وكان أشبه الناس خلقا وخلقا برسول الله صلى الله عليه وسلم روى عنه ابنه عبد الله وخلق كثير من الصحابة قتل شهيدا يوم مؤتة سنة ثمان وله إحدى وأربعون سنة فوجد فيما أقبل من جسده سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف رواه البخاري وعن البراء قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي بالرفع والواو للحال على عاتقه بكسر التاء وهو ما بين المنكب والعنق يقول اللهم إني أحبه أي حبا بليغا فأحبه ولا شك أنه أحبه الله فيجب التخلق بأخلاق الله والتعلق بشمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله في جميع أحيانه وأحواله قال المؤلف كنيته أبو محمد سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته وسيد شباب أهل الجنة ولد في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وهو أصح ما قيل في ولادته ومات سنة خمسين وقيل سنة تسع وأربعين وقيل سنة أربع وأربعين ودفن بالبقيع


روى عنه ابنه الحسن بن الحسن وأبو هريرة وجماعة كثيرة ولما قتل أبوه علي ابن أبي طالب بالكوفة بايعه الناس على الموت أكثر من أربعين ألفا وسلم الأمر إلى معاوية بن
أبي سفيان في النصف من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وأما الحسين فكنيته أبو عبد الله ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع وكانت فاطمة علقت به بعد أن ولدت الحسن بخمسين ليلة وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق فيما بين الكوفة والحلة وقتله سنان بن أنس النخعي ويقال أيضا سنان بن أبي سنان وقيل قتله شمر بن ذي الجوشن وأجهز عليه خولي بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وكسر اللام وتشديد الياء ابن يزيد الأصبحي من حمير جز رأسه وأتى به عبد الله بن زياد وقال شعر أوقر ركابي فضة وذهبا أني قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا وخيرهم إذ ينسبون نسبا وقيل إنه قتل مع الحسين من ولده واخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلا روى عنه أبو هريرة وابنه علي زين العابدين وفاطمة وسكينة بضم السين المهملة وفتح الكاف وسكون الياء والنون ابنتاه وكان للحسين يوم قتله ثمان وخمسون سنة وقضى الله تعالى أن قتل عبد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة سبع وستين قتله إبراهيم بن مالك بن الأشتر النخعي في الحرب وبعث رأسه إلى المختار وبعثه المختار إلى ابن الزبير وبعث به ابن الزبير إلى علي بن الحسين متفق عليه وعن أبي هريرة قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من النهار أي قطعه منه حتى أتي خباء فاطمة بكسر الخاء المعجمة وبموحدة بعدها ألف فهمز أي بيتها كما قاله النووي قال الطيبي هو من المجاز على نحو استعمال المشفر على الشفة وفي رواية مخبأ وهو المخدع وفي بعض نسخ المصابيح خباب فاطمة والظاهر أنه مغير اه وفيه نظر إذ قال شارح للمصابيح الخباب بالفتح مقدم الباب وقال ابن الملك أراد به حجرتها وقيل حول دارها وقال الجزري جناب بفتح الجيم والنون وبالباء


الموحدة فناء الدار فقال أي النبي صلى الله عليه وسلم أثم بفتح المثلثة وتشديد الميم أي أهناك لكع بضم اللام وفتح الكاف من غير انصراف كعمر وزفر وفي نسخة بصرفه قال شارح اللكع الصبي الصغير معدول من اللكع بكسر الكاف يقال لكع الرجل يلكع لكعا فهو لكع إذا خس أي صار خسيسا وهو غالب الاستعمال في الصغير الذكر ويقال للأنثى لكاع مبنية وقيل هو ليس بمعدول وإنما هو مثل نغر وصرد فحقه أن ينون لأنه ليس بمعدول وقال ابن الملك لكع بضم اللام وفتح الكاف الصغير قدرا أو جثة والثاني هو المراد هنا وقال غيره يقال للصبي


الصغير لكع مصروفا ذهابا إلى صغر جثته ويطلق على العبد واللئيم والأحمق لصغر قدرهم وفي القاموس اللكع كصرد اللئيم والعبد والأحمق ومن لا يتجه لمنطق ولا غيره ويقال في النداء يا لكع ولا يصرف في المعرفة لأنه معدول من لكع وفي النهاية اللكع عند العرب العبد ثم استعمل في الحمق والذم وقد يطلق على الصغير ومنه الحديث أنه صلى الله عليه وسلم جاء لطلب الحسن بن علي قال أثم لكع فإن أطلق على الكبير أريد به الضعيف العلم والعقل قال القاضي المراد بهذا الاستصغار الرحمة والشفقة كالتصغير في ياء حميراء أثم لكع كرره للاهتمام في تحصيله يعني حسنا تفسير من الراوي فلم يلبث بفتح الموحدة أي لم يمكث مجيئه أن جاء يسعى أي ساعيا حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه أي طالب صحبته قال ابن الملك فيه جواز المعانقة وقال النووي فيه استحباب ملاطفة الصبي في معانقته ومداعبته رحمة ولطفا واستحباب التواضع مع الأطفال وغيرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه اللهم اجعلنا من محبيه ومواليه ولا تجعلنا من مبغضيه ومعاديه فإن محبوب المحبوب محبوب وفي قلب المحب المغلوب مطلوب متفق عليه وعن أبي بكرة أي الثقفي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي بالرفع ويجوز نصبه إلى جنبه يحتمل الأيمن والأيسر وهو أي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل على الناس مرة وعليه أي وعلى الحسن أخرى وفي رواية الذخائر ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول إن ابني هذا سيد أصله سيود قلبت الواو ياء وأدغمت قيل وهو من لا يغلبه غضبه وقيل الذي يفوق في الخير والأول أليق بما بعده الآتي والأظهر الثاني لأنه إنما يطلق حقيقة على من جمع السيادة نسبا وحسبا وعلما وعملا ولعل الله أتى بصيغة الرجاء إيماء إلى عدم وجوب شيء على المولى فالمعنى أرجو منه سبحانه أن يصلح به أي بسببه بين فئتين عظيمتين من المسلمين قال التوربشتي كفى به شرفا


وفضلا فلا أسود ممن سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدا وإنما وصف الفئتين بالعظيمتين لأن المسلمين كانوا يومئذ فرقتين فرقة معه وفرقة مع معاوية وكان الحسن رضي الله عنه يومئذ أحق الناس بهذا الأمر فدعاه ورعه وشفقته على
أمة جده إلى ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند الله ولم يكن ذلك لقلة ولا ذلة فقد بايعه على الموت أربعون ألفا وقال والله ما أحببت منذ علمت ما ينفعني ويضرني أن لي أمر محمد صلى الله عليه وسلم على أن يهراق في ذلك محجمة دم وشق ذلك على بعض شيعته حتى حملته العصيبة على أن قال عند الدخول السلام عليك يا عار المؤمنين فقال العار خير من النار وفي شرح السنة في الحديث دليل على أن واحدا من الفريقين لم يخرج بما كان منه في تلك الفتنة من قول أو فعل عن ملة الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلهم كلهم مسلمين مع كون إحدى الطائفتين مصيبة والأخرى مخطئة وهكذا سبيل كل متأول فيما يتعاطاه من رأي ومذهب إذا كان له فيما تناوله شبهة وإن كان مخطئا في ذلك ومن هذا اتفقوا على قبول شهادة أهل البغي ونفوذ قضاء قاضيهم واختار السلف ترك الكلام في الفتنة الأولى وقالوا تلك دماء طهر الله عنها أيدينا فلا نلوث به ألسنتنا رواه البخاري وعن أبي بكر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا وكان الحسن يجيء وهو صغير فكان كلما سجد رسول الله وثب على رقبته وظهره فيرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه رفعا رفيقا حتى يضعه فقالوا يا رسول الله رأيناك تصنع بهذا الغلام شيئا ما رأيناك تصنعه بأحد قال إنه ريحانتي من الدنيا إن ابني هذا سيد وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين أخرجه أبو حاتم وأخرجه أحمد بمعناه ولم يقل ريحانتي من الدنيا وزاد قال الحسن بن الحسن والله بعد أن ولي لم يهرق في خلافته ملء محجمة دم وعن أبي هريرة قال كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا رفع رأسه


أخذهما بيده من خلفه أخذا رفيقا فيضعهما على الأرض فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته فأقعدهما على فخذيه قال فقمت إليه فقلت يا رسول الله أرذهما فبرقت برقة فقال الحقا بأمكما قال فمكث ضوؤها حتى دخلا أخرجه أحمد وعن معاوية قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمص لسان الحسن أو شفته وإنه لن يعذب الله لسانا أو شفة مصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد وفي الذخائر قال أبو عمر ولما قتل علي بن أبي طالب بايع الحسن أكثر من أربعين ألفا كلهم قد بايع أباه قبله على الموت وكانوا أطوع للحسن وأحب فيه منهم في أبيه فبقي سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراء النهر من خراسان ثم سار إلى معاوية وسار معاوية إليه فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له يسكن بناحية الأنبار من أرض السواد علم أنه لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر الأخرى فكتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان في أيام أبيه فأجابه معاوية إلا أنه قال عشرة أنفس فلا أو منهم فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه يقول إني قد آليت أنني متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده فراجعه الحسن أني لا أبايعك أبدا وأنت تطلب قيسا أو غيره بتبعة قلت أو كثرت فبعث إليه معاوية حينئذ برق


أبيض وقال اكتب ما شئت فيه فأنا ألتزمه فاصطلحا على ذلك واشترط عليه الحسن أن يكون الأمر له من بعده فالتزم ذلك كله معاوية واصطلحا على ذلك وكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وكان رضي الله عنه يقول ما أحببت منذ علمت ما ينفعني ويضرني أن لي أمر محمد صلى الله عليه وسلم على أن يهراق في ذلك مجحمة دم وعن أبي العريف قال كنا في مقدمة الحسن بن علي اثنا عشر ألفا مستميتين حرصا على قتال أهل الشام فلما جاءنا صلح الحسن كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ والحزن فلما جاء الحسن الكوفة أتاه شيخ منا يكنى أبا عمرو سفيان بن أبي ليلى فقال السلام عليك يا مذل المؤمنين قال لا تقل يا أبا عمرو فإني لم أذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك وعن عبد الله بن بريدة أن الحسن دخل على معاوية فقال لأجيزنك بجائزة لم أجز بها أحدا قبلك ولا أجيز بها أحدا بعدك فأجازه بأربعمائة ألف ألف فقبلها وروي أنه لما جرى الصلح بين معاوية والحسن فقال له معاوية قم فاخطب الناس واذكر ما كنت فيه فقام الحسن فخطب فقال الحمد لله الذي هدانا وحقن بنا دماءكم إلا أن أكيس الكيس التقي وإن أعجز العجز الفجور وأن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما أن يكون أحق به مني أو يكون حقي وتركته لله ولصلاح أمة محمد صلى الله عليه وسلم وحقن دمائهم ثم التفت وقال وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ثم نزل فقال عمرو بن العاص لمعاوية ما أردت إلا هذا وفي رواية أن الحسن قال في خطبته يا معاوية إن الخليفة من سار سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل بطاعته وليس الخليفة من دان بالجور وعطل السنن واتخذ الدنيا أما وأبا وعن عبد الرحمن بن أبي نعم بضم نون وسكون عين كذا في المغني وكذا في النسخ المعتمدة وسائر النسخ الحاضرة ولم يذكره المؤلف في أسمائه بل ذكر عبد الرحمن بن أبي غنم وقال بفتح الغين المعجمة وسكون النون


قال سمعت عبد الله بن عمر وسأله رجل عن المحرم جملة حالية قال شعبة أي أحد رواة هذا الحديث ولم يذكره المؤلف في أسمائه أحسبه بكسر السين وفتحها أي أظنه أي السائل سأله عن المحرم وفي الذخائر عن ابن عمر وقد سئل عن المحرم يقتل الذباب يعني أيجوز قتله أم لا والجملة معترضة قال وفي رواية فقال أي أبن عمر في جوابه متعجبا أهل العراق أي الكوفة فإنها والبصرة تسميان عراق العرب يسألوني بتشديد النون ويخفف عن الذباب أي عن قتل الذباب كما في نسخة والمعنى أنهم يظهرون كمال رعاية التقوى في نسكهم قال الطيبي قوله قال أهل العراق حال من سمعت وقد مقدره والأصل سمعت قول عبد الله وقوله وسأله رجل عن


المحرم أيضا حال وقوله قال شعبة أحسبه يقتل الذباب قول بعض الرواة تفسير سؤال الرجل واستفتاؤه أي ما تقول في شأن المحرم يقتل الذباب اه وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حال من ضمير الفاعل في يسألوني وقال وفي رواية وقد قال أي والحال أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في حق ابني بنته هما يعني الحسنين ريحاني ضبط في جميع النسخ بفتح النون وتشديد ياء المتكلم وسيأتي الكلام عليه وفي الذخائر هما ريحانتاي من الدنيا أي من رزق الله الذي رزقنيه من الدنيا يقال سبحان الله وريحانه أي أسبح الله وأسترزقه وهو مخفف من ريحان مشددا فيعلان من الروح لأن انتعاشه بالرزق ويجوز أن يراد بالريحان المشموم لأن الشمامات تسمى ريحانا ويقال حباه بطاقة نرجس وبطاقة ريحان فيكون المعنى أنهما مما أكرمني الله به وحياني أو لأن الأولاد يشمون ويقبلون فكأنهم من جملة الرياحين التي أنبتها الله وفي النهاية الريحان الرحمة والراحة والرزق وبه سمي الولد ريحانا وكل نبت طيب الريح من أنواع الشموم وقال الطيبي موقع من الدنيا ههنا كموقعها في قوله صلى الله عليه وسلم حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء أي نصيبي منها ونصب ريحاني على المدح أقول الظاهر من كلام الفائق أنه جعل ريحاني خبرا المبتدأ أو من الدنيا بمعنى في الدنيا لكن يشكل على رواية الكتاب بغير رفع ولعله مبني على ما روي ريحانتاي أو ريحاناي أو ريحاني بكسر النون وتخفيف الياء والإفراد باعتبار كل منهما والتقدير كانا ريحاني ثم رأيت القاضي عياضا قال في المشارق قوله وهما ريحاناي من الدنيا الولد يسمى الريحان ومن هنا بمعنى في أي في الدنيا وقيل ريحاناي من الجنة في الدنيا كما قال في الحديث الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة وقد قيل يوجد منهما ريح الجنة والريحان ما يستراح إليه أيضا وقيل سماهما بذلك لأن الولد يشم كما يشم الريحان اه وعن جابر بن عبد الله على ما رواه أحمد في


المناقب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب سلام عليك يا أبا الريحانين فعن قليل يذهب ركناك والله خليفتي عليك فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال علي هذا أحد الركنين فلما ماتت فاطمة قال هذا الركن الآخر رواه البخاري وعن عبد الرحمن بن أبي نعم أن رجلا من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب فقال ابن عمر انظروا إلى هذا يسأل عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا أخرجه الترمذي وصححه


وعن أنس قال لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي وقال أي أنس وفي الحسين أيضا كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي في حديث علي في الفصل الثاني تفصيل معنى هذا الحديث رواه البخاري وكذا الترمذي وعن ابن عباس قال ضمني بتشديد الميم أي أخذني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره إيماء إلى أنه منبع العلم ومعدن الحكم فقال اللهم علمه الحكمة أي إتقان العلم والعمل قال تعالى يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا البقرة وليس المراد بها حكمة الفلاسفة ففي النهاية الحكمة عبارة عن معرفة الفضلاء الأشياء بأفضل العلوم والحكيم الذي يحكم الأشياء ويتقنها وفي فتح الباري واختلف في المراد بالحكمة ههنا فقيل الإصابة في القول وقيل الفهم عن الله وقيل ما يشهد العقل بصحته وقيل نور يفرق بينه وبين الإلهام والوسواس وقيل سرعة الجواب وقيل غير ذلك قلت لا منع من الجمع شعر عباراتنا شتى وحسنك واحد فكل إلى ذاك الجمال يشير وفي رواية علمه الكتاب أي علمه ما يتعلق به من سائر العلوم الشرعية وحكي عن ابن عباس أنه قال جميع العلم في القرآن لكن تقاصر عنه أفهام الرجال وهذه الرواية تؤيد قول من فسر الحكمة بعلم الكتاب ولذا يقال لابن عباس ترجمان الكتاب وقال الطيبي الظاهر أن يراد بالحكمة السنة قال تعالى يعلمهم الكتاب والحكمة آل عمران قلت الأظهر أن يراد بالكتاب لفظه وقراءته وبالحكمة معرفة أحكامه تبيين آياته فإنه رضي الله عنه كان مشهورا بالعلمين أي القراءة والتفسير على أن تفسير الحكمة بالسنة في الآية لوقوعها عطفا على الكتاب والأصل التغاير في العطف


لكن سيأتي أنه دعا له بالفقه أيضا وهو العلم بالكتاب والسنة أصولا وفروعا فهو جامع العلوم رضي الله عنه قال المؤلف ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة وقيل عشر كان حبر هذه الأمة وعالمها دعا له صلى الله عليه وسلم بالحكمة والفقه والتأويل ورأى جبريل عليه السلام مرتين وكف بصره في آخر عمره ومات بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير وهو ابن إحدى وسبعين سنة روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين رواه البخاري وعنه أي عن ابن عباس قال إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء بالفتح والمد أي مكان البراز فوضعت له وضوءا بفتح الواو ماء الوضوء فلما خرج قال من وضع هذا أي ظرف الماء فأخبر بصيغة الماضي المجهول أي فأخبره مختبر وهو يحتمله وغيره فقال اللهم فقهه بكسر القاف المشددة أي اجعله فقيها عالما في الدين أي أصوله وفروعه وليس المراد به الفقه المتعارف المختص بفروع المعاملات والخصومات قال النووي فيه فضيلة الفقه واستحباب الدعاء بظهر الغيب واستحباب الدعاء لمن عمر خيرا وقد أجاب الله دعاه في حقه فكان من الفقه بالمحل الأعلى متفق عليه وعن أسامة بن زيد أي ابن حارثة القضاعي وأمه أم أيمن واسمها بركة وهي حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مولاة لأبيه عبد الله بن عبد المطلب وأسامة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه وحبه وابن حبه قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين وقيل غير ذلك ونزل وادي القرى وتوفي به بعد قتل عثمان وقيل سنة أربع وخمسين قال ابن عبد البر وهو عندي أصح روى عنه جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذه أي يأخذ أسامة والحسن فيقول اللهم أحبهما فإني أحبهما فيه إشعار بأن محبته لله ولذا رتب محبة الله على محبته وفي ذلك أعظم منقبة لهما ولفظ الذخائر اللهم إني أحبهما فأحبهما أو كما قال رواه


البخاري
وفي رواية قال أي أسامة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني بضم الياء وكسر العين أي يجلسني على فخذه أي اليمنى أو اليسرى ويقعد الحسن بن علي على فخذه الأخرى ثم يضمهما كذا في المصابيح وجامع الأصول وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة ذكره الطيبي والظاهر أن في غيرهما يضمنا على تغليب المتكلم كما أن في يضمهما تغليب الغائب ففي تسميته التفاتا نوع مسامحة ثم يقول اللهم ارحمهما أي رحمة شاملة كاملة تغنهما عن رحمة من سواك فإني أرحمهما أي رحمة خاصة وإلا فرحمته عامة للمؤمنين بل شاملة للعالمين رواه البخاري وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا أي أرسل جيشا وأمر بتشديد الميم أي جعل أميرا عليهم أسامة بن زيد فطعن بفتح العين من طعن كمنع في العرض والنسب أما بالضم فبالرمح واليد ويقال هما لغتان والمعنى فتكلم بعض الناس أي المنافقون أو أجلاف العرب في إمارته بكسر الهمزة أي ولايته لكونه مولى فقال رسول الله وفي نسخة نبي الله صلى الله عليه وسلم إن كنتم تطعنون في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه يشير إلى إمارة زيد بن حارثة في غزوة مؤتة من قبل أي من قبل هذا أو من قبل إمارة ابنه قال الطيبي قوله فقد كنتم طعنتم هذا الجزاء إنما يترتب على الشرط بتأويل التنبيه والتوبيخ أي طعنكم الآن فيه سبب لأن أخبركم أن ذلك من عادة الجاهلية وهجيراهم ومن ذلك طعنكم في أبيه من قبل نحو قوله تعالى إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يوسف وأيم الله بهمز وصل وقيل قطع أي والله إن مخففة أي الشأن كان أي أبوه لخليقا أي لجديرا وحقيقا للإمارة أي لفضله وسبقه وقربه مني وفي أصل المالكي وأيم الله لقد كان وفي نسخة عنده إن كان خليقا فقد استعمل إن المخففة المتروكة العمل عاريا ما بعدها من اللام الفارقة لعدم الحاجة إليها قال التوربشتي إنما طعن من طعن في إمارتهما لأنهما كانا من الموالي وكانت العرب لا ترى تأمير


الموالي وتستنكف عن أتباعهم كل الاستنكاف فلما جاء الله بالإسلام ورفع قدر من لم يكن له عندهم قدر بالسابقة والهجرة
والعلم والتقى وعرف حقهم المحفوظون من أهل الدين فأما المرتهنون بالعادة الممتحنون بحب الرياسة من الأعراب ورؤساء القبائل فلم يزل يختلج في صدورهم شيء من ذلك لا سيما أهل النفاق فإنهم كانوا يسارعون إلى الطعن وشدة النكير عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث زيد بن حارثة رضي الله عنه أميرا على عدة سرايا وأعظمها جيش مؤتة وسار تحت رايته في تلك الغزوة خيار الصحابة منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وكان خليقا بذلك لسوابقه وفضله وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان يبعث أسامة وقد أمره في مرضه على جيش فيهم جماعة من مشيخة الصحابة وفضلائهم وكأنه رأى في ذلك سوى ما توسم فيه من النجابة أن يمهد الأمر ويوطئه لمن يلي الأمر بعده لئلا ينزع أحد يدا من طاعة وليعلم كل منهم أن العادات الجاهلية قد عميت مسالكها وخفيت معالمها وإن كان أي أبوه لمن أحب الناس إلي وإن هذا أي أسامة لمن أحب الناس إلي بعده أي بعد أبيه زيد متفق عليه وعند النسائي عن عائشة قالت ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم قال بعض المحققين فيه جواز إمارة المولى وتولية الصغار على الكبار والمفضول على الفاضل قلت ولعل تأميره مع تأمير ابنه وقع جبرا لما اختاره من عبوديته صلى الله عليه وسلم حين خيره فقد قال المؤلف زيد بن حارثة أمه سعدى بنت ثعلبة من بني معن خرجت به تزور قومها فأغارت خيل لبني القين في الجاهلية فمروا على أبيات من بني معن رهط أم زيد فاحتملوا زيدا وهو يومئذ غلام يقال له ثمان سنين فوافوا به سوق عكاظ فعرض للبيع فاشتراه حكيم بن حزام ابن خويلد لعمته خديجة بأربعمائة درهم فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له فقبضه ثم إن خبره اتصل بأهله فحضر أبوه حارثة وعمه كعب في


فدائه فخيره النبي صلى الله عليه وسلم بين نفسه والمقام عنده وبين أهله والرجوع إليهم فاختار النبي صلى الله عليه وسلم لما يرى من بره وإحسانه إليه فحينئذ خرج به النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحجر فقال يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه فصار يدعى زيد ابن محمد إلى أن جاء الله بالإسلام ونزل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله الأحزاب فقيل له زيد بن حارثة وهو أول من أسلم من الذكور في قول وكان النبي صلى الله عليه وسلم أكبر منه بعشر سنين وقيل بعشرين سنة وزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاته أم أيمن فولدت له أسامة ثم تزوج زينب بنت جحش بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلقها لتكبرها عليه فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسم الله تعالى في القرآن أحدا من الصحابة غيره في قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا الأحزاب روى عنه ابنه أسامة وغيره وقتل في غزوة مؤتة وهو أمير الجيش في جمادى الأولى سنة ثمان وهو ابن خمس وخمسين سنة وفي رواية لمسلم نحوه أي نحو الحديث


المتفق عليه سابقا وفي آخرها أي رواية مسلم أوصيكم به أي بأسامة فإنه من صالحيكم أي ممن غلب عليه الصلاح فيما بينكم وإلا فكل الصحابة صالحون والخطاب لجماعة من الحاضرين أو المبعوثين معه وعنه أي عن عبد الله بن عمر قال أي ابن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إيراد هذا الحديث في هذا الحديث في هذا الباب للإشعار بأن مولى الرجل من أهل بيته ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد قال النووي كان تبنى زيدا ودعاه ابنه وكانت العرب تتبنى مواليهم وغيرهم فيصير ابنا له يوارثه وينسب إليه حتى نزل القرآن أي الآية منه ادعوهم لآبائهم قبله وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل أدعوهم أي أنسبوهم لآبائهم هو أقسط أي أعدل عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم الأحزاب الآية فرجع كل إنسان إلى نسبه متفق عليه وذكر حديث البراء قال لعلي أنت مني في باب بلوغ الصغير وحضانته بكسر الحاء ويفتح أي تربيته
الفصل الثاني
عن جابر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته أي حجة الوداع يوم عرفة وهو على ناقته القصواء بفتح القاف ممدودا ويقصر قيل سميت قصواء لا لأنها مجذوعة الأذن بل لأن القصواء لقب لها يخطب حال فسمعته يقول يا أيها الناس إني تركت فيكم ما موصولة صلتها إن أخذتم به أي تمسكتم به علما وعملا لن


تضلوا بعده أي بعد أخذ ذلك الشيء كتاب الله بالنصب بيان ما في ما إن أخذتم به أو بدل أو بتقدير أعني وفي نسخة بالرفع أي هو كتاب الله وعترتي في محل نصب أو رفع وقوله أهل بيتي معرب من وجهين قال التوربشتي عترة الرجل أهل بيته ورهطه الأدنون ولاستعمالهم العترة على أنحاء كثيرة بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله أهل بيتي ليعلم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه اه والمراد بالأخذ بهم التمسك بمحبتهم ومحافظة حرمتهم والعمل بروايتهم والاعتماد على مقالتهم وهو لا ينافي أخذ السنة من غيرهم لقوله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون الأنبياء وقال ابن الملك التمسك بالكتاب العمل بما فيه وهوالائتمار بأوامر الله والانتهاء بنواهيه ومعنى التمسك بالعترة محبتهم والاهتداء بهديهم وسيرتهم زاد السيد جمال الدين إذا لم يكن مخالفا للدين قلت في إطلاقه صلى الله عليه وسلم إشعار بأن من يكون من عترته في الحقيقة لا يكون هديه وسيرته إلا مطابقا للشريعة والطريقة رواه الترمذي وعن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أي بعد فوتي وفي نسخة بعد موتي أحدهما وهو كتاب الله أعظم من الآخر وهو العترة كما بينه بقوله كتاب الله بالنصب وبالرفع وهو أظهر هنا لقوله حبل ممدود بين السماء والأرض أي قابل للترقي والتنزل كما مر بيانه وسبق برهانه وعترتي أهل بيتي قال الطيبي في قوله إني تارك فيكم إشارة إلى أنهما بمنزلة التوأمين الخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه يوصي الأمة بحسن المخالقة معهما وإيثار حقهما على أنفسهم كما يوصي الأب المشفق الناس في حق أولاده ويعضده الحديث السابق في الفصل الأول أذكركم الله في أهل بيتي كما يقول الأب المشفق الله الله في حق أولادي وأقول الأظهر هو أن أهل البيت غالبا يكونون


أعرف بصاحب البيت وأحواله فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته الواقفون على طريقته العارفون بحكمه وحكمته وبهذا يصلح أن يكونوا مقابلا لكتاب الله سبحانه كما قال ويعلمهم الكتاب والحكمة البقرة ويؤيده ما أخرجه أحمد في المناقب عن حميد بن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عنده قضاء قضى به علي بن أبي طالب فأعجبه وقال الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين عن محمد بن مسعر اليربوعي قال قال علي للحسن كم بين


الإيمان واليقين قال أربع أصابع قال بين قال اليقين ما رأت عينك والإيمان ما سمعت أذنك وصدقت به قال أشهد أنك ممن أنت منه ذرية بعضها من بعض وقارف الزهري فهام على وجهه فقال له زين العابدين قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم عليك من ذنبك فقال الزهري الله أعلم حيث يجعل رسالته فرجع إلى أهله وحاله ولن يتفرقا أي كتاب الله وعترتي في مواقف القيامة حتى يردا علي الحوض أي الكوثر قال الطيبي في تفصيل مجمل الحديث ما موصولة والجملة الشرطية صلتها وإمساك الشيء التعلق به وحفظه قال تعالى ويمسك السماء أن تقع على الأرض الحج وتمسك بالشيء إذا تحرى الإمساك به ولهذا لما ذكر التمسك عقبة بالمتمسك به صريحا وهو الحبل في قوله كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وفيه تلويح إلى قوله تعالى ولو شئنا لرفعنا بها ولكنه أخلد إلى أرض واتبع هواه الأعراف كأن الناس واقعون في مهواة طبيعتهم مشتغلون بشهوتهم وإن الله تعالى يريد بلطفه رفعهم فأدنى حبل القرآن إليهم ليخلصهم من تلك الورطة فمن تمسك به نجا ومن أخلد إلى الأرض هلك ومعنى كون أحدهما أعظم من الآخر أن القرآن هو أسوة للعترة وعليهم الاقتداء به وهم أولى الناس بالعمل بما فيه ولعل السر في هذه التوصية واقتران بالقرآن أن إيجاب محبتهم لائح من معنى قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى الشورى فإنه تعالى جعل شكر إنعامه وإحسانه بالقرآن منوطا بمحبتهم على سبيل الحضر فكأنه صلى الله عليه وسلم يوصي الأمة بقيام الشكر وقيد تلك النعمة به ويحذرهم عن الكفران فمن أقام بالوصية وشكر تلك الصنيعة بحسن الخلافة فيهما لن يفترقا فلا يفارقانه في مواطن القيامة ومشاهدها حتى يرد الحوض فشكرا صنيعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فحينئذ هو بنفسه يكافئه والله تعالى يجازيه بالجزاء الأوفى ومن أضاع الوصية وكفر النعمة فحكمه على العكس وعلى هذا التأويل حسن موقع قوله فانظروا كيف


تخلفوني فيهما والنظر بمعنى التأمل والتفكر أي تأملوا واستعملوا الروية في استخلافي إياكم هل تكونون خلف صدق أو خلف سوء أه وقوله تخلفوني بتشديد النون وتخفف رواه الترمذي ورواه أحمد والطبراني عن زيد بن ثابت ولفظه إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وعنه أي عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن


والحسين أي لأجلهم وفي حقهم أنا حرب أي محارب وعن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة أخرجه أحمد والترمذي وقال كان معي في الجنة وقال حديث غريب لمن حاربهم جعل صلى الله عليه وسلم نفسه نفس الحرب مبالغة كرجل عدل وسلم بكسر أوله وبفتح أي مسالم ومصالح لمن سالمهم والمعنى من أحبهم أحبني ومن أبغضهم أبغضني رواه الترمذي وعن جميع بن عمير بالتصغير فيهما قال المؤلف تيمي من الكوفة قال السخاوي سمع عمر وعائشة روى عنه العلاء بن صالح وصدقة بن المثنى قال دخلت مع عمتي على عائشة فسألت أي أنا وفي نسخة بصيغة التأنيث أي عمتي أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أي عائشة فاطمة أي هي كانت أحب فقيل من الرجال أي هذا جوابك من النساء فمن أحب إليه من الرجال قالت زوجها رواه الترمذي وفي الرياض عن عائشة سئلت أي الناس أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة فقيل من الرجال قالت زوجها إن كان ما علمت صواما قواما أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وفي الأزهار رواه السدي وقال الحاكم السدي شيعي يسب الشيخين اه وقد ذكروا أن السدي شخصان كبير وهو سني وصغير وهو رافضي قال السيوطي في شرح التقريب من أمارات كون الحديث موضوعا أن يكون الراوي رافضيا والحديث في فضائل أهل البيت قال الشيخ الحافظ علي بن عراق في كتاب تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة أو في ذم من حاربهم وذكر بعض شيوخي أنه روى عن شيخه الحافظ المحدث البرهان الناجي بالنون أن من أمارات الموضوع أن يكون فيه وأعطي ثواب نبي أو النبيين ونحوهما قلت كلام السيوطي وابن عراق ليس على الإطلاق بل ينبغي أن يكون مقيدا بما إذا وجد فيه مبالغة زائدة غير معروفة في مدح أهل البيت أو ذم أعدائهم وإلا ففضل أهل البيت وذم من حاربهم أمر مجمع عليه عند علماء السنة وأكابر أئمة الأمة ثم لا يلزم من


أكثرية المحبة تحقق الأفضلية إذ محبة الأولاد وبعض الأقارب أمر جبلي مع العلم القطعي بأن غيرهم قد يوجد أفضل منهم وأما بالنسبة إلى الأجانب فالأفضلية توجب زيادة المحبة وبهذا يندفع الإشكال والله أعلم بالأحوال
وعن عبد المطلب بن ربيعة أي ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي سكن المدينة ثم تحول عنها إلى دمشق ومات بها سنة اثنتين وستين روى عنه عبد الله بن الحارث ذكره المؤلف في فصل الصحابة أن العباس دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا بصيغة المفعول وأنا عنده فقال ما أغضبك أي أي شيء جعلك غضبان قال يا رسول الله ما لنا أي معشر بني هاشم ولقريش أي بقيتهم إذ تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة على صيغة المفعول من الإبشار وروي من التبشير وعليه بعض النسخ قال الطيبي كذا في جامع الترمذي وفي جامع الأصول مسفرة يعني على أنه اسم فاعل من الإسفار بمعنى مضيئة قال التوربشتي هو بضم الميم وسكون الباء وفتح الشين يريد بوجوه عليها البشر من قولهم فلان مؤدم مبشر إذا كانت له أدمة وبشرة محمودتين اه والمعنى تلاقي بعضهم بعضا بوجوه ذات بشر وبسط وإذا لقونا بضم القاف لقونا بغير ذلك أي بوجوه ذات قبض وعبوس وكأن وجهه أنهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي من إظهار ذلك أو من أصل هذه الصفة الذميمة حتى احمر وجهه أي اشتد حمرته من كثرة غضبه ثم قال والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان أي مطلقا وأريد به الوعيد الشديد أو الإيمان الكامل فالمراد به تحصيله على ا لوجه الأكيد حتى يحبكم أي أهل البيت لله ولرسوله أي من حيث أظهر رسوله فيكم والله أعلم حيث يجعل رسالته وقد كان يتفوه أبو جهل حيث يقول إذا كان بنو هاشم أخذوا الراية والسقاية والنبوة والرسالة فما بقي لبقية قريش ثم قال يا أيها الناس من آذى عمي أي خصوصا فقد آذاني أي فكأنه آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه بكسر الصاد وسكون نون أي


مثله واصله أن يطلع نخلتان أو ثلاث من أصل عرق واحد فكل واحدة منهن صنو يعني ما عم الرجل وأبوه إلا كصنوين من أصل واحد فهو مثل أبي أو مثلي رواه الترمذي أي عن عبد المطلب وفي المصابيح عن المطلب قال المؤلف هو المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ابن هاشم القرشي كان عاملا على عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم عداده في أهل الحجاز وروى عنه عبد الله بن الحارث قدم مصر لغزو إفريقية سنة تسع وعشرين ولم يقع إلى أهل الحديث عنه رواية اه فما وقع في المصابيح سهو سببه وهم وفي الجامع روى الترمذي عن أبي هريرة


العباس عم رسول الله وأن عم الرجل صنو أبيه وروى ابن عساكر عن علي مرفوعا العباس عمي وصنو أبي فمن شاء فليباه بعمه وفي ذخائر العقبى عن ابن عباس قال إن العباس قال يا رسول الله إنا لنخرج فنرى قريشا تتحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق الغضب بين عينيه ثم قال والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي رواه أحمد وعن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة نبينا خير الأنبياء وهو أبوك وشهيدنا خير الشهداء وهم عم أبيك حمزة ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث شاء وهو ابن عم أبيك ومنا سبط هذه الأمة الحسن والحسين وهما ابناك ومنا المهدي أخرجه الطبراني في معجمه وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس مني أي من أقاربي أو من أهل بيتي أو متصل بي وأنا منه رواه الترمذي وكذا الحاكم وروى الخطيب عن ابن عباس مرفوعا العباس وصيي ووارثي وكان العباس أكبر منه صلى الله عليه وسلم بسنتين ومن لطائف طبعه وحسن أدبه أنه لما قيل له أنت أكبر أم النبي صلى الله عليه وسلم فقال هو أكبر وأنا أسن قال المؤلف وأمه امرأة من النمر بن قاسط وهي أول عربية كست الكعبة الحرير والديباج وأصناف الكسوة وذلك أن العباس ضل وهو صبي فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام والسقاية أما السقاية فهي معروفة وأما العمارة فإنه كان يحمل قريشا على عمارته وبالخير وترك السباب فيه وقول الهجر قال مجاهد أعتق العباس عند موته سبعين مملوكا ولد قبل سنة الفيل ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين ودفن بالبقيع وكان أسلم قديما وكتم إسلامه وخرج مع المشركين يوم بدر مكرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مكرها فأسره أبو اليسر كعب بن عمر ففادى نفسه ورجع إلى مكة ثم أقبل إلى المدينة مهاجرا روى عنه جماعة


وعنه أي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس إذا كان غداة الاثنين بهمزة وصل وقد عدوا قول الشاعر و كل سر جاوز الاثنين شاع لحنا لعدم اتزانه إلا بهمز القطع مع أنه قد يجوز لضرورة الشعر فائتني أنت وولدك بفتحتين وبضم وسكون أي أولادك حتى أدعو لهم أي للأولاد معك قال الطيبي وهو كذا في الترمذي وفي جامع الأصول وبعض نسخ المصابيح لكم اه والمعنى حتى أدعو لكم جميعا بدعوة ينفعك الله بها وولدك أي وينفع بها أولادك قال ابن عباس فغدا أي العباس وغدونا أي نحن معاشر الأولاد معه والمعنى فذهبنا جميعنا إليه صلى الله عليه وسلم وأبعد شارح في قوله أي قال ابن عباس فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسنا أي النبي صلى الله عليه وسلم جميعنا أو نحن الأولاد مع العباس كساءه أي لباسه الخاص على وجه الاختصاص وإرادة الإخلاص ثم قال اللهم اغفر للعباس وولده وما بطن من العيوب التي لم يعلمها إلا علام الغيوب لا تغادر أي لا تترك تلك المغفرة ذئبا أي غير مغفور اللهم احفظه في ولده رواه الترمذي وزاد رزين واجعل الخلافة باقية في عقبه وقال الترمذي هذا حديث غريب قال التوربشتي أشار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك إلى أنهم خاصته وأنهم بمثابة النفس الواحدة التي يشملها كساء واحد وأنه يسأل الله تعالى أن يبسط عليهم رحمته بسط الكساء عليهم وأنه يجمعهم في الآخرة تحت لوائه وفي هذه الدار تحت رايته لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دعوة رسوله اللهم احفظه في ولده أي أكرمه وراع أمره كيلا يضيع في شأن ولده وهذا معنى رواية رزين واجعل الخلافة باقية في عقبه وعنه أي عن ابن عباس أنه أي ابن عباس كما صرح به شارح رأي جبريل مرتين روى ابن النجار عن ابن عباس قال دخلت أنا وأبي على النبي صلى الله عليه وسلم فلما خرجنا من عنده قلت لأبي أما رأيت الرجل الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ما رأيت رجلا أحسن وجها منه فقال لي أهو كان أحسن وجها أم


النبي صلى الله عليه وسلم قلت هو قال فارجع بنا فرجعنا حتى دخلنا
عليه فقال له أبي يا رسول الله أين الرجل الذي كان معك زعم عبد الله أنه كان أحسن وجها منك قال يا عبد الله رأيته قلت نعم قال أما إن ذلك جبريل أما إنه حين دخلتما قال لي يا محمد من هذا الغلام قلت ابن عمي عبد الله بن عباس قال إنه لمحل للخير قلت يا روح الله ادع الله له فقال اللهم بارك عليك اللهم اجعل منه كثيرا طيبا اه ولا يخفى أن قوله أحسن يحتاج إلى توجيه حسن وتأويل مستحسن وهو أنه لما رآه أول نظرة استحسنه بحيث إنه ظن أنه أحسن كما هو مشاهد في المرئيات المستحسنة أولا أو لأن جبريل كان متوجها إليه منبسطا عليه أو لعدم تمييز ابن عباس حينئذ مع المناسبة الطفولية المشابهة بالصفة الملكية التي كأنها علة الضم من الجنسية وإلا فجبريل عليه السلام كان يظهر على صورة دحية ولم يقل أحد من الصحابة إنه كان أحسن صورة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له أي لابن عباس رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أي مرة بإعطاء الحكمة أو علم الكتاب حين ضمه إلى صدره ومرة بتعلم الفقيه حين خدمه بوضع ماء وضوئه رواه الترمذي وعنه أي عن ابن عباس أنه قال دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤتيني الله الحكمة أي العلم بأصول الشريعة وفروعها مرتين أي مرة بلفظ الحكمة ومرة بعبارة الفقه والظاهر أنهما في مجلسين كما تقدم والله أعلم رواه الترمذي وعن أبي هريرة قال كان جعفر يحب المساكين أي محبة زائدة ويجلس إليهم أي ويتواضع لديهم ويحدثهم ويحدثونه أي بالمؤانسة فكان وفي نسخة صحيحة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه أي لكثرة ما ذكر بأبي المساكين أي ملازمهم ومداومهم كما كنى عليا بأبي تراب لمباشرته ومعاشرته بقعوده ورقوده عليه وكما يقال للصوفي أبو الوقت وابن الوقت وللمسافر ابن السبيل رواه الترمذي وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت في المنام


جعفرا
يطير أي بأجنحة روحانية أو جسمانية في الجنة مع الملائكة قال التوربشتي كان جعفر قد أصيب بمؤتة من أرض الشام وهو أمير بيده راية الإسلام بعد زيد بن حارثة فقاتل في الله حتى قطعت يداه ورجلاه فأري نبي الله صلى الله عليه وسلم فما كوشف به أن له جناحين ملطخين بالدم يطير بهما في الجنة مع الملائكة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة قال المظهر يعني هما أفضل من مات شابا في سبيل الله من أصحاب الجنة ولم يرد به سن الشباب لأنهما ماتا وقد كهلا بل ما يفعله الشباب من المروة كما يقال فلان فتى وإن كان شيخا يشير إلى مروته وفتوته أو أنهما سيدا أهل الجنة سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين وذلك لأن أهل الجنة كلهم في سن واحد وهو الشباب وليس فيهم شيخ ولا كهل قال الطيبي ويمكن أن يراد هما الآن سيدا شباب من هم من أهل الجنة من شبان هذا الزمان رواه الترمذي وكذا أحمد عن أبي سعيد والطبراني عن عمر وعن علي وعن جابر وعن أبي هريرة والطبراني في الأوسط عن أسامة بن زيد وعن البراء وابن عدي في الكامل عن ابن مسعود ورواه ابن ماجه والحاكم عن ابن عمر ولفظه الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما وكذا رواه الطبراني عن قرة وعن مالك بن الحويرث والحاكم عن ابن مسعود ورواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم عن أبي سعيد بلفظ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الحسن والحسين هما ريحاني بفتح نون وتشديد ياء كما سبق وفي نسخة صحيحة هما ريحاناي وفي نسخة ريحاني بكسر النون من الدنيا رواه الترمذي وقد سبق أي هذا الحديث في الفصل الأول قال السيد


جمال الدين فيه إشارة إلى الاعتراض على صاحب المصابيح قلت ويدفع بأن الأول رواية البخاري وقعت في محله وهذا رواية الترمذي جاء في موضعه فلا تكرار مع أن اللفظين متغايران في الجملة وعن أسامة بن زيد أي ابن حارثة قال طرقت النبي صلى الله عليه وسلم أي طلبت الطريق إليه ففي القاموس الطرق الإتيان بالليل كالطروق ففي الكلام تجريد أو تأكيد والمعنى أتيته ذات ليلة أي ليلة من الليالي وذات مقحمة لتأكيد الإبهام وفي بعض الحاجة أي لأجل غرض حاجة من الحاجات الحادثة في الأوقات فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل أي محتجب على شيء لا أدري ما هو فلما فرغت من حاجتي قلت ما هذا الذي أنت مشتمل عليه فكشفه أي أزال ما عليه من الحجاب أو المعنى فكشف الحجاب عنه على أنه من باب الحذف والإيصال فإذا الحسن والحسين على وركيه بفتح فكسر وفي القاموس بالفتح والكسر وككتف ما فوق الفخذ فقال هذان ابناي أي حكما وابنا ابنتي أي حقيقة اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما ولعل المقصود من إظهار هذا الدعاء حمل أسامة زيادة على محبتهما رواه الترمذي وعن سلمى بفتح أوله زوجة أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قابلة إبراهيم ابن نبي الله صلى الله عليه وسلم روى عنها ابنها عبيد الله بن علي قالت دخلت على أم سلمة وهي من أمهات المؤمنين وهي تبكي أخرج أحمد في المناقب عن الربيع بن منذر عن أبيه قال كان حسن بن علي يقول من دمعت عيناه فينا دمعة أو قطرت عيناه فينا قطرة آتاه الله عز وجل الجنة فقلت ما يبكيك بضم أوله وكسر كافيه قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني في المنام هذا من كلام سلمى أو ممن بعدها أي تريد أم سلمة بالرؤية الرؤية في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب أي أثره من الغبار فقلت مالك أي من الحال يا رسول الله قال شهدت أي حضرت قتل الحسين آنفا بمد الهمزة ويجوز قصرها أي هذه الساعة القريبة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب قال


ميرك رواه الترمذي وقال حسن غريب وفي سنده حسن بن أسامة بن زيد يضعف قال الذهبي ولم يصح خبره قلت لكن يقويه خبر ابن عباس الآتي في الفصل الثالث وعن أنس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أهل بيتك أحب إليك قال الحسن والحسين وكان يقول لفاطمة ادعي لي بسكون الياء وفتحها أي اطلبي لأجلي ابني بصيغة التثنية فيشمهما بضم الشين وقد يفتح ففي القاموس الشم حس الأنف شممته بالكسر أشمه بالفتح وشممته أشمه بالضم قال غيره شممت الشيء من باب فرح وجاء من باب نصر لغة فيه والمعنى فيحضران فيشمهما لأنهما ريحاناه ويضمهما إليه أي بالاعتناق والاحتضان رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وفي الذخائر حسن غريب وعن يعلى بن مرة قال جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أحدهما قبل الآخر فجعل يده في عنقه فضمه إلى بطنه صلى الله عليه وسلم ثم جاء الآخر فجعل يده الأخرى في رقبته ثم ضمه إلى بطن صلى الله عليه وسلم وقبل هذا ثم قبل هذا ثم قال إني أحبهما فأحبوهما أيها الناس الولد مبخلة مجبنة مجهلة رواه أحمد وعن بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما وفي نسخة بزيادة الواو الحالية قميصان أحمران أي فيهما خطوط حمر يمشيان ويعثران بضم المثلثة ويجوز تثليثها ففي القاموس عثر كضرب ونصر وعلم وكرم كبا والمعنى أنهما يسقطان على الأرض لصغرهما وقلة قوتهما وفي رواية الكشاف يعثران ويقومان فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما أي على كتفيه ووضعهما بين يديه ثم قال صدق الله أي في قوله أنما أموالكم وأولادكم أي بالخطاب العام فتنة أي محنة فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر أي عنهما لتأثير الرحمة والرقة في قلبي حتى قطعت حديثي أي كلامي في الخطبة ورفعتهما أي عندي ليحصل لهما الرفعة عند الله وعند


خلقه ثم أخذ في خطبته على ما في الكشاف رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وقال الترمذي حسن غريب وعن يعلى بن مرة بضم فتشديد ثقفي شهد الحديبية وخيبر والفتح وحنينا والطائف روى عنه جماعة وعداده في الكوفيين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسين مني وأنا من حسين قال القاضي كأنه صلى الله عليه وسلم علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم فخصه بالذكر وبين أنهما كالشيء الواحد في وجوب المحبة وحرمة التعرض والمحاربة وأكد ذلك بقوله أحب الله من أحب حسينا فإن محبته محبة الرسول ومحبة الرسول محبة الله حسين سبط بكسر السين وفتح الموحدة أي ولد ابنتي من الأسباط ومأخذه من السبط بالفتح وهي شجرة لها أغصان كثيرة وأصلها واحد كأن الوالد بمنزلة الشجرة والأولاد بمنزلة أغصانها وقيل في تفسيره إنه أمة من الأمم في الخير قال القاضي السبط ولد الولد أي هو من أولاد أولادي أكد به البعضية وقررها ويقال للقبيلة قال تعالى وقطعناهم اثنتي عشر أسباطا الأعراف أي قبائل ويحتمل أن يكون المراد ههنا على معنى أنه يتشعب منه قبيلة ويكون من نسله خلق كثير فيكون إشارة إلى أن نسله يكون أكثر وأبقى وكان الأمر كذلك رواه الترمذي وكذا سعيد بن منصور في سننه وقال الترمذي حسن وعن خالد بن معدان قال وفد المقدام بن معدي كرب وعمرو بن الأسود إلى معاوية فقال معاوية للمقدام أعلمت أن الحسن بن علي توفي فرجع المقدام فقال له معاوية أتراها مصيبة وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره وقال هذا مني وحسين من علي أخرجه أحمد وهو لا ينافي ما رواه أحمد وابن عساكر عن المقدام بن معدي كرب مرفوعا الحسن مني والحسين من علي لأنه أراد قسمة الولدين للأبوين فالكبير للجد والصغير للأب كما هو معروف في العرف ولفظ الجامع حسين مني وأنا منه أحب الله من أحب حسينا الحسن والحسين سبطان من الأسباط أخرجه البخاري في الأدب المفرد والترمذي والنسائي والحاكم في مستدركه عن يعلى


بن مرة
وعن علي رضي الله عنه قال الحسن أشبه فعل ماض أي شابه في الصورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس قال الطيبي بدل من الفاعل المضمر في أشبه أو من المفعول بدل البعض وكذا قوله الآتي ما كان أسفل والحسين أشبه النبي صلى الله عليه وسلم ما كان أسفل من ذلك أي كالساق والقدم فكأن الأكبر أخذ الشبه الأقدم لكونه أسبق والباقي للأصغر قد تحقق وفيه إشعار بأنهما لم يأخذا شبها كثيرا من والديهما رواه الترمذي وكذا أبو حاتم وقال الترمذي حسن غريب وعن حذيفة قال قلت لأمي دعيني أي اتركيني وخلي سبيلي آتي بإثبات الياء فهو استئناف أي أنا آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي معه المغرب ولعلها كانت تمنعه لبعد محله خوفا عليه أو عليها وأسأله أن يستغفر لي ولك أي فأذنت لي فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب فصلى أي النبي صلى الله عليه وسلم النوافل حتى صلى العشاء ثم انفتل أي انصرف ورجع فتبعته فسمع صوتي أي صوت حركة رجلي فقال من هذا حذيفة أي فقال قبل جوابي حذيفة لما علم من نور النبوة أو طريق الفراسة وهو خبر مبتدأ محذوف أي أهذا أو هو أو أنت حذيفة قلت نعم قال ما حاجتك غفر الله لك ولأمك وهذا إبهام وتبيين للحاجة السابقة ثم استأنف وقال إن هذا أي المحسوس عنده صلى الله عليه وسلم الملحوظ حكما عند حذيفة ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة فيه إيماء إلى تعظيم الأمر الذي نزل فيه استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وفي الذخائر أخرجه أحمد والترمذي وقال حسن غريب


وعن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملا الحسن بن علي وفي رواية حاملا للحسن على عاتقه بكسر التاء أي ما بين منكبه وعنقه فقال رجل نعم المركب أي هو ركبت أي ركبته يا غلام فقال صلى الله عليه وسلم ونعم الراكب هو رواه الترمذي أي وقال غريب وعن عمر رضي الله عنه أنه فرض أي قدر في إمارته وظيفة لأسامة في ثلاثة آلاف وخمسمائة أي من أموال بيت المال رزقا له وفرض أي عمر لعبد الله بن عمر أي ولده بل أعز أولاده في ثلاثة آلاف أي بنقص خمسمائة من وظيفة أسامة فقال عبد الله بن عمر لأبيه لم فضلت أسامة علي أي في الوظيفة المشعرة بزيادة الفضيلة فوالله ما سبقني إلى مشهد أي محضر من الخير علما وعملا وقال الطيبي أراد بالمشهد مشهد القتال ومعركة الكفار قال لأن زيدا أي أبا أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك فيه دلالة على ما قدمناه من أنه لا يلزم من كون أحد أحب أن يكون أفضل وكان أسامة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك وسببه أنهما من أهل البيت فإن مولى القوم منهم فآثرت بهمز ممدود أي اخترت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسر الحاء وقد يضم أي محبوبه على حبي أي مع قطع النظر عن ملاحظة الفضيلة بل رعاية لجانب المحبة وإيثارا للمودة ومخالفة لما تشتهيه النفس من مزية الزيادة الظاهرة رواه الترمذي


وعن جبلة بفتح الجيم والموحدة ابن حارثة قال المؤلف في فصل الصحابة هو أكبر من أخيه زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم روى عنه أبو إسحاق السبيعي وغيره قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ابعث معي أخي زيدا بيان أو بدل قال هو ذا هو عائد إلى زيد وذا إشارة إليه أي هو حاضر مخير فإن انطلق معك لم أمنعه أي فإني أعتقته قال زيد يا رسول الله والله لا أختار عليك أي على ملازمتك أحدا أي لا أخا ولا أبا ولا أما أبدا قال أي جبلة فرأيت أي فعلمت بعد ذلك رأي أخي أي زيد أفضل من رأيي حيث اختار الملازمة لحضرة المتفرغ عليه خير الدنيا والآخرة رواه الترمذي وعن أسامة بن زيد قال لما ثقل بضم القاف أي ضعف من مرضه الذي مات منه رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت أي نزلت من سكنى التي كانت في عوالي المدينة وهبط الناس أي الصحابة جميعهم من منازلهم المدينة أي إليها على طريق الحذف والإيصال نحو قوله تعالى واختار موسى قومه الأعراف أي منهم قال الشراح إنما قال هبطت لأنه كان يسكن العوالي والمدينة من أي جهة توجهت إليها صح فيها الهبوط لأنها واقعة في غانط من الأرض ينحدر إليها السيل وأطرافها ونواحيها من الجوانب كلها مستعلية عليها فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصمت على بناء المفعول يقال أصمت العليل إذا اعتقل لسانه فلم يتكلم أي أصلا فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يديه علي أي على بدني ويرفعهما أي عني فأعرف أي بنور الولاية وظهور الفراسة أنه يدعو لي أي لمحبته ورعاية خدمته حتى حين غيبة حضرته رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وعن عائشة قالت أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينحي بتشديد الحاء المكسورة أي


يزيل مخاط أسامة بضم الميم وهو ما يسيل من الأنف قالت عائشة دعني أي اتركني حتى أنا الذي أفعل أي خدمته قال يا عائشة أحبيه فإني أحبه رواه الترمذي وعن أسامة قال كنت جالسا أي عند بابه عليه الصلاة والسلام إذ جاء علي والعباس يستأذنان أي يريدان طلب الإذن في دخولهما فقالا لأسامة استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله كان صغيرا إذ ذاك فقلت يا رسول الله علي والعباس يستأذنان أي على الباب فقال أتدري ما جاء بهما أي ما سبب مجيئهما قلت لا قال لكني أدري ائذن لهما بهمزة ساكنة وصلا وبإبدالها ياء فدخلا أي بعد إذنهما فقالا يا رسول الله جئناك نسألك أي أهلك أحب إليك قال فاطمة بنت محمد قالا ما جئناك نسألك عن أهلك أي عن أزواجك وأولادك بل نسألك عن أقاربك ومتعلقيك قال أحب أهلي إلي أي من الرجال من قد أنعم الله عليه أي بالإسلام والهداية والإكرام وأنعمت عليه أي أنا بالعتق والتبني والتربية وهذا وإن ورد في حق زيد لكن ابنه تابع له في حصول الإنعامين قالا ثم من قال ثم علي بن أبي طالب وفي نسخة بدون ثم فهذا نص دجلي على أنه لا يلزم من الأحبية الأفضلية فإن عليا أفضل من أسامة وزيد بالإجماع قال الطيبي أي أهلك أحب إليك مطلق ويراد به المقيد أي من الرجال بينه ما بعده وهو قوله أحب أهلي إلي من قد أنعم الله عليه وفي نسخ المصابيح قوله ما جئناك نسألك عن أهلك مقيد بقوله من النساء وليس في جامع الترمذي وجامع الأصول هذه الزيادة ولم يكن أحد من الصحابة إلا وقد أنعم الله عليه وأنعم عليه رسوله إلا أن المراد المنصوص عليه في الكتاب وهو قوله تعالى وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه الأحزاب وهو زيد لا خلاف في ذلك ولا شك وهو وإن نزل في حق زيد لكنه لا يبعد أن يجعل أسامة تابعا لأبيه في هاتين النعمتين وحل ما حل ما من الله تعالى في التنزيل من الإنعام على بني إسرائيل نحو أنعمت عليكم البقرة


نعم أسداها إلى آبائهم فقال العباس يا رسول الله جعلت عمك آخرهم أي آخر أهلك قال إن عليا سبقك بالهجرة أي وكذا بالإسلام فهذا أوجب تقديم الأحبية المترتبة على الأفضلية لا على الأقربية ونظيره أنه جاء العباس وأبو سفيان وبلال وسلمان إلى باب عمر يستأذنونه فقال خادم عمر بعد إعلامه بالجماعة يدخل بلال فقال أبو سفيان للعباس أما ترى أنه يقدم علينا موالينا فقال العباس نحن تأخرنا فهذا جزاؤنا رواه الترمذي وروى الديلمي في الفردوس عن عائش بن ربيعة خير إخوتي علي وخير أعمامي حمزة وذكر أن عمر الرجل صنو أبيه في كتاب الزكاة أي حيث قاله صلى الله عليه وسلم لعمر في قصة زكاة العباس
الفصل الثالث
عن عقبة بن الحارث قرشي أسلم يوم الفتح عداده في أهل مكة روى عنه عبد الله بن أبي مليكة وغيره ز قال صلى أبو بكر العصر أي في زمن خلافته أو قبلها ثم خرج يمشي ومعه علي فرأى أي أبو بكر الحسن يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه وقال بأبي قال الطيبي يحتمل أن يكون التقدير هو مفدي بأبي فقوله شبيه بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون خبرا بعد خبر أو أفديه بأبي فعلى هذا شبيه خبر مبتدأ محذوف وفي تنكيره لطف وفيه إشعار بعلية الشبه للتفدية اه ولا يعارض هذا قول علي لم أر قبله ولا بعده مثله لأن المنفي محمول على عموم الشبه والمثبت على معظمه كما أشار إليه الطيبي بقوله وفي تنكيره لطف أي إيماء لطيف إلى أن المراد به نوع شبه وقوله ليس أي الحسن شبيها بعلي وعلي يضحك أي فرحا والجملة حال رواه البخاري قال ميرك كذا وقع في المشكاة قوله شبيها بالنصب على أنه خبر ليس وهو ظاهر لكنه في البخاري في جميع الروايات ليس شبيه بالرفع


وإعرابه لا يخلو عن خفاء فقيل ليس حرف عطف وهو مذهب الكوفي وقيل يجوز أن يكون شبيه اسم ليس ويكون خبرها ضميرا متصلا حذف استغناء عنه بلفظ شبيه ونحوه قوله في خطبته يوم النحر أليس ذو الحجة أه ولا يخفى ظهور الوجه الأول لخلوه عن التكلف وقيل لا يخفى ما في التوجيهين من التعسف والأظهر أن يقال إن اسم ليس ضمير الشأن وشبيه خبر مبدأ محذوف أي هو شبيه والجملة خبر ليس قلت وفيه أن هذا التوجيه يشتمل على تعسفين بخلاف ما سبق فإنه متضمن لتعسف واحد هذا ولفظ الحديث على ما في الذخائر عن عقبة بن الحارث قال رأيت أبا بكر حمل الحسن على رقبته وهو يقول بأبي شبيه بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس شبيها بعلي وهو يضحك وأخرجه البخاري وفي رواية خرجت مع أبي بكر من صلاة العصر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي يمشي إلى جانبه فمر الحسن يلعب مع الغلمان فاحتمله على رقبته يعني أبا بكر وهو يقول الحديث وفي الحديث رد على الغرابية وهم على ما في حواشي الشفاء طائفة من الرفضة لقبوا بذلك لقولهم كان محمد أشبه بعلي من الغراب بالغراب فبعث الله جبريل إلى علي فغلط وعن أنس قال أتي أي جيء عبيد الله بن زياد برأس الحسين قال المؤلف هو عبيد الله بن عبد الله بن زياد وهو الذي سير الجيش لقتل الحسين وهو يومئذ أميرا الكوفة ليزيد بن معاوية قتل بأرض الموصل على يد إبراهيم بن مالك بن الأشتر النخعي في أيام المختار بن أبي عبيد سنة ست وستين فجعل بصيغة المفعول أي وضع رأس الحسين في طست بفتح طاء وسكون سين مهملة وسبق تحقيقه فجعل أي ابن زياد ينكث بفتح الياء وضم الكاف والفوقية أي يضرب برأس القضيب في أنفه كما سيأتي وفي النهاية قوله ينكت أي يفكر ويحدث بنفسه واصله من النكت بالعصا وهو ضرب الأرض بها ونكت الأرض بالقضيب هو أن يؤثر فيها بطرفه كفعل المفكر الموهوم وقال أي ابن زياد في حسنه أي في حسن الحسين شيئا أي من المدح كما سيجيء قال أنس فقلت والله إنه كان


أشبههم أي أشبه الصحابة أو أهل البيت برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أي الحسين حينئذ مخصوبا بالوسمة بكسر السين وقد يسكن فقال بعض الشراح الوسمة نبت يخضب به ويميل إلى السواد وتسكين السين لغة فيه وفي المصباح لغة الحجاز بكسر السين وهي أفصح من السكون بل أنكر الزهري السكون وقال كلام العرب بالكسر نبت يخضب بعروقه اه وهو بفتح الواو وأخطأ من ضمها وقيل يجوز فتح سينها وفي القاموس الوسمة وكفرحة ورق النيل أو نبات يخضب بورقه وفي النهاية الوسمة نبت يخضب به رواه البخاري


وفي رواية الترمذي قال أي أنس كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين أي إليه فجعل أي شرع يضرب بقضيب في أنفه ويقول ما رأيت مثل هذا حسنا بضم فسكون قيل هذا لا يلائم السياق إلا أن يحمل على الاستهزاء اه فحينئذ يحمل استهزاؤه على المكابرة وزيادة المعاندة فقلت أما بالتخفيف للتنبيه إنه أي الحسين كان من أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أي الترمذي هذا حديث صحيح حسن غريب وللطبراني فجعل يجعل قضيبا في يده في عينه وأنفه فقلت ارفع قضيبك فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضعه وفي رواية البزار قال فقلت له إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشم حيث يقع قضيبك قال فانقبض كذا في فتح الباري وفي الذخائر عن عمارة بن عمير قال لما جيء برأس ابن زياد وأصحابه فصرت في المسجد في الرحبة فانتهيت إليهم وهم يقولون قد جاءت قد جاءت فإذا حية قد جاءت تتخلل الرؤوس حتى دخلت في منخر عبد الله بن زياد فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت حتى تغيب ثم قالوا قد جاءت ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وعن أم الفضل بنت الحارث اسمها لبابة العامرية امرأة العباس بن عبد المطلب وأم أكثر بنيه وهي أخت ميمونة أم المؤمنين ويقال إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة فعنها أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني رأيت حلما بضم فسكون ويضمان ففي النهاية الحلم بضمتين وبضم فسكون ما يراه النائم منكرا بفتح الكاف المخففة أي مهولا الليلة أي البارحة قال وما هو قالت إنه شديد أي صعب سماعه قال وما هو قالت رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت بصيغة المجهول وكذا قوله فوضعت في حجري بالكسر ويفتح وتقدم أن الحجر بالكسر أشهر في الحضن وبالفتح في التربية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت خيرا تلد فاطمة إن شاء الله غلاما يكون في حجرك فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري كما قال


رسول
الله صلى الله عليه وسلم فدخلت يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره وفي نسخة في حجري ثم كانت مني التفاتة أي وقعت مني ملاحظة إلى غيره فنظرت إلى جانبه فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تهريقان الدموع بفتح الهاء ويسكن أي تسيلان ماء العين للبكاء قالت فقلت يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما لك أي ما الحال الذي يبكيك قال أتاني جبريل وفي نسخة عليه السلام فأخبرني أن أمتي أي أمة الإجابة ستقتل ابني هذا أي ظلما فقلت أي لجبريل هذا أي ابني هذا لزيادة التأكيد قال نعم وأتاني بتربة من تربته أي من ترابه الذي يقتل به حمراء بالفتح صفة لتربة وفي الذخائر عن سلمى قالت دخلت على أم سلمة وهي تبكي فقلت ما يبكيك قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب فقلت ما لك يا رسول الله قال شهدت قتل الحسين آنفا أخرجه الترمذي وقال حديث غريب والبغوي في الحسان وعن ابن عباس أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم أي بعد موته عليه السلام ذات يوم بنصف النهار وفي الذخائر زيادة وهو قائم أشعث أغبر أي حال كونه متفرق الشعر مغبر البدن بيده قارورة فيها دم فقلت بأبي أنت وأمي ما هذا أي الدم قال هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل وفي نسخة ولم أزل ألتقطه منذ اليوم قال الطيبي هذا من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم يجوز أن يكون خبرا بعد خبر لقوله هذا ويجوز أن يكون خبرا ودم الحسين بدل من هذا وقوله فأحصي ذلك الوقت من كلام ابن عباس اه أي لحفظ تاريخ ذلك الوقت من زمن الرؤيا فأجد قتل ذلك الوقت أي فوجدته قتل في ذلك الوقت والعدول عن الماضي إلى المضارع لاستحضار الحال الغربية ولا يخفى أن هذا إنما يتم إذا كان وقت القتل محفوظا في نفس الرؤيا بأن قال صلى الله عليه وسلم هذا دم الحسين وأصحابه يقتلون في وقت كذا لكن يشكل بقوله لم أزل ألتقطه منذ اليوم اللهم إلا أن يقال تصويره أن


الرائي
رأى في نومه كأنه مضى عليه بعض سنين ثم في آخر سنة منها يوم عاشوراء سنة كذا رآه صلى الله عليه وسلم بالوصف المذكور والقول المسطور فحفظ تاريخ الوقت فوجده مطابقا وللنعت موافقا والله أعلم ثم رأيت الحديث في الذخائر من غير قوله فأحصى ذلك الوقت فأجد الخ بل لفظه بعد قوله لم أزل ألتقطه منذ اليوم فوجدته قد قتل في ذلك اليوم أخرجه ابن بنت منيع وأبو عمرو والحافظ السلفي والله أعلم رواهما أي حديثي أم الفضل وابن عباس البيهقي في دلائل النبوة وأحمد الأخير أي وروى أحمد الحديث الأخير وهو حديث ابن عباس فقط وعن علي قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعيناه تفيضان قلت يا نبي الله أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان قال قام من عندي جبريل قبل حديثي وحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات قال فقال هل لك إلى أن أشمك من تربته قلت نعم فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا أخرجه أحمد وعنه أي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبوا الله لما يغذوكم أي به كما في نسخة وهو بفتح الباء وضم الذال المعجمة أي يرزقكم من نعمة أي من أي نعمة لقوله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله النحل وفي نسخة صحيحة من نعمة بكسر النون وفتح العين فميم مضاف إلى هاء الضمير أو المعنى إن كنتم لا تحبون الله إلا لما يغذوكم به من نعمة فأحبوه وإلا فلا فهو سبحانه محبوب لذاته وصفاته عند العارفين من المحبين سواء أنعم أو لا فهو على منوال قوله سبحانه فليعبدوا رب هذا البيت قريش فأحبوني أي إذا ثبت سبب محبة الله فأحبوني لحب الله لأن محبوب المحبوب محبوب ولقوله تعالى إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران وفي نسخة وأحبوني بالواو عطفا على ما قبله وأحبوا أهل بيتي لحبي أي إياهم أو لحبكم إياي رواه الترمذي وكذا الحاكم في مستدركه وقال الترمذي حسن غريب وعن أبي ذر قال المؤلف هو جندب بن جنادة الغفاري وهو من أعلام الصحابة


وزهادهم أسلم قديما بمكة ويقال كان خامسا في الإسلام ثم انصرف إلى قومه
فأقام عندهم إلى أن قدم المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الخندق ثم سكن الربذة إلى أن مات بها سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان وكان يتعبد قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين أنه قال أي أبو ذر وهو آخذ أي متعلق بباب الكعبة قال الطيبي أراد الراوي بهذا مزيد توكيد لإثبات هذا الحديث وكذا أبو ذر اهتم بشأن روايته فأورده في هذا المقام على رؤوس الأنام ليتمسكوا به سمعت النبي وفي نسخة صحيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ألا إن مثل أهل بيتي بفتح الميم والمثلثة أي شبههم فيكم مثل سفينة نوح أي في سببية الخلاص من الهلاك إلى النجاة من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك فكذا من التزم محبتهم ومتابعتهم نجا في الدارين وإلا فهلك فيهما ولو كان يفرق المال والجاه أو أحدهما رواه أحمد وكذا الحاكم لكن بدون لفظ إن قال الطيبي وفي رواية أخرى لأبي ذر يقول من عرفني فانا من قد عرفني ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ألا إن مثل أهل بيتي الحديث أراد بقوله فأنا من قد عرفني وبقوله فأنا أبو ذر أنا المشهور بصدق اللهجة وثقة الرواية وأن هذا الحديث صحيح لا مجال للرد فيه وهذا تلميح إلى ما روينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر وفي رواية لأبي ذر من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبه عيسى ابن مريم فقال عمر بن الخطاب كالحاسد يا رسول الله أفتعرف ذلك له قال أعرف ذلك فاعرفوه أخرجه الترمذي وحسنه الصغاني في كشف الحجاب شبه الدنيا بما فيها من الكفر والضلالات والبدع والجهالات والأهواء الزائغة ببحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض وقد أحاط بأكنافه وأطرافه الأرض كلها وليس منه خلاص ولا


مناص إلا تلك السفينة وهي محبة أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وما أحسن انضمامه مع قوله مثل أصحابي مثل النجوم من اقتدى بشيء منه اهتدى ونعم ما قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره نحن معاشر أهل السنة بحمد الله ركبنا سفينة محبة أهل البيت واهتدينا بنجم هدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنرجو النجاة من أهوال القيامة ودركات الجحيم والهداية إلى ما يوجب درجات الجنان والنعيم المقيم اه وتوضيحه أن من لم يدخل السفينة كالخوارج هلك مع الهالكين في أول وهلة ومن دخلها ولم يهتد بنجوم الصحابة كالروافض ضل ووقع في ظلمات ليس بخارج منها هذا ورواه أحمد عن أنس مرفوعا إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدي بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة ويؤيده ما أخرجه أحمد في المناقب عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض


باب مناقب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
وفي نسخة ورضي الله عنهن
الفصل الأول
عن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خير نسائها أي نساء زمانها أو عالمها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد بالتصغير قال القرطبي الضمير عائد إلى غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني به الدنيا والذي يظهر لي أن قوله خير نسائها خبر مقدم والضمير لمريم فكأنه قال مريم خير نساء زمانها متفق عليه وكذا رواه الترمذي والنسائي ورواه الحارث عن عروة مرسلا خديجة خير نساء عالمها ومريم خير نساء عالمها وفاطمة خير نساء عالمها وفي رواية قال أبو كريب بالتصغير وأشار وكيع إلى السماء والأرض قال التوربشتي والضمير في الأولى عائد إلى الأمة التي كانت فيهم مريم وفي الثانية إلى هذه الأمة ولهذا كرر القول من أولها تنبيها على أن حكم كل واحد منهما غير حكم الآخر وكلا الفصلين كلام مستأنف وإشارة وكيع الذي هو من جملة رواة هذا الحديث إلى السماء والأرض منبئة عن كونهما خيرا ممن هو فوق الأرض وتحت أديم السماء وهو نوع من الزيادة في البيان ولا يستقيم أن يكون تفسيرا لقوله خير نسائها لأن إعادة الضمير إلى السماء غير مستقيمة فيه ثم إنهما شيئان مختلفان والضمير راجع إلى شيء واحد قال القاضي إنما وحد الضمير لأنه أراد جملة طبقات السماء وأقطار الأرض أو أن مريم خير من صعد بروحهن إلى السماء وخديجة خير نساء على وجه الأرض والحديث ورد في أيام حياتها وقال الطيبي يجوز أن يرجع الضمير إلى السماء


والأرض وإن اختلفا باعتبار الدنيا مجازا كما عبر بهما عن العالم في قوله تعالى إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء آل عمران الكشاف أي لا يخفى عليه شيء في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض ونحوه قوله تعالى الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة سبأ على معنى له الحمد في الدنيا والآخرة فعبر بهما عن الدنيا ويؤيد هذا التأويل ما سيأتي في الفصل الثاني من حديث حسبك من نساء العالمين مريم الحديث وتفسير وكيع إنما يستقيم إذا بين ما أبهم في الحديث والمبهم فيه كل واحد اه وقال النووي الأظهر في معناه أن كل واحدة منهما خير من نساء الأرض في عصرها وأما الفضل بينهما فمسكوت عنه ذكره الجزري وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أي وهو صلى الله عليه وسلم بحراء فقال يا رسول الله هذه إشارة إلى ما في ذهن جبريل خديجة قد أتت أي توجهت من مكة معها إناء فيه أدام أي مع خبز أو طعام أي مشتمل عليهما فإذا أتتك أي تحقق مأتاها عندك فاقرأ عليها بفتح الراء أي أبلغها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب بفتحتين أي لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف وقال ابن حجر أي من قصب اللؤلؤ ولم يقل من لؤلؤ إذ في لفظ القصب مناسبة لأنها أحوزت قصب السبق لمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها قلت ويؤيده حديث خديجة سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله وبمحمد رواه الحاكم في مستدركه عن حذيفة لا صخب بفتح الصاد والخاء المعجمة ولا لنفي الجنس أي لا صياح أو لا اختلاط صوت فيه أي في القصب المعبر به عن القصر وفي نسخة فيها فالضمير راجع إلى الجنة ويؤيده قوله ولا نصب بفتحتين قال تعالى لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب فاطر أي كلال قال شارح أي لا يكون لها شاغل يشغلها عن لذائذ الجنة ولا تعب ينقصها وقال القاضي نفى عن القصب الصخب والنصب لأنه ما من بيت في الدنيا يسكنه قوم إلا كان بين


أهله صخب وجلبة وإلا كان في بنائه وإصلاحه نصب وتعب فأخبر الله تعالى أن قصور الجنة خالية عن هذه الآفات قال الطيبي ويؤيد الوجه الثاني أن بناء بيت الجنة حاصل بقوله كن ليس كأبنية الدنيا فإنها إنما يتسبب بناؤها بصخب
ونصب وكذا السكون فيها لا يخلو عنهما وليس حكم بيت في الجنة كذلك متفق عليه ورواه النسائي وعن عائشة قالت ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بكسر الغين المعجمة من غار يغار نحو خاف يخاف ما غرت على خديجة ما الأولى نافية والثانية موصولة أو مصدرية أي ما غرت مثل التي غرتها أو مثل غيرتي عليها والغيرة الحمية والأنفة وما رأيتها الجملة حالية وهي تقتضي عدم الغيرة لعدم الباعث عليها غالبا ولذا قالت ولكن كان يكثر ذكرها أي في مقام المدح وربما بالتشديد ويخفف ذبح الشاة أي شاة من الشياه ثم يقطعها بتشديد الطاء أي يكثر قطعها أعضاء أي عضوا عضوا بأن يجعل كل عضو قطعة ثم يبعثها أي أعضاء الشاة في صدائق خديجة أي أصدقائها جمع صديقة وهي المحبوبة فربما قلت له كأنه أي الشأن لم تكن في الدنيا امرأة إلا خديجة بالرفع وفي نسخة صحيحة بالنصب فيقول إنها كانت وكانت أي كانت صوامة وقوامة ومحسنة ومشفقة إلى غير ذلك قال الطيبي كرر كانت ولم يرد به التثنية ولكن التكرير ليتعلق به كل مرة من خصائلها ما يدل على فضلها كقوله تعالى وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا الكهف ولم يذكر هنا متعلقه للشهرة تفخيما وكان أي مع هذا لي منها ولد بضم فسكون وفي نسخة صحيحة بفتحتين والمراد بهما جمع ولد ومنهم فاطمة قال المؤلف خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية كانت تحت أبي هالة بن زرارة ثم تزوجها عتيق بن عابد ثم تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ولها يومئذ من العمر أربعون سنة ولم ينكح صلى الله عليه وسلم قبلها امرأة ولا نكح عليها حتى ماتت وهي أول من آمن من كافة الناس ذكرهم وأثناهم وجميع


أولاده منها غير إبراهيم فإنه من مارية وماتت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بأربع سنين وقيل بثلاث وكان قد مضى من النبوة عشر سنين وكان لها من العمر خمس وستون سنة وكان مدة مقامها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة ودفنت بالحجون متفق عليه ورواه الترمذي
وعن أبي سلمة قال المؤلف هو روى عن عمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في المدينة في قول ومن مشاهير التابعين وأعلامهم أن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائش بضم الشين وفي نسخة يفتحها على الترخيم هذا جبريل يقرئك السلام من الإقراء ففي القاموس قرأ عليه السلام كأقرأه أو لا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبا قالت وعليه السلام ورحمة الله قالت أي عائشة وهو أي النبي صلى الله عليه وسلم يرى ما لا أرى وأبعد شارح حيث قال أو يرى جبريل مالا أراه اه واستنبط من هذا الحديث فضل خديجة على عائشة لأنه ورد في حقها أن جبريل أقرأها السلام من ربها وههنا من جبريل نفسه متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وعن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أريتك بصيغة المجهول المتكلم من الإراءة أي أعلمتك في المنام ثلاث ليال يجيء بك الباء للتعدية أي يأتي بصورتك الملك في سرقة بفتحتين من حرير أي في قطعة من جيد الحرير قيل وهو معرب سرة فقال أي الملك لي هذه أي هذه الصورة امرأتك أي صورتها فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي أي تلك الصورة قال الطيبي يحتمل وجهين أحدهما كشفت عن وجه صورتك فإذا أنت الآن تلك الصورة وثانيهما كشفت عن وجهك عندما شاهدتك فإذا أنت مثل الصورة التي رأيتها في المنام وهو تشبيه بليغ حيث حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وحملها عليه كقوله تعالى هذا الذي رزقنا من قبل البقرة ومنه مسألة الكتاب كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هي أي فإذا الزنبور مثل العقرب فحذف الأداة


مبالغة فحصل التشابه وإليه لمح الآية وأتوا به متشابها البقرة ومعنى المفاجأة في إذا يساعد هذا الوجه اه والجمع بينه وبين قولها نزل جبريل بصورتي في
راحته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة و الخرقة في راحته ويحتمل أن يكون نزل بالكيفيتين لقوله في نفس الخبر نزل مرتين أي نزل جبريل بصورتها في راحته وملك آخر في سرقة فقلت أي في جواب الملك إن يكن هذا أي ما رأيته في المنام من عند الله يمضه بضم الياء من الإمضاء أي ينفذه لدي ويوصله إلي ويظهره علي وفي نسخة بهاء السكت قال الطيبي هذا الشرط مما يقوله المتحقق لثبوت الأمر المدل بصحته تقريرا لوقوع الجزاء وتحققه ونحوه قول السلطان لمن تحت قهره إن كنت سلطانا انتقمت منك أي السلطانة مقتضية للانتقام وفي شرح مسلم قال القاضي عياض إن كانت هذه الرؤيا قبل النبوة وقبل تخليص أحلامه صلى الله عليه وسلم من الأضغاث فمعناها أن كانت رؤيا حق وإن كانت بعد النبوة فلها ثلاث معان أحدها المراد أن تكون الرؤيا على وجهها وظاهرها لا تحتاج إلى تعبير وتفسير يمضه الله وينجزه فالشك عائد إلى أنها رؤيا على ظاهرها أم تحتاج إلى تعبير وصرف عن ظاهرها وثانيها أن المراد إن كانت هذه الزوجية في الدنيا يمضها الله فالشك أنها زوجية في الدنيا أم في الجنة وثالثها أنه لم يشك ولكن أخبره على التحقيق وأتى بصورة الشك وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة يسمونه تجاهل العارف وسماه بعضهم فرج الشك باليقين قال الطيبي وهذا هو الذي ضعفناه فيما سبق وكان من توارد الخاطر قال المؤلف خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها بمكة في شوال سنة عشرة من النبوة وقبل الهجرة بثلاث سنين وقيل غير ذلك وأعرس بها بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرا أولها تسع سنين وقيل دخل بها بالمدينة بعد سبعة أشهر من مقدمه وبقيت معه تسع سنين ومات عنها وله ثمان عشرة


سنة ولم يتزوج بكرا غيرها وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عارفة بأيام العرب وأشعارها روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين وقيل سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان وأمرت أن تدفن ليلا فدفنت بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية متفق عليه وعنها أي عن عائشة قالت إن الناس كانوا يتحرون بتشديد الراء المفتوحة من التحري وهو طلب الحري بمعنى اللائق أو قصد الأحرى بمعنى الأحق والأولى قال الطيبي وهو الرواية وفي بعض نسخ المصابيح يتحينون وما وجدناها في الأصول وفي النهاية التحري القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء


بالفعل والقول وفي الحديث تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر أي تعهدوا طلبها فيها اه والمعنى يطلبون زيادة الثواب بهداياهم يوم عائشة أي في اليوم الذي هو نوبة عائشة والنبي صلى الله عليه وسلم عندها يبتغون أي يطلبون بذلك أي بإرسال هداياهم إليه في يومها مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي زيادة رضاه لمزيد محبته لها وقالت إن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين أي طائفتين اتفقت مزاج كل طائفة ورأيها في عشرتها وصحبتها فحزب أي جمع منهن فيه عائشة وسبق ذكرها وحفصة وهي بنت عمر بن الخطاب وأمها زينب بنت مظعون كانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت حبيش بن حفافة السهمي هاجرت ومعه ومات عنها بعد غزوة بدر فلما ضاعت ذكرها عمر على أبي بكر وعثمان فلم يجبه واحد منهما فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحه إياها في سنة ثلاث وطلقها تطليقة واحدة ثم راجعها حيث نزل عليه الوحي راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين وماتت في شعبان سنة خمس وأربعين وهي ابنة ستين وصفية وهي بنت حيي بن أخطب من بني إسرائيل سبط هارون بن عمران عليه السلام وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق فقتل يوم خيبر في محرم سنة سبع ووقعت في السبي فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل وقعت في سهم دحية الكلبي فاشتراها منه بسبعة أرؤس فأسلمت فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها وماتت سنة خمسين ودفنت بالبقيع روى عنها أنس وابن عمر وغيرهما وسودة أي بنت زمعة أسلمت قديما وكانت تحت ابن عم لها يقال له السكوان ابن عمرو فلما مات زوجها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ودخل بها بمكة وذلك بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة وهاجرت إلى المدينة فلما كبرت أراد طلاقها فسألته أن لا يفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين والحزب الآخر أي من أمهات المؤمنين أم سلمة وهي بنت أبي


أمية اسمها هند وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت أبي سلمة فلما مات أبو سلمة سنة أربع وقيل سنة ثلاث تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في ليال بقين في شوال من السنة التي مات فيها أبو سلمة وماتت سنة تسع وخمسين ودفنت بالبقيع وكان عمرها أربعا وثمانين سنة روى عنها ابن عباس وعائشة وزينب بنتها وابن المسيب وخلق سواهم كثير من الصحابة والتابعين وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وباقيهن وهن زينب وأم حبيبة وجويرية بالتصغير وميمونة أما زينب فهي بنت جحش وأمها أمية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تحت زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم فطلقها ثم تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة خمس وهي أول من مات من أزواجه بعده وكان اسمها برة فجعله النبي صلى الله عليه وسلم


زينب قالت عائشة في شأنها لم تكن امرأة خيرا منها في الدين وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد تبذلا لنفسها في العمل الذي تتصدق به وتتقرب إلى الله تعالى ماتت بالمدينة سنة عشرين وقيل سنة إحدى وعشرين ولها ثلاث وخمسون سنة روت عنها عائشة وأم حبيبة وغيرهما وأما أم حبيبة فاسمها رملة بنت أبي سفيان بن صخر ابن حرب وأمها صفية بنت أبي العاص عمة عثمان بن عفان فقد اختلف في نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها وموضع العقد فقيل إنه عقد بأرض الحبشة سنة ست وزوجه منها النجاشي وأمهرها أربعمائة دينار وقيل أربعة آلاف درهم من عنده وبعث النبي صلى الله عليه وسلم شرحبيل ابن حسنة فجاء بها إليه ودخل بها بالمدينة وقيل إنه عقد عليها بالمدينة وزوجه منها عثمان بن عفان وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين روى عنها جماعة كثيرة وأما جويرية فهي بنت الحارث بن حزام سباها النبي صلى الله عليه وسلم وسماها جويرية وماتت في ربيع الأول سنة ست وخمسين ولها خمس وستون سنة روى عنها ابن عباس وابن عمر وجابر وأما ميمونة فهي بنت الحارث الهلالية العامرية ويقال إن اسمها كان برة فسماها النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وكانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية ففارقها فتزوجها أبو درهم وتوفي عنها فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضاء بسرف على عشرة أميال من مكة وقدر الله تعالى أنها ماتت في المكان الذي تزوجها فيه بسرف سنة إحدى وستين وقيل إحدى وخمسين وقيل غير ذلك وصلى عليها ابن عباس وهي أخت أم الفضل امرأة العباس وأخت أسماء بنت عميس وهي آخر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم روى عنها جماعة منهم عبد الله بن عباس كذا في الأسماء للمؤلف فكلم حزب أم سلمة أي إياها والمعنى فكلمنها فقلن لها كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس بالرفع على ما في نسخة السيد على أنه استئناف تعليل وقال ابن حجر بالجزم


والميم مكسورة لالتقاء الساكنين ويجوز الرفع قلت الصواب الرفع لقوله فيقول والمعنى ليكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فيقول لهم من أراد أنت يهدي بضم الياء وكسر الدال أي يرسل هدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فليهده وضع السيد في نسخته علامة الشك فوق الضمير وفيه أنه يستوي وجوده وعدمه في المعنى المراد نعم قد يحذف ضمير المفعول لكن النسخ اجتمعت على وجوده وهو أوضح من تقديره فلا وجه للشك وتنظيره والمعنى فليرسل مهداه أي هديته إليه أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان أي من حجرات الأمهات ومرادهن أنه لا يقع التحري في ذلك لا لهن ولا لغيرهن بل بحسب ما يتفق الأمر فيهن ليرتفع التمييز الباعث للغيرة عنهن فكلمته أي أم سلمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها لا تؤذيني في عائشة أي في حقها وهو أبلغ من لا تؤذي عائشة لما يفيد من أن ما آذاها فهو


يؤذيه فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امراة أي لحاف زوجة إلا عائشة قال الطيبي إلا بمعنى غير أي امرأة غير عائشة اه والمعنى إلا في ثوب عائشة ففي كتاب الخميس قالت عائشة نزلت إنك لا تهدي من أحببت القصص وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللحاف قالت أي أم سلمة أتوب إلى الله من أذاك أي مما يجر إلى أذاك يا رسول الله ثم إنهن أي حزب أم سلمة دعون فاطمة أي طلبنها فأرسلن أي فبعثنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي لتكلمه في هذه القضية فكلمته ولعلها ما اطلعت على قصة أم سلمة السابقة فقال يا بنية تصغير للشفقة والمرحمة ألا تحبين ما أحب قالت بلى قال فأحبي هذه أي عائشة يعني ولا تذكري ما يكون سببا لكراهية خاطرها متفق عليه ورواه النسائي وذكر حديث أنس فضل عائشة على النساء تمامه كفضل الثريد على سائر الأطعمة في باب بدء الخلق برواية أبي موسى وتقدم الخلاف في أن المراد بالنساء جنسهن أو أزواجه صلى الله عليه وسلم عموما أبو بعد خديجة والأظهر أنها أفضل من جميع النساء كما هو ظاهر الإطلاق من حيث الجامعية للكمالات العملية والعملية المعبر عنهما في التشبيه بالثريد فإنما يضرب المثل بالثريد لأنه أفضل طعام العرب وأنه مركب من الخبز واللحم والمرقة ولا نظير لها في الأغذية ثم إنه جامع بين الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤونة في المضغ وسرعة المرور في الحلقوم والمريء فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها المثل به ليعلم أنها أعطيت مع حسن الخلق وحسن الخلق وحسن الحديث وحلاوة المنطق وفصاحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل التحبب إلى البعل فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء إليها وإلى غير ذلك من المعاني التي اجتمعت فيها وحسبك من تلك المعاني أنها عقلت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تعقل غيرها من النساء وروت عنه ما لم يرو مثلها من الرجال والله أعلم بالحال
الفصل الثاني


عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حسبك أي بالخطاب العام والمعنى يكفيك من نساء العالمين أي الواصلة إلى مراتب الكاملين في الاقتداء بهن وذكر محاسنهن
ومناقبهم وزهدهن في الدنيا وإقبالهن على العقبى مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون والظاهر أن مراتبهن على وفق ذكرهن ولعل هذا الحديث قبل حصول كمال عائشة ووصولها إلى وصال الحضرة ثم رأيت في الجامع روى أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي موسى مرفوعا كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام قال الطيبي حسبك مبتدأ ومن نساء متعلق به ومريم خبره والخطاب إما عام أو لأنس أي كافيك معرفتك فضلهن عن معرفة سائر النساء اه قال السيوطي في النقاية نعتقد أن أفضل النساء مريم وفاطمة وأفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة وفي التفضيل بينهما أقوال ثالثها التوقف أقول التوقف في حق الكل أولى إذ ليس في المسألة دليل قطعي والظنيات متعارضة غير مفيدة للعقائد المبنية على اليقينيات رواه الترمذي وكذا أحمد وابن حبان والحاكم في مستدركه عن أنس ورواه أحمد والطبراني عنه أيضا بلفظ خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون ورواه الحاكم في مستدركه عن عائشة بلفظ سيد نساء أهل الجنة أربع مريم وفاطمة وخديجة وآسية وعن عائشة أن جبريل جاء بصورتها أي بصورة عائشة والباء للتعدية في خرقة حرير خضراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة رواه الترمذي وعن أنس قال بلغ صفية أن حفصة قالت أي في حق صفية أنها بنت يهودي أي نظرا إلى أبيها فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال ما يبكيك فقالت أي صفية قالت لي حفصة أي في حقي إني ابنة يهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنك لابنة نبي أي نظرا


إلى جدها الأكبر وهو إسحاق أو هارون وإن عمك لنبي وهو إسماعيل أو موسى والأول فيهما ذكره المظهر وقال الطيبي لعل الأخير هو الأظهر وإنك أي الآن
لتحت نبي ففيم تفخر بفتح الخاء أي تفخر حفصة عليك وفيه إيماء إلى ظهور مختار الطيبي فإن الأول يشتركان فيه غايته أن أبا حفصة إسماعيل وعمها إسحاق وأما الثاني فيختص بصفية وبه يحصل لها المزية ففي جامع الأصول هي بنت حيي بن أخطب من سبط هارون بن عمران عليه السلام ثم قال اتقي الله أي مخالفته أو عقابه بترك مثل هذا الكلام الذي هو من عادات الجاهلية يا حفصة رواه الترمذي والنسائي وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا فاطمة عام الفتح الظاهر أن هذا وهم إذ لم يثبت عند أرباب السير وقوع هذه القضية عام الفتح بل كان هذا في عام حجة الوداع أو حال مرض موته عليه السلام فناجاها أي كلمها بالسر فبكت ثم حدثها أي خفية أيضا فضحكت وتقدم أن عائشة سألتها في حياته فلم تجبها وبعد مماته أجابتها نحوما ذكرت أم سلمة بقولها فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها عن بكائها وضحكها أي عن سببهما فقالت وفي نسخة قالت أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يموت أي قريبا فبكيت ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت وهو لا ينافي ما قال لها أيضا من أنك أول من يلحقني من أهلي على ما سبق قال الطيبي هذا الحديث غير مناسب لهذا الباب إنما يناسب باب مناقب أهل البيت لكن ذكره مستطردا للحديث الأول من هذا الفصل حيث ذكرت فيه فاطمة مع ذكر خديجة ومريم وهو فن من بديع الكلام اه فيكون تفصيلا لبعض ما سبق مجملا ولا يبعد أن يكون تلميحا إلا ما ورد من أن مريم تكون زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة رواه الترمذي وفي الجامع فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران رواه الحاكم في مستدركه


عن أبي موسى قال ما اشتكل أي ما اشتبه وفي نسخة ما أشكل أي ما أغلق علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصب في جميع النسخ الحاضرة المعتمدة وقال الطيبي بالجر بدل من المجرور ويجوز النصب على الاختصاص حديث قط أي معنى حديث أو فقد حديث يتعلق بمسألة مهمة فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه أي من ذلك الحديث ومتعلقاته علما أي نوع علم بأن يوجد الحديث عندها تصريحا أو تأويلا لأن يؤخذ الحكم منه تلويحا رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب وأما حديث خذوا شطر دينكم عن الحميراء يعني عائشة فقال الحافظ ابن حجر العسقلاني لا أعرف له إسنادا ولا رواية في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير ولم يذكر من خرجه وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير أنه سأل المزي والذهبي عنه فلم يعرفاه وقال السخاوي ذكره في الفردوس بغير إسناد وبغير هذا اللفظ ولفظه خذوا ثلث دينكم من بيت الحميراء وبيض له صاحب مسند الفردوس ولم يخرج له إسنادا وقال السيوطي لم أقف عليه وعن موسى بن طلحة قال المؤلف يكنى أبا عيسى التيمي القرشي سمع جماعة من الصحابة مات سنة أربع و مائة قال ما رأيت أحدا أفصح من عائشة رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب


باب جامع المناقب

الفصل الأول
عن عبد الله بن عمر أي ابن الخطاب القرشي العدوي أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير وشهد ما بعد الخندق من المشاهد وكان من أهل الورع والعلم والزهد شديد التحري والاحتياط قال جابر بن عبد الله ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال إليها ما خلا عمر وابنه عبد الله قال نافع ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد وكان يتقدم الحجاج في المواقف بعرفة وغيرها إلى المواضع التي كان النبي صلى الله عليه وسلم وقف فيها وكان يعز على الحجاج وخطب الحجاج يوما وأخر صلاة الفجر أو العصر فقال ابن عمر أن الشمس لا تنتظرك فقال له الحجاج لقد هممت أن أصيرك الذي في عينيك قال لا تفعل فإنك سفيه مسلط وقيل إنه أخفى قوله ذلك عن الحجاج ولم يسمعه فأمر الحجاج رجلا فسم زج رمحه وزاحمه في الطريق ووضع الزج في ظهر قدمه وكانت ولادته قبل الوحي بسنة وموته سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر وقيل بستة أشهر وكان أوصى أن يدفن في الحل فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين وله أربع وثمانون سنة روى عنه خلق كثير قال رأيت في المنام كأن بالتشديد على التشبيه للملاحظة في التعبير في يدي وفي نسخة بالتثنية سرقة بفتحتين أي قطعة من حرير أي كائنة منه لا أهوي بكسر الواو أي لا أقصد بها إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه أي تبلغني إلى ذلك المكان مثل جناح الطائر والباء للتعدية وقال الطيبي أي لا أريد الميل بها إلى مكان في الجنة إلا كانت مطيرة بي ومبلغة إياي إلى تلك المنزلة فكأنها لي مثل جناح الطير للطائر فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن أخاك رجل صالح أو إن عبد الله رجل صالح قال شارح للمصابيح تأول هذا على أن السرقة كانت ذات يده من العمل الصالح وبياض السرقة منبىء عن خلوصه من الهوى وصفائه عن كدر النفس


اه ولعله مبني على أن في المصابيح سرقة من حرير بيضاء والله أعلم متفق عليه قال ميرك ولفظ مسلم أرى عبد الله رجلا صالحا وقال السيد جمال الدين ورواه الترمذي والنسائي وعن حذيفة سيأتي ترجمته قال إن أشبه الناس دلا بفتح الدال المهملة وتشديد اللام أي طريقة وسمتا أي سيرة وهديا أي هداية ودلالة برسول الله صلى الله عليه وسلم متعلق بأشبه لابن أم عبد بفتح لام التأكيد الداخل على خبر إن والمراد به عبد الله بن مسعود وكانت أمه تكنى أم عبد قال القاضي الدل قريب من الهدي والمراد به السكينة والوقار وما يدل على كمال صاحبه من ظواهر أحواله وحسن مقاله وبالسمت القصد في الأمور وبالهدي حسن السيرة وسلوك الطريقة المرضية وقال شارح السمت يستعار لهيئة أهل الخير من حين يخرج متعلق بأشبه والمعنى أن أكثرية الشبه فيما ذكر مستمرة عليه من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه أي إلى بيته وهذا بحسب الظاهر الذي كنا نطلع عليه لا ندري ما يصنع في أهله أي في حال كونه عند أهله إذا خلا أي معهم من غير أن يكون هناك أحد قال الطيبي لا ندري جملة مستأنفة يريد إنا نشهد له بما يستبين لنا من ظاهر أمره ولا ندري ما بطن منه رواه البخاري وعن أبي موسى الأشعري سيأتي منقبته قال قدمت أي المدينة أنا وأخي من اليمن فمكثنا بفتح الكاف وضمها أي فلبثنا حينا أي زمانا كثيرا ما نرى بضم النون وفتح الراء على ما صرح به النووي أي ما نظن إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لما نرى بفتح النون أي لما نبصر من دخوله ودخول أمه أي من كثرة دخولهما على النبي صلى الله عليه وسلم قال الطيبي قوله ما نرى حال من فاعل مكثنا ويجوز أن يكون صفة


حينا أي زمانا غير ظانين فيه شيئا إلا كون عبد الله بن مسعود كذا قال المؤلف يكنى أبا عبد الرحمن الهذلي كان إسلامه قديما في أول الإسلام قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وقبل عمر بزمان وقيل كان سادسا في الإسلام ثم ضم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سواكه ونعله وطهوره في السفر هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا ثم ما بعدها من المشاهد وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وقال رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد وكان خفيف اللحم قصيرا شديد الأدمة نحيفا يكاد طوال الرجال يوازيه جالسا ولي القضاء بالكوفة وبيت مالها لعمر وصدرا من خلافة عثمان ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع وله بضع وستون سنة روى عنه أنه بكر وعمر وعثمان وعلي ومن بعدهم من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين اه وهو عند أئمتنا أفقه الصحابة بعد الخلفاء الأربعة متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وعن عبد الله بن عمرو بالواو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال استقرئوا القرآن من أربعة أي اطلبوا القرآن من هؤلاء الأربعة فإنهم حفظة الصحابة من عبد الله بن مسعود بزيادة من لمزيد البيان في البيان وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل في شرح مسلم قالوا هؤلاء الأربعة تفرغوا الأخذ القرآن منه صلى الله عليه وسلم مشافهة وغيرهم اقتصروا على أخذ بعضهم من بعض أو لأن هؤلاء تفرغوا لأن يؤخذ عنهم أو أنه صلى الله عليه وسلم أراد الإعلام بما يكون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من تقدم هؤلاء الأربعة وأنهم أقرأ من غيرهم قال المؤلف سالم بن معقل مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان من أهل فارس اصطخر وكان من فضلاء الموالي ومن خيار الصحابة وكبارهم شهد بدرا وروى عنه ثابت بن قيس وابن عمر وغيرهما وأما أبي ومعاذ بن جبل فقد تقدم ذكرهما متفق عليه ورواه الترمذي وعن علقمة تابعي مشهور وقد


سبق ذكره قال قدمت الشام فصليت ركعتين
أي في مسجد دمشق ثم قلت اللهم سير أي سهل لي جليسا صالحا أي عالما عاملا أو قائما بحق الله وحق عباده فأتيت قوما فجلست إليهم فإذا شيخ أي كبير أو عظيم قد جاء حتى جلس إلى جنبي روى أن لله ملائكة تجر الأهل إلى الأهل قلت أي للقوم من هذا قالوا أبوالدرداء قلت أي له إني دعوت الله أن ييسر أي سهل لي جليسا صالحا فيسرك لي فقال من أنت فقلت من أهل الكوفة قال الطيبي أي رجل من أهل الكوفة ليطابق السؤال أو تقدير السؤال من أين أنت ليطابقه الجواب وقوله أو ليس عندكم الخ فقال ابن الملك صوابه من أين أنت لقوله من أهل الكوفة ولعل لفظة أين سقطت من القلم أو من بعض الرواة الثبات أو صحف أين بانت ومن الجارة بمن الاستفهامية ه ولا يخفى أنه يلزم منه تخطئة جماعة من الرواة الثقات في الحفظ والتيقظ فالأحسن أن يقال إن الجواب يدل على أن السؤال عن معرفة ما أو معرفة بلده أو يحمل على أن المجيب مقصر أو مقتصر أو يكون رجل أو علقمة محذوفا أو تقديره فقلت في جملة الجواب من أهل الكوفة وإنما اقتصر عليه لما يترتب عليه ما بعده وينشأ عنه وهذا هو الأظهر لئلا ينسب أحد من الأكابر إلى الخطأ وعلى تقدير الضرورة فنسبته إلى التابعي أولى من الصحابي خصوصا السائل فإنه لا يقال للسائل سؤالك غير مطابق للجواب بل الأمر بالعكس والله أعلم بالصواب ثم رأيت نظير هذا الإشكال في باب الحب في الله عند قوله أين تريد فقال أريد أخا لي فأجابوا بأن السؤال متضمن لقوله أين تريد ومن تريد فتدبر ثم رأيت أنه وقع في البخاري في رواية فقال ممن أنت كذا في جامع الأصول وفي رواية من أين أنت كذا في الحميدي قال أي أبو الدرداء أوليس عندكم ابن عم صاحب النعلين والوسادة بكسر الواو المخدة والمطهرة بفتح الميم ويكسر ففي القاموس المطهرة بالكسر والفتح إناء يتطهر به وفي الخلاصة فتح الميم في المطهرة أعلى ولا يخفى ما فيه من العبارة اللطيفة قال


القاضي يريد به أنه كان يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم ويلازمه في الحالات كلها فيصاحبه في المجالس ويأخذ نعله ويضعها إذا جلس وحين نهض ويكون معه في الخلوات فيسوي مضجعه ويضع وسادته إذا أراد أن ينام ويهيىء له طهوره ويحمل معه المطهرة إذا قام إلى الوضوء اه وحاصله أنه لشدة ملازمته له صلى الله عليه وسلم في هذه الأمور ينبغي أن يكون عنده من العلم الشرعي ما يستغني طالبه عن غيره وفيه إشعار بما ذكر في آداب المتعلمين من أن الطالب أولا يحيط بعلم علماء بدله ثم يرتحل إلى غيره من البلدان في طلب زيادة البيان من الأعيان وفيكم أي وأليس فيكم الذي أجاره


الله أي أنقذه وخلصه من الشيطان على لسان نبيه أي بناء على لسانه مما صدر عنه من دعائه يعني أي يريد أبو الدرداء به عمارا وهذا قول بعض الرواة أوليس فيكم صاحب السر أي صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلمه أي ذلك السر غيره أي غير حذيفة قيل من تلك الأسرار أسرار المنافقين وأنسابهم أسر بها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دل عليه حديثه المذكور قبل هذا يعني حذيفة قال المؤلف عمار بن ياسر العبسي مولى بني مخزوم وحليفهم وذلك أن ياسرا والد عمار قدم مكة مع أخوين له يقال لهما الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع فرجع الحارث ومالك إلى اليمن وأقام ياسر بمكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة فزوجه أمة له يقال لها سمية فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة فعمار مولى وأبوه حليف أسلم عمار قديما وكان من المستضعفين الذين عذبوا بمكة ليرجعوا عن الإسلام وأحرقه المشركون بالنار فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر به فيمر يده عليه ويقول يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم وهو من المهاجرين الأولين وشهد بدرا والمشاهد كلها وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الطيب المطيب قتل بصفين وكان مع علي بن أبي طالب سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وتسعين سنة روى عنه جماعة منهم علي وابن عباس رضي الله عنهم وأما حذيفة فهو ابن اليمان واسم اليمان حثيل بالتصغير واليمان لقبه وكنيته حذيفة أبو عبد الله العبسي بفتح العين وسكون الباء روى عنه عمر وعلي وأبو الدرداء وغيرهم من الصحابة و التابعين مات بالمدائن وبها قبره سنة خمس وثلاثين وقيل ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة رواه البخاري وكذا النسائي وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أريت الجنة بصيغة المجهول فرأيت امرأة أبي طلحة وهي أم سليم تزوجها مالك بن النضر أبو أنس بن مالك فولدت له أنسا ثم قتل عنها مشركا وأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت ودعته إلى الإسلام


فأسلم فقالت إني أتزوجك ولا آخذ منك صداقا لإسلامك فتزوجها أبو طلحة روى عنها خلق كثير وسمعت خشخشة بالخاءين والشينين المعجمات أي صوتا يحدث من تحرك الأشياء اليابسة واصطكاكها كالسلاح والنعل والثوب أمامي أي قدامي تقدم الخادم على المخدوم فإذا
بلال وهو ابن رباح مولى أبي بكر الصديق أسلم قديما وهو أول من أظهر إسلامه بمكة شهد بدرا وما بعده من المشاهد وسكن الشام آخرا ولا عقب له روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين ومات بدمشق سنة عشرين ودفن بباب الصغير وله ثلاث وستون سنة وقيل مات بحلب ودفن بباب الأربعين وكان ممن عذبه أهل مكة على الإسلام وممن كان يعذبه ويتولى ذلك بنفسه أمية بن خلف الجمحي وكان من قدر الله تعالى أن قتله بلال يوم بدر قال جابر كان عمر يقول أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا اه وأخرج أحمد في مسنده أن أول من أظهر الإسلام سبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب و بلال والمقداد فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصيروهم في الشمس فما منهم أحد إلا وأتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله عز وجل وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد كذا في الرياض رواه مسلم وكذا البخاري والنسائي ذكره السيد جمال الدين وعن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر أي أشخاص فقال المشركون أي من أكابر صناديد قريش للنبي صلى الله عليه وسلم أطرد أي أبعد عن حضرتك هؤلاء أي الموالي والفقراء لا يجترئون علينا أي لا يكون لهم جراءة علينا في مخاطبتهم بنا إن كنت تريد أن نؤمن بك وندخل عليك قال أي سعد وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل بالتصغير وبلال ورجلان لست اسميهما بتشديد الميم وجوز تخفيفها أي لا


أتذكرهما قال صاحب الأزهار ورجلان خباب وعمار وإنما قال لست اسميهما لمصلحة في ذلك عند المتكلم وقيل للنسيان والأول أقرب إلى اللفظ قال المؤلف خباب بن الأرت يكنى أبا عبد الله التميمي وإنما لحقه سباء في الجاهلية فاشترته امراة من خزاعة وأعتقته أسلم قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وهو ممن عذب في الله على إسلامه فصبر نزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين وله ثلاث وسبعون سنة روى عنه جماعة فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع أي من الميل إلى طردهم طمعا في إسلام الأكابر المتفرع عليه إسلام الكل بعدهم فحدث نفسه أي للتألف بهم أن يطردهم صورة بأن لا يأتوه حال وجود الأكابر عنده أو يقوموا عنه إذا هم جلسوا عنده مراعاة للجانبين وقال


الطيبي ورد تفسير الآية أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو طردت هؤلاء جلسنا إليك وحدثناك فقال صلى الله عليه وسلم ما أنا بطارد المؤمنين قالوا فأقمهم عنا إذا جئنا قال نعم طمعا في إيمانهم فأنزل الله تعالى أي عتابا لسيد الأنبياء في حق الفقراء ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة بفتح الغين والدال بعده ألف مبدلة من واو وفي قراءة بضم وسكون وفتح واو والعشي أريد بهما طرفا النهار أو الملوان يريدون وجهه جملة حالية أي يريدون بعبادتهم رضا الله تعالى لا شيئا آخر من أغراض الدنيا رواه مسلم وعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا أبا موسى لقد أعطيت مزمارا بصيغة المجهول أي صوتا حسنا ولحنا طيبا من مزامير آل داود أي من ألحانه والأول مقحم واستعير المزمار بكسر الميم وهو الآلة للصوت الحسن والنغمة الطيبة قال القاضي أي أعطيت حسن صوت يشبه بعض الحسن الذي كان لصوت داود والمراد بآل داود نفسه إذ لم يكن آله مشهورا بحسن الصوت قال المؤلف هو عبد الله بن قيس الأشعري أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ولاه عمر بن الخطاب البصرة سنة عشرين فافتتح أبو موسى الأهواز ثم لم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان ثم عزل عنها فانتقل إلى الكوفة فأقام بها وكان واليا على أهل الكوفة إلى أن قتل عثمان ثم انتقل أبو موسى إلى مكة بعد التحكيم فلم يزل بها إلى أن مات سنة اثنتين وخمسين متفق عليه ورواه الترمذي وعن أنس رضي الله عنه قال جمع القرآن أي قرأه كله ذكره شارح والأظهر أنه حفظه أجمع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في زمانه أربعة أي من الرجال أراد أنس


بالأربعة أربعة من رهطه وهم الخزرجيون إذ روي أن جمعا من المهاجرين أيضا جمعوا القرآن أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وقد سبق ذكرهم وأبو زيد قيل لأنس من أبو زيد قال أحد عمومتي بضم العين أي أحد أعمامي قال المؤلف في أسمائه هو الذي جمع القرآن حفظا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اختلف في اسمه فقيل سعيد بن عمير وقيل قيس بن السكن اه والحاصل أن الذين حفظوا القرآن كله في حياته صلى الله عليه وسلم وهم من الأنصار هذه الأربعة فلا منافاة بينه وبين خبر استقرئوا القرآن على أن مفهوم العدد غير معتبر وعلى أنه لا يلزم من الأخذ بالقرآن منهم أن يكونوا استظهروا القرآن جميعه هذا وفي شرح مسلم قال المازري هذا الحديث مما تعلق به بعض الملاحدة في تواتر القرآن وجوابه من وجهين أحدهما أنه ليس فيه تصريح بأن غير الأربعة لم يجمعه فيكون المراد الذين علمهم من الأنصار أربعة والمراد نفي علمه لا نفي غيره من القراء وقد روى مسلم حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وذكر منهم المازري خمسة عشر صحابيا وثبت في الصحيح أنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن وكانت اليمامة قريبا من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فهؤلاء الذين قتلوا من جامعيه يومئذ فكيف الظن بمن لم يقتل ممن حضرها ومن لم يحضرها ولم يذكر في هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من كبار الصحابة الذين يبعد كل البعد أنهم لم يجمعوه مع كثرة رغبتهم في الخير وحرصهم على ما هو دون ذلك من الطاعات وكيف يظن هذا بهم ونحن نرى أهل عصرنا يحفظه منهم في كل بلدة ألوف وثانيهما أنه لو ثبت أنه لم يجمع إلا أربعة لم يقدح في تواتره إذ ليس من شرط التواتر أن ينقل جميعهم جميعه بل إذ نقل كل جزء عدد التواتر صارت الجملة متواترة بلا شك قال التوربشتي المراد من الأربعة أربعة من رهط أنس وهم الخزرجيون ويحتمل أنه أراد أربعة من الأنصار أوسهم وخزرجهم وهو أشبه


وكان بين الحيين مناوأة قبل الإسلام بقيت منها بقية من العصبية بعد الإسلام فلعله ذكر ذلك على سبيل المفاخرة لما روي عن أنس أنه قال افتخرت الأوس والخزرج فقالت الأوس منا غسيل الملائكة حنظلة بن الكاتب ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت ومنا من اهتز العرش لموته سعد بن معاذ وقالت الخزرج منا أربعة قرؤوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقرأه غيرهم زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب فقوله لم يقرأه غيرهم أي لم يقرأ كله أحد منكم يا معشر الأوس متفق عليه وعن خباب بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى ابن الأرت بفتح


همز وراء وتشديد فوقية قال هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتغي وجه الله تعالى أي رضاه فوقع أجرنا على الله أي ثبت أجرنا الدنيوي والأخروي عنده سبحانه فمنا من مضى أي مات لم يأكل من أجره أي الدنيوي شيئا أي من الغنائم ونحوه مما تناولها من أدرك زمن الفتوح فيكون أجره كاملا فالمراد بالأجر ثمرته فليس مقصورا على أجر الآخرة منهم مصعب بصيغة المجهول ابن عمير بالتصغير قتل يوم أحد أي استشهد فلم يوجد له ما يكفن فيه بتشديد الفاء المفتوحة إلا نمرة بفتح نون فكسر ميم أي كساء غليظ فيه خطوط بيض وسود فكنا إذا غطينا رأسه أي بها خرجت رجلاه أي ظهرتا وإذا غطينا رجليه أي بها خرج رأسه أي انكشف فتحيرنا في أمره فقال صلى الله عليه وسلم غطوا بها رأسه أي لأنه أشرف واجعلوا على رجليه من الإذخر بكسر الهمز والخاء وهو نبت معروف ومنا من أينعت بهمز مفتوح وسكون تحتيه وفتح نون أي نضجت له ثمرته وأدركت وطابت وبلغت أوان الجداد وهو كناية عن حصول بعض المراد والينع بفتح الياء إدراك الثمار ومنه قوله تعالى انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه الأنعام وفي النهاية أينع الثمر يونع وينع وينيع فهو مونع ويانع إذا أدرك ونضج وأينع أكثر استعمالا فهو أي من أينعت له ثمرته يهدبها بفتح الياء وكسر الدال ويضم على ما اقتصر عليه النووي وحكى ابن التين تثليثها أي يجتنبها قال الطيبي هذه الفقرة قرينة لقوله فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا كأنه قيل ومنهم من لم يعجل شيء من ثوابه ومنهم من عجل بعض ثوابه وقوله يهدبها على صيغة المضارع لاستمرار الحال الماضية والآتية استحضارا له في مشاهدة السامع وفي الحديث ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم في ألآخرة ويبقى لهم الثلث وفيه بيان فضيلة مصعب بن عمير وأنه ممن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيء قال المؤلف مصعب قرشي عبدري من أجلة الصحابة وفضلائهم هاجر إلى أرض الحبشة في أول من


هاجر إليها ثم شهدا بدرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مصعبا بعد العقبة الثانية إلى المدينة يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشا وألينهم لباسا فلما أسلم زهد في الدنيا وقيل إنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بايع العقبة
الأولى وكان يأتي الأنصار في دورهم ويدعوهم إلى الإسلام فيسلم الرجل والرجلان حتى فشا الإسلام فيهم فكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه أن يجمع بهم فأذن له ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مع السبعين الذين قدموا عليه في العقبة الثانية فأقام بمكة قليلا وفيه نزل رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الأحزاب وكان إسلامه بعد دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم متفق عليه وعن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اهتز العرش بتشديد الزاي أي تحرك لموت سعد بن معاذ وفي رواية اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ والمعنى اهتز اهتشاشا وسرورا بتقلبه من الدار الفانية إلى الدار الباقية وذلك لأن أرواح السعداء والشهداء مستقرها تحت العرش تأوي إلى قناديل معلقة هناك وقيل اهتز استعظاما لتلك الواقعة وقيل اهتز وفرح حملة العرش بقدوم روحه فأقام العرش مقام حامليه وقيل محمول على ظاهره ويكون اهتزازه إعلاما للملائكة بوقوع أمر عظيم وقال النووي اختلفوا في تأويله فقال طائفة هو على ظاهره واهتزاز العرش تحركه فرحا بقدوم روح سعد وجعل الله في العرش تمييزا ولا مانع منه كما قال تعالى وإن منها لما يهبط من خشية الله البقرة وهذا القول هو المختار وقال المازري قال بعضهم وهو على حقيقته لا ينكر هذا من جهة العقل لأن العرش جسم من الأجسام يقبل الحركة والسكون وقيل المراد اهتزاز أهل العرش وهم حملته وغيرهم من الملائكة فحذف المضاف والمراد بالاهتزاز الاستبشار ومنه قول العرب فلان يهتز للمكارم لا يرديون اضطراب جسمه وحركته


وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها وقال الحربي هو كناية عن تعظيم شأن وفاته والعرب تنسب الشيء المعظم إلى أعظم الأشياء فيقولون أظلمت بموت فلان الأرض وقامت له القيامة وقال جماعة المراد اهتزاز سرير الجنازة وهو النعش وهذا القول باطل ترده الرواية الأخرى وإنما أولوا هذا التأويل لأنه لم يبلغهم هذه الرواية قال المؤلف سعد بن معاذ الأنصاري الأشهلي الأوسي أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل ودارهم أول دار أسلمت من الأنصار وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنصار وكان مقدما مطاعا شريفا في قومه وهو من أجلة الصحابة وأكابرهم وخيارهم شهد بدرا وأحدا وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ


ورمي يوم الخندق في أكحله فلم يرقأ الدم حتى مات بعد شهر وذلك في ذي القعدة سنة خمس وهو ابن سبع وثلاثين سنة ودفن بالبقيع روى عنه نفر من أصحابة متفق عليه وفي الجامع اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ رواه أحمد ومسلم عن أنس ورواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن جابر وعن البراء قال أهديت بصيغة المجهول لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة حرير فجعل أصحابه يمسونها أي يلمسونها ويمسحونها ويتعجبون من لينها أي نعومتها ورقتها فقال أتعجبون من لين هذه أي الحلة لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين أي المناديل التي يمسح بها سعد يده خير من هذه والمعنى أن أرفع شيء من ذه لا يقاوم أوضع شيء من تلك قال النووي المناديل جمع منديل وهو هذا الذي يحمل في اليد قال ابن الأعرابي وغيره هو مشتق من الندل و هو النقل لأنه ينقل من واحد إلى واحد وقيل هو من الندل وهو الوسخ لأنه يندل به قال الخطابي إنما ضرب المثل بالمناديل لأنها ليست من علية الثياب بل هي تبذل من أنواع المرافق فيمسح بها الأيدي وينفض بها الغبار عن البدن وتغطي ما يهدي في الأطباق وتتخذ لفافا للثياب فصار سبيلها سبيل الخادم وسبيل سائر الثياب سبيل المخدوم فإذا كان أدناها هكذا فما ظنك بأعلاها متفق عليه رواه الترمذي وعن أم سليم وهي أم أنس أنها قالت يا رسول الله أنس خادمك ادع الله له قال اللهم أكثر ماله وولده بفتحتين وضم فسكون أي أولاده وبارك له فيما أعطيته أي من المال والولد والبركة زيادة النماء في إفادة النعماء قال أنس فوالله إن مالي ليكثر أي غاية


الكثرة ونهاية البركة على وفق البغية وإن ولدي أي بلا واسطة وولد ولدي ليتعادون بضم الدال المشددة أي يزيدون في العدد على نحو المائة يوم أي في هذا الوقت من الحديث روى أنه قال رزقت من صلبي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين أي ذكورا إلا بنتين على ما قيل وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين ذكره ابن حجر في شرح الشمائل وقال صاحب المشكاة في أسماء رجاله أنس بن مالك بن النضر الخزرجي كنيته أبو حمزة قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن عشر سنين وانتقل إلى البصرة في خلافة عمر ليفقه الناس وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة سنة إحدى وتسعين وله من العمر مائة وثلاث سنين وقيل تسع وتسعون سنة قال ابن عبد البر وهو أصح ويقال إنه ولد له مائة ولد وقيل ثمانون منهم ثمانية وسبعون ذكرا واثنتان أنثى روى عنه خلق كثير اه فما ذكره ابن حجر بظاهره يخالف هذا النقل وكذا يخالف ظاهر الحديث لأنه دال على مجموع أولاده وأولادهم يتجاوزون عن المائة لا أولاد الأولاد والله أعلم بالعباد والمراد وقال النووي هذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وفيه دليل لمن يفضل الغنى على الفقر وأجيب بأنه يختص بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قد بارك فيه ومتى بارك فيه لم يكن فيه فتنة فلم يحصل بسببه ضرر لا تقصير في أداء حق الله وفيه استحباب أنه إذا دعا بشيء يتعلق بالدنيا ينبغي أن يضم إلى دعائه طلب البركة فيه والصيانة وقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس أنه دفن من أولاده قبل مقدم الحجاج مائة وعشرين قلت وكأنه أراد بأولاده المعنى الأعم الشامل للصلب وغيره وإلا لذكر أولاد الأولاد أيضا إذ المقام يقتضيه والله أعلم متفق عليه رواه الترمذي وعن سعد بن أبي وقاص قال ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض صفة مؤكدة لأحد كما في قوله تعالى وما من دابة في الأرض الأنعام لمزيد التعميم والإحاطة اه وفيه نظر لا يخفى إذ الحديث ليس من قبيل


الآية فإن الدابة ما تدب على الأرض فتكون الأرض داخلة في مفهوم الدابة فذكرها يفيد التأكيد ونظيره رأيته بعيني وسمعته بأذني بخلاف لفظ أحد فإنه يفيد معنى العموم القابل للتقييد فقوله يمشي على وجه الأرض صفة احترازية ممن كان قبله من العشرة فكأنه قال لأحد هو حي الآن على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وقال ميرك يحتمل أن قوله على وجه الأرض صفة مخصصة لأهل الجنة لكن يرد عليه أنه حين التكلم حي


اه وقال النووي ليس هذا مخالفا لقوله صلى الله عليه وسلم أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة إلى آخر العشرة وغيرهم من المبشرين بالجنة فإن سعدا قال ما سمعت ونفي سماه ذلك لا يدل على نفي البشارة للغير وإذا اجتمع النفي والإثبات فالإثبات مقدم عليه اه ويؤيده ما قدمناه ما ذكره الحافظ العسقلاني بأن الحديث استشكل بأنه صلى الله عليه وسلم قال لجماعة إنهم من أهل الجنة غير عبد الله بن سلام ويبعد أن لا يطلع سعد على ذلك أو ينفي سماع ذلك عن نفسه كراهة تزكية نفسه فالظاهر أن ذلك بعد موت المبشرين لأن عبد الله بن سلام عاش بعدهم ولم يتأخر بعده من العشرة غير سعد وسعيد ويؤخذ ذلك من قوله يمشي على وجه الأرض ووقع عند الدارقطني ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحي يمشي أنه من أهل الجنة اه ولا يخفى ما فيه من الغموض على حصول المدعي اللهم إلا أن يقال إن سعدا لم يذكر نفسه بناء على أن تبشيره بلغه من غيره وهذا سمعه بنفسه كما يشير إليه صدر الحديث لكن يبقى الكلام في وجود سعيد حيا ويمكن دفعه به أيضا ويمكن أن يراد بقوله يمشي أنه وقع بشارته صلى الله عليه وسلم لعبد الله حين كان يمشي على وجه الأرض بمعنى أنه يسير بخلاف بشارات غيره وبه يزول الإشكال والله أعلم بالأحوال متفق عليه ورواه النسائي وعن قيس بن عباد بضم عين وتخفيف موحدة بصري من الطبقة الأولى من تابعي البصرة روى عن جماعة من الصحابة قال كنت جالسا في مسجد المدينة فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع أي السكون والوقار والحضور فقالوا أي بعض الحاضرين هذا رجل من أهل الجنة فصلى ركعتين أي تحية المسجد أو غيرها تجوز بتشديد الواو أي اختصر فيهما على ما لا بد منه وخففهما ففي النهاية فأتجوز في صلاتي أي أخففها وأقللها ثم خرج وتبعته فقلت أي له إنك حين دخلت المسجد قالوا هذا رجل من أهل الجنة قال والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم قال النووي هذا انكار من عبد الله بن سلام عليهم حيث


قطعوا له بالجنة فيحتمل أن هؤلاء بلغهم خبر سعد بن أبي وقاص أن ابن سلام من أهل الجنة ولم يسمع هو ذلك ويحتمل أنه كره الثناء عليه بذلك تواضعا وإيثارا للخمول وكراهة للشهرة قال الطيبي فعلى هذا الإشارة بقوله فسأحدثك لم ذاك وهو بلا
لام إلى إنكاره إياهم يعني أني أحدثك سبب إنكاري عليهم وهو هذا رأيت رؤيا الخ وهذا لا يدل على النص بقطع النبي صلى الله عليه وسلم على أني من أهل الجنة كما نص على غيري ويمكن أن تكون الإشارة بذلك إلى قولهم هذا رجل من أهل الجنة يعني لا ينبغي لأحد ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه أن يقول بما لا يعلم فإنهم علموا ذلك وقالوا وأنا أيضا أقول رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في زمانه فقصصتها عليه ورأيت بيان لما قبله كأني في روضة ذكر أي عبد الله بن سلام من سعتها بفتح أوليها وخضرتها وسطها بالنصب على أنه ظرف وقع خبرا مقدما لمبتدأ مؤخر هو قوله عمود من حديد أسفله أي أسفل العمود في الأرض وأعلاه في السماء والجملتان صفتان لعمود في أعلاه أي العمود عروة بضم العين أي حلقه ففي القاموس العروة من الدلو والكوز المقبض فاستعيرت لما يوثق ويعول عليه فقيل لي ارقه بفتح القاف وسكون الهاء للسكت وفي نسخة بضم الهاء على أنه ضمير ففي القاموس رقي كرضي صعد وقال ابن الملك من رقي يرقى إذا صعد والهاء للسكت ويجوز أن يعود إلى العمود فقلت لا أستطيع أي الرقي والصعود فأتاني منصف بكسر الميم وفتح الصاد ذكره النووي وعليه النسخ المعتمد وقال القاضي عياض ويقال بفتح الميم وهو الخادم من نصف نصافة إذا خدم وفي شرح مسلم قالوا الوصيف الصغير المدرك للخدمة فرفع أي المنصف ثيابي من خلفي فرقيت بكسر القاف وقال ميرك وحكي بفتحها أقول وفيه نظر إذ رقي يرقى كرمي يرمي من الرقية ولا معنى لها ههنا بل المراد فصعدت حتى كنت في أعلاه أي أعلى العمود وفي نسخة في أعلاها أي أعلى العروة فأخذت وفي سخة أخذت بالعروة


فقيل أي لي استمسك أي بالغ في المسك بمعنى الأخذ فاستيقظت وإنها لفي يدي أي أن الاستيقاظ كان حال الأخذ من غير فاصل فلم يرد أنها بقيت في يده حال يقظته ولو حمل على ظاهره ما امتنع في قدرة الله تعالى لكن يظهر خلافه ويحتمل أن يريد أن أثرها بقي في يدي بعد الاستيقاظ كأن يصبح فيرى يده مقبوضة فقصصتها على النبي صلى الله عليه وسلم فقال تلك الروضة الإسلام وذلك العمود عمود الإسلام وتلك العروة مبتدأ خبره قوله الوثقى في نسخة صحيحة العروة الوثقى قال الطيبي


الوثقى من الحبل الوثيقين المحكم المأمون انقطاعها فأنت على الإسلام حتى تموت اه كلامه صلى الله عليه وسلم فقال قيس وذلك الرجل عبد الله بن سلام ولا يبعد أن يكون من قول عبد الله بن سلام بأن يخير عن نفسه متفق عليه وعن أنس قال قال كان ثابت بن قيس بن شماس بتشديد الميم خطيب الأنصار أي فصيحهم أي في النثر كما يقال الشاعر في النظم قال المؤلف خزرجي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم وكان خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطيب الأنصار واستشهد يوم اليمامة مع مسيلمة الكذاب سنة اثنتي عشرة وروى عنه أنس بن مالك وغيره فلما نزلت يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي إلى آخر الآية وهو قوله ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون الحجرات جلس ثابت في بيته واحتبس أي نفسه عن النبي صلى الله عليه وسلم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ استشكل بأن الآية المذكورة نزلت سنة تسع وسعد بن معاذ مات قبل ذلك سنة خمس وأجيب بأن ما نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت لا أول السورة وهو لا تقدموا بين يدي الله الحجرات فقال أي النبي صلى الله عليه وسلم لسعد حيث كان رئيسهم ما شأن ثابت أي حيث إنه غير ثابت معنا أيشتكي أي مرضا أو وجعا فكأنه تحير في الجواب ولم يعرف طريق الصواب فأتاه أي ثابتا سعد فذكر أي سعد له أي لثابت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في تفقده فقال ثابت أنزلت هذه الآية أي المتقدمة ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بحسب الجبلة فأنا من أهل النار ولم يعرف أن المراد به رفع صوت يكون اختياريا يقتضي قلة الأدب فذكر ذلك أي تعليل ثابت سعد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو من أهل الجنة أي حيث بالغ في الأدب حتى لم يجوز رفع الصوت الجبلي أيضا ووقع مصداق ذلك أنه قتل باليمامة شهيدا وقد نقل الكوراني عن أنس لما كان


يوم قتال مسيلمة الكذاب تحنط ولبس الكفن فقاتل حتى قتل في كفنه رواه مسلم والنسائي
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال كنا جلوسا أي جالسين عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت سورة الجمعة بضم الجيم والميم ويسكن فلما نزلت وآخرين منهم لما يلحقوا بهم قال الطيبي هذا على أن يكون آخرين عطفا على الأميين يعني أنه تعالى بعثه في الأميين الذين على عهده وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم وهم بعد الصحابة رضي الله عنهم قالوا من هؤلاء أي وآخرين منهم يا رسول الله قال أي أبو هريرة وفينا سلمان الفارسي بكسر الراء ويسكن قال أي أبو هريرة فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان أي على كتفه ثم قال لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء قال الطيبي جمع اسم الإشارة والمشار إليه سلمان وحده إرادة للجنس ويحتمل أن يراد بهم العجم كلهم لوقوعه مقابلا للأميين وهم العرب وأن يراد به أهل فارس ولو ههنا بمعنى أن لمجرد الفرض والتقدير على سبيل المبالغة قال المؤلف سلمان الفارسي يكنى أبا عبد الله مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أصله من فارس من رامهرمز ويقال بل كان أصله من أصفهان من قرية يقال لها حي سافر يطلب الدين فدان أولا بدين النصرانية وقرأ الكتب وصبر في ذلك على مشقات متتالية فأخذه قوم من العرب فباعوه من اليهود ثم إنه كوتب فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابته ويقال إنه تداوله بضعة عشر سيدا حتى أفضى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقال سلمان منا أهل البيت وهو أحد الذين اشتاقت إليهم الجنة وكان من المعمرين قيل عاش مائتين وخمسين سنة وقيل ثلاثمائة وخمسين سنة والأول أصح وكان يأكل من عمل يده ويتصدق بعطائه ومناقبه كثيرة وفضائله غزيرة وأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ومدحه في كثير من الأحاديث ومات بالمدائن سنة خمس وثلاثين روى عنه أنس


وأبو هريرة وغيرهما متفق عليه وفي الجامع لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من فارس رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة ورواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة أيضا ولفظه لو كان العلم معلقا بالثريا لتناوله قوم من أبناء فارس
وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم حبب عبيدك بالتصغير للشفقة هذا أي المشار إليه يعني أبا هريرة تفسير منه أو من غيره مدرج فيه معترضة وأمه عطف على عبيدك إلى عبادك المؤمنين متعلق بحبب وحبب إليهم وفي نسخة إليهما المؤمنين قال ميرك كذا وقع بضمير الجمع في أصل سماعنا من المشكاة وهو الموافق لأصل السماع من صحيح مسلم وأكثر النسخ الحاضرة منه وتوجيهه باعتبار أن أقل الجمع اثنان أو باعتبار أهلهما وأولادهما والمنتسبين إليهما ليكون أشمل والله أعلم اه ويمكن أن يقال نزلا منزلة الجماعة تعظيما لهما كما ينزل الواحد أيضا منزلة جمع رواه مسلم وعن عائذ بن عمرو بالواو وهو اسم فاعل من العوذ بمعنى اللوذ قال المؤلف هو مدني من أصحاب الشجرة سكن البصرة وحديثه في البصريين روى عنه جماعة أن أبا سفيان أي ابن حرب أتى أي مر على سلمان وصهيب بالتصغير وبلال في نفر أي وعلى بلال مع جمع قال النووي هذا الإتيان كان لأبي سفيان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية فقالوا أي سلمان وأصحابه ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله يعنون أبا سفيان مأخذها بفتح الخاء المعجمة أي حقها وفي نسخة صحيحة وهي أصل السيد مآخذها بهمزة ممدودة وكسر خاء على أنه جمع روعي فيه مقابلة الجمع لسيوف قال الطيبي ما نافية وأما مأخذها فقيل مفعول به وقيل مفعول فيه ويجوز أن يكون مصدرا والكلام إخبار فيه معنى الاستفهام المتضمن للاستبطاء يعني لم تستوف السيوف حقها من حقه واستعار الأخذ للسيف تشبيها له بمن له حق على صاحبه وهو يلزمه ويطالبه والغريم يمتنع عن إيفاء حقه ويماطله فقال أبو بكر أي لهم أتقولون هذا لشيخ قرشي أي


لكبيرهم وسيدهم أي رئيسهم فأتى أي أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أي يخبرهم وخبره فقال يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لعل ههنا للإشفاق نحو قوله تعالى فلعلك باخع نفسك الكهف وقوله صلى الله عليه وسلم لعلي لا أعيش بعد عامي هذا لئن كنت أغضبتهم حيث إنهم مؤمنون
محبون محبوبون لله تعالى لقد أغضبت ربك أي حيث راعيت جانب الكافر بربه فأتاهم أي أبو بكر فقال يا أخوتاه بالهاء الساكنة أغضبتكم أي فاعفوا عني والأظهر أن الاستفهام مقدر أي أغضبتكم قالوا لا أي لا حرج عليك أو لا غضب لنا بالنسبة إليك يغفر الله لك جملة دعائية قال الطيبي يجب أن يوقف على لا ولو زادوا واوا كما في جواب اليزيدي عن سؤال المأمون لا وجعلني الله فداك لحسن موقعه وقوله يا أخي الظاهر أن يقال يا أخانا ولعله حكاية قول كل واحد واحد قال النووي ضبطوه بضم الهمزة على التصغير وهو تصغير تحبيب وفي بعض النسخ بفتحها اه وفي نسخة السيد جمال الدين وكثير من الأصول المعتمدة بالتصغير وفتح الياء وفي بعض النسخ بكسرها وقد قرئ بهما في يا بني هود يوسف لقمان الصافات وفي نسخة بفتح الهمزة وسكون الياء ويجوز فتحها هذا وقال المؤلف صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان التميمي يكني أبا يحي كانت منازلهم بأرض الموصل فيما بين دجلة والفرات فأغارت الروم على تلك الناحية فسبته وهو غلام صغير فنشأ بالروم فابتاعه منهم كلب ثم قدمت به مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان فأعتقه فأقام معه إلى أن هلك ويقال إنه لما كبر في الروم وعقل هرب منهم وقدم مكة فحالف عبد الله بن جدعان وأسلم قديما بمكة يقال إنه أسلم وعمار بن ياسر في يوم واحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم بدار الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلا وكان من المستضعفين المعذبين في الله بمكة ثم هاجر إلى المدينة وفيه نزل ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله البقرة روى عنه جماعة مات سنة ثمانين بالمدينة وهو ابن تسعين سنة ودفن بالبقيع


وأما أبو سفيان فتأتي ترجمته في منقبته رواه مسلم وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال آية الإيمان أي علامة كماله حب الأنصار قال ابن التين المراد حب جميعهم لأن ذلك إنما يكون للدين فمن أبغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض به فليس داخلا في ذلك وهو تقرير حسن وآية النفاق بغض الأنصار وضع الظاهر موضع المضمر اهتماما بشأنهم وإشعارا بالعلة في حبهم وبغضهم وهو جمع ناصر أو نصير واللام للعهد والمراد أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج وكانوا يعرفون قبل الإسلام بأبناء قيلة وهي الأم التي تجمع القبيلتين فسماهم النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار فصار علما لهم ونزل


القرآن بمدحهم وقد أطلق على أولادهم وحلفائهم ومواليهم وإنما فازوا بهذه المنقبة لأجل إيوائهم النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته حيث تبوؤوا الدار والإيمان وجعلوه مستقرا ومتوطنا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه كما جعلوا المدينة كذلك فكان ذلك موجبا لمعاداة العرب والعجم فأفضى ذلك إلى الحسد وهو يجر إلى البغض فلذا جاء الترهيب عن بغضهم والترغيب في حبهم فمن أحبهم فذلك من كمال إيمانه ومن أبغضهم فذلك من علامة نفاقه ونقصان ايقانه متفق عليه ورواه أحمد والنسائي وكذا ابن ماجه عنه لكن لفظه حب الأنصار آية الإيمان وبغض الأنصار آية النفاق وعن البراء أي ابن عازب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن أي كامل ولا يبغضهم إلا منافق أي حقيقي أو مجازي وهو الفاسق الشبيه بالمنافق فمن أحبهم أي لله أحبه الله ومن أبغضهم أي بغير سبب شرعي بالنسبة إلى بعض أفرادهم أبغضه الله متفق عليه وعن أنس قال إن ناسا أي جمعا من الأنصار قالوا حين أفاء الله على رسوله أي أعطاء فيئا أي غنيمة من أموال هوازن وهي قبيلة شهيرة ما أفاء أي شيئا أفاءه عليه فطفق أي فأخذ وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة حين مرجعه من الطائف يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل ومن جملتهم أبو سفيان والد معاوية وكان إعطاؤه تألفا لهم


بالإسلام ولذا كان يعطي الصادقين من المهاجرين والأنصار أقل من المائة فقالوا أي ناس من الأنصار زعما منهم أنه صلى الله عليه وسلم يراعي بعض قومه من قريش يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا أي شيئا كثيرا ويدعنا أي يتركنا في إعطاء الكثير وسيوفنا تقطر بضم الطاء أي والحال أن سيوفنا نحن معاشر الأنصار تنقط من دمائهم أي من دماء كفار قريش بمحاربتنا أياهم حتى يسلموا قال الطيبي قولهم يغفر الله توطئة وتمهيد لما يرد بعده من العتاب كقوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم التوبة وقولهم وسيوفنا تقطر من دمائهم من باب قول العرب عرضت الناقة على الحوض اه ولا يبعد أن يكون التقدير وسيوفنا باعتبار ما عليها تقطر من دمائهم وهو إشعار بقرب قتلهم كفار قريش وإيماء إلى أنهم أولى بزيادة البر فالجملة حال مقررة لجهة الإشكال فحدث بضم حاء وتشديد دال مكسورة أي فحكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم أي بقول ذلك البعض من الأنصار فأرسل أي الرسول رسولا إلى الأنصار فجمعهم الرسول أو أمر بجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة أي خيمة من أدم بفتحتين أي جلد ولم يدع بسكون الدال وضم العين أي لم يطلب وفي نسخة بفتح الدال وسكون العين أي لم يترك معهم أحدا غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما حديث أي أي شيء خير عظيم بلغني عنكم فقال فقهاؤهم أي علماؤهم أو عقلاؤهم أما ذوو رأينا أي أصحاب عقولنا وفهو منا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقولوا شيئا أي من هذا الباب وأما أناس بضم الهمز لغة في ناس أي جماعة منا حديثة أي جديدة أسنانهم جمع السن بمعنى العمر والمراد منهم الشبان قالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويدع الأنصار أي يتركهم وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أعطي أي من هذا المال رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أي أطلب إلفتهم بالإسلام


بإعطاء المال لا لكونهم من قريش أو لغرض آخر من الأحوال أما ترضون أن يذهب الناس أي غيركم من المتألفة قلوبهم بالأموال وترجعون إلى رحالكم بكسر الراء أي منازلكم في المدينة برسول الله وفي نسخة صلى الله عليه وسلم قالوا بلى يا رسول الله قد رضينا فيه تأكيد لما فهم من بلى وما أحسن من قال من أرباب الذوق والحال رضينا قسمة الجبار فينا لنا علم وللأعداء مال فإن المال يفنى عن قريب وإن العلم يبقى لا يزال
متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار في شرح السنة ليس المراد منه الانتقال عن النسب الولادي لأنه حرام مع أن نسبه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنساب وأكرمها وإنما أراد به النسب البلادي ومعناه لولا الهجرة من الدين ونسبتها دينية لا يسعني تركها لأنها عبادة كنت مأمورا بها لا نتسبت إلى داركم ولا نتقلت عن هذا الاسم إليكم وقيل أراد صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام إكرام الأنصار والتعريض بأن لا رتبة بعد الهجرة أعلى من النصرة وبيان أنهم بلغوا من الكرامة مبلغا لولا أنه صلى الله عليه وسلم من المهاجرين إلى المدينة لعد نفسه من الأنصار لكرامتهم عند الله تعالى وتلخيصه لولا فضلي على الأنصار بسبب الهجرة لكنت واحدا منهم وهذا تواضع منه صلى الله عليه وسلم وحث للناس على إكرامهم واحترامهم لكن لا يبلغون درجة المهاجرين السابقين الذين أخرجوا من ديارهم وقطعوا عن أقاربهم وأحبابهم وحرموا أوطانهم وأموالهم وهم رضي الله عنهم ما نالوا ذلك بآلة لأجل رضا الله ورسوله وإعلاء لدين الله وسنة رسوله والأنصار وإن اتصفوا بصفة النصرة والإيثار والمحبة والإيواء ولكنهم مقيمون في مواطنهم ساكنون مع أقاربهم وأحبابهم وحسبك شاهدا في فضل المهاجرين قوله هذا لأن فيه إشارة إلى جلالة رتبة الهجرة فلا يتركها نبي مهاجري لأنصاري ولو سلك الناس واديا أي طريقا حسيا أو معنويا وسلكت الأنصار


واديا أي سبيلا أخرا أو شعبا بكسر فسكون شك من الراوي إذ مآلهما واحد لسلكت وادي الأنصار أو شعبها أي شعب جماعة الأنصار وتركت سلوك وادي سائر الناس قال الخطابي أراد أن أرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب فإذا ضاق الطريق عن الجميع فسلك رئيس شعبا اتبعه قومه حتى يفضوا إلى الجادة وفيه وجه آخر وهو أنه أراد بالوادي الرأي والمذهب كما يقال فلان في واد وأنا في واد وقيل أراد صلى الله عليه وسلم بذلك حسن موافقته إياهم وترجيحهم في ذلك على غيرهم لما شاهد منهم حسن الوفاء بالعهد وحسن الجوار وما أراد بذلك وجوب متابعته إياهم فإن متابعته حق على كل مؤمن لأنه صلى الله عليه وسلم هو المتبوع المطاع لا التابع المطيع الأنصار شعار بكسر أوله ويفتح وهو الثوب الذي يلي شعر البدن والناس دثار بكسر الدال وهو الثوب فرق الشعار شبه الأنصار بالشعار لرسوخ صداقتهم وخلوص مودتهم والمعنى أنهم أقرب الناس


إلي مرتبة وأولاهم مني منزلة إنكم التفات إليهم متضمن للترحم عليهم سترون بعدي أثرة بفتحتين وبضم فسكون أي استئثارا يستأثر عليكم أمراؤكم بأمور الدنيا من المغانم والفيء ونحوهما ويفضل عليكم غيره نفسه أو من هو أدناكم فاصبروا أي على ذلك الاستئثار حتى تلقوني على الحوض أي فحينئذ يحصل جبر خاطركم المتعطش إلى لقائي بسقيكم شربة لا تظمؤون بعدها أبدا رواه البخاري وعنه أي عن أبي هريرة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أي فتح مكة فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن أي ذو أمن والأمن ضد الخوف وقيل أي مأمون قال الطيبي إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك حين أسلم أبو سفيان وقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا قال نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن قال المؤلف هو أبو سفيان بن صخر بن حرب الأموي القرشي والد معاوية ولد قبل الفيل بعشر سنين وكان من أشراف قريش في الجاهلية وكان انتهى إليه راية الرؤساء في قريش اسلم يوم فتح مكة وكان من المؤلفة قلوبهم وشهد حنينا وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مائة بعير وأربعين أوقية فيمن أعطاه من المؤلفة قلوبهم وفقئت عينه يوم الطائف فلم يزل أعور إلى يوم اليرموك فأصاب عينه الأخرى حجر فعميت روى عنه عبد الله بن عباس مات سنة أربع وثلاثين بالمدينة ودفن بالبقيع ومن ألقى السلاح أي آلة الحرب فهو آمن فقالت الأنصار أي بعضهم أما الرجل أي النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخذته رأفة أي شدة رحمة بعشيرته أي قبيلته ورغبة أي محبة في قريته أي في أهل بلدته أو بالسكون في قريته ونزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بما قالوا قال قلتم أما الرجل أخذته وفي نسخة صحيحة فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته كلا ردع أي ليس الأمر كما توهمتم من إقامتي بمكة لأن هجرتي إلى المدينة كانت خالصة لله كما بينه بقوله إني عبد الله ورسوله أي كوني على هذه الصفة


يقتضي أن لا أعود إلى دار تركتها لله وأن لا أرغب في بلدة هاجرت منها إلى الله هاجرت إلى الله أي إلى ثوابه أو مأموره وإليكم أي وإلى دياركم لميلكم إلي وإلى المهاجرين إليكم كما قال تعالى والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم الحشر وخلاصته أن القصد في
الهجرة كان إلى الله وان التهاجر كان من دار قومي إلى داركم المحيا أي محياي محياكم والممات أي مماتي مماتكم والمعنى ما حييت أحيي في بلادكم كما تحيون فيها وإذا توفيت توفيت بلادكم كما تتوفون لا أفارقكم حيا ولا ميتاز قالوا أي الأنصار والله ما قلنا أي ما قلناه إلا ضنا بكسر الضاد المعجمة وتشديد النون أي شحا وبخلا بالله ورسوله أي من شرف الجوار والصحبة واسم الله للتحسين والتزيين وقال الطيبي يريدون ما قلنا ذلك إلا ضنة بما آتانا الله من كرامته خشية أن يفوتنا فيناله غيرنا وشحا برسوله صلى الله عليه وسلم أن ينتقل من بلدتنا إلى بلدته انتهى وتوضيحه أنهم عنوا أن الآدمي مجبول على حب الأقارب والأوطان فخشينا أن تميل عنا إليهم فحركناك بهذا الكلام وجربناك ليتبين لنا المرام فلا يرد أنهم كيف قالوا ذلك مع قوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا النور على ما أورده الطيبي رحمه الله قال فإن الله ورسوله يصدقانكم أي في إخباركم عن أخباركم ويعذرانكم بفتح أوله ويضم أي يقبلان ما ذكرتم من اعتذاركم فيما قلتم من دعوى الضنة وفيه دلالة على جواز البخل بالعلماء والصلحاء وعدم الرضا بمفارقتهم ز رواه مسلم وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيانا ونساء مقبلين أي راجعين من عرس وهو بضم العين طعام الوليمة ذكره ابن الملك والأظهر ما في القاموس العرس الإقامة في الفرح ويضم وبالضم وبضمتين طعام الوليمة والوليمة طعام العرس أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها فقام النبي صلى الله عليه وسلم أي عن طريقهم أو إلى لقيهم فقال اللهم فيه التفات والتقدير اللهم أنت


تعلم صدقي فيما أقول في حق الأنصار ثم خاطبهم بقوله أنتم من أحب الناس إلي اللهم أنتم من أحب الناس إلي اللهم أنتم من أحب الناس إلي كرره للتأكيد وفي الخطاب التفات وتغليب للصبيان على النساء أو للغائبين على الحاضرين ويؤيده قول الراوي يعني الأنصار أي يريد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله أنتم طائفة الأنصار متفق عليه وعنه أي عن أنس قال مر أبو بكر أي الصديق والعباس بمجلس من
مجالس الأنصار وهم أي والحال أن أهل ذلك المجلس يبكون أي في أيام مرضه صلى الله عليه وسلم فقالا ما يبكيكم قالوا ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يعنون نخاف فوته إن قدر الله موته فدخل أحدهما روي أنه العباس على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك أي بما ذكر من بكائهم وسبب عنائهم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب بتشديد الصاد أي ربط وشد على رأسه حاشية برد أي على هيئة عصابة لدفع وجع رأسه من الشدة فصعد بكسر العين أي طلع المنبر ولم يصعد بعد ذلك اليوم فحمد الله أي شكره على ما أنعم وأثنى عليه أي بالوجه الأتم ثم قال أوصيكم أي أيها الناس أو المهاجرون بالأنصار أي برعايتهم وحمايتهم فإنهم كرشي بفتح فكسر وفي نسخة بكسر فسكون أي بطانتي وعيبتي بفتح المهملة وسكون المثناة بعدها موحدة أي وخاصتي كذا ذكره الزركشي وفي القاموس الكرش بالكسر وككتف لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان مؤنثة وعيال الرجل وصغار ولده والجماعة وفي النهاية أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته أو أراد الجماعة أي جماعتي وأصحابي وفي المصباح أي أنهم في المحبة والرأفة بمنزلة الأولاد الصغار لأن الإنسان مجبول على محبة ولده الصغير قال التوربشتي الكرش لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان والعرب تستعمل الكرش في كلامهم موضع البطن والبطن مستودع مكتوم السر والعيبة مستودع مكنون المتاع والأول أمر باطن والثاني أمر ظاهر فيحتمل أنه ضرب المثل بهما إرادة اختصاصهم به في أموره الظاهرة والباطنة


وفي شرح السنة عيبتي أي خاصتي وهو موضع سري والعرب تكني عن القلب والصدر بالعيبة لأنهما مستودع السرائر كما أن العياب مستودع الثياب وقد قضوا أي أدى الأنصار الذي عليهم أي من الوفاء بما وقع لهم من المبايعة ليلة العقبة فإنهم بايعوا على أنهم ينصرون النبي صلى الله عليه وسلم ولهم الجنة فوفوا بذلك ذكره العسقلاني وبقي الذي لهم أي من الأجر والثواب عند الله تعالى فأقبلوا من من محسنهم أي إن أتوا بعذر فيما صدر عنهم وتجاوزا عن مسيئهم أي إن عجزوا عن عذر رواه البخاري


وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه أي من حجرته واستمر على مشيته حتى جلس على المنبر فحمد الله أي على ما وجد من النعمة لديه وأثنى عليه أي بما ألهمه إليه ثم قال أما بعد أي بعد الحمد والثناء فإن الناس أي أهل الإسلام لأنهم خلاصة الناس يكثرون بضم المثلثة إخبار بالغيب ويقل الأنصار بفتح الياء وكسر القاف وتشديد اللام قال التوربشتي لأن الأنصار هم الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه في حال الضعف والعسرة وهذا أمر قد انقضى زمانه لا يلحقهم اللاحق ولا يدرك شأوهم السابق فكلما مضى منهم واحد مضى من غير بدل فيكثر غيرهم ويقلون حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام أي من حيث إن الملح بوصف القلة سبب لكمال الطعام في اللذة وهذه الجملة الأخيرة تؤيد ما قال الطيبي وهذا المعنى أي التقليل قائم في حق المهاجرين الذي هاجروا من مكة إلى المدينة ولعل الحمل على الحقيقة أظهر لأن المهاجرين وأولادهم كثروا وتبسطوا في البلاد وانتشروا فيها وملكوها بخلاف الأنصار انتهى وهذا أمر مشاهد في الأشراف والعلويين والعباسية وبني خالد وأمثالهم فمن ولى منكم بفتح الواو وكسر لام وفي نسخة بضم فتشديد أي من تولى منكم أيها المهاجرين مثلا شيئا يجوز أن يكون مفعولا به وأن يكون في موضع مصدر أي قليلا من الولاية وقوله يضر فيه قوما أي مسيئين وينفع فيه آخرين أي محسنين صفة كاشفة فليقبل أي المتولي منكم من محسنهم أي إحسانهم وليتجاوز عن مسيئتهم أي إساءتهم رواه البخاري وعن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وهم التابعون وأبناء أبناء الأنصار وفي نسخة ولأبناء الأنصار وهم الأتباع فدعا لأهل القرون الثلاثة التي هي خير القرون ولا يبعد أن يراد به أبناؤهم ولو بوسائط إلى يوم القيامة رواه مسلم


وعن أبي أسيد بالتصغير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير دور الأنصار أي أفضل قبائلهم بنو النجار ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث بن الخزرج ثم بنو ساعدة وفي كل دور الأنصار خير أي فضل بالنسبة إلى غيرهم من أهل المدينة وهو تعميم بعد تخصيص قال العسقلاني الخير الأول بمعنى أفضل والثاني بمعنى الفضل يعني الخير حاصل في جميع الأنصار وإن تفاوتت مراتبهم وقال النووي خير دور الأنصار خير قبائلهم وكانت كل قبيلة تسكن محلة فسمى تلك المحلة دار بني فلان ولهذا جاء في كثير من الروايات بنو فلان من غير ذكر الدار قالوا تفضيلهم على قدر سبقهم في الإسلام ومآثرهم فيه وفي هذا دليل على جواز تفضيل القبائل والأشخاص من غير مجازفة ولا هوى ولا يكون هذا غيبة قال القاضي إن أراد بها ظاهرها فقوله بنو النجار على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ويكون خيريتها بسبب خيرية أهلها وما يوجد فيها من الطاعات والعبادات متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وفي الجامع خير ديار الأنصار بنو النجار رواه الترمذي عن جابر وفي رواية للترمذي عنه خير ديار الأنصار بنو عبد الأشهل وعن علي رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا كذا في جميع النسخ الحاضرة والظاهر إياي فكأنه من باب استعارة المرفوع للمنصوب والزبير أي ابن العوام وقد سبق ذكره في العشرة والمقداد بكسر الميم وهو ابن عمرو الكندي وذلك أن أباه حالف كندة فنسب إليها وإنما سمي با بن الأسود لأنه كان حليفه أو لأنه كان في حجره وقيل بل كان عبدا فتبناه وكان سادسا في الإسلام روى عنه علي وطارق بن شهاب وغيرهما مات بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة فحمل على رقاب الناس ودفن بالبقيع سنة ثلاث


وثلاثين وهو ابن سبعين وفي رواية وأبا مرثد بدل المقداد بفتح الميم والمثلثة وسكون راء بينهما قال المؤلف هوكناز بن حصين ويقال ابن حصين الغنوي مشهور بكنيته شهد بدرا هو وابنه مرثد وهو من كبار الصحابة روى عن حمزة وعنه واثلة بن الأسقع وعبد الله بن عمر مات سنة اثنتي عشرة وقال السيد جمال الدين هو وابنه حليفا حمزة بن عبد المطلب قال الواقدي وابن إسحاق أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبن عبادة بن الصامت قال محمد بن سعد شهد أبو مرثد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات بالمدينة في خلافة أبي بكر الصديق وهو ابن ست وستين سنة ثم الحاصل من الجمع بين الروايتين أنه صلى الله عليه وسلم بعث الأربعة إلا أن المذكور في بعض الروايات المقداد وفي بعضها أبو مرثد وتوضيحه ما قال الطيبي إنه لم يرد بذلك إن المبدل منحى بل المراد أنه ذكر في رواية هذا وفي رواية ذاك لأن الأربعة قد بعثوا لهذا الأمر انتهى ولا يخفى أن المبدل منحى في الرواية الثانية ولذا قال بدل المقداد وإن كان في نفس الأمر غير منحى عن المراد وفي شرح مسلم وعن علي رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام وفي الرواية السابقة والمقداد بدل أبا مرثد ولا منافاة بل بعث الأربعة عليا والزبير والمقداد وأبا مرثد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ بخائين معجمتين مصروفا وقد لا يصرف قال الطيبي بالخاءين المعجمتين هو الصواب وهي موضع بين مكة والمدينة بقرب المدينة وفي القاموس وخاخ يصرف ويمنع فإن بها ظعينة أي امرأة اسمها سارة وقيل أم سارة مولاة لقريش معها كتاب أي مكتوب من أهل المدينة إلى أهل مكة فخذوه منها فانطلقنا تتعادى أي تتسابق بنا خيلنا حتى أتينا إلى الروضة أي روضة خاخ فإذا نحن بالظعينة أي المرأة فقلنا أخرجي الكتاب قالت ما معي من كتاب من زائدة لمزيد تأكيد النفي فقلنا لتخرجن بفتح


لام فضم فسكون فكسرتين وتشديد نون أي لتظهرن الكتاب أو لتلقين بفتح فضم فسكون فكسر ففتح فتشديد وفي نسخة صحيحة بكسر التحتية وفي نسخة بحذفها وهو ظاهر أي لترمين الثياب وتتجردن عنها ليتبين لنا الأمر وفي نسخة بصيغة المجهول ورفع الثياب وهو ظاهر أيضا قال ميرك كذا جاءت الرواية بإثبات الياء مكسورة ومفتوحة فإن قلت القواعد العربية تقتضي أن تحذف تلك الياء ويقال لتلقن قلت القياس ذلك وإذا صحت الرواية بالياء فتأويل الكسرة أنها المشاكلة لتخرجن والفتح بالحمل على المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وفي بعض النسخ بفتح القاف ورفع الثياب كذا قاله الكرماني في شرح البخاري وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني في شرحه كذا فيه بإثبات الياء والوجه حذفها وقيل إنما ثبتت لمشاكلة لتخرجن قال ويظهر لي أن صواب الرواية لتلقين الثياب بالنون بلفظ الجمع وهو ظاهر جدالا شك فيه البتة ولا يحتاج إلى تخريج


تكلف والله أعلم انتهى كلامه أقول ويؤيده ما وقع عند البخاري في باب فضل من شهد به بدرا بلفظ لتخرجن الكتاب أو لنجردنك انتهى فأخرجته من عقاصها وهو بكسر العين جمع عقيصة وهي الشعر المضفور قال العسقلاني والجمع بينه وبين رواية أخرجته من حجزتها بضم الحاء وسكون الجيم وبالزاي أي معقد الإزار لأن عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه أي في الكتاب من حاطب بكسر الطاء ابن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين قال الطيبي ليس هذا حكاية المكتوب بل هو من كلام الراوي وضع موضع قوله إلى فلان وفلان وفلان من أهل مكة يخبرهم أي حاطب أو مكتوبه مجازا ببعض أمر سول الله صلى الله عليه وسلم أي ببعض شأنه وحاله وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم فنزل جبريل فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي لحاطب ما هذا أي الفعل الشنيع فقال يا رسول الله لا تعجل علي أي في الحكم بالكفر ونحوه ثم استأنف يبين عذره في فعله بقوله إني كنت أمراء ملصقا بصيغة المجهول أي حليفا في قريش أي فيما بينهم ولم أكن من أنفسهم قال النووي وكان حليف الزبير بن العوام وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة أ يذوو قرابة أي أقارب أو قرابة مع ناس يحمون أي الأقارب أو الناس الذين أقاربهم يحفظون ويراعون بها أي بتلك القرابة أموالهم أي أموال المهاجرين وأهليهم بمكة يحتمل أن يكون ظرفا ليحمون والأقرب أن التقدير أموالهم وأهليهم الكائنين بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك أي القرب من النسب فيهم أي في قريش قال الطيبي إذا فاتني تعليل وقع بين الفعل ومفعوله وهو قوله أن أتخذ فيهم يدا أي صنيعة يحمون أي قريش بها أي بتلك اليد قرابتي أي الكائنة بمكة قال الطيبي قوله يحمون صفة يدا وأراد باليد يد إنعام أو قدرة وما فعلت أي ذلك كفرا أي أصليا ولا ارتدادا عن ديني أي حادثا ولا رضا بالكفر أي بوجوده بعد


الإسلام أي بعد حصوله وهو تأكيد لما قبله أبو تعميم لأنواع حدوث الكفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي خطابا للأصحاب إنه قد صدقكم بتحفيف الدال أي قال الصدق فقال عمر دعني أي اتركني يا رسول الله أضرب بالجزم أي أقطع عنق هذا المنافق وإنما قال ذلك مع تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب في معذرته لما كان عند عمر من قوة في الدين وبغض من ينتسب إلى النفاق وظن أن من خالف ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم استحق القتل لكنه لم يجزم بذلك فلذلك استأذن في قتله


وأطلق عليه منافقا لكونه أبطن خلاف ما أظهر وعذر حاطب ما ذكره فإنه صنع ذلك متأولا ولا ضرر فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أي حاطبا وقد شهد بدرا أي حضره وما يدريك أي أي شيء يعلمك أنه مستحق للقتل لعل الله أطلع بتشديد الطاء أي أقبل على أهل بدر ونظر إليهم نظر الرحمة والمغفرة فقال اعملوا ما شئتم أي من الأعمال الصالحة والأفعال النافلة قليلة أو كثيرة فقد وجبت لكم الجنة أي ثبتت أو وجبت بموجب إيجابي من الوعد الواجب وقوعه قال الطيبي معنى الترجي فيه راجع إلى عمر رضي الله عنه لأن وقوع هذا الأمر محقق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوثر على التحقيق بعثا له على التفكر والتأمل فلا يقطع الأمر في كل شيء انتهى والأقرب أن ذكر لعل لئلا يتكل من شهد بدرا على ذلك وينقطع عن العمل بقوله اعملوا ماشئتم فإن المراد به إظهار العناية لا الترخص لهم في كل فعل بل الحديث الآتي عن حفصة صريح في انه صلى الله عليه وسلم كان في مقام الرجاء لا في حال القطع والله أعلم وفي رواية فقد غفرت لكم وهي أرجى مما قبلها كما لا يخفى قال النووي هذا في الآخرة وأما في الدنيا فلو توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على مسطح حد الفرية وكان بدريا وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجواز هتك أستار الجواسيس وقراءة كتبهم وفيه هتك ستر المفسد إذا كان فيه مصلحة أو كان في الستر مفسدة وما فعله حاطب كان كبيرة قطعا لأنه يتضمن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة الأحزاب ولا يجوز قتله لأنه لا يكفر به انتهى كلامه وفيه أنه لو ارتكب كبيرة متضمنة لأذى النبي صلى الله عليه وسلم لكان كفرا فالصواب أنه لم يقصد به أذى النبي صلى الله عليه وسلم بل إنما قصد دفع أذى الكفار عن قرابته على ظن أنه لا يضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا


الإبلاغ وقد صدقه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك نعم قصر في اجتهاده حيث أخفى أمره ولم يستأذن منه صلى الله عليه وسلم في فعله ذلك والله أعلم فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي أي الذين أعاديهم وعدوكم أي الذين يعادونكم وهم الكفار أولياء أي أحباء وما بعده تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير قدكانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله الممتحنة الآية وإنما عم الخطاب ليدخل فيه أمثال حاطب ولذا قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب متفق عليه


وعن رفاعة بكسر الراء ابن رافع يكنى أبا معاذ الزرقي الأنصاري شهد بدرا واحدا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد مع علي الجمل وصفين مات في أول ولاية معاوية روى عنه أبناه عبيد ومعاذ وابن أخيه يحيى بن خلاد قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال أي جبريل ما تعدون بضم عين وتشديد دال أي ما تعتبرون أهل بدر فيكم والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والجمع للتعظيم أو له ولمن كان من أصحابه معه والمعنى أي شيء من مراتب الفضل تحسبونها لأهل بدر قال من أي هم من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها والظاهر أنها هم أفضل المسلمين قال أي جبريل وكذلك أي عندنا حكم من شهد بدرا من الملائكة أي هم أفضل ممن لم يشهد منهم فيكونون أفضل الملائكة أو من أفاضلهم وقال الطيبي أي ممن يعدون ليطابقه الجواب وهو من أفضل المسلمين وأتى بما بدل من تعظيما لشأنهم نحو قولهم سبحان ما سخر كن لنا انتهى ولا يخفى عدم ظهور إفادة التعظيم من العدول من من إلى ما وإنما جاء ما في مواضع بمعنى من أو أريد به الوصف كما في المثال المذكور ونحوه قوله تعالى ونفس وما سواها الشمس رواه البخاري وعن حفصة أي بنت عمر أم المؤمنين قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرا والحديبية بالتخفيف ويشدد قلت يا رسول الله أليس قد قال تعالى وإن منكم أي ما منكم إلا واردها أي مار بها أو حاضرها وكانت حفصة ظنت أن معنى واردها داخلها قال فلم تسمعيه أي أفلم تسمعي كلام الله يقول أي بعد ذلك ثم ننجي الذي اتقوا أي من الدخول وقال ابن الملك أي فينجي الله المتقين بفضله عنها فتكون عليهم بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم ويترك


الكافرين فيها بعدله انتهى ويوافقه قول الطيبي يعني أردت بقولي أن لا يدخل النار دخولا يعذب فيها ولا نجاة له منها انتهى ويؤيد ما اخترناه سابقا ما قاله النووي في شرح مسلم الصحيح أن المراد بالورود المرور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون قال الطيبي والأول هو الوجه على ما يظهر بأدنى تأمل قلت تأملنا كثيرا فلم يظهر وجه أرجحيته ولا قدرا يسيرا بل ظهر أن المعنى الثاني أبلغ وأتم والله أعلم ثم قال الطيبي وفيه جواز المناظرة والاعتراض والجواب على وجه الاسترشاد وهو مقصود حفصة لا أنها أرادت رد مقالته صلى الله عليه وسلم قلت وفي تسميته مناظرة واعتراضا وجوابا لا يخلو عن سوء أدب يرجي مسامحته بل الصواب أنها استشكلت معنى الحديث حيث ظاهره على ظنها غير موافق للآية فسألت سؤال استرشاد لا سؤال اعتراض كما هو طريق أرباب المناظرة بل على سبيل ما هو واجب على كل من لم يفهم معنى آية أو حديث أو جمع بينهما أو غير ذلك من المسائل أن يسأل واحدا من العلماء كما قال تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون الأنبياء وإنما تسمى بالمناظرة المباحثة والمجادلة بين النظراء والأمثال في المعاصرة وفي رواية لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها بيان لأصحاب الشجرة أو بدل رواه مسلم وكذا أبو داود والترمذي وابن ماجه ذكره السيد جمال الدين وقال ميرك ظاهر إيراد المصنف يقتضي أن هذا الحديث في صحيح مسلم من مسند حفصة وليس كذلك فإن فيه من مسند أم مبشر الأنصارية أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند حفصة يقول لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها فقالت بلى يا رسول الله فانتهرتها حفصة فقالت وإن منكم إلا واردها مريم فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله عز وجل ثم ننجي الذين اتقو ونذر الظالمين فيها جثيا مريم هكذا في صحيح مسلم وليس حديث حفصة في واحد


من الصحيحين بل هو في صحيح مسلم من حديث أم مبشر نعم رواه ابن ماجه من طريق أم مبشر عن حفصة كما هو في المصابيح وكذا رواه في شرح السنة والله أعلم هذا محصل ما أورده الجزري في تصحيح المصابيح انتهى ولا يخفى أن معنى هذا الحديث مروي عن حفصة في صحيح مسلم فصح إسناده إليه وعن جابر قال كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة قد سبق الخلاف فيه قال لنا
النبي صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم خير أهل الأرض ولذا قال بعض العلماء منهم السيوطي أن أفضل الصحابة الخلفاء الأربعة ثم بقية العشرة ثم أهل أحد ثم أهل الحديبية متفق عليه وعنه أي عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يصعد الثنية بكسر الدال على أنه مجزوم حرك لالتقاء الساكنين وفي نسخة بالرفع على أن من موصولة مبتدأ متضمن معنى الشرط والثنية هي الطريق العالي في الجبل وقوله ثنية المرار بالنصب بدل أو عطف بيان والمرار بضم الميم وهو المشهور على ما في النهاية وبعضهم يكسرها وبعضهم يقوله بالفتح وهو موضع بين مكة والحديبية من طريق المدينة وإنما حثهم على صعودها لأنها عقبة شاقة وصلوا إليها ليلا حين أرادوا مكة سنة الحديبية فرغبهم في صعودها بقوله فإنه يحط عنه بصيغة المجهول أي يوضع عنه ما حط أي مثل ما وضع عن بني إسرائيل أي لو قالوا ما أمروا به وفيه إيماء إلى قوله تعالى وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم البقرة أي حط عنا ذنوبنا حطة فكان بالفاء وفي نسخة وكان أول من صعدها خيلنا بالرفع وأبدل منه خيل بني الخزرج والمعنى أنه كان خيلنا أول خيل من صعدها ثم تتام بتشديد الميم تفاعل من التمام أي تتابع الناس وجاؤوا كلهم وتموا والمعنى صعد الثنية كلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر وهو عبد الله بن أبي رئيس المنافقين فالاستثناء منقطع نحو جاء القوم إلا حمارا فأتيناه فقلنا تعالى أي إلى الحضرة العلية يستغفر بالجزم على جواب


الأمر وفي نسخة أن يستغفر فالتقدير لأن يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأن أجد ضالتي أي من جمل أو خيل أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم وهذا كفر صريح منه وقد أشار إليه قوله تعالى وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم المنافقون رواه مسلم وذكر حديث أنس قال أي النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بن كعب إن الله أمرني أن
اقرأ عليك أي القرآن قراءة المعلم على المتعلم تعليما له وفيه منقبة عظيمة ومرتبة جسيمة حيث إن الله تعالى وتعظم ذكره ميزه عن أقرانه بإقراء حبيبه عليه ليكون إيماء إلى أنه رئيس القراء في باب بعد فضائل القرآن متعلق بقوله ذكر
الفصل الثاني


عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اقتدوا باللذين بصيغة التثنية وفي نسخة الذين بصيغة الجمع ولعله للتعظيم أو بناء على أن أقل الجمع اثنان من بعدي أي من بعد موتي أو من بعد الاقتداء بي من أصحابي أي من جملة اصحابي أبي بكر وعمر بدل أو بيان للذين واهتدوا بهدي عمار أي سيروا بسيره وكأن الاقتداء أعم من الاهتداء حيث يتعلق به القول والفعل بخلاف الاهتداء فإنه يختص بالفعل وتمسكوا بعهد ابن أم عبد أي بوصية ابن مسعود وقوله ولذا يختار إمامنا الأعظم روايته وقوله على سائر الصحابة بعد الخلفاء الأربعة لكمال فقاهته ونصح وصيته قال التوربشتي يريد عهد عبد الله بن مسعود وهو ما يعهد إليه فيوصيهم به وأرى أشبه الأشياء بما يراد من عهده أمر الخلافة فإنه أول من شهد بصحتها وأشار إلى استقامتها من أفاضل الصحابة وأقام عليها الدليل فقال لا نؤخر من قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نرضى لدنيانا من ارتضاه لديننا ومما يؤيد هذا المعنى المناسبة الواقعة بين أول الحديث وآخره ففي أوله اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وفي آخره وتمسكوا بعهد ابن أم عبد ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله وفي رواية حذيفة ما حدثكم ابن مسعود فصدقوه وهذه إشارة إلى ما أسر إليه من أمر الخلافة في الحديث الذي نحن فيه ويشهد لذلك الاستدراك الذي أوصله بحديث الخلافة فقال لو استخلفت عليكم فعصيتموه


عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وحذيفة هو الذي يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي ولم أر في التعريض بالخلافة في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوضح من هذين الحديثين ولا أصح من حديث أبي سعيد سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر رضي الله عنه ثم قوله بدل وتمسكوا بعهد ابن أم عبد الظاهر بدل تمسكوا فإن الواو العاطفة لا بد من وجودها على التقديرين من رواه الترمذي الرواية الأولى رواها الترمذي من حديث ابن مسعود وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل وهو يضعف في الحديث والرواية الثانية رواها الترمذي أيضا لكن من حديث حذيفة قال كنا جلوسا عند الني صلى الله عليه وسلم فقال لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار بأبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه وقال حديث حسن نقله ميرك عن التصحيح أقول وحديث حذيفة رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وفي الجامع الصغير اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ز رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ثم أورد الحديث الذي في المشكاة وقال رواه الترمذي عن ابن مسعود والروياني عن حذيفة وابن عدي عن أنس وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت مؤمرا وفي نسخة زيادة أحدا على أنه مفعوله وهو بتشديد الميم المكسورة أي جاعل أحدا أميرا يعني أمير جيش بعينه وفي رواية لو كنت مستخلفا من غير مشورة بفتح فسكون ففتح وفي نسخة بفتح فضم والوجهان في الصحاح وفي القاموس مشورة مفعلة لا مفعولة يعني كمقولة لأمرت عليهم ابن أم عبد رواه الترمذي وابن ماجه وفي الجامع بلفظ لو كنت مؤمرا على أمتي أحدا من غير مشورة منهم لأمرت عليهم ابن أم عبد قال التوربشتي ومن أي وجه روي هذا الحديث فلا بد أن يؤول على أنه صلى الله عليه وسلم أراد به تأميره على جيش بعينه أو استخلافه في أمر من أموره حال حياته ولا يجوز أن يحمل


على غير ذلك فإنه وإن كان من العلم والعمل بمكان وله الفضائل الجمة والسوابق الجلة فإنه لم يكن من قريش وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن هذا الأمر في قريش فلا يصح حمله إلا على الوجه الذي ذكرناه
وعن خيثمة بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء التحتية وفتح الثاء المثلثة ابن أبي سبرة بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة قال المؤلف هو خيثمة بن عبد الرحمن ابن أبي سبرة الجعفي وكان خيثمة من كبار التابعين سمع عليا وابن عمر وغيرهما وعنه الأعمش ومنصور وعروة بن مرة وورث مائتي ألف فأنفقهما على العلماء قال أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر أي يسهل لي جليسا صالحا أي مجالسا يصلح أن يجلس معه ويستفاد من مجالسته فيسر لي أبا هريرة فجلست إليه فقلت إني سألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فوفقت لي أي جعلت أنت موافقا لي واتفق لي مجالستك فقال من أين أنت قلت من أهل الكوفة جئت التمس الخير أي العلم المقرون بالعمل المعبر عنهما بالحكمة التي قال الله فيها ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا البقرة وقد يقال لا خير خير منه أو لا خير غيره وأطلبه عطف تفسير يفيد بيان المبالغة فقال أليس فيكم أي في بلدكم سعد بن مالك وهو سعد بن أبي وقاص مجاب الدعوة وقد تقدم ذكره وبيان إجابة دعوته وابن مسعود صاحب طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتح الطاء أي ما يطهر به فإنه كان صاحب مطهرته ونعليه وكذا صاحب وسادته ونحوها مما يدل على كمال خدمته وقربه المنتجة لكمال معرفته وحسن أدبه وحذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وسلمان صاحب الكتابين يعني الإنجيل والقرآن فإنه آمن بالإنجيل قبل نزول القرآن وعمل به ثم آمن بالقرآن أيضا وهو المعروف بسلمان الجر ولم يعرف اسم أبيه فسئل عنه فقال أنا ابن الإسلام وكان يأكل من كسب يده بعمل الخوص وقد سبق بعض ترجمته رواه الترمذي وعن أبي


هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم الرجل أبو بكر نعم الرجل عمر نعم الرجل أبو عبيد ة بن الجراح وقد تقدم ذكرهم نعم الرجل أسيد بن حضير بالتصغير
فيهما قال المؤلف أنصاري أوسي كان ممن شهد العقبة الثانية وكان بين العقبتين سنة شهد بدرا وما بعدها من المشاهد روى عنه جماعة من الصحابة مات بالمدينة سنة عشرين ودفن بالبقيع نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس بتشديد الميم نعم الرجل معاذ بن جبل وسبق ذكرهما نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح بفتح جيم فضم ميم قال المؤلف أنصاري خزرجي شهد العقبة وبدرا هو وأبوه عمرو وهو الذي قتل مع معاذ ابن عفراء أبا جهل ولهما ذكر في باب قسمة الغنائم روى ابن عبد البر عن أبي إسحاق أن معاذ بن عمرو قطع رجل أبي جهل وصرعه قال وضرب ابنه عكرمة بن أبي جهل يد معاذ فطرحها ثم ضربه معاذ ابن عفراء حتى أثبته ثم تركه وبه رمق ثم وقف عليه عبد الله بن مسعود واحتز رأسه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس أبا جهل في القتلى روى عنه عبد الله بن عباس ومات في زمن عثمان رواه الترمذي وكذا النسائي وقال أي الترمذي هذا حديث غريب وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الجنة تشتاق أي اشتياقا كثيرا إلى ثلاثة أي أشخاص علي بالجر وجوز رفعه وعمار وسلمان قال الطيبي سبيل اشتياق الجنة إلى هؤولاء الثلاثة سبيل اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ قلت ولعل وجه الاختصاص أن عليا وعمارا وقعا بين طائفة غريبة من أهل البغي والفساد والتعدي والعناد فقاتلا على طريق السداد حتى قتلا فيمن قتل من العباد وسلمان وقع في الغربة مدة كثيرة من الزمن وابتلي بالعبودية والمحن رواه الترمذي وعن علي رضي الله عنه قال استأذن عمار على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب فيه مبالغة كظل ظليل رواه الترمذي وكذا ابن ماجه وعن عائشة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير عمار بضم فتشديد تحتية


أي
ما جعل مخيرا بين أمرين إلا اختار أرشدهما وهو أصل الترمذي أي أصلحهما وفي نسخة صحيحة وهو أصل المصابيح أشدهما بالشين المعجمة أي أصعبهما فقيل هذا بالنظر إلى نفسه فلا ينافي رواية ما اختير عمار بين أمرين إلا اختار أيسرهما فإنه بالنظر إلى غيره وفي نسخة أسدهما بالسين المهملة أي أصوبهما والأظهر في الجمع بين الروايات أنه كان يختار أصلحهما وأصوبهما فيما تبين ترجيحه وإلا فاختار أيسرهما رواه الترمذي وكذا النسائي وابن ماجه وفي الجامع بلفظ أرشدهما قال ورواه الترمذي والحاكم وروى ابن عساكر عن عائشة مرفوعا كم من ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وعن أنس قال لما حملت جنازة سعد بن معاذ أي لما حملها الناس ورأوها خفيفة قال المنافقون ما أخف جنازته ما للتعجب وذلك أي استخفافه وإستحقاره لحكمه في بني قريظة أي بأن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية فنسبه المنافقون إلى الجور والعدوان وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالإصابة في حكمه كما سبق في محله فبلغ ذلك أي كلامهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الملائكة كانت تحمله أي ولذا كانت جنازته خفيفة على الناس وأيضا ثقل الميت مشعر بتعلقه إلى الدنيا وخفته إلى قوة شوقه للمولى وسرعة طيران روحه إلى المقصد الأعلى قال تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون المنافقون قال الطيبي كانوا يريدون بذلك حقارته وازدراءه فأجاب صلى الله عليه وسلم بما يلزم من تلك الخفة بتعظيم شأنه وتفخيم أمره رواه الترمذي وعن عبد الله بن عمرو أي ابن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أظلت الخضراء أي على أحد ولا أقلت بتشديد اللام أي حملت ورفعت الغبراء أي الأرض أصدق من أبي ذر مفعول أقلت وصفة للأحد المقدر وهو نوع من التنازع والمراد


بهذا الحصر التأكيد والمبالغة في صدقه لا أنه أصدق من غيره مطلقا إذ لا يصح أن يقال أبو ذر أصدق من أبي بكر رضي الله عنه وهو صديق هذه الأمة وخيرها بعد نبيها وقد كان النبي أصدق من أبي ذر وغيره كذا قالوا وفيه أنه صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء مستثنى شرعا وأما الصديق لكثرة تصديقه لا يمنع أن يكون أصدق في قوله وقد جاء في الحديث أقرؤكم أبي وأقضاكم علي ولا بد أن يكون في المفضول ما لا يوجد في الفاضل أو يشترك هو والأفضل في صفة من الصفات على وجه التسوية رواه الترمذي وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة بفتح فسكون وقيل بفتحتين وهي اللسان وقيل طرفه والمعنى من ذي نطق وقيل لهجة اللسان ما ينطق به أي من صاحب كلام أصدق أي أكثر صدقا ولا أوفى أي بكلامه من الوعد والعهد من أبي ذر قال الطيبي من زائدة وذي لهجة معمول أقلت وقد تنازع فيه العاملان فأعمل الثاني وهو مذهب البصريين وهذا دليل ظاهر لهم كقوله تعالى يستغفر لكم رسول الله المنافقون إذ لو عمل الأول لنصب رسول الله فعلى هذا أصدق في الحديث صفة موصوف محذوف أي ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق قلت الموصوف الذي ذكر بعينه مذكور لكنه يحتاج إلى موصوف آخر فالتقدير ولا أقلت الغبراء أحدا ذا لهجة أصدق ثم قوله لو أعمل الأول لنصب رسول الله فيه مسامحة لأن تعالوا غير متعد بنفسه بل بحرف الجر كما في قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة آل عمران فالأظهر أن متعلقة محذوف للاكتفاء بظهوره فلا يكون من هذا الباب والله أعلم بالصواب شبه عيسى ابن مريم بالجر بدل أي شبيهه وفي الاستيعاب من الحديث من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر انتهى فالتشبي